 دراسات وبحوث

مفهوم أصول الدين (علم الكلام) كعلم مصطلح عند المتكلمين

بدر الدين شيخ رشيدإن أصول الدين حسب مفهوم المتكلمين يأخذ على شكل أوسع من مفهوم أصول الإعتقاد الثلاثة الذي سبق الإشارة إليه- أي الإيمان بالله واليوم الآخر وبعثة الأنبياء- في مبحث رؤية المتكلمين والفلاسفة في تحديد مفهوم أصول الدين، حيث إن مفهومه يطلق على ما يتعلق بعلم العقائد حسب مفهوم المتكلمين. وذلك، لما التقت حضارة الإسلام بالأمم السابقة، ودخلت الأمم السابقة في الإسلام وجٌد فرق إعتقادية في دائرة الإسلام، وأخري غير إسلامية. فحاول المتكلمون إستعمال آلات جديدة للدفاع عن العقائد الإسلامية. ومن هنا نشأ ما يعُرفُ بعلم الكلام، لتحديد ما يجب الإعتقاد به من أصول الدين..

 في بيان سبب نشأة علم الكلام وتطوره، يقول الدكتور علي الشابي، في كتابه: «مباحث في علم الكلام والفلسفة»:«وحين تطور علم الكلام في ظل الأحداث السياسية، والترجمة من اليونانية، والفهلوية، وانفتاح حضارة الإسلام للحضارات الوافدة، إتسع علم الكلام للفلسفة وبالتالي، لمحاور فلسفة أصبحت جزءا منه، كالبحث في الجوهر، والعرض، والذرة، والخلاء، والحركة، والسكون، والزمان، والمكان. وتناول كذلك مبحث الإمامة، لأن الشيعة إعتبروها أصلا من أصول الدين. فأقتضي هذا من أهل السنة ومن الخوارج تنالها وإقحامها في مباحثهم الكلامية للرد على الشيعة» 1.

 الإمام الشهرستاني [ت:548ھ/1153م]حاول تأسيس أصولٍ ثابتةٍ يمكن إرجاعُ المسائل الكلامية إليها، والتي إختلفت فيها الفرقُ الإسلاميةُ. حيث حدد الشهرستاني هذه الفرق الإسلامية في أربعة فرق إسلاميّة، ثم بناها على قواعد أربعة. وهذه الفرق هي: القدرية، والصفاتية، والخوارج والشيعة، ثم يتركب بعضها مع بعض، ويتشعب عن كل فرقة أصناف، فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة 2 .

 بنى الإمام الشهرستانى الفرق الإسلاميّة على قواعد وضوابط، حسب إختلافهم في أصول المسائل الإعتقادية. وقد إختار هذا المنهج ليسهل تعديد الفرق؛ لأن من قبله من المتكلمين لم يتفقوا على منهاج واحد في تعديدها فقال:« إعلم أن لأصحاب المقالات طرقا في تعديد الفرق الإسلامية، لا على قانون مستند إلى أصل ونص، و لا على قاعدة مخبرة عن الوجود. فما وجدتٌ مصنِفِيْن منهم متفقين على منهاج واحد في تعديد الفرق. ومن المعلوم الذى لا مراء فيه، أنه ليس كل من تميزه عن غيره بمقالة ما، في مسألة ما، عُدَ صاحب مقالة، وإلا فتكاد تخرج المقالات عن حد الحصر والعد، ويكون من إنفرد بمسألة فى أحكام الجواهر مثلا معدودا في عداد أصحاب المقالات. فلابد إذن من ضابط فى مسائل هي أصول وقواعد، يكون الإختلاف فيها إختلافا يعتبر مقالة، ويعد صاحبه صاحب مقالة. وما وجدتُ لأحد من أرباب المقالات عناية بتقرير هذا الضابط، إلا أنهم إسترسلوا في إيراد مذاهب الأمة كيفما إتفق. وعلى الوجه الذي وجد، لا على قانون مستقرٍ وأصل مستمر، لذا إجتهدتٌ على تيسير من التقدير... حتى حصرتها في أربع قواعد، هي الأصول الكبار»3 .

القاعدة الأولى: الصفات والتوحيد. وتشتمل هذه القاعدة مسائل مثل: الصفات الأزلية، إثباتا عند جماعة ونفيا عند جماعة. وبيان صفات الذات، وصفات الفعل وما يجب لله تعالى، وما يجوز عليه، وما يستحيل. وقد إختلف مسائل هذه القاعدة: الأشعرية، والكراميّة، والمجسمة، والمعتزلة.

القاعدة الثانية: القدر والعدل. وتشتمل على مسائل منها: القضاء، والقدر، والجبر والكسب، وإرادة الخير والشر، والمقدور، والمعلوم، إثباتا عند جماعة، ونفيا عند جماعة. وأختلف فيها: القدرية، والنجارية، والجبرية، والأشعرية، والكرامية.

القاعدة الثالثة: الوعد والوعيد، والأسماء والأحكام. وتشتمل على مسائل منها: الإيمان، والتوبة، والوعيد والإرجاء، والتكفير والتضليل، إثباتا على وجه عند جماعة ونفيا عند جماعة.. وأختلف فيها:المرجئة والوعيدية، والمعتزلة، والأشعرية، والكرّاميّة.

القاعدة الرابعة: السمع والعقل، والرسالة والإمامة. وتشتمل على مسائل مثل: التحسين، والتقيبح، والإصلاح والأصلح، واللطف، والعصمة في النبوة. وشرائط الإمامة، نصا عند جماعة (كالإمامية)، وإجماعا عند جماعة(كالأشاعرة). وكيفية إثباتها على مذهب من قال: بالإجماع. والخلاف فيها بين الشيعة، والخوارج، والمعتزلة، والكرامية، والأشعرية 4.

 فإذا نظرنا إلى جدليّة الإمامة عند الشيعة الإمامية والأشعرية، نجد أنها تكمن في القاعدة الربعة، حيث إن أول الخلاف بينهما ينشأ من جهة وجوب الإمامة؛ وذلك هل تجب الإمامة عن طريق العقل؟ أم أنها تجب عن طريق السمع، (أى النقل)؟. ثم ما يترتب على من علة الوجوب، وذلك هل هى من باب التكليف، فيجب نصب الإمام على الأمة؟ أم من باب اللطف فيجب على الله التعيين منه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؟ وذلك لصعوبة معرفة الأفضل من الأمة. ثم إشكاليّة عصمة النبوة، وما يترتب عليها من عصمة الإمام عند من يشترطها كالإماميّة.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

 ..................

1 -الشابي، د/علي الشابي، مباحث قي علم الكلام والفلسفة، داربوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع، تونس، ط2/1984م، ص10.

2 - الشهرستانى، الملل والنحل، تحقيق، محمد سيد كيلاني، دارالمعرفة، بيروت، لبنان، (بدون رقم الطبعة والتاريخ) ج1/ص15

3 - المصدر السابق، ج1/ص15.

4 - المصدر السابق، ج1/15. 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4862 المصادف: 2019-12-28 02:21:30