ميثم الجنابيلم يكن انكماش التيار الإصلاحي الإسلامي في السلفية الجديدة لمحمد رشيد رضا قدرا لا بد منه، كما لم يكن بالإمكان التخلص منه كليا. فهو الكمون المتناقض في مدارج الصيرورة المعاصرة لوعي الذات العربي.

فالافتراق "التاريخي" الحاصل في مسار الاصلاحية الإسلامية هو افتراق مكوناتها المتناقضة. وهي عملية طبيعية تلازم كل تيار أصيل في محاولاته تجديد ما يمكن تجديده، أو توليف ما يمكن توليفه في مواجهة المستجدات الكبرى في الحياة الاجتماعية والسياسية. فالأخيرة هي المحك الدائم للمعاصرة والمعيار الدائم لما في الأفكار من قيمة واقعية أو وهمية، وصدق وكذب، وصواب وخطأ. وإذا كان من الصعب بالنسبة للإصلاحية الإسلامية أن تجادل موضوعاتها الأولى فلأنها كانت في ردودها تختمر في "واحدية" الدولة الاستبدادية. وحالما جرى انهيارها مع نتائج الحرب العالمية الأولى، فإن تشرذم مكوناتها الدولية والقومية قد رافقه بالضرورة وعي الحرية المتزايدة في مشاريع الرؤية السياسية والثقافية.

وفد أدت هذه العملية إلى انتقال هموم الإصلاحية الإسلامية بأقدار متفاوتة إلى ما في ذاتها من عناصر من أجل إعادة لحمها بالشكل الذي يستجيب "لتحدي" الظروف الجديدة. وبهذا المعنى كانت محاولات محمد رشيد رضا في (الخلافة والإمامة العظمى) التنظير المناسب لإدراك قيمة الدولة والسلطة في الكينونة العربية ما بعد انهيار العثمانية وسلطتها التركية (القومية). إذ تعكس هذه العملية في ذاتها تبلور العناصر الفكرية لوعي الذات التاريخي والسياسي والدولي والأدبي. وليس مصادفة أن تظهر حينئذ تلك الأعمال التي أثارت ردود الفعل العارمة كما هو الحال بالنسبة لكتاب (الإسلام وأصول الحكم) و(نقد الشعر الجاهلي). فمن الناحية الفكرية ليس في ذلك ما يعاب ويستهجن، أما من الناحية التاريخية فقد كان ذلك رد الثقافة المتحررة للتو على ذاتها. فقد استثار في حفيظتها التقليدية أوليات النزوع الباحث عن مخارج متعددة. ومن ثم فسح المجال للمرة الأولى أمام شرعية التعدد الفكري ومعقولية البدائل الكبرى بالنسبة للدولة والمجتمع. وبالتالي تجاوز التقليدية المضخمة في أحكامها الجزئية عن واحدية الثقافة المتهرئة، التي كانت مستعدة للتضحية بكل شيء من أجل قمع كل تحد مهما كان صغيرا لقاموسها العقائدي.

إننا نقف أمام واقع التوسع الجديد للتجربة الذاتية وتحررها من قيود العقائد. وبالتالي انقلاب ذخيرتها الفكرية المتجمعة في غضون قرن من الزمن باتجاه مواجهة مكوناتها الذاتية نفسها. وبالتالي، العمل فيها بالشكل الذي يمكّنها من رؤية ذاتها في مرآتها الخاصة. وهي الظاهرة الجلية في ما يمكن دعوته بخفوت الانتقاد الوجداني للأنا المتصيرة في إمكانيات الدولة ومشاريع الفكر السياسية، ومن ثم تغير أولوية الاهتمام الفكري وانتقاله من ميدان السياسة إلى ميدان الفكر. ولا يمكن عزل ذلك عن واقع الكينونة التاريخية الجديدة للدولة العربية.

وبهذا المعنى يمكن القول بأن (الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرازق (1888-1966) لم يكن ردا سياسيا على مساعي ملوكية مصر لاستحواذها المحترف على الرمز الثقافي الدولي السياسي وتوظيفها بما يخدم ترميم ضعفها السلطوي، بل ردا فكريا على التيار السلفي لمحمد رشيد رضا في تنظيره "للحكومة الإسلامية". ومن ثم، فإنه كان ردا فكريا سياسيا لمشروع الدولة والثقافة المفترض رؤيته في آفاق النهوض الجديد للعالم العربي[1].

فقد كان على عبد الرزاق في نفيه للاتهامات التي وجهت إليه من جانب الأزهر والسلطة عن انتمائه لبعض الأحزاب السياسية، أو تأييده لها، صادقا مع نفسه. لكنه صدق يعكس حوافز الرد المهذب بوداعة الانتماء التقليدي للسمو العلمي. تماما بالقدر الذي كان مميزا لمحمد عبده وأمثاله. ولهذا شدد على انه رجل دين ورجل شريعة. وانه لم يحمله على وضع كتابه إلا غاية علمية. وليس لموضوع كتابه علاقة بالسياسة. وإن كتابه لا يخدم مآرب السياسة[2]. فمن الناحية النفسية كان التخوف من السياسة انعكاسا للإدراك المباشر والسطحي لحد ما لوظيفتها. مما يعكس بدوره ثقل الروح الأخلاقي في تقييم الصراعات الاجتماعية وتناحر المصالح. ومن الناحية التاريخية يعكس واقع عدم اكتمال الدولة ومؤسساتها. وبالتالي عدم تحول السياسة إلى الوسيلة العقلانية والفعالة في رؤية وصراع المصالح الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقومية. الأمر الذي حوّلها أيضا إلى جزء من المآرب والمشارب السياسية والعقائدية. وبهذا المعنى كان إصراره على البقاء في حيز الدين والعلم، هو التعبير المناسب عن تناقض العناصر التقليدية والراديكالية في الرؤية النقدية العقلانية لتراث الإصلاحية الإسلامية. إذ لم يعن الابتعاد عن مآرب السياسة هنا سوى الاقتراب من رؤيتها العلمية. كما لم يعن ذلك من الناحية التاريخية، سوى النقد الأكثر عقلانية لانحراف الإصلاحية الإسلامية النظري عن تراثها الإصلاحي المتراكم في غضون قرن من الزمن. ولهذا ابتدأ وانتهى في (الإسلام وأصول الحكم) بمناقشة الفكر السياسي ذاته.

فقد شدد علي عبد الرازق على واقع إهمال التقاليد الإسلامية للبحث في القضايا المتعلقة بمصدر الخلافة وقوتها وضعفها، أي الجوانب المتعلقة بشرعيتها وفائدتها. فالفكر الإسلامي يأخذ المسألة الأكثر أهمية بالنسبة لوجوده التاريخي كما هي دون أن يحلل مكوناتها[3]. كما أنها تقاليد فكرية وسياسية شحيحة على خلفية إبداع الثقافة الإسلامية وانجازاتها الهائلة في مختلف جوانب الحياة الأخرى. فقد كان حظ السياسة فيهم بالنسبة لغيرها من العلوم، كما يقول علي عبد الرازق، أسوء حظ. وإن وجودها بينهم كان أضعف وجود. إذ أننا لا نعرف لهم مؤلفا في السياسة ولا مترجما ولا نعرف لهم بحثا في شيء من أنظمة الحكم وأصول السياسة[4]. وهي حالة غريبة بالنسبة لمجتمع تميز بكثرة صراعاته بما في ذلك ما يخص مسألة الخلافة وظهورها، أي كل ما كان يستلزم ضرورة الاهتمام به والبحث فيه سواء ما له علاقة بقضايا الحكم وتحليل مصادره ومذاهبه، ودرس الحكومات وكل ما يتصل بها، أو نقد الخلافة وما تقوم به، باعتباره الحصيلة الملازمة لعلوم السياسة. وبهذا المعنى كان ينبغي للعرب كما يستنتج علي عبد الرازق، أن يكونوا أحق بهذا العلم من غيرهم[5]. أما التبرير القائل، بأن ذلك قد يعود إلى أن الخلافة تقوم عند المسلمين على أساس البيعة الاختيارية (الحرة)، فإن الواقع يدحضها. وذلك لأن الخلافة في الإسلام لم ترتكز، كما يستنتج علي عبد الرازق، إلا على أساس القوة الرهيبة[6]. مما جعله يستنتج بأنه لا سبب حقيقي لذلك غير خوف السلطة نفسها من هذا العلم. وذلك لأنه "من أخطر العلوم على الملك، بما يكشف عن أنواع الحكم وخصائصه وأنظمته إلى آخره. لذلك كان حتما على الملوك أن يعادوه"[7].

وبغض النظر عما في هذه الأحكام من مجافاة تجاه التراث الفكري الإسلامي السياسي، وعن سطحيتها في تحليل علاقة الدولة بالفكر السياسي، إلا أنها تعكس في مساعيها المباشرة، المواجهة الفكرية للانحرافات الأولى في كل من صيرورة الدولة العربية المعاصرة (المصرية) والبدائل الإسلامية في محاولاتها النظرية الجديدة لتأسيس الفكرة التيوقراطية. إذ لم يعن تشديده على أن تاريخ الخلافة هو تاريخ القوة المتسلطة، وإن الخلافة ارتكزت على القوة، سوى الحقيقة التي تجعل كل ما غير ذلك أمورا لا قيمة لها مثل مناقشة الفكرة القائلة، بأن هذا الواقع المحسوس جاريا على نواميس العقل أم لا، وموافق لأحكام الدين أم لا[8]. بعبارة أخرى، لقد كانت آراءه هنا تصب باتجاه نقض الآراء التي تضافرت حينذاك بين مساعي الملوكية المصرية اغتنام فرصة حل الخلافة "الرسمية" وبين التأسيس التقليدي لفكرة الخلافة كما نراها في (الخلافة أو الإمامة العظمى) لمحمد رشيد رضا. ومن هنا تشديد علي عبد الرازق المتكرر على انه لا توجد في القرآن ولا في السنّة إشارة للخلافة بمعنى النيابة عن النبي في إدارة شؤون المسلمين. وليس هناك من دليل عليها في الإجماع إذ لا دليل فيه[9]. أما الإجماع "التاريخي" في انتخاب الخليفة فهو إجماع بعض الأفراد تحت الضغط والإكراه. وبهذا المعنى لا يمكنه أن يشكل دليلا على ضرورته. ووضع هذه المقدمة في انتقاده لفكرة الخلافة ومحاولات إعادة تأسيسها النظري الجديد عند محمد رشيد رضا.

فهو لم يجد فيها أكثر من تجميع وترديد لمقولات القدماء يمكنها أن تخدم ترميم هيبة المؤسسة المتهرئة للملوكية الفردية (الاستبدادية) ‎. ولهذا أكد في دحضه لآراء محمد رشيد رضا على انه لا دليل في الشريعة يقر بوجوب الخلافة أو الإمامة العظمى، باعتبارها نيابة عن النبي والقيام مقامه من المسلمين[10]. من هنا تشديده على أن الآراء التي يوردها محمد رشيد رضا ما هي في نهاية المطاف سوى ترديد لما في كتابات سعد الدين التفتازاني وأمثاله. أما الاحتجاجات التي جاء بها بهذا الصدد فقد سبقه إليها ابن حزم الظاهري[11]. ووضع هذه الحصيلة في استنتاجه القائل بعدم جدوى إعادة ترميم الخلافة كنظام سياسي سواء من جهة ارتباطه بروح الإسلام أو من جهة استجابته لمتطلبات الظرف الحالي والرؤية العقلانية للأمور. ونعثر على إدراكه لهذه المهمة وصداها النظري في محاولاته نقد الفكر السياسي العربي ومحاولاته المباشرة وغير المباشرة لتأسيس الصلة التاريخية بين النشاط الديني والسياسي للنبي محمد.

وإذا كانت المادة الأساسية أحيانا في كتاب علي عبد الرازق تقوم في نقده المباشر لآراء الطهطاوي ومحمد رشيد رضا، فلأنهما شكلا في غضون قرن من الزمن بداية ونهاية مرحلة لم يدرك على عبد الرزاق نفسه مآثرها ككل، لكنه حدس التغيرات الكبرى في إدراكه للأولويات السياسية. وليس مصادفة أن يضع علي عبد الرازق شخصية الطهطاوي في أول قائمة من حاول إيجاد الصلة بين الدين والسياسة في ممارسة النبي محمد والبحث فيها عما يمكنه أن يكون مثالا نموذجيا للدولة المعاصرة، كما هو جلي في كتابه (نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز). فقد وجد علي عبد الرازق في هذه الفكرة حشرا للأفكار المعاصرة في أفعال التاريخ الإسلامي الأول.

لكن انتقاده للطهطاوي كان الصيغة غير المباشرة لانتقاد آراء محمد رشيد رضا، أو السلفية الجديدة في محاولاتها صياغة وبلورة بديل فكري سياسي للدولة. فالطهطاوي لم يكن ممثلا للسلفية المعاصرة له. ولم يكن في كتاباته، بما في ذلك تلك التي تبدو في مظاهرها تمثيلا صارما لما في تاريخ السلف من نموذجية متناهية، سوى الاستمرار الطبيعي والصيغة المناسبة لذوق المرحلة وأسلوب تأسيسها للأفكار الجديدة. إضافة لذلك أن التشديد على وجود كافة مؤسسات الدولة المعاصرة (الأوربية) في دولة الإسلام النبوي هي خطوة كبرى إلى الأمام في مملوكية مصر وإمارات العالم العربي المتخلفة وسلطناتها. وذلك بفعل وضعها نموذج الدولة المعاصرة في قوالب الرموز التاريخية الذاتية. ذلك يعني، أنها لم تكن تقليدية مفتعلة، بل إصلاحية تنويرية في مواقفها من الدولة العصرية. وسوية مع ذلك فأنها كانت أقرب إلى الدقة التاريخية والموضوعية من آراء علي عبد الرازق في رؤيتها لمكونات الدولة في عهد النبي. ولم تكن هذه الجوانب مجهولة لعلي عبد الرازق نفسه بقدر ما أنها كانت لا تتوافق مع مشروعه الجديد في التأسيس لبدائل الرؤية العصرية. وبهذا المعنى كانت آراؤه خطوة أعمق مقارنة بالطهطاوي وردا شاملا غير مباشر على سلفية محمد رشيد رضا. وبالتالي، كانت تحتوي على توليف نقدي وعقلاني لتقاليد الإصلاحية الإسلامية والليبرالية للعقدين الأولين من القرن العشرين وأحداثه الكبرى وانعكاسها في العالم العربي (فشل مشروع محمد علي التحديثي، وثورة إعرابي، وسقوط الدولة العثمانية، والتجزئة الاستعمارية الأوربية للعالم العربي، وصعود دوله ودويلاته الحديثة).

إن انطلاقته النظرية في تفنيد آراء الطهطاوي عن وحدة الديني والسياسي في أفعال النبي وأقواله هي الصيغة غير المباشرة لانتزاع الدين من "مآرب السياسة" وتخليص السياسة من الدين. ومن ثم البقاء في حيز السياسة المعقولة والصالحة. أنها الرد غير المباشر على السلفية الجديدة في تنظيرها لبدائل الخلافة أو الإمامة العظمى. ولم يعن ذلك من الناحية التاريخية والنظرية سوى المسار الأعمق في تاريخ الإصلاحية الإسلامية، عبر دفع انجازاتها الفكرية السياسية إلى نهايتها المنطقية من خلال وضع مسألة فصل الدين عن الدولة في أولويات الفكر السياسي ومهماته العملية. وبالتالي التأسيس للحرية الاجتماعية والسياسية وشرعية التعدد في الأفعال والبدائل. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] إن هذا الحكم يؤيده من الناحية النفسية والدعائية والأيديولوجية، ما توصل إليه علي عبد الرازق في استنتاجاته النظرية وخلاصة أحكامه التي أثارت بدورها زوبعة الأزهر الفارغة في محاولاته الدفاع عن "أصنامه" القديمة في عقائد الكلام المنخور. غير أن تقريره العام القائل بانعدام تقاليد الفكر السياسي وعند انشغاله بهذه القضايا، فإنه يتسم بقدر كبير من التجاوز على حقائق ووقائع الفكر الإسلامي. بل يمكننا القول، بأنه تقرير أيديولوجي أيضا وينم عن جهل بهذا الصدد. كما انه ليس معزولا عن ثقافة علي عبد الرازق الأزهرية التي كانت ترفض تاريخ الفكر السياسي الحي في تقاليد الثقافة الإسلامية بشكل عام والفلسفية بشكل الخاص. ومن الممكن فهم الحوافز العميقة والايجابية الكبيرة لهذا التقرير ضمن سياق الأحداث السياسية الكبرى لتلك المرحلة. فقد كان تأليفه للكتاب، من الناحية الزمنية، يسبق الأحداث التاريخية المرافقة لحل الخلافة "الرسمي" عام 1924. فهو يشير في المقدمة إلى أن الورقات التي يصدرها في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) هي ثمرة عمل بذل أقصى ما يستطيع من جهود وانفق فيه سنين كثيرة كانت سنين متواصلة الشدائد متعاقبة الشواغل ومشوبة بأنواع الهمّ ومترعة كأسها بالألم. بصيغة أخرى أن السنين العديدة السابقة لانهيار الخلافة هي سنين تأمله لمعضلة مشروع الدولة ودورها بالنسبة لآفاق النهوض الثقافي. لهذا نراه يؤكد على أهميتها في المقدمة عندما دعا القارئ لتأمل ما فيه عسى أن يجد فيه أيضا أساسا صالحا لمن يريد البناء (المقدمة ص2).

[2] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، الجزائر، 1988، ص177.

[3] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص 13.

[4] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص 30-31.   

[5] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص 36.

[6] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص33.

[7] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص39.

[8] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص36.

[9] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص30.

[10] علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص24-25.

علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، ص24.

 

مجدي ابراهيمإذا نحن أرادنا تسليط الضوء على مفهوم التأصيل حقيقةً، فلتجدر الإشارة بدايةً، حسب ما نتصور، فيما يَخُص موضوعنا، إلى أن قلة الاكتراث بالقرآن تَعدُّ إسرافاً في الضمير الديني ليس له نظير؛ فالقرآنُ الكريم باعتباره ذكراً مفروض أن نحْيَاهُ ونتخلق به ونعيشه تجربة في حروفه وكلماته وفي إشاراته وموحياته، فكما كان القرآنُ الأصلَ والمصدرَ لمنطلقات شيوخ الصَّدْر الأول في الإسلام على التعميم، فينبغي أن يكون كذلك هو الأصل والمصدر لمنطلقات الفكر والعمل لدى من يقرأه على وعي وبصيرة في كل جيل، وتلك هى طلاقة النَّص القرآني في أبسط معانيها، تماماً كما هى بداهة التأصيل في معروف العقل ومعروف الوعي ومعروف الضمير: الرجوع بوعي المسلم إلى القرآن؛ فمن لم يعرف القرآن ويتدبر أسراره ويقيم علاقة روحيّة معه لا يَطْرُق باب التذوق لأسراره أبداً لا من قريب ولا من بعيد، وكذلك في حال التجريب معه وممارسته والانفعال به، فالأمر من ثمَّ لم يكن معرفة نظرية خارجة وكفى، ولكنه معاملة باطنة تستشعر ما في القرآن من حيوية وحياة وتوجُّه ليكون الإنسان هو نفسه القرآن من ناحية التخلق، ولنذكر قول السيدة عائشة رضى الله عنها عن الرسول صلوات الله عليه حين وَصَفَتْهُ بقولها أن: "كان خُلُقه القرآن"؛ ليتبيَّن لنا من بعدُ أن كلمات الله كانت تتحول في شخص الرسول صلوات الله عليه إلى عمل بمقدار ما كانت تتحول لدى أكثر المقبلين على الله من المخلصين إلى فعل يُسْلَك، وإلى حياة تُعَاش وإلى سلوك ينفعل بباطن تلك الحياة.

ودراسةُ كلام الحق جَلَّ شأنه فضلٌ من الله تعالى يؤتيه الله من يشاء حين يشاء من عباده، ولا يَدَعيه مُجَرَّد إدّعَاء فهماً ولا ممارسة كل من هَبَّ ودَبَّ. ولا بد ممَّا ليس منه بُدٌ: توافر عنصر الاصطفاء لهذه المهمة الجليلة. وليس يمكن لغير من أختصهم الله بفضله أن يخوضوا فيه، فأنت تستطيع أن تكون عالماً في أي ميدان تختاره، تستطيع أن تكون متكلماً أو فيلسوفاً أو نحوياً أو أدبياً أو ما شئت أن تكون إذا توَفَّرْت لذلك، وكان لديك استعدادُ ملائم، ثم خَصَصْتَ هذا الاستعداد بعنايتك. أما أن تكون مستنبطاً للإشارة المقصودة من العبارة القرآنية، فهذه خصوصية فريدة لا بد أن يسبقها اجتباء إلهي.

ومن هنا ظهر ما يُسمى بالتفسير الإشاري للقرآن الكريم قامت به على مر العصور طائفة من أتقياء المسلمين، وهو من الندرة بحيث نَخُصُّ منهم بعض أئمة صوفية الإسلام على التحديد، يقوم على استنباط الإشارة من العبارة، ولسوف نتحدث بالإشارة عنه لاكتشاف ما نسميه من جانبنا بــ "الذاتية الخَاصَّة للقرآن" تجيء كدعائم ومرتكزات يقوم عليها مع تحديد عناصر هذه الخَاصَّة الذاتية وأركانها التأسيسية كونها دعائم تأصيلية للتفسير الإشاري عَسَانَا نقف على منطلقاتها الحَساسة في العقل والشعور على وعي وبصيرة بالقرآن، لكأنما التفسير الإشاري قائم على تلك الذاتية الخاصَّة منذ البداية، ومؤسس على أركانها، ولكأنما كانت هذه الذاتية الخَاصَّة بمثابة الأصل الذي ينطلق منها فيُسْتَبْصر مقوماتها المنهجية وأسسها التأصيلية والتذوقية.

نعم! للقرآن الكريم خاصّة ذاتية لم يقف عليها إلا الموهوبون من طلاب الحقائق العليا ومريدي الثقة بطوالع الملكوت؛ أعني الحاضرون دوماً مع الله عبادة وتبتلاً. هذه الذاتية الخاصة للقرآن تقدح فيمن يتعامل مع القرآن ببصيرة مطموسة : يَتَعَبَّدُونَهُ باللفظ ولا يعرفون إيحاءاته ولا دلالاته ولا معانيه، ويقيدون الفهم من جانبهم فيقفون على الظاهر من الألفاظ وكفى ويعزلون اللفظ عن الدلالة وعن المعنى وعن الإيحاء ولا يكتفون بتلك العزلة الواصبة بل يعزلون القرآن كله عن روحه العام إن في آياته وإن في سوره وإن في مجمله على الصورة الكلية.

ومن هنا؛ فاهتمامنا سيَنْصَبُّ في هذا المقال والمقالات التي تليه، لا على التفسير الإشاري نفسه ولكن على الذاتية الخَاصَّة للقرآن بوصفها تشكل دعائم تأصيل التفسير الإشاري.

على أن القشيري يُجمل ذلك في مقدمة تفسيره الإشاري أو يُفَصِّله على نحو من الأنحاء ليُصَوِّر لنا كيف يكون التفسير عامة والتفسير الإشاري منه على وجه الخصوص؛ فإجمال ما تقدَّم مذكوراً عن الزَّرْكشِي والسيوطي والحارث ابن أسد المحاسبي إنما هو عند القشيري إشارة. حيث يقول إن الله :" أكرم الأصفياء من عباده بفهم ما أودعه من لطائف أسراره وأنواره لاستبصار ما ضَمَّنَه من دقيق إشاراته وخفيِّ رموزه، بمَا لوَّح لأسرارهم من مكنونات، فوقفوا بما خُصوا به من أنوار الغيب على ما أستتر عن أغيارهم، ثم نطقوا على مراتبهم وأقدارهم : الحق - سبحانه وتعالى - يُلْهمَهُم بما به يكرمهم، فهم به ناطقون؛ وعن لطائفه مخبرون؛ وإليه يشيرون، وعنه يُفْصحُون، والحكم إليه في جميع ما يأتون به ويَذَرُون" (أ.هـ).

ويَتَبَيَّن من ذلك أن التفسير عامة؛ والإشاري منه خاصَّة، إنما هو تفسير إلهامي من فضل الله وتوفيقه، واصطفائه واختصاصه لمن شاء له من عبيده، لا بقدرة منهم أو حيلة أو اكتساب، ولا اقتدار من جانبهم على هذا الفضل أو ذاك التوفيق، ولكنه توفيق موهوب  واختصاص من عند الله وكفى، لا يُقال في حقه سوى ذلك.

غير أن هذا اللون من التفسير الذي يتكلم عنه القشيري يَفْتَرَقُ عن سائر ألوان التفسير الأخرى، تماماً كما يفترق التفسير في مجمله عن سائر ألوان الفكر الإسلامي وذلك لشرط عنصر الاصطفاء من قبيل الله تعالى. فلئن كان أصل الوقوف على معاني القرآن التَّدبُّر والتفكر وهذا صحيح، فلا قيمة لهذا الأصل مُطلقاً بغير الشرط الذي أجمع عليه العلماء بالقرآن.

شَرَطَ "الذَّرْكَشيّ" في "البرهان في علوم القرآن"، والقشيري في "لطائف الإشارات" والسيوطي في "الإتقان في علوم القرآن" منقولاً عن الإمام أبي طالب الطبري، والمحاسبي في "العقل وفهم القرآن"، وصدر الدين القونوي في "إعجاز البيان في تأويل أمّ القرآن"؛ شرطوا  شروطاً قاسية ليس فينا في الغالب مَنْ لا يخلو من وجودها فيه بوجه من الوجوه، وذلك لندرة من لا توجد فيه، ولكن ليس معنى وجودها فينا أن يتخلى المرء عن فضيلة الجهاد والتَّصْفيَة مُدَّعياً شدة هذه الشروط وقلة حظه بالمرة في تطبيق أضدادها بالوقوف على الجوانب الإيجابية المتسعة، فيروح فيعزف بالجملة عن مواجهة الذات الإنسانية بالقرآن على ما شرطوه.

شَرَطوا فيما يُشْبه الإجماع أن الخطاب الإلهي لا يفهمه ذو بدعة، ولا مَنْ هو مُصرٌّ على ذنب، ولا مُحب لدنيا، ولا مَنْ كانت في قلبه ذرة من كبر أو هوى، ولا من يكون غير متحقق الإيمان أو ضعيف التحقيق أو يكون مُقلداً في نظره، معتمداً على قول مُفَسّر ليس عنده من العلم سوى علم الظاهر أو يكون راجعاً إلى معقوله النظري؛ (أي الدعوى الفكرية والعقلية)؛ فهذه كلها حُجُب وموانع عائقة عن فهم معاني الوحي حقيقةً، حاجبةً عن أسرار العلم من غيب المعرفة، فمن كانت في نفسه صفة من تلك الصفات لا يَدَّعي مُطلقاً فهم الخطاب الإلهي، ولا ينبغي له، وليس بملزم لأحد أن يأخذ عنه في قول أو في دلالة.

ومن هنا يتجلى معنى التفسير الإشاري الذي يفترق عن سائر ألوان التفسير الأخرى، والذي قَدْمَهُ صوفية الإسلام عامة، والإمام القشيري بصفة خاصة، ويضاف إليه من قبل ذلك الإمام السلمي في حقائق التنزيل.

قَدَّمَ الصوفية منهجاً جديداً لفهم القرآن يقوم على الذوق الشعوري أسموه "الاستنباط القرآني"؛ (والاستنباط هنا: "استبطان"، واستخراج من الخفايا، وليس هو الاستنباط العقلي بحال)؛ ومعناه: أن يُردِّد الصوفي القرآن؛ مستغرقاً فيه، حتى تنفتح له المعاني الإلهية، ثم ينتقل إلى معاناة العبارة، يخلو بنفسه مع ربه بين مقامات يتردد فيها وأحوال يعانيها، حتى تنقدح المعرفة الإلهية فيه، أو تُلقى فيه إلقاءً؛ فيتذوقها.

لاحظ قوله تعالى:"لعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُوَنَهُ"؛ أي لعلمه الذين يجاهدون أنفسهم في فهمه ومذاكرته واستحضار رؤيته للخلق والكون والعالم والإنسان، لا الذين يهملونه أو يهجرونه أو يقرءونه على الغفلة والسَّهَيَان.

ومن الأهمية بمكان أن نشير إشارة سريعة إلى بعض الدراسات المُهمَّة ذات الشأن الممتع المضيء للجوانب الكاشفة للقرآن من ناحية "علم الدلالة" (Semantics) ونعني بها دراسة المُستشرق الياباني "توشيهيكو إيزوتسو" بعنوان" الله والإنسان في القرآن : علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم" يوضح فيها مسألة العلاقة الشخصية بين الله والإنسان في الرؤية القرآنية للعالم، لكن من زاوية المنهج الدلالي للدراسات القرآنية؛ فإذا كان القرآن قابل لأن يُقارَب من وجهات نظر عديدة ومختلفة مثل اللاهوتية والفلسفية والاجتماعية والنحوية والتفسيرية، فهو من باب أولى في نظر المؤلف يُمكن أن يُقارَب من ناحية علم الدلالة ومنهجه التحليلي الحديث ومفهوماته المتعددة والمتباينة، لكن علم الدلالة عنده كما يُوحي به الأصل الاشتقاقي للكلمة هو: علم يُعني بظاهرة "المعنى" بأوسع معاني الكلمة.

ويُخَصص المؤلف جزءاً من كتابه عن التصوف ليتبيَّن له بعد بحث وتدقيق أن التفسير الصوفي (الإشاري) وفق المنهج الذي اختاره له أصحابه أن يكون؛ ذو أهمية وفائدة قصوى للمختص بعلم الدلالة". هذه الإشارة السريعة إلى بعض الدراسات الدلالية الحديثة لا تكاد تطلعنا سوى على ما يعتمده الصوفية من منهج في التفسير الإشاري بصفة خَاصَّة، ولكن هذه الإشارة أيضاً رغم أهميتها ليست شيئاً بالقياس إلى حديث رسول الله؛ ففي الحديث أنه صلوات ربي وسلامه عليه قال:" القرآنُ ذَلُولٌ ذو وجوه، فاحملوه على أحسن وجوهه".

يشرح السيوطي حديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه الذي رواه أبو نعيم وغيره من حديث ابن عباس:" القرآنُ ذَلُولٌ ذو وجوه، فاحْمِلُوهُ على أحسن وجوهه". يشرحه لفظة لفظة ويُبَيّن مقاصده في دلالة كلماته فيقول: "ذلـول"؛ يحتمل معنيين، أحدهما أنه مطيعُ لحامليه تنطقُ به ألسنتهم. والثاني: أنه مُوَضِّح لمعانيه حتى لا تُقْصِّر عنه أفهام المجتهدين.

وقوله : "ذو وجوه"؛ يحتمل معنيين كذلك، أحدهما أن من ألفاظه ما يحتمل وجوهاً من التأويل. والثاني أنه قد أجمع وجوهاً من الأوامر والنواهي والترغيب والترهيب والتحليل والتحريم. وقوله :" فاحملوه على أحسن وجوهه"؛ يحتمل معنيين أيضاً : أحدهما الحَمْلُ على أحسن معانيه. والثاني: الحَمْلُ على أحسن ما فيه من العزائم دون الرُّخَص، والعفو دون الانتقام، وفيه دلالة ظاهرة على جواز الاستنباط والاجتهاد في كتاب الله تعالى.

ويتبيَّن ممَّا ذكره السيوطي أن جواز الاجتهاد والاستنباط في كتاب الله على العلم الواضح والبيّنة الجَليَّة لهو ممَّا يقرُّه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ولا يُنفيه، لاحتمال المعاني الواردة وتعددها في هذا الحديث ومن ثَمَّ جَوَاز استنباط الدلالة من ظاهر المعنى. ثم أنه إذا لم يكن الاجتهاد في كتاب الله ومذاكرته وفهمه، وتَدُّبره، واستحضار رؤيته للعالم والإنسان، واستنباط معانيه ودلالاته - قدر الطاقة - في الأنفس وفي الآفاق؛ ففيما إذن يكون الاجتهاد؟!

على أن هذا الاجتهاد يخضع لمنهج فإذا كان منهج المتكلمين والفلاسفة هو العقل؛ فمنهج الصوفية الذوق والحدس. بمثل هذا "الذوق" منهجاً يُطبَق على موضوعه، وهو هنا "القرآن" تتكشف للصوفي مَعَانيه وتُشرق في قلبه مراميه ليتلقى خطاب الحقيقة عارفاً بجميع مستوياته، مستوى اللفظ ومستوى المعنى ومستوى الحقيقة.

يُحْسن فهم الخطاب الإلهي؛ لأنه كان أحسن العمل به والدعوة إليه على بصيرة، ويجعل القيم القرآنية في مقدمة اهتماماته تطبيقاً وتفعيلاً وممارسة وحياة.

وعليه؛ فليس كل أحد بقادر على ممارسة الإشارة ما لم يكن مجتهداً على هذا التوصيف؛ فيُمْكنك أن تكون عالماً في أي فرع من فروع المعرفة كان، دون أن يَصْحَبَ ذلك عملٌ، أما أن تقبل على القرآن الكريم لتستشف الجواهر من وراء الظواهر فهذه مسألة ينبغي أن تَقترن بجهود مُضنية في تصفية النفس والقلب من كل العلائق، وتخليتهما عن كل الشواغل الدَّنيَّة، وتحليتهما بكل الأوصاف السَّنيّة. فأخصص خصائص التفسير الإشاري؛ كما يُحَدِّدُهُ الدكتور إبراهيم بسيوني في "منهج القشيري في التفسير" هو :" الاعتماد على استنباط خفايا الألفاظ - مُفْرَدَةً أو مُرَكَّبَة - دون التوقف عند حدود ظواهرها المألوفة ومعانيها القاموسية؛ وإنما يُنْظَرُ إلى اللفظة القرآنية على أنها ذات جوهر يدق على الفهم العادي، وأهل التجريد وحدهم هم الذين يتاح لهم - بفضل الله - العلم الذي يكشفون به عن هذا الجوهر. وهناك رباط وثيق بين هذا العلم وبين العمل؛ إذْ لا يَحْظى به إلا من جَرَّد قلبُه من كل سانحة، وَصَفَّى نفسه من كل كدورة، وتهيأ بكل الهمَّة لهذه المهمة الجليلة : دراسة كلام الحق جل ذكره؛ وذلك فَضْلُ الله يؤتيه من يشاء".

التجربةُ مع كلام الحق تعالى تقول لك بأبلغ لسان: إن هنالك نوراً علوياً ينبعث من "كلمات الله"، يدنو منك في لحظات الاتصال، يهيئوها لك فعل الترقي والتطهير، ويعز عليك استقباله بغير تطهُّر واستعداد: التصافي شرطه، وأصله موالاة مصدره وخدمته، فلمَّا أن سُئل عنه قال: " نورٌ أنَّىَ أرَاهُ ". الصفاء والاستعداد والتأهب للترقي خصالُ من يريد أن يكون داخل المعية لا خارجها، واجتماع الخصال وسائل مُوَصِّلة لكنها ليست الغاية، فالغاية هنالك بعيدة بعيدة، بيد أنها قريبة بل أقرب ما تكون مع الإحسان. ودوام البقاء مع الوسائل ظلمة حاجبة، والفراغ منه مطلوب في ذاته، ليتفرغ السرُّ لورود "اللحظة". وإنها للحظة نورانية كاشفة تشع من باطن القلب، ينغمر فيها النور ليعطيك من فورك ما لا يخطر لك على بال : يعطيك السلامة في الحِسِّ وفي الذوق وفي الوعي وفي الإدراك. وإذا أدركت اللحظة النورانية العجيبة أدركت السعادة كلها طمأنينة قلبية لم تعد تزلزلك بعدها الزلازل من حولك ولا التهاويل، أدركت الدلالةَ وأدركت القيمةَ وأدركت من عالم القيم القرآنية مُوحيَاتها ممَّا ليس يدركه الغفل الجهول. ليس عبثاً ذلك الذي تحسّه، وليس شعورك في هذه"الحالة" باللهو الذي ينقضي معه الزمن أو يقضي هو على الزمن، فلو أنه كان كذلك لكنت في غيبة وحجاب أي كنت في غيبة عن اللحظة؛ لكنك في حيرة من أمرك : على أي وصف يمكن أن يكون "حالك" ؟!

لست تجد لورود اللحظات عليك تفسيراً ولا تعليلاً، أنت هاهنا خارج نطاق التفسير والتعليل، أنت معه بكليتك، ومعية الكلية لا تستلزم وصفاً ولا تقتضي شرحاً. الكليَّةُ بقاء تريدُ فيه من خالص قلبك أن تسكّن الزمن لحظتها، يدوم ولا ينقطع، ولكنه رغماً عنك ينقطع فلا يدوم، وانقطاعه حجاب، مع بقاء اللحظة حاضرة في "عين اليقين".

*       *       *

شَرْطُ الفتوح في القرآن التخلي عن الدعوى النظريّة؛ الفكرية والعقلية؛ والجلوس مع الله مجالس الأدب والمراقبة لا مجالس الغفلة والإدعاء؛ إذْ الجلوس مع الله على بساط الأدب ثم المراقبة يمضي بالمرء إلى التهيؤ لقبول ما يَردُ عليه من الحق حتى يكون الله هو الذي يتولى تعليمه على الكشف والتحقيق. أي نعم! الله هو الذي يتولى تعليمه (وَاتَّقوا الله وَيُعَلّمَكُم الله). يَحُدث هذا للذي يتخلى عن دعواه كائنة ما كانت تلك الدعوى: جَاهَاً أو سلطاناً أو دنيا أو نفوذاً أو ما شئت أن تضيف، يتخلى عنها بمزيد من التعلق بما عند الله ولا يتظاهر بالدعوى مُجَرَّدَةَ عن التقوى، ولا يحدث هذا لمن يدعى أنه يُعَلّم نفسه بنفسه فتكون الدعوى العريضة مالكة له مسيطرة عليه. قُلْ لي بربك: هل أصابتك حالة من الوجد العالي فبكيت فيها حتى الاختناق من تأثير آية من آيات القرآن؟ إذا حَدَثَ لك هذا من قبل فلتعلم أنها "خَاصَّة ذاتية" من خصائص القرآن توجد فيه ولا توجد في سواه، وتتوافر في القارئ الذي يقرأ القرآن لا قراءة عادية مُجَرَّدَة عن الفاعلية والتأثير، بل بوجد وطرب وفكر، وكأنما القرآن نزل في شأنه !

من تلك اللفتات المُتقدّمَة يمكننا تحديد جوهر البحث الذي نحن بصدده وتحديد عناصره من ثمَّ وخطواتنا المنهجية في قراءتها. فحين نقول إن هنالك ذاتية خَاصَّة للقرآن نعني بأن يجيء القرآن مَطلوباً من حيث ذاتيته الخَاصَّة كما قلنا لا من حيث ذاتية غيره وخصوصيَّة سواه.

الذاتية الخاصَّة للقرآن هى ذاتية تشريع للحياة العالمة : خضوع لقانون أسمى من قوانين البشر، وما لقوانين البشر هذه، تكييف مع واقع الحياة ولا تنبيه لمعالجة هذا الواقع ما لم يكن خضوعها لهذا القانون الأعلى شرطاً ضرورياً لفهم القرآن على الوجه الذي يكون فيه الفهم مُخْرجَاً لمنهج يُسْلك صاحبه سبيل العمل النافع بمقتضى الفهم. تقوم الذاتية القرآنية على أركان ودعائم مثل :

(1) الحضور. (2) الفهم. (3) الحَلاوة. (4) وحدة القصد. (5) الإيحاء. (6) العقل البصيري. (7) تحويل النفس. (8) التجلي .

ولسوف نُعْطي في هذه المقالات الثمانية نماذج فيما سيأتي لتلك الأركان على الترتيب متخذين من منهج التحليل الذَّوْقي سبيلاً لنا، شارعين في تذوق ما نصل إليه على طريقة أرباب الأحوال والأذواق.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

منى زيتونيقولون إن التاريخ يعيد نفسه، وأقول: إذا ما تعلق الأمر بالخوارج أو المارقة كما أسماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فالأمر أجلى وأوضح؛ فالخوارج -كما سبق أن ذكرنا وفصّلنا في مقالين عنهم (1) (2)- ليسوا فرقة مرّت وانتهى أمرهم، بل هم جماعات تظهر في كل زمن لهم فكر واحد.

‏ولهم علامات لا تخطئها أعين المدققين، تتكرر في كل زمان ومكان يُبتلى بهم فيه المسلمون. لكن، وكما علامات المنافقين، فليس كل منافق فيه كل خصلات النفاق، ليس بالضرورة أن توجد كل علامات الخوارج في كل جماعة من تلك الجماعات القديمة والحديثة التي وُصمت بذلك.‏

وفي هذا المقال سنُعنى بسرد أهم هذه العلامات التي تحققت في مارقة زماننا، كما سبق وتحققت في أسلافهم.

الخروج على الإمام وقتله

أهم علاماتهم والتي اشتُق منها اسمهم، هو خروجهم على إمامهم، ويمكن اعتبار ما حدث مع سيدنا عثمان بن عفان اغتيالًا غادرًا ممن خرجوا عليه، فقد قتلوه غيلة وسط زحام الدار حتى لم يُعرف يقينًا من قتله! مما أعجز سيدنا علي عن إقامة الحد. بالرغم من ذلك فإن أول شهيد اغتيال لأول طائفة معلنة من الخوارج في تاريخ الإسلام هو سيدنا الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه.

وكما خرج الحروريون قديمًا على سيدنا الإمام عليّ بن أبي طالب، ثم قتلوه، خرج الوهابية على الخليفة العثماني، ولو تمكنوا منه لقتلوه.

وكذا الإخوان لم يعجبهم إمامهم، فخرجوا عليه. لم يعجبهم حسن البنا! يحكي من أرّخوا لجماعة الإخوان المسلمين أن حسن البنا كان قد فقد سيطرته على الجماعة منذ مطلع الأربعينات، حتى وصل به الحال قبل أن يُقتل بشهر أن كتب مقاله الشهير "ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين!"، متبرئًا فيه من الجماعات السرية التي اعتمدت الاغتيالات السياسية أسلوبًا لها.

وكذلك قد يفعل الدواعش أحيانًا بزعمائهم وفقًا لما يصلنا من مصادر إخبارية.

كما أن الإخوان يحلمون بخلافة تتزعمها تركيا، والسلفيون يعتبرون ملوك السعودية خلفاءهم، ولا ولاء لديهم لحكام دولهم القُطرية حتى لو لم يكونوا فاسقين!

الاغتيالات السياسية لكبراء المسلمين

لم يأذن الرسول صلى الله عليه وسلم يومًا باغتيال رءوس المشركين. قال عليه الصلاة والسلام: "الإيمان قيّد الفتك. لا يفتك مؤمن"، بل إن مشركي مكة أنفسهم لم يفعلوها مع المسلمين. لم تكن العرب تعرف هذا النوع من الخسة والغدر.

ومع ظهور فرق الخوارج حدثت بعض حوادث الاغتيال للخلفاء كما أوضحنا، ولكن لم يعرف المسلمون الاغتيالات بكثرة إلا عندما ظهرت طائفة الخوارج الحشاشين (الإسماعيلية النزارية)، وهم إحدى أهم فرق الخوارج في تاريخ الإسلام، والذين سبق وفصلّت في سيرتهم في مقالي "هل يجوز تكفير الخوارج؟!2"

انفصلت طائفة الباطنية أو الحشاشون ASSASINs أو الإسماعيلية النزارية أو الإسماعيلية (من باب التخفيف) عن الفاطميين الإسماعيلية في القرن الخامس الهجري. تمركزهم كان في بلاد فارس ثم أيضًا في بلاد الشام. وكانوا يُستأجرون للقيام بالاغتيالات السياسية عن طريق مباغتة الضحية بخنجر بعد التربص به، وعُرِف عن قادتهم أنهم يُعطونهم مخدر الحشيش بكميات كبيرة حتى يدمنوه، ويكون من السهل التأثير عليهم والانقياد لهم لتنفيذ ما يؤمرون به من عمليات.

عمّت البلوى بهم ما بين القرن الخامس والسابع الهجري. وفي القرن الخامس زاد شرهم في بلاد فارس، وقاتلهم سلاطين ووزراء السلاجقة. وفي نهاية القرن الخامس والقرن السادس تسلّطوا على الكثير من الأمراء والوزراء وقتلوهم، حيث كثر قتلهم غيلة ونسبة القتلة إلى الباطنية. ووصل الأمر إلى قتل الخليفة المسترشد بالله سنة 529هـ، كما قيل في سبب موت الخليفة الراشد سنة 532هـ ثلاثة أقوال، أحدها أنه سُقي السم ثلاث مرات، والثاني أنه قتله قوم من الفراشين الذين كانوا في خدمته، والثالث أنه قتله الباطنية وقُتلوا بعده. واختلف المؤرخون كذلك حول قتل الوزير السلجوقي نظام الملك هل قتله أحد الحشاشين أم سلّط عليه السلطان ملكشاه من قتله سنة 485هـ. كما كان أكابر العلماء من الشخصيات المستهدفة بالاغتيال أو على الأقل الأذى إن لم يتمكنوا منهم.

وبالرغم من عدائهم مع الخلافة العباسية والدول والسلطنات الكبرى التابعة لها في الشرق كالسلاجقة والخوارزميين، وكذا الزنكيين والأيوبيين، وعداءها العقائدي والسياسي مع الفاطميين، إلا أن أحدًا لم يستطع استئصالهم بسهولة لأنهم اتخذوا من القلاع فوق الجبال حصونًا لهم.

وفي عصرنا الحديث عادت الاغتيالات السياسية أول ما عادت على أيدي الإخوان، فكانوا مغرمين بها، خاصة في حقبة الأربعينات؛ فقتلوا النقراشي باشا رئيس الوزراء، وأحمد ماهر باشا، والقاضي أحمد الخازندار. كما اختطفت جماعة التكفير والهجرة الشيخ الذهبي وزير الأوقاف المصري، وقتلته في السبعينات. وكذا قُتل الرئيس المصري محمد أنور السادات على يد الجماعة الإسلامية. والأمثلة كثيرة.

الدواعش أيضًا يكثر فيهم اغتيال الآمنين فهم يقتلون المدنيين غير الحربيين من المسلمين وليس فقط أهل الكتاب، ومن آخر المآسي الكبرى التي أحدثوها قتلهم لمئات من الصوفية في مسجد الروضة بشمال سيناء يوم الجمعة 24 نوفمبر 2017، وهي الجمعة السابقة على ميلاد الحبيب المصطفى، والتي يحتفي فيها الصوفية بذكرى مولده الشريف.

أما الانسحاب من المجتمع الذي يكفرونه، كما كان ينسحب الحشاشون في رءوس الجبال، فرأيناه في جماعات التكفير والهجرة، كما رأيناه في داعش.

الدعوة إلى تحكيم شرع الله "قولة حق أُريد بها باطل"

خرج الخوارج أول مرة في عهد الإمام عليّ بن أبي طالب بعدما كانوا يقاتلون إلى صفه في صِفين؛ حيث كان من نتائج معركة صفين بين سيدنا عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، أن تم الالتجاء إلى التحكيم، وذلك بعد أن رفع جند معاوية المصاحف على أسِنِّة الرماح، طلبًا للاحتكام إلى كتاب الله، فخرجت الخوارج من جيش عليّ، وأعلنوا أن "لا حكم إلا لله" و "الحكم لله- لا للرجل".

ذكر الشهرستاني في "الملل والنحل" (ج1، ص110)  أن أمير المؤمنين عليّ لما سمع قولتهم قال: "كلمة عدل يُراد بها جور، إنما يقولون لا إمارة، ولا بد من إمارة برّة أو فاجرة"أهـ.

وقد كفّره هؤلاء الخوارج بسبب قبوله التحكيم، كما كفّروا سيدنا عثمان وأصحاب الجمل والحكمين وكل من رضي بالتحكيم!

هذا بالرغم من أن الآية التي كفَّر بها الخوارج الإمام عليّ، وكفَّر من تلاهم من الخوارج جموع المسلمين، ولا زالوا يفعلون، وهي الآية الكريمة ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، جمهور أئمة المسلمين القدماء والمحدثين على أن المقصود بالكفر فيها ليس الكفر المُخرِج من الملة للمسلمين، هذا حتى في حال إن اعتبرنا أن المخاطب بها هم المسلمون!

وخوارج عصرنا لا يختلفون عمن سبقهم في المسارعة إلى الدعوة نفسها، واعتبار حكامهم ومن يوافقهم كافرين لأجل السبب ذاته.

تكفير عامة المسلمين بالذنوب وبالمخالفة العقدية والفقهية لهم

من أهم صفات الخوارج اتهامهم المسلمين بالشرك، وتطبيق ‏نصوص القرآن التي نزلت في المشركين والكافرين على المسلمين.

يذكر الإمام البخاري في أول باب (قتل الخوارج ‏والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم) "وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا ‏إلى آيات نزلت في ‏الكفار، فجعلوها على المؤمنين"‏أهـ. ورواها ابن عبد البر في "الاستذكار" ‏‏(ج8، ص90) (10576) من رواية نافع عن ابن عمر. وأقول: ولا زالوا يفعلون. وصدق ابن ‏عباس عندما قال في الخوارج: "يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه".‏

وجميعهم بدءًا من الحرورية –أول فرق الخوارج- يُكفِّرون المسلمين بالذنوب؛ إذ كانت أهم عقائد الحرورية أن الإيمان لا ينفصل عن العمل، فهو ما وقر في القلب وصدّقته ‏الجوارح والعمل، وقد قادتهم تلك المقدمة إلى نتيجة خطيرة جعلتهم أول فرقة متطرفة في تاريخ ‏الإسلام، وهي أن الفاسق غير مؤمن، فمرتكب الكبيرة هو كافر بزعمهم، فكفّروا المسلمين ‏ووقعوا في دمائهم، وكان الأزارقة؛ أتباع نافع بن الأزرق الحنفي يعتبرون باقي ‏المسلمين مشركين، وديارهم ديار شرك! ولا نجد في أدبيات الخوارج حديث عن توبة صاحب ‏الكبيرة كما هو الحال عند المعتزلة، وفي هذا فتح لباب المعاصي، وتجاهل للضعف الإنساني، ‏وإغلاق لباب الرحمة في وجوه العباد.

ومسألة موضع العمل من الإيمان من أهم مباحث الخلاف العقائدي ‏بين طوائف الأمة، وجميع الفرق في تاريخ الإسلام التي قالت بأن العمل من أصل الإيمان ‏وليس فرعًا له وقعت في تكفير المسلمين أو تفسيقهم، وأبرزهم في عصرنا الفرقة المسماة ‏بالسلفية الوهابية.‏

كانت دعوة ابن عبد الوهاب تقوم على أساس تكفير جميع المسلمين؛ إذ تتضمن في أغلبها مخالفات ابن تيمية التي ابتدعها ونسبها للسلف وحُبس مرارًا بسببها، وهي: تحريم التوسل بالنبي، وتحريم السفر ‏لزيارة قبر الرسول، وإلغاء الطلاق المحلوف به عند الحنث فيه، وعقيدة حنابلة بغداد التجسيمية لذات الله تعالى بنسبة الجوارح إليه وتحييزه في جهات. كما ابتدع ابن عبد الوهاب بعض المستجدات مما لم يُسبق إليها كمحاربة التصوف وتحريم الاحتفال بالمولد الشريف خلافًا لابن تيمية الذي لم يحرِّمه. قال في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" عند حديثه عن الاحتفال بمولد النبي عليه الصلاة والسلام: "إن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا". ‏وكان من أول ما يفعلونه الوهابية عند السيطرة على منطقة أو عندما تتحالف معهم هو هدم الأضرحة، -ولا زال هذا دأب السلفية والدواعش المعاصرين-. وكانت أول قبة قبر هدمها ابن عبد الوهاب قبة قبر زيد بن الخطاب.

استباحة دماء وأموال عامة المسلمين

قتل الحرورية قديمًا عبد الله بن خبّاب بن الأرت. وطالما استباح القرامطة دماء وأموال المسلمين، حتى الحجيج منهم، ولم يسلم من الحشاشين الباطنية عامة المسلمين، فكانوا يغزونهم فيقتلونهم ويسبون نساءهم وينهبون أموالهم.

ومما يميز الخوارج المعاصرون فوق تكفيرهم عامة المسلمين استباحة دمائهم، واستباحة أموالهم، ‏مثلما فعلت كل طوائف الخوارج من قبلهم.

ومن يقرأ للوهابية يفهم مباشرة نظرة محمد بن عبد الوهاب إلى المسلمين في عصره، فممارساتهم بالنسبة إليه كانت شركًا، تستحق منه الجهاد ضدهم واستحلال دمائهم وحرماتهم، فكان يحاربهم ويسمي ما يفعله بهم غزوات، ويسبي نساءهم وأطفالهم. ويبدو أن الرجل من الناحية النفسية كان يرى في نفسه استئهالًا للنبوة، لأن هذا التصور لمجتمعه على أنه المجتمع المسلم الصغير الذي تقابله ديار شرك، لم يوجد سوى في عصر النبوة الأولى، وحتى الخوارج الأوائل كفّروا المسلمين، ولم يُسموا حروبهم معهم غزوات. كما أنه قد أطلق على حركته مسمى "دعوة"!! فلأول مرة منذ أن صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة الإسلام نجد شخصًا يتزعم فرقة من الفرق يُطلق على ما يعرضه مسمى "دعوة". وكانوا يقولون لمن يتبعهم أنه دخل في ديننا!!

والعجيب أن الوهابية المحدثين يصدّقون على ذلك التصور المتوهم لحال المسلمين وقت ظهور الوهابية، ولا يرون فيه أدنى مبالغة، علمًا بأن أحدًا غير ابن عبد الوهاب من معاصريه لم ير في ممارسات مسلمي جزيرة العرب وقته شركًا!

منع المسلمين بيت الله الحرام

لعله لم تبلغ فرقة من الخوارج درجة من الفسق وانتهاك الحرمات مثلما فعلت القرامطة، حتى وصل الأمر إلى سرقة أهل مكة والإغارة على الحجاج، وانتزاع الحجر الأسود من الكعبة سنة 317هـ، وخلع أستار الكعبة، ولم يُعد زعيمهم أبو طاهر القرمطي الحجر وأستار الكعبة إلا سنة 339هـ، بعد تهديد الفاطميين الذين أعادوا موسم الحج لما كان عليه، وكان يُخطب لهم بمكة طيلة قرنين من الزمان بدلًا من العباسيين. لكن ظل القرامطة يضايقون حجاج العراق ويمنعونهم من الحج.

كذلك سجّل لنا المؤرخون كثيرًا من الحوادث التي أحدثها الخوارج الحشاشون الباطنية مع الحجاج؛ ففي سنة، 498هـ، أغار ‏جمع كثير من هؤلاء الإسماعيلية النزارية من طريثيث عن بعض أعمال بيهق –وبيهق ‏مجموعة قرى بجانب نيسابور، كان الحشاشون يتمركزون في بعضها، ومن أهم ‏قراهم طريثيث وطرز-، على الناس، فقتلوهم ونهبوهم وسبوا نساءهم، بل ‏وقتلوا الحجاج عند عودتهم من الحج. وكان  ذلك بجوار الريّ.

وفي سنة 552هـ، قُتل حجاج خراسان قرب بسطام بأيدي الحشاشين. ‏يقول ابن الأثير: "وقُتِل فيهم من الأئمة العلماء والزهاد والصلحاء جمع كثير، وكانت مصيبة ‏عظيمة عمَّت بلاد الإسلام، وخصت خراسان".

وفي سنة 608هـ، وثب الباطنية على أخي الأمير قتادة أمير مكة، بمنى أيام الحج، ‏وقتلوه، ظنًا منهم أنه قتادة. ونُهِب الحجاج.

وما أشبه خوارج زماننا في هذا بالقرامطة والحشاشين، وكم منعوا الحجيج من الوصول إلى بيت الله الحرام ‏وأداء المناسك، بل ونهب الوهابية أول ظهورهم الحجرة النبوية وأخذوا ما فيها من الأموال ‏والجوهر.‏

كان الوهابية قد منعوا الحجيج المصري والشامي سبع سنين قبل أن يهزمهم إبراهيم باشا. ‏يذكر مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر النجدي الحنبلي في كتابه "عنوان المجد في تاريخ نجد" ‏‏(ج1، ص292) في حوادث سنة 1221هـ "فلمّا خرج سعود من الدرعية قاصدًا مكة، أرسل فرَّاج ‏بن شرعان العتيبي، ورجاله معه، لهؤلاء الأمراء المذكورين، وذكر لهم أن يمنعوا الحجاج التي ‏تأتي من جهة الشام واستنبول ونواحيهما، فلما أقبل على المدينة الحاج الشامي ومن تبعه، وأميره ‏عبدالله العظم باشا الشام، فأرسل إليه هؤلاء الأمراء أن لا يقدم إليهم، وأن يرجع إلى أوطانه". وفي ‏حوادث سنة 1223هـ (ص297) يذكر أنه "لم يحج في هذه السنة أحد من أهل الشام ومصر ‏والعراق والمغرب وغيرهم إلا شرذمة قليلة من أهل المغرب لا اسم لهم حجوا بأمان".‏

وفي القرن العشرين مُنع الحاج السوري من الوصول إلى مكة سنة 1959هـ، كما مُنع ‏الحجاج اليمنيين على إثر خلافات سياسية، وكذا حدث مع الحجاج الليبيين لسنوات، وأُرجعت ‏الكسوة المرسلة من مصر كهدية للكعبة المشرفة، والتي كانت مصر تقدمها لقرون، كما استأثروا ‏بالإمامة والوعظ في الحرمين الشريفين في مشائخ مذهبهم، وهي سابقة لم يحدث مثلها في تاريخ ‏الإسلام. والأسوأ هو واقعتين قام فيها الجنود بفتح النيران على الحجيج؛ الأولى ضد الحاج ‏اليماني سنة 1341هـ ‏‏/ 1921م والثانية ضد الحاج الإيراني سنة 1408هـ/ 1988م.‏

حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام

كان الخوارج ولا زالوا سفهاء العقول لا يفهمون مقاصد الشارع الحكيم ولا يعوا منها شيئًا. وقد رأينا كيف فهموا معنى أن لا حكم إلا لله بعقولهم القاصرة فضلّوا.

وكذا هو الحال في أيامنا؛ فمن أهم صفات خوارج آخر الزمان التي ذكرتها الأحاديث أنهم "حدثاء الأسنان، ‏سفهاء ‏الأحلام". ‏وحدثاء الأسنان جمع حديث السن وهو الصغير؛ فإن حداثة السن محل للفساد ‏عادة. وسفهاء الأحلام أي ضعفاء العقول؛ جمع حلم وهو العقل. ‏والسفهاء جمع سفيه وهو الطائش ‏خفيف العقل. ويُلاحظ أن ضعاف العقول يثبتون عند المستوى الطفولي الحسي في تصور المفاهيم الدينية، ومنها مفهوم الله.‏

ورءوس الجماعات المتطرفة في عصرنا يبحثون عمن لهم تلك الصفات من المراهقين والشباب اللاهين ضعيفي الثقافة والعقل لاجتذابهم وضمهم إليهم. ‏

جاء ذلك الوصف لخوارج آخر الزمان تحديدًا في أحاديث كثيرة، ففي صحيح البخاري (6930) عن عليّ رضي الله عنه قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ‏‏"سيخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا ‏يُجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم ‏فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة". ‏ومثله: الأحاديث (3611) ‏و (5057) بصحيح البخاري. وبصحيح مسلم ‏(2511 -154/1066) وسنن أبي داود (4767) ‏وسُنن ‏ابن ماجه (168) وسُنن النسائي (4102) وسُنن الترمذي (2188).‏

التيه والعجب بأنفسهم لظنهم أنهم الفرقة الناجية

كان ولا زال التيه والعُجب بأنفسهم من صفات الخوارج النفسية؛ فهم معجبون بجماعاتهم. يظنون أنفسهم أنهم ‏وحدهم الفئة الناجية، والأمر يتجاوز تبديع وتكفير الشيعة بل إن تخطئتهم حتى لأئمة السُنة وتبديعهم غير مغفول عنه.

وقد تخيرت أكبر جماعاتهم في عصرنا لأنفسهم مسمى السلف ادّعاءً أنهم وحدهم متفردون بما كان عليه السلف، وما أبعدهم عنهم لمن يفقه.

كما يُحكى أن أحدهم قال في جنازة أحد المطرودين من جماعة الإخوان بعد ثورة يناير 2011 "اللهم حاسبه كما لو كان في جماعة الإخوان المسلمين"!

الصفات الشكلية والتدين الشكلي

تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بخروج الخوارج الأُول، ثم خروج طوائف عديدة منهم، وحتى آخر الزمان. وذكر صفاتهم الشكلية وكذا تدينهم الشكلي.

وقد وصف الرواة شكل الرجل الذي أطلق النبي نبوءته الأولى عنهم بسببه. والأحاديث في ذلك متواترة بأسانيد كثيرة وصحيحة، وجاء في وصف الرجل في حديث (4351) بصحيح البخاري ‏أنه "رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار". وهو الوصف نفسه في حديث صحيح مسلم (2500 -144/1064) و (2502 -146/1064) ‏أنه "رَجُلٌ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ ‏الإِزَارِ". وفي حديث صحيح مسلم (2499-143/1064)‏ و (2501 -145/1064) أنه "رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِيءُ الْجَبِينِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ". فذُكر أنه ناتيء الجبهة، ولم يُذكر تشميره للإزار.

وأقول: وكأنني برسول الله يصف أقوامًا نراهم بيننا.

وجاء في وصف التدين الشكلي للخوارج القدماء جملة صفات تكرر ذكرها في أحاديث كثيرة. على سبيل المثال: في الأحاديث بصحيح البخاري (‏3610) و (6931) وبصحيح مسلم ‏(2503 -147/1064) ‏و ‏(2505 -148/1064) و (2499-143/1064) ومستدرك الحاكم على الصحيحين (2649) وسنن ابن ماجه (169)؛‏ وهي أنهم شديدو الاجتهاد في العبادة "يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ"‏ أي يجدها قليلة ويظنها أقل ثوابًا وقبولًا إذا قارنها ‏بصلاتهم، فهم يجهدون أنفسهم بالعبادة. و"يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ –حَنَاجِرَهُمْ-" أي لا يتعداها، والتراقي جمع ترقوة وهي عظم يصل ما بين ثغرة النحر والعاتق. وفي وصف آخر بحديث صحيح مسلم ‏(2501 -145/1064) "يتلون كتاب الله رطبًا، لا يُجاوز حناجرهم"، والمراد لا يفقهون ‏معناه، ولا تخشع له قلوبهم، ولا يؤثر في نفوسهم، فلا يعملون بمقتضاه.

ووصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم "يحسنون القيل ويسيئون الفعل" في أحاديث مستدرك الحاكم على الصحيحين (2648) ‏و (2649) و (2650) و (2659) وحديث مسند الإمام أحمد (5562 م3).

تحليل الزنا مع التبرير له

روي في كتاب "وقعة النهروان أو الخوارج" أن عبيدة بن هلال اليشكري الحنفي وهو أحد قادتهم وشعرائهم اُتهم بامرأة رجل حداد، رأوه مرارًا يدخل منزله بغير إذن. فأتوا خليفتهم (قطري بن الفجاءة التميمي)، فذكروا ذلك له. فقال لهم: إن عبيدة من الدين بحيث علمتم، ومن الجهاد بحيث رأيتم، ثم احتال له فأخبره بالخبر قبل أن يجمعه بهم. فقالوا: إنا لا نقاره على الفاحشة فقال: انصرفوا، ثم بعث الى عبيدة فأخبره.

وفي الأربعينات انكشفت فضيحة لأحد كبار جماعة الإخوان المسلمين أقام علاقات غير مشروعة متعددة مع زوجات بعض أعضاء الجماعة!

http://www.civicegypt.org/?p=34892

ويُحكى أيضًا عن أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين المعاصرين أنه قد تم تجنيده من قِبل الأمن للتجسس على زملائه لسنوات بسبب تسجيلات له مع سيدة تزوجها عرفيًا دون وليّ ودون إشهار!

ومن منا لم يسمع بزواج النكاح الذي ابتدعته داعش؟! والذي تعظم الداهية من ورائه بأنه ليس فيه استبراء رحم! والأعجب أن من أكثر ما ينكره هؤلاء المنافقين على بعض سفهاء الشيعة الإمامية أنهم لا زالوا يستحلون زواج المتعة الذي ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرّمه بعد أن كان حلالًا رغم أن زواج المتعة أفضل حالًا –رغم حُرمته- لأن به استبراء رحم!

أخيرًا أقول: قطع الله دابركم جميعًا كما قطع أدبار قرونًا قبلكم.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيلقد توصلت في المقال السابق الى أن آراء رشيد رضا ومواقفه وتقييمه لظاهرة الاستبداد تبدو بسيطة وساذجة مقارنة بما وضعه الأفغاني ومحمد عبده. كما أنها لا تقارن بما وضعه الكواكبي بهذا الصدد. وينطبق هذا في الواقع على كل ما تناوله من قضايا الفكر الكبرى المتراكمة في مجرى التطور التاريخي للعالم الإسلامي آنذاك والدولة العثمانية بشكل خاص

غير أن الأمر يختلف نسبيا فيما يتعلق بموقفه من القضية العربية وآفاق الظاهرة القومية (العربية). إذ نلمس هنا تطورا نسبيا يتسم بقدر كبير من الواقعية والعقلانية، لكنه لم يرتق إلى مصاف الخروج الفعلي صوب تعميق الأبعاد السياسية في الفكرة الإصلاحية الإسلامية. وقد تكون القيمة الوحيدة الكبرى في مجرى ارتقاء تصوراته وأحكامه بهذا الصدد، هو التذليل الجزئي والمرير للنفس اللاهوتية صوب تحريرها السياسي بمعايير القومية المتفتحة. من هنا مرورها بطريق متعرج لكنه متراكم بعناصر الواقعية والأبعاد الإنسانية. ومن الممكن الكشف عن ذلك على مثال القضايا الكبرى التي واجهت الفكر السياسي والنظري العربي آنذاك مثل قضية الدستور، واللامركزية، والعلاقة التركية - العربية، والقضية القومية العربية، ومسألة الدولة العربية المستقلة.

فقد تعرضت مواقف وآراء رشيد رضا إلى تطور ملحوظ. إذ نراه يتكلم في بادئ الأمر عن "الأمة العثمانية" حال الحديث عن ظهور القانون الأساسي ومجلس الأمة. مع ما رافقه من "استنشاق نسيم الحياة السياسية والشعور بالحرية"، و"الإحساس بالحياة والشرف، وإن الناس أمة واحدة، والاستراحة من ثقل الجواسيس ونفض غبار الذل وإعادة الحق بعد تشتته، ورجوع الأحرار من السجون والصحارى والجزائر المنفردة، وإمكانية استقبال كتب العلم والثقافة"[1]. بل ونراه يجعل من تجربة الدستور العثماني الأول أحد أهم الانجازات الكبرى. ولعل أهم صفة له مقارنة بغيره يقوم في انه جرى "الحصول على دستور بدون إراقة دماء، مما يجعل من تاريخنا أنظف من تواريخ جيراننا"(!!). وهو الوهم الذي يعكس بقدر واحد ضعف الدراية النقدية بالتاريخ السياسي للدولة، والحماسة المفرطة من "الهبة" الخيالية التي سرعان ما كشفت عن نفسها بوصفها رغوة سريعة الزوال. ولم يغير من هذا الانطباع التدقيق الذي أشار إليه رشيد رضا نفسه عن الصعوبات التي تقف أمام تطبيق الدستور، أو ما اسماه بالعقبات الكبرى مثل التعدد القومي (الجنسي) "للجنسية العثمانية"، وكذلك "المسالة الأدبية والسياسية". ووضع هذا التحذير في عبارة بلاغية تقول، بأن "من يجني ورد الحرية لابد له من توطين النفس لوخز شوكها". وكان يقصد بذلك أساسا الجانب الاقتصادي والديون الأجنبية.

وقد اكتشف رشيد رضا لاحقا سطحية هذه المفاهيم والآراء في مجرى صعود الفكرة القومية، أي كل ما حصل آنذاك على ثنائية العرب والترك، بوصفها الصيغة الملطفة آنذاك للقضية القومية. وقد تراكمت آراءه هنا في مجرى الصراع العنيف والدموي الذي ميز صعود "جمعية الاتحاد والترقي". وقد تطور موقفه بهذا الصدد صوب معارضة السياسة التركية والأتراك بمعايير الرؤية القومية السياسية وليس العرقية أو الدينية. فقد لاحظ رشيد رضا صعود الفكرة القومية التركية باتجاهها المعارض للعرب والتحرر العربي والقومية العربية، بأثر دستور 1908. وهي المفارقة الغريبة لهذا التحول "الديمقراطي" و"الدستوري".

وليس مصادفة أن يستغرب الرؤية التركية المتنامية عن أن العرب ينبغي أن يكونوا في علاقاتهم تجاه الدولة العثمانية مثل الجزائر تجاه فرنسا والهنود تجاه انجلترا. فقد استغرب هذا الموقف والسلوك وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "مصر حرة ومستقلة بذاتها وأرقى من الدولة العثمانية، وسبق لها قبل عقود أن احتلتها وفرضت شروطها عليها"[2]. وفي الوقت نفسه نراه يعارض فكرة ونفسية وممارسة تشديد الخلاف والصراع بين العرب والأتراك بشكل عام وإثارة النعرة الجنسية (القومية) بشكل خاص، لما فيها من خطر على الاثنين. لكنه في الوقت نفسه يواجه بقوة بروز ظاهرة الاستخفاف بتاريخ العرب والعرب أنفسهم. إذ وجد فيه نتاجا أما لجهل أو تحريف متعمد. وكلاهما أرذل من الآخر. وفي الوقت نفسه نراه يبحث عن الأسباب القائمة وراء بروز هذا الخلاف وأشكاله ومحدداته. فهو يشير إلى أن أحد أسباب اشتداد الصراع العربي التركي هو أن أغلب من ضحى بين العرب من أجل الدستور وتقوية الدولة على أسس سليمة جرى إخراجهم من السلطة أو إبعادهم عنها بعد انقلاب عام 1908. على عكس ما تمتعت به أقوام أخرى (غير إسلامية أيضا). كما رافق ذلك عزل أبناء العرب من الوظائف، والعمل على إضعاف اللغة العربية ومنعها من التداول، وكذلك إلغاء الدروس بالعربية وجعلها اختيارية، وإرسال معلمين أتراك لتعليم العربية للعرب! وأورد أرقام تؤيد ما يقوله. فنراه يشير على سبيل المثال، إلى أن من بين الخمس والسبعين مرسلا للدراسة في الخارج لا يوجد بينهم سوى اثنين من العرب فقط. في حين جرى تفريق العسكريين العرب في المناطق النائية والبعيدة للدولة. بل أن مجلس الأعيان لا يحتوي على عربي واحد، لا حسب المناطق ولا حسب السكان رغم أن العرب يشكلون أغلبية سكان الدولة!

لقد بحث رشيد رضا عن الأسباب القائمة وراء اشتداد الخلاف التركي العربي فوجده أولا وقبل كل شيء فيمن اسماهم بأوشاب وأوزاع من عناصر شتى تترّكوا أو اسلموا لفترة قريبة من أجل مصالح خاصة. ولاحقا سوف يدعوهم بيهود سلانيك. إذ وجد فيهم أغلب من وقف ويقف وراء تأجيج صراع الأتراك والعرب. فقد أججوا هؤلاء شائعة "الفكرة الانفصالية" ومحاولة لصقها بالعرب. بينما اعتبرها رشيد رضا مجرد تهمة لا علاقة لها بسلوك العرب، وذلك لأنه شخصيا لم ير ذلك. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن النخبة التركية سيئة الظن تجاه العرب وتتميز أيضا بالتعالي والغطرسة. كما أنها تقول باستحالة حصول العرب على استقلالهم. من هنا رده على هذه الاتهامات والغطرسة قائلا "إن عظمة الدولة العثمانية وعزتها وسائر ما يرجى لها في مستقبلها الدستوري يتوقف على العنصر العربي ما لا يتوقف على عنصر آخر من عناصرها بما في ذلك التركي". وبالتالي، فإن المشكلة بنظر رشيد رضا تقوم في تعالي النخبة التركية وعزلها للعرب وليس في ما يسمى بالانفصالية العربية. إن انهماك النخبة التركية بمصالحها الضيقة، ووقوعها فريسة يهود سلانيك والمنتفعين من كل شاكلة وطراز هو السبب الرئيسي الكامن وراء اشتداد الخلاف وإمكانية نموه اللاحق في صراع لا يمكن حله بوفاق. بل نراه يشدد على أن موقف العرب العام المؤيد والداعم للدولة العثمانية، وعدم محاربة العرب للأتراك كان على الدوام محددا بسببين وهما الإسلام وأرويا، وليس خوف الدولة العثمانية ولا التجزئة الداخلية للعرب ولا الجهل وما شابه ذلك من أوصاف. فقد غزى محمد علي باشا الدولة العثمانية في قعر دارها. وإن العرب أقوى بما لا يقاس من دول ومناطق كثيرة استقلت عنها. إن السبب الأساسي يكمن كما يقول رشيد رضا، في أن الإسلام كرّه للعرب فكرة العصبية القومية، كما أنهم يتخوفون من الأوربيين ومساعيهم للاستيلاء على الجميع من خلال إضعافهم بحروب بينية. أما ظهور النعرة العربية، فإنها كانت رد فعل على السياسة التركية، وسياسة التتريك (سوريا والعراق) ثم محاولة إدارة الجزيرة العربية بقانون خاص. عندها ظهرت فكرة الجنسية (القومية) العربية للحفاظ على اللغة العربية. أما السياسة القاسية وغير العقلانية التي اتبعتها جمعية الاتحاد والترقي من القتل والسجن والإبعاد في سوريا وغيرها من المناطق العربية هي التي أدت في نهاية المطاف إلى أن يصبح شعار الاستقلال وبناء الدولة العربية شعارا لا رجعة عنه. أما الاتهامات الأكثر ترددا في الدعاية التركية آنذاك عن العرب مثل الدعوة للانفصال وكره الأتراك وتأييد الانجليز، فإنها تتنافى مع الواقع والحقيقة. والدليل على ذلك حسبما يقول رشيد رضا هو قهر محمد علي باشا الدولة العثمانية وقدرته على القضاء عليها لولا الانجليز أنفسهم، وأن الصراع مع الانجليز كان قويا وعميقا في العالم العربي أكثر مما كان بين الأتراك والانجليز. غير أن انجلترا ساعدت العرب فقط في مجرى الصراع مع تركيا. بينما هناك الكثير من الناطق والدول العربية التي كانت خارجة عن السيطرة العثمانية. بل أن اليمن لم تعترف بسلطة العثمانية والخلافة، ويعتبرونهم بغاة أو فسقة أو ظالمون. إضافة لذلك أن اغلب وجهاء العرب كانوا اشد دفاعا عن الأتراك والدولة العثمانية من الأتراك أنفسهم.

وضع رشيد رضا كل هذه الحصيلة الفكرية والجدلية والتاريخية والوثائقية من أجل ما اسماه بضرورة معالجة هذه القضايا قبل أن تستفحل الرغبة في الانفصال، أي من الضروري تدارك الأمر قبل أن يتخذ صيغة لا رجعة فيها. وقدم بهذا الصدد بديلا يطالب العرب بعدم إطلاق العربية على الجمعيات وغيرها من أجل تلافي النزعة الجنسية (القومية)، وتطوير الولايات العثمانية نفسها بنفسها على أساس العلم والثروة. وفي النهاية توصل إلى استنتاج دقيق يقوم فحواه في أن "الصراع العربي التركي سوف يؤدي إلى انحلال الدولة العثمانية" في حال عدم حله على أسس واقعية تكفل إمكانية تطور الجميع بصورة حرة وسليمة ضمن دولة موحدة ولامركزية.

وشكلت هذه الأفكار المقدمة الذائبة في توسع وتعمق الفكرة السياسية عند رشيد رضا على خلفية التطورات السياسية الراديكالية التي عرضت لها الدولة العثمانية. إلا أن المسار العام لما يمكن دعوته بالفكرة العربية قد أخذ بالتوسع والتعمق والترسيخ بهيئة مفاهيم وقيم أكثر وضوحا ودقة. فنراه يشدد على فكرة الوحدة التركية العربية، وبالقدر ذاته نراه يتكلم عن احتياج الأتراك للعرب وليس العكس[3]. وبالقدر الذي يجعل من الضروري العمل من أجل الوحدة العربية التركية داخل الدولة الموحدة (العثمانية)، فانه يؤكد أيضا على أن لا ينسى العرب أنفسهم. وبالقدر ذاته نراه ينشر مختلف الآراء والقيم الداعية إلى إعلاء شأن الفكرة العربية، أي إبراز هوية الانتماء للنفس من خلال الاهتمام والتحضير للمستقبل، والتأكيد على أهمية التفكير بالمستقبل وانه يتوقف على الحاضر، وكذلك الاهتمام بالمدارس الوطنية والتعليم بالعربية، وتطوير الصناعة المحلية، والاهتمام بالعلوم التي يرتقي بها الاجتماع البشري. بل نراه يقر أيضا بما اسماه بالقدرة الذاتية للعرب على تصنيع السلاح بكافة أصنافه وتعزيز الدولة وتطوير سكك الحديد. ويطالب بالاهتمام بالجمعيات المدنية. وفي كل ذلك ينطلق من فكرة مالك بن انس القائلة، بأنه "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها". من هنا دعوته للنظر إلى الإسلام باعتباره عقائد وأخلاق وأعمال (عادات وعبادات). مع ما يترتب عليه من تعليم الدين بالطريقة التي "يبعث فيهم روح الدين ولا يبعدهم عن أمور الدنيا". ووضع ذلك في مبدأ "تعليم الناس حسب طريقة القرآن".

ودفعه التراكم البطيء والتدريجي المحكوم بفعل الحالة السياسية وتشنج مختلف مكوناتها آنذاك إلى إدراك القيمة المادية والمعنوية في الوحدة الوطنية والقومية. من هنا نقده المرير أحيانا لحالات ومقدمات وأشكال الاختلاف والتشرذم الجهوي والفئوي والديني والطائفي وبالأخص في سوريا ولبنان. فنراه يتكلم عن التفكك الداخلي لسوريا، الذي جعلها فريسة للأجنبي. كما نراه يشير إلى ما اسماه بخضوع الموارنة لفرنسا، والدروز للانجليز، واليهود لأنفسهم. ويتكلم عما اسماه بصراخ النصارى اللبنانيين، الذين يحتفلون بزيارة الفرنسيين ويبدون الحفاوة المبالغ بها للأجنبي. لكنه يتكلم في الوقت نفسه عن وجود غلاة ومعتدلين بين اللبنانيين. واعتبر "المناوئة اللبنانية لسوريا مبنية على التعصب والنكاية والغواية"[4]. وبالمقابل نراه يتفحص ظهور الدعوات السياسية لتوحيد سوريا الكبرى وأخرى لدمجها بالعراق والحجاز، وكذلك الدعوات المطالبة بالوحدة العربية بين جميع الولايات العربية العثمانية على قاعدة اللامركزية.

إلا أن الذروة التي بلغت فيها الفكرة السياسية تناقضها أو حالتها المعلقة هي وقوفها أمام قضية الدولة العربية ونظامها السياسي، كما تمظهرت آنذاك حول قضية الخلافة. ففي أحد مقالاته الخاصة بهذا الصدد نراه يشير إلى ما اسماه بظهور "المسألة العربية". وإذا كان الحجاز واقعها الجغرافي آنذاك، فإن ذلك لا يقلل من أو يضعف أبعادها الجوهرية، لاسيما وأن الحجاز والجزيرة عموما سوف تتحول في وقت لاحق إلى ميدان المعترك الفعلي لكشف المسار الدفين في فكرته السياسية. ففي بادئ الأمر يشير إلى انه لا يعرف كنه هذه "المسالة العربية" في الحجاز، لكنه يؤكد في الوقت نفسه على انه "لا يوجد استعداد مطلوب لإنشاء دولة فيها". فأمراء الجزيرة "متحاسدون متباغضون"[5]. وبالقدر ذاته يكتب في مقال (تأسيس حكومة مكة) قائلا، بأن ما يعجبه في أهل مكة وقادتها كون عداؤهم موجه ضد فئة الاتحاديين وليس ضد الأتراك والدولة العثمانية[6]. لكنه في الوقت نفسه يتكلم عما اسماه بالاحتياط لما ينبغي القيام به في حال سقوط الدولة العثمانية. وبالقدر ذاته تأخذ بالبروز حالة يمكن دعوتها بالوحدة الباطنية الدفينة بين الإسلام والعروبة. فنراه يتكلم عن أن الدين الإسلامي عربي. وأن البلاد العربية مهد الدين ومهبط الوحي. وأن ضعف السلطة الإسلامية كان بسبب تفرّق الوحدة العربية وتغلغل الأعاجم. أما الدولة العثمانية التي تحول العرب إلى جزء منها، فإنها في حالة تحلل منذ ثلاثمائة سنة. وهي في حالة فساد مستمر. وأخرها جمعية الاتحاد والترقي (يهود سلانيك). أضاعوا نصف الدولة، وأثقلوها بالديون، وإفقار الجميع، واتخاذ الأساليب القمعية في واجهة العرب. ومن هذه الحصيلة انطلق للمرة الأولى في دعوته لتأييد إنشاء الدولة العربية في الحجاز. وفي حالة استكمالها في البلاد العربية فهو خير بديل للدولة العثمانية. بل نعثر عنده هنا للمرة الأولى على تدقيق واضح لهذا المسار على مثاله الشخصي. فقد كتب بهذا الصدد يقول:"إنني عربي مسلم أو مسلم عربي. فانا قرشي علوي من ذرية محمد. فإسلامي مقارن في التاريخ لعروبتي"[7]. لكن الدعوة لقيام الدولة العربية المستقلة لا ينبغي أن تكون في تعارض مع المصلحة الإسلامية العامة. على العكس أن ضرورتها في تكاملها أيضا مع العالم الإسلامي، كما يقول رشيد رضا. وبلغت هذه الفكرة ذروتها في أحد المفاهيم الدقيقة التي عبر عنها عام 1917 عندما كتب حول ما أسماه بمصلحة العرب السياسية أن يكون لهم دولة مستقلة. وأعتبر هذه المصلحة والدولة أمر بديهي لا يختلف فيه عاقلان، انطلاقا من أن العرب أمة من أقدم أمم الأرض وأعرقها في الاستقلال. كما أنها صاحبة مدنية عالية وشريعة هي اعدل الشرائع المنزلة للبشر.... لكنها كادت أن تفنى مع كل ذلك لعدم وجود دولة مستقلة لها. ومن هذه المقدمة توصل إلى استنتاج دقيق وعميق يقول باستحالة ارتقاء أية أمة من الأمم بغير دولة[8].

لكن القيمة العملية والمنطقية أيضا للاستنتاجات العامة تبرز حالما يجري تطبيقها النظري والعملي على إشكالية الدولة ونظامها السياسي وفكرة البدائل السياسية. وهو الامتحان الأكبر الذي وقف أمامه رشيد رضا عندما برزت قضية ما يسمى بالصراع حول مكة والحجاز بين آل سعود وآل الشريف حسين، وقضية الخلافة أو الإمامة العظمى.

فقد اتسم موقفه هنا بقدر من التجانس ولكن على أسس مذهبية وسلفية أكثر مما على أسس إصلاحية تأخذ بنظر الاعتبار حجم الانقلاب الهائل في المفاهيم والقيم الذي أدخلته الإصلاحية الإسلامية بشخصية الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي على منظومة الفكرة السياسية. فقد كان نقده لآل الشريف حسين ومعارضته الشديدة لهم مبنية بقدر واحد على نوازع سياسية وعقائدية. ولم يخل كلا الجانبين من اتهامات، كشف التاريخ اللاحق عن عدم دقة أغلبها، أو على الأقل أنها لم تأخذ بنظر الاعتبار طبيعة التحول السياسي الفعلي على الصعيد العالمي والاحتمالات الكامنة في القوى المتصارعة. فقد انطلق رشيد رضا من أن الصفات الجوهرية لأل الشريف حسين تقوم في استعدادهم للخيانة ومحبتهم للسلطة والجاه. ومن ثم استعدادهم للخضوع إلى الانجليز والموافقة على كل مطالبهم مقابل البقاء في السلطة. وذلك لأنهم باعوا الأرض للانجليز في الحجاز فما هو المانع من بيعهم بعض سوريا أو كلها؟ وبالتالي فأنهم نموذج للخيانة الوطنية والتاريخية والإسلامية. وبأمثالهم جرى استعمار العالم الإسلامي. وإذا كان إغواءهم للانجليز مبني على أساس أنهم ممثلو العرب والنهضة والإصلاح، فإن همهم الوحيد هو الاستيلاء على سوريا والعراق والأردن إضافة للحجاز. وليس ادعائهم بأنهم ممثلو التقدم والإصلاح سوى خديعة لأنه لا توجد في الحجاز أحزاب معارضة ولا شرعية ولا دستور[9]. إضافة لذلك انه ليس لآل الشريف حسين قوة ولا عصبية في بلاد الحجاز أو غيرها من بلاد العرب. مما جعله يطالب بعدم الصلح معهم بأي شكل من الأشكال لأنه وجد فيه خطأ وخطيئة.

وبالمقابل نراه يجد في آل سعود نقيضا تاما لآل الشريف حسين. إذ نراه يجد في الأمير فيصل من يشهد له العقل والمصلحة بجودة الرأي والإخلاص للبلاد. وأن آل سعود لا يخونون البلاد ولا يخضعون للأجنبي(!). وانه إذا زحف آل سعود لإنقاذ العراق لأهله فإنما يعني مانعا أمام انتشار وسيادة الانجليز(!!)، وأن رجال العرب كانوا يقدرون قوة آل سعود ويحبذون تطويرها وتسليحها الجيد والجديد. وبإضافتها إلى قوة الإمام يحيى يمكن حفظ الجزيرة من التدخل الأجنبي. مع ما فيه من تقوية للدولة العربية وتجديد شباب هذه الأمة(!). بل وتوصل إلى أن سقوط ابن سعود يعادل سقوط العرب! والشيء الوحيد الذي أخذه عليهم هو ما اسماه بنقصهم الأخذ بالنظام الحديث، إضافة إلى بعض ما أخذ عليهم من مآخذ في قتل بعض من عاداهم إضافة إلى هدمهم للمباني الأثرية. بل ووجد في كثير من هذه الأشياء مجرد اتهامات نشرها ضدهم أعدائهم من آل الشريف حسين.

وحالما يجري دمج الرؤية العقائدية والمذهبية في التفسير السياسي للأحداث الجارية آنذاك ومحاولة استشراف مستقبلها بالنسبة لآفاق الدولة العربية، فإننا نقف أمام اضمحلال وتلاشي الروح النقدي والعقلاني والمستقبلي لقيم ومبادئ الإصلاحية الإسلامية. فقد نظر إلى كل من هاجم أو عارض الوهابيين (آل سعود) باعتباره صناعة محاكة في مغازل آل الشريف حسين وأعدائهم من خصوم السنّة الحقيقية والإسلام[10].

تتسم جملة من آراء ومواقف رشيد رضا هنا بقدر كبير من الواقعية والدقة والسلامة من حيث مقدماتها التاريخية وأبعادها السياسية العامة آنذاك. بل نراه يستشهد بآراء الجبرتي (مؤرخ مصري) في نقله وقائع الحرب بين الوهابيين وجيش محمد علي باشا من وجهة النظر الأخلاقية أيضا ليكشف عن فضائل الوهابيين ورذائل جيش محمد علي باشا، الذي كان اغلبهم من المرتزقة[11]. لكنه عوضا عن أن يدفع هذه الفكرة صوب أبعادها السياسية الإصلاحية، بمعنى رؤية الكمون الخطر في الوهابية أيضا بوصفها أيديولوجية التعصب والانغلاق المذهبي والجمود العقلي، نراه يبحث فيها عن مخرج المستقبل الأرقى. وذلك عبر مطابقته بين المستقبل و"السّنة الحقيقية" و"أهل السلف" و"الإسلام". الأمر الذي جعله يقف إلى جانب الوهابية بوصفها الممثل التام والأكمل لحقيقة الإسلام! بل ونراه ينطلق في التأسيس لذلك من استعادة القيم الفقهية البالية عن "البدعة" و"السنّة" وما شابه ذلك من مداخل "منهجية" هي بحد ذاتها خروجا على مقومات وتقاليد الإصلاحية الإسلامية وتراثها الفكري والسياسي. الأمر الذي جعله يسحب الفكرة الإصلاحية الإسلامية نفسها وراء ذيول الوهابية. ومن ثم ربط أو إعادة تأويل تراثها العقلي والعقلاني والإنساني عبر إخضاعه لرؤية متزمتة وبدائية.

ففي معرض دفاعه عن الوهابية نراه ينطلق من الفكرة القائلة بضرورة محاربة البدعة، وأن كل بدعة ضلالة[12]. من هنا دفاعه عن الوهابية والوهابيين، واصفا إياها "بالمقتدين والمعتصمين بسنّة الرسول" على عكس أولئك الذين يعظمون القبور وأمثالها من الأعمال الوثنية والمخالفون لجميع الأئمة. من هنا تقييمه العالي لابن تيمية، واصفا إياه باعتباره أحد النماذج الرفيعة للفكرة الإسلامية[13]، بينما اعتبر محمد بن عبد الوهاب مجدد الإسلام والداعية للسنّة الحقيقية وأتباعه وأحفاده وأمراء نجد من آل سعود[14]. وكل ما يعارض ذلك هو مجرد تشويه قام به آل الشريف حسين والانجليز. والدليل على ذلك سلوك الوهابيين بعد استيلائهم على الإحساء كشف عن أنهم لم يعاملوا الشيعة معاملة الكفار(!!) مع أن الخلافات بين الوهابية المتعصبين للسنّة وبين الشيعة شديد جدا. وهو السبب الذي جعل الشيعة العرب والعجم يحملون عليهم حملة شعواء!

إننا نعثر في تراكم هذه المواقف السياسية عن حلقات تتوحد في قيود عقائدية وسياسية تكبّل الروح والجسد الإصلاحي الإسلامي وتسحبه أكثر فأكثر صوب أشد المواقف تخلفا وسلفية. وليس مصادفة أن نعثر في آخر كتاباته أيضا على بروز متعصب وضيق تجاه الصراع "السني الشيعي" بمعايير المذهبية الضيقة في تناولها لإشكاليات التاريخ السياسي والعقائدي. بحيث نراه يضع مقارنة "السنّة والشيعة" بعبارة "الوهابية والرافضة". وهي استعادة ميتة لتقاليد الاتهام والتكفير المميزة للسلفيات الإسلامية القديمة. كما أنها تعيد أكثر الصيغ تخلفا للتكفير المبطن. ففي معرض نقده لظاهرة التشيع في مجرى صراعها مع السلفية الراديكالية للوهابية نرى رشيد رضا يبدأ بالتقديم لمقالاته بالآيات التي تحتوي على كلمة شيع وتشيع بوصفها تفرقة مع ما فيها من إيحاء مستتر بلصق فكرة التفرقة بالتشيع. وتتضح معالم هذا الموقف في مجرى إعادته للأفكار المتكررة والمسطحة عما يسمى بافتراق الأمة. بحيث نراه يقول "كان التشيع للخليفة الرابع علي بن أبي طالب مبدأ تفرق هذه الأمة المحمدية في دينها وسياستها. وكان مبتدع أصوله يهودي اسمه عبد الله بن سبأ"[15].

إننا نقف هنا أمام تسطيح لظاهرة التفرقة والصراع الفكري والسياسي والعقائدي في تاريخ الإسلام سواء من حيث رؤية المقدمات أو من حيث نسب الظاهرة "لليهود". بعبارة أخرى، إننا نقف أمام صيغة عقائدية مبتذلة لربط فكرة التشيع بأصول يهودية مبنية على العداء بين قومه اليهودي والنبي محمد. بل ونرى رشيد رضا يستكمل هذه الفكرة بأخرى أسوء عندما يشدد على انه "إذا جرى إصلاح اليهود بعد أن جرى إرجاعهم إلى فلسطين"، فان "بدعة التشيع قد سرت بالدعاية السرية وكانت أقوى الأسباب في العداوة السياسية"[16]. أما لاحقا، فقد أدت إلى استيلاء زنادقة الفرس عليها بعد اليهود. مع ما ترتب عليه من بحثه في الفرس عن سرّ ما اسماه بالفساد الديني للإسلام بإظهار الغلو، وسرّ الفساد السياسي بإظهار الدعوة للعلويين ثم البرامكة. باختصار انه أراد أن يقول بأن تاريخ التشيع هو تاريخ الدسيسة ضد الإسلام[17].

ولم يقف رشيد رضا عند هذا الحد، بل نعثر عنده أيضا على استعادة عادية لهذا النوع من التقاليد المتخلفة التي تجعل من الرافضة (الشيعة) مصدر الغلو والغلاة في الإسلام. ومع انه أحيانا يشير إلى أن المعتدلة بين الشيعة هم الزيدية، وأن الشيعة الإمامية اقرب إلى الزيدية، لكنه يؤيد في حين آخر الفكرة القائلة، بأن الزيدي يجرّ المرء إلى الرفض والرفض إلى الزندقة! بحيث نراه يجد في كتابات السيد محسن أمين العاملي ونقده للوهابية نموذجا للتطرف والبدع والكذب[18]. ويستكمل ذلك بعبارات مثل "أكثر البدع والخرافات جاءت من غلاة الشيعة. ومنهم وعبرهم سرت إلى التصوف"[19]. وبالمقابل يعتبر مهاجمة الوهابية هجوما على السنّة والإسلام. والشيء نفسه عن ابن تيمية[20]. وانتهى في نهاية المطاف للإقرار، بان "الإمام عبد العزيز بن آل سعود ملك الحجاز ونجد" هو القائم على تطبيق مذهب أهل السنّة بطريقة "لم يسبق لها نظير بعد الخلفاء الراشدين"[21]!

إن الانحدار التاريخي للفكرة الإصلاحية عند رشيد رضا التي وجدت في الوهابية ممثلا حقيقا للسنّة والإسلام، وفي شخصية آل سعود نموذجا لرجال الدولة، وفي الدولة الوهابية السعودية مثالا للتوحيد والاستقلال، تكشف عن طبيعة التدهور الدفين في الفكرة الإصلاحية بشكل عام ونموذجها السياسي بشكل خاص. وحصل هذا التدهور والانحطاط على صورته غير المباشرة في الامتحان الأكبر الذي واجهه رشيد رضا تجاه مشكلة حلّ الخلافة من جانب الدولة التركية الجديدة. إذ لم تكن آراءه ومواقفه التي وضعها في كتاب (الخلافة أو الإمامة العظمى) سوى الوجه الآخر للتدهور المشار إليه أعلاه. بمعنى انه لم يكن أكثر من تكرار وترديد لا قيمة له لما في كتب العقائد الكلامية أمثال التفتازاني (ت-791 للهجرة) والشروح اللاحقة وبعض شذرات من آراء الجويني والماوردي وغيرهما مما يصب في إطار إبراز الصيغة التقليدية عن مفهوم الإمامة والإمام وشروطهما وبيان الأفضل فيها[22]. وهي صيغة لا قيمة علمية فيها. كما أنها لا تتعدى مجرد استظهار عقائدي بسيط لا يحتوي على أي تحليل تاريخي لشروط ظهور المشكلة وصراع الأفكار آنذاك، أو ضمن شروط مرحلة ما بعد انهيار الدولة العثمانية وحل الخلافة. لكنها تدعم بصورة غير مباشر النزوع السلفي للدفاع عن فكرة الخلافة كما هي.

مما سبق يتضح، بأن رشيد رضا لم يقدم أي فكرة جوهرية جديدة ضمن سياق الفكرة الإصلاحية الإسلامية. كما انه لم يطور أي من آراء الإصلاحيين الكبار الذين سبقوه (كالأفغاني ومحمد عبده والكواكبي). إضافة إلى خلو أفكاره من أي مشروع جديد في الإصلاح. أما منهجه ومستوى تحليله وأسلوب نقده للواقع ورؤيته للبدائل فقد كان خطوة إلى الوراء مقارنة بأسلافه. وينطبق هذا بالقدر ذاته على كل ما قدمه من تفسير للقرآن. إذ لا قيمة علمية ولا فكرية ولا إصلاحية فيه.

لقد تمثل محمد رشيد رضا العناصر الثانوية في الإصلاحية الإسلامية. ولم يأخذ سوى الباقي من منخولها الفكري والمنطقي والروحي. انه حاول جمع قشورها في ما يمكنه أن يكون قطعة جديدة في رؤية البدائل السياسية، لكنه وظف الروح الحماسي والبذور العقلانية في الإصلاحية الإسلامية تجاه جملة من القضايا المتعلقة بالتاريخ السياسي الحديث للعالم العربي، بينما ظل بعيدا عن الغاية والنموذج الذي مثله الأفغاني والكواكبي بشكل خاص. أما محاولته دمج الوهابية في روح الإصلاحية فقد أدى إلى انحرافها الباطني ونمو العناصر الضيقة للسلفية المتشددة في الفكر والرؤية. بحيث يمكننا القول، بأن ما قام به بهذا الصدد قد أدى إلى تأسيس التيار "السلفي" الجديد، ومن ثم أعطى للأفكار القديمة وهج "المعاصرة". من هنا قدرتها على تخريب وتحنيط العقل المعطر بهيبة التقاليد القديمة لعلم الكلام وثقل الآيات. مع ما ترتب عليه من ترسيخ نفسية وذهنية المراوحة في الفكر والسياسة. فهو لم يستطع كسر الطوق الخفي في إصلاحية الجهاد والاجتهاد الإسلامية. على العكس انه أرجعها إلى بدايتها الأولى وقضى ضمن تقاليد الإصلاحية الإسلامية على حقائق الروح الإصلاحي وتراكم نزوعه العقلاني. بل أصبح من حيث طاقته الكامنة والدفينة رجوعا إلى أشد النماذج تقليدية وتحجرا في التراث الإسلامي الإصلاحي كما هو جلي في تعظيمه وتبجيله لابن تيمية. ومن ثم الانغماس في ملذات الوهابية وعطورها المبخرة بحديث أهل السنّة والجماعة،أي بقديمها المتكرر في متون الكتب الغابرة والمغبورة! من هنا عدم قدرته على دفع آراء واستنتاجات الإصلاحية الإسلامية إلى آفاق جديدة في ظل انهيار الخلافة. وهو السبب الذي جعل منه مصدرا متناقضا لتيار الليبرالية الإسلامية الناشئ (علي عبد الرازق) والتيار السلفي الأكثر تجانسا وتشددا (الإخوان).

لقد كانت إصلاحية رشيد رضا تفتيتا للفكرة الفلسفية ومنظومة الفكرة الإصلاحية. أنها لم تتعد في الواقع أكثر من اجترار بسيط متنوع وضيق في الوقت نفسه لبعض المفاهيم والقيم الإصلاحية. لكنها كانت تندثر وراء التيار العارم للنزعة السلفية المتحجرة والمذهبية الضيقة. فإذا كان الأفغاني ومحمد عبده على سبيل المثال لم يقبلا بأكثر الشخصيات "إصلاحية" في الحكم، بحيث نرى محمد عبده يهاجم حتى محمد علي باشا بقسوة لا مثيل لها، بينما وقف الكواكبي ضد كل نماذج السلطة آنذاك بوصفها استبداد لا يستحق غير الزوال، فإن رشيد رضا يجد في الإمام يحيى وآل سعود نموذجا يحتذي به بالنسبة لقوة الدولة والأمة والدين! وإذا كانت التجربة التاريخية للإصلاحية الإسلامية تتبلور حتى نهاية محمد عبده في منظومة فلسفية واضحة المعالم والقواعد والمبادئ والغايات، فإنها تحولت في "اجتهادات" رشيد رضا إلى زعقات شحيحة المعنى ومنزوية في أقبية الاستعادة المملة للتفسير. وإذا كان تفسير محمد عبده هو إخراج له من الكتاب إلى الواقع، فإن ما قام به رشيد رضا هو بالعكس تماما. بعبارة أخرى، لقد دفع رشيد رضا الفكرة الإصلاحية الإسلامية صوب الانغلاق والموت البطيء. بينما كانت الصرخة الأخيرة أو الحشرجة الفردية لعلي عبد الرازق الاحتجاج الأولي والأخير عليها آنذاك.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] رشيد رضا: مجلة المنار المجلد 11، ج6، ص

[2] رشيد رضا: مجلة المنار، مجلد 12، ج 12، ص

[3] رشيد رضا: مجلة المنار، المجلد11، ج12. ص

[4] رشيد رضا: مجلة المنار، المجلد 17، ج8، ص617-627.

[5] رشيد رضا: مجلة المنار، مجلد 19، ج3، ص144-158.

[6] رشيد رضا: مجلة المنار، مجلد 20، ج6، ص280-288.

[7] رشيد رضا: مجلة المنار، المجلد 20، ج1، ص33-34.

[8] رشيد رضا: مجلة المنار، المجلد 20، ج1، ص 35-47.

[9] رشيد رضا: مجلة المنار، المجلد 26، ج6، ص454-477.

[10] رشيد رضا، الوهابيون والحجاز، ص7.

[11] رشيد رضا، الوهابيون والحجاز، ص 16-17.

[12] رشيد رضا، الوهابيون والحجاز، مصر، مطبعة المنار، 1344 هجرية، ص2

[13] رشيد رضا، الوهابيون والحجاز، ص4-5.

[14] رشيد رضا، الوهابيون والحجاز، ص6.

[15] رشيد رضا:السنة والشيعة، أو الوهابية والرافضة، دار المنار، القاهرة، ط2، 1947، ص4.

[16] رشيد رضا:السنة والشيعة، أو الوهابية والرافضة، ص5-6.

[17] رشيد رضا:السنة والشيعة، أو الوهابية والرافضة، ص6-7.

[18] رشيد رضا:السنة والشيعة، أو الوهابية والرافضة، ص23.

[19] رشيد رضا:السنة والشيعة، أو الوهابية والرافضة، ص24.

[20] رشيد رضا:السنة والشيعة، أو الوهابية والرافضة، ص26-27.

[21] رشيد رضا:السنة والشيعة، أو الوهابية والرافضة، ص49.

[22] رشيد رضا: الخلافة أو الإمامة العظمى، مطبعة المنار، مصر، 1341-1922.

 

ميثم الجنابي"أكثر الخلق يرون كل شيء سواه فيستشهدون عليه بما يرونه.

 والصديقون لا يرون شيئاً سواه فيستشهدون به عليه" (الغزالي)

 فعندما بدأ الغزالي بتخطي منظومة الكلام ومواقفه وحلوله التقليدية منذ بدايات "مرحلة الانتقال" إلى التصوف في (ميزان العمل) لتتخذ في بداية (إحياء علوم الدين) ما سبق للفارابي أن صاغه عن الكلام باعتباره علما لا يمت للبحث عن الحقيقة بصلة، ولكنه قادر على خدمة السلطان من حيث تحكمه في العوام. وسوف يشاطر الغزالي جزئياً هذه الفكرة. إذ أكد في (إحياء علوم الدين)  على أن الكلام بحد ذاته يمكنه أن يقدم خدمة للدولة من حيث إمكانية توحيد الجماهير في الدفاع عن عقائد إيمانهم. إلا أنه لم يربط ذلك بمصلحة الدولة ولم يسع لإعطاء قيمته الأيديولوجية نزوعاً تبريري، بل ربط ذلك بضرورة تقليص عدد المتكلمين وتحسين نوعيتهم. إلا أنه لم يسلك في موقفه من هذه المعادلة سلوك السياسي العملي، بل المصلح الأخلاقي. حيث اشترط في مهام الدولة اهتمامها بالمتكلمين باعتبارهم مصلحين مدافعين عن إيمان العوام مطالبا بإتصافهم بالنقاء الأخلاقي وحسن السيرة وسعة الاطلاع.

إننا نعثر منذ بداية (إحياء علوم الدين) على اتجاهين متعارضين متوازيين في موقفه من علم الكلام والمتكلمين. فهو يشدد من جهة على المحدودية المعرفية لعلم الكلام، ومن جهة أخرى على ضرورته الأيديولوجية. إلا أن هذا الاتجاه الأخير تضمّن في ذاته أيضا عناصر تحلله. وهو ما يمكننا العثور على بعض انعكاساته الأولية في مواقفه المناهضة لتقليد المتكلمين وتعصبهم. مما جعله يشدد بقوة متزايدة على دور المتكلمين والكلام التخريبي لكيان الأمة الاجتماعي السياسي ووحدتها الروحية.

فهو يشير في (إحياء علوم الدين) إلى أن الكلام أخد يوّلد "تعصبات فاحشة وخصومات متفشية مفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد"[1]. ولا يمكن فصل هذا التعارض والتناقض في آرائه عن تزاوج واستمرارية تقاليد الكلام في رؤيته للقضايا وبقاياه المنفية في مجرى تطوره العقلي الأخلاقي. ومن الممكن البحث في هذه الجوانب عن أسباب الإطراء والازدراء الفاضح أحيانا في موقفه وتقييمه للكلام والمتكلمين. ويكشف ذلك عن ظاهرية الظاهرة لا حقيقتها. فقد ارتبط "إعجاب" الغزالي بالكلام بوظيفته الاجتماعية والعقائدية الدينية. أما "ازدراؤه" له فبفعل فقدانه إمكانية رؤية حقائق الأشياء على ما هي عليه، أي أننا نعثر على نفس الفكرة التي أخذت تتبلور في مجرى تطوره ما قبل (إحياء علوم الدين) حتى (المستصفى من علم الأصول) و(إلجام العوام عن علم الكلام) بوصفها استمرارا للموازاة المتعارضة بين الدفاع عن الكلام باعتباره علم الدفاع عن عقيدة العوام، ورفضه إياه باعتباره فنا لا يبحث عن الحقيقة.

ان وجود علم لا علاقة له بالبحث عن الحقيقة هي مفارقة "علمية" بحد ذاتها. كما أنها إشكالية الانتاج الفارغ بوصفه الكمية المبتذلة والتي عادة ما ترافق كل إبداع كبير وبالاخص ضمن سياق التطور الكبير للثقافة. لكنه في حال التجرد من اصطلاحات المرحلة والنظر إلى علم الكلام باعتباره فنا من الفنون أو علما من علوم الدين، فإن ما هو جوهري في استثارة وجوده التاريخي هو احتراف فن الدفاع عن الإسلام وعقائده. وبما أن الاسلام هو الكيان والكينونة اللذين احتويا على قوة الأمة بكافة فرقها ومذاهبها، فإن تطور الكلام لم يفعل إلا على تمحوره في قضاياه. وعندما يعتبر الغزالي هذا الكلام علما لا يبحث عن الحقيقة، فإنه لا يقصد بذلك سوى عدم قدرته على التجرد من احترافه المذهبي والفرقي الضيق ودورانه الدائم ضمن فلك موضوعاته العتيقة، أي انه لا يفعل إلا على اجترار ما فيه. وقد لازمت هذه الصفة علم الكلام منذ وقت مبكر نسبيا وتكلست حتى زمنه في نماذجها الجافة وتنوعها المتحذلق. وبهذا المعنى، فإن انتقاده للكلام هو انتقاد لكلام عصره أساسا. إلا أن هذا الانتقاد العميق والمتجانس لتقاليد الكلام لم يمنعه من رؤية وظيفته الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية، باعتباره علم الدفاع عن عقائد العوام. لهذا كان بإمكانه أن يجد فيه قوة "توحيد" الأمة في عوامها. وفي الوقت نفسه أدرك أيضا خطورة تفتتها بفعل الكلام نفسه وذلك بسبب تحزبه الضيق للفِرق والمذاهب. 

فقد أدت حالة علم الكلام التاريخية والفكرية إلى صيرورة نموذجين من الكلام في مجرى تطور آرائه، وهما الكلام التقليدي والكلام الفلسفي، ومستويات ثلاثة في موقفه واستيعابه لحقائق الكلام ومهماته وهي كل من المستوى الإيماني الكلامي، والمستوى العقلي الفلسفي، والأخلاقي الصوفي.

ولا أعني هنا بالكلام التقليدي سوى ذلك النمط الفكري وقضاياه المحدودة التي بلورتها ثقافة الإسلام العقائدية، أو كل ما صاغه بفكره العلم المدافع عن عقائد إيمان العوام بفعل كونه العلم الذي يبني أدلته وبراهينه الجدلية على التقليد والهيبة كما قال في (إحياء علوم الدين)، أو على "قبول الدليل جميعا لحسن الظن في الصبا" كما قال في (المستصفى من علم الاصول)[2]، أي ذات النظرة الآخذة في التعمق منذ أول أعماله الصوفية الكبرى، حتى آخر أعماله الفقهية الأصولية الكبرى. وإذا كان موقفه المعارض لهذا الكلام مبنيا على أساس معرفي خالص، فإن ذلك لا يعني غياب نموذجه في آرائه ومؤلفاته ومنظومته بما في ذلك في مرحلته الصوفية. لقد أبقى عليه كجزء مكمل يستمد مقوماته من استيعابه الواقعي للإصلاح في مهامه وغاياته وحدوده العملية.

بينما بقى الكلام الفلسفي جزءاً جوهريا في تطوره الفكري. وعبّر حتى آخر مراحل ابداعه النظري، عن المستوى العقلي في استيعاب حقائق القواعد الإيمانية، ومثَّل الصيغة العليا في مضمونه كما هو مميز للنموذج الأول. بمعنى استمرارية فعالية الثقافة الكلامية التي أبدعت وبلورت الاطار النظري لكلامه وفقهه، أي أن بقاءه كان التمثل الواعي لضرورته النسبية في منظومة الإصلاح العملية الاجتماعية والسياسية والفكرية الأخلاقية كأيديولوجية لعوام المثقفين والجمهور.

أما في إطار مستويات استيعاب حقائق الكلام ومهماته، فإنها تعكس الصيغة النظرية العلمية لتطور مواقف الغزالي من الكلام وتعميقها في مجرى صيرورة تآلفه اللاهوتي الفلسفي الصوفي. فمواقفه من الكلام تظهر في تآلفه الفكري كدرجات أو مستويات منفية. وفي الاطار العام، يمكن القول، بأن ما يميز الكلام في مستواه الإيماني هو تعبيره عن حالة ونفسية الدفاع عن عقيدة العوام وعن نزوعه الإيماني، واهتمامه بقضايا العبادات، وتمثيله في وحدته منظومة ما قبل الأيديولوجية. أما في مستواه العقلي الفلسفي فهو تعبير عن حالة ونفسية الدفاع والهجوم الأيديولوجي، وعن نزوعه العقائدي، واهتمامه بقضايا العبادات والعادات، وتمثيله في وحدته منظومة الأيديولوجية الدينية. أما في مستواه الأخلاقي الصوفي فهو يضمحل في حالة ونفسية الهمّ الصوفي ونزوعه الأخلاقي واهتمامه بقضايا المهلكات والمنجيات، وتمثيله في حصيلته العامة بقايا الأيديولوجية المنفية في البديل المعرفي الأخلاقي.

إضافة لذلك، إن لهذه الشكلية العامة إطارها الآخر، والذي يمثل في نمطيته الاجتماعية السياسية علاقة الجمهور والسلطة والتصوف (الفردي المتسامي). غ ير أن الغزالي لم يعر اهتماما مباشراً لهذه القضية. فهو يتناولها كأجزاء متناثرة في مختلف القضايا التي تشكل محور اهتمامه الفكري والديني الإصلاحي. وفي الإطار العام، يمكننا الحديث عن اتجاهين ومرحلتين في مواقفه من الكلام كأيديولوجية، واللتين تطابقتا من حيث حقيقتهما المجردة مع مواقفه الأيديولوجية والعلمية من الكلام. فمن الناحية التاريخية المنطقية استمدت معارضته للكلام مقوماتها الأولى من وعي محدودية الكلام المعرفية وتحديد هويته باعتباره علما للدفاع عن عقيدة العوام، أي اكتشاف طابعه الأيديولوجي. وأن تطوره الروحي الأخلاقي اللاحق قد دمج في عناصر ضعف الكلام كل من جموده الروحي وافتقاده إلى عناصر القوة الأخلاقية الداخلية.

لهذا نعثر في أول وأكبر صياغة شاملة للموقف المعارض من الكلام في (إحياء علوم الدين) على محاولة ربط الجانب المعرفي بالأخلاقي في انتقاده للكلام. وقد جعله ذلك يقدم في آن واحد، جانبين متوازيين الأول في ضرورة إصلاح المتكلمين من خلال الدولة (بعد إصلاحها) وإصلاح النفس (من جانب المفكرين)[3]. والثاني في ضرورة إدراك المتكلمين محدودية الكلام والتركيز فيه على أهمية تلقين العقيدة العامة وتأمل تجربة السلف الأخلاقية الروحية. وقد تناول الجانب الأول بصورة غير مباشرة في معرض تحليله وتقييمه لآراء الفقهاء الكبار ومواقفهم من الفقه والكلام، والجانب الثاني في (الرسالة القدسية) والمقاطع المتناثرة في مؤلفاته المختلفة ما بعد (إحياء علوم الدين).

لقد أبقى في الشطر الأول على أهمية الكلام من حيث وظيفته في تلقين الصغار قواعد العقيدة التي يجري اكتشاف ما فيها لاحقا من مضامين حقيقية. أما في تأمل تجربة السلف، فإنه حاول إيجاد الوهج الروحي في ممارسته العملية. لهذا ركز في مفهوم تتبع السلف على فكرة "سبيل المجاهدة" لا التقليد[4]. انه طالب بسماع أخبار الماضي لا مشاهدة تجربة المعاصرين وأراد بذلك إظهار قيمة الماضي من حيث نموذجيته المجردة. وبالتالي تخليص المعاصرين من مهمة تقليد الماضي والحاضر. وفي هذا ينعكس الاستيعاب التوليفي الجديد لعلاقة الأيديولوجية بالعلم واضمحلالها في أخلاقية التصوف.

إن إدراك بقايا الكلام وأهميته في منظومته الصوفية تشكل الاستيعاب الجديد لأحد مستوياتها في التعامل مع قضايا العبادات والعادات في ارتباطها بالعالم النفسي الأخلاقي للمهلكات والمنجيات. بصيغة أخرى، إن تناوله لقضايا الكلام في مرحلته الصوفية لم يعد تقليدا لموضوعات الكلام، بل استمرار نوعي جديد لما يمكن دعوته بالتسنن الأخلاقي المتسامي لا السلفية العقائدية.

فوقوف الغزالي ضد الكلام أو انتقاده الشديد لما فيه لا يعني غياب وحدته الثقافية كمنظومة عقائدية في تآلفه الصوفي. إذ لا يمكن فهم حقيقة هذه الوحدة الثقافية للمنظومة العقائدية خارج إطار تطوره الفكري وموقع الكلام في "انقلاباته" الروحية، أي كل ما يعطي لنا إمكانية الإقرار بالوجود الذائب لتقاليد الكلام وعناصره العقلانية أو ما أسميته بالوحدة الثقافية الذائبة في التآلف الصوفي. غير أن هذا الذوبان لم يجر فقط من خلال انحلال الأطر التقليدية لعلم الكلام، بل ومن خلال تغيير وتنوع مستويات دراسة موضوعاته.

فموضوعات علم الكلام ما كان بإمكانها أن تغيب عن نظره، أو أن تفتقد شرعيتها وحيويتها بفعل انتقاله إلى التصوف. والقضية هنا ليست فقط في أن موضوعات علم الكلام هي موضوعات الحضارة الإسلامية وثقافتها الروحية والعقلية، وتقاليدها في دينها ودنياها، بل ولأنها العصب الحساس لمقياس العقائدية الدينية. ولا يغير من جوهر هذه الظاهرة واقع تعرض هذا العصب إلى اليبوسة التدريجية، بفعل تحول الكلام من علم الدفاع المقاتل عن عقائد الإسلام إلى أسير موضوعاته الأولية واجترارها المتكرر، أي كل ما جعل منه مجرد مجموعة متناثرة لقطع الأيديولوجيات المتناحرة. وذلك لأن حيويته النسبية أو مصدر فعاليته الوجودية ظل مرتبطاً بوجود وفعالية العقيدة ذاتها. وهذا ما يفسر أيضا الأسباب القائمة وراء نظرة الغزالي إلى الكلام، حتى في آخر أعماله الكبرى (المستصفى من علم الأصول) باعتباره "العلم الأعلى في الرتبة وعلم الدين الكلي"[5].  انه شخّص وظيفته الواقعية في منظومة العلوم الدينية الظاهرية كالفقه والأصول والتفسير وغيرها. وعلى الرغم من انه لم ير في علم الكلام شرطا ضرورياً لأصول الفقه والتفسير، إلا أن وضعه إياه "في المرتبه العليا" والعلم الكلي، يكون قد تضمن في ذاته التقرير النظري لموقعه في منظومة العلوم الدينية باعتباره جامع الميادين النظرية والدينية. وبهذا المعنى، فإنه ظل يلعب هنا دوراً ضرورياً في تطور القضايا التقليدية لعلوم الدين كالنبوة، والإسلام، والإيمان، والعقل والشرع (المعقول والمنقول)، والذات والصفات والأفعال، وغيرها من القضايا.

إن إدراك الغزالي لأهمية الكلام كانت تعبر عن فعالية وواقعية القضايا الكلامية في عقائد الإسلام، وعن دور الكلام في منظومة العلوم الدينية الظاهرية. لهذا يبدو  في تناوله وحلوله للقضايا التقليدية مثل قضية العقل والشرع كما لو أنه يسير في تقاليد الأشعرية. وينطبق هذا أيضا على موقفه من القضايا الأخرى. إلا أن هذا التشابه والتطابق مع نماذج الكلام السابقة لا يعبر في آرائه ومنظومته ما بعد التصوف إلا عن المستويين الأول والثاني، أي اللاهوتي واللاهوتي الفلسفي. ففي موقفه من قضية العقل والشرع يبدو في مظهر أحكامه كما لو أنه يهاجم عقلانية المعتزلة من أجل إثبات ضعف وخطأ العقلانية المتطرفة. أما في الواقع، فإن جدله الكلامي الذي حاول من خلاله اثبات شرطية الأحكام العقلية ونسبيتها التاريخية لا يمثل بما في ذلك في (المستصفى من علم الأصول) سوى الجانب الظاهري الجزئي،  وليس حل القضية في اطارها الأعمق والأشمل، أي في تجاوز محدودية الكلام وجدله العقلي في مستواه اللاهوتي والفلسفي، من خلال فكرة الوحدانية الأخلاقية المطلقة وتحقيقها الملموس في علاقة العقلي بالشرعي. انه حاول انتزاع الفكرة العقلانية عن الواجب لأنها تتعارض مع فكرة الوحدانية. لكنه أدخلها في اطار مفهوم العبودية. لقد حوّلها إلى قضية وجدانية أخلاقية. بمعنى سعيه لتجاوز ادلجة الكلام العقلانية المفتعلة من خلال تحويل العقل إلى حاكم على الواجب الالهي ولكن باعتباره واجبا قلبيا وجدانيا (تلقائيا) يمكن للعقل أن يعي جوانبه في مجرى تطوره المعرفي الأخلاقي. فهو لم يسع للكشف في هذه العبادات (الواجبات) عن حكمة الهية (كالصحة والرياضة وما شابه ذلك). لقد نزع منها التبرير الممكن والغائية المتغطرسة في حكمتها ليحولها إلى ميدان السمو الفردي والاجتماعي الفعال في وحدة الكلّ.

لقد بحث عن الحل الوسط في قضايا الكلام. وهو توّجه يمكن العثور عليه عنده منذ (الاقتصاد في الاعتقاد). فإذا كان (الاقتصاد في الاعتقاد) الصيغة الوسطى المعتدلة لفض خلاف الفرق الكلامية بصدد قضايا الاعتقاد، بينما في تطوره اللاحق سعى لحل قضايا الاعتقاد على مستوى آخر من الاعتدال يتعدى حدود الكلام التقليدي إلى مستواه الفلسفي الأخلاقي. وبهذا تكون محاولاته الجديدة في انتقاد الكلام والحفاظ عليه، هي الصيغة الجديدة لإيجاد الصلة الممكنة بين الأيديولوجية والعلم. ومن الممكن القول، بأن الغزالي هو أول من استشف في تاريخ الفكر العلاقة المرنة والمعقدة بين الأيديولوجية والعلم[6]. وتناولها كمعضلة وحلّها كجزء من مواقفه النظرية العميقة تجاه الكلام ،والإصلاح الاجتماعي الأخلاقي للدولة والأمة، أي انه افترض في مواقفه وحلوله نموذجا خاصا في تذليل تقليدية الأيديولوجيات السائدة. غير انه وضع مهمة تذليل تقليدية الأيديولوجيات في مجرى انتقاله إلى التصوف، وفي مرحلة اكتماله الأخلاقي وتأسيسه المعرفي الجديد الذي يرفض من حيث الجوهر عناصر المنظومة الأيديولوجية ومتطلباتها المباشرة.

وقد طبع ذلك أسلوب تعامله مع قضايا الكلام ومعضلاته اللاهوتية الكبرى. ووجد ذلك انعكاسه في إدراكه الضرورة الوظيفية للكلام ،باعتباره علم الدفاع عن عقيدة العوام، ومحدوديته المعرفية في الوقت نفسه. ففي الوقت الذي يتعامل مع قضايا الكلام باعتبارها أجزاء ضرورية من أصول العقائد، فإنه يشدد في الوقت نفسه على أن استيعابها في مستويات علم الكلام يتطابق في حقيقته مع قشر الجوزة مقارنة بلبها. وليس مصادفة أن يشرح آراءه في التوحيد وقضايا الإيمان على مثال قشرة الجوزة في قشرتيها الخارجيتين ولبيها الداخليين (ثمرة الجوز وزيتها) بحيث طابق القشور مع الدرجتين الأولى والثانية في الإيمان (تصورات العامة وأهل الكلام والنظار)، أي ما يتطابق مع مستويات الكلام التقليدي والكلام الفلسفي. فهما ضروريان ضرورة القشر للّب. ولكنهما لا ينفعان بحد ذاتهما. فهما لا يؤديان في نهاية المطاف سوى وظيفة الحافظ الحارس. وهي ذات الصيغة المجازية التي حاول تطبيقها على كافة القضايا الكلامية. ففي علاقة العقل بالشرع، يصل فيه الكلام والفلسفة إلى حد الظاهر، وفي العبادات ظاهرها (أو قشورها) وفي العادات والمعاملات الى حدود الشريعة الظاهرة وحدّ الواجب. فالكلام لا يستطيع في مستواه التقليدي والفلسفي تعدي هذه الحدود. انه يصل في كافة القضايا التي يتناولها إلى الحد الذي ينقطع فيه كلام المتكلم وينتهي تصرف العقل، كما ذكر ذلك مرة في (المستصفى من علم الأصول)[7]. ولا يعني هذا في آرائه سوى وقوف الكلام بفعل خضوعه لمتطلبات العقيدة عند حدودها الظاهرية. وقد أشار في (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) إلى عينة دقيقة للمقارنة بين أسلوب الكلام والتصوف في الموقف من الذات الإلهية عندما شدد على أن الخلاف بين المتكلمين والمتصوفة يقوم في أن المتصوفة ترى فناء نفسها ولهذا السبب ينتشر اسم الحق على ألسنتهم لأنهم يلحظون الذات الحقيقية دون ما هو هالك في نفسه. على عكس علماء الكلام الذين هم أكثر ايغالا بالاستدلال بالأفعال، من هنا انتشر اسم الباري (الخالق) على ألسنتهم، وذلك لأنهم يرون كل شيء سواه فيستشهدون عليه بما يرونه، على خلاف المتصوفة الذين يستشهدون به عليه[8].

إن هذا الخلاف الذي يصل في مظهره إلى حد القطيعة النهائية ما هو في الواقع إلا التعبير المناسب عن تباين درجات استيعاب القضايا التقليدية للكلام. فما وراء هذا الخلاف تكمن النسبة المختلفة لمستويات الكلام المذكورة أعلاه. وفي الاطار العام يمكن القول، بأن مأثرة الغزالي في الثقافة الروحية العقائدية للإسلام تقوم في محاولته ثني الخلافات العقائدية الضيقة بتطويعها صوب حل القضايا العملية. فعندما يتطرق على سبيل المثال إلى قضية العقل والشرع، فإنه يؤكد على تفاعلها وتبدل مواقفها وأولويتها من مكان لآخر. ويرتبط هذا الموقف بنظرته الشاملة والعملية الحقوقية. فعندما يشير إلى أن العقل لا مدخل له في أحكام الشرع، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع، فليس ذلك إلا بفعل نظرته إلى وحدة الحاكم والمحكوم عليه والمحكوم فيه (أي الشارع والمكلف وفعل المكلف). فللحكم كما يقول الغزالي، حقيقة في نفسه وله ارتباط بالحكم وبالمحكوم عليه والمحكوم فيه والمظهر له (أي الشارع والمكلف والفعل والسبب). فالحكم بهذا المعنى ليس وصفاً (من جانب العقل)، بل هو مجرد خطاب للشرع[9]. وسوف نرى لاحقا في مجرى تحليل مختلف القضايا الأساسية في فكره الكلامي الفلسفي، بأن هذه النزعة العملية تمثل في مسارها العام التعبير المناسب عن تخطي الكلام التقليدي إلى الميدان الأرحب، أي ميدان العمل العقلي الأخلاقي. فهو يحاول إبداع النموذج المتجانس والمتناسق والممكن بين عقائد الإسلام الكبرى ومعضلاته الواقعية وأهداف سموه الدائمة من خلال إيجاد الوحدة الجديدة للأيديولوجية والعلم على أساس الأخلاق.

إن إدخال الغزالي فكرة الهّم الأخلاقي الفلسفي وروحية الصوفية إلى قضايا الكلام قد أدى من حيث الجوهر إلى نفي الطابع الأيديولوجي للكلام. وبهذا يكون قد ابتدع طريقا خاصا وجديدا في التعامل مع الكلام. لقد كان بإمكانه أن يقول لنا، بأن لقوانين الروح قواعد فعلها الخاصة، ولقوانين الكلام قواعد لعبها الخاصة.

***

ا. د. ميثم الجنابي

......................

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص43.

[2] الغزالي: المستصفى من علم الأصول، ج1، ص41.

[3] قد توحي هذه الفكرة بطوباويتها الظاهرة. إننا نعثر فيها على ما يمكن دعوته بمعالم "أوهام النفس". غير أن هذه الأوهام لا معنى لها في منظومة الأخلاق المطلقة. فهي حالما تتكسر في مشروع البديل الواقعي، فإنها لابد وأن تسقي عطشها مما تقطره غيوم الأوهام. وفي هذا التناقض تتكون وتتلاشى عناصر الرؤية التاريخية. وقد كان الغزالي يدرك، في مجرى كلامه عن إصلاح النفس، تعقيد هذه المهمة، وذلك لمعرفته ماهية الكلام ووظيفته. غير انه ربط إصلاح الكلام بإصلاح المتكلمين. وبهذا يكون قد أنزلهما سوية إلى حالة تنفيذ إحدى وظائف الدولة. وقد أحتوى هذا الافتراض الأخلاقي في ذاته على تضخيم للرؤية البديلة مبني على أساس تقييمه لتجربته الشخصية. لكنه كان يهدف في الوقت نفسه إلى وضع حد لعلم الكلام المذهبي والفرقي وقوته المستقلة المدمرة. ولم يعن ذلك بالنسبة له محاربة الاستقلال الفكري، بقدر ما كان نتاج إدراكه لحقيقة الكلام نفسه، بوصفه علم الدفاع عن عقائد العوام. لقد أراد الغزالي تحويل المتكلمين إلى جنود الدولة الأحرار! 

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص408.

[5] الغزالي: المستصفى من علم الأصول، ج1، ص7.

[6] التيار الوحيد الذي سبقه ولكن بمعايير أخرى، ووضع أسس نظرية انتقائية هو تيار (إخوان الصفا).

[7] الغزالي: المستصفى من علم الأصول، ج1، ص6.

[8] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، ص128.

[9] الغزالي: المستصفى من علم الأصول، ج1، ص8.

 

منى زيتونالجوارح والجهة والانتقال ونحوه لله (2)

ونسبوا لله تعالى وحاشاه الجهة بالعلو الحسي، وليس علو الجلال والعظمة على خلاف اتفاق المسلمين. قال الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسير الآية: ‏﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏‏﴾‏‏ [فاطر:10] "ليس المراد أن هناك على الحقيقة شيئًا يوصف بالصعود، ويرتقي من سِفال إلى علو، وإنما المراد أن القول الطيب والعمل الصالح متقبلان عند الله عز وجل، واصلان إليه سبحانه، بمعنى أنهما يبلغان رضاه، وينالان زلفاه، وأنه تعالى لا يضيعهما، ولا يهمل الجزاء عليهما، وهذا كقول القائل لغيره: قد ترّقى إلى الأمير ما فعلته، أي بلغه ذلك على وجهه وعرفه على حقيقته، وليس يريد به الارتقاء الذي هو الارتفاع وضده الانخفاض. ووجه آخر، قيل إن معنى ذلك صعود الأقوال والأعمال إلى حيث لا يملك الحكم فيه إلا الله تعالى، كما يُقال: ارتفع أمر القوم إلى القاضي، إذا انتهوا إلى أن يحكم بينهم ويفصل خصامهم. ووجه آخر، قيل إن الله سبحانه لمّا كان موصوفًا بالعلو على طريق الجلال والعظمة، لا عن طريق المدى والمسافة، فكل ما يُتقرب به من قول زكي وعمل مرضي، فالإخبار عنه يقع بلفظ الصعود والارتفاع، عن طريق المجاز والاتساع". وقال في تفسير قوله تعالى: ‏﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ‏‏﴾‏‏ [غافر:15] "المعنى أن منازل العز ومراتب الفضل التي يخص بها عباده الصالحين وأولياءه المخلصين رفيعة الأقدار، مشرفة المنار، فالدرجات المذكورة هي التي يرتفع عباده إليها لا التي يرتفع هو بها تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا"أهـ.

ورغم علوه الحسي سبحانه وتعالى عند السلفية، لم يمنع ذلك من أن يفسروا نزوله تعالى بالنزول الحسي أيضًا مخالفة لسائر الأمة في تفسير حديث النزول. في "المنهاج شرح صحيح مسلم" (ج6، ص36) قال الإمام النووي في شرح حديث النزول: "قوله صلى الله عليه وسلم (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول من يدعوني فأستجيب له)، هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيه مذهبان مشهوران للعلماء، سبق إيضاحهما في كتاب الإيمان، ومختصرهما أن أحدهما، وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين، أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى، وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد، ولا يُتكلم في تأويلها، مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق. والثاني، مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف، وهو محكى هنا عن مالك والأوزاعي، أنها تتأول على ما يليق بها، بحسب مواطنها، فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين: أحدهما، تأويل مالك بن أنس وغيره، معناه تنزل رحمته وأمره وملائكته، كما يُقال فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره، والثاني أنه على الاستعارة، ومعناه الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف، والله أعلم"أهـ. وقد روى ابن عبد البر أيضًا عن الإمام مالك في "التمهيد" تأويله لحديث النزول بأنه "يتنزل أمره".

ويقول ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص49): "روى حديث النزول عشرون صحابيًا، وقد سبق القول أنه يستحيل على الله عز وجل الحركة والنقلة والتغير، فيبقى الناس رجلين: أحدهما، المتأول بمعنى أنه يقرب برحمته، وقد ذكر أشياء بالنزول كالحديد والأنعام. والثاني، الساكت عن الكلام في ذلك مع اعتقاد التنزيه، والواجب على الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلى مكان يفتقر إلى ثلاثة أجسام: جسم عال هو مكان لساكنه، وجسم سافل، وجسم منتقل من علو إلى سفل، وهذا لا يجوز على الله عز وجل. بينما قال ابن حامد –وهو حنبلي مجسم-: "هو على العرش بذاته مماس له وينزل من مكانه الذي هو فيه وينتقل". وهذا رجل لا يعرف ما يجوز على الله تعالى. وقال القاضي أبو يعلى –المجسم الحنبلي- "النزول صفة ذاتية ولا نقول نزول انتقال". وهذا مغالط. ومنهم من قال يتحرك إذا نزل، وما يدري أن الحركة لا تجوز على الله تعالى، وقد حكوا عن الإمام أحمد ذلك وهو كذب عليه. ولو كان النزول صفة ذاتية لذاته كانت صفة كل ليلة تتجدد. وصفاته قديمة كذاته"أهـ.

بينما يرى ابن حزم أن النزول من صفات الفعل، ويستحيل أن يكون من صفات الذات. يقول في "الفِصل" (ج2/باب الكلام في الوجه واليد والعين والقدم والتنزل والعزة ‏والرحمة ‏والأمر والنفس والذات والقوة والقدرة والأصابع، ص357-358) "وصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أن (الله تعالى يتنزل في كل ليلة إذا بقي ثلث الليل إلى السماء الدنيا). قال أبو محمد: وهذا إنما هو فعل يفعله الله عز وجل في سماء الدنيا من الفتح لقبول الدعاء، وأن تلك الساعة من مظان القبول والإجابة، والمغفرة للمستغفرين والتائبين، وهذا معهود في اللغة. تقول نزل فلان عن حقه بمعنى وهبه لي وتطول به علي. ومن البرهان على أنه صفة فعل لا صفة ذات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علّق التنزل المذكور بوقت محدود فصح أنه فعل محدث في ذلك الوقت، مفعول حينئذ. وقد علمنا أن ما لم ينزل فليس متعلقًا بزمان البتة. وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض ألفاظ الحديث المذكور -ما ذلك الفعل المذكور-، وهو أنه ذكر عليه السلام: أن الله عز وجل يأمر ملكًا ينادي في ذلك الوقت بذلك، وأيضًا فإن ثلث الليل مختلف في البلاد باختلاف المطالع والمغارب، يعلم ذلك ضرورة من بحث عنه، فصحّ ضرورة أنه فعل يفعله ربنا تعالى في ذلك لأهل كل أفق. وأما من جعل ذلك نُقلة فقد قدمنا بطلان قوله في إبطال القول بالجسم بعون الله وتأييده. ولو انتقل تعالي لكان محدودًا مخلوقًا مؤلفًا شاغلًا لمكان، وهذه صفة المخلوقين، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وقد حمد الله عز وجل لإبراهيم خليله ورسوله وعبده صلى الله عليه وسلم إذ بيّن لقومه بنقلة القمر أنه ليس ربًا. قال تعالى: ‏﴿‏فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ‏‏﴾‏‏ [الأنعام: 76]. وكل منتقل عن مكان فهو آفل عنه. تعالى الله عن هذا. وكذلك القول في قوله تعالى: ‏﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا‏‏﴾‏‏ [الفجر: 22]. وقوله تعالى: ‏﴿هَلْ يَنظُرُوْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِيْ ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلاَئِكَةُ‏‏﴾‏‏ [البقرة: 210]. فهذا كله على ما بينا من أن المجيء والإتيان يوم القيامة فعل يفعله الله عز وجل في ذلك اليوم، يسمى ذلك الفعل مجيئًا وإتيانًا، وقد روينا عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أنه قال: ‏﴿‏وَجَاءَ رَبّكَ‏‏﴾‏‏ إنما معناه: وجاء أمر ربك"أهـ.

وأورد الحافظ ابن كثير هذا عن الإمام أحمد بن حنبل في "البداية والنهاية" (ج14، ص386)، في ترجمة الإمام قال: "وكلامه –أي الإمام أحمد– في نفي التَّشبيه ‏وتَرْك الخوضِ في الكلام والتّمسّك بما ورد في الكتاب والسنَّة من الآثار عن النَّبي صلى الله عليه ‏وسلَّم وأصحابه. وروى البيهقي عن الحاكم عن أبي عمرو بن السمّاك عن حنبل أنَّ ‏أحمد بن حنبل تأوّلَ قول الله تعالى: ‏﴿‏وَجَاءَ رَبّكَ‏‏﴾‏‏ أنَّه جاء ثوابه. ثمَّ قال البيهقي: ‏وهذا إسنادٌ لا غبار عليه"أهـ.‏ والنص في كتاب البيهقي يوضح أن ذلك التأويل كان من الإمام أحمد عندما احتج عليه المعتزلة في المناظرة في مجلس الخليفة أثناء محنة خلق القرآن بأحاديث (تجيء سورة البقرة يوم القيامة، وتجيء سورة تبارك)، فقال الإمام: "إنما هو الثواب. قال الله تعالى: ‏﴿‏وَجَاءَ رَبّكَ‏‏﴾ إنما تأتي قدرته، وإنما القرآن أمثال ومواعظ"أهـ.

وينقل الإمام الكوثري في مقدمة كتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي (ص10) تعقيب البيهقي كاملًا على تأويل الإمام أحمد لقوله تعالى: ‏﴿‏وَجَاءَ رَبّكَ‏‏﴾. يقول البيهقي: "وفيه دليل على أنه كان لا يعتقد في المجيء الذي ورد به الكتاب والنزول الذي وردت به السُنة انتقالًا من مكان إلى مكان، كمجيء ذوات الأجسام ونزولها، وإنما هو عبارة عن ظهور آيات قدرته، فإنهم لمّا زعموا أن القرآن لو كان كلام الله وصفة من صفات ذاته لم يجز عليه المجيء والإتيان، فأجابهم أبو عبد الله –الإمام أحمد- بأنه يجيء ثواب قراءته التي يريد إظهارها يومئذ، فعبّر عن إظهاره إياها بمجيئه. وهذا الجواب الذي أجابهم به أبو عبد الله لا يهتدي إليه إلا الحُذاق من المنزهين عن التشبيه"أهـ.

وذكر الإمام تقي الدين الحصني في "دفع شُبه من شبّه وتمرد" (ص11) "قوله تعالى: ‏﴿‏وَجَاءَ رَبّكَ‏‏﴾. قال الإمام أحمد: معناه جاء أمر ربك. قال القاضي أبو يعلى: قال الإمام أحمد: المراد به قدرته وأمره، وقد بيّنه في قوله تعالى: ﴿‏‏ْيَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ‏﴾ [النحل: 33]‏‏. يشير إلى حمل المطلق على المقيد، وهو كثير في القرآن والسنة والإجماع وفي كلام علماء الأمة لا يجوز عليه الانتقال سبحانه وتعالى. ومثله حديث النزول، وممن صرح بذلك الإمام الأوزاعي والإمام مالك لأن الانتقال والحركة من صفات الحدث، والله عز وجل قد نزّه نفسه عن ذلك"أهـ.

ويقول الإمام الفخر الرازي في "أساس التقديس" (ص107): "نقل الشيخ الغزالي عن أحمد بن حنبل، أنه أقرّ بالتأويل في ثلاثة أحاديث: أحدهما، قوله عليه السلام: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض". وثانيها، قوله عليه السلام: "إني لأجد نفس الرحمن من قِبل اليمن". وثالثها، قوله عليه السلام حكاية عن الله عزّ وجلّ: "أنا جليس من ذكرني""أهـ.

وأقول: إذن فالإمام أحمد كان ينفي التشبيه، ويؤثر التوقف وليس التفسير وفقًا لظاهر النص، ويؤول إن كان في التأويل تنزيه لله. ولعل قصة الخليل إبراهيم التي جزمت بأن الرب لا يجوز في حقه الوجود في مكان ومفارقته بالانتقال، كانت سببًا في ترك الإمام أحمد للتوقف المشهور عنه وتصريحه بالتأويل في هذه المواضع.

يقول الإمام القرطبي في تفسيره للآية (ج22، ص281-282): "قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أي أمره وقضاؤه، قاله الحسن. وهو من باب حذف المضاف. وقيل: أي جاءهم الرب بالآيات العظيمة، وهو كقوله تعالى: ‏﴿‏إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ‏﴾‏‏ [البقرة: 210]: أي بظلل. وقيل: جُعِل مجيء الآيات مجيئًا له، تفخيمًا لشأن تلك الآيات. ومنه قوله تعالى في الحديث: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، واستسقيتك فلم تسقني، واستطعمتك فلم تطعمني. وقيل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أي زالت الشُبه ذلك اليوم، وصارت المعارف ضرورية، كما تزول الشُبه والشك عند مجيء الشيء الذي كان يُشك فيه. وقال أهل الإشارة: ظهرت قدرته واستولت، والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنَّى له التحول والانتقال، ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان; لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز"أهـ.

ويقول الإمام الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير": "إسناد المجيء إلى الله إما مجاز عقلي، أي: جاء قضاؤه، وإما استعارة بتشبيه ابتداء حسابه بالمجيء"أهـ.

وفي اللغة أيضًا، جَاءَ الأَمْرَ: فَعَلَهُ، وقَامَ بِهِ، وحدَث، وتحقَّق، فالفعل جاء لا يعني الانتقال والتحول المكاني فقط كما حاولت الإسرائيليات أن تدس علينا في ديننا صورًا حسية مغلوطة تخالف ما نص عليه القرآن لحقيقة ما سيجري يوم القيامة، فالجنة محضرة يوم القيامة والنار محضرة يومئذ، والأقرب أن ذلك بمعنى الإبراز وليس بمعنى الانتقال، واستعمال ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾‏ [الفجر: 23] كاستعمال مجيء الملك الحق سبحانه، والمعنى: أُظهرت لهم جهنم، فعندما قال الحق سبحانه ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾‏، ‏فليس يعني هذا أن جهنم قد تحركت من مكانها، وكذا قوله تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، وإن كان انتقال الجنة والنار غير ممتنع على حقيقته مثلما هو ممتنع تمام الامتناع في حق الله سبحانه وتعالى، ولكن المجاز قد يكون أقرب خاصة في حالة الجحيم توفيقًا مع آيتي ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾. قال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾‏ [النازعات:36]، وقال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾‏ [الشعراء: 90-91] وعدًا لمن استحق الثواب بإبراز الجنة لهم (مجاز) أو تقريبها منهم (حقيقة)، ووعيدًا للكافرين بإبراز النار لهم.

وقال الزمخشري –وهو معتزلي- في تأويل قوله تعالى: ‏﴿‏هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ‏﴾‏‏ [البقرة: 210]: "إتيان اللَّه إتيان أمره وبأسه، كقوله: ‏﴿َ‏‏ْيَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ‏﴾  [النحل: 33]‏‏، ‏﴿‏جاءَهُمْ بَأْسُنا‏﴾‏‏ [الأنعام: 43]. ويجوز أن يكون المأتي به محذوفًا، بمعنى أن يأتيهم اللَّه ببأسه أو بنقمته للدلالة عليه بقوله: ‏﴿‏فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ‏﴾‏‏. فإن قلت: لِمَ يأتيهم العذاب في الغمام؟ قلت: لأنّ الغمام مظنة الرحمة، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول، لأن الشر إذا جاء من حيث لا يُحتسب كان أغمّ، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يُحتسب كان أسرّ، فكيف إذا جاء الشر من حيث يُحتسب الخير، ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الغيث".

ومن أشهر أمثلة تفويض وتوقف السلف تفسيرهم آيات الاستواء، فقد ثبت عن أغلب أئمة الصحابة والتابعين أنهم قد توقفوا في أمر الاستواء، قال ابن كثير في تفسيره لآية الاستواء عن العرش بسورة الأعراف (ج3، ص426-427): "وأما قوله تعالى: ‏﴿‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏‏﴾‏‏ [الأعراف: 54] و [يونس:3] و [الرعد: 2] و [الفرقان:59]  و [السجدة: 4] و [الحديد: 4]، فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما يُسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحق بن راهويه وغيرهم، من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، و ‏﴿‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏‏﴾‏‏ [الشورى:11]".

وأورد الألوسي في تفسيره (روح المعاني) (ج6، ص193-194) "أن العرش مما لا يعلمه البشر (على الحقيقة) إلا بالاسم، وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة فإنه لو كان كذلك لكان حاملاً له تعالى عن ذلك لا محمولاً، وليس كما قال قوم: إنه الفلك الأعلى، والكرسي فلك الكواكب" وفيه نظر، والناس في الكلام على هذه الآية ونحوها مختلفون، فمنهم من فسر العرش بالمعنى المشهور، وفسر الاستواء بالاستقرار، ورُوي ذلك عن الكلبي ومقاتل، ورواه البيهقي في كتابه "الأسماء والصفات" بروايات كثيرة عن جماعة من السلف وضعّفها كلها. وما رُوي عن مالك رضي الله تعالى عنه "أنه سُئل كيف استوى؟ فأطرق رأسه مليًا حتى علته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم قال للسائل: وما أظنك إلا ضالًا، ثم أمر به فأخرج" ليس نصًا في هذا المذهب لاحتمال أن يكون المراد من قوله: غير مجهول أنه ثابت معلوم الثبوت، لا أن معناه وهو الاستقرار غير مجهول".

وأورد الحصني في "دفع شبه من شبّه وتمرد" (ص29-30) قول الأئمة الأربعة في الاستواء، قال: "سُئل الإمام أحمد قدس الله روحه عن الاستواء فقال: "هو كما أخبر لا كما يخطر بالبشر"، يقول الحصني: "فانظر وفقك الله وأرشدك إلى الحق إلى هذه العبارة ما أرشقها، وعلى أتباعه ما أشقها". ثم يتبع الحصني (ص31-32) فيقول: "وسُئل الإمام الشافعي قدس الله روحه عن الاستواء فقال: "آمنت بلا تشبيه، وصدّقت بلا تمثيل، واتهمت نفسي في الإدراك، وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك". يقول الحصني: "وهذا شأن الأئمة، يمسكون أعنة الخوض في هذا الشأن مع أنهم أعلم الناس به، ولا يخوض فيه إلا أجهل الناس به". ويعني الحصني أنهم أقدر الناس على استخلاص المعاني، ولكنهم يتوقفون، بينما يصرّ الجهلة ويبادرون لإثبات معنى غير مراد ويستحيل في حق الله، ثم يتبع الحصني، "وسُئل الإمام أبو حنيفة قدس الله روحه عن ذلك، فقال: "من قال لا أعرف الله أفي السماء أم في الأرض فقد كفر، لأن هذا القول يؤذن أن لله سبحانه وتعالى مكانًا، ومن توهم أن لله مكانًا فهو مشبه", ثم أردف، وسُئل الإمام مالك عن الاستواء فقال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، فنفى العلم بالكيف، فمن استدل بكلامه على أنه سبحانه وتعالى فوق عرشه فهو لجهله وسوء فهمه، و(الاستواء معلوم) يعني عند أهل اللغة، و(الكيف مجهول) أي بالنسبة إلى الله عز وجل، لأن الكيف من صفات الحدث، وكل ما كان من صفات الحدث فالله عز وجل منزه عنه، فإثباته له سبحانه كفر محقق عند جميع أهل السنة والجماعة، وقوله (والإيمان به واجب) أي على الوجه اللائق بعظمته وكبريائه، وقوله (والسؤال عنه بدعة) لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا عالمين به وبمعناه اللائق بحسب اللغة فلم يحتاجوا إلى السؤال عنه، فلما ذهب العالمون به وحدث ما لم يعلم أوضاع لغتهم، ولا له نور كنورهم، شرع يسأل الجهلة بما يجوز على الله عز وجل، وفرح بذلك أهل الزيغ فشرعوا يدخلون الشبه على الناس، ولذلك تعين على أهل العلم أن يبينوا للناس وأن لا يهملوا البيان، لقوله تعالى: ‏﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ‏‏﴾‏‏ [آل عمران: 187]‏‏. فهذه الأئمة التي مدار الأمة عليهم في دينهم متفقون في العقيدة، فمن زعم أن بينهم اختلافًا في ذلك فقد افترى على أئمة الإسلام والمسلمين، والله حسبه، وسيجزي الله المفترين".

ذكر البيجوري في "حاشيته على جوهرة التوحيد" (ص157-158) "وسأل الزمخشري الغزالي –أي عن الاستواء-، فأجابه بقوله: إذا استحال أن تعرف نفسك بكيفية أو أينية، فكيف يليق بعبوديتك أن تصفه تعالى بأين أو كيف؟ وهو مقدس عن ذلك، ثم جعل يقول:

قل لمن يفهم عني ما أقول **** قصِّر القول فذا شرح يطول

ثم سر غامض من دونه **** قصرت والله أعناق الفحول

أنت لا تعرف إياك ولا **** تدر من أنت ولا كيف الوصول

لا ولا تدري صفات رُكِّبت **** فيك حارت في خفاياها العقول

أين منك الروح في جوهرها **** هل تراها فترى كيف تجول

وكذا الأنفاس هل تحصرها **** لا ولا تدري متى عنك تزول

أين منك العقل والفهم إذا **** غلب النوم فقل لي يا جهول

أنت أكل الخبز لا تعرفه **** كيف يجري منك أم كيف تبول

فإذا كانت طواياك التي **** بين جنبيك كذا فيها ضلول

كيف تدري من على العرش استوى **** لا تقل كيف استوى كيف النزول

كيف يحكي الرب أم كيف يُرى **** فلعمري ليس ذا إلا فضول

فهو لا أين ولا كيف له **** وهو رب الكيف والكيف يحول

وهو فوق الفوق لا فوق له **** وهو في كل النواحي لا يزول

جلّ ذاتًا وصفاتًا وسما **** وتعالى قدره عما تقول

قال ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص20): "روى إسماعيل بن أبي خالد الطائي: "جميع السلف على إيراد هذه الآية كما جاءت من غير تفسير ولا تأويل". وقد حمل قوم من المتأخرين –يقصد بهم الحنابلة- هذه الصفة على مقتضى الحس؛ فقالوا استوى على العرش بذاته. وهذه زيادة لم ينقلوها إنما فهموها من إحساسهم، وهو أن المستوي على الشيء إنما يستوي عليه ذاته. قال ابن حامد –الحنبلي المجسم- الاستواء مماسة وصفة لذاته والمراد به القعود"أهـ.

كما أورد الحصني في "دفع شبه من شبّه وتمرد" (ص28) بعض مما تفرّد به هؤلاء من مجسمة الحنابلة في الاستواء عن سائر سلف الأمة. قال: "هذا القاضي –يعني أبا يعلى- روى عن الشعبي أنه قال أن الله قد ملأ العرش حتى أن له أطيطًا كأطيط الرحل، وهو كذب على الشعبي، وقال بعضهم ‏﴿‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏‏﴾‏‏ قعد عليه. وقال ابن الزاغوني: خرج عن الاستواء بأربع أصابع. ولهم ولأتباعهم مثل ذلك خبائث كلها صريحة في التشبيه والتجسيم لا سيما في مسألة الاستواء، وهو سبحانه وتعالى متنزه عما لا يليق به من صفات الحدث، ثم إن هؤلاء الجمادات وأعالي الجهلة يلزمهم أن يقولوا في الحديث الذي رواه مسلم وغيره ما لم يمكن القول به من أجهل الناس: "ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها" الخ، وبالضرورة لا يكون سبحانه جارحة لعبده، ومع هذا يلزم التعدد بحسب المتقربين والتجزئة والتفرقة وغير ذلك مما لا يقوله حمار، بل ولا جماد. تعالى الله وتقدس عن ذلك"أهـ.

بينما حاول بعض علماء الأمة من المتقدمين تأويل الاستواء تنزيهًا لله تعالى. يقول شيخ مفسري القرآن الإمام الطبري في تفسيره: " قال أبو جعفر: اختلفوا في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ‏‏﴾ [البقرة: 29] فقال بعضهم: معنى استوى إلى السماء, أقبل عليها, وقال بعضهم: لم يكن ذلك من الله جل ذكره بتحوُّل, ولكنه بمعنى فعله, كما تقول: كان الخليفة في أهل العراق يواليهم، ثم تحوَّل إلى الشام. إنما يريد: تحوّل فِعله. وقال بعضهم: قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ‏‏﴾ يعني به: استوت، وقال بعضهم: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ‏‏﴾ عمدَ لها. وقال: بل كلُّ تارك عملًا كان فيه إلى آخر، فهو مستو لما عمد له، ومستوٍ إليه. وقال بعضهم: الاستواء هو العلو, والعلوّ هو الارتفاع. وممن قال ذلك الربيع بن أنس. ثم اختلف متأوّلو الاستواء بمعنى العلوّ والارتفاع، .... قال أبو جعفر: الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه: منها انتهاءُ شباب الرجل وقوّته, فيقال، إذا صار كذلك: قد استوى الرّجُل. ومنها استقامة ما كان فيه أوَدٌ من الأمور والأسباب, يقال منه: استوى لفلان أمرُه. إذا استقام بعد أوَدٍ، ومنها: الإقبال على الشيء يقال استوى فلانٌ على فلان بما يكرهه ويسوءه بَعد الإحسان إليه. ومنها. الاحتياز والاستيلاء، كقولهم: استوى فلان على المملكة. بمعنى احتوى عليها وحازَها. ومنها: العلوّ والارتفاع, كقول القائل، استوى فلان على سريره. يعني به علوَّه عليه"أهـ.

ويقول الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسير قوله تعالى: ‏﴿‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏‏﴾‏‏ [يونس:3] "هذه استعارة، لأن حقيقة الاستواء إنما تُوصف بها الأجسام التي تعلو وتهبط وتميل وتعتدل، والمراد بالاستواء ههنا الاستيلاء بالقدرة والسلطان، لا بحلول القرار والمكان، كما يُقال: استوى فلان على سرير ملكه، بمعنى استولى على تدبير الملك، وملك معقد الأمر والنهي، ويحسن صفته بذلك، وإن لم يكن له في الحقيقة سرير يقعد عليه، ولا مكان عال يشار إليه، وإنما المراد نفاذ أمره في مملكته واستيلاء سلطانه على رعيته. فإن قيل: فالله سبحانه مسئول على كل شيء بقهره وغلبته ونفاذ أمره وقدرته، فما معنى اختصاص العرش بالذكر ههنا؟، قيل: كما ثبت أنه تعالى رب لكل شيء، وقد قال في صفة نفسه: ‏﴿‏رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏‏﴾ [التوبة: 129] و [ النمل: 26]، وقال: ‏﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ‏‏﴾ [المؤمنون: 116]. فإن قيل: فما معنى قولنا: عرش الله إن لم يُرد بذلك كونه عليه؟، قيل: كما يُقال: بيت الله، وإن لم يُرد كونه فيه، والعرش في السماء تطوف به الملائكة تعبدًا، كما أن البيت في الأرض تطوف به الخلائق تعبدًا"أهـ.

ومن تأويلات المتأخرين، يقول الألوسي في تفسيره (ج11، ص64-65): "‏‏﴿‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏‏﴾‏‏ على المعنى الذي أراده سبحانه وكف الكيف مشلولة، وقيل: الاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان، متفرع عن الكناية فيمن يجوز عليه القعود على السرير. يُقال: استوى فلان على سرير الملك، ويُراد منه ملك، وإن لم يقعد على السرير أصلاً؛ وقيل: إن الاستواء بمعنى الاستيلاء، وأرجعوه إلى صفة القدرة. وأنت تعلم أن هذا وأمثاله من المتشابه وللناس فيه مذاهب، وما أشرنا إليه هو الذي عليه أكثر سلفة الأمة رضي الله تعالى عنهم، وقد صرح بعض أن الاستواء صفة غير الثمانية لا يعلم ما هي إلا من هي له، والعجز عن درك الإدراك إدارك، واختار كثير من الخلف أن المراد بذلك المُلك والسلطان، وذكره لبيان جلالة ملكه وسلطانه سبحانه، بعد بيان عظمة شأنه وسعة قدرته، بما مر من خلق هاتيك الأجرام العظيمة. وذهب المعتزلة وجماعة من المتكلمين إلى أن العرش على معناه، واستوى بمعنى استولى واحتجوا عليه بقوله: قد استوى بشرى على العراق *** من غير سيف ودم مهراق، وخص العرش بالإخبار عنه بالاستيلاء عليه لأنه أعظم المخلوقات، ورد هذا المذهب بأن العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى، وإنما يقال استولى فلان على كذا إذا لم يكن في ملكه ثم ملكه واستولى عليه، والله تعالى لم يزل مالكًا للأشياء كلها ومستوليًا عليها ونُسب ذلك للأشعرية"أهـ.

وأقول: لولا أن السلفية مجسمة، يقيسون الله على عباده ويجسموه، ما فسروا الاستواء بالقعود، لأن الاستواء بالنسبة للخلق قد يعني التمام على أحسن ما يُراد للمخلوقات، ولأنه لا شيء في الآية يشي بأن الاستواء هو القعود إلا إن توهموه سبحانه جسمًا. يقول الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسير قوله تعالى ‏﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ‏‏﴾ [البقرة: 29]: "أي قصد إلى خلقها كذلك لأن حقيقة الاستواء الذي هو تمام بعد نقصان، أو استقامة بعد اعوجاج، من صفات الأجسام، وعلامات المحدثات"أهـ.

حتى الإمام ابن حزم الظاهري كان من المؤولين للاستواء لامتناع أن يكون المعنى على ظاهره في حق الله سبحانه وتعالى. يقول ابن حزم في "الفِصل" (ج2/باب الكلام في المكان والاستواء، ص290-292) ‏"والقول الرابع في معنى الاستواء هو أن معنى قوله تعالى ‏﴿‏عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى‏‏﴾ [طه: 5]‏‏: أنه فعل فعله في العرش وهو انتهاء خلقه إليه، فليس بعد العرش شيء، ويبين ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنات، وقال: فاسألوا الله الفردوس الأعلى فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوق ذلك عرش الرحمن، فصح أنه ليس وراء العرش خلق، وأنه نهاية جرم المخلوقات الذي ليس خلفه خلاء ولا ملاء، ومن أنكر أن يكون للعالم نهاية من المساحة والزمان والمكان أو من جرمه فقد لحق بقول الدهرية وفارق الإسلام. والاستواء في اللغة يقع على الانتهاء قال الله تعالى: ‏﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا‏‏﴾‏‏ [القصص: 14] أي: فلما انتهى إلى القوة والخير. وقال تعالى: ‏﴿‏ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ‏‏﴾‏‏ [فصلت: 11]. أي أن خلقه وفعله انتهى إلى السماء بعد أن رتب الأرض على ما هي عليه، وبالله تعالى التوفيق. وهذا هو الحق وبه نقول لصحة البرهان به وبطلان ما عداه. فأما القول الثالث في المكان فهو أن الله تعالى لا في مكان ولا في زمان أصلًا، وهو قول الجمهور من أهل السنة، وبه نقول، وهو الذي لا يجوز غيره لبطلان ما عداه، ولقوله تعالى: ‏﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ‏‏﴾‏‏ [فصلت: 54]‏‏. فهذا يوجب ضرورة أنه تعالى لا في مكان إذ لو كان في المكان لكان المكان محيطًا به من جهة ما أو من جهات، وهذا منتفٍ عن الباري تعالى بنص الآية المذكورة، والمكان شيء بلا شك، فلا يجوز أن يكون شيء في مكان ويكون هو محيطًا بمكانه، وهذا محال في العقل يعلم امتناعه ضرورة. وبالله التوفيق. وأيضًا فإنه لا يكون في مكان إلا ما كان جسمًا أو عرضًا في جسم، هذا الذي لا يجوز سواه، ولا يتشكل في العقل والوهم غيره البتة، فإذا انتفى أن يكون الله عز وجل جسمًا أو عرضًا فقد انتفى أن يكون في مكان أصلًا، وبالله تعالى نتأيد. وأما قوله تعالى: ‏﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ‏‏﴾‏‏ [الحاقة: 17]، فقوله الحق نؤمن به يقينًا، والله أعلم بمراده في هذا القول، ولعله عز وجل عنى السموات –السبع- والكرسي، فهذه ثمانية أجرام، هي يومئذ والآن بيننا وبين العرش، ولعلهم أيضا ثمانية ملائكة، والله أعلم. نقول ما قال ربنا تعالى ونقطع أنه حق يقين على ظاهره، وهو أعلم بمعناه ومراده. وأما الخرافات فلسنا منها في شيء، ولا يصح هذا في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنا نقول: هذه غيوب لا دليل لنا على المراد بها، لكنا نقول ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]‏، وكل ما قاله الله تعالى حق ليس منه شيء منافيًا للمعقول، بل هو كله قبل أن يخبرنا الله به في حد الإمكان عندنا، ثم إذا أخبر به عز وجل صار واجبًا حقًا يقينًا، وقد قال تعالى: ‏﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ‏‏﴾‏‏ [غافر: 7]‏‏، فصحّ يقينًا أن للعرش حملة، وهم الملائكة المنقادون لأمره تعالى، كما نقول أنا أحمل هذا الأمر أي أقوم به وأتولاه، وقد قال تعالى: ‏﴿‏وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ‏‏﴾ [النحل:50] و [التحريم: 6]‏‏. وأنهم يتنزلون بالأمر، وأما الحامل للكل والممسك للكل فهو الله عز وجل، قال الله تعالى: ‏﴿‏إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: 41]‏‏"أهـ.

وابن حزم هنا يوافق ما نُسِب إلى الفضيل بن عياض والأشعري وغيرهم، من أن الاستواء صفة فعل، محله العرش، كما أن ابن حزم يقول نفس الشيء في النزول، فهو فعل فعله الله في السماء سمّاه نزولًا، لأن ذات الله تعالى ليست محلًا للحوادث. ولا يسمى الاستواء والنزول صفتي معاني لأنه ليست لهما حقيقة وجودية تقوم بذات الله. فخلاصة قول أهل السُنة في الاستواء إما التفويض مع نفي الظاهر، أو التأويل، أو اعتباره صفة فعل، ولم يدَّع أحد أنه صفة ذات غير مجسمة السلفية. حتى كبار علمائهم نفروا من ذلك الادعاء. في ترجمة الذهبي في ‏"سير أعلام النبلاء" (ج 19، ص606-607)‏ لأبي الحسن ابن الزاغوني الحنبلي المجسِّم، ذكر أمر قصيدته التي شرح فيها عقيدته، وفيها بيت من الشعر قال فيه:‏

عالٍ على العرش الرفيع بذاته***سبحانه عن قول غاوٍ وملحد

قال الذهبي –وهو من كبار منتحلي عقيدة الحنابلة-: "وقد ذكرنا أن لفظة "بذاته" لا حاجة إليها، وهي تشغب النفوس، ‏وتركها أولى".

وغير ذلك من نسبتهم الجوارح والأفعال إلى الله الكثير مما لا تليق به سبحانه؛ فأصرت الفرقة المسماة بالسلفية على مخالفة سائر الأمة قديمها وحديثها، والقطع وفقًا لظاهر النص بأن الاستواء يعني الجلوس والاستقرار على العرش، وأن ملائكة عظام يحملون العرش والله تعالى -وحاشاه- جالس عليه، وينسبون لله القدمين ويقولون والكرسي موضع قدميه والعياذ بالله، مع ما في ذلك من تجسيم وتقليل من شأن الله بجعله محمولًا على شيء من خلقه. والأهم أن من بين من خالفوا من يدعون أنه إمامهم.

ويرتبط باعتقادهم الشاذ في الاستواء عقيدة أخرى هي عقيدة الإقعاد؛ حيث يدّعون أن المقام المحمود الذي وعد الله به نبيه صلى الله عليه وسلم ليس إعطائه الشفاعة يوم القيامة، بل إقعاده بجانبه على العرش! وعقيدة الإقعاد هي فكرة إسرائيلية وتوجد أيضًا في عقائد النصارى. ورد في قاموس الكتاب المقدس- دائرة المعارف الكتابية المسيحية (ص 795) "وقد وصُف يسوع بأنه رئيس كهنة المؤمنين العظيم، الذي نضح قدس الأقداس بدمه، والذي جلس عن يمين الآب هناك، حيث هو الآن يشفع فيهم (عب 4: 14 و7: 25 و9: 12 الخ...)". وقد سبق أن قلنا إن أساس الحشوية هي اتصالهم باليهود والنصارى.

وبالنظر في الروايات التي أثبت بها السلفية -مدّعو التمسك بالنصوص- عقيدة الإقعاد، سنجد أن أيًا منها لا ينتهي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي مما رواه شخص اسمه سيف السدوسي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه الحبر اليهودي الذي أسلم على زمن الرسول، وسيف السدوسي هذا من المجاهيل عند أهل الحديث، فلا يُعبأ بروايته خاصة إن كانت في أمر العقائد، أما النصف الثاني من الروايات فهي تفسير لآية المقام المحمود تفرّد به مجاهد بن جبر، ونقله عنه الليث بن سعد، وخالف به جموع المفسرين، بل وخالف متون الروايات التي صحّت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، التي أثبتت أنه سُئل عن المقام المحمود فأجاب بأنه الشفاعة.

وقد عمد أبو بكر الخلال الحنبلي إلى جمع كل تلك الروايات الساقطة في كتابه "السُنة" (ج1)، وأفرد لها فصلًا كاملًا تحت عنوان (ذكر المقام المحمود)، ومن تلك الروايات‏: (307) "حدثنا أبو بكر، قال: ثنا عباس العنبري، قال: ثنا يحيى بن كثير، قال: ثنا سلم بن جعفر، وكان، ثقة عن الجريري، عن سيف السدوسي، عن عبد الله بن سلام: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة على كرسي الرب". قيل للجريري: إذا كان على كرسي الرب فهو معه، قال: نعم، وزادني إبراهيم الأصبهاني في هذا الحديث، عن عباس بإسناده، قال: قال الجريري: "ويحكم، ما في الدنيا حديث أقر لعيني من هذا الحديث". ويمكن الرجوع لكتاب الخلال للاستزادة من تلك الروايات وكلها بنفس الألفاظ تقريبًا.

أما عن الروايات التي تعود كلها إلى مجاهد بن جبر، وتثبت تفسيره للمقام المحمود بالإقعاد، فقد زاد الحنابلة عن مجاهد بأن اتهموا رافضي هذا التفسير بالتبديع. ومنها: (303) "قال أبو بكر: سألت أبا قلابة عن حديث ابن فضيل هذا، فقال: حدثنا عمرو بن علي بن بحر بن كنيز، قال: ثنا ابن فضيل، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: ‏﴿‏عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا‏‏﴾‏‏ [الإسراء:79]، قال: "يقعده على العرش"، قال أبو قلابة: لا يرد هذا إلا أهل البدع والجهمية".

وفي رواية ثانية (314) ، "حدثنا أبو بكر، قال: "سألت الحسن بن الفضل عن حديث مجاهد: "يقعده على العرش"، فقال: حدثنا هارون بن معروف، وعثمان، عن ابن فضيل، عن ليث، عن مجاهد: ‏﴿‏عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا‏‏﴾‏‏ [الإسراء:79]، قال: "يقعده على العرش"، قال: وقال: من رد هذه الأحاديث فهو مبتدع ضال. قال: ما أدركنا أحدًا يرده إلا من في قلبه بلية، يُهجر ولا يُكلم".

وفي رواية ثالثة (310)، حدثنا أبو بكر، قال: ثنا محمد بن عمر المصيصي، قال: "ثنا محمد بن فضيل، عن ليث، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: ‏﴿‏عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا‏‏﴾‏‏ [الإسراء:79]، قال: "يقعده معه على العرش"، قال: فمن رد حديث عبد الله بن سلام وحديث مجاهد في المقام المحمود، فقد أزرى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد فضله، وكان عندنا مبتدعًا".

وفي رواية رابعة (311)، حدثنا أبو بكر، قال: ثنا أبو الفضل عباس بن محمد الدوري، قال: "سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، يقول: هذه الأحاديث حق لا يُشك فيها، نقلها الثقات بعضهم عن بعض حتى صارت إلينا، نُصدق بها، ونُؤمن بها على ما جاءت. قال أبو الفضل: ونحن نقول في هذه الأحاديث ما قال أحمد بن حنبل متبعين له ولآثاره في ذلك".

وأقول: فما بال الإمام أحمد لم يرو تلك الأحاديث في مسنده، بينما روى الحديث الذي يُثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فسر المقام المحمود بالشفاعة؟! والله لقد كذبتم على أحمد بن حنبل.

والأعظم كان فتوى بعضهم بقتل راديّ هذا التفسير، حيث ورد أيضًا في كتاب الخلَّال: (304) حدثنا أبو بكر، قال: جاءني كتاب علي بن سهل بخطه، وفيه حدثنا هارون بن معروف، وخلاد بن أسلم، قالا: ثنا محمد بن فضيل، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: ‏﴿‏عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا‏‏﴾‏‏ [الإسراء:79]، قال: "يجلسه على العرش". وهذه فضيلة للنبي صلى الله عليه وسلم فمن ردّ فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر، ولقد قال سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى: قلت لأبي: لو رأيت رجلًا يسب أبا بكر ما كنت صانعًا به؟ قال: أقتله، قلت: فعمر؟، قال: أقتله، فهي لأبي بكر وعمر، فكيف بمن رد فضائل النبي؟".

فهل من فضائل النبي ما يقتضي الإيمان بتجسيم الله كما يعتقد الحشوية؟! جاء في كتاب الخلّال أيضًا، (320) حدثنا أبو بكر، قال: ثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير: ‏﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى‏‏﴾‏‏ [ص: 25]، قال: "ذكر الدنو حتى يمس بعضه"! وفي رواية أخرى، (323) حدثنا أبو بكر، قال: حدثني محمد بن بشر، قال: ثنا عبد الرحمن بن شريك، قال: ثنا أبي قال: حدثني أبو يحيى القتات، وإسماعيل بن عبد الله السدي، قال أبو يحيى: عن مجاهد، وقال السدي: عن أبي مالك، عن ابن عباس، في قوله: ‏﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى‏‏﴾‏‏ [ص: 25]، قال: "يدنو منه حتى يقال له: خذ بقدمي"! وأقول: ثم يتعجبون أن يُقال لهم مجسمة! وعلى ذكر الدنو والقرب من الذات، أورد الحصني في "دفع شُبه من شبّه وتمرد" (ص27) قول القاضي أبي يعلى الحنبلي المجسم في حديث (لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش أن رحمتي غلبت غضبي) أن ظاهر قوله (عنده) القرب من الذات. قال الحصني: "وما قاله يستدعي القرب والمساحة، وذلك من صفات الأجسام، وقد عمي عن قوله تعالى: ‏﴿‏مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ‏‏﴾ [هود: 83]. ومن المعلوم أنك تقول عندي فوق الغرفة كتاب كذا، وهو في موضع شاسع نازل عن الغرفة بمسافة بعيدة"أهـ.

والغريب أن الإمام الطبري في تفسيره (ج15، ص114-115) قد أورد اسم ابن عباس -الذي يفترون عليه في رواية ‏﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى‏‏﴾‏‏ [ص: 25]‏‏- من بين الصحابة والتابعين الذين ورد عنهم أن المقام المحمود هو الشفاعة، بل وأورد الطبري اسم مجاهد بن جبر فيهم!

وكما رأينا فقد تباروا في سرد الروايات لإثبات نسبة ذلك التفسير إلى مجاهد بن جبر كما لو كان حديثًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكال الخلّال الاتهامات لكل من رد هذا التفسير واعتبره جهميًا لذلك. ولم يورد الخلال في المقابل أي رواية من صحاح الروايات التي أثبتت الشفاعة كتفسير للمقام المحمود، وليس هذا بغريب عليهم، والسؤال: ما قيمة ذلك التفسير الشاذ العجيب الذي تفرّد به مجاهد ليلزموا به أنفسهم خروجًا عن إجماع المفسرين، بل ويكفروا من لا يوافقهم فيه حتى ثارت الفتن مرات بسببه، وأشهرها فتنة حدثت سنة 317هـ وأُريقت فيها دماء المسلمين؟، خاصة مع وجود متون روايات أخرى لأحاديث المقام المحمود تثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه فسره بالشفاعة، مع كونه قول باقي المفسرين من الصحابة والتابعين وكبار الأئمة.

ومن تلك الروايات الصحيحة، روى البخاري في صحيحه كتاب التفسير باب قوله ‏﴿‏عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا‏‏﴾‏‏ [الإسراء:79]، حديث (4718): (حدثني إسماعيل بن أبان حدثنا أبو الأحوص عن آدم بن علي قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثًا، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود. وروى في باب (من سأل الناس تكثرًا)، حديث (1475): (حدثنا يحيى بن بُكير: حدثنا الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر قال: ‏سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ‏الشمس تدنو يوم القيامة، حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم ‏بمحمد صلى الله عليه وسلم".‏ وزاد عبد الله بن صالح: حدثني الليث: حدثني ابن أبي جعفر: "فيشفع ليُقضى بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة ‏الباب، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا، يحمده أهل الجمع كلهم".‏ وقال مُعلى: حدثنا وهيب، عن النعمان بن راشد، عن عبد الله بن مسلم، أخي الزهري، عن حمزة: سمع ‏ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسألة.‏ كما روى الإمام البخاري في صحيحه الحديث (7440) وهو حديث مطول يذكر سؤال الناس للأنبياء أن يشفعوا لهم حتى ينتهي الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم فيشفع لهم، ويثبت في نهاية الحديث "وهذا المقام المحمود الذي وُعده نبيكم صلى الله عليه وسلم".

كما أخرج الإمام أحمد في مسنده 3/456 (15821)- حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يزيد بن عبد ربه، قال: حدثني محمد بن حرب، قال: حدثني الزبيدي، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يُبعث الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي تبارك وتعالى حلة خضراء، ثم يُؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول فذاك المقام المحمود". وبمسنده حديث آخر مطول 1/398 (3787) وحديث 2/441 (9682) وحديث 2/444 (9733) كلها في ذات الباب.

‏وروى الترمذي حديث (3137) (5/303)‏، عن أبي هريرة قال: ‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ‏﴿‏عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا‏‏﴾‏‏ سُئل عنها ‏قال: "هي الشفاعة".

وقال الفخر الرازي في تفسيره (ج21، ص32): "في تفسير المقام المحمود أقوال: الأول، أنه الشفاعة. قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية «هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي»، وأقول: اللفظ مشعر به، وذلك لأن الإنسان إنما يصير محمودًا إذا حمده حامد، والحمد إنما يكون على الإنعام؛ فهذا المقام المحمود يجب أن يكون مقامًا أنعم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه على قوم، فحمدوه على ذلك الإنعام، وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ الدين وتعليم الشرع لأن ذلك كان حاصلًا في الحال، وقوله ‏﴿‏عَسَى‏‏﴾‏‏ تطميع"....، ثم وردت الأخبار الصحيحة في تقرير هذا المعنى –الشفاعة-. ثم عرض الرأي الثاني فذكر فيه حديث حُذيفة بأنه دعاء يقوله الرسول يوم الموقف، وضعفّه، ثم الرأي الثالث وهو تفسير مبهم بأنه مقام تُحمد عاقبته، وضعفّه أيضًا، ثم قال الواحدي: روى عن ابن مسعود أنه قال: يقعد الله محمدًا على العرش، وعن مجاهد أنه قال: يجلسه معه على العرش، ثم قال الواحدي: وهذا قول رذل موحش فظيع، ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير ويدل عليه وجوه".

‏وقد توسع الإمام الطبري في تفسيره "جامع البيان في تفسير آي القرآن" (ج17، ص526: 532) الذي انتهى من تأليفه سنة 270 –وكان عبد الله بن أحمد بن حنبل حيًا- في ‏تفسير قوله تعالى ‏﴿‏عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا‏‏﴾‏‏ [الإسراء:79] فسرد فيه صفحات، قال: "ثم اختلف أهل التأويل في معنى ذلك المقام المحمود، فقال أكثر أهل العلم: ذلك هو ‏المقام الذي هو يقومه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس، ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه ‏من شدّة ذلك اليوم". ثم ذكر روايات كثيرة –يمكن الرجوع إليها في تفسيره- عن صحابة وتابعين قالوا بذلك منهم حُذيفة وابن عباس والحسن وسلمان وقتادة، والأدهى أنه ذكر من بينها روايتين عن مجاهد بن جبر تثبت تفسيره المقام المحمود بالشفاعة، ثم أتبع الإمام الطبري: "وقال آخرون: بل ذلك المقام المحمود الذي وعد الله نبيّه أن يبعثه إياه، هو أن يقاعده ‏معه على عرشه". ‏وذكر رواية واحدة تثبت هذا الرأي عن ليث عن مجاهد، وختم الطبري بأن حكم: "وأولى القولين في ذلك بالصواب ما صحّ به الخبر عن رسول الله". ثم استفاض في سرد روايات صحيحة إلى رسول الله عن ابن مسعود وعليّ بن الحسين وابن عمر وكعب بن مالك تثبت قوله صلى الله عليه وسلم أن المقام المحمود هو الشفاعة –ويمكن أيضًا الرجوع إليها في تفسيره-، ومنها رواية ذُكر فيها الليث. ثم يعلق الطبري: "وهذا وإن كان هو الصحيح من القول في تأويل قوله ‏﴿‏عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا‏‏﴾‏‏ ‏لما ذكرنا من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين، فإن ما قاله مجاهد من أن الله ‏يُقعد محمدًا صلى الله عليه وسلم على عرشه، قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك". كما كرر الطبري تفسيره للمقام المحمود بالشفاعة عند تفسيره لآية أصحاب الأعراف وفي تفسيره ‏لقوله تعالى: ‏﴿‏وَإِذَا الأرْضُ مُدَّتْ‏‏﴾ [الانشقاق:3]‏‏. وقد حدثت للإمام الطبري محنة مع حنابلة بغداد بسبب تفسيره للمقام المحمود بالشفاعة سنعرض تفاصيلها عند ذكر نماذج من الفتن التي أثاروها.

كما فسّر ابن كثير في تفسيره للقرآن المقام المحمود بالشفاعة، ونقل جملة أحاديث كثيرة صححّها كبار المحدثين إلى رسول الله تثبت ذلك. فأمر تفسير المقام المحمود بالشفاعة أمر متواتر والأدلة عليه كثيرة مترادفة، ولكنهم كعادتهم يشذّون ويكفّرون المسلمين. ولكن للأمانة العلمية فهذا ليس حالهم كلهم، فقد أنكر عطية الزهراني، محقق كتاب "السُنة" لأبي بكر الخلال إصراره على تفسير المقام بالمحمود بالإقعاد على العرش، وذكر تضعيف الإمام الذهبي لهذا التفسير، كما نقل المحقق عن الذهبي إنكار الإمام أحمد هذا التفسير، على العكس من الروايات -بل والمنامات- التي ضمنّها الخلال كتابه، والتي احتج بها الخلال على كفر منكر تلك العقيدة الشاذة.

أصرت غالبية الفرقة المسماة بالسلفية، ومن سار على درب مقاتل بن سليمان، على ‏مخالفة سائر الأمة قديمها وحديثها، والقطع وفقًا لظاهر النصوص أن لله تعالى –وحاشاه- صورة وجوارحًا، فجسّموه وصيّروه صنمًا أو كالمارد يجلس على العرش تعالى الله عما قالوا علوًا كبيرًا. وقد حمل أبو الفرج ابن الجوزي –وهو حنبلي- في كتابه "دفع شبهة التشبيه" على المشبِّهة، خاصة ابن خزيمة وابن حامد وأبي يعلى، ممن نسبوا إلى الله تعالى إضافة إلى ما سبق: اللهات والأضراس، والتنفس، والفرح والحياء والغيرة، والمشي والهرولة وسائر أشكال الحركة والانتقال والمماسة والقرب المكاني، وجعلوا له مكانًا في السماء وعلى العرش، وقالوا على من أنكره أنه منكر لعلوه سبحانه. وقد قال الإمام الغزالي: "فوقية الله لا تجعله قريبًا من السماء، كما لا تجعله بعيدًا عن الثرى"، ولكنهم مصرون على العلو الحسي. وجعلوا له دارًا هي جنة عدن، وقد توسع ابن الجوزي في الرد على كل ما يستدلون به من الآيات والأحاديث على صحة تجسيمهم وزيّفها. كما خصّص الفخر الرازي بابًا كاملًا من كتابه "أساس التقديس" لعرض الأدلة العقلية والنقلية التي يستدل بها المشبهة من الحنابلة والكرامية على وجود الجوارح وإثبات الجسمية والتحيز ونحوه في حق الله تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، وتوسع في الرد عليها بالأدلة العقلية والنقلية المقابلة، وبيَّن زيف أدلتهم.

بالنسبة للإمام أبي بكر بن خزيمة، وهو شافعي المذهب، لكنه من كبار المتحنبلين عقيدة، وقد بالغ في إثبات الصفات إلى حد التجسيم والتشبيه. يظهر هذا جليًا في كتابه "التوحيد"، يدعي الأشاعرة المحدثون أن ابن خزيمة قد عاد من التجسيم إلى توحيد السلف الخالص القائم على التفويض. ولكن ما يستدلون به مما رواه الإمام البيهقي في "الأسماء والصفات" في ختام باب الفرق بين المتلو والتلاوة، أضعف من أن يُستدل به على ادعائهم. وهناك قصة مطولة رواها الذهبي في ترجمته في "السير" لوقيعة حدثت بينه وبين أصحابه، بسبب الاعتقاد في كلام الله تعالى، تظهر أسباب الخلاف بينه وبين أصحابه مفصّلة، وليس فيها ما يشي بتغير طرأ على عقيدته يتفق مع اعتقاد الأشاعرة. والسُبكي أيضًا يبريء ابن خزيمة في "طبقات الشافعية" (ج3، ص119) من التشبيه، ويستدل بتأويله حديث الصورة، ولا أراه كافيًا، فكتابه محشو بإثبات كل ما عدا ذلك، وقد كان يكره المتكلمين فعلًا، لكنه كان مشبهًا لا مفوضًا. والغريب أنه قد ثبت عن ابن خُزيمة أنه قرأ تفسير الطبري، وكان عصريّه، وقال أنه لا يعلم أحدًا على ظهر الأرض أعلم منه، مع أن تفسير الطبري مليء بالنقول التي تثبت التأويل وليس التجسيم!

وترجع كراهية الحنابلة للتأويل إلى أن المعتزلة أوّلوا الآيات التي فهموا منها أن القرآن مخلوق، وذلك كما يظهر من نصوص المناظرات التي أوردها الإمام الطبري في تاريخه لمحنة الإمام أحمد بن حنبل، وربما لهذا السبب لم يقبل البربهاري ما عرضه عليه الإمام الأشعري عندما دخل بغداد رغم إعلانه تبرئه من عقائد المعتزلة وأهمها اعتقادهم في خلق القرآن، وقد كان سبب المحنة.

وزادت الفرقة المسماة بالسلفية، ومن سار على درب مقاتل بن سليمان، بأن كذبوا على الأشاعرة في تزييف كتاب "الإبانة" للإمام الأشعري ينسبون فيه إليه ما يلزم اعتقاده بالجسمية، وهو ما ليس من عقيدة الأشاعرة بتاتًا؛ فليس من اعتقاد الأشعري، ولا أورده عنه أي من علماء طبقات الأشاعرة بدءًا بالطبقة الأقرب إليه مثل أبي بكر الباقلاني وأبي إسحق الإسفراييني وأبي بكر بن فورك، ولا من تلاهم كالبيهقي أو الجويني أو الغزالي، أو ابن عساكر! وهذا ليس بجديد على السلفية؛ فهم أساطين التحريف والكذب على الأئمة.

ذكر السُبكي في "طبقات الشافعية" (ج2، ص16) " وفى المبتدعة، لا سيما المُجسِّمة، زيادة لا توجد فى غيرهم، وهو أنهم يرون الكذب لنصرة مذهبهم، والشهادة على من يخالفهم فى العقيدة بما يسوءه فى نفسه وماله بالكذب؛ تأييدًا لاعتقادهم، ويزداد حنقهم وتقربهم إلى الله بالكذب عليه بمقدار زيادته فى النيل منهم. فهؤلاء لا يحل لمسلم أن يعتبر كلامهم"أهـ.

ومن أمثلة ما افتُضِح من كذبهم لنصرة مذهبهم، ذكر السبكي في "طبقات الشافعية" (ج3، ص399) "وقد أورد الحافظ –يعني ابن عساكر- بعض هذه الرسالة –رسالة القشيري في شكاية أهل السُنة، ورسائل العلماء التي تبعتها- فى كتابه –تبيين كذب المفتري- ونحن نرى أن نوردها كلها، فإنه يُخشى على مثلها الضياع إذا تمادى الزمان؛ فإن هذا شأن المصنفات اللطاف لا سيما ما يغيظ أهل الباطل، فإنهم يبادرون إلى إعمال الحيلة فى إعدامه. لقد كان عند الشيخ الإمام –يعني والده السُبكي الكبير- نسخة من كتاب (تبيين كذب المفتري)، لا يُحسن الرائي أن يقرأ منها حرفًا لما هو مكتوب فى حواشيها وبين أسطرها من أمور لا تتعلق بالكتاب، بخط بعض فضلاء الحنابلة الذين يلمزون ببعض الأشاعرة، فسألت الشيخ الإمام، فقال: هذه النسخة شريتها من تركة الحافظ سعد الدين الحارثي، وكأنهم كانوا يريدون إعدامها"أهـ. وأقول: ربما كان الأصح أنهم كانوا يريدون إعدامها بعد أن يزيفوها بنقل ذلك المكتوب في حواشيها بدلًا من بعض ما كان في النسخة الأصلية، ولكن السبكيين كانا حسنيّ النية، فلم يفطنا لمعنى كل تلك الكتابة في الحواشي وبين الأسطر.

وذكر السُبكي في "الطبقات" أيضًا (ج2، ص19) " وقد وصل حال بعض المُجسِّمة فى زماننا –يعني القرن الثامن الهجري- إلى أن كتب شرح صحيح مسلم للشيخ محيى الدين ‏النووى، وحذف من كلام النووى ما تكلم به على أحاديث الصفات؛ فإن النووى أشعرى العقيدة، فلم ‏تحمل قوى هذا الكاتب أن يكتب الكتاب على الوضع الذى صنَّفه مُصنِّفه، وهذا عندى من كبائر الذنوب فإنه تحريف للشريعة وفتح باب لا يؤمن معه بكتب الناس وما فى ‏أيديهم من المصنفات، فقبّح الله فاعله وأخزاه، وقد كان فى غنية عن كتابة هذا الشرح، وكان الشرح ‏فى غنية عنه"أهـ.

فقد كذب الحنابلة من قديم على كثير من أئمة المسلمين، وحاولوا تحريف كتبهم، ودس عقائدهم فيها، وما ذكرناه لا يعدو كونه أمثلة، فادّعوا أئمة كالجويني والغزالي، وهما من كبار الأصوليين الأشاعرة، أنهما تراجعا عن عقيدتهما الأشعرية أواخر أيامهما، ومالا إلى عقيدة المجسمة التي يصفونها بعقيدة السلف! وادّعوا الإمام البخاري والحافظ أبي نُعيم الأصبهاني، الذين لقيا الأذى من حنابلة زمانهم، أنهما على عقيدتهم! ووصل الأمر إلى أن بعض السلفية المحدثين صاروا يدّعون الإمام الفخر الرازي، مجدد القرن السادس، الذي شنّع عليه ابن تيمية أشد التشنيع، وكتب كتابًا يناقض كتابه "أساس التقديس"، ووصفه فيه بأنه قرن الشيطان الذي تنبأ النبي بخروجه من المشرق، ووصل الأمر بابن تيمية، خاصة في كتابه "بيان تلبيس الجهمية"، إلى حد اتهام الإمام الرازي زورًا بالشرك وعبادة الأوثان والرِدّة عن دين الإسلام! ونقل عنه ابن عبد الوهاب تكفير الرازي في "مسائله"! وكل هذا لأجل أن يثبتوا زورًا أن أئمة المسلمين عبر العصور على عقيدتهم.

وهناك من عقائد الحنابلة الكثير الذي يمكن الحديث عنه، واجتهدوا للتلبيس على العامة أنه اعتقاد السلف، كاعتقادهم بحرمة التوسل، وحرمة شد الرحال لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، كما كان يزعم ابن تيمية، حتى حرّفوا كتب أئمة السلف التي حقّقوها وطبعوها، بإزالة كل ما يثبت قيامهم بذلك، كقصة العتبي والأعرابي عند قبر الرسول، والقصيدة الشهيرة (يا خير من دُفنت في القاع أعظُمه)؛ وذلك حتى يظهر للعوام أنهم متابعون للسلف على عكس مخالفيهم، والعكس صحيح. وسأتوقف عند هذا الحد في نقدي لعقيدتهم. إنما أردت إعطاء صورة عما يُزوِّرون وتطول ألسنتهم بأنه عقيدة السلف، وستضح الصورة أكثر عن هذه الفرقة عند عرض نماذج من الفتن التي افتعلوها.

 

د. منى زيتون

 

منى زيتونالجوارح والجهة والانتقال ونحوه لله عزّ وجلّ

يذكر د.علي سامي النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج1، ص 235-236) أن "التشبيه والتجسيم كان قد بدأ ينتشر في عصر أبي حنيفة –المتوفى سنة 150هـ-، ورأى أبو حنيفة مقاتل بن سليمان ينشره في خراسان، فأعلن: "الله لا يشبه شيئًا من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه" و "هو شيء لا كالأشياء". فيكون أبو حنيفة إذن أول من أطلق على الله الشيئية، وهو يستند في هذا إلى الآية ‏﴿‏قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً‏‏﴾‏‏ [الأنعام : 19]، ولكنه ينزهه فيقول "وهو لا كالأشياء" مستندًا على الآية ‏﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏‏﴾‏‏ [الشورى : 11]. وهو يقصد بشيء أنه تعالى موجود بذاته وصفاته، إلا أنه ليس كالأشياء الموجودة ذاتًا وصفة، أو بمعنى آخر إنه شيء لا تدركه الأفهام أو العقول"أهـ.

ومن أشهر المأثورات عن الإمام علي بن أبي طالب أنه قال: "توحيده ألاّ تتوهمه". وعن الإمام أحمد بن حنبل قوله: "مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك". وعن يحيى بن معاذ قوله: "ما تصور في الأوهام فهو بخلافه". يقول الفخر الرازي في "أساس التقديس" (ص24-25) "ثبت أن الوهم والخيال قاصران عن معرفة أفعال الله سبحانه وتعالى وصفاته. ومع ذلك فإنا نثبت الأفعال والصفات على مخالفة الوهم والخيال، وقد ثبت أن معرفة كُنه الذات أعلى وأجلّ وأغمض من معرفة كُنه الصفات، ولمّا عزلنا الوهم والخيال في معرفة الصفات والأفعال، فلأن نعزلهما في معرفة الذات أولى وأحرى"أهـ. سبحانه لا تبلغه الأوهام ولا ‏تدركه الأفهام ولا يشبه الأنام، الله أكبر من كل ما يمكن أن نتوهم.

وذكر الإمام تقي الدين الحصني في "دفع شبه من شبّه وتمرد" (ص12) "آيات المتشابه وأحاديثه لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، والقرآن والسنة طافحان بتنزيهه عز وجل، ومن أسمائه القدوس، وفي ذلك المبالغة في التنزيه ونفي خيال التشبيه، وكذا في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] الخ، لما فيها من نفي الجنسية والبعضية، وغير ذلك مما فيه مبالغة في تنزيهه سبحانه وتعالى"أهـ.

يقول الفخر الرازي في "أساس التقديس" (ص236) "حاصل مذهب السلف أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظواهرها، ثم يجب تفويض معناها إلى الله تعالى، ولا يجوز الخوض في تفسيرها. وقال جمهور المتكلمين: بل يجب الخوض في تأويل تلك المتشابهات"أهـ.

وهنا يجب أن نقرر أول أسباب الإشكالية مع من يُسمُّون أنفسهم بالسلفية، فالخلاف في أصل التوحيد، ومنشأه الرئيسي هو ما يجب في باب الصفات الخبرية، هل نأخذ بـ (ظاهر المعنى) مع ما فيه من تشبيه وتجسيم، أم بـ (ظاهر اللفظ ونفوض المعنى) أي نمررها بلفظها كما جاءت بلا كيف، فلا نخوض في المعنى منعًا للتشبيه، أم نرفض ظاهر المعنى ولا نفوض فيه، بل (نؤول المعنى) وفقًا للمعروف في لسان العرب بما يليق بتنزيهه تعالى، ونفي كل ما يوهم بمماثلته لخلقه؟، والتأويل هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر يحتمله.

فرفضهم للتأويل وتمسكهم بظواهر (معاني) نصوص الكتاب والسنة لتقرير اعتقادهم في الله ادعاءً أن هذا ما كان يفعله السلف، هو من خلطهم الذي يقعون فيه لمرادفتهم بين التوقف عند ظاهر اللفظ (تفويض المعنى بلا كيف) الذي كان فعل كثير من السلف، وبين الأخذ بـ (ظاهر المعنى) (إثبات المعنى والتفويض في الكيف)، وهو فعلهم المخالف لفعل السلف؛ ويُسمّون ما عدا ذلك تعطيلًا للصفات!، وبدلًا من أن يكونوا هم من يقيسون الله على خلقه مما جعلهم يثبتون معاني يلزم منها التشبيه، يدّعون أن من عطّل إثبات تلك الصفات المزعومة، فعل ذلك لكونه يقيس الخالق على المخلوق، فمنع إثباتها! ويتذرعون بقول الإمام مالك لمّا سُئِل عن الاستواء "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" بأنه إنما عنى بمعلوم أي معلوم عند العوام معناه الظاهر، وليس كما يفهم الأشاعرة، معلوم لأن الله أخبرنا به بلفظه، فنفوض المعنى بلا كيف.

والثابت عن السلف أنهم كانوا يتوقفون ويفوضون في المعنى، فيقولون: "لا معنى، من غير تفسير، الظاهر غير مُراد،....."، خاصة في بدايات ظهور الإسلام وقبل التوسع في الفتوحات، وكذا كان الحال عند من تلاهم من التابعين عندما يصعب عليهم فهم المعنى، فكان هذا اختيارهم، لا يأخذون بظاهر المعنى ولا يؤولون، وهو تفويض تنزيه، حتى لا يقعوا في التشبيه، وفرق بيِّن بينه وبين تجسيم السلفية. وربما لم يكن يصعب عليهم المعنى إلا في مواضع قليلة لأنهم كانوا أقحاح في اللغة قبل أن تضعف العربية على الألسنة بعد الفتوحات واختلاطهم بالشعوب المفتوحة.

قال أبو عيسى الترمذي تعقيبًا على حديث (2557)، كتاب (صفة الجنة)، باب (ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار): "وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم روايات كثيرة مثل هذا ما يذكر فيه أمر الرؤية أن الناس ‏يرون ربهم وذكر القدم وما أشبه هذه الأشياء، والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك و‏ابن عيينة و وكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء، ثم قالوا تُروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يُقال ‏كيف؟، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تُروى هذه الأشياء كما جاءت، ويُؤمن بها، ولا تُفسر ولا ‏تتوهم، ولا يُقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه"أهـ.

وأورد السبكي في "طبقات الشافعية" (ج5، ص185) قول إمام الحرمين أبي المعالي الجويني في آخر عمره: "لقد قرأت خمسين ألفًا في خمسين ألفًا، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنها. كل ذلك في طلب الحق. وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد. والآن قد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق (عليكم بدين العجائز)، فإن لم يدركني الحق بلطف بره فأموت على دين العجائز، وتختم عاقبة أمري عند الرحيل على نزهة أهل الحق وكلمة الإخلاص لا إله إلا الله، فالويل لابن الجويني" يريد نفسه. قال الحصني في "دفع شُبه من شبّه وتمرد" (ص29): قال أبو الوفاء بن عقيل: "معنى دين العجائز: أن المدققين بالغوا في البحث والنظر، ولم يشهدوا ما يشفي العقل من التعليل، فوقفوا مع المراسم، واستطرحوا وقالوا لا ندري""أهـ.

ومما أُثر عن عمر بن عبد العزيز قوله: انتهى علم الراسخين بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]. فكان هذا فعل الصحابة وكثير من السلف، "التفويض في المتشابه من الصفات مع تنزيه الله وعدم التأويل"، وهو لا يعني الأخذ بظاهر معنى النص كما يدلس السلفية، لأن الأخذ بظاهر المعنى هو تفسير فيه قطع بالمعنى شأنه في ذلك شأن التأويل، مع ما في الأخذ بالظاهر من تجسيم وتبعيض وتوهم لله عز وجل، وهو ما يمتنع في حقه تعالى. والنصوص الثابتة عن الأئمة التي تثبت أن مذهبهم التفويض كثيرة، وقلَّ من كان مثل ابن عباس يكاد لا يُفوض في شيء ويؤول دائمًا، وكانت مزيّة في حقه، وكان يُسمى ترجمان القرآن، بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم له، أن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل.

ويقرر الشهرستاني في "المِلل والنِحل" (ج1، ص80-81) أن التفويض كان مذهب السلف، فلا تأويل ولا تشبيه بأخذ ظاهر المعنى. يقول: "وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل، ولا استهدفوا للتشبيه، فمنهم مالك بن أنس رضي الله عنه؛ إذ قال: "الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ومثل أحمد بن حنبل، وسُفيان، وداود الأصبهاني، ومن تابعهم، حتى انتهى الزمان، إلى عبد الله بن سعيد الكلابي، وأبي العباس القلانسي، الحارث بين أسد المحاسبي، وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام، وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية، وبراهين أصولية، وصنّف بعضهم ودرس بعضهم، حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة في مسألة من مسائل الصلاح والأصلح، فتخاصما، وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بمناهج كلامية، وصار ذلك مذهبًا لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية".

فأئمة الإسلام بعد القرون الأولى شاع بينهم التأويل والبحث عن المعنى المراد بالنص وليس ظاهره غير المراد؛ كما أنهم رأوا التأويل ضرورة في بعض الآيات، فلا يمكن التوقف عند ظاهر اللفظ ولا قبول ظاهر المعنى، بل ينبغي التأويل تنزيهًا لله تعالى. ومن تلك الآيات ‏﴿‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ‏‏﴾‏‏ [القصص:88]، و ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ  لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف:51] و ‏﴿‏نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُم‏‏﴾‏‏ [التوبة:67]، فلا بد من تأويل الوجه بالذات، وتأويل النسيان بالترك. تركوا العمل فتركهم الله في العذاب المبين، لأن النسيان نقص، لا يجوز في حق الله.

ولعل أعجب ما في السلفية أنهم يقرون بضرورة التأويل في آيات، كما يقرون بثبوت التأويل عن السلف في بعض الآيات كآية ‏﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا‏‏﴾‏‏ [الفجر: 22]، التي ثبت فيها التأويل عن الإمام أحمد بن حنبل، ولكنهم مع ذلك يُصرون على الأخذ بظاهر المعنى، فيقولون: هل يلزم من القول بالتأويل نفي ظاهر المعنى؟! فتأول الإمام أحمد مجيء الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، بمجيء ثوابه للمؤمنين وعذابه للكافرين، ولا ينفي هذا مجيئه حقيقة ومعه جنته وناره! والأمر هنا أشبه بمن يقول: "هديل قمر"، وبعد أن يتأول قمر بالجمال، يصر على إجراء المعنى على ظاهره، وأنها أيضًا قمر حقيقة كالقمر الذي في السماء! والأدهى أنهم لا يفهمون عند المناظرة أن عليهم البرهنة أن ظاهر المعنى مراد كما يدّعون، والرد على الإشكالات المطروحة حوله.

والسلفية كذلك يكثرون من الخلط، ولا يفهمون المقصود من قول بعض الأئمة "الإجراء على الظاهر"، فيفهمون منه أنهم أرادوا ظاهر المعنى، بينما من يقرأ النص كاملًا يتحقق من أن مرادهم هو التوقف عند ظاهر اللفظ وإمراره، وأن المعنى الظاهر الموهم بالتشبيه غير مراد عندهم، ولدى السلفية كذلك انتقائية عالية في اختيار النصوص، فيقتصّون أجزاءً لا توضح ما أراده الإمام، ويبحثون عن شواذ الروايات التي تثبت تجسيمهم ويهملون ما عداها، فالأخذ بروايات واستبعاد أخرى، مبني عندهم على ما يوافق عقيدتهم، وليس على التحقيق العلمي، بل حتى أنهم يرفضون منهج الجمع بين الروايات إن كان الأخذ به سيؤدي لنتيجة تعاكس عقيدتهم، إضافة إلى خلط فهومهم المستقاة من عقيدتهم بالنصوص ليتوهموا موافقة النصوص لهم. ومن أمثلة اجتزاءاتهم المشهورة التي يروجونها بين أتباعهم، مقولة للإمام أبي حنيفة تُنسب إليه، يقول فيها: "من قال لا أعرف الله في السماء هو أم في الأرض فقد كفر"، ويتوقفون عند هذا الحد من النقل لأنه يُعزز عقيدتهم، ولو أنصفوا لأكملوا قول الإمام، والمقولة بتمامها كالآتي: "من قال لا أعرف الله في السماء هو أم في الأرض فقد كفر، لأن هذا يوهم أن لله مكانًا، ومن توهم أن لله مكانًا فهو مشِّبه"أهـ. وشتّان بين الروايتين.

ولم يكتفوا بذم التفويض، ورفض نسبته إلى السلف، ومعارضتهم التأويل، بادعاء أن ألفاظ القرآن مفهومة بلسان العرب، ويعنون مفهومة بظاهر معانيها أي الجوارح وكل ما لا يليق بالحق سبحانه وتعالى مما أجازوا نسبته إلى الله، ويرون أن ليس من بأس في أن نصف الله بما وصف به نفسه، ولكن هل وصف الله نفسه حقًا بما ادّعى السلفية؟! وزعيمهم في هذا الخلط، ابن تيمية، الذي على عادته في تبديع المخالفين، اتهمهم بأن قولهم من شر أقوال أهل البدع والإلحاد! وكلام ابن تيمية وتهوكاته في باب الصفات مما أكثر فيه وبالغ، ولعله من أشنع مخالفاته العقدية، على كثرة ما له من مخالفات، والتي سنتعرض لها عند عرض فتنته.

بينما ينقل الكوثري في حاشية تحقيقه كتاب "دفع شبهة التشبيه" لابن الجوزي (ص 61) عن الإمام المجتهد ابن دقيق العيد في "شرح المشكاة" قوله: "والحاصل أن السلف والخلف مؤولون لإجماعهم على صرف اللفظ عن ظاهره، ولكن تأويل السلف إجمالي لتفويضهم إلى الله تعالى، وتأويل الخلف تفصيلي لاضطرارهم إليه لكثرة المبتدعين".

جاء في "جوهرة التوحيد" للإمام اللقّاني المالكي:

وكل نصٍ أوهم التشبيها ***** أوِّلْه أو فوّض و رُمْ تنزيها

يقول البيجوري في "حاشيته على جوهرة التوحيد" (ص156-157) في شرح البيت "قوله (أوِّلْه): أي احمله على خلاف ظاهره مع بيان المعنى المراد، فالمراد: أوّله تأويلًا تفصيليًا بأن يكون فيه بيان المعنى المراد كما هو مذهب الخلف، وهم من كانوا بعد الخمسمائة، وقيل: من بعد القرون الثلاثة. وقوله (أو فوِّض) أي: بعد التأويل الإجمالي الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فبعد هذا التأويل فوِّض المراد من النص الموهم إليه تعالى على طريقة السلف، وهم من كانوا قبل الخمسمائة، وقيل القرون الثلاثة: الصحابة والتابعون وأتباع التابعين. وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لما فيها من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم، وهي الأرجح، ولذلك قدمها المصنف، وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد له تعالى. وقوله: (ورمْ تنزيها) أي: واقصد تنزيهًا له تعالى عما لا يليق به مع تفويض علم المعنى المراد، فظهر مما قرّرناه اتفاق السلف والخلف على التأويل الإجمالي، لأنهم يصرفون المُوهم عن ظاهره المحال عليه تعالى، لكنهم اختلفوا بعد ذلك في تعيين المراد من ذلك النقص وعدم التعيين. والحاصل أنه إذا ورد في القرآن أو السُنة ما يُشعر بإثبات الجهة أو الجسمية أو الصورة أو الجوارح، اتفق أهل الحق –يعني الأشاعرة- وغيرهم ما عدا المجسمة والمشبهة على تأويل ذلك لوجوب تنزيهه تعالى عما دلّ عليه ما ذُكر بحسب ظاهره"أهـ.

فمع فتوح البلدان وفناء جيل الصحابة وزيادة أعداد المسلمين، وزيادة طرح الأسئلة لم يكن هناك بُدّ من الرد عليها عن طريق تأويل النصوص وفق قواعد اللغة لتنزيه الله تعالى باستبعاد المعنى الراجح الصريح لتلك النصوص لامتناعه في حق الله تعالى، وإعطاء تفسيرات للنصوص باستخدام المعاني المرجوحة لغويًا لتلك الألفاظ.

ويناقش الفخر الرازي في "أساس التقديس" (ص220-221) مسألة تعارض البراهين العقلية مع الظواهر النقلية. يقول: "اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يُشعر ظاهرها بخلاف ذلك. فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة: إما أن يُصدق مقتضى العقل والنقل، فيلزم تصديق النقيضين وهو محال، وإما أن نبطلهما فيلزم تكذيب النقيضين، وهو محال، وإما أن تكذب الظواهر النقلية، وتصدق الظواهر العقلية، وإما أن تصدق الظواهر النقلية وتكذب الطواهر العقلية، وذلك باطل، لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وظهور المعجزات على يد محمد صلى الله عليه وسلم، ولو صار القدح في الدلائل العقلية القطعية، صار العقل متهمًا، غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج عن أن يكون مقبول القول في هذه الأصول. وإذا لم تثبت هذه الأصول، خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة. نثبت: أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معًا، وإنه باطل. ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يُقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة: بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يُقال إنها غير صحيحة، أو يُقال إنها صحيحة، إلا أن المراد منها غير ظواهرها، ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل. وإن لم تجوز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى. فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات"أهـ.

وهذا القانون منصوص عليه عند الأشاعرة، وليس المقصود به أحكام الله تعالى التي نقبل بها وإن لم تفهمها عقولنا، بل المقصود آيات القرآن وبعض الأحاديث، والتي نقبل المجاز فيها عند تعارض الظاهر مع ما يليق به تعالى ويمتنع في حقه. وقد ثبت عن الإمام علي أنه قال لابن عباس عندما بعثه لمناظرة الخوارج "ناظرهم بالسُنة فإن القرآن حمال أوجه"، وكذا ما قاله الإمام ‎‎الشافعي‎ ‎عن‎ ‎القرآن‎ "وأن منه ظاهرًا يُعرف في سياقه أنه يراد به غير ‏ظاهره"، وقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس بأن يعلمه الله التأويل. والتأويل في حقيقته هو بحث عن المعنى الذي أراده الله تعالى، مع اليقين أن هذا المعنى لا يعلمه إلا هو سبحانه ‏﴿‏وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ‏...‏‏﴾‏‏ [آل عمران: 7]. وأقول إن هذه الآية حجة على القائلين بضرورة الأخذ بظاهر النصوص في بعض الآيات التي يمتنع فيها الظاهر تنزيهًا لله، لأن الله قطع بأن لها تأويلًا، وكون أن لها تأويلًا دليل بأن المقصود بها غير ظاهرها. فإما أن تتوقف فيها، أو تُحاول تأويل معناها، على ألا تؤكد ثقتك بذاك التأويل، فتذكر ما أفهمك الله إياه، ثم تقول: والله أعلم.

وأقول أيضًا: إن السلفية بإصرارهم على الأخذ بظاهر المعنى ينفون عن القرآن بيانه وهو سبب إعجازه، فالحمل على الظاهر أشبه بالترجمة الحرفية التي لا توضح المعنى وتفتقد إلى البلاغة. وقد روى البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" (ص325) عن ابن عباس أنه سُئل عن قوله تبارك وتعالى: ‏﴿‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ‏‏﴾‏‏ [القلم: 42]‏‏، قال: "إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه من الشعر فإنه ديوان العرب". ومثله قاله ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه": إن التأويل الشائع  مثله في كلام العرب. وصنّف الشريف الرضى كتابًا رائعًا جمع فيه مجازات القرآن. ولكن السلفية لا يعقلون أن بالقرآن مجازات، فرفضوها لتستقيم عقيدتهم المجسمة المشبهة.

وصدق الشاعر إذ قال:

كم من عائبٍ قولًا صحيحًا *** وآفته من الفهمِ السقيمِ

وقد مر بنا أن الخوارج قد حملوا آيات الوعيد على ظاهر المعنى، ففسروها على أنها تثبت كفر من كانت حاله حال المتوعدين، وأفسدت عليهم دينهم، أما عن النصوص التي استدل السلفية بظاهر معناها على وجود الجوارح والتحيز والانتقال ونحوه لله تعالى –وحاشاه-، فقد جمع د/سيف العصري نقولًا عن أكثر من مائة من أكابر أئمة المسلمين تقطع بأن مذهبهم فيها هو التفويض وليس التفسير بظاهر المعنى، وصنّفها في كتاب "القول التمام بإثبات التفويض مذهبًا للسلف الكرام"، ومنهم أكابر أئمة الحنابلة كابن الجوزي وابن قُدامة المقدسي وابن هُبيرة والجيلاني وابن رجب. ولست هنا بصدد نقل بعض من هذه النقول من أمهات الكتب، بل يعنيني أن أُثبت أن التأويل الذي يتحدث عنه السلفية باعتباره ابتداعًا قد ثبت أيضًا عن كثير من كبار أئمة المسلمين، على اختلاف عقائدهم (أشاعرة- معتزلة- شيعة) ومذاهبهم (شافعية- مالكية- حنفية- حنبلية- ظاهرية- جعفرية)، بل وثبت التأويل عن بعض الصحابة فيما نُقِل عنهم. وسنتتبع تفسيراتهم لبعض من تلك الآيات والأحاديث الموهمة بالتشبيه والتجسيم في الحلقات القادمة من المقال.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيإن بلوغ الحكمة والرقي الروحي بالنسبة للحسن البصري ليست نهاية أو غاية بذاتها بقدر ما هو أسلوب التنقية التي لا تنتهي إلا بانتهاء الحياة. الأمر الذي يجعل حتى من تلقائية الأفعال معاناة حادة لما فيها من اختبار عملي دائم للإرادة وامتحان أخلاقي لها. ويمكن توضيح هذه الفكرة على مثال مواقفه الفكرية والشخصية من الثروة. فقد كان يفسر مضمون الآية (وما يستوي الأحياء والأموات) بعبارة "الفقراء والأغنياء. الفقراء حيوا بذكر الله والأغنياء ماتوا على الدنيا"[1]. من هنا قوله:"بأس الرفيقان الدرهم والدينار. لا ينفعانك حتى يفارقانك"[2]. ومن هنا أيضا استنتاجه:"ما اعزّ أحد الدرهم إلا أذله الله"[3]. لكنها حكمة مبنية ليس فقط على ملاحظة مختلف مظاهر الحياة العامة والخاصة للأفراد والجماعات والأمم، وبل وعلى أساس نفيها العملي في حكمة الأسلاف الكبار، الذين كانت حياتهم نفيا تاما وشاملا لعبودية المال. بينما حقيقة الثروة تقوم في بلوغ السعادة المحكومة بقيم العدل والعدالة والإخلاص الباطني. فعندما يقيّم تجارب الأسلاف نراه يستشهد بممارساتهم بهذا الصدد قائلا:"لقد أدركت أقواما ما طوى لأحدهم في بيته ثوب قط، ولا أمر في أهله بصنعة طعام قط، وما جعل بينه وبين الأرض شيا قط"[4]. وعندما يتعلق الأمر به، فإنه لا يشذ عن هذه القاعدة بما في ذلك ما يمكنه أن يكون أمرا عاديا وطبيعيا. فقد خطب رجل ابنته فوافق في البداية. وعندما أرادوا تزيين حال الخاطب تكلموا عن ثروته وإنه يملك خمسين ألف درهم، عندها رفض تزويجه إياها قائلا:

له خمسون ألف! ما اجتمعت من حلال!

يا أبا سعيد انه ورع مسلم.

إن كان جمعها من حلال، فقد ضنّ بها عن الحق. لا والله لا جرى بيننا وبينه صهرا أبدا"[5].

وعندما ردّ في إحدى المرات مال من أعطاه، ومعاتبة البعض إياه، من انه يأخذ من مالك بن دينار، أجابهم:"إن مالكا وبن واسع (محمد بن واسع) ينظران إلى الله فيما نأخذ منهما، فعلينا أن نقبل. وأن هذا المسكين ينظر إلينا فيما يعطي فرددنا عليه صلته". ويجّسد هذا الموقف ما يمكن وصفه بسحب رحيق الإرادة الحرة من التخثر في دماء الغريزة وتبخيرها في سماء المطلق. فللمطلق عوالمه وطبقاته، وفي كل منها اختيار للإرادة واختبار. وهو طريق الحسن البصري، أي الطريق الذي يجعل من بلوغ الحكمة مهمة أبدية في التاريخ والروح على السواء.

مما سبق يتضح، بأن تحويل تجارب العقل النظري الإسلامي صوب امتحانها العملي الدائم، يستحيل تحقيقه دون توليف الأبعاد الجديدة للتجربة الذاتية بوصفها تذوقا خالصا للمعاني ومحكوما بتحقيقها الفعلي المتجدد في الظاهر والباطن. وهو الأسلوب الجوهري الجديد الذي أدخله الحسن البصري إلى عالم الثقافة الإسلامية، بحيث جعل منه في نفس الوقت أحد مصادر الفكرة الأخلاقية المتسامية وفلسفة المطلق. بمعنى انه أول من أرسى أسس فلسفة الروح الأخلاقي المتسامي من خلال تحويل الجدل المدرسي والعقائدي من عالم الأفكار المتضادة وتهذيب أدواتها المنطقية إلى عالم الروح الأخلاقي. ففي موقفه من إشكالية القضاء والقدر كما ينقل لنا أبو طالب المكي، نرى الحسن البصري يردّ على عمرو بن عبيد الذي كان يقول "إن الله لا يقضي بالشيء ثم يعذب عليه" بعبارة:"ويلك! إن الله لا يعذب على جريان حكمه وإنما يعذب على مخالفة أمره"[6]. وقد تميز "جدله" الفكري بهذه الخصلة عندما جعل البحث عن الحقيقة وتحقيقها الذاتي أسلوب المعرفة الصادقة. بمعنى المزاوجة الدائمة بين الخطأ والخطيئة وبين الصدق والصادق (الصحيح). من هنا تحول المفاهيم إلى جزء من تطهير وتنوير الحس والعقل والحدس، والروح والجسد، والقلب واللسان، أي كل ما يكوّن كينونة الإنسان وما تتفرد به في علمها وعملها. لهذا نراه يؤكد على أن بلوغ الجنة وتجنب النار مرتبط بتحقق الإنسان بصفات أربع هي "أن يملك نفسه عند الرغبة، وعند الرهبة، وعند الشهوة، وعند الغضب"[7]. كما جعل من الصبر أسلوب البصيرة، من هنا قوله:"رحم الله امرؤ عرف ثم صبر، ثم أبصر فصبر. فإن أقواما عرفوا فأنتزع الجزع أبصارهم. فلا هم أدركوا ما طلبوا ولا هم رجعوا إلى ما تركوا"[8]. بينما أجاب مرة على من قال له:

كيف نصنع بأقوام يخوّفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير؟

لئن تصحب أقواما يخوّفونك حتى تدركك الأمن، خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى يلحقك الخوف"[9].

بمعنى تأسيسه لفكرة الخوف بوصفها أسلوبا لتحقيق الحق. وهي عين الشجاعة والبطولة. إذ لا علاقة لها بفزع الجسد واهتزاز الغريزة. من هنا قوله "المؤمن أشد الناس عملا، وأشد الناس خوفا"[10]. وإن حقيقة الخوف تقوم في قدرته على تهذيب وتنقية النفس وليس إفزاع الروح وتهوين الإرادة.

إن فكرة الخوف هي فكرة أخلاقية، بوصفها المصدر الروحي لقوة الإرادة والشكيمة. ومن ثم هي الصيغة الأخلاقية لتذليل خوف الجسد والغريزة، عبر الإرتقاء بها إلى مصاف المحاسبة الذاتية ورقابة النية والغاية. كما إن مهمة الخوف ليست تخويف العقل والروح لأنهما لا يخافان، بل في إثارة الهموم الباطنية، انطلاقا من أن العقل الحقيقي والروح المتسامي مهمومان على الدوام. من هنا فكرة الحسن البصري:"إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همّه"[11]. وبما انه لا همّ بلا قلب، من هنا فإن قدر الهموم على قدر القلوب، تماما كما أن قدر القلوب على قدر همومها. وذلك لأنهما من أصل واحد. ووضع الحسن البصري هذه الحصيلة في مطلبه القائل:"حادثوا هذه القلوب، فإنها سريعة الدثور! واقرعوا النفوس فإنها خليعة! وأنكم إن أطعتموها تنزل بكم إلى شرّ غاية"[12]. ويرتقي هذا المطلب إلى مصاف الحكمة التي قالها بهذا الصدد:"لا تخالفوا الله عن أمره! فإن خلافا عن أمره عمران دار قضى الله عليها بالخراب"[13]. ذلك يعني، إن الانحراف عن حقيقة الروح الأخلاقي ومساعيه الحثيثة صوب الكمال هو هدم دائم لكل بناء مهما كان مظهره ومحتواه وقوته وجماله الظاهري. وبالتالي، فإن الحقيقة والثبات والدوام للروح المتسامي. وما عداه تراب وسراب. ولم يقصد الحسن البصري بذلك وضع مكونات العمران الظاهر بالضد من الباطن، ولا الباطن بالضد من الظاهر بقدر ما أراد تأسيسهما المتجانس من خلال إرساء أولوية وجوهرية الروح العلمي والعملي، بوصفها إحدى الصيغ النموذجية لما أسميته بالعقل الثقافي (الإسلامي). وقد تمثل هذا العقل تاريخ الأمة وتجاربها المتنوعة في بلوغ الحق والحقيقة.

غير أن خصوصية الحسن بهذا الصدد تقوم في انه أول من حاول دفع العقل صوب الحكمة والعمل بموجبها. وهي المقدمة الضرورية للارتقاء إلى عوالم المطلق وتجاربه المتنوعة، أي بلوغ حالة نفي العقل بالعقل نفسه. وقد التقط أبو طالب المكي هذه الفكرة عندما علّق على فكرة الحسن البصري عن التوكل في قوله:"التوكل هو الرضا"[14]. واستكمالها في أحد المواقف العملية عندما قال:"وددت أن أهل البصرة في عيال وأن حبة بدينار"، بوصفها الصيغة الأرقى والأكثر كمالا في التوكل. وذلك لأنها فكرة وموقف يحتويان على الرضا بالإحكام كيفما جرت[15]. وليس المقصود بذلك سوى خمول الغريزة والبقاء في عوالم نفيها العقلي والأخلاقي. وهو أمر جلي حتى حالما يجري الاكتفاء باستعراض بعض مفاهيمه ومواقفه دون تحليل وحدتها الداخلية ومضمون ووظيفة كل جزء فيها، مثل المؤمن "لا يأكل في كل بطنه، ولا تزال وصيته تحت جنبه"[16]؛ وأن "المؤمن وقّاف متأن، وليس كحاطب ليل"[17]. من هنا تفسيره الآية (ولا اقسم بالنفس اللوامة) بعبارة: "لا يلقي المؤمن إلا يعاتب نفسه قائلا لها "ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ بينما الفاجر يمضي قدما ولا يعاتب نفسه"[18]. أما الزاهد فهو "الذي إذا رأى أحدا قال:هذا من فضل ربي!"[19]. لهذا وجد في عيسى إنسانا "يلبس الشعر، ويأكل من الشجر، ويبيت حيث أمسى"[20]. في حين نراه ينظر إلى التوبة، باعتبارها "ندم القلب، واستغفار باللسان، وترك بالجوارح، وإضمار أن لا يعود إليه"[21]. وسوف تضع المتصوفة هذه المقدمة لاحقا في بداية الطريق صوب المطلق وبلوغ الحكمة. فقد أسس الحسن البصري لها في فكرته القائلة:"إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر، وبالفكر على الذكر حتى استنطقوا قلوبهم فنطقت بالحكمة"[22]. من هنا فإن "من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو. ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو. ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو"[23]. وهي الذروة الضرورية الأولى للانطلاق صوب التكامل الذاتي للإرادة. بمعنى السير الدائم تحت مجهر المراقبة الذاتية والعمل بموجبها بوصفه طريق التنقية الحقيقة للظاهر والباطن في جميع مستوياتهما وأشكالهما.

لقد وضع الحسن البصري هنا أسس ما يمكن دعوته بالتجربة الفردانية الحية في مواجهة إشكاليات النفس وعرضها أمام المنظومة المتراكمة لوعي الذات من أجل بلوغ الحكمة. وليس هناك من معيار حقيقي لها غير وحدة العلم والعمل. من هنا قوله "اعلموا ما شئتم أن تعلموا! فوالله لا يؤجركم الله عليه حتى تعملوا. فإن السفهاء همتهم الرواية، وإن العلماء همتهم الرعاية"[24]. من هنا مطلبه القائل:"عظ الناس بنعليك ولا تعظهم بعلمك"[25]. من هنا وصفه لأشياخه قائلا: "كان أحدهم يعرض عليه المال الحلال قائلين له "خذه استغني به!". لكن أحدهم كان يرد قائلا:لا حاجة لي فيه! أخاف أن يفسد عليّ قلبي"[26].

إن جوهرية القلب في منظومة الحسن البصري هي الصيغة الأدبية لجوهرية الإرادة. إذ لا يعني هنا الحفاظ على نقاء القلب سوى الاحتفاظ بسرّ الإرادة وقوتها الذاتية. أما بلوغها، فإنه يضع المرء بالضرورة أمام تحديات لا تنتهي، بما فيها تحدي السلطة المستبدة أيا كان شكلها ومحتواها ومظاهرها. بل يمكننا القول، بأن التحقيق الأمثل لهذا التحدي يقوم في الموقف من السلطة المغتربة عن منطق الإرادة المتسامية. وهي سلطة لها مظاهرها المتنوعة والكثيرة من سلطة الدولة حتى سلطة النص مرورا بالتقاليد والأعراف والقيم. الأمر الذي يجعل لهذا المنطق قواعده ومساره الخاص في تاريخ العقل والروح والدولة والأمة، مهمته بلوغ الحقيقة والحكمة، وبالتالي مواجهة وتحدي الاغتراب الفعلي والمحتمل في التاريخ.

ولعل نموذجية الحسن الكبرى بهذا الصدد تقوم في توليفه الأولي لمنظومة المواجهة الروحية لحالة الاغتراب التي رافقت انتقال الدولة من تاريخ الدولة الإمبراطورية الشرعية إلى زمن السلطة الإمبراطورية للاستبداد الأموي. ولعل المواجهة الكبرى الأولى بهذا الصدد، يمكن العثور عليها في رسالته الشهيرة التي رد بها على رسالة عبد الملك بن مروان (ت – 85) والمتعلقة باستفساره عما إذا كان الحسن البصري يقول بالقدر، وعما إذا كان ذلك يتوافق مع الإسلام أم لا. وقد كانت ردوده ضمن سياق المواجهة والتحدي الأخلاقي للجبرية السياسية الكامنة في الأموية و"غيرتها" على فكرة "المشيئة والإرادة الإلهية" من خلال تأسيس ثلاثة مبادئ كبرى بهذا الصدد، وهي أن مهمة رجل الفكر والسياسة تقوم في أن يكون حجيجه الله لا الهوى (أي الحق والحقيقة لا المصالح العابرة)،  وأن حقيقة إرادة الإنسان تقوم في إتباع الحق، وأن حقيقة قضاء الله وقدره هو أمره بالمعروف والعدل والإحسان. ولا علاقة لهذه المبادئ بجدل الأفكار المحترف والمتبلور في دهاليز السلطة ومساجدها الخاوية من بصيص الحكمة وعطور القلوب النقية. من هنا تحويل "الجدل" صوب الالتزام بفكرة الحق والحقيقة والعمل بموجتها.

فقد ميز هذا الأسلوب مواقفه وأفكاره من السلطة. بحيث يمكننا ملاحظته في جميع مواقفه من الأمة وفرقها ومدارسها، ومن السلطة واختلاف سياستها. من هنا لا نعثر على خلاف في موقفه من السلطة في مجرى رده على استفسار عبد الملك بن مروان، ولاحقا على رسالة عمر بن عبد العزيز، التي طالبه فيها مساهمته في إعادة بناء الدولة أو توجيه السلطة[27]. ويعكس هذا الرد ليس فقط موقفه من السلطة بل والمنظومة الأخلاقية الدفينة لآرائه السياسية. ويمكن اختصار أهم أفكار هذه الرسالة الطويلة بقواعد أساسية وهي: أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به؛ وإن الندم على الشر يدعو إلى تركه؛ وانه ليس ما يفنى وإن كان كثير يعدل ما يبقى وإن كان طلبه عزيزا؛ لهذا من الضروري الحذر من هذه الدنيا الصارعة الخادعة القاتلة التي تزينت بخدعها، وذلك لأن من عشق شيئا لم يعقل غيره؛ من هنا ضرورة وضع همومها جانبا لما يعاينه المرء من فجائعها، وذلك لأن كل ما فيها هو حلقات مترابطة يمتزج فيها الرخاء بالبلاء، والبناء مصيره الفناء، والسرور مشوب بالحزن، وآخرها الضعف والوهن؛ لهذا يطالبه بالنظر إليها نظر الزاهد المفارق لا العاشق الوامق، والحذر منها، لأن أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وعيشها نكد، وصفوها كدر. فهي إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما مصيبة موجعة، وإما منية قاضية. من هنا ضرورة تأمل الحقيقة القائمة في موقف الأنبياء والأولياء منها استنادا إلى أن رفض الجاه بالنسبة للأنبياء وأحباء الله هو اختبار ولغيرهم اعتبار واغترار. وذلك لأن الإنسان يستطيع الحصول من الدنيا على ما يريده منها من غير طلب لأنها إلى جانبه، لكن الأمر يختلف حالما يأخذ منها. حينذاك تلزمه حقوق الله فيه. لهذا لا ينبغي للعاقل أن يأخذ منها إلا قدر قوته وما يكفي. فالدنيا إذا فكر فيها المرء ثلاث أيام: يوم مضى لا يرجوه، ويوم هو فيه ينبغي عليه أن يغتنمه، ويوم يأتي لا يدري فيما إذ هو من أهله أم لا. فالأمس حكيم مؤدب، واليوم صديق مودع، ولا شيء للغد غير الأمل. من هنا ضرورة أخذ الثقة بالعمل وترك المغرور بالأقل قبل حلول الأجل. وبالتالي لا معنى لأن يدخل المرء على اليوم همّ غد أو همّ ما بعده. فالذي يبقى من العمر لا ثمن له ولا عدل. فلو جمع الإنسان الدنيا كلها ما عدلت بما بقي من عمر صاحبه. لهذا لا قيمة لبيع اليوم ومعادلته بشيء من الدنيا بغير ثمنه. من هنا ضرورة انتقاد اليوم للنفس، وإبصار الساعة، وفهم الكلمة، والحذر من الحسرة عند نزول السكرة[28].

إننا نقف هنا أمام فكرة تأسيس مهمة المثقف الكبير في الوقوف عند حكمته الشخصية في الموقف من السلطة، ومن ثم المحافظة على المسافة الضرورية بينه وبينها أيا كان شكلها ومحتواها وأشخاصها. انطلاقا من أن مهمة المثقف الكبير تقوم في تجسيد حقائق المرجعيات الثقافية للأمة، أو حقائق الروح الأبدي من خلال الخروج على الجسد والعيش بلا أوهام، أي العيش والعمل والتفكر بمعايير وقيم الخيال المبدع. بمعنى بلوغ الحكمة بوصفها خروجا على العقل بمعاييره. عندها يتحول العقل إلى حكمة عبر استحكام منطق الحدس المتسامي فيه وليس قواعد المنطق الشكلية. فهو الأسلوب الوحيد القادر على تجاوز وتذليل شرطية الوجود وضعف القيم و"منظومة" الرذيلة الشرسة، التي تلفّ بخيوطها رعونة الغرور الدائمة للعقول والضمائر الخربة. ووضع هذه الحصيلة في أساس فلسفته من المثقف (أهل العلم) ومهمته العامة والخاصة بشكل عام وموقفه من السلطة بشكل خاص.

وليس مصادفة أن يكون موقفه من الفقهاء يتسم بقدر هائل من النقد والاعتراض. فعندما قالوا أمامه مرة "إن الفقهاء يقولون كذا وكذا"، فأجابهم "وهل رأيت فقيها بعينيك؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، البصير بدينه، المداوم لرعاية الله"[29]. وعندما قال له رفيقه فرقد السبخي:

يا أبا سعيد! إن الفقهاء يخالفوك!

ثكلتك أمك يا فريقد! وهل رأيت بعينيك فقهاء. إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الورع، الكافّ عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم"[30].

من هنا يتضح بأن حقيقة الفقيه (أو المثقف) تقوم ليس في تمكنه من المعارف، بل في تمثلها الذاتي بمعايير الروح المتسامي، التي تتوحد فيها المعرفة بالعقل، وكليهما بالأخلاق. ومنهما تتكامل كينونته الفعلية. وهي العملية الوحيدة القادرة على صنع فقيه الروح وليس الجسد. وفي هذا يكمن سرّ انتقاده اللاذع والعميق للمثقف الأجير. إذ ينقل عن الحسن البصري كيف انه خرج إحدى المرات من بيت الأمير عمر بن هبيرة، فإذا هو بالقرّاء على الباب. عندها قال لهم:"ما يجلسكم ها هنا؟ تريدون الدخول على هؤلاء الخبثاء؟ أما والله ما مجالستهم بمجالسة الأبرار! تفرقوا! فرّق الله بين أرواحكم وأجسادكم! لقد لقحتم نعالكم وشمرتم ثيابكم، وجززتم شعوركم! فضحكم القراء فضحكم الله! أما والله لو زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم. لكنكم رغبتم فيما عندهم فزهدوا فيما عندكم. أبعد الله من أبعد"[31]. لقد أراد الحسن البصري القول، بأن المثقف الأجير هو ذيل ذليل السلطة، بينما المثقف الحقيقي هو من تركض وراءه السلطة وأعوانها. وأسس الحسن البصري لهذه الفكرة العميقة والجليلة من خلال تحديد ما يمكن دعوته بمهمة الابتعاد عن السلطة أو وضع مسافة بينه وبينها بالشكل الذي تحفظ له صفاء القلب ونقاء السريرة. لهذا السبب وجد في فقهاء السلطة كيانات لا قيمة لها. ووضعها مرة في عبارة بليغة تقول عنهم:"أرى رجالا ولا أرى عقولا، أسمع أصوات ولا أرى أنيسا، أخصب ألسنة وأجدب قلوبا"[32]. بينما البديل الفعلي يقوم في امتلاك المثقف أو تملّكه خصلتان: العدل والحرية. ووضع ذلك في صيغة نقدية تقول:"خصلتان إذا صلحتا صلح ما سواها: الركون إلى الظَلَمة، والطغيان في النعمة"[33]. وليس مصادفة أن يقولوا عنه:"لو رأيت الحسن البصري لقلت إنك لم تجالس فقيها قط"[34].

لقد حقق الحسن البصري في ذاته فكرة وأنموذج المثقف المثالي. لكنه تحقيق مبني على أساس تمثل تراث الحقيقة وتجارب الأسلاف العظام والتاريخ الفعلي للأمة والدولة. لهذا نراه يجيب مرة عن سؤال متعلق بصفات الصحابة، بكلمات:"ظهرت منهم علامات الخير في السيماء بالهدى والصدق، وخشونة ملابسهم بالاقتصاد، وممشاهم بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، ومطعمهم ومشربهم بالطيب من الرزق، وخضوعهم بالطاعة لربهم، واستفادتهم للحق فيما أحبوا وكرهوا، وإعطاؤهم الحق من أنفسهم. ظمئت هواجرهم، ونحلت أجسامهم، واستخفوا بسخط المخلوقين برضا الخالق. لم يفرطوا في غضب، ولم يحيفوا في جور، ولم يجاوزا حكم الله في القرآن. شغلوا الألسن بالذكر، وبذلوا دماءهم حين استنصرهم، وبذلوا أموالهم حين استقرضهم، ولم يمنعهم خوفهم في المخلوقين. حسنت أخلاقهم وهانت مؤنتهم وكفاهم اليسير في دنياهم إلى آخرتهم"[35]. وهي صورة نموذجية لما ينبغي أن تكون عليه شخصية المثقف الإسلامي. لكنها في الوقت نفسه هي صورة مركبة عن نماذجها المتنوعة فيما كان يمارسه هو بوصفه تحقيقا فرديا للمثقف الأصيل. بحيث نراه يصل في نهاية المطاف إلى أن المثقف الكبير "مجنون" بمقاييس الظاهر والعابر والجزئي. وذلك لصعوبة إدراجه في قوالب الرؤية العادية، واستحالته أمام معايير العوام وأنصاف المتعلمين أو ما أطلقت عليه المتصوفة لاحقا اسم علماء الرسوم. فقد قال الحسن البصري في معرض تحديده للمثقف الأصيل ما يلي:"إن لله عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين. قلوبهم محزونة، حوائجهم خفيفة وأنفسهم عفيفة. أما الليل فمصانة أقدامهم. تسيل دموعهم على خدودهم، وأما النهار فحكماء وعلماء بررة، أتقياء كأنهم القداح! ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، أو خولطوا. ولقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم"[36].

لقد جسّد الحسن البصري في ذاته وأنموذجه التاريخي في الموقف من السلطة شخصية المرحلة الانتقالية الكبرى، أي الشخصية الكبيرة للانتقال الكبير. من هنا كان مقبولا للجميع، تماما بالقدر الذي كنّ الجميع له أقدار مختلفة من النقد الظاهر والباطن. أما المصدر الدرامي لهذه الحالة فيكمن في كونها كانت تتماشى وتعكس عملية انتقال كبرى تميزت بالخيانة والغدر بحيث جعل من أي احتمال عقلاني في تأسيس مطالبها السياسية أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا. من هنا صعود النفسية اللاعقلانية في غرس فكرة الجبر أي إجبار المجتمع والمثقفين بالأخص على قبول الخضوع للسلطة. إذ لم يكن مضمون الفكرة الجبرية الأموية فلسفيا أو حتى لاهوتيا، بل سياسيا خالصا واستبداديا تاما. فقد كانت السلطة الأموية تفزع من الكلمة والشخصية والسلاح. لأنها جاءت الى السلطة بفعل سلاح الغدر وغريزة الجسد وأهواء النفس الغضبية. وليس مصادفة أن نراه يجيب في أحد ردوده على رسالة عمر بن عبد العزيز الذي أراد استشارته للعثور على رجال يستعين بهم، قائلا:"أما أهل الدين فلن يريدوك! وأما أهل الدنيا فلن تريدهم! عليك بالأشراف، فإنهم يصونون شرفهم أن يدنسوه بالخيانة"[37]. ولا تخلو هذه الرؤية من سذاجة لكنها تستجيب لفكرة الشريف بالمعنى الذي تتحمله وتحمله الكلمة. وهو تحمل احتمله الحسن البصري على امتداد حياته في مواجهة السلطة الأموية.

إذ تنقل لنا كتب التاريخ عن علاقته المتوترة بولاة الأموية بشكل عام وبالحجاج بشكل خاص. ففي إحدى المرات التي جمع الحجاج الثقفي مجموعة من فقهاء وقرّاء البصرة والمدينة في يوم صيف شديد الحر (في مدينة البصرة). وعندما أخذ الحجاج بالحديث تناول أيضا شخصية الإمام علي بن أبي طالب بالسب والشتيمة. وأيده الجميع باستثناء الحسن البصري. فقد ظل ساكتا. وعندما قال له الحجاج:

يا أبا سعيد مالي أراك ساكتا؟

ما عسا أن أقول؟

أخبرني برأيك في أبي تراب؟

أفي علي؟ سمعت الله يقول (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله). فعلي ممن هدى الله، ومن أهل الإيمان. انه ابن عم رسول الله وخنته على ابنته، وأحب الناس إليه، وصاحب سوابق مباركات سبقت له من الله. لا تستطيع أنت ولا أحد من الناس أن يحصرها عنه ولا يحول بينهم وبينه. ونقول انه إن كانت لعلي ذنوب فالله حسيبه"[38].

وقد أثار هذا الرد غضب الحجاج وغيّر من معالم وجهه! بينما نراه في حالة أخرى يهدده بالقتل بعد أن سمع عنه عبارات مثل:"الخلفاء والسلاطين يغزون بثياب جميلة وفرسان قوية وعباد الله طاوين جوعا وحفاة مشاة"[39]، وإن "من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب أن يعصي الله في أرضه. والظالم والفاسق ينبغي أن يٌذّم ليغتمّ ولا يمدح ليفرح"[40]. إذ وجد فيها الحجاج تحريضا ضد السلطة وطالبه بكفّ لسانه. وبسببها نرى الحجاج يبعث عليه ويسأله حال دخوله:

أنت الذي تقول "قاتلهم الله! قتلوا عباد الله على الدينار والدرهم"؟

نعم!

ما حملك على هذا؟

ما أخذ الله على العلماء من المواثيق.

يا حسن! امسك عليك لسانك! وإياك أن يبلغني عنك ما أكره، فأفرّق بين رأسك وجسدك[41].

وليس مصادفة أن يسجد الحسن البصري ويقول بعد أن اخبروه بموت الحجاج:"اللهم عقيرتك! أنت قتلته! فاقطع سنّته وأرحنا من أعماله الخبيثة"[42]. بل نراه يتوج موقفه هذا "بفتوى" هي الأطرف والأشد إخلاصا في مواقفه المعارضة للحجاج والأموية، عندما أجاب رجلا حلف بالطلاق قائلا "إن الحجاج في النار". فلما جاء الى امرأته، فإنها امتنعت عن العيش معه. وعندما ذهب للحسن البصري يستفتيه في أمره، أجابه الحسن البصري:"إذا لم يكن الحجاج من أهل النار، فما يضيرك أن تكون مع امرأتك على زنى!". وهي المرة الوحيدة التي ينطق بها الحسن البصري بهذه الطريقة الجازمة التي جعل من نفسه فيصلا نهائيا وناطقا بالحكم "الإلهي". لقد وجد في الحجاج تجسيدا تاما للرذيلة، بحيث جعله يستغرب التشكيك بالحكم المتعلق بضرورة عقاب الجحيم الأبدي للحجاج. وبغير ذلك تصبح جميع الرذائل مباحة!

وطبق هذا السلوك أيضا في مواقفه العديدة من عمر بن هبيرة عامل الأموية على العراق. فقد أرسل ابن هبيرة بعد أن تولى حكم العراق على الحسن البصري والشعبي. وجعلهما في ضيافته فترة من الزمن. ودخل عليهما في إحدى المرات مترجيا الحصول على مشورة بسبب الموقف المحرج الذي وضعه فيه يزيد بن عبد الملك. إذ طلب منه إنفاذ أمرا في إحدى رسائله إليه، الذي وجد في إنفاذه، كما يقول ابن هبيرة، التهلكة. بحيث جعلته هذه الحالة يقع بين طاعة "أمير المؤمنين" وعصيان الله، أو طاعة الله وعصيان يزيد. من هنا طلبه منهما المشورة بحيث يبقى في متابعته ليزيد والخروج من "التهلكة". وإذا كان الشعبي إلى جانب فكرة "طاعة أمير المؤمنين"، فإن الحسن البصري رد قائلا: "يا عمر بن هبيرة! لم يوشك أن ينزل عليك ربك ملك من ملائكة الله غليظ لا يعصي الله مما أمره، فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك! أن تتق الله يعصمك من يزيد، ولا يعصمك يزيد من الله. لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد نظرة مقت ينفلق بها باب المغفرة دونك... إن تك مع الله في طاعته كفاك بائقة يزيد، وإن تك مع يزيد على معاصي الله وكلّك الله إليه"[43]. لقد رد الحسن البصري لوحده بين جمع من الفقهاء على فكرة عمر بن هبيرة القائلة، بأن سلوكه "تابع لسلوك أمير المؤمنين، وهو مأمور بالطاعة" بعبارة "حق الرعية لازم لك. وحق عليك أن تحوطهم بالنصيحة. حق الله ألزم من حق أمير المؤمنين. والله أحق أن يطاع. ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فاعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله... يا ابن هبيرة! إن الله ليمنعك من يزيد ولا يمنعك يزيد من الله. يا ابن هبيرة! الحساب من ورائك سوط بسوط وغضب بغضب والله بالمرصاد"[44]. ويعكس هذا الرد طبيعة الموقف الشخصي للحسن البصري.

لقد حقق الحسن البصري في مواقفه وآرائه وأحكامه وحياته ومماته الحقيقة البسيطة القائلة، بأنه كلما يسير الإنسان في دروب الحرية والإخلاص للفكرة المتسامية كلما يقترب من الطبيعة بما في ذلك في المظاهر. مع ما يترتب عليه من محاولات حثيثة لتهذيب وتشذيب الروح عبر معاناة الجسد في فعل ما يراه العقل ضرورة وحقا. وهي العملية التي تنتج روح الإخلاص للمبادئ الكبرى. آنذاك يمكن رؤية بريق القمر في عينيه، وأشعة الشمس في جبينه، والمعاناة على وجنتيه وأخدود التاريخ على خديه.

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص99.

[2] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص155.

[3] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص152.

[4] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص149.

[5] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص151

[6]. كتب أبو طالب المكي بهذا الصد يقول، بأن الحسن البصري فرّق بين التعذيب على جريان العلم ومخالفة الأمر لما بلغه أن عمرو بن عبيد وهو إمام المعتزلة آنذاك يقول:"إن الله لا يقضي بالشيء ثم يعذب عليه". فقال الحسن البصري:"ويلك! إن الله لا يعذب على جريان حكمه وإنما يعذب على مخالفة أمره". ذلك يعني "أن ما حكمه الله منفردا به لم يجعل فيه أمرا ولا نهيا لا يعذب عليه، لأنه لم يجعل للعبد مدخلا فيه بشهوة ولا فعل. وإن ما قضاه على العبد مما أدخله فيه بقصده وشهوته عذبه عليه. وهذا من شؤم النفس". (أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص128)

[7] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص144.

[8] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص145.

[9] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص150 .

[10] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص153.

[11] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص147.

[12] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص144.

[13] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص155.

[14] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج2، ص8.

[15] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج2، ص9. وأشار المكي هنا إلى أن كلام الحسن البصري هذا قد جاوز المعقول لكنه يبقى الأمثل في تعبيره عن مسار الإرادة الأخلاقية المتسامية. بعبارة أخرى، لقد كان الحسن البصري مستعدا للقبول بواقع أن يكون أهل البصرة جميعهم أهله، وأن حبة سعرها بدينار. ومن ثم استعداده للقبول بأشد الأحوال قسوة للحس والعقل والقلب والضمير دون أن يفتت ذلك وحدة الإرادة. فالإرادة القادرة على قدر الاستعداد في مواجهة وتحدي اشد الأحوال هولا وفظاعة. من هنا، فإن التوكل بوصفه قبولا ورضا بمجريات الأحداث لا يعني القبول بالشر والخطيئة، بقدر ما هو امتحان للإرادة الأخلاقية واختبار قدرتها على الاحتفاظ بالتوازن الدائم للروح بوصفه شرط العمل السليم.

[16] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص98.

[17] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص186.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص405.

[19] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص267.

[20] الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، ص22.

[21] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص179.

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص425.

[23] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص424

[24] أبو  طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص133.

[25] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص175.

[26] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص244.

[27] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص135-139. إننا نقف هنا أمام فكرة عميقة ومتجانسة سوف يقول بها الحسن البصري بصورة واضحة وجلية، وهي أن مهمة المثقف الكبير تقوم في الوقوف عند حكمته الشخصية في الموقف من السلطة، ومن ثم المحافظة على المسافة الضرورية بينه وبينها أيا كان شكلها ومحتواها وأشخاصها. وهو الأسلوب الذي يمكن رؤيته في الموقف من عمر بن عبد العزيز، الذي ارتقى في الوعي الإسلامي السليم إلى مصاف الرشد.

[28] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص135-139.

[29] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص147.

[30] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص153. إننا نعثر حتى في اللغة التي يستعملها الحسن البصري في مخاطبة زميله على نموذج التودد والمحبة. بحيث تزول منها بصورة تامة معالم ومظاهر العلاقة الشكلية والرسمية و"الأستاذية"، بوصفه الوجه الآخر لحقيقة الأستاذ أو الشيخ في علاقته بمريديه.

[31] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص151.

[32] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص158.

[33] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص158.

[34]أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص147.

[35] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص150.

[36] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص151.

[37] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص134.

[38] قال الشعبي: فبسر الحجاج وجهه، وقام عن السرير مغضبا وخرجنا!

[39] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص329.

[40] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص160

[41] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص346.

[42] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص159.

[43] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص149-150. وقد أبكت هذه الإجابة الأمير كما يقول الأصفهاني. وعندما أرسل إليهما في الغد هدايا، كانت حصة الحسن اكبر وأثمن. عندها دخل الشعبي المسجد وخطب قائلا:"من استطاع منكم أن يؤثر الله على خلقه فليفعل! فالذي نفسي بيده، ما علم الحسن منه شيئا فجهلته، ولكنني أردت وجه ابن هبيرة، فأقصاني الله منه".

[44] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص347.

 

ميثم الجنابيلقد قدم الحسن البصري في تعريته للنفس وفضحها، أسلوب ما يمكن دعوته ببكاء الوجود والعدم. ويستمد هذا الأسلوب أصوله من بلوغ الحكمة بوصفها خروجا على العقل بمعاييره. بمعنى بلوغ حدس الذات الخالصة من شوائب العابر والغابر. إذ ما هو السرّ الذي يجعل، على سبيل المثال، آيات القرآن أكثر قربا إلى قلوب المريدين؟ وعبارات المسيح أكثر إثارة للروح والذاكرة؟ وإيماءات بوذا العملية أشد توهجا بالنسبة للخيال؟ إنها الوحدة الحية للكلمة والمعنى، وبالتالي حدس الذات الخالص من شوائب العابر! فكلما يرتقي المرء في مدارج المطلق، كلما يصبح الوجود حدثا عابرا أو وقفة في وجود الكون، أي لحظة في الأبد الزائل! وهي المفارقة التي يلتاع فيها الروح، ويسجد العقل أمام إشكالاتها. كما انه السبب الذي يجعل الصراخ والصمت مظاهرا من مظاهر بكاء الوجود والعدم. بمعنى إدراكه إنهما شيء واحد من حيث المبدأ والمعاد، وإن القوة الوحيدة القادرة على ربطهما بصورة متجانسة هي الإرادة الحرة بوصفها إخلاصا للحق والحقيقة. إذ عادة ما تضع هذه الإرادة القلب أمام مهمة تأمل نقص الوجود واقترابه من العدم. وفي مجراها يبدأ القلب بذرف دموع الحسرة والعبرة، ومن احتراقهما تتصاعد الغيرة المتوهجة بحرارة المساعي الفردية من أجل الخروج من مأزقها. بحيث قيل عنه إن أحدا لم ير الحسن البصري ضاحكا على مدار أربعين سنة! وأن "قلبه كان محزونا!". وقد شخّصه مرة أحد الرجال قائلا: "كنت إذا رأيته قاعدا، كأنه أسير قدِّم ليضرب عنقه! وإذا تكلم كأنه يعاين الآخرة فيخبر عن مشاهدتها! وإذا سكت كأن النار تسعر بين عينيه!"[1]. لهذا قال عنه بعضهم:"ما رأيت أحدا أطول حزنا من الحسن. وما رايته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة"[2]. وقد التقط أبو نعيم الأصفهاني هذه الصورة ووضعها في فكرة جامعة مفادها، إن الحسن البصري "حليف الخوف، أليف الهمّ والشجن، عديم النوم والوسن"، "الفقيه الزاهد، المتشمر العابد"، الذي كان "لفضول الدنيا وزينتها نابذا، ولشهوة النفس ونخوتها واقذا"[3]. ومن كل هذه الصور الخلابة والجذابة لخيال العامة والخاصة استقطرت زيوت اللوحة العطرة التي رسمته على خلفية ما آل إليه مصير ابن سيرين. إذ تنقل لنا هذه الحكاية، كيف أن أحد الأشخاص حزن حزنا شديد قاربه من الموت على موت أبن سيرين. وعندما رآه في المنام وهو في حالة جميلة من العيش، سأله عن حال الحسن البصري، فأجابه ابن سيرين:

قد رفع فوقي بتسعين درجة!

ومم ذاك؟

بطول حزنه![4]

ولا يعني "طول الحزن" هنا سوى شموله وكماله، بمعنى الحزن باسم الجميع وللجميع. ولا يمكن بلوغ هذه الحالة دون تحقيق الحزن في الشخصية. وهذا بدوره مستحيل وغير معقول دون شمولية الموقف النقدي من النفس والآخرين بمعايير المحبة والإخلاص فيها. فالحزن الشامل هو الوجه الآخر للمحبة الشاملة. وحالما يجري وضع هذه العلاقة بعبارة الفكرة الأخلاقية، فإنها تتخذ حينذاك صيغة العداء المستحكم بين الفضيلة والرذيلة. وحالما يجري نقلها إلى ميدان الحياة السياسية وصراعها، فإنها تتخذ صيغة العداء المتراكم بين الحق والباطل. وقد حقق الحسن البصري في موقفه من الحزن هذه المعادلة. من هنا قوله "إن المؤمن يصبح حزينا ويمسي حزينا ولا يسعه غير ذلك لأنه بين مخافتين، بين ذنب قد مضى لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقى لا يدري ما يصيب فيه من المهالك"[5]. بمعنى وقوفه دوما أمام شفرة الحياة والموت الحادة بوصفها الصيغة الجسدية والروحية لوحدة الوجود والعدم. وهي الشفرة التي تحلق الروح من بقايا ونوايا النفس، والجسد من بقايا ونوايا الرذيلة لتجعلهما متقلبين "باليقين في الحزن"، كما يقول الحسن البصري[6]. فالمرء كما يقول الحسن البصري يكفيه ما يكفي العنيزة من التمرة والشربة من الماء"[7]. وبالتالي "ما يسع المؤمن في دينه إلا الحزن"[8]. وهو استنتاج لا يحكمه شيئا غير منطق الرؤية التاريخية والأخلاقية. من هنا مقارناته المبنية على أساس مرجعية المصادر النظرية (القرآن) والعملية (تجارب الإسلاف)، كما في قوله "ما أصبح اليوم عبد يتلو هذا القرآن ويؤمن به إلا كثر حزنه وقل فرحه، وكثر بكاؤه وقل ضحكه، وكبر صبه وشغله وقت راحته وبطالته"[9]. وانه "لا يؤمن أحد بهذا القرآن، إلا حزن وذبل، وإلا نصب، وإلا ذاب، وإلا تعب"[10]. ولا يعني ذلك سوى وضعه حالة الأفراد والجماعات والأمة على محك النماذج المثلى للرؤية القرآنية عن الحق والفضيلة. وهو محك له نماذجه الفعلية في التاريخ. من هنا لا يعني الرجوع إليها تقليدا بقدر ما يعني تأسيس وعي الذات التاريخي الأخلاقي. من هنا قوله "ما من الناس رجل أدرك القرن الأول، أصبح بين ظهرانيكم إلا أصبح مغموما وأمسى مغموما"[11]. بحيث جعلته هذه الحالة مرة يقول:"ذهبت المعارف وبقيت المناكر. ومن بقي من المسلمين فهو مهموم"[12]. لهذا نراه يجد في الحزن أسلوب التنقية الذاتية للفرد من أجل الإرتقاء به إلى مصاف المرجعية الروحية والعملية في مواجهة الجهل والمنكر. بحيث نسمعه يقول مرة: "كثرة الضحك تميت القلب"[13].

وليس هذا "الغلو" الظاهر في العبارة سوى الصيغة الأدبية التي تعكس غلوّ الروح الأخلاقي في مواجهة تداعيات الانحطاط المعنوي والسياسي للسلطة والأمة على السواء، أي خروجهما على مبادئ القرآن الكبرى في مواقفه من الفضيلة والرذيلة. من هنا استنتاجه الفكري والعملي القائل، بأن "طول الحزن في الدنيا تلقيح العمل الصالح"[14]. انطلاقا من الحكمة القائلة، بأن العمل الصالح هو الشعاع الذي تسكبه مرآة القلب النقية على أزقة السلوك الضروري للمرء في مواجهة إشكاليات الوجود الخاص والعام. وهي إشكاليات محكومة هنا بفكرته عن الحياة والموت، والوجود والعدم. من هنا قوله:"يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله مشهده، أن يطول حزنه". بل جعل من هذه النتيجة استنباطا واستقراء للعقل في مواجهة الوحدة الأبدية للحياة والموت، كما في قوله:"ما رأيت عاقلا قط إلا أصبته من الموت حذرا وعليه حزنا"[15]. لهذا أجاب مرة عندما عاتبوه في شدة حزنه قائلا:"ما يؤمنني أن يكون قد اطلع عليّ في بعض ما يكره فمقتني! فقال: اذهب فلا غفرت لك! فأنا أعمل في غير معمل"[16]. وقد استنطق هذه المعاناة الذاتية مرة بعبارة بليغة قال فيها:"لو أن بالقلوب حياة! لو أن بالقلوب صلاحا! لأبكيتكم من ليلة صبيحتها يوم القيامة!"[17].

إننا نقف هنا أمام عبارة لا تعني بمعايير المنطق العقلي المجرد أكثر من تحصيل حاصل. انطلاقا من أن القلوب الحية والصالحة ليست بحاجة إلى من يبكيها، لأنها مستعدة للبكاء بذاتها. غير أن الحدس القائم وراء هذه المطلب يقوم في طبيعة الإلهام الذي توحي به معاناة القلب الحي والصالح في استعداده للبكاء الأبدي. ويتضمن هذا الاستعداد في أعماقه فكرة النفي الدائم لإشكالية الوجود والعدم، التي تثيرها نفسية وذهنية الانقطاع المفتعل في الأفعال والمواقف الإنسانية بين الظاهر والباطن، والعلم والعمل، والروح والجسد، والأبد والآن الدائم. إذ لا يعني الاستعداد للبكاء حتى انقشاع غمامة العابر أمام محنة الخلود الأبدي، سوى وضع الإرادة أمام مهمة استكناه ذاتها بوصفها قيمة مستقلة والعمل بموجبها. وهي نتيجة مبنية في آراء الحسن البصري على أساس موقفه من وحدة الحياة والموت بوصفها الإشكالية الحسية والمعنوية لوحدة القدر الوجودي والقدرة الإنسانية الحرة. كما أنها علاقة تتصف بقدر هائل من الشك واليقين، والتي لا يستطيع بعث التجانس في أوتارها شيء غير القلق المنبعث من دقات الوجود والعدم، أو الحياة والموت بوصفها دقات الوجدان المعقول بمعايير الإخلاص للحق والحقيقة. من هنا قول أحدهم عنه، بأن الحياة تصبح لا شيء بعد كل دخول على الحسن البصري وخروجا منه[18]. بمعنى رؤيتهم فيه تجسيد ما أسميته بدقات الوجدان المعقول في إخلاصه للحق والحقيقة. حينذاك تضمحل إشكالية الشك واليقين، ويتحول القلق إلى باعث التجانس في أوتار الأنغام الجميلة للقلوب والأعمال. ووضع الحسن البصري هذه النتيجة في كثرة كثيرة من العبارات البسيطة والمباشرة التي خاطب بها بني البشر مثل:"انك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك"[19]. وكذلك في مخاطبته الإنسان بعبارة يا ابن أدم، مثل قوله "يا ابن آدم! إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك"[20].، أو عبارة "يا ابن آدم! إنما أنت مراحل، كلما مضى منك يوم أو ليلة قطعت مرحلة. فإذا فنيت المراحل بلغت المنزل. فالساعات تنقلنا والأيام تطوينا"[21]. والحصيلة هي ما صرخ بها الحسن البصري مرة عندما قال:"فضح الموت الدنيا! فلم يترك فيها لذي لب فرحا"[22].

وليس في أفكار الحسن البصري هذه امتهانا للحياة أو إساءة لما فيها من رونق الجمال والمعنى، كما لا تحتوي على أي قدر من الإيماء والإشارة لإضعاف اليقين بما فيها من قدرة واستعداد للكمال، بقدر ما انه أراد الكشف عن ابسط تجليات الحقيق الأبدي القائلة، بأن عمل الإنسان الحقيقي لا ينتهي إلا بالموت، كما وضعها في إحدى كلماته القائلة: "ما لعمل المؤمن انتهاء دون الموت"[23]. ولا علاقة لهذا التقرير بهذه البديهة التي تتماهى مع ثنائية الوجود والعدم، بقدر ما انه يتسلق عروق الإنسان النابضة لتنسيق سيلان دماءها مع دقات القلب الروحي. لكنه تنسيق يستحيل رفعه إلى مصاف البديهة الروحية ما لم ترتق الإرادة الإنسانية إلى مصاف ما يمكن دعوته بوحي الوجود الحق. كما أنه وحي يستحيل إدراك كنهه والعمل بموجبه دون بلوغ حالة "الاستعداد للموت". فهو الوحيد القادر على جعل الحياة تبرق ببريقها، بوصفها حلقات عابرة في إرادة الخير التام. من هنا مخاطبته الجمهور:"المبادرة! المبادرة! فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله. رحم الله امرؤ نظر إلى نفسه وبكى على عدد ذنوبه"[24]. وأن يدعوهم قائلا:"تصبروا! وتشددوا! فإنما هي أيام قلائل! وإنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى الرجل منكم فيجيب ولا يلتفت. فانتقلوا بصالح ما بحضرتكم"[25]. وذلك لأنه "لا راحة للمؤمن إلا في لقاء الله". وبالتالي لا يعني الموت بهذه الحالة سوى يوم السرور والفرح والعزة والشرف[26]. وليس المقصود بذلك سوى أن الموت هو اللحظة التي تكشف حقيقة الوجود والعدم في المرء، أي ما إذا كان جسدا عابرا أو روحا أبديا. لهذا نراه مرة يجيب على سؤال:

يا أبا سعيد! ألا تغسل قميصك؟

الأمر أعجل من ذلك!

لقد جعل الحسن البصري من الاستعداد للموت شعار المعركة العلمية والعملية القاسية للرقي الروحي. وهو شعار بسيط وعميق بقدر واحد يقوم في أن الموت معقود بنواصي المرء وأن الدنيا تطوى من وراءه[27]. وليس مصادفة أن يقولوا عنه بأن الحديث معه حالما تجلس إليه لا يتعدى غير النار وأمر الآخرة وذكر الموت[28]. وهو تهويل! لكنه يعكس في أعماقه حب الحياة بوصفها مقاساة كبرى واختبارا دائما للشخصية الروحية. وهو موقف حققه الحسن البصري على امتداد حياته المديدة. بحيث نراه يقول لمن زاره قبيل موته:"مرحبا بكم وأهلا! حيّاكم الله بالسلام وأحلنا وإياكم دار المقام! هذه علانية حسنة، إن صبرتم وصدقتم وأيقنتم! فلا يكن حظكم من هذا الخبر رحمكم الله أن تسمعوه بهذه الأذن وتخرجوه من هذه الأذن، فإن من رأى محمد فقد رآه غاديا ورائحا لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة. رحم الله عبدا جعل العيش عيشا واحد فأكل كسرة، ولبس خرقا، ولزق بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وهرب من العقوبة، وابتغى رحمة الله حتى يأتيه اجله وهو على ذلك"[29]. وحقق هذا الموقف تجاه النفس أولا وقبل كل شيء. لكنه بقى في الوقت نفسه وفيا لتقاليد الأسلاف وتجارب الحقيقة. من هنا قوله، بأنه أدرك "قوما كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه، وما يبالون أشرقت الدنيا أم غربت"[30]. وأوصله هذا الإدراك إلى الفكرة القائلة، بأن الدنيا وديعة ينبغي تأديتها لمن ائتمنهم عليها[31]. انطلاقا من "إن الدنيا دار عمل. من صحبها بالنقص لها والزهادة فيها سعد بها ونفعته صحبتها، ومن صحبها على الرغبة فيها والمحبة لها شقي بها وأجحف"[32]. ووضع هذه المقدمة في مطالبته المرء قائلا:"من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره"[33]. لكنه تحد ينبغي توجيهه صوب النفس من خلال العمل بالفكرة القائلة "اكدح لما خلقت له قبل أن تفرّق بك الأمور فيشق عليك اجتماعها"[34]. وبالتالي، فإذا "أصبحت فانتظر الموت! وإذا أمسيت فكن على ذلك"[35]. اذ "لا شيء أفضل من رفض الدنيا"[36]. من هنا تحديده للموقف الفردي والنهائي من الحياة والموت بمطلب ما اسماه بضرورة مصاحبة الدنيا بالجسد ومفارقتها بالقلب. ومن ثم الوقوف ضد التيار العارم للعوام، ألا وهو الزهد بها أكثر كلما أعجب بها أهلها[37]. بحيث نراه يقول في أحد مواقفه الصارمة:"أهينوا الدنيا! فوالله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن أهانها"[38]. بينما نراه يختم موقفه هذا في حالة أخرى مخاطبا بها الإنسان قائلا:"يا ابن آدم! طأ الأرض بقدمك! فإنها عن قليل قبرك"[39]. وهي المفارقة المتسامية للروح الحر في مواجهة إشكاليات الحياة والموت الكبرى، عندما تصبح الأرض ثرى وثريا الفعل الإنساني الحر. إذ تستمد هذه المطابقة مقوماتها من وحي التجربة الأخلاقية وتلقائية أحكامها العلمية والعملية.

إن سيادة الرؤية الأخلاقية ومنظومتها المتغلغلة في آراء الحسن البصري ومواقفه من كل شيء تعكس في مظاهرها انعدام أو ضعف الأخلاق السائدة، وفي باطنها تستجيب لاستلهام العقل الثقافي للأمة الصاعدة في مواجهة إمبراطورية الدولة المستبدة. فقد أدخل الحسن البصري هذه الصيغة الجديدة إلى عالم الثقافة العربية الإسلامية الناشئة. بمعنى رفعها إلى مصاف المنظومة الفكرية وتطوير مفاهيمها بصورة تلقائية تتمثل رحيق ما أسميته بتجارب القرن التأسيسي الأول للخلافة. ذلك يعني أن نقده للواقع لم يقف عند حدود الإدانة ومقارنته بما كان عليه الأسلاف وما ينبغي القيام به، بل عبر تأسيس البدائل في المواقف. بعبارة أخرى، أنه اخذ في استلهام العقل الثقافي للأمة من خلال إخضاع تجاربها إلى امتحان حسي وعقلي، ومن ثم تذوقها الفردي الذاتي. بمعنى رفع رؤيته ومواقفه إلى مستوى الحدس الخالص من شوائب الأوهام والأهواء. ففي موقفه من القرآن على سبيل المثال نسمع يخاطب معاصريه قائل:"إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل وجعلتم الليل جملا. فأنتم تكبونه فتقطعون به مراحله. وإن من كان قبلكم رأوه رسائل أتتهم من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار"[40]. ومنها أستقى موقفه القائل:"تفّقد الحلاوة في ثلاث، فإن وجدتها فابشر وأمض لقصدك، وإن لم تجدها فاعلم أن بابك مغلق عند تلاوة القرآن، وعند الذكر، والسجود"[41].

ولم يعد الإسلام في مواقفه ما هو شائع من نطق اللسان ومستلزماته الظاهرية، بل وحدة ما دعاه الحسن البصري بالسر والعلانية، وإسلام القلب لله، و"أن يسلم منه كل مسلم وكل ذي عهد"[42]. بل انه وقف مرة بعد أن تلا الآية (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، ثم قال "إن الله جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة"[43]. في حين نراه يحدد معالم المسلم من خلال منظومة عقلية واقعية وأخلاقية عملية متسامية، كما في قوله، بأن "من علامات المسلم قوة في دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وعلم في حلم، وكيس في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتجمل في فاقة، وإحسان في قدرة، وتحمل في رفاقة، وصبر في شدة. ولا يغلبه الغضب، ولا تجمح به الحمية، ولا تغلبه شهوة، ولا تفضحه بطنه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نيته، فينصر المظلوم، ويرحم الضعيف. ولا يبخل ولا يبذر ولا يسرف ولا يقتر. يغفر إذا ظلم ويعفو عن الجاهل. نفسه منه في عناء، والناس منه في رخاء"[44].

كما لم يعد المؤمن ما هو متعارف عليه في الصيغ الإسلامية الظاهرية، بل يتعداه إلى الأبعاد السحيقة للموقف الأخلاقي والإنساني والرقي الروحي. من هنا قوله "ما المؤمن الذي يعمل الشهر والشهرين والسنة والسنتين. إنما المؤمن المداوم على أمر الله، الخائف من مكر الله. إنما الإيمان شدة في لين، وعزم في يقين، واجتهاد في صبر، وعلم في زهد"[45]. من هنا إجابته مرة على سؤال:

يا أبا سعيد ما الإيمان؟

الصبر والسماحة!

ما الصبر والسماحة؟

الصبر عن معصية الله، والسماحة بأداء فرائض الله"[46].

بل نراه "يغالي" للدرجة التي أجاب مرة على سؤال وجهوه إليه:

أمؤمن أنت؟

إن شاء الله!

لم تستثني يا أبا سعيد في الإيمان؟

أخاف أن أقول نعم فيقول الله "كذبت يا حسن! فتحق عليّ الكلمة"[47].

إننا نقف هنا أمام تحويل تجارب العقل النظري الإسلامي صوب امتحانها العملي الدائم. ومن خلال ذلك كان يجري توليف الأبعاد الجديد للتجربة الذاتية بوصفها تذوقا خالصا للمعاني ومحكوما بتحقيقها الفعلي المتجدد في الظاهر والباطن. وقد ميز هذا الأسلوب الجوهري الجديد جميع مواقف وآراء الحسن البصري من قضايا الكلام (اللاهوت) حتى أبسط مظاهر الحياة الاجتماعية. ففي موقفه، على سبيل المثال، من الدعاء بالأسماء الإلهية، نستطيع رؤية ما يمكن دعوته بتأسيس سلسلة التراكم الأخلاقي الروحي المثالي، الذي وجد نموذجه في النبي محمد. وهو دعاء، كما تقول بعض الروايات، خلّصه من مكر الحجاج ومحاولاته القضاء عليه ست مرات[48]! وهو الدعاء التالي:"سبحانك لا اله إلا أنت، يا رب كل شيء ووارثه ورازقه وراحمه. يا إله الإلهة الرفيع الجلالة، يا الله المحمود في كل أفعاله، يا رحمن كل شيء وراحمه، يا حي، يا قيوم، يا واحد، يا دائم فلا فناء ولا زوال لمكله، يا صمد من غير تشبيه ولا شيء كمثله، يا بارئ فلا شيء كفؤه ولا مكان لوضعه، يا كبير، أنت الذي لا تهتدي القلوب لوصف عظمته، يا بارئ النفوس بلا مثال خلا من غيره، يا زاكي الطاهر من كل آفة، يا كافي الموسع لما خلق من عطايا فضله، يا نقيا من كل جور، يا حنان (وسعت رحمته كل شيء)، يا منان ذا الإحسان، يا ديان العباد كل يقوم خاضعا، يا خالق، يا رحيم، ويا تام، يا مبدع البدائع، يا علام الغيوب، يا حليم (فلا يعادله شيء من خلقه)، يا معيد ما أفناه،يا حميد الفعال، يا عزيز المنيع الغالب في أمره، يا قاهر، يا قريب المتعالي فوق كل شيء، يا مذل كل جبار، يا نور كل شيء، يا عالي الشامخ فوق كل شيء، يا قدوس الطاهر من كل سوء، يا مبدي البرايا ومعيدها، يا جليل، يا محمود، يا كريم، يا عظيم، يا عجيب فلا تنطق الألسنة بكنه آلائه، يا غياثي عند كل كربة، يا مجيبي عند كل دعوة"[49]. وهو دعاء يحتوي من حيث واقعيته ومكوناته وأسماءه الفعالة في الوعي الباطن صورة الله المتكاملة في محبتها للإنسان، ونفيها لجبروت الأموية الاستبدادي.

إن الوحدة المتكاملة لمحبة الإنسان وكراهة الاستبداد والخروج على منطق الحق والعدالة وجدت تعبيرها المتنوع في مواقفه الفكرية من مختلف القضايا الاجتماعية والأخلاقية، والأهم من ذلك تحقيقها العميق في تجاربه الشخصية. ففي موقفه، على سبيل المثال من "الغلوّ الفكري" نراه يواجهه بغلوّ الحقيقة الرافضة، كما وضعه في عباراته القائلة:"محدثان أحدثا في الإسلام، رجل ذو رأي سوء زعم أن الجنة لمن رأى مثل رأيه، ومترف يعبد الدنيا، لها يغضب، ولها يرضى، وإياها يطلب. فارفضوهما إلى النار!"[50]. ونعثر على نفس الموقف من خلال دفع الفكرة صوب الباطنية المتسامية. فعندما قيل له مرة:

لا نفاق اليوم!

لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطريق"[51].

وهي فكرة، شأن سابقتها تصب في مجرى نحت الحكمة العقلية والأخلاقية الساعية لتوحيد الأنا في مختلف مستويات وتجليات الظاهر والباطن. من هنا قوله في النفاق "إن من النفاق اختلاف اللسان والقلب، والسرّ والعلانية، والمدخل والمخرج"[52]. فقد جرّب هذه الأفكار وحققها على نفسه كما في قوله "والله لأن أكون أعلم إني برئ من النفاق أحب إلي من قلاع الأرض ذهبا"[53]. وكذلك في موقفه من النفس عندما قال "لو أني أعلم إني برئ من النفاق كان أحب إلي مما طلعت عليه الشمس"[54]. وليس مصادفة أن يقول مرة عندما حكوا عن حالة رجل خرج من النار بعد ألف سنة، فبكى وقال "يا ليتني كنت مثل ذلك الرجل"[55]. بمعنى انه وضع إشكالية الأبد، بما في ذلك أوهامها "الجليلة" ضمن سياق معاناته الأخلاقية بوصفه أسلوب التنقية الدائمة للأنا. انطلاقا من أن طريق التنقية والتطهير هو طريق الامتحان الأبدي للأنا في محاولاتها بلوغ حقيقة اليقين. وهو المعنى الذي يمكن تلمسه في قوله "لو لم يذنب المؤمن لكان يطير طيرا، ولكن الله قمعه بالذنوب"[56].

غير أن الإرادة الحرة للإنسان تضعه على الدوام أمام مهمة إدراك الحد القاطع بين الفضيلة والرذيلة، بوصفه الحد الفاصل بين عالمين واتجاهين. إذ بين الإنسان وربه، كما يقول الحسن، "حد من المعاصي معلوما، إذا بلغه العبد طبع على قلبه فلم يوفق بعدها للخير"[57]. وهو الحد الذي لا يعني من الناحية الفعلية سوى عيون الرقابة الأخلاقية الذاتية التي تحاسب النفس والجوارح على كل ما يخالج أعماقها من نية وأفعال. وهي الحالة التي تصورها النادرة المروية عنه، وكيف انه دخل مسجدا ليصلي فيه المغرب، فوجد إمامهم حبيبا العجمي. فلم يصل خلفه لأنه خاف أن يلحن لعجمية في لسانه. فرأى في منام تلك الليلة قائلا يقول له:"لم لم تصل خلفه؟ لو صليت خلفه لغفر الله لك ما تقدم من ذنبك!". وهي نادرة تكشف أولا وقبل كل شيء عن فاعلية النقد الأخلاقي الذاتي والمحاسبة غير الواعية بوصفها الحالة المستبطنة لوعيه العقلي الأخلاقي. من هنا رده في إحدى المرات على أحد الأشخاص الذين أراد الاعتذار منه بسبب سوء تصرفه، قائلا: "لا تعتذر إليّ، وتب إلى ربك"[58]. لقد أراد الحسن البصري هنا دفع الاعتذار الظاهر صوب التربية الباطنية للإرادة والأخلاق استنادا إلى مقوماتها الذاتية. وذلك لأن الاعتذار الظاهر مهما كان شكله ومحتواه ومحدداته لا يمكنه تحرير النفس بصورة حقيقية. وذلك لما في الاعتذار الخارجي من وسوسة فاعلة بالنسبة لخلاص النفس وتحريرها من مسؤولية الموقف الباطني. وهي الفكرة التي جعلت مواقف الحسن البصري تتصف بقدر متجانس من الرؤية الأخلاقية الإنسانية، كما نراها على سبيل المثال في الحوار المقتضب الذي جري بينه وبين معاوية بن قرة. فقد سأله هذا مرة قائلا:

أعود مريضا أحب إليك أو اجلس إلى قاص؟

عد مريضك!

أشيع جنازة أحب إليك أو اجلس إلى قاص؟

شيع جنازتك!

وإن استعان بي رجل في حاجة أعينه أو اجلس إلى قاص؟

اذهب في حاجتك![59]

وتكشف هذه المحاورة بصورة نموذجية مبدأ الحسن البصري في تحدي إشكاليات الحياة بوصفه أسلوبا لبلوغ حقيقة اليقين الأخلاقي. فالسؤال شك واليقين فعل عندما يتعلق الأمر بامتحان الإرادة واختبارها. من هنا جوهرية العمل في منظومته الفكرية والأخلاقية، كما في قوله "فَّضل الفعال على المقال مكرمة، وفَّضل المقال على الفعال منقصة"[60]. وطالب الإنسان بالعمل الدائم باعتباره سرّ "القرب من الله" وبلوغ الكمال الروحي، كما نراه على سبيل المثال في مطالبته الإنسان قائلا:"يا ابن آدم عملك عملك، فإنما هو لحمك ودمك! فانظر على أي حال تلقي عملك. إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها - صدق الحديث، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، ورحمة الضعفاء، وقلة الفخر والخيلاء، وبذل المعروف، وقلة المباهاة للناس، وحسن الخلق، وسعة الصدر مما يقرب إلى الله"[61].

ذلك يعني انه ربط الفضيلة ببلوغ الكمال الروحي. وهو كمال لا طريق إليه غير العمل، بحيث نراه يجعل من العمل ميزان الكينونة الأخلاقية للإنسان، كما في قوله:"لا تحقرن من الخير شيئا وإن هو صغر، ولا تحقرن من الشر شيئا"[62]. ومن هنا أيضا احتقاره للغو الفارغ، أو تحويل الكلام إلى بديل للعمل. إذ تروى عنه الحكاية التالية: دخل الحسن البصري المسجد ومعه فرقد. فقصدوا إلى جنب حلقة يتكلمون. فنصت لحديثهم عندها قال لفرقد:"ما هؤلاء إلا قوم ملوّا العبادة ووجدوا الكلام أهون عليهم، وقلّ ورعهم فتكلموا"[63]. وليس المقصود بذلك نبذ الكلام أو التقليل من أهميته وقيمته، بقدر ما يشير إلى أولوية وجوهرية العمل بالفكرة بوصفها تفكرا باطنيا عقليا أخلاقيا، وأسلوبا للرقي الروحي والحكمة (يتبع....).

 

ميثم الجنابي

.........................

[1] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص228.

[2] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[3] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص131-132.

[4] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص132.

[5] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص132.

[6] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[7] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[8] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[9] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص47.

[10] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[11] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص133.4

[12] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص132.

[13] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص152.

[14] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص133.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص451.

[16] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص228.

[17] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص143.

[18] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 158.

[19] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص155. 

[20] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 148.

[21] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص106.

[22] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 149.

[23] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص90.

[24] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص460.

[25] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص460.

[26] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص465.

[27] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص454.

[28] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص451.

[29] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص460-461.

[30] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص209

[31] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص207.

[32] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص140. 

[33] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص209.

[34]أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 141.

[35] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 142.

[36] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص268.

[37] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 141.

[38] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص210.

[39] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2ص 155.

[40] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص58.

[41] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص285.

[42] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص152.

[43] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص158.

[44] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص166.

[45] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص90.

[46] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص156.

[47] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص122.

[48] إننا نستطيع أن نقرأ وراء هذه الصيغة اللاهوتية الخيالية وأثرها على الوعي الفاعل آنذاك، بعض أبعادها الواقعية، وبالأخص ما يتعلق منها بطبيعة علاقته بالسلطة.

[49] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص171-172.

[50] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص161.

[51] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص123.

[52] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص123.

[53] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص123.

[54] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص234.

[55] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص101.

[56] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص220.

[57] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص185.

[58] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص339.

[59] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص149.

[60] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص156.

[61] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص143.

[62] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص143.

[63] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص157.

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة (18)

إن ما يميز الفكرة الاصلاحية عند محمد عبده ومواقفه االنظرية والعملية منها هو وقوفها أمام مهمة تأسيس باطني لمبدأ البناء الذاتي الشامل، أي أن الإصلاح الحقيقي يفترض استناده إلى مبدأ جوهرية البناء الذاتي الشامل، بوصفه الوجه الآخر لنفي التقليد الداخلي والخارجي، العقلي والاجتماعي، الثقافي والمعرفي. الأمر الذي أعطى للفكرة الإصلاحية بعدها الذاتي التلقائي. وقدّم الكثير من المقارنات بهذا الصدد. ففي مجرى تناوله تاريخ الرقي والتمدن الأوربي الحديث، فإنه كشف عن أن أصول الإصلاح الديني النصراني كانت نتاجا للتأثير الإسلامي الفلسفي والعلمي والثقافي والحياتي، سواء جرى ذلك عبر الحروب الصليبية وبعدها أو من خلال تأثير الحضارة العربية الإسلامية الأندلسية. وقرر هذه الفكرة من خلال الشواهد التاريخية والمعطيات الحسية البسيطة والمباشرة عن عيش الكثير من نخب المجتمع النصراني والناس العاديين بين المسلين فترات زمنية طويلة تأثروا بنمط حياتهم وأفكارهم، أي كل ما شكل الدافع الأساسي لنقد الواقع والخروج من ثقل التقاليد النصرانية المتحجرة. من هنا استنتاجه القائل، بأنه حالما نتأمل النصرانية البروتستانتية، فإننا نرى أغلب آراءها ومبادئها مأخوذة من الإسلام. والاختلاف في العبادات فقط[1].

لقد أراد محمد عبده القول، بأن الفكرة الإصلاحية النصرانية المتطورة التي أثرت بصور كبيرة على عملية التمدن الأوربي ما هي إلا أحد أوجه الإسلام الحقيقي. وضمن هذا السياق طوّع كل موسوعيته في التفسير ورؤيته العقلانية ومواقفه العملية من أجل إبراز حقيقة الإسلام بوصفه دين الإصلاح كما نراها في هذا الكم الهائل من تفسير الآيات[2]. وهو تفسير يختلف و"يشذ" عما كان سائدا، وذلك لنحوه صوب إصلاح الروح والعقل والجسد الفردي والاجتماعي والقومي من خلال مطابقة الفكرة الإصلاحية مع حقيقة الإسلام، أو من خلال جعل الإسلام دين الإصلاح الدائم. من هنا ارتكاز التفسير الذي قدمه لمختلف آيات القرآن وسوره على مبادئ ووحدة العقل والعقلانية والروح الأخلاقي والرؤية الواقعية المتسمة بنزوع إصلاحي شامل. الأمر الذي جعل منه تفسيرا أقرب إلى تفسير "روح المعاني"، ولكن من خلال جعل القرآن أسلوبا لفهم حقائق المعاصرة كما هي. بمعنى تحويل الآيات إلى أسلوب منهجي في فهم إشكاليات الواقع التاريخي. والنظر إليها ليس بعيون التمني الباكية على أطلال الماضي، بل بعيون الرؤية النقدية والواقعية العاملة من أجل تغيير الواقع بوصفه جوهر ومضمون الفكرة الإسلامية. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن التأثير الخفي لتقاليد الروح الصوفي المتسامي وأثر الأفغاني العملي الفعال في جمع هذه المكونات التي تتراءى من خلالها عقلانية الكلام وحنكة الفلاسفة وأدب التصوف الرفيع وأخلاقهم النبيلة.

إننا نعثر في هذا النوع من التفسير على نقل روح التصوف وأخلاقيتهم المتسامية إلى ميدان الرؤية الواقعية والاجتماعية والسياسية ومستقبل الدولة والأمة. بمعنى تنشيط الروح الأخلاقي والعقلي في مواجهة إشكاليات الحاضر من خلال إبداع صورة عملية لما في اجتهاد الغزالي القديم. ووضع هذه الرؤية في المبدأ القائل، بأن "التفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة". ذلك يعني إن المهمة الأولية للتفسير تقوم في إبعاده عن تقاليد الأموات واللاهوت السحري، عبر إرجاعه إلى تيار الحياة وإشكالاتها. لهذا السبب نراه أيضا يقف بالضد من أساليب التأويل الباطني المتطرف. ورفضه لهذا النوع من التأويل الذي وجد انعكاسه فيما ينسب إلى ابن عربي (كتاب تأويل القرآن) مع انه كتاب القاشاني، كما يقول محمد عبده. ومن هنا أيضا فكرته من أن الجوهري بالنسبة له في التفسير ليس "الأحكام العملية" بل "التهذّب ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها ورفعها من حضيض الجهالة إلى أوج المعرفة". لهذا نراه يدعو كل شخص (جاهل وعالم) أن يفهم القرآن بقدر طاقته. ووضع في هذا المبدأ أسلوب ما اسماه بتفسير القرآن بحسب المعنى الأولي، وحسب ما جاء في القرآن نفسه وبما يتوافق مع المعنى في الآية. والغرض من ذلك تحرير الرؤية من ثقل التقاليد المذهبية والحفظ الميت واسترجاع تقاليد الأسلاف، أي البقاء ضمن بطون الكتب المليئة بغبار الماضي.

لقد احتوت هذه الرؤية الإصلاحية على مبدأ دفين يحدد اتجاهها الفعلي ألا وهو أن الأولوية بالنسبة للإصلاح هو إصلاح حال التربية استنادا إلى التقاليد الخاصة[3]. بمعنى أن معاناة الاجتهاد العقلي في مواجهة إشكاليات الوجود التاريخي للفرد والجماعة والمجتمع والدولة والأمة ينبغي أن تقوم عبر تبني الرؤية التربوية الجديدة، التي اعتبرها ضرورية للوجود الإنساني أولا وقبل كل شيء. من هنا فكرته عن "أن الإنسان لا يكون إنسانا إلا بالتربية[4]. ووضع فيها تربية الأصول أو الرجوع إليها، ويقصد بذلك سلوك الأنبياء والمرسلين والحكماء. من هنا فكرته عن انه ليس القوانين الرادعة هي التي تربي الأمم، بل ما اسماه "بنواميس التربية الملّية لكل أمة"[5]، أي التربية المبنية على أساس التقاليد الخاصة، وبصفها الوسيلة الضرورية للتحرر من التقليد. وهذا بدوره الشرط الضروري للاجتهاد الحر والسير في طريق معاناة أو مكابدة نتائجه العملية. وإلا فإن كل ما يجري القيام به سوف لن يؤدي إلى إلا نتائج وآثار مخربة ومدمرة. والقضية ليست فقط في أن هذا النوع من الجهود (التي لا اجتهاد حر فيها) سوف تتحول إلى هباء، بل وكذلك لإمكانية ارتداده بالعكس تماما. من هنا مرجعية الفكرة التي بلورها والقائلة، بأن الأولوية بالنسبة للإصلاح هو إصلاح حال التربية استنادا إلى التقاليد الخاصة[6]. ولم يعن ذلك الانغلاق أمام الآخرين، على العكس. لهذا نراه يقف أيضا إلى جانب نشر المدارس بما في ذلك الأجنبية. بل ولا يمانع من إرسال الأطفال إلى المدارس الدينية للطوائف الأخرى (غير الإسلامية)، ولكن فقط في "حال عدم مبالاتهم بالدين". وهو موقف يعكس بقدر واحد الانفتاح الداخلي والتسامح الخارجي الذي يتفوق على نظيره الأوربي آنذاك أيضا. ولم يكن الحافز وراء هذا الموقف دينيا بقدر ما كان اجتماعيا وثقافيا بحتا. من هنا ربطه إمكانية إرسال الأطفال المسلمين إلى المدارس التبشيرية النصرانية في حال ألا يؤدي ذلك إلى ما اسماه بإثارة خلل وصراع داخل العائلة والمجتمع. غير أن موقفه العام والجوهري هو موقفه الإصلاحي الشامل في ميدان التربية والقائل بضرورة فتح وتوسيع شبكة المدارس الوطنية، لما لها من أثر وفاعلية في تكامل الشخصية الفردية بمعايير انتمائها الديني والقومي الثقافي[7]. وأسس هذا الموقف على رؤيته المتعلقة بأهمية وجوهرية التربية في بناء الإنسان والمجتمع والدولة والأمة. وكتب بهذا الصدد يقول بأنه بدون التربية لا بمكن بلوغ الوحدة والقوة والتقدم وثبات العلوم واستثمارها. على العكس بدونها لا تؤدي حتى العلوم إلا إلى إثارة اللغو والهذيان. وقدّم نماذج عديدة بما في ذلك على مستوى اللغة العادية مثل إيراده كلام الأم لابنها "خذ هذا وأخفه عن الأعين حتى لا يراك أخوك" نموذجا على سوء التربية لما في هذه العبارة من غرس لثلاث خصال مهلكات وهي الأثرة والدناءة والسرقة. ومن هنا أيضا فكرته عن انه لا يمكن بناء جمعية ولا جماعة ولا أمة من الجهلة والجاهلات. وقدم أمثلة من حياته في القضاء حيث وجد ما يقارب 75% من المشاكل التي قضى فيها بأحكام عادة ما تقع بين الأهل والأقارب! وتساءل عما إذا بالإمكان بناء مجتمع على هذا الأساس؟

لقد وجد محمد عبده في انعدام أو ضعف التربية السليمة سرّ الخراب والانحطاط. من هنا تشديده عل أهميتها العلمية والعملية. بل اعتبرها أسلوب بلوغ السعادة. فهو يسير ضمن تقاليد الفلسفة الإسلامية العقلانية التي وجدت في العلم والمعرفة سبب ومقدمات بلوغ السعادة ولكن من خلال نقلها إلى ميدان التنظيم الضروري الذي ينبغي أن تقوم به الدولة والمجتمع والأفراد. وليس مصادفة أن نراه يبحث عن كل صغيرة وكبيرة في مختلف تجارب الأمم، التي تكشف عن دور الفرد والمجتمع المدني والنخبة العاملة من أجل الخير العام والدولة والأمة[8].

انه جعل من التربية مهمة الدولة والمجتمع. وبهذا يكون قد أدرك قيمتها العلمية والعملية الهائلة بالنسبة للإصلاح الشامل. لهذا نراه يعتبر التعليم العام ضروريا. ويشير إلى مسئولية الدولة. فمصر تنفق على التعليم مائتي ألف جنيه بينما ميزانيتها تبلغ 12 مليون[9]. بل ونراه يربط فكرة غنى الأفراد والمجتمع والدولة بمدى انتشار التربية والمدارس فيها. وكتب بهذا الصدد يقول، إن أرض مصر غنية لكنها فقيرة. والسبب يكمن في الإنسان وتربيته. فقر البلاد بقلّة الراشدين وغناها بكثرة المهتدين[10]. من هنا دعوته الأغنياء آنذاك للمساهمة في بناء المدارس والتعليم. فهو ثروة لهم أيضا، مستشهدا بالتجربة الأوربية[11]. والغاية النهائية من وراء كل ذلك تقوم فيما للتربية والتعليم من أثر جوهري في سعادة الأمم. لقد اعتبر الغرض من التعليم وإنشاء المدارس هو تربية العقول والنفوس من أجل نيل كمال السعادة. والمقصود بتربية العقول إخراجها من فساد الرؤية والمعتقدات لكي تبلغ الحالة التي يمكن للمرء التمييز بها بين الخير والشر والصحيح والخطأ، أي بلوغ الحالة التي يصبح فيها العقل نافذا في الحكم على الأشياء، وتحوّل ذلك إلى سجية[12].

وإذا نراه أحيانا يشدد على أهمية التربية الدينية، فإن المقصود بذلك تربية الرؤية الإصلاحية. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه عن وضع ما اسماه بتربية المعتقدات الدينية الصحيحة في أولويات هذه التربية. بمعنى وضعه في أولوياتها ما هو مرتبط بمرحلة الإصلاح الديني والفكرة الإصلاحية، أي "تربية القلوب بما يرضي الخالق، وذلك بشرط عدم خروجها على مكارم الأخلاق"، كما يقول محمد عبده[13]. من هنا تأييده لإجراء وزارة المعارف (نظارة المعارف العمومية) بتعليم العقائد الدينية (التربية الدينية) ولكن بعد ربطها بشروط أساسية وهي أن تكون هذه التربية معنوية حقيقة وليس كعبادة الجاهليين، وملاحظة تعاليم هذه التربية من اجل "ألا تكون محشوة بالتخريف المضادة لحقيقة الدين"[14]. ودفع هذه الفكرة صوب أبعادها النظرية العقائدية عندما تناول قضية إصلاح مناهج التربية. إذ نراه يضع في فكرة تجديد المناهج (حالما تكون جزء من الإصلاح الديني) ضرورة القضاء على الأفكار السيئة مثل الجبرية والمرجئة. ومن ثم المطالبة بالعمل. ولكن من خلال نموذج للتربية دقيق يبدأ بالفقه الباطن، أي تربية الروح الأخلاقي. ثم البقية الباقية على أساس اليسير والسليم، أي المرتبط بالرؤية العقلية الصحيحة[15].

ومن أجل تنفيذ هذه المهمة وضع رؤية عملية تتعلق بتدريس العقائد والحلال والحرام والتاريخ مهمتها جمع الكلمة ونبذ الخلاف. على أن يجري تدريس كل قوم بلغته، بالعربية للعرب وبالتركية للأتراك وهكذا دواليك[16]. كما وضع هذه النماذج المختلفة للدارس الابتدائية ثم المتوسطة وما فوقها، مهمتها في نهاية المطاف أن تأخذ بمنطق الإصلاح والرؤية العقلانية والإنسانية مع البقاء التام والدقيق ضمن معايير التقاليد الإسلامية بوصفها تقاليد ثقافية[17]. وتعدى ذلك إلى مسألة الاهتمام بنوعية الكتب لما لها من أثر بالنسبة لتربية العقول والضمائر. فعندما تناول على سبيل المثال حالة الكتاب آنذاك في مصر نراه يشير إلى وجود أنواع من الكتب دينية تقليدية واسعة الانتشار، وكتب حكمية عقلية فلسفية يصعب الحصول عليها، وكتب الأدب القديمة والحديثة وهي آخذت في الانتشار، وكتب خرافية أو ما يدعوه محمد عبده  بكتب الأكاذيب الصرف مثل عنتر وعبس والظاهر بيبرس وأبو زيد وغيرها، وكتب الخرافات، أي مختلف نماذج الكتب المتعارضة مع العقل من العفاريت وتأثير الأجواء على المصير. ووضع محمد عبده هذه الكتب الأخيرة في مقدمات بقاء وانتعاش التخلف الفكري والروحي والأخلاقي. على عكس ما سعت إليه الدولة من منع الكتب "المضرة بالدين والسياسة"[18]، أي على عكس إدراك الحقيقة التي تكشف عنها وتبرهن تجارب الأمم الراقية في سلم المدنية عما في العلم والتربية من قوة مادية وروحية. لهذا نراه يربط مهمة وإمكانية الدفاع عن الدولة والدين والإنسان بالعلم والتربية، بوصفهما القوى الوحيدة القادرة على مساعدة الأمم في مواجهة التدخل الأجنبي والاحتلال وغيره، انطلاقا من أن "العلم نافع لنا، والجهل مهلك لأرواحنا"[19]. ليس هذا فحسب، بل ونراه يربط بين التمدن الحقيقي ونتائج التربية القائمة على العلم. وليس مصادفة أن يعتبر المعيار الفعلي لحقيقة التمدن هو نمو الثروة العامة. وليس مظاهر البهرجة الزائفة[20]. ولا يكن بلوغ ذلك دون التربية والعلوم وذلك لما لها من أثر جوهري بالنسبة لتنظيم القيم الإنسانية الضرورية بالنسبة لبلوغ السعادة الحقيقية. فعندما يتكلم على سبيل المثال عن فكرة العدالة، فإننا نراه يربطها بالتربية والعلم. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن العلم والعدالة بالنسبة للدولة والأمة "متلازمان في الوجود". والرابط الفعلي بينهما هو العلم. وذلك لأن انتشاره يضيء العقول ويوصل المرء والجماعة إلى أن العدالة والمساواة هما العلة الأولى لسعادة البشر[21].

مما سبق يتضح بأن المبادئ الكبرى المتوحدة في الفكرة الإصلاحية لمحمد عبده كانت نتاجا منطقيا لفلسفته الإصلاحية. بمعنى أنها كانت تحتوي في أعماقها على وحدة التأسيس الأولي لما يمكن دعوته بالعقل الثقافي الذاتي، والروح الثقافي القومي، والفكرة السياسية الإسلامية. بمعنى أنها كانت تحتوي من حيث توجهها العام على تأسيس ثلاثة أبعاد كبرى تعمل من أجل توحيد وعي الذات الثقافي المتحرر من نير التقليد، والوعي الثقافي الذاتي (القومي) والوعي السياسي المبني على فكرة العدالة والحق.

غير أن هذا التوحيد الفكري لم يرتق إلى مصاف الرؤية المنهجية النظرية. بل كان أقرب ما يكون إلى كمية متراكمة من المواقف والأفكار في مجرى تفتح ملامح المبادئ الكبرى للفكرة الإصلاحية الإسلامية عند محمد عبده.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، الطبعة الأولى، دار الشروق، بيروت – القاهرة، 1993،  ج3، ص467-268. وقد كتب أمين الخولي عام 1935 كتابا بعنوان (صلة الإسلام بإصلاح النصرانية).

[2] يمكن الرجوع إلى ذلك في الجزء الرابع والخامس من الأعمال الكاملة لمحمد عبده.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

[4] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص168.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص168.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص60-61.

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، 315.

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص183.

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص45.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص51.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص29.

[13] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص30.

[14] محمد عبده: الأعمال الكاملة،ج3، ص31.

[15] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص80.

[16] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص82.

[17] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص83-91

[18] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص54- 56. 

[19] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص20-21

[20] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، 38-41.

[21] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص24-25.

 

محمد ممدوحظل الموت إلى وقتٍ قريب للغاية فزاعة كبرى لى بمثل ما كان فزاعة لكثيرين .. كان السؤال عن المصير المجهول ملازمًا لى دومًا .. القبر، وماذا بعده؟ والظلمة والظلام والظلمات كلها كلمات ومشتقات قاسية على النفس للغاية .. فما أقسى السؤال ماذا بعد الموت؟ وما أصعب التساؤل ماذا خلف بوابة القبر؟ .. عالم من البرزخ يقطن فى عالم من الغيب، يتلبس بعالم أكثر غيبية، غيب من وراء غيب، يقف أمامه عقل محدود للغاية لا يكاد يُبصر تحت قدميه، لا يكاد يدرك كثيرًا من البديهيات أو يفهم ماورائيات بعض المُسلمات، فأنى له السبيل رشدًا بغيب غاصت فيه الأذهان والأفكار فما خرجت منه بأكثر مما قرآناه فى طفولتنا عن مغارة على بابا والساحر أنطوان.

غذا هذه المخاوف دسائس جهلاء الدعاة الذين صوروا أنفسهم مخلصين أو سفينة النجاة أو مالكى صكوك الغفران، حيث شجاع أقرع ذو ألف ناب، وكل ناب به ألف سن قاطع والسن الواحد يفعل الأفاعيل !! وحيث ظلمات تقبع بعضها خلف بعض أو فوق بعض لا يهُم، المهم أنه عالم ظلامى ظلمانى يتسع لكل مفردات الكلمة ومعانيها ومؤدياتها، عالم لا أمل فيه ألبته .. لا إحسان فيه قط، بل هو عالم الثعابين والنيران والجحيم والعذاب المقيم.

هكذا امتلأ الخطاب الدينى بتلك الصور الشوهاء، وهذا للأسف ما ترسخ فى الأذهان بوعى أو بغير وعى، فلعل العقل الباطن أو اللاشعور قد لعب دورًا كبيرًا فى ترسيخ هذه الصورة بحكم أن الإنسان عدو ما يجهل، والموت هو أعظم ما يجهله الإنسان، ولا سبيل له بإزاحة هذا الجهل إلا بعد القيام بتجربة فعلية، يفقد على إثرها القدرة على النصح أو إرشاد الأحياء إلى الحقائق الغائبة.

وقديمًا اجتهد سقراط حين أصدرت المحكمة الغوغائية عليه حكمًا بالإعدام، فابتسم لقضاته الأكثر جهلاً من عجل السامرى قائلاً : "الموت خير لا شر فيه، فهو إما سياحة فى عالم الآخرة حيث لقاء الأبطال والأنبياء وإما نومٌ لذيد لا ألم فيه ".. العجيب فى هذا القول وتلك الرؤية أن صاحبها قدمها للإنسانية منذ ما يقرب من ثلاثين قرنًا، ومع ذلك لم تحاول البشرية يومًا أن تضع هذه الرؤية كأساس تبنى عليه .. لم تحاول أن تكمل فى هذا الطريق، بل جاءت محاولاتها فى أغلبها سيرًا فى الإتجاه المعاكس والطريق المضاد، فقدموا لنا الموت على أنه الفزّاعة الكبرى التى لا خلاص أبدًا منها.

وباستلهام درب سقراط العقلى والأكثر منطقية يمكننا البناء على أساسه ليصبح الموت لدينا يمثل على الأقل الخلاص من الشك والوصول إلى اليقين المطمئن الذى لا يجزع لشئ، ولا يفرح بشئ، بل يعاين الحقيقة كاملة غير منقوصة...

 يمثل الموت الرحمة المطلقة، الرحمة المخلّصة من عذاب البشر، من ازدواجية المعايير، وتطفيف الموازين بحسب المصلحة، وبخس الحقوق وتضييع معالم القسط وعرج العدالة..

أنظر إلى عينيه، أراه كل صباح والقطط الصغار تلتف حوله .. يسقى أولاً، ثم يداوى الجرحى ثانيًا، ثم يجلس ويكأنه يوجه الشكر والثناء الجميل إلى الله الذى هداه لهذه الإنسانية المجردة .. أبتسم فى نفسى، أسائل ذاتى، إذا كانت هذه الرحمة وتلك الإنسانية المجردة عن أى مصلحة أو نفعية قد اجتمعت فى مخلوقٍ واحد من خلق الله العزيز المقتدر، فكيف بالرحمة التى وزعت على الخلق كلهم، تجدها فى دموعهم رحمة بالمساكين، وفى صيحاتهم وسعيهم على المعوذين، وفى فنائهم فى خدمة البوساء والمرضى و العاجزين، ثم كيف بهذه الرحمات إذا اجتمعت كلها !! وكيف بها إذا كانت جزءًا واحدًا من مائة جزء، ثم هناك إله ادخر لديه تسعًا وتسعين جزءًا، فما عسى أن تكون رحمته .. هذا أحد ما يمثله الموت لى من معانى.

معنى آخر يمثله الموت فى وجهه الآخر ومعناه الأعظم، حيث الصدق النقى الذى لا يشوبه كذب قط .. فكل الأشخاص والأشياء والأنفس تبدو على صفحات مياهها النقية، لا عبث، لا مواربة، لا شئ قط يعوق الرؤية (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (ق22) يُكشف الغطاء .. تُزال الحُجُب كافة، تنقشع الغيوم جميعها .. تُرى الحقائق تسير على أقدام، قد جلاّها الذى يعلم السر وأخفى، وأبدع وصفًا لتلك المكاشفات (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)(الطارق9) ..

يمثل الموت العدل المطلق، فلطالما عانينا استبداد الظالمين، لطالما حبسنا الأنفاس والإحساس، لطالما عجزنا عن إنكار المنكر، لطالما ابتعلنا ألسنتنا عن الأمر بالمعروف، لطالما عانينا الظلم بأنيابه القواطع .. هناك، حيث موازين قسط، عدل مطلق، عدالة قضائية محكمة الأدلة والبينات والشهود، ومن فوق ذلك كله إله قد أحاط بكل شئ علمًا .. لا ظلم ولا مظلمة، فكل شئ يوزن بميزان دقيق يُفصل كل شئ على حقيقته (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء47) (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)) (الزلزلة 7-8)..

هناك، حيث إقامة الميزان الحق الذى صدعت به الفطرة على لسان أبى بكر الصديق "القوى فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوى عندى حتى آخذ الحق له " ستخرس ألسنة الظالمين والمتكبرين والمتغطرسين، ليقع الكل تحت سيف عدالة الله المطلقة، والمجردة، والكاملة.

يمثل الموت الحرية الحقيقية التى تصبو إليها النفس منذ ولدت، فقد ولدنا أحرارًا ولكن الطبقية البغيضة والاستبداديات القاتلة والفساد الماحق حولونا إلى أجراء، حقراء، عبيد، مجرد عبيد فى حياة الأصل فيها الحرية .. والموت بوابة عظمى من بوابات الحرية التى تُعطى عطاءًا ولا تُنتزع نزعًا .. فلن نُدلى برأى بعد الموت فى رحاب الله، ثم يتصل بنا أحد الكائنات ليقول لنا " لقد تخطيتم الحدود والخطوط بكل ألوانها .. لن نخشى السجن على آرائنا، لن نخشى استبدادًا ولا مستبدًا، بل نمنح الحرية الكاملة فى أى طلب، وفى أى رأى، وفى أى مسعى.

هذا ما يمثله الجانب الإيجابى من الموت، المعنى الآخر والوجه المغاير للموت، فإذا كان بهذه الصورة فلا خوف أبدًا منه، بل يصبح ممثلاً للطمأنينة كلها، والأريحية بأوسع معانيها، يصبح الموت أمل، يتحول إلى أمل لكل عاقل يتفكر فيه بهذه الطريقة .. أو ليس خروج السجين من سجنه أمل !! أو ليس إظهار الحقيقة المدفونة والغائبة سنوات وعقود وقرون أمل !! أو ليس تحقيق العدل والقسط والحق مطلبًا تهفو إليه النفوس وتُدفع فى سبيله الأرواح !! أو ليست معاينة تلك الحقائق أمل لفضح الكاذبين والمخادعين والملقة والمأجورين!!

الموت بهذه المعانى أمل، وبالمعنى السقراطى فى السياحة السماوية أمل، وبالمعنى الفيثاغورى فى تناسخ الأرواح كلٌ لشبيهة أمل، وبالمعنى الإلحادى ذاته فى الفناء المطبق والظلام الدامس على الرفاة أمل، فاختر ما تشاء من هذه المعانى، الأهم أن نكتشف الرحاب المغايرة للموت، الوجوه الأخرى التى تقف خلف تلك البوابة العظمى، بوابة الموت.

 

د. محمد ممدوح

 

ميثم الجنابيالشخصية الكبرى بداية ونهاية. وما بينهما صيرورة حرة. وعلى نوعية هذه الصيرورة وحجم حريتها يمكن تحسس وإدراك حقيقة البداية والنهاية، بمعنى يمكن إدراك قيمة الأفعال الأولى في صيرورتها الذاتية، وأثرها اللاحق في كينونة الأجيال والثقافة والفكرة.

وفيما لو طبقا هذه الفكرة العامة على شخصية معروف الكرخي (ت-200 للهجرة)، فإنها تساعدنا في كشف السرّ القائم وراء انتقاله للتصوف، أي السير في "طريق" الحق، وفي خاتمته بوصفه قوة سارية في تاريخ الحقيقية.

فقد مثل معروف بن فيروز (الكرخي) حالة الانتقال الثقافية الكبرى في الخلافة من الأموية إلى العباسية، ونوعية الانتقال الثقافي الذي اخذ يمزج ويخلط ويولف بين أمم وثقافات وفلسفات وأديان مختلفة في ما يمكن دعوته بالثقافة الإمبراطورية، أي الثقافة الكونية المحكومة بالفكر والتفكر. الأمر الذي هذّب فكرة الحرية والاختيار، وجعل من قدرة الإرادة البشرية قدر الحقيقة الإنسانية ومعاناتها. وضمن هذا السياق يمكن فهم اعتناقه للإسلام، وهو من أصول نصرانية، وفي رواية أخرى، صابئية[1]. إذ لا فرق من حيث الجوهر. فسواء اسلم على يد علي بن موسى الرضا، أو تتلمذ عليه كما تتفق اغلب المصادر الصوفية الكبرى[2]، فإن الشيء الجوهري هنا، هو الاختيار الذي لازم انتقال معروف الكرخي صوب التصوف. فالتصوف عابر للأديان من حيث مضمونه الروحي والأخلاقي، كما انه لا صلة له بالمذاهب. وذلك لأنه يتمثل فكرة وحقيقة "انتصاب القلب في طلب الحق". وما عدا ذلك مجرد قشور أو عادات أو تقليد وتقاليد.

فالفكرة الصوفية العامة تقترن في ما تدعوه المتصوفة بتسوية الإرادة بوصفها انتصاب القلب في طلب الحق. ومن ثم فإن قدر المريد هو مصيره، أي تصيره في مسالك البحث عن الحق، بوصفه حقيقة الوجد والوجود. وقد وجد انتقال معروف الكرخي صوب التصوف تعبيره النموذجي والخالص، أي المجرّد عن شبهات التأويل وتخمين العقول، في "المنام"، أي في الرؤية المميزة لتقاليد العصر آنذاك، والتي تجد في عبرة "اللقاء بالله" و"النبي" و"الملائكة" أسلوب التعبير الخالص عن مبدأ الحق. ووجد ذلك تعبيره في ما رواه أحدهم عن كيفية رؤيته لمعروف الكرخي في المنام، فسأله:

ما فعل الله بك؟

غفر لي.

بزهدك وورعك؟

لا بقبول موعظة ابن السماك، ولزوم الفقر، ومحبتي للفقراء.

لقد سمع معروف الكرخي، كما يروي عن نفسه، كيف أن شخصا كوفيا اسمه ابن السماك يلقي موعظة جاء في بعض منها عبارة تقول "من أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة. ومن أقبل على الله بقلبه، أقبل الله برحمته عليه، وأقبل بجميع وجوه الخلق إليه..."[3].

إننا نعثر هنا على الانعطافة الأولى في إرادة معروف الكرخي، بوصفها انتصابا للقلب في طلب الحق (الله). عندها ترك معروف الكرخي، كما يقول عن نفسه، جميع أعماله باستثناء خدمته لعلي بن موسى الرضا. لقد كانت تلك بداية الولادة الروحية لمعروف الكرخي. وما بينها وبين وفاته عام 200 للهجرة (الموافق 815 للميلاد) ترامت حياته بوصفها إبداعا حرا وجد تعبيره التام في أثره المباشر وغير المباشر في صيرورة الجنيد البغدادي، بوصفه الشخصية المحورية الأولى في مسار الفكرة الصوفية، وأحد أساليبها المتميزة في العلم والعمل. فقد كان الجنيد تلميذا للسري السقّطي، بينما الأخير مريدا لمعروف الكرخي[4]. وفي هذه السلسلة الأولية تكمن القيمة التاريخية والروحية الكبرى للكرخي. وليس مصادفة أن يتحول قبره في مقبرة الشونيزية أو مقبرة باب الدير العتيقة على جانب الكرخ من بغداد، إلى مزار للروح والجسد. لهذا قيل عنه انه "من المشايخ الكبار" "مستجاب الدعوة" و"يستشفى بقبره"[5]. بينما كان أهل بغداد يقولون "قبر معروف ترياق مجرّب"[6].

وفيما لو جرى إهمال هذه الخرافة الطبية، فإن معناها الحقيقي يقوم في أن الروح الكامنة في شخصية الكرخي ظلت عطرة في تاريخ بغداد، وذاكرة أهلها. كما أنها ظلت ذكية في عرف التصوف وتقاليد البحث المجرد عن الحقيقة. فقد انتقل الكرخي في الدهاليز المظلمة للوجود من أجل الخروج صوب طريق الحق، بوصفه نور القلب، أو ضوء الضمير الخالص في إخلاصه للحق. لهذا نراه يقول لمن طلب منه قبيل موته أن يوصيه بشيء فقال :"إذا مت فتصدقوا بقميصي، فاني أريد أن اخرج من الدنيا عريانا كما دخلتها عريانا"[7]. وقد كان وصف أبو نعيم الأصفهاني إياه بعبارة "الملهوف إلى المعروف، وعن الفاني مصروف، وبالباقي مشغوف، وللطف مألوف"، دقيقا للغاية. كما صورت التقاليد اللاحقة للخيال الصوفي حالة حياته الدائمة بين أموات الوجود في العبارات التالية:"رأيت كأني دخلت المقابر، فإذا أهل القبور جلوس على قبورهم بين أيديهم الريحان. وإذا أنا بمعروف أبي محفوظ قائما بينهم يذهب ويجيء. فقلت:

أبا محفوظ! ما صنع بك ربك؟ أوليس قد مت؟

بلى!

ثم أنشأ يقول:  

موت التقي حياة لا نفاد لها    قد مات قوم وهم في الناس أحياء

لقد تبلورت شخصية الكرخي بوصفه نموذجا أوليا للفناء والبقاء. بمعنى انه حقق الصيغة العملية للمعرفة القائلة، بأن الحقيقة تكمن في ما هو باق، وما هو زائل عرضة للفناء. ومنهما تبلورت شخصيته المتسمة بقدر هائل من اللطف تجاه الوجود. وضمن هذا السياق يمكن فهم الحوادث والرؤى المتعلقة بشخصيته كما نعثر عليها في ما كتب عنه. مثل أن يقول احدهم، انه رأى رجلا في "سرادق العرش قد شخص بصره ينظر إلى الله لا يطرف". وعندما استفسر من ملائكته قائل:

من هذا؟

معروف الكرخي! عبد الله لا خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنته، بل حبا له[8].

 وفي رواية أخرى، تقول، بأن احدهم رأى معروفا في المنام كأنه تحت العرش، والله يقول لملائكته:

من هذا؟

أنت اعلم يا ربنا

هذا معروف الكرخي! سكر من حبي فلا يفيق (يصحو) إلا بلقائي[9].

لقد تحول معروف الكرخي إلى شخصية كونية وماورائية هي محل المعرفة والإعجاب الإلهي. وحالما يجري إنزالها إلى "تاريخ" الحياة البشرية العادية، فإنها تأخذ بالارتقاء صوب النموذج المنقذ للوجود الإنساني والمغري بروحيته النافعة. إذ نقل عن سفيان بن عيينة استفساره عند بعض أهل بغداد، قائلا:

ما فعل ذلك الحبر الذي فيكم ببغداد؟

من هو؟

أبو محفوظ معروف.

بخير!

لا يزال أهل تلك المدينة بخير ما بقي فيهم.

لقد تحول معروف الكرخي إلى القوة الضرورية لوجود المدن والبشر والحق والحقيقة، كما لو انه الطاقة الضرورية الكامنة في الوجود نفسه. ونعثر على هذه الصيغة في الحكاية التي تروي عن مجيء رجل من الشام إلى معروف الكرخي لكي يسلم عليه. وعندما استفسروا منه عن السبب أجاب: "إني رأيت في المنام يقال لي: اذهب إلى معروف فسلم عليه، فإنه معروف في أهل الأرض، معروف في أهل السماء". 

إن اقتران معروف (الكرخي) بكونه معروفا (بالشهرة) ليس معزولا عن المعرفة التي ميزت شخصيته العلمية والعملية. إذ فيها تنعكس مأثرته التاريخية الأولى بالنسبة للتصوف، كما تنعكس فيها قيمته وأثره بالنسبة للروح الأخلاقي أيضا.

فقد مثل معروف الكرخي نموذجا جديدا للمعرفة يذلل كميتها المستشرية آنذاك بوصفها حفظا وتخزينا للروايات والحكايات. لهذا قيل عنه بأنه "وعى العلم الكثير، فشغلته الوقاية عن الرواية". بعبارة أخرى، لقد تحولت كمية المعرفة إلى نوعية المواجهة للكلمة والعبارة بوصفها معنى ينبغي تحقيقه في العمل. الأمر الذي لازم شخصيته بحيث كان "فزعه من التفكر" دليلا على الغوص في معاناة التأمل الذاتية والعيش بكل دقائقها. لهذا عادة ما كانوا يلاحظون عليه تفكره في المجالس، ثم فزعه وهو يقول "أعوذ بالله"!  

لقد بلغت شخصية معروف الكرخي "الطيران" في خيال الآخرين، للدرجة التي استفسر منه أحد الأشخاص يوما، حسب مزاج المرحلة ونماذج تصوراتها عن اليقين:

بلغني أنك تمشي على الماء!

ما وقع هذا! ولكن إذا هممت بالعبور جمع لي طرفا النهر، فأتخطاه!

لقد أراد معروف الكرخي القول، بأن عبور نهر الوجود أيا كان عمقه ومجراه وخريره ينبغي أن يجري من خلال تخطيه الروحي في أعماق النفس عبر صنع الإرادة المتوحدة. لهذا نراه يقول في إحدى المرات لابن أخته "يا بني! إذا كانت لك إلى الله حاجة فسله بي".

جسّد معروف الكرخي في شخصيته الحياتية حياة الروح المتسامي، أي ذاك الذي ينظر إلى الوجود بمعايير العمل الخارج عن المألوف، أو بمعايير الرؤية الحكيمة، أي تلك التي لا تستخف بسخافات البشر وحماقة الأشرار، بل تنظر إليها بعيون التأسي لنقص العقل وجفاف الضمير. فقد نزل يوماً إلى نهر دجلة يتوضأ ووضع القرآن وملحفة كان يلتحف بها على شاطئ النهر، فجاءت امرأة فأخذتهما. عندها خرج ولحق بها ومسكها قائلا:

أنا معروف لا بأس عليك! ألك ولد يقرأ القرآن؟

لا!

فزوج؟

لا!

فهات المصحف، وخذي الملحفة!

وفي حالة أخرى كان قاعداً على نهر دجلة إذ مر به شباب في زورق، يضربون على الدف ويشربون، عندها قال له أصحابه:

أترى هؤلاء؟ في هذا الماء، يعصون! أدع الله عليهم!

فرفع يديه إلى السماء ثم قال:

إلهي وسيدي! كما أفرحتهم في الدنيا، أسألك أن تفرحهم في الآخرة!

عندها قال له أصحابه:

إنما قلنا لك ادع عليهم!

إذا أفرحهم في الآخرة تاب عليهم في الدنيا. ولم يضركم شيء.

لقد أراد القول، بأن الغضب والنقمة والانتقام ومختلف أشكال الضغينة ليست وسيلة للنجاة والفوز والرقي الأخلاقي، بل على العكس. إن المواقف الايجابية والإنسانية تتمثل حقيقة القيم الأخلاقية الرفيعة. ولم يكن ذلك معزولا عن جوهرية المعرفة والتحرر من ثقل الأشكال المختلفة والمتنوعة للقيم الأخرى مثل الورع والتقية وما شابه ذلك. بمعنى الخروج من مضيق القواعد الأخلاقية العادية إلى فضاء المعرفة المتنورة بقيم الأخلاق المتسامية، أي المهمومة والمتنورة بالوجدان الصادق والخالص. وهذه بدورها ليست إلا فلسفته الحياتية المهمومة بفكرة المعرفة المتسامية. فعندما كان البعض يهدي إليه طيبات الطعام،فإنه يأكل بلا تردد. وعندما قيل له مرة، بأن أخاه بشر لا يأكل مثل هذا، أجاب "إن أخي بشرا قبضه الورع، وأنا بسطتني المعرفة. إنما أنا ضيف في دار مولاي. إن أطعمني أكلت، وإن جوعني صبرت. ما لي والاعتراض والتمييز؟"[10]. ويروى عنه كيف أن أحد معارفه دعاه إلى وليمة، وكان قدامه بعض السياح، فأخذ معروف بيده. فلما رأى السائح تلك الألوان أنكرها وقال:

يا أبا محفوظ! أما ترى ما ها هنا؟

ما أمرتهم بشرائه.

فلما رأى الحلواء قال:

سبحان الله يا أبا محفوظ، أما ترى ما ها هنا؟

ما أمرتهم بصنعته.

فلما رأى مختلف أصناف الحلواء، قال:

أما ترى ما ها هنا!

قد أكثرت علي! أنا عبد مدبر. آكل ما يطعمني، وأنزل حيث ينزلني.

 

وفي رواية أخرى، قال له ابن أخته:

يا خال! أراك تجيب كل من دعاك.

يا بني! خالك ضيف ينزل حيث ينزل.

لقد تبلورت شخصية معروف الكرخي، بأثر دخوله الطريق الصوفي، أي طريق المعرفة الجديدة في التعامل مع إشكاليات الوجود والنفس. وهذا بدوره ليس إلا الفعل الأول الذي يلازم صيرورة الشخصية الصوفية. فالصيرورة الصوفية هي نتاج الدخول في الطريق، والطريق هو بداية صيرورتها الفعلية بوصفها عملية لا تتناهي إلا في الأفعال فقط. وما عداها هو وجدان دائم للوجود. وفي مجراه تتبلور الشخصية وطابعها الفردي، أي كل ما يتراكم في نوعية المعرفة وكيفية تحقيقها الفردي في الظاهر والباطن.

فالباعث الأول في دخول معروف الكرخي للطريق كان يقوم في انتصاب قلبه بطلب الحق عبر تحسس وإدراك وحدس القيمة غير المتناهية في فكرة "الإقبال بالقلب على الوجود". إذ تحول هذا المبدأ إلى أصل العلم والعمل. وعليه بنى مواقفه من كل ما واجهه وتأمله ووقف أمام مهمة اختياره. لقد أدى ذلك، كما هو الحال بالنسبة للتصوف ككل، إلى ما يمكن دعوته ببلورة التماسك الذاتي للشخصية والعمل بمعاييره. بمعنى التعامل مع مختلف مظاهر الوجود بنفسية الهموم الكبرى وذهنية الإخلاص الصادق. وليس مصادفة أن يقول عن نفسه "ما أبالي امرأة رأيت أو حائطا". كما نراه يحدد ماهية وحقيقة الوفاء بعبارة: "إفاقة السرّ عن رقدة الغفلات، وفراغ الهمّ عن فضول الآفات". بمعنى الخروج مما دعته المتصوفة بالتحرر من رق الاغيار، بمعنى التحرر من عبودية الأشياء أيا كانت، والبقاء في نعمة الوجود الحق. من هنا قوله "ليس للعارف نعمة وهو في كل نعمة". مما حدد بدوره موقفه وسلوكه تجاه كل شيء.

ففي الموقف من العمل، اعتبر "طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق"[11].  ووضع ذلك في فكرة جوهرية عام ترتقي إلى مصاف المبدأ المطلق والتي خاطب بها مرة احد أصحاب داود الطائي:"إياك أن تترك العمل، فإن ذلك الذي يقرّبك إلى رضا مولاك". وعندما استفسر منه الرجل:

وما ذلك العمل؟

دوام طاعة ربك، وخدمة المسلمين، والنصيحة لهم[12].

لهذا نراه يجد في ترك العمل أو إرجاعه إلى مجرد اللغو والكلام هو عين الشر والرذيلة. من هنا قوله "إذا أراد الله بعبد خيرا فتح عليه باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل. وإذا أراد الله بعبد شرا، أغلق عنه باب العمل، وفتح عليه باب الجدل"[13].  وليس المقصود بالجدل هنا سوى ما أطلق عليه عبارة كلام الإنسان في ما لا يعنيه. ولم يقصد هو بذلك التنحي والابتعاد عن هموم الآخرين أو الانزواء من أجل النفس. وذلك لأن حقيقة الانزواء والخلوة هي مجرد أسلوب الاقتراب الفعلي من الهموم الكبرى ولكن بعد تنقية القلب من أدران الابتذال، والعمل بمعايير الحق. وهو المعنى الذائب في معارضته للجدل، أي للكلام اللاصق للعاب اللسان وصرير الأسنان، على عكس لسان القلب والوجدان. فالأول سعير وشخير، والثاني تفكير وتحرير للروح والجسد من مغبة التيه في دهاليز العبث بحقائق الوجود. وضع ذلك في عبارة تقول، بأن "كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله".

وفي الموقف من العبادات، نراه يرى حقيقتها بحقيقتها (الباطنة) وليس بمظاهرها أيا كانت. وهو السبب القائم وراء عدم تمسكه بالنوافل. إذ يروي أحدهم عنه قائلا "ما رأيته متنفلا قط إلا يوم جمعة، ركعتين خفيفتين". وعندما ألح عليه أحد الأشخاص لمعرفة كيفية صومه لكي يقارنها بما كانت تقوم به الأنبياء وغيرهم، أجابه بصورة مقتضبة بأنه يصوم الدهر لكنه يأكل حالما يدعوه المرء لذلك. ولا يقول انه صائم. ويروى عنه كيف انه مر بسقّاء يقول "رحم الله من يشرب"، وكان صائما فتقدم فشرب. وعندما قيل له:

ألم تكن صائما؟

بلى! ولكني رجوت دعاءه[14].

بينما نراه يرد على متطفل ألح بسؤاله عليه لمعرفة سبب الأثر على وجه معروف الكرخي، قائلا: "صليت البارحة ومضيت فطفت بالبيت، وجئت لأشرب من زمزم فزلقت فأصاب وجهي هذا"!  

وينطبق ذلك على مواقفه من الدنيا والحياة والموت والقيم والأخلاق والسلطة والفكر والتفكر والحقيقة، بمعنى التعامل معها بروح الإرادة الصادقة والإخلاص للحق. وهو السبب الذي أوصله إلى فكرة تقول، بأنه "ما أكثر الصالحين، وأقل الصادقين في الصالحين". ذلك يعني إن الشخصية الحقيقة هي الصادقة في إخلاصها. مما حدد بدوره كمية ونوعية القيم الايجابية والإنسانية في ذاته، بوصفها البديل الأخلاقي الفعلي لما كان حوله.

وليس مصادفة أن تصبح فكرة التوكل، البؤرة التي تدور حوله ويدور حولها كما لو إنهما من عالم واحد. بمعنى تحول العلم إلى عمل والعمل إلى علم. وفيما بينهما تدور رحى وجده ووجوده استنادا إلى فكرة الحق. وذلك لأن التوكل في الفكرة الصوفية هو بداية ونهاية الرؤية والمواقف والأعمال. وذلك لأن معنى وحقيقة التوكل عند معروف الكرخي هو معرفة الوجود والتعامل معه بمعايير "الانبساط". فعندما ذكروا له مرة انقباض بشر (الحافي) عن الأسباب التي تفتح له، فإنه أجاب قائلا:"أخي بشر قبضه الورع وأنا بسطتني المعرفة"[15]. من هنا قوله "توكل على الله حتى يكون هو معلمك وأنيسك، وموضع شكواك". بمعنى انبساط الروح بمعرفة حقيقة الحق (الله) بوصها القوة الكامنة في الروح والجسد والتي تعطي لهما مناعة الروح ومتانة الجسد الأخلاقي في التعامل مع الحياة ومعاناة معناها.

الأمر الذي حدد موقفه من الحياة والموت ومواجهة إشكاليات الحياة، كما في قوله "ليكن ذكر الموت جليسك لا يفارقك"، و"اعلم أن الشفاء من كل بلاء نزل بك كتمانه، فإن الناس لا ينفعونك ولا يضرونك ولا يمنعونك ولا يعطونك". وليس هذا تقليلا من شأن الجماعة والألفة والحياة الطبيعية، بقدر ما انه يعكس جوهرية التوكل على فكرة الواحد، بوصفه أسلوب تكامل الأنا الفاعلة بمعايير الحق، أي المتحرر في الأفعال والأقوال من العبودية للغير. من هنا فكرته القائلة "توكل على الله حتى يكون هو معلمك وموضع شكواك". مما حدد شخصيته العملية بهذا الصدد. إذ كان معروفا عنه عدم أخذه بالأسباب (الوسائل) إلا عند الحاجة، ويأخذ منه ما لا بد منه. وكان لا يدخر. كما كان قصير الأمل. بحيث لم يكن يأمل بالبقاء من وقت صلاة إلى أخرى، كما ينقل عنه. لهذا كان يقول "إنما أنا ضيف في دار مولاي. إن أطعمني أكلت، وإن أجاعني صبرت حتى يطعمني"[16]. بل يروى انه أقام الصلاة فقال لمحمد بن أبي توبة:

تقدم!

إني إن صليت بكم هذه الصلاة، لم اصل بكم غيرها!

وأنت تحدث نفسك أن تصلي صلاة أخرى؟ نعوذ بالله من طول الأمل، فانه يمنع من خير العمل[17].

وفي حالة أخرى قعد معروف الكرخي على شط الدجلة فتيمم. فقيل له:

الماء قريب منك!

لعلي لا أعيش حتى أبلغه!

 لقد وضع معروف الكرخي فكرة التوكل بوصفها مناعة الروح ومتانة الجسد الأخلاقية في صلب نموذجه الشخصي المحكوم بانبساط القلب بالمعرفة، بمعنى إدراك حقائق الوجود كما هي بمعايير انبساط القلب في التعامل مع الوجود. ووضع هذه الفكرة في عبارة تقول، إن "من كابر الله صرعه، ومن نازعه قمعه، ومن ماكره خدعه، ومن توكل عليه منعه، ومن تواضع له رفعه"[18]. وضمن هذا السياق يمكن فهم حقيقة دعاءه القائل: "اللهم لا تجعلنا بين الناس مغرورين، ولا بالستر مفتونين، اجعلنا ممن يؤمن بلقائك، ويرضى بقضائك، ويقنع بعطائك، ويخشاك حق خشيتك". بمعنى تحرير الروح والجسد، والظاهر والباطن بمعايير الخشية التامة.

إن تكامل الروح والجسد بمعايير الخشية التامة وتحوله إلى "قواعد" السلوك العملي يعني تحريرهما من كل ما لا صلة جوهرية له بالحقيقة بوصفها إخلاصا ذاتيا، أي متحررا من اغيار لا قيمة لها بذاتها. فقد نظر إلى السخاء، على سبيل المثال، باعتباره "إيثار ما يحتاج إليه عند الإعسار". وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه "الخشن" من الحياة عندما حددها بعبارة تقول "الدنيا أربعة أشياء: المال والكلام والمنام والطعام. فالمال يطغي، والكلام يلهي، والمنام ينسي، والطعام يسقي". وليس المقصود بذلك نفي هذه المكونات أو إزالتها من الوجود، بقدر ما تفترض الوحدة التامة للروح والجسد بمعايير الخشية الذاتية، بوصفها نفيها لكل ما يمكنه أن يكون مصدرا للطغيان واللهو والنسيان. إذ ليس هناك من تسخيف أشد لحقيقة الإنسان من أن يكون وعاءا أو إناء للطغيان واللهو والنسيان. إذ لا تتعدى الدنيا أن تكون بهذه المقاييس أكثر من "قدر تغلي وكنيف يرمي" كما يقول معروف الكرخي. من هنا رؤيته البديلة القائلة، بأن "الله يقول أحب عبادي إلي المساكين، الذين سمعوا قولي، وأطاعوا أمري، ومن كرامتهم علي أن لا أعطيهم دنيا فيقبلوا عن طاعتي"، أي أولئك الذين يسمعون صوت الحقيقة كما هي ويعملون بما فيها بوصفهم كرماء الوجود الحق، أي أولئك الذين يشكل وجودهم الظاهري والباطني حقيقة المعنى الإنساني، بوصفه عطاء دائما وكرما أبديا. إذ الكريم من يكرم الوجود بما فيه. وقد جسّد ذلك بموقف رمزي عندما مر بطريق ملقى عليه خشبة فمشى عليها، فقيل له :

ما أردت بذاك؟

مشيت عليها لئلا يخرج صاحبها!

بمعنى أن الخشبة هي وجود ميت، وأن هذا الميت خشبة الطريق لا غير. ولا معنى لخروجه من جديد. لقد اندثر بوصفه النتيجة المحتومة للطغيان واللهو والنسيان. أما الخروج من هذه الحالة إلى حيز الوجود الحقيقي فيفترض تنقية القلب من أدران الرذيلة. ولن يتم هذا إلا "بإخراج الدنيا من القلب". فعندما سألوه مرة:

بم تخرج الدنيا من القلب؟

بصفاء الود، وحسن المعاملة.

ولا يتم بلوغ هذه الحالة دون بلوغ الوحدة الحية في النفس، أو ما أطلقت عليه عبارة مناعة الروح ومتانة الجسد الأخلاقي. لهذا نراه يحدد "علامة الأولياء" بثلاث وهي همومهم لله، وشغلهم فيه، وفرارهم إليه. بمعنى وحدة الهمّ والعمل بموجبه والاستماع إلى ما فيه دوما بوصفها حقيقة الولاية. فالولاية ليست شيئا ما غير الإرادة الحية في مساعيها صوب الوحدة المهمومة بالهموم الكبرى. من هنا يمكن فهم تحديده للابدال، أي للشخصية الصوفية الأكثر رقيا وعلوا في الوجود، من خلال ربطها بمساعيها لإصلاح الأمة والإفراج عن مصاعبها والعمل من اجل رحمتها. فقد قال بهذا الصدد "من قال في كل يوم عشر مرات: اللهم أصلح أمة محمد، اللهم فرّج عن أمة محمد، اللهم ارحم أمة محمد، كتب من الأبدال". بعبارة أخرى، إذا كان الدعاء الدائم لإصلاح الأمة والفرج عنها ورحمتها ترفع المرء إلى مصاف الابدال، فإن البدل الحقيقي هو من يفعل ذلك. مع انه لا خلاف بينهما بالنسبة للكرخي. وذلك لأن القول عمل. الأمر الذي جعله يغيب ويتوارى بمقاييس الحياة العادية، بل يغترب اغترابا كليا عما هو سائد فيها من قيم وأقدار ومفاهيم، ويبقى في الوقت نفسه ضمن معايير العقل الأخلاقي المتسامي. ويتجلى ذلك بوضوح في موقفه من السلطة والمال. فقد كان يقول عند ذكر السلطان:"اللهم لا ترنا وجه من لا تحب النظر إليهم". أما موقفه من المال، فإنه يترامى بين العبث الظاهري والجود الباطني. إذ أتاه مرة رجل بعشرة دنانير، فمر سائل يبكي، فناوله إياها. ثم قال "يا نفس كم تبكين؟ أخلصي تخلصي!". كما يروى عنه الحادثة الطريفة التالية: قال له أحدهم مرة:

يا معروف! لو قعدت على الدقيق لأمضي في حاجة

بشرط أن لا أمنع سائلا!

نعم!

 وقد كان الرجل يظن أن معروف يمكنه أن يعطي أقدار معقولة للسائلين. لكنه حالما رجع فانه رآه قد تصدق بشيء كثير جدا. حينها احمرت وجنتي الرجل. وحالما شاهد معروف ذلك قال له:

لست عائدا إلى هذا الموضع!

 فعندها تقدم صاحب المحل إلى الصندوق فإذا هو فارغ بلا دراهم!

لقد أراد معروف الكرخي القول، بأن المال الحقيقي هو ميل القلب صوب النفس عبر تحريرها من بكاء النفس والعين، وغضب النفس على كمية الدقيق والدراهم. ومن ثم القول، بأن الامتلاء الحقيقي للإنسان يقوم في امتلاء إرادته بالخير. فهو الأسلوب الأمثل للامتلاء الفعلي للوجود الإنساني. وما عدا ذلك مجرد فراغ وتفريغ. من هنا يمكن تحسس وإدراك المعنى العميق في مفارقة تحيته لأولئك الذين زاروه مرة. فقد خاطبهم قائلا:

السلام عليكم ورحمة الله

وعليك السلام.

حياكم الله بالسلام، ونعمنا وإياكم في الدنيا بالأحزان!

لقد جعل من أحزان الوجود نعمة، وذلك لأنها محك ومعيار حياة القلب. إذ أن المواقف الحية في مواجهة الخلل والخراب والرذيلة، عادة ما تبكي القلب وتجعله حزينا. ومن ثم تنقيه أمام مصاعب الوجود العابر، إضافة إلى إثارة دهشته المعرفية أمام مصائب الكون الأبدية.

***

ا. د. ميثم الجنابي

...............................

[1] السلمي:طبقات الصوفية ص 76.

[2] القشيري: الرسالة القشيرية، ص9.

[3] القشيري: الرسالة، ص9-10.

[4] القشيري: الرسالة ص9.

[5]  القشيري: الرسالة، ص9.

[6] القشيري: الرسالة، ص9.

[7] القشيري: الرسالة، ص10.

[8] أبو طالب المكي: قوت القلوب ج2 ص56.

[9]ابن خلكان:  وفيات الأعيان، ج5، ص232

[10]  الغزالي: الإحياء، ج3، ص97.

[11] السلمي: طبقات الصوفية، ص78.

[12] القشيري: الرسالة، ص9.

[13] السلمي: طبقات الصوفية، ص76.

[14] القشيري: الرسالة، ص10.

[15]  أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج2 ص19.

[16] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج2 ص19

[17]  الغزالي: الإحياء، ج4، ص456

[18] الذهبي: سير أعلام النبلاء، ص342.

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الفكرة الاصلاحية الاسلامية (16)

إن نفي النظام الموجود بالنظام الواجب أو الاستبداد بالحرية، هو الذي حدد بدوره نفي الأمة الموجودة (الإسلامية) بالأمة الواجبة (القومية). فقد كانت الأمة الموجودة مزيجا مفتعلا للإسلام والتركية، أي لم تكن أمة الإسلام أو الأمة الإسلامية في الواقع سوى أمة الاستبداد التركي. وهي النتيجة التي أخذت تتعمق في آراء الكواكبي منذ بواكير نشاطه الفكري والسياسي. مما أدى في مجرى تطوره إلى بلورة وصياغة مبادئ وعي الذات العربي. ونعثر على الملامح الظاهرية لهذا التأسيس في انتشار رموز العربية في تعبيره وآرائه. فهو يضع لكتابه الأول تسمية (أم القرى) ويقترحه في الوقت نفسه لأن يكون اسم الجمعية نفسها[1]. ويشير إلى انه ربط مساعيه الأولى لإخراج المسلمين من حالة الفتن بعقد مجالس الجمعية في مكة مهد الهداية. وانه حّظر لذلك بعد زيارة أمهات البلاد العربية[2]. تعكس هذه الإشارة الظاهرية عن الاتجاه الجديد لصيرورة وعي الذات العربي باعتباره بديلا للتركية. فالتركية بالنسبة له ليست إسلامية بالمعنى الدقيق للكلمة، وذلك لأنها فقدت حقيقتها الإسلامية منذ أمد بعيد. بل ودفعه ذلك في حمية الهجوم الأيديولوجي السياسي إلى أن ينتزع عن الأتراك مضمون ومعنى الإسلام الحقيقي منذ بداية اعتناقهم إياه. وليس مصادفة أن يقول الكواكبي، بأن المؤرخين العرب وغيرهم دعوهم بالاروام (أهل الروم) كناية عن الريبة في إسلامهم. لأنهم لم يخدموا الإسلام بغير إقامة بعض الجوامع[3].

لقد صاغ الكواكبي هذه الأفكار تحت ثقل ما اسماه بالضرورة الدينية التي تلزمه قول الحقيقة كما هي. أما من حيث طابعها الواقعي وغاياتها الفعلية، فقد كانت تتضمن نفي الاستبداد العثماني وتحرير العالم العربي منه. وبغض النظر عن الصياغة الأيديولوجية القاسية أحيانا في مواقفه من إسلامية الأتراك، إلا أنها دقيقة ضمن وحدة الكلّ الإسلامي. بمعنى نتائجها المباشرة التي أدت إلى اضمحلال الكيان الثقافي الإسلامي. أما في العالم العربي فقد ظهرت نتائجها المباشرة في اضمحلال الكينونة الثقافية العربية ونظام وجودها السياسي المستقل. وهي الحالة التي حاول الكشف عن مظاهرها العديدة بما في ذلك في مجال الخطاب العادي. فهو يشير إلى أن الأتراك العثمانيين لم يستعربوا ولم يستتركوا العرب. ولم يجد في ذلك شيئا غير ما اسماه بشديد بغضهم للعرب، كما تدل على ذلك كلماتهم عن العرب ومعانيها السيئة، مثل "عرب الحجاز" بمعنى العرب الشحاذين، و"المصريين" بمعنى الفلاحين الأجلاف، بينما وجدت نظرتهم إلى الشام انعكاسها في عبارات عديدة مثل "دع الشام وسكرياتها ولا تر وجوه العرب"!! أما ألفاظهم مثل (بس عرب) وتعني عربي قذر و(عرب عقلي) بمعنى عقل عربي صغير، و(عرب طبيعيتي) بمعنى ذوق عربي فاسد وما إلى ذلك على أنها أدلة إضافية على مواقفهم هذه. وقد كان الكواكبي يدرك دون شك مهزلة العبارات العربية المقلوبة في لفظها التركي. وكان في موقفه هذا شأن الأفغاني الذي عمل على إيقاف ما يسمى بتغليب اللغة التركية على العربية، والمطالبة بعكسها، أي جعل العربية لغة المسلمين الثقافية العامة. فقد قال الأفغاني بهذا الصدد مرة، بأنه في حالة إزالة الكلمات العربية والفارسية عن اللغة التركية، فإن ما تبقى فيها لا يكفي إلا لِسَوْق الحمير!! لكنه وضع هذه العلاقة في إطارها التاريخي المعقول، باعتبار أن كفاءة الأمم ووجودها التاريخي لا يقاس بلغاتها، بل بكيفية وجودها الثقافي. من هنا موقف الكواكبي النقدي تجاه هذه الظاهرة السيئة بحد ذاتها. لهذا اكتفى بالرد على عبارات الأتراك السيئة، كما يقول، بكلمة وجيزة متداولة بين عرب مرحلته، من أن "ثلاث خلقن للجور والفساد: القمل والأتراك والجراد!"، أي أن ما كان يشغله وراء هذا العداء الواقعي هو واقع الجور والفساد. مما ألزمه إعادة النظر بالمقدمات التاريخية والثقافية والسياسية لهذا الواقع. أما الوجه الآخر لهذا الموقف فقد كان يحتوي على البحث عن مقدمات الاستقلال العربي والتأسيس له في الوقت نفسه. وليس مصادفة أن يربط آماله في (طبائع الاستبداد) بما اسماه بالناشئة العربية المباركة الأبية، المعقود آمال الأمة بيمين نواصيهم[4].

فمن الناحية التاريخية، لم يكن تقهقر الإسلام وتكلسه في نظام الاستبداد، حسب رؤية الكواكبي، سوى النتيجة الملازمة لاضمحلال البؤرة العربية في الخلافة. وإذا كانت هذه الصياغة لا تتضمن بحد ذاتها ولا تتطابق بالضرورة مع مضمون النزعة القومية، فإنها مهّدت مع ذلك  في آرائه للفكرة القائلة بضرورة الإصلاح المعقول، باعتباره طريقا لبلوغ الاستقلال. فقد توصل الكواكبي إلى استنتاج مفاده بأن السيطرة التركية قد فقدت مبرر وجودها الإسلامي والثقافي، وتصيرها اللاحق في كيان استبدادي سياسي وقومي. من هنا فكرته عن دور العرب التاريخي في الإسلام.

فقد كان التأسيس النظري لمكانة الوجود العربي بوصفه بؤرة جوهرية في التاريخ الإسلامي هو الصيغة السياسية والثقافية لضرورة الاستقلال القومي. وبهذا لم تكن أوهام الكواكبي عن مثالية عرب الجزيرة سوى معنى التشبث بمثالية الاستقلال وضرورته. إذ لم يكن تحديد الكواكبي "لخلاصة العرب" في الجزيرة سوى ما يتطابق في ذهنه ومشاعره وحوافز نزوعه السياسي مع الكينونة المستقلة للعرب. وحالما يجري توضيح المعنى الكامن في هذه الفكرة على مثال التاريخ الواقعي، فإنه يجد في رقيه الثقافي تحقيقا عمليا لها. وكتب الكواكبي بهذا الصدد يقول، بأن التطور الثقافي لعالم الإسلام قد جرى في المراحل التي تعرّبت فيها الأقوام الإسلامية "مثل استعراب آل بويه والسلاجقة والأيوبيين والغوريين والجراكسة وآل محمد علي باشا"[5]. ووجد في هذه الظاهرة تأكيدا تاريخيا عما اسماه بقيمة العربية الثقافية وليست العرقية في عالم الإسلام، وقيمة القومية الثقافية بالنسبة لوعي الذات السياسي. مما يعني ضرورة هذه العربية الدائمة بالنسبة للنهضة الإسلامية والقومية.

لهذا وضع العرب في خطته العامة عن الاتحاد والعمل الإسلامي المشترك في موقع "الروح" الفاعل في جسد الأمة (الإسلامية). وأعطى للأتراك العثمانيين مهمة حفظ الحياة السياسية الخارجية، وللمصريين حفظ الحياة المدنية، وللأفغان والترك والخزر والقوقاز ومراكش وإمارات أفريقيا مهمة الجندية، ولإيران وأواسط آسيا والهند حفظ الحياة العلمية والاقتصادية[6]. وإذا كانت هذه الصيغة تشير من الناحية الظاهرية إلى البقاء ضمن اطر الجمعية الإسلامية، فإن مضمونها الفعلي يسير باتجاه رابطة أممية من طراز حديث ينفي تاريخ وواقع السيطرة التركية العثمانية بوصفها تخريبا لمعنى الكل الإسلامي القومي والثقافي[7]. ووضع هذه الفكرة استنادا إلى إدراك الأولويات العقلانية السياسية والإصلاحية الإسلامية، بوصفها نزوعا سياسيا للتحرر والوحدة. إذ لم تكن الجزيرة العربية هنا سوى نموذج المثال التاريخي باعتبارها مهد المرجعية الروحية للكلّ العربي والإسلامي. مما حدد بدوره رؤية ما اسماه بخصال العرب وتمييزهم لكي يحتلوا مكانهم المناسب لهم في الكلّ الإسلامي. فهو يشير في قانون جمعية أم القرى إلى أن "الكفاءة لإزالة الفتور بالتدرج موجودة في العرب خاصة"[8]. وربط ذلك أساسا بفضيلة أو صفة الاعتدال الموروثة عندهم بأثر الحصيلة العامة للثقافة الإسلامية.

أما الوجه الآخر لهذه الكفاءة فيقوم في استبطانها الخفي لفكرة وجوب الدولة والقومية الحديثة، أي النفي الشامل للفكرة العثمانية الاستبدادية. لاسيما وأن لهذه الكفاءة تاريخها الثقافي الخاص بوصفه جوهر الثقافة الإسلامية ككل. من هنا ربطه لما اسماه بالنهضة الدينية وآمالها بالجزيرة العربية وما يليها[9]. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن ربطه لهذا النهضة بالعرب لم يكن وليس تعصبا، بل لخصال معينة فيهم حصرها في كون جزيرة العرب هي مشرق النور الإسلامي، ووجود الكعبة فيها، وأنها أنسب المواقع لأن تكون مركز السياسة الدينية، وأنها أسلم الأقاليم من الأخلاط الجنسية والدينية والمذهبية، وأنها تحوي على المسجد النبوي، وأنها أبعد الأقاليم من مجاورة الأجانب، وأنها أفضل الأراضي للأحرار، وعرب الجزيرة هم مؤسسو الجامعة الإسلامية، ولاستحكام التخلق بالدين فيهم، وأنهم أعلم المسلمين بقواعد الدين، وأكثرهم حرصا على حفظه، ولم يزل الدين عندهم حنيفا سلفيا، وأنهم أقوى المسلمين عصبية له، وأمراؤهم جامعون بين شرف الآباء والأمهات والزوجات، وأنهم أقدم الأمم مدنية، وأقدمهم على تحمل مشقة العيش، وأحفظ الأقوام على جنسيتهم وعاداتهم، وأحرص الأمم على الحرية، وأن لغتهم أغنى لغات المسلمين (بالقرآن)، وأنها اللغة العمومية بين المسلمين، وأنهم أقدم الأمم إتباعا لأصول الشورى في الشؤون العمومية، وأهدى الأمم لأصول المعيشة الاشتراكية، وأحرص الأمم على احترام العهود والذمة الإنسانية. وبمجموعها هي الصفات التي تجعلهم أنسب الأقوام، كما يستنتج الكواكبي، لأن يكونوا مرجعا في الدين وقدوة للمسلمين[10].

إن هذا التصوير المكثف والعام لخصال العرب المؤهلة لهم لأن يكونوا مرجعا في الدين وقدوة للمسلمين تكشف عما في آرائه من تجانس داخلي في رؤية القومية القادرة على التمام، باعتبارها نفيا واجبا للأمة الموجودة. لقد جمع المكونات التاريخية والثقافية (الإسلامية) والجغرافية والإستراتيجية، والقومية الدينية، والسياسية والحضارية في كل واحد، من اجل كشف قيمة العروبة في الكل الإسلامي، ونموذجها المثالي باعتباره البديل الواقعي لأفول السيطرة الاستبدادية العثمانية. وهو الحافز المتلألئ في تشديده على خصال امتلاك العرب لتقاليد السياسة المعتدلة في ما اسماه بإتباع الأصول في تساوي الحقوق وأصول الشورى والمعيشة الاشتراكية. إذ تعبر هذه الصيغة المثالية عن قيمة الاعتدال باعتباره البؤرة الحاوية في ذاتها لعقلانية الرؤية وإصلاحية المنهج. وإذا كانت هذه الصياغة العامة تتمحور في إطار الكينونة الفاعلة للجمعية الإسلامية، فإنها تسير من حيث حيثيات تجسيدها السياسي المحتمل صوب إعادة بناء الدولة الجديدة بما يتوافق مع عناصرها السياسية والثقافية الحديثة، أي مشروع الوحدة السياسية والقومية الحديثة. وهو أمر جلي في آرائه عن الخلافة. فهو لم يحصر رؤيته عن الخلافة والخليفة ضمن تقاليد الكلام والفقه واللاهوت التقليدي، بل وجهها صوب ما اسماه بضرورة تطابق الأخلاق بين الرعية والرعاة. من هنا إشارته إلى أن أحد الأسباب الكبرى القائمة وراء انهيار الدولة العثمانية هو أن السلطة فيها كرأس جمل على جسم ثور، أو بالعكس. بينما الأمة تعتبر رئيسها رأسها، فتتفانى دون حفظه ودون حكم نفسها بنفسها كما قال المتنبي:

إنما الناس بالملوك، وهل     يفلح عرب ملوكها عجم[11]

ولا يعني ذلك سوى دعوة الكواكبي لضرورة التجانس الكامل في وعي الذات القومي والسياسي، أي كل ما حصل على تعبيره في فكرته عن ضرورة حكم الأمة بنفسها، باعتباره الهدف الذي ينبغي أن يتحول في مجرى ارتقاء الأمم إلى بديهية من بديهياتها السياسية. ولم تعن هذه البديهية السياسية في إصلاحية الكواكبي سوى صياغة الوحدة السياسية القومية، والقومية الثقافية الجديدة. من هنا جوابه على انه لا معنى للرد على أولئك الذين يمكنهم شم رائحة التعصب للعرب في هجومه على العثمانيين، لأن العثمانيين لا يعنون بالإسلام والعرب، وأنهم دمروا كل ما بناه العرب إضافة إلى إفنائهم الأمة (الإسلامية)، وانه في آرائه "غير متعصب للعرب، وإنما يرى ما لا بد أن يراه كل مدقق يتفحص الأمر"[12]. لهذا وضع في خطابه الحماسي في نهاية (طبائع الاستبداد) دعوته المباشرة بكلمة (يا قوم …) مؤكدا على انه لا يقصد بها سوى "الناطقين بالضاد من غير المسلمين للعمل سوية وترك الأحقاد"[13]. بمعنى دعوته للارتفاع عن حضيض الخلافات الدينية والمذهبية والطائفية باسم الانتماء القومي. ووجدت هذه الصيغة تعبيرها الصريح والبليغ في خطابه القائل: "يا قوم، واعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين… ادعوكم إلى تناسي الأحقاد… فهذه أمم اوستريا (النمسا) وأمريكا قد هداها العلم الطرائق شتى وأصول راسخة للاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي (القومي) دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري. فما بالنا نحن لا نفتكر في أن نتبع إحدى تلك الطرق أو شبهها"[14]. ولا يعني الاتحاد الوطني والوفاق الجنسي (القومي) والارتباط السياسي هنا سوى البديل الأكثر عقلانية ودنيوية في فلسفته الإصلاحية. أما النتيجة المنطقية المتربة على كل ذلك فيمكن العثور عليها في ما يمكن دعوته بتأسيس منظومة وعي الذات العربي السياسي عند الكواكبي.

إن التركيز على أهمية الاتحاد الوطني والوفاق القومي والارتباط السياسي يعكس رؤية الأولويات السياسية في مشروع الكواكبي المناهض للاستبداد العثماني. انه أعطى لأولويات السياسة صيغة الأسلوب المناسب لإعادة بناء الكينونة العربية في وجودها الدولتي والاجتماعي والثقافي. وبهذا يكون قد تجاوز الصيغ العمومية عند الأفغاني عن مساواة الجميع باسم المبادئ الإسلامية العليا. من هنا إعادة النظر النقدية عند الكواكبي تجاه واقع الخلافة (الدولة) العثمانية ودعوته بأثر ذلك لإبراز قيمة الوحدة العضوية بين التاريخ والوعي القومي بالنسبة لوعي الذات السياسي. ولم تعن هذه الوحدة العضوية بين التاريخ والوعي القومي عند سوى الصيغة الثقافية لصيرورة عناصر المركزية العربية وإعادة بناء دولتها الخاصة. ومن هنا حماسه وحميته في إعادة النظر بتاريخ الدولة (الإسلامية) وخلافاتها. ففي هذه الأخيرة تكمن عناصر المركزية العربية للتاريخ الإسلامي. غير أن الكواكبي لم يسع من وراء ذلك وضعها في إطار الاستعلاء القومي، بل في إطار إعادة الكينونة العربية الثقافية أي إعادة بناء التاريخ العربي السياسي في دولته المستقلة.

وبهذا المعنى شكلت جوهرية الخلافة في مشروع النهضة عنده الصيغة المناسبة لبعث الكيان العربي المستقل. من هنا ظاهرها العام في فكرة الانتماء الثقافي الإسلامي، وباطنها الخاص في الأبعاد السياسية القومية. فهو يشير إلى أن حديثه عن الخلافة هنا، يجري في إطار صفتها الدينية فقط. أما في قواعدها فقد أكد على أن يكون حكم الخليفة وسياسته مقصورا على الحجاز ومربوطا بشورى خاصة حجازية. وإن هذه الشورى مهمتها السياسة الدينية فقط. أما مهام الخليفة فمقصورة في الأغلب على إبلاغ قرارات الشورى ومراقبة تنفيذها. ولا يحق له التدخل في الشؤون السياسية والإدارية في السلطنات والإمارات، ويصادق على توليات السلاطين والأمراء. وينطبق هذا بالقدر ذاته على صيغة عمل هيئة الشورى المكونة حسب اقتراح الكواكبي من مائة شخص، ينتخبون، كما هو الحال بالنسب للخليفة، كل ثلاث سنوات[15]. إننا نقف هنا أمام هيئة خاصة وخلافة جديدة مهمتها الحفاظ على استمرار الروح الإسلامي في أحد معالمه الرمزية الكبرى. وفي الوقت نفسه يحتوي هذا النزوع الروحي على أبعاد سياسية جديدة، تتطابق وسائله وغاياته مع فكرة عزل السلطة الدينية عن الدنيوية، وربطهما برباط العروة الثقافية. من هنا انتقاده اللاذع لمن اسماهم بالغشاشين، الذين حاولوا البرهنة على أهلية السلطة العثمانية للخلافة من خلال إرجاع نسبتهم لعثمان وقريش[16]. وتضمن هذا الانتقاد في ذاته على شحن وعي الذات السياسي من خلال إعادة المرجعية الروحية للإسلام الثقافي في الخلافة، وإحيائها من خلال ربطها بالمركزية الجديدة للعرب. من هنا مظهر السلفية العقائدية في مواقفه من الخلافة، وبالأخص ما يتعلق منها بضرورة أن يكون الخليفة عربيا قرشيا مستجمعا للشرائط في مكة، وأن تكون هيئة الشورى الخاصة مكونة من أعضاء تحتوي على ممثلين من جميع الإمارات الإسلامية[17]. إلا أن المعنى الواقعي لهذه السلفية يقوم في تمثله السياسي لاستمرار الإسلام الثقافي في بناء وعي الذات السياسي العربي. إذ لم تعن مرجعية الخلافة في العرب، سوى مرجعية العرب في الخلافة. أما التوليف السياسي الممكن لهذه العلاقة الخفية في آرائه فهي استمرار وربط لمرجعية الروح (الثقافي) بمرجعية الجسد (السياسي).

ففي الوقت الذي حصر الكواكبي مهمة الخلافة في القضايا الدينية فقط، فإنه وضع في وظائفها كلا من "تمحيص أمهات المسائل الدينية، والتي لها تعلق مهم في سياسة الأمة وتأثير قوي في أخلاقها ونشاطها"، مثل قضايا فتح باب الاجتهاد، وسد أبواب الحروب والغارات والاسترقاق، وفتح أبواب حسن الطاعة للحكومات العادلة، وسد أبواب الانقياد المطلق ولو لمثل عمر بن الخطاب. ولم يعن تمحيص أمهات المسائل المتعلقة بالوجود الحيوي للعالم الإسلامي في السياسة والأخلاق، سوى صياغة الأبعاد السياسية لوجود الخلافة الروحي. إذ لم تعن قضايا الاجتهاد ومنع الحروب الداخلية وتأييد الحكومات العادلة ورفض الانقياد المطلق حتى لشخصية جسدت في رمزيتها التاريخية والمعنوية مثال العدل السياسي النموذجي (عمر ن الخطاب)، سوى الصيغة الثقافية التقليدية لرفض الاستبداد السياسي. بعبارة أخرى، إن الخلافة المثالية المفترضة (العصرية) هي الصيغة الروحية للبديل السياسي الأفضل. من هنا محاولته البرهنة على ماهية الحكم السياسي في إسلام الخلافة الرشيدة، باعتباره حكما معتدلا بين الديمقراطية والارستقراطية[18]. فالإسلامية، كما يقول الكواكبي، "مؤسسة على أصول الإدارة الديمقراطية أي العمومية، والشورى الارستقراطية أي شورى الإشراف… وأنه لا يوجد في الإسلامية نفوذ ديني مطلقا في غير مسائل إقامة الدين"[19] أي كل ما يفترض في ذاته رفض الاستبداد بشكل عام ومظاهره العديدة في الدولة العثمانية بشكل خاص.

تحتوي هذه الصيغة الرفيعة لإعادة ربط التاريخ بالوعي السياسي المعاصر للعالم العربي على إدراك قيمة وعي الذات السياسي العربي، أي كل ما وضعه في فكرته عن ضرورة امتلاك الأمم لوعيها الخاص، كما هو جلي في قوله: "إن أفكار الأمم لا تقاوم ولا تصادم"[20]. وهذا بدوره ليس سوى مظهر ما أسميته باستكمال مرجعية الروح الثقافي بمرجعية الجسد السياسي. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار كون الكواكبي قد استقى، حسب عبارته، برنامجه عن الخلافة من قواعد إتحاد الألمان والأمريكان، فإن من السهل رؤية هذه المرجعية السياسية النابعة من وجودها الروحي الثقافي. بمعنى دعوته الضمنية لوحدة العالم العربي في دولة جديدة. وقد أشار هو إلى ذلك بوضوح عندما تمنى أن تكون وحدة إمارات الجزيرة العربية سباقة في نموذجها إلى مثل هذا الاتحاد[21]. وبهذا يكون الكواكبي قد سعى لربط الخلافة بالنظام العصري السياسي الديمقراطي بوصفه النظام الأفضل. واستكمال ذلك في وحدة العالم العربي بأحد نظم الاتحاد العصرية الفضلى (فيدرالية أو اتحاد مركزي لولاياته). فقد امتلك العرب، كما يقول الكواكبي، حكومتهم الديمقراطية في غضون قرنين من الزمن[22]. ولم يعن ذلك من الناحية الرمزية سوى إمكانيتها المعاصرة في وحدة النظام الديمقراطي للاتحاد العربي. والمقصود بقرنين من الزمن هنا هو دولة الخلافة العربية "الخالصة". ولم يكن مقصود الكواكبي بهذه المقارنة والمثال سوى الدعوة غير المباشرة لاستعادة المركزية العربية في وحدتها الجديدة باعتبارها تآلفا عصريا للنظام الديمقراطي والاتحاد الفيدرالي أو المركزي، أو التحقيق الأمثل لجهادية مشروعه السياسي وعقلانية نزوعه القومي. بمعنى تحويل مبادئ وغايات النظام الديمقراطي والاتحاد العربي إلى بديهيات الفكر النظري والسياسة العملية للعالم العربي. وهي البديهيات التي سعى لتأسيسها في رؤيته الإصلاحية المتعلقة بقضايا الدولة والقانون، والوحدة والنظام، والتاريخ والمعاصرة. وبهذا يكون قد دفع بالفكر الإصلاحي العقلاني الإسلامي العربي إلى أقصى ذروته أمام دخوله معترك القرن العشرين ونزوعه الاستقلالي وإعادة بنائه الجديد.

 

ا. د. ميثم الجنابي

....................

[1] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص274.

[2] المصدر السابق، ج1، ص127-128.

[3] المصدر السابق، ج1، ص260.

[4] المصدر السابق، ج2، ص330.

[5] المصدر السابق، ج1، ص259.

[6] المصدر السابق، ج1، ص300-301.

[7] إن ضعف تجانس آراء الكواكبي بصدد الأمة العربية نابع أساسا من عدم اكتمالها التاريخي آنذاك. فقد كانت الأمة السائدة آنذاك هي الأمة الإسلامية. أما الانحطاط السياسي والثقافي للعرب فقد جعل منهم مجموعة مفككة لا يربطها آنذاك شيئا غير شعور الانتماء الباهت لعالم الإسلام اللاهوتي. وقد كان الأفغاني أول من شخّص هذه الظاهرة، بينما دققها الكواكبي لاحقا كما هو جلي في عبارته القائلة، بأن "المسلمين في غير جزيرة العرب لفيف أخلاط وبقايا أقوام شتى لا تجمعهم جامعة غير التوجه للكعبة"(ج1، ص59). وإذا كانت آراؤه هذه تجري ضمن سياق دور القادة والزعماء السياسيين في جمع الأمة على مثال بيسمارك وغاريبالدي، فإن مضمونها الحقيقي والأبعد يندرج ضمن من ما أسميته بفكرة الأمة الواجبة، بوصفها نفيا للأمة الموجودة، أي النظر إلى الأمة القومية بمعايير السياسة الواقعية لعالم منحل آيل للزوال. وهي ذات الفكرة التي اختصرها الكواكبي لاحقا بعبارة:"إن الأمة هي مجموع أفراد يجمعها شعب أو ارض أو لغة أو دين" (ج2، ص409). وهي العناصر التي سوف تجمعها لاحقا الاتجاهات القومية العربية الدنيوية بأشكال مختلفة. لكنها كانت تصب جميعا ضمن المنظور القائل، بأن الأمة هي مجموع أفراد يجمعها شعب ووطن ولغة ودين. وقد كان لهذا الجمع معناه الكبير ومآثره ومثالبه الخاصة في الصيرورة الحديثة للعالم العربي.

[8] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص275.

[9] المصدر السابق، ج1، ص301.

[10] المصدر السابق، ج1، ص301-304.

[11] المصدر السابق، ج1، ص258.

[12] المصدر السابق، ج1، ص316.

[13] المصدر السابق، ج2، ص417.

[14] المصدر السابق، ج2، ص417-418.

[15] المصدر السابق، ج1، ص313-314.

[16] المصدر السابق، ج1، ص311.

[17] المصدر السابق، ج1، ص313.

[18] المصدر السابق، ج1، ص314-315.

[19] المصدر السابق، ج2، ص348.

[20] المصدر السابق، ج1، ص 319.

[21] المصدر السابق، ج1، ص315.

[22] المصدر السابق، ج2، ص378.

 

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الفكرة الاصلاحية الاسلامية (15)

إن الإدراك المتعمق لقيمة العمل العصري الحي هو النتيجة الملازمة لعقلانية الروح الإصلاحي. وذلك بسبب بحثها الدائم عن الأسباب المعقولة وراء حالة الانحطاط، أو ما دعاه الكواكبي بحالة الفتور العام والدعوة لتغييرها. وقد جمع كل ما يمكن جمعه من أسباب من أجل رؤية الحالة العامة والخاصة للانحطاط والتقهقر. ولم يكن هذا الجمع تجميعا للأسباب، بل تصنيفا لأصولها وفروعها. وهذا بدوره يعني محاولة الاحتواء المعقول لأسباب الانحطاط الفعلية، ومن ثم رؤية البدائل الواقعية. فهي الصيغة التي ميزت آراء الكواكبي، بمعنى خلّوها من عناصر الطوباوية والجزئية. فعندما تناول بداية الانحطاط الإسلامي فإنه أكد على أن "مسألة تقهقر الإسلام بنت ألف عام أو أكثر"[1]. ويقترب هذا التصوير مما وضعه محمد عبده. بمعنى مطابقته بداية الانحطاط مع انحطاط المركزية العربية في الخلافة. إلا أن تحديد بداية الانحطاط ما هو إلا الخلفية الزمنية لبحث أسبابه الواقعية. وقد حصرها الكواكبي في الأسباب الدينية والأخلاقية والسياسية. فعندما تناول الأصول والفروع في الأسباب الدينية، فإنه يربطها أساسا بالأفكار السائدة في عصره، وبالأخص ما يخدم مصالح الاستبداد والإمبراطورية مثل هيمنة عقيدة الجبر، وفتن الجدل في العقائد الدينية، والتفرقة، وانعدام التسامح، والتشدد في الدين، وسيطرة العلماء المدلّسين وغيرهما من الأسباب. بحيث جعله ذلك يستنتج في نهاية المطاف، بأن "سبب الفتور الطارئ الملازم لجامعة هذا الدين هو هذا الدين الحاضر ذاته"[2]. ولا يعني "هذا الدين الحاضر ذاته" سوى أنماطه "اليابسة" في أيديولوجية الاستبداد العثماني. فهو يتكلم عن أسباب الفتور الملازم لجامعة هذا الدين باعتباره الكلّ الفاعل في كيان الفتور والتخلف، والتقهقر والانحطاط. أما الأشكال الأخلاقية لظهوره وتجسيده، فإنه يربطها بالأسباب الأصول كالاستغراق في الجهل، وفقدان التضحية، وانحلال الرابطة الدينية، والتربية الدينية والأخلاقية، وعدم وجود الجمعيات، ومعاداة العلوم العالية، وانعدام الاهتمام بالشؤون العامة. أما فروعها ففي كل من استيلاء روح اليأس، والإخلاد إلى الخمول، وفساد التعليم، وترك الأعمال، وإهمال طلب الحقوق العامة جبنا، وتفضيل الارتزاق بالجندية وغيرها. مما يعنى حصره إياه في جمود الروح الاجتماعي الفعال.

إن حصيلة الأسباب التي جرت الإشارة إليها أعلاه في أصولها وفروعها هي الصيغة الدينية والأخلاقية للأسباب السياسية. وذلك بسبب تداخلها في مراحل الانحطاط وتطابقها النسبي. غير أن إفراز الكواكبي للأسباب السياسية القائمة بحد ذاتها يعكس حقائق ومهمات الإدراك العميق لجوهرية السياسة والتركيز عليها، باعتبارها المقدمة الكبرى والوسيلة الأكثر فاعلية في ربط عناصر الرؤية العقلانية والإصلاحية في كل واحد. ذلك يعني أن عقلانية الرؤية وروح الإصلاح لم تعد مجرد مكونات مستقلة وقائمة كل منها بحد ذاته، بل ترتبط بينها بمفاهيم السياسة ومعاييرها. وليس مصادفة أن نعثر في الأسباب الدينية والأخلاقية على خلفية الرؤية السياسية، وفي الرؤية السياسية على استقلاليتها الذاتية. إذ أدرج في أصول الأسباب السياسية كل من السياسة المطلقة غير المراقبة، وما اسماه بالسياسة المقلوبة في مجال الاجتماع والاقتصاد، وكذلك إبعاد الأحرار عن السلطة، وحصر اهتمام الدولة بالجندية والجباية. بينما أدرج في فروع الأسباب السياسية كل من التفرقة، وفقدان حرية القول والعمل، وانعدام العدالة والمساواة، وغياب الرأي العام، والتنكيل بالمعارضة وغيرها. بمعنى ربطه بين طبيعة السلطة والنظام الاجتماعي. ودفع هذا الإدراك إلى المقدمة جملة من القضايا الجوهرية بالنسبة لنهضة الأمم، لعل أكثرها أهمية هي كل من قضايا الحرية والعدالة والمساواة. ولم تعد هذه القيم والمبادئ تسبح في فضاء الشعارات الجذابة أو ما أسميته بلاهوتية الروح والمعنى، بل في متطلبات الفعل السياسي الواعي للأهداف القريبة والبعيدة. وحدد هذا بدوره مواقفه من الاستبداد وبدائله في ميدان النظام السياسي والوحدة (الاجتماعية والقومية). بمعنى إدراكه العقلاني للسياسة بمعايير السياسة ذاتها. الأمر الذي حدد بدوره أيضا الاستيعاب الجديد لأهمية العمل السياسي وتأسيسه الفكري في الوقت نفسه.

ولم تذب (تذوب) دعوته للعمل السياسي في عبارات الخطاب الحماسي، بل في الرؤية السياسية من خلال تأسيس شرعيته وضرورته. لهذا أكد على أهمية العمل السياسي الشرعي والقانوني المنظم انطلاقا من أثره في الحياة الاجتماعية، بحيث طابقه مع "سنّة الله في الوجود". من هنا تأكيده على أن "الجمعيات المنظمة يتسنى لها الثبات على مشروعها عمرا طويلا يبقى بما لا يبقى عمل الواحد الفرد"[3]. إضافة لذلك أنها تستطيع أن "تأتي بأعمالها كلها عزائم صادقة لا يفسدها التردد. وهذا هو سرّ ما ورد في الأمر من أن يد الله مع يد الجماعة"[4].

إن هذا الربط العميق بين التاريخ الاجتماعي والمثال المتسامي هو الصيغة المناسبة لاستثارة روح الجماعة المعاصرة باعتباره روحا اجتماعيا سياسيا مدركا لغاياته ضمن معايير السياسة الفاعلة. وترتب على ذلك تحويل السياسة الفاعلة إلى ميدان الإبداع الذاتي الحر. من هنا واقعية رؤيته السياسية في تناول المهام الجسام والكبرى القائمة أمام النهضة المفترضة. وليس مصادفة أن يضع الكواكبي ما اسماه بمباحث السياسة الدينية في أول مباحثات الجمعية، باعتباره الأسلوب الأفضل "لرفع علة الفتور"[5]. ولم يكن ذلك معزولا عن انطلاق الكواكبي من حضيض الواقع التاريخي، أي من رؤية مكوناته الواقعية بالنسبة لصياغة أسلوب الفعل السياسي المناسب. ومن ثم إمكانية بلورة عناصر الفكرة الجديدة للنهضة الاجتماعية السياسية والقومية والثقافية. لهذا ركز في (طبائع الاستبداد) على أن استمرار الاستبداد والانحطاط ما هو في نهاية المطاف إلا النتاج المباشر للخمول. في حين أن أعظم سرّ الكائنات هو ما يمكن دعوته، حسب آراء الكواكبي، بالاشتراك الفعال. إذ به "قيام كل شيء ما عدا الله وحده. به قيام الأجرام السماوية… والعالم العضوي والأجناس والأنواع… وسرّ الحياة وسرّ تجديد الاستمرار… فالاشتراك هو السرّ، كل السرّ في نجاح الأمم المتمدنة. به أكملوا ناموس حياتهم. به ضبطوا نظام حكوماتهم، به قاموا بعظائم الأمور. به نالوا كل ما يغبطهم عليه غيرهم"[6]. ومن خلال هذا الاشتراك الفعال يكون الكواكبي قد أسس لضرورة العمل السياسي الفردي والعام، باعتباره فعلا اجتماعيا سياسيا ذاتيا. من هنا تأكيده على أن "انحطاطنا من أنفسنا"، وأن سبب الخمول في "استرسال الأمة لعبادة الأمراء والأهواء والأوهام"[7]. وقد حدد ذلك مهاجمته لأفكار الجبر وضرورة تحوير مضامين القضاء والقدر بالشكل الذي ينبغي فهمهما على انه السعي والعمل[8]. وهي ذات الصيغة التي دعا إليها الأفغاني قبله. غير أن الكواكبي أدرجها ضمن الدعوة القومية للحرية، ومن ثم ضمن إطار ما يمكن دعوته بالتأسيس العقلاني للفعل السياسي المنظم. وبهذا يكون قد تجاوز تقاليد الخطابة الرنانة والتقليدية. وإذا كان من الصعب الحديث عن نظرية سياسية متكاملة في آراء الكواكبي، فلأن كتاباته كانت تمر في مرحلة صياغة أسسها النقدية العقلانية الأولية، أي أنها دققت في نفيها الفكري حصيلة التجارب الفكرية والعملية لقرن كامل في وعي العقلانية العربية لذاتها في ميدان العمل.

وبهذا يكون الكواكبي قد أسس بمعايير الفكر المعاصر لنهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، قيمة وأهمية العمل السياسي بالنسبة للعالم العربي. انه أراد التأسيس النظري لوعي الذات السياسي. وبالتالي وضع المقدمات الفكرية (والروحية) للتاريخ السياسي العربي. لهذا شدد على قيمة العمل السياسي المنظم والشرعي، أي وحدة العمل والقانون، لأنها الوسيلة التي يمكن أن تشرك المجتمع فيها. وحاول إبراز قيمة هذه الفكرة من خلال المضمون الجديد لفكرة "يد الله مع يد الجماعة". بمعنى الاشتراك الفعلي النشط للمجتمع في هذا التأسيس، باعتباره الأس الأعظم لوجود الأمم أيضا. ووجد في ذلك قانونا يخضع لصيرورته كل ما هو موجود. وبهذا يكون الكواكبي قد سعى لربط الأبعاد الكونية والاجتماعية والقومية في رؤيته السياسية وغاياتها الأبعد. من هنا تشديده على أن "سرّ نشأة الأمم الغربية ونجاح أعمالها يقوم في تناسب القوة والزمان". ويحتوي هذا الاستنتاج ضمنيا على إدراك خاص لأهمية التحضير العملي والنظري وبالشكل الذي يستجيب لحجم المهمات المستقبلية.

وقد حدد هذا التأسيس العقلاني للعمل السياسي إدراك أولوية الدولة والقومية. ووضعه الكواكبي في أساس كشف الأسباب الكامنة وراء استمرار الاستبداد وفقدان الحرية (الفردية والاجتماعية والقومية) في السلطنة العثمانية. ذلك يعني أن العمل السياسي وضرورته لم يعد جزءا من الإصلاحية وتقاليدها العامة فحسب، بل وخطوة إلى الأمام في مجال تعميق المضمون الاجتماعي والسياسي والقومي. وقد كان هذا بدوره إدراكا جديدا لقيمة البدائل الجديدة في النظام الواجب وضرورته. وحدد ذلك أيضا مهمات انتقاد الدولة بمعايير السياسة، إضافة إلى تقديم الرؤية الواقعية للبديل وشكله الممكن في الوحدة القومية للعالم العربي، باعتبارها بديلا لوحدة الأمة الإمبراطورية (العثمانية). وبهذا المعنى يمكن القول، بأن (طبائع الاستبداد) لم يكن ردا مباشرا على واقع الدولة العثمانية، بل وصياغة جديدة لمبادئ الفكر السياسي العربي المعاصر، وآفاق بدائله الواقعية الممكنة. انه أراد تأصيل العمل السياسي بمفاهيم السياسة الخالصة. لهذا أشار إلى انه لم توجد عند الأقدمين كتبا سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة إلا عند الرومان. أما كتابات (كليلة ودمنة) و(نهج البلاغة) و(الخراج) وغيرها فهي مجرد مؤلفات سياسية أخلاقية. وينطبق هذا بالقدر ذاته على كتابات الرازي والمعري والغزالي. وجعله ذلك يستنتج بأن العلم السياسي الخالص لم يحصل إلا عند الأوربيين المتأخرين. في حين لم يتطرق له من العرب المتأخرين إلا الطهطاوي وخير الدين التونسي وأحمد فارس الشدياق وسليم البستاني. وبغض النظر عما في هذه الأحكام من تجاف نسبي تجاه الإبداع الفكري السياسي الكبر لقدماء المسلمين، إلا انه حكم دقيق ضمن إطار استيعابه الخاص للمهمات الجديدة، التي أخذ يعيها بمفاهيم العقلانية الإصلاحية. بمعنى مطابقته للروح الإصلاحي والعقلاني بمفاهيم السياسة "الخالصة"، أي كل ما نعثر عليه في إبرازه وتأسيسه للنقد السياسي الشامل للاستبداد (الدولة القائمة) وآفاق التطور السياسي للدولة والعالم العربي.

فقد كان نقده للاستبداد هو إدراك سياسي لنهاية التاريخ العثماني وبداية التاريخ العربي، أو بداية التاريخ العربي ووعيه السياسي المستقل. إذ لم يعن نقده للاستبداد سوى نقده السياسي للدولة القائمة ورؤية محدوديتها التاريخية والثقافية. فقد استطاع في نقده للاستبداد وكشف "طبائعه" قطع تقاليد الأحكام المجردة والأخلاقية، من خلال الرجوع إلى الواقع كما هو. فقد رفع الكواكبي نقد الاستبداد إلى مصاف النقد السياسي وتحويله إلى مقدمة الأحكام السياسية. لهذا أدرج وأخضع كل الأبعاد المتعددة في الدولة إلى أحكام السياسة، بما في ذلك الأخلاقية منها. من هنا محاولته كشف أثر الاستبداد في كل نواحي الحياة الاجتماعية. فالاستبداد بنظره هو الذي يصنع الشخصيات الضعيفة، كما انه يقلب الحقائق في الأذهان، ويشوش البديهيات والنظر إلى التاريخ والرجال، ويفقد الإنسان إرادته الحرة[9]. من هنا نقده للفكرة القائلة، بأن سرّ الاستبداد راجع أما إلى مرض فيهم أو جهل منهم أو لتمسكهم بالدين وما شابه ذلك. وبالضد من ذلك شدد على انه فيما لو جرى تتبع الأسباب الحقيقية لأدركوا أن كل ذلك ناشئ "من الاستبداد، وأن العافية المفقودة هي الحرية السياسية"[10]. بعبارة أخرى، انه اعتبر المرض الفعلي لعالم الإسلام يقوم في افتقاده للحرية السياسية. ودفعه هذا الإدراك إلى تتبع مظاهره في نظام الحكم وهيئته الاجتماعية، أي في الدولة والقومية.

ولم يكتف الكواكبي بهذه الإشارة الدقيقة، بل وحاول كشف حقيقتها من خلال تحليل "طبائع الاستبداد"، أي أسبابه وخصائصه ونتائجه وبالتالي أساليب تهديمه. وبهذا المعنى يكون قد وضع الأسس الأولية لوعي الذات السياسي، باعتبارها المقدمة التي شكلت بدورها أساس وعي الذات السياسي العربي (القومي). فالاستبداد، حسب نظر الكواكبي، هو "صفة للحكومة المطلقة العنان، التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب وعقاب محققين"[11]. فالكواكبي يحصر الاستبداد في غياب مراقبة الشعب وعدم انتخاب السلطة. لهذا أكد على أن أشكال الحكومات المستبدة كبيرة، منها حكم الفرد المطلق وحكم الفرد المقيد الوارث أو المنتخب متى كان غير محاسب، وتشمل كذلك حكومة الجمع حتى في حالة انتخابها، لأن الاشتراك في الرأي لا يدفع الاستبداد، وإن الاستبداد يمكن أن يشمل الحكومة الدستورية أيضا. فهو يوجه نقده إلى جوهر الاستبداد باعتباره ظاهرة سياسية واجتماعية[12].

لقد سعى الكواكبي في ملاحظاته العديدة، الكشف عن الصلة الواقعية والفعلية بين نظام الاستبداد وأشكال مظاهره الاجتماعية وكيفية إعادة إنتاجه في دقائق الحياة. من هنا استنتاجه القائل، بأن "الحكومة المستبدة تكون طبعا مستبدة في كل فروعها، من المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفرّاش، إلى كناس الشوارع"[13]. ودفعه ذلك إلى تتبع ظاهرة الاستبداد، بما في ذلك في أشد العلاقات وجدانية وشخصية ليكشف من وراء ظواهر الامتهان أثر الاستبداد السياسي. بحيث جعله ذلك يستنتج، بأن "القسمة المتفاوتة بين آدم وحواء إلى هذه النسبة المتباعدة هي قسمة جاء بها الاستبداد السياسي"[14].

إن تحديد العصب القائم وراء شلل الوجود الإسلامي في غياب الحرية السياسية أو سيطرة الاستبداد، هو الذي دفع الكواكبي إلى صياغة البديل الفكري الأول في تقاليد العقلانية الإصلاحية المعاصرة ورؤيتها لآفاق التطور الاجتماعي السياسي والثقافي العربي. فهو لم يكتف بالنقد العميق لطبائع الاستبداد، بل وسعى لتأسيسه النظري السياسي في منظومة فكرية واضحة المعالم والغاية. فهو ينطلق من المقدمة العامة والقائلة، بأن سنّة الله في الوجود هو الترقي، أي أن التطور هو الصفة الملازمة لوجود الأشياء. وبما أن الاستبداد عائق للترقي، ومعيق يقلب السير من الترقي إلى الانحطاط، لهذا اعتبر مهمة صياغة البديل المعقول للاستبداد المهمة الكبرى بعد تحليل طبائع الاستبداد وكشف آفاقه المحدودة[15]. انه أدرك مهمة صياغة البديل العقلاني الإصلاحي، أو ما اسماه بالقانون المعتدل للترقي. من هنا نظرته إلى الترقي كطائر ينبغي أن تكون أجنحته في حركة متناسقة. وهو تصور دقيق لرؤية الحركة (الترقي) والتوازن (الاعتدال)، أو ما اسماه بضرورة أن يكون جناحي الاندفاع والانقباض فيه متوازيان كتوازن الايجابية والسلبية في الكهربائية[16]. وهذا بدوره ليس إلا الصياغة التي تسعى لتأسيس ما يمكن دعوته بالاندفاع المقيد بالعقل، انطلاقا من أن سيادة العقل في الاندفاع على النفس يؤدي إلى أن تكون الوجهة فيه إلى الحكمة، على عكس غلبة النفس على العقل، فأنها تؤدي إلى السير باتجاه الزيغ[17]. وتعكس هذه الصياغة من الناحية النظرية تقاليد العقلانية الأخلاقية، أما من حيث توجها الواقعي، فإنها تعكس رؤية البديل العقلاني الإصلاحي. إذ لا يعني القانون المعتدل سوى المعقول الإصلاحي. وهي الفكرة التي حاول البرهنة عليها من خلال التأسيس لكيفية إزالة الاستبداد.

انطلق الكواكبي في تأسيسه لإزالة الاستبداد مما اسماه بمدرسة التاريخ الطبيعي والعمومي وليس من اعتبارات الأخلاق المجردة. إذ وجد فيها أعظم مدرسة. أما البرهان الأقوى فهو برهان الاستقراء[18]. ولم يقصد بالتاريخ الطبيعي سوى تاريخ وجود الأشياء كما هي، أما العمومي فعالميته. وحالما يجري تطويع هذه المقدمة العامة في ميدان التاريخ الملموس فإنها تتمظهر في قضية الدولة، أي في ميدان التاريخ السياسي. من هنا تأكيده على أن حل مشكلة الاستبداد مرتبط بالكيفية التي تحل بها قضية الحكومة (السلطة والنظام السياسي). وذلك لأن تقرير شكل الحكومة، كما يقول الكواكبي، هو "أعظم وأقدم مشكلة في البشر. وهو المعترك الأكبر لأفكار الباحثين"[19]. وبالتالي هو المعترك الأكبر لفكره ووعيه الشخصي أيضا. وحدد هذا بدوره المسار العام لآرائه ومواقفه السياسية وتحليله لواقع الاستبداد العثماني وكيفية الخروج منه. فهو يمتلك واقع التجربة الأوربية في نماذجها السياسية العديدة وحصيلتها العامة في سيطرة العقلانية السياسية ومبادئها الكبرى في الحرية والقانون من جهة ، وواقع الاستبداد العثماني وخصوصية الإمكانات المتاحة للقضاء عليه من جهة أخرى. وقد أدرك الكواكبي هذا الاختلاف وسماته الواقعية. مما أسهم بدوره في تحديد عقلانيته السياسية وطابعها الإصلاحي العميق. فهو يؤكد على أن الأمم الأوربية المترقية قد توصلت عن طريق العقل والتجريب إلى ما اسماه بالبديهيات في حياتها، أي صيرورة البديهيات السياسية في الحرية وسيادة القانون والمساواة والعدالة. بمعنى تحولها إلى أجزاء جوهرية في بنية النظام السياسي. في حين ما زالت هذه "القواعد، التي أصبحت بديهية في الغرب مجهولة أو غريبة في الشرق، لأنها عند الأكثرين منهم لم تطرق سمعهم"[20]. من هنا وضعه مهمة تحويل هذه البديهية إلى واقع معقول في عالم الإسلام (العربي). ولم يضع هذه المهام في عبارات الدعوة الحماسية أو الصياغات الخطابية، بل في بلورة قضايا الفكر السياسي وكيفية حلها الواقعي. ووضع ذلك في خمسة وعشرين مبحثا، يمكنها حسب نظره، أن تساهم في نقل هذه البديهيات (الغربية) إلى الواقع الشرقي، لكي تستثير فيه في الوقت نفسه حوافز الحل السياسي، مثل ماهية الأمة والحكومة، والحقوق العامة، والمساواة في الحقوق، والحقوق الشخصية، ونوعية الحكومة ووظائفها، وحقوق الحاكمية، وطاعة الأمة للحكومة، وتوزيع التكليفات، والقضايا المتعلقة بالجيش، والمراقبة على الحكومة، وحفظ الأمن العام، وحفظ السلطة في القانون، وتأمين العدالة القضائية، وحفظ الدين والآداب، وتعيين الأعمال بالقوانين، وكيفية وضع وسن القوانين، وترقية المعارف والعلوم، وتطوير الزراعة والصناعة والتجارة والعمران.

إن هذا الجرد العام للقضايا التي حاول الكواكبي من خلالها تحويل بديهيات الغرب إلى بديهيات الشرق (العربي) يتضمن بحد ذاته الإدراك العميق لأولويات القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أي المكونات الجوهرية للدولة العصرية ونظامها السياسي. فالموضوعات التي ينبغي أن تشغل فكر الباحثين السياسيين المسلمين بنظره، هي موضوعات النظام السياسي والقانون. ودفع الكواكبي هذه الفكرة إلى أقصى درجاتها الممكنة آنذاك من خلال رفعه قيمة القانون إلى مصاف "المطلق الإلهي"، بعد أن سكبه بمعايير السياسة العملية. إذ لا تعني محاولة إيجاد الأساس القانوني باعتباره البديل المطلق للاستبداد، سوى الإدراك العقلاني لقيمة الحق في بناء الهيكل الصالح للدولة والمجتمع. من هنا مطابقته حالة الفتور العام وانحلال الدولة والمجتمع وتخلفهما المريع مع ظاهرة الاستبداد. فالاستبداد هو فقدان القانون. من هنا استنتاجه العميق القائل، بأن "المنشأ الأصلي لكل شقاء في بني حواء هو أمر واحد لا ثاني له، ألا وهو السلطة القانونية المنحلة"[21]. ذلك يعني، إن انحلال السلطة القانونية هو السبب الأصلي وراء الشقاء التاريخي لعالم الإسلام المعاصر له بشكل عام، والعربي منه بشكل خاص. لهذا أكد على أن القانون هو السد المنيع أمام الاستبداد، وأسلوب البديل العقلاني له. فالاستبداد يعادل الافتقاد الكامل للقانون والحق، وبالتالي لبديهيات الفكر السياسي ومتطلباته المعاصرة. وليس مصادفة أن يناقش الكواكبي باختصار من بين مباحثه الخمس والعشرين المشار إليها أعلاه، سوى المبحث المتعلق بكيفية إزالة الاستبداد. انه حاول تقديم أحد نماذج الحلول الواقعية، وترك البقية الباقية للجميع من أجل الاشتراك في حل القضايا الشائكة والشاملة لترتيب حياة الأمم حسب بديهيات العقلانية السياسية.

فهو يشير في حلوله لكيفية إزالة الاستبداد، من انه لا يضع إلا القواعد الكبرى، التي حصرها في ثلاث قواعد. الأولى هي أن تشعر الأمة بضرورة الحرية. وأن يكون معنى الشعور هنا هو ضرورة إدراكها للخلاص من الاستبداد كنظام وظاهرة، لا من المستبد الفرد. أما القاعدة الثانية، فهي النشاط السلمي التدريجي، بمعنى ترك العنف والقوة، والاستناد إلى الحكمة، لأن الوسيلة الوحيدة الفاعلة "لقطع دابر الاستبداد هو ترقي الأمة في الإدراك الإحساس"[22]. أما القاعدة الثالثة فهي معقولية البديل والتخطيط الواعي له. أو ما وضعه الكواكبي بعبارة "انه يجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ما يستبدل به الاستبداد" ‎وذلك لأن "معرفة الغاية إجمالا شرط طبيعي للإقدام على كل عمل. لكن المعرفة الإجمالية في هذا الباب لا تكفي مطلقا. بل لا بد من تعيين المطلب تعيينا واضحا موافقا لرأي الكلّ أو لرأي الأكثرية، التي هي فوق الثلاثة أرباع عدد أو قوة، وإلا فلا يتم الأمر"[23].

إن هذه الصيغة التدريجية في برنامج الأولويات الضرورية لإزالة الاستبداد تعكس في جوهرها الرؤية العقلانية والإصلاحية لمشروعه البديل ومضمونه الاجتماعي السياسي والثقافي القومي. إذ ليست القواعد الثلاث هنا، سوى فاعليتها الداخلية الموحدة وإدراكها الاجتماعي السياسي بالنسبة للنظام القومي. وبالتالي تحويل الشعارات والمبادئ الكبرى إلى بديهيات معقولة. فقد تعامل الكواكبي مع ما اسماه بشعور الأمة بوصفه نظاما وظاهرة شاملة تقوم على أساس إدراكها لضرورة الحرية والتخلص من الاستبداد. ولا يعني إدراك الحرية هنا سوى بلوغ الوعي القومي ذاته على انه بديهية سياسية. لاسيما وأن الكواكبي يضع في فكرة الحرية المعنى السياسي والاجتماعي ككل واحد. ومن ثم تضمينه إياها الأبعاد القومية والاجتماعية والثقافية. فهو لم يتكلم عن حرية جميع شعوب السلطنة في العيش المستقل، بل وعما اسماه بفروعها في تساوي الحقوق ومحاسبة الحكام باعتبارهم وكلاء الأمة، وحرية التعليم والخطابة والمطبوعات والمباحث العلمية والأمن على الدين والأرواح والشرف والأعراض، والأمن على العلم واستثماره[24]. لقد أدرج الكواكبي في الحرية القضايا الاجتماعية والثقافية السياسية الكبرى في وحدة متينة. إذ لم يعد العدل، على سبيل المثال، ما هو شائع في التقاليد الأخلاقية الإسلامية المتأخرة، بل العدل هو الاستعادة السياسية المتجددة للتقاليد العقلانية الإسلامية القائلة بأولوية العدل على الإسلام، انطلاقا من أن إسلام خارج العدل أو بالضد منه ليس إسلاما. إذ لا تطابق بين الإسلام الحق والاستبداد. من هنا أحكام المسلمين العقلانيين القدماء، القائلة بتفضيل الحاكم الكافر العادل على الحاكم المسلم الجائر. وأعاد الكواكبي في انتقاده السياسي للواقع هذه الفكرة بعبارة تقول: "إن الشرع والعقل يحكمان بأن ملوك الأجانب أفضل منهم وأولى بحكم المسلمين، لأنهم أقرب للعدل ولإقامة المصالح العامة، وأقدر على اعمار البلاد وترقية العباد"[25].

وينطبق هذا بالقدر ذاته على كافة القضايا التي ادخلها ضمن مفهوم وفكرة الحرية. فعندما تكلم عن حرية الرأي والخطابة، فإنه حاول أن يعطي لها صيغة القضية المميزة للتراث الإسلامي الهائل. وفي الوقت نفسه جعل منها قضية جديدة في جدل السياسة ومتطلباتها المعاصرة. ففي الوقت الذي حاول أن يعطي لمصطلح الاجتهاد الإسلامي مضمونه المعاصر باعتباره حرية الرأي والخطابة، فإنه دحض تقاليد الاجتهاد القديمة في تسميات المجتهدين المعاصرين، الذين لا يعني اجتهاد أفضلهم سوى تلقين. ولهذا دعا أمثال هؤلاء المجتهدين بالمرجحين أو المخرجين، أو الفقهاء المدققين لا غير[26]. وذلك لأنهم لا يجتهدون في أصول الدين والاجتماعيات والأحكام، بينما الاجتهاد الحق يفترض أن يتلمس المجتهد للضرورات أحكامها، وأن يأخذ بما يفرضه الزمان من متغيرات، وأن يقر بمبدأ الخلاف رحمة، أي الإقرار بضرورة التعددية الفكرية[27]. ووضع هذا المبدأ إلى جانب مبادئ أخرى في جوهر الحرية باعتبارها القاعدة الأولية الضرورية والبديهية السياسية للقضاء على نظام الاستبداد. وذلك لأن فقدان الحرية يؤدي في نهاية المطاف، كما يقول الكواكبي، إلى "إبطال الأعمال وتمويت النفوس، وتعطيل الشرائع واختلال القوانين"[28]، أي الضمور والاضمحلال الشامل للوجود الاجتماعي والقومي. وهو الحافز القائم وراء انتقاده اللاذع "لسياسة" ابن خلدون، رغم تقييمه الرفيع لإنتاجه العلمي. إذ لم يجد في آرائه الداعية للسكون والخلاص من المهالك عند الضرورة بالرضا بما هو موجود سوى قاعدة عبودية تتعارض مع ما يدعو إليه الكواكبي، من أن المجد مفّضل على الحياة عند الأحرار[29]. بمعنى أولوية الحرية في السلوك، أو القاعدة الأولى لإزالة الاستبداد.

غير أن الكواكبي لم يجعل من مبدأ الحرية رديفا للمغامرة السياسية الداعمة للفوضى، بل قيّدها بمبدأ الحكمة، أي بمبدأ وعي الذات السياسي وحدود القانون النابعة من علو الحرية ونظامها السياسي المفترض. ومن ثم دعوته إلى أولوية المبدأ السياسي الواعي لا إلى القوة. فقد وجد فيه أسلوب قطع دابر الاستبداد. ولم يعن ذلك آنذاك سوى صياغة المبدأ السياسي المناهض للراديكالية السياسية المغامرة. فقد حدس الكواكبي في الراديكالية السياسية المغامرة رديفا للاستبداد، وفي إمكاناتها الذاتية وآفاقها استعادة خشنة له. إضافة إلى عزلها جمهور الأمة عن الرقي في المدارك والإحساس إلى مستوى الوعي السياسي وبديهياته الكبرى. وبهذا يكون الكواكبي قد سعى لجعل قاعدة النشاط الواعي ورفض العنف بديهية في الوعي الاجتماعي، وأسلوبا في رقيه السياسي. ووضع هذه الفكرة أول الأمر في إحدى مواد برنامج (أم القرى) عن أن عمل الجمعية ينبغي أن يستند إلى الإخلاص في النية، والثبات على العمل. أما مسلكها فهو تذليل العقبات واحدة فواحدة[30]. ثم عمق هذه الفكرة في (طبائع الاستبداد) عما اسماه بقاعدة السلمية والتدرج، أو المبدأ السياسي الذي يفترض في ذاته تحوله إلى بديهية ملزمة للجميع من خلال تجوهره في وعي الأمة ومشاعرها، أو ما اسماه بترقي الأمة في الإدراك والإحساس لقيمة السلمية والتدرج ورفض العنف والقوة.[31]

ووضع الكواكبي هذا الترقي في وعي الأمة في ما اسماه بوضوح ودقة المطلب، وبموافقته لرأي الكل أو الأكثرية. ذلك يعني أن الطابع الملموس للبدائل يفترض وجود صيغته الملموسة في الوعي والمشاعر. وهذه بدورها غير ممكنة دون وحدة القواعد الضرورية المتحولة إلى بديهيات سياسية قادرة على التأثير من خلال بناء ما يمكن دعوته بالروح السياسي الفعال. أما هذا الأخير، فإنه لم يعد ضمانة لإزالة الاستبداد فحسب، بل ولمنع تولده في بدائل المغامرات السياسية أيضا.

لقد وجد الكواكبي في هذه العملية المترابطة عن كيفية إزالة الاستبداد طريقا طويلا ومعقدا، لكنه الأكثر أمانة ومتانة لبلوغ الأمم حكم نفسها بنفسها. وذلك لأن الأمة إذا لم تحسن سياسة نفسها بنفسها، كما يقول الكواكبي، فإنها تكون بالضرورة ذليلة لأخرى. غير انه لم ينظر إلى هذه الذلة بمعايير الإحساس القومي المباشر، بل نقلها إلى مجال علاقة الوجود والواجب السياسيين. انه حاول نفي الموجود بفكرة الواجب العقلانية والسياسية. ومن ثم تجاوز تقاليد الأخلاق المثالية المجردة ونوازع الطوباوية المتسامية. لهذا لم يخض جدل "المساهمة الايجابية" في ترميم السلطة العثمانية، بل أدرجها في صنف الاستبداد التام في عصره. من هنا أدلته المباشرة وغير المباشرة على ضرورة زوالها باعتبارها نظاما لا معقولا. وأن وجودها التاريخي قد استنفذ كافة إمكانياتها ولم يبق غير مهمة نفيها بالنظام الواجب(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص136.

[2] المصدر السابق، ج1، ص182.

[3] المصدر السابق، ج1، ص141.

[4] المصدر السابق، ج1، ص141.

[5] المصدر السابق، ج1، ص306-307.

[6] المصدر السابق، ج2، ص392.

[7] المصدر السابق، ج1،ص156.

[8] المصدر السابق، ج1، ص268

[9] المصدر السابق، ج2، ص385-397.

[10] المصدر السابق، ج2، ص393.

[11] المصدر السابق، ج2، ص338.

[12] المصدر السابق، ج2، ص338-339.

[13] المصدر السابق، ج2، ص369-370.

[14] المصدر السابق، ج2، ص376.

[15] المصدر السابق، ج2، ص409.

[16] المصدر السابق، ج2، ص411.

[17] المصدر السابق، ج2، ص411.

[18] المصدر السابق، ج2، ص428.

[19] المصدر السابق، ج2، ص428.

[20] المصدر السابق، ج2، ص429.

[21] المصدر السابق، ج1، ص165.

[22] المصدر السابق، ج2، ص435.

[23] المصدر السابق، ج2، ص437.

[24] المصدر السابق، ج1، ص154.

[25] المصدر السابق، ج1، ص158.

[26]المصدر السابق، ج1، ص244.

[27] المصدر السابق، ج1، ص 247.

[28] المصدر السابق، ج1، ص154.

[29] المصدر السابق، ج2، ص362.

[30] المصدر السابق، ج1، ص294.

[31] إن المضمون الاجتماعي السياسي للسلمية في آراء الكواكبي لا ينحصر في إطار رفض المواجهة والعنف، بل وفي شموله مختلف جوانب الحياة المدنية أيضا. وبهذا المعنى يمكن القول، بأنه أول من حاول التأسيس لعناصر العقلانية المدنية في الفكر السياسي العربي المعاصر من خلال انتقاده العميق للروح العسكرية في السلطنة العثمانية. وبغض النظر عن حوافز انتقاد الانكشارية العثمانية، إلا أن نتائج انتقاده السياسي أدت إلى رفع شعار النظام المدني وضرورة خضوع العسكرية له. فهو لم يقف بالضد من الجيش، على العكس. لقد طالب بتكوين جيش قوي قادر على حماية الوطن. ومن هنا انتقاده اللاذع لتحويل الجندية إلى مصدر للكسب والمعيشة. ومقابل ذلك دعا إلى جعلها صنعة وأخلاق. وذلك لأنه وجد في تحول الجندية إلى مصدر الكسب والمعيشة النتيجة الملازمة لافتقاد الجندية في غضون القرنين الأخيرين، وبالأخص في العالم الإسلامي، عن أن تكون صنعة علمية. وسوف يضع الكواكبي هذه الأفكار لاحقا في إطار الفكرة السياسية الواعية عن ضرورة استقلال العالم العربي ووحدته. فعندما تكلم عن إمكانية خوف الأوربيين من الوحدة العربية، فإنه أشار إلى أن العرب اقرب إلى الأمة، وهم أصحاب كلمة وعهد. وبالتالي فلا ضرورة للخوف من فكرتهم عن الجهاد، لأنها لا تعني بحد ذاتها الحرب. ففي القرآن أكثر من خمسين آية تدعو للسلم، أما آيات الجهاد فأقل منها بكثير. إضافة إلى أنها محصورة ومخصوصة بالموقف من العرب المشركين، إذ "لا يوجد في القرآن ملزم لاعتبار عمومية حكمها". ذلك يعني انه سعى لإزالة خوف الأوربيين وطلب مساندتهم في الوقت نفسه للاستقلال العربي، وكذلك لسحب البساط الأيديولوجي من تحت أقدام الحكم العثماني ودعواته عن "الجهاد الإسلامي"، عبر تحويل فكرة الجهاد إلى قضية إسلامية خالصة وفي إطار تاريخها العربي الإسلامي الأول فقط.

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الفكرة الاصلاحية الاسلامية (14)

 لقد توصلت في المقال السابق إلى أن الأفغاني رفع النظام الدستوري الديمقراطي إلى مستوى الفضيلة الأخلاقية، انطلاقا من انه النظام الذي يكفل للإنسان إمكانية تجسيد ذاته والعدالة. لهذا لم يجد في انقراض النظم الاستبدادية في العالم البشري إحدى سنن الوجود، بل وأكد على أن الشورى (الديمقراطية) سوف تؤدي بالضرورة إلى تفقه الشعوب ذاتها. وشكلت هذه الأحكام في حصيلتها أساس الفكرة القانونية والروحية الإصلاحية عند محمد عبده، وأساس الفكرة السياسية الإصلاحية عند الكواكبي.

فقد استطاع محمد عبده تنظيم الأفكار التقليدية بصيغة متجانسة فيما يخص قضايا الإسلام والسلطة، وعلاقة الديني بالدنيوي، وحقيقة الخلافة والخليفة. أنه استطاع وضع تقاليد الصيغ الإسلامية بهذا الصدد في نسق متوافق مع روح الإصلاحية العقلانية، التي بلور الأفغاني معالمها الكبرى. ففي موقفه من السلطة الدينية، سعى محمد عبده إلى هدم أسسها الفكرية من خلال التوكيد على أن الإسلام لا يعرف في حقيقته النزوع التيوقراطي. وانه في مبادئه الأساسية نقيض لها، وذلك لأن الرسول محمد نفسه ما هو إلا مبلّغ ومذّكر لا مسيطر ومهيمن. وأن حقائق الإيمان الإسلامي تلزم المرء في ألا يكون عليه رقيب في ما بينه وبين الله، سوى الله وحده. وانه لا عبودية في الإسلام إلا العبودية لله، وبالتالي ليس لأي مسلم في الأمة، مهما علت أو هبطت رتبته، غير مهمة النصح والإرشاد. وبالتالي، فإن الواسطة الممكنة بين الله والإنسان هو القرآن فقط[1]. وبالتالي، فإن تطبيق الأحكام فريضة ملزمة. من هنا ضرورة الدولة ومؤسساتها. مما استلزم ذلك بدوره وجود القوة المناسبة لإقامة الحدود وتنفيذ حكم القاضي بالحق وصون نظام الجماعة[2]. ولا يمكن تصور هذه القوة دون السلطان أو الخليفة. غير أن طاعتهما مشروطة بانتهاج الكتاب والسنّة. وفي حال انحرافه، فإن من الضروري استبداله بغيره، استنادا إلى مبدأ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق[3]. وذلك لأن الأمة في الإسلام أو نوابها هم من ينّصبون الخليفة. والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه. فهي التي تخلعه متى رأت ذلك في مصلحتها. وذلك لأن الخليفة ما هو في حقيقة الأمر سوى "حاكم مدني من جميع الوجوه"[4]. وبالتالي لا شيء يربط المسلمين به غير حق البيعة. وهذه بدورها مرهونة بمدى تمسكه بالعدل وحماية الحق العام واجتهاده الدائم[5].

إن هذه الصيغة المكثفة والعامة، التي استعادت في تنسيقها نظام الكل الإسلامي، هو التعبير الذي رد به على اتهامات التيارات الدنيوية (العلمانية) للقرن التاسع عشر المعارضة للإسلام. وهي اتهامات لها أساسها المتين في انتقاد الواقع السياسي للعالم الإسلامي. أما ردها المباشر في آراء محمد عبده، فقد كان ردا إصلاحيا إسلاميا "خالصا". فقد تتبع محمد عبده هنا آراء الأفغاني، ولكن في لباسها التقليدي. وبهذا يكون قد دفع عناصر الإصلاحية العقلانية صوب أعماق الكيان الإسلامي "الخالص". إذ لم تعن آراؤه عن مدنية الخليفة ونفي التيوقراطية سوى اختيار وشرعية اختيار الخليفة أو عزله. أما ضرورة سيادة القرآن والسنّة في المعاملات (حسب منظومة الحقوق الإسلامية)، فهي الصيغة الأكثر هدوءا لآراء الأفغاني. فقد كانت آراؤه موجهة هنا ليس صوب المستقبل، كما كان الحال عند الأفغاني، بل صوب الماضي من أجل إعادة بناء الصرح الإصلاحي الجديد. فقد كان المضمون الفعلي لآرائه السياسية يقوم في إظهار جوهرية القانون لا السياسة، أو تقييد السلطة بالكتاب والسنّة لا بالرغبة الشخصية والهوى، وبالجماعة ونظام الشورى لا بالفردية والاستبداد. ويعكس توجهه هذا خصوصية اصطلاحيته العقلانية، باعتبارها إصلاحية أخلاقية حقوقية تنويرية. من هنا غياب ثقل مقولات السياسة، وبالمقابل سعة اهتمامه بالتراث واصطلاحاته العملية. وترتب على ذلك بروز أولوية وجوهرية القانون والمعرفة في مشروعه السياسي. ومن ثم أولوية الروح المعرفي الأخلاقي، باعتباره مقدمة النهضة الشاملة للعالم الإسلامي بشكل عام والعربي بشكل خاص. فقد كان إبداع محمد عبده بمجمله تجسيد عربيا لإسلامية الأفغاني. وهي نفس المقدمة والأسلوب الذي ميز إبداع الكواكبي ومواقفه ككل[6].

إن انطلاق الكواكبي من استنتاجات الأفغاني ومحمد عبده كان يعني في الوقت نفسه اختزال حصيلة التجربة التاريخية للإصلاحية الإسلامية نفسها. فقد ساهم الأفغاني ومحمد عبده في وضع أسس النقد العقلاني الثقافي الشامل للتجربة التاريخية في عالم الإسلام للقرن التاسع عشر ـ بداية العشرين. فكلاهما لم يهمل تجربة قرن من الزمن مضى في محاولاته إنهاض الوعي من خموله التاريخي في المعتقدات والإيمان. وبهذا يكونا قد أسسا لقيمة الاستمرار الثقافي في التاريخ، ومبدأ ترابطهما الضروري في القول والعمل، أو مبادئ النفي العقلاني الإصلاحي والبقاء في حيز الأنا التاريخية. أما الأخيرة فقد جرى توليفها في ما يمكن دعوته بالأنا الإسلامية الثقافية، باعتبارها الإطار العام القادر على احتواء الأمة الإسلامية والأمة القومية الثقافية.

فقد ادخل الأفغاني ومحمد عبده صراع الأنا التاريخية والأنا الثقافية في ميدان الوعي السياسي والاهتمام بقضاياه المختلفة. مما أدى في الحصيلة إلى وضع أسس الإسلام السياسي (العقلاني التنويري الإصلاحي)، ومن ثم أحكامه وتصوراته ومبادئه الكبرى في الموقف من قضايا الوجود التاريخي والثقافي للأمة. وقد تضمن ذلك وضع حجر الأساس لمنظومة السياسة الفكرية ونسج خيوطها الأولى المتعلقة بصياغة مهمات استنهاض الوجود الثقافي العام (الإسلامي) في الوجود التاريخي الخاص (القومي). من هنا تداخل الثقافة القديمة والتاريخ الحديث في الأمثلة وأنماط الرؤية، والعمل من أجل تثبيت المساعي في جهودها الرامية لاستعادة قوة الماضي وأهميته الحيوية بالنسبة لبدائل الوجود الاجتماعي والسياسي للمسلمين.

وإذا كان مظهر هذا التوجه العام عند الأفغاني اتخذ هيئة الدعوة الصارمة والعارمة للعمل المباشر، وبالتالي إعادة بناء التاريخ من خلال رؤية بدايته ونهايته، فإنه اتخذ عند محمد عبده مهمة ترتيب الرؤية الإصلاحية في ميدان الروح المعرفي والتراثي والإصلاح القانوني، أي إعادة ترتيب التاريخ في بنيته الثقافية.

أما عند الكواكبي فقد اتخذت إعادة ترتيب أولويات العلاقة بين الأنا التاريخية والثقافية صيغة قلب هذه الأولوية وصبّها في وحدة السياسة الفاعلة ومستلزماتها المتعلقة بقضايا وعي الذات الثقافي والتنظير الفكري السياسي للدولة العربية. واحتوت هذه المساعي عنده على إمكانية تذليل بقايا اللاهوت في الروح والمعنى أو الرؤية التاريخية والثقافية، وإبراز قيمة الوجود التاريخي والثقافي للأمة الإسلامية عبر نفيها ببدائل الأمة القومية الثقافية، وأخيرا التنظير لهذه العلاقة وأولوياتها بمعايير وقيم السياسة الفاعلة والمدركة لمبادئ وحدود الدولة القومية والقومية الثقافية. وقد كان ذلك انقلابا كبيرا، وتوليفا عميقا وواقعيا لعناصر الإصلاحية الإسلامية ووحدة جهادها واجتهادها المعاصرة.

أننا نعثر في آراء الكواكبي على ما كل ما وضعه الأفغاني ومحمد عبده بهذا القدر أو ذاك من الوضوح في الموقف من قضايا الدولة القومية ووعي الذات القومي والثقافي. فقد أدى مسار الأشواط الإصلاحية لمحمد عبده في استنهاضه للتراث إلى أن يقف أمام قيمة العربية ومكوناتها في الوجود التاريخي والثقافي للإسلام. وأن يبنى عليها بالتالي أحكامه السياسية. ففي تناوله أهمية القرآن باعتباره معجزة الإسلام الكبرى، نراه يشدد على مظهرها اللغوي العربي. مما ألزمه بالتالي القول بأن من الصعب معرفة حقيقة الإسلام دون معرفة لغته. ومن هنا وضعه مهمة معرفة عادات العرب واعتقاداتهم وتقاليدهم كشرط ضروري لمعرفة ما في القرآن[7]. وليس مصادفة أن يستنتج من أن إحدى الجنايات الكبرى التي جرت على الإسلام هي "جناية الجمود على اللغة العربية وأساليبها وآدابها"[8]. لهذا وضع في شروط المجتهد "أن يكون عالما باللغة العربية وما معها"[9]. وبما انه اشترط في الخليفة أن يكون مجتهدا فإن ذلك يعني بالضرورة إتقانه العربية في آدابها وأساليبها. وحاول من خلال هذا الاستنتاج تفسير أحد الأسباب الكبرى وراء انهيار الخلافة وكيانها الإسلامي الحق. فقد كان الإسلام دينا عربيا، ثم لحقه العلم فصار علما عربيا بعد أن كان يونانيا، ثم "اخطأ" خليفة في السياسة فأتخذ من سعة الإسلام سبيلا إلى ما كان يظنه خيرا له. فقد ظن هذا الخليفة (العباسي) أن الجيش العربي قد يكون عونا لخليفة علوي (شيعي)، لأن العلويين كانوا الصق ببيت النبي، فأراد أن يتخذ له جيشا أجنبيا من الترك والديلم وغيرهم من الأمم"[10]. وهو الخطأ السياسي الذي أدى فيما بعد إلى ما اسماه محمد عبده "باستعجام الإسلام وانقلابه أعجميا"[11]. وأدى هذا الخطأ التاريخي، كما يقول محمد عبده، إلى انهيار دولة الإسلام العربية. وذلك يسبب افتقاد هؤلاء (الترك والديلم آنذاك) إلى قيم الثقافة وإسلامها الحق. وإذا لم يكن لهم، كما يقول محمد عبده "ذلك العقل الذي راضه الإسلام والقلب الذي هذّبه الدين، بل جاءوا إلى الإسلام بخشونة الجهل يحملون ألوية الظلم ولبسوا الإسلام على أبدانهم"[12]. كما أدت هذه العملية إلى انهيار الكينونة الثقافية للعرب والإسلام، بحيث جعلته يصف الخطأ التاريخي السياسي الثقافي للخليفة العباسي بعبارة: "وبأس ما صنع بأمته ودينه"[13]. لقد وجد محمد عبده في هذه العملية مقدمات وأسباب ما آلت إليه أمور العرب حتى نهاية القرن التاسع عشر. الأمر الذي كان يعني أيضا ضرورة إعادة بناء الدولة العربية الجديدة في كيانها السياسي والديني أولا والقومي ثانيا. بمعنى وضعه مهمة القضاء على السيطرة التركية (العثمانية) باعتبارها شيئا لا علاقة له بالإسلام ومكوناته الجوهرية. ومن ثم بث واستنهاض الوجود التاريخي والثقافي الجديد للعرب. فالنهضة الإسلامية الحقة في جوهرها هي نهضة عربية، تماما بالقدر الذي يعني نهوض العرب الثقافي والسياسي نهضة الإسلام الحق. وهو ارتباط وضع الأفغاني أسسه الروحية في عقلانية الإصلاح وثقافته الإسلامية.

غير أن هذا الارتباط الجلي في آراء محمد عبده، بقي يدور في فلك الانتماء الثقافي وردود الفعل المتعمقة تجاه قضايا وحقائق الأنا التاريخية والثقافية للإسلام والعرب. فهو لم يربطها برابطة السياسة العملية المؤَسسة بمعايير الفكر السياسي. بينما أبقي عليها الأفغاني ضمن قيمة العمل المباشر. وبهذا يكونا قد وضعا حجارة الأساس التي بنى عليها الكواكبي صرح نظريته الأولى عن وحدة الدولة والأمة المنتميين للتاريخ الثقافي الخاص. وبهذا المعنى جرت الإشارة السابقة إلى اختزال الكواكبي لتجارب الجهاد والاجتهاد المميز لعقلانية الإصلاحية الإسلامية عند الأفغاني ومحمد عبده.  

ولم يعن هذا الاختزال من الناحية الواقعية سوى صياغة المكونات الأساسية لمنظومة الفكر السياسي والنقدي العملي. فقد جرى ذلك من خلال إعادة النظر بأولويات العلاقة بين الأنا التاريخية والأنا الثقافية في وحدة السياسة الفاعلة، أي عبر توليف عناصر العقلانية والإصلاحية المتراكمتين في مجرى المخاض الفكري والعملي للقرن التاسع عشر. وبهذا المعنى يمكن القول بأن الكواكبي قدّم أول نموذج حي وواقعي لتوليف العقلانية والإصلاحية في رؤيته النقدية الاجتماعية والسياسية والثقافية، وكذلك في فكرته عن البدائل المفترضة لآفاق الدولة العربية والقومية. إذ لم يكن جمعه لعناصر الإصلاحية والعقلانية عملا تقليديا، بل إدراكا واعيا لمهمة التوليف ذاتها. ونعثر على كل ذلك في تقديمه لأبحاثه على أنها نتاج لدراسته المدققة للفكر الإسلامي في مختلف اتجاهاته القديمة والحديثة (إضافة إلى انجازات الفكر الأوربي) وتوظيفه بالشكل الذي يمكن استخدامه في ميدان الإصلاح الاجتماعي والسياسي والأخلاقي. وحدد هذا النزوع بشكل كبير، كما هو الحال عند الأفغاني، ما يمكن دعوته بالروح المتفائل، أي توليف الروح المتفائل بالعمل السياسي الواعي لأهدافه. لهذا أكد على أن الضعف الذي يصيب الأمم هو ليس ظاهرة خاصة بالعرب، بل وبالأمم جميعا. من هنا استنتاجه القائل بأنه ليس "بيننا ولاسيما عرب الجزيرة منا وبين أعظم الأمم الحية المعاصرة فرق سوى في العلم والأخلاق العالية"[14]. في حين ربط أمله بأجيال المستقبل، أي بأولئك الذين تعقد الأمة آمالها بأحلامهم… أولئك الشباب الذين لا يقتصرون ببناء قصور الفخر على عظام نخرها الدهر، ولا يرضون أن يكونوا حلقة ساقطة بين الأسلاف والإخلاف، الذين يعلمون إنهم خُلِقوا أحرارا، الذين يحبون وطنهم حب من يعلم انه خُلِق من ترابه، الذين يعشقون الإنسانية، ويعلمون أن البشرية هي العلم، والبهيمية هي الجهالة، الذين يعتبرون أن خير الناس انفعهم للناس"[15].

إننا نقف أمام إدراك عميق لقيم "الأمم الحية" وما يقابلها من نقيض في مواتها. ويكشف هذا التناقض عن رؤية الضرورة الفاعلة باعتبارها إصلاحية شاملة. مما حدد في آن واحد روح التفاؤل بإمكانية صيرورة الأمم الحية عند الجميع، وربطها في الوقت نفسه بالعلم والأخلاق العالية. بينما طابقه في حالة أخرى بين "البشرية والعلم" و"البهيمية والجهالة"، أي تحويل هذا الإدراك إلى هموم  فاعلة وراء العمل الدائم أو جوهرية الحاضر، أو ما دعاه أيضا بعدم بناء قصور الفخر على عظام الماضي المنخورة، وعدم الرضا بهيئة "الحلقة الساقطة" أو المفقودة بين الماضي والمستقبل. ولم يعن ذلك في الواقع سوى جوهرية العمل العصري الحي، باعتباره إبداعا تلقائيا مستندا إلى وعي الذات التاريخي الواقعي. وترتب على ذلك تحّمل المسؤولية الواعية، انطلاقا من قيمة الحرية في الوجود الإنساني، باعتبارها المقدمة التي ينبغي البرهنة عليها بصورة دائمة، والكشف عما في هذا الاستمرار الفاعل من "حياة" تستجيب للعلم والأخلاق العالية.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص76-77.

[2] المصدر السابق، ص78.

[3] المصدر السابق، ص79.

[4] المصدر السابق، ص79.

[5] المصدر السابق، ص78-79.

[6] ليس المقصود بعروبية محمد عبده نزوعها القومي، وليس المقصود بإسلامية الأفغاني تجاهله للقومية أو مجافاتها. فقد كان الأفغاني أوسع إسلامية من محمد عبده دون أن يعني ذلك أكثر عمقا منها. فالأفغاني، دون شك، هو الفارس الأول في إسلامية الجهاد الإصلاحية، مما حدد بدوره سعة إسلاميته في تناولها كل ما يمكنه خدمة تطلعات روحها العقلاني. فهو الشرط الذي الزم صيرورة كيانه العقلاني والسياسي في إطار الإسلامية الواسعة وجمعيتها. وهذه بدورها شكلت المبادئ العامة التي اعتنقها محمد عبده في تجاربه الشخصية. وبما أن الأخيرة جرت في ميدان تنشيطها العلمي التراثي، لهذا كان انتماؤه للكيان العربي أكثر تماسكا وتجانسا.

[7] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص، 76..

[8] المصدر السابق، ص126.

[9] المصدر السابق، ص79.

[10] المصدر السابق، ص121.

[11] المصدر السابق، ص122.

[12] المصدر السابق، ص122.

[13] المصدر السابق، ص122.

[14] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص140-141.

[15] المصدر السابق، ج1، ص 268.

 

 

ميثم الجنابي تحليل ونقد الفكرة الاصلاحية الاسلامية (13)

 إذا كان الأفغاني قد شدد في آرائه وأحكامه ومواقفه على القرآن فقط، فلأنه حاول من خلاله ربط الجميع بمركز الواحدية الوحدانية. بمعنى تحويله إلى قطب الانتماء الحق في ظل احتراب القوى العالمية وتفسخ الإمبراطورية العثمانية، وسقوط الكيان الإسلامي وتعمق التجزئة والافتراق، وصعود بوادر القومية الحديثة. وقد كان هذا الربط هو الأسلوب المناسب لاندفاع العقلانية الإصلاحية في مراحلها الأولى. وذلك لأنها كانت تعاني آنذاك من ثقل التناقض الخشن لوضوح الرؤية وعجز الإرادة، الأمر الذي ألزم الأفغاني بالبحث عن ضرورة التمسك بعروة المبادئ المتسامية. وهو تمسك يصعب الاستمساك به، بسبب صيرورة المتغيرات المكونة لوضوح الرؤية وعجز الإرادة. فقد كان من الصعب على هذه الرؤية والإرادة أن يتطابقا في الأفعال. لهذا لم تكن "وجهة الوحدة في الدين" و"السلطان في القرآن" سوى الصيغة الأكثر سموا لإعادة بناء الوحدة الإسلامية على أسس أكثر عقلانية وإصلاحا. وقد تضمنت هذه الفكرة في أعماقها على نفي غير مباشر للمركزية العثمانية ونظامها الاستبدادي. لكنه نفي لم يتكامل في منظومة واضحة المعالم آنذاك بسبب خضوع هذه الفكرة لمبدأ الإصلاح التدريجي. من هنا يمكن فهم سرّ معارضة الأفغاني للجنسية (القومية) في بادئ الأمر. وذلك لأنه وجد فيها، كما يقول، أداة بيد الأوربيين لتحطيم الوحدة الإسلامية. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن إدراك الأوربيين آنذاك، بأن أقوى رابطة تجمع المسلمين هو إسلامهم[1]. وبالتالي، فإن "محاربة" القومية عند الأفغاني كانت جزءا أو مرحلة في إدراكه لأولوية المهمات الكبرى للمعركة الفعلية بين عالم الإسلام والعالم الأوربي الكولونيالي، وليس معارضة مبدئية للفكرة القومية كما هي. فقد استند هذا الإدراك السياسي إلى حوافز فكرية وعقائدية عميقة لها أسسها في أممية الإسلام وتاريخه الثقافي. وبهذا المعنى يمكن فهم آرائه القائلة، بأنه "لا جنسية (قومية) للمسلمين إلا في دينهم"[2]. وهو استنتاج له مقوماته في انتقاده الإسلامي للقومية. بمعنى النظر إليها بمعايير المطلق، كما أنها إعلاء شأن الفكرة الأخلاقية الروحية على التاريخية السياسية. ولهذا أعتبر القومية مَلَكة عارضة، وانه لا يذهب إلى "أنها أمر طبيعي". ومع ذلك أكد على انه "قد يكون من المَلَكات العارضة على الأنفس ترسمها على ألواحها الضرورات"[3]. وتحتوي هذه الفكرة على إقرار بواقعية القومية ضمن سياق الضرورة التاريخية. لكنه سعى في الوقت نفسه لتذليلها بمعايير المطلق. من هنا توكيده على أن القومية عرضة للزوال انطلاقا من أنها نشأت بالضرورة، فإنها يمكن أن تزول مع زوال هذه الضرورة. وأن المبدأ الأعلى لزوالها هو المبدأ المتسامي، الذي تتساوى أمامه الجميع، أي الله[4].

وبهذا المعنى يمكن فهم آرائه عن أن ترسيخ الديانة الإسلامية كفيل بتذليل القومية. ولم يقصد بالقومية هنا سوى صيغتها المغتربة عن الكلّ الإسلامي في تقاليده الثقافية والإنسانية. وبالتالي، لم يكن وقوفه ضد القومية المتطرفة ودعوته للاعتدال، سوى محاولة إرساء معادلة للعقلانية والأخلاق، للمطلق والإصلاح. وحصلت هذه المعادلة على تعبيرها الدقيق في فكرته العامة عن الأساس الشرعي والأخلاقي للوحدة الإسلامية، باعتبارها نقيضا للتطرف القومي. فالدين الإسلامي، كما يقول الأفغاني، لم تكن أصوله محصورة في إطار دعوة الناس إلى الله وملاحظة أحوال النفوس من جهة كونها روحانية المنشأ ومدعوة للتوجه من هذا العالم إلى العالم الآخر، بل وجاءت "وافية بوضع حدود المعاملات بين العباد، وبيان الحقوق كلها وجزئيتها، وتحديد السلطة الوازعة التي تقوم بتنفيذ المشروعات وإقامة الحدود وتعيين شروطها، حتى لا يكون القابض على زمامها إلا من أشد الناس خضوعا لها. ولن ينالها بوراثة ولا امتياز في جنس أو قبيلة أو قوة بدنية وثروة مالية، وإنما ينالها بالوقوف عند أحكام الشريعة والقدرة على تنفيذها ورضا الأمة"[5]. وبهذا يكون الأفغاني قد قيّد الوحدة الإسلامية بقيود القانون من خلال رفعه حدود المعاملات وبيان الحقوق وتحديد السلطة الوازعة. وهذه بدورها محصورة ومحددة بالقانون وليس بالوراثة أو الامتياز القبلي أو القومية أو أيما امتياز آخر. وتعكس هذه الآراء بحد ذاتها نقد التجربة التاريخية لدول الخلافة، بما في ذلك نموذجها القائل بقرشية الخلافة وما شابه ذلك، وكذلك نفي الخلافة المعاصرة له (العثمانية).

وشكلت هذه الفكرة الإطار العام لتعميق عقلانية الرؤية في المواقف من قضايا الوحدة والقومية. فقد أبقى على القومية ضمن حيز الانتماء الثقافي، والدعوة لها ضمن حيز الاستقلال السياسي بما يتناسب مع نظام القانون والحق. ولم يعن ذلك في الواقع سوى صياغة الأسس الأولية لترميم الوحدة الخربة في نموذجها الإمبراطوري العثماني. من هنا تأييده وتأكيده المتزايد على عدم تعارض الإسلام مع القومية، رغم تشديده في الوقت نفسه على أن الرابطة الدينية هي أشرف الروابط[6]. لقد أخذ الأفغاني يقترب من واقعية الرؤية، بما في ذلك التاريخية، من أجل إدراجها في فكرته الإصلاحية. فعندما تناول تجربة العرب قبل الإسلام، فإنه أشار إلى ضعف قوة القومية فيهم بفعل توزعها في القبائل، بينما استعاض الإسلام عن قوة القومية بتوحيدية الكلمة والإيمان. في حين أدى سلوك بعض الخلفاء وجهلهم إلى دخول الغرباء (المماليك)، ومن ثم انهيار قوة القومية (العربية) وزوال حكمهم. وينطبق هذا بالقدر ذاته على حالة الدولة التركية (العثمانية) المعاصرة له[7].

وبغض النظر عن التناقضات المتناثرة في هذه الأحكام والتصورات إلا أنها تعكس الإقرار المتزايد والمتعمق في الرؤية الواقعية لعلاقة القومي بالديني في ظل الانعطاف الكبير للدولة العثمانية وصعود العامل القومي، أي التجزئة الجديدة في ظل الوحدة القديمة (المتفسخة)، أو الوحدة الجديدة في ظل التجزئة المكبوتة بالقوة. من هنا استنتاجه القائل بأن الدول لا تتكون إلا في حالة وجود قوتين، وهما قوة الجنس (القومية) الداعية للاتحاد والغلبة، وقوة الدين الذي يقوم مقام الجنسية (القومية) في جمع الكلمة، بحيث أعتبرها من المبادئ الضرورية لحماية الدولة والحفاظ عليها[8]. وتستند هذه المبادئ إلى إدراكه المتعمق للمشاريع العملية في الفكرة الإصلاحية. وذلك لأن آراء الأفغاني الأساسية ومنطلقاته الكبرى تستند على نفي الطابع "الطبيعي" للقومية، أما في رؤيته النموذجية للمثال، فإنه ينفيها بمبادئ المطلق الإلهي (أو الإنساني الإلهي). بينما ألزمته الرؤية الواقعية ومتطلبات الإصلاح العقلاني إلى إدراجها في مشاريع السياسة العملية، باعتبارها مبدأ تقتضيه الضرورة. وفي هذه الضرورة لم تعد القومية لوحدها جزءا منه، بل والدين أيضا. وليس مصادفة أن يضع في تحديده لمكونات القومية كل من الدين واللسان (اللغة) والأخلاق والعوائد والإقليم[9]. ذلك يعني، انه أدرج فيها مكونات عقلانية وغير عقلانية، باعتبارها المعادلة الضرورية للتاريخي والأخلاقي في مشاريع السياسة الواقعية. وهو تحديد واسع وعميق في الوقت نفسه. وبالتالي أكثر عقلانية وإصلاحية في غايته، لأنه حاول أن يحصر إمكانية البدائل القومية بالمضمون الثقافي، وأن ينّشطها في الوقت نفسه باتجاه التوحيد السياسي الجديد. من هنا دفاعه عن العرب والعجم والترك وتشديده على أن القومية وممثلوها الحقيقيون هم أولئك الذين تشبعوا بلغتها وتثقفوا فيها (بغض النظر عن الدين والقومية والعرقية). ومن هذا المنطلق تكلم عن القومية العربية وثقافتها بحيث أدرج فيها المسلمون والنصارى والصابئة، والعرب والفرس والأتراك.

بصيغة أخرى، انه حاول أن يؤسس للفكرة القومية الثقافية من خلال بناء مكونات وحدتها الداخلية الاجتماعية الثقافية والسياسية. من هنا انتقاده لبقاء العقيدة الدينية المجردة عن الأعمال وغياب الصلات الأخرى بين شعوب العالم الإسلامي وقومياته[10]. بحيث جعله ذلك يتكلم عما يمكن دعوته "بالتعصب الثقافي" وقيمته بالنسبة للوحدة السياسية (والقومية). لهذا نراه يسخر من أولئك المتغربين المقلدين، الذين اتهموا بالتعصب من اسماهم هو بأهل الأصالة. وقد رد على ذلك محاولا البرهنة على أن التعصب ضروري لأنه "روح كلي مهبطه هيئة الأمة وصورتها .. وسائر أرواح الأفراد حواسه ومشاعره ". وبالتالي، فإن ضعف تعصب الأمة لذاتها هو دليل انحلالها، وذلك لأنه "قوام الاجتماع الإنساني وبه حياة الأمم"[11]. وينطبق هذا بالقدر ذاته على موقفه من قيمة الرابطة الدينية والقومية. فقد اعتبر الرابطة الدينية أشرف من أية رابطة أخرى. بينما أعتبر الثانية ضرورية ومكملة للأولى. ولم يكن هذا خلطا أو تركيبا عشوائيا، بقدر ما انه كان يخدم إدراكه لضرورة الوحدة الواقعية في عالم الإسلام المعاصر له. فعندما حلل أهمية العصبية باعتبارها "روحا كليا مهبطه الأمة وصورتها"، فإنه لم يقصد بذلك سوى كلّها الثقافي السياسي. وضمن هذا السياق يمكن فهم ردوده على اتهامات الأوربيين المعاصرين له عن "تعصب الإسلام". فقد وجد في هذه الاتهامات أسلوبا لتهشيم الوحدة الإسلامية، باعتبارها القوة المتصدية لمطامعهم في الشرق (الإسلامي). ولهذا نراه يتكلم عما اسماه بزيف الأوربيين في اتهامهم المسلمين بالتعصب، لأنهم (الأوربيين) أشد الناس تعصبا لقومياتهم وأديانهم[12]. في حين لم يقصد بالتعصب الضروري للمسلمين سوى ما يتطابق من حيث مضمونه مع فكرة العدل. فهو يؤكد على أن للتعصب طرفي غلو ووسط معتدل. وأن "التعصب الإسلامي" ينبغي أن يكون أوسطه، أي ذلك الذي يحافظ على شخصية الأمة في حقيقتها وصورتها أو كيانها الثقافي والسياسي. وبهذا يكون الأفغاني قد حوّل حوافز الوحدة "الطبيعية" صوب وجهتها الثقافية والسياسية. وحاول إبراز هذه الصيغة في موقفه من أن "التعصب" الأمثل للمسلمين ينبغي أن يسير في اتجاه طلب القوة الحقيقية والتفوق على الآخرين في المعرفة والعلم[13]. أما نموذجه السياسي فمن الممكن تصويره على مثال التجربة الألمانية. لكنه لم يسع من وراء ذلك إلى نقل التجربة السياسية الألمانية، بقدر ما أراد الكشف عما في طريقة ونموذج وحدتها السياسية والثقافية من قيمة كبرى بالنسبة لإعادة بناء الوحدة الجديدة لعالم الإسلام. فقد كان الألمان، كما يقول الأفغاني، "يختلفون في الدين المسيحي على نحو ما يختلف الإيرانيون مع الأفغانيين في مذاهب الديانة الإسلامية. فلما كان لهذا الاختلاف الفرعي أثر في الوحدة السياسية ظهر الضعف في الأمة الألمانية وكثرت عليها عاديات جيرانها. ولم يكن لها كلمة في سياسة أوربا. وعندما رجعوا إلى أنفسهم وأخذوا بالأصول الجوهرية وراعوا الوحدة الوطنية في المصالح أرجع الله عليهم من القوة والشوكة ما صاروا له حكام أوربا"[14].

وبهذا يكون الأفغاني قد جعل من عقلانية الوحدة السياسية أولوية كبرى للكلّ الإسلامي على اختلافاته الفرعية. ووجد الأسلوب المعقول لبلوغ ذلك في ما اسماه بالأخذ بالأصول الجوهرية ومراعاة الوحدة الوطنية. أما مكوناتها فقد وجدها في عناصر التوحيد والدين والمصلحة[15]. وهي مكونات يحدد كل منها الآخر، بمعنى تقييدها الذاتي بالشكل الذي يمنع عليها إمكانية التطرف الديني أو القومي أو النفعي. وبالتالي لا يعني ربطها الحق فيما بينها سوى ربط مكونات وجود الأمة (الإسلامية) بقومياتها المتعددة بعناصر وجودها الثقافي والسياسي. بمعنى الربط الممكن بين مكونات الدين واللغة والأخلاق (التقاليد) والعوائد (المصالح) والإقليم (الجغرافيا والتراب) في كل قومية لحالها، وفي إطار العالم الإسلامي ككل.

لقد تضمنت هذه الأفكار في حصيلتها العامة محاولة تأسيس الوحدة الثقافية والسياسية لأمة الإسلام وقومياتها بمعايير الإصلاحية العقلانية. واحتوت بالتالي على إدراك وتأسيس قيمة الوحدة وفاعليتها المباشرة وغير المباشرة بالنسبة لترميم وحدة الإسلام المنهارة، وإعادة بنائها الجديد في نظم عصرية معقولة. وإذا كانت هذه الأفكار في مظهرها تبدو أقرب إلى الطوباوية النشطة، فإنها كانت من حيث مضمونها أقرب إلى الواقعية الحالمة. فقد وضعت مهمات وأسس إعادة بناء الوحدة الجديدة للعالم الإسلامي ودوله المحتملة، دون أن تحسم بصورة نهائية ما إذا كان بالإمكان أو من الضروري أن يتجسد ذلك في هيئة قوميات ثقافية ضمن وحدة إسلامية مركزية أو فيدرالية، أو قوميات مستقلة يربطها اتحاد ثقافي وديني. ومع ذلك، فقد استشرف الأفغاني في أفكاره هذه آفاق المستقبل المتفائلة، دون أن يضعها في برنامج سياسي واضح، أو رؤية فكرية سياسية متكاملة، أو منظومة فلسفية ثقافية محددة. لقد كان يمثل في مفاهيمه المتحركة مفاهيم الحركة الصاعدة. لهذا اقترنت أحكامه المتفائلة والمستقبلية عن المشروع الثقافي برؤيته السياسية الواقعية، كما هو جلي في نظراته عن طبيعة الدولة المفترضة ونظامها السياسي.

لقد اقترنت موضوعية الأحكام في رؤية الأفغاني عن إمكانية البدائل الثقافية في الشرق (الإسلامي) بأسلوب تجسيدها السياسي. وهي الخاتمة التي كانت تصب فيها أقواله وأفعاله، أو نشاطه النظري والعملي. وليس مصادفة أن يشدد على أن السلطة الغاشمة، التي لا تتمتع بقدر ضروري من الأمانة، هو أحد الأسباب الكبرى وراء انقراض الأمم أو خضوعها الكامل للأجنبي[16]. واستند في حكمه هذا لا إلى التحذير الأخلاقي من مغبة الخاتمة المحزنة والمخزية لما يمكن أن تؤول إليها مجريات الأمور، بل إلى رؤيته الواقعية للدولة المعاصرة (أو دول العالم الإسلامي ككل والعثمانية منها بالأخص). وإذا كان هذا الحكم يستند إلى تقاليد التصورات والأحكام الأخلاقية عن ضرورة الدولة العادلة، أو جوهرية العدل باعتباره رابطة الكلّ الاجتماعي والفكري، فإن الأفغاني حاول إدراجه في الرؤية السياسية المباشرة. ومن ثم نقله إلى ميدان ضرورة الدولة وقيم النظام السياسي بالنسبة لإعادة ترتيب "الأنا التاريخية السياسية" في العالم المعاصر. من هنا تأكيده على أن الحكومة ضرورية ليس فقط بالنسبة لرفاهية الأمم، بل ولكونها ضمانة الوقوف ضد فوضى التقليد الأجوف "للديمقراطية الأوربية". وذلك لأن النظام السياسي الحقيقي يفترض المرور بمعاناة "الأنا السياسية" واكتمال حدودها الممكنة في مؤسسات الدولة ونظامها المعقول. وهو الذي يفسر أيضا حصره ضرورة الدولة في أشكال الجمهورية أو الملكية المشروطة أو الملكية المقيدة[17]. ذلك يعني أن حدود رؤيته لأهمية الدولة وضرورتها مرتبط في الوقت نفسه، بطبيعة نظامها السياسي. ووجد في النظام الدستوري الديمقراطي الصيغة المثلى بالنسبة للشرق (المسلم). وقد كان ذلك يعني أيضا نفيه لنموذج الدولة العثمانية ونظامها الاستبدادي.

إن تقييد ضرورة الدولة بشكل ما معين من الأنظمة السياسية في بداية مواقفه الفكرية والسياسية، كان يتضمن على موقف يبعد وينفي أنظمة الحكم السائد في العالم الإسلامي آنذاك. إذ لم تعن الجمهورية أو الملكية المقيدة، أو الملكية المشروطة سوى النفي المبطن لنظم الاستبداد السائدة آنذاك. في حين كان اختياره السياسي للنظام الدستوري الديمقراطي مرتبطا بيقينه عن كونه التمثيل الأمثل للفضيلة السياسية وشكل تحقيقها الاجتماعي والأخلاقي. وليس مصادفة أن يجعل من بين أسباب نهوض اليابان وتطورها السريع ما اسماه "بتقييد حكومة الإمبراطور( الميكادو) بالدستور وقبوله الشورى عن طيب خاطر وسعيه بإخلاص من وراء ذلك"[18]. فقد كان "تقييد السلطة" يعني من الناحية التاريخية نفي الاستبداد والإنفراد في نظام الحكم العثماني وأمثاله. لهذا أكد في بعض آرائه ومواقفه على أن نهضة الشرق ممكنة في حالة "تغير شكل الحكم في أهله"[19]. وربط تغير شكل الحكم بالنظام الدستوري الديمقراطي لا النظام الجمهوري. فالنظام الجمهوري بالنسبة للأفغاني كان يعادل النظام الرئاسي. مما كان يعني إمكانية احتواءه على التفرد والاستبداد. لهذا نراه يجد في الحكم الجمهوري شكلا "لا يصلح للشرق اليوم ولا لأهله"[20]. وهو حكم استند في آن واحد إلى حقائق الإدراك العقلاني والإصلاحي للواقع الإسلامي آنذاك، وإلى تحليل التجربة الأوربية. بعبارة أخرى، إن نفي النظام الجمهوري كان يعني بالنسبة للأفغاني نفي الاستبداد والراديكالية السياسية في ظل هيمنة تقاليد الإنفراد والاستفراد في الحكم. ففي مواقفه من تجربة مصر الدستورية المزيفة آنذاك، أكد على أن أهل الشرق ومصر لا يمكنهم أن يحيوا بدوله وإماراته، إلا إذا أتيح لكل منهم رجلا قويا عادلا يحكم بأهله على غير طريق التفرد بالقوة والسلطان. وذلك لأنه بالقوة المطلقة الاستبداد. ولا عدل إلا مع القوة المقيدة. وحكم مصر بأهلها إنما اعني به الاشتراك الأهلي بالحكم الدستوري الصحيح"[21].

إن القوة المقَيّدة بالدستور هي أسلوب النظام العادل، أي كل ما كان بإمكانه أن يتطابق، حسب نظر الأفغاني، مع تقاليد العالم الإسلامي الحقيقية وإمكانية نهوضه المعاصر. فقد شدد في أكثر من موضع على أن الحكم الدستوري يتطابق مع حقائق الحكم الإسلامي الحق[22]. ولم يفتعل الأفغاني تطابق الديمقراطية الأوربية بنظام الشورى الإسلامي، بقدر ما حاول إعطاء تشابههما صيغة البديل الواقعي لتجديد تقاليد الإسلام العقلاني بمعايير الفكرة الإصلاحية والواقعية السياسية الحديثة. لهذا رد على أولئك الذين حاولوا إثارة قضية الخلاف المستعصي على الحل بين السلطة الزمنية والروحية (أو الدينية والدنيوية) على أن "كلتا السلطتين ترمي إلى غاية واحدة في الجوهر والأصل"، وانه إذا طرأ خلل على أحداهما، فإن ذلك ليس في أصل الوضع. من هنا مطالبته بضرورة العمل من أجل إصلاحه و"الوقوف بوجه من أخلّ، وإرغامه على الرجوع إلى الأصل"[23]. بينما لم يضع في السلطة الروحية (الدينية) سوى ما يتطابق مع النفوذ المعنوي الأخلاقي[24]. ذلك يعني، أن الجوهري في الرجوع إلى الأصل هنا يتطابق مع فكرة الوحدة النموذجية بين عقلانية الرؤية وطابعها الإصلاحي في الفعل السياسي. أما نموذجها الأمثل في الحكم فقد ربطه بالنظام الدستوري الديمقراطي. وبالتالي، لم يعن الرجوع إلى الأصل وإرغام من اخلّ به للرجوع إليه سوى أولوية الدستور والنظام الديمقراطي. بينما لم تعن السلطة الروحية هنا سوى تأييدها المعنوي للنظام الدستوري الديمقراطي باعتباره نظاما عادلا. من هنا رفعه للشعار القائل، بأن من الضروري العمل على "أن يبقى رأس الملك بدون تاج، أو تاجه بدون رأس في حالة خيانته لدستور الأمة"[25]. وإذا كانت هذه الصيغة تبدو راديكالية المظهر، فإن مضمونها الفعلي يقوم في إبراز وإقرار قيمة الفكرة الشرعية والحقوق. وجعل من الشرعية والحقوق الحدود الصارمة والتي لا ينبغي لأي كان حق تخطيها وتجاوزها. لهذا أيضا أكد على أن هذا الشعار هو "ما يحسن بالأمة فعله، إذا هي خشيت من أمرائها وملوكها عدم الإخلاص لقانونها الأساسي، أو عدم قابليتهم لقبول الشكل الدستوري قلبا وقالبا"[26].

ووضع هذا الاستنتاج السياسي أيضا في مواقفه الملموسة من مشروع النظام الدستوري المزيف في مصر آنذاك. فقد انطلق في مواقفه المعارضة للنظام الدستوري المصري من أن القوة النيابية لأية أمة كانت لا يمكنها أن تكون حقيقية، إلا في حال استنادها إلى الأمة ذاتها وإرادتها الحرة. وذلك لأن تشكيل النظام بإرادة الغير (الأجانب) يعني صنع نظام مزيف، أو ما اسماه الأفغاني، بالقوة النيابية الموهومة، لأنها موقوفة في إرادتها على إرادة محدثها (الأجنبي). إضافة لذلك إن نظاما كهذا عرضة للزوال ولا قيمة له بحد ذاته. فهو نظام لا يحتوى برلمانه (مجلسه) على مكوناته الحرة في صراعه من أجل تنشيط المجتمع وحفظ حدوده ضمن ما اسماه الأفغاني بالواجبات والمساواة. وذلك لأنه "لا أثر لحزب الشمال (اليسار) في ذلك المجلس. لأن أقل مبادئه أن يكون معارضا للحكومة، وحزب اليمين أن يكون من أعوانها"[27]. لهذا اعتبر وجود هذا النظام يتعارض حتى مع إقراره الشخصي ويقينه بالقاعدة الفلسفية الكلية القائلة، بأن "الوجود خير من العدم". مما دفع ذلك الأفغاني للقول، بأن "عدم مثل هذا المجلس خير من وجوده"[28].

إن هذا الإدراك العميق لقيمة الصراع الحي والإرادة الحرة في صيرورة اليسار (حزب الشمال) واليمين هو الاستيعاب السياسي لتجارب أوربا البرلمانية والسياسية. أما الدعوة لعدمها في الشرق (الإسلامي)، فهو النتاج الملازم، رغم راديكاليتها الظاهرية، لإدراك قيمة الأسس المتينة لنظام الحكم الأمثل والتي يفرضها منطق العقلانية الإصلاحية العميق في رؤيته لآفاق التطور الاجتماعي والثقافي الحر. في حين حدد انتقاده هذا واستيعابه الجديد لإمكانيات النظام الدستوري الديمقراطي مواقفه من جوهرية العدالة والمساواة، التي لم تعد جزءا من شعارات أخلاقية ودعوات عامة، بل كلاّ واحدا للقيم السياسية التي ينبغي تجسيدها من خلال نظام الحكم نفسه. ومن ثم ضرورة تحول الشعب إلى مصدرها الوجودي والحقوقي أيضا. فالسلطة الزمنية (الدنيوية)، كما يقول الأفغاني، بمليكها أو سلطانها، إنما استمدت قوتها من الأمة لأجل قمع أهل الشر وصيانة حقوق العامة والخاصة[29]. وإن إرادة الشعب غير المكره وغير المسلوب الإرادة قولا وعملا هو قانون ذلك الشعب المتبع، والذي يجب على كل حاكم أن يكون خادما له أمينا على تنفيذه[30]. وبهذا يكون الأفغاني قد تعدى حدود التقاليد الدينية العادية السائدة عبر ربط مآثر العقلانية القديمة بمشروعه الإصلاحي، بوصفه بديلا سياسيا لنظام الاستبداد والتفرد بالسلطة. وليس مصادفة أن يؤكد على أن العالم الغربي (الأوربي) بكل تنوع دوله وقومياته ونظمه الداخلية، هو نتاج ما اسماه بالمساواة النسبية للجميع في الفضيلة القائمة في علمهم وعملهم بالواجبات والمساواة. وبهذا يكون الأفغاني قد نقل أخلاق العدالة المجردة إلى ميدان العمل المباشر (السياسة ونظام الحكم). ومن ثم أعطى لها بعدها العملي والأخلاقي الفعلي. بل ونراه يجد في ذلك أسلوبا ضروريا لإزالة "التفرد بالسلطة وسَوْق الأمة على هوى السلطان"[31].

لقد رفع الأفغاني النظام الدستوري الديمقراطي إلى مستوى الفضيلة الأخلاقية، انطلاقا من انه النظام الذي يكفل للإنسان إمكانية تجسيد ذاته والعدالة. لهذا لم يجد في انقراض النظم الاستبدادية في العالم البشري إحدى سنن الوجود، بل وأكد على أن الشورى (الديمقراطية) سوف تؤدي بالضرورة إلى تفّقه الشعوب لذاتها. وشكلت هذه الأحكام في حصيلتها أساس الفكرة القانونية والروحية الإصلاحية عند محمد عبده، وأساس الفكرة السياسية الإصلاحية عند الكواكبي.

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] الافغني: الاعمال الكاملة، ج1، ص307.

[2] المصدر السابق، ج2، ص342.

[3] المصدر السابق، ج2، ص348.

[4] المصدر السابق، ج2، ص248.

[5] المصدر السابق، ج2،ص349.

[6] المصدر السابق، ج2، ص319.

[7] المصدر السابق، ج2، ص314.

[8] المصدر السابق، ج2، ص398.

[9] المصدر السابق، ج2، ص428.

[10] المصدر السابق، ج1، ص205.

[11] المصدر السابق، ج1، ص309.

[12] المصدر السابق، ج1، ص309.

[13] المصدر السابق، ج1، ص309-310.

[14] المصدر السابق، ج 2، ص318-319.

[15] المصدر السابق، ج2، ص319.

[16] المصدر السابق، ج1، ص147.

[17] المصدر السابق، ج1، ص146.

[18] المصدر السابق، ج1، ص200.

[19] المصدر السابق، ج1، ص218.

[20] المصدر السابق، ج2، ص479.

[21] المصدر السابق، ج2، ص477.

[22] المصدر السابق، ج1، ص245.

[23] المصدر السابق، ج2، ص322.

[24] المصدر السابق، ج2، ص323.

[25] المصدر السابق، ج2، ص479.

[26] المصدر السابق، ج2، ص479.

[27] المصدر السابق، ج2، ص273.

[28] المصدر السابق، ج2، ص274.

[29] المصدر السابق، ج2، ص323.

[30] المصدر السابق، ج2، ص323.

[31] المصدر السابق، ج2، ص428.

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الإصلاحية الإسلامية الحديثة(12)

 لقد حاول الأفغاني التأصيل السياسي للعقائد الإسلامية. وشكلت هذه العملية في مرحلة صعود "الإسلام الثقافي" الإصلاحي مصدر قوته وطاقته الإبداعية. بمعنى ربطه في كل واحد تراث الإسلام بالمعاصرة، بالصيغة التي أسست بدورها لنظريات الدولة والسلطة والوحدة الاجتماعية السياسية والثقافية للعالم الإسلامي. فقد اعتبر الأفغاني مفاهيم الوحدة والقوة أصولا من أصول العقائد الإسلامية. وكتب قائلا، بأن الوفاق والغلبة هما "عمادان قويان وركنان شديدان من أركان الديانة الإسلامية، وفرضان محتومان على من يستمسك بها"[1]. من هنا أيضا رفعه لاتفاق الرأي والعمل إلى أعلى مصاف الشريعة الإسلامية. وفي الوقت نفسه لم يحصر ذلك في إطار التقاليد الفقهية، بل أدخلها في مسار التنشيط الفعلي للعمل السياسي الاجتماعي. بحيث جعله ذلك يؤسس للفكرة القائلة، بأن إجماع المسلمين هو حكم الله في الأمور. وكتب بهذا الصدد قائلا بأن الإسلام"جعل اجتماع الأمة واتفاقها على أمر من الأمور كاشف عن حكم الله وما في علمه، وأوجب الشرع الأخذ به على عموم المسلمين، وعدّ جحوده مروقا من الدين أو انسلاخا عن الإيمان"[2]. ذلك يعني، انه أنزل "حكم الله" إلى مستوى الأحكام الأرضية، أو رفع التجربة التاريخية للإجماع إلى مصاف المطلق، أو طابقهما بالصيغة التي تجعل من تجارب الأنا الاجتماعية للأمة في أحكامها وأفعالها معيارا وحيدا حقا.

وبهذا يكون الأفغاني قد ساهم في تقييد التجربة التاريخية المعاصرة له بأحكامها الخاصة. وحصر الطابع العملي المباشر لهذا التقييد بمتطلبات السياسة وغاياتها الكبرى. وليس مصادفة أن يستغرب من القطع الواضح بين عقلانية الرؤية وحكمتها المعرفية عند محمد عبده وبين تجسيدها المباشر في العمل السياسي الإصلاحي، أي الانقطاع النسبي بين عقلانية الرؤية وسياسية الفعل. فقد وجد في محمد عبده "طودا من العلم الراسخ، وعرمرما من الحكمة والشمم وعلو الهمم"، بينما أخذه العجب عندما "يرى المصريين في جمود، وأولى الهمة منهم في قعود، وانه لم تتألف من محمد عبده وسعد زغلول وغيرهم عصبة تناضل الإنجليز"[3]. ووجد هذا الانقطاع على انعكاسه عند محمد عبده في تعمق عناصر "التفسير السياسي" للتاريخ الإسلامي، و"الاشمئزاز" النفسي الأخلاقي من السياسة. لهذا رد على تفسيرات أولئك الذين وجدوا في تأخر العالم الإسلامي نتيجة لصراعاته الداخلية المحصورة بقضايا العداء الديني العقائدي، على خلاف الأمر في العالم النصراني، من أن صراعات الإسلام لم تجر لأسباب تتعلق بالعقائد. فالأشاعرة لم تحترب مع المعتزلة والفلاسفة ولا هؤلاء مع غيرهم، رغم اختلافاتهم العميقة. أما الصراعات والحروب التي ميزت مواقف الخوارج والقرامطة والعباسيين مع الأمويين فقد كانت تجري لأسباب سياسية[4].

وبغض النظر عما في هذه الصيغة من مساع لإخلاء النزاعات القديمة من حوافز النزوع الديني العقائدي، إلا أنها عكست إلى جانب دقتها العلمية، نزوع محمد عبده السياسي، من خلال وضع وقائع التاريخ ومجرياته باعتبارها تاريخا سياسيا. من هنا استنتاجه القائل، بأن "أكبر داء دخل على المسلمين في هممهم وعقولهم إنما دخل عليهم بسبب استيلاء الجهلة على حكومتهم"[5]. فهو لم يعد ينظر إلى أسباب التخلف بمعايير النفس الأخلاقية المجردة، أو بفعل الابتعاد عن عقائد الدين الكبرى، رغم جوهريته، بل بمعايير فاعلية السياسة والسلطة. بمعنى الإدراك المتعمق لقيم التجربة التاريخية المعاصرة له من خلال رؤية الماضي وتاريخه السياسي. ففي الوقت الذي وجد في استيلاء الجهلة على الحكومة (السلطة أو الدولة) سبب خور العالم الإسلامي، فإنه لم يجد في السياسة المعاصرة له ومحترفيها سوى "شيطانا" جديدا. بل نراه يجد فيها "علة عرضت على المسلمين" تمكنت من أفئدتهم وأطفئت نور الإسلام من عقولهم. من هنا تصويره إياها بعبارة "الشجرة الملعونة في القرآن"[6]. بحيث يطابق مضمونها مع "عبادة الهوى وإتباع خطوات الشيطان". ولم يقصد هو بذلك سوى الانحراف التاريخي الذي ميز ابتعاد السلطة عن المبادئ المعقولة والإنسانية في الإسلام. ومن هنا أيضا مطابقته لفكرة السياسة مع الانحراف عن الحق، أو "دور الجمود" مع "دور السياسة". بمعنى ربطه هيمنة السياسة بنفسية المغامرة وغياب الحق وانتشار الهوى. وإذا كانت هذه الصيغة تعكس الروح الإصلاحي الأخلاقي في مواقفه من "تاريخ السياسة"، فإن مضمونها الحقيقي عند محمد عبده، يحتوي على بعد ملموس في انتقاد الدولة العثمانية. فهو لم يجد في السياسة المتبعة في "بث أفكار الخمول والقدر وقبول الخرافات" شيئا متضاربا ومضادا لأصول الإسلام فحسب، بل وأسلوبا في السيطرة السياسية[7]. إذ وجد فيها "سياسة الظًلَمة وأهل الأثرة"، التي روجت ما أدخل على الدين مما ليس منه. مما جعله يؤكد على أن ما تفهمه العامة منهم إسلاما هو ليس بإسلام، بل صورة من بعض أعماله‎[8].

يعكس الاشمئزاز الواضح من السياسة عند محمد عبده الإدراك الإصلاحي والعقلاني لقيمة الفاعلية السياسية، أو الإدراك الذي تخترق مكوناته قيم الأخلاق المتسامية والمسبوكة في أولوية الحق والقانون. وعبّر عن هذا الفهم في مطابقته لما اسماه بدور الجمود ودور السياسة في تاريخ الإسلام. وإذا كانت هذه الرؤية تعكس سيطرة الروح الأخلاقي في تقييم التحولات الكبرى في "التاريخ السياسي" للإسلام، فأنها تكشف من جهة أخرى عما للقانون من قيمة كبرى في أحكامه القيميية والسياسية. ولا يعني ذلك في الواقع، سوى صيرورة الوحدة المدركة للسياسة والقانون، والسياسة في القانون، والقانون في السياسة. وحاول كشف طبيعة هذا الإدراك من خلال انتقاده "لدور الجمود" باعتباره "دورا للسياسة". فهو يؤكد على انه إذا كانت خلافات المسلمين الأوائل تندرج في مجال الاختلافات في الفتيا (الإفتاء) باعتبارها اجتهادا، فإنه حالما جاء دور السياسة "اخذ المتخالفون في التنطع، وأخذت الصلات تنقطع"[9]. ذلك يعني انه يضع استيعابه للتاريخ السياسي عن تلازم التخلف والجمود مع هيمنة السياسة المغامرة، باعتبارها منافاة للاجتهاد (الفكري السياسي) القانوني. لهذا أكد على أن هذه السياسة هي التي تحلّ ما تشاء وتحرّم ما تشاء وتصحح ما تشاء وتعطل ما تشاء، والناس منقادون إليها بازّمة القوة أو الأهواء[10].

إن هذا الإدراك العميق لقيمة القانون باعتباره الميدان المفترض للاجتهاد الفكري والسياسي هو البديل الذي حاول من خلاله محمد عبده انتقاد "سياسة الظَلمَة والأثرة"، أي تلك التي تضع تقاليد القوة من إحلال وتحريم، وتصحيح وتعطيل محل معايير الحق والحقيقة. ومع أن هذا النقد لم يتكامل في منظومة محمد عبده السياسية، إلا انه وضع أولويات رؤيته فيها عن قيمة القانون. مما أدى بدوره إلى دفع عقلانية الرؤية باتجاه اصطلاحيتها السياسية الفاعلة، باعتبارها فعلا قانونيا. وبهذا تكون آراؤه وآراء الأفغاني قد سارت صوب إضفاء الطابع العقلاني على آفاق الرؤية السياسية للتطور الاجتماعي الثقافي العربي (الإسلامي).

تحتوي عملية إضفاء الطابع العقلاني لآفاق الرؤية السياسية في ذاتها على إدراك معين لتذليل تجارب الماضي القريب. لكنه إدراك لم يقيّد نفسه بمفاهيم الماضي وثقل رموزه الكبرى، بل في انفتاحه على أولويات الوجود السياسي المعاصر. ويكشف هذا الإدراك عن قيمة التحولات الكبرى في إبداع الإصلاحية الإسلامية. كما انه يفسر عدم انهماكها في صياغة منظومات الفكر السياسي وولعها في الوقت نفسه بمناقشة قضاياه العديدة من خلال التأسيس الجزئي له في كل مواقفها وتصوراتها وأحكامها. ويمكننا العثور على صيغته المكثفة في برنامج (العروة الوثقى)، الذي يمكن تلخيصه في مهمات كبرى وهي كشف أسباب سقوط الشرق، وإثارة الهمم للنضال، والدعوة للأصالة الثقافية، والوحدة الاجتماعية والقومية والدينية (الإسلامية) والنزعة الإنسانية[11]. وهو برنامج يحتوي بالقدر نفسه على إدراك قيمة الوسائل ومضامينها وحقيقة الغايات ومراميها.

لا يعني إدراك قيمة الوسائل ومضامينها، وحقيقة الغايات ومراميها سوى إدراك صيغها العمومية. وذلك لأنه إدراك متولد عما يمكن دعوته بمرحلة العمومية في تطور الإمبراطورية العثمانية ومجتمعاتها، أو مرحلة الهلامية والانحطاط الشامل. فقد رافقت هذه النتيجة على الدوام الثقافات الفارغة، التي لم يعرف كيانها التاريخي الفعلي غير استعمال القوة الخشنة. من هنا افتقادها للتاريخ المعنوي. وهي ظاهرة لاحظ الأفغاني أشكالها ونتائجها. من هنا تشديده على قيمة الوسائل ومضامينها، وحقيقة الغايات ومراميها. مما يعني أيضا إدراكه لقيمة الإمبراطورية وآفاق ترميمها الشامل. مما حدد بدوره رؤيته البديلة في ما اسماه بمهمات (العروة الوثقى) التي حصرها أساسا بقضايا إدراك أسباب السقوط، والدعوة للنهوض، وتقييدهما بالأصالة الثقافية والجمعية (الاجتماعية والإسلامية). مما حدد بدوره موضوعات تفكيره السياسي واتجاهه، ومن خلالهما تفتح عناصر العقلانية الإصلاحية الإسلامية. فقد أبقى في رؤيته للأسباب على تكافؤ قدرها، دون أن يحدد أولوياتها أو فيما سيدعوه الكواكبي لاحقا بالأسباب الأصول والأسباب الفروع. وقد عبرّت هذه الرؤية ضمن سياقها التاريخي عن تساوي فاعلية الحركة في المفاهيم، والمفاهيم في الحركة الفاعلة، بوصفها الديناميكية المميزة لروح العمومية وأخلاقها الجمعية. لقد أرادت أن تحتوي على كل شيء وأن تحوي كل شيء. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن سطحية الواقع ومحدودية تجاربه. إلا أن ذلك كان من الناحية التاريخية خطوة كبرى إلى الأمام، لأنها دفعت وأسست لإمكانية تجاوز الواقع كله واحتوائه في المفاهيم والأعمال. من هنا تركيزها على قضايا الوحدة والقوة.

فقد كان لقضية الوحدة مقدماتها في ضعف الإمبراطورية وانحلالها. وبهذا المعنى لم تكن الوحدة في آراء الأفغاني، سوى الاستيعاب الإصلاحي لضرورة القوة، التي قيدت مكوناتها وعناصرها أثقال المقارنة الجاثمة على رؤوس الأحياء آنذاك بين ضعف "الرجل المريض" والقوة الأوربية من جهة، وتقاليد الوحدانية الإسلامية في تصوراتها وأحكامها عن الوحدة والتوحيد من جهة أخرى. أما أثقال المقارنة وقيودها فهي التي حددت، على الأقل في بادئ الأمر، إصلاحية الأفغاني وعقلانية رؤيته السياسية عن قيمة الوحدة في الأساليب وحقيقتها في الغايات.

كانت منطلقات الأفغاني الأولى تستند إلى ضرورة ترميم ما هو موجود وإصلاحه. وبالتالي الإبقاء على الجود في ما هو موجود، ودفعه إلى الأمام من خلال إعادة بنائه في مكونات الإسلام الحق. من هنا دعوته للوحدة الإسلامية. لهذا السبب أيضا حاول أن يجعل من مبادرة توحيد الأفغان والفرس نموذجا أوليا لما يمكنه أن يكون محاكاة عصرية لبدايات الإسلام. وكتب بهذا الصدد قائلا، بأنه "ليس ببعيد على همم الإيرانيين وعلو أفكارهم أن يكونوا أول القائمين بتجديد الوحدة الإسلامية وتقوية الصلات الدينية، كما قاموا في بداية الإسلام بنشر علومه وحفظ أحكامه وكشف أسراره، وما قصروا في خدمة الشرع الشريف بأية وسيلة"[12]. وطبق ذلك بالقدر نفسه على كل ما كان بإمكانه أن يؤدي إلى الوحدة.

فهو ينطلق من أن الوحدة المرجوة تستند في مقوماتها إلى الإسلام نفسه، وذلك لأن "تعزيز الولاية الإسلامية" حسبما يقول الأفغاني، هو ركن "من أشد أركان الديانة المحمدية. والاعتقاد به من أوليات العقائد عند المسلمين. ولا يحتاجون فيه إلى أستاذ يعلم ولا كتاب يثبت ولا رسائل تنشر"[13]. وبهذا يكون الأفغاني قد جعل من مبدأ الوحدة بديهية سياسية. وبحث عن أصول لها في تجارب التاريخ السياسي للدول وتجارب الإسلام المعاصر له. لهذا جعل من الدفاع عن النفس، والاتفاق في الآراء على القيام به (الدفاع) عند لزومه، وارتباط القلوب الناشئ عن الإحساس بما يطرأ على الملة (الدين والأمة) من الأخطار، أصولا ثلاثة ومكونات أساسية للوحدة الإسلامية المفترضة. وقدم النموذج الروسي على انه مثال يمكن من خلاله معاينة الواقع الإسلامي. فروسيا أمة متأخرة ولا تمتلك ثروات كبيرة. وليس فيها صناعة، ومصابة بالعجز والحاجة. غير انه "تنبه أفكار آحادها لما به يكون الدفاع عن أمتهم، واتفاقهم في النهوض وارتباط قلوبهم، صيّر لهم دولة ترهب كل أوربا"[14]. بعبارة أخرى، إن أصول الدفاع والاتفاق والارتباط هي ذاتها المكونات الملزمة للنهوض الإسلامي. بمعنى انه يقدمها كنموذج من حيث حوافزها الدافعة وليس بوصفها شكلا نهائيا تاما. وبهذا لم تعد "الوحدة الإسلامية" استعادة مجردة للماضي، أو محاكاة شكلية له. فهو لم يدع إلى وحدة مركزية، بل إلى وحدة الفعل الواعي لغاياته والمقيد بمبادئ الإسلام الحق. لهذا أشار في معرض انتقاده لأسباب انحلال الجامعة الإسلامية إلى انه لم يبق منها سوى "العقيدة الدينية المجردة عما يتبعها من الأعمال"[15]، أي العقيدة الدينية الفارغة ونموذجها الاستبدادي في السلطة السائدة آنذاك.

لقد وضع الأفغاني في "الجامعة الإسلامية" أو وحدة المسلمين مضمون الاتفاق السياسي والنهضة الثقافية. وكتب بهذا الصدد قائلا، بأنه لا يتلمس بأقواله عن الوحدة الإسلامية "أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصا واحدا. فإن هذا ربما كان عسيرا. ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن، ووجه وحدتهم الدين. وكل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الأمر"[16]. وهو أمر تقتضيه الضرورة إلى جانب الدين، كما يقول الأفغاني. وقد كانت فكرة الأفغاني هذه أقرب إلى تقرير أهمية وقيمة الشعور بالانتماء الثقافي لعالم الإسلام أكثر ما هي محاولة لتأسيس أصولها الفكرية. وذلك لأنه كان من الصعب آنذاك بناء نظام فكري لهذا الانتماء في ظل بنية سياسية متخلفة ونظام اجتماعي بدائي في أغلب مكوناته. إلا أن شعور الانتماء الثقافي العميق في آراء الأفغاني هو الذي أعطى لدعوته الإصلاحية توجها عقلانيا معتدلا، بما في ذلك في مجال الوحدة الإسلامية على أساس انتماء الجميع لسلطان القرآن ووحدتهم في الدين. مما افرز بدوره قيمة المبادئ المتسامية للانتماء الثقافي.

***

ا. د. ميثم الجنابي 

.........................

 [1] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ، ج2، ص354.

[2] المصدر السابق، ج2، ص355.

[3] المصدر السابق، ج2، ص479.

[4] محمد عبده: الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية، ص30.

[5] المصدر السابق، ص31.

[6] المصدر السابق، ص121.

[7] المصدر السابق، ص124.

[8] المصدر السابق، ص124 – 125.

[9] المصدر السابق، ص128 - 129.

[10] المصدر السابق، ص129.

[11] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص544- 534.

[12]  المصدر السابق، ج2، ص316.

[13] المصدر السابق، ج2، ص344.

[14] المصدر السابق، ج2، ص344.

[15] المصدر السابق، ج2، ص361.

[16] المصدر السابق، ج2، ص245.

 

ميثم الجنابي الكينونة الإسلامية والأصالة الثقافية (1)

حدد إدراك قيمة الكيان الثقافي لعالم الإسلام مضمون الأصالة الإسلامية في عقلانية محمد عبده ومساعيها الإصلاحية. بمعنى تحديد الاتجاه العام في إدراك ضرورتها، وبالتالي وضع إمكانية تعدديتها في الفكر والممارسة العملية. فإذا كان تأسيسها الأولي عند الأفغاني مرتبط بصراعه الفكري الأول مع الدهرية (الهندية)، ونهايتها في الدعوة الشاملة للنهوض الإسلامي، فأنها اتخذت عند محمد عبده صيغة الارتباط الكامل للعقلانية الهادئة في نزوعها الأخلاقي. مما ألبسها في آن واحد لباس التنوير والنزعة الإنسانية. في حين جرى بلورتها في آراء الكواكبي، بوصفها أجزاء متوحدة في مشروعه السياسي الديمقراطي والقومي التحرري. مما كان يعنى في حصيلته استثارة القوى الروحية الكامنة للثقافة الإسلامية في أفعال القوى الاجتماعية الناشطة. مع ما ترتب عليه من تمهيد لرؤية البدائل ومشاريع النهوض المستقبلية، دون أن يجري فرض تصوراتها وأحكامها على أنها قيما مطلقة. وبهذا المعنى كانت الدعوات الخاصة في الفكرة الإصلاحية الإسلامية عن الأصالة الأكثر أصالة آنذاك. والقضية هنا ليست فقط في أنها كانت أكثر تجانسا في تأسيسها، بل ولأنها استوعبت الأعماق الحية للأصالة باعتبارها عملية ثقافية ـ سياسية في مشروع النهضة.

فعندما تناول الأفغاني أساليب النهضة والصراع حول أساليبها المثلى، فانه حاول توجيه الأنظار صوب ضرورة صياغة مبادئها الإسلامية لا صوب وسائلها المفترضة. لهذا أكد على أن من يبحث عن إمكانية النهضة من خلال نشر الجرائد لا يعلم كيف يمكن ذلك والجهل سائد. ومن يظن أن بالإمكان تذليل الجهل وما شابه ذلك من خلال فتح المدارس وتكثيرها بالطريقة الأوربية، فانه لا يدرك صعوبة تنفيذها بفعل غياب السلطة الحقة والمال. ولو وجدنا السلطة والمال لما كان هناك تخلفا. إضافة لذلك أن تقليد مدارس أوربا لا يمكنه أن يصنع أساسا متينا، لأنها عملية لا تستند إلى ذاتها. وذلك لان أمة تأخذ علومها كاملة من الآخرين لا يمكنها أن تعرف كيفية بذر بذور العلوم ونباتها وقوتها، وبأية تربة غذيت، وبالتالي لا يمكنها أن تعي غاية هذه العلوم وإمكاناتها. بصيغة أخرى، أن الأفغاني لم يقف ضد الجرائد وتوسيعها ولا ضد المدارس وانتشارها، والعلوم وبذرها. لقد أراد القول، بان هذه الوسائل ينبغي أن تكون أجزاء في "ماكينة" الأصالة والإبداع الخاص. وليس ذلك لان التقليد لا يصنع إلا تقليدا، بل ولان التطور الحقيقي يستلزم بالضرورة تلقائيته المتأصلة في مبادئ وجوده الأولى. وإلا فانه يؤدي إلى فساد المعرفة، والى تعاليها المفتعل وانهماكها المتحذلق في نسج ثياب العبودية المزركشة. لهذا وجد في تقليد المعرفة الأوربية عملا لا يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى إفساد الخلق وتعميق الأوهام. إذ أن جيلا متعلم بهذه الطريقة، حتى في حالة افتراض استفادتهم العلمية وإخلاصهم، عادة ما تؤدي إلى عدم مراعاتهم "فيه النسبة بينه وبين مشارب الأمة وطباعها"، مما يؤدي إلى نتائج سلبية "لأنهم ليسوا أرباب تلك العلوم، وإنما هم حملة نقلة"[1]. فقد أرسل العثمانيون والمصريون أولادهم، كما يقول الأفغاني، إلى الغرب، وحصلوا على ما يسمى بالتمدن. ولكن هل أدى ذلك إلى إنقاذهم من أنياب الفقر والفاقة؟ وهل احكموا الحصون؟ وهل بلغوا من البصر بالعواقب؟ والروح الوطنية؟ والقومية؟ إنهم يتشدقون بألفاظ الحرية والوطنية والجنسية (القومية) وما على شاكلتها من عبارات بتراء لا يعرفون حقيقة غاياتها. لقد أغرتهم المظاهر، أو بصورة أدق إنهم اتخذوا من مظاهر التمدن اللباس والمأكل ونمط الحياة، بينما لم يكن ذلك في واقعه سوى زينة ساهمت أيضا في تدمير"أرباب الصنائع من قومهم". دع عنك كيان الأمة الروحي. وليس مصادفة أن يلاحظ الأفغاني خطورة ما اسماه بخبث الغرب في تمييع وقتل روح الشرقيين من خلال محاولاته الدائبة لإقناعهم بأنه "لا توجد في لغاتهم آدابا مؤثرة وليس في تاريخهم مجدا يذكر"[2]. ووجد في كل ذلك نتيجة لازمة للتقليد الثقافي أيا كان نوعه مستواه. ولهذا السبب وجد في "علمانية" الدهريين الهنود ودعوتهم "للمساواة" بالغرب و"الحرية" وما شابه ذلك، مجرد شعارات تؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج معاكسة لما في هذه المفاهيم المتسامية من قيم رفيعة. ذلك يعني انه حاول أن يكشف عن النسبة المهدورة بين القيم المتسامية وواقعيتها في ظل تقليدها الظاهري. فالأخير هو النتاج الطبيعي لفقدان تلقائية الإبداع الحر. لهذا وقف بالضد من الدهرية الغربية من خلال التأكيد على خطورتها بالنسبة للعالم الإسلامي. لقد أدرك الآثار المدمرة لدنيوية (علمانية) لا تستند إلى ذاتها. فقد وجد في إعلانها التخلي عن الفضائل الذاتية باسم "التمدن" و"المساواة" مع الغرب في المظاهر والمشارب مجرد خضوع جاهل للفكر المتسامي. بل نراه يجد فيها عبودية مطرزة بثياب الحرية. فقد كان العالم الإسلامي بنظره بحاجة لا إلى المساواة مع الغرب بل إلى إدراك ذاته وواقعه من اجل تحفيزه على العمل. لهذا شدد على أن من يتبع هذه الأفكار عن المساواة وما شبه ذلك لا يدرك ضررها الكبير على ما اسماه "بفتور الهمم وركود الحركات الإرادية عن قصد المعالي"[3]. وهي الفكرة التي حاول التأسيس لها استنادا إلى ما اسماه بمبدأ حب الاختصاص والرغبة في الامتياز المميز للإنسان باعتباره المبدأ الواعي للمنافسة. وليست هذه الدعوة للمنافسة سوى رفض "التقليدية المتمدنة" ونتائجها المؤدية إلى "ركود الحركات الإرادية"، أي فقدان الإرادة وحريتها، باعتبارها المقدمة الضرورية للإبداع والمكون الملازم لتلقائية الإبداع الحر.

فقد كانت هذه التلقائية عند الأفغاني تتطابق مع إدراكه لقيمة الكينونة الثقافية أو قيم التلقائية المتأصلة في مبادئ الوجود الأول للأمة. وبما أن هذه الأخيرة قد ارتبطت بالإسلام، من هنا إسلاميتها. لكنها إسلامية الروح الثقافي وليس العقائدي الديني. لهذا انتقد سياسة الغرب في استغلاله نصارى الشرق، كما انتقد نصارى الشرق في موالاتهم للغرب، مؤكدا على أن الذلة والمهانة ستقنعهم في نهاية المطاف بان انتماءهم الحق هو انتمائهم لقومهم. واحتوت هذه الفكرة بذاتها على إدراك قيمة الإسلام الثقافي. وبالتالي وحدة الجميع في صيرورته التاريخية وكينونته الثقافية بغض النظر عن اختلاف الدين والقومية. فالأفغاني لم يبحث في التاريخ عن قدسية جديدة للطاعة العمياء بل عن ميدان الرؤية الثقافية. كما انه لم يبحث في تاريخ الإسلام عن ميدان المعارف والمعارك، بل عن مشهدها الحي وعبرتها الدائمة. أما رؤية الإسلام الثقافية وعبرتها الدائمة فقد وضعت الأفغاني في نهاية المطاف أمام مهمة ربط الأصالة بالأصول، باعتبارها المقدمة التي تجبر الفكر على تتبع ماهية الأشياء من اجل تنظيمها في وحدة البناء التاريخي. بمعنى إلزامها ربط الماضي بالمستقبل في المشاريع النظرية والعملية. ومن ثم العمل من اجل تأسيس الأصالة في الأصول، والأصول في الأصالة باعتبارها الدورة الدائمة للروح النقدي الإصلاحي والعقلاني. من هنا مطالبته بتتبع الأسباب الجوهرية لتخلف العالم الإسلامي وضعفه التاريخي. فإذا كان ظهور قوة الأمة الإسلامية وعظمتها مرتبط، كما يقول الأفغاني، بأصول دينها القويمة وقواعده المحكمة وشموله لأنواع الحكم، فإن سبب سقوطها هو ابتعادها عن أصوله وقواعده وأنوع حكمه. وبالتالي فإن علاجها الناجع إنما يكون برجوعها إلى قواعد دينها والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته. وإذا كانت هذه الصيغة توحي بمظهرها إلى سيادة التعصب الذاتي، فإن حقيقتها تقوم في رؤيتها الثقافية لعبرة التاريخ الإسلامي. من هنا استغرابه من استغراب أولئك الذين يتعجبون من ربط الأصالة بالدين. بحيث نراه يجد في مقارنة حالة العرب قبل الإسلام وبعده ما يكفي للرد على هذه الاعتراضات.

إن الجوهري في أصالة الكينونة الإسلامية بالنسبة للأفغاني، هو كيانه الثقافي وإدراكه الفاعل لإعادة بناء أسس النهضة استنادا إلى قواعدها الخاصة. لهذا السبب اعتبر الأخذ بعلوم الغرب خطوة إلى الوراء في التعليم والتمدن، في حالة عدم استنادها إلى وحدتها (العلوم) في الكل الإسلامي (الاجتماعي والاقتصادي والسياسي). حيث اعتبر هذه الممارسة "جدع لأنف الأمة". وذلك لأن القائمين بها "تعلموا علوم قبل أن ينضجوا هم أنفسهم، ولأنها وضعت فيهم على غير أساسها". انه أدرك ضرورة الوحدة المتجانسة في النهضة باعتبارها عملية ثقافية سياسية متكاملة. وذلك لأن أخذ العلوم الناضجة من قبل ناس غير ناضجين لها يعني وضعها على غير أساسها. ولم تعن هذه الفكرة في آراء الأفغاني سوى التأسيس العقلاني لوحدة الأصالة والأصول، باعتبارها الرابطة الضرورية لتلقائية الإبداع الحر.

إن تلقائية الإبداع الحر هي تلقائية الأصالة في بحثها الدائم، أي استمرارها الحقيقي استنادا إلى أسسها الخاصة. لاسيما وإنها الأسس التي تصنع في آن واحد معنى المناعة ومناعة المعنى، أصالة الأصول وأصول الأصالة. وبهذا المعنى ينبغي فهم "الغلو" الفكري في آرائه الأولى ومواقفه من الدهريين، عندما وجد في نظرياتهم أساليب لخدمة العبودية الجديدة، وذلك لما فيها من مساهمة في تفكيك الوحدة الأخلاقية للمجتمع وروابطه الثقافية. بحيث نراه يبرهن عليها من خلال جمع الشواهد والدلائل المناسبة في تاريخ الأمم والحضارات من يونان وفارس وروما. فقد وجد في صعود الحضارة اليونانية نتاجا لاستنادها إلى قوى الفضائل ومنعتها، بينما ربط سقوطها بسقوط فضائلها بفعل انتشار "أخلاقها الكلبية". وينطبق هذا بالقدر ذاته على فارس. بمعنى مناعتها وقوتها بفعل سيادة فضائلها وسقوطها بفعل انتشار "أخلاقها الإباحية". وإذا كانت الكلبية والإباحية، باعتبارهما رديفا تاريخيا للدهرية تتطابقان في تصورات الأفغاني مع الأبيقورية والمزدكية، فإن نموذجها في عالم الإسلام تطابق مع الباطنية ومن اسماهم بخزنة الأسرار الإلهية للحكم الفاطمي[4]. وبغض النظر عما في هذه الشواهد من إجحاف تجاه المدارس والفرق المذكورة، إلا أنها تكشف في إدراكها العقلي والأخلاقي عن توجه نقدي ومستقل في رسم لوحة الأصالة الإسلامية المعاصرة، باعتبارها الإمكانية الجديدة للنهوض الفعلي. ومن ثم أثرها بالنسبة لتعميق فكرة أولويات المناعة الضرورية في وحدة الأخلاق الفاضلة وبنائها المرتكز إلى أصولها الكبرى. وتطابقت هذه الفكرة في آرائه مع الفضيلة المتسامية ونزوعها العملي في وحدة الأمة وغاياتها الكبرى. لهذا نراه يضع عظمة اليونان وفارس والإسلام في كل واحد مع فضائلها، وسقوطها مع رذائلها. مما كان يعني أيضا تطابق معنى المناعة مع الأصول الفاضلة، ومناعة المعنى مع أصول الأصالة الثقافية. لقد أراد الأفغاني إثارة الهموم الواقعية في الوعي الثقافي، أو تنشيط روح المعاناة الضرورة للإبداع، بوصفه الأسلوب الوحيد القادر على إعادة بناء كيان الأمة الحي. وذلك لان المهمة الكبرى، كما وجدها الأفغاني، تقوم لا في رفع شعار التمدن والدنيوية (العلمانية)، بل في بنائهما الذاتي. لهذا نراه يقيم عاليا، على سبيل المثال، ما اسماه بالجرأة الأدبية لشبلي شميل في نشر قيم العلم والدنيوية، وفي الوقت نفسه انتقاده لما اسماه بتقليده (شبلي شميل) الأعمى للغرب[5].

وجد الأفغاني في نشر شبلي شميل لآراء دارون عن أصل الأنواع مأثرة من وجهة نظر العلم والبحث عن الحقيقة (رغم عدم اتفاقه مع فكرة دارون عن أصل الإنسان ودفاعه عنه في الوقت نفسه بوصفه عالما فذا) وجرأة من جهة تحمله لأعباء المكفرين له. وفي الوقت الذي وجد في تكفير المكفرين له نتاجا لانعدام المعرفة والعلم، فإنه مع ذلك وجد في شبلي شميل رجلا "لم يتخل رغم جرأته الأدبية ورسوخه في الفلسفة من وصمة التقليد الأعمى لعلماء الغرب". ومن هنا تناغم دعوته لوحدة الإصلاح والأصالة انطلاقا من أن الإصلاح هو المقدمة الملازمة للأصالة، بينما الأصالة هي الشرط الضروري للإصلاح المتمدن. بمعنى الوحدة الخفية لهما بمعايير الفكر والسياسة. وكتب بهذا الصدد قائلا،"إننا معشر إذا لم يؤسس نهوضنا وتمدننا على قواعد ديننا وقرآننا فلا خير لنا فيه. ولا يمكن التخلص من وصمة انحطاطنا وتأخرنا إلا عن هذا الطريق. وإن ما تراه اليوم من حالة ظاهرة حسنة فينا (ما يسمى بالتمدن) هو عين التقهقر والانحطاط لأننا في تمدننا هنا مقلدون للأمم الأوربية"[6]. ذلك يعني، أن الأفغاني لم يعارض الدنيوية والتمدن (الحداثة)، بما في ذلك ما يمكنه أن يكون شبيها بنمطه الأوربي، بقدر ما انه عارض صيغتها التقليدية. فقد وجد في التقليد الأسلوب الأكثر "رقة ولطفا" لترويج العبودية. وذلك لأن التقليد لا يؤدي إلا إلى الخضوع، وبالتالي الابتعاد عن مصادر القوة الذاتية. من هنا، فإن دعوته للرجوع إلى قواعد الدين الإسلامي وقرآنه لم تكن دعوة للرجوع إلى السلف، بقدر ما كانت دعوة لتأسيس النهضة الجديدة. فهو يدعو إلى تأسيس النهوض والتمدن والتخلص من دورة التقهقر والانحطاط في التقليد. (يتبع...).

 

ميثم الجنابي

...................

[1]الافغاني: الاعمال الكاملة، ج1، ص194-195.

[2] المصدر السابق، ج1، ص

[3] المصدرالسابق، ج1، ص149.

[4] المصدر السابق، ج1، ص152-158.

[5] المصدر السابق، ج1، ص151

[6] المصدر السابق، ج2، ص328.

 

ميثم الجنابيإن تأسيس فكرة العام والعمومية، كما بلورها عبد الحميد الزهراوي ليست إلا الصيغة الواقعية والعقلانية التي تتيح للتنوع والاختلاف العمل بمعايير العقلانية والمدنية الحديثة. بمعنى انه سعى بقدر واحد إلى تأسيس الفكرة النظرية وتوظيفها العملي بالشكل الذي يجعل منها أداة سياسية فعالة في توسيع مدى الرؤية القومية العقلانية.

فقد كان الزهراوي من بين أوائل المفكرين العرب في العصر الحديث الذين أسسوا لفكرة التعدد والتنوع والاختلاف وضرورتها بالنسبة للعلم والعمل. فقد وقف إلى جانب التباين في الآراء والمواقف. واعتبر أن "من المستحيل إزالة التباين"، وانه "ينبغي أن نتمرن في سبيل الحياة الاجتماعية والسياسية مع وجوده" (التباين). كما نراه يعتبر تعدد الأحزاب علاجا "لأمة طال هبوب العوادي عليها"، كما أنه مفيد بما في ذلك في حالة استثارته لصراعات شديدة. ورفع هذا الموقف إلى مصاف المبدأ النظري والعملي تجاه كافة القضايا التي تناولها من القومية والثقافة والسياسة والفكر في الدولة العثمانية. ونعثر على ذلك بوضوح في تحديده لماهية العثمانية كنموذج ضروري لوحدة الشعوب وقوة الدولة. ولكنه في الوقت نفسه ينظر إلى ذلك بمعايير البديل العقلاني والمدني الحديث. فعندما يتناول ما اسماه بتفرق المفكرين بحسب الجماعات، فإننا نراه يشدد على أن محاولات صنع جماعة واحدة (على حساب الآخرين) في دولة متعددة القوميات والأديان والألسن يؤدي إلى نتائج عكسية. من هنا فكرته عن أن عدم إدراك قيمة التعددية هو نقص في العقل. وأن التعدد هو مصدر قوة في حالة بناءه على العدل والقوة (التقدم). وإن الجماعات (التنوع) مفيدة إذا صلحت التربية، وضارة إذا فسدت التربية. وذلك لأن الاختلاف أمر طبيعي. وبالتالي لا ينبغي النفور منه، بل على العكس ينبغي السير فيه قدما و"السلوك فيه أحسن السبل" عبر العمل بمبدأ "الفكر بالوفاق والتدبير بالسياسة". وهذا بدوره مبني على أساس الفكرة الأوسع والأعمق والاشمل والقائلة، بأن الائتلاف مأمول والاختلاف لا يزول، بحيث نراه يجعل ذلك عنوانا لإحدى مقالاته. ومن بين أهم أفكاره بهذا الصدد تجدر الإشارة إلى ما يلي: إن صنع أمة إنسانية واحدة غير ممكن، وأن التباين ضروري وجميل، وأن الممكن من الناحية النظرية لاتحادات متنوعة مثل اتحاد إنساني (أممي عالمي) أو جنسي (قومي) أو ديني أو إقليمي أو بلدي أو صنفي (مهني) وغيره، هو جميعها باستثناء الإنساني (الاممي العالمي العام). أما "الجنسي – الديني" (أي القومي المبني على أسس دينية) فهو ممكن في حال، نادر في حال آخر. إلا أن الممكن والغالب هو الاتحاد الإقليمي والبلدي (القطري) والصنفي(المهني مثل اتحاد الدول على أسس تجارية أو صناعية أو غيرها). واعتبر الزهراوي المثال الناجح لحد الآن هو البلدي (أي القطري أو الوطني).

لقد حددت الرؤية الواقعية والعقلانية نزعة الاعتدال الفكري النظري والعملي في مواقف الزهراوي. وبالتالي لم يكن موقفه من الفكرة القطرية أو الوطنية هنا سوى الصيغة النظرية الملازمة لفكرة الاعتدال. بمعنى أن مواقفه هذه ينبغي النظر إليها باعتبارها جزء أو حلقة في مشروع الفكرة السياسية القومية. وليس مصادفة أن نعثر في اغلب مواقفه الفكرية العملية على موقف عقلاني معارض للتطرف والغلوّ.

فقد عارض الزهراوي مختلف مظاهر الراديكالية سواء في الموقف من الدولة أو السياسة أو القومية أو الدين. من هنا مواقفه الداعية إلى استخدام تجربة الكبار (الساسة القدماء) بما في ذلك تجاه أولئك الذين خدموا استبداد عبد الحميد. ومن هنا أيضا معارضته لما اسماه بالأقوال المتكررة "للصحافة الجديدة ومأجورين اليهود من التبجح بالأيدي الشابة والأفكار الشابة، والإرادة الشابة، والسياسة الشابة". واعتبر أن الشيب ليس بضاعة كاسدة، وإن الشَعر الأسود ليس فضيلة في الظروف الصعبة. كما نعثر على دعواته المتكررة للاعتدال أيضا في الموقف من مختلف المسائل. فقد دعا على سبيل المثال إلى موازنة الصلاحيات بين الرئيس والنواب، بما يخدم وحدة وقوة الدولة مع سيادة الحق. كما نراه يطالب بدور كامل وتام للأمة في الحكومة، وحكومة مقبولة ومعقولة، أي ألا يعارض أحدهما للآخر (أو ما يمكن دعوته بالعقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع المدني). وعندما ناقش وجهات نظر الاتجاهات المتعارضة التي يقول بعضها بضرورة التغيير السريع وقمع المعارضة، بينما يقول البعض الآخر بضرورة الوقوف أولا إلى سلامة الوطن وإعلاء شأنه بالاعتدال، فانه وقف إلى جانب التيار الثاني، معتبرا "الفسق عن سبيل الاعتدال" يؤدي إلى الهلاك. ونفس الشيء نعثر عنده في موقفه من الحرية. إذ نراه يتكلم عن "الحرية المعتدلة". واعتبرها الصيغة الأفضل والأمثل للدولة والمجتمع. فعندما تكلم عن التيارات السياسية الكبرى في لبنان (العالم العربي) فانه أشار إلى أن اتجاهاتها العامة أربعة وهي عنصرية (قومية محلية وضيقة) ومحافظة متطرفة، وحرية متطرفة، وحرية معتدلة. إذ نعثر حتى في هذا التصنيف الذي يقدمه على إفراز وإبراز فكرة "الحرية المعتدلة".

إلا أن الصيغة الأوسع والأدق في تعبيرها عن نزعة الاعتدال ونبذ الغلو تظهر في مواقفه من القضايا الكبرى للدولة (العثمانية) والقومية (العربية) وإشكالاتها المتعلقة بفكرة المركزية واللامركزية وتوابعها في مختلف الميادين والمستويات. ففي موقفه من الحالة الخربة وما يمكن أن تؤدي إليه في المرحلة العثمانية نراه يشدد على فكرة "إننا أمة (معشر العثمانيين) بين مسائلنا الداخلية والخارجية ارتباط عميق". وإن هذا ارتباط يستلزم التروي في كل شيء. وكتب بهذا الصدد يقول، بأننا "في اشد الحاجة إلى الاعتدال والتعقل". بل ونراه يعتبر "الاعتدال مشرب الحضارة وإلى الاعتدال ندعو". من هنا تقديمه نصيحة الاعتدال للجميع أحزابا وساسة وأفراد وجمعيات. بل نراه يدعو إلى وضع كلمة الاعتدال في اسم الحزب الذي يدعو إليه. وانطلق في موقفه هذا من الفكرة القائلة، بأن "الاعتدال ممدوح العواقب في كل وقت". وهذا بدوره لم يكن معزولا عن موقفه العام مما للاعتدال من دور جوهري في ترتيب وتأسيس وتطوير الإصلاح الحقيقي. فالاعتدال في المواقف والرؤية والعمل بالنسبة للزهراوي كان أحد الشروط الضرورية للإصلاح. ووضع موقفه هذا على أساس انه كلما كانت المفاسد كثيرة والاختلاف شديد، كلما صعب الإصلاح السريع. وبالتالي، فإن الاعتدال هو الصيغة المثلى التي تستجيب لحالة الدولة العثمانية وكثرة مفاسدها. وهو السبب الذي جعله يقول أيضا، بأن "أشد الناس احتياجا إلى الاعتدال هو من كانت حاله كحالنا".

مما سبق تتضح معالم الموقف الاجتماعي السياسي الذي ميز كل هواجس التفكير وغاياته العملية عند الزهراوي. فعندما تناول، على سبيل المثال، مفهوم الثروة، فإننا نراه يحصره في كل من الأرض والعمل وأعمال السلف. واعتبر الأمة بلا أرض تملكها وتستثمرها مع انتشار البطالة وتلاشي السلف الصالح عرضة للضياع. وليس مصادفة أن نراه يعتبر الحكمة رأس المال القومي. ويضع في مضمونها فكرة إتقان المحاسبة للماضي والحاضر من اجل تربية العقول والاحتفاظ بالأرض والروح الوطنية الصحيحة. ووجد السبيل إلى ذلك عبر بناء النظام السياسي المعقول والسليم. فقد وجد الزهراوي أمراض العالم العربي في نظمه السياسية. لهذا اعتقد بأن دواء هذه الأمراض يقوم في نهوض الأمة واستعدادها للعمل. وذلك لأن التجربة التاريخية للماضي والحاضر تبرهن على أن حكومة الأفراد هي تجن على العدل ومعنى السلطة وتؤدي إلى فساد كل شيء. الأمر الذي جعله ينادي بفكرة الحرية. ومن ثم اعتبار الحرية الحقيقية هي معيار لكل سلوك وقول. وإن تطابق الأقوال والأفعال مرتبط بالحرية. ووضع هذا في استنتاج سياسي كبير يقول، بأن الأفراد عرضة للزوال، والبقاء للأمم. مما حدد بدوره فكرته عن قيمة الروح العمومي، بوصفه فكرة النهوض القومي.

حددت النتيجة المذكورة أعلاه أهمية الفكرة السياسية. فالروح العمومي والفكرة القومية لا يلعبان ويؤديان دورها على أكمل وجه إلا في ميدان السياسة. ولم تكن هذه الكرة والنتيجة معزولة عن واقع العالم العربي آنذاك، وعن الهواجس الهموم العميقة الكبرى التي كانت تحرك مغزل الفكر النظري للزهراوي. من هنا إدراكه وتوكيده وتأسيسه لأهمية السياسة. فقد أكد الزهراوي في اغلب مواقفه على أهمية السياسة. واعتبرها ضرورية بمعايير الحرية والحاجة على السواء. لهذا نراه يرد على أولئك الذين اعتبروا التفرق بحسب الأحزاب السياسية مخربا للدولة والمجتمع، قائلا: "إن تعدد الأحزاب علاج في أمة طال هبوب العوادي عليها حتى جعلها حرضا" (أي مريضة فاسدة). بينما نراه يشدد في خطابه في المؤتمر العربي الأول في باريس (في حزيران عام 1913)، بوصفه رئيسا للجلسة المنعقدة تحت عنوان (تربيتنا السياسية) على ثلاثة مظاهر تفترض بدورها ثلاثة ردود تناسبها، وهي أن كل شيء عرضة للتغير والتبدل، وأن عادة الحكومات في الشرق لا يسمحون للشعب بالتدخل في السياسة مع ما يترتب عليه من حكم الاستبداد، وأخيرا عدم دخول السياسة لا يعني القبول بالعبودية. أما الردود فهي أن الاهتمام بالسياسة يعني اتخاذ الوسائل لمساعدة الحكومة الصالحة بتحسين حال البلاد، وأن حقيقة الحكومة تقوم في خدمة الشعب وليس بالعكس، وأخيرا أن ذلك يستلزم مراقبتها.

وقد حدد ذلك بدوره أهمية وقيمة فكرة الجماعة الاجتماعية والقومية. بحيث يمكننا العثور عنده على ما يمكن دعوته بفكرة الجماعة السياسية، أي الجماعة المحكومة في رؤيتها وسلوكها وغايتها بفكرة سياسية على خلاف مفهوم الجماعة التقليدي (الديني). الأمر الذي جعل من الجماعة السياسية مقدمة الجماعة القومية، وذلك لما فيها من مقدمات تتماهى من حيث وظيفتها العملية وغايتها النهائية مع فكرة الروح القومي الواعي والنشط بمعايير المشاريع المستقبلية الواعدة بالرقي الشامل. من هنا نراه يؤسس لذلك من خلال حديثه عن الجماعات، باعتبارها كيانات طبيعية. وأرجع مكوناتها إلى عناصر أربع هي كل من التكوّن، والعدد، والتناظر، والتسابق. ووجد في ذلك سنّة الحياة والوجود.

واعتقد الزهراوي، بأن تكوين الجماعة بوصفها قوة يوجد بالاجتماع والتعاون. وأن الجماعة الحية هي تلك التي تمتلك "الروح العمومية". وهذه بدورها تعادل مفهوم "الروح القومي"، باعتبارها الطاقة الفعالة في وعيها الذاتي التاريخي والواقعي. من هنا قوله، بأن "الجماعات التي لها وجود ولكن لا روح عمومية فيها تكون لا حية فترجى، ولا ميتة فتنسى. أنها كالأعضاء المشوهة في الجسم". بينما هذا الصنف من الجماعة التي لن تتطهر "من أوضار الجاهلية، أو غير المؤيدة بقوة الحق والإنصاف، أو غير المفعمة شوقا إلى المعالي والمباراة، أو غير المرزوقة بمصابيح من عقل النوابغ وعزائم المخلصين يكون لها تيه طويل في أودية الفوضى وتخبط كثير على صخور المصائب". وهو تصوير مباشر وغير مباشر للحالة العربية آنذاك في ظل السيطرة العثمانية. بمعنى إننا نعثر في فكرته عن الجامعة ومكوناتها ومسارها تأسيسا لفكرة الجماعة الحديثة، أي الجماعة السياسية بوصفها جماعة قومية. وليس مصادفة أن نراه يعير اهتماما كبيرا لفكرة الزعماء باعتبارهم "نبات الأسباب والسنن الكونية"، أي ضرورة "القيادة التاريخية" التي تأخذ على عاتقها مهمة الإصلاح والصعود التاريخي بالأمة. غير أن ما يميز فكرة الزهراوي بهذا الصدد، هو تجاوزها للاهوت الزعامة والزعماء التقليدي إلى مصاف المطابقة الفعلية بينها وبين القيادة التاريخية للأمة لنفسها عبر إثارة "الروح العمومية". وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الأمم تبقى وببقائها تبقى الأفراد وليس بالعكس. من هنا دعوته لإشراك الأنا في صنع الجماعة والأمة والكل. ذلك يعني انه سعى إلى تأسيس قيمة الزعامة الجماعية عبر الاستجابة لروح العموم ومتطلبات التقدم.

لقد كان الروح العمومي في فكر الزهراوي من حيث الجوهر روحا سياسيا. وذلك لأنه كان وثيق الارتباط بالدعوة لصنع أمة موحدة ذات كيان متكامل في الاقتصاد والاجتماع والعمران والقوة العسكرية وغيرها. ولا يمكن بلوغ ذلك، حسب تصورات الزهراوي، إلا بزيادة التربية السياسية للأمة. الأمر الذي أعطى لفكرة التربية السياسية عنده وظيفة متميزة وخاصة. فقد كانت هذه التربية بالنسبة له تعني، كما وضعها في مقالاته التي كتبها تحت عنوان (تربيتنا السياسية) كل من التربية السياسية المناهضة للاستبداد، التي تقوي العلاقات الاجتماعية، وكونها أسلوب تذليل غياب التاريخ السياسي العربي، كما أنها أسلوب وعي الذات القومي. إضافة لذلك أنها عمل دائم وذلك بسبب انتشار وامتداد تقاليد الاستعباد القديمة. ومهمتها الأساسية تقوم في بناء ذات اجتماعية وسياسية وقومية (عثمانية) جديدة تتصف بالقوة والاتحاد. وأخيرا ضرورتها للعرب انطلاقا من كونهم الأغلبية في الدولة العثمانية. بحيث نراه يجعل منها مقدمة لفكرة الاستقلال. فهو ينطلق من أن الكثرة ليست من الأدلة في المنطق لإثبات رأي، ولا في الديانات لإثبات عقيدة، ولكنها "في السياسة والاجتماع قوة يلتفت إليها ويحسب حسابها".

مما سبق يتضح بأن الزهراوي يجعل من فكرة التربية السياسية وروح العمومية كلا واحدا. ويظهر ذلك بجلاء في تأسيسه النظري لهذه الفكرة وتطبيقها العملي أيضا. لها نراه ينطلق من مهمة تأسيس ضرورة التربية السياسية. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام إدراك لأهميتها، بوصفها المقدمة الجوهرية لتصنيع الروح العمومية، تماما بالقدر الذي لا يمكن بلوغ حقيقة الروح العمومية بدون هذه التربية السياسية. من هنا تأكيده على انه لا يمكن خطو خطوة جدية إلى الأمام في مضمار التحرر والإنسانية والمدنية بدون هذه التربية السياسية. إذ لا يمكن بدونها تثبيت المصالح العامة. وحالما طبق ذلك على الواقع العربي فإنه كتب يقول، بأن التربية السياسية للعرب تستلزم إدراك استقلالهم الخاص في الدولة العثمانية، باعتبارها حصيلة الوحدة التركية – العربية. وذلك لأن زمن السيطرة التركية العثمانية أدى إلى إضعاف العرب إضعافا شديدا. أما إعادة القوة للدولة، فانه يستلزم الإشراك الفعال للعرب فيها، باعتبارهم قسمها الأكبر. لهذا نراه يعتبر "بث الفكرة والتعصب لها" أساس هذه التربية السياسية. فهو الأسلوب الوحيد القادر على صنع روح العمومية. لاسيما وانه الشرط الضروري لإحياء وتقوية كل جماعة (قومية). وبدونه لا يمكن انجاز شيء عظيم. واعتبر الإخلاص لروح العمومية يعادل ما يسمى "بالتعصب وحب النفس". وهما ليسا مذمومان على الإطلاق، بل منهما ما يصح أن نسميه "قوام الإنسانية" حسب عبارة الزهراوي.

لهذا نراه يرفع التعصب وحب النفس. إلى مصاف العنصر الجوهري في التربية السياسية للروح العمومية. كما يجعل منه فكرة كبرى تقترب من حيث قيمتها بالنسبة للروح القومي من مرجعية عملية متسامية. وانطلق في فكرته هذه من أن حب النفس ضروري وطبيعي وحق (فعكسها هو كرهها). وأن حب النفس ضروري كالغذاء للجسم. كما أن حب النفس واسطة إلى الخير لكونها وسيلة ضرورية. ثم أن حب النفس كالأغذية متنوعة في الصور والأشكال والطعوم والأثر. وبالتالي لا تعارض بين حب النفس وحب الغير، بل أن أحدهما يستلزم وجود الآخر. فحب الجميع يعني هو أن يحب ارتقاءهم وصلاحهم جميعا. كما أن حب النفس يفترض التمسك بقاعدة لا إفراط ولا تفريط. فالتفريط رذيلة لأنه لا يدعو للعمل. وأخيرا، إن حب النفس أصل منه فروع، فمنه ما هو جيد مثل حب العدل والحق والعلوم والبديع والسلام، ومنه ما هو كريه مثل حب البطالة والسيطرة بلا حد.... أما اللغط الذي تثيره كلمة التعصب فلا أساس من الصحة لها بمعايير اللغة والحقيقة (المنطق). فالتعصب سيئ بمعايير قاموس اللغة، وليس بمعايير اللغة الحقيقية. وذلك لأن معنى التعصب في العربية هو التجمع للتعاون. وبالتالي فإن حقيقته متوقفة على مضمونه وغاياته. إذ لا يتطابق مضمون التعصب مع الأنانية المفرطة. ولولا التعصب لازدادت المذابح، كما يقول الزهراوي. وذلك لأن التعصب يدفع الناس للدفاع عن أنفسهم. وبدون تعصب لا أمم حية ولا إنسان حي. فانعدام العصبية يؤدي إلى إذلال الأمم والناس. لهذا نرى الزهراوي يعتبر التعصب مجاراة لحقيقة التنوع. إذ لو جرى تصور الدين واحدا، والجنس واحد لأدى ذلك إلى نتائج كريهة، كما يقول الزهراوي. من هنا استنتاجه عن ضرورة التعدد في كل شيء (الدين والقومية والفكر والثقافة).

غير أن هذا التعصب وحب النفس ليس إلا النتيجة المترتبة على مقدمات ضرورية لما يمكنه أن يكون عناصر التربية السياسية للروح العمومية (القومية)، والتي أدرج فيها الزهراوي كل من الاستعداد، والاتحاد، وحب النفس. ووضع عنصر الاستعداد في أساس تصوراته عما اسماه بصعود الأمم وهبوطها. لهذا نراه يصفه بعبارة "ملاك الأمر"، أي القوة المحددة للصعود والهبوط، والتعمير والتدمير، والعز والذل. وبما أن الاستعداد في الإنسان (والأمة) قابل للامتزاج وتجري عليه أحكام التربية السياسية، من هنا قيمة المصلحين والأنبياء، كما يقول الزهراوي. أما عنصر الاتحاد، فهو مهم وضروري للقوة والمدنية. وبما أن الاتحادات متنوعة، لهذا لا فائدة لإطلاق القول فيه، كما يقول الزهراوي. والسبب يقوم في أن هذا الإطلاق يجعله غير مفهوما. فالاتحاد في الأصل صيرورة الأشياء المتعددة شيئا واحدا. وهو على ثلاثة أنواع أساسية وهي ما يغيب فيه التعدد، وما يبقى فيه التعدد، وما يتساوى فيه التعدد. وحالما طبق ذلك على ما اسماه بالاتحادات السياسية، فانه وجد فيها كيانات متنوعة أيضا، لكنه أبرز فيها مع ذلك ثلاثة أسباب هي بحد ذاتها مقدمات وشروط الاتحاد. وأعتبر الدين أول هذه الأسباب، بينما أعتبر القسر والاضطرار سببا ثانيا، أما الثالث فهو الاحتياجات المدنية. وفي معرض تدقيقه لهذه المفاهيم انطلق الزهراوي من أن الدين يدعو إلى الوحدة، إلا أن التاريخ يكشف عن خلل دائم بلازم هذه الوحدة. أما الاضطرار، فإنه لا معنى له بالنسبة للفكر لأنه حالة استثنائية. أما الاحتياجات المدنية أو العمران فهو محور الاهتمام، بالنسبة للزهراوي، لأنه حاجة مدنية. من هنا استنتاجه الفكري السياسي والمستقبلي القائل، بأن المقصود من الدعوة للوحدة هنا ليس الوحدة العثمانية، ولا الوحدة التركية، بل الوحدة المدنية. من هنا رفعه لشعار: "نحن مدنيون".

وضمن سياق المرحلة وشروط وجود العالم العربي وخصوصية الدولة العثمانية، أسس الزهراوي للفكرة القائلة، بأن المقصود بالاتحاد المدني هنا هو اتحاد جميع الشعوب في الدولة العثمانية عبر تطوير قومياتهم فيه. وكل فيها يحافظ على أجزائه الحرة. أما أسلوب الاتحاد فإنه يفترض السير به نحو الأسهل أو الأقرب حصولا من أنواعه وترك ما يصعب الحصول عليه. ويستلزم ذلك التمسك بقواعد أو مبادئ حصرها الزهراوي في كل من زيادة المحبة والمودة بين الشعوب، وأولوية المواطنة والوطن، واحترام القوميات كلها، ومساواة الجميع بما في ذلك في الحكم، والتعددية السياسية.

كما رفع الزهراوي من شأن ما اسماه بمواجهة الواقع المر بالاستعداد والصبر والثبات والعدل، أي بالعناصر الضرورية التي يمكنها مواجهة الخلل الشامل في كل مكونات ومظاهر الوجود الفعلي للدولة العثمانية ومكوناتها على كافة المستويات وفي كافة الميادين. بمعنى انه أدخل كل ما يمكن إدخاله من قيم ومبادئ وقواعد عملية يمكنها أن تنّشط وتفعّل التربية السياسية للروح العمومية. من هنا نقده لأولئك الذين عارضوا الاشتراك في الحياة السياسية أو الفكرة المعارضة لفكرة السياسة بحد ذاتها. إذ اعتبر من الخطأ القول بأنها رذيلة بذاتها. وذلك لأن السياسة رغم عيوبها، من جملة المقربات إلى الكمال الإنساني. كما انه لا يمكن للمجتمع الإنساني الكمال إلا بالسياسة. من هنا استنتاجه القائل، بأن السياسة هي القدرة على توليف المتناقضات. وبدونها لا يمكن النجاح. وذلك لأن السياسة الحقيقية والسليمة هي التي تعي متناقضات الحياة وتفعل ضمنها بالشكل الذي يحقق الغاية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الحياة كلها تضاد من تقارب وتباعد، وتصالح وتعاند، وتراحم وتزاحم، وتشابه وتباين، وتصاغر وتعاظم... وانه لا وسيلة لحل هذه المتضادات إلا بالسياسة. وسابقا كان الدين بينما الآن الجنس (القومية) هو دين السياسي. وليس مصادفة أن نراه يدعوه إلى توسيع مضمون ومدى وأساليب التربية السياسية للروح العمومية من خلال توحيد جهود النخب بمعايير الرؤية القومية. لهذا نراه يشدد على ضرورة فكر عمومي يصنع روح عمومية وزعماء وأدباء يتمسكون بها علما وعملا. واعتبر أن القادر على ذلك فقط هو الذي يعرف ناسها وتاريخها ودرجة علاقته بحاضرها. وانه في حالة وجود كتّاب وأدباء وصحفيين لا روح عمومية فيهم، وزعماء منتخبون ولكن ليس لهم روحا عمومية، فإن أدباءهم وزعمائهم مجرد صور تمثل المدنية والعظمة الزائفة وما شابه ذلك. لهذا نراه يطالب في البداية بجعل اللغة العربية لغة التدريس في المدارس الموجودة في المناطق العربية من اجل مساهمتها في صنع "روحا عمومية بين الأمة وبين الزعامات والجماعة العربية"1 .

***

ا. د. ميثم الجنابي

...................

1- إننا نقف هنا أمام حالة مزرية ونوعية في الاستهتار الثقافي والروحي والأخلاقي للتركية العثمانية، كما أنها تعكس في الوقت نفسه حالة الانحطاط الغريب للعالم العربي في ظل السيطرة التركية العثمانية، التي جعلت من تدريس اللغة العربية بين العرب مطلبا ضروريا وأوليا!!

 

ميثم الجنابيفكرة الأنا الثقافية الحرة (1) 

إن التناقضات الملازمة لمحدودية المنظومات الفكرية هي في الوقت نفسه احد الشروط الضرورية لنمو وتراكم الروح النقدي الثقافي. وذلك لأن مساعي الفكر في محاولاته تنظيم الآراء والأحكام والقيم في منظومة لها حدودها الخاصة عادة ما يؤدي إلى تعميق عناصر النزعة النقدية. ومن ثم إرساء أسس المقدمات الضرورية لتأصيل وعي الذات العقلاني، وبالأخص حالما تجري هذه العملية بمعايير الإدراك الواقعي للأولويات التاريخية الفعلية. فنشوء وتطور الفكرة النقدية للإصلاحية الإسلامية تجاه النفس هو الوجه الآخر لإدراك أولويات الإصلاح الذاتي. لاسيما وأن ظهور فكرة الإصلاح الذاتي بهيئة منظومة فكرية نظرية وعملية هو التعبير المناسب عن بلوغ العقل النظري والعملي إدراك حدوده الذاتية.

إن إدراك قيمة الكينونة الثقافية لعالم الإسلام هو الذي حدد مضمون وضرورة الأصالة في عقلانية ومساع الإصلاحية الإسلامية. ومن ثم وضع إمكانية التعددية (العلمية والعملية). فإذا كانت مظاهر الرؤية النقدية للأصالة عند الأفغاني مرتبطة بصراعه الفكري ضد الدهرية (الهندية) ونهايتها في الدعوة الشاملة للنهوض الإسلامي، فإنها اتخذت عند محمد عبده صيغة الوحدة الهادئة بين العقل والأخلاق، مما ألبسها لباس التنوير والنزعة الإنسانية. في حين جرى بلورتها في آراء الكواكبي بوصفها أجزاء مترابطة ومتوحدة في مشروعه السياسي الديمقراطي والقومي التحرري. بحيث أدى في الحصيلة إلى استثارة القوى الروحية الكامنة للثقافة الإسلامية في أفعال القوى الاجتماعية الناشطة. ومن ثم مهدت لصعود فكرة البدائل ومشاريع النهوض دون أن تفرض بصورة جازمة تصوراتها وأحكامها على الآخرين. من هنا يمكن فهم مضمون الفكرة التي وضعها محمد عبده في مجرى مقارنته بين المسيحية (والغرب الأوربي آنذاك) وبين الإسلام في مجال الموقف من العلم. فقد ظلت المسيحية  والغرب الأوربي أكثر من ألف عام قبل أن يظهر فيها العلم، أو تنشأ الحرية الشخصية أو تسري فيها الحركة العملية إلى ما فيه صلاح الجمعية الإنسانية. بينما لم يمض على المسلمين من يوم استحكمت فيهم البدع إلا اقل من ثمانمائة سنة(!) وهي إشارة تتضمن من حيث رمزيتها التاريخية الإشارة إلى فترة سقوط الخلافة العباسية، ومن حيث رمزيتها الثقافية إلى انهيار الكينونة الثقافية الإسلامية الكبرى.

ففي مجرى إدراك ما اسمته بالحدود الذاتية وقيمة الكينونة الثقافية كانت تتراكم صياغة الإمكانات المتنوعة لتأصيل الأصالة، ومن ثم تنوع الرؤية النظرية للماضي والمستقبل وانكسارهما في مختلف قضايا ومسائل الوجود المعاصر. وقد حدد هذا بدوره مهمة تجديد الرؤية ومشاريع البدائل، بوصفها ميدان التجسيد المباشر لبلوغ الوعي النظري والعملي مستواه الرفيع والخاص. لاسيما وأنها الحالة "الطبيعية" التي تفرضها أيضا مشاعر الانتماء الثقافي ومنطق الرؤية العقلية والوجدانية لأولويات "القضايا المصيرية" وكيفية حلها. بمعنى البقاء في حيز الوجود التاريخي والفناء في الواجب، باعتبارها المعادلة التي تحتوي على قيمة وفاعلية الإدراك المتنوع لتأصيل الأصالة (أو إدراك الحدود الذاتية).

وقد جرت هذه العملية في أفكار الإصلاحية الإسلامية من خلال الرجوع إلى بداية الذات الثقافية وليس إلى بداية زمن "السلف الصالح"، وبالتالي لم تجر عبر توجيه الفكرة الإصلاحية وتوجهها العملي صوب فكرة المثال - الواجب، بل من خلال وضعها بمقولات الفكرة الواقعية ومعايير العقلانية المستقبلية. مما حدد بدوره خلوها من إفراط الاستشهاد المتكرر والممل بالماضي وبطولاته الواقعية والوهمية. بعبارة أخرى، لقد جرى الخروج من أوهام الروح البطولي وتقاليده اللاهوتية المخدرة للعقل والضمير صوب تأسيس بطولة الروح العقلاني. ولم يكن هذا رد فعل أو معارضة على ما في "عقلانية الضمير واللسان" (فكرة النهضة العربية الدنيوية) من قيم كبرى وفعالة بالنسبة لاستثارة الحماس الوجداني، بقدر ما كانت تمثل الاستكمال النقدي والأكثر عمقا لما فيها. وذلك لأن الإصلاحية الإسلامية حاولت تحقيق ذلك من خلال الرجوع إلى بداية الصيرورة الثقافية للكينونة الإسلامية. بمعنى أنها لم تقف عند حدود المتحجرات الجميلة للحضارة الإسلامية، بل تجاوزتها صوب مصادرها الأولى. وفي هذا كانت تكمن قدرتها العقلية ونشوتها الوجدانية في تنشيط فكرة التأصيل الثقافي وتأسيسه بالاستناد إلى فكرة الانتماء الثقافي ومرجعيته الجوهرية، أو ما أسميته بوحدة البقاء في حيز الوجود التاريخي والفناء في الواجب.

لقد كانت هذه الحصيلة النتيجة المترتبة على توليف ووحدة النزعة النقدية العميقة والتوجه الإصلاحي، أي كل ما يلازم بالضرورة إدراك قيمة الأولويات باعتبارها المقدمة الضرورية للفعل العقلاني. وبما أن قيمة الأولوية وفاعليتها مرتبطة أساسا بادراك طابعها ومستوى تأسيسها الموضوعي، لهذا لم يكن بإمكان هذه الوحدة الخشنة والمرنة أيضا أن تخلو في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بالنسبة لعالم الإسلام من أثر وتأثير الأغشية الوجدانية والأوهام الصنمية لزمن الاستبداد والاستعباد. وقد انعكست في هذه الظاهرة المتناقضة مفارقة الوجود التاريخي والثقافي للمرحلة (عهد التخلف والاستبداد والهجوم الاستعماري الأوربي) سواء جرى النظر إليه بمعايير الواقع أو بمعايير الواجب. وقد تكون حالة "الواجب" في نظام "الحرام" و"الحريم" وأشكالها ومستوياتها المتنوعة في قصور الخلفاء والسلاطين الصورة النموذجية عن هذه المفارقة. وإذا كانت هذه المفارقة هي الأسلوب المميز أيضا لحالة العالم الإسلامي عند اصطدامه بالقرن التاسع عشر - العشرين الأوربيين، فإن إدراكه الموضوعي في الإصلاحية الإسلامية لم يكن بالإمكان حصره بمستوى ما معين، أو جانب ما معين. مما حدد بالضرورة تنوع مساعي الإصلاحية الإسلامية واشتراكها في الوقت نفسه بأولوية الهموم الثقافية والسياسية. غير انه لم يجر حصر هذه المساعي والهموم ضمن آفاق محددة مسبقا أو معطاة مرة واحدة والى الأبد. أما اليقين الراسخ ومختلف مظاهره وأشكاله فقد كان الصيغة الوجدانية الملازمة لروح الثبات التاريخي المميز للإصلاحيات الكبرى، أي الغشاء الضروري للكينونة الاجتماعية والنفسية والثقافية. فهي المقدمة الخطابية للعمل المرتبط بفكرة الواجب. مما حدد بدوره آلية الرجوع للذات الثقافية، بوصفه تعبيرا عن حال البقاء في حيز الوجود التاريخي والفناء في الواجب. من هنا قيمة المرجعية (الثقافية) وفاعليتها في الرجوع "التاريخي". ذلك يعني، إن مرجعيتها لم تكن لاهوتية سلفية ولا مذهبية سياسية، بل مرجعية الإصلاحية العقلانية صوب الإسلام الثقافي.

إن استمداد الإصلاحية الإسلامية لمرجعياتها الأساسية من الإسلام الثقافي كان النتيجة الملازمة لمنطق الإدراك المتعمق في ذاته. أما التقليدية الظاهرية فيها، فإنها تقليدية الثبات التاريخي ضمن أصوله الثقافية، وليس ثبات الفكر وجموده في مقولات الماضي وقضاياه واهتماماته. ومن هنا اشتراك مختلف شخصيات وتيارات الإصلاحية الإسلامية في مرجعيات كبرى محدودة جرى حصرها بأصول القرآن والسنّة. ولم تعد هذه الأصول ديوان المعرفة المطلقة في تبويبها العقائدي والفقهي الجاهز، بل النماذج الرمزية المعقولة والمتغيرة. لهذا اعتبر محمد عبده القرآن هو "المعجزة الوحيدة" في الإسلام[1]، بسبب كونها "عرضت على العقل ومفهومة من قبله"، كما أن الإيمان لا يستلزم تغير سنّة الله في الوجود. بعبارة أخرى، انه لم يضع الإيمان "بخارق العادة" في ميدان التصديق فحسب، بل وقيّده بإدراك العقل وفهمه إياه. فالمعجزة هنا هي ليست خرق العادة، بقدر ما أنها "سنة الله في الوجود"[2]، أي قانون وجود الأشياء كما هي. وهي "السنّة" التي حاول إدراجها في ما يمكن دعوته بقانون الوحدة الثقافية وكونها احد المصادر التاريخية الجوهرية.

 وليس مصادفة أن يشدد محمد عبده على أن القرآن سيبقى على الدوام سندا أخيرا يمنع الأمة من السقوط في الهاوية. ذلك يعني انه لم يعط للقرآن هيئة الكيان السحري، بقدر ما حاول ربط وجوده التاريخي (أو بصورة أدق ما قبل تاريخي باعتباره وحيا إلهيا) بوجوده الثقافي باعتباره كتابا (فُصّلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون). وتعّبر هذه الوحدة التاريخية الثقافية فيه عن مصدريته الجوهرية، بوصفه "كتابا واحد لأمة واحدة"، وأنه "إمام المتقين ومستودع الدين"[3]. ولم يعن محمد عبده بإمامته ومستودعته هنا سوى رمزيته التاريخية الثقافية، بوصفها القوة الحافظة للوجود العربي (والإسلامي). وفي هذه الفكرة يمكن رؤية محاولته لاستظهار التاريخ المنصرم وتجسيده في آفاق المستقبل، تماما بالقدر الذي يمكنها أن تضع للمستقبل المجهول (والقاتم) حدوده المضيئة، باعتباره السدّ الأخير أمام الهاوية. ووضع محمد عبده هذه الفكرة بعبارة: "إليه المرجع إذا اشتد الأمر وعظم الخطب"[4].

إن مرجعية "المرجع الأخير" تحتوي على ما يمكن دعوته بأصولية الوحدة الثقافية، وليس الدينية والمذهبية والعقائدية منها والمعرفية. وفيها نعثر على إعادة تأسيس لآراء الأفغاني عن أن ازدياد حجم الهزيمة والضغط التاريخي على العالم الإسلامي سوف يجبر أتباعه على وعي حقيقة كونهم لا يفقدون في نضالهم إلا قيودهم، ولكن بالشكل الذي يعطي لما يقومون به بعدا عقلانيا وتنويريا وإصلاحيا. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "لا تزال الشدائد تنزل بهؤلاء المنتسبين إلى الإسلام، ولا تزال القوارع تحلّ بديارهم حتى يضيقوا. وقد بدءوا يفيقون من سكرتهم ويفزعون إلى طلب النجاة… وعند ذلك يجدون هذا الكتاب الكريم في انتظارهم، يعدّ لهم وسائل الخلاص"[5]. ولا يعني انتظار القرآن لأولئك المنتسبين إليه من الناحية الواقعية، سوى إدراك فعل القيم الثقافية الروحية، ومن ثم الرجوع إلى مرجعية الذات الثقافي. إذ لم يسع محمد عبده إلى فرض القرآن على المسلمين، بقدر ما كان يسعى لتوكيد فعل الإفاقة من سكر الجمود والفزع إليه (القرآن) وطلب النجاة به. ولم يعن ذلك بالنسبة له سوى الرجوع الواعي لمصادر وعي الذات. فقد وضع هذه المهمة تحت ضغط عوامل الإجبار الحضاري للقرن التاسع عشر، الذي الزمه كما الزم الأفغاني قبله بمهمة إدراك قيمة "العروة الوثقى". وإذا أراد الأفغاني لها أن تتطابق مع قيمة العمل، فإن محمد عبده أراد لها أن تكون فعلا للقيم، أو إذا أراد الأفغاني أن يكون الاجتهاد جهادا، فإن محمد عبده أراد أن يكون الجهاد اجتهادا. وتنعكس في هذه المواقف والرؤية إدراك الأولويات الكبرى وأساليبها المتنوعة. وليس مصادفة أن يكون تجسيدها الأكثر وضوحا عند الأفغاني موجها صوب سياسة الجسد الثقافي للأمة، بينما يكون تجسيدها الأكثر وضوحا عند محمد عبده في سياسة الروح الثقافي للأمة. ومن هنا اهتمام الأفغاني بالعمل والنشاط السياسي والوحدة، واهتمام محمد عبده بالقانون والشروح والتعليقات والرسائل.

ويكشف هذا التنوع بدوره عن طبيعة مساعي الإصلاحية الإسلامية ونوعية إدراكها لقيمة وأساليب المرجعيات الثقافية والروحية الخاصة. وضمن هذا السياق يمكن فهم آراء الكواكبي ودعوته للرجوع إلى "ما هو معلوم من صريح الكتاب وصحيح السنّة وثابت الإجماع"[6]. فقد كان هذا الرجوع بالنسبة له أسلوب القضاء على التفرقة السائدة في العلام الإسلامي بشكل عام والعربي بشكل خاص. إذ وجد في فكرة الرجوع أسلوبا لإزالة التفرقة في الآراء[7]. وإذا كانت هذه الصيغة في مظهرها تبدو سلفية صارمة، فإنها احتوت من حيث توجهها الواقعي على قيمة الإدراك المتعمق للحرية بما في ذلك الفكرية. وذلك لأن توجه الكواكبي هنا كان منصبا على صنع الوحدة الاجتماعية والقومية. لهذا لم تعن إزالة الفرقة في الآراء إدانة الاختلاف، بقدر ما كانت تعني الإقرار بتنوعه، وفي الوقت نفسه إدراك الأولويات الأساسية في العمل الاجتماعي السياسي والتاريخي للعالم العربي. ونعثر على كل ذلك فيما اسماه بالأسباب الدينية والسياسية والأخلاقية للفتور العام (أو التخلف والانحلال). ففي الوقت الذي جعل من وحدة الآراء والمشاعر المقدمة الضرورية للقضاء على التفرقة، فإنه لم يجعل من إسنادها بأصول "صريح القرآن وصحيح السنّة وثابت الإجماع" ميدانا للجدل المدرسي، ولا أن يدرجها في تأملاته وأفكاره. لقد أبقى عليها، كما هو الحال عند الأفغاني ومحمد عبده، في مستوى الإشارة العابرة. إذ لم يعن القرآن بالنسبة له هنا سوى "الكتاب الذي وصل إلينا بطريق لا تحتمل الشبهة فيه لاجتماع الكلمة واتفاق الأمة عليه"[8]. بينما حصر مضمون السنّة في "ما قاله الرسول أو فعله أو أقره"[9]. أما الإجماع فقد تركه سائبا، وأبقى عليه بوصفه نموذجا محتملا للاختيار والاختبار. ووضع ذلك في عبارة تقول، بأن المقصود بالإجماع هنا هو ما ترجع"إليه الأمة وتجتمع عليه في بعض أمهات المسائل"[10]. وعندما يطابق الكواكبي الإجماع مع مذهب السلف، فإن ذلك لا يعني في آرائه ومواقفه سوى جوهرية الأصالة الذاتية السليمة وقيمتها الحية. ومع ذلك لم يضع في هذه القيمة معنى الإلزام والوجوب، أي انه لم يحوّل الإجماع إلى قضية عقائدية ولم يدرجها في مدارج العقائد. وبالتالي لم يكن توسيعه لهذا الأصل سوى توسيع الوجود المتزايد للحرية في مباحثها الواقعية. لهذا لم يحصر معجزة القرآن في ذاته ولا في لغته، بل في آنيته المتجددة. وإذا كان لهذه الفكرة تقاليدها الخاصة في علم الكلام الإسلامي والتصوف، فإن استمرارها في إصلاحية الكواكبي، كانت تتماشى مع إدراكه لأولوية التغير الواقعي. وهذا يعني أيضا نقل الإعجاز من ميدان اللاهوت إلى ميدان العمل. وكتب في معرض رده على أولئك الذين حصروا إعجاز القرآن في لغته قائلا: "لو أطلق للعلماء عنان التدقيق وحرية الرأي في التأليف، كما أطلق لأهل التأويل والخرافات، لرأوا في ألوف من آيات القرآن ألوف آيات من الإعجاز، ولرأوا فيه كل يوم آية تتجدد مع الزمان والحدثان تبرهن على إعجازه"[11]. بصيغة أخرى، لقد نقل الكواكبي مطلب حرية الرأي والتأليف من تقاليد المواجهة المباشرة ضد أصحاب "التأويل والخرافات" إلى ميدان حرية البحث والحقيقة. ومن ثم جعل القرآن مصدرا جوهريا بالنسبة لتأسيس حرية البحث غير المتناهي. وذلك لأن الإعجاز الدائم وغير المتناهي في القرآن هو الصيغة غير المباشرة للحرية. وإلا ماذا تعني "الرؤية المتجددة مع الزمان والحدثان" إن لم تعني تجدد الرؤية الواقعية؟ أي نقل إعجازه الحقيقي إلى ميدان المتغيرات والمتجددات في الواقع.

إننا نقف هنا أمام ما يمكن دعوته بحيوية الزمن الثقافي، ولكن دون جعله أسلوبا أو مستوى للتسلية الذاتية. فالرمز الثقافي هنا هو الكيان الحي لوحدة المثال والواجب، أي تلك القوة التي تلازم بالضرورة وعي الانتماء العميق للتاريخ الخاص (الثقافي) ومهمة استدراكه الجديد بالصيغة التي تستثير فاعلية الاستنهاض "الخالد" لمبادئه الكبرى. بعبارة أخرى، أنها عملية الاستعادة الدائمة للمبادئ المتسامية باعتبارها بداية التاريخ وغايته. ومن هنا تنوع ظهورها وتباين مستوياتها وتعدد نماذج تأسيسها النظري عند رجال الإصلاحية الإسلامية. فالاستعادة الدائمة للمبادئ المتسامية باعتبارها بداية التاريخ ونهايته هي الدورة التي يفترضها منطق ما أسميته بالأصولية الثقافية. لاسيما وانه المنطق الملازم لكل إبداع حقيقي، لأنه يفترض في استنتاجاته صدق معاناته. وتستقطب هذه العملية بدورها التاريخ والفكر، باعتبارهما المكونات المحددة لظهور الرموز الثقافية وكيفية فعلها في الوجود الاجتماعي والسياسي للأمم. ولا يمكن لهذه الأصول الثقافية أن تكون مؤثرة دون إعادة "تأصيلها" التاريخي. وتحتوي هذه العملية في أعماقها على تناقضات كبيرة، وبالأخص ما يتعلق منها بإمكانية تأديتها إلى صنمية النزعة التأملية، والابتعاد عن واقعية البدائل المعاصرة وصيرورة "التاريخ العالمي". لكنها في الوقت نفسه كانت تتمثل الأسلوب الأكثر واقعية لترسيخ عقلانية الرؤية والعمل، وبالأخص حالما تجد وتؤسس للنسبة المعقولة بين الماضي والمستقبل في الحاضر، أي حالما تتجنب وضع أفعالها في رياح التجربة الخالصة، وختم المستقبل بمقاييس الماضي وأحكامه القيميية.

وقد نثر الأفغاني الأحجار الأولى لهذا الطريق المعقد في محاولاته المتنوعة لإيجاد النسبة المعقولة بين الديني والدنيوي، والإسلام والعلم، والقومي والإسلامي، والإصلاحي والعقلي، والاجتماعي والإنساني في مدنية الإسلام وحضارته، أي كل ما يشكل في حصيلته مقدمات الرؤية المناسبة لصياغة أسس الثقافة باعتبارها الأسلوب الأكثر واقعية لرسم عقلانية الرؤية والعمل. الامر الذي أدى إلى إبداع قيم الاعتدال والوسط ونسبها الخاصة في مختلف ميادين الوجود الاجتماعي والسياسي لعالم الإسلام. وإذا كانت آراءه وأحكامه تبدو في مظهرها أحيانا غاية في التباين، فلأنها تعكس أساسا تطورها الحي بالارتباط مع مجرى تعمق رؤيته للأمور ومجراها. ولهذا كان من الطبيعي أن يتحمس في بداية أمره لنقد الدهريين بالصيغة التي عمم في مواقفه منطق الأخلاق الصارمة في ما يتعلق بصعود الأمم وسقوطها التاريخي. إذ لم يجد في الدهرية الهندية أكثر من مقلد "للمادية" ومقصدها في "محو الأديان" من خلال نشرها فكرة "الإباحة في الأموال والإبقاع بين الناس عامة"[12]. ووجد في هذه المساعي "الإباحية" مصدر سقوط الحضارات قديما وحاضرا[13]. وبغض النظر عن ضعف هذه الأحكام من حيث رؤيتها للأسباب الفعلية العميقة الخاصة بصعود الأمم وسقوطها، إلا أنها تكشف في ذوق المشاعر الحساسة للإصلاحية الدينية عن قيمة الروح الأخلاقي في إعادة بناء الكيان الثقافي للأمة. من هنا يمكن رؤية تعرضها اللاحق إلى نفي فكري ايجابي في آرائه السياسية. ولم تجر صياغة هذا النفي بين ليلة وضحاها، بل جرى بلورته في مجرى الحماس النقدي في مواقفه من الواقع المتغير. ففي انتقاده للأخلاق الدهرية، باعتبارها سببا من أسباب السقوط الروحي للأمم، نراه يشدد على أن "الدين مطلقا هو سلك النظام الاجتماعي. ولن يستحكم أساس للتمدن بدون الدين البتة"[14].ذلك يعني أن انتقاده لما اسماه بفساد الدهرية الأخلاقي كان يتضمن في أعماقه تراكم القيم الايجابية عن وحدة العناصر الاجتماعية والمدنية في الدين بشكل عام والإسلامي بشكل خاص. لهذا لم يجد في آراء الدهرية عن "المدافعة الشخصية" و"شرف النفس" و"الحكومة" عقائد قادرة على صنع النظام الاجتماعي والسياسي الحق في عالم الإسلام. من هنا وضعه بالضد منها كل من فكرة الإلوهية وفكرة "الثواب والعقاب" باعتبارهما الاعتقادين اللذين "لا تقرر هيئة الاجتماع الإنساني، ولا تلبس المدنية سربال الحياة، ولا يستقيم نظام المعاملات، ولا تصفو صلات البشر من شائبات الفعل وكدورات الغش إلا بهما"[15].(يتبع...)

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص70.

[2]  المصدر السابق، ص71.

[3] المصدر السابق، ص142.

[4] المصدر السابق، ص142.

[5] المصدر السابق، ص144.

[6] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص138.

[7] المصدر السابق، ج1، ص138.

[8] المصدر السابق، ج1، ص212.

[9] المصدر السابق، ج1، ص212-213.

[10] المصدر السابق، ج1، ص138.

[11] المصدر السابق، ج2، ص352-353.

[12] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص129.

[13] المصدر السابق، ج1، ص129.

[14] المصدر السابق، ج1، ص130.

[15] المصدر السابق، ج1، 171.