 دراسات وبحوث

الرسالة الأدبية التراثية

نجلاء الوركليرسالة النصيحة الغياثية للحسن اليوسي نموذجا

تقديم: يُعد التراث، باعتباره ممارسة نظرية وسلوكية في مرحلة تاريخية ما، وفي سياق تاريخي ما، أهم زاد تلجأ إليه الأمم إذا ما أرادت أن تشق طريقها نحو تعميق فهمها لذاتها وإنجاز ممارساتها التجديدية التي تنتقل من خلالها نحو التقدم والازدهار والتنمية. إن هذه الممارسة، أو ما أنتجته النخبة من علوم نظرية وعملية لم تتوفر، بعد، وفي عالمنا العربي بشكل عام، وفي بلاد المغرب بشكل خاص، كل الشروط الضرورية الملائمة التي تسهم في نفض الغبار عن العديد من المخطوطات التي ما زالت تسكن الخزانات العامة والخاصة بإخراجها إلى الوجود بعد فحصها وغربلتها وتحقيقها واستثمار مضامينها بما يفيد في تأصيل النموذج التنموي الذي يناسب الأمة ويتلاءم مع خصوصياتها.

إن المغرب المعاصر، وهو يقيم صرح دولته الحديثة، كغيره من الأمم، في حاجة ماسة إلى تأصيل اختياراته ومشروعه المجتمعي ونموذجه التنموي. وهذا التأصيل لن يجده ملائما في النماذج المستوردة من الخارج حتى لو كانت نماذج ناجعة في بلدانها الأصلية. وإنما يجده في تراثه الغني والمتنوع. لذا هو في حاجة إلى الاهتمام بهذا التراث الفكري الذي ما زال جله حبيس الخزانات العامة والخاصة وذلك بالكشف عنه والقيام بما يلزم حتى تتحقق الاستفادة منه.

من الشخصيات الفكرية التراثية، التي يحتاج ما تركته من إنتاجات إلى المزيد من الاهتمام، نجد العلامة الحسن بن مسعود اليوسي. الذي يمثل بشخصيته الفكرية المتعددة المداخل " تعميقا لمطامح الجماهير الشعبية المغربية في نضالها لتحقيق العدالة الاجتماعية، وصنع عالم أفضل أساسه تلك العقيدة السامية التي تقوم بالدرجة الأولى على التحرر المطلق من كل عبودية" ([1]). لقد كان اليوسي صاحب بناء فكري متكامل. انخرط في مواجهة مشاكل عصره الاجتماعية والسياسية، فكان نموذجا للمثقف العضوي في عصره، يحقق فكره في ذاته وذاته في فكره، دون أن تجعله الظروف الاجتماعية والسياسية يعيش في ذاته ذلك التناقض الذي " يعانيه الأديب العربي اليوم من انفصام يجعل غالبا حياة المثقف وأفكاره على طرفي نقيض" ([2]).

ترك اليوسي تراثا مهما ومفيدا أغنى به الخزانة المغربية والعربية والعالمية، فكان من بين ما أنتج محاضراته ورسائله.

اعتبارا لأهمية هذه الرسائل قامت الباحثة المغربية فاطمة خليل القبلي بمجهود جبار استهدفت به جمع هذه الرسالة وتحقيقها حتى تقربها من فئة أوسع من الباحثين والمهتمين. وفي هذه الدراسة سنعمل على تحليل إحدى هذه الرسائل ومن خلالها نبرز الخصائص المضمونية والفنية لرسائل اليوسي من جهة، ونسلط الضوء على مقومات أدب الرسائل في المغرب في فجر المغرب العلوي من جهة ثانية، ونكتشف أهم المحاور التي استقطبت اهتمام علماء ومفكري ومثقفي هذه الحقبة التاريخية المهمة في تاريخ المغرب.

أولا: الإطار النظري:

لا يستقيم الخوض في تحليل نص تراثي، مهما كان، دون ربطه بإطار نظري مؤطر لطبيعة هذا التحليل وخلفياته وأهدافه. فتحليل النص النثري، كغيره من النصوص، يستند إلى منهج سواء تم التصريح به او لم يتم التصريح. والمنهج، بدوره، يستند إلى نظرية تشكل إطاره وخلفيته. فكما لا يوجد نص بريء لا توجد قراءة نقدية أو تحليلية بريئة. ولما كان الغرض الأساس في هذه الدراسة هو تحليل رسالة من رسائل العلامة الحسن اليوسي بهدف الوقوف على خصائصها الفنية والموضوعية فإن ذلك، إن كان لا يسمح بتعميق البحث النظري وإبراز الخلفيات، فهو يتطلب، بالتأكيد، الاستناد إلى عدد من الدعائم النظرية والمنهجية ومنها دعامة تأصيل الرسالة ضمن مجالها الإبداعي باعتبارها فنا من الفنون الأدبية ورافدا من روافد النثر الفني، وكذا الاعتماد على خطوات منهجية تساعد في عرضه بشكل يجعله أقرب إلى حقل البحث العلمي.

مفهوم الرسالة الأدبية:

ينحدر لفظ رسالة من مادة رسل في اللغة العربية.  فقد ورد في مادة رسل: الرسل: القطيع من كل شيء، والجمع أرسال. وأرسلوا إبلهم إلى الماء أرسالا أي قِطعا. واسترسل إذا قال أرسل إلىّ الإبل أرسالا. وجاؤوا رِسلة أي جماعة جماعة. والرِّسل والرِّسلة: الرفق والتؤدة. وترسل في قراءته: اتَّأد فيها. وفي الحديث كان في كلامه ترسيل أي ترتيل؛ ويقال ترسَّل الرجل في كلامه ومشيه إذا لم يتعجل. والمراسيل: جمع مرسال وهي السريعة السير. واسترسل إليه أي انبسط واستأنس. وقال ابن جنبة: الترسل في الكلام التوقر والتفهم والترفق من غير أن يرفع صوته شديدا. وتراسل القوم: أرسل بعضهم إلى بعض. وأرسل الشيء: أطلقه وأهمله.([3])

وكما تتطور اللغة بتطور مجالات استعمالها وتطور الحاجة إلى تحيينها، "تطور مفهوم لفظ رسالة من الاستعمال الحسي إلى الاستعمال المعنوي، فقد ذكر ابن منظور أن الإرسال يعني التوجيه، والإسم الرِّسالة والرَّسالة، ثم تطور هذا المفهوم للفظ رسالة وانطلق من المجال اللغوي ليدل على كل كلام يراسل به من بعيد([4]).

وقد ذكر صاحب كتاب " كشاف اصطلاحات الفنون" أن الرسالة في الأصل الكلام الذي أرسل إلى الغير. وخصت في اصطلاح العلماء بالكلام المشتمِل على قواعد علمية. والفرق بينها وبين الكتاب على ما هو المشهور إنما هو بحسب الكمال والنقصان والزيادة والنقصان([5]).

أما اصطلاحا فالرسالة فن أدبي ينتمي إلى مجال النثر الفني. ارتبط بالكتابة فلم يعرف أن العرب كان لها من هذا الفن في عصرها الجاهلي وإنما سيظهر في عصر التدوين وخاصة في القرنيين الثاني و الثالث الهجريين حيث برزت أسماء اعتمدت الرسالة شكلا من أشكال التعبير والتواصل ومعالجة القضايا الآنية ومن هؤلاء نذكر الجاحظ.

من الضروري التأكيد على أن التراث النثري العربي القديم لم يحظ بالاهتمام الذي حظي به التراث الشعري وخصوصا في العصر الجاهلي. وهذا ما يؤكده الدكتور زكي مبارك بقوله" إن النقاد لم يعطوا للنثر ما أعطوا للشعر من العناية: فلسنا نجد في كتب النقد تلك الأبحاث المطولة التي يراد بها رد معاني الكتاب إلى مصادرها الأولى على نحو ما فعلوا في درس معاني الشعر وبيان المبتكر منها والمنقول"([6]). ويضيف " فالشعر في نظر النقاد من العرب أكثر حظا من الفن واولى بالنقد والوزن. والنثر مهما احتفل أصحابه بإتقانه وتجويده لم ينل من أنفس النقاد منزلة الشعر، ولذلك قلَّت العناية بتقييد أوابده، والنص على ما فيه من ضروب الإبداع والابتكار أو دلائل الضعف والجمود"([7]).

وبطبيعة الحال، هناك أسباب وراء عدم الاهتمام بالنثر الفني العربي في العصر الجاهلي وفي العصر الإسلامي الأول  ومن هذه الأسباب نذكر ضعف انتشار الكتابة في هذا العصر والاعتماد على الذاكرة في حفظ التراث وأن الشعر أقرب وأسهل للحفظ والتخزين في الذاكرة منه إلى النثر حيث قال الدكتور زكي مبارك " كان للعرب قبل الإسلام نثر فني يتناسب مع صفاء أذهانهم، وسلامة طباعهم، ولكنه ضاع لأسباب أهمها شيوع الأمية وقلة التدوين وبُعْدُ ذلك النثر عن الحياة الجديدة التي جاء بها الإسلام ودوَّنها القرآن"([8]). ويضيف في نفس الاتجاه" إن العرب في الصدر الأول من الإسلام تناسوا عامدين أبوابا كثيرة من الأدب الذي كان محفوظا قبيل الإسلام، صيانة للوحدة الإسلامية من عبث الأهواء(...) والذي نقضي به في الشعر هو نفس ما نقضي به في الرسائل والخطب والأسجاع، فمن عسى ان يكون ذلك المسلم الذي يستبيح رواية خطب الكهان ورسائلهم وأسجاعهم وهي تفيض بالروح الوثنية؟"([9])

إن البحث في التراث النقدي عن النثر الفني ومكوناته، للأسباب السالفة الذكر، يكاد لا يعْثُر على دراسة لأدب الرسائل في العصر الجاهلي والإسلامي الأول. وهذا ما يفسر القول بظهور أدب الرسائل مع عصر التدوين.

تٌعدُّ الرسائل على حد تعبير عمر الدسوقي " من أقدم فنون الأدب في النثر العربي، منذ استحالته إلى صناعة فنية على يد عبد الحميد الكاتب، وكان للرسائل شأن عظيم في أخريات العصر العباسي، ونبغ فيه جمهرة من أكابر الأدباء"([10]).

أما الأدباء الأندلسيون فكانوا يطلقون الرسالة على "ما ينشئه الكاتب في نسق فني جميل في غرض من الأغراض، ويوجه إلى شخص آخر، ويشمل ذلك الجواب والخطاب.([11]) ويرادف لفظ الرسالة في الأدب الأندلسي لفظ كتاب حيث " دلّ هذا اللفظ منذ البداية الأولى لأدب الرسائل في الأندلس على ما كان يدل عليه لفظ رسالة، وهو الإشارة إلى النص المكتوب الذي يبعث به الكاتب إلى غيره في أي موضوع([12]). لذلك، يقول صاحب أدب الرسائل في الأندلس أن الباحث يخرج في هذا الأمر إلى القول" بأن لفظ رسالة في الأدب الأندلسي إنما كان يقصد به الرسالة النثرية الفنية أي القطعة النثرية التي يُدبجها الكاتب في نسق فني جميل في غرض من الأغراض، ويبعث بها إلى شخص آخر([13]) . ومن ثمة فالرسالة حسب ما ذهب إليه في هذا الكتاب هي لون من ألوان النثر الفني الجميل، وضرب من ضروبه التي تنهال على القريحة انهيالا، ولا يكاد يختلف مفهوم الرسالة الفنية عند الأندلسيين عن مفهومها عند المشارقة، فالأدب في عرفهم جميعا ينقسم إلى أصلين أساسيين: منظوم ومنثور، والمنثور منه الخطب والرسائل، وهما فن واحد أو فنان متقاربان يقابلان الشعر([14])

ورد في كتاب صبح الأعشى في معنى الرسائل أنها جمع رسالة والمراد فيها أمور يرتبها الكاتب: من حكاية حال من عدو أو صيد، أو مدح وتقريض، أو مفاخرة بين شيئين، او غير ذلك مما يجري هذا المجرى. وسميت رسائل من حيث أن الأديب المنشئ لها ربما كتب بها إلى غيره مخبرا فيها بصورة الحال، مفتتحة بما تُفتتح به المكاتبات، ثم تُوُسِّع فيها فافتتحت بالخطب وغيرها.([15])

الرسائل: دواعيها ومكانتها في الأدب

تعتبر أهمية الرسالة من أهمية النثر الفني في الأدب كما هي أهمية الجزء من أهمية الكل في الفيزياء. لذا نجد صاحب كتاب " صبح الأعشى " في خضم حديثه عن الشعر والنثر يُبرز أهمية النثر بالقول بأن "المقصود الأعظم من النثر الخطب والترسُّل، وكلاهما شريف الموضوع حسن التعلق"([16]) وأن "الترسل مبني على مصالح الأمة وقوام الرعية لما يشتمل عليه من مكاتبات الملوك وسَرَاة الناس في مهمَّات الدِّين وصلاح الحال وبَيْعات الخلفاء وعهودهم، وما يصدر عنهم من عهود الملوك، وما يلحق بذلك من ولايات أرباب السيوف والأقلام الذين هم أركان الدولة وقواعدها. إلى غير ذلك من المصالح التي لا تكاد تدخل تحت الإحصاء ولا يأخذها الحصر([17]).

لقد جعل القلقشندي الرسالة والمكاتبة ذات شأو عظيم. حيث يقول: "إذ الترسل والمكاتبات أعظم من كتابة الإنشاء وأعمها من حيث أنه لا يستغني عنه ملك ولا سوقة، بخلاف الولايات فإنها مختصة بأرباب المناصب العلية دون غيرهم، وعلى ذلك بنى الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي رحمة الله تسمية متابه" حسن التوسل، إلى صناعة الترسُّل" ([18])

ولهذه الأهمية التي يحظى بها فن الرسالة كشكل من أشكال الكتابة الإنشائية، بل باعتبارها أرفع مكانة بين هذه الأشكال، فإنها تستلزم الكثير منها "زيادة في العلم، وغزارة الفضيلة، وذكاء القريحة، وجودة الرويَّة: لما يحتاج إليه من التصرف في المعاني المتداولة والعبارة عنها بألفاظ غير الألفاظ التي عبر بها من سبق إلى استعمالها مع حفظ صورتها وتأديتها إلى حقائقها، وفي ذلك من المشقة مالا خفاء فيه على من مارس الصناعة، وخصوصا إذا طلب الزيادة والعلو على من تقدمه في استعمالها، أو حذا حذو رسوم المبرزين الذين ينتحلون الكلام ويُوقِعُونه مواقعه مع مراعاة رشاقة اللفظ، وحلاوة المعنى، وبلاغته ومناسبته مع ما يحتاجه من اختراع المعاني الأبكار للأمور الحادثة التي يقع مثلها، ولا سبق سابق إلى كتابتها – لأن الحوادث والوقائع لا تتناهى ولا تقف عند حد"([19]) . إنها تشتمل على البيان الدالّ على لطائف المعاني التي هي زبد الأفكار وجواهر الألفاظ، التي هي حلية الألسنة، وفيها يتنافس أصحاب المناصب الخطيرة، والمنازل الجليلة، أكثر من تنافسهم في الدرّ والجوهر" ([20])

واعتبارا لخطورة الرسالة بما تحدثه من أثر، وبما يحظى به كتابها من مكانة اجتماعية ودور في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية فقد جعلها صاحب " صبح الأعشى " محاطة بضوابط وافترض في أصحابها أن يتصفوا بصفات وآداب واجبة وصفات عرفية.

فأما الصفات الواجبة فمنها الإسلام وهي الصفة الأولى" ليؤمن فيما يكتبه ويمليه. ويوثَق به فيما يذره ويأتيه. إذ هو لسان المملكة، المرهب للعدو بوقع كلامه، والجاذب للقلوب بلطف خطابه"([21]). ومنها الحرية لما في العبد من نقص ولما قد يشوبه من ضعف الثقة. ومنها التكليف، إذ لا وثوق في كلام الصبي ولا يعتمد عليه. ومنها العدالة، إذ لا ثقة في الفاسق.  ومنها البلاغة، " فرب كاتب بليغ أصاب الغرض في كتابته فأغنى عن الكتائب، وأعمل القلم فكفاه إعمال البيض القواضب؛ وإذا كان جيد الفطنة صائب الرأي حسن الألفاظ، تتأتى له المعاني الجَزْلَة فيجلوها في الألفاظ السهلة، ويختصر حيث يكون الاختصار، ويطيل حيث لا يجد عن الإطالة بدَا ويتهدد فيملأ القلوب روعة، ويشكر فيلقي على النفوس مسرة([22]). ومنها أيضا وفور العقل وجزالة الرأي لأن العقل " أس الفضائل وأصل المناقب؛ ومن لا عقل له لا انتفاع به، وكلام المرء ورأيه على قدر عقله؛ فإذا كان تام العقل كامل الرأي، وضع الأشياء في مكاتباته ومخاطباته في مواضعها، وأتى بالكلام من وجهه.([23])  ومنها أيضا صفة العلم بمواد الأحكام الشرعية، والفنون الأدبية وغيرها. ومنها كذلك قوة العزم وعلو الهمة وشرف النفس.

أما الصفات العرفية فقد نقل صاحب " صبح الأعشى" عن المهذب بن مماتي في كتابه" قوانين الدواوين" قوله: " ينبغي أن يكون الكاتب أديبا، حاد الذهن، قوي النفس، حاضر الحس، جيد الحدس، حلو اللسان، له جراءة يثبت بها الأمور على حكم البديهة، وفيه تُؤَدة يقف بها فيما لا يظهر له على حد الروية، شريف الأنفة، عظيم النزاهة، كريم الأخلاق، مأمون الغائلة، مؤدم الخدام"([24])

أما الآداب التي يجب أن يتصف بها كتاب الرسائل فقد جعلها في نوعين وهي كثيرة فتشمل حسن السيرة وشرف المذهب ولذلك شروط ولوازم منها تقوى الله وطلب الأجر ومجانبة الرِّيب والتنزه عنها ولزوم العفاف وطلب العفاف والحمد والاقتصاد في طلب اللذة والاقتصار من ذلك على ما يقيم المروءة من أفضل الأخلاق وأشرفها ومنها كذلك حسن العشرة بما تعنيه من المعاني كالإخلاص والنصيحة والاجتهاد وكتمان السر والشكر والوفاء ومجانبة الإدلال والتمسك بآداب الخدمة.

إذن فن التراسل والمراسلة وكتابة الرسائل نشأ، كشكل فني قائم الذات، في دواليب الدواوين، وقد حظي بالاهتمام فكانت له المكانة والحظوة. وهو ما دعا إلى إحاطة من يقبل عليه بشروط ولوازم. كما تطور في سياق تنوع مظاهر الحياة وتكاثفها وتوسع رقعة البلاد الإسلامية وانتشار الإسلام بين الأمم غير العربية مما اقتضى التعبير والتواصل والتخاطب بشكل يتلاءم وهذه الوضعية الجديدة حتى يعم الفهم ويحصل الأثر المرغوب.

بفعل تطور الحياة، ومن أجل التواصل مع عامة الناس والتأثير فيهم تهيأت الظروف أمام هذا الفن ليتوسع ويتطور فخرج من الدواوين ومجالات اشتغالها ليصبح شكلا من أشكال التعبير يعيش بين الناس كما عاش الشعر. فيتنوع شكلا ومضمونا.

أنواع الرسائل:

لقد تأثر النثر الأدبي بحركة النقل والترجمة التي ازدهرت في العصر العباسي الأول، ومن مجالات النثر الأدبي كانت الرسائل الأدبية التي نسميها اليوم بالمقالة حيث يقول الدكتور شوقي ضيف " حتى النثر الأدبي الخالص أخذ يتأثر بملكات اللغات الأجنبية وخاصة اللغة الفارسية على نحو ما هو معروف عن ابن المقفع وترجمته عن هذه اللغة لقصص كليلة ودمنة الهندي الأصل ونقله لكثير من آداب الفرس الاجتماعية والأخلاقية ونظمهم في السياسة والحكم، مما كان له أعمق الأثر في الرسائل الديوانية وفي نشوء الرسائل الأدبية التي تعنى بالكتابة في موضوع محدود، مما نسميه اليوم باسم المقالات، إذ يعالج الكاتب موضوعا في طائفة من الصحف.([25]) وقد صنف هذه الرسائل إلى:

الرسائل الديوانية وهو صنف ارتبط بتطور بنية الدولة ومتطلباتها ومنها نظام الدواوين الذي أصبح بنية إدارية مهمة في هيكلة الدولة حينئذ. ومع تطور هذه الدواوين تطورت الرسائل الديوانية حيث أضحت "الكتابة في هذا العصر الجسر الذي يصل الشخص إلى أرفع المناصب، وكان من يتقنها من الوزراء والقواد والولاة يلقى الإكبار والإعجاب في كل مكان.([26])

الرسائل الإخوانية والأدبية حيث " نمت الرسائل الإخوانية في هذا العصر نموا واسعا، ونقصد الرسائل التي تصور عواطف الأفراد ومشاعرهم، من رغبة ورهبة ومن مديح وهجاء ومن عتاب واعتذار واستعطاف، ومن تهنئة واستمناح ورثاء وتعزية، وكانت هذه العواطف تؤدى في العصر الأموي بالشعر، وكان من النادر أن تؤدى بالنثر.([27]) ويضيف أن هذه الرسائل الإخوانية دعت أصحابها إلى " أن يتحولوا بها إلى ما يشبه الرسائل الأدبية الخالصة، وهي التي تتناول خصال النفس الإنسانية وتصور أهواءها وأخلاقها وتوضح لها طريقها إلى الخير، حتى لا تسقط في مهاوي الشر.([28])

أما صاحب كتاب أدب الرسائل في الأندلس في القرن الخامس الهجري فقد بين تنوع الرسائل من حيث موضوعها ليشمل مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية والأدبية والفكرية حيث رصد أثناء هذه الفترة رسائل تنتمي إلى الاتجاه السياسي ورسائل تنتمي إلى الاتجاه الاجتماعي ورسائل في الجهاد والصراع مع الصليبيين والرسائل الدينية ورسائل المفاضلات والمفاخرات ورسائل النقد الأدبي ورسائل الفكاهة والرسائل الوصفية والرسائل الديوانية والرسائل الإخوانية. وقد أبرز الخصائص الفنية واللغوية لهذه الرسائل في هذه الحقبة التاريخية كما ذكر أشهر كتاب الرسائل في الأندلس.

خلاصة القول، أن أدب الرسائل فن أدبي أصيل، وباب من أبواب النثر الفني الجميل. له خصائصه المميزة التي تعطيه شكله الخاص الذي يميزه عن باقي الفنون الأدبية النثرية. تطور فن الرسالة بتطور التاريخ وتنوع مجالات الحياة. يعود أصلها إلى أصل النثر الفني، حيث ظهر منذ العصر الجاهلي واستمر وتطور في الحياة الأدبية العربية. لكنه سيتطور بشكل ملحوظ منذ القرن الثاني الهجري. ويكون للتدوين والكتابة الديوانية الأثر البالغ في رسم معالم جديدة لفن كتابة الرسائل لما سيحظى به من مكانة في حياة الناس الاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية. وستساهم الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية والدينية في انتشار هذا الفن ليصبح من بين أهم الأشكال التعبيرية التي يعتمدها العلماء والمفكرون والأدباء في معالجة القضايا التي تواجههم في الحياة اليومية.

ثانيا: رسائل الحسن بن مسعود اليوسي

يعتبر كتاب رسائل أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي، الذي ألفته جمعا وتحقيقا ودراسة الباحثة فاطمة خليل القبلي، المرجع الأساسي المعتمد في أدب الرسائل عند هذا العلامة المفكر والأديب المغربي. وهو كتاب يقع في جزأين. صدرت طبعته الأولى عن دار الثقافة سنة 1981. وهو في الأصل موضوع بحث باشرته الباحثة تحت إشراف أستاذها الدكتور عباس الجراري، عميد الأدب المغربي. وقام على جمع هذه الرسائل، التي لم يكن أغلبها معروفا في أوساط الدارسين على حد تعبير الباحثة. ولم تكن مادته الأولى متوفرة بسبب تشتت الرسائل وتواجدها بالمكتبات العامة والخاصة الأمر الذي تطلب منها جهدا ومثابرة وصبر وإرادة وعزيمة.

اعتمدت الباحثة في جمعها للمادة الأولية لهذا الكتاب على ما توفر من مخطوطات بالمكتبات العامة ( قسم الوثائق التابع للخزانة العامة بالرباط- الخزانة الملكية بالرباط – خزانة القرويين بفاس)، والمكتبات الخاصة ( مكتبة الأستاذ المرحوم العابد الفاسي بفاس – مكتبة الأستاذ محمد حماد الصقلي بفاس –مكتبة عبد الحي العمراوي بفاس – مكتبة محمد المنوني بالرباط – مكتبة الفقيه التطواني بسلا)، وفهارس المكتبات الذي أنجزه الأستاذ محمد المنوني الذي كلفته وزارة الثقافة بجرد وإحصاء المخطوطات المتوفرة بهذه المكتبات، وكذا فهارس جائزة الحسن الثاني للمخطوطات، ومخطوطات خاصة في ملك الباحثة.

ومن أهم الكتب التي أُلفت حول الحسن اليوسي، كتاب " عبقرية اليوسي" لعميد الأدب المغربي الدكتور عباس الجراري. وهو كتاب صادر عن دار الثقافة سنة 1981. كتاب سلط الضوء على هذه الشخصية المغربية الفكرية المتميزة في بعدها الخاص والعام. لذا فهو يستحق القراءة كما يستحق الحسن اليوسي أن يكون، من خلال ما تركه من مؤلفات، محط اهتمام لما تميز به فكره من عمق في التحليل ووضوح في الرؤية وسلامة في البناء العقدي ودقة في المعالجة وجرأة في القول وشجاعة في التعبير وتميز في الأسلوب وصفاء في المنهج وصدق في المقصد.

نبذة من ترجمة الحسن اليوسي:

في كتابه المحاضرات قدم اليوسي نفسه قائلا: أنا الحسن بن المسعود بن محمد بن علي بن يوسف بن أحمد بن إبراهيم ابن محمد بن أحمد بن علي بن عمرو بن يحيى بن يوسف، وهو أبو القبيلة ابن داوود بم يدراسن بن يننتو. والكنية أبو علي وأبو المواهب وأبو السعود وأبو محمد.([29])

ولد الحسن اليوسي سنة 1631م، وسط أسرة فقيرة وأمية، بإحدى قرى السفح الشمالي للأطلس الكبير الشرقي، الواقعة على وادي ورن، أحد روافد نهر ملوية العليا، بالقرب من جبل العياشي. وتوفي بقرية تمزيزت، 1691م. عايش مرحلة انتقال السلطة من يد السعديين إلى الأشراف العلويين وهي مرحلة اتسمت بالاضطراب وعدم الاستقرار إلى أن تمكن المولى الرشيد من تثبيت دعائم الاستقرار في الدولة. وفي ظل هذه المرحلة التاريخية نشأ وترعرع ونضجت شخصيته فكان عالما ومثقفا فاعلا في مجتمعه لا يتوانى في التعبير عن رأيه في قضايا الدولة والمجتمع ولا يتكاسل في القيام بمهمته العلمية والتعليمية والجهادية والإنتاجية.

تتكون حياة اليوسي من ثلاث فترات، كما حددتها جامعة رسائله. حيث شملت الفترة الأولى من حياته مقامه بين أسرته التي جعلته ينشأ نشأة دينية رصينة، وأثر بيئته عليه حيث كان لها الدور الأساس في تحديد ملامح شخصيته وتشكيل ثقافته وطبع أصالته وصقل مزاجه وترسيخ قناعته. وهي بيئة قروية "وعرة الطبيعة صعبة المراس تتسم بالحركة البشرية المتنوعة وبالاضطرابات والفتن والثورات."([30]) كما شملت هذه الفقرة رحلاته المتعددة لطلب العلم حتى انتهى به المطاف" إلى زاوية له بها من الصلاة العرقية والشعورية ما لم يتمكن من إخفائه ولا التغلب عليه في الفترة الأخيرة من عمره"([31]). أما الفترة الثانية فتتمثل في انتسابه للزاوية الدلائية طالبا ثم أستاذا وهي الفترة التي اكتملت فيها ملامح شخصيته الفكرية والعلمية والدينية. أما الفترة الثالثة فهي الفترة الحاسمة من حياته. إنها الفترة التي سيواجه فيها المشاكل والتحديات إن على مستوى علاقته بزملائه العلماء والفقهاء أو على مستوى علاقته بأولي الأمر. بل إنها مرحلة النضج والإنتاج والعمل الميداني المتواصل.

لقد كان اليوسي صاحب ثقافة موسوعية " تعكس ما كانت تلقنه الزوايا العديدة والرباطات البعيدة من مغرب آخر القرن الحادي عشر من ثقافة" ([32]) . فقد تلقى العلم في تنوعه، شمل علوم التفسير والحديث والتوحيد والفقه والأصول وعلوم التصوف وعلوم اللغة والبلاغة والأدب وكذا علوم الحساب والمنطق. وعندما اكتمل إدراكه في هذه العلوم ألف فيها وأنتج فكان إنتاجه غزيرا.

من بين أهم إنتاجاته كانت رسائله التي تعددت مواضيعها فكانت تعبيرا مستوفيا لمجالات اهتماماته وصورة عاكسة لسياقها التاريخي التي تميز بالاضطراب وعدم الاستقرار.

الخصائص المضمونية والفنية لرسائل الحسن اليوسي:

ارتبطت رسائل اليوسي في شموليتها بخصائص موضوعية وخصائص شكلية وفنية. نستحضرها مختصرة على الشكل التالي:

الخصائص الموضوعية:

جاءت رسائل اليوسي في أربعة محاور أساسية هي الشؤون العامة وأحوال المجتمع ثم التصوف والتوحيد والفقه على الشكل التالي:

تضمن المحور الأول المتعلق بالشؤون العامة وأحوال المجتمع أربعة جوانب هي:

نظريته في الحكم والسلطة القائمة انطلق فيها من مبدأ أساسي مفاده أن" الناس كلهم سواء في الحقوق وسواء في الواجبات، وأن ولي الأمر هو كواحد من الناس لا يتميز عنهم إلا بما يحمل من المشاق والمتاعب في مصالحهم، ابتلاء وامتحانا من الخالق سبحانه"([33]) . وهو مبدأ إسلامي أصيل. اقتنع به وناضل من أجله رافضا الخضوع والخنوع والتواطؤ مع الحاكم متشبثا بالحرية والاستقلالية الفكرية والجرأة الأدبية، مواجها بحزم لكل من يستغل الدين ويجعله أداة لإخضاع المجتمع ولمساندة النظام القائم. كما أنه لم يتهاون في مؤاخذة السلطان في شان طريقته ومنهجه في تدبير شؤون العباد ولعدم اعتماده على العلماء في الاستشارة والسند.

العلماء ودورهم في الأمة حيث ينطلق من فكرة أساسية مفادها أن العلماء هم أهل الحل والعقد يجب الأخذ برأيهم وطاعتهم. فقد كان يقدر" المسؤولية الخطيرة التي يضعها على عاتق العلماء. والدور الفعال والحيوي الذي يفرضه عليهم علمهم وتقواهم". ([34])

الدفاع عن مصالح الأمة المادية والمعنوية حيث ينطلق من قناعة دينية أصيلة مفادها أن محاسبة الحكام ومراقبتهم فرع من فروع الحرية وتساوي الحقوق. وقد ركز دفاعه عن حقوق الأمة على الجباية، وظلم الولاة والجهاد.

محاربة البدعة والجهل وتشويه تعاليم الدين الحنيف حيث دعا إلى الاعتناء بالتعليم ورفع الجهالة بين الناس وخصوصا بالبادية لأنه كان يدرك" مدى انتشار البدعة والضلال والفساد نتيجة لهذا الجهل الفادح"([35])، فجعل التعليم بالنسبة لأهل البادية " بمثابة تبليغ دعوة الإسلام وقد حاول جهده في المساهمة في رفع ذلك، فكان يعلم العلم ويبسط قواعد الإسلام ويشرحها، ويفتي أينما حل وارتحل."([36])

أما المحور الثاني فيتعلق بالتصوف حيث " عرف التصوف الموصول بالقلب والروح والمطبوع بالصدق والعمق، ولم يعرف أبدا ذلك التصوف الموصول بالإشارات والرسوم والتقاليد" ([37]). بل إن تصوفه لم يكن تصوفا ذاتيا انفراديا يدفع صاحبه إلى الابتعاد عن الناس والانفصال عن المجتمع، كما هو معتاد، ولكنه كان تصوفا اجتماعيا. "يمتاح من ذاته في تعمق لهذه الذات بكل ما يعمل فيها من مثيرات، دون أن يفقد خيوط الاتصال بالمجتمع والانصهار فيه لإمداده بالعطاء والتزود منه كذلك، طالما أنه يفكر فيه وينسجم معه ويستقي منه ويعبر عنه، بل طالما أنه يحاول التغلب على أزماته التمزقية ويسعى للحفاظ على تكامله."([38]) لم يكن التصوف بالنسبة لليوسي أمرا طارئا في حياته منفصلا عن ظروف نشأته وحياته، ولم يكن مجرد سبيل اتخذه للهروب من واقعه والاختفاء من حياة الناس والابتعاد عن قضاياهم وظروف عيشهم وأمور دينهم ودنياهم ولكنه جاء نتيجة تظافر عوامل تربيته الأولى ونفسيته المرهفة الإحساس وتفتحه المبكر على حياة الزهاد والصالحين. وتكون من عناصر ثلاثة: العقائد والأحكام الشرعية والآداب. وقام على "مبادئ سنية صافية لا تشوبها شائبة، ويتلخص أولا في تصحيح العقيدة ثم إقامة التكاليف الشرعية مع الاجتهاد في جعلها تتسم بالإخلاص والصدق والبعد عن الرياء، ثم البحث عن المعرفة من خلال التربية ومختلف الرياضات والمجاهدة النفسية"([39])

أما المحور الثالث فيتعلق بالتوحيد حيث ناقش خلاله قضايا تتعلق بالعقيدة والتوحيد، ناقشها فرق المفكرين من أهل السنة والمتكلمين والدهريين والفلاسفة ومن هذه القضايا قضية " حدوث العالم أو قدمه، وثبوت الصانع وعدمه، والصفات، والذات الإلهية أحسية هي أم معنوية، وجواز الكفر على الأنبياء والحديث من القرآن والقديم منه وعلم النبي صلى الله عليه وسلم. وغير ذلك من المواضيع الحساسة التي تناولها مفكرو الإسلام وغيرهم، وكثر فيها النزاع والنقاش"([40]).

أما المحور الرابع والأخير فيتعلق بقضايا الفقه. هذا المجال الذي يتميز عن باقي مجالات العلوم الإسلامية بالاجتهاد وضرورة مسايرته لظروف الناس وأحوالهم. حيث كان اليوسي فقيها على المذهب المالكي. مجتهدا كغيره من "الفقهاء الذين يتغلغلون في أدلة الأحكام، على اختلاف أنواعها ويؤيدون وينكرون في قوة حجة ومتانة رأي"([41])، فكانت فتاويه متزنة تستجيب لمتطلبات عصره، مناسبة لظروف وملابسات كل حالة على حدة، تأخذ بعين الاعتبار الظروف السياسية والاجتماعية. كما تميزت "باليسر في الأحكام وخفة التكليف، وعدم العسر والحرج، والأخذ بسياسة الشارع في الرفق الذي يجلب الإنسان إلى الطاعة بصفة تلقائية"([42])

الخصائص الفنية:

كما سبقت الإشارة، فإن أدب الرسائل ارتبط بمصالح الامة وقوام الرعية. فكانت الرسالة وسيلة للتواصل والتخاطب. توجه إلى عامة الناس فتميزت بلغتها وأسلوبها وقوتها الحجاجية. وانتشار أدب الرسائل دليل على توسع رقعة المستهدفين من الرسائل وتنوعهم واختلاف مستوياتهم. لذلك فإن الرسالة في عهد اليوسي حظيت بمكانة رفيعة وكان لها دور بارز. فقد كانت وسيلة الاتصال والمخاطبة والتفاوض ووسيلة لمخاطبة العلماء اولي الامر في الشؤون العامة ووسيلة لتقريب الأجوبة وتوصيلها لمن لا تتوفر له ظروف الأخذ عن العلماء مباشرة فكانت الوسائل المحببة بين العلماء لتبادل الرأي في قضايا الدين والدولة التي فيها اختلاف في وجهات النظر.

عرف المغرب في عصر اليوسي نوعين من الرسائل: رسائل ديوانية ورسائل إخوانية. فإذا كانت الرسائل الديوانية، كما كانت دائما تتعلق بأمور الدولة وتصدر عن الديوان السلطاني فإن الرسائل الإخوانية تناولت: مواضيع مختلفة كالنصيحة والوعظ والأسئلة والأجوبة العلمية والاستعطاف والاعتذار والشفاعات والشكوى والعتاب وغيرها"([43]) .

لقد اختلفت الرسائل من حيث مميزاتها الفنية من كاتب إلى آخر، فرسائل اليوسي كانت " خلاصة التجربة في التعبير التي مارسها في مؤلفاته ومصنفاته العلمية والأدبية التي أنتجها في مختلف العلوم". ([44]) ومن ثمة، جاء أسلوبه أسلوبا " خاليا من التعقيد والمحسنات المتكلفة"([45]) وجاءت رسائله تحمل طابعا تجديديا لأنه تصرف في الإطار العام للرسالة بإخضاعه لمتطلبات فكره. فجعل المقدمة " بسيطة قصيرة، يلخص فيها موضوع السؤال من غير إطناب ولا تكرار، يستعمل السجع فيها ولكنه لا يتقيد به دائما. وبعدها يتناول موضوع الرسالة فيعالجه" بطريقة جديدة غير ما تعودنا عليه في كتب الفقهاء والمتكلمين المتأدبين، ودون أن يستعمل مصطلحات المتخصصين إلا في النادر، يعالجه بطريقته الخاصة ويسلط عليه أضواء تحليله الشخصي، فيعدد الاحتمالات وينص على حكم كل احتمال ويقسم ويحدد، ويناقش ويحلل ثم يبدي رأيه الخاص مناقشا كل الاعتراضات المحتملة معززا آراءه بالحجج والبراهين"([46]). لقد تميزت رسائل اليوسي بأسلوبها وبميلها للكتابة العلمية  القائمة على التقسيم والترتيب والتفريع والتحديد وبلغتها الواضحة المحققة لدرجة عالية من الإفهام والفهم ينتقي ألفاظه بعناية فلا يستعمل غير الكلمات السهلة النطق ذات البنية الصوتية الخفيفة  ولا يستعمل غير العبارات السلسة الواضحة المتينة فكانت رسائله تحقق غايتها لدى المتخصصين كما عند العامة غير المتمكنين من اللغة العربية. ومن زاوية أخرى، يمكن القول بان رسائل اليوسي كانت رسائل علمية لأنها تزخر بالمصطلحات والمفاهيم العلمية كما كانت رسائل تاريخية لأنها تضمنت إشارات ومعطيات تاريخية مساعدة على فهم السياق الذي كتبت فيه كما أنها كانت رسائل حجاجية بامتياز لأنها تتضمن شواهد واقتباسات من القرآن الكريم ومن الحديث النبوي الشريف ومن الآثار ومن الأشعار وأقوال الصوفية.

رسالة النصيحة الغياثية:

سبق القول بان رسائل الحسن اليوسي جاءت في أربعة محاور. حيث أفرد للتصوف محورا خاصا. ولما كان الاهتمام برسائل اليوسي المتعلقة بآرائه في الشأن العام وأحوال المجتمع قد حظيت باهتمام او أكثر فقد ارتأينا أن نسير في اتجاه محور التصوف لإبراز أهميته. فإذا كانت الظروف التاريخية التي كانت يمر منها المغرب في عصر اليوسي قد دفعته إلى التفاعل مع هذه الظروف فكان ناصحا للحكام مناضلا إلى جانب العامة المظلومين صاحب رأي في مختلف القضايا السياسية والدينية لا يخشى في الحق لومة لائم فإنه، أيضا كان فقيها متصوفا له منهج وطريقة. فجاءت رسائله في هذا الباب رسائل في التربية الصوفية الحقة المبنية على المنهج القويم الذي يتخذ من الرسول صلى الله عليه وسلم سيد أرباب القلوب وقدوة العارفين. لذلك نجدها تهتم ببيان "المبادئ الأساسية للتصوف السني والتي منها: تصحيح العقيدة، والتفقه في الدين، وشرح طرق إصلاح القلوب، وتحليل الآداب الصوفية"([47]).  كما نجدها " تخاطب فئات مختلفة من المتصوفة يخاطب الأخ العالم الذي قطع بعض مراحل الطريق، ويخاطب الأخ المريد المبتدئ، ويخاطب جمهرة العوام من مريدين وغيرهم ممن يريد معرفة دينه والتفقه فيه. وهو يخاطب كل فئة بما يناسب أحوالها، وما هي مستعدة لفهمه وهضمه وتطبيقه"([48]).

بطاقة تعريف الرسالة الغياثية:

هي الرسالة السادسة من رسائل الحسن اليوسي. تنتمي إلى محور التصوف. وردت بالجزء الثاني من كتاب رسائل أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي الذي جمعتها وحققتها ودرستها الدكتورة فاطمة خليل القبلي. تتوفر نسخ عديدة لمخطوط هذه الرسالة ذكرت منها الباحثة سبعة. وهي رسالة معتمدة متناولة بين العامة في انحاء البلاد. تقول الباحثة بأنها أخذت عنوانها عن المخطوطة المعتمدة التي تتوفر بمكتبة محمد المنوني الخاصة. وهي تنتمي إلى فصيلة الرسائل الطويلة لأنها جاءت في خمس وأربعين صفحة من الكتاب.

تتعرض هذه الرسالة، كما جاء في تقديم الباحثة لها إلى" ماهية التصوف ورتب المتصوفة وخصائصهم وللتربية وآداب المريد وغير ذلك مما يتعلق بالتصوف السني الإسلامي." وهي رسالة ينتقد فيها اليوسي الشعوذة والادعاء والاتجار بالتصوف الذي كان شائعا في عهده.

الخصائص الموضوعية لرسالة النصيحة الغياثية:

تناولت رسالة النصيحة الغياثية أمور التصوف الأساسية وفي المقابل انتقدت كل ابتداع وشعوذة. ومن أهم ما يمكن استخلاصه من هذه الرسالة:

أن الله جعل التقوى سببا لخير الدنيا والآخرة. تحصل بالمحافظة على المأمورات وهي نوعان:

الظاهرة وهي سبعة شهادة الحق، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقامة الصلاة بشروطها وأركانها وإيتاء الزكاة بإخراجها على وجهها وصرفها في مصارفها والصيام كما وبما يجب والحج عند وجوبه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطه والجهاد إذا تعين.

الباطنة وتعني أحوال القلب المحمودات ومقامات اليقين المطلوبات وهي الإيمان بالله ورسوله وبما جاء به عن الله وشرع وحشر وعرض على الله وجنة ونار وغير ذلك. والتوبة من كل ذنب ظاهر وباطن، والرضا بقضاء الله والتسليم لأمر الله والتوكل في كل الأمور على الله. كما تعني المنهيات التي يجب اجتنابها ظاهرة كانت أو باطنة.

أن الله تعالى مدح التقوى وجعل أهلها أشرف الناس حيث يقول في محكم تنزيله" إن أكرمكم عند الله أتقاكم.

أن الاستقامة تحصل بصحة التقوى وهي حمل النفس على الأخلاق النبوية حتى تتخلق بها وتتحقق الاستقامة بمراعاة الأحوال وتوفية حق الله تعالى.

أن العبد لا يخلو من أربعة أحوال في دينه ودنياه: فإما يكون في طاعة أو معصية أو يكون في نعمة أو بلية حيث أن حق الله في الطاعة الشكر والاعتراف بمنة الله وحق الله في المعصية المبادرة إلى التوبة والاستغفار والانكسار والاستحياء وأن حق الله في النعمة القيام بشكرها باللسان وبالقلب وبسائر الجوارح من خلال السعي في خدمة المولى وطاعته والامتثال لما أمر به واجتناب ما نهى عنه. أما حق الله في البلية فيكون بالصبر والاحتساب وللمؤمن في ذلك ثلاثة أحوال:

أن يتألم قلبه من المصيبة ويضيق صدره غير أنه يرضى بقضاء الله تعالى ولا يتسخط لا بقلبه ولا بلسانه وهي حالة تحصل للعبد بالنظر إلى العقيدة لأن الله الفاعل المختار لا مرد لقضائه ولا منازع لحكمه ومن سخط فهو ظالم.

أن يتسع صدره فلا يتألم أصلا ويفوض الأمر إلى الله تعالى لأنه الفاعل ما يشاء ويحكم بما يريد، وهي حالة تحصل للإنسان بأن لا يكون للدنيا في قلبه قدر فلا يبالي ما نقص منها وما زاد.

أن يجد السرور في قلبه والانبساط كما يجده عند حصول الفائدة. وهي حالة تحصل بغلبة النظر إلى فائدة المصيبة وهي رضى الله ومحبته والثواب الجزيل في الآخرة، والخلف في الدنيا.

أن أعظم منن الله على عبده معرفة ربه ومعرفة نفسه ومعرفة الدنيا ومعرفة الآخرة. فمن عرف ربه أطاعه وخافه وتوكل عليه، ومن عرف نفسه لم يثق بها ولم يستحسن حالتها ولم يتبعها في أهوائها، ومن عرف الدنيا عرف أنها ملعونة ولا قدر لها عند الله، ومن عرف الآخرة اشتغل لها وبها فالجنة نعيم والنار عذاب أليم.

أن العباد ثلاثة أقوام فمنهم الكفار الذين كانت الدنيا همهم ولا غرض لهم بالاخرة، ومنهم المؤمنون أهل الغفلة وحب الدنيا الذين يريدون الآخرة بالأطماع والأماني بلا عمل أو عمل قليل مع وجود الإيمان بها وبالعمل الصالح. ومنهم خواص الخلق والمختارون من عباده وهم الذين كان همهم الآخرة فأعرضوا عن الدنيا فمنهم المجذوبون الذين واجههم الحق سبحانه بمعرفته وأوصلهم إلى حضرته عناية سابقة منه تعالى لهم من غير سعي ولا طلب ولا سلوك ولا تعب، ومنهم السالكون المريدون الذين واجههم الحق سبحانه بالنية الصالحة والعزيمة الناهضة والهمة العالية والزهد في الفاني والرغبة في الباقي فاجتذبهم إلى طاعته وشغلهم بخدمته وامدهم بتوفيقه ونظمهم في سلك أهل الطريق.

أن الطريق إلى الله يكون بتصحيح العقيدة على طريق الشيخ أبي الحسن الأشعري إمام أهل السنة وبالاشتغال بالتوبة بتصحيح أركانها الأربعة (الإقلاع ومعناه ترك المنهي عنه والاشتغال بالمأمور به؛ الندم على ما فات من المخالفات؛ العزم على عدم العود إلى المخالفة؛ رد المظالم وهي ما لزمه من الحقوق) وبالرجوع إلى الله وبالانحياز إلى جانب الله وأهله وبالتآلف على الخير والتعاون على البر والتقوى وحسن الخلق وبالابتعاد عن الابتداع وهو يظهر في الأقوال والأفعال ويظهر بخمس علامات هي بغض العلم وبغض أهله وعدم التحفظ على الصلوات الخمس في الجماعة ومخالطة النساء وادعاء الكرامات بغير الكرامات وبغير استقامة نية. ثم التسليم والرضى بحكم الله تعالى والتأدب مع الله في مملكته من دون حسد ولا بغض وبتصحيح القصد وإخلاص النية وبالمحافظة على سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم واتباع شمائله وسيرته.

وختم هذه الرسالة التي هي في شكل وصية بذكر جملة كرامات حصرها في أربعين. عشرون منها في دار الدنيا وعشرون أخرى في الآخرة.

الخصائص الفنية لرسالة النصيحة الغياثية:

نهج اليوسي في هذه الرسالة ما تميزت به رسائله من خصائص فهي:

من حيث الشكل رسالة لم تبدأ بالبسملة وإنما بدأت بالسلام على الجميع ثم تحديد المرسل والمرسل إليه فكان الحسن اليوسي العبد الظالم لنفسه المتوسل إلى الله بالغفران وستر العيوب هو المرسل أما المرسل إليه فكان الإخوان والمحبين وسائر المؤمنين وانتهت بطلب الغفران من الله للمؤلف ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات وبالصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. لذلك فهي رسالة توجيهية في شكل نصيحة والنصيحة لا توجه إلا لمن شمله حب في القلب وحضور في النفس. فلا ننصح إلا من نحب ولا ينصحنا إلا من يحمل لنا في قلبه حبا خالصا. فما أعظم أن تكون النصيحة أساسها حب ومبتغاها ترسيخ حب الخالق الأعظم جل جلاله وحب سيد العارفين صاحب الخلق العظيم النبي الصادق الأمين محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام في القلب وإقناع في العقل والوجدان.

من حيث البناء فهي رسالة محكمة البناء مرتبة الأفكار، دقيقة العبارات والجمل والفقرات، علمية المنهج. منظمة الفقرات. متسلسلة مترابطة. بسيطة التقديم ومتدرجة البناء والتحليل ومنسجمة الأطراف بين التقديم والختام فجمعت بين الإقرار بالضعف وظلم النفس في التقديم والاستغفار والرجاء في الله في الختام.

من حيث أسلوبها فهي رسالة بأسلوب سلس وبسيط خال من المحسنات اللفظية إلا ما استدعته العبارة وغاية الإفهام.

من حيث لغتها فهي رسالة لغتها واضحة سهلة وألفاظها متداولة وجملها قصيرة.

من حيث بلاغتها فهي رسالة حجاجية تواصلية وظيفية متضمنة لاقتباسات من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. تستهدف عامة الناس وغايتها الإقناع.

خاتمة:

تعتبر الرسائل شكلا من أشكال النثر الفني. وهي أقرب الأشكال الفنية إلى عموم الناس والأكثر تعبيرا عن همومهم وقضاياهم، بل هي الأفضل في تحقيق الأهداف الحجاجية والتواصلية. وهذا ما جعل الحسن اليوسي يعتمد الرسالة في معالجة قضايا عصره ويتخذها وسيلة مفضلة في التخاطب والتواصل مع الحكام كما مع عامة الناس كما مع إخوانه في الطريقة التي انتمى إليها. فتميزت رسائله ببعدها التربوي وصيغتها العملية وخصائصها الفنية المتميزة. إنها رسائل ستظل محتفظة بقيمتها العلمية وقابليتها للاستثمار لتساعد الناس على معرفة دينهم وامور دنياهم. فما أحوجنا، في عصرنا هذا، لمن يرشدنا إلى طريق الصلاح على هذا النحو، بلا تجهيل ولا ترهيب ولا تضييق ولا تعسير. وما أحوج أهل عصرنا لمن يجمع بين حضور دينه في ذاته عبر الطريق الصوفية المنفتحة الصافية وبين حضوره في مجتمعه عبر طريق الوسطية والاعتدال. تلك هي الدواعي التي جعلتنا نميل إلى اختيار الرسائل الصوفية عند اليوسي ومنها رسالة النصيحة الغياثية.

 

الباحثة نجلاء الوركلي

المملكة المغربية

............................

المراجع:

ابن منظور. لسان العرب. الجزء 11. ص 83-84

الحسن اليوسي. المحاضرات في الأدب واللغة. تحقيق وشرح محمد حجي وآخر. دار الغرب الإسلامي. تونس. الطبعة الثالثة 2011.ج1.

الدكتور شوقي ضيف. تاريخ الأدب العربي. العصر العباسي الأول. دار المعارف. الطبعة الثانية.

زكي مبارك. النثر الفني في القرن الرابع. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة.

الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. صبح الأعشى. دار الكتب المصرية. 1922. الجزء 14.

عمر الدسوقي . نشأة النثر الحديث وتطوره. دار الفكر العربي. 2007.

فاطمة خليل القبلي. رسائل أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي. الجزء الأول. دار الشركة العامة دار الثقافة. الطبعة الأولى. 1991.

فايز عبد النبي الفلاح القيسي. ادب الرسائل في الأندلس في القرن الخامس الهجري. دار البشير الطبعة الأولى. 1989.

فايز عبد النبي الفلاح القيسي. ادب الرسائل في الأندلس في القرن الخامس الهجري. دار البشير الطبعة الأولى. 1989.

محمد علي بن علي التهانوي. كشاف اصطلاحات الفنون. دار صادر بيروت. الجزء الثاني.

الهوامش

 [1]  - فاطمة خليل القبلي. رسائل أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي. الجزء الأول. دار الشركة العامة دار الثقافة. الطبعة الأولى. 1991. ص8

[2] -  فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص8

[3]  - ابن منظور. لسان العرب. الجزء 11. ص 83-84

[4]  - فايز عبد النبي الفلاح القيسي. ادب الرسائل في الأندلس في القرن الخامس الهجري. دار البشير الطبعة الأولى. 1989. ص 77

[5]  - محمد علي بن علي التهانوي. كشاف اصطلاحات الفنون. دار صادر بيروت. الجزء الثاني. ص 584.

[6]  -  زكي مبارك. النثر الفني في القرن الرابع. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. ص 19

[7]  - زكي مبارك. المرجع السابق. ص 19

[8]  - زكي مبارك. المرجع السابق. ص 26

[9]  - زكي مبارك. المرجع السابق. ص 53

[10]  - عمر الدسوقي . نشأة النثر الحديث وتطوره. دار الفكر العربي. 2007. ص 99

[11]  - فايز عبد النبي الفلاح القيسي. ادب الرسائل في الأندلس في القرن الخامس الهجري. دار البشير الطبعة الأولى. 1989. ص 78

[12]  -  فايز عبد النبي الفلاح القيسي. المرجع السابق. ص 80

[13]  - فايز عبد النبي الفلاح القيسي. المرجع السابق. ص 83

[14]  - فايز عبد النبي الفلاح القيسي. المرجع السابق. ص 83

[15]  -  الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. صبح الأعشى. دار الكتب المصرية. 1922. الجزء 14. ص 138

[16]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق ص 60

[17]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق. ص 60

[18]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق . ص 53

[19]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق . ص 55

[20]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق. ص 55

[21]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق. ص 61

[22]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق. ص 62

[23]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق. ص 62

[24]  - الشيخ أبي العباس احمد القلقشندي. المرجع السابق. ص 67

[25]  - الدكتور شوقي ضيف. تاريخ الأدب العربي. العصر العباسي الأول. دار المعارف. الطبعة الثانية. ص 442

[26]  - الدكتور شوقي ضيف. تاريخ الأدب العربي. المرجع السابق. ص 465

[27]  - الدكتور شوقي ضيف. تاريخ الأدب العربي. المرجع السابق. ص 491

[28]  - الدكتور شوقي ضيف. تاريخ الأدب العربي. المرجع السابق. ص 502

[29] - الحسن اليوسي. المحاضرات في الأدب واللغة. تحقيق وشرح محمد حجي وآخر. دار الغرب الإسلامي. تونس. الطبعة الثالثة 2011.ج1. ص 30

[30]  - عباس الجراري . عبقرية اليوسي. ص.21

[31]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص44

[32]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص52

[33]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص68

[34]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 74

[35]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 78

[36]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 78

[37]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 81

[38]  - عباس الجراري . عبقرية اليوسي ص. 49

[39]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 82

[40]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 97

[41]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 102

[42]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 103

[43]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 107

[44]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 113

[45]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 114

[46]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 114

[47]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 84

[48]  - فاطمة خليل القبلي. المرجع السابق. ص 84

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5020 المصادف: 2020-06-03 02:25:41