 دراسات وبحوث

الحكم في الإسلام يقوم على قاعدة الشورى

احمد ابو قدومإن من أهم قواعد الحكم في الإسلام هي قاعدة الشورى، قال تعالى: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) ويقول أيضا: (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله) ولم يكن أحد أكثر من الرسول صلى الله عليه وسلم استشارة للمسلمين، فقد روى أحمد وغيره عن أبي هريرة أنه قال: "ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله"، ومعلوم لدى العلماء والفقهاء أن الله سبحانه وتعالى أوجب وحرم على المسلمين أمورا كثيرة، فأوجب الصلاة والصيام والزكاة وغيرها، وحرم الزنا والسرقة والربا وأكل مال اليتيم والرشوة والاختلاس والتجسس والتهرب من الضريبة وغيرها، لكن الله سبحانه لم يحدد عقوبات لمن ترك واجبا أو فعل محرما إلا في الحدود والقصاص، فكان لزاما على الدولة اٍلاسلامية أن تضع عقوبات زاجرة ورادعة للجرائم حتى تحافظ على حقوق الجماعة والأفراد في المجتمع الإسلامي، وكثير من هذه الجرائم تتفق على كونها جرائم تستحق العقوبات كل الأمم والدول، مثل جريمة الرشوة والاختلاس والتجسس وأكل مال الغير بالباطل والتهرب من الضريبة وغيرها، وتجد عقوباتها عند جميع الدول متقاربة، وقد ترك الإسلام للدولة أن تحدد العقوبة المناسبة للجريمة، ومن الأساليب في تحديد العقوبة للجرائم من غير الحدود والقصاص هو أن يستشار في وضعها خبراء من القضاة والمحامين، كما وضع الشيخ النبهاني مشروعا لنظام العقوبات المقترح للدولة الإسلامية بصفته كان قاضيا ممارسا لمهنة القضاء.

كذلك القوانين الإدارية، ومعلوم أن أغلب قوانين الدول بما فيها الدولة الإسلامية هي قوانين إدارية، فيعمد عند سن القوانين الإدارية إلى استشارة الخبراء فيها، فمثلا يستشار ويطلب من خبراء السير أن يضعوا قوانين السير، وكذلك قوانين الأشغال وتنظيم المدن والبناء والطاقة والكهرباء والمياه فيستشار الخبراء ويطلب منهم وضعها، ولا مانع من أخذها من الأمم والدول التي لها ريادة في هذه المجالات كما فعل عمر بن الخطاب أمام مسمع ومرأى من المسلمين دون الانكار عليه، فقد أخذها عن الفرس، وكان يقوم عليها مرارزبة الفرس ويكتبونها بلغتهم حتى أشار الحجاج على عبد الملك بن مروان تعريبها،

فقد ذكر ابن الطقطقي في كتاب الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية كيف تم تدوين الدواوين في عهد عمر بن الخطاب فقال: "وكان المسلمون هم الجند، وكان قتالهم لأجل الدين لا لأجل الدنيا... لكنَّهم كانوا إذا غزوا وغنموا أخذوا نصيبًا من الغنائم قرَّرته الشريعة لهم، وإذا ورد إلى المدينة مالٌ من بعض البلدان أُحضر إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفُرِّق فيهم حسب ما يراه صلى الله عليه وسلم، وجرى الأمر على ذلك مدى خلافة أبي بكر رضي الله عنه... فلمَّا كانت سنة خمس عشرة للهجرة وهي خلافة عمر رضي الله عنه رأى أنَّ الفتوح قد توالت، وأنَّ كنوز الأكاسرة قد ملكت، وأنَّ الأحمال من الذهب والفضة والجواهر النفيسة والثياب الفاخرة قد تتابعت، فرأى التوسيع على المسلمين، وتفريق تلك الأموال فيهم، ولم يكن يعرف كيف يصنع وكيف يضبط ذلك، وكان بالمدينة بعض مرارزبة الفرس، فلمَّا رأى حيرة عمر رضي الله عنه قال له: يا أمير المؤمنين إنَّ للأكاسرة شيئًا يُسمُّونه ديوانًا، جميع دخلهم وخرجهم مضبوطٌ فيه لا يشذ منه شيء، وأهل العطاء مرتَّبون فيه مراتب لا يتطرَّق عليها خلل، فتنبَّه عمر رضي الله عنه وقال: صفه لي، فوصفه المرزبان، ففطن عمر لذلك ودوَّن الدواوين وفرض العطاء، فجعل لكلِّ واحدٍ من المسلمين نوعًا مكرَّرًا"

 

بقلم: أحمد أبو قدوم

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5253 المصادف: 2021-01-22 02:31:20