دراسات وبحوث

الحاكمية ونهاية التاريخ

عدنان عويد(إذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزل على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن انزلهم على حكمك، فإنك لا تدري تصيب حكم الله فيهم أم لا. ).

من وصية النبي محمد (ص) إلى بريدة.

الحاكمية كمفهوم :

هي رؤية سياسية، يعتقد دعاتها بأن العقيدة الإسلامي هي المصدر الوحيد للتشريع أو الحكم بين الناس، القادر على إعادة إصلاح هذه الأمة بعد أن فسد أمرها، وأن كل الأفكار والمبادئ والنظريات الوضعية، هي مجرد رؤى جاهلية لا يقر بها الإسلام كنص مقدس، وتشريع اقره الله.

أول مرة طُرحت فيها الحاكمية في التاريخ العربي الإسلامي كان في معركة صفين التي تمرد فيها معاوية على الشرعية، الأمر الذي جعل بعض من كان يقاتل في تلك المعركة أن يرفع المصاحف على أسنة الرماح مطالباً المتقاتلين بضرورة الاحتكام إلى كتاب الله لحل الخلاف بين علي ومعاوية كما هو معروف تاريخياً، يومها قال لهم علي بن أبي طالب رداً على رفع المصاحف : (إن القرآن حمال أوجه)، ومع ذلك أصروا على التحكيم، ولكن بعد التحكيم خرج بعض من كان مع علي يُعيبون عليه قبوله هذا التحكيم ويعتبرونه مرتكباً للكبيرة، كونه قد تنازل عن حقه الشرعي في الخلافة بعد التحكيم وخالف الشرع، في حينها، ارتفعت بعض الأصوات التي تقول برفض التحكيم كلياً، واعتباره مخالفة لشرع الله، وبالتالي فالحل الوحيد لتجاوز الأزمة هو (حاكميه الله). حينها قال لهم علي ابن أبي طالب " (إن الحاكمية كلمة حق يراد بها باطل.. فوالله هذه الأمة لا بد لها من حاكم يسوسها فاجر كان أم مؤمن.).

منذ ذلك التاريخ تشكل تيار إسلامي ذو طابع سياسي سمي بالخوارج، وهو التيار الذي أصل الجذر التاريخي للتطرف الإسلامي الذي راح يفسر النص الديني وفقاً لهواه، ويحاسب الناس على ما يراه أهل الحل والعقد في هذا التيار من حرام وحلال. أو ما سموه بصحيح الإسلام. ومن عباءة الخوارج هؤلاء خرجت كل التيارات الإسلامية المتطرفة التي عرفها التاريخ الإسلامي، منذ ذاك التاريخ حتى اليوم.

الحاكمية أمام مبضع النقد

الحاكمية مفهوم ملتبس في دلالاته المعرفية والعملية، إلا أنها في سياقها العام تقول : (لا حكم على الناس إلا حكم لله)، وكل حكم يقول به الناس غير الحكم التي جاء به (القرآن) هو كفر وخروج عن الدين وتجاوز لحقوق الله.

أما قضية الالتباس في مفهوم الحاكمية فقد جاءت لاعتبارات تتعلق بطبيعة النص الديني نفسه، وبخاصة في الآيات المتشابهات وموقف الإنسان نفسه من هذا النص الديني، ودور مصالحه في تفسيره أو تأويله، أو حتى وضع بعض النصوص الدينية (الحديث) تمريراً أو تثبيتاً لهذه المصالح الدنيوية. وإذا ما نظرنا إلى تلك المواقف الإنسانية تجاه النص الديني المقدس لوجدناها قد شكلت عوامل الالتباس في مفهوم الحاكمية وتطبيقها عملياً على أرض الواقع، وبالتالي نستطيع الإشارة إلى أهمها هنا وهي:

أولاً: في حجة الوداع نزلت الآية القرآنية (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (المائدة – 3)

ففي تفسير هذه الآية اختلف الكثير من رجال الدين وفقهائه حول دلالات هذه الآية، هل هذه الآية تقول بأن الإسلام قد اكتمل بما يدعو إليه من إيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخرة، ومن تأكيد للأخلاق الحميدة التي بشر بها الرسول وفقاً لتعاليم الإسلام التي يريدها الله لعباده، وهي أخلاق أو قيم العدل والمساواة والمحبة والتسامح وغير ذلك؟. أم أن الآية تقول بأن الإسلام كدين قد اكتمل وفقاً لهذه الآية كدين ودولة معاً؟. وهذا رأي طلاب السلطة في تاريخ الدول الإسلامية منذ صفين حتى اليوم. وخير من عبر عن هذا الموقف من الدين بعد سقوط الخلافة الإسلامية عام 1924 على يد كمال أتاتورك، هي تلك الأصوات التي ارتفعت في مصر تطالب بعودة الخلافة كما فعل رشد رضا وبعض رجال التيار السلفي الأزهري. وهناك من وقف ضد هذه الرغبة كما هو الحال مع الشيخ الأزهري علي عبد الرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) الذي قال بأن الإسلام لم يتضمن مفهوم الدولة في متن نصوصه المقدسة، الأمر الذي كلفه رأيه هذا الكثير من المعاناة، حيث حُورب ، وفُصل من عمله. كما طرحه أيضاً (الإخوان المسلمون) كتنظيم سياسي، حيث جاء واضحاً في كتاب (معالم في الطريق) لسيد قطب، وكذلك تيار القاعدة بكل فصائله، وهو ما تمثله اليوم دولة الخلافة المعلن قيامها في سورية والعراق من قبل داعش والنصرة وكثير من الفصائل الإسلامية الجهادية في سورية أو غيرها.

ثانياً: إن مسألة الصراع على السلطة فتح في المجال واسعاً أمام شهوة طلابها كما أشرنا أعلاه، في الاشتغال على تفسير النص المقدس وتأويله ووضع الأحاديث التي تُرضي مصالحهم منذ بداية طرحها في تاريخ الدولة الإسلامية. وهذا ما أدخل الدين ذاته (العقيدة) وليس الحاكمية فحسب، في إشكالات معرفية كثيرة منها إشكالية القضاء والقدر ما بين الجبرية والقدرية، وإشكالية مرتكب الكبيرة كافر هو أم مذنب، حيث قرر الخوارج كفره، وقال المعتزلة بأنه بين منزلتين، بينما المرجئة فقد ردوا أمر تحديد ذنبه في العقاب إلى يوم الحساب. كما ظهرت إشكالية الافتراء على الدين نفسه، عندما تحولت الخلافة إلى ملك عضوض مع معاوية، وراح من بعده الخلفاء الأمويون والعباسيون يفترون على الله نفسه، عندما قالوا بان الله هو من اختارهم خلفاء له في قيادة هذه الأمة، وراحوا يفسرون الدين ومن ساعدهم من فقهاء ذاك الزمان بما يخدم مصالحهم، وليقيموا محاكم التفتيش، يكفرون من خلالها من يختلف معهم ويمنحون صكوك الغفران لمن يؤيد حكمهم. هذا إضافة إلى من قال ببطلان هذه الخلافة الأموية والعباسية كلها وهي خروج عن النص الديني الذي قال إن الخلافة أو الإمامة قررت بالوصية كما تقول شيعة علي ، أو بالإجماع والاختيار كما قال الخوارج. دون أن نغفل هنا ذاك الخلاف أيضاً بين من قال بأن الخلافة يجب ان تحصر بالبيت القرشي، وبين من قال هي حق لكل مسلم يمتلك صفات الوصول إليها حتى ولو كان عبداً حبشي.

ثالثاً: بعد ثلاثة قرون من الصراع على السلطة ومسألة الحاكمية، وما تركه هذا الصراع من اختلافات لم ترحم المسلمين يوماً، لا من الناحية الفكرية ولا العملية، حيث كفر الكثير وزندقوا لآرائهم الفكرية أو الدينية، كما قتل الكثير وصلب، وقطعت الرؤوس والأوصال، وسالت الدماء وهدمت البيوت وشرد أهلها، ومع وصولنا إلى نهاية القرن الثالث للهجرة مع الركن الربع من أركان الفكر السلفي (أحمد بن حنبل)، الذي أوقف ومن جاء بعده من تلاميذه الاجتهاد، وحُدد صحيح الإسلام بمراجعه الأصلية وهي : (القرآن والحديث والقياس وإجماع أهل المدينة أو أهل الحل والعقد في تلك القرون الثلاثة). ومع إيقاف الاجتهاد أوقف دور العقل وحرية الإرادة، كما أوقفت حركة التاريخ نحو الإمام، وأصبحت حركة تراجعية، نقطة نهايتها هو القرن الثالث للهجرة. وبالتالي أصبح كل جديد بدعه وكل بدعه ضلالة.. وبذلك حددت نهاية التاريخ في مسألة الدين والدنيا معاً. وأصبحت الحاكمية محكومة حتى هذا التاريخ بما قال به أنس بن مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وابن حنبل، وأخيراً من دون الحديث في القرن الثالث للهجرة كالبخاري ومسلم وإبن ماجه وأبو داوود وغيرهم ممن اشتغل على جمع الحديث أو رويه، ممن انطبقت عليه شروط الجرح والتعديل في مسألة الثقة في أخلاقه وانتمائه للبيت السلفي. كأبي حسن الأشعري، وأبي حامد الغزالي، وابن تيمية، وابن قيم الجوزية والشاطبي والقطني وغيرهم الكثير من فقها الخلافة الإسلامية، وصولاً إلى محمد بن عبد الوهاب والباز ومحمد سعيد مضان البوطي وغيرهم الكثير من رجال الدين السلفيين ومشايخه في تاريخينا المعاصر، الذي أنتج كل من يرفض الأخر ويكفره ويقول بالفرقة الناجية، كما أنتج كل تلك الفصائل الجهادية التي اتخذت من (القرآن والسيف)، أداتين أساسيتين لبناء خلافة الإسلام التي بشر بها الرسول محمد (ص). وفي مقدمة من راح يبشر في هذه الخلافة في تاريخنا المعاصر كما اشرنا اعلاه، (الإخوان المسلمون) وكل الفصائل التي تفرعت أو انشقت عنه ومنها القاعدة وتياراتها كداعش والنصرة وغيرهما.

رابعاً: من القضايا الإشكالية التي أثرت على مسألة الحاكمية هي قضية من هو المؤمن؟. هل المؤمن هو من آمن بقلبه ولسانه فقط؟، أم هو من آمن بقلبه ولسانه وجوارحه؟. أي هو من ربط في إيمانه بين قلبه وعقله وعمله؟. لقد تحولت هذه المسألة إلى حالات صراع طويل في تاريخ الدولة الإسلامية لم يزل قائماً بين رجال الدين ومشايخه... صراع بين من يرفض استخدام العنف ضد المختلف، ويعتبر الإسلام دين رحمة ومحبة وتسامح، وبين من يقول بأن هذا الدين هو الدين الحق، وهو خاتم الديانات، وكل من لا يخضع لعقيدته وتعاليمه فهو كافر ويجب أن يقام عليه الحد كما فعلت داعش في سورية والعراق. وهذا يدفعنا أن ننتقل إلى قضية إشكالية أخرى وهي:

خامساً: اعتبار بعض رجال الدين السلفيين المتطرفين أن الإسلام فقط هو الدين الإسلامي الذي بشر به محمد (ص)، وما عداه دين كفر، حيث راحوا يفسرون هذه الآيات القرآنية التالية وفقاً لفهمهم ومصالحهم هم.(إن الدين عند الله الإسلام). (آل عمران – 19. (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين). (آل عمران- 85). وهم باقتصارهم الإسلام على الدين الإسلامي (المحمدي) فقط، قد تجاهلوا تلك الآيات التي تقرر أن المسلم هو كل من أسلم أمره لله وآمن بكتبه ورسله واليوم الآخرة ، وهذا ما تقرره الآيات التالية بصريح الدلالة: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم، إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين. ). (النمل – 29-30-31). ( ووصى ابراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وانتم مسلمون.). (البقرة – 132 ). وكذلك قوله تعالى في سورة يوسف: (توفني مسلماً والحقني بالصالحين). (يوسف – 101 ). (فلما أحسّ عيسى منهم الكفر قال مَنْ أنصاري إلى الله ؟. قال الحواريون نحن انصار الله آمنا به وأشهد بأنا مسلمون.).(آل عمران – 52). وأخيرا لم تكن هذه الآية الكريمة التي جاءت مع حجة الوداع إلا تأكيداً على أن أتباع محمد ليسوا إلا مسلمين كغيرهم ممن أسلموا لله : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لك الإسلام دينا.).(المائدة – 3 ).

إن قول الله عز وجل (ورضيت لكم الإسلام دينا)، تشير دلالتها إلى أن الإسلام دين قد طُرح قبل الرسالة المحمدية، وقد جاء الرسول ليبشر به من جديد.

سادساً: وهنا تكمن إشكالية الحاكمية الأكثر خطورة على الدين والمجتمع معاً، وهي قضية تحديد الناسخ والمنسوخ بين الآيات المكيات والمدنيات من جهة، وبين قضية اختيار الآيات التي على أساسها تتم عملية تفسير النص المقدس الذي سيأخذ به وبالتالي تطبيقه على الواقع من جهة ثانية. ففي الوقت الذي نجد فيه الآيات المكيات تدعو إلى المحبة والتسامح وأن الرسول ليس إلا مبشراً، وليس له سيطرة على أحد، وتحديد من هو المؤمن ومن هو الكافر. نجد في المقابل الآيات المدنيات التي تدعوا إلى الجهاد، والقتل والصلب والتشفي بقتل العدو (الكافر). ودعاة الحاكمية أمام اشكالية هذه الآيات المكية والمدنية، راحوا يقولون بأن هذه الآيات المدنيات قد نسخت الكثير من الآيات المكيات، حيث يقول بعض دعاة الحاكمية بأن (الآية الخامسة من سورة (التوبة.) مثلاً وهي القائلة :( (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم)، قد نسخت أكثر من (500) آية محكمة من الآيات السابقة عليها التي تدعوا المؤمنين إلى الصبر، والاكتفاء بدعوى الفكر، وعدم الابتداء بالقتال، وترك الناس وشؤونهم العقدية، ورفض الإكراه على الدين.

من هنا نرى كيف مورست الحاكمية اليوم من قبل داعش في سورية والعراق، عبر محاسبة الناس وفقاً لتفسير أو تأويل النص الديني المقدس من قبل أهل الحل والعقد عندهم، ثم كيف حددت صفات الكافر أو المذنب، الذي مُورست بحقه عقوبة القتل أو الصلب أو الجلد. وهي أحكام لم تراع لا الحرية في التعبير، ولا الاختلاف في الرأي، ولا الشورى أو الديمقراطية أو كل ما يمت إلى الإسلام بصلة سوى صلة مصالح أهل الحل والعقد من دعاة هذه الحاكمية وفهمهم في تفسير النص المقدس الذي كلفوا أنفسهم هم وحدهم تفسيره وتطبيقه على العباد.

هكذا نرى أن الإسلام ليس خاصاً بالإسلام الذي بشر به محمد (ص) فحسب، بل هو دين الله لعباده الصالحين ... لكل عباده دون استثناء، وهذا ما يجعلنا نقف أمام تلك التصرفات اللاإسلامية التي مورست سابقاً وتمارس اليوم بإسم الإسلام وحاكمية بعض دعاته على أهل الكتاب من إخوتنا المسيحيين والأزيديين وغيرهم من الأقليات الدينية في خلافة داعش الموهومة .

من كل هذه المعطيات التي جئنا عليها كإشكاليات في فهم وتطبيق الحاكمية، يتبدى لنا أن (القرآن والحديث والقياس والإجماع) هي المرجعية الوحيدة لدعاة هذه الحاكمية كما يقول التيار السلفي كله في تياراته الثلاثة الدعوي والمدخلي والجهادي. وأن أهل الحل والعقد هم ممن يطالب بتطبيق هذه الحاكمية عملياً، وهم وحدهم الذين يحق لهم تفسير هذا النص وتأويله وتطبيقه على حياة الناس وفقاً للمرحلة التاريخية التي عاشها الجيل الأول من الصحابة أو حتى القرن الثالث للهجرة كما يقول ما يقول الإخوان وتنظيم القاعدة والتيار السلفي بعمومه. وبالتالي هذا يفرض إقصاء كل فكر وضعي يضعه الإنسان كونه فكر جاهلية يخالف النص المقدس، وهذا يقوم عليه محاربة الديمقراطية والعلمانية والليبرالية وما تتضمنه من تعددية ورأي ورأي آخر كون كل ذلك يمثل عالم الجاهلية والكفر.

إن المشكلة هنا إذاً، هي ترك أهل الحل والعقد الممثلين لهذه الحاكمية من يتحكم برقاب الناس ومصيرهم وفقاً لفهمهم (كبشر) لهذا النص الديني الذي لم يراعوا فيه إشكالية الآيات المتشابهات. وهذا يعني أن الحاكمية لم تعد لله، وإنما لمجموعة من رجال الدين الذين فوضوا أنفسهم حكم البشر بإسم الله، وراحوا يفرضون على الناس قناعاتهم وفهمهم للنص المقدس وفقاً لمصالحهم وشهوة السلطة لديهم، تحت ذريعة أن ما يحكمون به هو حكم الله الذي لا راد لحكمه المطلق، وهو الحكم ذاته الذي أعطاهم الحق في فرض الجزية على أهل الكتاب اليوم بعد أن أصبح للمسيحي ما للمسلم من حقوق وواجبات فرضها تطور الواقع وحقوق الإنسان والمواطنة، ثم اعتبارا لاختلاف في الرأي والسلوكية معهم كفراً وزندقة، وبالتالي لابد من ممارسة العقاب الذي يقررونه هم وفقاً لدرجة الذنب الذي ارتكبه، والذي يصل إلى درجات الجلد أو الصلب أو القتل أو قطع الرأس وتقطيع الأوصال من خلاف.

إن ما يقوم به الفصائل الجهادية وفي مقدمتها داعش اليوم من ممارسات ضد من هم تحت سلطة دولتهم الموهومه، هو التطبيق العملي لهذه الحاكمية من جهة، وأن من يقوم بتطبيق هذه الحاكمية ممن نعرف قيم بعضهم الأخلاقية والسلوكية السيئة، هم أهل الحل والعقد لها ثانياً.

ختاماً نقول: إن الحاكمية في رؤيتها وأدواتها وأهدافها، ليست أكثر من مواقف ارتجالية لشخصيات ركبت صهوة الدين وراحت تفسر النص المقدس وفقاً لمصالح خاصة بها، تحت ذريعة إقامة خلافة إسلامية موهومة بإسم الحاكمية لله، التي تريد تحقيق العدل والمساواة والمحبة، ونشر القيم الأخلاقية التي بشر بها الإسلام، للقضاء على عالم الجاهلية والكفر، عالم الفساد والظلم وعدم المساواة. إنها حاكمية قد حددت بداية التاريخ الإنساني ونهايته في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، وكل ما جاء بعدها بدعة وضلالة.. إنها حاكميه وضعت نهاية للتاريخ الإنساني. بيد أن ما نراه من سلوكيات وممارسات اخلاقية للكثير من دعاتها اليوم ينطبق عليه المثل الشعبي المصري الذي يقول : (أسمع كلامك يعجبني، أشوف عمايلك أستغرب.). أو قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ). الصف- 2 و3).

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

 

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

المقال رائع، شاكر لكم هذا الجهد، كان بودي لو اشار السيد الكريم بصورة أكثر حدة بالنقدية، على اس هذه الحاكمية، ومدى التهلف الذي اصاب العرب بشكل عام، والتراجع المعرفي الذي حظيت به هذه الأمة نتيجة اغلاق العقول نحو حاميةالنص بشكل مطلق. ممتن جداً لهذا المقال الرائع.

This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ العزيز الأستاذ أنور الموسوى المحترم. شكراً لمرورك الطيب وقراءتك للمقال. رداً على طلبك بأن تكون الكتابة أكثر حدية بالنسبة للحاكمية .. لقد قمت بنشر العديد من المقالات حول الفكر السلفي على موقع صحيفة المثقف.. آمل أن تعود إليها لتجد أنني عملت كل ما في وسعي من أجل فضح هذا التيار التكفيري وفرقته الناجية. شكراً لك مرة ثانية وكل الشكر أيضاً لإدارة موقع صحيفة المثقف لاهتمامهم الرائع بما نكتب.
د.عدنان عويّد

This comment was minimized by the moderator on the site

أجمل الكلام ابينه وأسهله وصولاً الى قلب والعقل. ولا أوضح من طرح مفهوم الحاكمية من هذا المقال. أجاد وأوفى الموضوح حقه . لا شك أن موضوعة الحاكمية من الموضوعات الشائكة في الفلسفة السياسية تناولها اغلب منظروا الفكر السياسي منذ افلاطون والى اليوم لاهميته وقد بدأت فعلا في الفكر الغربي بهذا السؤال : الحاكمية لمن ؟؟. هل هي للأقوى والاكثر شوكة وقدرة على البطش وفرض سلطانه أم للأكفأ ؟ .. هل هي للفيلسوف كما قال افلاطون أم للبروليتاري العمل كما قال كارل ماركس أم للولي الفقيه كما يذهب اصحاب هذه النظرية في ايران اليوم وبعض اشياعهم من الشيعة ؟؟؟. .... الخ . وسؤال الحاكمية ( الحاكمية لمن ؟ ) كما يقول كارل بوبر سؤال يبحث عن المشروعية ويؤسس لها وذلك لاعتقادهم خطاً ان ما يترتب على ذلك صدق احكامه وهو سؤال انتقل من نظرية المعرفة الى الفلسفة السياسية فتحديد مصدر المعرفة ( العقل أو التجربة ) يمنح هذه المعرفة صدقها وشرعيتها ومن هنا ينطلق بوبر في نقده لهذه الاشكالية ومن ثم يعيد صياغتها من جديد ويحولها من سؤال من يجب ان يحكم الى كيف يحكم أو كيف نحكم ؟؟.

This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ العزيز الدكتورفوزي حامد الهيتي المحترم. كل الشكر لمرورك الكريم .. أنا سعيد جداً بمداخلتك الرائعة التي أضافت إلى مفهوم الحاكمية ما يحتاجه مقالي. وشكراً لرأيك بالمقال ايضاً.

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4316 المصادف: 2018-06-30 03:20:41