 دراسات وبحوث

شكل الدولة المسلمة.. مقاربات بين رؤيتي الخميني وسيد قطب

بدر الدين شيخ رشيدطرح كل من الإمام الخميني وسيد قطب شكل نظام الدولة الإسلامية،حيث أسّس كل منهما نظريته  بناء على معتقده في النظام السياسي الإسلاميّ، فالخميني من جهته أسّس رؤيته على مفهوم نظرية الشيعة في الإمامة، بينما سيد قطب بني رؤيته على نظرية أهل السنة في الإمامة.

فالخميني جعل تجربة عصر النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة، وخاضة في تجربة علي بن أبي طالب نبراسا ونموذجا لشكل الحكومة الإسلامية، علاوة على ذلك فقد ساند بعض المرويات من أئمة الشيعة الدالة على ضرورة وجود الحكومة الإسلامية لتنفيذ أحكام الإسلام الدينية والدنيوية، كما أن سيد قطب جعل تجرية النبي وعصر خلفاء الراشدين، والتي شرح قواعدها الفقهاء والمتكلمون، منذ أن تأسست المذاهب الفقهية والكلامية أواخر القرن الأول الهجري، نموذجا لشكل الحكومة الإسلاميّة.

حاول الإمام الخمينيّ تعريف شكل الدولة الإسلاميّة بتعريف غير منضبط؛ لأن التعريف عند المنطقيين لا بد أن يكون جامعا مانعا، فقد ذكر أن الدولة الإسلاية تختلف عن الأنماط الأخرى، فهي ليست استبدادية، ولا مطلقة (ملكية)، ولا مشروطة (دستورية)، بالمعنى المتعارف، بحيث يكون وضع القوانين تابعا لآراء الأشخاص والأكثرية، وإنما هي مشروطة من ناحية أن الحكّام يكونون مقيدين في التنفيذ والإدارة بمجموعة من الشروط التي حددها القرآن الكريم والسنة الشريفة للرسول صلى الله عليه وسلم[1]، لكن إذا نظرت إلى تعريف الخميني في مفهوم شكل الدولة، لا تجد تعريفا جامعا مانعا، بل هو عبارة فضفاضة، لا تفيد معنى معينا، فهو يقول:إنها دولة مشروطة، ثم يستدرك القول:بأن الحكّام مقيدين  بمجموعة من الشروط التي حددها القرآن الكريم والسنة الشريفة[2].

فكان من الأولى للخميني أن يكتفي بالقيد الأول، وهي الحكومة المشروطة؛ لأنها معروفة في إيران بالثورة الدستورية، والتي جاءت لتقييد سلطة النظام الملكي بدستور يحدد صلاحياته، كما جعلت النظام السياسي في إيران نظاما برلمانيا يحكمه الشعب وليس الملك، علاوة على ذلك، فقد أضاف الخميني في تعريف الدولة الإسلامية، بما يزيد الإبهام، وهو اعتباره أن إرادة الحاكم مقيدة بمجموعة من الشروط التي حددها القرآن الكريم والسنة؛ لأنهمالم يذكرا الشروط للحكم، بل ذكرا قواعد عامة للحكم كالعدالة والشورى، وهذه القواعد نفسها تحتاج إلى ضوابط وضمانات خارجية  تلزم الحاكم بالتقييد بها، مما يمنع الحاكم عن الاستبداد.

إن رؤية الخميني وسيد قطب في إشكالية شكل الدولة، يمكن لنا أن نتناول في بحثها من جهتين:

 الأولى- من جهة إشكالية الدولة هل هي مدنية أم دينية /ثيوقراطية؟

والثاني- من جهة إشكالية الوحدة والإنقسام، أو المركزية والتعددية.

دولة القوانين الإسلامية عند الخميني:

سبق أن أشرنا في مبحث مفهوم ولاية الفقيه، أنها ولاية اعتبارية وليست ولاية تكوينية بمرتبة ولاية النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة، وبما أن الولاية الاعتبارية أمور عقلانية ليس لها وجود خارجي، فتحققها في الخارج هي أمور نسبية تختلف من شكل لآخر، لهذا، أخذ مفهوم  ولاية الفقيه على اعتبارات مختلفة لدى فقهاء الشيعة المعاصرين، بناء على هذا، فإن ماهيّة الدولة الإسلامية من مفهوم ولاية الفقيه عند الخميني، تتعلق بالقوانين الإلهيّة عند الناس، فالقانون وحده هو الحاكم، وأخص  جانب من جوانب الحكومة الإسلامية الذي تفارقه الحكومة الإسلاميّة عن الحكومات الأخرى في نظر الخميني وغيره من الإسلاميين، هو الجانب التشريعي، فالسلطة التشريعية لله وحده، فلا حق لأحد بوضع القوانين، وإنما الحاكم مطالب بتنفيذ تلك القوانين الإسلامية الواردة في القرآن والسنة والتي تلقاها المسلمون بالقبول والطاعة[3].

من هذا المنطلق، فالدولة الإسلامية بشعبها الثلاث من التشريع، والقضاء، والتنفيذ، تتقيد بموازين الإسلام وقوانينه العادلة النازلة من قبل الله بمصالح خلقه، فلا يجوز التخلف عنها، فالحاكم في الحقيقة هو الله، والوالي منفذ لأحكامه، وقد أطلق عليها الشيخ المنتظري «الحكومة الثيوقراطية بمعنى حكومة القانون الإلهي على المجتمع»[4].

إلا أن الحكومة الثيوقراطية عند الخميني هي حكومة مشروطة، أى مقيدة بقوانين الإسلام، بحيث أن لها تسلطا كاملا على جميع الأفراد وعلى الدولة الإسلامية، فالجميع بدءا من الرسول صلى الله عليه وسلم، مرورا بخلفائه وسائر الناس تابعون للقانون المنزل من عند الله والمبلغ بلسان النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا، فالحكومة في الإسلام، تعنى إتباع القانون، وهو وحده الحاكم في المجتمع[5].

يلاحظ من تعريف الخميني لشكل الحكومة، أنه  تعريف غير منضبط كما أشرنا سابقا. فمن ناحية  التشريع، في الحكومة لا يقتصر في حق الله وفي حق الرسول، بل التشريع للأمة، ولأولي الأمر في كل ما يستجد من أمور، وذلك كما قال الشيخ عبد القادر عودة:إن نظرية الشريعة الإسلامية تجعل الأصل في التشريع أن يصنع الجماعة ويوجهها ثم ينظمها[6]، كما أن الشريعة  قصدت من إعطاء أولي الأمر حق التشريع بما يتصل في تنظيم الجماعة وتوجيهها، وتمكينهم من المحافظة على مصالح الجماعة والدفاع عنها ومعالجة الظروف الطارئة[7].

بناء على هذا، فالحكومة تخضع لاجتهادت قانونية بشرية مفهومة من القواعد والنصوص العامة من الكتاب والسنة، فهذه القوانين- بسبب الاجتهاد البشري- تختلف من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان ومن شخص إلى شخص، لهذا، فالقول:بأن الحكومة، هي حكومة القوانين الإلهية، غير منطقية وغير واقعية، فالحكومات تطورت عبر التجارب البشرية حتى وصل الأمر إلى حكومات مدنيّة خاضعة لإرادة الأمة.

الوحدة والانقسام في فكر الإمام الخميني:

ركّز الإمام الخميني على وحدة الدولة وعالميّتها، من خلال نظرية ولاية الفقيه المطلقة، وتفيد شمول الولايات لكل فقيه بمقتضى اطلاقات الأدلة ولا يخرج من شمول الاطلاقات سوى حالات التزاحم، وإلا ففي كل مورد لا يفترض فيه قيام التزاحم، تبقى الولاية شاملة لكل فقيه ومع ذلك سيكون من الممكن قيام أكثر من كيان إسلامي بإشراف الفقيه[8].

فالوحدة في النظام السياسي عند الخميني، هي الأقرب إلى روح شريعة الإسلام في وحدة الأمة؛ لأن التعدد مظنة الفرقة والضعف في العالم الإسلاميّ، وهو يتنافي مع مبائ الشريعة التي توصي  المسلمين بالقوة، وتنهى عن الفرقة والاختلاف، كما أمر الله تعالى بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾[9]، وقوله تعالى:﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾[10]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾[11].

وفي هذه الآيات دلالة واضحة على ضرورة  وحدة الأمة الإسلامية، كما أن الوحدة شعار  يدل على عالميّة الدولة الإسلامية؛ إذ هي ضرورة من ضرورات الدين «فالإسلام جاء ليطبق في الأرض كلها وللناس كلهم، وعلى شؤون الحياة كلها، وذلك باعتباره السبيل الوحيد الذي يضمن السير الطبيعي للقافلة الإنسانية نحو كمالها، والحل الأصلح الذي قام على أساس من علم إلهي غير محدود وتخطيط حكيم  لهذه المسيرة من قبل خالق الإنسان والكون، إنه دين الحياة كلها، والحياة التي محورها الاجتماع والمجتمع لا تتم بدون دولة، فهو إذن يدعو للدولة العالميّة الموحدة  حيث يكون الدين كله لله»[12].

هذا، وينبغي أن نفهم أن كيفية الوحدة هي أمور اجتهادية، محل بحث في الكيان الإسلامي وليس شرطا أن تكون طبقا لمفهوم الخلافة الإسلامية في العصور الماضية، فالأمة هي صاحبة الأمر،  وبالتالي فهي التي تقرر النظام الأمثل لتقرير الوحدة في الكيان الإسلامي.

وفي هذا الصدد، يقول الشهيد عبد القادر عوده: «وقد يظن البعض أن هذا يقتضي أن تكون البلاد الإسلامية كلها تحت حكم  دولة واحدة والبلاد الأجنبية كلها تحت حكم دولة واحدة وهو ظن لا أساس له من الواقع، فالنظريات الإسلامية،لم توضع على أساس أن تكون البلاد الإسلامية محكومة بحكومة واحدة، وإنما وضع على أساس ما يقتضيه الإسلام، والإسلام يقتضي أن يكون المسلمون في كل بقاع الأرض يد واحدة، يتوجهون اتجاها واحدا وتسوسهم سياسة واحدة، وأبسط الصور وأكفلها بتحقيق هذه الغاية أن تكون كل بلاد الإسلام تحت حكم دولة واحدة، ولكن ليست هذه هي الصورة الوحيدة التي تتحقق أهداف الإسلام؛ لأن تلك الأهداف، يمكن أن تتحقق مع قيام دول متعددة في دار الإسلام ما دامت هذه الدول تتجه اتجاها واحدا وتسير على سياسة واحدة»[13].

وعلى هذا الأساس، ينبغي أن نفرق بين الهدف والوسيلة، فالهدف وحدة الأمة، أما الوسيلة فقد تتحق بأشكال مختلفة حسب مقتضيات الظروف والمكان.

من جهة أخرى، فالتعددية لا تنافي وحدة الدولة الإسلامية؛ لأنه يستفاد من تجارب الأنظمة الحديثة، حيث أثبتت الخصوصيات والعموميات بين الكيانات المختلفة وكيفية الترابط بينهم، كذلك، فكل دولة إسلامية تحتفظ بخصوصيتها وتشارك مع الكيان الإسلامي العام بالمبادئ العامة والمصالح المشتركة بينهم.

وربما يستفاد تعدد الكيان الإسلامي بإشراف الفقهاء عند الخميني عدم شمول ولاية الفقيه على فقهاء عصره، حيث أن الفقيه «ليس له ولاية مطلقة، بنحو يشمل كل فقهاء عصره، ويتمكن بحسبها من عزل فقيه آخر أو نصبه»[14]، وعلى هذا الأساس، ذهب عدد من المفكرين الإسلامين  كالعلامة عبد القادر عودة، والشيخ  محمد الغزالي والشيخ حسن نصر الله، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، إلى نظرية تعدد الكيان الإسلامي، لكن لابد أن تكون  هناك علاقة تربط  بينهم، وهذه العلاقة تأتي عن طريق  العلاقة الدستورية بين الدول الإسلامية، وذلك، لكى تتم الوحدة المطلوبة في الإسلام بين المسلمين.

عوامل الوحدة عند الخمينيّ:

حفظ مصالح الإسلام والشرع :

إن حفظ مصالح الإسلام والشرع يستدعي الوحدة عند الخميني، بناء على ذلك، فإن مصالح الإسلام تشكل دفاعا للوحدة؛ لأن محور الوحدة يكتسب في ظل صيانة الإسلام، والحفاظ على كيانه ومواصلة الدعوة الإسلامية ونشرها في العالم، كما يرى الإمام الخميني أن صلاة الجمعة والجماعة وإعلان البراءة من المشركين في موسم الحج والإعلان عن أسبوع الوحدة واليوم العالمي للقدس كل ذلك من أجل مصالح الإسلام، مما يعنى التخلي عن المصالح الشخصية والفئوية والوطنية و القومية، أي المصالح العامة للدولة الإسلامية من  أجل مصالح الإسلام العليا[15].

وحدة العقيدة:

إن ماهية الوحدة  تتضح من خلال مفهوم التوحيد في العقيدة وفي ضوء ذلك ثمة  كلمة واحدة، ورأي واحد وعقيدة واحدة ورؤية كونية واحدة يلتزم بها الجميع، وأن مثل هذه الوحدة  دفاع لنمو المجتمع وتقدمه وتكامله، وبوسعها أن تتحقق الحكومة الفاضلة المنشودة، يقول الإمام الخميني:«إن أحد الأهداف الكبرى للشرائع السماوية والأنبياء العظام، يتمثل في توحيد الكلمة والعقيدة، والذي يشكل بحد ذاته هدفا مستقلا ووسيلة لتقدم الأهداف الكبرى وله تأثير كبير في تأسيس المدينة الفاضلة»[16]، وعلى هذا، فالدولة الإسلامية هي الدولة العالمية الوحيدة بالمعنى الحقيقي للعالمية، بحكم أن التوحيد هو المنشأ الوحيد لها، وبالتالي فلا عالمية، إلا عالمية الدولة التوحيدية[17].

التكليف الإلهي:

يرى الإمام الخميني بأن مراعاة الوحدة والاتحاد هو تكليف شرعي وأنه يكتسب صفة الوجوب، ويصبح فرضا على الجميع عند ما تتهدد المصالح العامة للأمة والمجتمع، يقول الإمام الخميني: نحن اليوم مكلفون أينما كنا ولأية فئة انتسبنا بتجنب الاختلاف، والتمسك بالوحدة الإسلامية التي هي موضع تأكيد للكتاب والسنة، وأن نجعل كلمة الحق هي العليا وكلمة الباطل هي السفلى[18].

شكل الدولة المسلمة عند سيد قطب:

إن رؤية سيد قطب فيما يتعلق بأمر الدولة منوطة بتجارب الأمم، من خلال التطورات البشرية في شؤون العمران والتمدن، وبالتالي فليس هناك قالب معين لشكل الدولة عنده، فقط، إنما ينطلق في أمر الدولة، التطبيق بالشريعة الإسلامية، وبالتالي المراعات للمبادئ والقواعد التي يقوم عليها النظام الإسلامي، كالشورى، والعدالة، والطاعة للحاكم في المعروف.

ويستفاد من خلال نفي سيد قطب الدولة الثيوقراطية، أنه يتبنى الدولة المدنية، وذلك باعتباره الأمة مصدر السلطة، كما أنه يطرح  وحدة الدولة وعدم الانقسام على غرار رؤية الخميني في الوحدة بين المسلمين.

مدنيّة الدولة عند سيد قطب:

يقوم نظام الحكم عند سيد قطب على الشورى، وهو مبدأ أساسي لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه، فنظام الحكم عنده ينعكس عن مفهوم الشورى، أما شكله فهو قابل للتحوير والتطوير وفق أوضاع الأمة وملابسات حياتها، وكل شكل يتم به حقيقة الشورى فهو من الإسلام؛ لأن الدولة الإسلامية، حسب رؤية سيد قطب، ليست سوى افراز طبيعي للجماعة وخصائصها الذاتيّة[19].

فشكل الدولة عند سيد قطب يتوقف على الشورى؛ إذ ليس« مصبوباً في قالب حديدي؛ فهو متروك للصورة الملائمة لكل بيئة وزمان ، لتحقيق ذلك الطابع في حياة الجماعة الإسلامية»[20].

والدولة المدنية عند سيد قطب يقابلها الدولة الدينية وهي مرفوضة عنده، حيث يؤكد على أن الإسلام لا يعرف هيئة دينية مثل هيئة الإكليروس في الكنسية المسيحية...ولكنه حكم تنفذ فيه الشريعة الإسلامية[21] .

لذا، يؤكد سيد قطب، أن مملكة الله لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم- هم رجال الدين-كما كان الأمر في سلطان الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم الإله، كما كان الحال في ما يعرف باسم الثيوقراطية أو الحكم الإلهي المقدس، ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هي الحاكمية  وأن يكون مرد الأمر إلى الله، وفق ما قرره من شريعة مبيّنة[22].

فالشريعة التي اعتبرها سيد قطب المرجعية العليا للدولة هي التي قيدت سلطة الحكم بالشورى والاختيار؛ إذ أن «الدولة الإسلامية كما جاء بها الإسلام، وكما عرفها تاريخ المسلمين دولة مدنية تقوم السلطة فيها على البيعة والاختيار والشورى… ومن حق كل مسلم، بل كل مواطن أن يُنكر على رئيس الدولة نفسه إذا رآه اقترف منكراً أو ضيَّع معروفاً… أما الدولة الثيوقراطية التي عرفها الغرب في العصور الوسطى، والتي يحكمها رجال الدين..  فهي مرفوضة في الإسلام»[23].

 

ينبغي أن نشير إلى أن سيد قطب وإن لم يصرح بالدولة المدنية بمفهومها المتداول في العصر الحديث، إلا أنه يلاحظ من خلال القواعد التي وضعها لأسس نظام الدولة أن مفهوم الدولة المدنية هي التي يحكمها الشعب، لا التي يحكمها رجال الدين؛ لأن نفي سيد قطب حكم رجال الدين، يوحي إلى أن الحكم للشعب، كما أن  تسامح الأديان يوحي إلى مدنية الدولة، وعلى هذا الأساس، أكد سيد قطب أن الإسلام يتسامح مع مخالفيه جهاراً نهاراً في العقيدة، ولا يكرههم على اعتناق عقيدته، بل يحافظ على حياتهم وأموالهم ودمائهم؛ وأنه يمتعهم بخير الوطن الإسلامي بلا تمييز بينهم وبين أهل الإسلام؛ وأنه يدعهم يتحاكمون إلى شريعتهم في غير ما يتعلق بمسائل النظام العام[24].

فرؤية سيد قطب حول حرية الدين تفيد أن الإسلام قرر مبدأ الحرية الدينية وعدم الاكراه   في الدين، علاوة على ذلك، قرر السماحة الإنسانية المستمدة من توجيه الله[25]، بل أكثر من هذا، أكد على ضمان الحرية لكل فرد أن يختار دين الحق عن اقتناع، فإن لم يقتنع بقي على عقيدته، وأعطى الجزية[26]، كما يرى سيد قطب أن إشكالية الجزية اليوم هي قضية تاريخية  وليست واقعية  كما كانت في عهد الفقهاء الذين أفتوا فيها واجتهدوا في وقتها[27].

هذا، ويرجع أصل نظرية مدنية الدولة لدى الإسلاميين، إلى الميثاق الوطني الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم عند ما جاء  إلى المدينة، يقول الشيخ صفي الرحمن المباركفوري:إنه بإبرام هذه المعاهدة صارت المدينة وضواحيها دولة وفاقيّة، عاصمتها المدينة، ورئيسها- إن صح هذا التعبير- رسول الله صلى الله عليه وسلم[28].

وذكر إبراهيم غرايبة أن وثيقة المدينة أسست للمجتمع والدولة، وكانت تشمل جميع أهل المدينة: المسلمين والمشركين ممن لم يسلموا واليهود، كما حددت لهم واجبات وحقوقًا بحكم كونهم جزءًا من المدينة، وأما المسلمون الذين لم يهاجروا إلى المدينة فهم ليسوا داخلين في هذا العقد، ولا يترتب عليهم التزامات ولا يتمتعون بحقوق أهل المدينة[29].

يلاحظ من تلك الوثيقة أن المواطنة هي التي جمعت بين العناصر المختلفة في العقيدة، وذلك للمشاركة في الحقوق والواجبات، وبالتالي أخرجت المعاهدة من جهة الحقوق والواجبات عن المؤمنين الذين لم يهاجروا، بدليل قوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾[30].

يقول الأستاذ أحمد قائد الشعيبي في دلالة وثيقة المدينة: أما بالنسبة لغير المسلمين فأساس المواطنة هو الولاء للدولة الإسلامية عن طريق العهد؛ لأن حق المواطنة لا يستلزم وحدة العقيدة ولا وحدة العنصر[31]، وبهذا أكد الدكتور فريد عبد الخالق حيث قال:« أقام الرسول صلى الله عليه وسلم مجتمعًا مدنيًا، ودولة مدنية على أساس مبدأ المواطنة والمساواة بين كافة مواطني الدولة في الحقوق والواجبات»[32].

ومن هذا المنطلق قبل الإخوان-كما يقول الدكتور عبد المنعم  أبو الفتوح- بدولةٍ مدنيةٍ تسع كل الأديان: الإسلام والمسيحية واليهودية، ولا تكون دولة عنصرية رافضة لبقية الأديان، كما هو الحال مع الكيان الصهيوني، حيث تكون هذه الدولة مدنية بكل ما تحمله الدولة المدنية الحديثة من خصائص العيش المشترك، ويكون الحكم ديمقراطيًّا، وليس جديدًا على الحضارة الإسلامية أن تقبل بعيش اليهود في ظلالها، لهم ما للمسلمين من حقوق وعليهم ما عليهم من واجبات، وهذه هي شريعة الإسلام ومنهاجه[33].

ونودّ أن نشير إلى أن هناك من يسيئ إلى فهم الدولة المدنية من حيث التمييز بينها وبين الدولة الدينية، حيث يرى أن الدولة المدنيّة هي دولة علمانية؛ لأنها تعني إقصاء الدين،  إضافة إلى ذلك  أنها تسوّي بين الكافر والمسلم، والسنّي والمبتدع، كما يرى أن  الدولة الدينيّة هي التي تخضع على أمر الدين، وإن اعتنت بمصالح الناس الدنيوية[34].

فالتمييز الأول: لا يعتمد على أسس سليمة؛ لأن التسوية بين هولاء في ظل الدولة ألإسلامية لم تكن محل إشكال؛لأن الدين ليس محل تميير بين الطوائف أو بين الأعراق أو بين الجنسيات المخلتفة، بدليل أن لخوارج وهم أبعد طائفة من المركزية السياسية، بالنسبة للتعايش بين الفرق الإسلامية، قد أقرّ لهم الإمام علي بن أبي طالب جميع الحدوق المدنيّة الأساسية، كعدم الاعتداء عليهم والمشاركة التامة في معابد المسلمين واعطاء حقوقهم المادية[35].

أما التمييز الثاني: وهو تعريف الدولة الدينيّة، فهو تعريف غير جامع ومانع؛ لأن إخضاعها  على أمر الدين إما أن يكون عن طريق وحي معصوم فهذا مسلم، وقد انتهى بانقضاء عصر النبي صلى الله عليه وسلم،  أما إذا كان بأمر الدين من خلال الاجتهاد البشريّ في أمر واقعيّ، فهو  ليس له عصمة إلهيّة.

بالإضافة إلى ذلك يلاحظ من التعريف أن الدولة الدينيّة تهمش المصالح  الدنيويّة، وهو أمر يتنافى  مع مقاصد الشريعة حيث جاءت لمصالح العباد في الدنيا والآحرة.

من جهة آخرى، يسيئ  إلى فهم  الدولة المدنية من يفرق بين المجتمع المدنيّ والدولة المدنيّة، حيث يرى أن الدولة المدنية إنما نشأت في مقابل الدولة الدينية، أما المجتمع المدني، فنشأ في مقابل المجتمع الذي تديره الحكومة الشمولية من خلال مؤسساتها، إلا أنه لافرق بينهما، بل كلاهما قاما ضد الدولة الشمولية ومنها الدولة الدينية، وعلى هذا الأساس، لا مبرر للتفرقة بينهما.

فالمجتمع المدني كما قال الدكتور عبد الله الصبيح:«هو الذي ينشئه المواطنون من خلال روابط المدرسين ونقابات العمال وأصحاب المهن، والمؤسسات الخيرية، وليس للحكومة علاقة به سوى علاقة الإشراف العام المتمثلة في وضع النظم واللوائح ومراقبة تنفيذها، وهو أقرب إلى المجتمعات في العصر النبوي والخلافة الراشدة، فالحكومة في عصر الرسول، صلى الله عليه وسلم، وفي الخلافة الراشدة لم تكن شمولية تسيطر على كل جزئية في المجتمع، وإنما تركت الكثير من شؤون الناس لهم ليديروها، حسبما يرون وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، بل إن التاريخ الإسلامي لم يكن يعرف الدولة الشمولية، هذه التي نشأت في أوروبا، وكان الكثير من الناس يديرون شؤونهم ومصالحهم من غير تدخل من الحكومة»[36].

الوحدة والانقسام في فكر سيد قطب:

إن فكر الوحدة والانقسام في مفهوم الدولة عند سيد قطب، يشترك مع الإمام الخميني في  وحدة الدولة الإسلامية وعالميّتها، وهي وحدة لا تتجزء، وتقوم على الوحدة الكبرى بين الرسالات جميعاً، والتي تجعل من الأمة المسلمة، الأمة الوارثة لتراث العقيدة القائمة على دين الله في الأرض، الموصولة بهذا الأصل العريق، السائرة في الدرب على هدى ونور، والتي تجعل من النظام الإسلامي النظام العالمي الذي يملك جميع الحياة في ظله دون تعصب ولا اضطهاد[37] .

وتلك الوحدة عند سيد قطب تجعل الشريعة مرجعا للدولة في تنظيم أوضاعهم وحياتهم وحقوقهم وواجباتهم.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

.............................

[1] - الخميني، الحكومة الإسلامية،ص30.

[2] - المصدر السابق،ص30.

[3] - الخميني، الحكومة الإسلامية، ص30-31.

[4] - المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة، المركز العالمي، للدراسات الإسلامية، قم،  إيران، ط1/1408ھ، ج1/ص10.

[5] - الخمنيني، الحكومة الإسلامية، ص31-32.

[6] - عبد القادر عوده،  التشريع الجنائي الإسلاميّ مقارنا بالقانون الوضعي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، (بدون تاريخ الطبع) ج1/ص26.

[7] - المصدر السابق،ج1/ص89.

[8] - محمد الحسيني،  التكييف الدستوري لشكل الدولة الإسلامية، مركز ابن إدريس الحلي الفقهية،  النجف، العراق، ط1/2008م،ص37.

المصدر السابق،ص37.

[9] - سورة آل عمران، آية:103.

[10] - سورة الأنبياء، آية:92.

[11] - سورة  المؤمنون، آية:52.

[12] - محمد علي التسخيري،  الدولة الإسلامية: دراسات في وظائفها السياسية والإقتصادية، مجلة التوحيد،  طهران،  إيران، ط1/1994م،  ص74-76.

[13] - عبد القادر عودة،  التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي، دار الكتب الإسلامية، بيروت، لبنان(بدون تاريخ الطبع)، ج1/ص321.

[14] - الخميني، الحكومة الإسلامية،ص39.

[15] - الشيخ علي الخازم، الوحدة الإسلامية في خط الإمام الخميني،(تاريخ النشر، -27- 2- 2010م، ) أنظر الرابط: http://www.taqrib.info/arabic/index.php?option=com_content&view=article&id=353

[16] -  النائب  الحاج عبد الله  قصير، الوحدة الإسلامية في الفكر الإمام الخميني الرؤية وآليات العمل،(تاريخ النشر 23- 12- 2003م)، أنظر الرابط: http://www.almaaref.org/books/contentsimages/books/nadawat/alwehda_alislameya_almortakazat_walnataej/page/lesson1.htm

[17] - عبد الكريم آل نجف،  الدولة الإسلامية دولة عالمية، الأمانة العامة لمجلس الخبراء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، طهران، إيران، ط1/1382ھ،ص171.

[18] - الشيخ علي الخازم، الوحدة الإسلامية في خط الإمام الخميني،( تاريخ النشر، 27 -2- 2010م، ) أنظر الرابط: http://www.taqrib.info/arabic/index.php?option=com_content&view=article&id=353

[19] - المصدر السابق،ج1/ص477.

[20] - المصدر السابق،ج6/ص333.

[21] - سيد قطب، العدالة الاجتماعة في الإسلام، دار الشروق، القاهرة، ط13/1993م، ص82.

[22] -، سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق القاهرة،  مصر، ط1/1981م،ص68.

[23] - الشيخ يوسف القرضاوي الصحوة الإسلامية، دار وهبة القاهرة، مصر،  ط2/1997م، ص188.

[24] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، مصر، 2/1997م،  ج2/ص210.

[25] - المصدر السابق،ج1/ص295.

[26] - المصدر السابق،ج4/ص11.

[27] - المصدر السابق،ج4/ص11.

[28] -  صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة ، ط/ 1994م ، ص148.

[29] - إبراهيم غرايبة، الاصلاح وفلسفة الهجرة والاستيطان، (تاريخ النشر، 30-4-2010م)،أنظر الرابط: http://www.alwihdah.com/issues/islamic-life/2010-04-26-1810.htm

[30] - سورة الأنفال،آية:72.

[31] - أحمد قائد الشعيبي،  وثيقة المدينة: المضمون والدلالة، تقديم، عمر عبيد حسنه،

أنظر  الرابط: http://library.arabia-it.com/books/book_read.aspx?bookid=102#pid=189

[32] - محمد مسعد ياقوت،  نبي الرحمة.. الرسالة والإنسان، تقديم، د. فريد عبد الخالق، الزهراء للإعلام العربي، القاهره، مصر ط1/2007م،ص3.

[33] -  د. عبد المنعم أبو الفتوح، نفي ما نشر على لسانه عن دولة علمانية في فلسطين المحتلة جريدة الدستور المصرية ، الصادرة في يوم الخميس،(تاريخ النشر، 12-4-2007م).

[34] - علي بن نايف الشحود، الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل،( (بدون تاريخ الطبع والناشر). ج2/ص435.

[35] - ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق، علي شيري، دار احياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط1/1988م، ج7/ص312.

[36] -  د. عبد الله الصبيح، الدولة في الإسلام، بين التبعية واستقلال التصور،( تاريخ النشر، 27-5-2006م)،أنظر الرابط: http://islamtoday.net/nawafeth/artshow-42-7328.htm

[37] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة،  مصر، 2/1997م،ج1/ص92.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4835 المصادف: 2019-12-01 12:36:49