 دراسات وبحوث

تَجَلِّيَاتُ القَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ

بليغ حمدي اسماعيلفي الأسْلُوْبِ القُرْآنِي:

يُعرِّف منَّاع القطَّان الإعْجازَ بقوله: " الإعجاز: إثبات العجز، والعَجْزُ في التَّعارف: اسمٌ للقُصُورِ عن فِعل الشَّئ، وهو ضِدُّ القُدْرة، وإذا ثَبُتَ الإعجاز ظهرت قدرة المعجز. والُمَرادُ بالإعْجَازِ هُنا إِظْهَار صِدْقِ النَّبي (صلى الله عليه وسلم) في دَعْوى الرِّسَالةِ بإظهار عَجْز العَربِ عن معارضته في مُعجِزته الخَالِدة وهي القُرآن الكريم، وعَجز الأجيال بعدهم، والمعجزةُ هي أمرٌ خارِقٌ للعَادَةِ مَقْرونٌ بالتَّحَدِّي سالمٌ عن الُمعارضَةِ.

و المُسْتقرئُ بتدبر لآياتِ الذِّكْرِ الحَكِيْم يُدرك على الفورِ ما لها من أسلوب فريد ونظام منحها خصوصية عن الأساليب البيانية واللغوية الأخرى وحفظها من الدخيل والاختلاف واللحن، وللقرآن الكريم روعة تهتز لها النفوس والقلوب والألباب، وله وقْعٌ عجيب تخشع له القلوب،  وهذا ليس بغريب على كتاب أنزله ربُّ السموات والأرض، ومما يحفظه القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي لنا من أثر هذا الوقع هو ما استشعر به مشركو مكة وهم أهل البلاغة والبيان والإفصاح حينما استمعوا إلى آيات القرآن الكريم، وحينئذ عرفوا عظمته وإعجازه اللغوي والبياني، لكن الكبر والغرور هو الذي منعهم من الإيمان به وبما جاء فيه.

وقد استطاع الوليد بن المغيرة يوم سماعه القرآن، أن يصف بدقة بالغة أثره في النفوس، حيث قال: (والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو بكلام بشر). وكل منصف للحقيقة يُقرُّ أن الأسلوب الذي جاء عليه القرآن الكريم، والنسق الذي صيغت عليه آياته، أمر في غاية الروعة والبيان، ولا عجب في ذلك، فهو كلام رب العالمين، وهو (أحسن الحديث) (الزمر:23)، ويقول تعالى: (ومن أصدق من الله حديثا) (النساء:87).وكما يذكر الأستاذ سيد قطب في كتابه " التصوير الفني في القرآن الكريم" أن القرآن الكريم سحر العرب منذ اللحظة الأولى، سواء من شرح الله صدره للإسلام، ومن جعل على بصره منهم غشاوة، وقصة إيمان عمر بن الخطاب (رضي اله عنه) وقصة تولي الوليد بن المغيرة نموذجان من قصص كثيرة متعددة للإيمان والتولي وكلتاهما تكشفان عن هذا السحر القرآني الذي أخذ العرب منذ تلك اللحظة الأولى.

ومن المتكلمين من أشار إلى الصِّرفة كمبررٍ للإعجاز القرآني، والصِّرفة في نظر أهل الكلام والمتكلمين هي أن الله صَرف العرب عن معارضة القرآم مع قدرتهم عليها، فكان هذا الصرف خرقاً للعادة. والمرتضي يرى الصِّرفة أن الله سَلب العربَ العلومَ التي يحتاجون إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: " ومما يبطل القول بالصرفة، أنه لو كانت المعارضة ممكنة، وإنما منع منها الصرفة، لم يكن الكلام معجزاً وإنما يكون المنع معجزاً، فلا يتضمن الكلام فضلاً على غيره في نفسه".

والقول بالصرفة قول فاسد يرد عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً) (سورة الإسراء:88 ـ 89).

ولقد تحدى الله (عز وجل) العرب بالقرآن الكريم، وهم كانوا في قمة البلاغة والفصاحة والبيان، ورغم ذلك التفوق اللغوي نزل القرآن الكريم يتحداهم فيما برعوا فيه فسجلوا عجزهم أمامه مما يدل على أن العجز بغيرهم ألصق، ولقد تحداهم الله (عز وجل) أن يأتوا بمثله، يقول تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (سورة الطور:33ـ34)، ويقول تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) (هود:13).

ويشير الدكتور زين شحاتة في كتابه " في نور القرآن الكريم " إلى أن أحد أسباب إعجاز القرآن الكريم هو نزوله " سابق البنيان عليُّ الأركان، غزير المعاني، بليغ النغم، معجز النظم، ، يأسر اللب، ويسحر العقل، ويدخل شغاف القلب فيه حلاوة وروعة ومهابة".

والحديث عن فضل القرآن الكريم على لغة العرب لا يحتاج إلى دليل، فقد علم ولا يزال يعلم أهل الأرض كافة أن اللغة العربية تبوأت مكانتها تلك بسبب كونها وعاءً لكلام الله تعالى، ولأجل ذلك قامت العلوم المختلفة لخدمتها ثم صارت اللغة العربية لغة العلم والحضارة، بجانب كونها لغة العبادة والتعبد، ولعل من أسباب هذا السحر البياني الذي تمتعت به آيات القرآن الكريم التناسق والتكامل في اللفظ والمعنى.

وفي هذا الصدد يشير الدكتور السيد تقي الدين إلى أن القرآن الكريم يقدم إلينا لوحات فنية أدبية وقد حدد لنا مثلاً أعلى في الحياة والفن، ورسم للفكر خريطة تستمد خيوطها من تلك الينابيع والمناهل الفياضة. وهذا ما أكده أيضاً الدكتور محمد دراز من أن القرآن الكريم كتاب أدبي وعقيدي في نفس الوقت ونفس الدرجة.

ويشير الباحث السيد سبيط إلى وجه من وجوه الإعجاز القرآني حيث إن في القرآن نظاماً محكماً شديد الصرامة، منتشراً في جميع أجزائه، بحيث ان اللفظ – مفردة كان أو حرفاً- والترتيب والتسلسل المعيَّن للألفاظ في كل تركيب هو جزء من هذا النظام، والخطأ في تصوّر شيء منه في أي موضع يؤدي إلى الخطأ في تصور فروع كثيرة متصلة بذلك الموضع. وخلص مصطفى صادق الرافعي إلى نتيجة السحر القرآني البياني ومدى تأثيره في الودان والألباب من حيث نظمه وأسلوبه، وطرائق نظمه، ووجوه تراكيبه، ونسق حروفه في كلماته في جمله، ونسق هذه الجمل، و هو وجه الكمال اللغوي. والحرف الواحد من حروف القرآن في موضعه من الإعجاز الذي لا يغني عنه غيره في تماسك الكلمة، والكلمة في موضعها من الإعجاز في تماسك الجملة، والجملة في موضعها من الإعجاز في تماسك الآية.

ومن وجوه الإعجاز القرآني اتساقه وائتلاف حركاته وسكناته، ومدّاته وغنّاته... وهذا هو (ما) استرعى الأسماع واستهوى الأفئدة بصورة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر سواء أكان شعراً أم نثراً. فكان ذلك الاتساق الفريد كالسور المنيع لحفظ القرآن الكريم بحيث لو داخله شيء من كلام الناس لاعتلّ مذاقه، واختلَّ نظامه. فالقرآن الكريم كله وحدة مترابطة؛ من حيث قوة الموسيقى في حروفه وتآخيها في كلماته، وتلاقي الكلمات في عباراته ونظمه المحكم في رنينه... وكأنَّ المعاني مؤامنة للألفاظ، وكأنَّ الألفاظ قطِعتْ لها وسويت حسبها.

ومن معجزات القرآن أنه يخاطب العقل والقلب معاً، فتجد له وقعاً على كليهما، وجعله الله شفاء للقلوب ورحمة ونور، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) (يونس: 57)، وقال:تبارك وتعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً) (الإسراء:82)، كما أن معظم القرآن إنما يخاطب العقل ويحثه على التفكر في خلق الله كالسماوات والأرض وإمعان النظر في الكون وفي الأنفس والآفاق وجعل ذلك وسيلة للوصول إلى الإيمان بالله، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:185).

وقد جعله الله تعالى مصدراً لتثبيت النفس وعونها على الصبر ومصدر هداية وتبشير للمؤمنين كما ثبت به الله تعالى فؤاد النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: 102)، كما جعله مصدر راحة واطمئنان للمؤمن، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28)، وكم أسعد هذا القرآن قلوباً مولعة ومشتاقة للرحمن ومتعطشة للقائه، فتجد كلامه تعالى خير دواء وسكن ينزل برداً وسلاماً على القلب والروح فتسعد النفس بترتيله فما أعظمها نعمة هي نعمة القرآن، وهذا إنما يفهمه ويشعر به المؤمن كامل الإيمان الذي يتوق للقاء الرفيق الأعلى.

وسيبقى هذا القرآن معجزاً بلفظه ومعناه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) (سورة النساء:82).إن هؤلاء المنافقين والذين فى قلوبهم مرض قد خيب الله سعيهم، وكشف خباياهم، ورأوا بأعينهم سوء عاقبة الكافرين وحسن عاقبة المؤمنين، فهلا دفعهم ذلك إلى الإِيمان وإلى تدبر القرآن وما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات وأخبار صادقة، وأحكام حكيمة، تشهد بأنه من عند الله، ولو كان هذا القرآن من عند غير الله أى من إنشاء البشر لوجدوا فى أخباره، وفى نظمه، وفى أسلوبه، وفى معانيه اختلافاً كثيراً فضلا عن الاختلاف القليل، ولكن القرآن لأنه من عند الله وحده قد تنزه عن كل ذلك وخلا من كل اختلاف سواء أكان كثيراً أم قليلا.

فالمراد بالاختلاف هنا هو تباين النظم، وتناقض الحقائق، وتعارض الأخبار وتضارب المعاني، وغير ذلك مما خلا منه القرآن الكريم لأنه يتنافى مع بلاغته وصدقه. وفى ذلك يقول صاحب الكشاف: قوله تعالى: (لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) أى: لكان الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه فكان بعضه بالغا حد الإِعجاز. وبعضه قاصراً عنه تمكن معارضته، وبعضه إخباراً يغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخباراً مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالاً على معنى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه دالاً على معنى فاسد غير ملتئم.فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائقة لقوى البلغاء، وتناصر معان، وصدق أخبار دل على أنه ليس إلا من عند قادر على ما لم يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه.

فالآية الكريمة تدعو الناس فى كل زمان ومكان إلى تدبر القرآن الكريم وتأمل أحكامه، والانقياد لما اشتمل عليه من توجيهات وإرشادات وأوامر ونواه، ليسعدوا فى دنياهم وآخرتهم. فالتناسق المطلق الشامل الكامل هو الظاهرة التي لا يخطئها من يتدبر هذا القرآن أبدا، ومستوياتها ومجالاتها , مما تختلف العقول والأجيال في إدراك مداها. ولكن كل عقل وكل جيل يجد منها - بحسب قدرته وثقافته وتجربته وتقواه - ما يملك إدراكه , في محيط يتكيف بمدى القدرة والثقافة والتجربة والتقوى. ومن ثم فإن كل أحد , وكل جيل , مخاطب بهذه الآية. ومستطيع - عند التدبر وفق منهج مستقيم - أن يدرك من هذه الظاهرة - ظاهرة عدم الاختلاف , أو ظاهرة التناسق - ما تهيئه له قدرته وثقافته وتجربته وتقواه.

القَرَائِنُ اللَّفْظِيَّةُ:

من أبرز معالم إعجاز القرآن الكريم ظاهرة القرائن اللفظية، وهي ذات التأثير الخاص على الوضع اللغوي والتي تسبب صرف اللفظ عن معناه الحقيقي، وهذا هو الشيء الذي يحصل في الاستعمالات المجازية بما للمجاز من مدلول عام يشمل الاستعارة والكناية وغيرهما.وقبل الخوض في الحديث عن القرائن اللفظية في القرآن الكريم يجدر بنا أن نلقي نظرة سريعة بغير إخلال أو تفريط عن مصلح القرينة وما يرتبط بها من مواضعات ومصطلحات أخرى.

القرينة لغة:

القرينة في اللغة مأخوذة من المقارنة، وهي المصاحبة، ويعرفها اللغوي ابن فارس في كتابه "معجم مقاييس اللغة" بأنها: " يقال فلان قرين فلان، أي مصاحب، ويقال قرنت الشئ بالشئ وصلته به، وتطلق القرينة على نفس الإنسان لاقترانا به، كما تطلق على الزوجة، فيقال فلانة قرينة فلان أي زوجته".

القرينة شرعاً:

يؤكد الشيخ صالح السدلان (1416هـ) على أنه لم يتعرض لتعريف القرينة في الاصطلاح الشرعي إلا المحدثون، ولم يعرفها الفقهاء القدامى ولكن استعملوها بألفاظ مترادفة مثل: القرائن والعلامات والأمارات. ويرجع الشيخ السدلال السبب في ذلك إلى ظهور معناها ووضوح دلالتها على المراد بها.

وممن تعرض لمواضعة القرينة من الجهة الشرعية الشريف الجرجاني في كتابه التعريفات فقال عنها: " إنها أمر يشير إلى المطلوب ". أما مصطفى الزرقاء فيعرفها بأنها: " كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً وتدل عليه، وهي مأخوذة من المقارنة بمعنى الموافقة والمصاحبة". أما الشيخ عبد العال عطوة فيعرفها بأنها: " الأمارة التي تدل على أمر خفي مصاحب لها بواسطة نص أو عرف أو سنة أو غيرها". وتنقسم القرينة في الشريعة الإسلامية إلى ثلاثة أقسام رئيسة وهذا ما أشار إليه الشيخ صالح بن غانم السدلال، حيث حدد هذه الأقسام فيما يلي:

(أ‌) القرينة باعتبار مصدرها.

(ب‌) القرينة باعتبار علاقتها بمدلولها.

(ت‌) تقسيمها باعتبار قوة دلالتها.

القرينة قانوناً:

أما رجال القضاء والقانون فيرون القرينة أنها ما يستنبطه المشرع أو القاضي من أمر معلوم للدلالة على أمر مجهول. وهذا ما قضت به محكمة النقض المصرية في تعريفها لمفهوم القرينة بأنها استنباط أمر مجهول من واقعة ثابتة، بحيث إذا كانت هذه الواقعة محتملة وغير ثابتة بيقين، فإنها لا تصلح مصدراً للاستنباط.

وقد أشار الدكتور تمام حسان في كتابه الماتع " البيان في روائع القرآن " إلى القرينة اللفظية بأنها عنصر من عناصر الكلام يستدل به على الوظائف النحوية " فيمكن الاسترشاد بها أن نقول هذا اللفظ فاعل، وذلك مفعول به ". ويذكر أن مثل هذه القرائن كمثل معالم الطريق التي يهتدى بها المرء إلى المكان الذي يقصده. وتختلف القرائن باختلاف اللغات، ومن القرائن اللفظية في اللغة العربية قرينة البنية والإعراب والربط والرتبة والتضام، والسياق.

قرينة البنية:

قرينة البنية هي دلالة صورة الكلمة على المعنى النحوي، بمعنى آخر القرينة هي الدليل، أما البنية فهي كما يعرفها الدكتور تمام حسان إطار ذهني مجرد للكلمة المفردة وليست الكلمة ذات المعنى المفرد.

قرينة الرتبة:

هي قرينة نحوية ووسيلة أسلوبية، أي أنها في النحو قرينة على المعنى وفي الأسلوب مؤشر أسلوبي ووسيلة إبداع وتقليب عبارة واستجلاب معنى أدبي.

قرينة السِّياقِ:

يشير الدكتور أنس وكاك في دراسته المعنونة بـ " السياق وأهميته في سلامة الاستدلال" إلى قرينة السياق بقوله: " المتعلق والبعد والمجرى الذي يأتي الكلام منصبا فيه، فسياق الكلام أسلوبه ومجراه الذي يجري فيه. والسياق من حيث هو قرينة كبرى أو مجموعة قرائن صغرى ينقسم قسمين: سياق لغوي (مقالي) يعتمد على القرائن اللغوية التي يتضمنها الدليل و يستدل بها على مدلوله من جهة اللفظ والمعنى لتحديد المعنى اللغوي، أو ما يعبر عنه البعض بالمعنى النحوي أو الوظيفي للجملة.

وسياق غير لغوي (مقامي) يعتمد على سائر القرائن الأخرى المرتبطة بالـدليل والمدلول لتحديد مراد المتكلم بحسب مقتضى الحال، و هذا المعنى المقصود في خطاب المتكلم هو ما يعبر عنه البعض بالمعنى الوظيفي المراد من الخِطاب، ومقتضى الحال يشمل عناصر كثيرة تتصل بالمخاطِب والمخاطَب وسائر الظروف التي تحيط بالخِطاب، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة، ألا ترى إلى اختلاف الغاية التي تساق من أجلها القصة في القرآن، فتذكر بعض معانيها الوافية بالغرض في مقام، وتبرز معان أخرى في سائر المقامات حسب اختلاف مقتضيات الأحوال.

ويؤكد الدكتور تمام حسَّان على اعتبار قرينة السياق في تحديد المعنى المراد من النَّص، وبيان اعتماد هذه القرينة على مختلف القرائن من داخل النص وخارجه، بقوله: "وهكذا تمتد قرينة السياق على مساحة واسعة من الركائز، تبدأ باللغة من حيث مبانيها الصرفية وعلاقاتها النحوية ومفرداتها المعجمية، وتشمل الدلالات بأنواعها من عرفية إلى عقلية إلى طبيعية، كما تشتمل على المقام بما فيه من عناصر حسية ونفسية واجتماعية كالعادات والتقاليد ومأثورات التراث، وكذلك العناصر الجغرافية والتاريخية، مما يجعل قرينة السياق كبرى القرائن بحق؛ لأن الفرق بين الاستدلال بها على المعنى، وبين الاستدلال بالقرائن اللفظية النحوية كالبنية والإعراب والربط والرتبة والتضام، هو فرق ما بين الاعتداد بحرفية النَّص والاعتداد بروح النص، وقرينة السياق هي التي يحكم بواسطتها على ما إذا كان المعنى المقصود هو الأصلي أو المجازي، وهي التي تقضي بأن في الكلام كناية أو تورية أو جناسا، وهي التي تدل عند غياب القرينة اللفظية على أن المقصود هذا المعنى دون ذاك؛ إذ يكون كلاهما محتملا".

المشْتَركُ اللَّفظِي:

يعرف ابن فارس المشترك اللفظي في كتابه معجم مقاييس اللغة بأنه: " اللَّفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين فأكثر دلالة على السواء عند أهل اللغة". وظاهرة الاشتراك اللفظي من بين أهم الظواهر التي تمتاز بها اللغة العربية.

وقد بحث عُلَماءُ اللُّغة القدماء في هذه الظاهرة كما اختلفوا في وجودها وفوائدها وتفرقوا فريقين، فريق منكر وفريق قائل بالظاهرة مدافع عنها، كما احتج كل منهما بعلل واستدلالات بغية إثبات صحَّة مذهبِه ودَحض مذْهَب معارضه.

ويعد سيبويه (ت 180 هـ) هو أوّل من أشار إلى المشْترك اللَّفظي حيث ذكره في تقسِيمات الكلامِ في كتابهِ قائلا: "أعلم أنّ من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين واختلاف اللَّفظين والمعنى واحد واتفاق اللَّفظين واخْتلافِ المعنيين، واتفاق اللفظين والمعنى مختلف، قولك: وجدت عليه من الموجدة ووجدت إذا أردت وجدان الضالّة "وأشباه هذا كثير".

أما الإمام الشَّوكَاني فيرى المشترك اللَّفظي أنه: "اللَّفظةُ الموضوعةُ لحقيقتين مختلفتين، أو أكثر، وضعا أولا، من حيث هما كذلك. فخرج بالوضعِ، ما يدل على الشَّيء بالحقيقة، وعلى غيره بالمجاز، وخرج بقيد الحيثيَّة، المتواطئ. فإنه يتناول الماهيات المختلفة، لكن لا من حيث هي كذلك، بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد". بينما يذهب تاج الدين السبكي إلى أنه "اللفظ الواحد، الدال على معنيين مختلفين، أو أكثر، دلالة على السواء، عند أهل تلك اللغة. سواء كانت الدلالتان مستفادتين من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال، أو كانت إحداهما مستفادة من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال. أو كانت إحداهما مُستفادة من الوضع، والأخرى من كثرة الاستعمال.

ومن قولنا الواحد، احتراز عن الأسماء المتباينةِ والمترادفة، فإنه يتناول الماهيّة، وهي معنى واحد، وإن اختلفت محالها. وقولنا عند أهل تلك اللغة إلى آخره، إشارة إلى أن المشترك، قد يكون بين حقيقتين لغويتين، أو عرفيتين، أو عرفية ولغوية.

الفِرَاسَةُ:

يُعرِّف ابن العَربي الفِراسَةَ بكسر الفَاء بأنها هي التَّوسُّمُ ـ تَفَعُّلٌ من الوسم ـ وهي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها. وهناك ثمة فوارق بين القرينة والفريسة وأيضا نقاط اتفاق، منها أن كلا من القرينة والفراسة متفقتان في أن كلا منهما علامة، ولكن القرينة علامة ظاهرة محسوسة، أما الفراسة فإنها تعتمد على حجج وأمور غيبية خفية لا يدركها إلا المتفرس. والقرينة قابلة للإثبات، أما الفراسة فلا يمكن إثباتها بطريق الشهادة.

قَرِيْنَةُ السِّيَاقِ:

السِّياقُ في مجال تفسيرِ القُرآن لا يمكن الحديث فيه بمعزلٍ عن علمِ المناسبة أو التَّناسبِ؛ لأنه قد ينظر إليه نظرةً أعم، فيتجاوز المفسِّر النظر في لُحمة المقاطع المتَّصلة إلى ما هو أشمل من ذلك، وهو النظر في سياق السورة كلها، وكيف انتظمت معاني يأخذ بعضها بحجز بعض، وهو في ذلك يوضح المناسبات الخاصة بين آية وأخرى داخل السورة موضع الدرس، أي: دون أن يطغى الاهتمام بالسياق الأعم على السياق الأخص.

بل منهم من عُني بدرس التنــاسب والمشاكلة في القرآن كله كما فعـل الإمام أبو جعفر ابن الزبير شيخ أبي حيان، وبرهان الدين البقاعي في كتاب سماه: "نظم الدرر في تناسب الآي والسور"، والسيوطي في كتابه: "تناسق الدرر في تناسب السور". وممن عُني به من المفسرين الإمام الفخر الرازي في "مفاتيح الغيب"، وأبو حيان في "البحر المحيط"، وهو علم غزير جدا قلت عناية العلماء به.

وممن عُني به –أيضا– من المعاصرين صاحب الظِّلال؛ فإنه نظر إلى السياقات العامة لكل سورة على حدة، وبين أن كل سورة سيقت لخدمة هدف معين، وأن جميع عناصر السورة وإن بدا بينها – أحيانا- في الظاهر شيء من عدم التناسب، فهي كلها في خدمة السياق العام للسورة. وقال القاضي أبو بكر ابن العربي في "سراج المريدين": "ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني علم عظيم، لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة، ثم فتح الله ـ عزَّ وجل ـ لنا فيه، فلما لم نجد له حَمَلة، و رأينا الخلق بأوصاف البطالة، وختمنا عليه، و جعلناه بيننا و بين الله، و رددنـاه إليه".

أَنْواعُ التَّناسُبِ:

ينقسم التناسب إلى عدة أنواع منها؛ تناسب الجزاء وهذا النوع من التناسب يكثر وقوعه في الآيات التي تضمنت الإشارة إلى جزاء الله على الأفعال السيئة؛ كالاستهزاء، والخداع، والمكر، والنسيان، ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم مايلي من الآيات الكريمة:

(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)) (البقرة:14ـ15).

(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء:142).

(وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (آل عمران:54).

ومن أنواع التناسب أيضاً ومن أنواع التناسب تناسب الجنس، وهو كثير في القرآن الكريم، والمراد من هذا النوع: استعمال لفظين، يجمعهما أصل واحد في اللغة، للدلالة على معنيين، ويسمى عند البلاغيين (الجناس). وتناسب الجنس، إما أن يكون تناسباً بين اسم وفعل، وإما أن يكون تناسب الجنس تناسباً بين فعلين، وإما أن يكون التناسب بين اسمين. ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم الآيات الكريمة التالية:

(يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) (البقرة: 267).

(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (الأنعام: 164).

(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) (الأنعام:9)

(وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران: 14).

وأيضاً من أنواع التناسب ما يسمى بالتناسب الصوتي؛ وهذا النوع من التناسب يكون بين كلمتين لا يجمعهما أصل لغوي واحد، وإنما الذي يجمع بينهما تجانس الصوت، الذي يحسن في أذن المستمع، من أمثلة هذا النوع قوله تعالى:

(أ‌) (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (البقرة:144).

(ب‌) (وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: 61).

(ت‌) (ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ) (غافر: 75).

(ث‌) (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (الكهف: 104).

وآخر ما نورده في هذا المقام من أنواع التناسب في القرآن الكريم ما عُرِف بالتناسب البياني؛ وهو أن تكون هناك وحدة بين أجزاء الصورة البيانية، فلا تتنافر جزئياتها، بل تكون متآلفة غاية الائتلاف، ومنسجمة نهاية الانسجام. ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم:

(أ‌) (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) (الملك: 15).

(ب‌) (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)) (المؤمنون: 70ـ71).

(ت‌) (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)) (الأنعام: 103ـ104).

أقْسامُ السِّياقِ اللَّفْظِي:

النظم القرآني معجز ليس له نظير، وكثيراً ما يمكن الوصول الى معانيه من خلاله، فينظر إلى السياق وما به من قرائن تدل على المعنى بدقة، فيكون الاستدلال بها على الحقائق في التفسير. ويقسم السياق اللفظي على أساس قرب او بعدها فيه على قسمين: سياق لفظي متصل وهو (البسيط). وسياق لفظي منفصل، وهو (المركب).

أولاً ـ – السِّياقُ اللَّفظِي المُتّصِل (البسيط):

إن القَرينةَ الدَّلاليّةَ السِّياقيّةَ، هي التي تكون في مجرى الكلام ونسقهِ، ويُراد بها ما يُصاحِب النص من دلالاتٍ وإشاراتٍ كاشفةٍ عن معناه، إذ إن هذه القرائن هي السبيل الرَّئيس للوصول إلى المعنى الحقيقي المراد للنص – أي نص – ولا سيما إذا كان هذا النص على مستوى عال من البلاغة كنص القرآن الكريم، فيكون الاحتكام إلى النص القرآني نفسه من خلال سياقه للكشف عن المعنى المراد في الآيات الكريمة كالإيجاز بالحذف، والتقديم والتأخير والتكرار. فصارت هذه القرائن منارَ المفسرين للوصول إلى المراد وحجتهم في خلافاتهم، ومناظراتهم في إثبات ما يعتقدون.

وقد نبَّه الإمام علي (رضي الله عنه) على هذا النوع من القرائن في (نهج البلاغة)، في ضوء وصفه القرآن الكريم، إذ يقول: (كتاب الله، تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض)، فهو (رضي الله عنه) يتحدث عن تفسير القرآن بالقرآن، في ضوء قول الله :(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ  ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة: 17-19)، وهو أسلُوبٌ تبنَّاه كثيرٌ من المفسرين، من القدماء والمحدثين، ويحصل بالقرائن السياقيّة للكشف باللَّفظ المفردِ أو المركبِ عن معنى لفظ مفرد أو مركب، قريب منه في الكلام غير بعيد عنه، وهو فيما تبيّن بعد البحث أنه ثلاثة أنواع: متقدم، ومتأخر، ومكتنف.

ويُعَد هذا الأسْلُوبُ أفضل أسَاليب تفسيرِ القرآن؛لأنه ينبع من داخلِ النَّص المعجز الكريم لا من خارجه، إذ إن كلام الله – تعالى – إذا كان شَاهداً لكلامِ الله، فهو خيرُ شَاهدٍ، ودونه كل الشَّواهد. والقَرينة الدَّلاليّة السِّياقيَّة في القُرآنِ الكَريم لها ثلاثة رتبٍ أو مواضع: متقدمة على اللَّفظة التي تفسرها، أو متأخرة عنها، أو مكتنفة لها من جانبيها السّابق لها واللاحق بها، وجميعها من داخل النص القرآني.

(أ) القَريْنَةُ المُتَقدّمةُ:

وهي القرينة اللفظية السياقية التي تسبق ما تفسره وتدل عليه، إذ تتقدم في صورة من الصور، بأن تكون قريبة منه، وغير تالية له. ومن أمثلة هذه القرينة السياقية، ما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى، يصف المشركين حين يُدعون إلى الإيمان وسماع القرآن: (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) (المدثر: 50-51)، فشُبِّه المشركون من حيث حالهم في الإعراض عن سماع القرآن بالحُمر الوحشية المستنفرة، وهي التي فرت خوفاً وهلعاً من شيء يطاردها.

ومثال القرينة المتقدمة أيضاً قوله تعالى:(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (فصلت: 34)، فقد فُسِّرت الآية تفسيرات عِدّة، منها: أن الله  أمر المؤمنين بالصبر عند الغضب والحلم والعفو عند الإساءة. وقيل: إنه خطاب للنبي محمد (ص) في أن يدفع بحقهِ باطلهم وبحلمه جهلهم وبعفوه إساءتهم. فإذا دفع خصومه بلين ورفق ومداراة صار، عدوه في الدين كأنه وليه القريب في دينه وحميمه في النسب. وقيل معناه: لا تستوي الملة الحسنة التي هي الإسلام، والملة السيئة التي هي الكفر، وفُسّرت أيضاً بأن شعارها: ادفع بالسلام على من أساء إليك.

ومن القرائن السياقية المتقدمة أيضاً، قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً) (الكهف:12). ففي الآية الكريمة وردت لفظة (البعث)، والبعثُ لغةً، هو: الإرسالُ، كبعثِ الله  من في القُبورِ. ولفظُ البعثِ تختلف دلالته بحسبِ اختلاف ما عُلِّق به، ففي الآية السابقة البعث يعني: إحياء الموتى الذي خصّ به الله  بعض أوليائه.

وفُسِّر البعث في الآية الكريمةِ بالإيقاظِ من النَّوم، بالقرينة المتقدمة، وهي قوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) (الكهف: 11)، أي: أنمناهم سنين ذات عدد وسددنا آذانهم بالنوم الغالب على نفوذ الأصوات إليها سنين كثيرة؛ لأن القائم إنما ينتبه بسماع الصوت ودل سبحانه بذلك على أنهم لم يموتوا وكانوا نياماً في أمن وراحة، وجمام نفس، وهذا من فصيح لغات القرآن التي لايمكن أن يترجم بمعنىً يوافق اللفظ، فبذلك أثبتت القرينة المتقدمة كون البعث كان الإيقاظ من النوم لا الإحياء، والدليل على أنهم كانوا نياماً، قوله تعالى في موضع آخر: (وَتَحْسَبهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ) (الكهف: 18)، أي تظنهم يقظين، مع أنهم في واقع الحال نيام بقدرة الله.

(ب) القرينة السياقية المتأخرة:

وهي القَرينَة التي تأتي بعد اللفظة المبهمة، مفسرة وموضحة لها، فتحدد معناها في السياق اللفظي. وهناك كثير من القرائن المتأخرة في التعبير القرآني، منها ما ورد في قوله تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ) (الزمر: 32).

ومن القرائن السياقية المتأخرة أيضاً، حمل (التين والزيتون)، في قسم الله  بهما في قوله تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) (التين: 1)، على أنهما منابت التين والزيتون، وهي بلاد الشام، وليس الفاكهتين المعروفتين أقسم الله بهما لما فيهما من الفوائد الجمّة والخواص النافعة، بل قيل: إن المراد بالتين، الجبل الذي عليه مدينة دمشق، وبالزيتون، الجبل الذي عليه بيت المقدس. ولعل اطلاق اسم الفاكهتين على الجبلين لكونهما مننبتيهما، ولكونهما مبعثي جمّ غفير من الأنبياء. وهذا هو الرأي الراجح، بقرينة السياق بعدها، في قوله تعالى:(وَطُورِ سِينِينَ  وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) (التين: 2-3)، وهما أيضاً أماكن مهبط للأنبياء والرسل، و(طور سينين) أيضاً جبل، وهو الذي كلم الله  فيه موسى بن عمران  ويسمى طور سيناء. وقد ورد في سياق آخر بهذه الصيغة (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ) (المؤمنون: 20). والمراد بـ(البلد الأمين)، مكة المشرفة، وهي مكان مقدس، ومبعث الأنبياء ومهبطهم من أمثال: إبراهيم واسماعيل (عليهما السلام)، ومحمد(ص) .

فبذلك تكون القرينة السياقية من المحاور الأساسية التي اعتمدها المفسرون في الوصول إلى الدلالة الصحيحة للنصوص القرآنية، فضلاً عن معنى المفردة، وقرينة الحال، والقرينة العقلية، وتكون القرينة الفيصل فيه، في ترجيح دلالة دون أخرى من خلال النظر إلى القرائن التي فيه، سواء أكانت محيطة بالنص مكتنفة إياه، أم كانت متقدمة عليه، أو متأخرة عنه. ولولا وجود القرائن السياقية لم نتوصل إلى المقصود في كثير من النصوص القرآنية.

(ج) القَرائِنُ السِّياقيَّةُ المُكْتَنفة:

وهي القَرائِنُ التي تَكون محيطةً بالنص من جانبيه، مفسرة له وموضحة إيَّاه، ومؤكدة لمعناه، وهي كثيرة في القرآن الكريم، منها: قوله تعالى في آية التطهير: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب: 33).

فقد نزلت هذه الآية خاصة برسول الله محمد (ص) وأهل بيته وهم: علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، ، عندما ألقى النبي محمد (ص) عليهم الكساء، وقال: هؤلاء أهل بيتي. واختلف المفسرون في كون هذه الآية نزلت بهم (أهل البيت) الخمسة فقط، أم يُقصد بـ(أهل البيت) أزواج النبي، وحجتهم في ذلك أن آية التطهير كان يكتنفها آيات نزلت في نساء النبي (ص)، فالآية بذلك تكون لأجلهن أيضاً، وهذا ما ذهب إليه عدد من المفسرين مثل البيضاوي، إذ يقول: "الاحتجاج بذلك على عصمتهم وكون اجماعهم حجة ضعيفة لأن التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها. والحديث يقتضي أنهم أهل البيت لا أنه ليس غيرهم".

ثانياً ـ القرائن المنفصلة (المركبة):

وهي قرائن لفظية غير سياقية منفصلة عن النص بعيدة عنه، متقدمة عليه أو متأخرة عنه، أو مكتنفة له من جانبيه، إلا أنها في غير مجرى الكلام، بل هي في كثير من الأحيان في موضع آخر من النص الكريم، أو سورة أخرى، لكنها مرتبطة به دَلالياً.

وكان هذا اللون من القرائن معروفاً ومتداولاً في بيت النُّبوةِ والرِّسَالةِ، وكانت هذه الطريقة هي المستأثرة لديهم في تفسير القرآن، وتأويله. فالنَّبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أول من اتخذ القرآن قرينة دلالية للقرآن، منها قوله حين فسَّر (الظُّلم)، في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام: 82)، فظنَّ فريق من الصحابة  أن الظلم هنا "بخس الحق، وهضم حقوق الناس، فقالوا: يا رسول الله: وأينا لم يظلم نفسه"؟، فبيّن (صلى الله عليه وسلم) أن الظلم هنا ليس الذي يذهبون إليه، بل هو الشرك، واحتج له بقوله تعالى في وصية لقمان لابنه وهو يعظه: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: 13). ففسر (ص) القرآن بالقرآن – وهو أبلغ وأقوى – فهو أول مفسر في الإسلام للقرآن بالقرآن.

وقد أطلق على هذا النوع من التفسير، اسم تفسير القرآن بالقرآن، وهو أحسن الطرق، فقد ذكر العلماء: أنه من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولاً من القرآن؛ فما أجمل منه في مكان فقد فُسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بُسط في موضع آخر منه، والقرينة على ذلك قوله تعالى:(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُفَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)(القيامة:17-19).

ومن القرائن المنفصلة في القرآن الكريم، الواردة لتفسير قوله تعالى، في حديثه عن وجوب أو جواز قصر الصلاة في حالة السفر أو الخوف: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) (النساء: 101)، فكان التشريع لهذه الحالة في هذه الاية وجوب التقصير في السفر، لقوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) بقرينة قوله تعالى في الصفا والمروة: (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) (البقرة: 158)، فنلحظ أن الطواف بهما واجب مفروض؛ لأن الله تعالى ذكره في كتابه، و(الجناح): هو الميل عن الحق، فكانت القرينة اللفظية المنفصلة متقدمة على الآية المذكورة.

ومن القرينة اللفظية المنفصلة، قوله تعالى: (لاَ يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) (الأنبياء: 103)، فالفزع الأكبر، هو الخوف الأعظم، وقد فسّر على أربعة أقول:

الأول: إنه عذاب النار إذا طبقت على أهلها. والثاني: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح، وينادي: يا أهل الجنة خلود ولا موت. ويا أهل النار خلود ولا موت. والثالث: حين يؤمر بالعبد إلى النار. أما الرابع: وهو مروي عن ابن عباس، أنه النفخة الأخيرة، واحتج لذلك بالقرينة المنفصلة المتأخرة، في قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) (النمل: 87).

 

الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسماعِيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م).

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5064 المصادف: 2020-07-17 03:25:19