 دراسات وبحوث

سلمان الفارسي: نموذج الفروسية الروحية

ميثم الجنابيلقد كانت الأبعاد الجديدة التي ادخلها سلمان الفارسي في فلك الثقافة الإسلامية الناشئة وشخصية المثقف، على قدر ما فيه من اندفاعه نموذجية في تجسيد "حقائق المرجعية الأبدية للروح" ومبادئها العملية في كل من الفردانية المتسامية، ووحدة العلم والعمل، ومعاناة الهموم الكبرى للفرد والمجتمع والدولة في الأقوال والأفعال والمواقف ومن ثم في الآثار والمآثر.

فقد تبلورت شخصيته في مجرى معاناة البحث عن الحقيقة1. بل يمكننا القول، بأن سلمان الفارسي كان اقرب إلى الشهاب الضائع قبل أن يرتطم بصخور الجزيرة العربية. وهو ارتطام صقل موقفه النهائي بوصفه اختبارا لما بعد الموت. وعادة ما يميز هذا الاختبار أولئك الذين تصبح مهمة البحث عن الأنا غاية الوجود الكبرى. فهو الشرط الضروري والفردي للمثقف الحقيقي، لأنه أسلوب البحث عن الحقيقة. وحالما يصبح البحث عن الحقيقة مصدر البحث عن الأنا، ويصبح البحث عن الأنا أسلوب البحث عن الحقيقة، حينذاك تتكامل الشخصية بوصفها تراكما طبيعيا ومتجانسا. عندها يجري بلوغ الذروة التي تصنع وهج الإبداع وإغراء التأويل اللاحق في مخيلة الأجيال وعقولها. غير أن بلوغ الذروة، الذي يجعل المرء محط الرحال وميدان الجدال ولغز الوجود وبيان العقل والضمير، ليس إلا الوجه الآخر لما فيه من محطات وميادين وألغاز وبيان.

وقد جسّد سلمان الفارسي هذه الحالة في محاولاته المضنية قبل اعتناق الإسلام. فقد كان إسلامه من حيث الجوهر إسلاما لفكرة الحق والحقيقة بوصفها تعطشا ذاتيا. من هنا قوله عن تاريخه الشخصي قبل اعتناقه الإسلام:"قد تداولني بضعة عشر من رب إلى رب". بعبارة أخرى، لقد مر سلمان الفارسي بأرباب وآلهة كثيرة ومتنوعة قبل أن يصل إلى يقينه الذاتي الخاص. وقدم بذلك إحدى الصور الجليلة عن أن معاناة المثقف الأصيل تقوم في البحث عن يقين من خلال الشك الدائم. فقد جرّب سلمان الفارسي مختلف الأديان والأشخاص. وتروي كتب التاريخ والسير عن سلوكه هذا صور متنوعة الإسناد لكنها تصب جميعا في البرهنة على أن الإسلام هو غايته النهائية. وقد تبدو هذه النتيجة سهلة بعبارة اللغة الهادئة في تعبيرها عن تاريخ منصرم، لكنه هدوء اقرب إلى ذاكرة دامية في الصور والمعاني. بمعنى تحرّقها بذاتها. وليس لها من صدى غير الندى المتراكم في دفئ التيار العارم على صفائح القلب الهائج، أو البرد القارص على واجهة الذاكرة وتأملها المثير في قضم الروح وتلوع الجسد. وهي الحالة التي جسّدها سلمان الفارسي في صيرورته وكينونته.

فقد كانت صيرورته مثالا لتكامل الروح المتسامي والحكمة العملية، وجد صورته ومعناه في سبيكة الوحدة الكونية للمثقف الإسلامي الجديد. فقد كانت أصوله الفارسية وتناسخها العربي بمعايير الرؤية الكونية للإسلام، السرّ القابع وراء جوهرية الظاهر والباطن في سلوكه الشخصي ومواقفه العملية وتحقيقه للقيم. وهو تناسخ فردي وروحي بقدر واحد، يتطابق من حيث الجوهر مع مضمون الفكرة الإسلامية الفعالة بمعايير الجماعة والأمة المتسامية. كما أنه السبب الذي جعله يصبح من "آل البيت". فعندما ظهرت مشكلة أصول الأفراد وبقي سلمان الفارسي بلا "أصل وفصل"، فإنه تحول بلحظة خاطفة إلى كيان فوق الجميع عندما قال محمد:"سلمان منا آل البيت". ويستمد هذا الكيان الجديد أصوله من شخصيته المتراكمة بمعاير الرؤية الكونية والبحث الشكاك من أجل بلوغ اليقين الروحي. كما انه كينونة جديدة لأنها تطابقت مع مضمون الفكرة الإسلامية الأولى عن التوحيد المجرد، أي الوحدة الجامعة للبشر بغض النظر عن الأصل والفصل وما شابه ذلك من مفاهيم وقيم جزئية وضيقة. ووجد ذلك تعبيره الخالص في الفكرة الإسلامية القائلة، بأنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، بوصفها الفكرة الجوهرية في معنى الجماعة والأمة التي مّثل سلمان الفارسي صورتها.

جّسد سلمان الفارسي في صيرورته الفردية نموذج الوحدة الحية للقومي والعالمي، للتاريخي والمطلق كما نراه في بحثه الدءوب عن "رب" يعبده ويربيه. وقد جرى تتويج هذا البحث برؤية مثاله الواقعي في شخصية محمد. إذ وصل في نهاية المطاف إلى أن من يبحث عنه هو الشخص الذي يدعوه قومه بالساحر والمجنون! ومهما يكن من أمر هذه الرواية، فإنها تشير في رمزيتها إلى الأبعاد الفعلية في شخصيته بوصفها صيرورة الخروج على المألوف ولكن بمعايير القيم الأخلاقية الرفيعة. فالمجدد الكبير هو على الدوام "مجنون" بنظر قومه. ومن ثم لم تكن رحلة البحث عن المجنون سوى رحلة البحث عن النفس لكي تصبح ذاتا. وتفترض هذه العملية على الدوما المرور بدهاليز الجنون الفعلي للأقوام والأمم المتبلدة بالتقليد والخنوع لأصنامها. وحالما أصبح سلمان الفارسي "من آل البيت"، فإنه يكون قد ارتقى بمعايير التاريخ الواقعي والروحي إلى مصاف الأنا المتكاملة بشروط إرادتها الذاتية. من هنا إجابة الإمام علي بن أبي طالب مرة عندما سألوه رأيه بسلمان الفارسي بعبارة:"من لكم بمثل لقمان الحكيم؟ ذاك امرؤ منا وإلينا أهل البيت. أدرك العلم الأول والعلم الآخر. وقرأ الكتاب الأول والآخر. بحر لا ينزف!". ولا تعني رمزية منّا وإلينا، وإدراك العلم الأزلي، والقراءة الأبدية، سوى الروافد المتكاملة في ذاته التي جعلت منه بحر لا ينفد، أي عالم هائل يحتوي على مكونات الوجود الحية. وعندما ننقل هذه الصورة البلاغية إلى عالم التاريخ الواقعي، فإن مضمونها الفعلي يقوم في أن تكامله الفردي بوصفه صيرورة الإرادة الخاصة في طلب الحق يساوي بحر الرغبة الأبدية في توحيد الظاهر والباطن. وهو توحيد يوّحد كل شيء بدأ من "رب الأرباب" وانتهاء بالمواقف من صغائر الأمور، لأنه لا صغيرة في الكون وكبيرة إلا ولها صورة ومعنى في العقل، وصدى وندى في الضمير. ووجدت هذه الفكرة صورتها وصداها في عبارته القائلة:"لكل امرئ جواني وبراني. فمن يصلح جوانيه يصلح الله برانيه. ومن يفسد جوانيه يفسد الله برانيه".

إن هذا التماسك الضروري بين الجواني والبراني، أو الباطن والظاهر ليس إلا الوحدة التي حكمت إحساسه وعقله في مواجهة الحياة وإشكالاتها. تماما بالقدر الذي شكلت معيار الحكم على النفس وسلوكها ومواقفها تجاه قضايا الروح والجسد. وليس مصادفة ألا يختلف سلوكه الجواني (الباطني) باختلاف موقعه الاجتماعي والسياسي. وذلك لما فيه من اعتدل ظاهري وباطني، بوصفه الأكثر استقرار في الدفاع عن فكرة الحق والعدالة والعيش بمعاييرها. فعندما شاهد "غلو" أبي الدرداء في الزهد والتقشف على نفسه نراه يقول له:"إن لربك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولجسدك عليك حقا! أعط كل ذي حق حقه، صم، وافطر، وقم، ونم، وائت أهلك". وضمن هذا السياق ينبغي فهم فكرته التي قالها مرة لحذيفة بن اليمان:"إن العلم كثير والعمر قصير. فخذ من العلم ما تحتاج إليه في أمر دينك ودع ما سواه فلا تعانه". ولا يعني ذلك الوقوف عند شيء، لأن كل تاريخه وكينونته حركة لا تتوقف ولا تتناهى عند حد باستثناء ما يمكن دعوته بحدود الحقيقة، أي العيش والعمل والتفكر بمعاييرها ومقاييسها. وهو عين الاعتدال المتسامي الذي ميز سلوكه الفردي والاجتماعي. فعندما صلى أمامه احد الأشخاص أربع ركعات وهم في سفر، قال له:"ما لنا وللمربعة، إنما كان يكفينا نصف المربعة ونحن إلى الرخصة أحوج". وهي "رخصة" مبنية على فكرة الاعتدال بوصفها الصيغة الأكثر تجريدا وسموا لصيرورته الروحية والعقلية. لهذا نراه على سبيل المثال يحدد ماهية الإسلام بمقاييس الروح الأخلاقي وليس بعبارات العقائد الجاهزة. فعندما سألوه مرة عن معنى الإسلام أجاب:"إن الله إذا أراد بإنسان شرا أو هلكة نزع منه الحياء فلم تلقه إلا مقيتا ممقتا. فإذا كان مقيتا ممقتا نزعت منه الرحمة فلم تلقه إلا فظا غليظا. فإذا كان كذلك نزعت منه الأمانة فلم تلقه إلا خائنا مخونا. فإذا كان كذلك، نزعت ربقة الإسلام من عنقه فكان لعينا ملعونا". بعبارة أخرى، إن حقيقة الإسلام بالنسبة له هي سلسلة الأمانة والرحمة والحياء. أنها ثالوث كينونته التي جسدها في كل عمل ووظيفة أداها. فمن المعلوم عنه كونه كان يعمل بيديه. فإذا أصاب شيئا اشترى به لحما أو سمكا ثم يدعو المجذومين فيأكلون معه. وكان يقول دوما:"إني لأحب أن آكل من كدّ يدي". ووضع هذا السلوك في فكرة تقول، بأن"النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت". وهو اطمئنان كان يعني بالنسبة له العيش بمعايير الروح والسكون إلى ما فيه من نغمات هي عين الغناء الجميل للحياة والأبد. فقد شعر بالاستياء عندما قال له حذيفة: يا أبا عبد الله! ألا ابني لك بيتا؟ لكن حذيفة تدارك الأمر وقال بسرعة:

- رويدك! حتى أخبرك! إني ابني لك بيتا إذا اضطجعت فيه، رأسك من هذا الجانب ورجلاك من الجانب الآخر. وإذا قمت أصاب راسك!

- كأنك في نفسي!!

إن هذه الرغبة الصادقة في أن يكون بيته "قبرا" ليس إلا الوجه الآخر لسماء الروح غير المتناهية. فمن الناحية الواقعية تشير إلى أنه بلا بيت، ومن الناحية الرمزية تشير إلى أنه يمتلك العالم وما فيه دون رغبة بالملكية وشروطها المبتذلة. وليس مصادفة أن يتحول إلى "مرجعية المظلومين". فقد كان معروفا عنه مرجعيته بالنسبة لشكوى المظلومين. لهذا أجاب مرة عن سؤال:

- ما الظلمات يوم القيامة؟

- ظلم الناس بينهم في الدنيا!

تكشف هذه الإجابة عن مضمون الأبعاد الاجتماعية والسياسية في سلوكه الفردي عندما كان فردا عاديا أو أميرا (في المدائن). فقد كان معروفا عنه أن الهدية الوحيدة التي كان يقبلها ويطالب بها هي تحية السلام. كما كان معروفا عنه حلقه لرأسه. وعندما سألوه عن سبب ذلك أجاب:"إنما العيش عيش الآخرة"، بمعنى العيش بمعايير الروح المتسامي. فهي المعايير التي تصنع الاعتدال الفردي والاجتماعي. وهذه بدورها ليست إلا مظهر الاعتدال الباطني، باعتباره اعتدالا من طراز خاص على قدر ما في تجارب الروح الفرداني من معاناة شخصية، وهموم باطنية، ورؤية للكون والوجود والمعنى. وقد جّسد هذه المكونات بصورة مثالية عندما كان أميرا للمسلمين في المدائن. فقد زهد في إمارته أكثر مما في حياته العادية. إذ كان يخطب الناس في عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها. وتروى عنه بهذا الصدد روايات عديدة وأحداث ووقائع كثيرة يمكن الاكتفاء بالقليل منها للدلالة والتدليل. منها على سبيل المثال خروج البعض لرؤيته عندما كان بالمدائن، وهو يومئذ على رأس عشرين ألفا من المقاتلين. فوجدوه على سرير يسفّ خوصا. فسلموا عليه وقال احدهم له: هذا ابن أخت لي جاء من البادية ويود السلام عليك. فأجاب وعليه السلام. وعندما قال له الزائر:"يزعم انه يحبك"! فأجابه سلمان:"أحبه الله"! وقال آخر يصفه -"رأيت سلمان في سرية هو أميرها على حمار وعليه سراويل والجند يقولون "جاء الأمير"! كما دخل احدهم عليه فرآه يعجن. فاستغرب متسائلا: ما هذا؟ فأجابه سلمان:"بعثنا الخادم في عمل فكرهنا أن نجمع عليه عملين!". في حين كان عطاؤه (راتبه) خمسة آلاف درهم فإذا خرج صرفه للآخرين، ويأكل من عمل يده. وكان شعاره العملي اليومي هو:"إني بكل مؤمن رفيق"!

لقد تمثل سلمان الفارسي "حقائق المرجعية الأبدية للروح" ومبادئها العملية في كل من الفردانية المتسامية، ووحدة العلم والعمل، ومعاناة الهموم الكبرى للفرد والمجتمع والدولة. وحققها في سلوكه الفردي بطريقة جعلت منه مثالا لتجسيد المقدّس في الأعمال والمواقف. بمعنى إنزال القيم المتسامية إلى مصاف التراب والمشي عليها لا سحقها. حينذاك يمكن التجرد عن كل شيء والتحرر من عبودية كل ما هو عرضة للزوال. ومن ثم الهدوء التام في عواصف الزمن، والمشي مع متطلبات الروح بلا ضجة ولا ضجيج. لهذا نراه يقول لزوجته قبيل وفاته:"افتحي هذه الأبواب يا بقيرة، فإن لي اليوم زوارا لا ادري من أي هذه الأبواب يدخلون عليّ". وهو على علية لها أربعة أبواب. ثم دعا بمسك وقال لها "انضحيه حول فراشي ثم انزلي فامكثي فسوف تطلعين فتريني على فراشي". وعندما عملت ما أراد ورجعت إليه، رأته نائما نومته الأبدية على فراشه! وعندما نظروا إلى ما في بيته فلم يروا إلا غطاء ومتاعا لا يساوي أكثر من عشرين درهما، بل قيل أربعة عشر درهما!

وهي صورة تعني بأنه فارق ضجيج الحياة ليبقى في هدوءها الخالد بوصفه تجانس الحق والحقيقة. ولا يعني ذلك بمعايير الثقافة الكبرى سوى إبداع أنموذج فردي لجعل المقدّس بطانة زهده المتسامي. ولا يمكن للمثقف الكبير بلوغ هذه الصورة ما لم يتصف بشكل من أشكالها. وليس مصادفة أن يرد على أبي الدرداء الذي كتب إليه يدعوه للقدوم إلى مدينة القدس من أجل العيش فيها بوصفها أرضا مقدسة، بعبارته الشهيرة:"أن الأرض لا تقدس أحدا! وإنما يقدس الإنسان عمله!".

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

1- يمكن الرجوع إلى بعض جوانب حياته عن لأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، ص185-208.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5202 المصادف: 2020-12-02 01:13:10