 دراسات وبحوث

الله اللا محدود

منى زيتونعرض عليّ أحد الأصدقاء مقال لكاتبة ملحدة عنونته باسم "الله المحدود"، وحاشاه تعالى. استعرضت فيه بعض التفسيرات الإسلامية –وفقًا لمستوى فهمها للغة العربية- التي حاولت فيها إظهار وجود تعارض بين ادعاء المسلمين أن الله تعالى ليس محدودًا بمكان أو زمان وبين معنى اسميّ الله الأول والآخر وبعض آيات القرآن. وطلب مني الصديق الرد على الادعاءات الواردة فيه، ولأنه صديق عزيز فقد وعدته بإجابة طلبه رغم معرفتي اليقينية بأن لا أمل فيمن ختم الله على قلوبهم وأن الحديث معهم وحول شبهاتهم هو مضيعة للوقت.

وحقيقة الأمر أن الرد على ذلك المقال وإن كنت أنا من دونته فهو ليس أكثر من توضيح لحقائق عقدية تجهلها الكاتبة، ومعاني لغوية ربما كان مستوى فهم الكاتبة للغة العربية لا يرقى لاستيعابها، أو ربما كعادة الملاحدة آثرت إخفاء الشروح والأمثلة التي توضح للقارئ المعنى المقصود من غير لبس إمعانًا في التدليس وتشتيت المزيد من البشر وضمهم لمعسكرهم الإلحادي البائس، فالرد ليس من بنات أفكاري حقيقة لأنه لا جديد فيه.

بدأت الكاتبة بالطعن في الإحاطة الزمانية المطلقة‏ لله تعالى من خلال التشكيك في اسميّ (الأول والآخر) والإيهام بأن كون روح الإنسان هي نفخة من روح الله يقتضي بالضرورة أن الإنسان أيضًا أول وليس الله وحده لأن الروح جزء من الإنسان، كما ادعت أن وعد الله للمؤمنين والكافرين بالخلود في الجنة والنار كجزاء على أعمالهم ينفي صفة الآخرية عنه تعالى.

أولًا، ما لا تعلمه تلك الملحدة أن جماهير علماء المسلمين عدا السلفية، لم ينسبوا له تعالى روحًا من الأساس، فالروح مضافة إلى الله تعالى في الآيات التي ذكرتها، وليس كل مضاف صفة. ولم يصر على أن المضاف صفة -في مخالفة فاقعة لقواعد العربية- سوى من يُسمون أنفسهم بالسلفية، والذين من الواضح أن تفسيراتهم وتأويلاتهم تعجب الملحدين فيصرون عليها، لما يجدون فيها من تشويه للإسلام. قال الألوسي: "‏‏﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: 29] تمثيل لإفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها، فليس ثمة نفخ ولا منفوخ، أي فإذا أكملت استعداده، وأفضت عليه ما يحيا به من الروح الظاهرة التي هي أمري"أهـ. وقال القرطبي في تفسيره (ج12، ص208) "النفخ هو إجراء الريح في الشيء، والروح جسم لطيف، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم. وحقيقته إضافة خلق إلى خالق؛ فالروح خلق من خلقه، أضافه إلى نفسه تشريفًا وتكريمًا، كقوله: أرضي وسمائي وبيتي، وناقة الله، وشهر الله"أهـ.

كما تتناسى الكاتبة عمدًا أن الله تبارك وتعالى هو الأول بلا بداية، فلم يكن شيء قبله، ولا معه، فهو سابق الأشياء كلها، بأوقات لا نهاية لها في الوجود والصفات، فله التقدم المطلق بالقبلية بكمال الذات وعلو الشأن، وهو الذي ابتدأت منه جميع البرية، فكلها مرجعها إلى الله تعالى بالإيجاد والعطاء والإمداد. فهل يتوفر أي معنى من تلك المعاني في الإنسان لمجرد أن الله قد نفخ فيه من روحه أم يتساوى لديها المُسبِب والمُسبَب؟

والله سبحانه وتعالى هو الآخر الذي تنتهي إليه أمور كل البرية، الدنيوية والدينية والكونية، بما فيه من الأسباب والوسائل الظاهرية والباطنية، فآخريّته بلا نهاية في كمال ذاته، وعلو شأنه، وصفاته العلّية، والسلطان بالديمومية، وهو الغاية والنهاية الذي تتطلع إليه المخلوقات برغباتها وجميع مطالبها، فالله هو الآخر غير المحتاج إلى أسباب بل تنتهي عنده الأسباب، ووعده للبشر بالخلود في المحل الذي نستحق وفقًا لإيماننا أو كفرنا به إضافة إلى ما قدمته أيدينا في الدنيا لا يعطينا بأي حال من الأحوال أي معنى من معاني الأخروية، وحتى الديمومة التي أشارت إليها الكاتبة كدليل هي ديمومة فارغة من السلطان بعكس ديمومة الله.

ثم انتقلت الكاتبة للتشغيب حول بعض الآيات التي فهمتها على نحو حسي مطلق –شأنها شأن السلفية، وهو تشابه له دلالته الواضحة في طريقة تفكير الفريقين، من يتسمون بالسلفية والملاحدة-، فارتأت الكاتبة أن بهذه الآيات إثباتًا لمحدودية الله تعالى المكانية وأنه ينتقل من مكان إلى آخر، وادعت أن المفسرين قد تحايلوا للخروج من المأزق بتأويلات وإضافات.

أولى الآيتين اللتين عرضتهما الكاتبة هي قوله تعالى في سورة الفجر: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: 22، 23]

وكعادتهم في استباق الحديث حتى لا يتهموا بعدم الإطلاع، يوحون بأنهم قد قرأوا ما أورده علماء المسلمين بشكل موضوعي ولم يفهموا! ثم يجتزؤون منه حتى لا يكون في رواية المقطع كاملًا إفسادًا لما يدعون. وأنا ردًا عليكِ لن أفسر لكِ هذه الآية فقط، بل وسأطلعك على مثيلاتها، وما قاله أكابر مفسريّ الإسلام في تفاسيرهم.

يقول الإمام القرطبي في تفسيره للآية –والذي اجتزأت منه الكاتبة في مقالها ما لا يشفي ولا يُفهِم-: "قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أي أمره وقضاؤه، قاله الحسن. وهو من باب حذف المضاف. وقيل: أي جاءهم الرب بالآيات العظيمة، وهو كقوله تعالى: ‏﴿‏إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ‏﴾‏‏ [البقرة: 210]: أي بظلل. وقيل: جعل مجيء الآيات مجيئًا له، تفخيمًا لشأن تلك الآيات. ومنه قوله تعالى في الحديث: "يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، واستسقيتك فلم تسقني، واستطعمتك فلم تطعمني". وقيل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أي زالت الشُبه ذلك اليوم، وصارت المعارف ضرورية، كما تزول الشُبه والشك عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه. قال أهل الإشارة: ظهرت قدرته واستولت، والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنى له التحول والانتقال، ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان; لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز"أهـ.

والسلفية وحدهم هم من يلزم من عقيدتهم تحييز الله تعالى في مكان، وهو خالق المكان. يقول الإمام الفخر الرازي في "أساس التقديس" (ص16) ردًا على المجسمة من الكرامية والحنابلة: "إن جمهور العقلاء المعتبرين اتفقوا على أنه تعالى ليس بمتحيز ولا مختص بشيء من الجهات، وأنه تعالى غير حال في العالم، ولا مباين عنه في شيء من الجهات". ويضيف (ص35) بالاستدلال بجواب موسى عليه السلام على فرعون عن قوله: ‏﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ‏﴾ [الشعراء: 23] على كونه تعالى غير متحيز. يقول الفخر الرازي: "فلفظة ‏﴿‏مَا‏﴾ سؤال عن الماهية، وطلب للحقيقة، فلو كان تعالى متحيزًا لكان الجواب بذكر كونه متحيزًا أولى من الجواب عنه بذكر كونه خالقًا"أهـ. وروى السبكي في "طبقات الشافعية" (ج9، ص42) " قيل ليحيى بن معاذ الرازي: أخبرنا عن الله عز وجل، قال: إله واحد، فقيل له: كيف هو؟ فقال: مالك قادر، فقيل له: أين هو؟ فقال: بالمرصاد. فقال السائل: لم أسألك عن هذا، فقال: ما كان غير هذا كان صفة المخلوق، فأما صفته فما أخبرت عنه"أهـ. وأقول: يحيى الرازي هنا يتبع نهج موسى عليه السلام في الإجابة على أسئلة فرعون عن الله تعالى، فأجابه بما يليق بجلاله تعالى لا وفقًا لأسئلة السائل التي لا تليق للسؤال عن رب.

ويقول ابن حزم في الفِصل (ج2/باب الكلام في المكان والاستواء، ص287-288): " قول الله عز وجل يجب حمله على ظاهره ما لم يمنع من حمله على ظاهره نص آخر أو إجماع أو ضرورة حس. وقد علمنا أن كل ما كان في مكان فإنه شاغل لذلك المكان، ومالئ له ومتشكل بشكل المكان، أو المكان متشكل بشكله، ولا بد من أحد الأمرين ضرورة، وقد علمنا أن ما كان في مكان فإنه شاغل لذلك المكان، ومتناهٍ بتناهي مكانه، وهو ذو جهات ست أو خمس متناهية في مكانه، وهذه كلها صفات الجسم، فلمّا صح ما ذكرنا علمنا أن قوله تعالى: ‏﴿‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ‏‏﴾‏‏ ‏[ق: 16] ، ﴿‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ‏‏﴾‏‏ ‏[الواقعة: 85] ، ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾‏‏ [المجادلة: 7]، إنما هو التدبير لذلك والإحاطة به فقط ضرورة لانتفاء ما عدا ذلك"أهـ.

وعلّق الشريف الرضى في "مجازات القرآن" (ص309) على آية النجوى، قائلًا: "ظاهر هذا الكلام محمول على المجاز والاتساع، لأن المراد به إحاطته تعالى بعلم نجوى المتناجين، ومعاريض المتخافتين، فكأنه سبحانه يعلم جميع ذلك، سامع للحوار، وشاهد للسرار، ولو حُمل هذا الكلام على ظاهره لتناقض، ألا ترى أنه تعالى لو كان رابعًا لثلاثة في مكان على معنى قول المخالفين –يعني المجسمة- استحال أن يكون سادسًا لخمسة في غير ذلك المكان إلا بعد أن يفارق المكان الأول، ويصير إلى المكان الثاني، فينتقل كما تنتقل الأجسام، ويجوز عليه الزوال والمقام"أهـ.

ورُوي عن الإمام مالك أنه قال عن الحق سبحانه وتعالى: "كان ولا مكان، وهو على ما كان قبل خلق المكان، لم يتغير عما كان".

ومن الآيات التي احتج بها السلفية والملاحدة لإثبات شغل الله تعالى للمكان، وحاشاه، قوله تعالى: ‏‏﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ‏‏﴾‏‏ [الملك: 16]. يرد ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص 25): "قد ثبت قطعًا أن الآية ليست على ظاهرها لأن لفظة (في) للظرفية، والحق سبحانه وتعالى غير مظروف. وإذا منع الحس أن ينصرف إلى مثل هذا بقي وصف العظيم بما هو عظيم عند الخلق"أهـ.

ومثلها قوله تعالى: ‏﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ‏‏﴾ [النور: 39]. قال الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسير الآية: "المعنى وجد وعد الله سبحانه عند انتهائه إلى منقطع عمله السيء، فكاله بصواعه، وجازاه بجزائه، وذلك يكون يوم المعاد، وعند انقطاع تكليف العباد. وقد قيل أيضًا إن الضمير في قوله تعالى: ‏﴿‏عِندَهُ﴾ يعود إلى الكافر لا إلى عمله، فكأنه تعالى قال: فوجد الله قريبًا منه، أي وجد عقابه مرصدًا له، فأخذه من كثب، وجازاه بما اكتسب، وذلك كقول القائل: الله عند لسان كل قائل، أي يجازيه على قول الحق بالثواب، وعلى قول الباطل بالعقاب، والقولان جميعًا يؤولان إلى معنى واحد"أهـ.

ونسب السلفية لله تعالى وحاشاه الجهة بالعلو الحسي، وليس علو الجلال والعظمة على خلاف اتفاق المسلمين. قال الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسير الآية: ‏﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏‏﴾‏‏ [فاطر:10] "ليس المراد أن هناك على الحقيقة شيئًا يوصف بالصعود، ويرتقي من سِفال إلى علو، وإنما المراد أن القول الطيب والعمل الصالح متقبلان عند الله عز وجل، واصلان إليه سبحانه، بمعنى أنهما يبلغان رضاه، وينالان زلفاه، وأنه تعالى لا يضيعهما، ولا يهمل الجزاء عليهما، وهذا كقول القائل لغيره: قد ترّقى إلى الأمير ما فعلته، أي بلغه ذلك على وجهه وعرفه على حقيقته، وليس يريد به الارتقاء الذي هو الارتفاع وضده الانخفاض. ووجه آخر، قيل إن معنى ذلك صعود الأقوال والأعمال إلى حيث لا يملك الحكم فيه إلا الله تعالى، كما يُقال: ارتفع أمر القوم إلى القاضي، إذا انتهوا إلى أن يحكم بينهم ويفصل خصامهم. ووجه آخر، قيل إن الله سبحانه لمّا كان موصوفًا بالعلو على طريق الجلال والعظمة، لا عن طريق المدى والمسافة، فكل ما يُتقرب به من قول زكي وعمل مرضي، فالإخبار عنه يقع بلفظ الصعود والارتفاع، عن طريق المجاز والاتساع". وقال في تفسير قوله تعالى: ‏﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ‏‏﴾‏‏ [غافر:15] "المعنى أن منازل العز ومراتب الفضل التي يخص بها عباده الصالحين وأولياءه المخلصين رفيعة الأقدار، مشرفة المنار، فالدرجات المذكورة هي التي يرتفع عباده إليها لا التي يرتفع هو بها تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا"أهـ.

ورغم علوه الحسي عند السلفية لم يمنع ذلك من أن يفسروا نزوله تعالى بالنزول الحسي أيضًا مخالفة لسائر الأمة في تفسير حديث النزول. في "المنهاج شرح صحيح مسلم" (ج6، ص36) قال الإمام النووي في شرح حديث النزول: "قوله صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له)، هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيه مذهبان مشهوران للعلماء، سبق إيضاحهما في كتاب الإيمان، ومختصرهما أن أحدهما، وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين، أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى، وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد، ولا يُتكلم في تأويلها، مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق. والثاني، مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف، وهو محكى هنا عن مالك والأوزاعي، أنها تتأول على ما يليق بها، بحسب مواطنها، فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين: أحدهما، تأويل مالك بن أنس وغيره، معناه تنزل رحمته وأمره وملائكته، كما يُقال: فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره، والثاني أنه على الاستعارة، ومعناه الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف، والله أعلم"أهـ.

ويقول ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص49): "روى حديث النزول عشرون صحابيًا، وقد سبق القول إنه يستحيل على الله عز وجل الحركة والنُقلة والتغير، فيبقى الناس رجلين: أحدهما، المتأول بمعنى أنه يقرب برحمته، وقد ذكر أشياء بالنزول كالحديد والأنعام. والثاني، الساكت عن الكلام في ذلك مع اعتقاد التنزيه، والواجب على الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلى مكان يفتقر إلى ثلاثة أجسام: جسم عال هو مكان لساكنه، وجسم سافل، وجسم منتقل من علو إلى سفل، وهذا لا يجوز على الله عز وجل. بينما قال ابن حامد –وهو حنبلي مجسم-: "هو على العرش بذاته مماس له وينزل من مكانه الذي هو فيه وينتقل". وهذا رجل لا يعرف ما يجوز على الله تعالى. وقال القاضي أبو يعلى –المجسم الحنبلي- "النزول صفة ذاتية ولا نقول نزول انتقال". وهذا مغالط. ومنهم من قال يتحرك إذا نزل، وما يدري أن الحركة لا تجوز على الله تعالى، وقد حكوا عن الإمام أحمد ذلك وهو كذب عليه. ولو كان النزول صفة ذاتية لذاته كانت صفة كل ليلة تتجدد. وصفاته قديمة كذاته"أهـ.

ويقول ابن حزم في الفِصل (ج2، ص357-358): "وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أن (الله تعالى يتنزل في كل ليلة إذا بقي ثلث الليل إلى السماء الدنيا). قال أبو محمد: وهذا إنما هو فعل يفعله الله عز وجل في سماء الدنيا من الفتح لقبول الدعاء، وأن تلك الساعة من مظان القبول والإجابة، والمغفرة للمستغفرين والتائبين، وهذا معهود في اللغة. تقول: نزل فلان عن حقه بمعنى وهبه لي وتطول به علي. ومن البرهان على أنه صفة فعل لا صفة ذات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علّق التنزل المذكور بوقت محدود فصح أنه فعل محدث في ذلك الوقت، مفعول حينئذ. وقد علمنا أن ما لم ينزل فليس متعلقًا بزمان البتة. وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض ألفاظ الحديث المذكور -ما ذلك الفعل المذكور-، وهو أنه ذكر عليه السلام: أن الله عز وجل يأمر ملكًا ينادي في ذلك الوقت بذلك، وأيضًا فإن ثلث الليل مختلف في البلاد باختلاف المطالع والمغارب، يعلم ذلك ضرورة من بحث عنه، فصح ضرورة أنه فعل يفعله ربنا تعالى في ذلك لأهل كل أفق. وأما من جعل ذلك نُقلة فقد قدمنا بطلان قوله في إبطال القول بالجسم بعون الله وتأييده. ولو انتقل تعالي لكان محدودًا مخلوقًا مؤلفًا شاغلًا لمكان، وهذه صفة المخلوقين، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وقد حمد الله عز وجل لإبراهيم خليله ورسوله وعبده صلى الله عليه وسلم إذ بيّن لقومه بنقلة القمر أنه ليس ربًا. قال تعالى: ‏﴿‏فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ‏‏﴾‏‏ [الأنعام: 76]. وكل منتقل عن مكان فهو آفل عنه. تعالى الله عن هذا. وكذلك القول في قوله تعالى: ‏﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا‏‏﴾‏‏ [الفجر: 22]. وقوله تعالى: ‏﴿هَلْ يَنظُرُوْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِيْ ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلاَئِكَةُ‏‏﴾‏‏ [البقرة: 210]. فهذا كله على ما بيّنا من أن المجيء والإتيان يوم القيامة فعل يفعله الله عز وجل في ذلك اليوم، يسمى ذلك الفعل مجيئًا وإتيانًا، وقد روينا عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أنه قال: ‏﴿‏وَجَاءَ رَبّكَ‏‏﴾‏‏ إنما معناه: وجاء أمر ربك"أهـ.

وأورد الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج14، ص 386)، هذا عن الإمام أحمد بن حنبل، الذي يدعي السلفية أنه إمامهم، وهو بريء منهم، في ترجمة الإمام قال: "وكلامه –أي الإمام أحمد– في نفي التَّشبيه ‏وتَرْك الخوضِ في الكلام والتّمسّك بما ورد في الكتاب والسنَّة من الآثار عن النَّبي صلى الله عليه ‏وسلَّم وأصحابه. وروى البيهقي عن الحاكم عن أبي عمرو بن السمّاك عن حنبل أنَّ ‏أحمد بن حنبل تأوّلَ قول الله تعالى: ‏﴿‏وَجَاءَ رَبّكَ‏‏﴾‏‏ أنَّه جاء ثوابه. ثمَّ قال البيهقي: ‏وهذا إسنادٌ لا غبار عليه"أهـ.‏ والنص في كتاب البيهقي يوضح أن ذلك التأويل كان من الإمام أحمد عندما احتج عليه المعتزلة في المناظرة في مجلس الخليفة أثناء محنة خلق القرآن بأحاديث (تجيء سورة البقرة يوم القيامة، وتجيء سورة تبارك)، فقال الإمام: "إنما هو الثواب. قال الله تعالى: ‏﴿‏وَجَاءَ رَبّكَ‏‏﴾ إنما تأتي قدرته، وإنما القرآن أمثال ومواعظ"أهـ. وينقل الإمام الكوثري في مقدمة كتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي (ص10) تعقيب البيهقي كاملًا على تأويل الإمام أحمد لقوله تعالى: ‏﴿‏وَجَاءَ رَبّكَ‏‏﴾. يقول البيهقي: "وفيه دليل على أنه كان لا يعتقد في المجيء الذي ورد به الكتاب والنزول الذي وردت به السُنة انتقالًا من مكان إلى مكان، كمجيء ذوات الأجسام ونزولها، وإنما هو عبارة عن ظهور آيات قدرته، فإنهم لمّا زعموا أن القرآن لو كان كلام الله وصفة من صفات ذاته لم يجز عليه المجيء والإتيان، فأجابهم أبو عبد الله –الإمام أحمد- بأنه يجيء ثواب قراءته التي يريد إظهارها يومئذ، فعبّر عن إظهاره إياها بمجيئه. وهذا الجواب الذي أجابهم به أبو عبد الله لا يهتدي إليه إلا الحُذاق من المنزهين عن التشبيه"أهـ.

وذكر الإمام تقي الدين الحصني في "دفع شبه من شبه وتمرد" (ص11) "قوله تعالى: ‏﴿‏وَجَاءَ رَبّكَ‏‏﴾. قال الإمام أحمد: معناه جاء أمر ربك. قال القاضي أبو يعلى: قال الإمام أحمد: المراد به قدرته وأمره، وقد بيّنه في قوله تعالى: ﴿‏‏ْيَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ‏﴾ [النحل: 33]‏‏. يشير إلى حمل المطلق على المقيد، وهو كثير في القرآن والسنة والإجماع وفي كلام علماء الأمة لا يجوز عليه الانتقال سبحانه وتعالى. ومثله حديث النزول، وممن صرح بذلك الإمام الأوزاعي والإمام مالك لأن الانتقال والحركة من صفات الحدث، والله عز وجل قد نزّه نفسه عن ذلك"أهـ.

ويقول الإمام الفخر الرازي في "أساس التقديس" (ص107): "نقل الشيخ الغزالي عن أحمد بن حنبل، أنه أقرّ بالتأويل في ثلاثة أحاديث: أحدهما، قوله عليه السلام: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض". وثانيها، قوله عليه السلام: "إني لأجد نفس الرحمن من قِبل اليمن". وثالثها، قوله عليه السلام حكاية عن الله عزّ وجلّ: "أنا جليس من ذكرني""أهـ.

فحتى الإمام أحمد الذي كان يؤثر التوقف في تفسير الآيات، ولا يؤول، قد أوَّل كل النصوص مما ظاهرها الانتقال والحركة والجهة، تنزيهًا لله. ولعل قصة الخليل إبراهيم التي جزمت بأن الرب لا يجوز في حقه الوجود في مكان ومفارقته بالانتقال، كانت سببًا في ترك الإمام أحمد للتوقف المشهور عنه وتصريحه بالتأويل في هذه المواضع.

وقال الزمخشري –وهو معتزلي- في تأويل قوله تعالى: ‏﴿‏هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ‏﴾‏‏ [البقرة: 210]: "إتيان اللَّه إتيان أمره وبأسه، كقوله: ‏﴿َ‏‏ْيَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ‏﴾  [النحل: 33]‏‏، ‏﴿‏جاءَهُمْ بَأْسُنا‏﴾‏‏ [الأنعام: 43]. ويجوز أن يكون المأتي به محذوفًا، بمعنى أن يأتيهم اللَّه ببأسه أو بنقمته للدلالة عليه بقوله: ‏﴿‏فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ‏﴾‏‏. فإن قلت: لِمَ يأتيهم العذاب في الغمام؟ قلت: لأنّ الغمام مظنة الرحمة، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول، لأن الشر إذا جاء من حيث لا يُحتسب كان أغم، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يُحتسب كان أسرّ، فكيف إذا جاء الشر من حيث يُحتسب الخير، ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الغيث".

ويقول الإمام الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: "إسناد المجيء إلى الله إما مجاز عقلي، أي: جاء قضاؤه، وإما استعارة بتشبيه ابتداء حسابه بالمجيء".

وفي اللغة أيضًا، جَاءَ الأَمْرَ: فَعَلَهُ، وقَامَ بِهِ، وحدَث، وتحقَّق، فالفعل جاء لا يعني الانتقال والتحول المكاني فقط كما أرادت الكاتبة الملحدة أن تُفهم القارئ بالضرورة، وكما حاولت الإسرائيليات أن تدس علينا في ديننا صورًا مغلوطة تخالف ما نص عليه القرآن لحقيقة ما سيجري يوم القيامة، فالجنة محضرة يوم القيامة والنار محضرة يومئذ بمعنى الإبراز وليس بمعنى الانتقال، واستعمال ﴿وجيء يومئذ بجهنم﴾ كاستعمال مجيء الملك الحق سبحانه، والمعنى: أُظهرت لهم جهنم، قال تعالى: ﴿وبُرزت الجحيم لمن يرى﴾، وقال تعالى: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين وبُرزت الجحيم للغاوين﴾. وإنما اقتصر على ذكر جهنم في تلك الآية الأولى لأن المقصود في هذه السورة وعيد الذين لم يتذكروا. فعندما قال الحق سبحانه ‏﴿وجيء يومئذ بجهنم﴾، ‏فليس يعني هذا أن جهنم قد تحركت من مكانها، وكذا قوله تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾.

أما الكاتبة الملحدة فقد أسرفت على نفسها في تخيل الصورة كما أرادت أن تفهمها بأن الله قد جاء يوم القيامة، ومعه الملائكة صفوفًا، ولا أدري هل حقًا لم تفهم أن ﴿وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ لا تعني المعية مع الله –كما صوّر لها خيالها-، بل تعني وصف حال الملائكة وهم مصطفين من جلال الموقف وقد بدأ الحساب وبُرِّزت النار؟!

الأعجب أن تسخر صاحبة الخيال الواسع والمستوى الفذ من فهم العربية من مفسرينا، وتعتبر تفسيراتهم استغباءً وتناقضًا، ربما لإعجابها بعقيدة السلفية وروايات الإسرائيليات عن الرب الذي يحضر للحساب، وجهنم التي تؤتى بها تقاد بسبعين ألف زمام، والتي لم يأخذ بها المفسرون.

والآية الثانية التي عرضتها الكاتبة الملحدة هي: ‏﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ‏‏﴾‏‏ [الحاقة: 17]، فعمدت إلى التسخيف من السجع اللفظي في الآيات، وأسهبت في تساؤلات عن العرش والجالس عليه وحيز كل منهما، مدعية أن محمدًا أراد بيان عظمة ربه وسعة حجمه وثقل وزنه فأخذ يبالغ في قوة الملائكة الأربعة حاملي العرش الآن، ومن باب زيادة الأبهة جعلهم يوم القيامة ثمانية وفقًا لأحد الأحاديث، ما يدل على افتقار الكاتبة للنذر اليسير من المعرفة عن عقائد المسلمين، وتسمح لنفسها مع هذه الدرجة العالية من الجهل بأن تنقدها!

يقول الإمام ابن حزم الظاهري عن الاستواء والعرش ونحوهما في كتابه "الفِصل في المِلل والأهواء والنِحل" (ج2، ص290-292): ‏"والقول الرابع في معنى الاستواء هو أن معنى قوله تعالى ‏﴿‏عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى‏‏﴾ [طه: 5]‏‏: أنه فعل فعله في العرش وهو انتهاء خلقه إليه، فليس بعد العرش شيء، ويبين ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنات، وقال: فاسألوا الله الفردوس الأعلى فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوق ذلك عرش الرحمن، فصح أنه ليس وراء العرش خلق، وأنه نهاية جرم المخلوقات الذي ليس خلفه خلاء ولا ملاء، ومن أنكر أن يكون للعالم نهاية من المساحة والزمان والمكان أو من جرمه فقد لحق بقول الدهرية وفارق الإسلام. والاستواء في اللغة يقع على الانتهاء قال الله تعالى: ‏﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا‏‏﴾‏‏ [القصص: 14] أي: فلما انتهى إلى القوة والخير. وقال تعالى: ‏﴿‏ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ‏‏﴾‏‏ [فصلت: 11]. أي أن خلقه وفعله انتهى إلى السماء بعد أن رتب الأرض على ما هي عليه، وبالله تعالى التوفيق. وهذا هو الحق وبه نقول لصحة البرهان به وبطلان ما عداه. فأما القول الثالث في المكان فهو إن الله تعالى لا في مكان ولا في زمان أصلًا، وهو قول الجمهور من أهل السُنة، وبه نقول، وهو الذي لا يجوز غيره لبطلان ما عداه، ولقوله تعالى: ‏﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ‏‏﴾‏‏ [فصلت: 54]‏‏. فهذا يوجب ضرورة أنه تعالى لا في مكان إذ لو كان في المكان لكان المكان محيطًا به من جهة ما أو من جهات، وهذا منتفٍ عن الباري تعالى بنص الآية المذكورة، والمكان شيء بلا شك، فلا يجوز أن يكون شيء في مكان ويكون هو محيطًا بمكانه، وهذا محال في العقل يعلم امتناعه ضرورة. وبالله التوفيق. وأيضًا فإنه لا يكون في مكان إلا ما كان جسمًا أو عرضًا في جسم، هذا الذي لا يجوز سواه، ولا يتشكل في العقل والوهم غيره البتة، فإذا انتفى أن يكون الله عز وجل جسمًا أو عرضًا فقد انتفى أن يكون في مكان أصلًا، وبالله تعالى نتأيد. وأما قوله تعالى: ‏﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ‏‏﴾‏‏ [الحاقة: 17]، فقوله الحق نؤمن به يقينًا، والله أعلم بمراده في هذا القول، ولعله عز وجل عنى السموات –السبع- والكرسي، فهذه ثمانية أجرام، هي يومئذ والآن بيننا وبين العرش، ولعلهم أيضا ثمانية ملائكة، والله أعلم. نقول ما قال ربنا تعالى ونقطع أنه حق يقين على ظاهره، وهو أعلم بمعناه ومراده. وأما الخرافات فلسنا منها في شيء، ولا يصح هذا في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنا نقول: هذه غيوب لا دليل لنا على المراد بها، لكنا نقول ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]‏، وكل ما قاله الله تعالى حق ليس منه شيء منافيًا للمعقول، بل هو كله قبل أن يخبرنا الله به في حد الإمكان عندنا، ثم إذا أخبر به عز وجل صار واجبًا حقًا يقينًا، وقد قال تعالى: ‏﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ‏‏﴾‏‏ [غافر: 7]‏‏، فصحّ يقينًا أن للعرش حملة، وهم الملائكة المنقادون لأمره تعالى، كما نقول: أنا أحمل هذا الأمر أي أقوم به وأتولاه، وقد قال تعالى: ‏﴿‏وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ‏‏﴾ [النحل:50] و [التحريم: 6]‏‏. وأنهم يتنزلون بالأمر، وأما الحامل للكل والممسك للكل فهو الله عز وجل، قال الله تعالى: ‏﴿‏إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: 41]‏‏"أهـ.

كما أن ما لا تعلمه الأخت الملحدة أن جماهير علماء المسلمين قد نزهوا الله سبحانه وتعالى عن الجلوس على العرش، ولم يقل بهذا غير السلفية، بل وزاد بعض السلفية فاعتقدوا جلوس النبي إلى جانب الله على العرش يوم القيامة، وهو ما يُعرف بعقيدة الإقعاد عندهم. وعقيدة الإقعاد هي فكرة إسرائيلية وتوجد أيضًا في عقائد النصارى. ورد في قاموس الكتاب ‏المقدس، دائرة المعارف الكتابية المسيحية ص (795) "وقد وصُف يسوع بأنه رئيس كهنة ‏المؤمنين العظيم الذي نضح قدس الأقداس بدمه والذي جلس عن يمين الآب هناك حيث هو ‏الآن يشفع فيهم (عب 4: 14 و7: 25 و9: 12 الخ...)". وقد انتقلت عقيدة الإقعاد من الأحبار إلى مجاهد بن جبر ونقلها عنه الليث بن سعد، ‏وذلك كما ثبت في كثير من روايات كتاب السنة لأبي بكر ابن الخلال الحنبلي. وهذه العقيدة هي أكبر مثار لخلاف جموع المسلمين مع السلفية واتهامهم بالتجسيم لله عز وجل وأنهم يأخذون عقائدهم عن أهل الكتاب، فليتها تقرأ قليلًا لتهون على نفسها. وكلمة أخيرة للسلفية، إلى متى يؤتى الإسلام من طرفكم؟!!.

 

د. منى زيتون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4759 المصادف: 2019-09-16 02:46:39