 دراسات وبحوث

المعنى الأعظم للموت

محمد ممدوحظل الموت إلى وقتٍ قريب للغاية فزاعة كبرى لى بمثل ما كان فزاعة لكثيرين .. كان السؤال عن المصير المجهول ملازمًا لى دومًا .. القبر، وماذا بعده؟ والظلمة والظلام والظلمات كلها كلمات ومشتقات قاسية على النفس للغاية .. فما أقسى السؤال ماذا بعد الموت؟ وما أصعب التساؤل ماذا خلف بوابة القبر؟ .. عالم من البرزخ يقطن فى عالم من الغيب، يتلبس بعالم أكثر غيبية، غيب من وراء غيب، يقف أمامه عقل محدود للغاية لا يكاد يُبصر تحت قدميه، لا يكاد يدرك كثيرًا من البديهيات أو يفهم ماورائيات بعض المُسلمات، فأنى له السبيل رشدًا بغيب غاصت فيه الأذهان والأفكار فما خرجت منه بأكثر مما قرآناه فى طفولتنا عن مغارة على بابا والساحر أنطوان.

غذا هذه المخاوف دسائس جهلاء الدعاة الذين صوروا أنفسهم مخلصين أو سفينة النجاة أو مالكى صكوك الغفران، حيث شجاع أقرع ذو ألف ناب، وكل ناب به ألف سن قاطع والسن الواحد يفعل الأفاعيل !! وحيث ظلمات تقبع بعضها خلف بعض أو فوق بعض لا يهُم، المهم أنه عالم ظلامى ظلمانى يتسع لكل مفردات الكلمة ومعانيها ومؤدياتها، عالم لا أمل فيه ألبته .. لا إحسان فيه قط، بل هو عالم الثعابين والنيران والجحيم والعذاب المقيم.

هكذا امتلأ الخطاب الدينى بتلك الصور الشوهاء، وهذا للأسف ما ترسخ فى الأذهان بوعى أو بغير وعى، فلعل العقل الباطن أو اللاشعور قد لعب دورًا كبيرًا فى ترسيخ هذه الصورة بحكم أن الإنسان عدو ما يجهل، والموت هو أعظم ما يجهله الإنسان، ولا سبيل له بإزاحة هذا الجهل إلا بعد القيام بتجربة فعلية، يفقد على إثرها القدرة على النصح أو إرشاد الأحياء إلى الحقائق الغائبة.

وقديمًا اجتهد سقراط حين أصدرت المحكمة الغوغائية عليه حكمًا بالإعدام، فابتسم لقضاته الأكثر جهلاً من عجل السامرى قائلاً : "الموت خير لا شر فيه، فهو إما سياحة فى عالم الآخرة حيث لقاء الأبطال والأنبياء وإما نومٌ لذيد لا ألم فيه ".. العجيب فى هذا القول وتلك الرؤية أن صاحبها قدمها للإنسانية منذ ما يقرب من ثلاثين قرنًا، ومع ذلك لم تحاول البشرية يومًا أن تضع هذه الرؤية كأساس تبنى عليه .. لم تحاول أن تكمل فى هذا الطريق، بل جاءت محاولاتها فى أغلبها سيرًا فى الإتجاه المعاكس والطريق المضاد، فقدموا لنا الموت على أنه الفزّاعة الكبرى التى لا خلاص أبدًا منها.

وباستلهام درب سقراط العقلى والأكثر منطقية يمكننا البناء على أساسه ليصبح الموت لدينا يمثل على الأقل الخلاص من الشك والوصول إلى اليقين المطمئن الذى لا يجزع لشئ، ولا يفرح بشئ، بل يعاين الحقيقة كاملة غير منقوصة...

 يمثل الموت الرحمة المطلقة، الرحمة المخلّصة من عذاب البشر، من ازدواجية المعايير، وتطفيف الموازين بحسب المصلحة، وبخس الحقوق وتضييع معالم القسط وعرج العدالة..

أنظر إلى عينيه، أراه كل صباح والقطط الصغار تلتف حوله .. يسقى أولاً، ثم يداوى الجرحى ثانيًا، ثم يجلس ويكأنه يوجه الشكر والثناء الجميل إلى الله الذى هداه لهذه الإنسانية المجردة .. أبتسم فى نفسى، أسائل ذاتى، إذا كانت هذه الرحمة وتلك الإنسانية المجردة عن أى مصلحة أو نفعية قد اجتمعت فى مخلوقٍ واحد من خلق الله العزيز المقتدر، فكيف بالرحمة التى وزعت على الخلق كلهم، تجدها فى دموعهم رحمة بالمساكين، وفى صيحاتهم وسعيهم على المعوذين، وفى فنائهم فى خدمة البوساء والمرضى و العاجزين، ثم كيف بهذه الرحمات إذا اجتمعت كلها !! وكيف بها إذا كانت جزءًا واحدًا من مائة جزء، ثم هناك إله ادخر لديه تسعًا وتسعين جزءًا، فما عسى أن تكون رحمته .. هذا أحد ما يمثله الموت لى من معانى.

معنى آخر يمثله الموت فى وجهه الآخر ومعناه الأعظم، حيث الصدق النقى الذى لا يشوبه كذب قط .. فكل الأشخاص والأشياء والأنفس تبدو على صفحات مياهها النقية، لا عبث، لا مواربة، لا شئ قط يعوق الرؤية (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (ق22) يُكشف الغطاء .. تُزال الحُجُب كافة، تنقشع الغيوم جميعها .. تُرى الحقائق تسير على أقدام، قد جلاّها الذى يعلم السر وأخفى، وأبدع وصفًا لتلك المكاشفات (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)(الطارق9) ..

يمثل الموت العدل المطلق، فلطالما عانينا استبداد الظالمين، لطالما حبسنا الأنفاس والإحساس، لطالما عجزنا عن إنكار المنكر، لطالما ابتعلنا ألسنتنا عن الأمر بالمعروف، لطالما عانينا الظلم بأنيابه القواطع .. هناك، حيث موازين قسط، عدل مطلق، عدالة قضائية محكمة الأدلة والبينات والشهود، ومن فوق ذلك كله إله قد أحاط بكل شئ علمًا .. لا ظلم ولا مظلمة، فكل شئ يوزن بميزان دقيق يُفصل كل شئ على حقيقته (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء47) (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)) (الزلزلة 7-8)..

هناك، حيث إقامة الميزان الحق الذى صدعت به الفطرة على لسان أبى بكر الصديق "القوى فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوى عندى حتى آخذ الحق له " ستخرس ألسنة الظالمين والمتكبرين والمتغطرسين، ليقع الكل تحت سيف عدالة الله المطلقة، والمجردة، والكاملة.

يمثل الموت الحرية الحقيقية التى تصبو إليها النفس منذ ولدت، فقد ولدنا أحرارًا ولكن الطبقية البغيضة والاستبداديات القاتلة والفساد الماحق حولونا إلى أجراء، حقراء، عبيد، مجرد عبيد فى حياة الأصل فيها الحرية .. والموت بوابة عظمى من بوابات الحرية التى تُعطى عطاءًا ولا تُنتزع نزعًا .. فلن نُدلى برأى بعد الموت فى رحاب الله، ثم يتصل بنا أحد الكائنات ليقول لنا " لقد تخطيتم الحدود والخطوط بكل ألوانها .. لن نخشى السجن على آرائنا، لن نخشى استبدادًا ولا مستبدًا، بل نمنح الحرية الكاملة فى أى طلب، وفى أى رأى، وفى أى مسعى.

هذا ما يمثله الجانب الإيجابى من الموت، المعنى الآخر والوجه المغاير للموت، فإذا كان بهذه الصورة فلا خوف أبدًا منه، بل يصبح ممثلاً للطمأنينة كلها، والأريحية بأوسع معانيها، يصبح الموت أمل، يتحول إلى أمل لكل عاقل يتفكر فيه بهذه الطريقة .. أو ليس خروج السجين من سجنه أمل !! أو ليس إظهار الحقيقة المدفونة والغائبة سنوات وعقود وقرون أمل !! أو ليس تحقيق العدل والقسط والحق مطلبًا تهفو إليه النفوس وتُدفع فى سبيله الأرواح !! أو ليست معاينة تلك الحقائق أمل لفضح الكاذبين والمخادعين والملقة والمأجورين!!

الموت بهذه المعانى أمل، وبالمعنى السقراطى فى السياحة السماوية أمل، وبالمعنى الفيثاغورى فى تناسخ الأرواح كلٌ لشبيهة أمل، وبالمعنى الإلحادى ذاته فى الفناء المطبق والظلام الدامس على الرفاة أمل، فاختر ما تشاء من هذه المعانى، الأهم أن نكتشف الرحاب المغايرة للموت، الوجوه الأخرى التى تقف خلف تلك البوابة العظمى، بوابة الموت.

 

د. محمد ممدوح

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4605 المصادف: 2019-04-15 04:12:47