محمود محمد عليامتاز ابن هشام بأسلوبه التعليمي الذي عبر عنه في تقديمه لكتابه "المعني"، إذ قال: "وها أنا بائح بم أسررته، مقيد لما قررته، مقرب فوائد للأفهام، واضع فرائده علي طرف الثمام، لينالها الطلاب بأدني إلمام". لهذا اختلفت أساليب التعريف عنده باختلاف مؤلفاته، فوجدته يتناول المصطلح بالشرح والتحليل والتفسير سالكاً عدة أساليب، متخذاً من تعريفه المصطلح مفتاحاً لشرحه، وبيان أحكامه؛ كل ذلك حرص منه علي إيصال ما يريده إلي ذهن المتلقي، بل هو يضع الكتاب مجملاً، ثم يضع شرحاً عليه مفصلاً، كما في قطر الندي وشرحه، وشذور الذهب وشرحه .

وهو حينما يضع مصنفاته يتدرج بها من السهل إلي الأصعب، أو من الجزء إلي الكل، ففي "قطر الندي" و"شذور الذهب "، يبدأ بتعريف الكلمة، لأنها أصغر وحدة تؤدي معني مستقلاً في ذاتها، ثم ينتقل إلي أقسامها واقفاً عند كل قسم مُعرفاً له بخصائصه التي ينماز بها عن غيره كما هو الحال في تعريف الاسم والفعل .

ومع تعدد أساليبه في تعريف المصطلح النحوي غير أن أبرز أسلوبين من أساليب تعريفه: هما التعريف بالعامل، والتعريف بالمعني، مدعماً كل منهما بالمثال أو الأمثلة تعزيزاً لهدفه التعليمي . وسأناقش مثالين من تعريفه المبتدأ، وثانيهما تعريفه ليت . عرف ابن هشام المبتدأ بأنه:" الاسم المجرد من العوامل اللفظية للإستاد .

ويلحظ أن محور هذا التعريف يستند إلي العامل النحوي، فتجرد الاسم من العوامل اللفظية هو الميزة الكبري للمبتدأ فالأسماء التي تشترك في الرفع هي المبتدأ والخبر والفاعل ونائبه، واسم كان وخبر إن، وخبر لا النافية للجنس، واسم الأدوات التي تعمل عمل ليس، وقد استطاع ابن هشام أن يخرج كل هذه المدخلات بقوله: المجرد من العوامل اللفظية " ؛ لأن هذه المرفوعات إلا المبتدأ رفعت بعامل لفظي ألا وهو الفعل في الفاعل ونائبه واسم كان، وعمل عمله في خبر إن، وما حُمل علي ليس – في خبر (ما) و(إن) و(لا) و (لات) العاملة عملها، وقوله للإسناد محور جزئي ثان يراد به ( الموقعية)؛ فالاسناد كون المبتدأ مسنداً كما هو في مثاله (زيد قائم) أو كون المبتدأ مسندأ كما هو في مثاله الآخر: ( أقائم الزيدان) (25). ولم يكن ابن هشام ليلقي التعريف، ثم ينتقل إلي أحكام المعرف دون شرحه التعريف، موضحاً كل عبارة فيه بالمثال ؛ فعندما ذكر لفظ (المجرد) في تعريفه السابق – شرحه بقوله:" وخرج بالمجرد نحو (زيد) في (كان زيد عالماً) ، فلسان حال هذا المثال يقول: الاسم المرفوع الواقع بعد كان ليس مبتدأ إنما هو اسم كان ؛ لتقدم عامل لفظي عليه . ولم يخرج هذا المثال اسم كان فحسب إنما أخرج كل ما تقدمه عامل لفظي مما ذكرت أتفاً كالفاعل ونائبه . ثم يسوق مثالاً آخر مصوراً فيه ما ليس فيه إسناد، وهي الأعداد المفردة: (واحد، واثنان، ثلاثة) ثم يشرح ذلك بالكلمات:" فإنها وإن تجردت لكن لا إسناد فيها " .

والنموذج السابق عند ابن هشام يكاد ينسحب علي تعريفه المصطلحات كلها كالمرفوعات والمنصوبات والمجرورات .

والمدقق في التعريف السابق عند ابن هشام يري أن كل تركيب أو عبارة جاءت تخصيصاً للمعرف بحيث لا يقع التعريف إلا عليه . فيقدر ما يحدث انزياح في التعريف إلي اليسار بقدر ما تتضح صورة المعرف في الذهن أكثر بحيث لا يشترك معه غيره . وواضح أن المبتدأ انتهي تعريفه عند قوله: (للإسناد) أي بالعمل والموقع غير أن ما جاءت به من أمثله زادت المعرف توضيحاً .

ونأخذ أنموذج آخر من التعريف عند ابن هشام هو تعريفه (ليت) إذ قال:" ليت حرف لمن يتعلق بالمستحيل غالباً كقوله:

فيا ليت الشباب يعود يوماً      فأخبره بما فعل المشيب .

وبالممكن قليلاً، وحكمه أن ينصب الاسم ويرفع خبره، الاسم الذي انبني عليه لتعريف السابق هو (المعني) إذ كشف لنا معني (ليت)، وهو التمني فيما لا يتوقع حصوله في كثر استعمالاتها أو فيما يتوقع حصوله مقيداً المعني الأول بالغلبة ومقيداً المعني الثاني بالقلة . لما كان المعني الأول شائعاً في ليت دلل عليه بقول الشاعر:" فيا ليت ... البيت " فالشباب لا يعود قطعاً، فجاء المثال معبراً عن المعني الأول الذي تأتي عليه (ليت) تعبيراً دقيقاً لا يتبادر إلي الذهن غيره . ثم يشمل التعريف محوراً آخر هو (الحكم) بقوله:" وحكمه أن ينصب الاسم يرفع الخبر"؛ وبالحكم تنكشف حقيقتان لـ (ليت) الأولي: أنها تدخل علي الجملة الأسمية، الثانية: كونها تنصب ما أصله المبتدأ ويسمي اسمها، وترفع ما أصله الخبر ويسمي خبرها .ويكثر هذا النمط من التعريف عند ابن هشام في تعامله مع الأدوات النحوية .

وقل أن يتخذ التعريف الواحد شكلاً واحداً عند ابن هشام ؛ فالتعريف بالمثال – مثلاً- يكاد يرد مع كل تعريف أياً كان أسلوبه متصلاً به، موضحاً له، بحيث يجعل المتعلم أكثر تصوراً لحقيقة المعرف . وهذا النوع من التعريف – أعمي التعريف بالمثال – ينسجم مع المنهج التعليمي الذي اختطه ابن هشام لنفسه، وهو يقدم المادة التعليمية لتلاميذه .

وربما حدث انزياح في معاني الألفاظ المستعملة في شرحه التعريف – نحو المنطق مستعيراً بعض هذا الألفاظ، التي أصبحت كأنها في النحو من أصله كالجنس والفصل والنوع والقضايا الصغرى والقضايا الكبرى، والعموم والخصوص الوجهي، والمعروض والعرض، والماصدق والمفهوم، والمادة والصورة، والاجتماع والإنفراد، ومنع الجمع ومنع الخو، والماهية الذهنية والتشخيص الخارجي، والتقييد والإطلاق، والموضوع والمحمول، واللازم والملزوم، والموجود والمعدوم، والقوة، والفعل – فينقطع التواصل بينه وبين المتعلم أو يكاد . مثال ذلك ما جاء ما جاء في تعليقه علي تعريف ابن مالك الحال، قال:" وفي هذا الحد نظر؛ لأن النصب حكم، والحكم فرع التصور، والتصور متوقف علي الحد، فجاء الدور ".

وحين عرض ابن هشام لبعض الأدوات التي لها صلة بالقضايا المنطقية لم يغفل النظر في علاقة الأداة بالمعني ناقداً أحياناً ما أستقر عله الأمر عند المعربين – وذلك لأن النحاة قبل عصر ابن هشام – ما كانوا أو ما كان أكثرهم يعنون بالعلاقة القائمة بين الأداة والمعني العام الذي جاء به نص وردت فيه هذه الأداة، وإذا كان المنطق الأرسطي في جملة أمره يعني بـ" الصورة" أو " الشكل" أكثر من المادة أو المضمون، فإن معظم النحاة في تحليل بعض هذه الأدوات ما كان ليهمهم غير الموقع الإعرابي أو عملية الربط بين جملتين وهو ما يسمي بالقضية الشرطية عند المناطقة .

ونلاحظ أن ابن هشام قسم مكاناً لمستعمل هذه الأدوات من حيث حكمه علي صحة المعني أو فساده بناء علي ما استقر عليه عند سابقيه أو معاصريه، ومن ذلك حديثه عن عموم السلب وسلب العموم، وهو كل جملة سبقت بنفي سلط علي فكرة، والقضية في جملة أمرها عامة، ولكنه حين تصدي لبعض الآيات التي وردت في القرآن الكريم، أحس بأن هذا الأصل لا يمكن أن يطبق عليها كما في قوله تعالي "والله لا يحب مختال فخور" فإنا لو طبقنا هذا الأصل، لكان المعني غير صحيح، أو دقيق مع أن النص لا شبهة فيه .

كذلك يعني ابن هشام بالمنطق، ونلحظ ذلك بينا في حديثه عن (إن) الشرطية إذا دخلت علي زمن مضي أو مستقبل، وإن الشرط دائماً لما سيكون، فإذا قلنا مثلاً، " إن زارنا محمد أكرمناه" فإن الزيارة ستكون في المستقبل والذي حول هذا الماضي إلي المستقبل ليس (إن) وحدها، وإنما صيغة التعبير وما يحدث في دنيا المستعملين للغة وليست (إن) هنا إلا دالة علي ذلك .

وقد يظهر أثر المنطق في عرض الآراء التي ينسبها إلي نحاة ولغويين من مذاهب واتجاهات مختلفة ثم في مناقشتها والرد عليها وتعليلها، وكذلك في الحدود والتعريفات التي يذكرها في تعريفه عن بعض الأدوات، يقول في (أل) الجنسية : وهي إما لاستغرق الأفراد، وهي التي تخلفها "كل" حقيقة، أو لا ستغرق خصائص الأفراد وهي التي تخلفها " كل" مجازاً أو لتعريف الماهية وهي التي لا تخلفها "كل" لا حقيقة ولا مجازاً نحو "وجعلنا من الماء كل شئ حي" . وقولك:" والله لا أتزوج النساء " أو "لا ألبس الثياب" ولهذا يقع الحنث بالواحد منهما، وبعضهم يقول في هذه إنها لتعريف العهد، لإإن الأجناس أمور معهودة في الأذهان متميز بعضها عن بعض ويقسم المعهود إلي شخص وجنس .

وفي القرنيين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين وجدت أفكار ابن هشام صدي كبير لدي محمد بن علي المعروف بالصبان (ت: 1206ه – 1719هـ) من أبرز النحاة الذين يمثلون هذه المرحلة . فقد جاءت حاشيته علي شرح الأشموني (ت: 929ه 1522هـ) التي طارت شهرتها في الأفاق حاوية كما هائلاً مما كتبه الشراح من تعليقات وشروح وتأويلات علي شرح الأشموني .

ويحاكم الصبان تعريف المصطلح النحوي محاكمة منطقية علي غرار ابن هشام؛ فالتعريف المثالي هو التعريف الذي يتمثل شروط الحد في علم المنطق، فلا يشذ عن شئ منها، فضلاً عما يورده من آراء النحاة السابقين المتعلقة بالتعريف الذي يناقشه، ولا سيما تعليقات شيخه "الحفني" المتوفي 1181هـ وهو يحمل مادة واسعة من خلافات النحاة يكمل بها ما ذكره الأشموني في شرحه .

ولا يفوت الصبان في تعليقاته علي تعريف المصطلح النحوي أن يعرض لآراء النحاة، ولا سيما معاصريه كعرضه لرأي أستاذه الحفني ولرأي الروداني المتوفي 1094هـ . وكذلك عرضه لرأي أحد المتقدمين أعني الرضي الإسترآبادي المتوفي سنة 686هـ .

ومما جاء في تعليقاته علي شرح المصطلح النحوي قوله: اعتراضه شيخنا السيد (أ) اعترض ماله الأشموني في تعريف الكلام من كون الحدود لا تتم بدلالة الإلتزام) بأن الظاهر أن التركيب والقصد داخلان في مفهوم (المفيد)، فدلالته عليهما تضمينية لا التزامية، والتضمنية غير مهجورة في الحدود، ولو سلم أنها إلتزامية فهجرها إنما هو في الحدود الحقيقية التي بالذاتيات، ومثل هذا التعريف ليس منها بل من الرسوم". فواضح أن تعليقاته علي شرح التعريف عند الأشموني إنما هي تعليقات مستمدة من المنطق وشروط الحد فيه . ويجد الناظر في حاشية الصبان أن التعليق علي التعريف ليس تعليقاً علي تعريف نحوي بقدر ما يكون تعليقاً علي تعريف منطقي، مما يشير إلي أن صنعة المنطق كادت تغلب صنعة النحو عند الصبان .

كما وجدت أفكار ابن هشام النحوية صدي كبير أيضا لدي ابن الناظم ؛ حيث يعد شرح ابن الناظم علي ألفية والده أهم كتاب نحوي أودعه عصارة جهوده الدراسية في عدد من العلوم التي ألم بها، وهذا الشرح امتاز بالطابع المنطقي، فقد وصفه المقري بأنه غاية في الإغلاق، ويتسم شرح ابن الناظم بالتأثر الشديد بالمعارف المنطقية التي غلبت علي شرحه، وكانت هي السمة الغالبة علي علماء عصره، فانعكس علي مؤلفاتهم النحوية واللغوية، بالإضافة إلي الأسلوب الفلسفي الذي صاغ به الشرح، ولهذا كثرت عليه الحواشي والشروح والتعليقات .

كان ابن الناظم أول من شرح لا مية أبيه متأثرا بابن هشام، وبذلك مهد السبيل لشارحيها بعده، ولم يحظ هذا الشرح بما حظي به شرحه علي ألفية أبيه من مكانة عند الدارسين، وقد تعقب ابن الناظم أباه وربما حمله التعقب علي الإتيان ببيت بدل بيت الناظم، إلا أن شراح الألفية بعده تصدوا للرد عليه بما جعل حملاته علي والده الناظم طائشة . وقد وردت في شرحه بعض شواهد محرفة نقلها عنه من بعده وربما شاق شعر المحدثين استدلالا، وقد كان شرحه مغلقاً لذلك كثرت الحواشي فيه . وعلي الرغم من ذلك فإنه في عموم شرحه، كان سهل العبارة قريب المأخذ نال عناية فائقة من العرب والمستشرقين فنشروه، وكتبوا عنه خاصة بروكلمان في كتابه .

كان الطابع المنطقي من أهم معالم دراسات ابن الناظم النحوية التي اكتسبت الصبغة المنطقية، وكان من مظاهرها ذكره لكثير من المصطلحات المنطقية واستخدامه لكثير من أساليب المناطقة في الاستدلال علي صحة ما يذهب إليه من التراكيب المنطقية التي شاعت في دراساته النحوية لفظ بالقوة ولفظ بالفعل ، وبين الكلام والكلام عموم من جهة الخصوص .

ولذلك كانت حدوده النحوية ذات طابع منطقي، اتسمت بكونها جامعة مانعة، وأنه كان كلفاً بها منذ مراحل دراساته النحوية الأولي . وهذه الظاهرة شاخصة في شرحه علي الألفية: قال في حد الكلمة:" والمراد بالكلمة: لفظ بالقوة، أو لفظ بالفعل، مستقل، دال بجمله علي معني مفرد بالوضع . وبالقوة مدخل للضمير في نحو أفعل، وتفعل، "ولفظ بالفعل " مدخل لنحو زيد في قام زيد "ومستقل" مخرج للأبعاض الدالة علي معني، كألف المفاعلة، وحروف المضارعة و" دال " معمم لما دلالته ثابتة، كرجل، ولما دلالته ذائلة، كأحد جزأي امرئ القيس، لأنه كلمة ولذلك أعرب بإعرابين كل علي حدة، ويجملته مخرج للمركب، كغلام زيد فإنه دال بجزأيه علي جزأي معناه، وبالوضع مخرج للمهمل، ولما دلالته عقلية، كدلالة اللفظ علي حال اللافظ به .

وعرض مسألة أقسام الكلمة في اللغة العربية عرضاً منطقياً لا تجده إلا عند ابن الحاجب فقال: " الكلمة أما أن يصح أن تكون ركناً للإسناد أو لا، الثاني الحرف، والأول: أما أن يصح أن يسند إليه، أو لا الثاني بالفعل ؛ والأول الاسم وقد ظهر من هذا انحصار الكلمة في ثلاثة أقسام ".

أخذ ابن الناظم قوله في أقسام الكلمة من ابن الحاجب، فقال:"الكلمة لفظ وضع لمعني مفرد،وهي اسم وفعل وحرف، لأنها أما أن تدل علي معني في نفسها أو لا الثاني الحرف، والأول إما أن يقترن بأحد الأزمنة الثلاثة أو لا الثاني: الاسم، والأول الفعل، وقد علم بذلك حد كل واحد منها .بهذا الأسلوب المنطقي عرض ابن النظام كثيراً من المسائل النحوية .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

بدر الدين شيخ رشيدتعتبر مسألة ولاية الفقيه من أهم المسائل التي طرحت في بساط البحث في إشكالية مفهوم الدولة الإسلامية في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، وتأتي هذه الأهمية في العصر الحاضر بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران، وتبنيها على مبدأ ولاية الفقيه المطلقة، فظهرت ردود متباينة في الساحة الفكرية الإسلامية ما بين مؤيد لها ومعارض لها  من جهة إطلاقها.

ويختلف الباحثون حول نشأة فكرة ولاية الفقيه، فمنهم من يرى أنها طرحت منذ المحقق الشيخ  أحمد النراقي، ثم أخذت في حيز التطبيق في العصر الحاضر بيد الإمام الخميني، وهناك من يرى أن نشأتها تعود إلى بداية انطلاق الفقه الشيعي، وأن كل الفقهاء العظام ومنذ عهد الشيخ المفيد رحمه الله (ت:413ﮪ) كانوا يؤمنون بها، ومنهم من يرى أنها قديمة في التراث الشيعي حيث ظهرت جليا في عصر الغيبة الصغرى، إلا أن جذورها تمتد إلى عصر الأئمة المعصومين، ومنهم من يذهب إلى أبعد من ذلك، فيرى أن نشأتها متصلة بعصر الرسالة .

بيد أن نشأة ولاية الفقيه في عصر الغيبة متصلة بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بمفهوم الحسبة في العرف الشرعي، وهكذا، نشأت من منطلق: «سد منطقة الفراغ»، ويعود نشأتها إلى عهد الشيخ المفيد، حيث كانت تقتصر في بعض الوظائف الدينية الجزئية كالقضاء والفتوى، أو بإقامة الحدود مع الاستطاعة، أو في قبض الزكاة والخمس، فهذه الوظائف هي وظائف جزئية إذا قيست بالولاية العامة، فالفقيه يمارسها في ظل الغيبة لسد منطقة الفراغ، سواء نتج هذا الفراغ عن عدم امكانية الأمة لممارسة السلطة بسبب الاستبداد، أو لغياب المهدي المنتظر، أما الولاية العامة للفقيه، فقد ظهرت في عهد الشيخ النراقي(1245ھ)، ولم يسلم له من حيث الاستدلال بالأدلة التي استدل بها.

الوظائف الجزئية لفكرة ولاية الفقيه:

إقامة الحدود:

إن فكرة ولاية الفقيه الجزئية نشأت من جانب الأصوليين بيد الشيخ المفيد في بداية القرن الخامس الهجريّ، وكان من تلامذة الشيخ ابن جنيد، فذكر أن أقامة الحدود تثبت إلى جهات ثلاث: الأئمة المعصومين، أو من نصبوا إليه: كالأمراء والحكام في زمانهم، وفقهاء الشيعة مع الإمكان، إضافة إلى ذلك، فعليهم أن يقيموا الصلوات الخمس، وصلوات الأعياد، والاستسقاء، والكسوف، والخسوف، إذا تمكوا وأمنوا من معرة أهل الفساد، ولهم أن يقضوا بينهم بالحق ويصلحوا بين المختلفين في الدعاوى... لأن الأئمة عليهم السلام قد فوضوا إليهم عند تمكنهم .

فيفيد كلام الشيخ المفيد أن الفقيه نائب عن الإمام المهدي من بعض الوظائف، كإقامة الحدود،  ولهذا، يعتبر الشيخ المفيد أول من عيّن بعض وظائف الفقيه، حيث يقيمها إذا سمحت له الظروف وتمكن من ذلك، بل ذكر أنه إذا نصب السلطان المتغلب لوظيفة القضاء يتعيّن عليه القبول لإجراء الحدود، فهو يتقبل من المتغلب من جهة الظاهر إلا أنه «أمير في الحقيقة من قبل صاحب الأمر، الذي سوغه ذلك وأذن له فيه دون المتغلب من أهل الضلال» .

هذه الفكرة وجدت تأييدا من قبل بعض فقهاء الشيعة، وذلك لصعوبة تطبيقها من قبل الفقيه استقلالا من دون سلطة، فالسيد الشريف المرتضى- تلميد الشيخ المفيد- أجاز في بعض رسائله ممارستها من قبل المتغلب، إلا أنه لم يشر كشيخه المفيد، نيابته عن الإمام المهدي، لكن الشيخ الطوسي- تلميد  الشريف المرتضي- أكد الممارسة الواقعيّة في الحدود، إلا أنه، قيّدها مع النية بكونه نائبا عن الإمام، حيث فوضت الأئمة  إلى الفقهاء في إقامة الحدود في حالة التمكن .

بناء على هذا، استمر خط الجواز، أو الوجوب عند الإجبار من المتغلب، في ممارسة إقامة الحدود بعد الشريف المرتضي، مع الاعتبار بكونه نائبا عن الإمام المهدي، وهكذا، اعتبر عدد من الفقهاء،كالشيخ أبي الصلاح الحلبي( ت: 447ﻫ)، والشيخ سلار،  والقاضي ابن براج (ت: 481ﮪ)، ومحمد بن إدريس الحلي، أن الفقيه نائب عن الإمام في ممارسة الحدود.

يلاحظ مما سبق بيانه، أن ممارسة إقامة الحدود من قبل المتغلب سواء عن طريق الجواز، أو الوجوب في حالة الإجبار، كانت على صورة استثنائية ينوي القائم عليها أنه نائب عن الإمام المنتظر، لا عن السلطان الجائر، وقد استمرت هذه النظرية إلى نهاية القرن السادس الهجري .

وقد حدث بعض التطور في هذه النظرية الاستثنائية في منتصف القرن السابع على يدي المحقق نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي(ت: 676ھ)، حيث طرح فكرة استقلال الفقيه بإقامة الحدود في عصر الغيبة، من دون إشارة إلى تكليف السلطان المتغلب، ويجب على الناس تأييدهم له في ذلك، إضافة إلى ذلك، ذكر أن الخصم  إذا دعاه لخصمه للتحاكم  إليه فعليه أن يجيب «ولو امتنع وآثر المضي إلى قضاة الجور، كان مرتكبا للمنكر»، وهذا التطور الملموس من قبل المحقق الحليّ، تبعه في ذلك العلامة الحلي(ت: 726ﮪ)، الذي جاء بعده، حيث نادى كالمحقق الحليّ، استقلال الفقيه في إقامة الحدود في زمن الغيبة، كما أوجب أيضا على الناس أن يؤيدوا الفقيه في إقامة الحدود .

وهكذا، تطورت إقامة الحدود من قبل الفقهاء إلى الأمام، من قبل  جمال الدين مقداد بن عبد الله السيوري (ت:826ﻫ )، حيث ذهب إلى إقامة الحدود مطلقا سواء في حضور الإمام، أو في غيبته، واستدل في ذلك بالروايات العامة التي تقول:(العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم)؛ ولأن الحكمة من الحدود عائدة إلى المستحق، وليس إلى المقيّم، وكان يعتقد امكانية إقامة الحدود في عصره، وأن نظرية الانتظار تتناقض مع العقل والشرع .

محاولة تطبيق الحدود من الفقيه:

لقد كانت فكرة إقامة الحدود تنطلق من فكرة ولاية الفقيه، فكانت تتطور من جهة التنظير جزئيا إلى أن أخذت في حيز التنفيذ، فكان الشهيد الأول(ت:786ھ)، أول من حاول تطبيق الحدود لكي تأخذ دورا سياسيا فعّالا في المجتمع الشيعيّ، فهو كان يعيش في ربوع الشام، فقد اعْتَبَر -كالفقهاء السابقين- أن الفقيه هو النائب العام في عصر الغيبة، وبالتالي فعليه أن يقيم الحدود والتعزيرات عند الامكان، كما أوجب على العامة مساندة الفقيه ومنع المتغلب عليه، من جهة أخرى، فهو لم يجز تولي الفقيه للقضاء من قبل الجائر ابتداءا، إلا مع الاكراه، أو التمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

فالشهيد الأول بدأ يتنقل في ربوع الشام؛ وذلك: «لتجميع فلول الشيعة وجمع أمرهم، وإقامة سلطة سياسية شرعية لهم، فجبى الأموال وأعدّ الرجالَ واتصل بحكومات الشيعة في وقته سرا وعلانية، ومنها ما ذكر من المكاتبة بينه وبين الملك علي بن المؤيد عامل خراسان، لكن في أثناء ذلك أتهم بمخالفة المذهب السني، وجُعِلَ أمره إلى القاضي، فحكم بإراقة دمه، فضربت عنقه تحت القلعة بدمشق.

ويبدو أن الشهيد الأول، هو أول من أظهر ولاية الفقيه في صورتها  السياسية، والتي طبقها المحقق الكركي(ت:940ھ)، بعده في أيام الدولة الصفوية والتي أخذت فيما بعد بالاستقلال من حيث البحث النظري بيد الشيخ أحمد النراقي، وبالتالي طبقها الإمام الخميني عام (1979م).

فالمحقق الكركي الذي جاء بعد الشهيد الأول، لم يكتف بالقول بولاية الفقيه، بل تقلّد النيابة العامة عن المهدي في عهد الدولة الصفويّة، وذلك بعد ما فوض الملك الصفوي مقاليد الحكم  نيابة عن الإمام المهدي، وبناء على هذا، أصبحت الفكرة من المسلمات بين فقهاء الشيعة، حيث أن النقاش بينهم- في إقامة الحدود في عصر الغيبة-كان يدور على حالة عدم الاستطاعة، فمنهم  اقتصر على  ذويه، أو إمائه، ومنهم من قال: يتقلد منصب القضاء من السلطان الجائر عند الإجبار، معتقدا نيابته عن الإمام المهدي، لكنهم استثنوا فيما إذا كان  القتل ظلما؛ لأنه لا تقية في الدماء .

وقد قويت فكرة استقلاليّة الفقهاء في  إجراء الحدود عند الأمن من الضرر، وخاصة  الذين جاءوا بعد  المحقق الكركي، كالشهيد الثاني، والملا محمد باقر السبزواري، والشيخ بهاء الدين العاملي، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، والشيخ محمد حسن النجفي.

فالشهيد الثاني، رفض جواز تولي غير الفقيه الشرعي لإقامة الحدود من قبل الجائر في حالة الإجبار إلا بالتقية، وفي مقابل ذلك، شجّع قيام الفقهاء العارفين بتنفيذ الحدود وذلك لوجود المصلحة الكلية في إقامة الحدود واللطف في ترك المحارم وحسم انتشار المفاسد،  لكنه، اشترط الحكم بين الناس  في حال الغيبة، الأمن من الضرر على أنفسهم وغيرهم من المؤمنين .

فالمحقق الأردبيلي من جانبه رجّح عدم جواز تنفيذ الحدود من قبل الجائر، أما لو اضطر إلى التقلد من السلطان الجائر جاز له، إلا في القتل، وعلى هذا الأساس، يفهم من كلام الأردبيلي ضمنيا، أن على الفقيه القيام بالقضاء استقلالا، وذلك بمساعدة الناس إليه،  وهو ما أكد به الملا محمد باقر السبزواري، حيث بيّن أن للفقهاء- في حالة الأمن من بطش الظالمين- الحكم بين الناس وقسمة الزكوات،والأخماس، والافتاء بشرط الاستجماع لشرائط الافتاء، ويجب على الناس مساعدتهم والترافع إليهم في الأحكام فمن امتنع على خصمه وآثر إلى حكام الجور أثم،كذلك، أكد كل من الشيخ جعفر كاشف الغطاء(ت: 1227ھ)، والشيخ محمد حسن النجفي(ت:1266 ھ)، رؤية الملا محمد باقر السبزواري، من استقلالية الفقيه في ولاية الحدود، وأن على الناس مساندتهم إياه.

مصرف الخمس:

قال الشيخ الطوسي في كيفية تقسيم الخمس المذكور في آية الخمس﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، «فسهم الله لرسوله إذا كان باقيا فإذا مضى رسول الله، فهذان السهمان، -أى سهم الله ورسوله- مع سهم ذوي القربي يكون لمن قام مقام رسول الله من الأئمة، يصرفه في مؤونته ومؤونة من يلزمه نفقته، وسهم  اليتامى والمساكين وابن السبيل مصروف إلى من كان بهذه الصفاة من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاصة دون سائر الناس، فإن لأولئك الزكاة التي تحرم على هولاء» .

فالإشكال يظهر في عصر الغيبة لمن يتصرف الخمس؟ هل هو مرهون إلى ظهور المهدي؟ أم يصرفها الفقيه إلى المستحقين به نيابة عن الإمام المهدي؟

فالمسألة أخذت تتطور في إطار اجتهادات مختلفة بين فقهاء الشيعة، وسببه كون سهم الخمس من حق الإمام في عرف الشيعة الإماميّة، هذا، وقد انتقد السيد محمود الهاشمي المنهج الذي سلكه الفقهاء في مسألة الخمس، حيث أرجع اختلافهم فيها حسب اختلاف أذواقهم وسلائقهم ووجدانهم .

وقد بدأ تطور نظرية الخمس منذ الشيخ ابن حمزة (ت:447ﮪ)؛ إذ فضل دفعها إلى الفقيه ليتولى قسمتها، إذا لم يكن المالك يحسن القسمة فيها،  وهكذا، أوجب المحقق الحلي تسليم حصة الإمام إلى من له الحكم بحق النيابة- وهو المجتهد الجامع للشرائط- ليصرف حصة الإمام في الأصناف الموجودين، كما أشار الشهيد الأول من جهته، إلى ضرورة استئذان المكلف عن نائب الإمام الجامع لصفات الفتوى، إذا أراد توزيع نصيب الإمام على الأصناف،  وكذلك، أوكل المحقق الكركي مهمة صرف حصة الإمام إلى الحاكم الشرعي، أى الفقيه المجتهد، هذا، وأفتى محمد باقر السبزواري بتولية الفقيه العادل في عملية صرف الخمس في الأصناف الموجودين احتياطاً، بل تطور الحكم في القرن الثالث عشر إلى درجة أقوى، حيث أفتى الشيخ محمد حسن النجفي بوجوب تولي الفقيه العادل صرف سهم الإمام .

وبالرغم من عدم إيمان السيد كاظم اليزدي بنظرية ولاية الفقيه، إلا أنه قال في مجال الخمس: بضرورة إيصال سهم الإمام في زمان الغيبة إلى نائبه وهو المجتهد الجامع للشرائط أو الدفع إلى المستحقين لإذنه .

وقد قام الشيخ حسن الفريد بثورة في باب الخمس عندما سلب حق الخمس من الإمام المهدي لغيبته، وذلك لعدم قيامه بمهام الإمامة، وقال: بضرورة قيام واحد من الناس باستلام الخمس وتوزيعه من باب الحسبة، وهو تطور لم يخطر على بال أحد من قبل؛ إذ أن غاية ما كان يقوله الفقهاء: إن الفقيه يأخذ نصيب الإمام بوصفه نائباً عنه، أما التطور الأخير فيعطي الشرعية للفقيه بتولي ذلك لا بوصفه نائباً عن الإمام وإنما بصورة مستقلة باعتباره ولياً وزعيماً وحاكماً وإماماً كما يقول الشيخ حسن الفريد .

يقول السيد محمود الهاشمي بعد مناقشة المسألة: «ولا يبقي إلا على قول واحد هو قول الشيخ حسن الفريد الذي يجعل الخمس ملكاً لمنصب الإمامة والولاية الشرعية فيكون الولي الشرعي في كل زمان هو المتولي على صرفه قانوناً وشرعا »، وهكذا، اعتبر أيضا رضا الهمداني(ت: 1322ﻫ) إيصال المال إلى الفقيه كإيصاله إلى يد الإمام المهديّ قائلاً: إذاً بعد فرض النيابة، يكون الإيصال بمنزلة الإيصال إلى الإمام .

قبض الزكاة وتصريفها للمستحقين:

الوظيفة الثالثة التي يتولى الفقيه ممارستها هي  قبض الزكاة وتصريفها إلى الجهات المستحقة انطلاقا من مبدأ نيابة الفقيه عن الإمام، فقد تناول كل من  الشيخ المفيد، وأبو الصلاح، المسألة على الترتيب،أى قبض الزكاة أصالة تثبت للإمام، ثم نائبه، ثم الفقيه، هذا، ويستفاد من رأيهما أن الأصالة تقع في عصر الإمام، ونائبه في عصر الغيبة الصغرى، أما عند الغيبة الكبرى فتجب على الفقيه الجامع لشرائط الفتوى، ويدل على ذلك ما ذهب إليه الشهيد الأول حيث يقول: يجب دفع الزكاة إلى الإمام أو نائبه مع الطلب، وإلا استحب، وفي الغيبة إلى الفقيه المأمون، وخصوصاً الأموال الظاهرة.

فالشيخ كاظم ياسين، ذكر أن عبارة الشهيد الأول تفيد أن مقام الفقيه في عصر الغيبة مقام الإمام المعصوم، وعلى هذا المنوال ذهب الشهيد الثاني (ت: 911)، حيث أكد دفع الزكاة إلى الفقيه المأمون في عصر الغيبة،  قائلا:« يجب دفعها  ابتداء إلى الإمام أو نائبه،  ومع الغيبة إلى الفقيه المأمون» .

طرح نظرية ولاية الفقيه المطلقة:

طرح الشيخ  أحمد النراقي (ت:1245ﮪ) ولاية الفقيه المطلقة، فهو الذي بحث المسألة بشكل مستقل من جهة وظيفة الفقيه، ومن جهة الأدلة، أما قبل الشيخ النراقي فكانت المسألة  تدرس بشكل جزئي، تتناول كما سبق في بعض الوظائف كالحدود، والافتاء والقضاء ومسألة الخمس والزكاة، وكلها تعتبر وظائف جزئية بالنسبة لنظرية ولاية الفقيه المطلقة التي ابتكرها الشيخ النراقي والتي طبقها الإمام الخميني، وعلى هذا الأساس، فالمسألة بدأت تناقش مابعد الشيخ النراقي بشكل أساسيّ من حيث  ثبوتها وعموميتها، وبالتالي انطلقوا من مباني النراقي، المبنية على أن الفقيه له ولايتان:

الأولى:كل ما كان للنبي والإمام فيه الولاية، فللفقيه أيضاً ذلك، إلا ما أخرجه الدليل من اجماع أو نص أو غيرهما.

الثانية:كل فعل متعلّق بأمور العباد في دينهم أو دنياهم والذي علم لزوميّة الاتيان به، إما عقلاً، أو عادة، أو شرعا، ولم يعلم المأمور به ولا المأذون فيه، فهو وظيفة الفقيه وله التصرّف فيه والإتيان به، إلا أن الشيخ الأنصاري، وهو من معاصري الشيخ النراقي،لم يسلم بولاية الفقيه المطلقة، وبيّن أن وظيفة الفقيه تقتصر بالأحكام الشرعية.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

 

بدر الدين شيخ رشيدإن إشكالية نشأة الحاكميّة ترجع إلى حداثة مصطلح الحاكمية، وسببه لكونه مصدرا صناعيا لم يستخدم من قبل، ولم توجد في المعاجم العربية، وإن كان استخدامه مشهورا عند العرب، بناء على هذا، فقد أثار مفهوم الحاكميّة التي طرحها كل من السيد أبو الأعلى المودوي وسيد قطب جدلا واسعا في أوساط الكتّاب والمثقفين المعاصرين من حيث نشأته ودلالته الشرعية والسياسية، بيد أن القدر المتيقن بين الدارسين بفكرة الحاكميّة هي ظهورها كأيدلوجية أصوليّة إسلامية سياسية، بعد سقوط الخلافة العثمانية على يد السيد أبي الأعلى المودودي، ثم طورها سيد قطب، حتى أصبحت صلب الأيدولوجية الأصولية المعاصرة.

ففي أوساط الكتّاب المعاصرين حول تحديد جذور فكرة الحاكميّة، نجدها على اتجاهات متعددة: منهم من يرى أنها مفهوم غربي من حيث الفكرة والنشأة[1]، وآخر يرى أنه مفهوم إسلامي أصيل يحمل طابعا أصوليا من حيث التشريع، وسياسيا من حيث استخلاف الإنسان في الأرض[2]، وهناك رأي ثالث يرى أنه مفهوم تكفيري خارجي متصل بفكرة الخوارج[3].

وسبب هذا الاختلاف يرجع إلى عاملين أساسيين:

الأول: إشكاليّة الدولة الإسلامية بعد سقوط الخلافة العثمانية، وقيام الحكومات الوطنيّة المستبدّة في العالم الإسلامي.

والثاني: ظهور الحركات الأصوليّة المناوئة ضد الحكومات الوطنية المستبدة، وموقف أهل السنة من الحاكم الجائر.

نشأة فكرة الحاكمية من حيث المفهوم السياسي:

الحاكميّة من حيث المفهوم السياسيّ هي من مصاديق الإمامة والخلافة، وهي تمثل سلطة الأمة في اختيار الإمام، ولهذا، فنشأتها متصلة بالإمامة والخلافة، و يمكن تقسيهما من حيث النشأة والتطور إلى قسمين: قسم طُبِقَ سلطة الأمة، أوحاكمية الأمة في الأرض، وآخر مثّل تنظيرا لا واقعيا، فالأول يمثّله عصر الخلفاء الراشدين، فسلطة الأمة طبق في الأرض، وأما الآخر الذي يمثله التنظير فقد بدأ في أثناء محاولة معاوية بن أبي سفيان زرع الحكم الوراثي، حيث عارضه بعض أبناء الصحابة، كعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، حيث قال الأول قولته المشهورة: «كذبت والله يا مروان وكذب معاوية، ما الخير أردتما لأمة محمد ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية، كلما مات هرقل قام هرقل»[4].

أما الأخير فقال:« عندنا احدى ثلاث، أيها أخذت فهي لك رغبة وفيها خيار، إن شئت فاصنع فينا كما صنعه رسول الله، حيث قبضه الله ولم يستخلف، فدع هذا الأمر، حتى يختار الناس لأنفسهم، وإن شئت فاصنع كما صنع أبو بكر الصديق حيث عهد إلى رجل من قاصية قريش، وترك من ولده ومن رهطه الأدنين من كان لها أهلا، وإن شئت فاصنع كما صنع عمر بن الخطاب، حيث صيّرها إلى ستة نفر من قريش يختارون رجلا منهم، وترك ولده وأهل بيته، وفيهم من لو وُلِيَ إليه لكان أهلا»[5].

علاوة على ذلك، كانت جميع الحروب التي خاض بها خطُ آل البيت بدءا من ثورة سيد الشهداء الحسين بن علي رضي الله عنه، وحركة التوابين التي قادها الصحابي الجليل سليمان بن صرد الخزاعي، وحركة المختار بن أبي عبيد الله، وثورة زيد بن علي ضد هشام بن عبد الملك، وثورة محمد بن عبد الله النفس الزكية، وأخيه إبراهيم ضد أبي جعفر المنصور، كانت كلها ترمي إلى إعادة حاكمية الأمة أي إعادة مبدأ الشورى في الحكم.

تنظير حاكمية الأمة في خط أئمة الفقهاء:

استمر تنظير حاكمية الأمة في خط أئمة فقهاء أهل السنة، وخاصة في خط أبي حنيفة ومالك والشافعيّ فقد ظهر تنظير أبي حنيفة في معارضته لكل من الحكم الأموي والعباسي، فالأول يظهر في تأييده المادي والمعنوي لخروج زيد بن علي ضد هشام بن عبد الملك، حتى قال:«ضاهى خروجه خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر»[6]، أما في الحكم العباسيّ، فيظهر تأييده لثورة كل من محمد النفس الزكية، وأخيه أبراهيم ابنى عبد الله بن حسن، شيخ أبي حنيفة، ضد أبي جعفر المنصور، وموقفه من مشورة أبي جعفر المنصور له.

فقد جاء فى مناقب ابن البزاري، أن الخليفة المنصور جمع بين الأئمة الثلاثة، أعنى أبى حنيفة، ومالك بن أنس، وابن أبى ذئب، يسألهم عن حكم خلافته، فقال الإمام مالك: قولا لينا، وقال ابن أبى ذئب: قولا عنيفا، وقال أبو حنيفة:«المسترشد لدينه يكون بعيد الغضب، إن أنت نصحت لنفسك علمْتَ أنك لم ترد الله باجتماعنا، فإنما أردت أن تعْلَمَ العامةُ أن نقول فيك ما تهواه مخافة منك، ولقد ولّيتَ الخلافة وما اجتمع عليك اثنان من أهل الفتوى، والخلافة تكون باجتماع المؤمنين ومشورتهم»[7]، فكان رحمه الله كما قال الشيخ محمد الغزالي:«فأما أبو حنيفة فقد رفض كل تعاون مع الدولة، وظل على موقفه حتى مات فى السجن»[8].

أما الإمام مالك فرغم أن موقفه لم يكن كموقف الإمام أبي حنيفة، فى مواجهة الحكم العباسي، إلا أنه كان يؤمن بعدم صحة بيعة المكْرَه، حيث كان يفتي بحديث«ليس على مستكره بيعة»، وذلك اثر خروج العلويين مع النفس الزكية، فكانوا يدّعون أن بيعة المنصور قد أخذت كرها فاتَخَذ الإمام هذا الحديث ذريعة لابطال البيعة، فنهاه والي المدينة باسم المنصور أن يحدّث الإمام مالك به، ثم دسّ عليه من يسأله عنه، فحدث به على رؤوس الأشهاد، وقد وجد مع ذلك أولئك الذين يكيدون لإمام الهجرة مالك، حيث روّجوا أنه ليس من الموالين للمنصور ودولته[9]، « فجوزي على ذلك بالضرب حتى كسرت ذراعه، ثم اعتذر الخليفة له بعد ذلك»[10].

أما الإمام الشافعي، فقد كان أشد المعارضين على الحكم العباسيّ حتى إتهم هارون الرشيد أنه يساند الشيعة العلوية، ومن ثم، تمّ القبض عليه من جهة اليمن، وبالتالي سيق إلى بغداد في أيام هارون الرشيد مكبلا بالحديد في سنة(184ھ-800م )، و عمره نحو أربع وثلاثين سنة[11].

تنظير حاكميّة الأمة في خط فقهاء الأشاعرة:

بدأ الفقهاء والمتكلمون ينظّرون حاكمية الأمة، وكان يمثل تنظيرهم على جانبين، الأول: اختيار الإمام من الأمة، والثاني: بطلان شرعية حكم المتغلب.

اختيار الإمام:

قرر الفقهاء والمتكلمون على سلطة الأمة، وأنها صاحب السيادة في السلطة، فذكر الإمام الماوردي في حالة التباس عقد البيعة لشخصين، وادعى كل منهما الخلافة، ولم يعرف المتقدم منهما الأسبقية أنه«لم يسمع دعواه ولم يحلف عليه؛ لأنه لا يخص بالحق وإنما هو حق المسلمين جميعا، فلا حكم ليمينه فيه ولا لنكوله عنه، وهكذا لو قطع التنازع فيها وسلمها أحدهما»[12].

هذا، وكان أهل الحل والعقد يمثلون في اختيار الإمام نيابة عن الأمة؛ لأن في العصور المتقدمة لم تكن الظروف تسمح لجمع الناس واجراء الانتخاب المباشر، كما يسهل اليوم، ولهذا، قرر الفقهاء أن الإمامة تنعقد ببيعة أهل الحل والعقد.

الحكم الفقهي حول شرعية حكم المتغلب:

كانت رؤية الفقهاء حول الحكم المتغلب يمثل بالبطلان وعدم الشرعية، وذلك لفقدانه باختيار الأمة ورضاهم، وقد صرح بذلك كثير من الفقهاء والمتكلمين، منهم الإمام الباقلاني، والماوردي، والجويني، وعز بن عبد السلام، والتفتازاني.

فقد اعتبر الإمام الباقلاني (ت: 403ھ/1012م) الحكم المتغلب بأنه غير شرعي، ولا تجب إطاعته، وأن المسلمين يعيشون في دار قهر وغلبة[13]، كما نقل الإمام الماوردي (ت:460 )، عن جمهور الفقهاء والمتكلمين عدم صحة حكم المتغلب بل تنعقد بالرضا والاختيار[14]، وهكذا، اعتبر الإمام الجويني(478ھ/1085 م)، أن الخلافة الصحيحة انتهت بمقتل علي بن أبي طالب، وأن الحكم انقلب إلى ملك عضوض[15].

كما اعتبر الإمام العز بن عبد السلام(ت:660ھ/1261م) رحمه الله الحكم المتغلب أنه ينفذُ من باب الضرورة، مع القطع بأنه لا ولاية له عليهم[16].

وعلى هذا المنوال ذهب الإمام التفتازاني (791/ 792ھ/1388 /1389 م)، حيث ذكر أن الحكم مبني على الاختيار« وأما عند العجز والاضطرار واستيلاء الظلمة والكفار والفجار، وتسلُّط الجبابرة الأشرار، فقد صارت الرئاسة الدنيوية تَغلُّبيَّةً، وبُنيت عليها الأحكامُ الدينيّة المنوطة بالإمام ضرورةً، ولم يُعبأ بعدم العلم والعدالة، وسائر الشرائط، والضروراتُ تُبيح المحظورات»[17].

حاكميّة الأمة في العصر الحديث:

إن أول ما ظهرت الحاكميّة ظهرت في تركيا على ثلاثة معاني:حاكمية الأمة، وحاكمية الشريعة، وحاكمية الله، فكما قلنا سابقا إن حاكمية الله وحاكمية الشريعة تأخذ مفهوما واحدا، وهو مرجعيّة الشريعة، ولم يكن الإشكال فيها، بل الإشكال كان يدور حول معالجة الاستبداد وحكم الفرد، ولهذا، كانت حاكميّة الأمة أوّلَ ما طرحت من قبل المفكر التركي نامق كمل(1880م-1840م)، وهو من مؤسسي جمعية تركيا الفتاة، ثم كانت خطابات أوائل المفكرين كالشيخ رفاعة الطهطاوي، وخير الدين التونسي، والشيخ محمد حسين النائيني، ورشيد رضا، وحسن البنا، يتركز حول سلطة الأمة.

فالشيخ رفاعة الطهطاوى نادى بالديمقراطية، حيث قرر أنها تعبير لمفهوم الشورى[18]،كما أن خطابات خير الدين التونسي تنصب حول: الرد على طبائع الاستبداد، وأنه سبب تخلف العالم الإسلاميّ[19].

كذلك، أكد الشيخ النائيني -وهو من علماء الشيعة- سلطة الأمة، حيث نادى دستورا يقيد سلطة الحاكم، ويوزع السلطات لأجل منع استبداد الحاكم[20]، كما ظهر من كتابات وأدبيات كل من الشيخ محمد رشيد رضا، والإمام حسن البنا سلطة الأمة، إلا أنهما قيّدا بمفهوم أهل الحل والعقد، بناء على تفسير المتقدمين من الفقهاء والمتكلمين، وهو أمر يبدو أنه يستلزم احياء منصب الإمامة، فالشيخ رشيد رضا صرّح بأنّ علاج ضعف المسلمين يتطلب«احياء منصب الإمامة، بإعادة سلطة أهل الحل والعقد المعبر عنهم بالجماعة، لإقامة الحكومة الإسلامية الصحيحة »[21].

كما بيّن الشيخ حسن البنا أن سلطة الأمة يمارسها أهل الحل والعقد نيابة عنهم، وينطبق عليهم حسب وصف الفقهاء على ثلاث فئات: الفقهاء المجتهدون الذين يُعْتَمَدُ على أقوالهم في الفتوى واستنباط الأحكام، وأهل الخبرة في الشؤون العامة، ومن لهم نوع قيادة، أو رئاسة في الناس كزعماء البيوت والأسر، وشيوخ القبائل ورؤساء المجموعات، ويرى الأستاذ حسن البنا أن المجلس النيابي في العصر الحديث هو الذي يمثل أهل الحل والعقد، إذا روعيت المواصفات التي وضعها الفقهاء الدستوريون من نظام الانتخابات وطرائقه المختلفة، وذلك؛ لأن الإسلام لا يأبى هذا التنظيم ما دام يؤدى إلى اختيار أهل الحل والعقد، وعدم السماح لغيرهم بالتقدم للنيابة عن الأمة[22].

ويبدو لي أن حاكميّة الله كأيدلوجيّة أصوليّة تأتي في إطارات معينة، وليست قاعدة ثابتة، فهي تأتي في حالة غياب سلطة الأمة، كرد فعل عن الاستبداد، أو في حالة اقصاء الدين عن السياسة، ولذا، تظهر حاكمية الله، كأيدلوجية أصولية تسعى للبديل عن الاستبداد، أو في محاولة دمج الدين بالسياسة، كما هو ظاهر في الحركات الأصولية في العالم الإسلاميّ.

ومن هذا القبيل، ظهرت أدبيات الحاكمية عند المودودي وسيد قطب وعبد القادر عودة، كأيدلوجية أصولية تسعى إلى استلام السلطة، ومن ثم أسلمة المجتمع، وذلك بعد فشل نظرية تطبيق الشريعة من خلال التنظيم الحزبي الذي سعي إليه كل من حسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين، ومحمد باقر الصدر مؤسس حزب الدعوة في العراق، يقول الدكتور منصور الجمري:«الصدمة التي واجهت الكثير من الإسلاميين هي عدم امكانية عودة الإسلام من خلال تطبيق الشريعة بصورة تدريجية منظمة باستخدام التنظيم الحزبي، لبناء قاعدة جماهيرية تؤمن بالإسلام وتطالب به، مع وجود التحديات الكبيرة المتمثلة بالنفوذ الأجنبي والدكتاتورية المحلية، ولهذا، تعززت فكرة الحاكمية، أي تحكيم الإسلام في الحياة عبر أسلمة السلطة وتوجيه المجتمع من أعلى القمة؛ إذ الحاكمية تستلزم القطع بعدم امكانية التعايش في ظل أجواء غير إسلامية تحارب الإسلام»[23].

 

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

.............................

[1] - بسطامي محمد سعيد خير، نظريات الحاكمية في الفكر الإسلامي، ضمن موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة، إعداد علي نايف الشحود، (بدون تارريخ الطبع والناشر)، ج36/ص359.

[2] - هشام أحمد عوض جعفر، الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية رؤية معرفية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فيرجينيا، هيرندون، الولايات المتحدة الأمريكية، ط1/1995م، ص39.

[3] - صالح الورداني،عقائد السنة وعقائد الشيعة : التقارب والتباعد، الغدير للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، ط1/1999م،ص129.

[4] - علي بن أبي بكر محمد بن محمد، ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق، عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2/1415ھ، ج3/351.

[5] - د. هيثم مناع، ولاية العهد وحق الإنتخاب،(بدون تاريخ النشر)،أنظر الرابط:

http://www.mokarabat.com/mo3-7htm

[6] - محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلاية في السياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهية، دار الفكر العربي، بيروت، لبنان، (بدون تاريخ الطبع والناشر)،ص368.

[7] - د. محمد عبد القادر أبو فاس، النظام السياسي، في الإسلام، دار القرآن الكريم، بيروت، لبنان، ط1984م، ص256.

[8] - محمد الغزالي، المحاور الخمسة للقرآن الكريم، دار القلم، دمشق، سوريا، ط1/1991م، ص128.

[9] - محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلاية في السياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهية، دار الفكر العربي، بيروت، لبنان، (بدون تاريخ الطبع والناشر)ص416.

[10] - محمد الغزالي، المحاور الخمسة للقرآن الكريم، دار القلم، دمشق، سوريا، ط1/1991م، ص128.

[11] - محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلاية في السياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهية، دار الفكر العربي، بيروت، لبنان، (بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص443.

[12] - علي بن محمد الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،(بدون تاريخ الطبع)، ص10.

[13] - أبى بكرمحمد الطيب الباقلاني، التمهيد فى الرد على الملحدة المعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة، تحقيق، محمود محمد الخضري، و محمد عبد الهادي، دار الفكر العربي، بيروت، لبنان،(بدون الطبع والناشر) ص180.

[14] - علي بن محمد، الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،(بدون تاريخ الطبع)، ص9.

[15] - عبد الملك الجوينى، الفياثى غياث الأمم فى التياث الظلم، تحقيق، د. عبد العظيم الديب، كلية الشريعة جامعة قطر،ط2/1401ھ/1981م، ص254-255.

[16] - عز الدين بن عبد السلام السلمي، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، مؤسسة الريان للطباعة والنشر بيروت، لبنان، 1410ھ/1990م، ج1/ص62.

[17] - سعد الدين التفتازانى، شرح المقاصد في علم الكلام، دار المعارف النعمانية، باكستان، ط/ 1981م،ج2/ص278.

[18] - محمد الشيوخ، جدل الشورى والديمقراطية في الفكر السياسي الإسلامي،( تاريخ النشر، 14-2-2012م)، أنظر الرابط: http://www.alnoor.se/article.asp?id=142266

[19] - عبد الرحمن الكواكبي، أم القرى، دار الرائد العربي، بيروت، لبنان، ط/ 1982م، ص68.

[20] - محمد حسين النائيني، تنبيه الأمة وتنزيه الملة،( (PDF، بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص18-19.

[21] - محمد رشيد رضا، الخلافة، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، مصر،(بدون تاريخ الطبع)، ص77.

[22] - الشيخ حسن البنا، مجموعة الرسائل، بيروت، لبنان، ط/1981م، ص328.

[23] - د. منصور الجمري، الإتجاهات السياسية في الوسط الإسلامي، مركز الصدرين للدراسات السياسية،(بدون تاريخ النشر)، أنظر الرابط:

http://www.alsadrain.com/Political/mqalat/1.htm

 

 

بدر الدين شيخ رشيد

مقاربات بين رؤيتي الخميني وسيد قطب (3)

القوانين الوضعيّة وأضرارها في المجتمع الإسلامي: كان بث القوانين الوضعية في ربوع الإسلام جانبا من مؤامرات الاستعمار، ولهذا، قرر الخميني وسيد قطب الكشف عن الدور السلبي للقوانين الوضعية في المجتمع الإسلامي، وهو أمر لعبه الاستعمار من أجل إجهاض المشروع النهضوي في العالم الإسلاميّ، فكَشْفُ دور الاستعمار في إجهاض المشروع الإسلامي كان من ضمن مساعي الخميني وسيد قطب في تغيير المجتمع الإسلامي.

 فبين الإمام الخميني دسائس الاستعمار وعملاءه ضد قوانين الإسلام، بأنه ناقص وأن قوانينه في القضاء وتطبيق العدالة، ليس كما يجب، وفي أعقاب تلك الدعاية يقوم عملاء الاستعمار بالتلاعب بدستور المشروط، وقد تم هذا التلاعب عند ما أرادوا تدوين الدستور في أوائل الثورة المشروطة (1906م)، بحيث استأجروا مجموعة حقوقية بلجيكية من سفارة بلجيكيا، وقد قام عدة أشخاص بكتابة الدستور من تلك المجموعة، ثم حاولوا ترميم نقائصها بالاستعانة بمجموعات حقوقية أخرى من فرنسا وإنجلترا، وبالتالي ضموا إليه بعض الأحكام الإسلامية لكى يخدعوا الشعب[1].

كما بيّن الإمام الخميني الأضرار الناتجة عن القوانين الوضعية على المجتمع الإسلامي، فذكر أن بعض أهل الخبرة والاطلاع في مجال القضاء يتذمرون على المحاكم وطريقة عملها، فمثلا، لو ابتلي شخص بمحكمة إيران الحالية فيجب عليه أن يشقي طيلة العمر لإثبات دعواه، وعلى هذا، فالقوانين الحالية للمحاكم لا نتيجة فيها للأمة سوى التعب والتأخر عن العمل، وأمر المعيشة وسوء الاستغلال غير المشروع لها، فقليل من الناس يصلون إلى حقوقهم الثابتة.

 هذا، وقد ذكر الإمام الخميني المفارقات بين الأحكام الجزائية في الإسلام وبين الأحكام الوضعية في بعض العقوبات، فذكر مثلا، عقوبة مهربي الهيروئين، حيث يقتل الشخص لأجل عشر غرامات من الهيروين، لكن في المقابل إذا ضرب شارب الخمر ثمانين جلدة فهذا أمر فيه خشونة، أما لو أعدم شخص لأجل عشر غرامات من الهيروين فلا خشونة، مع أن الكثير من المفاسد التي تنتشر في المجتمع هي ناتجة من شرب الخمر[2].

ويؤكد رؤية الخميني، أن منظمة العفو الدولي-كما ذكر الشيخ محمد الغزالي- تبرر القوانين الوضعية في أغلب البلاد العربية، حيث تظهر الرأفة بالقتلة بالقصاص العدل، فكانت العاقبة أن اتسعت دائرة الإجرام ولم تجف الأرض من الدماء المسفوكة طلبا للثأر، أو إشاعة للجريمة، فحصدت الأمة المر من تطبيق القوانين الوضعية[3].

التقدم المادي للمستعمرين وتأثيره على المجتمع الإسلامي:

  ذكر الإمام الخميني أن بعض أفراد الجتمع الإسلامي انهزموا أمام التقدم المادي للمستعمرين، فظن أن الطريق للتقدم الصناعي هو التخلي عن عقائدهم وقوانينهم، فذكر مثلا، أنه عند ما وصل أولئك المستعمرون إلى القمر، ظن هولاء أنه يجب التخلي عن قوانينهم، فيتساءل الإمام الخميني:ما العلاقة بين الذهاب إلى القمر والقوانين الإسلامية؟

 فيؤكد الإمام الخميني أن بلدانا تمتلك قوانين وأنظمة اجتماعية مضادة للإسلام، تمكنت من العمل مع بعضها في مجال التقدم الصناعي والعملي وتسخير الفضاء، فرغم تقدمهم، فهم سيظلون عاجزين عن تحقيق الفضائل الأخلاقية والرقي النفسي؛ إذ أن حل مشاكلهم الاجتماعية يحتاج إلى حلول عقائدية وأخلاقية؛ لأن تحصيل القوة المادية والسيطرة على الطبيعة، كل ذلك لا يؤمِّنُ الحل، فالمسلمون هم الذين يملكون العقيدة والأخلاق، بناء على هذا، لا ينبغي نحن كمسلمين أن نتخلى عن ديننا وقوانينا ذات الصلة بحياة البشر والتي هي أساس إصلاح البشر في الدنيا والآخرة بمجرد تقدم الغرب[4].

  بالإضافة إلى ذلك، ذكر الخميني، أن من ضمن دعايات الغرب أن الإسلام ليس له رؤية في الحكومة ولا يمتلك نظام حكم، وعلى فرض وجود أحكام فيه، فليس لديه سلطة تنفيذية، وهذا الكلام، مفاده أن الإسلام هو مشروع فحسب[5].

ومن جانبه، أكد سيد قطب تأثير المادة على المجتمع الإسلامي كإهدار كل حريات الإنسان وقيمه الروحية وحُرُماته ومقوماته في سبيل توفير الإنتاج المادي وتكثيره، كما تهدر كل القيم الأدبية في سبيل، الاهتمام المجرد بالإنتاج والسلع ومطالب البطون كالحيوان[6].

 كذلك، يرى سيد قطب أن الذين يركّزون على القيم المادية وعلى الإنتاج المادي، ويغفلون تلك القيمة الكبرى الأساسية هم أعداء البشرية الذين لا يريدون لها أن ترتفع على مستوى الحيوان وعلى مطالب الحيوان[7]، وهذه حقيقة يقررها الأستاذ محمد قطب، وهي أن التقدم المادي الغربي والحضاري في العلم وفي التكنولوجيا، كان له أثره في الهزيمة النفسية التي أصابت المسلمين، وأن إدراك المسلمين للفارق الهائل بينهم وبين أعدائهم في الأسباب المادية، لم تكن لتحدث هذا التحول الهائل الذي حدث في حياة المسلمين، لولا الخواء الروحي والعقدي الذي كان في حياتهم[8].

وبالتقدم المادي وتأثيره على المجتمع الإسلام، نتج عنه الغزو الفكري والثقافي للحضارة الغربية، مما دفع كثيرا من الأمة الإسلامية إلى تقليد الغرب في المظاهر الزائفة والسلبية لهذه الحضارة، حيث ظنوا، أن طريق التطور والاجتهاد، يكمن فى تقليد الغرب، يقول مالك بن نبي رحمه الله:«حينما استيقظت الشعوب العربية الإسلامية على خطر الاستعمار، فقد كانت يقظتنا الفجائية دافعاً من دوافع الحياة، وفى الوقت نفسه دافعاً من دوافع الخطأ، فكان مثلنا كنائم استيقظ فجأة فوجد النار فى غرفته، ودون أى تفكير ألقى بنفسه من نافذة الغرفة التى هى فى الدور الرابع أو الخامس لينجو من النار، فنحن قد ألقينا بأنفسنا من حيث لا نريد فى هوة التقليد حتى ننجو من الاستعمار، أننا لم نفكر فى الخلاص تفكيراً معقداً، وإنما دفعتنا دوافع لا شعورية لتقليد حضارة الاستعمار حتى نعصم أنفسنا منه»[9].

 إن تقليد الغرب اندفع في العالم الإسلامي إلى الخلق الماجنة بدل الخلق الجادة، ولما سرت فى البلاد جراثيم الفسق لم تجد مناعة تكسر ضراوتها، فكان هذا الفساد العريض[10]، فأثر هذا التقليد سلبا في تفكك عرى الأسرة المسلمة في معظم بلاد المسلمين نتيجة للسقوط في حمأة التقليد للغرب والانسياق الأعمى وراء كل نحلة ترد منه[11]. 

ضرورة الوحدة في العالم الإسلاميّ:

 إن وجود الحكومة الإسلامية ضرورة عند الخميني لأجل وحدة العالم الإسلامي، وذلك للتخلص من تقسيم الاستعمار الغرب للوطن الإسلامي، وفصل الأمة بعضها عن بعض وجعلها شعوبا متفرقة. هذا، ولأجل تقسيم الدولة العثمانية الكبرى، اتحدت روسيا وإنجلترا والنمسا وسائر الدول الاستعمارية، ودخلوا معها في حروب، ومن ثم إحتلت كل دولة منهم قسما من مناطقها، ولا سبيل لتحقيق الوحدة الإسلامية، واخراج المستعمرين من الوطن الإسلاميّ سوى تأسيس دولة، وهذا يتم بعد إسقاط الحكومات الظالمة والعميلة، وإقامة الحكومة الإسلامية بدلها، لأجل حفظ نظام وحدة المسلمين[12].

من جانبه، ركز سيد قطب على وحدة الأمة عن طريق بناء العقيدة، حيث يرى أن السمة في الوحدة هي الوحدة الشعورية الإيجابية الفعالة، أعني، الوحدة التي تجمع في نفوسهم بين الإيمان بالغيب، والقيام بالفرائض، والإيمان بالرسل كافة، واليقين بعد ذلك بالآخرة، وبها يتم منهج حياتهم، حياة متكاملة، تجمع بين الشعور والسلوك، بين العقيدة والعمل، بين الإيمان القلبي والإحسان العملي والنظام، وبذلك تتوحد الشخصية الإنسانية، بكل نشاطها واتجاهاتها؛ وبذلك يستحق المؤمن هذا العطاء كله[13].

 يلاحظ الفرق بين الخميني وسيد قطب من جهة وحدة الأمة، أن الخميني يركز على الجانب السياسي، بينما سيد قطب يركز على الجانب العقديّ، وهو أمر أساسيّ يختلفان فيه من جهة اصلاح المجتمع.

ويبدو أن سيد قطب تأثر من هذه الناحية بمنهج السلف، فهم الذين يركزون على تقديم التربية وتصحيح العقائد قبل الانخراط في سلك السياسة في تغيير المجتمع، حيث يؤكد من ناحية منهج الحركة على ضرورة شرح حقيقة العقيدة قبل النظام و تطبيق الشريعة، ومن التكوين الفردي قبل التنظيم الجماعي، ومن عدم محاولة فرض النظام الإسلامي عن طريق احداث انقلاب من القمة، وبالذات عدم إضاعة الجهد بالتدخل في الأحداث السياسية المحلية الجارية[14].

مسار الجهاد في اصلاح الأمة عند كل من الخميني وسيد قطب:

رغم أن مفهوم الجهاد عند الخميني وسيد قطب يختلف من حيث الطلب أو الدفاع، إلا أنهما اعتبرا الجهاد جزءا من مضمار الاصلاح لإعادة المجتمع الإسلاميّ إلى هيكله الصحيح، فالجهاد عند الخميني تبعا لاجتهاد الإماميّة يقتصر على الدفاع في عصر الغيبة، وذلك لما يشترط في الجهاد الطلبيّ إلى وجود الإمام المعصوم.

 أما الجهاد عند سيد قطب فهو طلبيّ هجوميّ، وليس دفاعيا، فهو مسلط على الجبابرة والطواغيت التي تحول الدعوة عن الناس، ولا يتعدى على الأبرياء، كما لا يجبر غير المسلمين اعتناق الإسلام، ويدل على ذلك، أنه يفرق بين الدين والعقيدة، حيث يرى أن الدين أشمل من مدلول العقيدة، فالدين عنده هو المنهج والنظام الذي يحكم الحياة، وهو وإن كان يستعمل في الإسلام معنى العقيدة إلا أنه أشمل منه، وبناء على هذا، يمكن أن تعيش جماعات متنوعة تحت منهج الدين الذي يقوم على أساس العبودية لله وحده «ولو لم يعتنق بعض هذه الجماعات عقيدة الإسلام»[15].

فالجهاد عند سيد قطب، يأخذ المسار والمنهج الذي سلكه في صدر الإسلام، من حيث التدرج في الدعوة في جميع أحكامها المرحلية، وبالتالي الهجرة من دار الجاهلية، إلى دار الإسلام، حتى تنتهي إلى إقامة دار إسلام وهجرة، ثم تمتد ظلال الإسلام مرة أخرى، فعندئذ تنقطع الهجرة ويكون جهاد وعمل، كما حدث في الجولة الأولى[16].

لكن الجهاد عند الخميني يأخذ شكل المقاومة ضد الاحتلال، وذلك لما قلنا: إن الجهاد عنده مبني على الجهاد الدفاعي فقط، أما اصلاح الأنظمة الفاسدة في العالم الإسلامي، فالخميني يرى أن اصلاحها يتم من خلال الثورة السلميّة، لا المقاومة المسلحة، فالمقاومة السلمية عند الخميني تأخذ اعتبارات متعددة.

اعتبارات المقاومة عند الخميني:

الأول: بناء الوعي الفكريّ في المجتمع:

يرى الإمام الخميني أن أول نضال لإقامة الحكومة الإسلامية هو العمل الدعائي، ويقصد بها توعية المجتمع، وهذا الأمر يأخذ مسارا تدريجيا إلى أن يصير المجتمع قوة نافذة يستطيع اسقاط الحكومة، وقد استدل الخميني بدور الشعب الإيراني في القضاء على حكومة محمد علي ميراز وإقامة الحكومة المشروطة، وذلك بعد توعية الشعب وإفهامه للمتسلطين حتى تشمل جميع طبقات المجتمع ويتحول الشعب إلى قوة يقظة وفاعلة، تحقق النتيجة المطلوبة[17].

الثاني: نشر تعاليم الإسلام الصحيحة:

ركز الخميني على نشر العقائد والأحكام والأنظمة الإسلامية وتعاليمها للناس من أجل تهيئة الأرضية لتطبيق الأحكام، وذلك لصدّ سعي المستعمرين والحكام الظلمة واليهود والنصارى والماديين، عن تحريف حقائق الإسلام وإضلال المسلمين[18].

وتأتي أهمية نشر تعاليم الإسلام عند الخميني، في حين ما تصرف اليهود في القرآن، وأحدثوا بعض التغييرات في نسخ القرآن التي طبعوها في الأراضي المحتلة، كما أن عددا من المستشرقين نشطون لتحريف حقائق الإسلام وقلبها، بالإضافة إلى سعيهم الحثيث في بث دعاياتهم السيئة ضد شباب المسلمين، حيث لا يقومون بتنصيرهم فحسب، بل يفسدونهم كى يصبحوا بلا دين[19].

وعلى هذا الأساس، يلحّ الخميني على ضرورة إزالة الإبهام الملصقة بالإسلام والمرتكزة في أذهان المثقفين نتيجة دعايات السوء، ويجب أن يبين الناس الرؤية الإسلامية للكون وأنظمته الاجتماعية والحكومة الإسلامية، لكى يعرفوا ماهية الإسلام وقوانينه، وهذا الدور الإصلاحي مكلف بالحوزات العلمية في قم ومشهد وغيرها.

الثالث: اسقاط الحكومات بالثورة عند الخميني:

جعل الإمام الخميني ثورة الشهيد الحسين بن علي رضي الله عنه، نبراسا وشعارا لإسقاط الحكومات الجائرة، فقد وظّف شعار:«كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء »؛ لأن إحياءها من خلال إقامة الاجتماعات ومجالس العزاء والوعظ وطرح مسألة الحكومة وتركيزها في أذهان الشعب يوجد تيارا يدعو إلى الحكومة الإسلامية، هذا، ويرى الخميني أن سبب إسقاط الحكومات الجائرة هو كون الاستعمار فرض على المسلمين أنظمة اقتصادية قسمت الشعب إلى قسمين: ظالم، ومظلوم، فصار مئات الملايين من المسلمين الجياع والمحرومين، بينما عدد قليل من الأثرياء المترفين الفاسدين أصبحوا أصحاب تأثير سياسيّ[20]، وعلى هذا الأساس، فإن وظيفة علماء الإسلام وجميع المسلمين أن ينهو عن هذا الوضع الظالم، وأن يسقطوا بهذا السبيل الحكومات الظالمة ويقيموا الحكومة الإسلامية[21]. 

رؤية سيد قطب في المقاومة:

 كذلك، قرر سيد قطب في أحكام آية الحرابة، في قوله تعالى:﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾[22]، أن الخارجين على الحكام الجائرين، الذين لا يستمدون سلطانهم من شريعة الله، ولا يقومون على تنفيذ هذه الشريعة، لا تنطبق عليهم عقوبة الحرابة؛ لأنهم لا يحاربون الله ورسوله، بل يحاربون سلطة خارجة على الله ورسوله[23].

وقد تكون نظرة سيد قطب في مسألة الحرابة مسألة جزئية لعلها نتجت عن الاضطهاد الذي مورس على الإخوان من قبل رجال الثورة وخاصة في أيام جمال عبد الناصر، ويدل على كون مسألة الحرابة مسألة جزئية وليست قاعدة كلية عند سيد قطب، ما يروى عنه أنهم قرروا الدفاع عن أنفسهم بسبب الاعتداء عليهم، حيث جعل سيد قطب ضمن منهجه التربوي المكون من ست نقاط بندا خصصه لخطة :رد الاعتداء على الحركة، يقول فيه:«في الوقت ذاته تجب حماية الحركة الإسلامية وهي سائرة في خطواتها السابقة، بحيث إذا اعتدي عليها وعلى أفرادها ترد الاعتداء»[24].

وهناك مبررات ذكرها سيد قطب في رد الاعتداء عن خطوات الدعوة، رغم خطورة تك المبررات، هذا، ونشير إلى أصل نظرية رد العدوان عند الإخوان المسلمين، والمبررات التي أعتمدها سيد قطب، والرد عليها: 

الأولى: أصل نظرية رد العدوان عند الإخوان المسلمين:

كان أصل نظرية رد العدوان عند الإخوان المسلمين، يرجع إلى ما يعرف عندهم"بالتنظيم الخاص"التابع للجماعة، أو المعروف"بالجهاز السري"عند دوائر السلطة المصرية، وقد أسس حسن البنا عام 1940م، وكان جناحا عسكريا للحركة وسبب تأسيسه، كما قال المرشد السابق محمد مهدي عاكف، هو لأجل «القيام بمهمات خاصة والتدريب على العمليات العسكرية ضد العدو الخارجي ومحو الأمية العسكرية للشعب المصري في ذلك الوقت»[25]، أو كما قال محمود عبد الحليم، عضو الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين: «محاربة المحتل الإنجليزي داخل القطر المصري والتصدي للمخطط الصهيوني اليهودي لاحتلال فلسطين»[26].

 الثانية: مبررات سيد قطب لحق المقاومة:

وتستند مبرراته على:

كونه حقا قرره الله للمسلمين ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾[27].

الاعتداء الغاشم الذي أوقعته الحكومة على الإخوان المسلمين في سنة(1954م)، وفي سنة (1957م)، بالاعتقال والتعذيب وإهدار كل كرامة آدمية أثناء التعذيب، ثم بالقتل وتخريب البيوت وتشريد الأطفال والنساء.

ترك التفكير في الاعتداء السابق من الحكومة على الإخوان وترك أخذ الثأر فيه وإنما التخطيط لرد الإعتداء الذي سيقع.

ردّ الإعتداء تماما وهو من توجيهات وتعليمات الإسلام الأخلاقية؛ لأن الإسلام ذاته لا يبيح لمسلم أن يعذب أحدا ولا أن يهدر كرامته الآدمية، ولا أن يترك أطفاله ونساءه بالجوع.

الالتزام بالوسائل التي يبيحها الإسلام عند اعتداء المعتدين، وهي قتال المعتدين فقط وقتلهم.

الهدف من إباحة رد الاعتداء يبدو في جانبين:

حتى لا يصبح الاعتداء على الحركة الإسلامية وأهلها سهلا يزاوله المعتدون في كل وقت.

محاولة إنقاذ وإفلات أكبر عدد مكن من الشباب المسلم النظيف[28].

الثالث: الرد على بند ردّ العدوان:

ولا شك أن هذا البند كان خطأ في إضافته إلى منهج الحركة في التربية، وهو ما سبّب تفاقم الأمر بين الإخوان وبين رجال الثورة، مما أدى إلى اعتداء أكبر وأخطر قاد إلى مذبحة مدمرة وقعت عام: (1965م و 1966م)، حيث استغلت الحكومة اعتمادا على هذا المبدأ بالتنظيم والتفكير في كيفية تطبيقه لتبطش بالتنظيم بطشة رهيبة، لا تعرف لها مثيل في التاريخ البشريّ[29].

 وعلى هذا الأساس، يعتبر إقرار مبدأ رد الاعتداء خطأ في منهج التربية عند سيد قطب، طالما أنه، لا يريد تغيير نظام الحكم من الأعلى بالقوة– أي بالانقلاب- كما ذكر الدكتور صالح عبد الفتاح الخالدي[30].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد أبراهيم

 

 

 

  

.....................

[1] - آية الله الخميني، الحكومة الإسلامية، (PDF)،) بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص5.

[2] - المصدر السابق، ص78.

[3] - محمد الغزالي، الحق المر، ط/ 1996م، (بدون الناشر)، ص52-69.

[4] - آية الله الخميني، الحكومة الإسلامية، (PDF)،) بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص12.

[5] - المصدر السابق، ص12.

[6] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط9/ 1980م، ج1/ص61.

[7] - المصدر السابق، ج4/ص164.

[8] - محمد قطب، هلمّ نخرج من ظلمات التيه، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط3/ 1996م، ص22

[9] - مالك ابن نبي، تأملات، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، ط/2002م، ص 213.

[10] - محمد الغزالي، من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث، دار النهضة، القاهرة، مصر ط1/(بدون تاريخ الطبع)، ص126.

[11]- عبد الله بن حمد الشبانة، المسلمون وظاهرة الهزيمة النفسية، ص 163، 164 نقلا عن: فستقم كما أمرت، للشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل، ص322، (بدون تاريخ الطبع والناشر). 

[12] - آية الله الخميني، الحكومة الإسلامية، ((PDF، (بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص26.

[13] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط2/1997م، ج1/ص104.

[14] - سيد قطب، لما ذا أعدموني، (PDF)، تقديم، هشام، محمد علي حافظ، (بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص38.

[15] - المصدر السابق، ص71-72.

[16] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة مصر، ط2/1997م، ج3/ص453.

[17] - آية الله الخميني، الحكومة الإسلامية، (PDF)، (بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص102-103.

[18] - المصدر السابق، ص103-104.

[19] - المصدر السابق، ص103-104.

[20] - المصدر السابق، ص27.

[21] - المصدر السابق، ص27.

[22] - سورة المائدة آية:33.

[23] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط2/1997م، ج2/ص879

 [24] - سيد قطب، لما ذا أعدموني، (PDF)، تقديم، هشام، محمد علي حافظ، (بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص27.

[25] - محمد مهدي عاكف، النظام الخاص بجماعة الإخوان المسلمين، (تاريخ النشر، 13-9-2013م)، أنظر الرابط:

 http://ar.wikipedia.org/wiki

[26] - محمود عبد الحليم، الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، نقلا عن ويكيبيديا، الموسوعة الحرة، (تاريخ النشر، 13-9-2013م)، أنظر الرابط:

http://ar.wikipedia.org/wiki

[27] - سورة البقرة، آية :194.

[28] - سيد قطب، لما ذا أعدموني، (PDF)، تقديم، هشام، محمد علي حافظ، (بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص33-34.

[29] - د. صلاح عبد الفتاح الخالدي، سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد، دار القلم، دمشق، سوريا، ط2/ص1994م، ص 399.

[30] - المصدر السابق، ص397.

 

ميثم الجنابيإن اشد النماذج تجانسا في تمّثل حقائق الكلّ الثقافي العالمي لابد لها من أن تعاني صعوبات التخلّص من الوقوع في شباك الانتقائية. وبغض النظر عن أن الانتقائية تحوي في أعماقها فرضيات متنوعة، ومن ثم تساهم في رص بنيان التسامح والانفتاح والنزعة الإنسانية أو تساهم في مد قنواتها، إلا أن غاياتها المعلنة عن الاعتدال تبقى مع ذلك موضعا للشك والجدل وذلك بسبب ضعف قدرتها على تأسيس هذه الغايات بقواعد الثقافة ومنطقها. وبالتالي عجزها عن إبداع اليقين الضروري بقواعد الرؤيا المتراكمة في منطق الثقافة. وهو ضعف لازم منظومة الأخوان في تأسيسهم للاعتدال، بحيث جعل من منطقهم الانتقائي في توليف الكل الثقافي العالمي هدفا للنقد المنطقي والتجريح الأدبي. فقد وصف أبو حيان التوحيدي في إحدى "مؤانساته" رسائلهم بأنها "مليئة بكل فن بلا إشباع ولا كفاية" وبمجموعها ليست إلا "خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات". وعندما حملها إلى شيخه أبي سليمان المنطقي، ردها عليه بعد أن قرأها قائلا: تعبوا وما اغنوا، ونصبوا وما اجروا، وحاموا وما وردوا، وغنوا وما اطربوا، ونسجوا فهلهلوا، ومشطوا ففلفلوا"[1].

ومن الممكن قبول النقد الجارح في هذه العبارات والارتياح جزئيا إلى ما يرمز إليه من طابع تلفيقي وتلزيقي في فكر الإخوان. غير انه نقد شكلي مختل بمعايير الرؤية الثقافية التاريخية. فقد كان "التلفيق والتلزيق" تمثّلا واعيا للإبداع الإنساني، بينما وجد فيه السجستاني "المنطقي" افتقادا للمنطق. لهذا رد على دعوى الإخوان تطهير الشريعة مما أصابها من دنس الجهالات واختلاطها بالضلالات بمساعدة الفلسفة، باعتبارها هادية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية، قائلا: إن ما ينوون القيام به هو مجرد ظنهم أنهم يمكنهم أن يدسوا الفلسفة في الشريعة وأن يضموا الشريعة  للفلسفة"[2]. لقد وجد هذا النقد في توفيق الفلسفة والشريعة عند الإخوان تلفيقا أو دسا لأحدهما في الآخر. وهو نقد حاول كشف الضعف القائم في تأسيس الإخوان للوحدة المفترضة بين الحكمة والشريعة كما صاغتها تقاليد الإسلام الحقيقية عن وحدة المعقول والمنقول. فقد اعتبر السجستاني محاولاتهم بهذا الصدد فعلا شبيها بفعل أولئك الذين فزعوا إلى الفلسفة قبلهم من فرق الإسلام والأديان الأخرى. أي فعلا عاجزا عن تحقيق مقالاتهم بشواهدهم وشهادتهم، إضافة لذلك انهم لم يشتغلوا بطريقتهم ولا وجدت عندهم ما لم  يكن عند فرق الإسلام الأخرى في كتاب ربها واثر نبيها[3]. وينطبق هذا أيضا على الغايات العملية للإخوان في مواقفهم من ماهية وقيمة الشريعة والفلسفة. فالشريعة حسب نظر المقدسي، وكما يوردها التوحيدي، هي طب المرضى، والفلسفة طب الأصحاء. والأنبياء يطيبون للمرضى حتى لا يتزايد مرضهم وحتى يزول المرض بالعافية فقط. أما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرض أصلا[4]. حيث وجد التوحيدي في هذه الفكرة تناقضا وحكما لا معنى له. إذ لا معنى لوجود طبيبين واحد للمرضى وآخر للأصحاء.

كان الرد المباشر وغير المباشر على انتقائية الإخوان يهدف إلى إبراز الثغرة الحية في توليف الحكمة والشريعة أو الفلسفة والدين. وهي ثغرة تعمّقت في مجرى توليف الأخوان للكلّ الثقافي العالمي خارج الدراسة النقدية المباشرة  لحصيلة الثقافة الإسلامية. لهذا بقي الاعتدال في توليفهم للفلسفة والشريعة يتلألأ  في مغامرات الروح الطوباوي. أما العبارات المتناثرة والدقيقة في مظهرها مثل القول بان جمعهم بين الفلسفة والشريعة مبنيا على اعتراف الفلسفة بالشريعة وأن كانت الشريعة جاحدة لها، وأن الشريعة عامة والفلسفة خاصة، والعامة قوامها بالخاصة كما أن الخاصة تمامها بالعامة، وهما متطابقتان إحداهما على الأخرى،لأنها كالظهارة التي لابد لها من البطانة، وكالبطانة التي لابد  لها من الظهارة[5]، فقد  ظلت جزئية الطابع وسريعة الانحلال في تنوع الرسائل وموسوعيتها. لذا ظلت عاجزة عن تذليل العقبة التاريخية والثقافية بين الشريعة الإسلامية والفلسفة الإغريقية. أي أن مطابقتهم الشريعة بالظاهر وبالعامة وتجريدها عن أعماق الباطن والخاصة، ومطابقة الفلسفة بالخاصة والحكمة العقلية أدى إلى "اغتراب" بديلهم المعرفي عن حقائق الكلّ الإسلامي.

لقد لمس الإخوان عصب القضية وتحسسوا إشكالاتها الجوهرية إلا أنهم وقفوا عند حدود الرؤية الافتراضية للاعتدال. بينما ظلت محاولاتهم النظرية لحلّ هذه الإشكالية وتجسيدها العملي بالصيغة التي تستجيب لتقاليد الاعتدال في تاريخ الأمة الإسلامية أسيرة التعالي المميز للروح الثقافي. ومن هنا إبقاءهم على توازي الفلسفة والشريعة حيث اعتبروا الفلسفة برهانية ويقينية وروحانية، بينما الشريعة ظنية وتقليدية وجسمية.

إن رفع موازاة الفلسفة والشريعة نظريا إلى مصاف الثنائية الضرورية لوحدة الأمة يقابل عمليا الإبقاء على تعارضهما الثقافي. فقد شدد الأخوان على عدم تضاد  الفلسفة والشريعة. وأبقوا دون وعي على ما الثقافة من اغتراب عما هو غريب على شريعتها. واستثاروا حفيظة الروح المتحزب في الكلام والفقه في تشديده على تضادهما. حيث جرى تصوير التضاد بين الفلسفة والشريعة كخط فاصل بين عالمين وكيانين، لا بين أسلوبين و"حقيقتين". وهي فجوة كان يصعب ردمها دون إزالة حوافز التضاد والتضاد نفسه من وعي البدائل الفكرية. بمعنى ضرورة إدراجهما ككيانات معقولة ومقبولة في وحدة التاريخ والثقافة الإسلاميين. وهي مهمة حاولت الفلسفة الإسلامية ابتدأ من الكندي وانتهاء بابن رشد حلها بالشكل الذي يعيد ألفة التاريخ  والثقافة الإسلامية والعالمية في منطق الحق والحقيقة. بمعنى محاولتها تذليل صفة التضاد بين الفلسفة والشريعة من خلال التأسيس لوحدتهما العضوية في الرؤية العقلانية عن المثال. واكتفي هنا بتحليل آراء ومواقف الفارابي وابن رشد. فهما يشكلان من الناحية التاريخية والفكرية مراحل البداية والنهاية في وضع وحل إشكالية الفلسفة والدين في عصور الازدهار الإسلامي.

فقد شدد الفارابي على أن غاية الفلسفة الكمال الأقصى والسعادة، وأن تاريخها ابتدأ بالكلدانيين مرورا بالمصريين وانتهاء باليونانيين ثم استكمالها وتمامها عند السريان والعرب المسلمين. انه أراد التأكيد على الفتها التاريخية - الثقافية في المنطقة، ومنطقها العام في تتبع الكمال والسعادة الإنسانية[6]. لهذا لم ينهمك بالتدليل على انعدام الخلاف والتضاد بينهما، بل توجه صوب البرهنة على كونهما أسلوبين لغاية متسامية وحقيقتين لروح فعال. فالفلسفة في نهاية المطاف، ما هي إلا محاكاة للملة (الدين). وذلك لأنهما يبغيان المبدأ الأول وعلم السبب الأول، ويعطيان الغاية القصوى، أو المبادئ الكبرى للوجود والمعرفة والأخلاق.غير أن ما تعطيه الفلسفة معقولا أو متصورا يعطيه الدين (الملة) متخيلا. ذلك يعني أن تباين أساليبهما لا يتعارض مع سعيهما إلى غاية واحدة. الفلسفة تبرهن والدين يقنع. الأولى هي إدراك الموجودات بصورة معقولة وبراهين يقينية، والثاني هو تخيل مثالاتها بالتصديق على الطرق الاقناعية[7]. أي أن حقائقهما العقلية والخيالية باعتبارها النتاج الملازم لأسلوبيهما البرهاني والاقناعي تستمد مقوماتها من الوجود الواقعي للأشياء ومنطق العلم والفضيلة. من هنا توكيده على أن جوهر الفيلسوف والرئيس الأول وواضع النواميس واحد. لان حقيقة كل منهم تستلزم حقيقة الآخر. إذ لا معنى للحقائق النظرية المكتسبة بالعقل دون تجسيدها في ما سواه. وبما أن اكتشاف الحقائق غير ممكن دون فضيلة فكرية لذا يستحيل تجسيده دون فضيلة عملية وقواها من الإقناع والتخيل[8].

ولا يعني ذلك هرمية الاستعلاء والاستكبار المميزة لثنائية الخواص والعوام، بل التطويع الفلسفي الإسلامي النظري – العملي والتاريخي – الثقافي، الذي يذلل معارضتهما وتضادهما. ومن هنا استنتاجه القائل بان حصول الأشياء النظرية المبرهن عليها في العلوم النظرية بصورة خيالية في نفوس الجمهور يؤدي إلى أن يقع بها التصديق، ومن ثم حصول العمل حسب شروطها. مما يسهم في بلوغ الأشياء النظرية والعملية غاياتها. وهو الأمر الذي يجعل تسميتها عند واضع النواميس فلسفة، وعند الجمهور دينا. فهي حقيقة واحدة  تتخذ عند الجمهور هيئة الدين وعند الخواص هيئة الفلسفة. فالفلسفة هي الدين، والدين هو الفلسفة. أنهما وجوه مختلفة لحقيقة وغاية واحدة[9].

احتوت هذه الرؤية على إمكانية تثقيف العلاقة المتشنجة بين الدين والفلسفة. من خلال رفع ثنائية التضاد فيها إلى مصاف الرؤية الثقافية. وأسهمت من ثم في تذليل الأبعاد التأويلية اللاهوتية والسياسية لثنائية الظاهر والباطن وتقليديتها المذهبية الضيقة في اجترار وتكرار "المكر المتحجر" في النصوص المقدسة. لقد وضع الفارابي الدين والفلسفة في إطار الرؤية الثقافية والعقلانية الفعالة لخدمة الاعتدال الاجتماعي- الروحي للأمة.

إلا أن هذا التأسيس الثقافي العقلاني لم يتعد آنذاك غير حدود المبادئ الأولية  للرؤية المنطقية القائلة بأن الفلسفة هي تصور وبرهان، والدين هو تخيل وإقناع. فقد كانت هذه الصيغة الرد المناسب والواقعي والأصيل على تقاليد معارضة أحدهما بالآخر. وهي حصيلة عمقها ابن رشد من خلال رفع التأسيس الثقافي لحقيقة الدين والفلسفة إلى مصاف الرؤية المنطقية وإدراجها في الوقت نفسه ضمن منطق الثقافة الإسلامية. وهي فكرة وضعها في أفكاره العميقة القائلة، بأن من صفات الفيلسوف الحق أن  يكون صحيح الاعتقاد لآراء الملة (الدين) التي نشأ فيها، متمسكا بالأفعال الفاضلة التي في ملته ،كأن  يكون متمسكا بالفضائل المشهورة. ذلك يعني أن الفيلسوف الحق هو ذاك الذي يمثل في إبداعه وقناعته ونفسه، ثقافة أمته وفضائلها المتسامية أولا وقبل كل شيئ. ووضع هذه الفكرة في أساس تصنيفه وانتقاده في نفس الوقت لأنواع الفلاسفة الخارجين عن فلاسفة الحق، وهم "الفيلسوف الباطل والفيلسوف المبهرج والفيلسوف الزور".

أما ابن رشد فقد أدرج علاقة الفلسفة والدين ضمن علاقة الحكمة والشريعة. وبهذا يكون قد أدرجها في مساق اللغة المقبولة والمعقولة لتقاليد الثقافة الإسلامية. وينطبق هذا على محاولة حل هذه العلاقة ضمن تقاليد الإشكاليات الشرعية العقلية الإسلامية عن المباح والمحظور والمأمور به (المندوب أو الواجب). لهذا تسائل في بداية الأمر عما إذا كان النظر في العلوم الفلسفية والمنطق مباحا بالشرع أو محظورا، أو مأمورا به سواء على جهة الندب أو على جهة الوجوب[10]. ذلك يعني انه حاول دمجهما في نسيج الرؤية الإسلامية الثقافية ومنطقها، ومن ثم إضفاء الصيغة المنطقية عليها. بمعنى دفع الحصيلة الفكرية لأراء الفارابي إلى النهاية. فهو يشير في المقدمة إلى اشتراك الحكمة والشريعة في مساعي النظر العقلي. إذ ليس فعل الفلسفة، كما يقول ابن رشد، أكثر من النظر إلى الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع. فالموجودات إنما تدل على الصانع  بمعرفة صنعتها. والشريعة أيضا تحث على المعرفة بالندب والوجوب. فهناك آيات كثيرة تدل على الحث على وجوب استعمال النظر بالعقل. وإذا تقرر "أن الشرع أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها، وكان الاعتبار ليس شيئا اكثر من استنباط المجهول من المعلوم واستخراجه منه، فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي"[11]. وهو قياس (عقلي) يحدد مقاصد الحكمة والشريعة. ومن هنا استنتاجه القائل بان المقصد النهائي للشرع والحكمة هو هو نفسه. غير أن لكل منهما مستواه وخصوصيته، كما نقول بأن معرفة الله والموجودات ممكنة بالبرهان والأقاويل الجدلية والخطابية. بمعنى أن كل منها داع إلى الحق ولكن بمستواه الخاص. فإذا كانت الشريعة الإسلامية داعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإن ذلك يلزم ألا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع، انطلاقا من أن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له[12].

 لقد أراد ابن رشد تأسيس الرؤية الثقافية في المواقف من الحكمة (الفلسفة) بالشكل الذي يجعلها مقبولة ضمن تقاليد الإسلام نفسه. بمعنى سعيه منطقة الرؤية الثقافية من خلال إزالة التعارض الممكن بين الرؤية الإيمانية والبرهانية، بوصفه تعارضا "تأويليا" لا تعارضا ذاتيا. وهي نتيجة حاول من خلالها توسيع الأساس العقلاني للثقافة الإسلامية باعتباره الشرط الضروري لاعتدالها. وجعل من ذلك أسلوبا لتذليل المذهبية الضيقة، وتوسيع حرية الفكر، وتهشيم الانغلاق الثقافي، وتوسيع مداه الإنساني، وتذليل الخطأ والرذيلة وتقرير الحق والفضيلة. وليس مصادفة أن يعيد صياغة الحصيلة النظرية لعلاقة الحكمة والشريعة في إطار ما دعاه بتقرير ما بينهما من الاتصال، ضمن الوحدة النظرية - العملية لفكرة الحق والحقيقة، أي ضمن إطار الوحدة الجديدة للثقافة والمنطق.

فهو ينطلق من الإقرار بأن مقصود الشرع هو تعليم العلم الحق والعمل الحق. والعلم الحق هو معرفة الله وسائر الموجودات على ما هي عليه وبخاصة الشريفة منها ومعرفة السعادة والشقاء. أما العمل الحق فهو امتثال الأفعال التي تفيد السعادة. وإذا كان تعليم العمل الحق يجري عبر العلم النفساني (الأخلاقي) والبدني (الحقوقي)، فان تعليم العلم الحق يجري من خلال التصور والتصديق. وإذا كانت طرق التصور هي تصور الشيء نفسه أو مثاله، فان طرق التصديق هي نفسها الأدلة البرهانية والجدلية والخطابية. وإذا كانت الفلسفة (الحكمة) تستلزم بالضرورة ارتقاء "خطابها" إلى درجة البرهان باستعمال الأدلة البرهانية في تعليم علومها، فان مهمة الشرع الأساسية تقوم في تعليم الجميع. لهذا وجب أن يشتمل الشرع "على جميع أنحاء طرق التصديق وأنحاء طرق التصور"[13]. وهي غاية سعى ابن رشد إلى تحقيقها من خلالها تذليل منطق الاحتواء ونفسية الاغتراب بين الحكمة والشريعة عبر إدراجهما في قوالب المنطق المتسامي للعقل. فقد اعتبر"الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة، مع ما توقع  بينهما من العداوة والبغضاء والمشاجرة، وهما المصطحبتان بالطبع المتحابتان بالجوهر والغريزة"[14].

سعى ابن رشد إلى مجانسة الحكمة والشريعة عبر شرعنة الفلسفة وفلسفة الشريعة وصهرهما في وحدة التجارب العلمية والعملية المتراكمة للإسلام. وهي مجانسة تضمنت في ذاتها على توليف الكل العقلاني والشرعي لعالم الإسلام  بالشكل الذي يخدم تأسيس الرؤية الثقافية والمنطقية للغاية الإنسانية الكبرى: السعادة. وهو توليف احتوى بحد ذاته على إمكانيات جديدة لعقلنة الدين وتذويبه في الانفتاح الإنساني تجاه العلم الحق والعمل الحق. ومن ثم تمّثل الإمكانيات المتنوعة والصيغ العديدة لتوليف العقل والحكمة في عقلانية حكيمة أو حكمة عقلانية. وليست هذه  بدورها في عرف الإسلام وتقاليده المتسامية سوى جمعية الروح الأخلاقي أو وحدانية المبادئ الما فوق تاريخية (الماوراطبيعية) وتمثيلها العملي المفترض في الجماعة والاعتدال. أما انكسارها الخاص في مساعي توحيد الفلسفة والدين فليس إلا الصيغة النظرية لتأسيس شرعية الجماعة والأمة بمبادئ الاعتدال العقلي. أي الصيغة المعقولة للحكمة الخالدة باعتبارها المثال المتسامي للثقافة الإسلامية. وهي آفاق سوف يشترك في تعميقها لاحقا التصوف في شخصية ابن عربي، والعلم التاريخي في شخصية ابن خلدون. بمعنى التأسيس لمطلق الرؤية الروحية - الأخلاقية والتاريخية - السياسية.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1] التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة ج2  ص 6.

[2] المصدر السابق، ج 2 ص 6 .

[3] المصدر السابق، ج2 ص 9 .

[4] المصدر السابق، ج2  ص 11 .

[5] المصدر السابق، ج 2 ص 16 .

[6] ومع ذلك أكد الفارابي على "يونانية" الفلسفة بوصفها علما. من هنا قوله بان الفلسفة باعتبارها  الحكمة على الإطلاق والفضائل كلها وعلم العلوم (أم العلوم) أو العلم (الصناعة) الذي يستعمل العلوم (الصناعات)كلها والفضيلة التي تستعمل الفضائل كلها،والحكمة التي تستعمل الحكم كلها،فأنها يونانية الصنع (تحصيل السعادة ص 88 - 89).

[7] الفارابي: تحصيل السعادة ص 90 .

[8] المصدر السابق، ص 91 .

[9] المصدر السابق، ص 94 .

[10] ابن رشد: فصل المقال وتقرير فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال ص 5.

[11] المصدر السابق، ص 6.

[12] المصدر السابق، ص 13.

[13] المصدر السابق، ص 30 .

[14] المصدر السابق، ص 39 .

 

ميثم الجنابيتقديم: يمثل إخوان الصفا إحدى القوى الفكرية الثقافية العربية الإسلامية الأشد إشكالية. بحيث أثارت وما تزال مختلف الأحكام والتقييمات المتضاربة. وهو أمر يمكن تفسيره بالطابع الانتقائي في (رسائلهم) والتي جرى ملاحظته في الوعي التقدي العربي الإسلامي القديم والمعاصر. وهو أمر مفهوم بالنسبة للثقافة التي نشأت وتطورت بمرجعياتها الخاصة وثقافتها الواحدية. ومن ثم يحتوي هذا النقد على قيمة منهجية مهمة وضرورية لحد ما.

غير أن مضمون الإبداع التاريخي أوسع وأعقد من أن يجري حصره بمعايير المناهج المهيمنة. فهذه هي الأخرى حالة ثقافية عابرة، باستثناء ما فيها من مساع وجهود واجتهاد في البحث عن الحقيقة وتأسيسها في الوعي الثقافي. وهنا تكمن حقيقة المعنى والمضمون التاريخي لإبداع إخوان الصفا. إذ ليس كل انتقائية عديمة الجدوى ومخربة للوعي المتجانس. على العكس، أنها تصبح في ظل شروط وظروف تاريخية ذات أهمية علمية فعالة بالنسبة للإبداع الثقافي. وذلك لأنها تكسر حدود المنهج العقائدي بمنطق التأمل والتوليف الفلسفي. وهي الصفة الجوهرية التي ميزت إبداع إخوان الصفا.

لقد كان إخوان الصفا البوتقة التي جرى فيها ومن خلالها صهر الرؤية المنطقية والعلمية والدينية والعلوم الطبيعية الدقيقة وغير الدقيقة، وأساطير الأمم واجتهادها في كل واحد يرمي إلى جعل الفلسفة والرؤية الفلسفية في متناول الجميع. وبهذا المعنى كان التيار الذي أبدعه وأدخله اخوان الصفا هنا يقوم في التقاطع الحي مع تقاليد الفلسفة الإسلامية العاملة بثنائية العوام والخواص وآثارها المحتملة في قضايا المنهج والعمل والأخلاق.

انه التيار الأول والأكبر في تاريخ الفلسفة ما قبل الحديثة الذي عمل على تأسيس ضرورة التثقيف الفلسفي العام، وإن الفلسفة ضرورية للجميع. وأنها ليست حكرا على الخواص. بل على العكس، إن مهمتها على قدر حقيقتها. بمن ثم فإن قيمتها الجوهرية تقوم في تنوير العقل الفلسفي عند الأمم. بمعنى إن الفلسفة هي البحث العقلي والأنساني عن الحقيقة، وبالتالي، فإن الحقيقة للكل. وقد كانت تلك إحدى أعمق وأهم الانجازات الفلسفية التي أدخلها إخوان الصفا في صلب الثقافة العربية الإسلامية. وفيما لو نجحوا في جعلها "عقيدة" العوام والخواص، لكان بالإمكان توقع مسارا آخرا للتاريخ العربي والإسلامي.

كل ذلك جعل من صيرورتهم التاريخية وكينونتهم الثقافية لغزا هو عين أثرهم التاريخي، وقوتهم المعنوية، وقيمتهم الفلسفية.

إن حقيقة إخوان الصفا لا تقوم في إبداعهم إحدى أعظم الموسوعات الفلسفية والعلمية في الماضي، بل في تأسيسهم للعقل الفلسفي الثقافي العام. وهي مأثرة لا تفقد قيمتها مع مرور الزمن. وقد يكون أثرهم في إرساء أسس ما ادعوه بالاعتدال العقلي والفلسفي الثقافي من بين أكثرها أهمية وجوهرية. من هنا قيمتها للحاضر والمستقبل. إذ لا قيمة تعلو على الاعتدال في الفكر الفلسفي. والاعتدال أشكال وصور ومستويات ونوعيات وظواهر لا تحصى. لكنها جميعا محكومة بحقائق الرؤية المنطقية وتجاربها التاريخية الذاتية.

***

إن بلوغ الوعي النظري العقلي في مجرى القرنين الأوليين للهجرة مستواه المنظومي، وبلوغ الوعي العملي الأخلاقي موقع الجوهر الفاعل في الكلّ  الاجتماعي السياسي للأمة، كما هو الحال عند المعتزلة، يتطابق مع بلوغ الثقافة حدودها الأولية المتسامية. إذ يفترض الوعي في وحدة مكوناته النظرية والعملية ضرورة التحقيق الدائم لمبادئه الكبرى. وبما أن هذه المبادئ قد تجسدت في الجماعة والاعتدال، باعتبارهما المكونين العضويين للوجود الطبيعي (الاجتماعي السياسي) والماوراطبيعي (الأخلاقي  الروحي) للأمة، من هنا كان الرجوع إليهما تهذيبا وتعميقا دائما للوسط والاعتدال. وشق ذلك لنفسه الطريق إلى وحدة الدين والدنيا، والدنيا والآخرة، والعادات والعبادات، والسلف والخلف، والرواية والدراية، والمعقول والمنقول، والاجتهاد والإجماع، والظاهر والباطن، والشريعة والحقيقة، بوصفها مكونات الاعتدال التاريخي والثقافي لعالم الإسلام.

وكانت إشكالية العقل والشرع من بين أكثرها شمولا بفعل تمّثلها النموذجي لوحدة التاريخ والمنطق في صيرورة الثنائيات الكبرى للاعتدال الإسلامي. إذ وّحدت في ذاتها وحلّت الإشكاليات المتراكمة في مجرى صيرورة الإسلام الثقافي للوجود والميتافيزيقيا والمعرفة، كما يمكن العثور عليها وعلى حلها في الإشكاليات المذكورة أعلاه، من خلال تحديد وتقييد كل منها للأخرى. فوحدة الدين والدنيا، والدنيا والآخرة، والعادات والعبادات، والسلف والخلف هي النماذج التي توّحد في كلّها الوجود الاجتماعي السياسي والحقوقي للأمة، بينما شكلت ثنائيات الرواية والدراية، والمعقول والمنقول، والاجتهاد والإجماع نماذج أسلوبها المعرفي. في حين تراكمت في ثنائيات الظاهر والباطن رؤاها الميتافيزيقية والروحية.

وتعادل مساهمة علم الكلام في وضع إشكالية العقل والشرع في ميدان الظاهرية وأساليبها الإدراك النظري والعملي للحدود الجسدية الضرورية للانا والجماعة. فالجماعة لا تستطيع الفعل دون ضوابط، لأنها هي نفسها التجسيد الضروري لهذه الضوابط. وليس مصادفة أن تسود في الرؤية الفقهية عناصر الاستحسان والضرورة، كتعبير عن إدراك الحقيقة القائلة، بان كل خطوة إلى الأمام  في ميدان الحرية تفترض كحد أدنى ملاءمتها لاستحسان الشرع وعقل الضرورة. وهي نتيجة حددت لدرجة كبيرة بناء السيور غير المرئية في الثنائيات الكبرى للوجود الاجتماعي- الثقافي للخلافة في مراحل ازدهارها. مما أسهم في تقييد العقل النظري والعملي بقيود المنطق المنظومي والمنطق الثقافي وتنشيطه في الوقت نفسه ضمن مشاكله ومشاغله الخاصة. وبالتالي ساهم في صنع الإمكانية المتجددة لإبداع قيم الاعتدال.

احتوت هذه الظاهرة في أعماقها أيضا على إمكانية تحّجر الاعتدال وتمذهبه في العقائد. فبالقدر الذي كانت ثنائيات الكلّ الإسلامي تفعل على نسج منظومات الفكر وتقييد "خروجها" عن صراط الجماعة (أو التقاليد التاريخية والروحية للأمة) من خلال إدانة التهور العملي وإنكار قيمة المبادئ الجزئية أيا كانت فضيلتها، فإن خطورتها كانت تقوم في إمكانية دمج هذه الثنائيات في قواعد العقائد لا في تحريرها الدائم من ثقل مذهبية الفِرق (الكلامية).

إن الخطورة تكمن في إمكانية تحويل الاعتدال إلى قواعد العقيدة لا إلى روحه. وهو أمر كان يعيق إمكانية التوليف المجدد للاجتهاد وللإجماع في الاجتهاد.  فمعادلة الإجماع والاجتهاد في مضمونها الثقافي هي الصيغة الأوسع شمولا لفاعلية المرجعيات الفكرية والروحية الكبرى للإسلام، التي تعكس في استتبابها المنطقي (والشكلي أيضا) الإدراك النظري والعملي لمعنى الحدود الثقافية. لذلك لم يؤد الانهماك المتزايد في تنظير الاعتدال إلا إلى تحجرّه. وبالتالي إعاقة إدراك الحقيقة القائلة بأن الاعتدال هو "تثوير حق"، و"منطق خالص"، و"خير أسمى" وليس مجرد قواعد في عقيدة. وحالما جرى وعي مبادئ الإسلام الكبرى وثنائياته الفكرية والروحية في مضمار العقائد الكلامية والفقهية، فإنها أدت بالضرورة إلى تزايد تقنينها وتحجرّها في العرف المذهبي وتقاليد الإجماع الفرقي. وأدت بالنتيجة إلى أن يسيطر في ورعها سوط القانون، وفي رؤيتها السياسية أولوية الضرورة المستحسنة، وفي فكرها مفارقات السفسطة ومنطق الجدل المذهبي الضيق. وتجسّد ذلك بصورة نموذجية في الاشعرية عبر اعتدالها المحافظ في ردها "التاريخي" على "تطرّف" المعتزلة العقلي، وعبر توفيقيتها السلفية ومشروعها الثقافي للأصالة الإسلامية. وليس مصادفة أيضا أن تتعرض إلى ردود تاريخية من الباطنية بمختلف تياراتها، وردود ثقافية من جانب الفلسفة.

فقد كان البديل الفكري العملي للباطنية، كما هو الحال عند إخوان الصفا، الرد التاريخي على الصيغة اللاهوتية المقننة للعقائد. ولكنه رد لم يستطع تجاوز الظاهرية وتوظيفها في نظام مقبول ومعقول للأمة، يستند ويعمل بوحي تقاليدها الخاصة عن وحدة العقل والشرع، والمعقول والمنقول، ولا نفيها الكامل في "باطنية الحق"، كما هو الحال عند المتصوفة. من هنا تراوح الإخوان في الكلّ الثقافي لعالم الإسلام. ومع ذلك استطاعوا في تراوحهم بين الظاهرية والباطنية تجاوز جزئية الثنائية التقليدية للعقل والشرع من خلال إدراجها في رؤية منظومية للبديل الفكري العملي.

أبقى إخوان الصفا على وحدة العقل والشرع من خلال إدراجها في وحدة الفلسفة والشريعة باعتبارها الصيغة الشاملة والتامةّ لجمع الأمة وتوحيدها الجديد. إذ وجدوا في هذه الوحدة العقلية الأخلاقية المرنة أسلوبا لاستعادة حقيقة التوحيد ونبذ الخلاف المذهبي والسياسي. لهذا تناولوا بالشرح والتعليق أسباب الخلافات بشكل عام ونماذجها الكبرى الملموسة في عصرهم بشكل خاص. فتكلموا عن أسباب الاختلاف، والمختلف فيها، ومستويات الاختلاف. وأرجعوا سبب اختلاف البشر إلى كل من تركيب البدن (مزاجه وأخلاطه) والطبيعة والمناخ المحيطين بهم من تراب البلد وتغير أهويته والأزمان التي تنشأ فيه، والعادات والتقاليد والأديان، وكذلك إلى أشكال الفلك ومواضع الكواكب في أصول مواليدهم. وهي أسباب تشكل المقدمة الطبيعية والتاريخية للرؤية الثقافية لا لحقائق الأشياء كما هي. فهي تحدد طبيعة الاختلاف لا نوعيته المعرفية. إذ لنوعية المعرفة قوامها الذاتي في مستويات المعرفة نفسها من الحسيات والمعقولات والإلهيات

إما تنوعها الكمي فيعود، حسب نظر الإخوان، إلى دقة المعاني ولطافتها وخفائها، وإلى تباين فنون الطرق المؤدية إليها، وإلى تفاوت قوى النفس المدركة، أي إلى كل من موضوع المعرفة وأساليبها ومستوى تطورها بذاتها وبقواها(نفوسها). وإذا كان موضوع المعرفة يعكس إشكاليات المحسوس والمعقول، فإن الخلافات المترتبة على مستوى تطور المعرفة تنبع من تفاوت قوى النفس المدركة وهي الحواس الخمس، والقوة المتخيلة والمفكرة والحافظة. فتفاوت إدراك الحواس الخمس لا يستتبع اختلافها في ذواتها، ولكن في اختلاف أحوالها في إدراكها صور المعلومات. أما علة ذلك فتقوم في اختلاف إدراكها في الجودة والرداءة. فكل حاسة من الحواس الخمس تحتاج في إدراك محسوساتها إلى شروط معدودة لا زائدة ولا ناقصة. وأن نقص بعض منها كزيادتها يؤدي إلى إعاقة المعرفة الصحيحة. فالقوة الباصرة، على سبيل المثال، تحتاج في إدراكها المبصرات إلى قدر معين من الضوء والبعد والمحاذاة والوضع. وينطبق هذا بدوره على قوى الحواس الأخرى. ذلك يعني أن لكل حاسة محسوسات مختصة لها بالذات ومحسوسات بالعرض. فإذا كان النور هو الشرط الذاتي(الضروري) للبصر، فإن الألوان عرضية، لأنها من توسط النور والضياء. ومن هنا إمكانية الخطأ في الألوان. وأن تغليب العرضي على الذاتي يؤدي إلى الخطأ والخلاف. وينطبق هذا على قوى النفس الأخرى كالمتخيلة والمتفكرة. فالمتخيلة لها قدرة الجمع والتركيب مما له حقيقة في الهيولي ولا حقيقة له. ولكنها  تعجز عن تخيل شيئ لم تؤد إليه حاسة من الحواس. أما ضعفها فيقوم في جعلها حكم ما تتخيله حكما حقا بلا حجة ولا برهان. وفي حالة عجزها عن تصور شيء، فإنها تنكره دون دليل وبرهان. في حين تختص القوة المفكرة بالفكر والروية والتمييز والتصور والاعتبار والتركيب والتحليل والجمع والقياس البرهاني. أما اشتراكها مع القوى الأخرى فهو عرضي لها لا ذاتي.

وإذا كانت قيمة الخلافات المتعلقة بدقة ولطافة المعاني وبقوى النفس تعّبر عن أطراف المعرفة، فإن "فنون الطرق المؤدية" إليها هو الوسط الذي تنعكس فيه حقيقة الخلافات الفكرية الكبرى بسبب تمثلّه إشكالية الذاتي والعرضي في الحس والإدراك العقلي، باعتبارها إشكالية الأصل والفرع  في أساليب المعرفة نفسها. وإذا كان تركيز الإخوان منصبا على القياس، باعتباره أكثر المصادر إثارة للاختلاف في الأفكار والديانات، فلأنهم وجدوا فيه الطريق الأكبر لمعارف الإنسان وعلمه. فالقياس هو الحكم على الأمور الكليات الغائبات بصفات قد أدركت جميعها في بعض جزئياتها. وهي أنواع مختلفة بحسب أصول الصنائع والعلوم وقوانينها. إلا أن كثرتها لا تخرجها عن ثلاثة أنواع وهي ما يستعمل بالأيدي كالقبان والشاهين والمكاييل، وما يستعمل باللسان، كالعروض التي يستعملها الشعراء والخطباء والموسيقيين، وما يستعمل بالضمير من جانب الفقهاء والحكماء وغيرهم عند تفكرهم بالمعلومات المحسوسات والمشاهدات واستخراجهم الخفيات المعقولات وصحة القياسات في إدراك المبرهنات. فالقياسات إذن، هي طرقات أو مناهج إلى المعلومات وموازين يجري التحاكم إليها في طلب العدل والإنصاف والحقائق والاستواء وتجنب الزور والخطأ والظلم والجور ورفع الخلاف والمنازعة . أنها تمثل في ذاتها حقائق العدل واليقين المعرفي والاجتماعي والأخلاقي. إذ اعتبروا القياسات بحد ذاتها صادقة وقادرة على بلوغ الحقيقة لولا ما يجري فيها من الخطأ بفعل الغش والسهو والجهل واعوجاج القياس . إن الخطأ لا فيها، كما لا يعني ذلك تلقائيتها في حل الخلافات. وإذا كان الغش والسهو والجهل من تسيب النفس في الاجتماع والعلم، فإن اعوجاج القياس هو الابتعاد عن الصدق فيه، أو الابتعاد عن القياس بوصفه ميزانا صائبا للمعرفة. لذا تناولوا بالدراسة والتحليل ما أسموه "بالاعوجاج من القياس الحق في الآراء الحكمية والاعتقادية".

لقد أرادوا القول، بأن الجميع تسعى إلى إدراك الحقيقة، غير أن كلا منهم يصل إليها بما هو ميسر له في قوى نفسه. لهذا تباينت درجات الحق والحقيقة في آرائهم وأحكامهم. إنهم سعوا لتأسيس موضوعية الحقيقة في القياس وقياسها المتنوع والمختلف في الاجتهادات. لهذا نظروا إلى الاختلافات في الاعتقادات نظرتهم إلى محاولات متنوعة لإدراك حقائق الوجود وعللها. فالثنوية، على سبيل المثال، لم تعد شركا وإلحادا، بل اعتقادا ناتجا عن رؤية تعدد العلل في الوجود من  خير و شر ونور وظلام. والاختلاف في ماهية العقل هو اختلاف حول العقل المكتسب لا العقل باعتباره أشرف الموجودات. وبالتالي، فإن الاختلاف فيه ناتج عن تباين المراتب في  درجاته . وهي نظرات تعكس بما في ذلك، توجههم الإنساني الرفيع وانفتاحهم العقلاني ومعارضتهم للاستبداد الفكري تحت أي  فكرة أو شعار كان. وهو موقف نعثر عليه أيضا في استفاضتهم عن اختلافات القياس. أنهم أسسوا لقيمة البحث عن الحقيقة. وجعلوا بالتالي من كل اقتراب أو بعد عنها مجرد اجتهاد. ولم يتناولوا هذه القضية ضمن معايير المنطق الخالص فحسب، بل وربطوها بالمصالح الاجتماعية والفضائل الأخلاقية.

***

فعندما تناول إخوان الصفا مسألة الاختلاف في ماهية الهيولي، نراهم يشيرون إلى أن الاختلاف فيه يتراوح بين من يعتقد أنها أجزاء صغيرة لا تتجزأ مختلفة الكيفيات (نارية وترابية وهوائية) تشكل في اختلاطها وتألفها الكائنات من معادن ونبات وحيوان وأفلاك، ومن يرى أنها أجزاء متماثلة يسد بعضها مسد بعض، وأن تأليفها وتشكيلها واختلاطها يؤدي إلى أعراض وكيفيات وهيئات وصفات وألوان وطعوم وروائح. ومن يعتقد أن الهيولي جوهر بسيط روحاني معّرى عن جميع الكيفيات قابل لها على النظام والترتيب . وقد وجد الإخوان في هذا التسلسل المعروض للآراء درجات في الاقتراب من الحقيقة. وحاولوا تفسير أسباب الاختلاف في القياس انطلاقا من أن الرأي الأول مبني على قياسهم هيولي الصناعة من نجارة وفلاحة وموسيقى وعقاقير وأصباغ، بينما الثاني يتبع رؤيتهم اختلاف أسمائها وأفعالها كتنوع الآلات واستعمالاتها مثل السكين والمنشار وأدوات الطبخ وغيرها من الحديد. وهي خلافات استتبعت إشكالية العلة النهائية والغاية (الغائية). كما أنها ظهرت من تنوع الرؤية في استعمال القياس. فمن تأمل أفعال البشر وجد لكل فعل مقصد وغاية. ومن هنا ظهور القائل بعلة واحدة ومن قائل بتعدد العلل. واختلف من قال بعلة واحدة بين قائل بأنها إرادة الله ومشيئته ومن قائل بأنها علمه فقط. وتنوعت اختلافاتهم وتفرعت . وينطبق هذا على اختلاف الاعتقادات بماهية الخير والشر. فمن يقول بعرضيتها في العالم، ومن يقول بذاتيتها. والأوائل ينقسمون إلى من يقول بأنها قديمة وعادمة للصور والأشكال والكيفية، ومن يقول أن المقصود بالشر هو عدم الخيرات عن الهيولي ونقصانها منه. لأنه لو تركت لحالها لأدى ذلك إلى رجوعها إلى حالاتها الأولى، ومن ثم إبطال نظام العالم واضمحلال وجود الخلائق. أما قياسهم في ذلك فيعود إلى سيادة النظرة الجزئية. إذ وجدوا في الموجودات الجزئية من عالم الكون والفساد (الصيرورة والانحلال) والصناعات البشرية أشكالها ونماذجها الملموسة . واختلفوا في قياساتهم لقضايا الجبر والقدر، وأحكام النجوم والوعد والوعيد والذات والصفات (الإلهية) .

إن استعراض الإخوان وتحليلهم لاختلافات الفكر والاعتقادات يتضمن في أعماقه محاولة بناء نظام الشروط الضرورية للمعرفة الحقة. إذ للمعرفة الحقة، كما يقول الأخوان مقدماتها في أصول العلوم نفسها. فلكل علم وأدب وصناعة ومذهب أهلا، ولأهلها فيه أصولا فيها متفقون في أوائل عقولهم ولا يختلفون فيها. وأن كانت عند غيرهم بخلاف ذلك. وأن لتلك الأصول فروعا هم فيها مختلفون .  ففي الحساب ماهية العدد وكيفية نشوئه من الواحد، وفي الهندسة المقادير والأبعاد الثلاثة وهي الخط والسطح والجسم، والطول والعرض والعمق، وفي الموسيقى معرفة النسب وفي الطبيعيات معرفة الهيولي والصورة والمكان والزمان والحركة . لقد أراد الإخوان بناء الصيغة المثلى لحقائق المعرفة الحسية والعقلية من خلال ترتيب ما هو ذاتي وما هو عرضي في الحس والإدراك بحيث ترتقي إلى مستوى الأصل والفرع  في المنهج أو الطرق والفنون، وفي العلم (المعرفة). أنهم حالوا التأسيس للأصول الذاتية (الجوهرية) في المعرفة وأساليبها وفسحوا المجال أمام الإمكانية الدائمة للخلاف في الفروع. لقد انطلقوا من انه "ليس على العقلاء كثير عيب في مخالفة بعضهم بعضا" وانه "عسير جدا اجتماع العقلاء على رأي واحد كلهم في شيئ واحد. إنما يتفقون في الأصول ويختلفون في الفروع" . إضافة لذلك أنهم وجدوا في الاختلاف قيمة علمية هائلة بالنسبة لتعميق وتدقيق المعرفة وشحذ العقل النظري (المنطقي) والعملي (الأخلاقي). إذ وجدوا فيه أيضا فوائدا كثيرة مثل طلب الحجة، وغوص النفوس في طلب المعاني الدقيقة، ووضع القياسات، واتساع المعارف، واليقظة الدائمة، والنقد المثير لانتباه النفس لكسب الفضيلة والصلاح .

لم يكن تأسيس أصول الفكر الأعم ووضعها في إطار معقول ومقبول للجميع فعلا نظريا خالصا فحسب، بل وعمليا أخلاقيا أيضا، لأنه يهدف إلى إعادة ترسيخ  قيمة الوحدة الاجتماعية الروحية للأمة. لهذا استعرضوا ما أسموه بالآراء الفاسدة كالقول بأن العالم قديم لا صانع له ولا مدبر، والقول بأن للعالم صانعين، وإنكار الثواب والعقاب، والاعتقاد بأن الله هو روح القدس الذي قتلته اليهود وصلبت ناسوته، والاعتقاد بأن الإمام الفاضل المنتظر الهادي مختف لا يظهر من خوف المخالفين، والترخيص في الشبهات والإباحية، وإيمان القسوة القائل بأن الله يعذب عبيده، والحسية المفرطة (الحشوية) واعتقاد الأمر إيمانا وإنكاره عقلا. وأكثر من ذلك الجدل المميز لمن أسموهم بعلماء السوء، أي"أولئك الذين يخوضون في المعقولات ولا يعلمون في الحسيات، ويتعاطون البراهين والقياسات ولا يحسنون الرياضيات، ويتكلمون في الإلهيات ويجهلون الطبيعيات، ويناقشون أمورا لا تفيد الدين في العلم والعمل، ولا تنتج حكمة ويضيعون الوقت في أمور لا تحدث ولا توجد ولا قيمة لها" .

إن مطابقة "الآراء الفاسدة" مع آراء أهل الغلوّ في الفرق والأديان بصدد قضايا الإلهيات والاجتماع والسياسة والأخلاق، يهدف في منظومتهم الفكرية إلى عقلنة شريعة الاعتدال. فعندما تناول الإخوان اختلافات الفكر  في العلوم الدينية والدنيوية، فإنهم أعاروا الاهتمام إلى ما في العلوم الدينية من آثار  للجدل والخلاف، بسبب تآلف واختلاط الوحدة أو الشقاق فيها. وعندما قسموها إلى علوم حكمية ونبوية، فإنهم أعاروا اهتمامهم إلى الأولى من خلال تحديدهم ماهية الدين أشاروا إلى أن الأصل فيه هو الاعتقاد في الضمير والسر، والفرع فيه وهو القول والعمل في الجهر والإعلان . أما الاعتقاد (الأصل) فينقسم إلى ثلاثة أنواع للخاصة والعامة وللجميع. وأفضلها ما هو شامل للجميع، أي توليف الأصل والفرع  في الرؤية، أو الاعتقاد والعمل بالشكل الذي يخدم وحدة الكل الاجتماعي الروحي للأمة. فالركن الأول من الاعتقاد هو ليس الإيمان التقليدي، بل الإيمان الذي يناسب الجميع، أي الخاصة والعامة. وقد حّده الإخوان "بالاستبصار والمشاهدة بعين البصيرة واليقين بالقلب الصافي من الشوائب للنفس الزكية التقية من الذنب، بعد تأمل شديد للمحسوسات ودقة نظر في المعقولات ودراية بالرياضيات وبحث عن القياسات كما فعلت القدماء الحكماء والموحدون الربانيون، وإقرار باللسان وإيمان بالقلب وتسليم بالقول كإقرار الأنبياء للملائكة وحيا وإنباء، أو كإقرار المؤمنين للأنبياء إيمانا وتسليما". أما الركن الثاني فهو الطاعة، أو الانقياد من المأمورين والمرءوسين للآمرين والناهيين .

وليست وحدة الاعتقاد والطاعة سوى الصيغة النظرية لوحدة ما دعاه الإخوان بصفاء النفس واستقامة الطريق، باعتبارها أسلوب تجسيد البديل الفكري العملي الذي أوجزوه في كل من ضرورة العمل بأحكام الشريعة ووصايا الأنبياء وإشارات الحكماء، وترك الخصومات والأخلاق الردية، واجتناب الآراء الفاسدة، وتعلم العلم الحكمي والشرعي والرياضي والطبيعي والإلهي . ووضعوا في صفاء النفس الرجوع إلى جوهرها الأول وفطرتها وروحانيتها. وانطلقوا من أن مثلها في إدراك صور الموجودات الحسية والعقلية كمثل المرآة، كلما كانت أكثر صفاء واعتدالا كلما كانت أكثر سلامة في عكس صور الموجودات، وانه لا طريق لإزالة الصدأ عنها إلا بإزالة حجاب الجهل. أما اعوجاجها فبسبب تمسكها بالآراء الفاسدة . لهذا قالوا، بأن اقرب الطرقات التي لا عوائق فيها وأسلمها لبلوغ هذه الغاية هو ترك المجادلة في الإلهيات إلا بعد تصفية القلب، ثم الاعتماد على الإلهام الشخصي وتفاسير الأولياء وألسنة الحكماء .

لقد حالوا بناء منظومة مترابطة للأصول والفروع النظرية والعملية في المحسوسات والإلهيات عبر تأسيسها المعقول في وحدة أركان الاعتقاد وتجسيدها المقبول في وحدة أساليب صفاء النفس واستقامة الطريق. ولم  يجدوا في أمرهم هذا، كما يقولون،"رأيا مستحدثا، بل هو رأي قديم قد سبق إليه الحكماء والفلاسفة الفضلاء، وهو طريق سلكه الأنبياء، ومذهب مضى عليه خلفاء الأنبياء والأئمة المهديون" . أنهم أرادوا توحيد وتوليف الكل الثقافي الإنساني في نظام بديل عبّروا عنه رمزا في قولهم: "كنا في كهف أبينا آدم مدة من الزمان تتقلب بنا تصاريف الزمان ونوائب الحدثان حتى جاء وقت الميعاد بعد تفرق في البلاد في مملكة الناموس الأكبر وشاهدنا مدينتنا الروحانية المرتفعة في الهواء" . وهي رؤية حددت سلوكهم النظري والعملي من خلال وحدة الأصول والفروع في أركان العقيدة وأساليبها في ما أسموه بضرورة ركوب السفينة التي بناها نوح للنجاة من طوفان الطبيعة للسلام من أمواج الهيولي ورؤية ملكوت السموات كما رآها إبراهيم، وتتميم الميعاد والمجيء إلى الميقات لقضاء الأمر كما فعل موسى، والعمل لكي ينفخ الروح في الروح حتى يمكن رؤية يسوع عن ميمنة عرش الرب، والخروج عن ظلمة اهرمن لأجل رؤية اليزدان قد اشرق في فسحة افريحون، والدخول إلى هيكل عاديمون من اجل رؤية الأفلاك التي يحيكها أفلاطون، والرقود من أول ليلة القدر من اجل رؤية المعراج مع طلوع الفجر .

إنهم أرادوا تمّثل الكلّ الثقافي التاريخي من خلال تمثيلهم للبعد الروحي في التجربة الإنسانية. لهذا جعلوا من شريعة الأنبياء وسلوكهم، وعقل الحكماء وألسنتهم الوحدة الضرورية للبديل الفكري العملي باعتباره التمثل الأصدق للاعتدال المبدع. ووجدوا في وحدة الدين والفلسفة الصيغة المناسبة لتجاوز ثنائية العقل والشرع العادية، والصيغة المثلى للأبعاد الإنسانية في منظومتهم الفكرية. إذ استجابت لمتطلبات ما أسميته بتمّثل وتمثيل الكلّ الثقافي العالمي. من هنا إشاراتهم المتكررة إلى أن استشهادهم بأقاويل الفلاسفة ووصاياهم، وأفعال الأنبياء وسنن  شرائعهم بسبب وجود "أقوام متفلسفين لا يعرفون من الفلسفة إلا أسمها، وأقوام من الشرعيين لا يعرفون من أسرار الشريعة إلا رسومها، يتصدرون ويتكلمون فيها بما لا يحسنون، ويناظرون فيمالا يدرون ويناقضون تارة الفلسفة بالشريعة، وتارة الشريعة بالفلسفة فيقعون في الحيرة والشك، فيضلّون ويضلّون" .

 

ميثم الجنابي

 

محمود محمد عليلا شك في أن الدراسات المنطقية والفلسفية والعلمية في بلاد الأندلس قد منحت الاتجاه اللغوي دقة وشمولاً وهيأت الجو للبحث النظري في اللغة . ولكن عوامل جديدة حالت دون الإمعان في هذا اللون من الدراسات بسبب الإلحاح الشديد في الدعوة إلي مزج النحو بالفقه بدلاً من مزجه بالمنطق، وصاحب هذا الاتجاه هو ابن مضاء (أحمد بن عبد الرحمن بن محمد) المولود في قرطبة سنة 512 هـ، والمتوفى سنة 592هـ . لقد عاش في عهد عبد المؤمن المتوفى سنة 558 هـ والتحق ببلاطه حوالي 545 هـ حين وفد إليه من قرطبة ضمن الوفود الأندلسية التي جاءت لتقديم التهاني. واستمر في البلاط الموحدي على عهد يوسف بن عبد المؤمن المتوفى سنة 580 هـ الذي عينه قاضياً للقضاة، وهو المنصب الذي استمر فيه على عهد ابنه يعقوب المنصور، إلى أن توفي سنة 592 هـ قبل ثلاث سنوات من وفاة هذا الأخير. هذا وقد اشتهر ابن مضاء، خصوصاً في العصر الحاضر، بكتابه "الرد على النحاة"،وهو المؤلف الوحيد الذي وصل إلي أيدي الباحثين، بعدما اكتشفه ونشره ونشره الدكتور " شوقي ضيف"، مع مدخل حول ما سماه "ورقة ابن مضاء"، فهالته تلك الطرفة النفيسة، واعتبرها امتداداً لثورة الموحدين علي فقهاء المشرق، وعلي آرائهم ومذاهبهم في التشريع .

لقد كان بين النحو والفقه نسب وآصرة متينة، ولذلك وجدنا ظلال ثوره فقهاء الظاهرية القائمة علي إهدار القياس وعدم الخوض في التفاصيل والجزئيات والاعتماد علي ظاهر القرآن والسنة في استنباط الأحكام الفقهية والشرعية، وهذه الثورة كان ابن حزم قد وصفها من قبل في كتابه " الإحكام في أصول الأحكام قائلاً :" وذهب أهل الظاهر إلي إبطال القول بالقياس في الدين جملة قالوا لا يجوز البتة في شئ كلها إلا بنص كلام الله تعالي أو بنص كلام النبي صلي الله عليه وسلم أو ما يصح عنه عليه السلام من فعل أو إقرار " .

وهذه الثورة يتبناها لأول مرة في بلاد الأندلس أولي الأمر من الموحدين وهو يوسف بن عبد المؤمن ؛ حيث حمل علي الفقه المالكي في بلاد الأندلس ورما به غرضا بعيداً، فأحرق كتبه، ونكل بحملته، ولقد كان لهذا الأمر صدي لدي ابن مضاء الذي أراد أن يصانع ولاة أموره في حملتهم، فعقد اللواء لحملة أخري ليست في الفقه ولكن في النحو، إذ بدا له أن النحو الذي أثر عن المشارقة، قد شرق بألوان القياس والتعليل والتأويل، وهي مبادئ كان مذهب الظاهرية يناقضها ويقوم علي إبطالها، واجتهد ابن مضاء من خلال آرائه النحوية في كتابه " الرد علي النحاة" في بيان فساد مذهب النحاة بمغالاتهم في النظر والاحتكام إلي الرأي والتأويل، قال :" وإني رأيت النحويين – رحمة الله عليهم – قد وضعوا صناعة النحو لحفظ كلام العرب من اللحن وصيانته من التغيير، فبلغوا من ذلك الغاية التي أموا وانتهوا إلي المطلوب الذي ابتغوا، إلا أنهم التزموا ما لا يلزمهم وتجاوزوا منها القدر الكافي فيما أرادوه منها، فتوعرت مسالكها ووهنت مبانيها وانحطت عن رتبة الإقناع حججها.

ولقد كانت غاية ابن مضاء في كتابه واضحة، فقد رأي أن النحو بحاجة إلي إصلاح مما أفسده من التمحل وتنقية مما شابه من التكلف وتخليص مما اعتوره من التقدير والتأويل، وإلي انتشال من وهدة المنطق وعماية الفلسفة وسفسطائية الجدل، والإسراف في البعد عن الفطرة، ولقد كشف عن هذه الغاية التي تحدوه في أول كتابه إذ قال :" قصدي في هذا الكتاب أن أحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه وأنبه على ما أجمعوا على الخطأ فيه" .

ثم يشرع في بيان ذلك مبتدئاً بنقد نظرية العامل، مطالباً بحذفها من النحو ليس فقط لكون النحو في غير حاجة إليها، بل أيضاً لأنها مبنية على تصور خاطئ. يقول: "فمن ذلك ادعاؤهم أن النصب والخفض والجزم لا يكون إلا لعامل لفظي، وأن الرفع منه ما يكون بعامل لفظي وبعامل معنوي، وعبروا عن ذلك بعبارات توهم في قولنا "ضرب زيد عمروا" أن الرفع الذي في "زيد" والنصب الذي في "عمرو" إنما أحدثه "ضرب" .

وهذا في نظر ابن مضاء خطأ، لأن "من شرط الفاعل أن يكون موجوداً حينما يفعل فعله"، هذا بينما "لا يحدث الإعراب فيما يحدث فيه إلا بعد عدم العامل، فلا ينصب "زيد" بعد "إن"، في قولنا "إن زيدا…"، إلا بعد عدم "إن"، أي بعد أن لم تعد موجودة في الكلام. هذا إذا اعتبرنا أن العامل الذي نصب "زيداّ" في العبارة المذكورة عامل لفظي ("إن"). أما إذا قيل له إن العامل معنوي وليس لفظياً فإن ابن مضاء يجيب قائلاً إن "الفاعل" عند من يقولون بهذا -وهم المعتزلة خاصة- على نوعين: فاعل بالإرادة كالحيوان، وفاعل بالطبع كالنار التي تحرق الخشب. أما ألفاظ اللغة فهي لا تفعل لا بإرادة ولا بالطبع. أما القول بأن المقصود بفكرة العامل في النحو هو مجرد "التشبيه والتقريب، وذلك أن هذه الألفاظ التي نسبوا العمل إليها إذا زالت زال الإعراب المنسوب إليها، وإذا وجدت وجد الإعراب، وكذلك العلل الفاعلة عند القائلين بها…"، فإن ابن مضاء لا يعترض على ذلك من حيث المبدأ، فهو يرى أنه كان من الممكن التسامح في ذلك "لو لم يسُقهم جعلُها عواملَ إلى تغيير كلام العرب وحطه عن رتبة البلاغة إلى هجنة العي وادعاء النقصان فيما هو كامل، وتحريف المعاني عن المقصود.." .

ويستمر ابن مضاء في نقد نظرية العامل فيعترض على تقدير العوامل المحذوفة، وعلى تقدير متعلقات المجرورات، وعلى تقدير الضمائر المستترة، وعلى تقدير الأفعال. كما يعترض على آراء النحاة في التنازع والاشتغال وفاء السببية وواو المعية، لينتقل إلى الدعوة إلى إلغاء العلل الثواني والثوالث، وإلغاء القياس وإلغاء اختلافات النحاة. يقول: "ومما يجب أن يسقط من النحو الاختلاف فيما لا يفيد نطقاً، كاختلافهم في علة رفع الفاعل ونصب المفعول وسائر ما اختلفوا فيه من العلل الثواني وغيرها، مما لا يفيد نطقاً، كاختلافهم في رفع المبتدأ ونصب المفعول، فنصبه بعضهم بالفعل وبعضهم بالفاعل وبعضهم بالفعل والفاعل معاً. وعلى الجملة كل اختلاف فيما لا يفيد نطقاً" .

ولنقف برهه عن مبررات ابن مضاء في إلغاء القياس، فقد رأينا آنفاً أن ابن حزم اعترض بشدة علي استخدام القياس المنطقي لأنه يقود إلي استنتاجات لا يُسمح للبشر بالتوصل إليها، وربما تكون العواقب وخيمة جداً في النظرية اللغوية، ولكن المبرر الأساسي يتضمن جهل الإنسان بالمقارنة مع القدرة الكلية لله عز وجل . وفي كتاب الإيضاح للزجاجي، يميز المؤلف بين ثلاثة مستويات من التفسيرات للظواهر النحوية : العلل الأولية وهي القواعد النحوية كما يعرفها الناطق الأصلي باللغة ؛ والعلل الثانوية وهي التي تعمل حسب المضارعة بين عناصر منظومة اللغة، وأخيراً، تشكل العلل النظرية والجدلية أعلي مستوي، أي العلل التي تكشف من خلال التفكير التأملي، وعند التفكير منطقياً يستطيع النحوي أن يكشف سبب كون الظواهر النحوية علي ما هي عليه.

ومن وجهة نظر ابن مضاء، فإن طريقة التفكير بخلق الله تعالي قد تتفاقم إلي حد الكفر . ومثلما ينبغي للبشر أن يطيعوا الأحكام التي بينها الله تعالي في القرآن الكريم من غير أن يسألوا لماذا تكون هذه الأحكام علي ما هي عليه، ولكن ينبغي أن يتقبلوها لأنها ببساطة أوامر الله تعالي، فإن المتكلم يجب أن يتقبل القواعد النحوية من غير التأمل بالأسباب وراء هذه القواعد، يقول ابن مضاء :" ومما يجب أن يسقط من النحو العلل الثواني والثوالث، وذلك مثل سؤال السائل عن (زيد) من قولنا (قام زيد) بم رفع؟ لأنه فاعل، وكلُ فاعل مرفوع، فيقول ولم رفع الفاعل؟ فالصواب أن يقال له : كذا نطقت به العرب . ثبت ذلك بالاستقراء من الكلام المتواتر . ولا فرق بين ذلك وبين من عرف أن شيئاً ما حرم بالنص، ولا يحتاج فيه إلي استنباط عله، لينقل حكمه إلي غيره، فسأل لم حرم ؟ فإن الجواب علي ذلك غير واجب علي الفقيه" .

ويتبين من هذا النص الصلة الفقهية لاحتجاجات ابن مضاء ضد النظرية اللغوية . فهو ليس ضد دراسة اللغة في حد ذاتها (في حقيقة الأمر نراه يكثر من الاقتباسات في احتجاجاته من المؤلفات اللغوية لكي يبين لنا أنه يعرف ما يقول)، ولكنه يود أن يخلص النظرية اللغوية من الشوائب المؤذية التي لا نفع فيها لغرض الفهم الفضل للغة وتشكل تهديداً للمؤمن الأصولي.

ويتقبل ابن مضاء العلل الأولية فقط في مناقشته الجدل النحوي، ومن منظوره هو فإن هذه ليست عللاً علي الإطلاق، ولكنها حقائق قد يلحظها الناطق الأصلي . وعندما تلحظ أن الفاعل في الجملة في حالة الرفع، فإنك ستعرف أن كل فاعل يكون مرفوعاً، لأن هذه قاعدة من قواعد اللغة العربية . ولكن ليس هناك حاجة إلي التفسير المفضل أبعد من هذه الملاحظة التي تقوم علي الحقيقة التجريبية .ويورد ابن مضاء أمثلة في واحد من الأبواب الأخيرة من رسالته علي التمارين عديمة الجدوي التي يخضع النحويون تلاميذهم لها لمجرد أنهم يريدون أن يدربوهم علي اختراع تفسيرات أكثر تعقيداً للظواهر اللغوية، كما أننا نعلم من مصادر أخري أن النحويين يخترعون الصيغ الافتراضية لكي يستنطقوا تلاميذهم عن القواعد الصوتية . وفي مثال مبالغ فيه يسأل النحوي تلاميذه عن الصيغ المختلفة التي يمكن اشتقاقها من الفعل الذي يتكون من ثلاث همزات، ويعلق ابن مضاء علي هذا التمرين بقوله :" وهذا في مسألة واحدة فكيف إذا أكثر من هذا الفن، وطال فيه النزاع، وامتدت إليه أطناب القول، مع قلة جدواه وعدم الافتقار إليه . والناس عاجزون عن حفظ اللغة الفصيحة الصحيحة فكيف بهذا المظنون المستغني عنه ".

وهكذا يظهر أن ثورة ابن مضاء ليست سوي محاولة إصلاح محدد مستلهم من آراء ابن حزم في نفي القياس والتعليل، فرمي إلي استبعاد العوامل التقديرية والعلل الثواني والثوالث، والصيغ التمرينية غير المسموعة وأنكر منها كل ما ليس له نظير.

واضح أننا هنا إزاء رؤية ظاهرية للنحو العربي يسهل ربطها بظاهرية ابن حزم، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن ابن مضاء ألف كتابه بعد سنة 581 هـ (113)، أي زمن يعقوب المنصور الذي تولى الحكم سنة 580 هـ، والذي اشتهر بالمبالغة في الأخذ بـ"الظاهر" واعتماد الأصول وحدها، ونهى عن تقليد أحد من الأيمة القدماء، بل إنه أمر بإحراق كتب المذاهب الفقهية، وقيل في ذلك : "وكان قصده محو مذهب مالك مرة واحدة وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث" .

يمكن القول إذن إن كتاب "الرد على النحاة" لابن مضاء القرطبي يندرج، بكيفية عامة، في نفس الخط الفكري المؤسس للمشروع الثقافي لدولة الموحدين، وأنه منخرط بصفة مباشرة في حملة "يعقوب المنصور "من أجل تكريس العمل بـ"الظاهر".

بيد أنه علي الرغم من الهزة الكبيرة التي أحدثها ابن مضاء من خلال كتابه " الرد علي النحاة " في منهج النحو العربي وأدواته لما فيها من مخالفة المألوف الغالب في الدرس النحوي الذي انغمس في المنطق والفلسفة آنذاك انغماساً كبيراً، إلا أن أفكاره لم تلق الاهتمام والالتفات، وربما كان تجاهلهم بها في نظرهم هو عدم ردهم عليها، وليس في ذلك ما يثير الغرابة، طالما أن قبول نقطة الافتراق ( عن المتوارث) في الرسالة قد يساوي التخلي عن الأشياء التي يعتز بها النحويون، فبم يُعز صنيع الشيخ أدني صورة من صور التعليق أو المواجهة، غير ما كانوا يبدونه من الامتعاض من هذا الاجتراء علي أكابر النحاة والخروج علي أصولهم ومنهجهم، وقد كانت جرأة ابن مضاء معهودة معروفة بين نحاة عصره، ولذلك رد عليه ابن خروف ( ت: 609هـ) في هذا التطاول والاجتراء في كتاب سماه " تنـزيه أئمة النحو عما نسب إليهم من الخطأ والسهو " ولما بلغ ذلك ابن مضاء، اغتاظ وقال " نحن لا نبالي بالأكباش النطاحة وتعارضنا أبناء الخرفان " .

ثم لم تلبث قوة الدفع أن تلاشت مع الزمان الذي لم يمتد به كثيراً، وأخذ النحاة يعودون أدراجهم إلي مألوف درسهم، وإلي ما كانوا عليه من خلط للنحو بالمنطق، ومن أخذ بالفكر العقلي الموغل في التجريد،وتعلقوا مرة أخري بما كانوا قد ابتعدوا عنه فترة يسيرة من الزمان من مناهج أسلافهم وأسالبيهم وطرائقهم وأفكارهم الفلسفية القديمة، وتركوا آثاراً وآراء تعكس ما عادوا إلي الانغماس به علي نحو ما كان يفعل نحاة المشرق آنذاك، وهي آثار وآراء منسوبة إلي كبار النحاة الأندلسيين في ذلك الزمان كالشلوبين المتوفي سنة 645هـ وابن هشام الأنصاري المتوفي سنة 646هـ وابن الحاج المتوفي سنة 647هـ وغيرهم، وما تزال هذه الآثار والآراء ماثلة في كتب النحو بين أيدي الباحثين حتي الآن .

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة نود مناقشتها قبل أن ننهي هذه المقالة، وهي تتعلق بالعلاقة بين نكبة ابن رشد وابن مضاء، فمن المعروف أن ابن مضاء كان كما ذكرنا قاضيا للقضاة (بمثابة وزير العدل) وهو المنصب الذي استمر فيه على عهد يعقوب المنصور إلى أن توفي سنة 592 هـ. ونحن نعرف أن حملة هذا الأخير على الفلسفة والفلاسفة قد بدأت قبل وفاة ابن مضاء بوقت طويل، ونعلم أيضاً أن المؤامرة على " ابن رشد "، قد بدأت بشكل علني عام 591 هـ، ونعلم ثالثاً أن محاكمة ابن رشد قد تمت في السنة نفسها التي توفي فيها ابن مضاء أو بعدها بقليل .

وإذن فالسؤال الذي يطرح نفسه أولاً هو: كيف كانت علاقة ابن مضاء بالحملة على الفلسفة والفلاسفة عموما وبنكبة ابن رشد خصوصاً؟ إن ما يفرض طرح هذا السؤال كما يقول الدكتور " محمد عابد الجابري"، هو كونه كان قاضياً للقضاة، وبالتالي فمن المحتمل أن يكون له دور ما في تلك الحملة والنكبة لأنه هو "المرجع" الذي يعتمد عليه الخليفة في مثل هذه الأمور. وهذا السؤال وإن كان لا يملك ما يسمح لنا حتى باقتراح فرضية بشأنه، إلا أنه كان ذلك يمثل أحد وجهي القضية التي تطرح نفسها على الباحث بخصوص العلاقة التي يمكن أن تكون بين نكبة ابن رشد وبين ابن مضاء بوصفه قاضي الجماعة أيام تلك النكبة. أما الوجه الآخر فيخص هذه المرة العلاقة بين كتاب ابن مضاء في "الرد على النحاة"، وكتاب ابن رشد "الضروري في النحو". وما يبرر طرح هذه المسألة هو أن الرجلين عاشا متعاصرين (ولد ابن مضاء قبل ابن رشد بأربع سنوات فقط وتوفي قبله بثلاث لا غير)، وقد عملا معاً منذ شبابهما في بلاط الموحدين؛ خصوصاً مع يوسف بن عبد المؤمن وابنه يعقوب المنصور، وقد توليا في عهدهما منصب القضاء في بعض المدن ثم منصب قاضي القضاة الخ. وأكثر من ذلك – وهذا ما يهمنا هنا أكثر- ألف كل منهما كتاباً في النحو، وقد أراد كل منهما بكتابه تبسيط النحو العربي وتيسيره -وإن كان ذلك من جهتين مختلفتين تماماً. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا سؤال مضاعف: فمن جهة لماذا لم يشر أي منهما، لا من قريب ولا من بعيد، إلى كتاب الآخر، مع أنهما يشتركان في الهدف وإن اختلفا في المنهج والرؤية؟ ثم أي منهما أسبق من صاحبه إلى تأليف كتابه؟ ذلك لأنه إذا كنا نعلم أن ابن مضاء قد ألف كتاب "الرد على النحاة" بعد سنة 581 هـ، أي زمن يعقوب المنصور، فإننا لا نعلم شيئا عن تاريخ تأليف ابن رشد لـ "الضروري في النحو" .

وهنا يقول الدكتور الجابري :" ... يمكن أن نرجع سكوت كل منهما عن صاحبه بكونهما ينتميان، على صعيد كتابيهما على الأقل، إلى بعدين مختلفين في المشروع الثقافي الموحدي: بعد يرتبط بظاهرية ابن حزم على مستوى العقيدة والشريعة، وإلى هذا البعد ينتمي ابن مضاء كما بينا، وبعد يرتبط بفكر أرسطو على مستوى المنطق والعلوم العقلية، وإلى هذا ينتمي ابن رشد كما هو معروف. وهو يرتبط بأرسطو في كتابه "الضروري في النحو" ليس على صعيد ما يسمى بـ "تأثير المنطق الأرسطي في النحو العربي"، بل صعيد منهج التأليف العلمي. أما ارتباطه بالموحدين في هذا الكتاب كما في كثير من كتبه فلم يكن فقط على مستوى "السياسة الثقافية" فحسب، بل أيضا على مستوى الاستجابة للطلب .

إن "ابن رشد" يصرح في كتابه هذا –كما فعل في كتب أخرى- أنه ألف كتابه هذا تلبية لأمر صدر به إليه من أحد أمراء الموحدين، لا يذكر اسمه ولكن يقول عنه إنه هو الذي "أرشد الغاية التي بها استقام نحو هذا النظر وجرى في هذا المسلك"، بمعنى أنه هو الذي اقترح عليه تأليف كتاب في النحو على الطريقة التي سلكها فيه" .

ويفهم من سياق كلام ابن رشد أن "الغاية" التي طلِب منه تحقيقُها بكتابه هذا هي ما أفصح عنه في مقدمته، حيث كتب يقول: "الغرض من هذا القول أن نذكر من علم النحو ما هو كالضروري لمن أراد أن يتكلم على عادة العرب في كلامهم ويتحرى في ذلك ما هو أقرب إلى الأمر الصناعي وأسهل تعليما وأشد تحصيلا للمعاني"، وإذن فالغاية هي تأليف كتاب في النحو على الطريقة العلمية التي تراعي تنظيم مسائل العلم تنظيما منطقيا يصير به "أسهل تعليما وأشد تحصيلا للمعاني".

الكتابان، كتاب ابن مضاء وكتاب ابن رشد، تجمع بينهما الغاية وهي تيسير النحو العربي، ولكن تفرق بينهما الطريقة والمرجعية : ابن مضاء يتحرك داخل بنية النحو العربي، كما كانت منذ سيبويه، مع "إسقاط كل ما لا يفيد نطقا"، الشيء الذي يربطه بظاهرية ابن حزم. أما ابن رشد فيريد أن يعيد بناء النحو العربي وفق "الترتيب" الذي هو "مشترك لجميع الألسنة"، وهو في هذا ينطلق من مشكاة أبو نصر الفارابي الداعي إلي خصوصية العلاقة بين اللغة والفكر في وحدة لا تتجزأ، أو لا تفصم عراها.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

إن إشتراطية صفة القرشية عند الأشاعرة، أصبحت موضع إرتباك. وذلك لإختلافهم في الإعتبار بها كصفة أساسية للإمام. والأصل في هذا الخلاف يرجع إلي توظيف مفهوم الحديث المشهور:«الأئمة من قريش».

إلا أن هذا الحديث، أصبح محطة إشكال لدي الدارسين حول إشكالية صفة القرشيّة للإمام عند الأشاعرة.

فالإمام الباقلاني [ت:403ھ/1012م] ذكر أن النسب القرشيّ هو شرط أساسيّ للإمام حيث قال:«وأن يكون قرشيّا من الصميم»[1].

لكن هذا الرأى مخالف لما نقل إبن خلدون عنه ، حيث أشار إلى إعتبار الباقلاني في ذلك « لما أدرك عليه عصبية قريش من التلاشي والإضمحلال، واستبداد ملوك العجم من الخلفاء فأسقط شرط القرشية وإن كان موافقا لرأي الخوارج لما رأى عليه حال الخلفاء لعهده»[2].

ويظهر لي أن الباقلاني غيّر إجتهاده الأول في إعتبار النسب القرشيّ، بناء على ذهاب العصبية القريشية؛ لأنه عاش في عصر إضمحلال الخلافة العباسية، وذهاب شوكتها وقوتها وعصبيتها، وخاصة عند تولى سلاجقة الأتراك زمام الحكم.

أما الإمام الماوردي، فأكّد الصفة القرشيّة، حيث إعتبرها ضمن الشروط اللازمة على الإمام «وهو أن يكون من قريش، لورود النص فيه، وإنعقاد الإجماع عليه، ولا إعتبار بضرار حين شذ، فجوزها في جميع الناس»[3].

الإمام الجويني[ت:478ھ/1085م] ضعّف الحديث من جهة دلالته وإفادته بالقطع. حيث إعتبره من الأحاد المحفوفة بالظن فقال:«والذى يوضح الحق في ذلك، أنا لا نجد من أنفسنا ثلج الصدر واليقين المبتوت بصَدَر هذا من فَلْقٍ فى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما لا نجد ذلك في سائر أخبار الآحاد، فإذًا لا يقتضى هذا الحديث العلمَ بإشتراط النسب فى الإمامة»[4].

بيّن الدكتور عبد العظيم الديب، محقق كتاب«الفياثى غياث الأمم فى التّياث الظّلم» للجويني، رأي الإمام الجويني حول هذا الشرط فقال:«وهكذا يقف إمام الحرمين تجاه إستراط النسب في الإمام، فلا يرى له مستندا من النقل، ولا من العقل. ولكنه يعود فيحاول أن يرجع ذلك إلى ماجرى عليه الواقع والإتفاق. وكأنه رضى الله عنه متردد فى تأكيد هذا الشرط. بل قد أعلن تردده صراحة في كتابع الإرشاد[5].

وعبارته في كتاب الإرشاد هي:« ومن شرائط الإمامة عند أصحابنا- يعنى الشافعية- أن يكون الإمام قرشيا إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الإئمة من قريش"وقال:"قدموا قريشا ولا تقدّموها" وهذا مما يختلف فيه بعض الناس. وللإحتمال فيه عندى مجال[6].

أما الإمام الإيجى[ت:756ھ/1355م] فأشار وجود خلاف بين العلماء حول النسب القرشيّ للإمام، إلا أنه مال إلى الإعتبار به، مستدلا بحديث «الإئمة من قريش». كما إستدل أيضا عمل الصحابة، بحيث عملوا في مضمونه وأجمعوا عليه فصار قاطعا[7].

الأمدى[ت:631ھ/1233م] ذهب إلى الإشتراط بالنسب القرشيّ، وأستدل بحديث« الأئمة من قريش»،بل أكد أن الأمة«تلقته بالقبول حيث أجمعوا على إشتراط القرشية، ولم يوجد له نكير؛ فصار إجماعا مقطوعا به، ولولا إنعقاد الإجماع على ذلك، لكان هذا الشرط في محل الإجتهاد نظرا إلى أنه ...أخبار آحاد لا تفيد اليقين مع إمكان تأويلها»[8].

تحقيق صفة القريشيّة للإمام عند الأشاعرة:

الدارس لآراء أئمة الأشاعرة حول إشتراط النسب القرشيّ للإمام، يجد ضعف هذا الشرط، ويظهر هذا الضعف للناظر إلى كلام متكلمي الأشاعرة، وخاصة كلام الباقلاني، والجويني، والأمدي، حيث إعتبروا أنه من الأخبار الظنية التى لا تفيد اليقين.

وعلى هذا يبدو أن إشتراطيّة الصفة القريشية، وكأنها شرط أملاه الواقع السياسي التاريخي، أكثر من إستناده إلى أدلة يقينية قاطعة. بل أكثر ما إعتٌمد عليه هو أخبار آحادية ظنية كما قال الأمدى:«لاتفيد اليقين مع إمكان تأويلها»[9].

وقد حقق الدكتور عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي- محقّقٌ كتاب «تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك» لنجم الدين إبراهيم بن علي الطرطوسي الحنفي [ت:758ھ/1365م]، - إشكالية إشتراط النسب القريشيّ للإمام ، حيث درس الحديث«الأئمة من قريش»، وعلله من عدة أوجه:

أولا: ظنّية حديث القرشيّة ومعارضته بالقرآن:

رغم كون هذا الحديث صحيحاً من جهة السند، إلا أن ظنيّة آحادية تحيط به من كل جانب. وهي مخالفته للقرآن الكريم في مقياس الأفضلية بين الناس بحيث أشار القرآن أن الأفضل عندالله هو الأتقي، كما في قوله تعالى:﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾[الحجرات:13].

كما يخالف أيضاعلى أحاديث آحاد مثله، تؤكد المساواة المسلمين ذمما ودماء[10]، مثل ما روي أبو نضرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:« يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّ رَبّكُمْ وَاحِد، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِد، أَلا لافَضْل لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيّ وَلا لأسْوَد عَلَى أَحْمَر إِلا بِالتَّقْوَى،خَيْركُمْ عِنْد اللَّه أَتْقَاكُمْ»[11].

ثانيا: عدم إحتاج أبي بكر الحديث يوم سقيفة:

ويدل أيضا ضعف إشتراطية صفة القرشية للإمام، أنه لم يرد من أبي بكر أي إستشهاد لهذا الحديث منه يوم السقيفة، والقول بأن أبا بكر إستشهد يوم السقيفة غير صحيح، حيث لا تؤيده الروايات الثابتة منه، بل لم يقع ذكر الحديث في أي مرة أنتخب فيها خليفة راشدة، كما هو الصحيح . وما أدعي كذلك من إجماع الصحابة على اشتراط القرشية غير صحيح، ينقضه رفض سعد بن عبادة الصحابي الجليل مبايعة أبى بكر، وعمر، وإصراره على ذلك إلى أن توفي، وليس في عنقه بيعة لأحد من الخلفاء الراشدين[12].

وقد ردّ العلامة المجتهد صالح بن مهدى المقبلي القول باشتراط النسب القرشيّ للإمام حيث قال:« وأما ما يدعونه من إجماع الصحابة على إعتبار المنصب فغير صحيح، غير أنها مسـألة فيها رائحة الرئاسة، لا يقبل الرؤساء فيها إلا ما وافق أهويتهم، والذي وقع من الصحاية تولية قرشيّ، ولم يذكر أحد منهم أن ذلك شرط، والذي في كلام أبي بكر أن ذلك أقرب إلى تمام إجتماع العامة، وهذا ليس بإشتراط، ولا يلزم من هذا العلّة الإشتراط»[13].

ثالثا: توظيف شبهة سياسيّة قرشيّة:

إن مما يدل ضعف هذا الحديث هو غضب معاوية في حديث الزهري الذي أخرجه البخاري وعلى هذا يعتبر هذا الحديث توظيفا لشبهة سياسية قرشية أموية. وهذا الحديث أخرجه البخاري،عَنْ الزُّهْرِيِّ أنه قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَلَغَ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ عِنْدَهُ فِي وَفْدٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَانَ فَغَضِبَ فَقَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يُحَدِّثُونَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلاَ تُوثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأُولَئِكَ جُهَّالُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَالْأَمَانِيَّ الَّتِي تُضِلُّ أَهْلَهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :«إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لاَ يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلاَّ كَبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ» تَابَعَهُ نُعَيْمٌ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ [14].

وعلى هذا فغاية ما يفيد حديث "الأئمة من قريش" أنه خبر محض عن الواقع، كما أشار إليه العلامة المجتهد صالح بن مهدى المقبلى[15].

ويؤيد ذلك الروايات الأخرى، المتفق عليها كرواية «الناس تبع لقريش فى هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم». ورواية مسلم«الناس تبع لقريش في الخير والشر».«فلا يقول أحد:إن هذا الخبر الوارد هو معنى الأمر»[16].

رابعا: ضعف الحديث من جهة المدلول:

للحديث له مطعن آخر من حيث المدلول، وهو إن كانت الإمامة لقريش، فإن بني هاشم أولي بها من بطون قرشي، وفي آل البيت أولي من بطون من بنى هاشم، إعتماداً على حديث آخر صحيح، وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم، «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». وهذا قول الشيعة في إطار الإطراد العقلي المنطقي الذي تؤيده النصوص الآحادية الصحيحة، وفضل آل البيت المنصوص عليه بالأدلة القطعية في القرآن الكريم[17].

خامسا: معارضة الحديث لأحاديث آخر:

إن حديث:«الأَئِمَةُ مِنْ قُرَيْش» يعارض نصوصاً نبوية أخرى صحيحة وردت متأَخرة عليه في حجة الوداع، مثل حديث الأمر بالسمع والطاعة ولو لحبشي [18]. وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي[19].

كما يخالف على ما ورد في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع عن المساواة بين المسلمين؛ وبناء على ذلك، يكون الإشتراط على النسب القرشي في الإِمامة منسوخاً على أقل تقدير.

وهذه الظنية المحيطة بالحديث، والآخذة بتلابيبه من كل جهة، جعلت متأخري الحنفية وعلى رأسهم، نجم الدين الطرسوسي، يعتبرون الأصل في سياسة الحكم والتصدر لقيادته، المساواة المطلقة بين المسلمين، وإن لم يصرحوا بضعفه أو بنسخه[20] .

سادسا: تناقضه مع الواقع:

إن إعتبار حديث«الأَئِمَةُ مِنْ قُرَيْشٍ» في الواقع صحيحاً وغير منسوخ، قد أربك الإجتهاد الفقهي في الموضوع طيلة التاريخ السياسي، ومنذ سقوط الخلافة إلى الآن.

فالإمام النووي مثلا يقول في كتابه روضة الطالبين حول هذه الإشكالية «: فإن لم يوجد قرشي مستجمع الشروط فكناني، فإن لم يوجد فرجل من ولد إسماعيل، فإن لم يكن فيهم مستجمع الشرائط ففي«التهذيب» أنه يولى رجل من العجم، وفي« التتمة» أنه يولى جرهمي، وجرهم هم أصل العرب»[21].

أما في العصر الحديث، فتجد من المعاصرين من يجمع بين متناقضين مثل صحة الحديث وعدم وجوب العمل به، كالشيخ محمود شاكر، حيث قال:« أما وقد توزعت قريش في الأمصار، وكثر الأدعياء وكل أهمل ما عليه، وتراخى في دينه، وتهاون في مقتضى أوامره، فالأمر عام بين المسلمين يتفاضلون بالتقوى»[22].

هذا وعقّب الدكتور عبد الكريم محمد مطيع كلام الشيخ محمود شاكر، بحيث إعتبر إجتهاده بأنه غير مبني على أي دليل فقهي أو أصوليّ معتبر، سوى أنه دليل للمصلحة المرسلة التي لا ترد بها الأحاديث الصحيحة. وهو من أوهن الأدلة وأضعفها، كما أنه بذلك يتبنى رأي الخوارج بدون دليل. وهو نفس موقف نجم الدين الطرسوسي من قبله مؤلف«تحفة الترك»، حيث لم يشترط القرشية، ولم يبين أن عدم اشتراطها للضرورة، ولم يبين لماذا أجاز التحلل من مقتضيات الحديث «الأَئِمَةُ مِنْ قُرَيْشٍ»[23].إنتهي بتصرف.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد

.......................

[1] - الباقلانى، التمهيد، دار الفكر العربى بيروت، لبنان، (بدون رقم الطبعة والتاريخ) ص 181 .

[2] - ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار إحياء التراث العربي ييروت لبنان،ط4/(بدون التاريخ)194.

[3] - الماوردى، الأحكام السلطانية، والولايات الدينية تحقيق، خالد عبد اللطيف السّبع العلميّ دار الكتاب العربي بيروت، لبنان، ط1/ 1410ھ/1990م ،ص32.

[4] - الجوينى، الغياثى غياث الأمم فى التياث الظلم، تحقيق د/ عبد العظيم الديب كلية الشريعة، جامعة قطر، ط2/ 1401ھ /1981م، ص80 .

[5] - المصدر السابق، ص 82 .

[6] - الجويني، كتاب الإرشاد، إلى قواطع الأدلة في أصول الدين،تحقيق، أسعد تميم، مؤسسة الكتب الثقافية بيروت، لبنان،ط1/1405ھ/1985م، ص359.

[7] - الإيجى، المواقف فى علم الكلام، عالم الكتب، بيروت لبنان،(بدون رقم الطبعة والتاريخ) ص289 .

[8] - الأمدى، إبكار الأفكار فى أصول الدين، تحقيق أ.د. أحمد محمد المهدي، دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، 1423ھ ، 2002م،ج5/192-193.

[9] - المصدر السابق ج5/ 193.

[10] - الطرطوسى نجم الدين إبراهيم بن علي. تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك، تحقيق، عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي، ط/2(بدون التاريخ) ص 18

[11] - ابن حجر العسقلاني، فتج الباري بشرح جامع صحيح البخاري ، باب قول الله تعالى﴿ياايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، (الحجرات:[13] دارإحياء التراث العربي بيروت، لبنان، ط4/1408ھ/1988م ج10/ص290

[12] - الطرطوسى ، تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك، تحقيق،عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي، ط/2 (بدون التاريخ) ص18

[13] - المصدر السابق، ج2/ص464.

[14]- ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح جامع صحيح البخاري ، كتاب الأحكام، باب الأمراء من قريش، دارإحياء التراث العربي بيروت، لبنان، ط4/1408ھ/1988م ج10/ ص155.

[15] - المقبلى، صالح بن مهدى، المنّار فى المختار من جواهر الزخار، مؤسسة الرسالة بيروت، لبنان، ومكتبة الجيل الجديد، صنعاء، اليمن، ط1/ 1408ھ 1998 ج2 ص 464.

[16] - المصدر السابق، ج2 ص 464.

[17] - الطرطوسى ،تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك، تحقيق،عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي، ط2/(بدون رقم الطبعة والتاريخ) ص 18

[18] - المصدر السابق، ص18

[19] - المباركفوري، أبي يعلى، محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترميذ، الصحيح، باب ما جاء الأخذ بالسنة واجتناب البدع ، تصحيح عبدالرحمن محمد عثمان، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع(بدون رقم الطبعة والتاريخ)، ج7/ص439.

[20] - الطرطوسى، تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي ط2/(بدون رقم الطبعة والتاريخ) ص19

[21]- النووي ،روضة الطالبين وعمدة المتقين، تحقيق، الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ على محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط3/1427ھ/2006م،ج7/ص263

[22] - شاكر، محمود، الخلافة والإمارة ص 140. نقلا عن: الطرطوسى . تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك ، تحقيق، عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي ط2/ (بدون التاريخ)، ص18.

[23] - الطرطوسى،. تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك، نحقيق، عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي،ط2/(بدون رقم الطبعة والتاريخ) ص18.

 

 

أولا: حفظ أصول الدين:

«إن الشبهات التى وقعت فى آخر الزمان هى بعينها

تلك الشبهات التى وقعت فى أول الزمان» الشهرستاني

أ- دفع شبهات الزائغين عن أصول الدين(العقيدة):

يجب على الإمام أن يرد شبهات الزائغين عن أصول الدين؛ لأن مؤثرات شبهات الدين تتقارب في كل زمان، بحيث« إن الشبهات التى وقعت في آخر الزمان هي بعينها تلك الشبهات التي وقعت في أول الزمان، كذلك يمكن أن نقرر في زمان كل نبيّ، ودور كل صاحب ملة وشريعة: أن شبهات أمته فى آخر زمانه؛ ناشئة من شبهات خصماء أول زمانه من الكفار والملحدين، وأكثرها من المنافقين، وإن خفى علينا ذلك في الأمم السالفة لتمادى الزمان، فلم يخْفِ في هذه الأمة أن شبهاتها نشأت كلها من شبهات منافقي زمن النبي صلى الله عليه سلم. إذ لم يرضوا بحكمه فيما يأمر وينهى، وشرعوا فيما لا مسرح للفكر فيه ولا مسرى. وسألوا عما منعوا من الخوض فيه والسؤال عنه، وجادلوا بالباطل فيما لا يجوز الجدال فيه»[1].

فشبهات الدين التي يجب على الإمام دفعها -حسب رؤية الجويني- تنقسم إلى قسمين: قسم يوصل صاحبها إلى حد الردة والتكفير أو توجب التبديع والتضليل. وقسم لا يوصل صاحبها إلى الردة والتضليل. فإن كانت الشبهة توصل إلى حد الردة والتكفير، أُسْتُتِيْبَ، فإن تاب قبل توبته. فإن أبى واستمر وأصرّ على ذلك قتله الإمام بضرب عنقه. غير أنه إن تاب، لكنه فيه تهمة الإتقاء مع الإنطواء على نقيض ما أظهره من التوبة، فقد أحال الجويني القول فيها إلى فروع الدين[2].

أما إذا كانت الشبهة لا تصل إلى حد الردة والتكفير، بل هي توجب التبديع والتضليل« فيتحتم على الإمام المبالغة في منعه ودفعه، وبذل كنه المجهود في ردعه، ووزعه؛ لإنّ ترْكه على بدعته وإستمراره في دعوته يخبط العقائد، ويخلط القواعد، ويجر المحن ويثير الفتن، ثم إذا رسخت البدع في الصدور، أفضت إلى عظائم الأمور، وترقّت إلى حَلِّ عصام الإسلام »[3].

غير أن الإمام الجويني لم يذكر ضوابط الشبهة التي تؤدي إلى التكفير والردة، أو التي توجب التبديع والتضليل. بل أشار صعوبة هذا الضابط، إذ الوصول إليه هو«طمع فى غير مطمع فإن هذا بعيد المرك متوعر المسلك، يستمد من تيار بحار علوم التوحيد، ومن لم يحط بنهايات الحقائق، لم يتحصل في التكفير على وثائق، ولو أوغلت في جميع ما يتعلق به أطراف الكلام في هذا الكتاب، لبلغ مجلداتٍ ثم لا يبلغ منتهى الغايات»[4].

هذا وإن كان أهل الشبهة جماعة، وشاعت الأهواء وذاعت وتفاقم الأمر وأستمرت المذاهب الزائغة وأشتد المطالب الباطلة، فإن إستطاع الإمام، أن يمنعهم، لم يأل فى منعهم جُهْدًا. بل يجعل ذلك شوفه الأعظم، وأهم شغله؛ لأن الدين أحرى بالرعاية وأولى بالكلاءة وأخلق بالعناية وأجدر بالوقاية وأليق بالحماية..... هذا إذا كان الإمام مقتدرا على صدّ الممتنعين المبتدعين. أما إذا تفاقم الأمر وفات إستدراكه وعسرت مقامةُ ومصادمة ذوى البدع والأهواء، وغلب على الظن أن مسالمتهم ومتاركتهم وتقريرهم على مذاهبهم فله أن يفعل. وذلك خشية أنه«لو جاهرهم لتألَّبُوْا وتأشبوا، ونابذوا الإمام مكاوحين، مكافحين وسلُّوا أيديهم عن الطاعة، لخرج تدارك الأمور عن الطوق والإستطاعة، وقد يتداعى الأمرُ إلى تعطيل الثغور في الديار، وإستجْراء الكفار، فإن كان كذلك، لم يظهر ما يخْرَقُ حجاب الهيبة، ويجر منتهاه، عسْراً وخيبة»[5].

إلا أنّ الأمرَ لا يتوقف إلى هذا الحد، بل يشدّ الإمامُ عزائمَهُ، وصرائمه، ويتربّص بهم الدوائر، حتى« يستأسل رؤساءَهم، ويجتثّ كُبَرَاْءَهُمْ، ويقطع بلطف الرأي عُدَدَهُمْ، ويبدد في الأقطار المتباينة عدَدَهُمْ، ويحْسِمَ عنهم على حسب الإمكان مدَدَهُمْ، ويعمل بمغمضات الفكر فيهم سبل الإيالة»[6].

ب- دعوة الكافرين والجاحدين إلى إلتزام الحق المبين:

يجب على الإمام دعوة الكافرين والجاحدين إلى إلتزام الحق، بحيث يستعمله بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة في الدعوة إلى دين الحق، وسبيل الدعوة إلى دين الحق عند الجوينى يأخذ مسلكين:

* الأول: الحجة و إيضاح المحجة.

* الثاني: الإقتهار بغرار السيوف وإيراد مناهل الحتوف على الجاحدين والكافرين.

هذا ويرى الجوينى أنه إن بلغ الإمامَ تشوفُ طوائف من الكفار إلى قبول الحق لو وجدوا مرشدا، أن يرسل إليهم من يستقل بهذا الأمر من علماء المسلمين، وينبغي أن يختار لهم شخصا فطنا لبيبا، بارعا أريبا، متهدّيا أديبا ينطق على عرفانه بيانُه، ويطاوعه فيما يحاول لسانُه، ذا عبارة رشيقةٍ، مشعرة بالحقيقة، وألفاظ رائعة مترقِّية عن الركاكة، منحطة عن التَعَمُقِ وشوارد الألفاظ، مطبَّقَةٍ مفْصَلَ المعنى من غير قصورٍ ولا ازدياد. وينبغى أن يكون متهدّيا إلى التدرّج، إلى مسالك الدعوة، رفيقا مَلِقاً، شفيقا، خرّاجا ولاّجاً، جدِلا، مِحْجَاْجًا، عطوفا رحيما رءوفا. فإن لم ينجع الدعوة وظهر الحجد والنوبة تطرق إلى إستفتاح مسالك النجاح بذوى النجدة والسلاح وهذا أمر يتصل بالجهاد[7]. إنتهى بتصرف يسير.

ثانيا: حفظ فروع الدين:

يجب على الأمام أن ينظر ويتعهد على العبادات التى تشكل شعارا ظاهرا فى الإسلام. وهى -حسب روية الجوينى- تنقسم إلى قسمين:

(الأول): قسم يرتبط بإجتماع عدد كبير وجمع غفير: كالجُمَعِ، والأعياد ومجامع الحجيج. فهذا القسم ينبغي أن لا يهمله الإمام عنه؛ لأنه إذا كثر زحام الناس قد يسبب تلك الزحام أمورا محظورة.

(الثانى): قسم لا يتعلق بالإجتماع: كالأذان وعقد الجماعات، فيما عدا الجمعة من الصلوات، فهذا القسم يقول الجوينى:« فإن عطّل أهل ناحية الأذان والجماعات، تعرض لهم الإمام، وحماهم على إقامة الشعار فإن أبوا ففى العلماء من يسوغ للسلطان أن يحملهم عليه بالسيف، ومنهم من لم يجوز ذلك. والمسألة مجتهدة فيها»[8].

أما إذا لم يكن من العبادات البدنية شعار ظاهر، فلا ينبغي للإمام أن يتطرق إليها. إلا أن ترفع إليه واقعة، فحينئذ يجتهد فيها الحكم؛ كأن يُخْبَرَ إليه أن شخصا ترك صلاة معتمدا من غير عذر، وامتنع عن قضائها. فله أن يقتل بناء على رأى الشافعي رضي الله عنه أو حبسه أو تعذيبه بناء على رآى الأخرين[9].

الأول: حفظ أحكام الدنيا:

عبّر الإمام الجويني واجبات الإمام نحو حفظ أحكام الدنيا « بإسم خطة الإسلام»،وسبيله هو الجهاد، ومنابذة أهل الكفر والعناد.

ثم قسم تلك الخطة إلى كليات وجزئيات. والكليات أيضا قسمان:« طلب ما لم يحصل، وحفظ ما حصل». أما الجزئيات فهي تنحصر في ثلاثة أقسام:

(الأول): فصل الخصومات الثائرة وقطع المنازعات والمشاجرات، وهذا يناط بالقضاة والحكام.

(الثانى): حفظ المراشد على أهل الخطة، بحيث يتم حفظها عن طريق السياسات والعقوبات الزاجرة من إرتكاب الفواحش والموبقات. وهو ما يعرف بدفع أهل البغاة والطغاة، وأهل البدع.

(الثالث): الإشراف على الضائعين بأسباب الصون والحفظ والإنقاذ لهم. وهى أيضا نوعان:

أ- حفظ من يستحق الرعاية، عن طريق الولاية. كالأطفال والمجانين الذين لاولي لهم.

ب- رعاية المحتاجين وأهل الفاقات.

1- حفظ كليات ألأحكام :

أ- حفظ ما حصل:

يقصد الجويني رحمه الله مفهوم حفظ ما حصل من «خطة الإسلام» حفظ حوزة المسلمين بالجهاد على الكفار وذلك « بإعتناء الإمام بسد الثغور.. وذلك بأن يحصِّن أساس الحصون والقلاع ويستذخر لها بذخائر الأطعمة وإصلاح المياه وحفر الخنادق، وضروب الوثائق، وإعداد الأسلحة والعتاد، وآلات الصيد، والدفع ويُرَتبُ في كل ثغر من الرجال ما يليق به. والمعتبر فى كل ثغرة أن يكون بحيث لو أتاه جيش لاستقل أهله بالدفاع عنه إلى أن يبلغ خبرهم الإمامَ، أو من يليه من أمراء الإسلام. وإن رأى أن يرتب في ناحية جندا ضخما يستقلون بالدفع لو قصدوا، ويشنون الغارات على أطراف ديار الكفار، قدّم من ذلك ما يراه الأصوب والأصلح والأقرب إلى تحصيل الغرض. والأصحُّ معولاً بعد جِدِّه، على فضل ربه لاعلى جَدَّه»[10].

كما أن على الإمام أن يحفظ المسلمين عن الحروب الداخلة التي تؤدي في الغالب التقاطع والتدابر. ويتم ذلك بمقاتلة أهل الحرابة، وقطاع الطرق، والمتصللين، والمترصدين للرفاق، حتى تنتفض البلادُ عن كل غائلة وتتمهد السبل والبلاد بالأمن والإستقرار، بإنتظام الأحكام، وينتشر الناس إلى جوائجهم، ويدرجون في مدارجهم، وتتقاذف أخبار الديار مع تقاصي المزار إلى الإمام. وتصير خِطةُ الإسلام، كأنها بمرأى منه ومسمع وتتسق أمر الدين والدنيا. فإنه لا تصفوا نعمة عن الأقذاء، ما لم يأمن أهل الإقامة والأسفار من الأخطار والأغراء. أما إذا إضطربت الطرق، وانقطعت الرِّفاق، وانحصر الناس في البلاد، وظهرت دواعي الفساد، ترتب عليه غلاء الأسعار، وخراب الديار، وهواجس الخطوب الكبار، إذ الأمن والعافية هما قاعدتا النعم، كلها، ولا يهنأ بشيء منها دونها. لذا، ينبغي أن يؤكل الإمام في حفظ إستقرار البلاد على« الذين يخفّون، وإذا حزَبَ خطبٌ لا يتواكلون، ولا يتجادلون، ولا يركنون إلى الدعة والسكون، ويتسارعون إلى لقاء الأشرار، كبدار الفراش إلى النار»[11].

ب- طلب ما لم يحصل:

يقصد الجويني«طلب ما لم يحصل» إقامة الجهاد. وهو عنده من أمور الكليات، ويقوم على دعامتين:

أ- الدعوة المقرونة بالأدلة والبراهين، ويقصد منها إزالة الشبهات، وإيضاح البينات في الدعوة إلى الحق بأوضح الدلالات.

ب- الدعوة القهرية المؤيدة بالسيف المسلول على المارقين، والكفار، والمعاندين الذين أبوا وأستكبروا بعد وضوح الحق المبين... فيجب وضع السيف فيهم ،حتى لايبقى إلا مسلم أو مسالم. [12]

هذا وقد إنتقد الجويني على بعض الفقهاء الذين يرون أن الجهاد فرض كفاية، وأنه يجب فى السنة مرة واحدة، حيث إعتبر هذا القول ذهولا عن التحصيل بالمقصود بل«يجب إدامة الدعوة القهرية فيهم على حسب الإمكان، ولا يتخصص ذلك بأمد معلوم فى الزمان »[13].

ومن جهة أخري يري الإمام الجويني أن حالة الجهاد تخضع لظروف المسلمين قوة وضعفا. وعلى هذا« فلو إستشعر الإمام من رجال المسلمين ضعفا، ورأى أن يهادن الكفار عشر سنين ساغ له ذلك، فالمتبع في ذلك الإمكان لا الزمان»[14]. ومن هذا الباب يمكن أن يُحْمَلَ كلام بعض الفقهاء، بأن الجهاد فرض كفاية، وأنه يجب في كل سنة مرة، على الأمر الوسط فى غالب العرف[15].

حفظ جزئيات الأ حكام:

أ- نصب القضاة لإقامة الحدود والعقوبات والتعزيرات:

يري الإمام الجويني أن تنفيذ الحدود والتعزيرات مفوضة إلى الائمة، ونوابهم. فالحدود إن كانت تتعلق في حق أدمى خالص كالقصاص في النفس والأطراف، فليس لمستحقيه إستيفاؤه دون الرفع إلى السلطان.

فالتعزيرات: منها ما يكون حقا لآدمى يسقط بإسقاطه ويستوفى بطلبه. ومنها ما هو حق لله تعالى فلا يسقط عليه لإرتباطه في حق الله تعالى. ثم إن رأى الشافعى رحمه الله أن التعزيرات لا تتحتّم كتحتّم الحدود فإن الحدود إذا ثبتت فلا خيرة فى درْئها ولاتردد فى إقامتها. أما إقامة التعزيرات فهي مفوضة إلى رأى الإمام. فإن رأى التجاوز والصفح تكرما فعل، ولا معترض عليه فيما عمل. وإن رأى إقامة التعزير تأديبا وتهذيبا فرأيه المتبع وفى العفو والإقامة متسع[16].

ب- ردع أهل البغي والطغاة:

إن ردع أهل البغي والطغاة، ودفعهم عن البلاد التى سيطروا عليها، يتطلب أولا تقديم العذر والإنذار عليهم. علاوة على ذلك، فإنه ينبغي أن يبحث الإمام في طلبهم وما نقموا منه بحيث يكشف لهم شبهاتهم ، وحيدهم عن الحق والصواب، رجاء إمكان رجوعهم عن التمرد والعصيان، فإن أبوا آذنهم بعد ذلك الحرب والقتال [17].

إن أهل البغي- حسب رؤية الجويني- يدخل قطاع الطرق والراصدين والمجاهرين بالأسلحة. ويدخل أيضا كل من إمتنع عن الإستسلام للإمام الحق، والإذعان لجريان الأحكام. وعلى هذا فالمتمردون إذا لم يكونوا معهم شوكة ومنعة،أجْبِرَ على الطاعة وموافقة الجماعة. فإن أبوا صدمهم الإمام بشوكة تَفُضُّ صدمهم وتفل منعتهم[18].

هذا وقد أردف الجويني القول في دفع أهل البغاة والطغاة، صنفا أخر سماهم أهل البدع. فإن كوّنوا تجمعا، دعا الإمام إلى قبول الحق. فإن أبوا زجرهم ونهاهم عن إظهار البدع والخالفة. فإن امتنعوا عن قبول الطاعة، قاتلهم كمقاتلة البغاة. وهذا يطرد في كل جمع يعتزون به. فإن ضمن أهل البدع للإمام بعدم إظهار البدع، ثم علم الإمام أنهم سيبثون دعوتهم سرّا إلى عامة الخلق، تقدّم الإنذار أليهم. فإن تمادوا إلى غيّهم، فحينئذ يحرص الإمام أن يفل شوكتهم، ثم يعزر كل من إتبع سبيلهم.

فإن تمادوا على عصيّهم، وأبدوا صفحة الخلاف وتميزوا عن الجماعة وتجمعوا للخروج عن ربط الطاعة، نصب عليهم القتال إذا أمتنعوا عن الطاعة. وإن علم أنهم لكثرتهم وعظم شوكتهم لا يطاقون، فالقول فيهم كالقول في البغاة والطغاة. فإذا إستفحل فيهم شأنُهم وتمادى زمانُهم، وغلب ظن الإمام، أنه لو صادفهم ودافعهم بمن معه لاصطلم البغاةُ أتباعَهُ وأشياعه، ولم يستفذ بلقائهم إلا فرط عنائه وأستئصال أو ليائه، فالأولى أن يداري ويستعد جهده ، فإن سقطت قوته كليا سقطت طاعته[19].

ج- الإشراف على الضّائعين:

قسم الجوينى أهل الضياع إلى أصحاب الولايات، وإلى أصحاب الحاجات والفاقات.

أولا: .أهل الولاية:

فالسلطان ولي من لاولي له من الأطفال والمجانين. وهي تنقسم إلى ولاية إنكاح، وولاية حفظ للأموال والأنفس

ثانيا: رعاية المحتاجين:

إن سدّ حاجات المحتاجين تعتبر من أهم وظائف الإمام. ومن أهم الموارد التى يمكن سدّ الحاجات هي موارد الزكاة . فإن تفاقمت الأزمات وكثر القحط والجدب، بحيث لايكفي أقدارُ الزكاة في سداد مبالغ الحاجات، - بسبب غلاء الأسعار- ينبغي على الإمام أن يحثّ على الأمة بالموعظة الحسنة لأداء ما فرض الله عليهم من الزكاة. فإن قصر ذلك عن سداد حاجة المحتاجين فعلى الإمام« أن يجعل الإعتناء بهم من أهمّ أمرٍ فى باله، إذ الدنيا بحذافيرها لاتعدل تضرر فقير من فقراء المسلمين في ضرٍ. فإن إنتهى نظر الإمام إليهم رمّ ما أسترمّ من أحوالهم من أهل الموسر»[20].

الثاني: إعداد القوة والنجدة:

يرى الإمام الجوينى أن على الإمام تنظيم القوة العسكرية وإعداد الجنود والعساكر لأجل« حراسة البيضة وحفظ الحريم والتَشَوُفْ إلى بلاد الكفار»[21].

وعلى هذا ينبغي أن يكون الجنود بصفة رسمية معقودة مجندة، وعساكر مجردة ،بحيث يسرعون للإنتداب حين نُدِبُوا إلى عزائم الأمور الجامعة. وهم المتفرّغون لحماية بيضة الإسلام ولا يشغلهم عن ذلك أيُّ غرض من أغراض الدنيا كالتجارة والعمارة. وقد سماهم الجويني الجنود المتفرغة في حفظ خطة الإسلام«بالمرتزقة»[22].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد ابراهيم

......................................

[1] - الشهرستانى، الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار الفكر بيروت، لبنان،(بدون رقم الطبعة والتاريخ) ص19.

[2] - الجوينى، الفياثى غياث الأمم فى التياث الظلم، تحقيق د/ عبد البعظيم الديب كلية الشريعة جامعة قطر، ط2/1401ھ‘ ص184-185.

[3] - المصدر السابق، ص185.

[4] - المصدر السابق‘ص 186.

[5] - الجوينى ، الفياثى غياث الأمم فى التياث الظلم، تحقيق د/ عبد البعظيم الديب، كلية الشريعة جامعة قطر، ط2/1401ھ/ 1981م ص187-188.

[6] - المصدر السابق، ص188

[7] - المصدر السابق، ص195-196.

[8] - المصدر السابق، ص198-200.

[9] - المصدر السابق، ص 200.

[10] - المصدر السابق، ص211-212.

[11] - المصدر السابق، ص212-213.

[12] - المصدر السابق، ص 206-207

[13] - المصدر السابق، ص207-208.

[14] - المصدر السابق، ص 208

[15] - المصدر السابق، ص 208

[16] - المصدر السابق، ص217-218.

[17] - المصدر السابق‘ص 214.

[18] - المصدر السابق‘ص 214-215.

[19] - المصدر السابق‘ص215-216.

[20] - المصدر السابق، ص233.

[21] - المصدر الساتبق، ص240.

[22] - المصدر السابق، ص241.

 

 

إن وجوبيّة نصب الإمام هو أمر مسلّم عند الأشاعرة والإماميّة. بل ليس هناك خلاف في وجوبها بين الفرق الإسلامية، إلا ما نقل عن أبي بكر بن كيسان الأصم[ت:240ھ/854م]، وهشام بن عمرو الفوطي من المعتزلة، والنجدات من الخوارج. قال ابن حزم الظاهريّ في وجوبيّة الإمامة «إتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج، على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الإنقياد لإمام عادل يُقِيْمُ فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة، التي آتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حاشا النجدات من الخوارج»[1].

إحتج أبوبكر الأصم لرده في وجوب الإمامة على أن الناس لو كفّوا عن التظالم لاستغنوا عن الإمام. أما هشام بن عمرو الفوطي فقد علل رده: بأن الأمة إذا إجتمعت كلمتها على الحق إحتاجت حينئذ إلى الإمام، وأما إذا عصت وفجرت وقاتلت الإمام لم يجب حينئذ على أهل الحق منهم إقامة إمام[2].

إن إشكاليّة وجوبيّه إلإمامة عند الأشاعرة والإماميّة، تتركّز حول النقاط التالية: طريق وجوب الإمامة: هل هو عقلي أم شرعي؟ على من يجب نصب الإمام والقيام به؟ هل يجب نصبه على الأمة أم على الله؟، ما هي علة وجوبها؟ هل هي اللطف أم التكليف؟ هل عيّن الرسول خليفة بعده أم ترك الأمر للأمة؟

إذا تناولنا إشكال وجوبيّه الإمامة عند الأشاعرة والإماميّة نجد، أن الأشاعرة قالت: إن دليل وجوب الإمامة يستفاد من قبل الشرع لا العقل. بينما تقول الإماميّة: إن دليل الوجوب أخذ من العقل، والشرع إنما أكد ما دل عليه العقل. هذا وقد ذكر ابن ابي الحديد المعتزليّ طرفا من إشكاليّة طريق وجوب الإمامة. فقد ذكر أن جمهور معتزلة البصرة يقولون:« طريق وجوبها الشرع، وليس في العقل ما يدلّ على وجوبها»[3].

بينما تقول معتزلة البغداد، وأبو عثمان الجاحظ، والشيخ أبو الحسين من معتزلة البصرة«إن العقل يدل على وجوب الرئاسة؛ وهو قول الإماميّة»[4].

ابن أبي الحديد المعتزليّ، لم يذكر رأى الأشاعرة، في طريق معرفة وجوب الإمامة، إلا أنّ الإمام البغدادي أشار إلى أن طريق معرفة وجوب الإمامة هو الشرع. وهو ما أكد به الإمام الأشعريّ من« أن الإمامة شريعة من الشرائع يعلم جواز ورودها... بالعقل، ويعلم وجوبها بالسمع»[5].

ويظهر من خلال هذه الجدلية القائمة أن جوهر الخلاف في إشكالية طريق معرفة وجوب الإمامة بين الأشاعرة والإمامية يرجع إلى إشكاليّة ماهيّة اللطف. وبناء على هذا قالت الإمامية: يجب على الله نصب الإمام« من حيث كان في الرئاسة لطف وبُعْد للمكلفين عن مواقعة القبائح العقلية»[6]، وأيضا«لكون العبد معه، أقرب إلى الطاعة وأبعد عن المعصية»[7]. وأن «الإمامة لطف في إقامة الشرائع»[8].

من جانب آخر، نجد أن الأشاعرة ردت نظرية وجوب نصب الإمام على الله، من جهة اللطف حيث قررت بأن اللطف إنما يحصل«بإمام ظاهر قاهر يرجى ثوابه ويخشى عقابه، يدعو الناس إلى الطاعات ويزجرهم عن المعاصي بإقامة الحدود والقصاص وينتصف للمظلوم من الظالم، وأنتم(الإماميّة) لا توجبونه على الله، كما في هذا الزمان الذي نحن فيه، فالذي توجبونه وهو الإمام المعصوم المختفي ليس بلطف، إذ لا يتصور منه مع الإختفاء تقريب الناس إلى الصلاح وتبعيدهم عن الفساد والذي هو لطف لا توجبونه عليه وإلا لزم كونه تعالى في زماننا هذا تاركا للواجب وهو محال»[9].

وقد أجاب السيد شريف المرتضي الإماميّ من أن علة عدم ظهور الإمام المنتظر، إنما هي خوفٌ من بطس الظالمين وقتله؛ لأنه«متي ظهر أقدموا على قتله وسفكوا دمه فتبطل الحجة بمكان. وليس يجوز أن يكون المانع من الظهور إلا ما ذكرناه؛ لأن مجرد الخوف من الضرر، وما يجري مجرى الضرر، مما لا يبلغ إلى تلف النفس، ليس يجوز أن يكون مانعا؛ لأننا قد رأينا من الأئمة عليهم السلام، ممن تقدم عنه، ظهر مع جميع ذلك»[10].

من جهة أخرى ، إذا نظرنا إلى إشكالية وجوب الإمامة عند الأشاعرة والإماميّة، يظهر أن علة وجوب الإمامة عند الإماميّة تتجسَّدُ في حفظ الشريعة. وعلي هذا، يجب نصب الإمام على الله. بينما تظهر رؤية الأشاعرة من أن علة وجوبها إنما هي حفظ المصالح، وبالتالي يجب نصب الإمام على الأمة من جهة الفرض الكفائيّ.

إن أصل نظرية وجوبيّة نصب الإمامة بين الأشاعرة والإمامية قائمة على جدلية اللطف والتكليف وهى نظرية، دار النقاش بين الأصوليين والمتكلمين ولم تنته بعْدُ إلى نقطة توافق، كما أشرنا إليه سابقا . إلا إن الفارق الحقيقي بين تلك النظريتين -أعنى نظريّة اللطف والتكليف- سيكون حول مرتكزات اللطف والتكليف من حيث القدرات والمعطيات في مجال الدين والسياسة وتطور الإقتصاد والإجتماعية، و ترابط الأمة.

فإ ننا إذا نظرنا إلى معطيات اللطف نجد أنه يشكل الشراكة الكلية التي تبدأ من العناية الإلهيّة، والتي تظلل البشر دوما في الحفظ والتوجيه الرباني من خلال قيادة الإمام الرباني المجتهد في الأمة. ومن هذا المنطلق فإن نظرية الإماميّة، القائمة بأن الرسول لم يترك أمر الأمة من دون أن يعين خلفا للأمة، لا شك أنه أمر منطقي وبالتالي القول بعدم التعيين يترتب عليه عدم اتصال الامامة وهو اصل اشكالية فصل الدين عن الدولة وعلى هذا رجح ابن حزم عند مناقشته في طرق انعقاد الامامة طريقة التعهد من الامام السابق حيث قال: «أوّلها وأفضلها وأصحها، أن يعهد الإمام الميت إلى إنسان، يختاره إماما بعد موته، وسواء فعل في ذلك في صحته، أو في مرضه أوعند موته، إذ لا نص ولا إجماع على المنع من أحد هذه الوجوه، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر، وكما فعل أبوبكر بعمر، وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز، وهذا هو الوجه الذى نختاره ونكرهه غيره، لما في هذا الوجه من إتصال الإمامة، وإنتظام أمر الإسلام وأهله، ورفع مايتخوف من الإختلاف والشغب، مما يتوقع في غيره من بقاء الأمة فوضى، ومن إنتثار الأمر وإرتفاع النفوس وحدوث الأطماع»[11].

عموما، فإن التنصيص من جانب الإماميّة، يعتبر جزءاً لا ينفصل عن ماهيّة اللطف الإلهي، بحيث إن نظريتهم قائمة بشكل أساس على أن الله سبحانه وتعالي هو الذي يتولى أمر الأمة ولم يفوض إليهم. بينما ترى الأشاعرة أن الخلافة من جملة المصالح المفوضة إلى الأمة. وبناء على هذا، يمكن أن يكون شكل ترتيب الخلافة من حيث الوجوب والنصب عند الأشاعرة والإماميّة على النحو التالي:

الأشاعرة: الإمامة← واجب←على الأمة← التكليف ←الإمام ← علة الوجوب← حفظ المصالح.

الإمامية: الإمامة← - واجب← على الله ← اللطف ←الإمام ←علة الوجوب ←حفظ الشريعة[12].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد ابراهيم

...........................

[1] - ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق، أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط2/1420/1999م، ج3/ص3.

[2] - البغدادي، أبي منصورعبد القاداربن الطاهر، كتاب أصول الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط3/1401ھ/1981م، ص271-272

[3] - ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة ، تحقيق، محمد أبو الفضل إيراهيم، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، مصر، ط2/1385ھ/ 1965 م، ج2/ص308

[4] - المصدر السابق، ج2/ص308.

[5] - البغدادي، كتاب أصول الدين، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط3/1401ھ/1981م، ص272.

[6] - ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة ، تحقيق، محمد أبو الفضل إيراهيم، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، مصر، ط2/1385ھ/1965م، ج2/308

[6] - المصدر السابق، ج2/ص308.

[7] - الإيجي، المواقف في علم الكلام، عالم الكتب بيروت، لبنان، (بدون رقم الطبعة والتاريخ)، ص397.

[8] - البغدادي، كتاب أصول الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط3/1401ھ/1981م، ص272

[9] - الجرجاني، شرح المواقففي علم الكلام، تحقيق عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، لبنان، بيروت، ط1/1417ھ/ 1997م، ج3/ص 583-574.

[10] - الشريف المرتضى، علي بن الحسين الموسوي، الشافي في الإمامة، تحقيق، السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب، بمراجعة، السيد الفاضل الميلاني، مؤسسة الصادق للطباعة والنشر، طهران، إيران، ط1//1407ھ/1986م، ج1/ص147.

[11] - ابن حزم، الملل الفصل فى الملل والأهواء والنحل، تحقيق، أحمد شمس الدين، دارالكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2/1999م ج3/ص 97

[12] - ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، تحقيق، محمد أبوا الفضل إبراهيم ، دار إحياء الكتب العلمية بيروت، لبنان، عيسى البابي الحلبي وشركاه،

ط2/1385ھ/1968م، ج1/ص307-308.

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال التاسع ونكمل حديثا عن دور المنطق في تجديد الخطاب العقدي عند الأشاعرة؛ وذلك من خلال موقف الغزالي من قضية المنطق والفقه، وفي هذا نقول: وهكذا يؤول الغزالي الآيات التي ترد بها لفظة "الميزان" علي نحو يجعلها دالة علي ميزان المعرفة، ومعيار العلم، وهو ميزان إلهي وضعه الله تعالي، ليقوم الناس بالقسط ويزنوا به معارضهم .

ويبدأ الغزالي بتقسيم هذه الموازين إلي ثلاثة موازين رئيسية:

أولها: ميزان التعادل: وهو بدوره ينقسم إلي ميزان أكبر وأوسط وأصغر . وثانيهما: ميزان التلازم، وهو المعروف في المنطق اليوناني بالقياس الشرطي المتصل، وثالثهما: ميزان التعادل، وهو المعروف في المنطق اليوناني بالقياس الشرطي المنفصل .

وأساس التقييد في هذه الموازين، وأنها تعتمد في مقدمتها علي الأمور الحسية المشاهدة أو الأمور المجربة و خبر الرسول صلي الله عليه وسلم . وهذا دليل صدق المقدمات المأخوذة في كل قياس ليتبعها بالضرورة صدق النتيجة المترتبة عليها (. ويمكن أن نفصل القول في هذه الموازين علي النحو التالي:

1- ميزان التعادل

وأول هذه الموازين، هو ميزان التعادل، وينقسم كما ألمحنا سلفاً إلي أكبر، وأوسط، وأصغر، وسمي بالتعادل لتساوي كفته وتعادلها بين القائم المشترك وارتباطهما به من جانبيه .

ويصرح الغزالي بأن هذا الميزان، كان ميزاناً لسيدنا إبراهيم، حين حاجه (أو ناظره) الملك النمروذ في ربه؛ حيث قال تعالي في كتابه الغزير "ألم تر إلي الذي حاج إبراهيم في ربه أن أتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت . قال أنا أحيي وأميت .قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين" . وباستقراء الأمثلة التي ذكرها لهذا الميزان نجدها كأنها أمثلة للشكل الأول من قياس أرسطو حيث يكون الحد الأوسط موضوعاً في الكبرى محمولاً في الصغرى . ويمثل له الغزالي بقوله:

كل من يقدر علي إطلاع الشمس يكون إلها

إلهي هو القادر علي اطلاع الشمس

إذن الهي هو الإله دونك .

ودليل صدق هذا القياس معلوم بالمشاهة، لأن خصمه عاجز عن إدلاع الشمس من المشرق، وهذا أمر محسوس، وصدق القضية الأولي معلوم بالاتفاق والقياس بهذه الصورة لا يتطرق إليه شك في لزوم النتيجة عن المقدمات، لا في هذا المثال ولا في غيره من المعارف الدنيوية، لأن" .. هذا البرهان قد كشف لنا عن هذه المعرفة لا لعينها، بل لأنها حقيقة من الحقائق، ومعني من المعاني، فنتأمل أنه لم لزمت منه هذه النتيجة ؟ ونأخذ المثال الخاص حتي ننتفع به حيث أردنا .

ففي مجال الفروع الفقهية نقول:

كل مسكر حرام

هذا سكر

إذن ..هذا حرام

فالقضية الأولي نعلم صدقها من الشرع، ونعلم صدق القضية الثانية من المشاهدة الحسية، ولزوم النتيجة عن المقدمتين معلوم بالحد الأوسط، وهو العامل المشترك، ومناط الحكم وعلته، وبذلك يكون صدق النتيجة لازماً عن مقدماتها .

أما الميزان الأوسط فيشرحه الغزالي مستلاً بالآية الكريمة:" وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين، فلما جن عليه الليل راي كوكبا . قال: قال هذا ربي، فلما أفل: قال لا أحب الأفلين . فلما رأي القمر بازغاً: قال هذا ربي، فلما أفل: قال لئن لم يهديني ربي لأكونن من القوم الضالين "، وصورة القياس في هذا الآية هكذا

القمر يأفل

الإله لا يأفل

إذن ..القمر ليس بالإله.

وأفول القمر معلوم بالمشاهدة الحسية، ومعلوم أن الإله ليس يأفل لأنه لا يتغير، لأ، كل متغير حادث، فثبت من هذين الصلين أن القمر لا يصلح أن يكون إلها، وكعادة الغزالي، فإنه يجرد هذا الشكل من القياس عن صورته في هذا المثال، ويستخدمه في أمثله أخري، ليبين أنه صالح لأنه توزن به ألوان مختلفة من المعارف الدينية والدنيوية معاً . وهذا الميزان لا يخرج عن الشكل الثاني في قياس أرسطو ؛ حيث يكون الحد الأوسط محمولاً في الكبرى والصغرى معاً .

والميزان الأصغر يمثل له الغزالي بالرد علي المشركين حين قالوا " ما أنزل الله علي بشر، قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسي نوراً وهدي للناس" .

وصورة هذا القياس:

موسي بشر

موسي نزل عليه الوحي

إذن .. بعض البشر ينزل عليه الوحي .

وبذلك تبطل دعوي المشركين، بأن الوحي لا ينزل علي البشر، وصدق القضية الأولي معلوم بالمشاهدة الحسية، وصدق الثانية معلوم بإقرار المشركين واعترافهم، وبذلك يظهر صدق النتيجة، وهذا الميزان هو صورة للشكل الثالث في قياس أرسطو، حيث يكون الحد الأوسط موضوعاً في الكبرى والصغرى معاً.

2- ميزان التلازم:

فيمثل له الغزالي بأمثلة القياس الشرطي المتصل من قياس أرسطو وقول إنه استفاده من القرآن الكريم كذلك في قوله تعالي:" لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ". وقوله " لوكان معه آلهة كما يقولون إذ لابتغوا إلي ذي العرش سبيلا " . وصورته:

أ- لو كان معه آلهة لابتغوا إليه سبيلا.

ومعلوم أنهم لم يبتغوا إليه سبيلا.

إذن .. ليس معه آلهة كما يقولون.

ب- لو كان للعالم إلهان لفسد العالم.

ومعلوم أنهم لم يبتغوا إليه سبيلا.

إذن .. ليس للعالم إلا إله واحد .

ثم يستخدم الغزالي مبدا النظر في القضية وما فيها من آيات الحكمة والقدرة، ليصف بها صانعا معتمدا علي قوله تعالي:" فأنظر إلي آثار رحمة ربك " وغيرها من الآيات القرآنية .

3- ميزان التعاند:

فيقول الغزالي أنه تعلمها من قوله تعالي:" قل من يرزقكم من السموات والأرض . قل الله،وأنا أو إياكم لعلي هدي أو في ضلال مبين " .

وصورته أن يقال:

إنا أو إياكم لعلي هدي أو في ضلال مبين

لكنا لسنا في ضلال

إذن .. أنتم الضالون.

ومعلوم أن هذا هو القياس الشرطي المنفصل الذي قاله الرواقيون .

ولقد هاجم الفقهاء دعوة الغزالي في أه تعلم هذه الموازين من القرآن الكريم، فنجد ابن تيمية يقول:" وأعجب من ذلك أن الغزالي وضع كتاباً سماه القسطاس المستقيم . ونسبه إلي أنه تعلمه من الأنبياء، وإنما تعلمه من ابن سينا وهو (أي ابن سينا ) تعلمه من كتب أرسطو .

ولكي يتخلص الغزالي من هذا المأزق نجده يدفعه مسبقاً بقوله:" إن القدماء قد أخذوا هذه الموازين من صحف إبراهيم وموسي "، وهو لم يدع السبق في كشف هذه الموازين، وإن كان هو صاحب السبق في تسميتها بذلك واستخراجها من القرآن الكريم، وفي ذلك يقول الغزالي:" أما هذه الأسامي فإني ابتدعتها، واما الموازين، فإني استخرجتها من القرآن الكريم، لكن أهل هذه الموازين، قد سبقت إلي استخراجها ولها عند مستخرجها من المتأخرين أسماء أخري سوي ما ذكرته، وعند بعض الأمم السابقة علي بعثة سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم وعيسي عليه السلام وأسامي أخري كانوا قد تعلموها من صحف إبراهيم وموسي.

إن موضوعية الغزالي تلزمه هنا أن يشير إلي أرسطو وغيره ممن اهتدوا إلي استخراج هذه الموازين، أو إن شئت فقل الشكال القياسية، وأنه ليس وحده صاحب الفضل في الكشف عن هذه الموازين وأن أصلها موجود في الكتب السماوية، ويرجع الفضل إلي الغزالي في استخراجها من القرآن الكريم بالذات، وهذا يدل علي وثاقة هذه البراهين لدي الغزالي، ومدي تمسكه بها في مواجهة الرأي والتقليد.

ومن هنا يتضح لنا مدي أهمية المنطق عند الغزالي، ومدي أهمية المزج الذي أفاد منه من القرآن الكريم والفقه الإسلامي، وهو أمر إن دل علي شئ فإنه يدل علي أن الغزالي يعد بحق أكبر أشعري دعم وطور عملية مزج المنطق بالفقه بعد الجويني وابن جزم........... وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثامن ونكمل حديثا عن دور المنطق في تجديد الخطاب العقدي عند الأشاعرة؛ وذلك من خلال موقف الغزالي من قضية المنطق والفقه ومدي تأثره بآراء الجويني، وفي هذا نقول: كان الإمام الجويني، كان أول أشعري مهد الطريق للإمام الغزالي لمزج الفقه بالمنطق، غير أن الإمام الغزالي يعتبر المازج الحقيقي للمنطق الأرسطي بالفقه، لا لما وضع من كتب منطقية سهلة العبارة، بل لتلك المقدمة المنطقية التي وضعها في أوائل كتابه " المستصفي من علم الأصول "، حيث قال بأن " من لا يحيط بالمنطق فلا ثقة بعلومه أصلاً" .

وعلي هذا الأساس اعتبر أن استخدام منطق أرسطو يعد شرطاً من شروط الاجتهاد وفرض كفاية علي المسلمين، وإلي هذا يشير " ابن تيمية" بقوله :"  :" لم يكن أحد من نظار السلمين يلتفت إلي طريق المنطقيين، بل الأشعرية والمعتزلة والكرامية والشيعة وسائر الطوائف، كانوا يعيبونها ويثبتون فسادها، وأول من خلط المنطق بأصول المسلمين (يعني علم أصول الفقه) أبو حامد الغزالي، فتكلم فيها علماء المسلمين مما يطول ذكره .

وقد كان عند الغزالي العديد من الدوافع التي جعلته يدافع عن المنطق بحماس واضح، ومن أهم هذه الدوافع دافعان :

أحدهما : أن الغزالي كان من أكبر مفكري الشاعرة إيماناً بفائدة المنطق في مجال الدراسات الفقهية، كما كان أكثرهم توفيقاً في تطبيق مبادئ القياس المنطقي العامة علي أمور الفقه، فقد أدرك الغزالي أن قبول القياس الفقهي يتوقف علي ما فيه من معقولية، وأن الوسيلة إلي ذلك هو المنطق بصورة وقواعده .

والثاني : هو أو لدفاع عن العقيدة الإسلامية ضد المخالفين والمهاجمين لها من أصحاب الملل والنحل أو ضد الفرق الإسلامية التي رأي الأشاعرة أنها في بعض أصولها مبادئها قد جنحت عن الدين فكراً وسلوكاً، كان من أسباب اصطناع المنطق لدي الأشاعرة، باعتباره الأداة الفعالة في التفنيد والنقد والإثبات العقلي، وبذلك يمكن أن تكون تدعيما قوياً لطريقة المتكلمين الجدلية . لهذا دافع الغزالي عن المنطق وتصدي للمهاجمين له، لأن ترك المنطق فوات للمصلحة التي يجنيها المتكلم وانسحاب من الميدان الذي يعج بأعداء العقل والمعقول . ومهما كانت الأسباب التي دفعت الغزالي إلي اتخاذ طريق المنطق والدفاع عنه بحماس . فما يهمنا الآن هو كيف استطاع الغزالي مزج المنطق بالفقه؟.

لقد اتجه الغزالي إلي علوم الأوائل بالدرس والتمحيص، ولكنه وإن كان قد ناهض الجزء الإلهي وبعضاً من الجزء الطبيعي من الفلسفة اليونانية، وانتقد من تأثر بها من فلاسفة المسلمين المشائين، وخاصة ابن سينا، وضمن نقده هذا كتابه " تهافت الفلاسفة "، فإنه قد استهواه الجزء المنطقي فقال فيه :ط أما المنطقيات فأكثرها علي وجه الصواب والخطأ  نادراً فيها، وإنما يخالفون ( أي الفلاسفة)، أهل الحق فيها بالاصطلاحات والايرادات دون المعاني والمقاصد، إذ غرضها تهذيب طرق الاستدلالات، وذلك مما يشترك فيه النظار " .

ولذلك فقد ألف كتباً بسط فيها مباحث المنطق ويبين فائدته ونجاعته، مثل " معيار العلم "، " محك النظر "، " القسطاس المستقيم"، إلي جانب مقدمات لبعض كتبه الأخرى، وضعها فيه، كمقدمه " مقاصد الفلاسفة" و" المستصفي من علم ألأصول ".

ثم خطا أبو حامد الغزالي خطوة أخري، فأصدر ما يشبه الفتوي بوجوب أن يتعلم المنطق كل باحث في العلوم الإسلامية، كي تكون علومه موثوقاً بها، حيث قال في مقدمة كتابه " المستصفي" :" نذكر في هذه المقدمة مدارك العقول وانحصارها في الحدج والبرهان، ونذكر شروط الحد الحقيقي وشرط البرهان الحقيقي وأقسامها .. وليست هذه المقدمة من جملة علم الأصول ولا من مقدماته الخاصة به، بل هي مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلاً .

وكأنما قد وجه الغزالي حملته الاقناعية بالمنطق إلي الفقه، خاصة في سبيل مزجه بالمنطق، وجعل استنباطاته واستخراجاته تسير عليه، فهو إلي جانب استصدار فتواه السالفة في مقدمة المستصفي، وهو كتاب في أصول الفقه، مما يوحي بأن محتوي الفتوي متوجه أساساً إلي الناظرين في الفقه، إلي جانب ذلك يغتنم كل فرصة ليخصص الفقه في حديثه عن جدوي المنطق كمنهج للبحث في العلوم، فيقول متحدثاً عنه :" يشمل جدواه جميع العلوم العقلية منها والفقهية فإنا سنعرفك أن النظر في الفقهيات لا يباين النظر في العقليات في ترتيبه وشروطه وعياره، بل في مآخذ المقدمات فقط "  . ولم يبق هذا الحث علي استعمال المنطق في الفقه علي المستوي النظري فقط، بل إن الغزالي انتهي من ذلك إلي مرحلة التطبيق العملي، فألف كتباً يبين فيها كيفية استعمال الطرائق المنطقية في البحوث والمناظرات الفقهية، ويقول في هذا المعني :" لما كانت الهمم في عصرنا ماثلة من العلوم إلي الفقه، بل مقصورة عليه، حتي حدانا ذلك إلي أن صنفنا في طرق المناظرة فيها : مآخذ الخلاف أولاً، ولباب النظر ثانياً، وتحصين المآخذ ثالثاً، وكتاب المبادئ، والغايات رابعاً، وهو الغاية القصوي في البحث الجاري علي منهاج في ترتيبه وشروحه، وإن فارقه في مقدماته " .

وكأنما قد توقع الغزالي أن عمله هذا ما زال في حاجة إلي البيان بإجراء أمثلة محسوسة تمزج فيها المسألة الفقهية المعنية بالقاعدة المنطقية المعينة، وهو ما قد يدفع آخر الاعتراضات عن الذين لا يستغيثون مزج المنطق بالفقه، فأورد هذا الاعتراض ودر عليه، فقال بعد تقريره لأشكال القياس الحملي وأضرابه :" فإن قيل فهل لكم في تمثيل  المقاييس الأربعة عشرة (المقصود بها أضرب القياس الحملي الصحيحة) أمثلة فقهية لتكون أقرب إلي فهم الفقهاء، قلنا، نفعل ذلك ونكتب فوق كل مقدمة يحتاج لردها إلي الأول بعكس أو افتراض أنه يعكس أو بغرض، ونكتب علي الطرق أنه إلي أنه قياس يرجع إن شاء الله تعالي، أمثلة الشكل الأول : كل مسكر خمر، وكل خمر حرام ... " .

وعلي هذا النسق راح الغزالي في تقريراته المنطقية خاصة في " معيار العلم"، يبرر أمثلة فقهية بشكل واسع، يقول الغزالي :" رغبنا في أن نورد في منهاج الكلام في هذا الباب أمثلة فقهية فتتمثل فائدته وتعم سائر الأصناف جدواه وفائدته ".

فهو يجعل المنطق معياراً للعلم، بل إنه يريد إدخاله في الدراسات الفقهية، ولكن هذا لا يعني أنه يري أن طرق الاستدلال في الفقه تتفق تماماً مع قواعد الاستدلال البرهاني، بل توضح الفرق بين الاستدلالات ذات الطابع الظني وهي كافيه في الفقه، وبين الاستدلالات المنطقية ذات الطابع اليقيني .

ولكن الغزالي يشعر أن هناك من ينكرون عليه استعمال المنطق في الأمور الفقهية، وعدم جدوي العقليات في المسائل الفقهية، فيرد عليهم قائلاً :" ولعل الناظر بالعين العوراء نظر الطع والإزراء ينكر انحرافنا عن العادات في تفهم العقليات القطعية بالمثلة الفقهية الظنية، فليكف من غلوائه في طعنه وإزرائه، وليشهد علي نفسه بالجهل بصناعة التمثيل وفائدتها، فإنها لم توضع إلا لتفهيم الأمر الخفي بما هو الأعرف عند المخاطب المسترشد ليقيس مجهول إلي ما هو معلوم عنده، فيستقر المجهول في نفسه .

ويري الغزالي أن هذه هي الطريقة الوحيدة لإدخال المنطق في تلك العلوم الفقهية، وإتخاذه قانوناً لها، وكيف يتوصل الإنسان إلي المجهول عن طريق المعلوم، فالفقيه بما لديه من فقه، والمتكلم بما لديه من كلام والفيلسوف بما لديه من فلسفة ..الخ .

ويري المستشرق الألماني " جولد تسيهر (ت: 1922م)" أن الغزالي لم يكن يقصد النيل من نظريات الفقه وأقواله الثابتة، وغنما أراد بكتبه المنطقية أن يبين أهمية المنطق بالنسبة لتنظيم البحوث الدينية، تنظيماً يقوم علي منهج في البحث المستقيم، وأن يوصي بأتباعه " .

ولكي يؤكد الغزالي أكثر علي يقينية المنطق كطريق للاستدلال نراه يؤكد في كتابه " معيار العلم" علي استخدام الاستقراء المنطقي باعتباره طريقاً من الطرق التي توصل إلي النظر المنطقي باعتباره طريقاً من الطرق التي توصل إلي المعرفة الظنية، وهي المطلوبة في الفقه، وهو يعرفه من الناحية المنطقية فيقول :" هو أن يتصفح جزئيات كثيرة داخله تحت معني كلي، حتي إذا وجدت حكماً في ترك الجزئيات حكمت علي ذلك الكلي به .

ويضرب مثالاً لهذا الاستقراء في الفقه فيقول : الوتر لو كان فرضاً، ولما أدي علي الراحلة، قلنا باستقراء جزئيات الغرض من الرواتب وغيرها كصلاة الجنازة والقضاء وغيرها " .

ثم يري الغزالي أن الاستقراء نوعان : استقراء كامل، وهو يمثل معيار اليقين، واستقراء ناقص، وهو يفيد الظن، وهو ما يقبله في الفقه، وكلاهما يصلح أن يكون معياراً للعلم، ويورد لنا مثالاً للاستقراء الناقص في فقه الأحناف، فيقول :" الوقف لا يلزم في الحياة، لأنه لو لزم لما اتبع الشرط الواقف، فيقال له : لم قلت أن كل لازم فلا يتبع شرط العاقد ؟ فيقول : قد استقريت جزئيات التصرفات اللازمة من البيع والنكاح والعتق الخلع وغيرها، ومن جوز التمسك بالتمثيل المجرد الذي لا مناسبة فيه يلزمه هذا، بل إذا كثرت الأصول قوي الظن، وبهذا يصبح الاستقراء ناقصاً ؛ حيث يقول الغزالي :" إن تصور الاستقراء عند الكمال أوجب تصور الاعتقاد الحاصل عند اليقين، ولم يوجب بقاء الاحتمال علي التعادل، بل رجح الظن أحد الاحتمالين، والظن في الفقه كاف" .

فالاستقراء الفقهي إذن عنصران : هما استقراء الجزئيات أولاً، ثم ترجيح بعض تلك الجزئيات علي الأخري، واستخلاص الحكم العام ينتجه هذا الترجيح .

وتبرز محاولة الغزالي الحقيقية لمزج المنطق بالفقه في كتابه " محك النظر"، حيث يشرح فيه " قياس الدلالة"، وهو " قياس الإن" عند المنطقيين، وقياس العلة، وهو " قياس اللم" عند المنطقيين . ويدعمهما بأمثلة فقهية، يقول الغزالي :" أما قياس الدلالة فهو أن يكون الأمر المكرر في المقدمتين معلولاً ومسبباً، فإن العلة والمعلول، يتلازمان، وإن شئت قلت الموجب، والموجب فإن استدللت بالعلة علي المعلول، فقيسك قياس علة، وإن استدللت بالمعلول علي العلة، فهو قياس دلالة، ومثال قياس العلة في الفقه، الاستدلال بإحدى النتيجتين علي الأخري في الفقه، قولنا في الزنا أنه لا يوجب الحرمة حرمة المصاهرة، لأنه وطئ لا يوجب المحرمية ، وما لا يوجبه المحرمية لا يوجب الحرمة، وهذا لا يوجب المحرمية .فإذن لا يوجب الحرمة، والمشترك في المقدمتين المقرون بقولنا لأن المحرمية وهي ليست علة الحرمة، ولا الحرمة علة لها، بل هما نتيجتا عله واحدة،وحصول إحدى النتيجتين يدل علي الأخري، بواسطة العلة، فإنها تلازم علتها، والنتيجة الثانية أيضاً تلازم علتها، وملازم الملازم ملازم لا محاله، فإن ظهر أن المحرمية علة الحرمة لم يكن هذا صالحاً، لأن يكون مثالا لغرنا، ومثال قياس الدلالة من الفقه قولك : هذه عين نجسه، فإذن لا تصح الصلاة معها، وقياس الدلالة عكس قياس الدلالة، وهو أن تقول هذ عين لا تصح الصلاة معها  فإذن هي نجسه ".

ونلاحظ في قياس العلة وقياس الدلالة أن الغزالي قد تأثر بأستاذه الجويني فيهما . ثم يتكلم الغزالي بعد ذلك عن مدارك الأقيسة الفقهية . ويلاحظ أن الغزالي يبدأ في وضع اصطلاحات جديدة في محك النظر، علاوة علي ما وضعه من اصطلاحات في كتابه " معيار العلم"، فيستبدل كلمتي " التصور التصديق" بكلمتي " معرفة وعلم" متابعا في ذلك النحويين . ويعبر عن القضايا الكلية المجردة بالوجوه أو الأحوال، وهما تعبيران كلاميان أو الأحكام وهو تعبير فقهي .

ويعرض الغزالي أحياناً لاصطلاحات طوائف المسلمين المختلفة في الموضوع والمحمول، فيقول أنهما يسميان عند النحويين مبتدأً وخبراً، وعند المتكلمين صفة وموصوفاً، وعند الفقهاء حكماً ومحكوماً، ويختار الغزالي من بين تلك التعاريف تعريف الفقهاء . كما يشير إلي أن الحد الأوسط في القياس عند المناطقة يسمي علة عند الأصوليين .

ثم خطا الغزالي بالمنطق خطوة واسعة في طريق ربطه بالدراسات الفقهية، وذلك في كتابه المتأخر " القسطاس المستقيم"، وهذا الكتاب عبارة عن حوار دار بينه وبين أحد رجال التعليمية الباطنية الذي قال للغزالي : أراك تدعي كمال المعرفة، فبأي ميزان تزن حقيقة المعرفة، أبميزان الرأي والقياس، وذلك في غاية التعارض والالتباس، ولأجله ثار الخلاف بين الناس، أم بميزان التعليم فيلزمك أتباع الإمام المعصوم، وما أراك تحرض علي طلبه، فقلت : أما ميزان الرأي والقياس فحاش الله أن أعتصم به، فإنه ميزان الشيطان، ومن زعم من أصحابي أن ذلك المعرفة، فأسأل اله تعالي أن يكفيني شره عن الدين، فإنه للدين صديق جاهل، وهو شر من عدو عاقل، ولو رزق سعادة مذهب التعليم لتعلم أولاً الجدال من القرآن الكريم، حيث قال تعالي :" أدع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن "، وعلم أن المدعو إلي الله تعالي بالحكمة قوم وبالموعظة قوم، وبالمجادلة قوم، فإن الحكمة أن غذي بها أهل الموعظة أضرت، كما تضر بالطفل الضيع التغذية بلحم الطير، وا، المجادلة إن استعملت مع أهل الحكمة اشمأزوا منها، كما يشمئز طبع الرجل القوي من الارتضاع بلبن الآدمي".

وبعد حوار طويل بين الغزالي ورفيقه، نجد الغزالي قد رفض ميزان الإمام المعصوم عند الباطنية، كما أنه لم يسلم بالرأي والقياس ميزاناً للمعرفة، ولذلك نري رفيقه يسأله عن ميزان في المعرفة فيرد عليه الغزالي قائلاً بأنه " القسطاس المستقيم الذي يظهر لي حقها وباطلها، ومستقيمها ومائلها، إتباعاً لله تعالي، وتعليماً من القرآن المنزل علي لسان نبيه الصداق "، حيث قال الله تعالي :" وزنوا بالقسطاس المستقيم".

ثم يشرح لرفيقه هذا القسطاس المستقيم ومحتواه، وأنه يتمثل في الموازين الخمس، التي أنزلها الله في كتابه وعلم أنبياؤه الوزن بها، فمن تعلم من رسول الله صلي الله عليه وسلم ووزن بها بميزان الله فقد اهتدي، ومن ضل عنها إلي الرأي والقياس فقد ضل وتردي .

ويستدل الغزالي علي الميزان الذي هو القسطاس المستقيم بآيات قرآنية عديدة ترد فيها لفظتا الميزان والقسطاس مثل قوله تعالي " ووضع الميزان "، وقوله " وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ". وقوله في سورة الحديد " ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس   بالقسط " .

ويري الغزالي أن هذا الميزان هو ميزان معرفة الله تعالي، ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله وملكوته، لتتعلم كيفية الوزن به من أنبيائه، كما تعلموا هم من ملائكته . فإن الله هو المعلم الأول، والثاني جبريل، والثالث الرسول صلي الله عليه وسلم، والخلق كلهم يتعلمون من الرسل ما ليس لهم طريق إلي المعرفة إلا بهم " .......... وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال السابع ونكمل حديثا عن دور المنطق في تجديد الخطاب العقدي عند الأشاعرة من خلال إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، وفي هذا نقول: وأيا ما كان ألأمر بخصوص النزاع حول الأولوية بين ابن حزم والجويني في مزج الفقه بالمنطق، ومع تأكيدنا علي رد هذه الأولوية إلي ابن حزم، فإن ذلك لا يحول بيننا وبين القول بأن الجويني كانت له جهود واهتمامات لا تنكر في هذا المجال، وإن كان متأثرا في بعض جوانبها بأرسطو وفلاسفة الإسلام أمثال ابن سينا، ويبدو ذلك واضحاً في حديثه عن قياس الشبه عند الفقهاء، وهو يقسمه إلي قياس من الأعلى إلي الأدنى، وقياس من الأدنى إلي الأعلى، ثم قياس المساواة.

وقد عالج أرسطو هذه الأقيسة، ففي أكثر من موضع من كتاب الطوبيقا أو الجدل، نجد أن هذه الأقيسة ترد متسلسلة علي النحو التالي:  قياس من الأعلى، وقياس من الأدنى، ثم قياس الشبه. علي أن أرسطو كثيرا ما يبدل هذا الأخير بقياس المساواة .

ولعل القارئ لكتاب "الطوبيقا" يدرك هذه الوحدة الضمنية التي تربط هذه الأٌقيسة بعضها ببعض، مع الاعتراف بأن قياس المساواة، وقد ذكره الجويني فإن هذه الوحدة الضمنية، أصبحت واضحة تماماً بين قياس من العلي ومن الأدنى، وفي هذا يقول الجويني: "والذي يحيك في الصدر أن المعني، إذا أمكن فهو أولي، ونصبه في مراتب الأقيسة أعلي، والتمسك بالأدنى مع الاستمكان من الأعلى لا يتجه في طريق الفتوي والنظر تدوار علي تمهيد طريق الاجتهاد، التي هي مستند الفتوي، فسبيل الجواب عنه، أن نقول إذا اشتملت المسألة المظنونة علي مراتب من الأدلة متفاوتة، فلا حرج علي المستدل، لو تمسك بأدني المراتب، وإنما يظهر تفاوت الرتبتين، إذا تناقض موجب الحجتين، فيقدم موجب الأعلى من الأدنى، فأما إذا توافقت شهادات المراتب المختلفة علي مقتضي الوفاق، فلا معاب علي من يتمسك بالأدنى .

ولنا هنا ملاحظتان : إحداهما أن الجويني يدرك هذه العلاقة العضوية الكائنة بين قياس الأعلى وقياس الأدنى، وما أكثر المواضع التي يذكر فيها أرسطو في كتاب : الجدل قياس الأعلى والأدنى.

وفيه يقول أرسطو :" ونستطيع أن نستدل عن طريق الأعلى والأدنى أو الأكثر والأقل،وفيه أربعة مواضع أحدهما : أن ننظر في محول الوضع وموضوعه، فإن وجدنا ما يتزيد فيه محمولة، ويوجد فيه أكثر يوجد فيه موضوعه أكثر، قلنا أ، المحمول في الموضوع وفي الإبطال يعكس هذا، إن وجدنا ينتقص فيما يتزيد فيه موضوعه، حكمنا بأنه غير موجود للموضوع، مثال ذلك في الإثبات إن كان ما هو أ:ثر لذة أكثر خيراً، فاللذة خير . وفي الإبطال : إن كان ما هو أكثر لذة أقل خيراً، فاللذة ليست بخير.

والملاحظة الثانية : أن أرسطو قد عرض لنظرية قياس الشبه في أكثر من موضع في كتب "الطوبيقا " فمثلاً يقول أرسطو :" وأما القوة علي أخذ التشابه فإنما تكو بالرياضة في أخذ التشابه بين الأشياء المتباينة، كما أ، القوة علي أخذ الفصول، إنما تحدث لنا بالرياضة في أخذ فصول الأشياء المتشابهة والشبه علي وجهين : إما شبه علي وجه المناسبة، وإما في شئ يعم المتشابهين وربما وجد في الشئ الواحد الشبيهان معاً : مثال ذلك الحسن والعقل، فإنهما متشابهان من جهة إنهما إدراك، ومن جهة المناسبة : فإن حال العقل من النفس كحال الحس من البصر، فبهذه الأشياء تحصل لنا القوة علي هذه الآلات الأربع ".

كما نلاحظ أيضاً، أن قياس الطرد وقياس العكس الذي ذكرهما الجويني يمكن ردهما إلي أصول يونانية، فقياس الطرد وقياس العكس، قد عالجهما أرسطو في كتاب " الطوبيقا" مع غيره من الحجج العامة ونستدل علي ذلك بهذا الفقرة من كتاب " الطوبيقا"، حيث يقول :" إذا قيل محمول واحد علي شيئين فإن كان وجوده في أحدهما أحري من وجوده في الآخر، ثم كان موجودا فيما وجوده فيه ليس بأحري، فإنه موجود فيما ووجده فيه أحري . وبالعكس : إن كان غير موجود فيما وجوده فيه غير أحري . فإذا قصدت إلي الإثبات، جعلت الابتداء بموضع الأقل، وإذا قصدت إلي الإبطال جعلت الابتداء بموضع الأكثر، والأحري والأخلق . مثال ذلك في الاثبات قولنا : إن كان اليسار أحري ألا يوجد خيرا من الصحة، ثم كان اليسار خيرا، فالصحة خير، وفي الإبطال عكس هذا، وهو أنه : إن كانت الصحة أحري أن توجد خيرا والصحة ليست بخير، فاليسار أحري ألا يكون خيرا " .

ومع اعترافنا، بأن قياس الطرد وقياس العكس، وقد ذكرهما أرسطو، إلا أنهما لا تؤديان إلي نتائج يقينيه، مهما كانت وظيفتهما المنطقية . وكتاب " الطوبيقا" هو مؤلفات الشباب، التي كان يتمرن فيها أرسطو، ويتمرس من أجله الوصول إلي نظرية القياس في كتاب " التحليلات الأولي " فإذا كانت هذه الأقيسة أو الحجج ذات الطابع الاحتمالي، قد تطورت تاريخياً عند مؤسسها أرسطو، فإنها قد أدت في النهاية إلي الاستدلال القياسي اليقينية (.

وهنا يمكن أن نفهم، لماذا سيحاول الإمام الغزالي جعل هذه الأقيسة من الأقيسة الفاسدة، لأنها تؤدي إلي نتائج ظنية .

ومما يدل علي وجود آثار منطقية في كتاب " البرهان" للجويني، قياس العلة وقياس الدلالة اللذان يمثلان عند المناطقة " برهان اللمم " و"برهان الإن"، وقد تحدث الإمام الغزالي في هذا بإسهاب، فقال :" اعلم أن الحد الأوسط إن كان علة للحد الأكبر سماه الفقهاء " قياس العلة"، وسماه المنطقيون " برهان اللم " أي ذكر ما يجاب به عن " لم "، وإن لم يكن عله سماه الفقهاء " قياس الدلالة"، والمنطقيون سموه " برهان الإن"، أي هو دليل علي أن الحد الكبر موجود للأصغر من بيان علته .

وبرهاني اللم والإن، قد وردا كثيرا في كتب المنطق عند فلاسفة المسلمين وبخاصة الأشاعرة، فمثلا تحدث عنه الشيخ الرئيس ابن سينا بوضوح في " الاشارات والتنبيهات"، حيث نسبة أجزاء النتيجة بعضها إلي بعض كان البرهان برهان "لم"، لأنه يعطي السبب في التصديق بالحكم، ويعطي السبب في وجود الحكم – فهو مطلقاً معط للسبب، وإن لم يكن كذلك، بل كان سبباً للتصديق فقط، فأعط اللمية في التصديق، ولم يعط اللمية في الوجود، فهي المسمي برهان " إن" لأنه دل علي إنية الحكم علي نفسه دون لميته في نفسه " .

ومما يدل أيضا علي تأثر الجويني في كتابه " البرهان" بالمنطق وجود بعض الأفكار المنطقية المتعلقة بالأقيسة الشرطية، والتي استخدمها الجويني استخداما غامضاً، كفكرة " السبر والتقسيم"، والسبر يعني عند الجويني، إحصاء كل هذه الأسباب، ما عدا سبباً واحداً يكون هو العلة الحقيقية لحدوث الشئ . يقول الجويني :" السبر والتقسيم ومعناه علي الجملة أن الناظر يبحث عن معان مجتمعه في الأصل، ويتتبعها واحدا واحدا ويبين خروج آحادها عن صلاح التعليل به، إلا واحدا يراه ويرتضاه، وهذا المسلك يجري في المعقولات علي نوعين : فإن كان التقسيم مشتملا علي النفي والاثبات حاضرا لهما، فإذا بطل أحد القسمين تعين الثاني للثبوت .

أما النوع الثاني من "السبر والتقسيم"، فإنه أقل أهمية من النوع الأول فيما يري الجويني، وهو يحتوي علي قسم ثنائي أيضاً، ولكنه أيضاً لا يوصلنا إلي معرفة يقينية . يقول الجويني: "وإن التقسيم الظني مرسلاً بين معان لا يضبطها حصر كما ذكرناه في المعقولات، ورددناه فيها – فقد قال بعض الأصوليين : أنه مردود في المظنونات أيضاً، فإن منتهاه إحالة السابر الأمر علي وجدانه .وهذا غير سديد، فإن هذا الفن من التقسيم إنما يبطل في وجدانه . وهذا غير سديد، فإن المسألة المعروفة بين النظار، وإذا كثر بحثهم فيها عن معانيها، ثم تعرض السابر لإبطال ما عدا مختاره .

ولا يستعبد الجويني إمكانية استخدام منهج السبر والتقسيم بنوعيه في ميدان الأقيسة الفقهية. وإذا كان النوع الأول مقيداً، فإن النوع الثاني من شأنه إذا استخدمه الفقيه أن يزيد عنده من درجة الشك وعدم اليقين.

ويلاحظ أن مفهوم "السبر والتقسيم" الذي استخدمه الجويني استخداماً غامضا هنا هو في حقيقة ألأمر عبارة عن القياس الشرطي المنفصل كما يقول الغزالي بعد ذلك :"القياس الشرطي المنفصل وهو الذي يسميه الفقهاء والمتكلمون " السبر والتقسيم "، وذلك حينما أردا أن يبرر مشروعية استخدام المنطق اليوناني في العلوم الشرعية الإسلامية......... وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

إن أصوليّة الإمامة الممثلة للمعرفة عند الإماميّة يقابلها الفرع الممثل بالشريعة. حيث إن الشريعة تعتبر فروع الدين؛ لأنها تتعلق بعمل الإنسان، فهي:«خطاب الله المتعلق بأفعال العباد على وجه الإنشاء»[1].

وهذا الخطاب يتوجه إلى الأحكام الخمسة: الوجوب، الحرام، الندب، المكروه، المباح. وعلى هذا، فمورد الشريعة هو العمل المبنيّ على العقيدة، بإعتبار أن العمل فرع عن العقيدة. ولذا، تعتبر الإمامة من الفروع  حيث تدخل ضمن الأحكام الخمسة من جهة الوجوب الكفائي لا العيني. فمن هذا المنظور إعتبرت الأشاعرة الإمامة - عند من يرى فرعيتّها- من الفروض الكفائية،عند فقدانها.[2].

إن دراسة إشكالية الإمامة  بين الفرعيّة والأ صوليّة عند الأشاعرة، يمكن تأطيرها من خلال رؤية بعض متكلمي الأشاعرة وفقهائهم. فإذا نظرنا إلى داخل بنية رؤية متكلمي الأشاعرة وفقهائهم، في إشكالية الإمامة: هل هي من الأصول أو من الفروع؟ نجد نوعا من التباين النسبيّ عندهم.

فمثلا إذا كانت الشريعة تمثل الفروع، والإمامة من جملة الفروع عند الأشاعرة، فلماذا لم توضع الإمامة فى إطارها الفرعىّ العملىّ، كالمسائل الفقهية الإجتهادية، والتي لا يبدّع ولا يفسّق المحالف فيها؟

وذلك من حيث كونها مبنية على الإجتهاد عند الأشاعرة، إذ لم يَنُصَّ الرسول صلى الله عليه وسلم على أحد من الصحابة بالإمامة حسب مذهبهم. وهو أمر أكّد به الإمام أبو الحسن الأشعري[ت:324ھ/935م] مؤسس المذهب الأشعريّ، حيث ردّ على القائلين بنصيّة أبي بكر، مستدلا بذلك قول عمر بن خطاب لأبي بكر يوم السقيفة، « إبسط يدك أبايعك»، قائلا:« فلوكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، نص على إمامته لم يجز أن يقول: أبسط يدك أبايعك»[3].

وعلى هذا، فإن نظرية الأشاعرة حول الإمامة، المبنية بالإختيار، تقتضى أنّ «الأمة في صدر الإسلام قاموا بواجبهم الشرعي أو العقلي،  حيث كان نصب الإمام واجبا بأحد الوجهين (العقل، أو الشرع). فإن أقصى ما يمكن أن يقال: إن خلافة هولاء كانت أمرا صحيحا غير مخالف للأصول والقواعد، ولكن يجب أن يُعْلَم أنه ليس كل قضية صحيحة جزءا من الدين، وعلى فرض كونها من الدين، فليس كل ما هو  من الدين أن يُعَدَّ من العقائد. وعلى فرض كونها من العقائد، فليس كل ما هو يُعَدُ من العقائد مائزا بين الإيمان والكفر، أو بين السنة والبدعة.

وهذه مراحل ثلاثة يجب أن يركز عليها النظر فنقول: إن غاية جهد الباحث، حسب أصول أهل السنة هي: إثبات كون خلافتهم أمرا صحيحا، لأن نصب الإمام واجب على الأمة عقلا أوشرعا. فلأجل ذلك قاموا بواجبهم فنصبوا هذا وذاك للإمامة. ونتيجة ذلك أن عملهم كان أمرا مشروعا، ولكن ليس كل أمر مشروع، يُعَدُ جزءا من الدين. فلو قام القاضي بفصل الخصومة بين المترافعين في ضوء الكتاب والسنة، فَحَكَم بأن هذا المال لزيد دون عمرو، كان قضاؤه صحيحا، ولا يعد خصوص هذا القضاء (لا أصل القضاء بالصورة الكلية) من الدين، إذ ليس كل أمر صحيح جزءا من الدين. ولا يصح أن يقال: إنه يجب أن نعتقد أن هذا المال لزيد دون عمرو، ولو تنزلنا عن ذلك، وقلنا إنه من الدين، ولكن ليس كل ماهو من الدين يعد من العقائد. فكون الماء طاهرا ومطهرا، حكم شرعيّ، ولكن ليس من العقائد. فأيّ فرق بينه وبين خلافة الخلفاء مع إشتراك الجميع في كونه حكما فرعيّا لا أصلا من الأصول. ولو تنزلنا مرة ثانية وقلنا: إنه من العقائد، ولكن ليس كل ما يجب الإعتقاد به مائزا بين الإيمان والكفر، أو بين السنة والبدعة، إذ للمسائل العقائدية درجات ومراتب. فالشهادة بتوحيد الله سبحانه وتعالى، ونبوّة نبيّه، وإحياء الناس يوم الدين تعد مائزا بين الكفر والإيمان. وليس كذلك الإعتقاد بعذاب القبر أو سؤال منكر ونكير، أو كون مرتكب الكبيرة مؤمنا. وعلى هذا الأساس يجب على إخواننا أهل السنة تجديد النظر في هذا الأصل الذى ذهبوا إليه، وهو جعلهم الإعتقاد بخلافة الخلفاء المشار إليهم أية السنة، ومخالفته أية البدعة»[4].

من جهة أخرى، إذا راجعنا إلى إشكالية الإمامة بين الأصليّة والفرعية عند الأشاعرة، لا شك أن فيه نوعا من التعارض النسبي. وذلك يتجسد، هل الفرعيّة كانت في الدرجة الأولى، ثم تحولت المسألة إلى أصل؟ أم كانت الأصليّة في المبدأ الأول، ثم تحولت الإمامة إلى فرع؟. ثم يترتب منها إشكاليّة الخلافة الراشدة، هل هي من الأصول أم  من الفروع، عند من يقول فرعية الإمامة؟.

فالشيخ السبحاني - وهو من علماء الإماميّة المعاصرين- يرى أن مسألة الإمامة عند أهل السنة، كانت من الفروع إذا أعْتُيِرَ حسب مذهبهم  في الإمامة. ثم تحولت إلى أصل عقديّ إيمانيّ. ويرى أن مسألة الإمامة عند خلفاء الراشدين، وخاصة خلافة أبي بكر وعمر لم تكن من الأمور العقائدية، بل ظهرت فكرةٌ العقيدة، في وقت التحكيم بين علي بن أبي طالب وبين معاوية. وأن فكرة أصوليّة خلفاء الراشدين هي فكرة أدخلها عمرو بن العاص، وذلك لإثبات أحقية الخلافة لمعاوية بعد مقتل عثمان رضي الله عنه.

يقول الشيخ السبحاني:« لم يكن في عصور الخلفاء الثلاثة أىّ أثر من هذه العقيدة، ولم يخطر ببال أحد من المهاجرين والأنصار، أنه يجب الإعتقاد بخلافة هذا أو ذلك، وأن من لم يكن معتقدا بخلافتهم، يخرج من صفوف المسلمين ويلحق بالمبتدعين. وإنما أوجدت تلك الفكرة يدُ السياسة، بهدف الإزراء بعليّ عليه السلام، وتصحيح خروج معاوية عليه لأخذ ثأر الخليفة. ولعل عمرو بن عاص هو أول من بذر تلك الفكرة»[5].

ويدل حدوث فكرة عقيدة خلافة الراشدين، ما ذكره المسعودي في قضية التحكيم  بين عمرو بن العاص مع  أبى موسى الأشعرى في دومة الجندل،  حيث أحضر عمرو غلامه لكتابة ما يتفقان عليهما. فقال عمرو بن العاص- بعد الشهادة بتوحيده سبحانه وتعالى ونبوة نبيه صلى الله عليه وسلم: ونشهد أن أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى قبضه الله، وقد أدى الحق الذى عليه. قال أبو موسى: أكتب، ثم قال  في عمر مثل ذلك، فقال أبو موسى: أكتب، ثم قال عمرو : وأكتب: وأن عثمان ولي هذا الأمر بعد عمر على إجماع من المسلمين، وشورى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاً منهم، وأنه كان مؤمنا، فقال أبو موسى الأشعري: ليس هذا مما قعدنا له، قال عمرو: والله لابد من أن يكون مؤمنا أو كافرا؟  فقال أبو موسى: كان مؤمنا، قال عمرو: فمره أن يكتب. قال أبوموسى: أكتب، قال عمرو: فظالما قُتل عثمان أو مظلوما؟ قال أبو موسى: بل قتل  مظلوما. قال عمرو: أوليس قد جعل الله لولىّ المظلوم سلطانا يطلب بدمه؟ قال أبو موسى:نعم، قال عمرو: فهل تعلم لعثمان وليّا أولى من معاوية؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: أفليس لمعاوية أن يطلب قاتله حيثما كان حتى يقتله أو يعجز عنه؟ قال أبو موسى:بلى، قال عمر للكاتب: أكتب وأمره أبو موسى فكتب، قال عمرو: فإنا نقيم البينة على أن عليا قتل عثمان[6].

هذا وقد أكد العلامة الروحاني، حدوث فكرة عقيدة الخلافة الراشدة حيث قال:« الحق الذى يراه المتتبع في التاريخ هو أن عقيدة خلافة الخلفاء الثلاث وقداستهم البالغة، قد أقحمت في عقائد أهل السنة إقحاما، وإنما كان كذلك رد فعل ومحاكاة لعقيدة الشيعة في عليّ عليه السلام وأولاده الطاهرين، ولذا صيغت هذه العقيدة أولا عند أهل السنة في قالب الرد والمعارضة لعقيدة الشيعة فقط، ثم ألحقوا عليّا عليه السلام بهم في عصر متأخر. وبتفصيل أكثر نقول: إن جعل خلافة الشيخين (أبي بكر وعمر) من العقائد، لم يكن في القرن الأول. وغاية ما كان يقال فيهما: إن خلافتهما كانت صحيحة. هذا فضلا عن عقيدتهم  في خلافة عثمان وعلي، بل إن عثمان لم يكن بذلك المرضي عند الناس»[7].

ومما يدل حدوث فكرة إعتقاد الخلافة الراشدة، أن الرسالة التى ألّفها أحمد بن حنبل، لبيان عقائد أهل السنة، لم يعتبرها من صميم الإعتقاد بل قال: « ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكف عما شجر بينهم، فمن سبّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو واحدا منهم فهو مبتدع رافضي، حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والإقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة، وخير هذه الأمة - بعد نبيها- أبو بكر، وخيرهم بعد أبى بكر عمر،وخيرهم بعد عمر عثمان، وخيرهم بعد عثمان علي رضوان الله عليهم...»[8].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد ابراهيم

...........................

[1]- السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول، تحقيق، جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية،بيروت  لبنان ط1 / 1404ھ، ج1/ص29.

[2] - الماوردى، الأحكام الاسلطانية والولايات الدينية‘، تحقيق، خالد عبد اللطيف السّبع العلميّ  دار الكتاب العربي بيروت لبنان، ط1/ 1410ھ/1990م ص،30

[3] - الأشعرى، اللمع ص 136، نقلا عن : السبحانى جعفر بحوث فى الملل والنحل مؤسسة النشر الإسلامى قم، إيران، ط/1420ھ، ج1 ص297.

[4] - السبحانى، بحوث فى الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامى، قم، إيران، ط7/1420ھ ج1/ص 298- 300 .

[5] - المصدر السابق، ج1/ص 301-302

[6] -  المسعودى أبي الحسن علي بن الحسين،  مروج الذهب ومعادن الجوهر، شرح و تقديم،  د/ مفيد محمد قميحة دار الكتب العلمية بيرون لبنان، ط1/ (بدون تاريخ) ج2/ص: 440-،441  وأنظر:السبحانى، بحوث فى الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامى قم، إيران، ط/1420.ج1/ص 301-302.

[7] -  الروحاني،  بحوث مع أهل السنة والسلفيّة‘ ص24-25. نقلا عن: السبحانى، بحوث فى الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامى، قم إيران، ط/1420ج1/ص304-305.

[8] - عزا الشيخ  السبحاني، في كتابه، بحوث فى الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامى، قم ط/1420 ھ، ج1/ص306.، كلام الإمام أحمد بن حنبل إلى كتاب السنة للإمام  نفسه،  فراجعت  كتاب السنة للإمام أحمد ابن حنبل، بتحقيق، د/محمد بن سعيد بن سالم القحطاني، ط4/ 1416ھ/1996م، فلم أعثر تلك العبارة، إلا أن قريبا من هذا الكلام، وجدت في كتابه: أصول السنة، وعبارة كتاب الأخير هي« وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا في ذلك ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة علي بن أبي طالب والزبير وعبدالرحمن بن عوف وسعد وطلحة كلهم للخلافة وكلهم إمام »، ابن حنبل،  أصول السنة، دار المنار الخرج، السعودية، ط1/1411ھ، ص37.

 

 

ذكر أحمد الكاتب، في كتابه: «السنة والشيعة: وحدة الدين، خلاف السياسية والتاريخ»، أن نظرية «التفويض الإلهي في الإمامة» التي تقول بها الشيعة الإماميّة أنها قد ظهرت فى بداية القرن الثانى وذلك عندما« تعرض الشيعة إلى ضغوط سياسية شديدة، ومجازر، وملاحقات، وتعذيب على أيدي الأمويين، حتى نشأ لدى فريق صغير منهم نوع من التطرف والغلو، كما يحصل في أيّ تيار يتوسع شعبيا ويتعرض لضغوط مماثلة. فنشأت نظرية الإمامة الإلهية، التي تحصر الحق في الحكم والخلافة في أهل البيت، ولا تكتفي بالقول أنهم أولى وأحق من غيرهم، بل عادت إلى الواراء، لتقول: بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد عين عليّا خليفة من بعده ونص عليه. وأن الإمامة تنحصر في ذريته إلى يوم القيامة. وقد إنعكست هذه النظرية سلبا على مبدأ الشورى والخلفاء الراشدين، الذين إعتبرتهم النظرية، «غاصبين» للخلافة من الإمام علي. وقد ظهرت هذه النظرية أول ما ظهرت في الكوفة، أثناء ثورة الإمام زيد بن علي[ت: 122ھ/739م]، علي يد هشام بن الحكم (من متكلمي الشيعة الإمامية)، والتي أدت إلى إنشقاق الرافضة عن الحركة الشيعة العامة»[1].

إن ما ذهب إليه أحمد الكاتب، حول ظهور أصولية الإمامة عند الإمامية بعيد. وذلك لأسباب عديدة، منها:

أن تلك الفترة التى أشار إليها ظهور أصولية الإمامة، أنها تزامنت في وقت تصنيف العلوم إلى عقائد إيمانيّة وأحكام عمليّة، حيث إعتبرت الإماميّة الإمامة من العقائد.

أيضا أن الحركة الشعبية الإماميّة لم تكن أكثرها مع زيد بن علي، بل كانت مع أخيه محمد الباقر، الإمام الخامس من أئمة الإثنى عشرية، ويدل ذلك بأنه لم يكن يرضى خروجه ضد نظام هشام بن عبد الملك.

علاوة على ذلك، فإن إسم الرّافضة هو مصطلح وجد قبْلَ ثورة زيد بن علي. وأن أول من إستعملها هو معاوية بن أبي سفيان، حيث أطلق بها على مروان بن الحكم، حين انضم إلى صفه بعد وقعة الجمل. وذلك، حينما بعث علي رضي الله جرير بن عبد الله إلى معاوية، يطلب منه البيعة. فأرسل معاويةُ رسالةً إلى عمرو بن العاص يقول فيها: «أما بعد: فإنه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير وعائشة ما قد بلغك. فقد سقط إلينا مروان في رافضة أهل البصرة، وقدم عليّ جرير بن عبد الله في بيعة علي، وحبست نفسي عليك حتى تأتيني، فاقدم على بركة الله تعالى»[2].

ويستفاد من الروايات المنسوبة إلى الأئمة الإثنى عشريّة أن أصوليّة الإمامة تزامنت في وقت تصنيف العلوم إلى أصول وفروع، وأن الروايات التي تشير إلى أصولية الإمامة، وأنها من أركان الدين عند الإماميّة، هي روايات منسوبة إلى كل من الإمام أبى جعفر محمد الباقر، الإمام الخامس من ائمة الإثنى عشرية، والإمام أبي عبد الله جعفر الصادق الإمام السادس.

فقد ورد عند الكلينى [ت: 328ھ/939م] في كتابه: «الأصول من الكافي» بإسناده عن الإمام أبي جعفر رضى الله عنه، على أن الإمامة ركن من الإيمان. هذا، وقد ورد في «كتاب الإيمان والكفر في باب دعائم الإسلام»، بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: بني الإسلام على خمس: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية»[3].

وقد أخرج الكلينى[ت: 328ھ/939م] رواية أخرى منسوبة إلى الإمام السادس من الإئمة الإثنى عشرية، عن عجلان أبي صالح أنه قال: قلت: لأبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام: أوقفني على حدود الإيمان، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإقرار بما جاء به من عند الله والصلواة الخمس، وأداء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت، ولاية وليّنا، وعداوة عدونا، والدخول مع الصادقين[4].

هذا وأخرج الكليني[ت328ھ/939م] رواية أخرى، منسوبة إلى الإمام السادس من الإئمة الإثنى عشرية، عن ابن العرزمي، عن أبيه عن الصادق عليه السلام قال: أثافي الإسلام ثلاثة: الصلاة، والزكاة، والولاية، لاتصح واحدة منهمن إلا بصاحبتيها[5].

فإذا وقفنا على عبارات الإمامين، نعلم أن كون الإمامة من الإيمان هو أمر ظهر في وقت تصنيف العلوم. غير أنها تزامنت في وقت إزدياد عداوة بنى أمية ضد آل البيت، وإستأصال شأفة كل من أُتهم أنه يوالي إليهم. وعلى هذا فالإمامان- أعني أبى جعفر محمد الباقر، وأبي عبد الله جعفر الصادق- أثبتا الإمامة عن طريق مفهوم الولاية من القرآن والسنة الكريمة.

فالإمامة كونها من العقيدة الإليّهة، ثبتت بالإستنباط من مفهوم الولاية المتركزة ببيت النبوة. إذ هي قائمة مقام الشهادة، كما يفهم من سياق رواية الإمامين. وإذا نظرنا إلى رواية الإمامين لا نجد تفسيرا آخر، سوى أن أصوليتها إنما جاءت إستنباطا من فحوى النصوص الواردة في شأن مكانة العِتْرَةِ من خلال النصوص القرآنيّة والسنة النبوية.

وعلى هذا فإن أصولية الإمامة عند الشيعة الإمامية قد ظهرت بشكل عقديّ أصوليّ في وقت تصنيف العلوم، غير أن هذا الوقت تزامن في وقت الصراع الدامي بين أنصار الشيعة الإمامية وبين الحكم الأمويّ والعباسيّ.

ويؤيد ذلك، أن الإمام جعفر الصادق أستنبط مفهوم الإمامة من قوله تعالى﴿وإذا إبتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال: إني جاعلك للناس إماما﴾[البقرة: 124]، حيث بيّن أن الإمامة التي تقول بها الإماميّة، تتصل من حيث المبدأ بالإمامة التى أعطى الله إبراهيم وبعض ذريته. فقال: « إن الله تبارك وتعالى إتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا، وإن الله أتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا، وإن الله إتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا، وإن الله إتخذه خليلا قبل أن يجعله إماما. فلما جمع له الأشياءَ قال: إني جاعلك للناس إماما»[6].

ويؤيد ذلك ما نَسَبَ السيد محسن الخرانى إلى علي بن موسى الرضا [203ھ/818م]، وهو إلإمام الثامن من الأئمة الإثنى عشرية، وكان من التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة عليه [7].

ففي بيان شؤون الإمامة ومنزلتها عند الإماميّة قال: « إن الإمامة أجل قدرا، وأعظم شأنا، وأعلى مكانا، وأمنع جانبا، وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماما بإختيارهم. إن الإمامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل عليه السلام، بعد النبوّة، والخلة، مرتبة ثالثة. وفضيلة شرفه بها، وأشاد بها ذكره، فقال: ﴿إنى جاعلك للناس إماما﴾[البقرة: 124]. فقال الخليل عليه السلام سرورا بها ﴿ومن ذريتي﴾[البقرة: 124]. قال الله تبارك وتعالى: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾[البقرة: 124]. فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة. ثم أكرم الله تعالى، بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة، فقال تعالى: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين﴾[الأنبياء: 73].

فلم تزل في ذريته، يرثها بعضٌ عن بعض، قرنا بعد قرن، حتى ورّثها الله تعالى، النبي صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل تعالى: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين أمنوا والله وليّ المومنين﴾[آل عمران: 68]. فكانت له خاصة. فقلّدها صلى الله عليه وآله، عليّا بأمرالله تعالى، على رسم ما فرض الله. فصارت في ذريته الأصفياء الذين أتاهم العلم والإيمان، بقوله تعالى: ﴿وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث﴾[الروم: 56] فهي في ولد علي بن أبي طالب عليه السلام خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم»[8].

وقد إستدل الملا عبد الله المشهدي صاحب كتاب «إظهار الحق» كما نقل الإمام الألوسي في تفسيره، عند قوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾[الماءدة: 55]،بأن محبة علي بن أبي طالب ملازمة لمحبة الله ورسوله، وهي في الجميع ، بمرتبة واحدة. فبهذا الوجه تجب إمامته وولايته على المؤمنين.

ووجه إستدلاله قائم على أن« الأمر بمحبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، يكون بطريق الوجوب لامحالة. فالأمر بمحبة المؤمنين المتصفين مما ذكر من الصفات، وولايتهم أيضا كذلك. إذ الحكم في كلام واحد يكون موضعه متحدا، أو متعددا، أو متعاطفا، لايمكن أن يكون بعضه واجبا وبعضه مندوبا، وإلا لزم إستعمال اللفظ بمعنيين، فاذا كانت محبة أولئك المؤمنين وولايتهم واجبة، كوجوب محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، إمتنع أن يراد منهم كافة المسلمين وكل الأمة، باعتبار أن من شأنهم الإتصاف بتلك الصفات؛ لأن معرفة كل منهم ليحب ويوالى مما لايمكن لأحد من المكلفين بوجه من الوجوه، وأيضا قد تكون معاداة المؤمنين لسببٍ من الأسبابِ مباحة بل واجبة. فتعيّن أن يراد منهم البعض وهو علي المرتضى كرم الله تعالى»[9].

الإمام الألوسي أجاب عن إستدلال الملا عبد الله المشهدي، قائلا: « ويرد عليه أنه مع تسليم المقدمات، أين اللزوم بين الدليل والمدعي وكيف إستنتاج المتعين من المطلق. ولايخفى على من له أدنى تأمل أن موالاة المؤمنين من جهة الإيمان أمر عام بلا قيد ولاجهة. وترجع إلى موالاة إيمانهم في الحقيقة، والبغض لسببٍ غيرُ ضار فيها. وأيضا، ماذا يقول: في قوله سبحانه: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾[التوبه: 71]. وأيضا ماذا يجاب عن معادات الكفار، وكيف الأمر فيها، وهم أضعاف المؤمنين. ومتى كفت الملاحظة الإجمالية هناك، فلتكف هنا. وأنت تعلم أن ملاحظة الكثرة بعنوان الوحدة، مما لاشك فى وقوعها، فضلا عن إمكانها والرجوع إلى علم الوضع يهدي لذلك، والمحذور كون الموالاة الثلاثة(الله، الرسول،علي)، في مرتبة واحدة(في المحبة)، وليس الأمر كذلك، إذ الأولى (الله) أصل، والثانية (الرسول) تبع، والثالثه (علي) تبع التبع. فالمحمول مختلف ومثله الموضوع، إذ الموالاة من الأمور العامة، وكالعوارض المشككة، والعطف موجب للتشريك وفي الحكم، لافي جهته. فالموجود في الخارج الواجب والجوهر والعرض مع أن نسبة الوجود إلى كلٍ غير نسبته إلى الآخر، والجهة مختلفة بلا ريب»[10].

وأكد الشيخ السبحاني مبدأ أصوليّة الإمامة في نسقها المتصلة بمفهوم«القيادة»، والتي تغاير مفهوم النبوة والرسالة، إذ أن المقصود من النبوة هى منصب تحمل الوحى، بينما يقصد مفهوم الرسالة بأنه عبارة عن منصب إبلاغ الرسالة إلى الناس. والأمامة في مفهومها القياديّ للمجتمع تتصل مفهوم الإمامة التي منحها الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام، في أخريات عمره« لأنه كان نبيا، ورسولا، وقائما بوظائفهما طيلة سنين، حتى خوطب بقوله تعالى: ﴿وإذ إبتلى إبراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين﴾[ البقرة: 124]. فالمراد من الإمامة في هذا المقام هو المنصب القياديّ الممثل في تنفيذ الشريعة في المجتمع بقوة وقدرة »[11].

ويوضّح كون مراد الإمامة في الأية «القيادة»، قوله تعالى في شأن آل إبراهيم: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد أتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما﴾[النساء: 54].

فالإمامة التى أخبر الله سبحانه وتعالى، أنه أنعم بها على الخليل، وبعض ذريته، لا شك أنها هي الملك العظيم الوارد في الآية الأخيرة. وبناء على ذلك، يتضح على أن هذا الملك يعنى إليه بالإمامة. وهو وراء النبوة والرسالة، ومفاده: « إنما هو قيادة حكيمة وحكومة إلهيّة يبلغ بها المجتمع إلى السعادة، والله سبحانه وتعالى يوضح حقيقة هذا الملك، فى الآيات التالية:

يقول سبحانه- حاكيا عن قول يوسف- عليه السلام: ﴿ رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث﴾[يوسف: 101]. ومن المعلوم أن الملك الذي منّ الله به سبحانه وتعالى على عبده يوسف، ليس النّبوة، بل الحاكميّة، حيث صار أمينا مكينا في الأرض. فقوله تعالى: ﴿وعلمتني من تأويل الأحاديث﴾[يوسف: 101] إشارة إلى نبوّته، والملك إشارة إلى سلطته وقدرته.

ويقول سبحانه في داود عليه السلام: ﴿وأتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء﴾[البقرة: 151] ويقول سبحانه: ﴿وشددنا ملكه وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾[ص: 20].

ويحكى الله سبحانه وتعالى عن سليمان بقوله: ﴿وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب﴾[ص: 35]. فهذه الآيات تفسر لنا حقيقة الإمامة وذلك بالتفصيل التالي:

إن إبراهيم طلب الإمامة لذريته، وقد أجاب سبحانه دعوته في بعضهم.

ب- إن مجموعة من ذريته كيوسف، وداود، وسليمان، نالوا- وراء النبوة والرسالة- منصب الحكومة والقيادة.

ج- إنه سبحانه أعطى آل إبراهيم الكتاب، والحكمة، والملك العظيم.

ففي تبيان ما سبق، يظهر أن من ضم هذه الأمور بعضها إلى بعض، يخرج أن ملاك الإمامة في ذرية إبراهيم هو: قيادتهم وحكمهم في المجتمع. وهذه هي حقيقة الإمامة، غير أنها ربما تجتمع الإمامة بالرسالة والنبوة، كما فى الخليل ويوسف، وداود، وسليمان، وربما تنفصل عنهما بالملك، كما في شأن طالوت، في قوله تعالى: ﴿ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك ولم يوت سعة من المال، قال إن الله إصطفاه عليكم وزاده بسطة في الملك والله يوتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ﴾[البقرة: 247]. والإمامة التي يتبناها المسلمون بعد رحلة النبي صلى الله عليه وسلم تتحد واقعيتها مع هذه الإمامة[12] إنتهى بتصرف.

إن مفاد جدليّة الإمامة بين الأصوليّة والفرعية- كما بيّنه الدكتور حسن حنفي- يقصد« تَحَقُقُ العقيدة في نظام سياسيّ، حيث يتحول الدين إلى سياسة، والتصور إلى نظام، والعقيدة إلى شريعة، والإيمان إلى عمل، والنقل إلى عقل. وكون الإمامة من الفروع، يقصد كون العقيدة قائمة بذاتها، دون تحقق في نظام سياسيّ ويكون الدين دون سياسة، والتصور بلا نظام، والعقيدة بلا شريعة، والإيمان بلا عمل، والنقل بلا عقل»[13].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد ابراهيم

........................

[1] - الكاتب أحمد ، السنة والشيعة وحدة الدين خلاف السياسية والتاريخ، الدار العربية للعلوم ناشرون ط1/2007م ص133-134.

[2] - اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر، تاريخ اليعقوبي، دار صادر،بيروت، لبنان، ج2/ص184.

[3] - الكلينى،أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي، تحقيق، العلامة الشيخ محمد دواد الفقيه، تصحيح مع الفهرسة د/ يوسف البقاعي، دار الأضواء، بيروت، لبنان، ط1/1413ھ/1992م، ج2/ص21-22.

[4] - المصدر السابق،ج2/ ص22.

[5] - المصدر السابق،ج2/ ص22.

[6] - الرشيهري، محمد، متنخب ميزن الحكمة، تلخيص، السيد حميد الحسيني، تحقيق، مركز بحوث دار الحديث، مركز الطباعة والنشر في دار الحديث، ط3/1423ھ، ص32.

[7] - سبط ابن الجوزي، يوسف بن فرغلي البغدادي، تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة، تحقيق، حسين تقي زاده، مجمع العالمي لأهل البيت ، مطبعة ليلى،ط1/ 1426ھ ،ج2/ص461.

[8] - الخزازي، بداية المعارف فى شرح عقائد الإمامية، مركز مديريت حوزه علمية قم ط1/1411ھ ، ج2/ص15-16 .

[9] - الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، ط4/1405ھ/1985م ،ج6/ ص167.

[10] - المصدر السابق، ج6/ص169-170.

[11] - السبحانى، بحوث فى الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامى، قم ، إيران، ط3/1417 ج6/ص294.

[12] - السبحانى، بحوث فى الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامى، قم، إيران، ط3/1417. ج6/ص295-296 .

[13] - حنفى، حسن حنفي، من العقيدة إلى الثورة، مكتبة مدبولى القاهرة، 1988 م، ج5/ ص 166- 167 .

 

إن جدليّة الإمامة بين الأصول والفروع عند الاشاعرة والإماميّة ترجع إلى تحديد أساسيات التفرقة بين الأصول والفروع عند المتكلمين. وأبجديات هذه التفرقة يصعب تحديدها على وجه يزيل اللبس والإشكال عند المتكلمين. وعلى هذا فإن جدليّة الإمامة بين الأصول والفروع، يمكن دراستها فى إطار علاقة الإيمان بالعمل، كما سبقت الإشارة إليه، أو فى إطار علاقة أصول الدين بالفروع ، حسب تصنيف العلوم الإسلامية. ومن هذا المنظور يمكن دراسة هذه الجدلية من ناحيتين:

2-1. تصنيف العلوم إلى أصول و فروع حسب رؤية المتكلمين.

2-2. تصنيف الأدلة إلى أدلة قطعية يقينية وإلى أدلة ظنية غير يقينية.

2-1. الإمامة بين التّوحيد والمعرفة وبين الشّريعة والطّاعة:

للتمييز بين الأصول والفروع من خلال رؤية المتكلمين سوف نختار رؤية عالمين من علماء الأشاعرة، وهما الشهرستاني [ت:548ھ/1153م] والتفتازاني [ت:791-792ھ/ 1388م- 1389م].

2-1-1. ضوابط التفرقة بين الأصول والفروع عند التفتازاني:

إذا نظرنا إلى أوجه تصنيف العلوم إلى أصول وفروع عند التفتازاني، فإننا نجد أنه جعل الأصول والفروع تحت سقف«الأحكام الشرعية، » ثم صنفها إلى قسمين:

ما يتعلق بكيفية العمل، وتسمى فرعيّة وعمليّة.

وما يتعلق بكيفية الإعتقاد، وتسمى أصليّة وإعتقاديّة« والعلم المتعلق بالأولى يسمى علم الشرائع والأحكام؛ لأنها لا تستفاد إلا من وجهة الشرع، حيث يسمى ما يفيد معرفة الأحكام العملية عن أدلتها التفصيلية بالفقه. أما الثانية: فتسمى علم التوحيد والصفات، لما أنّ ذلك أشهر مباحثه وأشرف مقاصده»[1].

2-1-2. ضوابط التفرقة بين الأصول والفروع عند الشهرستاني:

الإمام الشهرستاني[ت:548ھ/1153م] حاول تصنيف العلوم إلى أصول وفروع فى كتابه: «الملل والنحل»، حيث نقل بعض أراء المتكلمين في التفرقة بين الأصول والفروع، من غير ربط تلك الأراء إلى أصحابها. إلا أنه يمكن تمييز الأصول من الفروع حسب ما نقله الشهرستانى إلى أربعة أوجه:

الأصول وهو«معرفة البارى تعالى بوحدانيته وصفاته، ومعرفة الرسل بآياتهم وبيّناتهم»[2].

الأصول وهو:«كل ما هو معقول، ويتوصل إليه بالنظر والإستدلال؛ فهو من الأصول وكل ما هو مظنون ويتوصل إليه بالقياس والإجتهاد فهو من الفروع»[3].

«كل مسألة يتعين الحق فيها بين المتخاصمين فهي من الأصول»[4].

العلوم تنقسم إلى معرفة وطاعة. والمعرفة أصل، والطاعة فرع. فمن تكلم فى المعرفة والتوحيد كان أصوليا، ومن تكلم فى الطاعة والشريعة، كان فروعيا. فالأصول هو موضوع علم الكلام، والفروع هو موضوع علم الفقه»[5].

2-1-3. مناقشة ضوابط التفرقة بين الأصول والفروع عند الشهرستاني:

يمكن تصنيف الأوجه التي ذكرها الشهرستاني إلى المعرفة  Epistemology)) يتوصل إليها بالإستدلال والنظر، وإلى الشريعة( التي (Islamic lawيتوصل إليها بالإجتهاد والقياس. ومن هذا المنظور، تتترد الإمامة بين المعرفة(Epistemology) بإعتبارها أصلا من الأصول وبين الشريعة((Sharī‛ah بإعتبارها فرعا من الفروع.

هذا وتقسيم العلوم إلى أصول وفروع من حيث النّظريّة(theory)، يبدو أنه لاخلاف بين الإماميّة وبين الأشاعرة، من حيث النظر العلمي. إلا أن الخلاف يشكّل وجه تصنيف الإمامة. فإذا نظرنا إلى تصنيف الإماميّة والأشاعرة في مفهوم الإمامة، نجد أن الإماميّة إعتبرت الإمامة جزءا من المعرفة (Epistemology)، أو جزء من العقيدةBelief))، بينما إعتبرتها الأشاعرة جزءا من الشريعة(Sharī‛ah).

كما يمكن أيضا تخريج إعتبار الإمامة جزءا من المعرفة عند الإماميّة، بإعتبار كون الإمام قائما مقام النبى صلى الله عليه وسلم في المعرفة(Epistemology)، وذلك أنه لما كان النبي صلى الله عليه وسلم، أصلا للمعرفة ، لزم أن يكون الإمام أيضا أصلا للمعرفة. وبالتالي يجب على كل فرد من الأمة -حسب إعتبار الإماميّة- أن يعْرِفَ المرء إمامه، ما دام الإمام هو وسيلة إلى المعرفة، وهي وسيلة إلى معرفة الله سبحانه وتعالى و توحيده. وهكذا تعتقد الإماميّة« بأن الإمامة من أصول الدين؛ لأنهم علموا أن بقاء الدين والشريعة موقوف على وجود الإمام، كما أن حدوث الشريعة موقوف على وجود النبي صلى الله عليه وسلم. فحاجة الدين إلى الإمام بمنزلة حاجته إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا ثبت أن الإمامة أصل من أصول الدين، فاللازم فيه هو تحصيل العلم، ولا يكفى فيه التقليد الذي لا يفيد إلا الظن، لما عرفت من أن إحتمال الضرر لا يدفع بسلوك الطريق الظني، كما لا يخفى. ثم إن معنى كون الإمامة من أصول الدين هو وجوب الإعتقاد والتدين بوجود الإمام المنصوص من الله سبحانه وتعالى، في كل عصر بعد النبي صلى الله عليه وسلم »[6].

إن منطلق الإماميّة في مفهوم الإمامة بإعتبار كونها جزءا من المعرفة، تتحقق بوجود الإمام. ومن هنا يجب على المرء معرفته بالإمام. لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية». وفي حديث آخر:« من مات ولم يعرف إمام زمانه فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا». وهذان الأثران تفيدان:«بأن معرفة الإمام إن حصل ثبت الإسلام، وإلا فلا إسلام له. وكيف كان، فإذا كان مفاد الحديث أن معرفة الإمام، من مقومات الدين أو الإسلام، فكيف لا تكون داخلة في أصول الدين وأساسها»[7].

هذا الكلام في مفهوم الإمامة، ليس على الإطلاق عند الإماميّة، بل يحتاج إلى تبيان أكثر وضوحا. وهو أن الإمامة من مقومات الدين عند الإماميّة، لا أن الإسلام يتوقف بحصول الإمامة كما تشير الآثر المتقدمة.

هذا وقد أجاب السيد محسن الخزازي عن هذا الإشكال عند الإماميّة قائلا:«ثم إن الإمامة- إذا كانت الإمامة أصلا من أصول الدين- يلزم من فقدها إخلال الدين، ولكن مقتضى الأدلة التعبدية، هو كفاية الشهادتين في إجراء الأحكام الإسلاميّة في المجتمع الإسلامي، في ظاهر الحال، ولا منافاة بينهما فلا تغفل، ولِمَا ذكر يظهر وجه تسمية الإمامة والعدل بأصول المذهب. فإن معناه بعد ما عرفت من كفاية الشهادتين تعبدا في ترتيب أحكام الإسلام، أن إنكارهما«الإمامة والعدل» يوجب الخروج من مذهب الإماميّة لا عن إجراء الأحكام الإسلامية»[8].

ثم إن كون الإمامة من المعرفة عند الإماميّة، يقتضي كون الإمام حاصلا للمعرفة الإلهية- لا كما تشترط عليه الأشاعرة أن يعرف الإمام الأحكام الشرعيّة- ليتوصل بها إلى تأويل النص القرآني المتشابه بالحوادث المتجددة.

وينبغي أن ندرك أن حقيقة كون الإمامة من الدين عند الإمامية، تعنى أن الإمامة جزءا من المعرفة، حيث إن وظائف الإمام ، تمثل مثل وظائف النبي صلى الله عليه وسلم، من حيث كشف حقيقة النص وتأويله.

فلكى ندرك جزءا من علاقة الإمام بالنبي من جهة المعرفة، نذكر جانبا من وظائف النبي صلى الله عليه وسلم، والتى تلزم أيضا على الإمام تغطيتها، ومنها:

كان الرسول صلى الله عليه وسلم، يفسر الكتاب العزيز، ويشرح مقاصده وأهدافه، ويكشف رموزه وأسراره.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم، يبين أحكام الموضوعات التي كانت تحدث في زمن دعوته.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم، يرد على الحملات التشكيكية، والتساؤلات العويصة المريبة التي كان يثيرها أعداء الإسلام من يهود ونصارى.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم، يصون الدين من التحريف والدس، ويراقب ما أخذه عنه المسلمون من أصول وفروع حتى لا تزلّ فيه أقدامهم[9].

من هذا المنطلق، فالإمامة عند الإماميّة هي« الخلافة الإلهية التي تكون متممة لوظائف النبي صلى الله عليه وسلم، وإدامتها عدا الوحي. فكل وظيفة من وظائف الرسول صلى الله عيه وسلم، من هداية البشر وإرشادهم وسوقهم، وإقامة العدل، ورفع الظلم والعدوان، وحفظ الشرع، وبيان الكتاب، ورفع الإختلاف، وتزكية الناس وتربيتهم، وغير ذلك ثابتة للإمام. وعليه فما أوجب أدراج النبوة في أصول الدين، أوجب أدراج الإمامة»[10].

وبهذا الإعتبار، تجسدت المعرفة الإلهية الكلية، في الإمام، مثل ما تجسدت في النبي صلى الله عليه وسلم. وذلك أن الإمام من حيث المعرفة لا يفارق عن النبي -عند الإماميّة- إلا صفة الوحي، أما باقي الصفات فهي مشتركة بينهما. وعلى هذا فكل علة توجب بعثة الأنبياء، فهي واردة أيضا في حق الأئمة؛ لأن الغرض من بعثة الأنبياء كانت تتجسد بالدرجة الأولى بالمعرفة الدالة لهداية البشر، فكذلك الإمام، لابد أن يتصف بالدرجة الأولى بالمعرفة الإلهية، وذلك لكونه قائما مقام النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الإطار يمكن تفسير الإمامة حول أصوليّها من جهة المعرفة عند الإماميّة.

ومن هنا يظهر، حسب رؤية علي مبروك، فى كتابه:«عن الإمامة والسياسة و الخطاب التاريخى فى علم العقائد» أن الفرق بين الأشاعرة والإماميّة حول إشكاليّة الإمامة، هو المعرفة والتأويل. وذلك يتجلى في إشكالية تأويل الوحى(النص) والدولة. وهذه الإشكالية يمكن طرحها: هل يشترط توحيد الإمامة(القيادة)مع تأويل النص الوحى فى شخص واحد، كما اتحد التنزيل (الوحي) والإمامة(القيادة)في شخصيّة الرسول صلى الله عليه وسلم فيه؟.

وبناءعلى هذا إعتبر على مبروك إشكاليّة توحيد السلطة بتأويل الوحى، جوهر الخلاف بين أهل السنة والشيعة في مسألة الإمامة« وهكذا تتجاوز الإمامة كونها مجرد سياسة فقط، وذلك من حيث إن السياسة تبدو فيها مشروطة بحضور تأويلى ينتظمها الأمر الذى يعنى أن تجد الدولة، ما يؤسسها ثقافيا فى مبدأ باطنى خاص(هو الوحى وتأويله)، ومن هنا قوّتها وتمكّنها»[11].

وهذه هي المشكلة التى أدّت فى نهاية المطاف إلى الإنفصال التام بين العلم والحكم، مما أدّى أخيرا إلى إنهيار نظام العالم الإسلاميّ كليا عَبْرَ أحداثه الطويلة المريرة[12].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد ابراهيم:

........................

[1] - التفتازاني، شرح عقائد النسفية، تحقيق، محمد عدنان درويش، وبمراجعة، الشيخ أديب الكلاس مكتبة دار البيروني، 1411ھ ، (بدون رقم الطبعة)، ص52.

[2] - الشهرستانى، الملل والنحل، تحقيق، محمد سيد كيلاني، دار المعرفة ، بيروت، لبنان، (بدون رقم الطبعة والتاريخ) ج1/ص41.

[3] - المصدر السابق، ص 42.

[4] - المصدر السابق، ص 42.

[5] - المصدر السابق، ص 41.

[6] - المصدر السابق، ج2/ص22.

[7] - المصدر السابق، ، ج2/21

[8] - المصدر السابق ج2/22-23.

[9] - السبحانى، الإلهيات على هدى الكتاب والسنة، بقلم محمد مكى العاملى، إعتماد، قم، إيران ط4/1417 ج4/ ص26-27.

[10] - الخزازى، بداية المعارف فى شرح عقائد الإمامية، مركز مديرية حوزة، قم، إيران، ط1/1411ھ ، ج2/ص19.

[11] - مبروك ، على، عن الإمامة والسياسة والخطاب التاريخى فى علم العقائد، مر كز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 2002م ص80-81.

[12] - الغزالى، المحاور الخمسة للقرآن الكريم ، دار القلم دمشق، سوريا، 1411ھ/1991م‘ص127.

 

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الخامس ونكمل حديثا عن الطرق التي عالج بها كبار المتكلمين الأشعريين موضوعا المنطق اليوناني، وفي هذا نقول: ويجدر بنا أن نشير إلي الطرق التي انتهجتها مدرسة الأشاعرة، لتناول موضوعات، فعلي سبيل المثال استعمل الغزالي في تفصيله للمعاني وشرحه لألفاظ المنطق "المنهج التحليلي" الذي يرتكز علي ما أسماه المناطقة المسلمين "مباحث الاستدلال"، وهي تقوم علي أسس تحليلية طبقها الغزالي لتقصي معالم المنطق الارسطي وأبعاده . ولقد درج شراح أرسطو علي هذا المنهج، وبخاصة الفلاسفة المسلمون، أمثال الفارابي وابن سينا عندما تناولوا المنطق الصوري وفسروه .

وها نحن نذكرها هنا لنبين كيف تناول الأشاعرة  هذا المنهج، وذلك فيما يلي:

السبر والتقسيم:

اتبع مفكرو علماء الكلام، هذا المسلك في عرضهم وشرحهم لمختلف قضايا الفلسفة والكلام والشرع، فقد استعمله في كتابه " البرهان في أصول الفقه"، بقوله:  وهو أن يبحث الناظر عن معاني مجتمعه في الأصل ويتتبعها واحدا واحدا، ويبين خروج آحادها عن صلاح التعليل، إلا واحدا يراه ويرضاه" .

ولقد ساير الغزالي أستاذه الجويني في هذا المسلك، فقد تكلم عنه في معيار العلم، ثم في كتابه " الاقتصاد في الاعتقاد "، عندما عرض لمناهج الأدلة بقوله معرفاً هذا المسلك:" هو أن يحضر الأمر في قسمين، ثم يبطل أحدهما، فيلزم منه ثبوت الثاني ".

وهذا ما فعله أيضا الفخر الرازي، كلما كانت تطرح أمامه مشكلة فيحللها من جميع جوانبها متتبعا دقائق معانيها، إلي أن يخرج برأي ينتقيه أفضل برهان يفند رأي المتكلمين، أن يثبته، ثم يصل في النهاية إلي الاستنتاج، وبهذا تنحل الحيرة فيكون قد طرح الحل النهائي بعد سبر جميع الحلول وتقسيمها .

2- المقابلة والحذف:

ويستعملها كبار علماء الكلام أيضاً في عرضهم لمنهجية تلخيص المنطق اليوناني، حيث نراهم يقابلون بين رأي " الفارابي وابن سينا "، فيحذفون منها البرهان الأضعف، ليحتفظوا بالأجدر والأفضل، ويظهر ذلك واضحا، حين يعرض الفخر الرازي لقيمة علم المنطق، حيث يعرض لرأي" الفارابي "، ثم رأي " ابن سينا"، ثم يحللهما ويقابل بينهما، وأخيرا يختار الرأي الذي يراه صحيحا، يقول " كان الشيخ " أبو نصر الفارابي " يسميه رئيس العلوم، وكان الشيخ " أبو علي (يعني ابن سينا) ينكر هذا الرئاسة . ويقول: إنه كالخادم للعلوم، والآلة في تحصيلها . وهذا البحث أيضا لفظي . فإن الرئيس إن كان هو الذي ينفذ حكمه علي غيره، ولا ينفذ حكم غيره عليه .فالمنطق رئيس العلوم بأسرها لأن حكم المنطق ناقد في كل العلوم، وشئ من العلوم لا يجري حكمه فيه وأن كان شرط كونه رئيسا أن يكون مقصودا لذاته، فالمنطق ليس كذلك .

وهناك وجه آخر لهذه الطريقة هي " طريقة القابلة " بين الآراء والنقاش الذي جري حول مسائل المنطق الأرسطي، فنجد " الفخر الرازي" في كتاباته المنطقية يقيم حوارا غير مباشر يمر عبره بين أرسطو وشراحه المسلمين أو بينه وبين هؤلاء الشراح، مستندا إلي ما كتبوه حول منطق أرسطو، ويبدو ذلك واضحا حين يناقش ويحاور المناطقة في قضية تعريف اللفظ والمركب حيث يقول:" اعلم أن الحكيم " ارسطاطليس " قال:" اللفظ المفرد هو الذي لا يدلنا جزء منه علي شئ أصلاً . فأوردوا عليه سؤالاً . وقالوا: هذا يشكل بقولنا " عبد الله " فإنه لفظ مفرد، مع أن له جزئين، وكل واحد منهما دال علي معني . وأجاب المناصرون لقوله عن هذا السؤال بجواب حق . فقالوا إن قولنا " عبد الله " قد يذكر ويراد به جعله اسم علم .وقد يذكر ويراد به جعله نعتا وصفه . فإن أردنا به الأول، فهو لفظ مفرد، ولكن لا يبقي لشئ من أجزائه دلالة أصلا . لأن العلم هو اللفظ الذي جعل قائماً مقام الإشارة إلي ذلك الشخص المعين، من حيث أنه ذلك المعين، ولهذا قال النحويون "أسماء الأعلام" لا تفيد فائدة في المسميات البتة، بل هي قائمة مقام الإشارات، وإذا كان كذلك، فقد ظهر أن " عبد الله " إذا جعل اسم علم، فإنه لا يكون لشئ من أجزائه دلالة علي شئ أصلاً أما إذا أردنا أن نجعل قولنا " عبد الله" نعتا وصفه . فهو بهذا الاعتبار مركب لا مفرد . وهذا جواب عن السؤال المذكور:

ومن الناس من ترك تعريف اللفظ المفرد بذلك الوجه، بل هذا: هو الذي لا يدل جزء من أجزائه، علي جزء من أجزاء معناه . وهذا القائل إنما اختار هذا الوجه فرارا من ذلك السؤال . فإن قولنا " عبد الله " إن كل واحد من جزئه علي شئ، لكنه لم يدل شئ من أجزاء هذه الكلمة علي شئ من أجزاء هذا المعني . لأن هذا اللفظ إذا جعل اسم علم، كان مسماه هو ذلك الشخص ولا يمكن أن يقال: إن قولنا " عبد" يدل علي بعض أجزاء ذلك الشخص . وقولنا " الله" يدل علي نعته الآخر . فثبت أن قولنا " عبد الله" لا يفيد شئ من أجزائه شيئا من أجزاء معناه . وأعلم أن اختيار الشيخ الرئيس ( يعني ابن سينا)  في "الشفاء " و" الاشارات" هو الوجه الأول، واختياره في هذا الكتاب هو هذا الثاني . ولا منافاة بين القولين، لأن لكل أحد أن يفسر لفظه بما شاء .

مما سبق يتضح لنا الكيفية التي عالج بها الأشاعرة موضوعات المنطق اليوناني، وقد تأثروا فيها بفلاسفة المسلمين .

وهنا ننتقل إلي معالجة نقطة أخري مهمة مهي، كيف نشأ المنطق عند الأشاعرة في ظل شروح الفلاسفة المسلمين، وبخاصة " ابن سينا " علي الاورجانون الأرسطي، خاصة بعد أن رأينا  كيف نشا الفقه عند الأشاعرة من خلال المذهب الشافعي الذي كانوا يعتنقونه، ثم عرضنا بعد ذلك لكيفية دخول المنطق الأرسطي في الفقه عند الأشاعرة عن طريق الغزالي، ثم اتضح لنا كيف كان الإمام الجويني يمثل حلقة الوصل بين طريقتين: طريقة المتقدمين وطريقة المتأخرين . وفيما يخص طريقة المتقدمين نلاحظ أن قلة ما وصل إلينا حتي اليوم من مؤلفاتهم المنطقية تخول لنا القول بشئ من الحذر أنه لم يكن لدي أصحابها فيما بين أيدينا اليوم من هذه المؤلفات اهتمامات منطقية بشكل واضح، وإنما يغلب علي طريقتهم الأسلوب الجدلي الذي أخذت مبادؤه من نفس طرق البحث والتفكير والاستدلال المتبع في الفقه والنحو، بمعني أن طريقة المتقدمين ترفض الاستغاثة بالمنطق الأرسطي في أبحاثهم واستنباطاتهم الفقهية . أقول هذا لأن بعض المتقدمين أمثال " أبا الحسن الأشعري " و" أبي بكر الباقلاني " و" ابن فورك" ( ت: 406هـ) لم تصل بعض أعمالهم الفقهية عند هؤلاء المتقدمين من الأشاعرة، ولم يكتب لها البقاء ومازلنا نفتقدها حتي اليوم .

أما طريقة المتأخرين، فقد حال أصحابها ربط بحوثهم الفقهية بالمناهج والأقيسة الأرسطية .

ونريد هنا في هذا الفقال، عرض قضية العلاقة بين المنطق والفقه عند كبار الأشاعرة بأبعادها المختلفة، وبيان موقف كل من هؤلاء، من هذه القضية ليتضح لنا مدي اسهاماتهم في توثيق هذه العلاقة وإثرائها عبر القرون المتلاحقة .

ونبدأ فنتكلم عن  العلاقة بين المنطق والفقه عند الجويني  وفي هذا يمكن القول: إن مرجعيتنا في الحديث عن طبيعة العلاقة بين المنطق والفقه عند الجويني، تتمثل في كتابه المعروف " البرهان في علم أصول الفقه "، الذي وقف فيه موقفاً وسطاً بين طريقة المتقدمين وطريقة المتأخرين ؛ فهو يتحدث عن الأقيسة الفقهية التي وردت عند المتقدمين والمتأخرين، ومن بين هذه الأقيسة علي سبيل المثال لا الحصر:-

1- قياس الشبه: ويعني تشبيه الشئ لأشياء خاصة يشتمل عليها من غير التزام كونها مخيلة مناسبة . ثم يقسمه الجويني إلي قياس من الأعلي إلي الأدني، وقياس من الأدني إلي الأعلي .

2- قياس المعني: وهو الذي يرتبط الحكم به في معني مناسب للحكم مخيل مشعر به .

3- قياس الطرد: وهو الذي لا يناسب الحكم، ولا يشعر به، ولو فرض ربط نقيض الحكم به لم يترجح في مسلك الظن، قبل البحث عن القوداح النفي علي الإثبات .

4- قياس العكس: ويعني انتفاء الحكم لانتفاء العلة، ويذكر الجويني، بأن الأصوليين استدلوا بأن الغرض الأقصى منه النظر، والمباحثة عن العلل غلبة الظن، وهذا المقصود يظهر جداً فيما يطرد – من غير انتقاص – وينعكس وكأن الحكم يساوقه إذا وجد وينتفي إذا انتفي، ولذا غلب علي الظن تعليق الحكم المتفق عليه في الأصل المعتبر ؛ بمعني فلم يبطل كونه عله بمسلك من المسالك، فقد حصل الغرض من غلبة الظن، وعدم الانتقاض وينزل ذلك منزلة الإحالة السليمة لدي العرض علي الأصول.

6- قياس العلة: وهو عكس قياس الدلالة، ويعني استنباط المعاني المخيلة المناسبة من الأحكام الثابتة في مواقع النصوص والإجماع، ثم إذا وضح ذلك علي الشرائط الفقهية، وثبتت تلك المعاني في غير مواقع النص، سلمت عن المبطلات ؛ فهذا القسم يسمي قياس العلة، وهو علي التحقيق بحر الفقه ومجموعه، وفيه يتنافس النظار .

7- السبر والتقسيم: ومعناه علي الجملة أن الناظر يبحث عن معاني مجتمعه في الأصل، ويتتبعها واحدا واحدا، ويبين خروج آحادها عن صلاح التعليل به، إلا واحدا يراه ويرتضاه  .

هذه هي الأقيسة التي ذكرها الجويني عند المتقدمين والمتأخرين، ونلاحظ هنا أن الجويني متأثر بالنزعة المنطقية التي كانت توجد لدي الإمام الشعري، وإن كان ينتقد طرائق المتقدمين عليه في الاستدلال، ويظهر ذلك في عرضه لبعض الطرق الاستدلالية التي كان يستعملها المتكلون والأصوليون قبل أخذهم بالمنطق اليوناني، ومن بين هذه الطرق الاستدلالية:

- قياس الغائب علي الشاهد .

- إنتاج المقدمات للنتائج .

- الاستدلال بالمتفق عليه علي المختلف فيه .

- السبر والتقسيم .

يقول الجويني:" رتب أئمتنا أدلة العقل ترتيباً ننقله، ثم نبين فساده ونوضح مختارنا فنكون جامعيين، بين نقل تراجم المذاهب، والتنبيه علي الصواب منها . قالوا: أدلة العقول تنقسم أربعة أقسام: أحداها: بناء الغائب علي الشاهد، والثاني: إنتاج المقدمات النتاج، والثالث: السبر والتقسيم، والرابع: الاستدلال بالمتفق عليه المختلف فيه " .

ويشرح الجويني كل قسم من هذه الأقسام علي حده، ثم يعقب بنقده عليه، فيقول:" فأما نحن فلا نرتضي شيئاً من ذلك . فأما بناء الغائب علي الشاهد فلا أصل له، فإن التحكم به باطل وفاقاً والجمع بالعلة لا أصل له، إذ لا معلول ولا عله عندنا، وكون العالم عالما هو العلم بعينه . والجمع بالحقيقة ليس بشئ، فإن العلم الحادث مخالف للعلم القديم، فكيف يجتمعان في الحقيقة مع اختلافهما ؟

ويستطرد الجويني فيقول:" والقول الجامع في ذلك: أنه إن قام دليل علي المطلوب في الغائب فهو المقصود ولا أثر لذكر الشاهد، وإن لم يقم دليل علي المطلوب في الغائب، فذكر الشاهد لا معني له، وليس في المعقول قياس. اما المقدمة والنتيجة فلست أري في عد ذلك صنفا من أدلة العقول معني، وحاصل للفصل بين النظري، إذ العلوم كلها ضرورية . والاستدلال بالمتفق علي المختلف لا أصل له، فإن المطلوب في المعقولات العلم ولا أثر للخلاف والوفاق فيها . وأما السبر والتقسيم فمعظم ما يستعمل منه باطل، فإنه لا ينحصر في نفي وإثبات كقول من يقول لو كان الإله مرئيا لرأيناه الآن، فإن المانع من الرؤية القرب المفرط أو البعد المفرط أو الحجب إلي غير ذلك مما يعدونه، وهذا الفن لا يفيد علما قط،ويكفي في رده قول المعترض: بم تنكرون علي من يثبت مانعاً غير ما ذكرتموه فلا يجد السابر المقسم من ذلك محيصاً ".... وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

موقف الإمام أبى حنيفة من الحكم الأمويّ والعباسيّ:

قال الزمخشري[ت:538ھ/1143م] عند تفسير قوله تعالى: ﴿إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدى الطالمين﴾ [البقرة:124] قال رحمه الله تعالى:« أي من كان ظالما من ذريتك لا يناله إستخلافي وعهدي إليه بالإمامة، وإنما ينال من كان عادلا بريئا من الظلم. وقالوا: في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة، وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته، ولا تجب طاعته، ولا يقبل خبره، ولا يقدم للصلاة. وكان أبو حنيفة رحمه الله يفتي سرا بوجوب نصرة زيد بن علي رضوان الله عليهما، وحمْلُ المال إليه والخروج معه على اللص المتغلب المتسمي بالإمام والخليفة، كالدوانيقي وأشباهه[1]. وقالت له إمرأة أشرتَ على إبني بالخروج مع إبراهيم ومحمد إبنى عبد الله بن الحسن حتى قتل،  فقال ليتني مكان إبنك. وكان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عدّ آجره لما فعلت. وعن إبن عيينة، لا يكون الظالم إماما قط، وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة، والإمام إنما هو لكف الظلمة، فإذا نُصِبَ من كان ظالما في نفسه، فقد جاء المثل السائر، من إسترعى الذئب ظلم»[2]

يذكر الشيخ أبو زهرة رحمه الله موقف أبي حنيفة من سياسية بني أمية وبني العباس، فقال: « كان رضي الله عنه لنزعته العلوية من غير تشيع، لا يرى لبني أمية أىّ حق في أمارة المؤمنين، ولكنه ما كان ليثور عليهم، ولعله كان يهمّ أن يفعل. ويروى أنه لما خرج زيد بن علي، بالكوفة على هشام بن عبد الملك، قال أبو حنيفة: «ضاها خروجه خروج رسول الله يوم بدر» فقيل له: لم تخلفت عنه؟ قال:«حبسنى عنه ودائع الناس، عرضتها على ابن أبي ليلى،  فلم يقبل، فخفت أن أموت مُجْهِلاً». ويروى أنه قال في الإعتذار عن عدم الخروج مع زيد: لوعلمت أن الناس يخذلونه كما خذلوا جدّه (الحسين بن علي) لجاهدت معه، لأنه إمام حق، ولكنى أعينه بمالي فبعث إليه عشرة آلاف درهم وقال للرسول: «أبسط عذري له» وإن هذا يدل على أنه ما كان بنو أمية بأهلٍ للإمارة في نظره. وعلى أنه كان يرى زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب هو الإمام، ولكنه لم يكن مؤمنا بحسن النتائج لمعرفته لأخلاق العراقيين الذين يقولون ولا يعملون.. ومع ذلك لم يرِدْ أن يكون مع المعوقين المثبطين، فأرسل المعونة المالية»[3].

«كان أبوحنيفة يوالي العباسيين بقدر إنصافهم من الظلم والقيام بالعدل في أول الأمر، حتى وقعت الخصومة بينهم وبين أبناء عليّ بن أبي طالب لذا،« لم يكن بُدٌ من أن ينْقِم أبوحنيفة من العباسين كما نقم من الأمويين. ولكنه كشأنه في نقمته لا يزيد على الكلام في غضون الدرس»[4].

هكذا أستمرت معارضة أبي حنيفة في الحكم العباسى والنصرة لأبناء عليّ الذين ثاروا على خلافة أبي جعفر المنصور، كمحمد بن عبد الله بن حسن النفس الزكية، وأخوه أبراهيم بن عبد الله بن حسن. وكان أبوهما-عبد الله بن حسن - شيخا لأبى حنيفة، في سجن المنصور وقت خروجهما على المنصور، إلى أن مات وهو كظيم  في السجن بعد مقتل ولديْه. وأستمرت حالته بالمعارضة حتى رفض أن يقلد منصب القضاء« عندئذ حبسه المنصور، وعذبه فأمر بضربه  كل يومٍ عشرة أسواطٍ، حتى أشرف على التلف، فأخرجه المنصور، ومنعه من الدرس والإفتاء.. وقد مات بعد ذلك بقليل، وأوصى ألا يدفن في مقبرة جرى فيها غصب، أوأُتهم  فيها بغصب، ولذلك قال المنصور:« من يعذرني من أبي حنيفة حيّا وميّا»[5].

موقف الإمام مالك من الحكم العباسيّ:

رغم أن الإمام مالك لم يكن موقفه، كموقف الإمام أبي حنيفة، فى مواجهة الحكم الأموي والعباسي، إلا أنه كان يؤمن بعدم صحة بيعة المُكْرَهْ. ولهذا السبب كما رجّحه الشيخ أبو زهرة، لَقِىَ الإمام مالك في محنة شديدة في أيام أبى المنصور العباسي؛ لأنه كان يفتي الحديث: «ليس على مستكره بيعة». وقد كان العلويّون الذين خرجوا مع النفس الزكية، يدعون أن بيعة المنصور قد أخذت كرها فأتُخِذ هذا الحديث ذريعة لإبطال البيعة، فنهاه والي المدينة بإسم المنصور، أن يحدّث الإمام مالك به،  ثم دسّ عليه من يسأله عنه، فحدث به على رؤوس الأشهاد، وقد وجد مع ذلك أولئك الذين يكيدون لإمام الهجرة مالك، حيث روّجوا أنه ليس من الموالين للمنصور ودولته[6]

فقد جاء فى مناقب ابن البزاري، أن الخليفة المنصور جمع بين الأئمة الثلاثة، أعنى أبى حنيفة، ومالك بن أنس، وابن أبى ذئب، يسألهم عن حكم خلافته. فقال الإمام مالك: قولا لينا. وقال ابن أبى ذئب: قولا عنيفا. وقال أبو حنيفة: «المسترشد لدينه يكون بعيد الغضب، إن أنت نصحت لنفسك علمْتَ أنك لم ترد الله بإجتماعنا، فإنما أردت أن تعْلَمَ العامةُ أن نقول فيك ما تهواه مخافة منك. ولقد ولّيتَ الخلافة وما اجتمع عليك إثنان من أهل الفتوى. والخلافة تكون بإجتماع المؤمنين ومشورتهم»[7].

وهكذا تعتبر سياسية النظام الملكي الوراثي،حسب رؤية الشيخ الغزالي، نظاما سياسيا فاسدا؛ لأنه أدّى إلى إلإنفصام بين الحكم والعلم. فقال رحمه الله :« وفى هذه البيئة إنفصل العلم عن الحكم، ووقعت بين الفقهاء والساسة جفوة شديدة، وقد كان هوى أبي حنيفة ومالك رضي الله عنهما مع الثائرين المتمردين. فاما أبو حنيفة فقد رفض كل تعاون مع الدولة، وظل على موقفه حتى مات فى السجن. وأما مالك، فقد إبتعد بأدب، ورأى أن يخدم الإسلام بين عامة الناس دون إشتباك مع الحكام، بيد أن الفتوى فيما يقع من هولاء الحكام جعلته يعلن بطلان الأيْمان التى تؤخذ لأولياء العهد، فجوزي على ذلك بالضرب حتى كسرت ذراعه! ثم إعتذر الخليفة له بعد ذلك»[8].

موقف الإمام الشافعي من الحكم العباسيّ:

إن حالة الإمام الشافعي هى أشد بكثير،  نظرا لموالاته للثورة العلويّة، والذين ثاروا ضد الحكم الأمويّ والعباسيّ، حتى أتّهم أخيرا بالرفض إلى أن قال:

ياراكباً قف بالمحصّب من مِنَىْ      واهتفْ بقاعدِ خيْفِها والناهضِ

سحراً إذا فاض الحجيجٌ إلى مِنىً    فَيْضا بمٌلْتَطم الفٌرات الفائِضِ

إن كان رفضاً حبُ آل محمد           فليشهد الثقلان أنّى رافضيّ.

هذه التهمة- ضد الإمام الشافعي - قد بلفت ذروتها  حين وشَّى والي الخليفة  في اليمن- وكان الإمام وقتئذ في اليمن- إلى الخليفة العباسيّة هارون الرشيد، حيث أُعْتُبر ضمن تسعة أتّهموا بمساندة الثورة العلويّة ضد الحكم العباسيّ«وبسبب ذلك سيق الشافعي مكبلا بالحديد إلى بغداد، وتلك وفدته الأولى إليها وكانت في سنة[184ھ/800م] وسنّه نحو أربع وثلاثين»[9].

هناك رأي أخر نُسِبَ إلى الشافعي، ومفاده، أن الإمامة قد تجيئ من غير بيعة، إن كان ثمة ضرورة. وقد نقل  تلميذه حرملة بن يجيى التجيبي عنه أنه قال: إن كل قرشي غلب على الخلافة بالسيف حتى سمي خليفة واجتمع عليه الناس فهو خليفة. وبناء على ذلك، فالإمامة عند الشافعي، حسب رؤية الشيخ أبي زهرة، تصحّ من أمرين:

كون المتصدي لها قرشيا.

ثم إجتماع الناس عليه، سواء أكان الإجتماع سابقا على إقامته خليفة كما هو الأمر في حالة الإنتخاب أوالبيعة، أم لاحقا لتنصيب نفسه خليفة كحال المتغلب الذي ذكره، رضي الله عنه[10].

إلا أنّ الدكتور مصطفى الشكعة ضعّف هذا الوجه المنسوب إلى الإمام الشافعي، فى كتابه «إسلام بلا مذاهب» حيث قال:«والحق أنه رأي خطير من الإمام الجليل؛ لأنه إذا صحت نسبة هذا الرأي إليه كانت خلافة معاوية صحيحة، بل وخلافة يزيد صحيحة، إذا صح لها أن تسمى خلافة. وأخشى أن أقول عن بيعة الحسين وبيعة زيد لا تكونان صحيحتين في ظل فتوى الإمام الشافعي. وإجتهاده ذلك أن الحسين عليه السلام كان يحمل بيعة صحيحة كل الصحة وكذلك كان زيد يحمل بيعة صحيحة كل الصحة»[11].

عموما،  فإن مما يؤيد عدم  صحة بيعة المتغلب، ما حدث مع معاوية عند ما أراد أن يبدل النظام الشورى بالنظام الوراثي الملكي. وقد ردّ عليه ابن الزبير قائلا:« عندنا إحدى ثلاث، أيها أخذت فهي لك رغبة وفيها خيار، إن شئت فاصنع فينا كما صنعه رسول الله، حيث قبضه الله ولم يستخلف، فدع هذا الأمر، حتى يختار الناس لأنفسهم. وإن شئت فاصنع كما صنع أبو بكر حيث عهد إلى رجل من قاصية قريش، وترك من ولده ومن رهطه الأدنين من كان لها أهلا. وإن شئت  فاصنع كما صنع عمر، حيث صيّرها إلى ستة نفر من قريش يختارون رجلا منهم، وترك ولده وأهل بيته، وفيهم من لو وُلِيَ إليه  لكان أهلا»[12].

بل أكثر من ذلك، نجد  في التاريخ الإسلامى، أن عبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، والحسن بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم إعتبروا النظام الملكي الوراثي الذي سنّه معاوية، أنه هرقليّ وليس شرعا، حيث إمتنعوا عن البيعة وحملوا السلاح من أجل ذلك حتي استشهد بعضهم دفاعا عن الحق، مثل الحسين بن علي في ثورته ضد يزيد بن معاوية[13].

وفي هذه الغمرة إستأثر معاوية بخلافة المسلمين وبنى الدولة الأموية على أُسُسْ عربيةٍ خالصةٍ، ونزع إلى الأبهة ينهل من التقليد البيزنطية، ومن رسوم التلاج الفارسي ما مدّ له في بذخه، وشموخه، وإحكام نفوذه. وتحقت حوله جماعة  تمتح من تعصبها له سلطتها وسعيها في بلاد الإسلام وتقلبها بين المناصب المختلفة[14].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد ابراهيم

...........................

[1] -  المقصود بالدوانيقي هو:  الخليفة أبى جعقر المنصور أخي السفاح، سمي بذلك قيل لبخله، وقد ذكر بعض المصنفين أنه لم يكن بخيلاً، وذكر من عطائه وكرمه أخباراً كثيرة، أنظر:أبا حيان الأندلسى محمد بن يوسف تفسير البحر المحيط، تحقيق، الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، و الشيخ علي محمد معوض،و  د/زكريا عبد المجيد النوقي، و د/أحمد النجولي الجمل، دار الكتب العلمية، لبنان/ بيروت، الأولى، 1422هـ /2001م، ج1/ص549 .

[2] - الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط1/1397ھ/1977م، ج1/ص309.

[3] - أبو زهرة، الإمام محمد، تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهية، دار الفكر العربى، بيروت لبنان، (بدون رقم الطبعة والتاريخ) ص368.

[4] - المصدر السابق، ص371.

[5] - المصدر السابق، ص370-374.

[6] - المصدر السابق، ص416.

[7] - أبو فاس، د / محمد عبد القادر، النظام السياسى فى الإسلام، درا القرآن الكريم، بيروت، لبنان، 1404ھ/1984م، ص256.

[8] - الغزالى، الشيخ محمد الغزالي، المحاور الخمسة للقرآن  الكريم، دار القلم دمشق، سوريا ط1/1991م، ص128.

[9] - أبو زهرة، محمد، تاريخ المذاهب الإسلامية، دار الفكر العربى، بيروت، لبنان، (بدون رقم الطبعة والتاريخ)، ص443.

[10] -  أبو زهرة، محمد،الشافعي  حياته وعصره أراؤه وفقهه، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، 1416ھ/1996ھ. ص124.

[11] - الشكعة، مصطفى، إسلام بلا مذاهب، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، القاهرة، ط5/1976م، ص429.

[12] -  العودات، هيثم مناع‘ ولاية العهد وحق الإنتخاب

http://www.mokarabat.com/mo3-7htm

 [13] - أبو فاس، د/ محمد عبد القادر، النظام السياسى فى الإسلام، درا القرآن الكريم بيروت، لبنان، (بدون رقم الطبعة) 1404ھ /1984م، ص255.

[14] - الشابي، د/على، مباحث في علم الكلام والفلسفة، دار بوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع، تونس، ط2/ 1984م،ص73.

 

محمود محمد علينعود مرة أخري في مقالنا الثالث للحديث عن دور المنطق في تجديد الخطاب العقدي عند الأشاعرة وفي هذا يمكن القول: بأن "وإذا تساءلنا عن هذا التمييز والفرق بين الطريقتين، نجد أن بعض الباحثين المعصرين يري أنه ليس إلا الصلة الضرورية المتبادلة، التي أثبتها المتقدمون بين فلسفتهم الطبيعية وبين العقيدة، وها نحن نري هذه الصلة تنفصم، والذي أدي إلي ذلك، هو استخدام منطق جديد، وهذا المنطق الجديد هو الذي يقوم فاصلا، وهو أمر لا نلبث أن نلاحظه لدي الجويني في كتابه " البرهان في أصول الفقه"، وليس المنطق في طريقة المتقدمين، إلا منطقا عربيا إسلاميا جاء من الأصول الفقهية التي يعتمد عليها الفقه في سياقه، ولم يظهر فيه القياس الأرسطي بعده، وقد اشتهرت هذه الطريقة بالباقلاني".

في حين أن طريقة المتأخرين اشتهرت بالغزالي، بينما كان الجويني نقطة الوسط بين طريقة المتقدمين وطريقة المتأخرين؛ فهو يعتبر أول أشعري أسهم في بناء طريقة المتأخرين، التي تخلت عن الأخذ بقياس الغائب عن الشاهد؛ وفي هذا يقول الجويني: " فإما بناء الغائب علي الشاهد فلا أصل له، فإن التحكم به باطل وفاقا. والجمع بالعلة لا أصل له، إذ لا علة ولا معلول عندنا، وكون العالم عالما هو العلم الحادث، مخالف للعلم القديم، فكيف يجتمعان في الحقيقة مع اختلافهما؟ والقول الجامع في ذلك : أنه إن قام دليل علي المطلوب في الغائب، فهو المقصود ولا أثر لذكر الشاهد، وإنه لم يقم دليل علي المطلوب في الغائب فذكر الشاهد لا معني له وليس في المعقول قياس".

ولما كان الجويني قد أسهم في بناء طريقة المتأخرين التي تخلت عن الأخذ بقياس الغائب علي الشاهد، فقد استخدم أساليب قياسية منطقية، كفكرة " السبر والتقسيم"، حيث يقول :" السبر والتقسيم، ومعناه علي الجملة أن الناظر يبحث في معان مجتمعة في الأصل، وينتقيها واحدا واحدا، ويبين خروج آحادها عن صلاح التعليل به، إلا واحدا يراه ويرتضاه، وهذا المسلك يجري في المعقولات علي نوعين : فإن كان التقسيم العقلي مشتملا علي النفي والإثبات حاضرا لهما، فإذا بطل أحد القسمين تعين الثاني للثبوت ".

وحتي في الوقت الذي تم فيه اعتماد اساليب قياسية منطقية من طرف الجويني بغية تطعيم المناهج اللامية، لم تستطع فيه تلك الأساليب ممارسة نفسها في وضوح وتميز واستقلال، بل انطبعت بالطابع البياني، أي " طريقة المتقدمين "، فالمقدمات أو ألأصول التي تم للجويني أخذها أخذها من منطق أرسطو كانت ناقصة.

ومع ذلك يعتبر الجويني أول من فتح الباب علي مصرعيه لتلميذه الغزالي الذي سيستخدم المنطق بشكل واضح في الدراسات الكلامية والفقهية. وهنا يمكن لنا أن ندرك إلي أي مدي ستكون حاجة الغزالي إلي المنطق، وإلي القياس الأرسطي بالذات، إنه سيكون في حجاة إليه لتقرير عقائد الأشعرية ضد المعتزلة الذين ظلوا متمسكين بمنهجهم المفضل " الاستدلال بالشاهد علي الغائب" وسيكون في حاجة إليه أكثر للرد علي التعليمة الباطنية الذين يبطلون الرأي والقياس، ويوقون بضرورة الأخذ من المعلم المعصوم، وسيكون في حاجة إليه أيضا لبيان تهافت الفلاسفة أنفسهم.

هذه الحجة الماسة إلي المنطق ستدفع الغزالي إلي تطويعه داخل الفكر الأشعري، إلي حد القول أنه هو القسطاس المستقيم، الذي عرض به القرآن العقيدة الإسلامية ورد به علي المجادلين الكفار، وأن أشكال القياس الأرسطي، هي نفسها " موازين القرآن "، كما أن الحاجة إلي المنطق ضرورية في علم الكلام لرد الضلالات والبدع وإزالة الشبهات وحراسة عقيدة العوام من تشويش المبتدعة والرد علي الباطنية.

فإعجاب الغزالي بالمنطق، ومحاولة ربطه بالدراسات الكلامية، جعل متأخري الأشاعرة يبدأون بحوثهم الكلامية بعرض المسائل المنطقية والمنهجية، والحديث عن طرائق العلم وأنواع الاستدلالات قبل الخوض في المسائل الكلامية، ومن هؤلاء " فخر الدين الرازي"، الذي استوعب الفلسفة المشائية الإسلامية، ثم كان أول من أدخل هذه الفلسفة في علم الكلام، ونتيجة لما قام به الرازي أصبح علم الكلام فلسفة، ويمكن القول بعبارة أخري أنه جعل تلك الفلسفة كلاما، وهكذا امتزج علم الكلام بالفلسفة.

وإذا كان الرازي قد أدخل الفلسفة في علم الكلام، فإنه علي ضوء الفلسفة المشائية السينوية، قد أعطي اتجاها جديدا لعلم الكلام.

فلقد ابتكر الرازي طريقة جديدة في تصنيف المؤلفات العقائدية، قبل تكوين المذاهب الكلامية الخاصة، حيث استن في كتابه " المحصل " سنة في تبويب المشاكل الكلامية وتقسيمها، وسار عليها معظم من جاءوا بعده، من أمثال " الآمدي " و " البيضاوي" و" الإيجي"، وهو في الجملة ممتاز في التقسيم والتبويب، فهو إذا عرض لمسألة كلامية أو لمشكلة فلسفية استعرض وجهات النظر المختلفة فيها في تصنيف جامع، مع ربط محكم لكل ما يتصل بالموضوع من موضوعات أخري. وقد يجر الموضوع الكلامي أو الفلسفي إلي أبحاث لغوية أو تفسيرية في عرضه لها دون أن يفلت منه زمام، وهو إذ يناقش وجات النظر التي يعرض لها، يحدد موقفه الذي يعتقد أنه الحق، ويدافع عنه، وإذا كانت للرازي تلك القدرة الفائقة علي العرض والطلب، فإن القارئ الذي ليس له سعة إطلاع في مختلف العلوم قد لا يتمكن أن يلاحقه بفكرة في تقسيماته وتفريعاته وتشقيقاته.

ولذلك يمثل الرازي طفرة ممتازة ومرحلة متميزة في تطور كل من المذهب والمنهج الأشعريين، وعلي ارغم من أنه قد خالف الأشعري والغزالي في بعض القواعد والأصول، فإنه تأثر ببعض آرائهم، وبخاصة  في منهجه الجدلي ؛ حيث يقوم جدله علي تعدد الأدلة مثل، وتسيطر عليه نزعة فلسفية مثل تلك التي توجد لدي الغزالي، وهو يستخدم التعريف والتقسيم كسابقيه ويهتم بالقضايا الشرطية " المتصلة والمنفصلة"، ويعرض الأفكار في أشكالها المختلفة، ويقلب الموضوع علي كافة وجوهه في كل معانيه، وهو يستخدم بكثرة هذا المنهج في واحد من أهم كتبه الجدلية وهو " اساس التقديس".

ويعتبر الرازي آخر ممثل كبير لمدرسة الأشاعرة، ولذين جاءوا بعده يتوخون منهجه ويبدو ذلك واضحا لدي " الآمدي " في كتابه " غاية المرام في علم الكلام"، وأيضاً البيضاوي في كتابه " طوالع الأنوار من مطالع الأنظار ".

وهذان الكتابان يمثلان أعظم دراسة تحاكي صنيع فخر الدين الرازي في كتابه " المباحث المشرقية" وكتابه "المحصل".

كما نجد هذا الاتجاه أكثر بروزا عند متأخري الأشاعرة، وقد تمثل ذلك لدي " عضد الدين الإيجي (680هـ- 756هـ)" في كتابه " المواقف في علم الكلام "، وهو موسوعة كلامية فلسفية، استطاع من خلالها أن يقحم لموضوعات المنطقية واللغوية والميتافيزيقية في علم الكلام ؛ فقد تمكن الإيجي بقدرته الفائقة من تقديم نسق محكم مترابطة موضوعاته متبعاً المنهج المقارن بين المتكلمين بعضها ببعض، حقيقة لقد تضاءل موضوع العقائد، إذا قورن بما عرض له من موضوعات، مع أن العقائد هما موضوع علم الكلام، ومع ذلك فالقارئ، يستطيع أن يلمس الصلة الوثيقة بين الموضوعات الميتافيزيقية أو المنطقية أو الطبيعية، وبين علم الكلام، إلي حد يمكن معه القول بأن موضوعات أصول الدين، هي محور الموضوعات الأخرى.

بل إن البحث في العقائد قد اقتضي منه تخليلا منطقيا فلسفيا لموضوع الوحدة والكثرة ونظريتي : شيئية المعدوم والموجود، قد اقتضيا منه تفصيل القول في العلة والمعلول. وهكذا نجده في بقية المسائل التي عرض لها بالحث.

وهنا يتضح لنا مدي تطور الدراسات المنطقية في العلوم الكلامية عند الإيجي، ولقد قلده المتأخرون بدون أن يضيفوا تطورات في المنهج، وقد تمثل ذلك لدي " سعد الدين التفتازاني (ت: 791هـ - 1389م) صاحب كتاب "المقاصد"، وفي هذا الكتاب قامت الدراسات العقلية في العالم الإسلامي إلي أخريات القرن التاسع الهجري خلطت فيها الفلسفة خلطاً تاماً.

وفي القرن التاسع الهجري، نجد السنوسي (ت: 895هـ-1490م)، الذي يعد أكبر ممثل للأشعرية في شمال أفريقيا بعد المهدي بن تومرت ( ت:524هـ) وكتابه " السنوسة" أو " عقيدة التوحيد" من متون الدراسات الكلامية التقليدية في القرون الأخيرة، يقف السنوسي دائما إلي جانب الأشاعرة، ويرفض الآراء الأخرى، يأخذ برأي الأشعري في الغالب، وقد يؤثر عليه رأي الباقلاني أو إمام الحرمين " الجويني" في بعض التفاصيل والجزئيات.

ويلاحظ بوجه عام، أن الأشاعرة المتأخرين يرددون آراء السابقين من أمثال الغزالي، والفخر الرازي، وقل أن يضيفوا جديدا في الدراسات الكلامية والمنطقية."..... وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

ميثم الجنابي"أكثر العلوم الشرعية عقلية عند عالمها،

 وأكثر العلوم العقلية شرعية عند عارفها"

(الغزالي)

 إن الحلول النظرية لعلاقة العقل بالشرع، التي ستأخذ بالتوسع والتعمق كانت نتاج الظاهرة الاجتماعية الفكرية المرتبطة بسيادة الإسلام وصيرورة الخلافة، أي تراكم واقع الأمة (الاسلامية) والدولة الإمبراطورية. فالتباين الفكري والتعارض الكلي أحيانا بين اتجاهات علم الكلام، حتى في حال تجاهل طابعه العملي المباشر، كان الأسلوب الأولي للصيغة اللاهوتية المجردة عن علاقة العقل بالشرع. فالتراث الإسلامي الحقوقي (الفقهي) الأولي هو ميدان النزاع العملي، الذي أفرز في بداية الأمر مدارس الحديث والرأي. فالاتجاه الأول المتمثل بمالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وداود الأصفهاني لم يفقد العقل قدرته الفعلية، بقدر ما جرى تهميشه النسبي مقارنة بالنص. ولعل إحدى صيغه النموذجية نراها في قول الشافعي "إذا وجدتم لي مذهبا، ووجدتم خبرا على خلاف مذهبي، فأعلموا أن مذهبي ذلك الخبر".  ومن غير الدقة التعامل مع هذه الفكرة على أساس معطيات ومقولات السياسة القديمة والمعاصرة، بل ولا حتى على أساس معطيات الفكر المجرد. بمعنى ضرورة الاحتكام للحقيقة فقط.

فالفكرة التي وضعها الشافعي يمكنها أن تجعل من المذاهب القديمة عرضة للتطابق مع حقائق الأخبار والنصوص الجديدة. غير أنه لا يمكن لهذه الأخبار والنصوص أن تكون لا نهائية، مما يضع الفكرة ذاتها في مأزق لا مخرج له. لكنه يزول حالما يجرى النظر إلى هذا المبدأ من زاوية كونه أسلوبا للتعامل العقلي العملي المحدود تجاه النصوص القابلة للتأويل الدائم. غير أن هذا الاستنتاج لم يكن حصيلة الوعي "الحجازي"، بل من انكساره في مدارك الثقافة التي أصبحت آراءها ومواقفها ومستويات وعيها أوسع وأشمل من محدودية النصوص. ولم يبلغ هذا الاتجاه ذروته النظرية الأكثر تجريدا إلا بعد خوض أصحاب الرأي معارك الجدل الفقهي والكلامي كما نراه عند أبو حنيفة وأبو يوسف القاضي وزفر بن الهذيل وغيرهم. فقد جعلوا من حرية الرأي مقارنة بالنص ضرورة، ومن تباين الأفكار حرية. لهذا لم يكن بإمكان أبو حنيفة أن يردد ما قاله الشافعي، بل أكد على أن "أحسن ما وصل إليه هو ما يقدر عليه برأيه الخاص، فمن قدر على غير ذلك فله ما رأى، ولنا ما رأينا". لقد أصبح العقل فعالا مقارنة بالنص. ولم يجر وضع هذه القضية في مفاهيم ومقولات الفكر النظري المنظم إلا في مدارس الاعتزال. إذ حددت المبادئ الأساسية العامة للفكر المعتزلي التوجه العام لنظرات ومواقف ممثليه من علاقة العقل بالشرع. فالمبادئ العامة، التي جرى الاتفاق عليها عند المعتزلة هي كون الإنسان قادراً خالقا لأفعاله خيرها وشرّها، وأن الله لا يفعل إلا الصلاح والخير، وذلك لأن الحكمة توجب رعاية مصالح الناس، وأن أصول المعرفة وشكر النعمة واجبة قبل ورود السمع، وأن الحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل[1]. فقد صاغ العلاف على سبيل المقال، فكرة وجوب المعرفة بالنسبة للانسان المكلّف تجاه الله (معرفة الله) بالدليل من غير خاطر، وأن يعلم أيضا حسن الحسن وقبح القبيح فيجب عليه الإقدام على الحسن كالصدق والعدل، والإعراض عن القبيح كالجور والكذب[2]. وهي الفكرة التي شاطرها النّظام القائل، بأن المفكر قبل ورود السمع إذا كان عاقلا متمكنا من النظر يجب عليه تحصيل معرفة الله بالنظر والاستدلال. إضافة لذلك انه قال بتحسين العقل وتقبيحه في جميع ما يتصرف فيه من أفعال[3]. ولا يشذّ عنه في هذه الفكرة ممثلو الاعتزال الكبار مثل ثمامة بن اشرس، الذي أضاف للفكرة السابقة ما دعاه بإمكانية عذر الكفار عن عدم معرفتهم الله. فالمعارف كلها ضرورية. وبالتالي فإن معرفة الله ليس مما هو مأمور به. فالإنسان، كما يقول ثمامة "كسائر الحيوان خلق للعبرة والسخرة"[4]. في حين أكد عيسى بن صبيح المردار على أن العقل يوجب معرفة الله بجميع أحكامه وصفاته قبل ورود الشرع[5]. بينما صاغ المعتزلي الكبير محمد بن عبد الوهاب الجبّائي وأبنه أبي هاشم عبد السلام الجبّائي فكرتهما حول العقل والشرع بالصيغة التالية: إن المعرفة، وشكر المنعم، ومعرفة الحسن والقبح، واجبات عقلية. بحيث جعلهما ذلك يتكلمان حول "الشريعة العقلية" بينما أرجعا "الشريعة النبوية" إلى مقدرات الأحكام وموقنات الطاعات التي لا يتطرق اليها عقل ولا يهتدي إليها فكر. وأنه بمقتضى العقل والحكمة يجب على الحكيم ثواب المطيع وعقاب العاصي[6]. إذ ليس شرع الشرائع وبعث الأنبياء بنظرهما سوى ألطاف من الله.

لقد قدّم الاعتزال الإسلامي في مواقفه الفكرية، الصيغة الأكثر تنظيما وتدقيقا لقضية علاقة الشرع والعقل. أما حلوله لها خارج سياق اللاهوت المحنط بالنص، فقد تجاوزت آراء ومواقف الفرق الإسلامية  السابقة. إذ طورت المعتزلة النظريات العقلانية بهذا الصدد للدرجة التي جعلت الغزالي لاحقا يتكلم عن "غلاة المعتزلة" الذين أدت آراؤهم إلى وضع العقل في صدام مع الشرع[7]. فمعرفة الدليل العقلية التي جعلت من العقل حاكما فوق كل حاكم آخر حصلت على صورتها الجلية في آراء إبراهيم النظّام حول قدرة العقل واستقلاله في الحكم على كل ما له صلة بالإنسان. بينما يكفّ التكليف الشرعي عن أن كون ذا قيمة جدية مقارنة بالمعارف العقلية عند ثمامة بن أشرس بفعل كون المعارف ضرورية بحد ذاتها. وهي الفكرة التي جعلت "راهب المعتزلة" ابو موسى المردار يشدد على استقلال العقل في معرفة الله وأحكامه دون ورود أية شريعة. وبالتالي إمكانية الشريعة العقلية كما سيستنتج لاحقا "شيخ المعتزلة" أبو علي الجبائي.

وسارت الأشعرية في الاتجاه العام للمعتزلة، وبالأخص من حيث استعمال الأسلوب "المنطقي" في التعامل مع قضية العقل والشرع. لكنها حلت هذه المشكلة بالطريقة التي ستحصل لاحقا على تسمية المدرسة الأشعرية. فالأشعري أكد على أن "معرفة الله بالعقل تحصل وبالسمع تجب"[8]. وبهذا يكون قد أّسس بصورة أولية للازدواجية المتوازية، التي تقرّ بقدرة العقل وضرورته مع الاحتفاظ بالشرع كحاكم نهائي. ولم يكن موقفه هذا محاولة لإخضاع العقل للشرع بقدر ما كان محاولة لتحديد مهمات كل منهما مع اعطاء صفة الحكم النهائي للشرع. فتوبة الله على العبد (الإنسان)، لا تخضع بنظر الاشعري للحكم العقلي، إذ لا جور عند الله. وأن كل ما هو واجب شرعا لا يخضع لحكم العقل. فالعقل لا يوجب شيئا ولا يقضي تحسينا ولا تقبيحا. وكل ما له علاقة بما وراء الموت كإثابة المطيع وعقاب العاصي فيجب الاعتراف بها بالسمع دون العقل. وبالتالي لا وجوب على الله عقلا لا بمفهوم الصلاح ولا الأصلح ولا اللطف ولا غيره. فكل ما يقتضيه العقل من جهة الحكمة الموجبة يقتضي نقيضه من وجه آخر[9]. إلا أن التشنج الكلامي يأخذ بالانحلال في الازدواجية المتوازية للعقل والشرع، حالما يتم النظر إليها من زاوية وحدتهما الضرورية. فإذا كان الاتجاه المعتزلي عند بعض ممثليه قد سعى وأدى إلى عزلهما شبه الكامل[10]، فإن ما يميز آراء الأشعري هو محاولتها الربط بينهما. وليس ذلك في الواقع، سوى محاولة ربط بعض آراء وأساليب الكلام المعتزلي بالاتجاهات السنيّة الخبرية (أصحاب الحديث). ومع ذلك، فإنها تشكل خطوة كبرى إلى الأمام ليس في اتجاه التوفيقية المفتعلة، بل في صنع تيار الاعتدال وقيمته السياسية والروحية الفعالة وسط الصراعات الفكرية العقائدية العنيفة. وللغزالي بهذا الصدد قرينة في شخصية الأشعري الفكرية التاريخية والثقافية الفردية (الشخصية). فالأشعري ليس فقط أحد مصادر الوعي اللاهوتي (الكلامي) للغزالي، بل والظل الخفي لوجوده المنصرم! وحالما يتبع الغزالي في تآلفه المعتدل مجرى الأشعري، فإن ذلك لا يعني تقليد السيرة الأشعرية بقدر ما يعني تقليد الإبداع التآلفي. مع أن للفكرة التوليفية أبعادا بحد ذاتها لا تستقيم مع التقليد. لكنه معقول ومقبول ضمن معنى البحث عن حلول فلسفية وسطية. وقد حقق الأشعري هذا التوليف بهيئة علم الكلام، بينما حققه الغزالي في منظومته اللاهوتية الفلسفية الصوفية.

فقد كان الغزالي أقرب ما يكون إلى التآلف المعتدل، الذي كان لابد وأن يبرز في مجرى أو نهاية الصراعات المتأزمة. وحالما تبلور هذا الكيان المستقل لهذا التآلف الفكري حينذاك يأخذ باحتلال نفس مواقع القوى الفكرية العقائدية المتصارعة بوصفه نقيضا لها. وليس المقصود من وراء ذلك الكشف عن "حيوية الجبرية" القاهرة لتقوقع التيارات الفكرية العقائدية، بقدر ما يقوم عما في هذه الظاهرة من إشارة إلى وحدة وصراع القديم والجديد، الثوري والسلفي، الاجتهادي والتقليدي في الوعي والممارسة. وفي مجرى هذه العلمية تظهر القيمة الدائمة لفاعلية الفكر ورفضه المبدئي "لقدسية" آراءه ومواقفه النظرية. فقد مّثل الأشعري هنا الصيغة اللاهوتية (الكلامية) الاولية، التي اضعفت قوة "الأنا" الفردية وتبجحها المتهور، في حين مّثل الغزالي صيغتها النظرية الاخلاقية، التي سعت لإذابة المفارقات الممكنة في الوعي الاجتماعي التاريخي للخلافة وخلافاته في بوتقة المساعي الوجدانية والعقلية صوب المطلق. ومع ذلك لم يخلّص ذلك منظومته الفكرية من أن تصبح مادة للاتهام والمعارضة من جانب من أيّده وعارضه وأختلف معه.

فقد أبرز الأشعري قيمة العقل في علاقته بالشرع دون أن يعطيه قيمة الأولوية، وأبرز الشرع في علاقته بالعقل دون أن يجعله ثانويا. انه أدرجهما ضمن علاقة الممكن والواجب. فالمعرفة العقلية لله، كما أكد الأشعري، ممكنة بينما السماع واجب. وبذلك يكون قد فتح ثغرة إخضاع العقل للشرع دون ان يشدد عليه في الظاهر، كما فتح باب الخلاف الشامل مع المعتزلة دون أن يجعل منه شعار المعركة. الأمر الذي نرى ملامحه الجلية عند ممثلي الأشعرية الكبار كالباقلاني والجويني. فعندما يناقش الباقلاني آراء "البراهمة" بصدد قضايا النبوة والعقل والشرع، فإنه يتخطى في حالات عديدة آراء الأشعري، إلا أنه يسير معه في نفس الاتجاه العام. فهو شأن الأشعري، يرفض حاكمية العقل على قبح القبيح وحسن الحسن. انطلاقا من كونها أفعال لا يثبت الحكم فيها إلا للشرع دون العقل[11]. وعندما يناقش مواقف العقل من قضايا الإيمان وأصوله، فإنه يوجّه العقل وقدرته بالاتجاه الذي يلزمه في البحث عن صلة دائمة ومؤيدة ومصدّقة للشرع. فالشرع، كما يقول الباقلاني، ضروري للعقل، وذلك لأن العقل لا يمكنه معرفة العدل والإنصاف وقبح الظلم والعدوان. فلو كان الأمر كذلك لاشترك الجميع في ما يعتقدونه. بينما هناك من يعتبر هذا الشيء أو الفعل قبيحا لباعث ما من البواعث المؤيدة بالعقل، بينما آخرون ينظرون إليه باعتباره حسنا. الأمر الذي جعل الباقلاني يستنتج قائلا، بأن "العقل يبلغ كماله لا بذاته من ذاته، بل في تتبعه الشرع واستكماله به"[12]. وقد صاغ الجويني هذه الفكرة باختصار بليغ في عبارته القائلة بأن الشرع يردّ العقل ويوافقه، والشرع يرفض العقل في ما لا يوافقه[13].

مما سيق يتضح بأن الغزالي لم يقف أمام معضلة مجهولة أو عصية على الحل، لاسيما وأن هناك الكثير من الحلول التي شملت من حيث صيغها العامة الاحتمالات الفكرية النظرية الممكنة لها. والاستثناء المحتمل هو ما لم يكن بإمكانه الظهور آنذاك، أي النفي الكلي المباشر للعلاقة المفترضة بين العقل والشرع. إلا أن العناصر الفكرية لهذا الاتجاه المحتمل كانت قائمة أيضا. فقد وقف الغزالي أمام واقع التباين الواسع في حل قضية علاقة العقل بالشرع. فقد بلورت هذه القضية أسلوب تطورها الذاتي، بوصفها قضية نظرية وعملية. كما كانت في الوقت نفسه القضية الملموسة بين الشرع الإسلامي والعقل (غير الإسلامي)، بين مواقف وأحكام الشرع الإسلامي الملموسة والعقل الإسلامي التاريخي الملموس. (يتبع....).

 

 ميثم الجنابي

.......................

 

[1] الشهرستاني: المِلِل والنِّحل، ج1، ص45، وكذلك البغدادي: الفَرق بين الفِرق، ص79.

[2] الشهرستاني: المِلِل والنِّحل، ج1، ص52.

[3] الشهرستاني: المِلِل والنِّحل، ج1، ص58.

[4] الشهرستاني: المِلِل والنِّحل، ج1، ص71.

[5] الشهرستاني: المِلِل والنِّحل، ج1، ص70.

[6] الشهرستاني: المِلِل والنِّحل، ج1، ص81.

[7] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص2.

[8] الشهرستاني: المِلِل والنِّحل، ج1، ص101.

[9] الشهرستاني: المِلِل والنِّحل، ج1، ص102.

[10] ليس مصادفة أن يضع الملطي (ت-377 للهجرة) عبارة "المفرّقون بين علم السمع وعلم العقل" في صلب تقيمه للمعتزلة.

[11] الباقلاني: كتاب التمهيد، ص97.

[12] الباقلاني: كتاب التمهيد، ص108.

[13] الجويني: اللمع في قواعد أهل السنّة، ص173.