ميثم الجنابيفكرة التأسيس التلقائي للإصلاح العملي عند الكواكبي

إذا كانت إصلاحية محمد عبده العقلانية النقدية هي التجلي الأعمق في نقد الذات، فأنها اتخذت عند الكواكبي صيغة التجلي الأدق، بفعل مسارها المتعمق في دهاليز وطرق وعي الذات السياسي. وقد حدد ذلك طابع المهمات النقدية لآرائه ومواقفه وأحكامه من القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية. لقد سار  الكواكبي في اتجاه وعي الذات السياسي نتيجة لإدراكه قيمة الدولة والوجود القومي المستقل. غير أنه لم ينظر إلى هذه القضية بمعايير القومية ومتطلباتها المعاصرة كما تكونت في التاريخ الأوربي الحديث، بل عبر استنباطها من نقده العقلاني والفكرة الإصلاحية لواقع العالم الإسلامي في ماضيه وحاضره بشكل عام والعالم العربي بشكل خاص. وكذلك نظر إليها في ضوء الأصول المفترضة للوجود الذاتي المستقل، باعتباره كيانا خاصا له حدوده الذاتية. لهذا لم تعد معارضة التقليد عنده جزءا من الاحتكام للعقل النظري المجرد في تصوراته وأحكامه وتصديقاته وظنونه، بقدر ما أصبحت جزءا من منهج النقد الذاتي الفكري والاجتماعي والسياسي والثقافي. ففي مقدمة كتابه (أم القرى) يخاطب القارئ بأن يكون من "أمة الهداية" لا من "أمة التقليد". كما نراه يحذر من يقرأ كتابه قائلا، بأنه إذا كان من "أمة التقليد وأُسراء الأوهام" ولا يحب أن يدري من هو، وفي أي طريق يسير، ويشعر بعار الانحطاط وثقل الواجبات، ولا يطيق تتبع المطالعة وتحكيم العقل والنقل، فمن الأفضل له أن يترك الأمور على ما هي عليه[1]. إننا نقف هنا أمام تحذير لا علاقة له بتقاليد الوعظ الأخلاقية والنفسية المتعارف عليها، بل بمعايير الوعي الذاتي الفاعل. بعبارة أخرى، لم يعد التقليد في آرائه مجرد فعل فردي أو شكل من أشكال الوعي أو نمط من أنماط الفكر، بل الكينونة الاجتماعية للأوهام والانحطاط وعدم المبالاة وانعدام تحكيم العقل والجهل بالنفس. فالسؤال الأول هنا يتعلق بمعرفة النفس وماهيتها وحقيقتها وأسلوبها في العلم والعمل وغايتها. وهذا بدوره ليس إلا السؤال الجوهري المتعلق بوعي الذات، بوصفها المقدمة المندرجة فيما اسماه الكواكبي "بأمة الهداية" النافية "لأمة التقليد".

من هنا صعود مهمات ما يمكن دعوته بالهداية الذاتية. إذ لم تعد الأخيرة جزءا من أفعال "السرّ المجهول" و"الإرادة الأزلية"، بل النتاج المباشر لمهمات وعي الذات. وليس مصادفة أن يضع الكواكبي في أولى المهمات النقدية الكشف عما اسماه بالأسباب الظاهرة لخلل المسلمين "غير سرّ القدر الخافي على البشر"[2]، أي الأسباب الواقعية. بحيث نراه يجعل منها ميدان ومحك نقد الذات. ففي حالة عدم توفر شروط العلم والعمل، فمن الأفضل ترك الأمور على ما هي عليه، كما يقول الكواكبي. مما ألزم بدوره توسيع وتعميق نقد الذات، الذي وجد انعكاسه أيضا بما في ذلك في تجاوز تقليدية العبارة، أي انتظام النقد في منهج واضح المعالم دقيق العبارة. مما يعكس أولوية الرؤية المنطقية في مقدمات تحليله واستنتاجاته. واستند في كل ذلك ليس فقط على قواعد المنطق المجردة، بل وعلى الواقع وتدقيق ظواهره استنادا إلى وحدة العلة والمعلول. فعندما أراد تحديد طبيعة التخلف الإسلامي فإنه أشار إلى عدم دقة الوصف الذي يطلقه الكثير من الباحثين عندما يشبهون حالته بالمرض. إذ نراه يجد في هذا التشبيه صيغة تقليدية صورية. وعوضا عن ذلك اقترح عبارة "الفتور العام"[3].

إن هذا الاقتراح الذي تضّمن في ذاته الصيغة الجديدة لإدراك الواقع، باعتباره صيرورة لا وجودا، وكينونة لا كائنا، يعكس في غاياته منطق الفكر النقدي في تعامله مع الواقع. بمعنى تقييد الفكر بالتعامل المنطقي حتى مع العبارة، باعتباره الحاجز الضروري الأول لكل إدراك متعمق في القضايا. آنذاك سيجري تذليل الخلل الفعلي عبر تصوير الواقع كما هو وليس من خلال تحويله إلى موضوع التأمل العقلي المجرد. واحتوى هذا الأسلوب على مقدمات الاقتراب الدائم من منطق التطابق مع إدراك الواقع في أسبابه ومسبباته. وأدى ذلك إلى انتقاد الفكر والفكرة وتجاربهما، بوصفها عملية معرفية دقيقة في تعبيرها عن الواقع كما هو. فعندما حدد الأطر العامة أو ما اسماه بالأصول والفروع في الأسباب السياسية والأخلاقية والدينية لفتور العالم الإسلامي، فإنه أشار إلى أن المعايشة الطويلة لهذا الفتور أدت في نهاية المطاف إلى قلب الحقائق في أفكار الناس، بحيث جعل عندهم المخازي مفاخرا، والتصاغر أدبا، والتذلل لطفا، والتملق فصاحة، وترك الحقوق سماحة، وقبول الإهانة تواضعا، والرضا بالظلم طاعة[4]. أما هذه "الانقلابات" الواقعية في المفاهيم والقيم، و"انقلابات" القيم والمفاهيم في الواقع، فما هي إلا الأوجه المختلفة لانعدام وعي الذات الحقيقي والغاية المرتجاة منه. لهذا طالب بوضع حد لاستمرار التقليد الفكري في تناول المشكلات والقضايا من خلال تناول واقع التخلف الإسلامي وأسباب انحطاطه كما هو، أي البحث عن الأسباب الواقعية وليس اللاهوتية الغائرة في المخيال التقليدي من قضاء وقدر وتوكل ورضا وما شابه ذلك.

وحدد ذلك اتجاه نقده العقلاني صوب المقدمات الواقعية للتخلف. بمعنى مطابقة نقد الذات مع نقد الوجود الاجتماعي والتاريخي والثقافي. من هنا انتقاده اللاذع لأولئك الذين حاولوا تبرير التخلف والإبقاء عليه استنادا إلى تقاليد "الأخلاق الإسلامية" الموضوعة في أحاديث "المسلم مصاب"، و"أن الله إذا أحب عبدا ابتلاه"، و"أن أكثر أهل الجنة البله"، و"أن غيرنا مستدرجون" وما شابه ذلك[5]. ولهذا السبب أيضا شدد على الأسباب الروحية (الدينية) والإرادية (السياسية) والعملية (الأخلاقية)في الإبقاء على هذا النمط من الرؤية والواقع. لقد أراد الكواكبي الكشف عما في الإرادة المستلبة وافتقادها للتاريخ السياسي وخوائها الأخلاقي من أسباب جوهرية وراء الفتور العام. الأمر الذي جعله يردد في أماكن عديدة الحكمة القائلة: "كما تكونوا يوّل عليكم"، وأن يستنتج من انه "لو لم نكن نحن مرضى لما كان أمراؤنا مدنفين"[6]. وتغلغلت هذه الصيغة في اغلب آراؤه ومواقفه وأحكامه. مما يعكس بدوره إدراكه الدقيق لقيمة العمل السياسي وأهمية شرعية السلطة والدولة. وحاول التأسيس لهذا الإدراك من خلال تعميق نقد الذات بالاتجاه الذي سعى لكسر الحلقة المفرغة أو "الدورة الخالدة" للتقليد والعبودية. وقدم بهذا الصدد وصفا نقديا لاذعا ودقيقا لذرات الاستبداد في الكينونة الاجتماعية للفرد والدولة على مثال ما اسماه بالكيفية التي ينشأ بها "الأسير في البيت الفقير". إذ عادة ما يجري تكوينه الأول في حالة المناكدة والمشاكسة. وحالما يتحرك جنينا في بطن أمه، فإنه يبدأ بتحريك شراسة أمه في شتمه وضربه. وحالما يبدأ بالنمو فأنها تضيق عليه أما لألفتها الانحناء خمولا أو التقلص لضيق الفراش. وحالما تلده تضعه في قيود القماط اقتصادا أو جهلا. فإذا بكى سدت فمه بثدييها أو قطعت عليه أنفاسه بدوار السرير. وحالما يبدأ بالترعرع تمنعه من رياضة اللعب لضيق الملعب. وإذا استفسر أو سأل ليتعلم ضرب على فمه أو زجر. وإذا قويت رجلاه جرى رميه إلى الشارع. وفيما بعد يجري ربطه بالعمل قصد منعه عن السراح والمراح، ثم تزويجه في أول فرصة لكي لا يبرح يقاسمهم شقاء الحياة ويجني على غيره كما جنى عليه أبواه[7].

إن إعادة إنتاج الكيان الاستبدادي في الأفراد التي يصورها الكواكبي تكشف عن عمق الرؤية النقدية الاجتماعية والتاريخية لظاهرة الاستبداد السلطوي وانعدام الهوية السياسية والحقوقية للدولة. وجعل من هذه الظاهرة عينة وميدان نزعته النقدية العميقة من خلال الكشف عما اسماه بالأسباب الدينية والسياسية والأخلاقية للفتور العام. لكنه في الوقت نفسه يفرّق بين أصول وفروع هذه الأسباب.

فمن بين الأصول في الأسباب الدينية يشير إلى سيطرة عقيدة الجبر وتفشي الجدل في العقائد الدينية، وانتشار روح الفرقة، وغياب التسامح، ونفسية التشدد في الدين، وسيطرة العلماء المدلسين، وغلبة الفكرة القائلة بتعارض العقل والدين، والغفلة عن حكمة الجماعة، بينما وضع في فروعها ما اسماه بتأثير المزهدات وعدم تطابق القول والعمل، والغلو الصوفي، والمزايدة في الدين، وسيطرة الشعوذة، وتهاون العلماء في التوحيد، والاستسلام للتقليد، والتعصب للمذاهب، ونبذ الحرية الدينية، وتكليف المسلم ما لا يكلفه به الدين.

في حين وضع في أصول الأسباب السياسية كل من الحكم المطلق للسلطة، وانقلاب المضمون الاجتماعي والاقتصادي للسياسة، وحصر اهتمام السلطة بالجيش وجباية الأموال، وإبعاد الأحرار وتقريب المتملقين. أما فروعها فمثل تفرق الأمة إلى عصبيات وأحزاب، وغياب حرية القول، وفقدان العدالة والمساواة، وتهديم السلطة للدين، وغياب الرأي العام الموحد، والإصرار على الاستبداد، والانغماس في الترف والشهوات.

أما أصول الأسباب الأخلاقية فهي الاستغراق في الجهل، وفقدان النصيحة، وانحلال الرابطة الدينية، وفقدان الاهتمام بالتربية، وغياب القوة الموحدة للجمعيات، وعدم الاهتمام بالشؤون العامة من جانب المجتمع، ومعاداة العلوم، في حين وضع في فروعها كل من استيلاء روح اليأس، والإخلاد إلى الخمول، وفساد التعليم، وترك الأعمال، وغلبة التخلق بالتملق، وتفضيل الارتزاق بالجندية على الصنائع، وتوهم أن علم الدين في العمائم والكتب.

إن مجرد الاستعراض العام لأصول وفروع الأسباب التي وضعها الكواكبي تحت مجهر اهتمامه التحليلي يكشف عن عمق رؤيته النقدية والعقلانية ودقتها. أنها تكشف عن تحليله النقدي لبنية الفتور العام، أو التخلف والانحطاط في مكوناته الأساسية، مع ما يترب عليه من إدراك لأولوية النهضة والانبعاث ومفاصلها في الأصول والفروع. وبالتالي فان نزعته العقلانية والنقدية لم تنحصر ضمن إطار إظهار قيمة العقل النقدي، بل وترتيبه المنظم للأسباب والمسببات في كل واحد، مع إدراك دقيق لمهمات البدائل ومشاريعها العملية. وبهذا يكون قد دفع العقلانية النقدية للفكرة الإصلاحية إلى مداها الأبعد من خلال ربطه النقد العقلاني للواقع بواقعية نقده للذهنية الإسلامية في مكوناتها السياسية والأخلاقية والدينية، أي في كلّها الثقافي.

فهو لا ينتقد السياسة بشكل عام ولا مفاهيمها النظرية، بقدر ما ينتقد شكلها الواقعي وآثارها العملية في الدولة العثمانية وبدائلها الممكنة في موضوعات الفكر السياسي وحلوله. وإذا كانت مواقفه "التاريخية" في جوهرها تتمحور حول رفض شامل "لمناقب" الدولة العثمانية باسم المصير المستقل للعالم العربي، فإن تحليله السياسي "المباشر" للواقع الزمه رؤية الخلل الجوهري في مصاعبها التي أنتجتها بشكل خاص الستين السنة الأخيرة التي ابتدأت من نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر حتى بدايات القرن العشرين. فهي المرحلة التي تميزت بمحاولات إعادة تنظيم الإمبراطورية. إلا أنها باءت بالفشل، وذلك لأنها "عطلت أصولها القديمة، ولم تحسن التقليد ولا الإبداع"[8]. ولم يقصد هو بذلك استحسان ما مضى ولا استحسان أصولها القديمة، بقدر ما انه أراد الكشف عن تناقضاتها الداخلية. فقد أشار هو إلى أن بعض هذه الأسباب التي يتكلم عنها هي "أمراض قديمة ملازمة لإدارة الحكومة العثمانية منذ نشأتها"[9]. وقد أدرج في هذه الأسباب أصولا منها توحيد الإدارة العثمانية للقوانين دون الأخذ بنظر الاعتبار اختلاف طبائع وأطراف المملكة واختلاف أهاليها في الأجناس والعادات. وفي الوقت نفسه تشوش القضاء وتنوع الإجراءات الحقوقية، إضافة إلى تفويض الإمارات المختصة بعوائل معينة. أما في فروعها فقد أشار إلى أسباب عديدة منها التمسك بأصول الإدارة المركزية، وتولية بعض المناصب المختصة ببعض الأصناف كالمشيخة الإسلامية والعسكرية والجند، من اجل ألا يتفقوا فيما بينهم ضد السلطة المركزية. وكذلك عدم تحمل الرؤساء مسؤوليتهم أمام الرعية. وكذلك التمييز الفاحش بين أجناس الرعية، والغفلة عن مقتضيات الزمان ومباراة الجيران، والضغط على الأفكار المتنبهة بقصد منع نموها، وإدارة بيت المال إدارة إطلاق بدون مراقبة وغيرها من الأسباب. في حين أدرج في الأسباب الأخلاقية القائمة وراء انحطاط الدولة عدم تطابق الأخلاق بين الرعية والرعاة، والغفلة عن ترتيب شؤون العامة، وعدم التمسك بالنظام في توزيع الأعمال، وإهمال التخصص، وسقوط الهمة، وترك الاعتناء بتعليم النساء وغيرها من الأسباب[10]. وبهذا يكون الكواكبي قد جعل من الدولة والاستقلال السياسي والنظام الاجتماعي العادل ميدان نقده الذاتي. أما انتقاده للإدارة العثمانية فقد كان يتضمن في ذاته إدراكا نوعيا جديدا يتطابق مع فكرة وعي الذات القومي السياسي. ولم يكن ذلك معزولا عما اعتبره فقدانا جوهريا بالنسبة للوجود العربي آنذاك. مما حدد بدوره مضمون هذا الانتقاد، وبالتالي معنى ومهمات الإصلاحية الإسلامية التي تطابقت عنده مع فكرة سيادة الروح العقلاني بطابعه العملي السياسي والتنوير الثقافي.

وبهذا المعنى كانت الرؤية الإصلاحية عند الكواكبي أكثر قربا من إصلاحية الأفغاني. إلا أنها تميزت بأبعاد سياسية واجتماعية وقومية دقيقة مرتبطة بإدراكه أهمية وجوهرية الدولة والتاريخ السياسي المستقل للعالم العربي. فهو ينطلق شأن كل الإصلاحيين الكبار، من البؤرة المميزة للإصلاحية الإسلامية وعقيدة التوحيد، باعتبارها المقدمة الضرورية لكل فعل حق. ولم يقصد بذلك وضع الحدود لتفريق الخطأ عن الصواب، بقدر ما كان يسير باتجاه تحديد ماهية الحرية. من هنا تركيزه على فكرة التحرر من رقّ العبودية لأي صنم، باستثناء "عبودية الحق".

فقد اعتبر الكواكبي شأن الكثير من المصلحين الكبار أن ثمرة التوحيد الحق هو عتق العقول من الأسر. وذلك لأن ثمرة إتباع الشريعة الإسلامية (شريعة الرسول) يحول دون الوقوع في الشرك[11]. وفيما بين التوحيد والشرك تترامي ميادين الإصلاحية في تحضيرها للعمل. وذلك لأن هذه الأطراف لم تعد موضوعات في حدّ وحدود الكلام التقليدي وعقائده الإيمانية، بل في كونها أجزاء من منظومة الإسلام الإصلاحي المعاصر. من هنا ربط الكواكبي ثمرة التوحيد بثمرة الإيمان بوصفه نفيا للشرك. غير انه وضع هذه الفكرة عبر تأسيسه الجديد للمفاهيم والمقولات الإسلامية المتعلقة بقضايا الذات الإلهية وصفاتها وأفعالها. فإذا كانت هذه المفاهيم هي أيضا القضايا الأساسية لعلم الكلام التقليدي، فإن تناولها في آرائه الجديدة قد افقد طابعها التقليدي اللاهوتي، وذلك لأنه ذوّبها في تأصيله النقدي العقلاني تجاه مختلف المظاهر السلبية الفكرية والاجتماعية والسياسية وآثارها في اعتقادات المسلمين. فالإشراك في الذات بنظره، هو الاعتقاد بالحلول. أما الإشراك فهو اعتقاد البعض تصرّف غير الله في شيء من شؤون الكون، بينما الإشراك في الصفات فهو الاعتقاد في مخلوق انه متصف بصفات الكمال من المرتبة العليا، التي لا ينبغي إلا لواجب الوجود (الله)[12].

مما سبق يتضح، بأن الكواكبي لم يعيد استهلاك تقاليد اللاهوت التقليدي المعقد وتفريعاته العديدة، بل أعطاها مضمون النفي العملي البسيط للاعتقادات السائدة في عصره من اجل الساهمة أولا في "النهضة الإسلامية العلمية والأخلاقية"، والتحضير للأفعال السياسية الكبرى ثانيا. فهي المساهمة التي تستعيد في ذاتها التاريخ الذاتي باعتباره تاريخا للحق، أو تاريخا للإصلاح. لهذا اعتقد بأن الحكماء السياسيون الأقدمون اتبعوا الأنبياء في سلوك هذا الترتيب، أي الابتداء من نقطة دينية توصلا لتحرير الضمائر ثم إتباع طريق التربية والتهذيب بدون فتور ولا انقطاع[13]. وبهذا تتحول روحية الديانة إلى سياسة الروح الفاعلة في إدراكها العملي للمهمات والغايات. لهذا اعتبر أن كل التشويه الذي لحق بالأديان، بما في ذلك الإسلام، كان له غرض واحد وهو الاستبداد[14]. وبالتالي ليس الاستبداد في جوهره سو النقيض المباشر للدين الحق، تماما بالقدر الذي يشكل الدين نقيضا للاستبداد.

ووضع كل هذه الحصيلة في موقفه المعارض للأفكار التي حاولت أن تربط بين الدين والاستبداد خصوصا في موقفها من الإسلام. وفي الوقت نفسه لم ينف إمكانية استغلال ما في بعض ما لازم الإسلام في تاريخه. لكنه يعتبر كل ما ساهم في بلورة تقاليد الاستبداد في الإسلام هو نتاج تأثير ما اسماه "بأساطير الأولين" و"القسم التاريخي" من التوراة والرسائل المضافة إلى الإنجيل، باعتبارها أجزاء ساهمت في صياغة أسس الاستبداد وتقاليده[15]. بعبارة أخرى، إن تقاليد الاستبداد في الإسلام هي نتاج الخروج على حقيقة الفكرة الوحدانية فيه. من هنا يمكن فهم نقده للتوراة والإنجيل، بوصفه نقدا سياسيا. فالتوراة استعاضت عن أسماء الآلهة بالملائكة، أما رسائل (العهد الجديد) فقد وضعت رجال الكهنوت بالشكل الذي جعلهم ناطقون وفاعلون بالنيابة عن الله. في حين وضع الإسلام "قواعد الحرية السياسية المتوسطة بين الديمقراطية والارستقراطية، فأسس التوحيد واظهر للوجود حكومة كحكومة الخلفاء الراشدين"[16]. وإذا كان تخليصه النص القرآني عما يمكنه أن يكون مصدرا للاستبداد، فلأنه يعني في إطار الفكرة الإصلاحية عنده يتطابق مع مبادئ التوحيد المعقولة والأخلاقية. الأمر الذي أفرغ القرآن من إمكانية "توكيله" المطلق لصلاحية "الاستبداد" أيا كان نوعه، كما يقول الكوكبي. وقد كانت هذه الفكرة تخدم في منظومته الفكرية مهمات الإصلاح الديني باعتباره جزءا من مهمات السياسة أو مطابقة لها. فالأنبياء هم المصلحون، والساسة الحكماء يتبعونهم في "الترتيب". من هنا محاولته تحديد قواعدها من خلال الإقرار، بأن الله يرسل الأنبياء حجة على البشر. وإن بعض هؤلاء الأنبياء رسل (أصحاب رسالة). أما قواعدها في الإسلام فهي كون النبي محمد "بلغ رسالته ولم يكتم منها شيئا. وانه أتم وظيفته بما جاء به من كتاب الله، وبما قاله أو فعله أو اقره على سبيل التشريع كمالا لدين الله"[17]. ومن قواعد هذا الدين "انه محظور علينا أن نزيد على ما بلغنا إياه رسول الله أو ننقص منه أو نتصرف فيه بعقولنا، بل محتم علينا أن نتبع ما جاء به التصريح المحكم من القرآن والواضح الثابت من السنة"[18]. أما القاعدة الأخيرة فهي أن "نكون مختارين في باقي شئوننا الحياتية، نتصرف فيها كما نشاء مع رعاية القواعد العمومية، التي شرعها أو ندب إليها الرسول وتقتضيها الحكمة أو الفضيلة"[19].

لقد كان "ترتيب" القواعد المذكورة أعلاه تعبيرا عن الإدراك الواعي لمنظومة الإصلاح في مبادئها العامة. إذ لا يعني إتباع القرآن كما هو بدون زيادة أو نقصان في "ترتيب" الكواكبي سوى حصره إياه ضمن إطار الوحدانية النافية للغلو المتكلس في فرق الإسلام المختلفة. لهذا أكد على أن احد المبادئ الأساسية للجمعية هو كونها لا تنتسب إلى مذهب أو شيعة مخصوصة من مذاهب وشيع الإسلام مطلقا. وأن مسلكها الديني على مشرب السلف المعتدل[20]. أما المقصود بإتباع ما جاء في القرآن والسنة الصحيحة من دون تصرف فيها بعقولنا فهو عقول تلك المدارس والفرق. فالقرآن والسنّة هما المصادر المعقولة والمعتدلة، مما يضفي عليهما صفة الاستمرارية الضرورية في تقاليد الحق. لهذا اعتبر الكواكبي كل ما هو غيرهما مرتبط بخيارنا وبما تدعو إليه الحكمة والفضيلة. ولا يعني ذلك سوى الربط المتناسق بين الفعل الحر (الاختيار) والعقل (الحكمة) والأخلاق (الفضيلة)، أو وحدة العقل والسياسة والأخلاق في علاقتها بالديني، أو الدنيوي بالديني، ولكن ليس بالصيغة المتعارف عليها في تقليد العقائد والإيمان، بل في صيغتها الإصلاحية العقلانية. إذ لم يعن الديني هنا الإيماني العقائدي، بل التراثي الثقافي. مما حدد بدوره الارتباط الواعي بالأنا الحضارية وتقاليدها الروحية من جهة، واستيعابها الجديد لوحدة هذه العلاقة في الظروف الملموسة من جهة أخرى. بمعنى الطابع الملموس للبدائل السياسية والأخلاقية والدينية، بوصفها العناصر الأساسية التي بحث فيها الكواكبي عن أسباب الفتور العام. لهذا نراه يتكلم في بداية (أم القرى) عن ضرورة ما اسماه "ببيان الحالة الحاضرة وأسباب الخلل وإنذار الأمة وتوجيه اللوم للأمراء والعلماء"، وكذلك ضرورة "التشخيص السياسي المدقق" للواقع  الإسلامي من خلال البحث عن "مراكز المرض ليتعين بعد ذلك الدواء الشافي"، ثم كيفية "إدخاله في جسم الأمة بحكمة تصرع عناد الوهم"[21]. فعندما يشير إلى أن "السياسة والدين يمشيان متكاتفين، وان إصلاح الدين أسهل منالا وأقوى وأقرب طريقا للإصلاح السياسي"[22]، فإنه لم يقصد بذلك موازاة الديني والسياسي، ولا أولوية الديني على السياسي، بقدر ما انه وضع "الترتيب" العملي للإصلاح انطلاقا من ظروفه المعاصرة. فهي الصيغة التي تعكس أساسا أولوية السياسي على الديني ولكن لا في إطار معارضتهما، بل في "ترتيب" الأولويات الجوهرية. لاسيما وانه حاول التأسيس لهذه الأولوية بمعايير ومقاييس العقلانية الإسلامية ومضامينها الاجتماعية السياسية والديمقراطية، باعتبارها أيضا مقدمات تحتوي في ذاتها على أصالتها الثقافية في عالم الإسلام نفسه.

وقد حدد ذلك وعكس في فكرته الإصلاحية قيمة التنوير بشكل عام والثقافة بشكل خاص. فهو لم يقف عند حدود التنوير الداعي للقضاء على الجهل باعتبارها مقدمة النهوض العلمي والأخلاقي، بل وانهماكه في تدقيق كيفيته وأساليبه من اجل توجيهه العملي.ووجد في كل ذلك عملية ضرورية ينبغي أن تساهم في إشراك الجميع ببناء الوحدة الاجتماعية المثلى. من هنا وضعه في (وظائف الجمعية) مهمات تعميم القراءة والكتابة والترغيب في العلوم والتخصص في المدارس وإصلاح أصول تعليم اللغة العربية والعلوم الدينية والتربوية والسعي إلى استغلال كل ما يمكنه أن يكون نافعا وايجابيا في الوجود الواقعي للأمة. ومن هنا اقتراحاته بحمل أهل الطرائق (الصوفية) على الرجوع إلى الأصول الملائمة للشرع والحكمة في الإرشاد والتربية المريدين وتكليف كل فرقة منها بمهمة من المهمات مثل تحميل الطريقة القادرية مهمة إشاعة تعليم الأيتام، وأخرى بمواساة المساكين وثالثة بالتمريض وأخرى بالتنفير من المنكرات (كالمسكرات وما شابه ذلك)[23]. أما التجلي الأعمق والأوسع والأدق لهذه النزعة التنويرية الثقافية، فإنه يبرز في وحدة وكمون الفكرة الثقافية في الفكرة السياسية، والفكرة السياسية في الفكرة الثقافية كما هو واضح في تناوله لعلاقة الاستبداد بالجهل، والحرية بالمعرفة. فهو لم ينطلق من انه لا استعباد ولا اعتساف ما لم تكن الرعية حمقاء تتخبط في ظلام الجهل وتيه العماء. وإن المستبد نفسه لا يخشى علوم اللغة ولا يخاف من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد، بل أن المستبد ترتعد فرائصه من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية والفلسفة العقلية وحقوق الأمم والسياسة المدنية والتاريخ المفصل والخطابة الأدبية. فالمستبد يخاف من العلوم التي "توسع العقول وتعرّف الإنسان ما هو الإنسان وما هي حقوقه"[24].

إن الوحدة الحية لكمون الفكرة الثقافية في الفكرة السياسية والفكرة السياسية في الفكرة الثقافية تكشف عن تذليل عقلانية الإصلاحية الإسلامية للذهنية السلفية المعاندة والاستبداد السلطوي، من خلال تأصيلها لمفاهيم العقل العملية، باعتبارها أجزاء ضرورية في منظومة الإصلاح. وبلغ ذلك ذروته في فكرة نقد الذات الاجتماعية والتنوير الثقافي الشامل. مما حدد بدوره حدود النزعة النقدية للإصلاحية الإسلامية وارتباطها بقضاياها التاريخية والوجودية والروحية الخاصة. وبهذا تكون قد أسست لعناصر المنظومة الفكرية الأصيلة، مما الزمها بضرورة التأصيل للأصالة. 

***

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

.......................

[1] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص126.

[2] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص128.

[3] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص145.

[4] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص268.

[5] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص262

[6] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص153.

[7] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج2، ص405.

[8] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص253.

[9] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص253.

[10] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص253-257.

[11] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص190.

[12] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص193.

[13] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج2، ص394.

[14] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج2، ص352.

[15] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج2، ص342.

[16] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج2، ص346.

[17] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص188.

[18] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص188.

[19] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص188.

[20] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج2، ص282.

[21] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص137-138.

[22] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج2، ص345.

[23] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص286-289.

[24] الكواكبي: الأعمال الكاملة، ج1، ص289.

 

 

اكرم جلال﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24].

صورةٌ مِن نُور رَسَمَتها لنا الآية الكريمة وهي تَعكس في مَضمونها أبعاداً تَرسم طَبيعة العلاقة معَ الله تعالى، علاقَة لابُدّ لها مِن أسُس وأواصِرَ وَوَشائج وعناصر فَرَضَتْها الفطرة البَشريّة، بها يَهتدي الطالبون وَيَنجو المُحبّون؛ رَوابط وعلائق مُتَعددة كالتبتّل والاستغفار والدُّعاء والأذكار، والخوف والرجاء ،والأنس والعشق والأنقطاع، وغيرها الكثير.

تِلكَ الروابط بِمَجموعها تُشكّل أطيافاً مِن مسالك نُورانية، تَتَناسَق وَتَتَجانَس مَعَ بعضها البعض لتُكوّن جُسوراً يَعرُجُ مِن خلالها السائِل نَحو المُعطي، خَلْوَةٌ بَين الحَبيب والمَحبوب؛ رَوابط وَمَسالك وَدَلائل يَستَدلّ بها المريدون في الوصول نحو الكمال المطلق، وَلكُلّ مِنها أسلوبه ومنهجه وأثره في تَعميق الإرتباط والتواصل مع الله جل وعلا‏، وأن هذه الأواصر تَتَفاوَت وَتَتَباين مِن شَخص لآخر تبعاَ لميله وانسجامه ولِعُمق وَعيه وإدراكه، ونحن في هذا البحث المقتضب نَتَوقّف عند أبلَغها أثراً وأعمقها دلالة وهو الحُبُّ الإلهي.

ففي مناجاة المريدين للإمام زين العابدين يقول فيها: (إلهِي فاسْلُكْ بِنا سُبُلَ الْوُصُولِ إلَيْكَ، وَسَيِّرْنا فِي أَقْرَبِ الطُّرُقِ لِلْوُفُودِ عَلَيْكَ، قَرِّبْ عَلَيْنَا الْبَعِيدَ، وَسَهِّلَ عَلَيْنَا الْعَسِيرَ الشَّدِيدَ، وَأَلْحِقْنا بِعِبادِكَ الَّذِينَ هُمْ بِالْبِدارِ إلَيْكَ يُسارِعُونَ وَبابَكَ عَلَى الدَّوامِ يَطْرُقُونَ، وَإيَّاكَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يَعْبُدُونَ، وَهُمْ مِنْ هَيْبَتِكَ مُشْفِقُونَ، الَّذِينَ صَفَّيْتَ لَهُمُ الْمَشارِبَ، وَبَلَّغْتَهُمُ الرَّغآئِبَ، وَأَنْجَحْتَ لَهُمُ الْمَطالِبَ، وَقَضَيْتَ لَهُمْ مِنْ فَضْلِكَ الْمَآرِبَ، وَمَلأْتَ لَهُمْ ضَمآئِرَهُمْ مِنْ حُبِّكَ وَرَوَّيْتَهُمْ مِنْ صافِي شِرْبِكَ، فَبِكَ إلى لَذِيذِ مُناجاتِكَ وَصَلُوا، وَمِنْكَ أَقْصى مَقاصِدِهِمْ حَصَّلُوا 1).

كلماتٌ تَحِيرُ فيها الأفهام وَتَجِفُّ عِندَ وَصفها الأقلام، صَدَرت عن قلب مُحب كالإمام عليه السلام، يسأل الله فيها أن يُعينَه في أن يَسلك بِهِ سُبُل الوصولَ إليه، وَيجتازَ به اقربَ الطُّرق وأقْصَرَها للوفود عليه. كلمتان لابُدّ من التوقف عندهما: الأولى "سُبُل" والثانية "طُرُق"، والكلمتان جاءتا بصيغة الجمع، وهذا تأكيد لما تقدم ذِكرُه مِنْ أنّ لله سُبلاً كثيرة وطُرقاً مُتَعَددة من أجل الوفود عليه وبلوغ ساحة مرضاته.

الحُبُّ أوثَق تلك العُرى وأقواها؛ به تُهدَم الأسوار وَتُجلى الأبصار وَتَشُعّ الأنوار؛ يَطلُب الإكثار ولا يَقنَع بالإختصار؛ يَسلك العَبد به أعلى الدّرجات وأبلَغ المَرتبات وأشرف الكَرامات. والحُبّ كما عَرّفه أهل اللغة أنه (الوداد والمحبّة والميل الشديد، ويُقابله البغض والتنفّر. والتحبّب هو إظهار الودّ والحبّ 2).

روي أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: (يا داود من أحب حبيبا صدق قوله، ومن رضي بحبيب رضي فعله، ومن وثق بحبيب اعتمد عليه، ومن اشتاق إلى حبيب جد في السير إليه، يا داود ذكري للذاكرين، وجنتي للمطيعين، وحبي للمشتاقين وأنا خاصة للمحبين. وقال سبحانه: أهل طاعتي في ضيافتي وأهل شكري في زيادتي وأهل ذكري في نعمتي وأهل معصيتي لا أو يسهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم وإن دعوا فأنا مجيبهم وإن مرضوا فأنا طبيبهم، أداويهم بالمحن والمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب. اعلام الدين للديلمي مثله. 3).

إنّ مَراتبَ الحُبّ تَتَفاوَت تَبَعاً لدرجات إيمان العبد، ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾ [سورة البقرة الآية: 165]، والحُبّ في عُمق تَكوينه يَنبَع مِن حَقيقة فَقْر العَبْدِ واحتياجهِ للمالك والمعطي، إنّه السّرُّ الغَيبي الذي يأخُذ بِيَد العَبد الفَقير نَحوَ مالِك المُلك، إنّه سَيرُ المُحتاج نَحو المُعطي، هو ملجأ الضَعيف وكنز الفقير. إنّ أصدَق آيات الحُبّ وأبلغها تلك التي تَنبَع مِنَ الإتّباعِ والإنقياد والسّير على خطى النبيّ وآله الأطهار، فَكُلّما أزداد منهم تقَرُباً وارتقى بِحُبّهم علواً كُلّما كانَ بُلُوغه إلى ساحَة القُدس الإلهي أقرب ومَحضَر قُربِهِ أوكَد وَحُبّه لله أَشد، ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31].

والسَّيرُ نَحو إدراك مَحَبَّة الله قد لا يَكون سَهلاً يَسيراً، فهذا الأمر صَعْبٌ مُستَصْعَب وَسُبُلُه شائِكَة وَعِرة ذاتَ أشواك ومَزالق، لكنّ قلوب المُشتاقين تَهفُو وَلِقُرب الحَبيب تَصبُوا، والصفقة مُربحة ويَهون دونها السير ولو فوق جمار من نار، فالطريق إذن سَهل يَسير لِمَن كانت خطواته ثابتة مُسرعة نَحو مَنبع الحُبّ، ففي الدعاء عن الإمام الحُسين عليه السلام: (عميت عين لا تراك عليها رقيباً ، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيباً 4).

ثم إنَّ الذُنوب والمَعاصي تُضعِف الإيمان وتُمرض القلوب فتقسو وتنطفئ أنوار المحبة فيها فيتحول هذا الظلام الى حجاب يمنعها من إلإستضاءة بنور الله ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74].

وإنّ المَعاصي تَقفلُ القُلوب وتُميتها وتَمنَعها مِن تَلَقّي الفيوضات الإلهية، فَتَعيش الحَيرَة والغَفلة عَن ذكر الله، فَتُحرَم من لَذّة قُرب الله وَشُرب عَذب قربه، فعن الامام زين العابدين عليه يقول: (إلهي ما أطيب طعم حبّك وما أعذب شرب قربك 5) .

إنّ لهذا الحُبّ سراً وعَجَباً، فالقلوب عندما تُحب يَشُدها الشَوق وَتَحنّ الى شَربة من عَذبِ ماءِ القُرب الإلهي، شَوقٌ صادق وَمَحَبة صحيحة وانقطاع تام الى منبع الحُبّ ومصدر الشوق، ففيما جاء في صحيفة إدريس عليه السلام أن الله يقول: (طوبي لقوم عبدوني حباً ، واتخذوني إلهاً ورباً ، سهروا الليل ، ودأبوا النهار طلباً لوجهي من غير رهبة ولا رغبة ، ولا لنار ، ولا جنة ، بل للمحبة الصحيحة ، والإرادة الصريحة والانقطاع عن الكل إلي 6).

وَحينما يَرتَوي القَّلبُ من نَبعِ الحُبّ وَيَمتلئ مِن فيوضاته يَتَحَوّل بذلك الى نُورٍ قُدسي ملؤُهُ الحُبّ وَشَمسٍ يَقينيّة من فُيُوضات الكَمال المُطلق، فَهُو أينما أتّجه وَنَظَر وَفَكّر فإنه لا يَميل ولا يَرتَوي مِن غَير نَبع الواحد الأحد، وسَيَرى كلَّ الاشياء بنور شُعاع قَلبه العاشق وَيُبصِر حَقائق المَلكوت وخَفايا الدُنيا والآخرة وحقائق الأشياء وأسرارها بذلك الحب الذي هُو مِن مَصدَر ومنبع الحب المطلق.

ولأنّ قَلبَ المُحِب لا يَجمَع النَّقيضَين معاً، فَحينما يَرتوي شراباً عذباً طهوراً من يد الله الملأى عَفافاً وكرماً فالقَلب بَعدها لا يأنس بغَيره ولا يَستلذّ شراباً من سواه. ومِن هنا يَبدأ السير نحو غَربَلَة القُلوب من الشّوائب والأدران وتَعميق الشوق والوداد نحوه وَفَكّ الأغلال والأصفاد ونَبذ كلّ ما هو دون الله وإكمال السير وطي المراتب نحو الحبيب الأوحد.

إنّها صَفقَة رابِحَة وَعلاقَة صالِحَة بين المُحب والمَحبوب، صفقة فاز فيها مَن مَلأ قَلبَه حباً للمحبوب الأعلى دون شريك غيره يرتجى، وإنْ سَعى العبد لمودة غيره فهو إنّما طالباً للدلالة وقاصداً للوَساطة وأنّ حُب غيره إنّما هو بقصد الوصول لساحة قدسه ونبع فيوضاته، لا أن يشاركه أحد في مملكته ،فالمحبوب واحد لا شريك له ولا عديل ولا كفؤاً له ولا بديل، (وَ أَسْتَغْفِرُكَ مِنْ كُلِّ لَذَّةٍ بِغَيْرِ ذِكْرِكَ ، وَ مِنْ كُلِّ رَاحَةٍ بِغَيْرِ أُنْسِكَ ، وَ مِنْ كُلِّ سُرُورٍ بِغَيْرِ قُرْبِكَ ، وَ مِنْ كُلِّ شُغُلٍ بِغَيْرِ طَاعَتِكَ 7) .

وکانَ فيما أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: (يا داود ، أبلغ أهل أرضي أني حبيب من أحبني وجليس من جالسني ومؤنس لمن أنس بذکري وصاحب لمن صاحبني ... ما أحبني أحد أعلم ذلك يقينا من قبله إلا قبلته لنفسي ، وأحببته حبا لا يتقدمه أحد من خلقي ، من طلبني بالحق وجدني ، ومن طلب غيري لم يجدني ، فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها ، وهلموا إلي کرامتي ومصاحبتي ومجالستي ومؤانستي ، وآنسوني أونسکم وأسارع إلي محبتکم 8).

إنّ سُلطان الجّوارح هي القُلوب المُبصرة، فَحينما تَستقر حَلاوةَ حُبّ الله ولَذّة قربه فيها سَتَسير عندها الجوارح طائعة خاضعة نحو ربها مسرعة، ولأن القلب هو الأكثر إدراكاً والأعمق بصيرةً من باقي الجوارح، بل هو سيدها ودليلها في مسيرة التكامل نحو نيل فيوضات الحب الإلهي، فحينما يَطرق باب القلب حباً محمدياً أو علوياً أو فاطمياً أو حسنياً أو حسينياُ ، أو حب الأئمة من بعدهم، فأعلم أنّك قد أدركت أسرع الطرق لبلوغ تمام الحب الإلهي، إنّك سَتَجد نَفسَكَ تَسير بهم نحو الله، وتَتَقرّب بذكرهم لذكر الله، وبقُربهم لقُرب الله، وبِحُبّهم لحبّ الله ، فَتَراهُم أدلّائك ووسطائُك الى الله؛ إنّك ستدرك بإيمان ويقين أنّ بلوغ المقامات السامية والمَراتب العالية وملأ القلب من عذب شراب حب الله والشَوق اليه والأنس بقربه ونيل حقيقة معرفته، لا يدرك ولا يَكتَمل بدرجاته المطلوبة ومراتبة المرغوبة الّا بمعرفة وحب المصطفى وأهل بيته الهداة المهديين عليهم السلام.

إنّ إدراك مَحبّة الله هيَ غايَة السائلين ومُنى طَلَب الطالبين ومنتهى آمال العارفين، وإنّ العارف يَنظُر الى الأمور جميعاً بنور الله جل وعلا، فَمَن يَصل الى مَقامات ملكوتية عالية ومراتب الحالات الشهودية لا شك أن الله سيجعل له نوراً يمشي به في الناس ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: 122]، وأن سَيره لا يتوقف نحو مَصدَر الكَمال ومَنبَع الجَمال وأنّ هذا السّير لابُدّ لَهُ من زاد وعُدة، وَرغبة في أمَل وشدّة في عَمَل، ووسيلة تَسير به لِطَيّ المراتب وإدراك أعلى المناقب، وأنّ أوثق الدروب وأقرَبَها وأقوَمَ المناهج وأصدَقَها الى إدراك الحُبّ الإلهي إنّما يَتَمَثّل بالحُبّ الحُسَيني (وَ يَا غَايَةُ آمَالِ الْمُحِبِّينَ ، أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَ حُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ 9)، فالإمام الحُسين عليه السلام رسالةً ومنهجاً وعطاءً، إنّه الدليل الى الله عبر الأزمنة والدُهور، سَفينة النّجاة مِنَ الظلمات والديجور نَحو مَنبَع الحُبّ والنّور وأنّ حبّه وموّدَتَه إنّما هيَ خُلاصة حُبّ الله، فَمَن أدرك حقيقة القُرب الإلهي والشُرب من زُلال نبعه الصافي لا بد أن يَكون للإمام مكاناً في قَلبه، وأنّ التَودد اليه عليه السلام والتَّعَرّف عَليه والتمسك بنَهجه والسير على خطاه إنما هي مناهج سليمة ومسالك أمينة نحو إدراك أعلى مقامات الحب الإلهي.

قال الإمام الصادق (عليه السلام) المشتاق لا يشتهى طعاما ويلتذ شرابا ولا يستطيب وقادا ولا يأنس حميما ويأوي دارا ولا يسكن عمرانا ولا يلبس ثيابا ولا يقر قرارا ويعبد الله ليلا ونهارا راجيا بان يصل إلى ما يشتاق إليه ويناجيه بلسان الشوق معبرا عما سريرته كما أخبر الله تعالى عن موسى (عليه السلام) في ميعاد ربه (وعجلت إليك ربى لترضى) وفسر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حاله انه ما اكل ولا شرب ولا نام ولا اشتهى شيئا من ذلك في ذهابه ومجيئه أربعين يوما شوقا إلى ربه فإذا دخلت ميدان الشوق فكبر على نفسك ومرادك من الدنيا وودع جميع المألوفات واصرفه عن سوى مشوقك ولب بين حياتك وموتك لبيك اللهم لبيك عظم الله اجرك ومثل المشتاق مثل الغريق ليس له همة إلا خلاصه وقد نسي كل شئ دونه 10).

 

د. أكرم جلال

...................

1- الصحيفة السجادية الكاملة: 312 ، و بحار الأنوار: 91 / 147 ، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي.

2- لسان العرب لابن منظور ج 1، ص 289.

3- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 74 - الصفحة 42.

4- بحار الانوار 226: 98.

5- بحار الانوار 26: 98.

6- بحار الانوار 467: 95.

7- الصحيفة السجادية الكاملة: 326 ، و بحار الأنوار: 91 / 151 ، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي.

8- بحار الأنوار 26: 70.

9- الصحيفة السجادية الكاملة: 315 ، و بحار الأنوار: 91 / 148 ، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي.

10- مصباح الشريعة ص196 ، تفسير الصافي ج3 ص316 ، تفسير البرهان ج5 ص181 الحديث 1.

 

ميثم الجنابيالمفارقة التاريخية لوعي الذات الإصلاحي الإسلامي (1)

إن المفارقة التاريخية التي رافقت ظهور العالم الإسلامي الحديث تقوم في ولادته كبيرا. مما حدد بالضرورة عسر تربيته وصعوبة انقياده بما في ذلك لنفسه. وذلك لأن انهيار الإمبراطورية العثمانية (التركية) كان يعني أيضا انهيار روح العظمة الزائفة واستظهار عجزها الذاتي. لقد اثبت ذلك وكشف في الوقت نفسه، عن أنها لم تكن إمبراطورية بالمعنى الدقيق للكلمة، ولم تكن قادرة على أن تكون إسلامية، لأن هويتها النهائية كانت تذوب منذ عهد بعيد في تركية عديمة المعالم. فقد كشفت عما وراء لباسها الإمبراطوري المزركش وهيئتها الانكشارية عن جسد عجوز. أما الحداد الجنائزي الذي أعدته الإمبراطوريات الأوربية المنتصرة فقد كان يكشف عن قوة وشكيمة وإصرار في التهام كل ما يمكن التهامه على انه غنيمة العصر، والثأر التاريخي الذي لازم مخيلة شعوب القارة الأوربية لقرون عديدة.

وقد فرض هذا الواقع معادلة جديدة كانت مقوماتها تامة الكمال في طرفي الصراع الشرقي ـ الإسلامي والغربي ـ النصراني. أنها أحدثت ما كان ينبغي له أن يحدث مطبقة حذافير الفكرة القائلة بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك!! وكشفت في الوقت نفسه عن أن ما جرى هو نتاج لما استقر في أطراف الصراع. وبهذا المعنى كان الضغط الأوربي وإجباره الحضاري الجديد نعمة تاريخية أيضا بمضمونها الثقافي والسياسي، لأنه كشف عن أن العالم والتاريخ نار تحترق بمقدار وتنطفئ بمقدار.

غير أن للإجبار الحضاري معناه العميق بما في ذلك في وجوده كأسلوب مؤثر في صيرورة الحضارة ذاتها. ففي الإجبار يندثر الماضي وتتمظهر في ظل قواه المتصارعة الإمكانات الجديدة في مختلف أشكالها على أنها بدائل "للانبعاث" الجديد. إلا أن هذا الاندثار هو الصيغة التاريخية التي يحددها توازن القوى وكيفية ظهورها. ذلك يعني بان الإجبار الحضاري هو في الوقت نفسه أسلوب وجود الحضارات وتعايشها وتصارعها، لأنه يتضمن في ذاته إمكانيات البدائل. وبالتالي، فانه يضع معيار الاستمرار "الموضوعي" في صراع الحضارات. وما عدا ذلك، فان لكل إجبار معناه الثقافي.

فعندما نقف على أرضية التاريخ الفعلية، فان الخطوات المتخذة لا يمكنها أن تتعدى قوة ذواتها الفاعلة. ذلك يعني، بان الإجبار الحضاري هو في الوقت نفسه الأسلوب المناسب للتعبير عن الطاقة الذاتية للصعود والهبوط. فهو يستمد مقوماته من مبادئ نشوئه الأولى. إذ ليس الصعود الحضاري سوى نمط تجلي الانفتاح المتزايد في بواطن المبادئ الكبرى. وينطبق هذا بالقدر ذاته على إمكانيات هبوطه. بصيغة أخرى، إن العمق الذاتي للثقافات الكبرى هو عمق مبادئها الأساسية، ومنطلقها الأول، وعلى كيفية انكسارها في ظل الصراعات الواقعية تتوقف أنماط "تهذيبها". إلا أن ذلك لا يعني بان التطور التاريخي للثقافات وأساليب وعيها تختبئ بصورة غائية في فعلها الأول. إن فرضية كهذه لا تفعل في الواقع إلا على تأمل ما جرى باعتباره قضاء وقدرا. ومن ثم تحول التاريخ إلى فعل ثابت، معطى مرة واحدة والى الأبد. أما في الواقع فإن "جموده" يقوم في أسلوب رؤيته. فالتاريخ لا يعرف صعودا إلا في مقابل هبوط، ولا هبوط إلا في مقابل صعود. بل انه غالبا ما يعي ذاته ومظاهره الثقافية في مقولات الصراع والتحدي. وفي هذا الوعي يمكن افتراض فرضيات لا تحصى، ولكنه ملزم مع ذلك بالوقوف أمام حقيقة كمون الحاضر في الماضي، والماضي في مبادئه الأولى أو بؤرته الثقافية.

كان الإجبار الحضاري للغرب الأوربي في مواقفه تجاه الشرق وتأثيره عليه هو إجبار في مفاهيم وقيم الخضوع والسيطرة. انه أثر من آثار القوة وموازينها، وليس نتاجا للروح الإنساني في كينونته الفاعلة. فالأخيرة ليست كيانا ما قائما بحد ذاته، أو قوة مغتربة تمتلئ في الفعل التاريخي كما لو أنها تجل لقانونية الحكمة أو حكمة القانون (الطبيعي أو التاريخي)، بقدر ما أنها الروح المّنسق للوحدة. غير أن هذه الوحدة لا تعني التجانس المطلق أو الهدوء الوديع، وذلك لأنها لا تفترض في صيرورتها حد النهاية، بل هي قوة الفعل الحية للصراع أيضا. بعبارة أخرى، إن الكينونة الفاعلة للروح الإنساني لا تفترض بالضرورة مطابقة التاريخ الفعلي مع الواجب المثالي، بل تشير إلى ما في غياب التطابق هذا من "نقص في الكمال"، باعتباره الهوة الواقعية التي تقف أمامها على الدوام مساعي الثقافات الإنسانية.

فقد كان من الممكن النظر إلى انهيار العالم الإمبراطوري العثماني على انه نعمة أيضا، وذلك لأنه ابرز إلى الوجود تعددا إسلاميا وقوميا جديدا، مما افترض في ذاته تكون وتعمق عناصر رجوع الأمور إلى نصابها الحق. انه استثار مشاعر الرجوع للمصادر الأولى. وبالتالي تثوير الروح الإصلاحي والراديكاليات الاجتماعية والسياسية والثقافية. فقد واجه كلاهما هذا الواقع الجديد بحماس خاص تضمن في ذاته كل التناقضات المميزة للواحدة الحية. فقد سلك العالم الإسلامي هنا سلوك البدوي الذي أجاب عن سؤال عما إذا كان يعاني من البرد، وهو عار في الفلاة، بعبارة: "أن نسبي يدفئني"!! وإذا كان هذا الرد يبدو ساذجا باعتبارات الجسد، فانه عميق باعتبارات الروح. فهو يكشف عن أن للجسد دفئه الباطن فيما وراء جلده العادي، أي كل ما يربطه بمشاعر الانتماء غير المرئية.

فقد كان هذا الباطن التاريخي لقوميات "الأمة الإسلامية" يكمن في شعورها العميق بإرثها الثقافي. مما كان يهدأ في ذهنية وسلوك الإصلاحيات الإسلامية والراديكاليات السياسية ورع الضمير المضطرب ويمده في الوقت نفسه بشعور الثقة المستند إلى الفكرة القائلة بأن الحياة في حروبها دول، أي متغيرة ومتبدلة. وفيما لو أزلنا شاعرية هذه الصورة وتجريدها عن كل ما يبدو في لغة الأدب تعبيرا عن مأساوية المصير وبطولة المواقف، والنظر إليها في واقعها التاريخي، فإن المعادلة الجديدة فيما بين الغرب والشرق كانت تتمحور في كينونة التحدي الجديد بين شروق الغرب الأوربي وغروب الشرق الإسلامي، أي كل ما كان يرافق عملية الإجبار الحضاري، التي اخذ "الغرب" يفرضها على "الشرق".

لقد كان لهذا الإجبار الحضاري مقدماته الدامية في التاريخ الأوربي. فهو يظهر كما لو انه إنكار ونفي وخيانة لتلك الأجنة الكبرى في روافده المدنية، أي في تكوّن ونمو عناصر النزعة الإنسانية في عصر النهضة، ومحاربة المركزية الكنسية والدوغمائية الدينية في عصر الإصلاح، والتثوير المعرفي ـ الثقافي لعصر التنوير، وتطور العلوم التجريبية ودورها في ترسيخ العقلانية والدنيوية وما إلى ذلك. إضافة إلى قيم الليبرالية والديمقراطية البرجوازية المنتصرة. أما في الواقع فانه لم تكن هناك خيانة ولا إنكار ولا نفي. لقد سار كل شيء على انه جزء من كلّية الصيرورة الرأسمالية وتراكمها النهم، أي الملازمة لمرحلة الانتقال من الطر الديني السياسي إلى الطور السياسي الاقتصادي في التطور التاريخي الأوربي. وقد كانت هذه العملية عميقة المحتوى وبعيدة الأثر بحيث نقلت الكيان الأوربي، رغم تجزئته المتفاقمة، إلى وحدة جديدة من خلال فرض أولويات مركزيته في وعيه الذاتي. وهو ما يفسر لحد ما غياب رؤية الغير وآثارهم فيه. لهذا أصبح من الممكن أن يفترض الأوربي في تاريخه العلمي والفلسفي والأدبي تلقائية تطوره الذاتي. وهي نظرة واقعية للأنا الأوربية. إلا أن هذا الافتراض الصارم في تجاهله للغير يتضمن البقايا المقلوبة للهمّ الشرقي في الوعي التاريخي الأوربي ووجدانه. ومن الصعب توجيه اللوم إلى ظاهرة من هذا النوع، ما زال التطور الأصيل يستلزم بالضرورة النفي الدائم لمقدماته. فمن الصعب على الشجرة مثلا، أن تلتفت في نموها إلى بذرتها الأولى، ما زالت هي ذاتها تعطي في ثمارها البديل الكمي والنوعي لبذرتها الأولى. إضافة لذلك، ترتبط هذه القضية بتكامل وعي الذات. إذ حالما يحدث ذلك، فانه يؤدي بالضرورة إلى تعميق عملية الإبداع استنادا إلى قواها الخاصة. آنذاك تصبح المطالعة الخارجية جزءا من التراث الحضاري، أو جزءا من تعميق معرفة الذات ومحاولاتها الإحاطة بكل ما هو موجود. وبالتالي تساهم في أنسنة الرؤية رغم كل مثالب هذه العملية بالنسبة لأولئك الذين يصبحون موضوعا أو مادة للدراسة المتأملة. فالعقل المسلوب يمكن أن يتألم لهذه الظاهرة أو يتحسسها ومع ذلك فانه لا ينبغي أخذها على محمل الجد من وجهة نظر تعميق وعي الذات الثقافي. بل ينبغي أخذها على أنها معطيات وليست أحكاما وقيما. فهي في أفضل الأحوال مجرد فرضيات لا غير.

فقد جرى التطور الداخلي لأوربا من خلال الرجوع إلى المصادر اليونانية في الفكر، والرومانية في السياسة، والنصرانية الأولى في إيمانها الوجداني، مرورا بالوساطة العربية[1]. أما التطور الخارجي فقد ارتبط، فيما لو استعملنا عبارة القدماء، بقوى النفس الغضيبة لخيالاتها المشرقية. "فالاكتشافات" الجغرافية لم تكن في احد جوانبها، سوى نتيجة تتبع حاستي الشم والنظر الأوربيتين لبريق الجواهر الشرقية وأريج عطوره وروائح توابله المغرية.

ولا يعني ذلك الانتقاص أو التقليل من شأن هذه "الاكتشافات". فقد كانت دون شك، "اكتشافات" للوعي الأوربي وتوسيعها لمداركه. بمعنى أنها وضعت جغرافية العالم لا في جغرافيته الواقعية، بل في تصوراتها البدائية. وهو ما نعثر عليه في ثبات الوهم القائم في تسميات عديدة كهنود أميركا وما شابه ذلك. ولكن إذا كانت هذه الاكتشافات تمتلك قيمتها في مدارج الوعي الأوربي، بما في ذلك في مركزية تصوراته" العالمية"، فلأنها استجابت لمساعي إبداعه الخاص. فقد جرى تحسسها وتلمسها وإدراكها في معترك البحث الدءوب. وهي الصفة الملازمة لكل إبداع حي، تماما بالقدر الذي عادة ما تؤدي به في البداية إلى إطفاء ورع التواضع المعرفي. وبما أن الأخير كان على الدوام من هواجس الفكر الكبير، فان الاندفاع المتحمس ل"للاكتشافات" الجغرافية، لم يكن حبا للمعرفة ولا توسيعا للمدارك. انه لم يكن "تقليدا" لروح الإغريق القدماء، بقدر ما كان استجابة لسطوة الأوربية الرومانية، أو المادية الشرهة. مما عمق في آن واحد نفسية النفس وشهوة نوازعها المادية. ومن الممكن رؤية هذه الحصيلة ليس في أدب السياسة الأوربية منذ مكيافيللي، بل وفي أدبها الشعري والروائي أيضا.

أدت هذه العملية في مجراها وفي حصيلتها الأولى إلى صنع الأسطورة المثيرة عن "الشرق". مما ولد إلى جانب تهويل هالتها الظاهرة إغراء كوامن السطوة والاغتصاب واستثارة لعاب السرقة ومشاعر الارتياب تجاه من يقف بالضد منها. مما أثقل النفس الأوربية بخطاياها. واثأر فيها روح الغزو والاستيلاء. وذلك لان "اكتشافات" الوعي الأوربي الجديد للشرق استثارت فيه روح المغامرة، وتثلم معارفه الشخصية القديمة. لكنها أرست في نفس الوقت الأساس الموضوعي للاحتكاك السياسي الحضاري الجديد، الذي دفعه تطور البرجوازيات الأوربية إلى نهايته المنطقية: التوسع العسكري والنهب الاقتصادي!! وهي ظاهرة متميزة وفريدة في التاريخ العالمي سواء من حيث فعلها وغاياتها وآليتها ونتائجها.

فقد كان التاريخ العالمي في مساره العام، احتكاما أمام محرابه الذهبي. وبالتالي فلا معنى هنا لاتهام "الآخر" وتبرير النفس في أفعالهما التاريخية. فالأخيرة هي ليست معمدانا للروح الأخلاقي، بل وشمعدانا للصوص! أو على الأقل، إنهما اختلطا على الدوام بإنتاجهما نماذج الوحدة المتناقضة باعتبارها صيرورة للحضارات ومدنياتها. وبهذا المعنى كان التوسع العسكري والنهب الاقتصادي الأوربي، اللذان رافقا صيرورة البرجوازية هو نتاج طبيعي لغياب التكافؤ الاجتماعي والثقافي والعلمي في إحدى مراحل التطور التاريخي العالمي. مما أدى بالضرورة إلى أن لا تتحدد أفعاله بغاياته، ولا آليتها بنتائجها. وإذا كان هذا اللاتطابق هو بمعنى ما إحدى القوى المحركة للتطور التاريخي، فانه شكل أيضا معيارا نموذجيا أو مؤشرا متميزا في إدراك خصوصية الثقافات الكبرى.

فالغايات الكامنة في النزوع البرجوازي للأمم الأوربية لم تكن واضحة المعالم. فهي لم ترتبط بغايات متسامية. فمظهرها المباشر الذي يوحي بالعقلانية المفرطة، ما هو في الواقع سوى أثر معكوس للمادية المبتذلة وأوهامها. ولهذا كان بإمكانها أن تستعمل كل الذخيرة الهائلة للخيال الكاثوليكي والبروتستانتي من اجل البرهنة على أن ما تقوم به، بما في ذلك خارج نطاق وجودها "الطبيعي"، على انه استمرارية لمعجزة المسيح. فهي أيضا تبعث ما في قبور الموتى من كنوز وتشفي الذات من أمراضها. أنها تفترض في آلية فعلها أهدافا لا تتطابق مع غاياتها الفعلية. وعندما أعطى هيغل في وقت لاحق لهذا المسار من خلال تأمله إياه صفة العالمية، فإنه يكون قد اقترب من حقيقة الذات. ولكنه حالما يجعله مسارا للعقل فإنه يكون قد أبعده عن متاهات الادلجة الهمجية. ففي الحالة الأولى كان سبره لغور الماضي اقتحاما للمستقبل، أما في الحالة الثانية فانه يكون قد افترض عقلا لما لا عقل له. ولهذا كان مضطرا على مداعبة جنونه الذاتي بخياله، أي الرؤية المقلوبة، والاستعلاء الرزين المظهر والخاوي المعنى، والتأمل المفرط فيما لا قيمة له.

إن هذا الانقلاب المعنوي للرؤية العقلانية عن التاريخ ومحاولة حشره فيما ترتضيه مشاعر الجرمانية المتحذلقة، كان الصيغة المناسبة للمعاناة الألمانية الباحثة عن معقولية للامعقول في واقعها آنذاك، أي للعقلانية المغلقة في قوميتها الناقصة عن الكمال. أما عقلانية المسار الواقعي لفعل التاريخ الأوربي فقد كانت متضاربة المنازع والمحتوى. مما أعطى لمظهرها همجيته المناسبة. وذلك لأنها أطفأت في ذاتها ورع القيم المتسامية. أنها أعطت للفعل قيمة الإرادة. وربطت الأخيرة بالقوة (المادية). ولهذا كانت نتائجها مطابقة لآليتها. بمعنى إنتاج الهمجية الجديدة كإحدى الصيغ الأكثر حضارة للكينونة الأوربية الحديثة. فهي همجية تختلف عن تنقلات العالم القديم وهجرات الجراد، كتلك التي مثلتها القبائل الجرمانية في أوربا والمغول في آسيا. غير انه في كلتا الحالتين، جرى تعمق الخمول التدريجي لقواهم "البهيمية" من خلال اندماجهم الشامل في امتحان الثقافة والتمدن. فهي العملية التي حورت غريزة الاجتياح الجماعي (القطيعي) صوب سهول العمران ودروبه. مما ألزم الروح بواعثها في البحث عن مصادر الجمال فيما وراء القوة الجسدية. ونعثر على هذه النتيجة في تنّصر القبائل الجرمانية واندماجها في هياكل "دولها المقدسة"، وأسلمة المغول واندماجهم في صروح الإمبراطوريات الهندية ـ الأسيوية. وكلاهما اندثرا وذابا في سيلان الثقافة القديمة. وقد كانت تلك نتيجة طبيعية، بفعل افتقادهما إلى مبادئ موجهة كبرى. ولهذا كانوا ملزمين في استمدادها من نماذج الثقافة "المقهورة". أما الاكتساح الأوربي الحديث، فانه كان في جوهره انقطاعا ونفيا كبيرا لما سبق، لأنه لم يستند إلى غريزة "الخروج" الهمجية، بل إلى كبحها الذاتي. وذلك لأنها استندت أساسا إلى تثوير وعيها الذاتي، أو أنها العملية التي ألهمتها مهمة الرجوع الدائم للنفس من خلال نفيه المستمر كأسلوب يقيني في معرفة الذات. وبما أن هذه الأخيرة قد جرت من خلال تهشم وحدة الكنيسة ودعامتها العقائدية، فقد أدى ذلك بالضرورة إلى إحلال بدائل الأوربية القومية اللادينية. مما أعطى لتطورها نزوعه القومي الدنيوي (العلماني) البرجوازي. ومن ثم حدد بدوره أيضا نزوعها الخارجي نحو السطوة والاستغلال والسرقة.

فالسيطرة "المدنية" الجديدة لم تعد استعمارا بالطريقة الإغريقية ولا بالطريقة الرومانية ولا بالطريقة العربيةـ الإسلامية[2]. لقد كان غزوا اقرب إلى الهمجية المحصنة بوعيها الذاتي الضيق. وذلك لأن حوافزها وأفعالها كانت محددة بآلية الأخذ والاغتصاب والسرقة والنهب. فهي لم تعرف العطاء ولا البذل الروحي. ولهذا لم تشرك في فلك إبداعها "الغرباء" لأنها لم تنوي ذلك، ولم تلهب هواجسها وحدانية الفكر ولا توحيدية القناعة، ولا شعور الواحدية الإنسانية. ولهذا لم يكن "استعمارها" سوى تخريب المكان وتوسيع زمان الصحراء الثقافية للآخرين. وبهذا المعنى لم تختلف الصيرورة الأوربية الجديدة في الكثير من مظاهرها، عما هو مميز للتاريخ البشري المنصرم في حضاراته ككل. بمعنى استعمال القوة الداخلية وامتدادها الخارجي في شكل غزو واحتلال. إلا أن ما يميز هذه العملية الجديدة هو محوريتها المركزية في السيطرة، أي محاولة صنع العالم وصهره من جديد على مثالها.

وقد كان لهذه العملية منطقها الخاص في الثقافة الأوربية وواقع تطورها البرجوازي. أنها استندت إلى ما استقر فيها من نماذج عليا، وذلك من خلال نفيها في مجرى التطور الاجتماعي والاقتصادي والفكري والروحي والعملي التجريبي. بحيث استطاعت أن تستعيد في مجرى تطورها وحدة صراعاتها الأولى، أو نماذج وحدتها وتجزئتها. وبهذا المعنى كانت تتمثل مساعي الرأسمال في عالميته، وحب السيطرة في قوميتها. أو أنها ذاتها الصيغة الجديدة لوحدة وصراع عالمية الكاثوليكية وقومية البروتستانتية. غير أن ذلك لا يستلزم القول بتطابق هذه الصيغ من حيث فاعليتها التاريخية. أنها تشير إلى ما في نماذجها " المتسامية" عما هو قائم فعلا في صيرورة الوعي الأوربي المعاصر ووحدة انتمائه وصراعاته فيها. فقد كانت البروتستانتية، أو بصورة أدق نماذج الإصلاح الديني في واقعيتها شكلا من أشكال الوعي القومي ونزوعه نحو التحرر من عالمية الكاثوليكية أو سيطرتها الكهنوتية الشاملة. مما أدى بالضرورة إلى بزوغ الورع القومي على انه نموذج حي لاستعادة الانبعاث المسيحي. حيث جرى فيه البحث عن الخلاص الحق من الشرعية المزيفة التي حاكت الكنيسة الموحدة في غضون قرون عديدة، ثوبه الميلادي وكفنه الجنائزي. وهو ما يفسر لحد ما سرّ المواجهة التي خاضت أوربا بها صراعها ضد الشرق باسم المسيح. لقد استمدت من حوافز الكاثوليكية العالمية نزوعها الوحدوي الملكي (الإمبراطوري). إلا أن تجسيدها السلطوي كان لا بد وأن يجري من خلال تنافس قومياتها الآخذ في النفور والفرقة. فقد كانت النزعة العالمية تشكل الخلفية الموضوعية لوجود الأمم الأوربية وصراعها. أما القومية الصاعدة فقد كانت الأسلوب المناسب لفعل هذه النزعة العالمية وعملها. وساهم كل ذلك في تشكيل الخلفية المتصارعة والمتناقضة في الوقت نفسه "لأرواح" الأمم الأوربية و"ذهنياتها". وبالتالي خلفية وأسلوب مواقفها وأحكامها وتقييمها للحضارات الأخرى وثقافتها القديمة والمعاصرة. وبما انه لكل تعميم مثالبه الخاصة، لهذا تجدر الإشارة هنا إلى نسبية الحكم المتعلق بالتشابه والتجانس الكاملين في آراء الأوربيين ومواقفهم وأحكامهم للثقافات الأخرى. إذ كشف تاريخ الوعي الأوربي ومدارسه وما يزال، عن تعارض وتضاد يصل أحيانا حد القطيعة فيما بين اتجاهاته بصدد تقييم ثقافته نفسها وثقافات الآخرين. غير أن هذه العملية ما زالت في تناقض لم يحسم نهائيا بعد لصالح التعددية الثقافية. فقد أثار القرن التاسع عشر مسألة ما إذا كان "الغرب" مدينا في ثقافته الفلسفية الإغريقية "للشرق" أم لا. لكنه حسم الإجابة لاحقا لصالح "الغرب الأوربي". وهي إجابة عميقة المحتوى ودقيقة من حيث مكوناتها وفاعليتها الواقعية. ولكنها عوضا عن أن تثبت دعائم التعددية الثقافية، انهمكت في نسج خيالها الثقيل عن عالميتها. ولم تكن هذه الضحية المأسوية للعقل والضمير معزولة عن مكونات الوعي السياسي الأوربية وروح الميكيافلية العميقة فيه. الأمر الذي ساهم ويساهم في رفع عناصر القوة والتفوق والسيطرة إلى مصاف المطلق السياسي والفضيلة العملية.

وقد كانت النتيجة النهائية لهذا الواقع تقوم في صهر الوعي الثقافي الذاتي في بوتقة الانتصارات العسكرية والتكنولوجية وتطويعها النظري والعملي في المواقف. فقد كانت تلك الانتصارات التجسيد المتعاظم والآلي للروح الثقافي. مما أغرى آلية التفكير، بفعل استقامة الميكانيك والآلة، إلى جعل القوة المادية أسلوب وبرهان القوة الروحية والحق. وإذا كانت هذه العملية المتناقضة قد أسهمت في تعميق عناصر العقلانية والموضوعية في الفكر وحريته، فأنها أدت أيضا إلى تثلم وحدة الحقيقة والأخلاق. إذ أخذت تنهمك في تأمل ذاتها ووعي جهودها على انه النموذج الوحيد الموجود. وفي سلوكها هذا كانت اقرب إلى حالة اختزال العقلانية الديكارتية إلى ديكارتية ثقافية متأوربة. وبما أن المادة الموضوعية لتفكيرها هو وجودها الذاتي، من هنا رفعه إلى مصاف الوجود الحق والمعيار النهائي للمكتشفات القديمة والمعاصرة.

وكمنت في هذه العملية المتجذرة للثقافة الأوربية وعي خصوصيتها الفريدة. وهو انجاز عميق المحتوى، بما في ذلك في إنسانيته. لكنه يبدأ بالفساد حالما يحاول تخطي ذاته، أي حالما يحاول فرض مقاييسه الثقافية على أنها نماذج عالمية مطلقة. ومن الممكن ملاحظة ذلك في فرضياته التاريخية العديدة، التي جعل منها منطقا شاملا. بحيث لم يعد تاريخ الأمم الأخرى أكثر من أشياء متبعّضة وعينات جزئية في سلسلة البراهين "العقلانية" على ما في الثقافة الأوربية من شمولية في أحكامها. بينما كان اغلب هذه الفرضيات وأحكامها أوهاما رصينة. لكنها استطاعت في هذه الأوهام أن تصنع وشائج الوعي الراديكالي وعناصر رؤيته للكلّ الإنساني من خلال التركيز على ما في عينات الثقافات والحضارات السابقة من صور "الأنا القديمة" و"الطفولية" للوجود الإنساني.

نعثر في هذا الترّفع والاستعلاء عن قوة ضاغطة نحو إدراك حفريات الوجود الإنساني. واشترك في مهمة تأطيرها الفكري مختلف التيارات التي اتسمت لحد ما بالنزعة الإنسانية. لكنه اشتراك ثقافي الصورة والمضمون. بمعنى امتلاكه خصوصية التعامل مع وجوده الذاتي في التاريخ. أما بالنسبة للثقافة الأوربية فقد كان من الصعب عليها في بادئ الأمر أن تقرن رؤيتها للغير بمعايير الشمول الإنساني[3]. لهذا كانت مضطرة أيضا إلى أن تزاول رؤيتها "العالمية" تجاه معاييرها، وأن تعطي للأخيرة صفة العالمية. وبالتالي مزاولة وهم التدجين الثقافي. بينما لا تفعل هذه الجهود في نهاية المطاف إلا على اجترار بديهيات الثقافة لا إبداعها الحر. وذلك لان تأسيس المواقف والأحكام يجري خارج كينونتها التلقائية. بمعنى نقلها إلى واقع آخر لم يتحسس معاناة الفعل التاريخي (للقيم والمواقف). وهو أسلوب يمتلك معناه وجذوره الموضوعية في الشرطية الثقافية للمقارنة وانعكاسها المعرفي.

فقد كانت بديهيات الثقافة الأوربية تكمن في إبداعها الحر. مما حدد بدوره طبيعة العلاقة بينهما باعتبارها علاقة الأنا بذاتها. أما الصعوبة التي يمكن أن تولدها ضرورة تحديد العلاقة فيما بين البديهية في الثقافة والإبداع الحر، فأنها تزول حالما يجري النظر إليها في إطار الاستمرار والانقطاع التاريخيين، أي في عملية النفي الدائم للذات. ففي هذه الأخيرة (عملية نفي الذات) تتمركز الثوابت المتغيرة للانتماء الثقافي، والتي يشكل كل من الروح الإغريقي ـ الرومي والنصراني، والعلمي ـ التجريبي قواها التاريخية الكبرى، أي كل ما أسهم في صنع وعي الانتماء الأوربي للنفس. وبالتالي إدراك الأنا الأوربية كقوة قائمة بحد ذاتها.

فقد كان هذا الانتماء جليا في التاريخ الأوربي منذ مراحل زمنية مبكرة. واستند هذا الانتماء إلى روابط فعلية ومؤثرة في صيرورة الوعي الثقافي الأوربي. حقيقة، إن الإشكالية الوحيدة هنا هي "بديهة" الانتماء الإغريقي لأوربا. فقد كان هذا الانتماء نتاجا للاستئثار الذاتي الأوربي. إذ ليس للوجود التاريخي والثقافي الإغريقي صلة جوهرية بالنزعة الأوربية المعاصرة. فالأخيرة تبلورت تاريخيا ونفسيا وثقافيا كوحدة متفاعلة للعناصر الرومية ـ النصرانية. والإغريق القدماء لم ينهمكوا في إنشاء وحدة أوربية على مثالهم ونموذجهم. بل انهمكوا في تهذيبهم الذاتي المتوافق مع قوانين الفكر والجمال الإغريقين (الشرق أوسطي)، بينما افلح الروم في التوحيد الأوربي والبحر المتوسطي. إنهم حاولوا صنع وحدة ثقافية عالمية. ووجد ذلك انكساره الخاص في ظاهرة تغلغل النصرانية الشرقية. أما تمركزها اللاحق في "الغرب" فقد أدى إلى صيرورة النزعة الأوربية المتسامية باعتبارها وحدة ثقافية مستقلة، ظهرت ملامحها الأولية الكبرى في الحروب الصليبية ضد العالم الإسلامي، وآخرها في خروجها الحديث عن عزلتها الذاتية. لهذا فان خروج أوربا من "غربتها" الخاصة قد وضعها بالضرورة أمام الشرق. ومن ثم لم يكن بإمكانها أن ترى آنذاك شيئا سواه، مما عمّق وأثار أنانيتها (من الأنا) "الغربية".

وقد كان لهذه العملية آثارها المزدوجة في تعميق شدة الخلاف والمقارنة. بمعنى إفساد الرؤية وشحذ قوتها النقدية. وليس المقصود بإفساد الرؤية التاريخية هنا سوى انبهارها المفاجئ بظواهر العالم الشرقي. فالنفس المنغلقة والمتطورة ثقافيا في ذاتها لا يمكنها أن ترى بغير مقاييسها المعتادة. من هنا كان لا بد للانطباعات الأولى أن تتسم بطابع شرطي من حيث الشكل والمحتوى. وذلك لان اصطدام الغرب الأوربي بالشرق لم يكن بالإمكان إدراكه بصيغ غير صيغ الانبهار والتعجب، والاستخفاف والاستنكار، والرفض الكلي أو التقبل الوجداني. وبالتالي لم يكن بالإمكان آنذاك بناءه على أسس غير أسس رد الفعل النفسي والوجداني. من هنا تناقض نتائج هذه الحالة. ففي الوقت الذي افسد على الرؤية التاريخية مصادر ورموز استيعابها الواقعي للشرق، فانه استثار في الانطباعات الشرطية مزاج الروح النقدي، وخيال التجول في دنيا العجائب. وقد كان هذا نوعا من إغراء الذات بالذات. لكنه كان في الوقت نفسه شكلا من أشكال الاكتشاف. لأنه كان من حيث محاكاته الثقافية بالنسبة للوعي الأوربي شبيها "باكتشاف" أميركا. أما في واقعيته فقد أثر في صيرورة الوحدة والخلاف بين الشرق والغرب. انه ساهم في تكوين الملامح الأولية للرؤية المتبادلة. وبغض النظر عن التقاليد العريقة لهذه الملامح، إلا أنها أفرغت رؤية الآخر من محتواها المتفرس بفعل الانعزال النسبي للحضارات القديمة، وبفعل بناء روحها الثقافي على أسس ومبادئ القومية. فهو لم يعط لها، حتى في حالات الغزو، بعدا اكبر من مجرد شعور السيطرة والخضوع. وهي صفة لم يخلو منها عالم الشرق والغرب على السواء في مواجهتهما الحديثة. وبهذا المعنى كانت الوحدة أيضا الوجه الآخر لرؤية الأبعاد التاريخية في الأنا والآخر. إلا أنها وحدة لها حساسيتها الجديدة، وذلك بفعل دفعها للخلافات إلى مداها الأقصى. وذلك لأنها أبرزت محورية التباين في صيغ الخلافات المدركة لذاتها، والمتمركزة أيضا في منظومات القيم والمفاهيم والأفعال الاستعلائية، كما هو جلي في كيفية ونوعية النوازع التي لازمت نظريات وأفعال المركزية الأوربية. ولم يكن لهذه الصفات وجود فاعل في الحضارات القديمة.

فقد كانت الحضارات القديمة محورية ثقافية أو دينية عالمية. أنها لم تكن قارية جغرافية. أما الخلاف الجديد فقد جرى إدراكه على أساس دمج مكونات تفتقد للتجانس فيما بينها، بالشكل الذي أعطى لها صفة النقيض المستعلي على ما هو حوله، أي وحدة الجغرافي القومي الثقافي. وان هذه الوحدة المتشكلة تاريخيا في غضون فترة طويلة قد بلغت ذروتها في القارة الأوربية "مركزيتها" الأيديولوجية. ومن الممكن أن نعثر على مثالها الأول في وحدة الثقافة الرومانية النصرانية. فقد كان لهذه الوحدة أثرها في إبداع مكونات الانتماء المشترك للشعوب الأوربية. إضافة لذلك أنها صنعت المزاج المشترك في تصورات وأحكام ورموز الشعوب الأوربية نفسها، أي أنها شكلت، بفعل عضوية اندماجها في الأنا الأوربية الحديثة إحدى مقدمات تعارض الشرق والغرب.

إن مشاعر الخلاف هذه لم تكن نتاجا لاستحواذ المركزية الأوربية على عقول الأوربيين فقط، بل وتمتلك مقدماتها وبواعثها في الشرق أيضا. حقيقة انه لم تجر مواجهة المركزية الأوربية بمركزية شرقية (آسيوية)، لأنها لم تمتلك مقدماتها المندمجة في كلّ آسيوي كما هو الحال بالنسبة لأوربا. ومع ذلك كانت "الشرقية" في اتجاهاتها المختلفة هي الإطار والتيار الذي بلورته لغة الأوربيات الصاعدة. وعندما تغنى ردوارد كيبلنغ في أنشودته الشهيرة عن أن الشرق هو الشرق والغرب هو الغرب وسوف لن يلتقيا، فانه كان يعبر في حدسه الشاعري عن افتراق المصير أكثر مما يعبر عن وحدة الضمير الكامنة في صيرورة الحداثة الجديدة للشعوب والأمم. لقد قال هو كلمة حق أريد بها باطل!! وانشد وتغنى بما لا معنى للتغني به. ولكنه عبرّ عن وهم العصر الكبير في فاعليته الكبيرة.

فعندما افترض الغرب الأوربي في وجوده ومثله قيما مطلقة للكلّ الإنساني، فانه لم يفهم الآخرين بمعاييرهم، بل بمعايير وعيه الثقافي الذاتي. ولهذا بدا الشرق في نظره غريبا ومتشائما، لا معقولا وشاذا، لأنه تحسس فيه منذ اللحظات الأولى طاقة المعارضة الخفية كقوة كامنة. فقد كان الغرب اقرب إلى إدراك حقيقة الشرق في أصالته. ولكنه كان من الصعب عليه أن يتقبلها كما هي. وهو أمر طبيعي. وينطبق هذا بالقدر ذاته على كوامن التحدي الشرقي. فقد كان للتحدي الشرقي ذراته الكامنة، ولكنها لم تع نفسها كذرات في مواجهة وتحد شامل. أنها لم تتشبع بروح المركزية الذاتية. وهي صفة كان من الصعب تبلورها آنذاك بفعل روح العالمية الثقافية أو الدينية السائدة فيه (الشرق)، إضافة إلى تنوعه الجوهري وبقائه ضمن إطار ومقومات المرحلة الدينية السياسية في الوجود التاريخي. لهذا كانت مواجهته للغرب الأوربي تفتقد إلى دقة السلاح وسلاح الدقة. لكنه اخذ يدرك ذاته في هذه المواجهة كقوى دينية وقومية وسياسية. مما أدى إلى تجمع الذرات المتناثرة في الوعي "الشرقي" آنذاك في تركيبات جديدة متنوعة ومختلفة أيضا. بمعنى أن الشرق اخذ يكتشف في هذه المواجهة ليس الآخر فحسب بل وذاته الجديدة، التي أنتجها عالم المواجهة والصراع والتحدي، أكثر مما كان ذلك مرتبطا بتطوره التلقائي. (يتبع...)

 

ا. د. ميثم الجنابي

....................

[1] ليست الوساطة هنا شيئا ما عرضيا أو إضافيا، بقدر ما أنها شكلت في واقعيتها التاريخية جزءا مهما في وحدة العناصر المكونة لأسلوب وعي الذات الثقافي وأنماطه الكبرى. فقد كانت الوساطة العربية إحدى المقدمات الضرورية للانبعاث الأوربي. فالوعي الأوربي الفلسفي لم يع أهمية مصادره العقلانية والنقدية من خلال منظومات الفكر الفلسفي الأرسطي العربي (بمختلف تياراته) فحسب، بل وفي تحويلها إلى مصادره النظرية. وبغض النظر عن الجوانب المتناقضة لهذه القضية، إلا أن ما هو جدير بالاهتمام هنا هو الإشارة إلى أن أوربة الثقافة الهيلينية هو نتاج تفاعل النصرانية الكاثوليكية والرومانية، ونفيهما في عصر النهضة والإصلاح. الأمر الذي أدى إلى أن تتخذ الثقافة الهيلينية صيغة المرجعية المناسبة للانبعاث (الأوربي) ومن هنا تكون الوساطة العربية قد تحولت في الوقت نفسه إلى عامل استثارة ومواجهة، اضمحل لاحقا في عملية النهضة نفسها. وهي المقدمة التي لم تعد فرضية قابلة للجدل إلا في مقاييس الوعي الأوربي العادي. وإلا فإنها كانت على الدوام استنتاجا وتأكيدا للدراسات الأوربية الرصينة نفسها. فإذا كانت الثقافة الأوربية في صعودها مرتبطة وثيق الارتباط بالفلسفة العربية الإسلامية، بما في ذلك في اشد حالات الجدل الفكري للاكوينية ومعارضيها، فإن أثر الأدب العربي لم يعد هو الآخر فرضية خاضعة للأخذ والرد. فمنذ آسين بلاثيوس لم تعد الكوميديا الإلهية سوى اثر قوي من مآثر الثقافة العربية الإسلامية، وينطبق هذا بالقدر ذاته على أشعار بترارك والغزل الفروسي. وإذا كان علم التاريخ المعاصر لا يدرجها في صلب مقدماته الواقعية الأولى، فلأنه يعاني في آن واحد من ثقل "الخجل" التاريخي للابتعاد عن الحقيقة كما هي ومن ثقل القيود القومية في استحواذها على الوعي الاجتماعي، أي كل ما يلازم الرؤية القومية الضيقة. لاسيما وأن التاريخ الأوربي في قرونه الثلاثة الأخيرة قد جرى ضمن مشروع وسيكولوجية الأنا القومية. مما أعطى للحقيقة بما في ذلك التاريخية لباسها الخاص. انه أفرغها من منطقيتها وموضوعيتها. وذلك بفعل صعوبة توظيفها في بنية الروح القومي ومطامحه السياسية والحضارية. وهي ظاهرة لها مثيلها أيضا في الثقافة العربية الإسلامية (القديمة والمعاصرة) عند أولئك الذين نفوا، على سبيل المثال، أن يكون علم البيان (العربي) قد تأثر بأرسطو والهيلينية، انطلاقا من انه عربي خالص، وكذلك من جانب أولئك الذين تناسوا مخاض الصدمة الأولى بالعالم الأوربي في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين. 

[2] يختلف الاستعمار العربي الإسلامي عن غيره في كونه فعلا تاريخيا تضمن في ذاته معنى العمران الروحي الدولتي. حقيقة أن هذه الإمكانية لم تكن واضحة للعيان آنذاك حتى بالنسبة لأولئك الذين قادوا ونفذوا عملية الغزو. بمعنى أنها كانت تنطوي فيما وراء الإرادة الإسلامية في استخلافها للنبي. فقد مثل الأخير في إرادته قوانين المطلق التاريخي. ولهذا افرغ فعله من إرادته الأنانية، أي أن فعله كان يتطابق في حوافزه وغاياته مع الروح الإسلامي في وحدانيته. وهي الحوافز والغايات التي ظلت تحرك العرب المسلمين في غزوهم. فالأخير هو السيطرة والاحتلال. لكن للغزو معنى في جاهليته تستحله قواعد المعارك والأخلاق. وبهذا كان الغزو الإسلامي يمتلك شرعيته بما في ذلك في نفوس معتنقيه لا على انه ثأر أو انتقام أو سلب لقوى ما أخرى، بقدر ما انه تحول من محتوى السرقة الخاطفة إلى مصاف "السرقة التاريخية"، التي تضع الجميع أمام مهمة اقتسامها بالحق. فقد نقل الإسلام سرقة الغير وسلبه إلى عالم الوحدانية وقيودها. ومن ثم أعطى لها مبرر الشرعية الأخلاقية من خلال إدراجها في قواعد الحقوق المدنية الإسلامية، أي حقوق المسلم والأمة. مما افرغ السيطرة من محتواها القبلي والقومي والعرقي. ولهذا كان الغزو العربي الأول غزوا إسلاميا. ومن ثم يتطابق مع ما اصطلح عليه المؤرخون المسلمون عبارة "الفتح الإسلامي"، أي أن الله "فتح" على أيديهم البلدان لأنها ملك له. إن هذه الخلفية الروحية الأخلاقية القانونية أفرغت الغزو من محتواه التقليدي باعتباره سيطرة تختزل في ذاتها مدارج البداوة في قطعها لأشواط المدنية، أو هجرة المجاعة للثراء، ولا حتى المؤازرة الملازمة لآلية الدولة الآخذة في النمو والتوسع. فقد كانت هذه العناصر موجودة كروائح وراء الغنيمة، وكاستمرارية موضوعية لتكون الدولة (العربية الإسلامية). إلا أن صيرورتها العمرانية كانت منطوية في هيكلية الخلافة، مما أعطى لأفعالها معنى مندرجا في صلب الوحدانية المتشخصة في الخلافة وبعديها الروحي والقانوني. 

[3] تجدر الإشارة هنا إلى انه لم يجر بعد بلوغ هذه الدرجة من قبل أي من الثقافات القائمة. ولعل الاستثناء الوحيد في التاريخ ككل هو ما حاولت تقديمه تجارب الاشتراكية السوفيتية ونماذجها المتعددة في أوربا (وآسيا). بمعنى تقديم صيغ جديدة للشمولية الإنسانية في تعاملها مع النفس والغير. إلا أنها لم توفق بفعل انهيارها السياسي وانحلال نماذجها العملية. فقد كانت في حوافزها وغاياتها البديل الأوربي الأعمق لأوربا. وليس مصادفة أن تتخذ في جغرافيتها ومضمونها صيغة "أوربا الشرقية" في مقابل "أوربا الغربية". لقد أفلحت في محاولتها استثارة قيمة الشرقي في الأوربي. حقيقة أن هذه المعادلة لها إشكالاتها في الثقافة الأوربية ووعيها السياسي. إلا أن ما هو جوهري في الحالة المعنية واقعية البديل العملي والحضاري للمركزية الأوربية، والتي يفترضها منطق التطور الاجتماعي. ولا يغير من ذلك شيئا سقوط التجارب الاشتراكية الأوربية. فهي تقدم في أسباب انهيارها أيضا، قيمة البديل الحقيقي للشمولية الإنسانية. وذلك لأن التجارب السوفيتية الاشتراكية في موقفها الثقافي كانت تعاني من افتقار كبير للكلية الإنسانية. فقد أغرقت نفسها في شمولية السياسة والأيديولوجيا، مما افزع كلها الثقافي من محتواه الفاعل، باعتباره بديلا ثقافيا. مما أثر بدوره على تضييق الروح الديمقراطي والاجتماعي فيها. فهي لم تنف الغرب من خلال دفاعها عن البدائل الإنسانية المتعددة، بل من خلال رفع شأنها الشخصي المؤدلج إلى مصاف المطلق، واعتباره النظام الوحيد الحق وما عداه ظل وضلال زائل. بمعنى أنها سارت في مسار المعارضة السلبية للضيق الأوربي الغربي. وعوضا عن المركزية الأوربية المتحزبة قدمت توتاليتارية متحزبة.

ان الشمولية الإنسانية هي النتاج المحتمل والملازم بالضرورة لتجاوز المرحلة السياسية الاقتصادية في تطور الأمم إلى المرحلة الاقتصادية الحقوقية. ولا يمكن بلوغها الفعلي إلا على النطاق العالمي بهيئة وحدات مركزية ثقافية كبرى.

 

اكرم جلالالعِرفانُ إذن هُوَ المَنهَج الآخر في السّير نحو المَعرفة وإدراك حَقيقة الكَمالات المُوصلة الى الكَمال المُطلق والى عالم القُدس والسَّكينة والطَمأنينة. هُوَ مَنهجٌ لا يَعتَمد في عُمْقِ مُفرداته على العَقل كأساس ومُنطَلق في السّير نَحو الفَّهم والأدراك، انّما يَعتَبر الإلهامَ والتَّلقي والمُكاشَفة هي الطّرق المُوصلة الى المعرفة والكمال . وأرتَكَز العُرفاء على حقيقةِ أنّ العَقل لايَكفي بَل قد يَكون عاجزاً عَن إدراك ما فَوقه، كما أشار الى ذلك الغَزالي بقوله: (ثم يترقى إلى طول آخر، فيخلق له العقل، فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات، وأموراً لا توجد في الأطوار التي قبله. ووراء العقل طور آخر تفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل، وأموراً أخر، العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز من إدراك المعقولات، وكعزل قوة الحس عن مدركات التمييز1).

والعرفانُ في اللّغة مُشتَقّ مِن عَرَفَ، ويُعْنى به المَعرفة.  وَيُقال هذا عارِف اي يَعرف الأمور، والعارف بالله، هو مَن يتَحقق بمعرفته ذوقاً وكشفاً. والعِرفان هيَ المَعرفة الحاصلة عن طريق المُشاهدة القَلبية، دون وَساطة العَقل ولا التَجربة الحسّية، وتُسمّى أيضاً المعرفة اللّدنيّة كَونها تأتي مِن لَدُنِ اللّه، يَقول ابن عربي: "العارف من أشهده الرب عليه، فظهرت الأحوال على نفسه".

وَقَدَّم بَعضُ أصحاب الاختصاص تعاريف مُشابهة لمنهج العرفان، من أهمها ما قاله القيصري: (هو العلم بالله سبحانه، من حيث أسماؤه وصفاته ومظاهره وأحوال المبدأ والمعاد والعلم بحقائق العالم وبكيفيّة رجوعها إلى حقيقة واحدة، هي الذات الأحدية ومعرفة طريق السلوك والمجاهدة, لتخليص النفس عن مضايق القيود الجزئية واتّصالها إلى مبدئها واتّصافها بنعت الإطلاق والكلّية2).

وَيَرى البَعض أمثال محمد عابد الجابري  أن العِرفان مَنهَجٌ معرفي، ورؤية للوجود، لكنه يرى أنّه انتقل إلينا من ثقافة كانت سائدة قبل الاسلام حَيث تسمّى الغنوص Gnose، والكلمة يُونانية الأصل، ومعناها المَعرفة ، وقَد انتقلت الى الثقافة الإسلامية. لكن مُفَكرين آخَرين أمثال الشهيد مرتضى المطهري(ره) يرى "إن العرفان من العلوم التي ولدت وترعرعت وتكاملت في مهد الثقافة الإسلامية".

فالعِرفانُ اذن هو مَنهج المعرفة الحَقّة والأدراك الجَلي، بلا قُيُود أو حُجُب، وهو إزالة المَوانِع والحَواجز الدنيوية ورفع الغَشاوة والسّير نَحو إدراك الحقيقة والوصول الى مَراتب اليَقين الحق. وما لم تَتَجلّى لَدى الطالب حَقيقة الحقيقة ولو بأَجزاءها فإنه قَطعاً لَم يَطوي جميع المَراتب نَحو كمال العرفان، والإمام الخمينيّ قدس سره وَضّح هذا البيان بقوله:(إنّما حقيقة العرفان والشهود ونتيجة الرياضة والسلوك هي رفع الحجاب عن وجه الحقيقة ورؤية ذلّ العبوديّة وأصل الفقر والتدلّي في النفس وفي جميع الموجودات، ولعلّ في الدّعاء المنسوب إلى سيّد الكائنات صلى الله عليه وآله وسلم: "اللهمّ، أرني الأشياء كما هي!"، إشارة إلى هذا المقام، بمعنى أنّه صلى الله عليه وآله وسلم سأل الله سبحانه أن يُشهِده ذلّ العبوديّة المستلزم لشهود عزّ الربوبيّة3).

وَقَد قَسّم أهل الأختصاص العرفان الى قسمين: العرفان النظري، والعرفان العملي، على أنّ بَعضَ أهلِ العِرفان قد رَفَضوا هذا التَّقسيم. والعرفان النَّظري، هو العلم الذي يَهتَم بشؤون الخالق والكون والإنسان، فَيَتَعَمق في فَهمِ أسماء الله تعالى وصفاته وتجلّياته، وهو بذلك يقترب من المنهج الفَلسفي في دراسة الوجود، فالفيلسوف يَستعين بالعَقل والفهم فقط من أجل إثبات وإدراك الدّليل والبُرهان لأصل واجب الوجود ، بينما العارف يُقَدّم رؤية كونية من خلال المُكاشفات والإستدلالات نحو معرفة أساسيات حقيقة الوجود، وهو الله جل جلاله والأنسان والوجود نفسه.أما العرفان العَملي فَهو علاقة الإنسان وواجباته مع نَفسهِ وَوجوده ومع خالقه، ويُسمّى ايضاً بعلم "السير والسلوك"، وهو يُبين المَراحل والمَراتب التي لا بُد أن يطويها السالك في سَيره إلى الله، ما هي المحطة الأولى وأين ستكون المحطة الأخيرة، وما هي المنازل والمَقامات التي يَمُر بها العارف أثناء سَيره للوصول إلى معرفة الله تعالى.

فعن أميرُ المؤمنينَ علي عليهِ السلام أنه قال: (وَأَنِرْ أَبْصَارَ قُلُوبِنَا بِضِيَاءِ نَظَرِهَا إِلَيْكَ حَتَّى تَخْرِقَ أَبْصَارُ القُلُوْبِ حُجُبَ النُّوْرِ فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ العَظَمَةِ، وَتَصِيْرَ أَرْوَاحُنَا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِكَ4).

ولِنَظرية وحدة الوجود أهمية تَستَحق الوقوف عندها، وشرح حقيقةَ معناها وتَنقيح ما أصابَها من تَلفيق وتشويه. فَمَن يَدّعي أنّها تَعني إتّحادٌ بين وجود الإنسان ووجود الله عز وجل، فهذا خَطأ عَظيم وَفَرضٌ مَرفوض ولا يَدّعيه مُسلم عاقل. فالموجود الحقيقي هو الله جل جلاله، وما سوى اللّه إنما هي وجودات من صُنعِ الله، فهي امام َحقيقته وَهمية وخَيالية، فوجود الله عز وجل لا حُدود له، وأنّ عِلمَه وقُدرته وحَياته هيَ عَينُ ذاته، وأمّا باقي الموجودات وإن كان لها وجود لكن وجودها ضَعيف، مَحدود، أقرَبُ ان لا يَستَحق تَسميته وجودًا.

والتفسير الواقعي لمعنى وحدة الوجود هو فَناء هذا المحدود (اي الإنسان) في الواجب الغير مَحدود (وهو الله سبحانه وتعالى)، فَمراتب الإيمان تبدأ بالعلم واليَقضة والإيمان والتّوكل ثم التسليم ثم مرتَبة الرّضا وأخيرا مرتبة الفَناء وفيها يَصِل السّالك الى دَرجةِ الفَناء في الله، عندها لايَرى لنفسهِ وجودًا، فالعبادة الحقّة والسّير الحَثيث يَجُذب السّالك نَحو الوجود الحَقيقي، وهو أن لا يَرى إلا الله وجوداً حقاً، وباقي المَوجودات لا وجود لها، فلا يرى لنفسه وجوداً، وهذا ما أشار اليه أمير المؤمنين علي عليه السلام  حينما قال: (ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله وبعده وفوقه وتحته وفيه5)، ومَرتبة الفَناء هذه هِيَ التي تُسمّى بوحدة الوجود، أي أن السّالك قد أنصَهَر بالعبادة أثناء سَيره حتى أدرك أن لا لنفسه وجودًا. ويُستَدلّ على هذا المعنى بالدُّعَاء الوارد عن الِإمام الحُسين  فِي يوم عرفة، (كيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ في وُجودِهِ مُفْتَقِرٌ إلَيْكَ؟! أيَكونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهورِ ما لَيْسَ لَكَ حَتَّي يَكونَ هُوَ المُظْهِرَ لَكَ؟، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى كانت الاثار هِي التِي تدل عليك، عميت عين لا تراك عليها رقيب وخسرت صفقة عبد لم تجعل من ودك نصيب6).

وَكَما أشَرنا سابقاً فأنه من الخطأ التَصوّر أنّ أهلَ العرفان قد ألغوا العَقل البرهاني والتفكير العَقلي بالمُطلق في جميع مراحل الكشف والسير الى الله، فالكثير من أكابر العِرفان يَعتبرونه النُّور الأول من أنوار السّير والسلوك بَل هو مُقدمةً وضرورةً لصحةِ المَسير. فالسّير والمُكاشفة لابد لها من مقدماتٍ مَعرفية، ولا يمكن للعارف ان يَخطو أول خطواته وهو خال من التعليم البَشري، والكَشف لا يَتم الا بتحصيله إعتماداً على العَقل والحواس. فالعقل البرهاني يعلو على كل الحواس الأدراكية وبيده زمام ‏القيادة.

وهنا لابد من التمييز بين العَقل وإدراكه وحصوله على العلم والذي يسميه البعض علماً حصولياً، أمثال العارف اية الله عبد الله الجوادي الآملي،  وهو يأتي بالواسطة بين العالم والمعلوم، بينما العقل الذي يَدرِك نوعاً آخر من العلم أسماه علماً حضورياً فهو يَتَأتّى من دون وساطة بين العالم والمعلوم. لذلك فالعلم الحصولي خاضع للخطأ والبطلان أثناء سير العارف في استكشاف الحقيقة وذلك لوجود الواسطة بين العالم والمعلوم، غير أن هذه الواسطة تنتفي في حال ما يُسمى بالعِلم الشهودي، أي العلم بين الشاهد والمشهود، عندها ينتفي الخطأ والبطلان وتُثَبّت الحقيقة، بمعنى آخر أنّ الحقيقة في العلم الشهودي تُستَمد بناء على الإتقان ‏العَينى، والاتصال والإنصهار وليسَ مثالا منفصل مبني على وجود خارجي. وروى الصدوق مسندا عن أبي المعتمر مسلم بن أوس قال: حضرت مجلس علي عليه السلام في جامع الكوفة. فقام إليه رجل مصفر اللون - كأنه من متهودة اليمن - فقال: يا أمير المؤمنين، صف لنا خالقك وانعته لنا كأنا نراه وننظر إليه، فسبح علي عليه السلام ربه وعظمه عز وجل وقال:(... ولا تدركه الأبصار. ولا تحيط به الأفكار. ولا تقدره العقول. ولا تقع عليه الأوهام. فكلما قدره عقل أو عرف له مثل، فهو محدود7).

وللحديث تتمة في الجزء الثالث إنشاء الله تعالى ..

 

د. أكرم جلال

...........................

1- المنقذ من الضلال، أبو حامد الغزالي ص22.

2- القيصري، شرف الدين محمود، رسائل القيصري، رسالة التوحيد والنبوة والولاية، ص 7، نقلاً عن: حسيني، السيد قوام الدين، العرفان الإسلامي، مركز الدراسات والتحقيقات الإسلامي، قم، ص 19.

3- معراج السالكين، الامام الخميني، ص25.

4- بحار الأنوار, ج 91، ص 98, باب 32: أدعية المناجاة, المناجاة الشعبانيّة.

5- التبريزي الانصاري- اللمعة البيضاء- ص169.

6- إقبال الأعمال، ص‏350.

7- الكافي للشيخ الكليني ج1/ ص137.

 

محمد ممدوحقضية الحياة والموت ومشتملاتهما من الأسئلة الفلسفية الحائرة الكبرى، تلك التى ما انفك العقل الإنسانى عن البحث فيها والتساؤل عن كُنهها والمحاولات الدائبة لسبر أغوارها، لتظل الأسئلة مطروحة على مر الزمن بلا إجابة، لماذا خلق الله الحياة، ولماذا كتب الموت على الخلق؟ لماذا الفناء؟

وكيف؟ وماذا بعد الموت؟ وما المصير؟ وهل من حياة جديدة؟

مئات الأسئلة التى حاصرت العقل الإنسانى عبر تاريخه الطويل، تارة يجيب، وتارة يهرب، وتارة يعجز عن التفكير حتى يصاب بالملل فيشعر بالدوران الفكرى، ويكأنه يبحث عن المجهول، السراب، الخيوط التى ما من سبيل إلى جمعها، الطريق الذى ما من حيلة لاكتشافه.

وفى لحظات يتنسم فيها العقل وميضًا وإشراقًا تتجلى له بعض تلك الحجُب، يُماط له اللثام، يُكشف له الحجاب، فيرى جزءًا ضئيلاً من تلك الغيبيات لتصير لديه شهادة، وتنتقل من حال الغيب إلى حال الشهود.

من المجهول أتينا وإلى المجهول نسير، لقد سارت تلك العبارة خواءًا بلا مضمون، جوفاء بلا معنى، فنحن أتينا من الغيب، عشنا الشهود الذى غابت عنا حكمته كثيرًا، نسير إلى الغيب الذى حُجبت أستاره، هذا هو ملخص الحياة.

هكذا نطق القرآن مخاطبًا العقول (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة28)

أمواتًا حيث العدم قبل ألا كون ولا وجود ولا أمر

ثم أحياءًا لنصير فى عالم الشهود على مرحلتين، الأولى لا حس ولا عقل، فقط روح تسرى فى الجسد، تلك هى الرحلة من عالم الغيب غير المشهود إلى عالم الغيب الشهودى فى رحم الأم، نطفة ثم علقة ثم مضغة مخلّقة وغير مخلّقة، ثم عظامًا يسكوه الخالق لحمًا عبر رحلة هى فى حساب الأحياء تسعة أشهر ولكنها فى حساب الوليد ذاته لا زمن، إذ لا حس ولا عقل، فقط مجرد نبض يبقى على حياته من أثر نفخة الله فيه من روحه.

والثانية رحلة الحياة الدنيا ذات الحس والعقل والشهود، وتدرج الوعى العقلى والحسى والعضلى عبر العمر الذى حدده الخالق سلفًا فى طيات غيبه (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) (الحج5) (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيئا) (النحل78) ثم يتدرج الإنسان فى رحلته، طفلاً فصبيًا فشابًا فرجلاً فشيخًا فكهلاً، هذا هو الشهود، الحس المجرد، الحياة التى يعترف بها ويعرفها الجميع، دون أن يناقضها أحد بعقله.

حياة تجرى عليها نواميس الأحياء، وقوانين الحياة، ضعف وقوة، شباب وشيب، صغرو كبر، حزن وفرح، لذة وألم، تلك هى نواميس الحياة وقوانينها، بعث المتناقضات كلها على جميع الخلق فلا يطال أحدهم النعيم المطلق، ولا يطال آخرين البؤس المطلق، بل تسير الحياة بحكمة غابت أسرارها  أحيانًا كُثر فى مطويات علم الخالق سبحانه، تسير وفق أقدار قدّرها الله وإن غاب عن العقل إدراك أسبابها (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر49) ..

وبعد حياة الشهود تلك، التى امتلأت حسًا وواقعًا وشهودًا ومادة،  ينتقل الإنسان إلى حيث المرحلة قبل الأخيرة (ثم يميتكم) ليذهب إلى البرزخ، الذى هو فى عداد علم الله قنطرة بين الدنيا والآخرة، أقرب للآخرة منه للدنيا، بل هو مبتدأ الآخرة لأن عليه يتوقف مستقبل الحياة القادمة للإنسان، ولذا تجد قول النبى الكريم (ص) " من مات فقد قامت قيامته "(1)، لأنه يكون قد عاين الحقائق، أزيلت عنه الحُجب، اتضحت له الرؤية (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (ق22)، ثم تنعدم نواميس الكون والحياة وقوانين الوجود مرة أخرى من جديد شبيهة بسالفتها تلك التى كانت أول مرة حيث الموتة الأولى التى لم تسبقها حياة.

وبعد ولوج البرزخ تتوقف الحياة، تتوقف تمامًا، إذ تنعزل النواميس الطبيعية عن الإنفعال، إنها لا تنفعل إلا مع الحياة والأحياء فقط أما الموت والموتى فلا انفعال ولا حياة ولا وجود.

فالموت الأول الذى سبق الوجود كان معزولاً عن نواميس الزمان والمكان وقانون الحياة والأحياء.

والموتة الثانية تلقى ذات المصير، حيث العود إلى ذات العزلة التى كانت من قبل، ليصير الموت قد كُتب على كل حىٍ سوى الله مرتين، وكذا الحياة مرتين، والقرآن يسجل لنا ذاك المشهد الإعترافى (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) (غافر11)

وعودة العزلة عن قوانين الزمن للأموات فى الموتة الثانية شئ طبيعى لا ينكره القرآن، بل يسجل اعترافًا واضحًا به فى مشهدين جليلين.

(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ)(البقرة259)

إنه أحد أنبياء بنى إسرائيل، يتعجب من كيفية إحياء الله الموتى بعد أن صاروا لا شئ، لا وجود، لا حياة !!

وهذا سؤال مشروع سبق إليه الخليل إبراهيم (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) (البقرة260) !!

هو سؤال للعقل والوعى الإيمانى معًا، فالاستدلال على الله ليس مشينًا للمستدلين، بل هو أقوى لإيمانهم وأدعم ليقينهم.

وأراد الله سبحانه أن يلقن النبى الصالح درسًا عمليًا، فأماته مائة عام ثم بعثه ... والقرآن هنا يؤيد مشهد سهولة خروج الروح، حتى وإن كانت تلك السهولة حكرًا على المؤمنين بالله الواحد الأحد دون غيرهم، إنه يؤكد تلك الحقيقة بين ثنايا حروفه وسطوره، أماته الله مائة عامٍ ثم بعثه، يسأله سبحانه، كم لبثت؟ والجواب يؤكد جوهر تلك السهولة، حيث يقول (قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) بما يعنى أنه أولاً لم يتذكر أى ألم لخروج الروح، بل إنه ما علم قط أنه غادر حياة الشهود إلى حياة الغيب، لم يدرِ أنه غاب جسدًا وروحًا ووجودًا وشهودًا عن عالم الحس والمادة، وثانيًا أن مدة المائة عام بتمامها وطولها مرت عليه كأنها يوم أو بعض يوم، بما يؤكد توقف نواميس الكون فى الشهود عن حياة الغيب، وتوقف الزمان تمامًا، وتوقف كافة قوانين الحياة عن السريان، وهو ما أكده قوله سبحانه(قال كم لبثتم فى الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يومًا أو بعض يومٍ فاسأل العادين) لم يشعروا بالزمن فقد انقطع الزمن بانقطاع الحياة وغدا هناك لازمن..

أما المشهد الثانى فيأتى فى قصة أولئك الفتية الذين خرجوا فى الزمن الأول فارين بعقيدتهم من حاكمٍ ظالم، فأرخى الله عليهم قانون الموت ليعزلهم تمامًا عن قانون الأحياء (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) (الكهف25) أحصى الله عليهم تلك السنوات خارج الزمن، خارج الحياة، ولكنهم حين تساءلوا عن مكثهم جاءت إجابتهم كإجابة نبى بنى إسرائيل... يومًا أو بعض يوم.. (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) (الكهف19) .

إن إجابتهم تمثل وعيهم، والوعى توقف تمامًا، القانون توقف، الناموس أُلغى عمله، ليصير الموت الثانى كالأول، بلا زمن فى حساب الزمن، وبلا وعى فى حساب العقل.

الموت إذن وما يحدث بعده غيب، عذابه ونعيمه أشبه بالحُلم، حتى هذا الحلم يُعد غيب الغيب، فما الموت الثانى إلا بداية لحياة سرمدية أبدية باقية لا فناء بعدها ولا موت.

إن الحياة الآخرة هى التى تحمل معنى الحياة الحقيقية، وتجرى عليها نواميس الوجود جزءًا لا كلاً، بمعنى أن الحياة الآخرة فيها نعيم مادى لأهل الولاية وحسنى المعتقد، فيها أنهار من عسل مصفى، أنهار من لبن، أنهار من خمر، حور عين، فاكهة مما تشتهى الأنفس، لحم طير مما يعلمون ومما لا يعلمون، متع لم تخطر لهم على بال مسبقًا قط، وكذا أهل التكذيب والظلم لهم شراب من حميم، وعذاب أليم، وقيح وصديد، ودركات فى جهنم بعضها أعمق من بعض، وكلاهما ماديان، النعيم والعذاب، هذا مادى حسى، وهذا مادى حسى شعورى، يقول الله عز وجل (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (الزخرف71) ويقول عن الثانى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) (النساء56)

هذا جزء من الناموس الذى يسرى على الأحياء، أما الجزء الآخر من صغر وكبر، وحزن وفرح، ولذة وألم فلا يجرى أبدًا، فأهل الجنة لا يشيبون، لا يسرى عليهم قانون الوجود ضعف فقوة، وصغر فكبر، وشباب فشيب، وكذا أهل النار، بل يتوقف الزمن تمامًا عن إحداث أى تغييرات بهم، ثم إنهم معًا خالدون، أهل الجنة فى النعيم خالدون، وأهل النار فى العذاب مقيمون إلا ما شاء ربك (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)(هود105-108)

يسرى على هؤلاء وأولئك قانون السرمدية، فلا موت، ولا هرم، ولا شيخوخة، ولا كهولة، ولا ضعف، ولا مرض، ولا نوائب الدهر التى كفلها قانون الوجود الأول، بل تصبح حياة غير الحياة، ومعيشة غير المعيشة الأولى تمامًا، بل ليس لها من الحياة الأولى غير اسم الحياة الموازى للوجود لا أكثر.

إذن ليس المجهول هو الذى يحكم عالمنا، وليس من المجهول أتينا وإلى المجهول المصير والمسير، بل من علم غيب الله أتينا وإليه سبحانه المصير، وهذه المعانى هامة لتغيير حياة الأفراد المحققين لأدنى درجات الوعى، ليعلموا أن الحياة التى يعيشونها وجود ممهد لوجود آخر، حياة سابقة على حياة أخرى، لكن تلك الأخرى متوقفة تمامًا على ما يقدمه الإنسان فى حياته الدنيا (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) (النجم 39-41) (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) (الإسراء12-14)، هذا هو السر من وراء تلك الحياة الدنيا، لم تكن محض مصادفة، ولا مجرد أهواء إلهية أراد الله بها أن يخلق الناس سُدى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون 115) بل تعالى سبحانه عن الهوى، وتعالى عن الهزل، وتعالى عن كل نقصٍ لا يليق بكماله وبهاء جلاله، فما  الحياة الدنيا إلا مقدمة يعقبها نتائج، إما السعادة، وإما الشقاء، وما الحياة الدنيا إلا مصفاة يميز الله بها الخبيث من الطيب، وما الموت إلا قنطرة بين الدارين، الدنيا والآخرة، ثم يكون إلى الله المصير، وبين يديه سبحانه الحساب (وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (الأنعام32).

 

د. محمد ممدوح

...................

  1) أخرجه أبو نعيم فى الحلية 266/6 وابن عساكر 214/37

 

منى زيتونقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: 91]. قال الطبري في تفسير الآية: "يقول تعالى ذكره: قال قوم شعيب لشعيب: ﴿يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾، أي: ما نعلم حقيقة كثير مما تقول وتخبرنا به"أهـ.

فالفقه لغةً أوسع كثيرًا من إدراك ظاهر القول، وقد مرّ مصطلح الفقه في الإسلام بمراحل؛ فكان أول الأمر يُقصد به جميع الأحكام الشرعية (الاعتقادية- الخُلقية- العملية)؛ لذا نجد الإمام أبا حنيفة يُعبِّر عن أصول العقيدة بـ "الفقه الأكبر"، ثم انحصر المقصود بمصطلح الفقه بعد ذلك في الأحكام العملية بنوعيها (أحكام العبادات- أحكام المعاملات).

وإن كان الإمام أحمد بن حنبل قد أخذ علم الفقه عن الشافعي وغيره من أتباع أبي ‏حنيفة إلا أنه كان مشغولًا بعلم الحديث وليس الفقه، ومسنده هو أحد كتب الحديث المشهورة، ولم ‏يكن من المبرّزين والمنشغلين بالفتيا، بل كان رضي الله عنه يتهيب الفتيا ورفض أن يتولى قضاء ‏اليمن عندما عرضه عليه الإمام الشافعي.

ويجب أن نعي جيدًا أن ما يُعرف عند المسلمين بالمذهب الفقهي للإمام أحمد بن حنبل لم يُدوِّن الإمام أحمد منه حرفًا، وذلك باعتراف الحنابلة السلفية أنفسهم، فقام هؤلاء ممن نسبوا أنفسهم إليه بتدوين المذهب، بدءًا بأبنائه وتلامذته الذين دوّنوا مسائله، من أقواله وأجوبته، ثم حدد من نسبوا أنفسهم إليه في طبقة تالية، أصولًا للمذهب مضاهاة لباقي المذاهب، ولم تكن تلك الأصول مطابقة لأصول الإمام. وعبر العصور أضاف الحنابلة لذلك المذهب، الكثير من الأحكام الفقهية، وكان أول هؤلاء: أبو بكر الخلّال، وهو تلميذ المروذي تلميذ الإمام أحمد، وله كتاب شهير، والمسمى "السُنة". ومنهم الخرقي، وهو صاحب كتاب "مختصر الخرقي"، أول كتاب في الفقه الحنبلي، وسنأتي على ذكره بعد قليل. ثم تتابعوا بتتابع طبقاتهم، وصارت لهم اجتهاداتهم التي تُخالف الإمام، وأشهرهم في هذا ابن تيمية الحرّاني. ثم ظهر من يتسمون بالسلفية المعاصرين، ويختلفون عن الحنابلة القدماء، وحتى عن ابن تيمية في كثير من أحكام العبادات والمعاملات.

وهنا توجد إشارات قوية تجعلنا نتشكك في صحة نسبة ذلك الفقه كله إلى الإمام أحمد، منها:

1- عدم تأليف الإمام أحمد كتبًا في الفقه:

لم يُصنّف الإمام أحمد بن حنبل كتبًا في الفقه، وهذا لا ينفي فقهه الذي شهد له به أستاذه الإمام الشافعي، حين قال، فيما رواه ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (ج1، ص40): "خرجتُ من بغداد وما خلَّفتُ بها أحدًا أتقى ولا أورع ولا أفقه -أظنه قال ولا أعلم- من أحمد بن حنبل". بل وكان الإمام يكره تصنيف الكتب بوجه عام، لكنه وضع "المُسند" وهو من أشهر كتب الأحاديث. روى السبكي في "طبقات الشافعية" (ج2، ص31) "قال عبد الله –بن أحمد بن حنبل- قلت لأبى: لِمَ كرهت وضع الكتب وقد عملت المسند؟ فقال: عملت هذا الكتاب إمامًا إذا اختلف الناس فى سُنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رُجع إليه"أهـ.

ويعترف ابن القيّم الحنبلي تلميذ ابن تيمية بهذا، ويعزوه إلى أن رفض الإمام أحمد للتقليد كان سببًا في عدم تدوين أي كتاب في الفقه، ولكن تعليل ابن القيّم لا يتفق مع ما أثبته عبد الله بن الإمام عن أبيه. روى عبد الله بن أحمد بن حنبل في "مسائله" (ص437) (1582) "سمعتُ أبي، وذكر وضع الكتب، فقال: أكرهها، هذا أبو حنيفة وضع كتابًا، فجاء أبو يوسف ووضع كتابًا، وجاء محمد بن الحسن فوضع كتابًا، فهذا لا انقضاء له، كلّما جاء رجل وضع كتابًا. وهذا مالك وضع كتابًا، وجاء الشافعي أيضًا، وجاء هذا –يعني أبا ثور-، وهذه الكتب وضعها بدعة، كلّما جاء رجل وضع كتابًا، ويترك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. أو كما قال أبي هذا ونحوه. وعاب وضع الكتب وكرهه كراهية شديدة"أهـ.

وروى عبد الله في "مسائله" أيضًا (ص438) (1585) أنه سأل الإمام أحمد عن "الرجل يريد أن يسأل عن الشيء من أمر دينه مما يُبتلى به من الأيمان في الطلاق وغيره، وفي مصره من أصحاب الرأي، ومن أصحاب الحديث لا يحفظون ولا يعرفون الحديث الضعيف، ولا الإسناد القوي، فلِمن يسأل؟ ... قال: يسأل أصحاب الحديث. لا يسأل أصحاب الرأي. ضعيف الحديث خير من رأي أبي حنيفة"أهـ.

وروى الذهبي في "السير" (ج11، ص231) عن عبد الله بن أحمد ".... أن موسى بن حِزام الترمذي يقول: كنتُ أختلف إلى أبي سليمان الجَوزجاني في كتب محمد –أي لأجل أن أتعلم فقه محمد بن الحسن الشيباني، تلميذ أبي حنيفة-، فاستقبلني أحمد بن حنبل، فقال: إلى أين؟ قلتُ: إلى أبي سليمان. فقال: العجبُ منكم! تركتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يزيد عن حُميد، عن أنس، وأقبلتم على ثلاثة إلى أبي حنيفة رحمه الله. أبو سليمان، عن محمد، عن أبي يوسف، عنه –أي عن أبي حنيفة-. قال –موسى بن حزام-: فانحدرت إلى يزيد بن هارون –وهو من أكابر المُحدِّثين-"أهـ.

بالرغم من ذلك تُنسب بعض الرسائل اليسيرة في الفقه إليه، ككتاب الأشربة، وكتاب الفرائض، والمناسك الكبير، والمناسك الصغير، فهل هي منحولة عليه؟!، لكن الثابت أن الإمام أحمد كان يكره وضع كتب الفقه وطريقة الفقهاء، التي تُقرر الأحكام وتُعلِّل وتُدلِّل عليها، وكان يراها بدعة، وكان يرى فقط أن يُروى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ينهى عن تعلم الفقه، ويعتبره صدًّا عن تعلم الحديث، وانحرافًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكون أكثر كلامه ينهى عن فقه أبي حنيفة تحديدًا؛ فذلك لأنه كان بالعراق، وطلبة العلم هناك يطلبونه أكثر، وهو أقل الأئمة الأربعة اعتناءً بالآثار. والأمر لا يختصّ بكراهية منهج أبي حنيفة الفقهي، بل حتى تأصيل الشافعي للفقه الذي على أساسه يستقي الأحكام، ويستند أولًا للقرآن والسُنة، فإن لم يوجدا فالقياس، والتي اعتمدها في كتبه، لم تعجب الإمام أحمد وعابها ضمن ما عاب. والعجيب أن يُصرّ أحد أن ينسب لرجل ما ثبت عنه أنه رآه بدعة!!

وقد يحتجّ الحنابلة بأن أبا حنيفة رأس الفقه لم يكتب بنفسه أغلب مسائل الفقه الحنفي، وأن تلاميذه قد جمعوا أماليه وأقواله، ولكن قولهم مردود؛ فأبو حنيفة من الثابت عنه أنه طلب الحديث وعلم الكلام، ثم انقطع للفقه، حتى قال كثيرون أنه ضعيف الحديث، ولم يعبأ إلا بحفظ الأحاديث التي يُستنبط منها أحكام الفقه، وكان له تلاميذ مجتهدون، كل منهم من الفقه بحيث خالف أستاذه واستدلّ، وكانوا رءوس الفقه في زمانهم، ونعرف يقينًا رأي أبي حنيفة في كل مسألة، ورأي أي منهم إن خالفه، فلم يخلطوا آراءهم برأيه حتى يمتنع التمييز، وعلى العكس من ذلك كان الإمام أحمد وتلامذته، فأحمد انقطع لطلب الحديث وترك الفقه، ولم يكن تلاميذه على قدر تلاميذ أبي حنيفة ومالك والشافعي، ولا نكاد نعرف رأيه في أغلب المسائل لتناقض ما رواه كل منهم في مسائله.

وكذا يُقال عن مذهب الشافعي. يذكر الدهلوي في "الإنصاف" (ص85) "أما مذهب الشافعي فأكثر المذاهب مجتهدًا مطلقًا، ومجتهدًا في المذهب، وأكثر المذاهب أصوليًا ومتكلمًا، وأوفرها مفسَّرًا للقرآن وشارحًا للحديث، وأشدُّها إسنادًا ورواية، وأقواها ضبطًا لنصوص الإمام، وأشدّها تميُّزًا بين أقوال الإمام ووجوه الأصحاب، وأكثرها اعتناءً بترجيح بعض الأقوال والوجوه على بعض"أهـ. وليس الأمر لدى الحنابلة على هذا النحو.

2- رحلات الإمام أحمد في طلب الحديث:

ثبت عن الإمام أحمد بن حنبل أن رحلاته العلمية إلى البصرة والكوفة والحجاز واليمن، كلها كانت في طلب الحديث، مثل سفره إلى الإمام عبد الرزاق في اليمن. وحتى في بغداد كان منشغلًا أكثر بطلب الحديث. يذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج14، ص381) عن الإمام أحمد "وقد كان في حداثته يختلف إلى مجلس القاضي أبي يوسف –صاحب أبي حنيفة-، ثم ترك ذلك وأقبل على سماع الحديث". ولا ينفي هذا أنه قد سمع الشافعي أيضًا مدة ببغداد، ولكن كان همّه طلب الحديث.

3- الإمام أحمد وموقفه من القياس:

يُعرِّف أبو عمر ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (ج2، ص888) القياس بأنه: "القياس الذي لا يُختلف أنه قياس هو: تشبيه الشيء بغيره إذا أشبهه، والحكم للنظير بحكم نظيره إذا كان في معناه، والحكم للفرع بحكم أصله إذا قامت فيه العِلَّة التي من أجلها وقع الحكم".

وقد استقر الحنابلة على أن لمذهبهم الفقهي أصولًا خمسة أساسية؛ على أساسها تُشتق الأحكام، إضافة إلى بعض الأصول الفرعية (الاستحسان- المصالح- سد الذرائع- الاستصحاب)، كما ذكر ابن القيم أصول الإمام أحمد في "إعلام الموقعين" (ج2، ص49: 62)، وتكاد تكون متطابقة نظريًا مع الأصول الخمسة الأساسية التي يذكرها الحنابلة:

فأولها: (نصوص الكتاب والسُنة)، وهذا هو الأصل الأساسي الذي التزم به الإمام أحمد، وغيره من الأئمة، لكن أحمد بن حنبل كان قد تشدد فيه حتى أنه لا يؤول ولا يُخصص ما ثبت بالسُنة إن نُقِل في المسألة أقوالًا للصحابة تُخالف الأثر.

والأصل الثاني عند الحنابلة: الإجماع العام منه والخاص، رغم ما ثبت عن الإمام أحمد إنكاره لدعوى الإجماع، وابن القيّم يبرر بأن إنكار الإمام أحمد إنما هو إنكار لتقدم أي شيء على النصوص، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجود الإجماع!

والأصل الثالث عندهم: هو فتاوى الصحابة وما صحّ عنهم (الأصل الثاني عند الإمام)، وهي مقدمة عند الإمام أحمد على القياس، وإن كان بين الصحابة خلافًا (الأصل الثالث عند الإمام)، تخيّر من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسُنة، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف، ولم يجزم بقول –وكانت هذه طريقته عند الخلاف عمومًا، حتى خلاف الفقهاء-.

والأصل الرابع هو الأخذ بالقول المُرسل والحديث الضعيف، غير أن الضعف فيه ليس شديدًا.

أما الأصل الخامس فهو القياس، والذي اصطلحه الشافعي وأبو حنيفة، وسقنا تعريف ابن عبد البر له، والمفترض ألّا يدخل فيه الاستحسان أو المصالح أو سد الذرائع أو الاستصحاب، وهي أصول فرعية يكثر الحنابلة من استخدامها، ولكن الحنابلة يخلطونها بالقياس على اصطلاحه. يذكر ابن القيم (ص59) "إذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص، ولا قول الصحابة، أو أحد منهم، ولا أثر مرسل أو ضعيف، عدل إلى الأصل الخامس –وهو القياس- فاستعمله للضرورة، وقد قال في "كتاب الخلّال": سألتُ الشافعي عن القياس، فقال: إنما يُصار إليه عند الضرورة، أو ما هذا معناه"أهـ. ولكن يمكن القول أنه أصل نظري، لم يستخدمه الإمام أحمد فعليًا، فلا يظهر من مسائله أنه كان يقيس، فأجوبته كلها "حدّثنا" و "أخبرنا". روى ابن القيم عن الإمام أيضًا (ص60) "وقال في رواية أبي الحارث: ما تصنع بالرأي والقياس، وفي الحديث ما يُغنيك عنه؟"، وقال في رواية عبد الملك الميموني: يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس"أهـ.

فهل حقًا في الحديث فقط ما يُغني عن القياس كما ذكر الإمام أحمد؟!

كان أبو حنيفة أول أئمة الفقه من أصحاب المذاهب المتبوعة (80-150هـ)، وأول من اجتهد برأيه منهم؛ ذلك أن الأحاديث لم تكن قد جُمعت في عصره بشكلها التام، لتأخر تدوين الحديث، وقد أكثر من استخدام القياس، وكان الحنابلة ولا زالوا يُعرِّضون بأبي حنيفة، وبفقهه، ويقولون عنه "فقه الرأي". ثم كان أن وضع الشافعي أصول الفقه، وأثبت القياس، رغم أن الأحاديث كانت قد دُوِّنت في زمنه، وقال الشافعي: أنه ضرورة لأنه والاجتهاد بمعنى واحد.

ولم يكن قبول القياس كأصل لاشتقاق الأحكام بدعة ابتدعها أبو حنيفة أو الشافعي. يذكر الإمام ابن عبد البر المالكي في "جامع بيان العلم" (ج2، ص869: 874) جملة من الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والأقوال عن الصحابة والتابعين تثبت اجتهادهم بالقياس، ونقل قولًا للمزني (1648) فيه: "الفقهاء من عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا، وهلُّم جرَّا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام من أمر دينهم. قال: وأجمعوا أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، فلا يجوز لأحد إنكار القياس؛ لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها"أهـ. لكن الحنابلة كما يوردون مثل تلك الأقوال في كتبهم، فإنهم يوردون في المقابل ما يُذم به القياس، وأن أول من قاس إبليس، ليجعلوه أساسًا لتمييزهم بالقبول أو الرفض للأقيسة.

ولا يعنينا الحنابلة أنفسهم، بقدر ما يعنينا تحديد موقف الإمام أحمد من القياس؛ فالقياس كضرورة عند أحمد بمعنى أنه يعتبره كالدواء الذي لا بد أن يكتب وصفته من رأسه، لا نقلًا عن طبيب سابق، وبالتالي فهو يُشفق من كتابة هذه الوصفة؛ فهو لا يردّ أي قياس ورده من الرسول أو الصحابة أو التابعين، ويقبله لأنه أثر لا قياس، ما لم يكن هناك أثر أقوى يدفعه، ولم يُناقض الإمام الشافعي في أنه يرى القياس ضرورة، ولكن في النهاية هو لا يستخدمه. يذكر ابن القيّم في "إعلام الموقعين" (ص60) عن أحمد "كان شديد الكراهية والمنع للإفتاء في المسألة التي ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام"أهـ.

ونرى الحنابلة القدماء متأثرين به في هذا النهج، فهم أقرب إلى عدم استخدام القياس، مثل البربهاري، والذي تزعّم الحنابلة (296-329هـ)، يقول في كتابه "شرح السُنة" (ص70) [11]: "واعلم رحمك الله: أنه ليس في السُنة قياس، ولا يُضرب لها الأمثال، ولا تُتّبع فيها الأهواء، وإنما هو التصديق بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا كيف ولا شرح، لا يُقال: لِم؟ و كيف؟"أهـ. وربما كان البربهاري يقصد هنا التعريض بمدرسة أبي حنيفة؛ لأنهم يدخلون القياس على الأثر.

ولكن يتأكد لنا من استكمال مطالعة ما كتبه البربهاري أنه يطعن في القياس والرأي كليهما. يقول (ص99): [97] "واعلم رحمك الله، أن أهل العلم لم يزالوا يردّون قول الجُهمية، حتى كان في خلافة بني فلان –بني العباس- تكلّم الرويبضة في أمر العامة، وطعنوا على آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذوا بالقياس والرأي، فدخل في قولهم الجاهل والمغفل، والذي لا علم له"أهـ.

ويضيف البربهاري (ص105) [104] "واعلم رحمك الله أن من قال في دين الله برأيه وقياسه، وتأويله، من غير حجة من السُنة والجماعة؛ فقد قال على الله ما لا يعلم. ومن قال على الله ما لا يعلم؛ فهو من المتكلفين"أهـ.

ويقول: (ص127- 128)  [153] "ما كانت زندقة قط، ولا بدعة، ولا هوى، ولا ضلالة؛ إلا من الكلام والجدال والمراء والقياس، وهي أبواب البدعة والشكوك والزندقة". [154] "فالله الله في نفسك، وعليك بالأثر، وأصحاب الأثر والتقليد، فإن الدين إنما هو بالتقليد، ومن قبلنا لم يدعونا في لبس، فقلدهم واسترح، ولا تجاوز الأثر وأهل الأثر"أهـ.

فالبربهاري لا يترك فرصة للطعن على القياس كمنهج، ودائمًا يراه منهجًا مضادًا لمنهج الأخذ بالأثر، ولا يرى فيه ضرورة لا في عقيدة ولا في فقه. وبينما يثني على الإمام مالك من بين الأئمة أصحاب السُنة، لا يذكر أبا حنيفة والشافعي. فهل كان البربهاري بذلك مخالفًا لأحمد بن حنبل؟، أم أن الأصح أن يُقال: أنه كان موافقًا له؛ كونه أقرب إليه من المتأخرين المنتسبين إليه، ممن ادّعوا القياس من أصوله، وأن الأصحّ أن أحمد لم يكن يقيس كما يبدو من مسائله، ولكن من انتسبوا إليه قد أدخلوا القياس بعد ذلك ضمن أصول المذهب. فالحنابلة المنتسبون للإمام أحمد اضطروا لاستخدام قياس الشافعي فيما بعد، بعد أن وضعوا بصمتهم المتشددة بتصنيفه إلى قياس صحيح وقياس مردود. وأما السلفية المعاصرون فإن كانوا يجتهدون في شيء، فاجتهادهم في البحث عن تأصيل لأحكامهم بما يوافق القدماء، وهم بذلك أقرب لأصول الإمام أحمد من أجيال سبقتهم من الحنابلة، ولكن مشكلتهم أنهم وإن كانوا يدّعون الانتساب إلى السلف، فسلفهم الذين يؤصلون أحكامهم منه عادة هو ابن تيمية.

وكذا القاضي أبو يعلى في "طبقات الحنابلة" (ج1، ص14) يقول في ترجمة الإمام أحمد: "كان أصل الفقه كتاب الله وسُنة رسوله وأقوال صحابته، وبعد هذه الثلاثة القياس، ثم قد سُلِّم له الثلاث، فالقياس تابع؛ وإنما لم يكن للمتقدمين من أئمة السُنة والدين تصنيف في الفقه، ولا يرون وضع الكتب ولا الكلام، إنما كانوا يحفظون السُنن والآثار، ويجمعون الأخبار، ويُفتون بها، فمن نقل عنهم العلم والفقه كان رواية يتلقاها عنهم، ودراية يتفهمها منهم"أهـ. وأقول: ربما لم يسمع أبو يعلى بكتاب "الأم" للشافعي. وفي قوله إثبات لثلاثة أصول استخدمها الإمام أحمد، ونفي لاستخدامه سواها.

وقد أوضحت أن الإمام أحمد لا يردّ القياس إن جاءه في صورة أثر، ولكنه لا يُفتي ويستخرج الأحكام عن طريقه. ذكر أبو عمر ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (ج2، ص891) (1673) عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: "ما رُوي عن السلف في ذم القياس، فهو عندنا قياس على غير أصل، أو قياس يُردّ به أصل"أهـ.

وقال ابن عبد البر أيضًا (ج2، ص887): "لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السُنة، وهم أهل الفقه والحديث، في نفي القياس في التوحيد، وإثباته في الأحكام، إلا داود بن علي بن خلف الأصفهاني، ثم البغدادي، ومن قال بقولهم، فإنهم نفوا القياس في التوحيد والأحكام جميعًا"أهـ.

وأقول: ربما كان عدم استخدام الإمام أحمد للقياس سببًا في عدم اعتبار خلافه عند كثير من الفقهاء –كما سنرى-، مثلما كان داود الظاهري مختلف في اعتبار خلافه، وفقًا لما رواه الذهبي في ترجمته لنفس السبب. ذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج13، ص105) في ترجمة داود بن علي الظاهري. "قال الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني: قال الجمهور: إنهم –يعني نُفاة القياس- لا يبلغون رتبة الاجتهاد، ولا يجوز تقليدهم القضاء. ونقل الأستاذ أبو منصور البغدادي عن أبي علي بن أبي هريرة، وطائفة من الشافعية، أنه لا اعتبار بخلاف داود، وسائر نُفاة القياس، في الفروع –أي الفقه والأحكام- دون الأصول –العقائد والتوحيد-. وقال إمام الحرمين أبو المعالي: الذي ذهب إليه أهل التحقيق أن منكري القياس لا يُعدّون من علماء الأمة، ولا من حملة الشريعة، لأنهم معاندون، مباهتون، فيما ثبت استفاضة وتواترًا، لأن معظم الشريعة صادر عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعُشر معشارها، وهؤلاء ملتحقون بالعوام. قلتُ –أي الذهبي-: هذا القول من أبي المعالي أدّاه إليه اجتهاده، وهم قادهم اجتهادهم إلى نفي القول بالقياس، فكيف يُردّ الاجتهاد بمثله."أهـ.

وأقول: رأي الذهبي مفهوم، لأنه وإن كان شافعيًا في الفروع إلّا أنه كان مائلًا للحنابلة؛ كونه على عقيدتهم، ولكن إخراج نُفاة القياس ومن لا يستخدمونه من عِداد الأئمة المجتهدين في الفقه لم يكن رأي الإسفراييني والجويني وفئة منذورة من العلماء، بل هو رأي غالبية العلماء، لأن الفقه أكبر من مجرد حفظ الآثار وترديدها، ولو كان حفظ القرآن والحديث وحدهما كافيين لتقرير الأحكام، لما احتاج الناس في كل زمان إلى الفقهاء لاستخلاص الأحكام من النصوص على قواعد الأصول. وكيف يكون اجتهاد دون قياس، وهما بمعنى واحد؟، يقول الإمام الشافعي في "الأم" (ج1، باب إثبات القياس والاجتهاد) (ص222) "القياس والاجتهاد هما اسمان لمعنى واحد"أهـ.

وروى الدهلوي في "الإنصاف" (ص80) بسند طويل متصل إلى الإمام الشافعي قواعد استنباط الأحكام الفقهية، قال: "قال محمد بن إدريس الشافعي: الأصل قرآن وسُنة، فإن لم يكن فقياس عليهما،.......، ولا يُقاس أصل على أصل، ولا يُقال للأصل: لِمَ وكيف، وإنما يُقال للفرع لِمَ؟، فإذا صحّ قياسه على الأصل صحّ وقامت به الحُجة"أهـ. فالشافعي لا يأخذ بالحديث الضعيف ويترك القياس، فكان القياس أمر لا مفرّ منه قرّره أئمة الفقه المجتهدون، ولم يُعرَف عن الإمام أحمد، لأنه كي يتم القياس، فلا بد من استخراج العلة للأحكام المستخرجة من النصوص، والتي يُدار عليها الحكم، كي يتم القياس عليها بعد ذلك، وفي مسائل الإمام أحمد نجده لا يهتم باستخراج علة الحكم إن كان الأمر ليس فيه اختلاف، فإن كان فيه اختلاف ربما توقف عن إصدار الحكم من أساسه.

4- تهيب الإمام أحمد للفُتيا:

يوضح الإمام أبو زُهرة في "تاريخ المذاهب الإسلامية" (ص324) الفرق بين الإفتاء والاجتهاد (القياس)، يقول: "الإفتاء أخص من الاجتهاد، لأن الاجتهاد هو استخراج الأحكام الفقهية من مصادرها، سواء أكان فيها سؤال أم لم يكن، كما كان يفعل أبو حنيفة في دروسه عندما كان يُفرِّع التفريعات المختلفة، ويفرض الفروض الكثيرة، أما الإفتاء، فإنه لا يكون إلا عند السؤال عن حكم واقعة وقعت، أو بصدد الوقوع، ومعرفة حكمها"أهـ.

ثبت عن الإمام أحمد تهيبه للفُتيا، بسبب موقفه من القياس، وعدم رغبته في اشتقاق أحكام لا أثر وارد فيها، فكان يرد على كثير من المسائل بـ (لا أدري). ذكر ابن القيم –وهو حنبلي- في "إعلام الموقعين" عن الإمام أحمد (ج6، ص133) أنه قال: "من عرّض نفسه للفُتيا، فقد عرّضها لأمر عظيم". وقال أبو داود في "مسائله" (ص367) (1782): "وما أُحصي ما سمعت أحمد يُسأل عن كثير مما فيه اختلاف من العلم، فيقول: لا أدري"أهـ. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "مسائله" (ص438) (1583) "كنت أسمع أبي كثيرًا يُسأل عن المسائل، فيقول: لا أدري، وذلك إذا كانت مسألة فيها اختلاف، وكثير مما كان يقول: سلْ غيري، فإن قيل له: من نسأل؟ يقول: سلوا العلماء، ولا يكاد يُسمي رجلًا بعينه"أهـ.

والمتتبع لإجابات الإمام أحمد بن حنبل في المسائل التي رواها عنه ابناه وتلاميذه، يمكنه تلمح بوضوح أنه كان يُجيب عن المسائل التي لا يكاد يوجد فيها خلاف بكلمات يسيرة، وهي طريقة تُغني العوام ولا تُغني طلبة العلم، فإن كان يردّ في أحيان قليلة بعض ما رجّحه غيره، فذلك لعدم وجود أثر يعرفه في المسألة، مثل رأيه في عدم إعادة الوضوء من الضحك، قال فيما رواه عنه أبو داود في "مسائله" (ص21) (90): "لا أدري بأي شيء أعادوا الوضوء من الضحك؛ أرأيت لو سبَّ رجلًا؟!" وكذا نقل أبو داود عنه (91) "أما أنا فلا أُوجِب فيه وضوءًا؛ ليس تصح الرواية فيه"أهـ.

ولم يكن الإمام أحمد بدعًا في هذا بين العلماء. يذكر الدهلوي في "الإنصاف" (ص46) "اعلم أنه كان من العلماء في عصر سعيد بن المسيب، وإبراهيم، والزُهري، وفي عصر مالك، وسُفيان، وبعد ذلك، قومٌ يكرهون الخوض بالرأي، ويهابون الفُتيا والاستنباط إلّا لضرورة لا يجدون منها بُدّ، وكان أكبر همهم رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم"أهـ. يضيف الدهلوي (ص57) "وكان بإزاء هؤلاء في عصر مالك وسُفيان وبعدهم، قوم لا يكرهون المسائل، ولا يهابون الفُتيا، ويقولون: على الفقه بناء الدين، فلا بدّ من إشاعته، ويهابون رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والرفع إليه"أهـ. ويؤكد الدهلوي على تصنيفه ذاك بقول للإمام الخطابي. يذكر (ص64) "ومن شواهد ما نحن فيه ما صدّر به الإمام أبو سليمان الخطابي كتابه "معالم السُنن"، حيث قال: رأيت أهل العلم في زماننا قد حَصَلُوا حزبين، وانقسموا إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر. وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البُغْيَة والإرادة، لأنّ الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يُوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمار فهو قفر وخراب"أهـ. وأقول: والإمام أحمد اختصّ نفسه بالأساس دون البناء، وترك العمارة لغيره، ولكن أتى من بعده من عمّر ونسب ما عمّره إليه.

ويصف الدهلوي (ص69) حال الإمام أحمد تحديدًا بأنه كان من فئة العلماء الذين أمعنوا في تتبع الكتاب والسُنة والآثار حتى حصل له بالقوة القريبة من الفِعل ملكة أن يتصف بفُتيا في الناس، وأن هذا الاستعداد حصل للإمام أحمد وأشباهه كالإمام إسحق بن راهويه، "باستفراغ الجهد في جمع الروايات؛ فإنه ورد كثير من الأحكام في الأحاديث، وكثير منها في آثار الصحابة والتابعين وتبع التابعين، مع ما لا ينفكّ عنه العاقل العارف باللغة من معرفة مواقع الكلام، وصاحب العلم بالآثار من معرفة طرق الجمع بين المختلفات وترتيب الدلائل ونحو ذلك". فلم يكن حاله كحال أبي يوسف ومحمد بن الحسن، الذين حصل لهما هذا الاستعداد "بإحكام طرق التخريج وضبط الأصول المروية في كل باب عن مشايخ الفقه من الضوابط والقواعد، مع جملة صالحة من السُنن والآثار"أهـ.

فالدهلوي هنا لا يُنكر أنه يمكن أن يكون المرء فقيهًا عن طريق تتبع الآثار فقط، ودون معرفة بأصول الفقه، رغم كونها لا تتشابه فيما اصطلح عليه علماء المسلمين بأن يُسمى فقهًا، وهل الفقيه من يعرف ماذا عليه أن يفعل في أمور دينه فقط، أم أن المعرفة بالأحكام وعللها –ولا أقول استخلاصها من الآثار- أكبر من ذلك بكثير؟

وهنا يتبادر سؤال هام: هذه الطريقة الأولى في الفُتيا وتقرير الأحكام بناءً على الآثار فقط، كما قرّرها الإمام أحمد، هل تصلح للجميع؟ وما محدداتها ومشروطياتها؟

يروي الإمام الذهبي في "السير" (ج11، ص232) عن الإمام الحاكم "حدثنا أبو علي الحافظ، سمعتُ زكريا بن يحيى الضرير، يقول: قلتُ لأحمد بن حنبل: كم يكفي الرجل من الحديث حتى يكون مُفتيًا؟ يكفيه مئة ألف؟ فقال: لا. إلى أن قال –زكريا-: فيكفيه خمس مئة ألف حديث؟ قال –الإمام أحمد-: أرجو"أهـ.

ونقل القاضي أبو يعلى في "طبقات الحنابلة" (ج1، ص13) عن عبد الوهاب الوراق أحد تلاميذ الإمام أحمد ما حزره لحفظ الإمام. "قال عبد الوهاب الوراق: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل. قالوا له: وأيش الذي بان لك من علمه وفضله على سائر من رأيت؟، قال: رجل سُئل عن ستين ألف مسألة، فأجاب فيها بأن قال: "أخبرنا" و"حدّثنا"". ثم ينقل عن أبي زُرعة الرازي (ص14) قوله: "حزرنا حفظ أحمد بن حنبل بالمذاكرة على سبعمائة ألف حديث. وفي لفظ آخر، قال أبو زُرعة الرازي: كان أحمد يحفظ ألف ألف، فقيل له: وما يُدريك؟ قال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب"أهـ.

وينقل ابن القيّم في "أعلام الموقعين" (ج2، ص84-85) "قال محمد بن عبيد الله بن المنادي: سمعتُ رجلًا يسأل أحمد: إذا حفظ الرجل مئة ألف حديث يكون  فقيهًا؟ قال: لا، قال: فمئتي ألف؟ قال: لا، قال: فثلاث مئة ألف؟ قال: لا، قال: فأربع مئة ألف، قال بيده هكذا، وحرّك يده. قال أبو الحسن –ابن المنادي-: وسألتُ جدي محمد بن عبيد الله، قلتُ: فكم كان يحفظ أحمد بن حنبل؟ قال: أخذ عن ست مئة ألف. قال القاضي أبو يعلى: "وظاهر هذا الكلام من أحمد أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذا لم يحفظ من الحديث هذا القدر الكثير الذي ذكره"، ثم أوّل أبو يعلى كلام أحمد –ومن عجب أن يؤول الحنابلة!- فقال: "وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتوى"أهـ. ثم ضرب مثالًا يوضح أن الحنابلة المتقدمين، بل من أعلاهم رتبة ممن كانوا يجلسون للفُتيا في جامع المنصور ببغداد من كانوا يُصرِّحون بأنه لا يلزمهم هذا الشرط الذي شرطه أحمد للإفتاء.

وبالتالي؛ فإن من انتسبوا للإمام أحمد، لم يلتزموا بهذا الشرط في أصله الأول، كما أضافوا القياس إلى أصوله، وبرّروا ذلك بأن الإمام الشافعي قال له أنه ضرورة، وأنه قبل هذا، رغم عدم استخدام الإمام له، وبالتالي نتساءل إن كان يصحّ أن يُعدّ فقههم على أصوله، ففقه أبو يوسف ومحمد الشيباني قد عدّ في مذهب أبي حنيفة، رغم كونهما مجتهدين مطلقين، ورغم مخالفتهما له في كثير من المسائل، لأنهما وافقاه في الأصل، ونفس الشيء يُقال عن الأئمة المجتهدين من أصحاب الشافعي، فتخريجاتهم التي تُضاف إلى المذهب على أنها منه كثيرة، ولكنها تكون مبنية على أصول الشافعي، ولهم تخريجات لا تُعد من المذهب، وتعد خارجة عنه، عندما يخالف المُخرج نصًا للشافعي أو يخالف قاعدة من القواعد الأصولية، ولكن بأي صفة ينسب من تسموا بالحنابلة فقههم إلى ابن حنبل، وقد خالفوه في أصوله؟! ولم يُشهد لأي فقيه حنبلي بالاجتهاد –بل ادّعوه لأنفسهم- حتى يُضيفوا كل هذه الإضافات للأحكام (الأوجه) فيما لم يرد عن الإمام من مسائل.

5- ما صحّ عن تلاميذ الإمام أحمد:

يحكي الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج12، ص625) في ترجمة الأثرم تلميذ الإمام أحمد، وهو أذكى تلاميذ الإمام، نقلًا عن أبي بكر الخلال عن أبي بكر المروذي "قال الأثرم: كنت أحفظ –يقول الذهبي: يعني: الفقه والاختلاف- فلمّا صحبت أحمد بن حنبل تركت ذلك كله"أهـ؛ فالذهبي يُقرر أن الفقه المعروف لدى باقي أئمة الفقه، والذي كان يُعرف بـ (الاختلاف)، لا يُشبه فقه أصحاب الإمام أحمد؛ حيث كان فقههم –إن صحت تسميته فقهًا-، لا يعدو رواية الآيات والأحاديث في باب المسألة، وتحديد رأي عام، فلا تحليل ولا تعليل ولا قياس؛ وكانت الناس تعرف الحنابلة بـ (فقهاء الحديث)؛ إذ كانوا يرفضون إدخال القياس، ويُسفِّهون مدرسة أبي حنيفة الفقهية؛ كونها توازن بين الآثار وتختار أرجحها، مما يعني رفض الأخذ بأحاديث صحيحة الإسناد في نفس المسألة لتعارضها مع ما رجّحه، وصدق الشافعي إذ قال: "كان الفقه قفلًا حتى فتحه أبو حنيفة".

6- عدم تدوين تلاميذ الإمام أحمد مسائله في حياته:

لم يسمح الإمام أحمد لتلاميذه بتدوين مسائله في حياته، ورغم عناية تلاميذه وتلاميذ تلاميذه بجمعها، إلا أن الحنابلة قديمًا وحديثًا يبررون عدم تكامل الرأي الفقهي للإمام في الكثير من المسائل بأنه قد فاتهم منها الكثير، ولم تبلغهم سائر نصوصه. كما يبررون تناقض ما رواه تلاميذه من إجابات على كثير من المسائل –رغم أنهم يُعدِّلونهم كلهم- بضعف الحافظة وبعد الزمن، وأشياء من هذا القبيل.

وأول من قام بتدوين الفقه المنسوب للإمام أحمد هو أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي، ‏المتوفي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة بعد حوالي قرن من وفاة الإمام. والمؤكد أنه وضعه بعد عام 317هـ؛ ذلك أنه وكما ذكر عنه ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج15، ص 170): "في مصنفه هذا المختصر، في كتاب الحج منه: (ويأتي –أي الحاج- الحجر الأسود ويُقبله إن كان هناك). وإنما قال ذلك لأن تصنيفه لهذا الكتاب كان حال كون الحجر الأسود بأيدي القرامطة حين أخذوه من مكانه في سنة سبع عشرة وثلاثمائة، ولم يردّوه إلا سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة"أهـ. وبالتالي فقد تم تصنيف المختصر بعد وفاة الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة مائتين وواحد وأربعين بما يقارب القرن، وبعد وفاة ابنه عبد الله وهو راوي مسنده، وآخر تلاميذه وفاة، سنة ‏تسعين ومائتين، أي بأكثر من ربع قرن؛ فقد توفي قبله كل تلاميذ أبيه، مثل: صالح بن أحمد بن حنبل سنة 266هـ، وأبو بكر الأثرم سنة 261هـ، وعبد الملك الميموني سنة 274هـ، وأبو بكر المروذي سنة 275هـ، وإبراهيم الحربي سنة 285هـ، وأبو داود السجستاني سنة 270هـ.

- أورد ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج15، ص 171-172) في ترجمة الخرقي أنه ‏صاحب "المختصر في الفقه على مذهب الإمام أحمد". وقال: "خرج من بغداد لما ‏كثر بها السب للصحابة، وأودع كتبه ببغداد، فاحترقت الدار التي هي فيها، وعُدمت ‏مصنفاته"أهـ. وكذا أثبت الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج15، ص363) نقلًا عن القاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي. وكذا ذكر ابن الجوزي في "المنتظم" (ج14، ص49)، وحدّد أن الدار التي احترقت كانت بدرب سليمان. ولكن مختصر الخرقي بالرغم من ذلك توجد له شروح كثيرة للقاضي أبي يعلى وابن حامد وابن عقيل وابن الزاغوني والتميمي وغيرهم، فربما قصد من ترجموا للخرقي -وكلهم سلفية- كالذهبي وابن كثير وابن الجوزي أن باقي مصنفاته تلك الكثيرة المدّعاة قد احترقت وعُدمت عدا المختصر، وربما لم يكن أمر تلك المصنفات أكثر من إشاعة حنبلية تعلية لمرتبة الخرقي لزيادة قيمة المختصر؛ حيث أن سب الصحابة لم يشع ببغداد إلا بدءًا من سنة 329هـ. ينقل ابن كثير عن الصولي في "البداية والنهاية" (ج15، ص151) في حوادث سنة 329‏هـ "وكثر الرفض ببغداد، فنودي بها: من ذكر أحدًا من الصحابة بسوء فقد برئت منه الذمة"‏، وكان ذلك هو السبب في انتقال الخرقي إلى دمشق، وهو العام الذي مات فيه البربهاري رئيس الحنابلة ومتزعم حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ببغداد، فهدأت الأحوال ولم تتجدد الحرائق لسنوات. وكل ما هو ثابت لدينا أنه على كثرة الحرائق ببغداد، والتي ذكرها المؤرخون، لم يذكروا حدوث حريق ضخم في السنوات من سنة 329هـ وحتى وفاة الخرقي سنة 334هـ، سوى ذلك الحريق الذي ذكره الصولي ‏في "أخبار الراضي والمتقي" ‏(ص261) قال: "ووقع بالكرخ حريق عظيم من حد طاق التكك إلى السماكين، وعطف على أصحاب الكاغد وأصحاب النعال، وذهبت النيران بأمتعة البزازين وأموال خطيرة"، وكما هو واضح فإن الحريق كان بمحال الشيعة كعادة الحرائق ببغداد.

- وبالعودة إلى مختصر الخرقي وشروحه، سنجد أن أهم تلك الشروح هو شرح الزركشي الحنبلي له، وله طبعة حديثة حققها عبد الله الجبرين، أطال في مقدمتها الشرح والتعليل والتبرير لكل ما يُثار حول ما يُنسب للإمام أحمد من فقه لم يدونه، ولا دوّنه ابنه عبد الله، ولا أي من تلاميذه. نجد من أهم ما ساقه الجبرين في مقدمته المطولة ادعاء كثرة أصحاب الإمام أحمد -رغم أن الإمام العلامة ابن جرير الطبري وهو معاصر للإمام أحمد لم يعترف بهؤلاء الأصحاب كما سيتضح لاحقًا-، وتعديله لهم جميعًا فيما نقلوه عن الإمام -وهو ما لم يحدث مع رواة حديث رسول الله! فمنهم مردود الرواية-.

- ثم الجبرين مع ذلك يعترف بتعدد الروايات وكثرة الاختلافات في رواياتهم، وعزاه لأسباب منها كثرة توقف الإمام وقلة تصريحه بالإيجاب أو التحريم، يذكر الجبرين (ص19) "هذا الإمام –يعني أحمد- عُرف بتورعه وتحريه في الجواب، وتوقفه في الفتوى وعدم تسرّعه، تحرجًا وتخوفًا من القول على الله بغير علم، فإن أغلب ما يُنقل عنه من العبارات في الممنوع: لا ينبغي هذا، أو لا يصلح، أو أنا أستقبحه، أو هو قبيح، أو لا أراه، أو أكره ذلك، أو لا يعجبني، أو لا أحبه، أو لا أستحسنه، وهكذا يقول في المطلوب: هذا أحب إليّ أو أعجب، أو أنا أحب هذا، أو هذا أحسن، أو ما أحسنه، أو لا بأس به، أو أخشى أو أخاف أن يكون كذا، أو لا يكون، أو يجوز أو لا يجوز، ونحو ذلك، فأما التصريح بالإيجاب أو التحريم فقليل في الرواية عنه إلا مع قوة الدليل، ثم هو كثيرًا ما يجيب على الأسئلة بالنص الصريح في الحكم من آية أو حديث، اكتفاء بإيراده عليها عن البت فيها بحكم، وقد يقتصر على ذكر جواب من سبقه فيها من صحابي أو تابعي مما يكون رمزًا لاختياره"أهـ.

- كما يرد الجبرين اختلافاتهم إلى أن كثيرًا من الرواة قد يخطيء في النقل أو يقع منه وهم أو سهو أو عدم فهم للجواب، للاعتماد على الذاكرة مع طول العهد بالكلام المسموع وكثرة الأسئلة أو عدم الفهم للسؤال أو فوات بعض الجواب، وكذا عزا الاختلافات لضرورات الاجتهاد وفقًا للحالة، وأن العالم قد يكون له قولان في المسألة، وكل ما ذكره الجبرين قد يكون صحيحًا، ولكنه فائق عن الحد في الفقه الحنبلي تحديدًا مقارنة بفقه سائر الأئمة، وليس بإمكاننا أن نستوثق ما يقول به الإمام أحمد ويختاره في المسائل، فالاختيارات غير مثبتة ولا محصورة.

- ثم نجد الجبرين فوق ذلك يعترف (ص24) أنه "يظهر بالتتبع أن الكثير من المسائل المدونة في كتب الفقهاء، كمختصر الخرقي وغيره لا توجد أفرادها منصوصة عن الإمام نفسه، وإنما خرّجها أصحابه على قواعده، وألحقوها بما يشبهها من الوقائع التي نصّ عليها".

- ثم يذكر (ص71) "لم يصرح المؤرخون باسم أحد من العلماء الذين تعلم الخرقي على أيديهم، وإنما ذكر أبو الحسين أنه قرأ على من أخذ عن تلامذة أحمد"أهـ. فالخرقي لم يأخذ عن الإمام أحمد ولا حتى تلامذته.

7- زهد الإمام أحمد و ورعه ليس قطعًا بالحُرمة:

الإمام أحمد كان زاهدًا ورعًا، وكان يتعفف عن كثير من الأمور التي يراها حلالًا، وبالتالي فإن فعله أو عدم فعله لشيء لا يقطع بحله أو حرمته من وجهة نظره. على سبيل المثال فقد ثبت عنه أنه سُئل عن مال السلطان فأجاب أنه لا يراه حرامًا ولكنه يتعفف عنه، فكم مسألة لم يفعلها أحمد وتورع عنها وهو يراها حلالًا، وأعتقد أن في هذا تفسير للصبغة المتشددة للمذهب الحنبلي لأن جزءًا كبيرًا منه أُخذ من أفعال الإمام أحمد التي اختص بها نفسه تورعًا، ولم يُلزم بها أحدًا غيره، لكن أصحابه ألزموا بها العالمين.

8- محنة الإمام ابن جرير الطبري مع الحنابلة:

كانت للإمام ابن جرير الطبري محنة بسبب من كانوا يُسمون بالحنابلة –سبق أن فصّلت فيها في مقال آخر-؛ بسبب موقف الإمام الطبري من الإمام أحمد بن حنبل في كتابه "اختلاف الفقهاء"، وموقفه من ‏مسألة الجلوس على العرش،‏ وذلك بعد رجوعه لبغداد من طبرستان للمرة الثانية، أي بعد سنة 290هـ، ‏حتى منع الحنابلة دفنه في مقابر المسلمين عندما مات سنة 310هـ.

- ذكر ابن الأثير في "الكامل في التاريخ" (ج7، ص8)‏ عن الطبري قال: "ودُفن ليلًا بداره لأن العامة اجتمعت عليه ومنعت من ‏دفنه نهارًا، وادّعوا عليه الرفض، ثم ادّعوا عليه الإلحاد،.......... ولذلك سبب؛ وهو أن الطبري جمع كتابًا ذكر ‏فيه اختلاف ‏الفقهاء لم يصنّف مثله، ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل، فقيل له في ذلك فقال: لم ‏يكن ‏فقيهًا، وإنما كان محدِّثًا، فاشتد ذلك على الحنابلة، وكانوا لا يحصون كثرة ببغداد، ‏فشغبوا ‏عليه وقالوا ما أرادوا"‏‏أهـ.

- ووفقًا لما رواه ياقوت الحموي في "معجم الأدباء" (ج6، ص2450) عن محنة الطبري مع الحنابلة بعد أن صنّف كتاب "اختلاف الفقهاء" ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل. قال ياقوت: "وقصده الحنابلة فسألوه عن أحمد بن حنبل في الجامع يوم الجمعة، وعن حديث الجلوس على العرش، فقال أبو جعفر: أما أحمد بن حنبل فلا يُعدّ خلافه، فقالوا له: فقد ذكره العلماء في الاختلاف، فقال: ما رأيته رُوي عنه، ولا رأيتُ له أصحابًا يُعوَّل عليهم، وأما حديث الجلوس على العرش فمحال"أهـ.

- ذكر ابن الأثير في "الكامل في التاريخ" (ج7، ص10)‏ في ترجمة الطبري، "وكان أبو جعفر ممن لا يأخذه في الله لومة لائم، ولا يعدل في علمه وتبيانه عن حق يلزمه لربه وللمسلمين إلى باطل، لرغبة ولا رهبة، مع عظيم ما كان يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل وحاسد وملحد". وقال الفرغاني –تلميذ الطبري، وصاحب كتاب "صلة تاريخ الطبري"-، فيما روى عنه السبكي في "طبقات الشافعية" (ج3، ص125) "كان محمد بن جرير ممن لا تأخذه فى الله لومة لائم، مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل وحاسد وملحد، فأما أهل العلم والدين فغير منكرين علمه وزهده فى الدنيا ورفضه لها وقناعته بما كان يرد عليه من حصة خلفها له أبوه بطبرستان يسيرة"أهـ، ونقله الذهبي عن الفرغاني في ترجمة الطبري في "سير أعلام النبلاء" (ج14، ص274).

- والطبري فوق ذلك كان فقيهًا، بل من الأئمة المجتهدين في الفقه، وصاحب مذهب فقهي يُنسب إليه. يقول الذهبي في ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (ج14، ص269-270) "كان من كبار أئمة الاجتهاد، وكان ثقة، حافظًا، رأسًا في التفسير، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، علّامة في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات واللغة، وغير ذلك"أهـ. ولكن مذهبه الفقهي المنسوب إليه "الجريري" درس لقلة الأتباع ولتقاربه مع مذهب إمامه الشافعي، لذا يعده الشافعية منهم.

وكان الطبري قد درس مذهب الشافعي، تلقَّاه عن أصحاب الإمام الشافعي في بغداد ومصر، وتمذهب به قبل أن تكون له اجتهادات خاصة في كثير من المسائل، ودرس المذهب المالكي في مصر على أبناء عبد الله بن عبد الحكم (محمد وأخويه) تلاميذ ابن وهب صاحب الإمام مالك، وتلقَّى مبادئ الفقه الحنفي على أبي مقاتل بالريّ، بل وتلقى فقه الظاهرية مدة على يد داود بن علي الأصبهاني رئيس أهل الظاهر ببغداد، ثم تخلف عن مجلسه. ولو كان الطبري قد وجد من أصحاب أحمد من يستحق أن يأخذ عنه الفقه لطلبه، ولكن كبار تلاميذ الإمام أحمد كانوا من مشاهير أهل الحديث ببغداد كأبي داود السجستاني صاحب السُنن، وإبراهيم الحربي.

كما أن تخلف الطبري عن مجلس داود الظاهري، في زيارته الأولى لبغداد، وتسميته إياه "ذي الأسفار"، تعريضًا به من خلال الآية الكريمة، بسبب حروفيته في استخلاص الأحكام الفقهية، توضح لنا نوعية الفقه التي كانت لدى الحنابلة، والتي جعلت الطبري لا يطأ مجالسهم ببغداد، رغم عدم احتياجه للارتحال إليهم، ولا يعتبر ما عندهم فقهًا، حيث كانوا يُعرفون باسم "فقهاء الحديث"؛ لأن بعض الناس كانوا يستفتون من له علم بالحديث، وحروفيتهم لا تقل عن حروفية الظاهريين، ومن الطبيعي ألا يراها الطبري فقهًا، وهو الفقيه الذي بلغ رتبة الاجتهاد المطلق بشهادة معاصريه ومن تلاهم، وقد ظهر مما قاله لهم أنه يُميز بين المُحدِّث والفقيه.

9- أذيّة الحافظ الخطيب البغدادي من الحنابلة:

ومثل ما حدث للطبري، ما ذكره الحافظ الخطيب البغدادي في ترجمة الإمام أحمد، وعدّه الحنابلة تعصبًا عليهم وذمًا لهم؛ لأنه فارقهم. ذكر ابن الجوزي في ترجمة الخطيب في "المنتظم" (ج16، ص132). قال: "وكان أبو بكر الخطيب قديمًا على مذهب أحمد بن حنبل، فمال عليه أصحابنا لمّا رأوا من ميله إلى المبتدعة –ويعني ابن الجوزي تغيير الخطيب عقيدته إلى الأشعرية-، وآذوه، فانتقل إلى مذهب الشافعي رضي الله عنه، وتعصب في تصانيفه عليهم، فرمز في ذمهم، وصرّح بقدر ما أمكنه، فقال في ترجمة أحمد بن حنبل: سيد المُحدِّثين، وفي ترجمة الشافعي: تاج الفقهاء، فلم يذكر أحمد بالفقه"أهـ.

ولم يكن عدّ الإمام أحمد في المُحدِّثين وليس الفقهاء قاصرًا على الطبري أو الخطيب، بل كان يورده كثيرون، وطالما ردّ عليه الحنابلة في عصور سابقة، سواء بإيذاء العلماء القائلين بذلك كما رأينا، وكان هذا دأب سفهائهم، أو بتدوينات علماء الحنابلة. من ذلك ما نقله الذهبي عن ابن عقيل الحنبلي في "السير" (ج11، ص321) "قال ابن عقيل: مِن عجيب ما سمعته عن هؤلاء الأحداث الجُهّال، أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه، لكنه مُحدِّث. قال: وهذا غاية الجهل، لأن له اختيارات بناها على الأحاديث بناءً لا يعرفه أكثرهم. وربّما زاد على كبارهم". قال الذهبي: "قلتُ: أحسبهم يظنونه كان مُحدِّثًا وبس –أي وحسب-، بل يتخيلونه من بابة محدثيّ زماننا. ووالله، لقد بلغ في الفقه خاصة رتبة الليث، ومالك، والشافعي، وأبي يوسف، وفي الزهد والورع رتبة الفُضيل، وإبراهيم بن أدهم. وفي الحفظ رتبة شُعبة، ويحيى القطّان، وابن المديني، ولكنّ الجاهل لا يعلم رتبة نفسه، فكيف يعرف رتبة غيره"أهـ.

وأقول: عاصر ابن عقيل بدء انتشار العقيدة الأشعرية والفقه الشافعي في بغداد، بعد تشييد نظامية بغداد، وغالبًا كان من يصفهم بالأحداث الجُهّال بعض مدرسيّ النظامية، وربّما كان ابن عقيل يفهم من أين اشتق الإمام أحمد حكمه في كل مسألة سُئل عنها، وأغلب الفقهاء أيضًا يفهمون ولا شك، لكن ربما لم يدرك ابن عقيل أن عدم تعليل الإمام أحمد لأحكامه في حد ذاته، حتى وإن كان لها سند، هو نقص كبير وقدح في طريقة ذلك الفقه، لأن الفقه ليس مجرد إرشاد العامي لِما يجب أن يسلك، بل لا بد من تحديد الحكم الشرعي التكليفي (حرام، حلال، واجب، مندوب، مكروه)، وتحديد حكم من خالف، وما ينبغي في حقه، ولا بد من استخراج العلة لذلك الحكم من النصوص، وليس عدم تحديد وصف التكليف، وإخفاء العلل والاكتفاء بكونه يفهم كيف اشتق ما أرشد به في جوابه.

أما الذهبي فقد قدح في محدثيّ زمانه، وفيهم حُفّاظ كبار مشهود لهم، كونهم لا يُفتون، وبالغ في رتبة الإمام أحمد في الفقه دون بيّنة، ومقارنة بسيطة بين كتاب "الأم" للشافعي، على سبيل المثال، وبين أي كتاب من "مسائل الإمام أحمد" برواية أي من أبنائه وتلاميذه كافية لتوضيح الفارق، وأيهما له الرتبة الأعلى، فهل كان الشافعي يكتفي بأن يقرر حكم مسألة بأن يقول: لا بأس أو لا يُعجبني؟

10- عدم اعتداد فقهاء المذاهب بالمذهب الفقهي الحنبلي حتى عصور متأخرة:

لم يكن المذهب الفقهي الحنبلي يُعتدّ به عند أهل الإسلام. من ذلك، ما كتبه الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي المتوفي سنة 456هـ، في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام" عن تقليد المسلمين الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي دون غيرهم، ولم يأت على سيرة الإمام أحمد أو غيره من الأئمة إلا مرات معدودة، مما يدل على أن تلك المذاهب الفقهية الثلاثة كانت الغالبة لدى عموم الناس في سائر بلاد المسلمين رغم كل ما فعله الحنابلة في بغداد طوال القرن الرابع الهجري -الذي ظهروا فيه بعد وفاة الإمام بأكثر من نصف قرن- من تشغيب على المسلمين لنشر مذهبهم الذي استغلوا تقدير الناس للإمام أحمد بعد موقفه من محنة (خلق القرآن) فعزوه إليه.

يذكر الإمام أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي في "دفع شبهة التشبيه" (ص4)، قال: "إنني لمّا تتبعت مذهب الإمام أحمد رحمه الله، رأيت الرجل كبير القدر في العلوم، قد بالغ في النظر في علوم الفقه ومذاهب القدماء، حتى لا تأتي مسألة إلا وله فيها نص أو تنبيه، لكنه على طريق السلف، فلم يُصنِّف إلا المنقول، فرأيت مذهبه خاليًا من التصانيف التي كثُر جنسها عند الخصوم، وما رأيت لهم تعليقة في الخلاف –يعني خلاف الفقهاء-، إلا أن القاضي أبا يعلى، قال: "كنت أقول ما لأهل المذاهب يذكرون الخلاف مع خصومهم، ولا يذكرون أحمد؟ ثم عذرتهم؛ إذ ليس لنا تعليقة في الفقه، فصنّفت لهم تعليقة". وعلّق الإمام الكوثري محقق كتاب "دفع شبهة التشبيه" بأن ذَكَرَ اختلاف الإمام أحمد على مجالس الفقه، حتى صار له من الفقه حظ وافر، ومع هذا كان الغالب عليه وعلى أصحابه رواية الحديث.

وكان قرار الظاهر بيبرس بتخصيص مذاهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي ‏–إضافة للمذهب الحنبلي- ليكون القضاة من بين علمائها بدءًا من أواخر سنة 663هـ سببًا في شيوع الاعتراف به كرابع المذاهب الفقهية للسُنة. وهذا لا يرجع لشيوع المذهب الحنبلي بين المسلمين حتى أبقاه، بل لأن فتاوى الحنابلة وتشددهم ضد التتار كانت تعجب ولاة الأمر في زمن حروبهم مع التتار.

وإجمالًا فقد كانت طريقتهم الفقهية متأثرة بفقه داود بن علي الظاهري نزيل بغداد، والذي أخذ الفقه عن إسحق بن راهويه وأبي ثور، ولم يكن داود –المتوفي سنة 270هـ- يومًا من تلاميذ أحمد رغم معاصرته له لما ثبت عن داود لدى الإمام أحمد أنه قال بخلق القرآن. وكان لاختلاط تلاميذ أحمد بتلاميذ داود ببغداد أواخر القرن الثالث الهجري أثره البادي في إرساء قواعد المذهب الفقهي المنسوب للإمام أحمد رغم عدم تطابق المذهبين.

وأقول: وتزوير الحنابلة على الإمام أحمد يتعدى نسبة ما أقاموه من مذهب فقهي إليه، فرغم ما ثبت عنه من كراهية وضع الكتب، إلا أنهم ادّعوا أنه عنى بذلك كتب الفقه فقط، ونسبوا إليه كتبًا، بعضها غير موجود، كنسبتهم إليه كتابًا في "التفسير"، ادّعوا أنه مئة وعشرون ألفًا! يقول الذهبي عن هذا الكتاب في ترجمة الإمام في "سير أعلام النبلاء" (ج11، ص328) "فتفسيره المذكور شيء لا وجود له، ولو وُجِد لاجتهد الفضلاء في تحصيله، ولاشتُهِر، ثم لو ألّف تفسيرًا، لما كان يكون أزيد من عشرة آلاف أثر، ولاقتضى أن يكون في خمس مجلدات. فهذا تفسير ابن جرير الذي جمع فيه فأوعى، لا يبلغ عشرين ألفًا. وما ذكر تفسير أحمد أحد سوى أبي الحسن بن المنادي. فقال في "تاريخه": لم يكن أحد أروى في الدنيا عن أبيه من عبد الله بن أحمد، لأنه سمع منه "المسند" وهو ثلاثون ألفًا، و"التفسير" وهو مئة وعشرون ألفًا، سمع ثلثيه، والباقي وِجادة""أهـ. والوِجادة أن يجد الشخص أحاديث بخط راويها، فأين هذه الوِجادة أم أين ما سمعه عبد الله من تفسير؟ وهل الإمام أحمد بحاجة إلى من ينسب إليه مؤلفات؟، وهل وصفه بأنه مُحدِّث كما وصفه الطبري أو الخطيب فيه انتقاص؟!

وكنا حتى قريب نظن أن الفقه لا يعنينا كثيرًا في مبحثنا عن التطرف، لأن العقيدة ترتبط بالتطرف ‏أكثر بكثير مما يرتبط الفقه، وتأثير الفقه لا يعدو بعض الأحكام المتطرفة كتحريمهم الاحتفال ‏بمولد النبي وتحريم التوسل، وإجبارهم النساء على تغطية وجوههن، وإجبار التجار على غلق ‏محالهم وقت الصلاة، وغيرها، وكذا أحكام تجاه غير المسلمين التي يُنسب أغلبها لابن تيمية وليس ‏للإمام أحمد كقتل الأسرى، وبعضها يُنسب لغير ابن تيمية، فيما يخص الكنائس والتعامل مع أهل ‏الذمة. وإنما كفّر الحنابلة المسلمين بسبب اعتقادهم في الصفات، ولو تملكوا لقتلوا المخالفين، أما ‏خلافاتهم الفقهية معهم فبدّعوهم وضيّقوا عليهم بها.‏ لكننا اكتشفنا في السنوات الأخيرة أن التبديع أيضًا يمكن أن يكون سببًا في القتل، وما حادث مذبحة مسجد الصوفية بالعريش منا ببعيد.

 

د. منى زيتون

 

الظاهرة الدينيّة اقدم ظاهرة عرفها الانسان، لانها تعبير عن حاجة اصيلة في اعماق الانسان؛ فهناك حاجة اصيلة في اعماق الكائن الانساني بوجود اعلى، اطلق عليها الشهيد الصدر (رضوان الله عليه)، الحاجة الى الارتباط بالمطلق، وهي حاجة فطرية اصيلة كما جاء في قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الروم: الاية: 30، وعبّر عنها العقاد بالجوع الى الاعتقاد كجوع المعدةالى الطعام، يقول العقاد: (في الطبع الانساني جوع الى الاعتقاد كجوع المعدة الى الطعام) "عباس محمود العقاد، الله، ص 14 "، وسمّاها عبدالجبار الرفاعي بالظمأ الانطولوجي .

ونشاة الظاهرة الدينية - كما قلنا - قديمة قدم الانسان، هذه الظاهرة واكبتها تساؤلات الانسان عن المبدا والمصير، وفلسفة وجود الانسان على هذا الكوكب. هذه التساؤلات شكلت بذور ماعرف اليوم بفلسفة الدين. فهذا الفرع من المعرفة الانسانيّة ليس حديثا وانما وجد مواكبا لوجود الدين محاولا ايجاد تسويغات للتدين، واثارة اسئلة حول متبنيات الدين ومقولاته، والاجابة عن الاسئلة المصيرية الكبرى التي واجهت الانسان. وفلسفة الدين ليست هي اللاهوت في المصطلح الكنسي، ولاهي علم الكلام عند متكلمي المسلمين؛ لان علم اللاهوت اوعلم الكلام، وجد ليدافع عن العقائد الدينية، وايجاد تبريرات ومسوغات للايمان بها . بينما فلسفة الدين تثير الاسئلة حول الدين وعقائدة، وتفحص كافة مقولاته .

واثارات ابراهيم حول عبادة قومه للكواكب تدخل في فلسفة الدين؛ لانها من قبيل الاسئلة حول جدوائية هذه العبادة ومبرراتها . يقول الله تعالى حاكيا عن خليله:

(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) الانعام: الاية: 76، وكذلك في قول ابراهيم لعبدة الاصنام بعد تحطيمها، حطمها كبير الاصنام:

(قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) الانبياء: الايات: 62-63، هذه الاسئلة تقرر عدم جدوائية عبادة اصنام لاتدافع عن نفسها ولاتنطق، ولاتدفع عن نفسها ضرا، ولاتجلب اليها نفعا؛ فهي تدخل في فلسفة الدين .

هناك من يخلط بين الدين والتدين، فالدين واحد، ولكن التدينات مختلفة؛ لان التدينات ناشئة من فهم الناس للدين وممارستهم له، وكذلك الاسلام واحد؛ ولكن التاسلمات متعددة، وهذا مصطلح استخدمه واعني به فهم الناس للاسلام وممارستهم له، يقول الله تعالى:

(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ال عمران: الاية: 19 .

وهذا الفهم تفطن اليه الفيلسوف الالماني كانط، حيث يقول:

(ليس ثمة سوى دين حقيقي واحد، ولكن من الممكن ان تكون هناك اشكال متعددة من العقائد الدينيّة . وتبعا لذلك فقد يكون الادنى الى الصواب ان نقول عن فرد من الناس انه ينتمي الى العقيدة اليهودية او المسيحيّة اوالاسلاميّة بدلا من ان نقول انه ينتمي الى هذا الدين او ذاك) . نقلا عن كتاب (مدخل الى فلسفة الدين، د . مصطفى النشّار، ص 19) .

نظريات تفسير الدين

هناك نظريات عديدة قدمت تفسيرات مختلفة لنشأة الظاهرة الدينيّة، فعالم الاجتماع دوركايم فسر نشوء الدين بالبعد الاجتماعي، وكارل ماركس فسّر ظهور الدين على اساس العامل الاقتصادي، وماكس فايبر عكس القضيّة واعتبر الدين اصلا في ظهور الاقتصاد؛ فهو يرى ان البروتستانتيّة كانت عاملا رئيسيا في ظهور الراسماليّة .

وول ديورانت ذكر بواعث عديدة لنشأة التدين لخّصّها في خمسة وهي: (الخوف والدهشة والاحلام والنفس والروحانيّة) قصة الحضارة، المجلد الاول، ص 99-102) .

واذا كان الدين اصيلا، ويمتلك اسسا فطرية؛ فلايمكن ان يكون مرحلة في حياة البشرية، بل هو جاجة لاتستغني عنها الانسانية في كل مراحل وجودها؛ وعلى هذا الاساس لايمكن قبول قول هيغل بان: (الروح المطلق مؤلف من ثلاث مراحل، هي: مرحلة الفن، ومرحلة الدين، ومرحلة الفلسفة) ابراهيم، زكريا، هيغل والمثاليّة المطلقة، ص 408 . وكذلك لايمكن قبول تقسيمات اوغست كونت للمراحل التي مرّت بها البشريّة، الخرافة، الدين، العلم)، وكذلك لايمكن قبول التفسير الماركسي بان الاديان كلها مثّلت مرحلة من مراحل تطور الفكر الانساني؛ فالدين حاجة اصيلة، لامرحلة يمكن ان تتجاوزها الانسانيّة وتعبرها .

افكار غير مقبولة

يرى نيتشه، ان الخوف كان عاملا مهما في نشاة الطاهرة الدينيّة فيقول: (ان الدين يولد من الخوف، ومن الحاجة، وقد انسل الى داخل الوجود من خلال سبل العقل التائه) نيتشه: انساني مفرط في انسانيته، ص 75 .

القران الكريم طرح فكرة الخوف:

(وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) . (يونس: الاية:12)

وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) يونس: الاية: 22

وقوله تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) . العنكبوت: الاية: 65

ولكنّ الخوف الذي اشارت اليه هذه الايات الكريمات، ليس هو سببا للايمان والتدين كما يرى نيتشه، ولكن الايات تتحدث عن نزعة دينيّة موجودة في اعماق الانسان، ويأتي الخوف ليرسخها، لاليوجدها .

والفكرة الاخرى غير المقبولة التي يطرحها نيتشه، هو اعتباره التوحيد وفكرة الاله الواحد، خطرا على الانسانيّة . (نيتشه: ماوراء الخير والشر، ص 88)، ويعتبر نيتشه الشرك وتعدد الالهة، صورة لحرية التفكير، وتعدديّة افكار الانسان . (نيتشه: العالم الجذل، ص 126) . ويصف نيتشه المسيحيّة بانها: اللطخة الابديّة فوق البشريّة . (نيتشه: عدو المسيح، ص 186) .

ونيتشه يرى ان تاليه الله هو: (تأليه للعدم، وتقديس لارادة العدم) نيتشه: عدو المسيح، ص 50 . وفكرة (موت الاله) عند نيتشه، هي فكرة احلاليّة لاحلال الانسان محل الله؛ لان نيتشه بعد ان قال: (ان الاله قد مات) نيتشه: هكذا تكلم زرادشت، ص 30، قال ايضا: (الا يجدر بنا ان نصير نحن انفسنا الهة) نيتشه: العلم الجذل، ص 118 .

واذ انتقلنا الى عالم النفس فرويد، صاحب مدرسة التحليل النفسي، في تفسيره لنشوء الظاهرة الدينيّة، هو يعتبرها ظاهرة عصابيّة مرضيّة . (موسى والتوحيد، ترجمة جورج طرابيشي، ص 78-79، وتارة خرى يعتبرها نتاج عقدة ادويب جماعيّة.

وهذا التفسير المرضي العصابي للدين ليس ابتكارا فرويديا، بل هي مقولة كل الامم المشركة في مواجهة انبيائها، يقول الله تعالى:

(إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ۗ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ). هود: الاية: 54، وقد اتهم قوم نوح نوحا عليه السلام بالجنون، يقول الله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) القمر: الاية: 9

واتهم فرعون موسى (ع) بالجنون: (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) الشعراء: الاية: 27، واتهم المشركون رسولالله (ص) بالجنون، يقول الله تعالى:(وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) الحجر: الاية: 6، وقوله تعالى: (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ) الصافات: الاية: 36

وقوله تعالى: (وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) القلم: الاية: 51، وقد ردّ الله التهمة هن نبيه بقوله تعالى: (وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ) التكوير: الاية: 22، وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ) الاعراف: الاية: 184 .

وفي الختام، اذكر القاريء العزيز، ان ليس كل فكرة تطرح هي جديرة بالقبول، بل يجب التفتيش عن جذور الفكرة في البنيّة النفسية لصاحبها، وللاسف ان اكثر الدراسات للافكار هي دراسات بمقاربات اجتماعيّة واقتصادية وثقافية، وانا لااقلل من اهمية هذه المقاربات، ولكنني ارى ان المقاربة السيكولوجيّة تشكل البنيّة التحتيّة للافكار.

 

زعيم الخيرالله

 

 

ميثم الجنابيلقد توج الغزالي بإبداعه صرح المنظومة الفكرية الجديدة، مرحلة كبرى في تطور ثقافة الخلافة، حيث تضمّن في أساسه نفي تقاليد واستمرارية علومها النظرية والعملية الأساسية. مما فسح المجال لاحقا أمام تطور منظومات الفكر الإسلامي بصيغ غاية في التباين. بحيث صيّره التاريخ مستودعا عميق المحتوى وممداً لرجالات الفكر ومحترفيه من متكلمين وفقهاء وصوفية وفلاسفة. لهذا كان بإمكان السهروردي المقتول وابن رشد وابن عربي وغيرهم ان يستمدوا منه دون أن ينضب.

ولم يكن بإمكان هذا التآلف الفكري أن يستكمل عناصره ويفرز تأثيراته خارج اطار الاتجاهات العامة للثقافة القائمة آنذاك. والمهمة الآن لا تقوم في الكشف عما إذا كانت عملية التآلف الفكري التي انجزها في بوتقة الصوفيه وتقاليدها هي حصيلة الرغبة الذاتية الخالصة، أو الاضطرار الذي لا مفرّ منه، أو النتاج المنطقي للبحث عن حقائق الأشياء، أي كل ما نعثر عليه فيما يرويه لنا في بحثه عن منقذه من ضلال الخطأ والخطيئة. وهو استنتاج لا يمكن نفيه، على الأقل في الصيغة "التقليدية" لتوليف الوعي الصوفي وقدرته على إحالة التصورات الظاهرة إلى منشئها الأول من اجل إعادة اكتشافها من جديد في ضوء الموقف الأخلاقي. بمعنى النظر إليها من زاوية نفي التقاليد العادية وإعادة لحمها في تسوية الإرادة ووجد الانتظار.

فالمادة "الوثائقية" المبثوثة في مؤلفاته تكشف وتشير إلى بوادر أولية في وعي البحث عن الحقيقة وحقائق الأشياء كما هي، أو محاولة إبداع البديل الفكري الإيجابي، حالما اصطدم به في ميدان الصراع الفكري الجدلي لا الفقهي النظري العملي. آنذاك نكتشف للمرة الأولى التخطيط المسبق لعناصر الوعي اللاحق. ولعل مثال (تهافت الفلاسفة) الصيغة الأكثر جدية ووضوحاً في الكشف عن هذه الظاهرة العفوية الضرورية، أي التعبير المجرد عن استمرارية الفكر وضرورة البديل الفكري. ففي انتقاده لاتجاهات الفلسفة القائمة آنذاك، كان يدرك افتقاد منهجه للايجابية الحقة. وبهذا المعنى قد اكتشف لنفسه الخواء الجزئي للتقاليد الكلامية الاشعرية التي تربى بها. فالجدل العنيف في  أغلب الحالات، لا يقنع المفكر بضرورة البديل الفكري الشامل. انه يظهر بمظهر وآلية القوة العسكرية، التي تفقد فيها كلمة البناء معناها الحقيقي، لتتحول إلى وسيلة التدمير الأقوى للمعارضة. وعلى الرغم من سمو الفكر ونبله، إلا انه ليس أقل جرأة وتخريبا، خصوصاً عندما يتخذ صيغة "مقابلة الإشكالات بالإشكالات" دون حلها. وهو الأسلوب الذي اتبعه في صراعه ضد الفلسفة وجزئياً ضد الاتجاهات الباطنية. وقد وجد منذ البداية ضيق ومحدودية هذا "المنهج" والممارسة الفكرية، التي سيدعوها لاحقاً "بعلم الدفاع عن عقيدة العوام" لا البحث عن الحقائق كما هي. مما جعله منذ البداية يخطط  "لقواعد العقائد"، أي للرد الإيجابي الذي يتضمن الفكرة الشاملة والقادرة على الاقناع من حيث الشكل والمضمون. وبغض النظر عن التسمية اللاحقة التي سيعطيها  "لقواعد العقائد" والتي تتطابق مع (إحياء علوم الدين) لا (الرسالة القدسية)، فإن ما هو جوهري بالنسبة لنا الآن هنا هو بروز الاستمرارية الواعية لضرورة البديل الفكري، دون ان يعني ذلك تحدد ملامحه منذ الوهلة الأولى في وعي الغزالي. فالتطور اللاحق فقط، في فكره وشخصيته، الذي حللناه سابقاً، إضافة إلى أزمته هما اللذان سيؤديان به إلى الاصطدام بعالم الصوفية، وفيما بعد النظر اليها بوصفها ممثلة الحق والحقيقة. والتجربة الغزالية، أو استمرارية الفكر الغزالي في استيعاب التجربة الصوفية، لم تكن إلا حصيلة تشذيب وتطوير آرائه السابقة في ميدان البحث عن "البديل الإيجابي"، أو ما سيدعوه هو "باليقين العلمي والعملي"، أي وحدة الحقيقة والأخلاق. فهي الوحدة، التي حاول البحث عنها في قضايا اللاهوت والفلسفة والتصوف والوجود الاجتماعي السياسي والحقوقي، أي في قضايا العقل والشرع، والإيمان والمعرفة، والإسلام والإيمان، والحقيقة والشريعة، والتأويل والتفسير، والوحي والإلهام، والنبوة والولاية، والصبر والشكر، والفقر والزهد، والتوحيد والتوكل، والمحبة والشوق، والأنس والرضا، والنية والإخلاص، والظاهر والباطن، والدين والدنيا، والله والإنسان، والخير والشر، والحياة والموت، والجميل والقبيح، والعوام والخواص وغيرها.

وقد ضمّن وأدخل في كافة القضايا الفكرية الكبرى لثقافة العصر آنذاك، حصيلة المعرفة المتباينة للاتجاهات اللاهوتية والفلسفية التي وضعها في صيغ الصوفية ومفاهيمها الأخلاقية والنظرية العملية. وسوف نرى في وقت لاحق تلك الاستمرارية الفعلية في آرائه المتحورة والمتغيرة والمنفية، التي كانت تبحث عن وحدة حقيقية فيما أدعوه بالتآلف الفكري الصوفي. وهذا بدوره ليس  إلا حصيلة تجربته النظرية والأخلاقية التي أدت به إلى إدراك "البصيرة الحولاء" في الفكر القائم آنذاك و"الأخلاق العرجاء" في الممارسة. مما دفعه إلى صياغة فكرة ضرورة اليقين والأخلاق المطلقة. وبهذا المعنى ليس التآلف الصوفي سوى طريق بلوغ وحدة الحقيقة والأخلاق المطلقتين. والتعرج المميز لحياة الغزالي الذهنية والفكرية، الذي أثار وما يزال جدلا وافتراضات عديدة، ما هو في الواقع سوى طريق البحث عن وحدة الحقيقة والأخلاق.

غير أن الغزالي لم يدرك ضرورة هذه الوحدة بين ليلة وضحاها. لقد انتجها تطوره الدائم. ففي أولى مراحل اقترابه الفكري من الصوفية، كما نراه في (ميزان العمل)، اشار إلى أن ما يورده من آراء (بصدد الفقهيات) ليس "الا حكاية عن هذا المذهب الذي مدار أكثر هذا الكتاب على وضعه، وهو مذهب التصوف"[1]، والذي دفعه إليه البحث عن وحدة معيار للعلم والعمل. ولم يسلك هو هنا إلا الصيغة النظرية الظاهرية، التي أخذت تدخل وتتضمن في أعماقها أفكار الصوفية، أو المزج الفكري النظري الاخلاقي للفلسفة بمختلف اتجاهاتها مقالات اللاهوت العقلاني وممارسة التصوف. فهو يؤكد على أن تصورات أهل الدين والفلاسفة والمتصوفة صحيحة في مواقفها العامة من قضية وحدة العلم والعمل باعتباره طريق بلوغ السعادة[2].

وعندما يضرب مثال كيفية بلوغ الحقيقة (العلم) في طريق (عمل) الصوفية واختلافها عن الاتجاهات الأخرى، أى اختلاف الطريقة الباطنية عن الظاهرية، أو ما يدعوه "بتحصيل عين النقش وأسلوب الاستعداد لقبول النقش من خارج"[3]، فإنه رغم قناعته آنذاك بأفضلية الأسلوب الثاني اعتبر الحكم بأفضلية أو أولوية أي منهما، أو الحكم بالنفي أو الاثبات في هذا على الاطلاق هو خطأ انطلاقاً من انه "يختلف بالإضافة إلى الاشخاص والأحوال"[4]. وقد ظل يؤكد على هذه الأفكار حتى في آخر مراحل تطوره الفكري، رغم تعرض بعض جوانبها إلى تغيرات ملموسة. إلا أنها ظلت تحوي في اعماقها استمرار أشكال وصيغ أساليب المعرفة المتباينة، التي ظلت تشكل في منظومته الفكرية مجموعة اللبنات الضرورية التي صاغها تطور ثقافة الخلافة وتعدد اتجاهاتها ومدارسها.

إن الصيغة الأكثر وضوحاً لإدراك ووعي استمرارية الفكر في التآلف الجديد تبرز في ظاهرة الإحالات الدائمة لمؤلفاته القديمة بما فيها تلك التي كتبها في أوائل مراحل تطوره وإبداعه. ويعكس ذلك إمكانية رؤية استمرارية الحجج والبراهين الجدلية ولحد ما أسلوب تفكير الماضي. إذ انه عادة ما يحيل إلى مؤلفاته للاستعاضة عن الاستفاضة بصدد هذه القضية أو تلك. كما نعثر في هذا النمط على مواقفه بصدد ما دعاه "بجانب الدفاع عن عقيدة العوام". فهو يشير إلى هذه المؤلفات باعتبارها كتابات ضرورية في مجال الدفاع عن عقيدة العوام، ولكنها غير ضرورية في مجال البحث عن الحقائق كما هي. غير ان في هذين الجانبين المتعارضين نسبيا، تتعايش وحدة الوعي الغزالي في استمرارية تطوره وارتباطه "بإرثه" السابق. وهذا ما يبرز بوضوح في كل من (جواهر القرآن) و(المنقذ من الضلال). إذ أدرج في (جواهر القرآن) أغلب مؤلفاته الكلامية والفلسفية والفقهية مثل (الرسالة القدسية)، و(الاقتصاد في الاعتقاد)، و(تهافت الفلاسفة)، و(المستظهري أو فائح الباطنية)، و(محك النظر)، و(معيار العلم)، و(البسيط)، و(الوسيط)، و(الوجيز) في الفقه وغيرها في اطار ما دعاه "بالطبقة السفلى من علوم اللباب"[5]. وإذا كان قد وجد في "الطبقة السفلى" من مؤلفاته الكلامية مثل (الرسالة القدسية في قواعد العقائد) ما مهمته "رد الضلالات والبدع وإزالة الشبهات"[6]. فإن مهمة الطبقة الأرفع منها (كالاقتصاد في الاعتقاد) تقوم في "حراسة عقيدة العوام من تشويش المبتدعة، ولا يكون هذا العلم ملياً بكشف الحقائق"[7]. بينما علّق على "انهماكه الفقهي" السالف بعبارة "وقد ضيعنا شطراً صالحاً من العمر في تصنيف الخلاف فيه"[8]. في حين وضع (إحياء علوم الدين) في صنف "الطبقة العليا من علوم اللباب"، وليس بعده اإلا "التصانيف التي لم يظهرها" وذلك لأن "أكثر الافهام يكّل عنه ويستضر به الضعفاء وهم أكثر المترسمين بالعلم"[9]، إي ما سيحصل لاحقاً على تسمية الكتب "المضنون بها". وسوف يردد فكرته التقيمية هذه في مواضيع عديدة بما في ذلك في (المنقذ من الضلال). إلا انه يتناولها هنا على أساس إعادة تقيم التجربة الفكرية لتطوره، التي تتطابق في الواقع مع ما دعاه في (جواهر القرآن) "بدرجات العلوم الدينية وقربها من الحقيقة"[10]. وحتى في تلك اللحظات التي يردد فيها ما سبق وإن أورده في مواقفه ومنهجيته النقدية الأيديولوجية من الفلاسفة في (تهافت الفلاسفة) من إن "الجهل أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء"، فإن هذه الانتقادات اخذت تنصّب في انتقاد  النفس وترتفع إلى مصاف "اتهام النفس". وهو ما أشار له في (جواهر القرآن) بعبارة "إن كثيراً من مدعي العلم والمعرفة"أاو ما اسماه بالمتكاتبين الذين "لم يدركوا الموازنة بين عالم الشهادة وعالم الملكوت. فلما لم يدركوا ذلك وتناقضت عندهم ظواهر الاسئلة ضلوا وأضلوا. فلا هم أدركوا شيئاً من عالم الأرواح بالذوق إدراك الخواص، ولا هم آمنوا بالغيب إيمان العوام فأهلكتهم كياستهم، والجهل أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء وكياسة ناقصة ولسنا نستبعد ذلك. فقد تعثرنا في اذيال هذه الضلالات مدة لشؤم أقران السوء حتى أبعدنا الله عن هفواتها ووقانا من ورطتها"[11].  غير أن ما يقوله هنا لا يخص على العموم إلا الجانب العملي الأخلاقي. وبالتالي انعكاساته الممكنه على أساليب البحث والمعرفة وطبيعة القناعة. وما يشير إليه بتعثره وضلالاته السابقة يمكن إدراجها في اطار موقفه النقدي من تجربته الفكرية والعملية السابقة، الذي يشكل بحد ذاته النموذج الأرقى لاستمرار الفكر. إنها تقاليد الاستمرار النقدي الباحثة عن طمأنينتها القلقة التي ماثلها في إحدى عباراته الرمزية القائلة، بأن "احتراق الاشرار يثير رائحة الفردوس"، بينما العارفون:المطلق. لكنه لم يسع من وراء ذلك وضع الفرد بالضد من المجتمع ولا وضع أحدهما فوق الآخر، ولا مساواتهما بقدر ما انه أراد الكشف والتعبير عن انه دون مثال شخصي متسام وصارم على الدوام لا وجود لمثال اجتماعي وبديل فعلي أمثل. ولم تكن هذه القضية بالنسبة له قضية فردية او  شخصية بقدر ما أنها كانت قضية اجتماعية تاريخية. وفي هذه العملية الواعية من تمازج الفردية والتاريخية نشأ تآلفه الصوفي، باعتباره أحد نتائج وإحدى الإكانات النموذجية، وأحد الافتراضات الواقعية للعملية التاريخية الهائلة من تطور أساليب الوعي والممارسة المحتّدة في سعيها لبلوغ الأمثل والأعلى والأفضل والأجمل في كل ما هو موجود وما ينبغي.

فقد وضعت الصوفية في مجرى تطورها وصاغت بأساليب معراجها الخاصة هيكلية نموذجية صارمة، كان بإمكانها قبول الأراء الغزالية. وبهذا المعنى تكف التقييمات الظاهرية السطحية كالتلفيقية والانتقائية وما شابه ذلك عن أن تمتلك قيمة دقيقة وعلمية تجاهها. وينطبق هذا  أيضا على ما يسمى بسعيه للربط فيما بين السنةّ والتصوف. انه سعى إلى تأسيس تآلف فكري شامل. وإثناء هذه العملية ظهرت بالضرورة أمامه وحدة النتاج الفكري للثقافة الإسلامية في تاريخيتها ومهمة إعادة صهرها من جديد. وقد اتخذ التآلف في الكثير من آرائه مظهر الصياغات السنّية. وبغض النظر عن عضوية هذه المظهرية في منظومته الفكرية فإنها مع ذلك كانت الأسلوب الأكثر "طبيعية" للآراء الجديدة. وبهذا المعنى فإنه يكون قد تتبع أسلوب المتصوفة، الذي بلور شيوخه الكبار تقاليده الأولية. إلا انه طوره بفعل أسلوبه العقلاني ليشمل جميع القضايا الكبرى للوجود الاجتماعي التاريخي. إلا أن الغزالي يبقى مع ذلك خارج إطار ما يمكن دعوته بالصوفية التقليدية. بمعنى أنه اقترب أكثر فأكثر مقارنة "بالصوفية الخالصة". وبهذا يكون قد تعدى وتجاوز "استقلالية" و"انعزالية" الصوفية من احتياجات الناس ووجودهم الاجتما عي التاريخي. فهو يضع المثال الصوفي كهدف للمتصوفة ومريديها، وفي الوقت نفسه يستخلص من مثالهم القيم الأخلاقية وأهميتها الملموسة بالنسبة للأمة. فهو يدرك استحالة تقبلّها من قبل الجميع. وهو هنا يكون قد عمّق مبدأ وممارسة الخاص والعوام. وفي هذا تنعكس إحدى الخصائص المميزة لصوفيته. فهو يرفض، على سبيل المثال، الدعوة للعزلة الشاملة التي قال بها الكثير من الزهاد والمتصوفة. ودحض الأسس الفكرية للبرهنة على إمكانية هذا النوع من العزلة، متوصلا إلى استحالتها العملية ولا جدواها الفكري والأخلاقي. لهذا السبب وقف بالضد من محاولة الاستناد إلى القرآن والسنةّ في اظهار افضلية العزلة المطلقة، تماما كما وقف بالضد من التهور المقابل. انه حاول ان يعطي للتصوف الطابع العملي الواقعي وإمكانية التأثير والفعالية في وسط الخاصة والعامة (النخبة والجمهور). وقد حدد ذلك طبيعة الكثير من المبادئ الجديدة التي ادخلها في صرح التصوف النظري والعملي. مما أعطى للكثير من  آرائه مظهر التعارض مع ما يمكن دعوته بالتعميم الصوفي الفردي، أي معارضة رفع معطيات التجربة الفردية إلى مصاف المطلق، أو ما يمكن دعوته بالمبدأ غير الملزم.

فالفكر الصوفي لا يعترف بحقيقة مطلقة ثابتة، باستثناء الحق. واليقين في اعلى درجاته (حق اليقين) أو ما كان "بنعت العيان" كما دعاه القشيري[12]، أو ما بلغ بالذوق والمشاهدة في الشريعة (الحقيقة) كما دعاه الجرجاني[13]، ما هو في الواقع سوى الحركة المستمرة للحقيقة الذاتية المطلقة والنسبية الملموسة. فالحصيلة المعرفية تبدو كما لو أنها تجمع هائل للحقائق لا ترتبط فيما بينها إلا بإخلاص التجربة الفردية في سعيها نحو السمو الصوفي. وقد ادرك الغزالي هذا الطابع المميز للأحكام الصوفية، على الأقل في ميدان الأخلاق. فقيمة الأخلاق الجوهرية تتخذ صوراً غاية في التباين ترتبط فيما بينها بمراحل تطور الصوفي لا بنظرية الحقيقة المجردة. فقد حدد الواسطي (ت-320 للهجرة) الأخلاق في أن "لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله"، بينما حددها القشيري بكلمات "أدناه الاحتمال وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار له" أو "لا يتهم الحق في الرزق ويثق به ويسكن إلى الوفاء بما ضمن فيطيعه ولا يعصيه في جميع الأمور فيما بينه وفيما بينه وبين الناس". في حين عبّر الحسين بن منصور الحلاج  عنها بعبارة "أن لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك للحق". أما ابو سعيد الخراز (ت -277 للهجرة) فصاغها بكلمات "أن لا يكون لك همّ غير الله". في حين تعبّر كلمات "أن يكون من الناس قريبا وفيما بينهم غريباً"  ن مثال آخر للفكرة. وجميع هذه الأفكار والأحكام التجريبية المنزع والذاتية المصدر تتفاعل مع ما دعاه الغزالي "بثمرات حسن الخلق"، أي إنها تعبّر عن الفكرة المجردة وتحولها في الوقت نفسه إلى مثال. فالتصوف الغزالي يبحث إذن عن مثال مطلق في كل ميدان يبحثه، ولكن ليس عن مطلق التجربة الفردية، بل عن مطلق الفكرة المجردة. آنذاك ستنفتح أمام الفكر والممارسة طريق اللانهاية الحقيقية.

لقد بحث عن صيغة موّحدة للتصوف على أساس نفي التطرف الفردي فيه ومن خلال صياغة الفكرة المجردة بهيئة منظومة. إنه بحث عن تعميمات الفكر الصوفي تجاه قضاياه ومعضلاته من جهة، وتجاه تطبيقها على معضلات وقضايا الوجود الاجتماعي والروحي من جهة أخرى. وبهذا المعنى، فهو لم ينساق في تقاليد الصوفية السابقة في أسلوبها الخاص الفردي الذاتي، بل سار في اتجاه البحث عن أسلوب وحدة الصوفية في البديل الفكري الشامل. وهذا ما يظهر بوضوح في تلك الانتقادات الدائمة، التي وجهها إلى محدودية التعبيرات الصوفية. فقد أشار إلى أن "كلام المتصوفة أبدا يكون قاصراً. فإن عادة كل واحد منهم أن يخبرنا عن حال نفسه فقط ولا يهمه حال غيره. فتختلف الأجوبة لاختلاف الأحوال. وهذا نقصان بالإضافة إلى الهمة والإرادة والجد حيث يكون صاحبه مقصور النظر على حال نفسه لا يهمه حال غيره، إذ طريقه إلى الله نفسه ومنازله وأحواله. وقد يكون طريق العبد إلى الله العلم. فالطرق إلى الله كثيرة وإن كانت مختلفة في القرب والبعد"[14]. لهذا حاول جمع هذه الطرق على أسس فكرية موحدة باستلهام تراث الصوفية وعقلانية الفكر الكلامي الفلسفي وثقافة العصر الروحية.إاذ سعى على الدوام لإبراز أهمية وجوهرية الفكرة كما هي، خارج اطار الممارسة التقليدية "لوسطها الطبيعي" أيا كانت هذه الممارسة. فالتوكل الصوفي، على سبيل المثال، ينبغي أن يرتبط بنظره لا بالموقف من تقليدية الممارسة وبالأخص من أسلوب نصائح السلوك تجاه الادخار أو عدم الادخار والمدة الزمنية وما شابه ذلك، بقدر ما  ينبغي أن ترتبط بالموقف من الأسباب ومسبب الأسباب. فالزمن ليس إلا غير المتناهي في المتناهي. وفي ما بينهما كما يقول الغزالي، درجات غير متناهية. من هنا فالمقصود ليس إلا إصلاح القلب لا الممارسة التقليدية (الزمنية) بحد ذاتها.

لقد استند  الغزالي بهذا المعنى إلى تراث الصوفية مدخلا إياه في عمق منظومته الفكرية. لكنه ظل على الدوام  منهمكا في البحث عن الصيغة الأكثر شمولية لكافة عناصرها الجوهرية في الفكر والممارسة. الأمر الذي جعلها نوعا من العقلنة الرمزية الصوفية، التي تؤدي بالضرورة إلى نوع جديد من التحديث والتطبيق لمبادئها. فالصيغة التعميمية الجديدة، على سبيل المثال، لمفهوم الشكر الصوفيكانت تهدف الى الكشف عن محدوديتها في الممارسة الفردية. وسعى إلى تحقيق ذلك عبر صياغة خاصة لوحدة العلم والحال والعمل، بنظريته إلى حقيقة الشكر باعتباره وحدة التقديس والتوحيد. وهذه بدورها ليست إلا الصياغة الجديدة لفكرة القشيري القائلة بأن الشكر هو "الاعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة". وبغض النظر عن التمايز اللاحق بين  آراءهما، فإن  أفكار الغزالي ظلت يشكل الاستمرار الفعلي للتراث الصوفي استناداً إلى تجربته الفكرية (النظرية) والعملية (الأخلاقية). وبهذا المعنى لا تمتلك اساسا متيناً الفكرة الشائعة الانتشار حول ما يسمى بربطه للسنة بالتصوف بالطريقة التي تجعل من التصوف مقبولا للعالم السني والسنة مقبولة للتصوف[15]، أي محاولة وضع حد لحروب المائتي سنة (من مصرع الحلاج حتى نهاية القرن الخامس الهجري). فهي فكرة ليس لها أساساً لها في مفاهيم الغزالي ولا في موقع وتاريخية منظومته الفكرية ولا في تطورها اللاحق. وليست المأثرة المنسوبة له حول ما يسمى بربطه التصوف بالسنّة، سوى من اختراعات "الوعي التوفيقي" اللاحقة والحديثة. وهي محاولات تصنع إشكالات عدية اكثر من إمكانية حلها "بالصيغة المثلى" حتى  من جانب اشد الممثلين "سنيّة" للتصوف الإسلامي. والسبب يقوم في طبيعة المعضلات الخاصة المميزة لتقاليد الوعي والممارسة الصوفية، التي تجعل من مطابقتها مع نموذج ما معين من "الوعي السنّي" قضية يصعب استساغتها. بل وحتى فيما لو حاولنا ان نطبق ذلك على شخصيتين بارزتين في هذا الاطار وهما عبد القادر الجيلاني (ت-561 للهجرة) وشهاب الدين السهروردي (ت-632 للهجرة) فإننا سوف نقف أمام تباين واختلاف كبير بين آراء الجيلاني في (كتاب الغنية) و(الطوالع)، وكذلك بينها وبين (عوارف المعارف) للسهروردي. ففي كل منهما يوجد ما يمكنه ان يكون معارضا مع ما هو معترف به في هذا الميدان او ذاك من ميادين "الوعي السني". لاسيما وأن ما يسمى "بالوعي السني" لا يخضع لتحديد "حديدي". كما أنه غاية في التشعب والاختلاف والتباين. وفيما لو تركنا هذه القضية جانباً وتناولنا في الاطار العام، طابع العلاقة التاريخي بين التصوف والمدارس السنيّة، فإنها لم تكن على الدوام ذات نسق أو طبيعة واحدة. فالمدارس "السنيّة" متباينة ومختلفة ومتعارضة ومتضادة في مواقفها من العداء السافر في المظاهر حتى الاشمئزاز الخفي، ومن التساهل والتسامح حتى التعاون والتأييد القوي للتصوف وشيوخها. وفي الوقت نفسه تعرضت هذه المواقف إلى تغير وتبدل ارتبطا  بكل من المواقف الفكرية العقائدية والصراعات السياسية للقوى الاجتماعية. فالحسن البصري الذي لا علاقة جوهرية له بالتصوف نراه يتحول إلى رمز وعنصر جوهري في الوعي والممارسة الصوفية اللاحقة. واحمد بن حنبل الذي قاطع المحاسبي وواجهه بالعداء النسبي لم يعق لاحقاً من ان يتحول المحاسبي نفسه إلى أحد ممثلي الورع الإسلامي وأحد ممثلي "التصوف السنّي" عند الحنابلة انفسهم كما هو الحال عند الجيلاني وأتباعه. بل أن المحاسبي نفسه الذي لا نعثر عنده على ذكر كبير للمتصوفة نراه يتحول الى الكتب الصوفية اللاحقة الى شيخ القلوب والأحوال. أما في الواقع،فإن الجدل المرهف والحساس بين الاتجاهات السنية والمدارس الصوفية بدأ مع "محنة الحلاج" التي أدت بدورها الى بلورة نموذج جديد في  تطور الوعي الصوفي وممارساته. وقد استفّز هذا الصراع عالم الصوفية دون أن يغيّره جوهرياً. فالمتصوفة ظلت على الدوام تعي موقعها ومواقفها  باعتبارها ممثلة الحقيقة والشريعة، التي لم تشمّ منها المدارس والاتجاهات السنيّة  بشكل عام والمتشددة منها بشكل خاص، سوى روائح الكفر والزندقة. غير أن الصوفية كانت بحاجة إلى شيوخ كبار من اجل وقف "سوء الفهم السنيّ" الذي سيتصدى له "شيخ الطائفة" الجنيد في بداية الأمر، من خلال شق الطريق في وعي وتقاليد المدارس الصوفية التي تبلورت حتى زمن الغزالي. فالصوفية لم تبحث عما سيدعى فيما بعد بوحدة السنّة والتصوف، بقدر ما انها عمقّت وحدة مفاهيم الحقيقة والشريعة وأمثالها  في بداية الأمر كما نعثر عليها عند كل من ابي طالب المكي والقشيري، باعتبارهما أحد المصادر الصوفية المهمة في فكر الغزالي. اذ نجد نموذجها عند المكي في كشفه لمنظومة التصوف العامة، وعند القشيري على مثال وممارسة شخصياتها وعناصرها الفكرية المتنوعة. لقد حاولا كلاهما، من خلال الرجوع الى المصادر الأولية، البرهنة على أن المتصوفة هم "الصفوة النبوية"، وأنهم المخصصون "بطوالع أنوار الله" و"الدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق"، كما أنهم النتاج الحقيقي للإسلام، باعتبارهم ممثلو وحدة الحقيقة والشريعة و"الخالون من البدع والدائنون في افكارهم لما وجدوا عليه السلف أهل السنّة في التوحيد"، كما يقول القشيري[16]. وبهذا المعنى لا تختلف الصوفية اختلافاً كبيراً عما هو مميز للوعي الثقافي الروحي السائد آنذاك بضرورة استمداد الوحدة من المصدر الإسلامي الأول والتطابق معه. لكنه استمداد استند من حيث تطوره التاريخي إلى التجربة الصوفية العلمية والعملية، والذي وج تعبيره في فكرة ومنظومة الحقيقة والطريقة. وقد وقف الغزالي ي مجرى تطوره وانتقاله الفكري أمام شكل رفيع من درجات تطورها. وبالتالي، فإن ما قام به وما انجزه لم يكن وحدة أو توحيدا للسنّة والتصوف، بل تقييما جديدا وشاملا للفكر الاجتماعي السياسي واللاهوتي والفلسفي والصوفي....(يتبع)

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] الغزالي: ميزان العمل، ص118-119.

[2] الغزالي: ميزان العمل، ص21.

[3] الغزالي: ميزان العمل، ص40-41. وقدم الغزالي المثال التالي:"حكي أن أهل الصين والروم تباهوا بحسن صناعة النقش والتصوير بين يدي بعض الملوك. فأستقر رأي الملك ان يسلم إليهم صفة ينقش أهل الصين منها جانبا وأهل الروم جانبا، ويرخي بينهم حجاب بحيث لا يطلع كل فريق على صاحبه. فإذا فرغوا رفعوا الحجاب ونظر إلى الجانبين وعرف رجحان من رحج من الفريقين. ففعل ذلك. فجمع أهل الروم من الاصباغ الغريبة ما لا ينحصر. ودخل أهل الصين وراء الحجاب من غير صبغ وهم يجلون جانبهم. والناس يتعجبون من توانيهم في طلب الصبغ. فلما فرغ أهل الروم أدعى أهل الصين أننا أيضا قد فرغنا. فقيل لهم :"كيف فرغتم ولم يكن معكم صبغ ولا اشتغلتم بنقش؟". فقالوا:"ما عليكم! ارفعوا الحجاب وعلينا تصحيح الدعوى". فرفعوا الحجاب وإذا جانبهم وقد تلألأ فيه جميع الاصباغ الروية الغريبة. إذ كان قد صار كالمرآة لكثرة التصفية والجلاء، فازداد جانبهم بمزيد من الصفاء وظهر فيه ما سعى من تحصيله غيرهم".   

[4] الغزالي: ميزان العمل، ص41.

[5] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص21-22.

[6] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص21.

[7] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص21.

[8] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص22.

[9] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص25..

[10] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص18-25.

[11] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص36-37.

[12] القشيري: الرسالة القشيرية، ص44.

[13] الجرجاني: كتاب التعريفات، ص40.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص42.

[15] تتردد هذه الفكرة عند اغلب إن لم يكن عند جميع من بحث في فكر الغزالي أو تطرق إلى هذا الجانب. وهي فكرة ليست دقيقة بل وخاطئة. وعدم دقتها وخطئها يقوم في انعدام رؤية التطور والتغير الهائل في شخصية الغزالي وفكره. بمعنى أنها لم تر طبيعة ونوعية التغير الذي حدث في مجرى تطوره وإبداعه الفكري النظري. اضافة الى ضعف واحيانا انعدام رؤية خصوصية التآلفات الفكرية الكبرى بمعايير ظهورها التاريخي وتأسيسها الخاص. من هنا أثر الغزالي اللاحق على مختلف مدارس التصوف. وهي حالة طبيعية بالنسبة لهذا النمط من المنظومات الفكرية. ولا معنى للحديث عما يسمى بتوفيق الفكرة السنية والصوفية. فهو خلاف لم يكن الغزالي بصدده ولم يكن بالإمكان حله، وذلك لأنهما تياران يختلفان اختلافا جوهريا من حيث التأسيس والمنهج والغاية وأساليبها العملية. 

[16] القشيري: الرسالة القشيرية، ص3.

 

ميثم الجنابيكان التصوف بالنسبة للغزالي قبل انتقاله إلى عالم الصوفية مجرد أحد الاتجاهات الكبرى لثقافة الخلافة الممثلة لأحد أساليب بلوغ الحقيقة. وبالتالي فإن محاولاته الأولى لدخول "الطريق الصوفي" هي محاولات البحث العقلي النظري، الذي صاغه في عبارة " كان العلم ايسر عليّ من العمل"[1]. وقد درس  اغلب كتب المتصوفة ونوادرهم مثل كتابات المحاسبي (ت-243 للهجرة)  والجنيد (ت-297 للهجرة) والمكي (ت-388 للهجرة) والسلمي (ت-412 للهجرة) والقشيري (ت-465 للهجرة) وأبي نعيم الأصفهاني (ت-430 للهجرة)، وشعراء الصوفية كالشبلي (ت-334 للهجرة) والحلاج (قتل عام 309 للهجرة)  وغيرها من الأعمال.

فقد أشار في (المنقذ من الضلال) إلى انه طالع كتب أبي طالب المكي وكتب الحارث المحاسبي ومأثورات الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي (ت-234 للهجرة) وغيرهم من المشايخ[2]. وفي (إحياء علوم الدين) يشير إلى كتاب (حلية الأولياء) لأبي نعيم الاصفهاني[3]، بينما لا نعثر في مؤلفاته الأخرى، باستثناء (الرسالة اللدنية) ما يشير إلى مؤلفات السلّمي والقشيري حيث يشير إلى تفسير القشيري الكبير[4]. وتفسير السلّمي الذي اعتبره الغزالي التفسير الجامع لكلمات المحققين شبه التحقيق، والتي لا مثيل لها في سائر التفاسير الأخرى[5]. في حين لم يشر إلى سراج الدين الطوسي (ت-378 للهجرة) سوى مرة واحدة عندما تحدث عن أهمية وضرورة اللحن والشعر في الممارسة الصوفيه دون التقليل من أهمية القرآن. وأن ضرورة ذلك ترجع كما يقول الغزالي إلى "دوام البشرية في الإنسان"، التي لا تطيق القرآن على الدوام بوصفه كلام الله وصفة من صفاته[6].

ان علاقته بشيوخ المتصوفة لم تكن مجرد نتاج المطالعة "العلمية" أو التأثير الخارجي. لقد تعداه إلى محاولة بناء منظومة فكرية أخلاقية على أسس فلسفية، شكلت تقاليد الوعي والممارسة الصوفية مادتها الأساسية وأسلوب تعبيرها. وفيما لو القينا نظرة سريعة إلى ما بين (إحياء علوم الين) و(قوت القلوب) للمكي، فإننا سنلاحظ الشبه الكبير في الفصول والصياغة. فما يتناوله الغزالي، على سبيل المثال، بصدد العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء، أضافة إلى أرائه حول تطور العلوم الإسلامية بعد موت النبي محمد، يبدو مشابهاً لما يورده المكي في (قوت القلوب)[7]. بل إن (إحياء علوم الدين) يشبه في الكثير من ترتيبه وتصنيفه للموضوعات مما ورد في (قوت القلوب)[8]. إلا أن ذلك لا يعني سوى التأثر الجزئي دون التطابق فيما بينهما حتى بصدد تلك القضايا المشار اليها أعلاه. ففي آرائه يظهر الترتيب المدرسي العقلاني والبحث الفلسفي والشمولية الواسعة التي لا نعثر عليها في (قوت القلوب). إن هذا التباين الكبير يعكس بدوره تبايناً في نوعية المنظومات الفكرية ومستوياتها وطرقها الخاصة في التصوف[9]. فالغزالي والمكي يلتقيان حال الحديث عن ظهور وتطور "العلوم الإسلامية"  في فكرة "اندثار علم اليقين" المرافقة لبداية التأليف (الكتابة). فالغزالي لا ينظر إلى هذه الظاهرة من "منهجية" البدعة. فهو لا يدين ظاهرة الاندثار وإلا لوضع نفسه في نفس موضع الاتهام، أي لأبطل مضمون وغاية (إحياء علوم الدين). لقد أدان في هذه الظاهرة انفصال الكلمة عن العمل وتمخّض ظاهرة التأليف المحترف، الذي دفع ثمنه الباهظ في أحدى المظاهر المدمرة للشر الاجتماعي التاريخي، ألا وهو تجزؤ أو انفصام "الشخصية المؤمنة" وظهور شخصية المحترف المأجور. فالأوائل لم يكن همهم التدريس والتصنيف والمناظرات والقضاء والولاية وتولي الاوقاف والوصايا وأكل مال الأيتام ومخالطة السلاطين ومجاملتهم في العشرة، بل كان الخوف والحزن والتفكر والمجاهدة ومراقبة النفس والظاهر والباطن هو المميز لهم[10]. فهو يحاول أن يبرز ظاهرة اندثار الأخلاق الحقيقية ومبادئها. بينما انتقد في أماكن أخرى من الإحياء آراء أبي طالب المكي نفسه. ففي معرض حديثه عن الإسلام والإيمان يشير إلى أن ما اورده المكي في هذا الصدد، هو "كلام شديد الاضطراب كثير التطويل"[11]. بينما يرفض آراء المكي القائلة، بأن "العمل بالجوارح من الإيمان ولا يتم الايمان دونه، وأدعى الاجماع فيه، وأستدل بأدلة تشعر بنقيض غرضه"[12]. وفي موقع آخر يشير إلى أن المكي ينكر على المعتزلة قولهم في التخليد في النار بسبب الكبائر بينما القائل بهذا كما يعلق الغزالي "قائل بنفس مذهب المعتزلة"[13]. أما تأثره بكتابات المحاسبي، فانه يبرز احياناً بقوة للدرجة التي يعتبر ادراجها كما هي أدق بسبب كمالها في الشكل والمضمون، خصوصاً فيما يتعلق بقضايا علم المعاملة. فالمحاسبي، حسب كلمات الغزالي، كان "حبر الأمة في هذا العلم وله السبق على جميع الباحثين عن عيوب النفس وآفات الاعمال"[14]. غير أن تأثره بكتابات المحاسبي تعدت ميدان علم المعاملة، بحيث يمكننا العثور عليها في بعض نماذج الصياغة الفنية والتعبيرية[15] والأفكار الكلامية[16].  وفيما لو تتبعنا تأثير الفكر الصوفي في فكره، فإن المثير للانتباه هو خلو (المنقذ من الضلال) وكتبه الأخرى من اشارات مباشرة أو واضحة للكلاباذي (ت-380 للهجرة) والهجويري والسلمي والقشيري. وفيما لو استثنينا الجميع ما عدا القشيري في (الرسالة القشيرية)، التي يمكن اعتبارها من حيث مادتها وصياغتها وترتيبها من بين النماذج الأكثر روعة ودقة وجمالية لهذا الصنف من الكتابات الصوفية حتى النصف الاول من القرن الخامس الهجري، فإننا نعثر ونلاحظ دخول اغلب مادة (الرسالة القشيرية) في (إحياء علوم الدين). فهو يورد في مادة السماع كل ما اورده القشيري في هذا الباب[17]. كما يورد نفس الحكايات والنوادر التي يوردها القشيري في رسالته، رغم إننا نستطيع العثور عليها ايضاً في (حلية الأولياء) للأصفهاني. فهناك الكثير من أبواب وفصول (إحياء علوم الدين) ما يتطابق من حيث ترتيب مادته بصورة شبه كلية مع ما في (الرسالة القشيرية) مثل (كتاب الرجاء) وما يورده القشيري في (باب الرجاء)[18]. وينطبق هذا ايضا على قضايا  الصبر والشكر، والفقر والزهد، وما يورده القشيري في رسالته في الأبواب المشابهة. بل أن ما يورده فيما يدعوه "بمنامات المشايخ" يطابق بحذافيره ما في (الرسالة القشيرية) في "باب رؤيا القوم في النوم"[19]. وكذلك "أقاويل المتصوفة عند الموت" في (إحياء علوم الدين) الغزالي وما وضعه القشيري في (باب أحوالهم عند الخروج من الدنيا"[20]. كل ذلك، إضافة إلى غيره من  المقارنات تعكس تأثره بكتابات القشيري.  بل يمكن القول، بأن الكثير من الآراء الصوفية التي يوردها ما هي إلا اعادة صياغة معقلنة وتنظيم أكثر دقة لما كتبه القشيري. ويمس هذا التأثير آراء الغزالي الصوفية ذاتها، التي استندت في ترتيب موضوعاتها وبعض جوانبها إلى ما أورده القشيري باختصار شديد في رسالته. ذلك يعني بأنه قد درس بعمق وإمعان الرسالة القشيرية. ومما يدل على ذلك هو إيراده لنفس التعليقات والشروح التي علقّ عليها القشيري وشرحها في رسالته[21].

إن الحصيلة العامة لهذا التأثير شأن كل عملية فكرية إبداعية، لا يمكن استيعاب حقيقتها ظاهرياً. أما فعاليتها في تطور المنظومة الفكرية للمفكر فأنها تتخذ في حوافزها ومجراها الفعلي صيغة البحث عن الحقيقة. وبهذا المعنى نستطيع القول، بأن دخوله طريق الصوفية كان محاولة جديدة حددها مجرى تطوره الفكري الأخلاقي. لكنها شكلت في بداية الأمر مرحلة تجريبية جديدة. وهو ما يبرز بوضوح في محاولته الأولى اكتشاف طريق و"حقائق" الصوفية عن طريق "دراسة علومهم" لأنها كان، كما يقول "أيسر عليه". وهي الفكرة التي ظل يدافع عنها بصيغ متباينة فيما دعاه "بضرورة العلم النظري الأول" للمتصوفة. أي ذات الفكرة التي حاول الدفاع عنها في مقدمة (إحياء علوم الدين) والقائلة بأن "من حصّل الحديث والعلم ثم تصوف أفلح، ومن تصوف قبل العلم خاطر بنفسه"[22]. انه الاستنتاج الذي وجد مثاله وتأييده الصوفي في محاورة وكلمات السري السقطي للجنيد عندما سأل الأول الثاني

إذا قمت من عندي فمن تجالس؟

المحاسبي

نعم خذ من علمه وأدبه ودع عنك تشقيقه الكلام وردوده على المتكلمين.

ولما خرج الجنيد، سمع السري السقطي يقول مخاطباً اياه "جعلك الله صاحب حديث صوفي ولا جعلك صوفياً صاحب حديث". وسوف يكشف الغزالي عن هذه الفكره بوضوح بالغ في (المنقذ من الضلال) عندما أشار إلى أنه بعد عشر سنوات من العزلة علم يقيناً من إن الصوفية هم السالكون لطريق الله خاصة، وإن سيرتهم من أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق[23]. ومن الممكن أن نعثر على الصيغة الأكثر شمولا وتجريداً لموقفه من "مرحلته الصوفية" في موقفه من مفهوم التجربة ذاتها. فالتجربة مثلا هي "السبيل إلى خلق الأدوية، إلا أن العقل يقصر عن إدراك منافع الأدوية"[24]. بصيغة أخرى، انه يدرك واقعية وضرورية وأهمية ودقة الأحكام العقلية والتجريبية، بإعتبارها وسيلة وسبل إدراك الحقائق دون أن تقدم بدورها وعي الترابط غير المتناهي بالمطلق. فهو لم يرد أن يكشف عن محدوديته بقدر ما أنه اراد أن يعبّر عن ضرورة الاعتراف بعد تناه المعرفة الذي يتضمن في ذاته بالضرورة نفي المحدودية الواقعية، أي التجربة الشخصية للقلق الروحي الدائم بفعل غياب حكم اليقين المطلق.

فالغزالي، الذي تمكن من العلوم النظرية لعصره وأتقن أدواتها المعرفية، قد صنع وبلور في اعماقه أسس تقبل الصوفية و"ورحيتها العملية". وإقد جرى التطرق إلى هذه القضية فيما سبق من ابحاث، لهذا سوف يجري تركيز الاهتمام حول انعكاس هذه التجربة التاريخية النظرية في وعي الغزالي ومشاعره، التي حاول الكشف عنها في وقت لاحق، بوصفها مقدمة مرحلته الصوفية واعتبارها البديل الحق لما مضى.

وقدمّ مثال تجربته الشخصية كمادة للتأمل، دون ان يفرضها على الآخرين. فهو يسلك نفس سلوك المتصوفة الكبار، الذين يلازم كل منهم احترام شيخه إلى "أبد الآباد" دون أن يعرقل ذلك سيرته الخاصة واستقلالية وعيه لحقائق الشيخ والطريق. فالخلافات الفقهية والجدل، الذي شغل طويلاً حياة الغزالي ستتخذ في نصيحته للمريد وغيره فكرة عدم التمسك بردود الفقهاء القائلة بأن الناس اعداء ما جهلوا. فقد وجد في هذه العبارة مجرد تشويه فظ لحقيقتها. إذ أنها كما يقول في (إحياء علوم الدين) "على الخبير سقطت. فإقبل هذه النصيحة ممن ضيع العمر فيه زماناً، وزاد فيه على الأولين تصنيفاً وتحقيقاً وجدلاً وبياناً، فألهمه الله رشده وأطلعه على عيبه فهجره وأشتغل بنفسه"[25]. وفي موقع آخر يقدم نصيحته "المجانية" عندما يؤكد على تجربته الخاصة في التخلص من وطأة ثقل الممارسة الفقهية وبالتالي بلوغه "حقائق الطريق الصوفي" (إصلاح القلب وعلم المكاشفة) قائلاً "اقبل النصيحة مجاناً ممن قام عليه ذلك غالباً ولم يصل إليه إلا بعد جهد جهيد وجرأة تامة على مباينة الخلق العامة والخاصة في النزوع من تقليدهم بمجرد الشهوة"[26].

أما في ميدان علم الكلام، فأنه يصل إلى إدراك حقيقته باعتباره " علم الدفاع عن عقيدة العوام"، الذي لا يؤدي إلى كشف الحقائق كما هي عليه. انه طريق المعرفة المسدودة. وقد عبرّ عن هذه التجربة الشخصية بالعبارة التالية "اسمع هذا الكلام ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر تناسب نوع الكلام، وتحقق إن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود"[27]. ولا يعني كل ذلك من الناحية التاريخية والفكرية  سوى ممارسته الشخصية لما دعاه بتجربة الطريق المسدود. ولا ينبغي فهم هذه العبارة الأخيرة على أساس تجربة أزمته البغدادية القديمة. إذ لم تكن "تجربة الطريق المسدود" تجربة فردية وشخصية بحت رغم صيغها المتناثرة في مؤلفاته (كالمنقذ من الضلال) بحيث تبدو كما لو انها معاناة ذاتيه خالصة. فمن حيث مضمونها التاريخي هي تجربة الطريق الحضاري الآيل إلى الانسداد، والذي أخذت تتضح ملامح سقوطه الاجتماعي السياسي والروحي الاخلاقي. وبهذا المعنى، فإن تجربته الفكرية هي تجربة الوعي الذاتي النقدي لقرون الخلافة الخمسة السابقة.

مرت ذهنية الغزالي في مسارها بمراحل متخطية في تطورها الصيرورة الذهنية للحضارة الإسلامية من فقه اللغة حتى التصوف. فقد ابتدأ فقيهاً وصار متكلماً وجاهد فيلسوفاً وانتهى صوفياً. إنها المراحل التي تعكس الاتجاه العام لثقافة القرون الخمسة الذهنية. إلا اننا لا نسع من وراء ذلك إلى مماثلة الوعي الفردي اياً كان مع التجربة التاريخية في تنوعها الهائل ومستوياتها المتباينة. إان الخطوط العامة في ميادين الفكر الأساسية (الفقه والكلام والفلسفة والتصوف) هي التي اظهرت شخصيته، وهي التي وضعته على الدوام أمام مفترق الطرق إلى أن وقف في نهاية المطاف أمام "بحر الصوفية". وكان ينبغي له خوض اغواره بتجربته الدائمة مازالت الأنبياء تقف على سواحله، كما تقول المتصوفة بتعبيرها المفارق. لقد وقف أمام ذلك الجمود القاهر، الذي أدان الكثير من ظواهره الاجتماعية السياسية والروحية والفكرية والحقوقية، بحيث أصبح النفاذ إليه ممكناً من وسط آخر اكثر سيولة وانسيابية وسكوناً في مظهره الخارجي. وهو ما دعته المتصوفة ببحرها الخاص، أي طريق وعي الذات الخالص. وبهذا المعنى شكّل انتقال الغزالي إلى عالم الصوفية انقلاباً "سقراطياً" في اللاهوت الإسلامي.

غير ان "للسقراطية الإسلامية" تقاليدها الخاصة. ولم يكن هناك بالنسبة للغزالي ادقّ وأكثر يقينية في ترسيخ القناعة التي لا يمكن ان يزحزحها "قانون" الحياة أيا كان شكله السياسي والظاهري من أرضية العناصر التي جمعها وعي الذات الحقيقي (الاخلاقي ــ النقدي) في تراث الخلافة حتى عصره. فقد بلور ذلك في أعماقه وفي مراحل انكساراته الكبرى ضرورة الرجوع الدائم إلى المبادئ الأولى. أو ما دعاه المتصوفة الكبار بضرورة استعادة علم الآخرة. ولكن ماذا كان يعني ذلك في آرائه ومنظومته الفكرية ان لم يكن طريق بلوغ الكمال الاخلاقي؟[28]. بعبارة أخرى، انه استمرار الرجوع إلى المبادئ الأولى التي نظر إليها باعتبارها مهمته الكبرى في بداية القرن السادس الهجري،أي  مهمة التجديد والإصلاح. وفي مفارقات التاريخ ما عمّق هذه الوحدة الضرورية بين استمرار العودة للماضي و"نداء الأزل" في وعي القناعة الذاتية المستندة إلى التقاليد الحية الواقعية والخيالية.

فقد انتقل إلى عالم الصوفية في عمر يناهز الأربعين تماماً كما بدأ النبي محمد دعوته الإسلامية. وعلى الرغم من رفض الغزالي الدائم لسحرية الأرقام والتأويلات الرقمية والحروفية المفتعلة، بما في ذلك نظرته إلى الرقم الأربعين[29]، إلا انه ظل يداعب خياله فيما يبدو، باعتباره "الغاية العليا في حب العلوم" كما قال هو في غير ما موضع. وفي ردوده على معارضيه أواخر حياته عادة ما اخذ يرد بالصيغة التي يظهر بها كما ل انه تجل معاصر للنبي محمد في أخلاقه العملية.  فقد رد في (الإملاء على مشكل الإحياء) على معارضيه تماماً كما رد النبي محمد في وقته على الوثنيين "ستكتب شهادتهم ويسألون. وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون. بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه"[30]. وليس في ذلك ما يتطابق ودعوة النبوة الجديدة التي افلح الوعي التقييمي اللاحق في وضع صياغتها "الخجولة" في عبارة "لو كان بعد النبي نبي لكان الغزالي". أما في الواقع فإن ما صاغه هو نتاج تطور الوعي والممارسة الصوفية، اللذين عادة ما يحفران قنوات "الهرطقة" الروحية،بوصفها التجلي الأكثر دقة في شموله والأكثر أخلاقا في طابعه العملي والأكثر اخلاصاً في عمق مشاعره للتوحيد. وبغض النظر عن البراهين المؤيدة والمناهضة (ضمن اطار الوعي الديني) لهذه الظاهرة فإنه افلح في أن يحتل، على الأقل لثلاثة أيام، مرتبة القطبية الصوفية[31].

وفيما لو تركنا كل احتمالات التأويل، فإن تجربة الغزالي النظرية والأخلاقية قد أدت به إلى إدراك ما دعاه في يوم ما بالبصيرة الحولاء في الفكر القائم و"الأخلاق العرجاء" في السلوك. الأمر الذي جعله يدفع إلى الأمام ضرورة اليقين والأخلاق المتسامية. وبهذا المعنى، ليس التصوف الغزالي سوى طريق بلوغ وحدة الحقيقة والأخلاق.

***

 ميثم الجنابي

 ........................

[1] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص130.

[2] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص131-132

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص416.

[4] الغزالي يقصد فيما يبدو (كتاب اللطائف) للقشيري.

[5] الغزالي: الرسالة اللدنية، ص19. والمقصود هنا فيما يبدو التفسير الذي جمعه عبد الرحمن السلمي من مختلف آراء المتصوفة وبالاخص منها تأويلات سهل التستري (ت-283 للهجرة) والذي يمكن اعتباره مؤلف هذا التفسير المنسوب للسلمي.

[6] الغزالي: إحياء لوم الدين، ج2، ص300-301.

[7] انظر إحياء علوم الدين للغزالي ج1، ص58-82، وقوت القلوب للمكي ج1، 129-136، ص140-145.

[8] ومن الممكن مقارنة ما يتناوله الغزالي في الربع الأول (العبادات) بما عند المكي في الجزء الأول من (قوت القلوب) وبالأخص ما يتعلق منه بقضايا الصوم والصلاة والزكاة والحج. في حين يورد الغزالي الأدعية التي جمعها وصنفها المكي. انظر (قوت القلوب) ج1، ص7-14، و(إحياء علوم الدين) ج1، ص313-321.  

[9] لقد اورد الشيخ احمد البرنسي (ت-899 للهجرة) في كتابه (قواعد التصوف) مقارنات عديدة عميقة وشيقة بين (قوت القلوب) و(إحياء علوم الدين). وعلى الرغم من أن مقارناته وتقييمه تصب أساسا في سياق الوعي الصوفي النظري والعملي إلا انها ذات أهمية بالغة بالنسبة لرؤية ما (لقوت القلوب) و(إحياء علوم الدين) من مكانة في التصوف. وما هو مهم بالنسبة لنا هنا هو رؤية الصلة فيما بينهما والتي جرى التعبير عنها واكتشافها منذ زمن طويل في الفكر الصوفي نفسه. فقد اشار البرنسي إلى إنهما كلاهما يتضمنان الحديث عن العابد والزاهد والورع والعارف. وإنهما كلاهما انطلقا من ضرورة "نقل الفضائل جملة وتفصيلا بأي وجه ممكن ما لم يتعارض مع سنة أو تنقض قاعدة... حتى قالا بكثير من الموضوعات والأحاديث الباطل إسنادها"(قواعد التصوف، ص39). وأشار في موقع آخر إلى أن من يريد مطالعة المتسعات (الكتابات الكبيرة) في التصوف فليرجع إلى (قوت القلوب) و(إحياء علوم الدين) و"هما مسليان بتعزية النفوس ومشاكل أشكالها.... وإن لم يكن للمريد ولا للعالم طريق مفيد في التحقق والتحقيق"(قواعد التصوف، ص42). وأن "التحقق في القوت أكثر منه في الإحياء" بينما "التحقيق في الإحياء أكثر منه في القوت". واختتم هذا التقييم بالفكرة التي قال بها أبو الحسن الشاذلي (ت- 656 للهجرة) من أن "كتاب قوت القلوب يورثك النور، وكتاب إحياء علوم الدين يورثك العلم" (قواعد التصوف، ص42). وبغض النظر عن مدى دقة هذه المقارنات، إلا انها سليمة وعميقة من حيث اكتشافها للوحدة والتباين فيما بينهما.  

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص79.

[11] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص116.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص118.

[13] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص118.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص 308-309، ص315-316.

[15] يتعدى هذا التأثير الصياغة والتعبير الفني إلى ما يمكن دعوته "بالفن الإبداعي" الذي يمثله (المنقذ من الضلال) وكتاب (الوصايا) للمحاسبي. فقد تأثر الغزالي بهذا الكتاب للدرجة التي يمكننا اعتبار (المنقذ من الضلال) نسخة (الوصايا) للقرن الخامس الهجري. ولهذه المقارنة صلة داخلية وبون شاسع في الوقت نفسه. ولا مجال للتوسع الآن بهذا الصدد، إلا أن هذا التشابه يعكس "قانون" تطور الفكر النظري وانتقاله إلى الفكر العملي الأخلاقي. ومن الناحية التاريخية الثقافية فإن هذا التأثير يمكنه أن يزيل افتراض تأثر الغزالي بكتاب (اعترافات) اوغسطين. 

[16] من الممكن اعتبار رأي الغزالي في العقل استمرا لما وضعه المحاسبي في كتابه عن العقل (كتاب العقل).

[17] هنا يمكن المقارنة بين ما هو موجود في (إحياء علوم الدين) ج2، ص292 و(الرسالة القشيرية) ص151-158.

[18] هنا يمكن المقارنة بين ما هو موجود في (إحياء علوم الدين)ج4، ص152-154، و(الرسالة القشيرية) ص62-65.

[19] هنا يمكن المقارنة بين ما هو موجود في (إحياء علوم الدين)4، ص507-511، و(الرسالة القشيرية)، ص175-180.

[20] هنا يمكن المقارنة بين ما هو موجود في (إحياء علوم الدين)، ج4 ص481-485، و(الرسالة القشيرية) ص137-140.

[21] انظر على سبيل المثال ما يورده في فكرته حول أقسام الشكر وفكرة الشكر الجامع أو شكر القلب بوصفه "الاعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة"(إحياء علوم الدين، ج4، ص85).، وما يورده القشيري في باب الشكر(الرسالة القشيرية، ص80-82.)

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص 22.

[23] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص139.

[24] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص31.

[25] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص41.

[26] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص55.

[27]الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص97.

[28] سوف اتناول هذه القضية في الأبحاث المتعلقة بفلسفته الأخلاقية.

[29] لقد رفض الغزالي التأويل المفتعل للأرقام وطابعه الأسطوري في الفكر والممارسة على السواء. وقد كان موقفه النقدي من تقاليد الباطنية واضحا بهذا الصدد. لكنه انتقد أيضا بعض نماذجه في الفكر الصوفي، وبالأخص عند البعض منهم ممن حاول تطبيق ذلك في الموقف من تقاليد الادخار في سلوك التوكل. وينطبق هذا على موقفه من بعض الأساطير الدينية. 

[30] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص13.

[31] وسوف تحصل هذه الفكرة على اعتراف بها في كتابات الصوفية المتأخرة. ولم يكن ذلك مجرد اعتراف بفضل الغزالي في التصوف أو تعظيم شخصه. إنها كانت نتاج الآلية الداخلية لتطور الفكر الصوفي وبالأخص ما يتعلق منه بمفاهيم الشيخ الروحي، والسلسلة الصوفية، ونظرية القطب الصوفي.

 

 

ميثم الجنابيلأنوار نور النور في الخلق أنوار

وللسرّ في سرّ المسرّين أسرار

(الحلاج)

إن اتخاذ الغزالي قرار الخلوة والاعتزال لم يكن بالنسبة له مجرد سلوة الشيخوخة وراحة للنفس المتأملة، بل هو رمز الانقلاب الذي غيرّ مجرى حياته. وساهم بالتالي مساهمة جوهرية في إبداع منظومته الفكرية الخاصة.

إذ يعكس انتقاله إلى التصوف، في الاطار العام، الصيغة المميزة لتقاليد "السير في طريق الله"، أي حالة "الانكسار" التي تدفع مهمة التوبة إلى الأمام باعتبارها عتبة الطريق الروحي. وقد صورته المتصوفة بعبارة "انتباه القلب من رقدة الغفلة"، بوصفها مقدمة سلوك الطريق. وبما أن السلوك الصوفي في جوهره هو سلوك الاختيار الفردي الطوعي، فإن "الانكسار" هنا لا يعني رديفاً للهزيمة. فاللغة الصوفية لا تعرف الهزيمة. إذ لا معنى لها في منازلها وأحوالها ومسالكها ومقاماتها. وذلك لأن ملامح القوة والضعف في الوجود التاريخي الفردي والعام ما هو في نهاية المطاف بالنسبة لها سوى انعكاس لسيطرة مقولات ونفسية الغطرسة وليس الروح الاخلاقي والمعرفي الحق. وبالتالي ليس الانخراط في "طريق الله"، الذي تتطابق صفاته الخارجية في الوعي العادي مع حالة ومفهوم الانكسار، سوى نتاج الوهم الاجتماعي النفسي المصطنع وليس حقيقة الطوعية الواعية في مسار الزهد والفقر (الصوفي). وبهذا لا يعني "الانكسار" هنا سوى انكسار القيم، إى إعادة التقييم الشاملة لنمط الحياة والتفكير. وإن هذه الظاهرة نفسها لا تمتلك نمطيتها الخاصة إلا في التجارب الفردية المتباينة، التي اتخذت في الوعي الصوفي وتقاليده صيغة ومفهوم "السرّ" غير المتناهي. وبهذا يكف التحول في وعيها عن أن يكون مجرد مصادفة عابرة أو مصير محتوم. انه يصبح حركة لا متناهية في فعاليتها وتأثيرها لا يمكن فهم حيثياتها ما لم يجر تذوّق ما لم يذاق بعد، وما لم يصبح المطلق (الأخلاقي والمعرفي) الغاية المرجوة. لهذا اكتفى الفكر الصوفي في معرض اشارته لعملية انتقال "ذوي الإرادة" إلى التصوف بإبراز رمزية الظاهرة وطابعها التعليمي النصائحي لا أسبابها الفعلية. فالأسباب في عالم الروح أسرار. وإذا اخذنا ما اورده الغزالي في (المنقذ من الضلال) من عبارات الاطباء عن مرضه كما هي، فانه يكون قد تحسس معاملتهم بصيغة أوحت اليه، بعد مرور عشر سنوات، أن يضع عباراتهم المعبّرة عن أسباب مرضه ووسائل علاجه بضرورة "أن يترّوح السرّ عن الهمّ الملم" الذي اخذ بخناقه. ولم تسع المتصوفة من وراء ذلك مطابقة السبب مع السرّ، ولا العكس. ولا جعلهما مختلفين، ولا رفض الخلاف، ولا تجعلهما متوازيين ولا أن تقاطعهما. بل نظرت إلى هذه العلاقة كما لو أنها تجلّ للباطن والظاهر في حركتهما الدائمة. لهذا لم تجد ضرورة في أن تضع أسساً "منطقية" صارمة للتحليل، ولا أن تختزل عمليات الروح المعرفي والأخلاقي بقواعد المنطق الشكلي، ولا أن تجد ضرورة في اخضاع كل ذلك إلى تحليل الأدوات المعرفية القائمة باعتبارها الحصيلة النسبية للحقيقة، والجزئية للكلّ المعرفي. إنها حاولت بالقدر الذي يمكن للغة صياغته في رموزها وأدواتها أن توحي بأن قوانين الروح لا يمكن إدراكها إلا بروح القوانين. وهي لم تبحث في كل ذلك عن ولع المفارقات اللغوية كما لو أنها عروة وثقى، بقدر ما سعت إلى كشف الحقيقة القائلة، بأنه لا يمكن معاينة ومشاهدة وإدراك روح القوانين خارج رمزية الصياغة. فالرمز هو الوحيد القادر على تحويل الدائم إلى لحظة عابرة، والعابر إلى كيان دائم. لهذا أصبح من الممكن، في العرف الصوفي، أن يجري النظر إلى انتقال الغزالي إلى التصوف باعتباره فعلاً تناغم مع الموسيقية السريّة لآلية ووقع الانكسار في حيثيات الوجود كما عبّر عنها البيت الشعري:

أيا حجر الشحر إلى متى     تسنّ الحديد ولــم تُقْــطَعِ

ولكن إذا كان التعبير الصوفي قد وجد ضالته في إحدى الحالات والعبارات بتصويرها الرمزي لسبب الانتقال، فإن هذا السبب استظهر في أسلوب الوعي الفردي لتجربة الانتقال باطنها الموسيقى ليس في تناغم الفعل والحركة، بل في ذوبان الوعي في الإرادة. وهي العملية الجديدة لانصهار و«انكسار تجارب الوعي النظري والعملي (الاخلاقي) التي كشفت في الابحاث السابقة عن اتجاهاتها العامة.

وقد ابدع الخيال الصوفي لهذه العملية نادرتها الخاصة، التي تقول على لسان احد العلماء:"رأيت الغزالي في البرية وعليه مرقعة وبيده عكاز وركوة، فقلت له:

يا إمام! أليس التدريس ببغداد أفضل من هذا؟ فنظر اليّ شزراً وقال:

لما بزغ بدر السعادة في فلك الإرادة وظهرت شموس الوصل

تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل     وعــدت إلى مصـحوب أول مـــنزل

ونادتني الأشواق مهلا فــهــــذه      مـنازل مـن تهوى رويـدك فانـزل!

وبغض النظر عما إذا كانت هذه النادرة حقيقة أم لا، فإنها تسجّل بصيغة الحكايات الصوفية الجميلة واقع تطور الغزالي الفكري والذي صاغ ملامحه العامة في (المنقذ من الضلال)[1]. انه خط المسار من غمار العلاقات الدنيوية إلى ما دعته المتصوفة بصاحب الكل. ومهما يكن من مستوى الدقة في هذه العبارة بأثر التناقض والضعف القائم والمحتمل في اللغة وقدرتها عن التعبير احيانا، إلا انها تمثّل التباين الفعلي بين الفكرة المجردة والواقع، والذي يتلوع اثناءه الروح الباحث عن سكونه القلق، أو ما دعته المتصوفة بالحيرة. انه بزوغ البدر الذي لا يدرك سعادته ويتحسسها سوى اولئك السابحون في دوران فلكه. وهو أيضا الفناء والبقاء، والغياب والتجلي، بفعل حركته مقابل "الشمس الإلهية". إنها العتمة الحياتية (الدنيوية) التي لفت الغزالي بأذيالها طوال حياته المنصرمة إلى أن واجهت إرادته "إرادة الميتافيزيقيا" السحرية، التي شلّت حركته لتجعله يرقص طرباً في البحث عن موته الحياتي من اجل ان ينهض مستيقظاً.

فالإحياء نيام فإن ماتوا انتبهوا، كما تحبذ المتصوفة القول. والغزالي شأن المتصوفة الكبار حاول ان يبدأ ويتلمس ويتحسس ويمارس ويدرك ويذلل هذه العملية في الحياة. بمعنى إماتة الموت الحياتي (الدنيوي) ببعث الروح الخالد. وليس هذا بدوره سوى التعبير الرمزي الدقيق والمجرد والمتصوف عن التجربة الحياتية التي عادة ما ترافق وتميز انتقال الشخصية المفكرة إلى عالم الصوفية.

فتاريخ التصوف الإسلامي يقدم صوراً غاية في التباين عن نماذج "التوبة" الفردية والانخراط في طريق الصوفية. فالتوبة التي تشكل في طريق الصوفية "أول منازل السالكين وأول مقامات الطالبين" تستلزم كممارسة أولية الندم على ما عمل من المخالفات، وترك الزلة في الحال، والعزم على أن لا يعود إلى مثل ما عمل من المعاصي. فهي الممارسة المدعوة لاستثارة ما اسمته المتصوفة "بانتباه القلب عن رقدة الغفلة ورؤية العبد ما هو عليه من سوء الحالة"، أي استثارة تلك العملية التي تصنع وتعمق في النفس "واعظ الله"، بوصفها الاستثارة الدائمة لإرادة التوبة. كما أنها في الوقت نفسه العملية التي بنت حولها المتصوفة أفكارها وأحكامها العديدة، التي لا تشكل بحد ذاتها شروطاً لها بقدر ما أنها عمقت هذه الممارسة الفعلية القائمة بتحويلها إلى نمط خاص. وما هو مهم بالنسبة لنا الآن هو الاشارة إلى أن "قانون التوبة الصوفية" رغم خطوطه العامة ظل على الدوام فرداني التطبيق والتحقيق. إذ لا يعرف تاريخ التصوف الإسلامي حالات متشابهة في "دخول الطريق". فإبراهيم بن أدهم (ت- 161 للهجرة) أحد ابناء الأمراء خرج يوماً متصيداً فأثار ثعلباً أو ارنباً وهو في طلبه فهتف به هاتف "يا ابراهيم ألهذا خلقت أم بهذا أمرت؟ ثم هتف به أيضاً من قربوس سرجه "والله ما لهذا خلقت ولا بهذا امرت". فنزل عن دابته وصادف راعياً لأبيه فأخذ جبة الراعي من الصوف ولبسها وأعطاه فرسه وما معه ثم دخل البادية[2]. في حين مثّل الفضيل بن عياض (ت-187 للهجرة)  صيغة أخرى للتوبة. لقد كان شطارا يقطع الطريق بين ابيورد وسرخس. وكان سبب توبته انه عشق جارية فبينما هو يرتقي الجدران إليها سمع تال يتلو "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله"، فقال "يارب قد آن". فرجع ثم آواه الليل ثم هجر مجاوراً الحرم (مكة)[3]. بينما انتقل معروف الكرخي (ت-200 للهجرة) النصراني الأبوين، بعد هروب طويل من البيت الأبوي بسبب تعرضه للضرب في طفولته، حيث كانوا يلقونه عبارة "قل ثالث ثلاثة"، فيقول "بل هو واحد"[4]. في حين انتقل السري السقطي (ت-257 للهجرة) إلى التصوف بفعل تأثير كلمات معروف الكرخي، الذي اتاه يوما بيتيم ليكسيه السريّ السقطي وعندما اعطاه ما اراد قال الكرخي له "بغّض الله اليك الدنيا وأراحك مما انت فيه". آنذاك ترك السقطي الحانوت ولم يكن له شيئ أبغض منه، بل لم ير مضطجعاً في عمر جاوز الثمان والتسعين سنة إلا في موته[5]. في حين أبو سليمان الداراني (ت-215 للهجرة) بعد تردده الكثير على مجلس القصاص. لكنه كان على الدوام ينسى ما يسمعه من الكلام، مما اضطره لاحقاً الى ان يدخل "طريق الذكر الدائم"،بحيث جعل يحيى بن معاذ (ت-258 للهجرة) يعلق على ذلك قائلاً "عصفور اصطاد كركياً". كل ذلك يعكس تعددية وتنوع نماذج دخول الطريق الصوفي. ولم يشذّ الغزالي عن هذه القاعدة، بمعنى فردانية الدخول وطريقه الخاص.

فالمتصوفة لا تضع قيوداً على تنوع دخول الطريق. على العكس! انها تجد في هذا التنوع عدم تناهي طرق وأساليب بلوغ حقائقها، أو حقائق الوجود من خلال مبادئها الفكرية وقيمها الأخلاقية. وتوبة الغزالي في خصوصيتها هي توبة فكرية أخلاقية، رغم تجانسها مع مسار التوبة الصوفية. لكنها كانت نتاج ازمة الوعي العقلي والأخلاق، التي كشفنا عن اتجاهيتها العامة في موقفه من الاتجاهات الفكرية الكبرى في كل من العلم والعمل (النظرية والممارسة)، التي طورت شخصيته المعرفية ووضعته في الوقت نفسه أمام مفترق الطرق. إذ نعثر على كل ذلك فيما صاغه هو نفسه في العبارات الوجيزة البليغة المعبرة عن ازمته الروحية التي اغلقت عليه في حينها إمكانية النطق والعيش.

غير أن تطوره "المختصر" كما وضعه في (المنقذ من الضلال) والذي حاول من خلاله الكشف عن مستوى تطور العقل بمروره من الاحساس إلى العقل  ومن إلى ما وراء العقل (طور الولاية) حتى اللحظة التي أصبح من الممكن أن يردد "فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد"[6]. غير ان هذه الصيغة لا تعني خروجه عن اطر العقل والعقلانية أو محاربتهما. إذ ليست تلك الأحكام التي توحي بظاهرها محاربة العقل والعقلانية سوى التعبير الذاتي عن تجربة الغزالي في اكتشاف ضيق ومأزق التفكير العقلي اللاهوتي المعاصر له، الذي بسبب ضيق أسلوبه ظل عاجزاً عن رؤية وتحليل العلاقة القائمه بين الظواهر. فهو لم يرفض من حيث الجوهر سوى العقل اللاهوتي، الذي رتبت براهينه على أساس الحصيلة المعرفية واللغوية. مما وضعه على الدوام أمام إمكانية المأزق. بينما لم يجد الغزالي في العقل بحد ذاته مأزقاً، رغم انه يصنع هذا المأزق في حالة الاعتماد على ادواته الخاصة فقط في تتبع ما يمكنه أن يؤدي به في نهاية المطاف إلى الحيرة والقلق. مما يؤدي به الى الرجوع الى البداية او النقيض.

فالمسار غير المتناهي الكامن في الإمكانية المحددة للعقل لا يعني في الواقع سوى الاستمرار غير المتناهي للجهل. إذ ليس توسع المعرفة سوى اكتشاف الجهل غير المتناهي. غير إن العقل يمكنه أن يكون وسيلة فعالة عندما يدرك ذاته بوصفه جزء من الكشف الذوقي المستند الى وحدة الكل باعتباره تجليَ لله. حينذاك تصبح اللانهاية نهاية بين يدي الله. وهذا بدوره ليس إلا أسلوب بلوغ اليقين الذاتي، الذي يجعل للحقيقة معنى ملموساً وذوقاً خاصاً. من هنا دعوة الغزالي للمريد قائلا:"إن كنت راغباً في استقحام الطريق إلى المقصد، فألق سمعك وأنت شهيد".

إلا أن "استقحام الطريق" بالنسبة له لم تكن عملية بسيطة. وهو ما حاول البرهنة عليه دوما. وبغض النظر عن العبارات العديدة والتسميات المتباينة التي يطلقها على بداية "التوبة الصوفية" مثل "القذف النوراني" أو "الجود الإلهي" أو "نور الرحمة"، فإن ذلك ليس إلا تعبيراً عن الوعي الذاتي لتجربة انتقاله الشخصية إلى عالم الصوفية. وهذه بدورها لم تكن فعلاً معطى  مرة واحدة وإلى الأبد. ويكمن سبب ذلك في مبادئ الممارسة الصوفية ذاتها، التي لا تقرّ بالنهائي في الوجود والمعرفة، مع اقرارها بضرورة اليقين وإمكانية وضوحه المتزايد لا تزايده بحد ذاته كما هو الحال في العبارة القائلة "لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً". غير أن هذه الصيغة هي حصيلة المعراج المعرفي الصوفي وإحدى درجاته. بينما ظل دخول الغزالي طريق الصوفية في أعمق أعماقه وهواجسه وبواعثه هو دخول الباحث عن الحقيقة، التي لم يحصل على صيغتها اليقينية في اتجاهات الكلام والفلسفة والباطنية. بينما أكتشفها في عالم الصوفية بعد تجربة طويلة. فهو لم ينظر إلى الصوفية في بداية الأمر، كما هو واضح في (المنقذ من الضلال) إلا باعتبارها إحدى الفرق التي في حالة "شذ الحق عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع"[7]. (يتبع)

  

 ا. د. ميثم الجنابي

....................

[1] لقد وردت هذه الحكاية بصيغ عديدة. وقد اوردها علاء الدين الصيرفي في كتابه (زاد السالكين لطريق الله) عن ان القاضي ابو بكر ابن العربي هو القائل "رأيت الإمام الغزالي في البرية وعليه مرقعة وعلى عاتقه ركوة وكنت قد رأيته ببغداد يحضر درسه أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم يأخذون منه العلم". ثم قال فدنوت منه وسلمت عليه وقلت له "يا إمام! أليس تدريس العلم ببغداد خير لك من هذا؟". حينها نظر إليّ شزرا وقال :"لما طلع بدر السعادة في فلك الإرادة وجنحت شموس الوصال في مغارب الأصول

تركت هوى ليلى وسعدى بمنزل    وعدت الى صاحب اول منزل

ونادت بي الاشواق: مهلا فهذه      مـــــــنازل من تهوي فإنزل

تصطدم هذه الحكاية باعتراضاتى جدية. منها إن القاضي ابو بكر ابن العربي لم يتصل بالغزالي إلا في بغداد وليس في البرية. ولم يجر الحديث فيما بينهما بما يمكنه أن يوحي بشماتة ابن العربي المبطنة ورد لغزالي المتشنج! إضافة لكل ذلك أن صياغتها اللغوية وأسلوب تعبيرها ملفوف بالأسطورية والخيال الرمزي الصوفي.  

[2] القشيري: الرسالة القيشيرية في التصوف، ص8.

[3] القشيري: الرسالة القيشيرية في التصوف، ص9.

[4] القشيري: الرسالة القيشيرية في التصوف، ص9.

[5] القشيري: الرسالة القيشيرية في التصوف، ص10.

[6] القرآن: سورق (ق) الاية 22.

[7] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص89.

 

ميثم الجنابي"أنّى تتجلى أسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم،

ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم"

(الغزالي)

الإهداء إلى  الدكتور مارفن الزايد، صديق الروح ومثقف الإخلاص التام للحق والحقيقة.

إن انتقاد الغزالي للمتصوفة وافتقاد هذا النقد لطابعه المنظومي لا يعني افتقاده لمنظومته الصوفية الخاصة. وبالتالي، فإن انتقاده للمتصوفة هو استمرار لتقاليد النقد التي كانت تميز بهذا القدر أو ذاك جميع شيوخ التصوف الكبار من اجل تهذيب وتشذيب سلوك المريد من كل ما يعرقل مساره السليم من الشوائب و"الترهات" الفعلية والمحتملة في الطريق. لهذا نراه، على سبيل المثال، يشير حال حديثه عن قواعد المخالطة إلى فائدة التأديب والتأدب، أي الارتباط في كسر شهوة النفس من خلال مخالطة الناس. فالمخالطة تظهر من جهة كوسيلة للتربية بفعل احتكاكها بالعالم "الخارجي"، ولكنها يمكن أن تفسّخ في الوقت نفسه هذا المبدأ وقواعده في حالة افتقاده لقيمته التربوية. فقد شاهد هو نتائج هذا المبدأ في حالة عدم الالتزام بكامل قواعده، في الممارسة المعاصرة له. حيث تحولت أعماله إلى مجرد أعمال "خالطتها الأغراض الفاسدة، ومال ذلك عن القانون كما مالت سائر شعائر الدين"[1]. وسوف يردد هنا شأن سابقيه ولاحقيه البيت الشعري القائل بأن الخيام كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائهم، أي كل ما اتخذ في الخيال المتأمل مقارنة المثال بالواقع. أما في منظومته، فإنه سوف يسعى لانتقاد الزيف العملي في جميع مظاهره، بما في ذلك عند متصوفة زمانه. لهذا كان انتقاده لهم هو الآخر قاسياً، وبالأخص عندما شدد على أن أكثر متصوفة زمانه "لما خلت بواطنهم من لطائف الأفكار ودقائق الأعمال ولم يحصل لهم أنس بالله وبذكرهم في خلوتهم، كانوا بطالين. فقد ألفوا البطالة واستثقلوا العمل، واستوعروا طريق الكسب واستلانوا جانب السؤال والكدية، واستطابوا الرباطات المبنية لهم في البلاد، واستسخروا الخدم المنتقين للقيام بخدمة القوم، واستخفوا عقلوهم وأديانهم من حيث لم يكن قصدهم من الخدمة إلا الرياء والسمعة وانتشار الصيت واقتناص الأموال بطريق السؤال تعللاً بكثرة الأتباع. فلم يكن لهم في الخانقاهات حكم نافذ ولا تأديب للمريدين نافع ولا حجر عليهم قاهر. فلبسوا المرقعات واتخذوا من الخانقاهات منتزهات. وربما تلفظوا ألفاظاً مزخرفة من أهل الطامات"[2].

إن انتقاده اللاذع لزيف المتصوفة أو "للصوفية المزيفة"، هو في جوهره انتقاد للتشبه الظاهري بهم، باعتباره شكلاً من أشكال الرياء. ومن هنا لم يرَ على سبيل المثال في سياحات المتصوفة الكاذبة شيئاً ما مختلفاً عن سياحات البهائم والحيوانات في البراري. وعندما حكم على أنها مباحة أيضا، فلأنه لم يجد فيها شيئاً مضراً أو نافعاً. إلا أن ذلك لا يعفيها من انتقاده الأخلاقي. وذلك لأنها تشّوه باسم التصوف، التصوف نفسه، أو أنها بردائها الوسخ تضفي على جسد التصوف وبال التقزز. ذلك يعني بأن تصويره الرياء بشكل عام ورياء المتصوفة بشكل خاص يسعى في آن واحد للكشف عن الحالة الدينية السائدة، التي أخذت تتوسع وتتعمق فيها مظاهر التقنع بلباس الصوفية، ولهذا تتبع هذه المظاهرة في كل من الزعقة وغيرها من الظواهر. مثل أن أحدهم يجهد نفسه للسقوط والغيبوبة حال سماعه الذكر، وربما أنه يستحي أن يقال له "إنه سقط من غير زوال عقل وحالة شديدة، فإنه يضطر إلى أن يزعق ويتواجد فيتكلف"[3]. وقد يزول عقله فيسقط ولكن يفيق سريعاً فتجزع نفسه أن يقال إنها حالة غير ثابتة، وإنما هي كبرق خاطف، فيضطره ذلك إلى أن يستديم الزعقة والرقص ليرى دوام حاله وكذلك قد يفيق بعد الضعف ولكن يزول ضعفه سريعاً فيجزع أن يقال له لم تكن غشيته صحيحة ولو كان لدام ضعفه مما يضطره إلى الاستدامة المصطنعة لإظهار الضعف والأنين والاتكاء على الغير من أجل أن يرى ضعفه عن القيام، ويتمايل في المشي أو يقرّب الخطى وما شابه ذلك[4]. ولم يقف الغزالي عند حدود المظاهر السلبية لمتصوفة عصره، بل وحاول استظهار عناصرها القائمة في بعض اتجاهات التصوف، التي تفسح المجال أمام افتعال أفعال كهذه. وخصوصاً تلك التي تؤدي في بعض مبادئها الطرائقية إلى ما دعاه بالتحلل ورفض العمل[5]، أي كل ما سيعيد انتقاده في (كمياء السعادة). وقد اتخذ من أسلوب الملامتية الشكلي موضوع ومادة انتقاده المباشر[6]. ولم يكن ذلك بمعزل عن خصوصية التصوف الغزالي، الذي رفض أسلوب إسقاط الجاه "العبثي"، أي ذلك الأسلوب الذي يعطي للمرء إمكانية القيام "بالفواحش" من أجل استثارة ازدرائهم. فهو يعتبره غير جائز ولا يقتدى به، بفعل عدم قدرته على صنع القيم الأخلاقية المؤثرة في فاعلية الموحدة الاجتماعية[7]. وجعله ذلك يتكلم عما أسماه بانمحاق التصوف بالكلية وبطلانه[8]. ولم يقصد بذلك حقيقة التصوف، بل كيفية ونوعية تغلغله في أتباعه المعاصرين له.

وقد أثار هذا بدوره واستثار المعضلة الفكرية والأخلاقية الكبيرة، التي حاول حلها على أساس رؤية التناقض والواقعية في تمايزات وخلافات العلم والأخلاق في سلوك وأفعال المذاهب والمشارب الإسلامية. فهو يدرك أن العلم لا يندرس، وأن عالم السوء لا يفسد حقائق العلم، بل يفسد سريرته. بمعنى بقائه عالماً دون عمل. وعلى عكس التصوف، الذي يستلزم بالضرورة وحدة العلم والعمل، لأنه المخاض النهائي الذي انتهت إليه وأدت به تجاربه العملية.

وقد أثار ذلك أمام الغزالي، وبوحي تجربته العقلية والعملية، قضية غاية في التعقيد، ألا وهي الكيفية التي يجري بها استمرار العلم (الديني) في أفعاله ووظائفه الاجتماعية والسياسية. وعلى الرغم من التعقيدات الملازمة للإجابة الجازمة بفعل الإمكانيات العديدة لتضارب الأجوبة التي يفرضها منطق العقل والتاريخ في مصالح قواه المتنازعة، فإن الغزالي لم يكف عن أن "يلوي" تفريعات المظاهر والظاهر في اتجاه الباطن الأخلاقي. لهذا أكد على أن العلوم جميعاً، باستثناء التصوف لا تنمحق ولا تغيب في حالة اضمحلال جذوتها الأخلاقية، أي موقف الإنسان الأخلاقي منها. ولا يعني ذلك غياب تأثيرهما المتبادل. فعندما يتكلم الغزالي، على سبيل المثال، عن العلوم الطبيعية، فإنه يشير إلى أنها لا تؤدي في الأغلب بأصحابها إلى الغرور، وذلك بفعل عدم سعيهم إلى الحصول على "مغفرة إلهية"، أي أنها لا تتعامل مع الأخلاق بصورتها المباشرة، على عكس العلوم النظرية والشرعية منها خصوصاً[9].

إنه أراد الكشف عن أن الوحدة الداخلية بين آراء ومبادئ الذات المفكرة وبين ممارساتها العملية هي معيار الحقيقة الأخلاقية، التي لا يمكن تجسيدها الحق إلا في التصوف. غير أن ذلك لا يعني انتفاءها أو غيابها في الميادين العملية والعلمية الأخرى. ومن هنا فإن انتقاده لسلوك "علماء السوء" في مختلف الميادين والمستويات مرتبط بنظراته عن طبيعة العلاقة القائمة والواجبة بين العالم والعلم في تأثيرهما الفردي والاجتماعي، والعلمي والأخلاقي. فالعالِم إما مالك وإما هالك. ومن هنا فإنه لا يمكن تذليل التناقض الفعلي بين الواقع والمثال، والعلم والعمل، وأخلاقية العلم ومساعي العالِم، إلا من خلال تثوير عالم الروح الأخلاقي وتنويره. فالغزالي يدرك إمكانية استعمال العلم كوسيلة للعلو الاجتماعي والسياسي في نظر العوام بما في ذلك من جانب العلماء الصالحين. بينما يتحول العلم في هذه الحالة إلى ما يمكن مقارنته بالخبث الخفي المبطن. وعندما يطالب العلماء بضرورة العزلة وطلب الخمول ودفع الفتاوى فإنه لم يقصد بذلك سوى جبرهم على "امتحان النفس" من أجل امتلاك عنانها. فالحقيقة في نهاية المطاف هي الحق. والحق هو الحقيقة. ومن هنا فإن استغناء عالم الشرع عن الفتاوى هي المهمة الأولى من أجل استكمال صلاح القلب.

بعبارة أخرى، إن الغزالي حالما يضع مهمة رفض الفتاوى استناداً إلى واقع أن الإسلام قائم قبله وبعده ومعه وبدونه، فإنه لم يرم بذلك سوى إلى إعلاء أولوية الممارسة الشخصية التي تجعل من الاستغناء الظاهري وسيلة الغناء الباطني. ولهذا السبب رفض المقالات التبريرية التي سمى رجالاتها "بشياطين الإنس"، أي تلك القائلة بأن ممارسة العزلة تؤدي إلى اندراس العلوم واضمحلالها، باعتبارها لا تدرك ضرورة استمرار العلوم القائمة في متطلبات الاجتماع نفسه وكينونة الإنسان الوجودية. وقد رد على "شياطين الإنس" بالصيغة التي حاول فيها كشف ضعف هذه القناعة "الساذجة" القائلة بإمكانية اندراس العلم. حيث وجد فيها مجرد "خيال يدل على غاية الجهل"[10]. فالناس كما يقول الغزالي "لو حبسوا في السجن وقيدوا بالقيود وتوعدوا بالنار على طلب العلم لكان حب الرياسة والعلم يحملهم على كسر القيود وهدم حيطان الحصون والخروج منها والاشتغال بطلب العلم"[11]. وبهذا المعنى، يمكن فهم مضمون الحديث النبوي القائل بأن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم. بينما حذّر في الوقت نفسه من الاغترار بهذا الحديث. ففي "وضعه" يعكس موضوعية الظاهرة دون أن يجعلها مثالاً يحتذى به. لهذا تناول مهمة العزلة ووظائفها وفوائدها بالصيغة التي تجعل من الحديث النبوي المذكور أعلاه أساساً لها. بمعنى أنه يشير إلى ضرورة عدم مشاركة "علماء السوء" بممارستهم، لا العزلة المطلقة. فهو يدعو للعزلة التي تتحول إلى شعاع المعرفة الحقيقية. فالعزلة هي أحد أسس الإرادة الصوفية، وأحد مصادر تنقية القلب. لهذا اتخذت في منظومته صيغة عزلة الحقيقة عن المصالح العابرة لا المصلحة الحقة.

وقد أعطى ذلك له إمكانية التعامل الشامل مع "نواقص" العلوم في مظاهرها الأخلاقية. فانتقاده "لعلماء السوء" هو انتقاد مظاهرهم المنافية للفضائل الأخلاقية الحقة. أما مظاهر هذه المنافاة فتتجسد بصيغ ومستويات غاية في التنوع بفعل تباين ميادين العلوم. وهو يتناول هنا أيضاً تجربته الشخصية من خلال تجربة الثقافة العامة للخلافة ككل، أي ما سبق وأن تناولته في معرض تحليلي لتجاربه العقلية. فعندما يتطرق لدرجات وتجليات المعارف العلمية المختلفة في صيغها الواقعية الأخلاقية، فإنه يسعى لإظهار انتقاده الأخلاقي لها من خلال إبراز مواقفه الشخصية منها، باعتبارها حكماً ومعياراً لهذه المعارف. ذلك يعني أن انتقاده هو انتقاد المعرفة الإيجابية في مجرى صيرورة البديل التآلفي، الذي يتمركز في منظومته حول ضرورة وحدة العلم والعمل. وهو ما افتقدته علوم عصره، وما عجزت عن تطبيقه النموذجي.

لهذا تكلم في معرض وصفه فِرق من يدعوهم بأهل العلم عن أولئك الذين أحكموا العلوم الشرعية والعقلية وتعمقوا فيها إلا أنهم أهملوا تفقد الجوارح وحفظها من المعاصي. فهم المغترون بالعلم، أي أنهم لم يربطوا العلم بالعمل واقتنعوا بأفضلية العلم فقط، أو ما يمكن دعوته بأهل العلم للعلم. وهناك من أحكم العلم والعمل وواظب على الطاعات الظاهرة وترك المعاصي، إلا أنه لم يتفقد قلبه ليمحو الصفات المذمومة من الكبر والحسد وطلب الرياسة. فهم أولئك الذين زينوا الظاهر وأهملوا الباطن. في حين هناك من علم أن هذه الأخلاق الباطنة مذمومة من جهة الشرع، إلا أنهم لعجبهم بأنفسهم يظنون أنهم منفكون عنها، وينظرون إلى كِبرهم على أنه طلب عز الدين وإظهار شرف العلم. وهناك من أحكموا العلم وطهّروا الجوارح وزينوها بالطاعات واجتنبوا المعاصي وتفقدوا أخلاق النفس وصفات القلب من الرياء والحسد والحقد والكِبر ولكن بقيت في زوايا القلب من خفايا مكايد الشيطان وخبايا خداع النفس ما دقّ وغمض. إنهم أولئك الذين يرون في أنفسهم الكمال، إلا أن أعماقهم تشرئب لسماع مدح الخلق وحسن الظن بهم.

أما فرقة أهل الكلام، فإنها تقول بأنه لا عمل إلا بإيمان، ولا إيمان صحيح إلا بالعلم (الجدل)، وأن الإيمان هو عقائدهم. فقسم منهم يرى الشبهة دليلاً، وقسم يظن الجدل أهم الأمور. وهناك من يشتغل بالوعظ والتذكير، وأعلاهم من يتكلم بأخلاق النفس وصفات القلب، إلا أنهم يظنون بأنفسهم أنهم إذا تكلموا بهذه الصفات ودعوا الخلق إليها، فقد صاروا موصوفين بها. ومن النادر، كما يقول الغزالي، العثور على من يتصف منهم بهذه الصفات.

بينما وجد في المعاصرين له من الوعاظ والمذكّرين أناساً لا همّ لهم سوى الاشتغال بالطامات والشطح وتلفيق الكلام المزخرف طلباً للأغراب.

في حين اهتم آخرون بالنكت والسجع والشعر والوجد، بينما اقتنع القسم الآخر بحفظ كلام الزهاد وأحاديثهم بذم الدنيا. واستغرق آخرون أوقاتهم في علم الحديث. في حين أن السماع الحق هو الفهم الحق لا الرواية. أما من اشتغل بعلم النحو واللغة والشعر، فقد أصبح ضحية الكلمة باحثاً فيها عن الحقيقة والقيم غير مدرك بأن لغة القرآن (العربية) تساوي اللغات الأخرى لا فرق بينها سوى لورود الشرع فيها. وبالتالي فإن إضاعة الوقت في البحث عن الغريب فيها هو مجرد غرور لا غير.

أما الفقهاء، فإن عظم غرورهم في فن الفقه لظنون أن "حكم العبد بينه وبين الله يتبع حكمه في مجلس الفقهاء، فوضعوا الحيل في دفع الحقوق وأساءوا تأويل الألفاظ المبهمة"[12].

أما الفِرق الداخلة فيمن يدعوهم بأرباب العبادة فمنها تلك التي أهملت الفرائض واشتغلت بالنوافل، وهناك من غلب عليه الوسوسة، أي الذي يصرف وقته في عقد النية. وهناك من تغلب عليه الوسوسة في إخراج حروف الفاتحة بحيث لا يهتم بصلاته، وفي صلاته إلا في التشديد والتفريق بين الضاد والظاء.

وهناك من اغتروا بقراءة القرآن، بينما لسانه في القرآن وقلبه في أودية الأماني، في حين اغتر آخرون بالصوم، وربما صام الدهر ولا يحفظ لسانه عن الغيبة. في حين اغتر آخرون بالحج من غير خروج عن المظالم،

بينما أخذت فرقة أخرى بطريق الحسبة، أي مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونسي نفسه. وهناك من جاور بمكة واغتر بها، وهناك من زهد بالمال وقنع بالبسيط من اللباس والمسكن، إلا أن حب الرياسة والجاه مسيطر عليه. وهناك من حرص على النوافل لا غير[13].

أما الفرق الداخلة تحت تسمية المتصوفة، فباستثناء القلة الحقيقية منها، فإن هناك من اغتر منهم بالزي والهيئة والمنطق، بينما فرقة أخرى يشق عليها الإقتداء بالمتصوفة ولهذا تركوا الحرير ولبسوا المرقعات النفيسة، في حين ادعى آخرون علم المعرفة (الصوفية) ومشاهدة الحق ومجاوزة المقامات والأحوال الملازمة في عين الشهود وهم لا يعرفون هذه الأمور إلا بالأسامي والألفاظ. بينما وقع آخرون في الإباحة. وهناك فرقة اجتنبت الأعمال وأطلقت الحلال واشتغلت بتفقد القلب، وصار أحدهم يدعي المقامات من الزهد والتوكل والرضا والحب من غير وقوف على حقيقة هذه المقامات وشروطها وعلاماتها وآفاتها. في حين ضيقت فرقة أخرى على نفسها أمر القوت حتى طلبت منه الحلال الخالص وأهملوا تفقد الجوارح والقلب من غير هذه الخصلة الواحدة. في حين هناك من ادعى حسن الخلق والتواضع والسماحة وتصدى لخدمة الصوفية لا لشيء إلا للرياسة وجمع المال، مثلهم مثل من يبني مسجد ويطينها بالعذرة. وهناك فرقة اشتغلت بالمجاهدة وتهذيب الأخلاق وتطهير النفس من عيوبها وصاروا يتعمقون فيها فاتخذوا البحث عن عيوب النفس ومعرفة خدعها علماً وحرفة. بينما هناك من ابتدأ السلوك وحالما انفتح له باب من أبواب المعرفة وتشمم من مبادئها رائحة تعجب منها وفرح فتقيد قلبه بالالتفات إليها والتفكر فيها. وهناك من لم يلتفتوا إلى الأنوار وما يفيض عليهم في الطريق ولا إلى ما تيسر لهم من العطايا الجزيلة، أولئك الذين وصلوا حد القربة إلى الله فظنوا أنهم قد وصلوا إلى الله[14].

لقد حاول من وراء نقده الواقعي والمتسامي لغرور هذه الفرق (الثلاثين) الأساسية من فرق الإسلام النموذجية في مختلف ميادينها ومستوياتها الدينية والفكرية أن يكشف عن ضعفها في بلوغ "درجة الحقيقة"، أي أنه أظهر عجزها الذاتي عن الكمال، بفعل انتاج كل منها وهمه الخاص وتناقضاته السيئة. غير أن هذه الفِرق شكلت جميعها، إن أمكن القول، رصيده الشخصي في تجاربه العقلية والعملية ومقدمة إدراكه حقيقة الصلة المقطوعة بين العلم والعمل في تجلياتها المثلى، أي كل ما سيجده في منظومة الصوفية وطرق تصوفها، باعتبارها طرق بلوغ وحدة العلم والعمل. وقد كانت هذه الخلاصة نتيجة تجربته الفكرية (العقلية) وانكساراتها العملية.

فهو لم ينظر إلى علاقة العلم بالعمل نظرته إلى معضلة للمرة الأولى إلا في (ميزان العمل). ولم يناقش هذه القضية من قبل ولا نعثر عليها في أي من مؤلفاته السابقة له. أما الأفكار التي يوردها في (ميزان العمل) فهي استمرار الصياغة الأخلاقية لعقلانية (ميزان العلم) و(معيار العلم). وأن هذا بدوره يبرهن على أن العقلانية في حالة دفعها إلى نهايتها المنطقية، فإنها لابد وأن تواجه "مصيرها الأخلاقي". أما في حالة الغزالي، فإنها وضعته أمام تنويره الأخلاقي.

فهو لم ينتقل إلى التصوف إلا بعد (ميزان العمل)، أي أنه عبّر عن مرحلة الانتقال. ونعثر على ملامحه ومعالمه في تضمنه عقلانية الفلسفة وأخلاقية التصوف. فهو يشير إلى أن (معيار العلم) هو القسم الأول والضروري لمعيار العمل (ميزان العمل)، أي أن السعادة لا تنال إلا بالعلم والعمل ولهذا استلزم ذلك معياراً لكل منهما. وبهذا المعنى فإن (ميزان العمل) هو استكمال ومكمل (لمعيار العلم). أما عقلانيته فهي لا تظهر في تأكيده على الربط الكلي بينهما فحسب، بل وفي محاولته الأولية إبراز التباين النسبي بين "سلوك" العلم والعمل، أو المنطق والأخلاق في ظل وحدتهما. لهذا شدد على أنه لو استقصى حقيقة الأخلاق في (ميزان العمل) لارتقى إلى حد البرهان على الشروط التي ذكرها في (معيار العلم)[15]. إذ لا يمكن بلوغ السعادة، حسب نظره، دون وحدة العلم والعمل. وهو يدرك بأن هذه الفكرة هي ليست من اختصاص التصوف بقدر ما أنها حصيلة الاتجاهات الفكرية الكبرى للثقافة الإسلامية ومعضلتها الجوهرية في الوقت نفسه. فهو يؤكد على أن المنظومات الفكرية الكبرى جميعاً لعلم الكلام والفلسفة والتصوف محقة في نظراتها العامة عن أن وحدة العلم والعمل هي الطريق الوحيد لبلوغ السعادة[16].

إن إدراك هذه الوحدة لا يشكل ضمانة كافية لبلوغ حقيقتها. بمعنى أنه لا يمكن بلوغ حقيقة الوحدة دون إدراك حقيقة الطريق إليها. فهو ليس أسلوباً إضافياً أو عابراً، بل يتحكم به ذاته في جوهرية الصياغة العملية والعلمية أيضاً في بلوغ السعادة. مما أدى بالضرورة إلى تباين قيمته في نظر أهل العلم من مختلف الاتجاهات والمدارس. ولم يسع الغزالي من وراء ذلك للقول بأنه لا يوجد تشابه بين طرق السماء والأرض، بقدر ما أنه أراد أن يحدد التناسق في ما بينهما باعتبارهما نسخة للمطلق. مثلما سيعبّر عن ذلك لاحقاً بفكرته القائلة، بأن عالم الملك والشهادة هو النسخة المادية (الطبيعية) لعالم الملكوت، تماماً كما أنه لاشيء في الفكر ما لم يكن له وجود في العالم. وأن لهذا الاستنتاج المعرفي سلبية إيجابية في مجال الممارسة العملية، صاغها الغزالي في (أيها الولد) بوضوح عندما قال بأن العلم المجرد والمفلس من الأعمال والخالي من الأحوال لا يؤدي إلى السعادة. وقد أورد مثالاً عن ذلك في سؤاله البسيط القائل، لو كان على رجل في البرية عشرة أسياف هندية مع أسلحة أخرى، وكان الرجل شجاعاً فحمل عليه أسد مهيب فما ظنك، هل تدفع الأسلحة شرّه بلا استعمالها؟ وقد كان الجواب بالنفي. وبالقدر ذاته لا يمكن للمعرفة مهما كان حجمها ووزنها وغزارتها أن تسعف الإنسان دون استعمالها. وحدد ذلك موقفه المتضمن في النصيحة القائلة "عش ما  شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجازى"[17]. فهي المقدمة التي يمكن تتويجها بالعلم العملي الذي يصوغه الغزالي استناداً إلى فكرة الشبلي (ت-334 للهجرة)، الذي وجد في كل علوم الأولين والآخرين ما يمكن بلورته بعبارة "اعمل لدنياك بقدر مقامك فيه، واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها، واعمل لله بقدر حاجتك إليه، واعمل للنار بقدر صبرك عليها"[18].

وتستند هذه الأفكار إلى ما هو مميز للصوفية بشكل عام من تقديم العمل على العلم. بمعنى أنهم لم يحرصوا، كما يقول الغزالي، على تحصيل العلوم ودراستها وتصنيف ما يمكن تصنيفه، بل قالوا إن الطريق هو تقديم المجاهدة بمحو الصفات المذمومة[19]. وهو يشير هنا للمرة الأولى إلى تجربته الشخصية التي نعثر على بعض جوانبها أيضاً في كتابه (إحياء علوم الدين) ومؤلفاته الأخرى. وبالأخص ما يتعلق منها بمحاولاته دخول الطريق الصوفي. فقد أورد في (ميزان العمل) قوله، بأنه عندما أراد دخول الطريق، شاور متبوعاً مقدماً من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن، غير أن الصوفي طالبه قائلاً "السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية"[20]. فهو السبيل الوحيد الذي يجري فيه قطع الاختيار وبقاء الانتظار. غير أن ذلك لا يعكس في الواقع، سوى المظهر الأول لمحاولاته النظرية (العقلية) في ميدان التصوف، لا ممارسته العملية. فهو يشير في (ميزان العمل) وفي أعماله الأخرى اللاحقة، إلى "الكثير من الحقائق المنزّلة على المتصوفة هي من وحي الخيالات. وسببها في الأغلب غياب الرياضة بالعلوم البرهانية الحقيقية"[21]. إذ كم من صوفي، كما يقول الغزالي نفسه، بقي في خيال واحد عشر سنين إلى أن تخلص منه. ولو كان قد أتقن العلوم أولاً لتخلص منها على البديهة[22]. ومن هنا تأسيسه لضرورة معرفة علوم ما حصله الأوائل والأواخر.

وسوف يغير مواقفه هذه تغييراً جوهرياً، بحيث ينفي هذه المقدمة وشرطيتها الملزمة، وإبقاءها باعتبارها درجة ضرورية في بقاء الأسس العلمية (المعرفية) المتينة للتصوف. بصيغة أخرى، إن تغيير مواقفه اللاحقة عن مبدأ المعرفة الأولية والضرورية للدلائل والبراهين لا يعني نفي قيمتها. على العكس! إنه ظل جوهرياً في منظومته الصوفية أيضاً، بفعل مساره الشخصي، الذي مثّل أيضاً أحد تجليات الطريق. وكذلك الحال بالنسبة (لميزان العمل). فقد كان هو التمرين الأول الذي أثار في وعيه النظري الأخلاقي أفضلية الصوفية كما هي. ويمكن العثور عليه أيضاً في الاستثارة الداخلية لصراعه الذاتي، التي يحكي بعض حذافيرها المرهفة الإحساس في (المنقذ من الضلال). وبالأخص ما يتعلق بصراع الوعي النظري الأخلاقي ووضعها إياه كفرد وذات مفكرة أمام محك العمل، باعتباره خياره "الأبدي". وقد قدم لنا في كلماته صياغة غاية في الدقة لخلجات ضميره المضطرب. ولم يغيّر من حساسيتها شيئاً، كونها قيلت بعد سنين طويلة من فعل "الاختيار" الحازم لوضع حد لانتهاك العقل مستلزمات خلاصه الروحي. لهذا أخذ يفكر في حينها، كما يقول في (المنقذ من الضلال) وهو على مقام الاختيار، بتصميم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة الأحوال التي يعيشها يوماً ويحلّ العزم عنها يوماً. ويقدم فيه رجلاً ويؤخر أخرى. لا تصدق له الرغبة في طلب الآخرة بكرة إلا ويحمل عليها جنّ الشهوة حملة فيغيرها عشية[23]. فما يدعوه لقطع علاقته بالدنيا يثير في نفسه شك الاعتراض على أن ما يواجهه هو مجرد حالة عابرة سريعة الزوال.

فهي الحالة التي تثير في النفس صراعات الضمير المستتر بالشكل الذي لا يخضع لرقيب غير رقيب العقل والمصلحة. وفي ما بينها ينبغي للروح أن يقطع شكوكه. وقد شغلت هذه الحالة قلب الغزالي وعقله في غضون الأشهر الستة التي مهدت حالة "تجاوزه حد الاختيار إلى الاضطرار"، أي كل ما سبق وأن كوّن حاله الذي أدى به إلى الانغلاق الذاتي، أو الحالة التي تحول فيها عالمه الروحي إلى ميدان الاختيار النهائي لحقائق الإرادة الباحثة عن معنى خارج ارتكانها المباشر لمهمات وغايات "الوجود الطبيعي"، أو هي ذاتها حالة "السرّ الأعظم" لمسيره الشخصي المتقلب بين فضائل العالِم ورذائله في علومه وأعماله. وليس هناك أكثر منه من كشف عنها في عباراته القائلة "كنت أجاهد نفسي أن أدرّس يوماً واحداً تطييباً لقلوب المختلفة إليّ، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة. حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزناً في القلب بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب. فكان لا ينساغ لي ثريد ولا تنهضم لي لقمة. وتعدى إلى ضعف القوى حتى قطع الأطباء طمعهم في العلاج وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج فلا سبيل إليه بالعلاج إلا بأن يتروّح السرّ عن الهمّ الملِّم"[24]. وهذا بدوره ليس إلا حصيلة الفكرة القائلة، بأن رجل العلم والمعرفة الحقيقي، أي الذي يرتقي إلى مصاف الروح، هو الذي يخلص في الأقوال والأعمال بمعايير الحق والحقيقة. وهو أمر نادر جدا. أما الإدعاء والألقاب فهي أشياء لا يعتد بها لأنها في أدنى حالاتها صورة بلا معنى، وفي أعلاها "بلاغة البلادة".

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص238.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص250.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص331.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص331.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص329-230.

[6] سوف اتناول ظاهرة الملامتية الحقيقية والملامتية المفتعلة في بحث خاص. والغزالي يدرك الفرق أو البون الشاسع بينهما. وبالتالي، من الضروري فهم نقده الشديد لظاهرة الملامتية ضمن حدود فهمه الواقعي لمهمة الإصلاح والالتزام العلني بقواعد السلوك التي تذلل البون المفتعل بين الظاهر والباطن في السلوك الفردي وأبعاده الاجتماعية والأخلاقية العملية. كما ان لهذا النقد محدداته في رؤيته الخاصة لوحدة الشريعة والطريقة والحقيقة التي بلورتها ثقافته الفقهية والكلامية، كما نراها في أسس وغاية بديله النظري والعلمي. وضمن هذا السياق يمكن اعتبار نقده اللاذع للملامتية على انه شكل من أشكال تذليل وتخطي تجربة العوام الصوفية. إذ للمتصوفة أيضا خواصها وعوامها في الأتباع كما هو الحال بالنسبة لكل منظومة فكرية كبيرة قابلة للتغلغل في أوساط العامة.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص288.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص250.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص399.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص433.

[11] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص432. إن الفكرة التي يشدد عليها الغزالي باستحالة اندراس العلم لها أساسها المنطقي في المعرفة. أما عمقها الثقافي هنا فيقوم باحتوائها الضمني على الصيغة الإصلاحية البديلة التي بلورها في فكرة بقاء العلوم بفعل الحوافز الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية واستمرارها في "طلب الرياسة والجاه". لقد ابقى على هذه القوى المادية والمعنوية، بوصفها قوى واقعية فاعلة في إنتاج وإعادة إنتاج العلوم ومؤسساتها. إلا انه بحث في واقعية هذه القوى عما يمكن نفيه بقوى الاخلاق الحية من اجل صنع لفيف الوحدة الحقيق والفعلية بين العلم والأخلاق. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة الملموسة لوحدة العلم والعمل. ولا يمكن فهم مضمون وحقيقة هذه المحاولة وأهميتها النظرية والعلمية بمعزل عن تجربته العملية ومساعيها النظرية في نقض وتهشيم مقومات ومكونات السوء في العلم وعلماء السوء. أما احكامه عن عدم اندراس طلب العلم فإنها تعكس من حيث مقدماتها الجازمة واقع الثقافة آنذاك واندفاع من محترفيها من علماء الدين وأمثالهم صوب روافد العلم وتفريعاته بوصفها جزء من حب السيادة والجاه.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص388-399.

[13] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص400-404.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص404-407.

[15] الغزالي: ميزان العمل، ص11.

[16] الغزالي: ميزان العمل، ص21.

[17] الغزالي: أيها الولد، ص94.

[18] الغزالي: أيها الولد، ص95.

[19] الغزالي: ميزان العمل، ص38.

[20] الغزالي: ميزان العمل، ص39.

[21] الغزالي: ميزان العمل، ص40.

[22] الغزالي: ميزان العمل، ص40.

[23] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص135.

[24] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص136.

 

في الحلقة الماضية كنا قد تحدثنا عن مفهوم تعدد الزوجات وموقف الكتاب المجيد منه، وقد دل الدليل على إن هذا المفهوم قد أُسيء أستخدامه وفهمه، وخلط وأستُبدل في معناه بينه وبين غيره، فالتعدد في الزواج كما قلنا هو مستحيل بل غير ممكن -، وإن ما يفعله عامة الناس في هذا المجال ليس صحيحاً لأنه يعتمد في الأساس على أخبار و فتاوى مخالفة لما ورد في الكتاب المجيد .

 ومعلوم أن فقهاء التراث وبعملية لا نفهمها خلطوا بين مفهومي ومصطلحي - النكاح والزواج - وجعلوا منهما معنا واحدا، لكن الكتاب المجيد لما أباح التعدد جعله مقيدا ومحصوراً في النكاح والذي هو المتعة أو التمتع، وذلك لغاية معلومة منه تُلبي الحاجة والغريزة، وبما إن هذه الحاجة وهذه الغريزة متغيرة بحسب الوضع، لذلك ربط الكتاب مفهوم التعدد بذلك مع آلية الزمن المحدد والمعين، و ذلك لتعلق الأمر ليس فقط بالقدرة بل والرغبة أيضاً وإمكانية التعايش .

 لذلك قال: [أنكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورُباع ..]، وفي هذا النص نرى الدور واضحاً كذلك الملازمة بين فعل

 - أنكحوا - وفعل - طاب - مع الأسم الموصول، يدل على الشيء الطيب أو ذلك الشيء الحسن الذي تركنون إليه أو تودون معاشرته، ولعل أن مفهوم - ما تودون معاشرته - هو أقرب المصاديق للمُراد بلحاظ وجود فعل - أنكحوا -، وقد ركز الكتاب المجيد على ذلك من باب الموافقة التحصيلية، ولا نظن إن من منعوا أو أبطلوا (نكاح المتعة) أستندوا في حجتهم إلى دليل من الكتاب واضح ورزين، إنما هو الهوى ولنقل هو المنع السلطاني المرتبط بالحاجة والضرورة بحسب ظرفي الزمان والمكان، ولا يمكننا إعتبار هذا المنع بمثابة الحكم الشرعي المستند على دليل من الكتاب، إنما هو وبحسب الظن الغالب كان المنع مرتبطاً برؤية الحاكم للمصلحة من ذلك وحسب مقاسات الزمان والمكان المعينين، وليس هو حكماً شرعياً يجري ويدوم في كل زمان ومكان، وهذا ما نفهمه من حكم الخليفة عمر بن الخطاب، إذ لا يجوز بحال إعتبار المنع منه بمثابة الحرمة الشرعية المؤبدة والملزمة للجميع في كل زمان ومكان، كما يروج لذلك بعض الأتباع والمريدين .

 وإذا كان ذلك كذلك، فيمكننا إستصحاب القاعدة الأصولية والقائلة: (إن الأحكام تتغير تبعاً لتغير الزمان والمكان) -، مع التنبيه والإشارة إلى إن هذه القاعدة ليست حكماً شرعياً بقدر ما تكون حلاً عقلائياً، خاصة ً في ظل الإضطراب والتفاوت المفهومي والدلالي، أضف إلى هذا إن ما أفتى به - حكم عمر بن الخطاب - لا يتعدى من كونه - منعاً مقيداً بالزمان والمكان - هذا إن إعتبرنا صحة ماروي عنه في ذلك .

 وفي هذا نقول إنه: ليس من حق أحدا ما كائنا من يكون في أن يُحلل أو يُحرم -، ذلك إن التحليل والتحريم هي من شؤونات الله خاصة، أي هي من إختصاصه وحده سبحانه، وليست هي من صلاحيات الحاكم الزمني، ولو تنزلنا وقبلنا عمر بن الخطاب في هذا الشأن، إذن لا بد من القول: إن ذلك منه ليس سوى إجتهاد سلطاني زمني محكوم بظروفه وطبيعته والأسس التي أرتكز عليها -، و مع إن ذلك منه ليس مهماً لنا، إذ إننا لا نتعبد بحكم الرجال، ولكن المهم في الأمر هو تلك التبعات التي أعقبت هذه الفتيا، مما أدى بالبعض من القوم إعتبار إجتهاد عمر بن الخطاب حكماً شرعياً ملزماً للجميع، وهذه مغالطة بل مفارقة وهي واحدة من الأشياء التي أعاقة فهم نصوص الكتاب المجيد والإستفادة منها .

ولها نقول: إن نكاح المتعة جائز شرعاً وعقلاً - وضمن شروطه الموضوعية الضامنة لصحته، وإن توفرت هذه الشروط على نحوها الصحيح فلا بأس بذذلك مع وجود (الحاجة والمصلحة والقدرة والإستطاعة)، ثم إن الملاك والمناط في الجواز هو صحة العلاقة الجنسية المنصوص عليها والمُرادة في ذاتها لذاتها [وكما هي الغرائز والشهوات تدخل في باب الحريات الشخصية]، والكلام هنا في أصل الجواز وليس في التفاصيل التي قد يُناكف بها البعض لعدم الضبط والإلزام .

 وأما ما يترتب على أصل نكاح المتعة من أحكام وتبعات من أطفال وذرية، فيخضع القول فيه وفي أحكامه لنفس أحكام ونواميس الزواج تماماً، من شرط النسب والضمان والحماية والتوريث وكل ما يتعلق بالأولاد الصلبيين، وهذا في الأصل التشريعي لصحة هذه العلاقة ومشروعيتها، ومثالنا الدائم في هذا ما فعله نبي الله موسى، ولم يُذكر إن موسى النبي قد تخلى عن ذريته وأبنائه، وفي ذلك يكون فعله الدليل على صحة النسب والتوريث والحماية والضمان ويجري هذا كذلك بالنسبة لعامة الناس، من غير تفاوت أو إختلاف .

نعم إن كتب الفقه التراثي مليئة بكثير من الشطط والوهن، وإن الكثير مما كتبه الفقهاء ودونوه لا يصلح في المقام ولا يصح تداوله اليوم، خاصةً تلك الفتاوى الفجة والتي تخالف النصوص المجيدة ولا تلتزم بالقواعد تلك، والكثير منها كُتب من غير تحقيق أو تدقيق إنما نُسخت نسخاً عن الغير، وكلامنا هذا نقصد به بعض القوم ممن له شخصية إعتبارية ومع ذلك فهو يفتي بجواز التمتع بالزانية وذات العلم !!!، مع علمهم إن تلك مخالفة صريحة لكتاب الله المجيد الذي قال:  [الزاني لا ينكح إلاَّ زانية .. والزانية لا ينكحها إلاَّ زان .. أو مشرك وحُرم ذلك على المؤمنين] - النور 3، وشرط الصحة في النكاح المسموح به، هو تلك القاعدة الشرعية التي عليها التقرير .

 ونسأل هنا: من أين أتت الجرئه لدى بعض الفقهاء لكي يفتي ويجيز التمتع بالزانية ؟؟؟ !!! .

والجواب: لا يخلو الأمر من قلة وعي أو محاولة تبرير وإيجاد سبيل يحد من الظواهر السيئة، كما إن ما أعتمده الفقهاء من أخبار في هذا الشأن ليست على ما ينبغي، ولذلك نقول: إن أقوالهم في هذا الشأن متهافته وباطلة ولا يعتد بها -، ونضيف: بأن المدة التي لا يحصل من وراءها براءة الأرحام وطهارتها لا يتم بها عقد نكاح المتعة ولا يصح -، ولذلك فالعقود ذات الأجل القصير لا يصح بها عقد المتعة ولا يجوز، لأن الأصل هو براءة الأرحام و لما يستتبع ذلك من لواحق معلومة ..

وزيادةً في الإيضاح نقول: إن مشروعية (نكاح المتعة) شيء وممارسته شيء أخر -، والكلام هنا وفي مجمل البحث عن المشروعية المحكي عنها والمستمرة، وذلك ما نرآه واضحاً في القول التالي: [.. وإمرأة مؤمنة أن وهبت نفسها للنبي إن أراد أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين ..] – الأحزاب 50، ثم إن ضبط وتطبيق تلك المشروعية على المفردات يلزمه ضبط وتطبيق الشروط الموضوعية الضرورية واللازمة في ذلك، ولا يذهبن بكم الخيال لتجريد النصوص من سياقاتها ومعانيها الموضوعية، - فالهبة - مثلاً هنا جاءت مقيدة بفعل النكاح ومفهومه الدال على الإستمتاع، ولا يجوز النظر إليها من خارج دائرة وحرية العلاقات الجنسية المسموح بها والمقررة في الكتاب المجيد، وأما التقيد الوارد في النص فلا يتعلق بمشروعية نكاح التمتع بل بخاصية قوله - (خالصة لك) -، أعني إن المتعلق بالخصوص ليس - النكاح بذاته - بل صيانة ساحة النبوة من العبث والقيل والقال وترصد الأعداء، وفي هذا المعنى صلة شبه أكيدة في المُراد من قوله تعالى: [يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ..] - الأحزاب 32، لذلك حرص الكتاب المجيد للعناية بها وصونها وحمايتها من الغير، وهذا منه متعلق بأصل النبوة و شخص النبي، ولذلك وتدعيماً لهذه الفكرة ورد في السياق نفسه قوله تعالى: [.. وأزواجه أمهاتهم ..] - الأحزاب 6، أي جعل عامة ما يقع مصداقاً في هذا المجال من النساء بمثابة الأمهات من حيث الحرمة والقدسية، ومنه نفهم قوله تعالى - خالصة لك - من دون المؤمنين .

وفي بحثنا عن النبوة قلنا: إن فعل النبي ليس صالحاً للتأسي والإقتداء -، (وفعل النبي هو غير فعل الرسول)، ففعل الرسول له القابلية على ذلك لأنه يرتبط بالنظام والقانون والحاكمية والأمامة، وهذه أشياء تكون مثلاً وحجة على الغير عكس فعل النبي الذي لا يكون كذلك، قال تعالى: [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ..] – الأحزاب 21، وعبارة (كان لكم) أي - إن لكم - على النصب في سياق التبعية الولائية للرسول، ولم يقل: (لقد كان لكم في نبي الله أسوة حسنة) -، وكذلك قال تعالى: [وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فأنتهوا .] – الحشر 7، ولم يقل: (وما آتاكم النبي فخذوه) - ومعنى ذلك: إن دور النبي يختلف عن دور الرسول، ووضع النبي يختلف كذلك عن وضع الرسول وطبيعة النبي صفة وموضوعاً مختلفة عن طبيعة الرسول صفة وموضوعاً -، ومن هنا فأحكام النبوة هي غير أحكام الرسالة، وذلك واضح وجلي، ففي قضية القتال التي هي قضية فطرية ربطها الكتاب المجيد بالنبي ولم يربطها بالرسول في مجال التحشيد وشد الأزر، قال تعالى: [يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ..] – الأنفال 65، ولم يقل – (يا أيها الرسول حرض المؤمنين على القتال)-، ذلك لأن القتال المشروع في اصله هو دفاع فطري، وفي الدفاع لا نحتاج إلى تشريع بل نحتاج إلى تذكير وبلاغ وحماسة وتحشيد وشد أزر، ومعلوم إن القتال المسموح هو ذلك القتال الذي يكون في رد الظلم والدفاع عن المظلوم، قال تعالى: [أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظلموا ..] - الحج 39، فالقتال المسموح والمأذون به شرعاً هو ذلك القتال من أجل دفع الظلم (وحين يقول الكتاب - حرض المؤمنين -، فالكلام فيه لا يتعدى هذا المعنى الذي ذهبنا إليه، إذ ليس مسموحاً القتال الأبتدائي)، والذي من مصاديقه القتال من أجل الدعوة إلى الإسلام ونشره أبتداءاً وهذا باطل لا يجوز، وهو ما توهم به الشافعي وتبعه في ذلك عامة فقهاء التراث مع الأسف، وكما قلنا إن القتال المأذون به هو ما يرتبط بالفطرة .

وبما إن الزواج والنكاح كذلك يرتبطان بالفطرة، لذلك جعلهما الكتاب من لوازم النبوة كالقتال، والكلام هنا عن المشروعية وليس عما يترتب لا حقاً عليهما من أحكام، فذلك محله الرسالة بإعتبارها قوانين تحكم سير العملية التنظيمية للحياة .

ولكن هل يصح للنبي ما لا يصح لغيره من الأفعال؟ .

 والجواب: نعم يصح للنبي ما لا يصح لغيره، ويكون ذلك كذلك لخاصية النبوة، فعلى سبيل المثال ثبت إنه قد: صح للنبي الزواج بأكثر من إمرأة -، ولكن هذا الشيء لا يصح لعامة الناس، أما لماذا يصح له ذلك ولا يصح لغيره؟، فالظن الغالب عندي في ذلك يعود في الأصل لحاجة النبي والنبوة لمريدين ومصدقين وأعوان، وفي هذا يكون الفعل في التعدد له صلة بمفهوم - تقريب القلوب إلى الدعوة وإلى النبوة -، وهذا الفعل ليس تبريراً بل هو تكيتكاً مسموحاً به، مع وجود الحاجة والمصلحة، وقد ثبت بالدليل صحة: مفهوم المؤلفة قلوبهم إنما أنطلق ذلك من حاجة ومصلحة، مما يكون له أثراً ومنفعة مطلوبة في ذاتها لذاتها، وسنزيد في القول: إن الغرض من ذلك دفع الذرائع، والتخفيف من حدة التناقض والبغضاء، وفي المقابل جر الناس إلى ساحة النبوة والتعاطي معها من غير تفريط أو حساسية زائدة، ولهذا نفهم المُراد من قوله تعالى: [ولو كنت فضاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك ..] - آل عمران 159 .

يتبع

آية الله الشيخ إياد الركابي

23 جمادي الأولى 1440

 

ميثم الجنابي"ظنوا أن حكمهم العبد بينه وبين الله

 يتبع حكمه في مجلس الفقهاء"

 (الغزالي)

للثقافة الواحدية إشكالاتها المنطقية، لأنها لا تستطيع إدراك حقيقة وجودها خارج أحكامها، أي أنها لا تتلذذ بتأمل ذاتها دون حصر النفس في قيود ما تعتقده مقبولاً ومرفوضاً. لهذا تبدع حدودها العقلية والعملية باعتبارها ضفافاً لسيلان روحها العارم. وإذا كانت هذه الصورة التي يبدعها خيال المقارنة الفنية توحي أيضاً بهدوء فوران المنابع في المصبات، فلأن الثقافة هي الأخرى تشق لنفسها مجراها في صحارى التجربة الإنسانية لتروي ظمأها العقلي والأخلاقي بجهدها الخاص من منابعها الأولى. وعلى قوة هذا الارتباط الوجداني بالمنابع الأولى تتوقف نوعية جهودها الذاتية في إبداعها العلمي والعملي، أي أن هذه العلاقة تفسح المجال أمام نوعيات مختلفة لتمثيلها في العلم والعمل. فيمكنها أن تولّد صيغة الإدراك القائل بأن جهودها الذاتية هي مجرد فعل في واحدية الثقافة، أو أنها مجرد أخذ وعطاء، أو أنها إبداعها الخاص، أو أنها استمرار لا غير، أو أنها حصيلة لكل هذه التجليات والمظاهر.

إن هذا الارتباط لا يصنع صيغة موحدة رغم وجود مظهرها. وإذا كانت هذه الظاهرة أكثر تعقيداً في الحضارات الواحدية الكبرى، فإن نتوءها في شخصياتها الكبرى لا يقل تعقيداً، بفعل تمثلهم لمكوناتها الثقافية بذواتهم. إلا أن هذا التمثل يجري عبر تقاليد العلم والعمل، أو حدودهما وغاياتهما. فعلوم الثقافة الواحدية تفعل فعلها على الدوام ضمن حدودها العقلية والعملية. وإذا كان الفقه هو الميدان الأوسع لتجربة الغزالي العملية، فلأنه الميدان المباشر لانكسار إبداعات الثقافة الإسلامية في نواحيها المختلفة. فهو الميدان الذي جمع بصورة نموذجية ثنائية العقل والنقل. وإن اكتفاءه بحدود هذه الثنائية المباشرة أو بقاءه في مغامرات الجسد الثقافي، قد استثار على خلفية يقين العقل وشكوكه حوافز البحث عن الاطمئنان الروحي.

فقد تضمن الفقه في أعماقه تجربة العلم والعمل في مستواها المادي الروحي، أي أنه احتوى في ذاته على وجود الثقافة وعدمها. وليس مصادفة أن يشعّ بأنواره الدافئة على روح الثقافة الإسلامية وأن يكبلها في الوقت نفسه بفروضه وحلاله وحرامه ومباحه. غير أن لهذه القيود أثرها غير المباشر في الروح. بمعنى أنها لا تتعامل مع الجسد إلا في إطار عقلانية المواقف والمصالح، بينما تتخلل جزئياً عالم الروح باعتباره ميداناً لتجلي النسبة الخفية في ما بين العبودية والربوبية. وفي هذه العلاقة المجردة اكتشفت تيارات الثقافة كل لنفسها درجات ارتقائها في سلّم الملك والملكوت (الطبيعي وما وراء الطبيعي) أو نزولها من الحضرة الإلهية إلى عرش الوجود. أما في تجلياته الشخصية، فإن هذا الاكتشاف ما كان بإمكانه أن يمتلك معناه الحق وقيمته المؤثرة في إبداع المفكرين والعلماء، إلا من خلال تجربة المعاناة الفردية وانكسارها العملي. لهذا احتل الفقه في فكر الغزالي هذا الموقع الحساس. والقضية هنا لم ترتبط فقط في أنه لعب دوراً كبيراً في صنع وكسر حدوده العقلية والعملية، بل وفي فاعلية خيوطه الخفية في حياكة مصيره الشخصي أيضاً.

فقد كان دخوله طريق الفقهاء هو الأسلوب الأكثر واقعية لصيرورة "العلم" و"العلماء" بالله، أي أنه تضمن في وهم الثقافة ومثالها المجرد قيم العقل والعمل (الأخلاق)،والقيم  المادية والروحية، أما في واقعيته فقد كان الوسيلة المناسبة أيضاً لبناء صرح "علم الدين وعلمائه". ولهذا سيتفوه الغزالي، كما ينسب له، في معرض إعادة تقييم تجربته العلمية ككل والفقهية بشكل خاص، إلى أنه أراد العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله! ولم يكن بإمكان هذا التحول أن يحدث إلا من خلال خوض غماره. وبالتالي، فإن "الانحراف" صوب الله ما هو في الواقع سوى "الاستعدال" في عقلنة العمل وتخليقه،أي جعله اخلاقيا.

فهو لم يشر بصورة مباشرة في مؤلفاته الصوفية إلى تجربته الفقهية، بينما أهملها وتجاهلها في (المنقذ من الضلال). بحيث لم يضعها أو ينظر إليها كدرجة في تطوره الفكري، كما هو الحال بالنسبة لموقفه مما أسماه بأصناف طالبي الحقيقة (المتكلمون والفلاسفة والباطنية والصوفية)[1]. بمعنى أنه لم ينظر إلى الفقه نظرته إلى صنف العلوم الموصلة إلى الحقيقة.

وليس المقصود بإهمال التجربة الفقهية إهمال الفقه كما هو. كما لا يعني ذلك تجاهل قيمته في تكوينه العلمي. فقد ظل الغزالي على مدى حياته فقيها حتى مخ العظام ومن أكابر الفقهاء المسلمين. وظل حتى آخر أيامه فقيها كبيرا يدرك ما للفقه من أهمية جوهرية في تنظيم حياة الأفراد والمجتمع والدولة. لهذا نراه يشير إلى كامل مؤلفاته الفقهية ولم يصنفها أو يدخلها ضمن تصنيف العلمي وغير العلمي، بل أبقى عليها كما هي. بينما نراه يكتب في سنوات حياته الأخيرة أحد أعظم مؤلفاته الفقهية (المستصفى من علم الأصول). ويعكس هذا الواقع موقفه العملي الأخلاقي من الفقه[2]

لقد كان هذا الموقف تجاوزاً عميق المحتوى لادعاءات الفقهاء الصامدة في قرون الخلافة عن حدّه وحقيقته. إلا أنه تجاوز مبني على أساس رؤية الحدود الفعلية للفقه. فالأخير يحذو في مساعيه متطلبات الوجود الاجتماعي والاقتصادي والسياسي حذو النعل بالنعل. ولا يمكن التخلص من ثقل متطلبات الساعة حتى في أشد ادعاءاته التصاقاً بعالم "الغيب والملكوت". ولم يشكل ذلك انتقاصاً له. على العكس! ذلك يعني أن إهمال الغزالي للفقه بوصفه علماً لا يطلب الحقيقة، هو حصره في إطار وظيفته الخاصة، باعتباره فقه المصالح وشئون الحياة الاجتماعية. ومن ثم عمله وبقاءه ضمن ظنونه الدائمة لاكتشاف الترتيب والنظام الممكن والأفضل لما ينبغي أن تتمسك به الأمة في فروضها وواجبها وحلالها وحرامها. وبهذا المعنى، فإنه لا يبحث عن حقائق الأشياء. إنه لا يصنع منظومة من قيم المعرفة العلمية والعملية. إنه يصنع أسلوب ومنظومة العمل في قيم الفرض والواجب والمباح وغيرها. وفي هذا الإطار تنحصر قيمته العملية. لهذا السبب كان بإمكانه أن يشكل مصدراً لانكسار القيم العملية للغزالي. وهو ما يفسر بدوره إعادة تقييمه له من خلال انتقاده مواقف "علماء السوء" وإبقائه على الفقه في الوقت نفسه ضمن منظومة التصوف الأخلاقية.

فالمادة الفقهية هي مادة المصالح المقننة. ولا يغير من مضمونه الواقعي هذا ارتباطه ببعض خيوط "الميتافيزيقيا الإلهية" وعباداتها. فالأخيرة تبقى، إن أمكن القول، النيزك العابر في فلك العادات ودوراته الحياتية اليومية. مما حدد بالضرورة طابعه الظني وتغير أحكامه. وقد ظل أميناً لموقف هذا من الفقه، أي إدراكه لقيمته الاجتماعية السياسية الرفيعة، باعتبارها حرية وسجن الوجود الاجتماعي ومحدودية الحقيقة فيه باعتبارها ظناً. وقبل أن يصل إلى هذه النتيجة ومن ثم إعادة النظر فيه وشحن هيكله المنطقي بروح المبادئ الأخلاقية المطلقة، كان ينبغي عليه، كما سيكرر لاحقاً، أن يمر بدهاليز الفقه، أو بالممر الضروري لعالم الثقافة الإسلامية.  وقد أدرك في قطعه إياه محدوديته المنطوية في ذاته رغم تقييمه الرفيع لأهميته العملية. وذلك لأن الفقه، كما يؤكد في (معيار العلم)، هو نظر المجتهدين في إصلاح الخلق[3]. وبهذا المعنى فإنه عرضة للتغير والتبدل.

غير أن الغزالي لم يسع من وراء ذلك للتقليل من قيمة الفقه، بقدر ما أنه أراد قلب مادته وأسلوبه، وذلك بفعل إدراكه تباين العقليات والفقهيات في الأسلوب والوظيفة والمادة. لهذا أكد على أن الاستقصاء في العقليات ينبغي أن يترك في الفقهيات وذلك بسبب طبيعة الحقائق في كل منهما. فالعقل والعقليات يسعيان لطلب اليقين، بينما  اليقين هو أعزّ الأشياء وجوداً وأكثرها صعوبة ودقة. وأنه لا نهاية للسير في البحث عنه. أما طلب الفقه فهو الظن. وبهذا المعنى فهو أيسرها وأسهلها. فالفقيه يحتكم إلى الظن حتى في حالة استناده إلى المنطق. وإذا كان الغزالي سيسعى لاحقاً لمنطقة الفقه، أو وضع الأساس المنطقي لأحكامه الظنية، فإنه كان يدرك في الوقت نفسه صعوبة تطبيقه أحياناً بصدد القضايا الحياتية المتغيرة.

بصيغة أخرى، إنه حاول أن يكشف عن أن الأحكام الفقهية لا تمتلك صفة الضرورة، وأن ارتباطها بالحقائق كما هي هو مجرد ارتباط ظني تماماً بالقدر الذي لا ترتبط بحقيقته الأخلاق بوصفها قيما، أي أن أحكام الفقه هي أحكام التأرجح بين الإقدام والإحجام. لهذا ضرب مثاله المقارن بالتاجر. حيث حاول أن يكشف على مثاله من أن فكرة الأصلح والأردأ سواء كانا نتاجاً للمخيلة أو الدليل، لا يمتلكان في كلتا الحالتين إلا الميل والظن. وإذا كان الأمر كذلك، أي إذا كانت الأحكام الفقهية تستمد مقوماتها وأسسها من ملاحظة التجارب الحياتية من أجل حسم بعض مشاكلها العابرة، فإنه لا معنى للاستقصاء والتبحر فيها.  فالفقيه الشديد التقصي للمتناقضات شبيه بالتاجر الذي يتأمل حظه المتأرجح بين الربح والخسران، أي أنه لا معنى لطلبه اليقين هنا، لأنه لا يقين هنا. فهو اليقين الذي ينفي أساس وجوده. وذلك لأن الحكم "المنطقي" الوحيد الذي يمكن قوله هنا هو "إنه تاجر جبان لا يربح!". وعلى هذا الأساس يبني استنتاجه الدقيق القائل بأن "الاستقصاء في الفقهيات هو هوس محض، كما أن ترك الاستقصاء في العقليات جهل محض"[4].

وبهذا، يكون قد أشار إلى محدودية الفقه العلمية والمعرفية انطلاقاً من مادته ووظيفته، أي أنه قيده بما هو مطابق لمضمونه. واكتشف وعبّر في الوقت نفسه بصورة أولية عما سيشدد عليه لاحقاً باستمرار. وهو جزئية الحقيقة القائمة فيه، باعتبارها مساعي للإصلاح وتنظيم الحياة الاجتماعية بما يمّكنه أن ييسر حل مشاكلها لا ربطها أو تطابقها بالضرورة مع قيم الأخلاق المطلقة. وليس مصادفة أن يشدد على استمرار ربط العقل بالأخلاق، والمنطق بالقيم في (ميزان العمل)، وبالأخص عندما أكد على أن معرفة الفقهاء الممزوجة بسوء الأخلاق لا يمكنها أن تؤدي إلى بلوغ السعادة. من هنا كان إدراجه الأولي لآراء المتصوفة في مواقفه من الفقه والفقهاء استمرار متعمق لعناصر منظومته الاجتماعية السياسية والأخلاقية.

فقد وضعت المتصوفة الفقهاء في "الرتبة الخسيسة"، انطلاقاً من واقع تعامل الفقه مع البدن، بينما الأخير في "طريق السائرين إلى الله" يجري مجرى الناقة في طريق الحج[5]. أما الفقهاء فهم مثل عمّار الرباطات والمصالح في طريق مكة إلى الحج. إن هذه الأحكام التي تبدو قاسية المظهر لها أساسها الحياتي أيضاً في استيعابه الفردي لتجربته الشخصية وإعادة تقييمها، والتي أدت به لاحقاً إلى أن ينظر إليها نظرته إلى مضيعة للوقت. وإذا كان لهذا التقييم معناه المتأسي بمعايير التعبير النفسي، فإن قيمته العلمية تتعدى ذلك إلى ما هو أكثر واقعية وجوهرية. بمعنى أنه لا يمكن رؤية "المضيعة" في العمر والفكر دون المرور بهما. أما في الواقع فلا مضيعة، وذلك لأنها ذاتها أسلوب صيرورة الأحكام الشخصية ودقة اقترابها من الحقيقة أو بعدها عنها. فعندما يؤكد في (جواهر القرآن) على أنه "ضيع شطراً صالحاً من العمر في تصنيف الخلاف في الفقه"[6]. فإنه لم يقصد بذلك سوى الجهد الذي أفسد في عقله قوة انتمائه لعالم الروح الأخلاقي. أما في واقعيته، فإن هذا الإفساد ما كان بإمكانه أن يؤدي إلى ما أدى إليه في تجربته الفردية ككل والفقهية (العملية الأخلاقية) بشكل خاص، دون المرور بدهاليز الفقه. إنها عملية إدراك النفي التي تولد نقيضها. وهذا ما يفسر بدوره الصيغة الظاهرية في ازدواجية الحكم الشخصي عن الفقه، أو التردد الظاهري بين نفيه الكامل وتأييده الكامل. غير أن لهذه الاحكام الظاهرية جانبين ومستويين، الأول شخصي حياتي، والثاني موضوعي معرفي متعلقين بظهور الفقه وتطوره.

فالتجربة الشخصية للغزالي في عالم الفقه والفقهاء، التي ساهمت في نقله إلى عالم الصوفية، عمّقت عنده وعي عناصر ضرورة الارتفاع فوق معطيات الظن العابرة وعالم الخلافات السيئ الصيت، الذي بلور عقله ونفسه وأسهم في الوقت نفسه بتعميق أزمته الروحية الفكرية وعلاجها. لهذا استنتج بأن من يريد أن يصير "فقيه النفس فلا طريق له إلا أن يتعاطى أفعال الفقهاء"[7]، أي التكرار الدائم للفقه حتى ينعطف منه على قلبه صفة الفقه فيصير فقيه النفس. ولا يمكن فهم حقيقة هذا الاستنتاج بمعزل عن وعي الذات النظري الأخلاقي، الذي عكس بدوره الكثير من العناصر العملية والعلمية في انتقاده قوة الفقه المشاكسة وتجربة الفقهاء التاريخية. فقد واجه ثروتها وتراثها عند تخوم القرن السادس الهجري عندما شدد على ما اعتبره أزمة الفقه الروحية العميقة. وبهذا يكون قد كشف أيضاً عن عمق الأزمة الاجتماعية السياسية والأخلاقية وانحدار الثقافة في هاوية ما يدعوه "بالصدق القبيح"، أي ثناء النفس المبني على المكر والقوة واندثار اليقين. ولم يقف متحيراً أمام هذه الظاهرة المتناقضة. وهو ما سينقذه من الانسياق الأعمى وراء الدفاع عن الفقه أو معارضته العدمية.

فالفقه بنظره يمتلك مقدماته التاريخية في نشوء وتطور الخلافة. فهو لم يكن في بادئ الأمر كياناً ما مستقلاً. على العكس! إن اندماجه في ممارسة الخلفاء الأوائل يبرهن في الوقت نفسه على استقلاليتهم. ولم يكن ذلك بفعل ضعف وتطور الدولة والعلوم، بقدر ما أنه ارتبط بالإدراك العميق لحيوية الفقه وأهميته في عمل الخليفة ووظيفته الأساسية باعتباره "حامي الرعية".

يفتقر هذا الحكم في مظهره إلى الدقة العلمية والتاريخية. فالغزالي يدرك ويعرف تطور العلوم والمعارف. فقد بلورت الثقافة الإسلامية في علومها وجدلها نظرات عميقة للغاية عن فكرة التطور والتبدل والتغير. وصاغت آراءها ومواقفها بمعايير العقل والنقل أي في وحدة رؤيتها الذاتية الأصيلة. وقد تمثل الغزالي هذا الرحيق العذب بكل ما فيه من واقعية وسذاجة على انه كلّ لا يمكن ولا ينبغي فصم عراه. وليس في هذا الموقف تجنيا عل دق الحكم النظري إلا من وجهة نظر التاريخ والعلم الظاهري. أما من حيث "منظومة" الانتماء الروحي فإنه يبرز بوصفه معلما جديدا في توجيه الفكرة الجوهرية صوب اليقين. لاسيما وأن لليقين تاريخه المجرد أو دقته "الموضوعية" باعتباره ارتباطا حيا بين الأنا الفردية والجماعة، أي الأنا الثقافية وحقائقها ومبادئها الكبرى. وبالتالي، فإن تأكيد الغزالي على نفي استقلال الفقه بهيئة كيان قائم بحد ذاته عن الخلفاء الأوائل يعني من حيث مضمونه المعرفي والأخلاقي بلورة وصياغة عناصر البديل التي وضعها في وحدة العلم والعمل وإمكانية تحقيقها في العلم والعمل.      

وهذا بدوره لم يكن معزولا عما هو مميز لوظيفة الفقه في ممارسة الخلفاء. فقد كانت أعمالهم، كما يقول الغزالي، لوجه الله. بمعنى افتقادها للمصلحة الأنانية المباشرة. غير أن ظهور السلطة المستقلة فيما بعد وتركزها في أيدي أناس "بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام هو الذي أدى بهم إلى الاستعاضة بالفقهاء"[8]. فهو يكشف هنا عن الارتباط العضوي بين مصالح السلطة وجهازها الحقوقي الشرعي، أي كل ما حوّل الفقه والفقهاء إلى خادم وضيع للسلطة. وأدى ذلك بدوره إلى أن تحول "الفقهاء" إلى طالبين للسلطة بعد أن كانوا مطلوبين، وتحولوا إلى أذلة للسلطان بعد أن كانوا أعزة[9]. ومذّاك لم يعد الفقه سوى أداة "بيد السلطان ووسيلة منافقة للعيش"[10].

فالغزالي لا يقف عند حدود الإشارة الظاهرية والإدانة الأخلاقية، بل يسعى للكشف عن مفارقة الظاهرة نفسها المتعلقة بوحدة الديني والدنيوي في الممارسة الفقهية التي تتطابق في آرائه بين الأخلاقي والحياتي. فالحياة بالنسبة له هي طريق الآخرة. والإنسان يخلق ويموت. ولا يمكن لحياته أن تختزل إلى لحظة الوجود العابر كعدم محض. والفقيه يقف أمام هذه الظاهرة محاولاً التعامل مع جانبها الدنيوي والأخروي، والمادي والروحي، والوجودي والميتافيزيقي. إلا أن بؤرة نشاطه هو عالم المصالح. إذ لو تناول الناس الحياة بالعدل لانقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء[11]. إذ ليس الفقيه في نهاية المطاف سوى "العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق. إنه متعلق بالدين ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا"[12].

لقد اكتشف الغزالي واقع التجزئة والطابع الوظيفي المبتذل في عالم الفقه والفقهاء، دون أن يرمي بمحتوياته على أنها أثقال لا معنى لها ولا قيمة. على العكس. فقد ظل الفقه يمتلك في وعيه ووجوده قيمة ضرورية كبرى، بفعل إدراكه خصوصية الفقه ومكانته المتناقضة في صيرورة الدولة وتطورها. فالفقه هو "وسيلة منافقة للعيش" ولكنه في الوقت نفسه قانون تنظيم الحياة الاجتماعية. وأن توافه الفقهاء لا تعني تفاهة الفقه بحد ذاته. فهناك خصلتان، كما يقول الحديث النبوي، لا تكونان في منافق وهما حسن سمت وفقه في الدين.  ولا ينتقص من صحة هذا الحديث، كما يقول الغزالي، واقع "نفاق بعض فقهاء الزمان". إذ ليس المقصود بالفقه في  هذاالحديث فقه الفقهاء المعاصرين له[13]. وليس مصادفة أن يورد مقارناته الدائمة بين الفقه والطب، مشدداً على أفضلية الفقه بفعل شرعيته وعموميته (للمرضى والأصحاء) ودوامه الكامل في التعامل الدائم مع الإنسان، بما في ذلك ما بعد الموت[14]. إلا أن ما بين صيغة المثال الفقهي وصيغه الواقعية تباين شاسع بفعل ارتباطه بالسلطة وخضوعه لها. مما أدى بحصيلته إلى إنهاك قواه الروحية[15].

فعندما يتكلم في (إحياء علوم الدين) عما أسماه ببيان ما بدّل من ألفاظ العلوم، فإنه يضع الفقه في المرتبة الأولى. ويشير في الوقت نفسه إلى أن الفقه المعاصر له لم يعد أكثر من معرفة الفروع الغريبة في الفتاوى والوقوف على دقائق عللها واستكثار الكلام فيها وحفظ المقالات المتعلقة بها. بمعنى ارتباطه ببحراشف "الحقائق لا بحكمها وإلزاماتها الأخلاقية المحررة للكلمة نفسها". ذلك يعني أن الفقه حوّل نفسه إلى جزء من آلية إنتاج وإعادة إنتاج قيود الكلمة الفارغة، بحيث أصبحت حريته في المعرفة أسيرة الكلمة المكتوبة فيما قيل وقال. لهذا ربط موقفه من حقيقة الفقه أو الفقه النموذجي بذاك الذي ميّز عصر الإسلام الأول، والذي لم يعنِ الفقه فيه سوى ما هو مطلوق على "علم طريق الآخرة ومعرفة دقائق النفوس وآفاتها ومفسدات الأعمال"[16]. لقد سعى الغزالي هنا للتأكيد على أهمية الفقه الحقيقي باعتباره وسيلة تربية الوحدة الأخلاقية العملية في ميادين الوجود الاجتماعي للأمة ككل. من هنا تشديده على أن الفقه في بداية الأمر كان يعني "علم طريق الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس" أو ما يدعوه أيضاً بفقه النفس لا تفريعاته العديدة التي لا يمكنها أن تصنع قلباً إنسانياً. إنها لا تفعل إلا على زيادة "قسوة القلب ونزع الخشية منه، كما نشاهد الآن من المتجردين له"[17].  لقد أراد الغزالي التأكيد على وحدة الأخلاق والحقوق في الفقه للدرجة التي يمكن فيها إخضاع المصلحة المادية لمتطلبات الروح الأخلاقي، أو جعل معالم الروح الأخلاقي محركات الحقوق وفاعل غاياتها. لهذا استعرض تجربة أئمة الفقه الإسلامي بالصيغة التي يمكنها أن تكون مثالاً ملموساً لآرائه. فهو يبرّز الشافعي ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة وسفيان الثوري بالصورة التي يبدو الفقهاء المعاصرون له على خلفيتها نسخاً مزيفة. فالشافعي يظهر كمثال للزهد والورع والإخلاص، الذي طالما ردد أحمد بن حنبل عنه قائلاً "كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس". أما مالك بن أنس فهو الوجه الآخر للشافعي، أي أنه مثال العلم والزهد والورع والدفاع عن الحق وحرية الاجتهاد. لهذا رفض تحويل (الموطأ) إلى قاعدة أحكام الخلافة كما طالبه هارون الرشيد (ت- 193 للهجرة) مستنداً إلى حديث "خلاف أمتي رحمة". وهذا هو حال أبو حنيفة. فهو مثال الزهد والورع وخدمة الحق والحقيقة لا القوة والسلطان. لقد فضّل التعرض للضرب مقابل رفضه قبول بيت المال وتولي القضاء. وينطبق هذا بالقدر ذاته على أحمد بن حنبل وسفيان الثوري[18].

لقد أراد الغزالي من وراء ذلك الكشف عن هوية المثال الفقهي، دون أن يجعل منه في الوقت نفسه نهاية الكمال الحق. وذلك لأنه لا نهاية للحق. ذلك يعني، أنه أراد تذليل التقليد المذهبي الضيق المميز لفقه الفقهاء المنغمسين في عالم المصالح والسلطة، واستبداله بوحدة العلم والعمل أو وحدة الأخلاق والحقيقة في الممارسة الشخصية.

ووضع هذه المقدمة في أساس انتقاداته اللاذعة للفقه والفقهاء. فالفقه حسب نظره، يتعامل مع الوقائع لا مع الحقائق. واحتوت هذه الفكرة في مضمونها على عناصر إزالة ثقل الفقه وتخييمه على "عالم الآخرة". وبهذا تكون قد تضمنت إمكانية تحييد قوة الفقه والفقهاء السياسية والروحية. فالغزالي يدرك قيمة الفقه وضرورته الاجتماعية. إلا أن تركيزه على الجانب الروحي كان يعني فيما يعنيه أيضاً محاولة تخليصه من السيطرة الحقوقية للفقهاء وتذليل سطوتهم التي عادة ما كانت تدفع بمصير الفكر والمفكرين الكبار نحو السجن والقتل والموت ومختلف اشكال المآسي. فقد رأى بأم عينيه المصير المحزن لبعض مفكري العصر وهم يسقطون صرعى السطوة الفقهية، مما جعله يردد في إحدى عباراته اللاذعة قائلاً:"إن فساد الزمان لا سبب له إلا كثرة أولئك الفقهاء الذين يأكلون ما يجدون ولا يميزون بين الحلال والحرام"[19]، أي كل ما يجعله هدفاً لتجريحهم في حياته ومماته، وما كان بإمكانه أن يؤدي به آخر حياته إلى انتزاعه عنوة من خلوته الصوفية وحشره في مؤامرات ومغامرات الحاشية المتحذلقة "لفقهاء الزمان". فهو يشير في (الإملاء على مشكل الإحياء) إلى الاستهزاء الذي واجه به "فقهاء الزمان" أعظم كتاباته (الإحياء) بحيث جعلوه "المثل المذكور في المجالس تحية الداخل وحديث الجالس"[20].

وفي الإطار العام يمكن القول بأن الغزالي لم يسع من وراء ذلك إلى تهديم الفقه أو إزالته باعتباره عقبة أمام "حرية الفكر".  ولا أن يجد فيه مكونات إلزامية لمحاربة الحقيقة. إن عجائب هذه الظاهرة، كما يقول الغزالي،  تقوم في تحول "الحق" إلى قيود الحقيقة،  أو بصورة أدق تحول "الحق" إلى معاداة الحق. مما جعل من هذه الظاهرة مفارقة مذهلة وأعطى لها بعداً يتجاوز في ذاته أبعاد الثقافة والتاريخ الفعلي. فهي الظاهرة التي تكشف عن أن إعلاء مبدأ ما أو عِلم ما أياً كان سيتحول مع مرور الزمن بالضرورة إلى قوة قاهرة. وأن خطورته الاجتماعية والسياسية في عالم الإسلام كانت تقوم في تكليسه مقومات الثقافة الواحدية، أي اختزال تنوع الثقافة الواحدية في مبادئ الفقه عن الحق، بحيث تحول ذاته إلى كيان تدمير الحق. وأن مأثرة انتقاد الغزالي لهذا النوع من الفقه تقوم في محاولته وسعيه في آن واحد انتزاع سيطرة الواحدية الضيقة وإفشال حصار الهيمنة الفقهية الشاملة عبر إنزال حقوق الفقه إلى عالم الجسد وإيقاف هجومه أمام قلاع الروح وعوالمه غير المتناهية.

وقد اضطره ذلك إلى مواجهة مهمة البرهنة على ضعف الفقه في أحكامه الجازمة، وبالتالي كشف هويته العابرة والظنية بما في ذلك تجاه احتياجات الجسد في تنظيمه الاجتماعي. حقيقة إن الغزالي لم يتناول هذه المهمة بمعايير المواقف الأيديولوجية كما لو أنها جزء من مهمات ما سيدعوه بالدفاع عن عقيدة العوام، بقدر ما نظر اليها باعتبارها نتاجا ضروريا لموقع الفقه باعتباره "عدلاً". وبما أن مكانه هو عالم الجسد واحتياجاته المباشرة، فإنه لا يمتلك بالتالي حق التحكم بما هو أكثر من افتراضاته الظنية، أي أن مهمة الفقه وأحكامه لا تلزم الروح إلا فيما يخص علاقاته المباشرة باحتياجات الوجود المادي للإنسان والمجتمع.

وقد كان يرمي من وراء ذلك إلى إنزال الفقه إلى أدنى وأوطأ وسائل الإخضاع والسيطرة، بمعنى قهر قوة القهر فيه وإبعاد تدخله وتدخل المتجردين له من محترفي الفقه في شئون الإنسان الروحية. وهو ما أعلنه ودافع عنه في فكرته الكبرى عن "عدم دخول القلب ولاية الفقيه"[21]، أي أن العالم الروحي للإنسان (والقلب بنظره ومنظومته هو الروح والعقل والنفس والمعرفة) لا يمكن ولا ينبغي أن يخضع لسيطرة الفقيه. غير أن الغزالي لم يبن هذا الاستنتاج على أساس الملاحظة المجردة لسلوك الفقهاء، بل وعلى أساس المادة الموضوعية لفقه العادات والعبادات لا فقه النفس. فالفقيه، حتى حال تكلمه عن الإسلام، فإنه لا يلتفت فيه إلا إلى اللسان. وهو يحكم بصحة إسلام المرء تحت ظلال السيف مع أنه يعلم أن السيف لا يكشف له عن نية المسلم. والفقيه يفتي بصحة الصلاة في حالة الالتزام الظاهري بشروطها، أي بغض النظر عما إذا كان المصلي ساهياً غافلاً في جميع صلاته من أولها إلى آخرها مشغولاً بالتفكير في حساب معاملاته في السوق أو غيرها من الأمور. بل إن الفقيه يمكن أن يستغل علمه بطريقة مذمومة كما كان يحكى عن أبي يوسف القاضي، حيث كان يهب ماله لزوجته آخر الحول (السنة) ويستوهب مالها إسقاطاً للزكاة. إضافة لذلك أن الفقيه لا يتكلم في حزازات القلوب وكيفية العمل بها. وإذا تكلم في شيء من صفات القلب فعلى سبيل التطفل، كما قد يدخل في كلامه شيء من الطب والحساب وعلم الكلام[22].

إن الأحكام الفقهية، أو بصورة أدق فقه المتفيقهين أو فقه علماء السوء، كما كان الغزالي يحبذ تسميتهم، تهمل الجوهري في العلاقات الإنسانية، أي أنها تهمل الأبعاد الروحية الأخلاقية مقابل المصلحة المباشرة. ولم تكن هذه النتيجة رداً صوفياً في أعماقه الثائرة ضد مهاترات الفقهاء وهذيانهم، بل والنتيجة الموضوعية الملازمة لتطور الفقه والأحكام الفقهية. فقد سار التصوف والفقه في دروبهما المستقلة، رغم عمومية الفقه وخصوصية التصوف، والتقيا في مفترق مساعيهما الظاهرية للتوفيق والوحدة بين الشريعة والحق. ولكن إذا كان الفقه هو الممثل الظاهري للشريعة، فإن ادعاءاته عن الحق لم تعن في نظر المتصوفة سوى صيغته القانونية الظنية، بينما أدركت المتصوفة ولمست وتذوقت علاقتها بالحق (القانوني) على أنه درجة في آدابها وأسلوبا لبلوغ علاقتها بالحق (الله). وقد انطلق الغزالي في إعادة تقييمه للفقه من استيعابه وتمسكه المتعمق والجديد لهذا الإرث التاريخي الكبير، الذي أنأى بعالم الروح الأخلاقي بعيداً عن متناول الأحكام الظاهرية الجازمة للفقهاء.

فالفقيه، كما يقول الغزالي، ليس باستطاعته الإجابة  على معاني الإخلاص والتوكل وعن وجه الاحتراز في الرياء وغيرها، رغم دخولها جميعاً في "فرض العين"، أي في علمه الضروري. بينما في إهماله إياها هلاكه الأخروي المحقق (الروحي الأخلاقي). وفيما لو سئلنا الفقيه عن قضايا اللعان والسب والشتم وما شابه ذلك، فإنه "سيرد عليك بمجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها. وإن احتيج لم تخل البلد ممن يقوم بها ويكفيه مؤنة التعب فيها"[23]. فهو يكشف هنا عن فوضى الفقهاء وعبثية تفريعاتهم وانعدام جدواها. بينما أصبح العلم الفقهي نتيجة لذلك أسير معضلاته الخيالية واستنباطاته المتخيلة، التي صنعت وحركت في خلايا دماغه المرهق معارك الهوس والاختبال. فهم يتبعون "غرائب التفريعات في الحكومات والاقضية، ويتعبون في وضع صور تنقضي الدهور ولا تقع أبداً. وإن وقعت فإنما تقع لغيرهم لا لهم. وإذا وقعت كان في القائمين بها كثرة"[24]، أي أنه يربط خواء الممارسة الفقهية المعاصرة له بواقع احتوائها ثقل الخيال الأهوج في كابوسه "العقلي" وخفة الاستعلاء غير المسئول ووحدتهما في سيادة النمطية الفاقعة في أعداد الفقهاء الغفيرة.

وقد جعله ذلك يشدد على افتقاد الفقهاء لمعنى البحث عن الحقيقة. مما حوّل الفقه عندهم إلى كيان مستهلك كصندوق للعجائب لا يحتوي في الواقع إلا على خيال المتعجبين به. ولم يكن ذلك معزولاً عن واقع تحول الفقه إلى وسيلة العيش المبتذلة. ولهذا استغرب كثرة المناطق الخالية من الأطباء المسلمين، بينما يتهاوون على "علم الفقه ولاسيما الخلافيات والجدليات والبلد مشحون من الفقهاء"[25]. ومن هنا فكرته المتضمنة في أعماقها إمكانية الحكم القائل بافتقاد علم الفقهاء الشرعي لشرعيته. فعندما يتكلم الغزالي عن قلة الأطباء المسلمين وكثرة الفقهاء المسلمين، فإنه لا يريد في الواقع سوى الكشف عن أن إسلامية الشرع وشرعية الإسلام الذي يدّعي متفقهة عصره تمثالهما وتمثيلهما يستلزم أولاً وقبل كل شيء رؤية المصلحة الضرورية للأمة. وبما أن المصلحة الأنانية المباشرة تقوم في الاقتراب من جسد السلطة لا أجساد رعاياها، لهذا نرى هذا التكالب المثير من قبل الفقهاء على مراكز السلطة وحاشيتها. وقد أشار إلى ذلك بوضوح عندما كتب يقول بأن "الطب ليس يتيسر الوصول به إلى تولي الأوقاف والوصايا وحيازة مال الأيتام وتقلد القضاء والحكومة والتقدم به على الأقران والتسلط به على الأعداء"[26]. مما حدد بدوره وظيفة الفقيه وشخصيته. فانهماكه في الجدل والخلافيات مرتبط بمساعيه الأنانية لطلب الصيت والجاه. أما ممارسته المزدوجة والمتناقضة في مضمونها (حسنة الظاهر سيئة المضمون) فهي من بين أشد المظاهر  شراً ورذيلة. فتجمّل الفقيه بعمل الطاعات في المظاهر لا تجعله مطيعاً ما لم يراع  الوقت والترتيب، أي السلسلة التي تربط في كل واحد الظاهر بالباطن على خلاف ما هو سائد في الأوساط الفقهية. ففي غياب هذه الوحدة الضرورية للعلم والعمل يكمن سبب فقدان الفقه والفقهاء وظائفهم الاجتماعية والأخلاقية تجاه الأمة والدولة. فالفقيه يفضل الأسهل فالأسهل بما يستجيب لمصالحه ومصالح أقرانه وأسياده. وهو يستعمل لذلك مفهوم "فرض الكفاية"، أي أنه كمن يعمل منهمكاً في صنع الكئوس والناس عطشى، أو يهتم بالفقه رغم حاجة الناس إلى طبيب. وكان لابد من أن تؤدي هذه الممارسة إلى نتائج معارضة لمصالح الاجتماع المادية والمعنوية. مما جعل الفقيه في حالات عديدة يكف عن "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويناظر في مسألة لا يتفق وقوعها"[27]. مما أدى بدوره إلى بلورة صفات مميزة لهؤلاء الفقهاء يحصرها أساساً في كل من تقليديتهم العمياء، وتعصبهم الأجوف للمذاهب، وافتقادهم للاجتهاد الحر بحيث جعله يحكم على أن غياب الاجتهاد هو "حكم كل أهل العصر"[28]. إضافة إلى "تلذذهم بآفات الجدل" مثل عدم فسحهم المجال للخصم في الانتقال إلى مواقع الحقيقة. فهم يثبطون عزيمة المقابل. أما جدلهم بأكمله فمبني على مبادئ المصارعة لا على شرف الحقيقة[29]. ووراء كل ذلك يكمن جبنهم الكامل ما في ذلك في غرورهم الجدلي. فهم يبحثون عمن هو أضعف منهم وأقل مقدرة ويتخوفون من القوي الكفء.

وقد استفاض في رسم الصورة الواقعية المقززة لفقهاء عصره إلى درجة يمكن اعتبارها من بين أشد الصور النقدية قوة وشدة. غير أن ذلك لا يعني وقوفه موقف المعارض المطلق للجدل، بقدر ما أنه أراد كشف خصوصيته عند الفقهاء (والمتكلمين أيضاً) أو بصورة أدق كشف منحاه العام وآفاقه المستنفدة لعوالم الروح المعرفي والأخلاقي. ولم يكن ذلك معزولاً عن تجربته الجدلية. فقد كان الغزالي جدلياً كبيراً. وإن مؤلفاته ما قبل (إحياء علوم الدين) هي نماذج رفيعة المستوى لكيفية خوض الجدل. ولم يفتقد هذه القدرة البارعة بما في ذلك في (إحياء علوم الدين) وأعماله اللاحقة، رغم معاهدته الشخصية لنفسه على تجنب خوضه. لكنه حتى في هذه الحالة، لم يكف الجدل عن أن يتخلل أسلوبه الاستعراضي والتحليلي والنقدي. إلا أنه لم يعد أسلوباً في الوصول إلى الحقائق، بل عنصراً منفياً في مساعيه المعرفية. وقد وضع هذا الأسلوب في أساس انتقاده لجدل الفقهاء والمتكلمين، الذين انتهكوا وحدة الغاية والوسيلة فيه.

فالجدل الفقهي يعاني، حسب نظر الغزالي، من ثقل وتشويه وضع الغاية بالضد من الوسيلة أو اتخاذ كل الوسائل التي يمكنها مساعدته في البرهنة على صحة "براهينه". مما يفقد هذه "البراهين" و"حقائقها" مضمونهما الأخلاقي. لقد أراد من وراء ذلك تغيير الأبعاد الأخلاقية للمعرفة والجدل. إلا أن مروره بتجارب الفقه والكلام العقلية وإدراكه طبيعة الصلة القائمة بين "مصارعة" الجدل و"شرف الحقيقة" دفعته في نهاية المطاف إلى أن يواجه خبايا الجدل بشكل عام والفقهي بشكل خاص. فالأخير لا يبنى على أساس البحث عن الحقيقة، بقدر ما أنه يوظف جهوده لخدمة مصالح السلطة ومؤسساتها، مما حوّله بالتالي إلى بؤرة من بؤر الآفات الاجتماعية الأخلاقية والفكرية. لهذا أيد الفكرة المنسوبة إلى ابن عباس، القائل "خذوا العلم حيث وجدتموه ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض، فإنهم يتغايرون كما تتغاير التيوس في الزريبة"[30]. فالمناظرات الفقهية تؤدي إلى الحقد الشخصي ثم النفاق والغيبة ثم الكذب والبهتان ثم الغرور والثناء على النفس. فقد دفع الجدل الفقهي الفقهاء أحياناً إلى قبائح التجسس، أي دراسة شخصية الخصم وحياته منذ الطفولة من خلال تتبع أخباره وعيوبه ونواقصه (بما في ذلك الجسدية) من أجل استغلالها في الجدل بالتعرض له لخلخلة توازنه النفسي[31]. إنه الجدل الذي تنعدم فيه قوة وقيمة الامتاع والمؤانسة، لأته يرى في خصمه "شيطاناً مارداً أو سبعاً ضارياً"[32]. وهي ذات الممارسة التي قطعت رحم الوصل في علم الفقه بين الفقهاء محوّلة إياه إلى عداوة قاطعة، مما أدى بدوره إلى أن يكره الفقيه أشد الكره ظهور الحق على لسان خصمه[33]. فالأنفة والغضب والبغضاء والطمع وحب المال وطلب الجاه للتمكن من الغلبة والمباهاة وتعظيم الأغنياء والسلاطين واستحقار الناس وكثرة الكلام واستيلاء الغفلة حتى لا يدري المصلي منهم في صلاته ما  صلى وما الذي يقرأه ومن الذي يناجيه أصبحت الصفات الملازمة للفقهاء وأقرانهم من المذكرين والوعاظ والمشتغلين بعلم المذهب والفتاوى[34]، أي كل أولئك الذين بنوا بوجودهم جدار الأيديولوجية "الحقوقية" وقنواته الخبيئة في "تقسيم العمل" المادي والمعنوي!

أدت هذه النظرة النقدية بالغزالي إلى صياغة مهمة الرجوع إلى حقيقه الفقه، التي طابقها مع مهمة الرجوع إلى إسلام الحق وإحيائه، أي إلى ضرورة استشراف "روح" التجربة الحية للسلف الصالح والداعية إلى استقلال الفقه وتلافي خدمة السلطان والسلطة. ولم يكن ذلك معزولاً عما هو مميز لسلوك فقهاء عصره. قد سار الغزالي نفسه في خطى ومسالك أولئك المترقّين في سلّم الخدمة السلطانية منذ بواكير شبابه حتى انكساره أمام "هوة" التصوف. فقد تدحرج ككرة ملساء بين أنامل نظام الملك حتى المستظهر بالله. ولكن إذا كان ذلك بمعنى  ما هو اعتراف بقدراته العلمية، فإن تعويضها المادي قد أفرغ دون شك خزينة روحه الأخلاقي.

لقد تضافرت الحقائق في قدراته على حفظه من السقوط في هاوية الاحتراف المبتذل لخدمة السلطان والقوة، وأبقت له سكينة التأمل الحر لرؤية الباعث الجوهري القائم وراء مناظرات فقهاء عصره من حب الجاه والغلبة والتعصب المذهبي لا الحقيقة ومصلحة الخلق[35]. مما حدد أيضاً مناهضته لهذا الواقع من خلال صياغة مبادئ الدفاع عن الحق والأمر بالمعروف ورفض التقليد والدعوة للاجتهاد وعدم المناظرة إلا في مسألة واقعة أو قريبة الوقوع، ورفض استلام أموال السلاطين والاستقلال في الحكم ووضع مصلحة الخلق والحق فوق كل اعتبار[36]. وقد استجمع هنا وأورد، كما هو الحال في "براهين الأمثلة"، ما هو مشهور في ثقافة الإسلام الشفوية والخطية[37]. مثل رد امرأة على عمر بن الخطاب، فأجابها "أصابت امرأة وأخطأ عمر". بمعنى اعتلاء الحق على السلطان، والحقيقة على الرجال. وهو ما تصوره أيضاً كلمات علي بن أبي طالب بعد أن استفسر منه رجل فرد عليه بكلمات لم ترضه فاعترض عليه مما دفع بعلي للقول: "أصبت (أنت) وأخطأت(أنا). وفوق كل ذي علم عليم"[38]،  أي أنه بحث في التجربة الحية للإسلام عما يمكنه أن يكون نفياً محقاً لما هو مناف للحق، وبديلاً أخلاقياً لفساد القيم، ومعلماً روحياً للتجربة الحرة. لقد حاول صهر مكوناتها في بوتقة التذوق الحر للمعرفة بعيداً عن مغامرات المصلحة ورِّق التقليد. بمعنى تضّمنها بدائل وحدة الحق والحقيقة وقيم الأخلاق المطلقة.

وليس مصادفة أن يورد تلك الأمثلة التي تصور فكرته هذه في ما هو مشهور بين المتصوفة عن جلوس الشافعي بين يدي شيبان الراعي (الصوفي الأمي) وقول الشافعي عنه "إن هذا وفّق لما أغفلناه". وعن جلوس أحمد بن حنبل بين يدي معروف الكرخي. ذلك يعني بأن الغزالي حاول أن يبرهن ويمرر في الوقت نفسه فكرة ضرورة خضوع الفقهاء لقانون الأخلاق المطلقة. وبما أن الصوفية هي تجليها الأمثل، فمن الضروري بالتالي خضوعهم لروح الأخلاق الصوفية. إذ لا ينافي الفقيه كونه صوفياً[39]. فالجهل "ليس بشرط في التصوف عند من يعرف التصوف. ولا يلتفت هنا إلى خرافات بعض الحمقى بقولهم إن العلم حجاب. فإن الجهل هو الحجاب"[40]. والفقيه الحق هو من أخضع علمه الفقهي لقوانين الأخلاق المطلقة، أو ما أسماه الغزالي من "فَقَه عن الله أمره ونهيه وعلم من صفاته ما أحبه وما كرهه"[41]. حقيقة إن هذا الاستنتاج يرتبط في منظومته بآرائه عن الحقيقة والشريعة، والظاهر والباطن، والعقل والشرع، والإلهام والوحي، والتفسير والتأويل، إلا أنه يكشف في الإطار العام عن الاتجاه الأساسي السائد في منظومته القائلة بضرورة الأخلاق المطلقة باعتبارها الحاكم الذي يجرد معطيات الفقه الواقعية عن أنانيتها الضيقة.

فالفقه المعاصر له يفتقد، حسب نظره، لأخلاقيته الباطنية كقيم متسامية. وهو غير قادر حتى على حل معضلاته الخاصة، دع عنك إنقاذ الأمة الاجتماعي الأخلاقي. فدوران الفقه والفقهاء في عجلات الدولة المغتربة عن مبادئها الأولى قد أدى إلى تحويلهم إلى أجزاء من ماكنة السلطة وأدواتها أو إلى "قطع غيار" معلبة! ودفعه ذلك إلى إثارة معضلة جوهرية في الممارسة الفقهية في الثقافة الإسلامية ككل ألا وهي ضرورة استقلال الحكم الفقهي عن مصلحة السلطان والسلطة، والدفاع عن عقلانيته الأخلاقية. فالفقه المعاصر له تجرد كلياً عما دعاه "بمعرفة آفات الأعمال. حيث هجر الفقهاء هذه المعارف واشتغلوا بالتوسط بين الخلق في الخصومات الثائرة في اتباع الشهوات وقالوا هذا هو الفقه"، أي أنهم تجردوا لفقه الدنيا والجسد. ولم تعن هذه الصياغة في آرائه سوى فقدانه للشعلة الداخلية وحرارة نورها الأخلاقي الروحي، أي بقاء الفقه والفقهاء في حيز البهيمية المقننة. فعندما يتأمل الفقيه ويتعامل مع المعاصي فإنه يقسمها، كما يقول الغزالي، إلى ما هو مكروه وغير مكروه. وليس ذلك إلا لكونه مسكيناً يتعامل مع العوام. وذلك لأن جميع المعاصي في حقيقتها "ظلمات بعضها فوق بعض. فينمحق بعضها في جنب بعض. فالسيد الذي قد يعاقب عبده إذا استعمل سكينه بغير إذنه، ولكن لو قتل بتلك السكين أعز أولاده لم يبق لاستعمال السكين بغير إذنه حكم ونكاية في نفسه". فما راعاه الأنبياء والأولياء (الصوفية) من الآداب والتسامح والتساهل فيه مع العوام فهو بسبب هذه الضرورة. وبالتالي فإن الأخلاقية الحقة بعيدة عن أن تعطي للمعصية أياً كان حجمها ونوعها مرتبة أو موقع في "مسلّة الحقوق".

لقد فتح الغزالي باب الأخلاق المطلقة أمام الفقه دون أن يفرضه على الجميع. وهو لم يتركه سائباً بقدر ما جعل منها الكوة الضرورية لإنعاش الوعي الحقوقي الأخلاقي ليأخذ كل منه على قدر طاقته.

***

 ا. د. ميثم الجنابي

 ......................

[1] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص89. لقد نشأ الغزالي في بداية أمره فقيها. وبالتالي، فلإن للفقه دورا كبير بل وتأسيسيا في بلورة شخصيته الذاتية بمختلف مستوياتها. بمعنى إن الفقه لعب دورا كبيرا في بلورة شخصيته الفردية والاجتماعية والأخلاقية والعلمية والحقوقية. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه من الفقه. إذ للفقه عند مستويات ومن ثم آثار مختلفة في شخصيته العلمية والعملية ومواقفه منه أيضا. فقد نظر الغزالي إلى الفقه من وجهة نظر الفقه نفسه، ومن وجهة نظر علم الكلام والفلسفة، وفي ضوء إعادة النظر فيه وتقييمه بمعايير الفكرة الأخلاقية وقيمها. وما هو مهم بالنسبة لهذا المبحث هو الجوانب الأولى فقط. أما الجوانب الأخرى المتعلقة بنظرته النقدية للفقه من وجهة نظر تجربته الصوفية فسوف أتناولها ضمن دراسة وتحليل فلسفته الأخلاقية.

[2] وسوف أتناول هذه الجوانب حالما اتطرق إلى قضايا الفقه عنده وبالأخص ما له علاقة بفقه النفس والفقه الاجتماعي والسياسي وفلسفة الحق.   

[3] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص129.

[4] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص130.

[5] الغزالي: ميزان العمل، ص119.

[6] الغزالي: جواهر القرآن، ص22.

[7] الغزال: إحياء علوم الدين، ج3، ص60.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص41.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص42.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص5.

[11] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص17.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص17.

[13] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص5.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص19.

[15] وسوف يشكل هذا الاستنتاج مقدمة متينة لآرائه ومواقفه الاجتماعية والسياسية في دفاعها عن ضرورة استقلال الفقه عن السلطة، أي كل ما كان بإمكانه المساهمة في إضفاء الطابع الأخلاقي على الفقه في سلوك السلطة وإرساء أسس صرحها الشرعي. مع أن لهذه الشرعية في الإسلام خصوصيتها التي سأتطرق لها في مكان آخر. 

[16] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص32.

[17] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص32.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص24-28.

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص238.

[20] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص14.

[21] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص18.

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص19.

[23] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص21.

[24] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص77.

[25] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص21.

[26] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص21.

[27] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص43.

[28] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص43.

[29] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص44-45.

[30] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص45.

[31] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص46.

[32] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص46.

[33] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص47.

[34] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص47.

[35] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص42.

[36] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص43.

[37] ما يميز كتابات الغزالي يشكل عام و(إحياء علوم الدين) بشكل خاص هو قدرتها على الاقناع من حيث بساطة وسهولة تعبيرها وطابعها الملموس، دون أن ينفي أو يقلل من طابعها "النخبوي" في المعرفة والتأسيس. فقد لعبت ثقافته العقلية والفقهية بشكل خاص إضافة إلى الأدب والتاريخ دورا كيرا في بلورة أسلوبه في الكتابة وأمثلته الواقعية والأدبية في التعبير والكشف عن مضمون الأفكار المعقدة والعميقة. ويمتلئ (إحياء علوم الدين) بشواهد كثيرة على كيفية تقريب الفكرة للقارئ. وبهذا تكون كتاباته أيضا نموذجا للمزاوجة بين رفعة الفكر وسموه من جهة وتقريبه وقربه للأذهان جميعا بما في ذلك "تدنيه في كيفية اقناع العوام من جهة أخرى.   

[38] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص44.

[39] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص154.

[40] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص154.

[41] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج12 ص389.

 

ميثم الجنابي"الإنسان إذا كان عالماً ولم يكن له عقل،

سقط جاهه ومرتبته" (الغزالي)

إن الفكر الصوفي قادر على أن يحبك في نسيج خياله اللغوي ما يواجه في واقعيته صعوبة التنفيذ، وذلك لأنه لا يواجه من حيث الجوهر سوى حقائق ذاته. وقد خلّصه ذلك لحد ما من تعقيد وإشكاليات الإضافات المفرطة للعلم والعقل، والتي يفرضها منطقهما بفعل التباين الدائم والمتغير في كمية المعارف وحجم العقول. فهو لم يواجه في مساعيه رغبات البحث عن موازنات الوعي الشرطي، بل للتخلص من قيودها من خلال نزع آهات الأنا العقلية في شكها وتبريرها. وقد أعطى ذلك لتجاربها الفردية معنى يتجاوز حدود ما تفترضه التجربة العقلية. غير أن هذا التجاوز، الذي تنهمك في صياغة عناصره شفرات الطريق الصوفي، أي كل ما يسهم في تسوية الإرادة وتهذيب المعرفة بالشكل الذي ينفي على الدوام تناقض العلم والعمل، لا يتشابه بدوره عند الجميع بفعل تباين تجاربهم الفردية. وأن الميدان الأكثر حساسية وفاعلية لهذا التباين هو ميدان الروح الأخلاقي (العملي). فالمعارف النظرية تمتلك لحد ما مقوماتها في موضوعية الحقيقة، إلا أنها تتناثر في وعي الذات الفردي، باعتبارها كيانات مرئية وغير مرئية يبنى على أساسها تأمل كل ما كان ويكون، أي أنها تشكل البؤر الضرورية لإعادة تكامل المعرفة في الذات من خلال ادراك الحقيقة في الأنا الباحثة عن يقينها. وعندما أبدعت الصوفية تحديدها للعارف (الصوفي) في فكرة "لون الماء لون إنائه" فإنها لم تقصد بذلك تذويب أرواح عارفيها في زجاج وجودها، بل لكشف وحدة حقائقها في تجاربها، أو حقيقتها في حقها أو مصيرها في وجودها.

إن هذا الإبداع الخاص لوحدة الذات العارفة متنوع بقدر تنوع مريديها، ومتباين بقدر تباين عارفيها، ومتعدد بقدر أعدادهم. بمعنى أن وراء كل صوفي تجربة خاصة. ولا تختلف الصوفية هنا أو تتمايز عما هو مميز لتجارب المفكرين النظرية والعملية ككل. فالجميع تتحمل أثقال ماضيها في أوزار حاضرها، أو بصورة أدق، أنه لا حاضر سوى الماضي، تماماً بالقدر الذي يتضمن الماضي في ذاته كل إمكانات المستقبل و«غيوبه. وإذا كانت هذه التعبيرات تتشابه في عبارات الفرق الإسلامية ومدارسها وفي ألسنة خواصها وعوامها، فلأنها كانت تتشارك في معتقداتها حدود معالمها الثقافية، وفي وحيها تجارب فرقها وطرقها ومذاهبها ومدارسها. وصنع ذلك على قدر كل منها مكونات ما يمكن دعوته بطريقها الخاص. فالصوفية تدرك معالم الوحدة المتناقضة للعلم والعمل على أنه أسلوب وجودها المتميز، لأنه في واقعيته ومثاله يتطابق مع طريقها. وقد كان هذا بالقدر ذاته يقلق همم مدارس الإسلام وفرقه، لأنه هو أيضاً أسلوب وجودها. إلا أن انهماكها في عالم الظاهر أدى إلى سيادة أولوية العلم على العمل أو إلى موازاة وجودهما وتواجدهما.

وقد كانت هذه الحصيلة نتيجة طبيعية لتطور المعارف بفعل كميتها، واستمرارية لها بفعل استقلالها النسبي. فالمعارف لا تشكل بحد ذاتها دليلاً على ضرورتها العملية، ولا يعني إتقانها الشكلي تجوهرها في الوعي. وإن هذه الموازاة الخائبة في الوعي كانت وما تزال تشكل أسلوب إبداع الفجوات الدائمة أمام الوحدة. إلا أنها كانت وما تزال تشكل أيضاً الأسلوب الأكثر انتشاراً للمعارف في كميتها ونوعيتها. فهي تبدع أيضاً مثلها في الوجود، إلا أنها لا تتمثل إلا ما تراه مفيداً، أي أن مساعيها العملية هي في أفضل الأحوال مساعي الأنا المستقلة لا الكلّ. وكان بإمكانها أن تنتج ما لا يمكن حصره، وأن تضيّع أكثره دون أن تشعر بأسى كبير، أو كان بإمكانها أن تنظر إلى ذلك نظرتها إلى ما هو عرضة للفقدان. وبهذا تكون قد عبّرت أيضاً عن نمط الحياة في مسارها "الطبيعي"، على خلاف التصوف الذي لم يكن بإمكانه أن يعاني من شعور الفقدان، لأن الأخير هو إضافة بفعل امتلائه بما يتصوره بقاء  للباقي. وإن كل ذلك يبقى، إن أمكن القول، من إرهاصات التأمل المتعالي لما يمكنه أن يكون موضوعاً للاستقراء المنطقي الجاف. بينما في واقعيته هو التمثيل الأكثر حيوية لتناقضات المعرفة. وفي فرديته هو التجسيد الأكثر عمقاً لأصالة المعرفة. وفي ما بين تناقضات المعرفة وتحقيق أصالتها في البحث عنها تكمن قيمة التجربة الفردية لإدراك معالم الوحدة المتناقضة بين العلم والعمل كما أبدعتها ثقافة الإسلام.

فقد كانت ثقافة الإسلام في إطارها العام واحدية المنحى. مما أدى إلى أن تضع شخصياتها الكبرى بين قيمها المطلقة وشريعتها المقننة، أي أنها أعطت لتناقضات المعرفة طابعها الخاص بإدغامها في نسيج التجربة الفردية التي يبدعها هذا المفكر أو ذاك في محاولاته فهم حقائق المطلق أو في مساعيه الحثيثة  الباحثة عن الحقيقة. لقد وضعت الثقافة الاسلامية من حيث مرجعياتها الكبرى اهل العلم والمعرفة على الدوام بين محك العلم والعمل، وجعلت من كيانهم الفردي ميدان التجسيد الأمثل لتوحيد فردانية الأصالة وأصالة الفردية. أما قيمة ومحتوى هذا التجسيد، الذي يتطابق في واقعيته مع التجربة الفردية، فإنهما يستمدان أسسهما من خصوصية الثقافة الإسلامية وكيفية انكسارها في المسار المعرفي لأرباب الفكر، وفي المسار العملي لأرباب الذوق. حقيقة إن ذلك لا يعني توازيهما في التاريخ الاجتماعي والوجود الفردي. إلا أنهما صاغا، إن أمكن القول، نماذجهما المثالية في ميادين المعرفة.

فإذا كانت المعرفة العقلية قد حاولت إدراك الوجود والعدم في مقولاتها الصارمة، فإن المعرفة الذوقية (الصوفية) حاولت إدراك الوجود والعدم في أعمالها وآدابها. ولم يكن هذا الخلاف مبدئياً في غاياته، بقدر ما أنه عكس تنوع الثقافة الواحدية في مساعيها. وذلك لأن بلورة شخصية أرباب الفكر والنظر لم تكن حصيلة فعل النزعة الظاهرية أو أن ما أنتجته كان خلاصة نقية لها، وذلك لأن تأكيداً كهذا لا يعكس في الواقع سوى حدود وعيه المباشر. وهو في أفضل الأحوال لا يتجاوز رؤية السكون النسبي في حركة الأشياء. فما وراء ظاهرية الثقافة ومعالم إدراكها لتناسب العلم والعمل تكمن على الدوام صيرورة الباطن الخفية، أي أن الظاهرية تتضمنها كأجزاء فيها. وبهذا تكون قد عبّرت عن مظاهر الوجود في إيجاده. ولا يعني ذلك إهمال انتمائها العميق للمطلق، أو فقدانها لوجدانية الاندماج والتعبير. على العكس! إنها نظرت إلى هذه القضايا كأجزاء في وحدة الدقة الظاهرية، التي يفترضها منطق العقل في رؤيته للظواهر. وهو ما يبرز بجلاء في وطأة العقل النظري لمدارس الإسلام وفرقه الكلامية والفلسفية والفقهية.

إن لهذه الوطأة العقلية أسسها الروحية أيضاً. وهو ما يقابله في عالم الإيمان من معتقدات وإفرازها في خلجات الضمير. وفي هذا التواجد الحي لوطأة العقل والضمير تتبلور وتتداخل وتتصادم وتتناقض عناصر العلم والعمل. وفي مجرى ذلك تتكون شخصية المفكر وتجربته الفردية، أي أنها تعكس في صيرورتها طبيعة التداخل والتحول بين مكونات المعرفة الثقافية والعلم الأخلاقي، باعتبارها المكونات الجوهرية في ثقافة الإسلام آنذاك. إذ لم تتعد تجربة المفكرين في مكوناتها الأساسية حدود المعالم الأساسية التي افترضتها ثقافة الإسلام الواحدية. ولكنها أبدعت ضمن هذه الحدود كل ما تراه ضرورياً، أو أنها على الأقل فسحت المجال أمام تثوير ذاتها لأنها لم تحصر ذاتها في ذاتها، بل في طوفانها بين واجب الوجود والوجود، وبين الأول والآخر، وبين الأزل والأبد، وبين الحلال والحرام، وبين المباح وغير المباح، أي أنها حصرت ذاتها الواعية في قيم مبادئها الكبرى.

حقيقة إن هذا الحصر لم يكن فعلاً إرادياً خالصا بقدر ما أنه ارتبط وتحدد بالصيغة التي نشأ بها إسلام الخلافة وسلطته. ومع ذلك لم يكن الأساس المادي لصرحها السياسي الدولي حاسماً في يوم ما على كمّ أفواه الفكر بلجام قوته. لقد أعطى للفكر حوافز استقلاله النسبي، وقيّده في الوقت نفسه بمتطلبات التطور والتغير. وقد استجاب كل علم في إطار حدوده إلى هذه التحولات على أنها قدره الخاص. واشتركت جميعها في الوقت نفسه بعدم تجاوز ذاتها، أو أنها لم تضع أمام نفسها مهمة اختراق ذاتها، لأنها لم تجد في ذلك أسلوب تعميق معناها. وقد كمنت في ذلك عناصر الإبداع والتقليد.

ففي الوقت الذي أسست فيه لإعادة إنتاج ما هو قائم على أنه مثال حي بفعل حصرها قيمة الوجود فيما بدا لها مطلقاً في "شريعتها"، فإنها أدت أيضاً كنتيجة لهذا الحصر إلى اختمار الروح الدائم. وقد جعلها ذلك ضيقة من وجهة نظر التاريخ السياسي والدولتي والعسكري والحرفي (العلمي والصناعي)، ولانهائية في الوقت نفسه من وجهة نظر التاريخ الروحي والمعنوي. فما كان يقلقها ليس كمية المعارف ومداها بل القيمة والمعنى. لهذا أبدعت فكرة الارتباط ووضعتها في جوهر مساعيها. وبما أن الارتباط هو إما علم أو عمل، فإن الثقافة الظاهرية حاولت تجسيده في العلم (المنطق) والكلمة والبرهان، بينما جسدته ثقافة الباطن في العمل (الأخلاق ومساعي الروح).

وقد كان ذلك خلقاً دائماً لحدود الحرية، التي تكتنز في أعماقها ثروة الرزانة والسكينة، بفعل شعورية انتمائها للمطلق، وفورانها وتمردها بفعل وجدانيتها المتحسسة للعدل والظلم. وقد استمدت تجارب المفكرين، بما في ذلك عند الغزالي، حدودها من حدود الثقافة الإسلامية ذاتها. إنها تحسست وأدركت وتذوقت حقيقة التحرر باعتباره قيوداً إضافية. لهذا فإن مطالبتها بالمزيد كان لابد وأن يؤدي إما إلى استثارة القناعة المفرطة بتقليديتها، وإما إلى شكوك المعرفة الحية، وإما إلى يقين الذوق الفردي. واحتوت هذه الاتجاهات الكبرى على نماذج لا تحصى، أو بصورة أدق على عدد أصحابها. وإذا كانت الثقافة الإسلامية في ممهدات تكونها أكثر اقتراباً من أرضية الوجود التاريخي الفعلي، فليس لكونها استندت إلى ما هو "عقلي" في قرآنها وسنّتها، بل لكونها نشأت كتلقائية صارمة في استجابتها لوحدانيتها. وقد أعطى ذلك لها إمكانية الشكر الدائم لنِعَم أفعالها، أو التوبة لذنوبها، أو الاستغفار لأخطائها.

إنها قيّدت مساعيها بالطريقة التي جعلت من ارتباطاتها بمطلقها الروحي وشريعتها المتغيرة الأسلوب الواقعي لتعديل مسارها المقيد في دروب الحرية. ومن هنا استمرارها الرصين وابتعادها عن مغامرات النفس. وقد كانت هذه القيود العامة في واقعيتها شبيهة بسواحل البحر، أي أنها تمتلك قيمة الثبات وعروة النجاة ومعنى الأمان والاطمئنان فقط في حالة محاذاتها لأمواجه! وبالتالي لا تمتلك حدّها وحقيقتها وجمالها وجلالها بمعزل عنها. إنها أبقت في محيطها كل المكونات الضرورية للحياة وصخبها المخيف وأعطت لكل ذلك معناه الهادئ بفعل نجاحها في تحويل مغامرات الجسد إلى عالم الروح. بينما سلك كل مفكر بطريقته الخاصة هذه المغامرة الثقافية للجسد. لهذا كان لابد له من أن يصطدم بالضرورة بثنائية العلم والعمل في مستوياتها العديدة، أما بمستواها العقلي (العلم والعقل) أو الوجودي (المادي الروحي) أو الأخلاقي، أو بهم جميعاً كما هو الحال عند الغزالي.

إن التحول العميق في مخاض وحدة العلم والعمل لم يشترط بالضرورة مروره بهذه الثلاثية، أو على الأقل أنه لا يفترض وجودها كسلسلة لابد منها. وإذا كانت هذه السلسلة قد ميزت انقلاب الغزالي إلى عالم التصوف، فلأنها تطابقت في واقعيتها مع مراحل تطوره العقلي في عوالم الفقه والكلام والفلسفة. فهي التجربة التي كشفت في مجراها عن محدودية العقل اللاهوتي والفلسفي، وأفرزت في الوقت نفسه قيمة الغائب الأخلاقي الروحي. لهذا شدد لاحقاً على مبدأ ضرورة أن يبني المرء أحكامه على ما يعلم لا على ما يجهل. ولم يعن هذا المبدأ أسلوباً لمنهجية المحاجة العقلية، بل وتعبيراً عن ضرورة وضع الحدود الصارمة للعلاقة بين الأحكام المبنية على المعرفة الذوقية بالأمور وبين تلك التي تضع في أساس حكمها التقييمي جهلها بها.

لقد كان هذا المبدأ حصيلة المعرفة العيانية بالجدل الفكري وأحكامه الجازمة والجائرة، التي عادة ما كانت تبني تصوراتها على ما تجهله حقيقة. لهذا شدد على رفض السلوك الذي يجعل من الغائب وغير الموجود أساسا للحكم ومقولاته. وإذا كان يسعى من وراء ذلك للبرهنة على أهمية الذوق الصوفي، فإنه كان لابد له في مواجهة إمكانية القبول والرفض من أن تبنيها على أساس خاص بها، هو أساس المعرفة المستندة إلى المعلوم والموجود لا إلى الغائب والمجهول.

وفيما لو حاولنا تطبيق هذه الصيغة على شخصية الغزالي ووعيه العملي، أي على تلك العناصر التي ترتبت بأثر نموه الفكري في مجرى وصراعات الفرق الإسلامية ومذاهبها وانكسارها في التجربة العملية، فإن الفقه احتل موقع الميدان الأكثر سعة وحساسية، ليس فقط في تقييد الفكر المجرد وإجباره على التقولب ضمن إطار الأحكام الصارمة بل وفي ذلك القدر الضئيل من حرية الروح الأخلاقي، الذي يعاني من وطأة "الإستقامة الحقوقية". فالآلية الداخلية للفقه الإسلامي، التي تمثلت في مجرى تطورها نتاج الثقافة القائمة عانت في حالات عديدة من "تخمة" الإفراط المعلوماتي، مما جعله كلي القدرة قاسي القلب. فقد أتقن الفقه حنكة المراوغة للدرجة التي استطاع بها قهر كثرة من عمالقة الفكر الإسلامي أمام محاكم السلطة، واستفحلت فيه نتيجة لذلك غريزة الانتقام وداء التشفي ومكر الذات المخدوع. وعمق ذلك فيه نزعات السيطرة وادعاء الشمولية واحتكار الحقيقة، التي أفقدته مع مرور الزمن صفاته العملية الأولية المميزة لمبادئه وبداياته، أي كل ما كان يتطابق في الوعي الأخلاقي مع الورع والتواضع والصلاح والإصلاح والمبدئية والحقيقة. ولعل تجربة الغزالي الفقهية هي أحد النماذج النادرة في الثقافة الإسلامية التي حاولت أن تضع حداً لتبجّح الفقه المعرفي (المعلوماتي) من خلال كشف محدودية وظيفته وسطحية حقيقته، وضيق مضمونه وصخب طنينه، وعابرية أحكامه وقوة أوهامه. فهو من بين الفقهاء الأكثر رفعة. وهو الذي تمرّس في تمارين الفقه للدرجة التي لم يتجرأ أي من معاصريه على مواجهته وجهاً لوجه، بل وتجاوز ذلك الحد الذي كسر بها نفسه بنفسه. وإذا كانت هذه النتيجة قد استثارت حفيظة البعض وتعظيم البعض الآخر، فإنها لم تعط مع ذلك لمشاعر الاتهام الخفية إمكانية القول عنه بأن علمه كان أكثر من عقله، أو أن عقله أكثر من علمه1 .

فالغزالي لم يعانِ من تناقض زيادة أو نقصان العلم والعقل وتناسبهما فيه وعنده. وهو ليس من الشخصيات التي كان بإمكان المؤرخين المسلمين أن يطلقوا عليه، كما تجرءوا بالقول على ابن المقفع (ت- 141 للهجرة)، وابن الريوندي (ت-245-250 للهجرة) وفيما بعد السهروردي المقتول (ت- 586  للهجرة) وغيرهم من أن علومهم أكثر من عقولهم2، أو على الفراهيدي (ت- 170 للهجرة) من أن عقله أكثر من علمه.

إن علوم الغزالي لم تكن أكثر من عقله ولا عقله أكثر من علومه. وقد أظهر ذلك أيضاً في إدراكه الدقيق لهذه العلاقة المتناقضة والضرورية في الوقت نفسه في الوعي والممارسة، مازالت هي القوة الفعلية وراء تطور الذات المفكرة. فتطوره الفكري الروحي ما قبل التصوف هو مثال الحركية الدائمة لزيادة ونقصان العقل والعلم في تناسبهما. وفي مرحلته الصوفية فقط وعى خطورة هذه العلاقة ليس بوصفها قضية فكرية، بل وعملية أخلاقية. لهذا نراه يشدد لاحقا في (نصيحة الملوك)  على أن "الإنسان إذا كان عالماً ولم يكن له عقل سقط جاهه ومرتبته"3. ولم يكن حكمه هذا نابعاً من معاينة ودراسة تجربة الصراعات الفكرية على مثال شخصياتها، بل وأساساً في إعادة تقيم تجربته الشخصية العملية، وخصوصاً في ميدان الفقه.

إن معادلة نقصان وزيادة العقل على العلم والعكس، التي أبدعها الخيال الأدبي في بادئ الأمر، لتتخذ في مواقف الكلام صيغة الاتهام العقائدي، تحولت في أيدي الفقهاء إلى وسيلة قمع "المتهورين" وتبرير النفس. فقد كان الفقهاء في العلم فحولاً لكنهم صغار العقول. لهذا تحسسوا قوة الاتهام الفعالة لمعارضيهم في فكرة زيادة العلم على العقل، وبالتالي إبراز أنفسهم كممثلين حقيقيين لوحدة العلم والعقل. ولم تكن هذه المفارقة الحصيلة الضرورية للفقه، بقدر ما أنها كانت النتاج الطبيعي للتناقضات القائمة في البحث الدائم عن الحقيقة، أي تلك الصراعات الناشئة في مرحلة انحطاط القيم وتضخم المعارف، التي وجدت تعبيرها وتجليها الحاد في تناقض العقل والأخلاق.

فقد وقف الغزالي أمام هذه المفارقة الدائمة المميزة للوجود الإنساني ما لم يبلغ درجة وحدة الحقيقة وحقيقة الوحدة. فالعقل يمكنه أن يكون كونياً، ويمكنه أن يتصور ذاته أو يتضاءل أمام بصيرته، أما في مساعيه وحركته وقوة إبداعه وفي فضائله أو رذائله الطبيعية والاصطناعية، فإنه لا يعاني إلا من عزلته في الصراع مع النفس. وقد وقف الغزالي أمام هذه المفارقة محاولاً إدراك رموزها العامة وحل معضلاتها الخاصة. وإذا كان ذلك مرتبطاً في جانبه الفكري بتجربته النظرية في علوم الكلام والفلسفة، وجانبها السياسي الأخلاقي في صراعه مع الباطنية التعليمية، فإن حساسيتها الأخلاقية الروحية تبلورت أساسا في دهاليز الفقه العقلاني ومكره العملي.

***

ا. د. ميثم الجنابي

....................

1- لهذه الفكرة تقاليدها. وقد بنيت في شقيها على رد فعل الصراعات الفكرية. كما كانت تحتوي على وحدة المتناقضات في الوعي التقييمي. فابن النديم يورد، على سبيل المثال، الكلمات التي قيلت عن أولئك الذين زادت عقولهم على علومهم. وأولئك الذين زادت علومهم على عقولهم. واحتوت هذه المقارنة المفارقة على فكرة عميقة من حيث تحديدها للعلاقة بين العقل والمعرفة بمختلف اصنافها. كما تتضمن هذه العبارة على معنى سبق وإن ابدعته الثقافة الإغريقية الفلسفية عن "أن كثرة العلوم (المعارف) لا تصنع عقلا". غير إن عبارة "علمه أكثر من  عقله" كانت تتضمن في الأغلب إشارة إلى التهور العقلي والجرأة المتشددة. أما الصيغة المعاكسة فقد كانت تحتوي على صيغة الاحترام الظاهري المشبوب بقلق داخلي، والذي لا يخلو بدوره من صدق الانتفاض المبطن. غير إن هذا التقييم بصنفيه اتخذ في تقاليد الصراع والاحتراب الفكري والعقائدي طابعا آخر اتسم في أغلبه بالتكفير والتجريم والاتهام والتبديع وما شابه ذلك، كما كان الحال في الموقف من ابن الريوندي والسهروردي المقتول وغيرهم.   

2- إن لهذا الاتهام أو التقييم لكل من هؤلاء الثلاثة (ابن المقفع وابن الريوندي والسهروردي المقتول) مقدماته الفكرية والسياسية ومضمونه الخاص في ظروف كل منهم. بمعنى إن لكل ترديد لعبارة "إن علمه أكثر من عقله" قيمتها ومضمونها ووظيفتها الخاصة. ففي حالة ابن المقفع لم يكن ذلك معزولا عن الصراعات السياسية والثقافية الضيقة، بينما كان الأمر أكثر تعقيدا في حالة ابن الريوندي بسبب تعّقد وتوّسع وتعمّق كل من العلم والعقل الإسلاميين في ميادينهما المختلفة، وبالأخص في ميدان صراع المذاهب والفِرق الكلامية. فالتقييم أو الاتهام المذكور والمنسوب إلى ابي القاسم البلخي (ت- 317 للهجرة) والذي سيدخل تيار الأحكام القاسية للاعتزال كما هو جلي في كتاب (الانتصار) لابي الحسين الخياط. ففيه نعثر على نقد "تهور" ابن الريوندي و"فظاعة" عقله الجدلي. ولم يكن هذا النقد اعتباطا في الفكر المعتزلي. فقد دافع المعتزلة عن العقل واعتبروا أنفسهم القوة الرائدة في هذا المجال. وبالتالي اعتبروا معارضة أحكامهم العقلية واستنتاجاتهم في أفضل الأحوال خروج على العقل. غير أن ما لم يكن بإمكانهم الاقرار به ذهنيا لم يستطيعوا تطبيقه عمليا، أي انهم فسحوا المجال بمواقفهم هذه "لاقتراف الذنوب العقلية" كما هو الحال في موقفهم من ابن الريوندي. إذ لم يكتفوا بذلك بل ونظروا إلى خاتمة حياته البائسة بنفسية التشفي كما هو جلي في مخاطبة الخياط له بعبارة "فهذا مذهبك وهو قولك القائل بقدم العالم والزمان والاستهزاء بالأديان والأنبياء. ومن اجله نفتك المعتزلة وطردتك من مجالسها وباعدتك عن انفسها حتى حملك الغيظ عليها على ان صرت تنبح كالكلب بإزائها وتكذب على أشياخها. وما ضررت بذلك غير نفسك"(الخياط: كتاب الانتصار، بيروت، 1957، ص123). أما في الواقع فإن لهذه الظاهرة مفارقاتها الخاصة، وفي كلّها شكلت المادة الغنية لثقافة الغزالي الفكرية وحساسيتها الأخلاقية اللاحقة (بعد انتقاله إلى التصوف) في موقفه من الجدل. 

3- الغزالي: التبرك المسبوك في نصيحة الملوك، القاهرة، 1900، ص119.

 

 

ميثم الجنابيأيا حجر الشحر إلى متى

تسنّ الحديد ولم تُقطَعِ؟

إن المهمة السياسية الأيديولوجية القائمة وراء (فضايح الباطنية) لم تتجرد في الوقت نفسه عن "ازدواجيتها" العميقة. بمعنى أنها ظلت تحمل في أعماقها ليس فقط حوافز الدفاع عن السلطة العباسية والبرهنة على أحقيتها في الخلافة، بل وكونها كانت من الناحية التاريخية والفكرية شيئاً ما نسبياً وعابراً مقارنة بأسلوبه الجدلي ومضمونه العقلاني. فقد ساهم مؤلفه هذا، سواء على المستوى الشخصي والاجتماعي والثقافي، في تعميق منظومة وقيم الحرية الفكرية واستقلالية العقل ودحض فكرة السلطوية الروحية وأوهام العصمة واحتكار الحقيقة من جانب أي كان. فهو في دفاعه عن السلطة العباسية، على سبيل المثال، لم يتهاو في أوحال التبرير بالصيغة التي يمكن أن يطوي بها قيمة العقل وفضيلة الاجتهاد وحرية الرأي أو أن يرتضي بالعصمة لخلفاء بني العباس.

لقد عمّقت حذاقة النقد المتصدي لفكرة التعليمية الباطنية عن إمامها (العقائدي والسياسي)، باعتباره العارف بحقائق الأشياء والملزم طاعته والتعلم منه لأجل نيل سعادة الدنيا والآخرة، أسلوب الجدل الفكري. غير أن وجهته كانت أيضا تسير باتجاه خدمة مصالح الإمام العباسي (المستظهر بالله). إن جهود الغزالي النظرية لإبطال فكرة التعليمية الباطنية عن عصمة وأحقية إمامها في مصر آنذاك كانت تحتوي على تمهيد الأساس الأيديولوجي للدفاع عن الخليفة العباسي، باعتباره إماماً للمسلمين. بمعنى أنه لم يقف عند حدود دحض الفكرة الباطنية وكشف "فضائحها"، بل ونفيها بالبديل العباسي من خلال جمع كل ما يمكنه ضمان تأييدها بما في ذلك كثرة المعطيات المباشرة والعادية مثل وجود أغلبية المسلمين والقوة إلى جانب المستظهر بالله وما شابه ذلك. رغم أنه كان يدرك جيداً انعدام الصلة الضرورية واللازمة بين القوة والحق، والكثرة والحقيقة. بل إن انتقاداته الفكرية الشديدة للباطنية حول الإمام الواحد والحق كانت موجهة أساساً من أجل البرهنة على استقلالية وموضوعية الحقيقة وتجردها بالتالي عن عوارض الكميات (أتباعاً ومعارضين). وذلك لأن كثرة الأغبياء والحمقى واتفاقهم على الكلمة، كما أكد الغزالي نفسه، لا يعني حقيقتها وأحقيتهم. إن استعماله هذه الفكرة ضمن سياق الدعاية السياسية لم يعن في الواقع سوى إحدى محاولات إعطاء الخلافة العباسية في شخصية المستظهر بالله شرعية وجودها وصلاح إمامها. ومن هذا المنطلق يمكن فهم استنتاجه القائل "بقدسية" الخلافة العباسية. فقد أكد على أن وصول المستظهر بالله للسلطة لم يكن نتاجاً للحيلة البشرية والمخادعات بل بل "رزقاً إلهياً". بمعنى أن اختياره هو اختيار الله له. غير أن الغزالي مع ذلك لا يجعل من واقع الاختيار مقياساً للحقيقة، بقدر ما أنه يمثل أحد مؤشراتها، أي أنه نظر إلى الاختيار باعتباره مقدمة للبيعة الحقيقية، التي ستصرف لاحقاً "قلوب الخلق لطاعته والانقياد له في الأمر والنهي"[1]. وإذا أتاح الله لامرئ هذا، كما يقول الغزالي، فإنه كان من الله لطفاً في اختياره لخلافته[2].

ومن الممكن القول بأن هذا الاستنتاج الأيديولوجي الملطف للتبريرية الجبرية يعكس في بعض جوانبه خشونة المواجهة الفكرية والسياسية للمرحلة. لهذا حاول أن يعطي له طابعاً سياسياً عقلانياً من خلال تصوير استنتاجه السابق على أنه نموذج معارض لفكرة "النص الإلهي" للتعليمية الباطنية، التي وضعت الاختيار الإلهي قبل الإنساني. في حين وضع الاختيار الإنساني قبل الإلهي، أو بصورة أدق أنه وجد في الاختيار الإنساني تطبيقاً للإلهي، وفي وحدتهما الصيغة المثلى لما ينبغي، أي أنه سعى إلى إيجاد نوع من التجانس الواقعي الممكن بين الإلهي والإنساني في الاختيار السياسي. وقد أدت هذه  الفكرة إلى خلافات جوهرية مع ما يقابلها في التعليمية الباطنية. إلا أن الغزالي حالما حاول إنزال هذا التجانس الممكن إلى ميدان الواقع، فإنه كان لابد من أن ينكسر على موشور الصفات الأساسية، التي ينبغي أن يتحلى بها الإمام (الخليفة). فالغزالي يستند هنا جزئياً إلى تقاليد الكلام السياسي في موقفه من الصفات الأساسية للإمام، إلا أنه أخضعها لمصالح أيديولوجية السلطة، بحيث أدى به ذلك إلى أن يجعلها جزءاً من الصراع لا من مكونات البحث عن الحقيقة. فعندما حاول أن يطبق الصفات المكتسبة الأربع على شخصية الخليفة المستظهر بالله (النجدة والكفاية والورع والعلم)، فإنه ينطلق من أن النجدة ضرورية لإظهار قوة السلطة وحسم الفتن وإقرار النظام. وبما أن الغزالي يصطدم بواقع كون القوة العسكرية ليست بيد الخليفة، بل بيد السلاطين الأتراك وما تنتجه هذه الحالة من انتقادات المعارضة للخليفة بما في ذلك في صفة النجدة، فإنه وجد المخرج المناسب في ازدواجية الانتقاد والتبرير. فهو يشير إلى واقع مخالفة السلاطين والأمراء لأوامر الخليفة ونواهيه. بل إنهم في حركاتهم لا يترددون إلا خلف شهواتهم، وإذا هاج لهم غضب لم يبالوا بالأتباع ولم يعرفوا إلا الرجوع إلى ما جبلوا عليه من طباع السباع[3].

إن الغزالي يصوّر الواقع وينتقده بحذق ضمني، لكنه يحدّه في الوقت نفسه ايديولوجياً على أساس أن ذلك لا يغير من طبيعة الخلافة وشرعيتها، مازال السلاطين أنفسهم "يتقربون إلى الله بنصرته ويعتقدون ويطيعون خلافته". أما عدم الطاعة والتردد إلى الشهوات، فإنها صفة كانت قائمة على الدوام. فالمؤمنون على سبيل المثال، لا يخضعون كلهم بقدر واحد لله. إذ هناك الموافق والمخالف. والسلاطين رغم تنصلهم عن الخضوع أحياناً، فإنهم على الدوام شديدو الحرص على إظهار الطاعة له. ذلك يعني أن هذه الظاهرة المثيرة لانتقادات التعليمية لا تغير من أحقيته في الخلافة. ولنا في ذلك أمثلة كثيرة بما في ذلك مع الإمام علي بن أبي طالب، الذي دفعه تنافر قومه وعدم خضوعهم لرأيه وإتباعهم إياه إلى أن يقول يوماً "لا رأي لمن لا يطاع". وإذا كان الإمام علي يقود العساكر بنفسه، فإنه لم يعد ذلك، حسب نظرية الغزالي، شرطاً من شروط الإمامة. بصيغة أخرى، إنه يجمع مختلف الأدلة من أجل البرهنة على شرعية الخليفة العباسي. وبغض النظر عن طابعها التبريري الجزئي، إلا أنها صبّت في مجال التقاليد الكلامية العقلية، التي جعلت من شدة الكلمة وقوتها الجدلية أسلوب البرهنة على الحق والحقيقة. ويمكننا أن نلحظ هذا الأسلوب أيضاً في كيفية تطبيقه على كافة الصفات الأخرى. فالمستظهر بالله يظهر كما لو أنه أحد ممثلي الورع الإسلامي الكبار. وإذا كان الغزالي يركز على هذه الصفة أكثر من غيرها، فلأنها تستلزم أولاً وقبل كل شيء "معاناتها" الذاتية باعتبارها صفة ذاتية مكتسبة على خلاف النجدة والهداية وغيرهما من الصفات، مما يمكن تقويته بمساعدة المستشارين والأعوان. من هنا فإن تميز المستظهر بالله بالورع هو الذي يعطي للغزالي إمكانية حلّ خياله وعقله قيود الاعتدال، ولكنه يبقى مع ذلك أميناً "لمنطقية" الاستنتاج في تقاليده الثقافية الإسلامية. فهو حالما يستنتج من صفة الورع المميزة للمستظهري أحقيته في الخلافة، فإنه يكون بذلك قد عبّر عن استمرارية التقاليد الإسلامية في موقفها من إحدى أهم الصفات وأكثرها جوهرية في صيرورة كيانه الروحي الأخلاقي. فالورع، كما أفرزته تقاليد الإسلام، هو البؤرة الداخلية التي تلتف حولها طبقات الوعي الأخلاقي. ومنها تشع علامات الحق. وإليها تنجذب قوى الروح الكامنة في القلب والعقل والجوارح. وليس مصادفة أن يجمع في تصويره شخصية الخليفة كل هذه الصفات قائلاً بأن المستظهر بالله هو "إمام الورع والتقوى حتى أوفى على الغاية القصوى. فتميز بمتانة الدين وصفاء العقل واليقين حتى ظهر من أحواله منذ تجمّل صدر الخلافة بجماله من إفاضة الخيرات والعطف على الرعايا، وقطع العمارات التي كانت العادة جارية عليها بالمواظبة عليها. كل ذلك إضراباً عن عمارة الدنيا. هذا وما ظهر من سيرته في خاصة أحواله من لبس الثياب الخشنة واجتناب الترفّه والدعة والمواظبة على العبادات"[4].  كل ذلك في ريعان الشباب، فما بالك يا ترى في حالة مقاربته سن الكمال. إذ أن الهلال إذا رأيت نموه أيقنت أن سيصير بدراً كاملا!

إن الغزالي يدرك صعوبة تحقيق التجلي الواقعي لحقيقة الكمال. وذلك لأن الكمال الحقيقي هو لله فقط. إلا أن عدم تجليه الكامل لا يعني عدم وجوده. وبهذا فإن انتقادات التعليمية الباطنية وغيرهم القائلة بخلو الزمان من الإمامة لافتقاد شرطها في الكمال لا يمتلك أساسه السليم. لهذا حاول جهد الإمكان رد هذه الاعتراضات بالصيغة التي يمكنها أن تعقلن المواقف أو تصوغ مبادئ اعتدالها الواقعي. فعندما يتناول على سبيل المثال، شخصية الخليفة الذي بحوزته كل تلك الأموال والإمكانات الاقتصادية الهائلة، فإنه لا ينساق وراء ما يمكن دعوته بالتبريرية الاقتصادية، بل وراء عقلنة المواقف من خلال التركيز على وحدة الورع والاقتصاد في النفقات من خلال شرعنتها الفقهية الحقوقية. فهو ينطلق من أنه لا عصمة للبشر، بما في ذلك للأنبياء. والإنسان عرضة للزلل. وعلى هذا الأساس حاول أيضاً استعمال فكرة الشافعي حول شرط عدالة الشهادة ليطبقها على الإمامة. فالشافعي يؤكد على أنه لا يمكننا القول عن فرد ما بأنه غير ذي طاعة خالصة إلا في حالة عدم اقترافه معصية مطلقا. ولا يمكننا القول عن فرد ما بأنه عاص كلياً إلا إذا أدركنا أنه لم يقم بطاعة قط. أما في الواقع فإنه ليس هناك إنسان منفكّ عن الخلط بينهما. إلا أن من غلبت الطاعات عنده على المعاصي وأن السيئة تثير عنده شعور الاستياء، والحسنة شعور الاستحسان، فهو يقول الشهادة. وفي استناده إلى هذا الاستخلاص الفقهي، يستنتج مخرجاً سياسياً يقول بأننا لا نشترط في عدالة القضاء إلا ما نشترطه في الشهادة، ولا نشترط في الإمامة إلا ما نشترطه في القضاء[5]. إذ ليس الإمام في نهاية المطاف سوى قاضٍ أكبر. وإذا كان الغزالي قد استطاع إخراج المستظهر بالله يابساً من بلل الانتقادات والاتهامات المعارضة في الصفات الأساسية كالنجدة والورع، فإنه أفلح بقوة أكبر في إظهار لمعانه في صفات العلم والكفاية.  غير أن ما يصوغه هنا هو جزء موجز من قناعته السياسية أيضاً بصدد قضايا الدولة والسلطة. إلا أن الثغرة التي ظلت قائمة على الدوام في منظومته الفكرية ما قبل التصوف تقوم في كمون فاعلية الصراع بين عقلانيته المنطقية وتبريره الايديولوجي، أي كل ما كان يسهم في خلخلة روحه الأخلاقي المعرفي.

ولم يكن ذلك معزولاً عن الصراعات الاجتماعية والسياسية والفتن المذهبية وعلائم انهيار الدولة وانحلال الوحدة وتشوّه القيم وانفلات الأمن. وبهذا المعنى كانت أراءه واحكامه ومواقفه الايديولوجية الوجه الآخر للواقعية العقلانية. فعندما حاول الدفاع عن أحقية المستظهر بالله فإنه يصور حالة الدولة والمجتمع بصورة دقيقة، مشيراً إلى أن صعوده إلى سدة الخلافة بعد سابقه (المقتدي) رافقه "إحداق العساكر بمدينة السلام وازدحام أصناف الجند على حافتها. والزمان زمان الفترة، والدنيا طافحة بالمحن متموجة بالفتن. والسيوف مسلولة في أقطار الأرض. والاضطراب عام في سائر البلاد. لا يسكن فيها أوار الحرب ولا تنفك من الطعن والضرب. وامتدت أطماع الجند إلى الذخائر ففغروا أفواههم نحو الخزائن. وكان يتداعى إلى تغيير الضمائر وثور الأحقاد والضغائن"[6]، أي كل ما كان ينبغي للمستظهر بالله وضع حد له وإعادة ترتيب الأوضاع بالصورة الأفضل. وهو ما استطاع القيام به. لهذا كان دفاع الغزالي عنه هو دفاع عن الوحدة الاجتماعية والسياسية للدولة. كما انه دفاع عقلاني وواقعي في الوقت نفسه. أما التناقضات المظهرية في بعض صياغاته النظرية فإنها لم تكن في الواقع نتاجاً لمعارضة الحقيقة بالمذهبية السياسية، بقدر ما أنها نتاج لمعارضة المذهبية العقائدية بالعقلانية السياسية. وقد أدت هذه العقلانية به إلى أن يقف لاحقا أمام هاوية تأنيب الضمير الأخلاقي. وفي وقت لاحق، فإنه لم يقدم الحقيقة كبشاً لفدائه الشخصي، بل شخصه كبشاً لفداء الحقيقة الأخلاقية، أي كل ما سيظهر بجلاء لا لبس فيه بما في ذلك في تمسكه الدائم بآرائه التي صاغها في (المستظهري) ضد التعليمية الباطنية.

لقد تنازل عما هو دعائي وتبريري في آرائه وأحكامه باعتبارها عوارض للصراعات السياسية. فقد كانت هذه العوارض بمعنى ما محاولات إضافية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لهذا فإنه حالما ستظهر أمام مصيره الشخصي معادلة الحقيقة والسياسة، والعقل والأخلاق فإن حلها الضروري اتخذ صيغة التآلف المعرفي الجديد. فلا عقل وأخلاق، بل عقل أخلاقي. وبهذا يكون قد حافظ، كما هو الحال في موقفه من الكلام والفلسفة، على ما هو إيجابي فيهما. وبهذا يكون قد أضاف إلى صرح تجربته النقدية العقلية تجربة الكلام السياسي، رغم أن تأثير التعليمية الباطنية على آرائه لم يكن محصوراً أساساً في ميدان السياسة بل في استمرار تأثير العقلانية النقدية وظهور قيمة الوعي الأخلاقي. ولم يكن هذا بدوره معزولاً عن آراء الباطنية وأسلوبها التأويلي.

فعلى الرغم من معارضة الغزالي الدائمة لآراء التعليمية الباطنية وأسلوبها التأويلي، إلا أن معارضته جرت أساساً، كما هو الحال بالنسبة لمواقفه من الاتجاهات الفكرية الأخرى، من خلال تطوير وتعميق وعي الذات المعرفي النقدي. ومن الممكن رؤية تأثير المادة الباطنية التعليمية الغزيرة في آرائه بما في ذلك في مرحلته الصوفي، وبالأخص ما يتعلق منها بقضايا النبوة والظاهر والباطن والسمو الأخلاقي والمعرفي وغيرها. وليس مصادفة أن تظهر، على سبيل المثال، إحدى القضايا الجوهرية في التعليمية الباطنية، ألا وهي قضية العلم والتعليم والمعلم في آرائه وتتصدر كتابه الأكبر (الإحياء) كإحدى قضاياه الأساسية وأولها، وباعتبارها مدخلاً لما أراد قوله. إلا أن الخلاف مع التعليمية الباطنية ظل مع ذلك جوهرياً، وبالأخص ما يتعلق منه بمواقفهما المتباينة من التأويل وأساليبه ومضمونه وغايته. لكنه حالما تعامل مع قضايا الفكر الصوفي، فإنه أصطدم بالضرورة بالمخزون المشترك لباطنية الصوفية وباطنية الباطنيات العديدة، بما في ذلك التعليمية بفعل دورها الكبير في صياغة وتعميق تقاليد التأويل واستدراجها خيال وعقل الثقافة في أمثلتها العديدة (الفلسفية واللاهوتية والأدبية المجازية وغيرها). لهذا لم يكن بإمكانه التخلي كلياً عما بدا له مضراً في بادئ الأمر في الفكر الباطني. فقد أدرك في مجرى صياغته أطر وموضوعات تآلفه الفكري الجديد، الصلة الخفية بين أسلوب المعرفة القلبية  (الصوفية) في أحوالها ومقاماتها من تذوق وكشوف ومشاهدات وبين التأويل المفرط للمادة القرآنية والحديث باعتباره نتاجاً وتمرينا للفكر الباطني. وقد انعكس في ذلك إحدى أساليب تطور إدراك الغزالي المعرفي وفكره. وبدون ذلك يصبح من الصعب فهم صيرورة تآلفه اللاهوتي الفلسفي الصوفي باعتباره نفياً لآرائه السابقة أو تطويراً مضموني لها. إذ لم تكن هذه الظاهرة بالنسبة له قضية فكرية خالصة بقدر ما أنها ارتبطت أوثق ارتباط بالموقف النقدي من النفس، والذي أدى إليه تجمع عناصر التناقض الداخلية في وعيه الفردي، أي كل ما استجمع في ذاته تناقضات الواقع ومحاولات الخروج من أزمتها.

فهو لم يرفض تراثه السابق بل استعاده بعمق جديد وآفاق أرحب، مشذباً إياه بالصيغة التي عادة ما ترافق إعادة التقييم النقدية الخالصة. وبدون ذلك يكون من الصعب فهم إشاراته العديدة في مرحلته الصوفية إلى مؤلفاته الأولى (ما قبل التصوف)، بما في ذلك دعواته المتكررة للرجوع إلى هذا الكتاب أو ذاك، أو إلى هذا الفصل والباب منه أو ذاك، بما فيها كتبه الموجهة منها ضد الباطنية. ومن الممكن تفسير هذه الظاهرة جزئياً استناداً إلى "شرعية" الحقيقة القائمة في هذه المؤلفات باعتبارها مؤلفات "ظاهرية" مدافعة عن عقيدة العوام، إلا أن هذا "الدليل" لا يشكل بحد ذاته قيمة جوهرية لا من حيث مضمونه ولا من حيث وظيفته في منظومة الحقائق التي أبدعها في تآلفه الفكري الجديد.

لقد ظلت هذه المؤلفات تحمل الكثير من الحقائق الجوهرية التي تمسّك بها ودافع عنها في مرحلته الصوفية أيضاً. وليس مصادفة، على سبيل المثال، أن يردد في (المنقذ من الضلال) جملة الآراء التي بلورها وعرضها في (المستظهري). فهو يشير إلى ما أسماه بالمستحثّ الخارجي، أي أمر الخلافة في الرد على الباطنية[7]. وكذلك آراؤه الداحضة لفكرة العصمة ودعوته للاجتهاد انطلاقاً من أن النصوص متناهية ولا تستوعب الوقائع غير المتناهية[8]. ويؤكد في الوقت نفسه على الفكرة الرئيسية في انتقاده للباطنية  والمتعلقة بقضية التأويل، وأن ما يصوغه من آراء ومفاهيم تستمد مقوماتها من القرآن ويدعو القارئ في حالة رغبته بالتمعن بآراء الباطنية بالرجوع إلى مؤلفاته العديدة بهذا الصدد مثل كتاب (المستظهري) و(وحجة الحق) و(مفصل الخلاف) و(القسطاس المستقيم). ذلك يعني أن الغزالي لم يرفض في الواقع سوى الفجوة التي كانت تتخلل مسام وعيه العقلاني وغياب فاعلية الروح الأخلاقي، أي كل ما استثار، على خلفية وجوده التاريخي القائم آنذاك، شعور القلق الروحي الذي أبدع حوافز تذليل خلاف العقل والأخلاق. فالسخاء العقلي في منطق "الفضائح" وجفاؤه الأخلاقي كان يحوي في جوانحه على عوالم الكمون الحي لمفارقات الحقيقة العقلية الأخلاقية، أي كل ما تطاير على مسنّ التجربة العملية الأخلاقية.

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] الغزالي: فضائح الباطنية، ص126.

[2] الغزالي: فضائح الباطنية، ص126.

[3] الغزالي: فضائح الباطنية، ص129.

[4] الغزالي: فضائح الباطنية، ص132.

[5] الغزالي: فضائح الباطنية، ص135.

[6] الغزالي: فضائح الباطنية، ص131-132.

[7] الغزالي: فضائح الباطنية، ص118.

[8] الغزالي: فضائح الباطنية، ص121.

 

ميثم الجنابي"الجنون فنون"

إن الانتقاد العقلاني لمفاهيم التعليمية عن الإمام المعصوم من خلال التركيز على موضوعية الحقيقة قد وضعه أمام إحدى القضايا الكبرى للثقافة الإسلامية، ألا وهي طبيعة العلاقة بين الأخلاق والحقيقة، بين الحقيقة والأيديولوجيا. فالغزالي في مرحلته هذه لم يسعَ لحل هذه القضايا بصورة مستقلة. بمعنى أنه لم يواجهها بوصفها قضاياه الشخصية، بقدر ما أنه واجهها كجزء من مهمات الصراع ضد "الزيغ والباطل" التعليميـ الباطني. لهذا لم يكن بإمكان آرائه هنا أن تتعدى في أفضل الأحوال حدود الدفاع عن العقل واستقلاليته الفكرية ورفض التقليد.

إن لهذه الظاهرة مقدماتها في تقاليد الجدل الكلامي وصراع الفرق الإسلامية. وإذا كان الغزالي قد سار هنا على العموم في تيارها الجارف، فإن مأثرة هذا الانتقاد تقوم في تمظهره بموضوعية التحليل والأحكام بصدد القضايا المثيرة للجدل. لهذا فإنه حالما يتطرق إلى فكرة التعليم، فإنه يؤكد على ضرورتها. ويشدد في الوقت نفسه على أنها لا تستلزم أية عصمة. فالعلوم البرهانية العقلية هي ليست علوماً تقليدية، بينما لا يمكن معرفة حقيقة العصمة إلا بالضرورة أو التقليد. وفي كلتا الحالتين، فإننا لا نستطيع هنا بالدلالة والتدليل سوى اقتراف حماقات لا غير. أما حماقة التعليمية الباطنية، فإنها تقوم في هجومها المستميت ضد العقل وتفضيل تكذيبه. ومنطقياً لا تؤدي هذه المحاولات إلا إلى نفي فكرة العصمة ذاتها. إذ حتى في حالة افتراض إمكانية وجود العصمة والإقرار بقدراتها العملية، بمعنى استطاعة الإمام المعصوم تقديم العلم المطلق في كل شيء، فإن ذلك لا يمكنه تفسير كل من وجود الخلافات أو كيفية القضاء عليها. ولو كان وجوده فعلياً فلم لا يسلك الكل في ربقة التصديق؟ بصيغة أخرى، إنه يحاول من خلال انتقاداته اللاذعة لفكرة العصمة أن يتوصل إلى أن إنكار الرأي والعقل والدعوة للرجوع إلى الإمام المعصوم هي ذاتها قضية مرهقة للمعصوم نفسه ومأزق لا يمكن الخلاص منه. لهذا أكد على أنه إذا كان بالإمكان الإقرار جدلاً بوجود المعصوم كفكرة لها أتباعها في أوساط بعض الفرق الإسلامية وفرق الأديان الأخرى (كل بطريقته الخاصة)، فكيف يمكن يا ترى أن تكون مقنعة لمن لا يقر بوجود الله والأنبياء والمعجزات؟ ومن هنا استنتاجه القائل بضرورة رفض العصمة والمعصوم والدفاع عن حرية الرأي والعقل. فالأخير ليس قادراً على الإقرار بالمعجزة، كما يقول الغزالي، بل وبإمكانه اعتبارها أيضاً مخرقة وسحراً. وبالتالي فبأي معنى يمكن الإقرار أو القناعة بوجود عصمة ما عند فرد ما؟ ولم لا يمكن لهذا الإنسان أو ذاك أن يقلد أو يقتنع بعصمة الآخرين والمعارضين لمن يدّعي العصمة لنفسه؟ ومن هنا بديله القائل بأن الحل الوحيد هنا هو "الأمر بالتفكر والنظر في الدليل" . وبهذا يتحول الرأي والنظر عنده إلى الوسيلة الحقيقية والوحيدة لبلوغ اليقين. أما افتراض إمكانية الثغرات الدائمة في معطيات العقل وأحكامه فهو نتاج السفسطة والجهل العقائدي. إذ أنه يؤدي إلى إبطال العلوم والاعتقادات جميعاً. بل وحتى في هذه الحالة فكيف "يبقى معه وجود التعلم ومعرفة العصمة" .

إن الجدل الفكري الذي خاضه ضد التعليمية الباطنية لم يكن "تمريناً" فكرياً، كما كان الحال في (تهافت الفلاسفة)، رغم احتوائه على بعض القواسم المشتركة فيما سيدعوه في وقت لاحق بالدفاع عن عقيدة العوام، أي أن ما يميزه عن سالفه هو اتجاهه ومضمونه الأيديولوجي العقلاني وهدفه السياسي المباشر. وقد أدى بفعل قوته العقلانية إلى نتائج غاية في التباين من حيث تأثيره على تطوره الفكري الروحي. ففي إجابته على ما إذا كان الإمام المعصوم ضرورياً أم لا، فإنه يتوصل إلى فكرة من حيث استدراجها المنطقي إلى أحكام غاية في الجرأة في دفاعه عن الوحدانية الكلامية الفلسفية، أي تلك الأحكام التي يفترضها منطق العقلانية الصارم. فالفكرة التعليمية الباطنية القائلة بضرورة الإمام المعصوم وبأن غيابه هو فقدان للحق، تتناقض مع الحكمة الإلهية في ترتيب حياة الناس وقيامها على مبادئ الحق هي مقدمة خاطئة. إذ ليس هناك بنظره من حكمة تستلزم من الله خلق إمام معصوم، بل إنه يجوّز خلوّ العالم من نبي استناداً إلى قدرة الله المطلقة. وهو لم يعنِ بذلك سوى "القدرة الإلهية" وحكمتها من افتعال الذهنية المذهبية ومصالح السياسة وبما يتوافق أيضاً مع تجانس نظراته عن حقيقة العدالة والظلم، والحكمة واللاحكمة في الوجود. إذ ليس الظلم حسب عبارة الغزالي سوى وضع الشيء في غير موضعه. ولا يعني ذلك سوى التجريد الاشمل لما يمكنه أن يغطي كل ظواهر الوجود دون أن "يتلوث" بها. من هنا اعتباره لفكرة التعليمية وأمثالها عن ضرورة إرسال الأنبياء والأئمة المعصومين للأمم من أجل إرشادهم، وأن عدم إرسالهم هو مناقضة لأوصاف الكمال الإلهي، مجرد خداع لا غير. بل وحتى في تلك الحالة التي يؤكد فيها على أن الله لا يلزمه في نعوت كماله أن يراعي مصلحة الخلق فإنه لم يسع بذلك لعزله عن مصيرهم بقدر ما أنه سعى للبرهنة على أن التحكم الجزئي والمفتعل بمعطيات العقل في تقرير ما هو واجب وما هو غير واجب على الله، هو وضع الله ووحدانيته المطلقة في قفص الاتهام أمام انتقائية العقل الجدلية ورغبات النفس . إذ أن ذلك يعني فيما يعنيه تقييد العقل ذاته بذاته في هوس يشابه في جنونه فكرة النص والعصمة. غير أن تشديده على هذا الجانب لم يكن يرمي في الواقع إلا لإبراز فساد الفكرة التعليمية الباطنية عن ضرورة الإمام والإمامة. وإذا كان الغزالي يواجه أحياناً لاعقلانية التعليمية بلا عقلانية مناقضة، فلأن ذلك كان نتاجاً لتقاليد الجدل الكلامي من جهة، وأسلوباً لبلوغ الحد  المعقول "للوسط العقلاني" من جهة أخرى، أي أنه الوجه الآخر لتقييد العقل بالعقل. من هنا كلماته القائلة بأن الأمور أعقد مما يبدو لقناعة الذهنية التقليدية عن ضرورة الإمام والنبي، انطلاقاً من أن "صفات الربوبية لا توزن بموازين الظنون. وبهذا يستبين أنه لا يجب بعث نبي ولا نصب إمام" . من هنا فإنه لا معنى "للعهد الأزلي" في تنصيب الإمام مازال ذلك غير ضروري بما في ذلك للنبي. وبغض النظر عن أن التعليمية الباطنية ليست الوحيدة في ادعائها بوجود إمامها المعصوم، إلا أن الغريب في الأمر هو ظنها أن هذه الحماقة، كما يكتب الغزالي، خاصة بها فقط. إذ أن تاريخ الخلافة كما يقول في (فضائح الباطنية) مليء بالأشخاص والحركات التي ادعى كل منها نفسه ممثلاً ليس للعصمة والنبوة، بل وحتى للربوبية. وبهذا المعنى فإنه لا أساس يقيني في ادعاء التعليمية الباطنية، وأحقية معصومها مقارنة بالآخرين.

إن ما يمكن قبوله في اتجاهات التعليمية الباطنية عن الإمامة، حسب نظر الغزالي، هو ادعاؤها بأحقيتها في الخلافة. فهو ادعاء يمكن قبوله عقلاً، لأنه وارد عند الكثير من الاتجاهات الفكرية والسياسية التي يدعي كل منها أفضليته وأحقيته بالخلافة. ثم إن هذا الإدعاء لا بأس به في حالة تركه شرط العصمة والمعرفة المطلقة. آنذاك سيتمظهر الإدعاء في هيئة مشكلة سياسية ومسألة فكرية يمكن التعامل معها على أساس واقعيتها. بمعنى تعاملنا مع مسألة الإمامة باعتبارها قضية بشرية لا إلهية، وحياتية وضعية لا دينية واجبة. فالتجربة التاريخية تبرهن، كما يقول الغزالي، على أن فقدان الإمامة هو هجوم على الأحكام الشرعية وبطلان القضاء وإهدار الدماء. وأن إبطال الإمامة يؤدي بالضرورة إلى الفوضى. وبغض النظر عن رفض بعض المسلمين لضرورتها، إلا أنها محل إجماع الأغلبية. بصيغة أخرى، إن الفرَق العام بين الفِرق بصدد هذه القضية يقوم في أسلوب تعيينها لا في أصلها. وقد أدرك المسلمون هذه الضرورة البالغة في أولى تجاربهم السياسية حيث دعت تجربة السلف الأوائل إلى ضرورة الإمامة. فالنبي محمد مازال مضطجعاً في الموت، بينما الصحابة اجتمعت على اعتقاد أن "الفرض الواجب" يقوم في البيعة ونصب الإمام. بحيث حلوا هذه القضية حتى قبل دفنه. كل ذلك يبرهن على أهميتها في وعيهم السياسي والديني. وبهذا المنحى فُهم ضرورة الإمامة والإمام على أنهما ضمانة للسنّة ودفع الباطل وتقرير الحق . ويتفق الغزالي هنا مع التعليمية الباطنية بضرورة الإمام الواحد. لكنه يختلف عنهم في الأسلوب والمضمون. وينطبق هذا بالقدر ذاته على مختلف القضايا الأساسية الكبرى. فالخلاف في ما بينه وبين التعليمية الباطنية بصدد الإمامة يقوم في تباين مواقفهما منها، وفي تعارض رؤيتهما لأسلوب الإقرار بها، أي كل ما يؤدي في حصيلته إلى تباين رؤية الكيان العام للسلطة والدولة وأيديولوجيتها. ذلك يعني بأنهما يلتقيان في نقاط كثيرة ولكنهما لا يتطابقان في أي مكان. فاتفاقهما الظاهري عن إمامة الواحد يتخلله خلاف داخلي يصل حد التضاد الكامل. وأن هذا التضاد لم يحدده فقط تعارض المصالح السياسية وصراعاتها، بل والرؤية الكلامية الفلسفية لموقع السلطة والإمام في منظومات التعليمية الباطنية ومعارضيها. فالغزالي يتفق، كما هو الحال بالنسبة للتعليمية وأغلبية الفرق الإسلامية، على الصفات الضرورية لما يسمى بشروط الإمامة. إلا أن بحثها وتدقيقها الملموس يؤدي بهما إلى خلافات وصراعات لا تنتهي. وحالما وقف أمام مهمة مهاجمة آراء التعليمية الباطنية، فإنه أدرك، إلى جانب تعقيد القضية الفكري، تعقيدها السياسي. فإذا كانت "سهولة" الجانب الفكري بالنسبة له تستمد مقوماتها من نماذج وتقاليد الجدل الكلامي وأساليبه المتفرعة في الهجوم والهجوم المضاد (كما هو جلي في انتقاده لفكرة النص والعصمة)، فإن التعقيد السياسي يقوم في كونه الأكثر حسماً في واقعيته ووجوده.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابي"الجنون فنون"

وهنا يجدر القول، بأن انتقادات الباطنية للعقل لا تعني رفضها للعقل. فالمنظومات الفلسفية والفكرية للباطنية الإسماعيلية ذات مسحة وعمق عقلي رزين. وبالتالي فإن إهمال الغزالي لهذا الجانب في انتقاداته كان أساساً لاعتبارات النقد السياسي الأيديولوجي، التي ساهمت بدورها في كشف الثغرات الفعلية للاتجاهات الباطنية، بفعل جوهرية فكرة الإمام المعصوم في منظومتها الفكرية. وقد أشار الغزالي بدقة إلى هذه المسألة عندما كتب قائلاً بأنه لولا قولهم بأساسية التعليم وتعارض العقول لما "صنّف هذا الكتاب"[1]، أي (فضايح الباطنية). فقد استندت التعليمية في آن واحد إلى التجربة الواقعية وشدّة الصراعات الفكرية وحوافز الصدامات السياسية. وحاولت من خلالها استبدال العقل الكلامي والفلسفي المعارض لها"بعقل الإمام المعصوم". وفي هذا التناقض حاول الغزالي اكتشاف مأزق التفكير الباطني الإسماعيلي ومفارقاته. فالآراء العامة للتعليمية تشترك في إقرارها بالفكرة القائلة بأن من تتبع العقل وصدّقه ففي تصديقه تكذيبه، وذلك لأنه لابد وله خصم عقلي فيه. وإن جميع المفكرين لهم عقولهم المتماثلة إلا أن أقاويلهم مختلفة كما هو الحال بالنسبة للفلسفي والأشعري والمعتزلي وغيرهم. بينما الحقيقة واحدة ولا كثرة فيها.ومن هنا استنتاجهم بأن الوحدة هي الحق والكثرة هي الباطل، والوحدة مع الإمام والكثرة مع العقول.

غير أن هذه الاستنتاجات التعليمية الباطنية تضع نفسها بالضرورة أمام العقل المستقل، الذي سعت للتقليل من شأنه، أو ما وضعه الغزالي بسؤاله القائل بأي وسيلة بلغ الفكر التعليمي الباطني استنتاجه المذكور؟ هل بالضرورة أم بالنظر؟ وإذا كانت الحالة الأولى مرفوضة بفعل عدم جلائها للجميع، لأنها لا تمتلك طابع البديهة، فإن الثانية هي اعتراف بصحة النظر العقلي. لكن هذا يتعارض مع آراء التعليمية، وذلك لأن مجرد الإقرار بمعرفة خاصة لا يدركها إلا الإمام المعصوم، يعني بأن معرفته إما بالضرورة وإما بالنظر ولا طريق آخر. وفي كلتا الحالتين هو إبطال للمذهب التعليمي الباطني[2].

وقد رد على اعتراض التعليمية الباطنية المتشكك بصحة النظر وبالكيفية التي يتم بها النظر، قائلا، إن كان بالضرورة كما تقول الباطنية فإنه إنكار لهذا الإدعاء بفعل عدم إقرار الجميع بهذه الفكرة وكذلك بفعل تعارض العقول. وإن كان بالنظر لحاله فما هو معيار صحة هذا النظر والخلاف قائم بين الجميع؟ ومع، أقر الغزالي "بشرعية" هذه الأسئلة والاعتراضات ولكن في حالة "إن كانت المعقولات بالموازنات اللفظية"، أي في حالة رفع الجدل السفسطي إلى مصاف البحث عن الحقيقة ومعيارها. ولا يعني هذا بدوره سوى الانطلاق من الواقع ذاته.

فالغزالي يربط في كل واحد حقيقة النظر العقلي بالسلوك. فمن سلك وصل ومن وصل عرف ومن عرف ما سلكه كان هو الطريق. وحتى في حالة الشك، فإن السلوك الوحيد لإزالته هو سلوك جديد آخر من أجل بلوغ الحقيقة. فالمعيار الحقيقي هو الممارسة وليس التقليد والعصمة. ويقدم الغزالي مثالاً غاية في البساطة والإقناع عن أنه فيما لو سألنا شخص ما عن طريق الكعبة فدللناه عليه، وإذا استفسر من أين عرفنا كون هذا هو الطريق بعينه، أجبناه: عرفناه بالسلوك، فإنا سلكناه فوصلنا إلى الكعبة فعرفنا كونه طريقاً. لقد أراد القول بأن التجربة العملية أو الممارسة الواقعية هي معيار حكمنا واستيعابنا للحقيقة النظرية. إلا أنه يدرك تعقيد معيار الممارسة في تطبيقه على كافة الحقائق. فالممارسة ذاتها لا يمكنها أن تحدد على الدوام نهاية الحقائق. فهي بدورها تصنع معضلات الشك المتجدد. وقد أدرك  الغزالي هذه الحقيقة، لهذا حاول أن يوحّد في آن واحد محدودية الممارسة وأحكامها وتطور الحقيقة ضمن هذه المحدودية، أي نسبية الحقائق وجزئيتها بما في ذلك الخطأ. وبهذا حاول أن يكشف عن وحدوية الممارسة في كافة الميادين، رغم تباينها بفعل مستوياتها ونوعيات المنظومات الفكرية وموضوعاتها المختلفة. فإذا كان الطريق إلى الكعبة لا يستلزم سوى المشي من أجل اكتشاف الطريق، فإن طريق الأمور الحسابية من الهندسة والمساحة، يمكنه أن يوصلنا إلى معرفة المجهول بينما يؤدي سلوك طريق الحساب بنا إلى الاعتراف بأن نظر وطريق العقل دليل في الحساب. وينطبق هذا بدوره على العقليات التي يمكن للنظرية أن تكون طريقها. وبهذا المعنى تصبح النظرية طريق النظر العقلي[3].

من كل ما سبق يتضح بأن الغزالي أردا الكشف عن موضوعية الحقيقة، المستقلة عن سفسطات المذاهب. وأن يبرهن في الوقت نفسه على أن سلوك النظر العقلي يمكن أن يبلغ الحقيقة ذاتها في حالة استناده إلى منطق الظاهرة ذاتها وترتيبها العقلي. فالناظر في الهندسة "إذا حصر المقدمات ورتبها على الشكل الواجب، حصل العلم بالنتيجة ضرورة على وجه لا يتمارى فيه. فهكذا جوابنا في المعقولات. فإن المقدمات النظرية، إذا رتّبت على شروطها أفادت العلم بالنتيجة على وجه لا يتمارى فيه، ويكون العلم المستفاد من المقدمات بعد حصولها ضرورياً كالعلم بالمقدمات الضرورية المنتجة له"[4]. إلا أنه يدرك التعقيد الملازم لتطابق أو وحدة المنهج والطريق (السلوك) العملي في بلوغ الحقيقة. وبغض النظر عن تعقيد القضية من حيث إمكانية استيعابها، إلا أنها تبقى سليمة من حيث طابعها المجرد بوصفها الأسلوب العام لإمكانية وتباين وصعوبة بلوغ الحقيقة كما هي. فالمعرفة الحسابية والهندسية على سبيل المثال، معترف بها لأنها ضرورية (بديهية)، أما المعارف العقلية (النظريات العقلية)، فلو كانت مقدماتها بالطريقة المعلومة فلم وقع الخلاف فيها؟ وهو لا يجد في هذا الإحراج "الباطني" قوة منطقية، رغم كونه السؤال الدائم للعقل النظري. لهذا أكد على أن هذا الاعتراض لا يصمد أمام النقد المنطقي العقلي رغم استناده إلى واقع الخلافات القائمة. بمعنى محاولته البرهنة على الطابع الضروري للاستنتاجات العقلية. فاتهام العلوم العقلية استناداً إلى خلافاتها لا يعني بطلان حقائقها. فحتى العلوم الحسابية والهندسية قد دققت حقائقها.. فهي الأخرى تعرف الخطأ دون أن يفقدها ذلك طابعها الضروري. فالعلوم الحسابية والهندسية، كما يقول الغزالي، اختلف فيها جملة وتفصيلاً، كما اختلفوا في هيئة الفلك ومعرفة مقاديرها وهي مبنية على مقدمات حسابية. غير أنها أندر مما هو عليه الحال في العقليات. وسبب ذلك متأتٍ لا من وجود الحقيقة في مكان وفقدانها في آخر. كل ما في الأمر إن الخلاف في الحساب أندر لأنه أظهر، وفي العقليات أكثر لأنها أخفى وأستر. ومع ذلك هناك استنتاجات في العلوم العقلية والحسابية يمكن اعتبارها متساوية في طابعها الضروري، بل لا فرق بينهما. ففي العقليات اتفق الجميع، كما يقول الغزالي، على أن القديم لا يعدم[5].

وقد عمّق هذه الفكرة من أجل البرهنة على موضوعية الحقيقة وإمكانية المعرفة الحقة. فهو يقف في آن واحد ضد حصر مدارك العلوم في الحواس، وإنكار العلوم والمعطيات النظرية (التجريدية العقلية) أو بالعكس. فليست الأولى بنظره سوى سفسطة الحواس، وليست الثانية سوى تشويه المنطق "بالضرورات" المذهبية. وفي كل الأحوال فإن هذا الصراع أبرز مسألة ما إذا كان ذلك يؤدي إلى ضرورة التصديق بمعطيات العقل أو عدم التصديق بها. فالانتقادات السفسطائية التي تنكر ضروريات المعرفة باعتبارها خيالات كما هو الحال بالنسبة لأظهرها، أي معطيات الحس، تبقى بنظره مجرد سفسطات كلامية، أي أنها لا تقدم برهانا منطقياً على التشكيك بالضروريات والعقليات والنظريات. فالعقليات والنظريات حال حصولهما في المقدمات تبقى ضرورية، أما التعليمية فإنها تثير المسألة من منطلق آخر يسعى في نهاية المطاف إلى حصر العقل وإجباره على الاستسلام أمام عصمة الإمام. فالتعليمية لا تطلق القول بإبطال الرأي، وذلك لأن مفكريها يستعملون الأدلة والبراهين على إثبات التعليم. من هنا فإن قولهم ببطلان معطيات العقل ما هو في الواقع سوى نقيض ونقض لآرائهم نفسها. إضافة لذلك إن رفض معطيات العقل واستنتاجاته على أساس الخطأ الوارد فيه لا يعني بنظره سوى قوة العقل لا ضعفه. وذلك لكونها العملية المعرفية العقلية التي تشق لنفسها الطريق في خلافات أتباعه وممثليه في بحثهم عن الحقيقة. من هنا رأى بأنه إذا كان التشكيك بمعطيات العقل مبنياً على أساس خلافات أتباعه، فإن من الممكن مواجهة هذه السفسطة بالتشكيك في حصافة قائلها من خلال الرد عليه والتشكيك فيما إذا كان ما يطرحه هو من أحلام المنام لا من "يقين" اليقظة، أي أن يجري إحراجه بالسؤال عن الكيفية التي يميز هو بها عما إذا كان ما يقوله في النوم أم اليقظة. وإذا أجاب بأنه يدرك ذلك بالضرورة، فإننا يمكن أن نرد عليه بأن الإجابة العقلية في الواقع هي الوحيدة التي يمكنها أن تدرك هذه الضرورة، أي التفرقة بين ما يجوز الغلط فيه من مقدمات وبين ما لا يجوز أيضاً ضرورة[6]. وينطبق هذا بالقدر ذاته على كل الغلط والصواب في مختلف العلوم الأخرى. أما أولئك الذين ينكرون معطيات النظر العقلي كلياً، فإنهم بنظره لم يفهموا معنى النظر العقلي بحد ذاته.

فالأحكام النظرية والعقلية، حسب رأي الغزالي، مبنية على مقدمات منطقية تستند بدورها إلى الحس والتجربة، والتجربة والعقل. من هنا فإن التشكيك بها يستلزم أدلة برهانية، وإلا لكان بإمكان أي كان أن يقول بأن ما يورده أو يعترض عليه هو "مقدمة ضرورية قاطعة". ومن هنا فإن إبطال نظر العقل يعني الوقوع في خلاف لا نهاية له ولا قرار. مما سبق يبدو واضحاً بأن هذه الأدلة التي يقدمها الغزالي تسعى لبناء أسس نظرية يمكن الاستناد عليها للبرهنة على خطأ الفكرة الباطنية التعليمية عن عصمة الإمام القائلة بضرورة التعليم. فهو يتفق مع التعليمية في ضرورة التعليم، إلا أنه يختلف عنها بحصر ضرورته في الإمام المعصوم. فالاستنتاجات التعليمية الباطنية التي تحاول أن تبني في وحدتها هيكل الضرورة المطلقة للإمام المعصوم والتعلم منه استناداً إلى اختلاف العقلاء في ما بينهم، لا تستند بنظره إلى أساس منطقي سليم.  وأن مقدمات هذه الفكرة هي مقدمات خاطئة. وقد عارض الغزالي هذه المقدمات انطلاقاً من تقسيمه للعلوم. فهو ينطلق من أن هناك ما لا يمكن تحصيله إلا بالسماع والتعلم كأخبار الماضي وأحوال الجنة والنار وما شابه ذلك، وبالتالي فإنه لا قيمة هنا لأخبار الآحاد لأنها أخبار ظنية لا يقينية. أما القسم الثاني فهو العلوم النظرية العقلية، التي ليس في فطرة الإنسان ما يمكنه أن يرشده إلى تعلمها، وبالتالي لابد فيه من التعلم لا التقليد، أي تعلم القواعد الأساسية وطرق إدراك الحقائق بغض النظر عن شخصية المعلم سواء كان أفهمهم أو أورعهم، أي تلك المعارف التي لا تحتاج بحد ذاتها إلى معلم "معصوم" مثل الحساب والهندسة وما شابه ذلك. أما القسم الثالث فهو العلوم الشرعية والفقهية، أي معرفة الحلال والحرام والواجب والندب. وهي علوم تبنى أساساً على السماع الذي يورث بدوره العلم والمعرفة. إلا أنها علوم ظنية لا يقينية بفعل العلاقة القائمة بين محدودية النصوص ولا محدودية الوقائع. وبالتالي فلا حاجة هنا، كما يقول الغزالي، لإمام معصوم. من كل ما سبق يتوصل إلى أن رفض المنطق والعقل استناداً إلى خلاف ممثليه وأتباعه شبيه برفض معطيات الرياضيات لخطأ أحدهم فيها. أما معرفة الحق والباطل فإنها تستغني بحد ذاتها عن ضرورة الإمام المعصوم. وذلك لأنه إذا كانت القضايا الجوهرية للفكر الفلسفي والكلامي كقضايا معرفة الله ووجوده وغيرها من القضايا لا تحتاج إلى إمام معصوم، فإن قضايا الشرع والفقه لا تحتاج بدورها إلى أي عصمة بفعل استقلاليتها وخضوعها لأحكام الظن والاجتهاد. فالناس في مواقفهم من هذه القضايا، كما يقول الغزالي، أنواع. منهم المقلدون، الذين يغنيهم تقليدهم عن الإمام المعصوم. ومنهم المتشكك المتأمل، أي أولئك الذين لا يشفيهم إلا الدليل والبرهان القاطع. وبالتالي فإنه لا مفر أمام الإمام "المعصوم" من أجل إثبات عصمته أمام دعوتهم للإيمان به تقليداً أو ضرورة أو تقديم البرهان. ففي الحالة الأولى لا معنى للتقليد إذ لا قيمة له ولا ضرورة. أما في الحالة الثانية، فإنه ملزم بالخضوع لتأمل المتشكك ذاته، لأن البراهين هنا لا تمتلك طابع الضرورة أو اليقين المطلق. بمعنى أن براهينه الممكنة هي كالبراهين الأخرى (العقلية) العديدة. كل ذلك يفقد "العصمة" معناها وضرورتها. وينطبق هذا بجلاء أكبر على القضايا الفقهية. ففي الفقه يوجد ما هو معلوم للجميع كالصلاة والصوم والحج وغيرها، أي ما لا يحتاج إلى معلم معصوم، ومما لا يعرف بصورة قطعية، وما لا نصّ فيه مما يستلزم الإجتهاد. وبالتالي فإن اجتهاد الإمام المعصوم هنا هو الآخر اجتهاد ظني. بمعنى فقدانه العصمة. فهو كإنسان لا يختلف عن الآخرين، وأن ظنه عرضة للخطأ كغيره. فالعصمة في الظنون، كما أراد الغزالي القول، هو صنف من الجنون، إذ أن الأحكام التي يقدمها المعصوم لا بد وأن تستند إلى سماع وهذا غير موجود، أو دليل عقلي كالآخرين، أو تواتر الوحي (مما يتعارض مع النبوة).  وهو مما لا يمكنه أن يكون بفعل استحالة حصر الموجودات (بما في ذلك للنبي نفسه)، بفعل  عدم تناهي الحوادث. ثم إن الشرعيات والفقهيات، حسب نظره، هي أمور وضعية اصطلاحية تختلف باختلاف الأنبياء والعصور والأمم. ثم إن الفقهيات شأنها شأن التجارة والسياسة لابد من الظن فيها، وبالتالي حتمية الاجتهاد[7].

غير أن انتقاده لآراء الباطنية التعليمية يسعى في جوهره إلى تبيان ثغراتها المنطقية والحساسة، وبالأخص ما يتعلق بتضييقها على حرية الرأي والاستقلال الفردي في التعامل مع القضايا الفكرية والسياسية من خلال تحويل الإمام المعصوم إلى حاكم الحقيقة المطلقة. والغزالي يسير هنا في خطى الراديكالية المعرفية التي رفعت حرية الفقيه واستقلاليته الفكرية إلى مصاف الفضيلة الكبرى. متتبعاً تقاليد الإسلام الاجتهادية بالصيغة التي جعلته يجد في أخطاء الاجتهاد أيضاً فضيلة ومغفرة. وقد حدد ذلك بدوره ظهور إحدى المعضلات الاجتماعية السياسية والأخلاقية الكبرى بصدد الموقف من الاجتهاد الظني وفكرة المخطئ  المصيب، أي الكيفية التي يمكن للمخطئ (في اجتهاده) أن يكون مصيباً، لاسيما وأن خطأه قد يكون متعلقاً بقضايا حياتية كبرى؟ وقد رد على هذه الاعتراضات وأمثالها بالصيغة التي لم تجعل منه تبريراً للظلم الممكن، بل للتركيز على حرية الفكر ودحض أفضلية "العصمة" انطلاقاً من واقع خطأ الفقهاء، بما في ذلك إمكانية تعسف بعضهم.

فالغزالي لم يرغب القول بأن رذائل العقل المجتهد أكثر أخلاقية من فضائل التقليد، بقدر ما أنه سعى من خلال إظهار الظن في الفقهيات إلى فسح المجال أمام حرية الرأي. فعندما يتناول فكرة كل مجتهد مصيب، فإنه لم يقصد بذلك سوى ظنية الإصابة لا حقيقتها. وحتى في حالة مساس ذلك بمصالح الناس ومصائرهم، فإن الاجتهادات الظنية تبقى مجرد فرضيات وحلول المصيب فيها واحد. وعلى هذا الأساس حاول البرهنة على عدم إجازة الخلط بين ما يمكن دعوته بالمبدأ المطلق وأشكال تجليه. فخطأ الفقيه لا يعني خطأ المبدأ العام. على العكس، إنه يؤكد ضرورة الاجتهاد مازال الفقه يتعامل مع حياة الناس المتغيرة ومتطلباتها المستجدة. من هنا فإن الخطأ هو في اتباع المجتهد لغيره. فالمقلد لا يمتلك قوة الحقيقة، وأن كل ذلك يبرهن على عدم جدوى العصمة بسبب افتقادها للضرورة في محتواها ومعناها.

وقد دفع جداله مع التعليمية الباطنية هنا حتى نهايته المنطقية، عندما حاول البرهنة على أن الخطأ يصبح أحياناً ضرورة حياتية. وبهذا المعنى فإن تخوف وتخويف التعليمية من وقوع الأخطاء هو مجرد جهل "معقلن"، مازالت الحياة ومقوماتها لا تستند على الدوام إلى ضرورة عقلية ومنطقية. فالمصالح الدنيوية، كما يقول الغزالي، هي مصالح ظنية ولا يمكن التيقن المسبق من نتائجها، أو التخلص من إمكانيات الخطأ فيها ومن أضرارها. وإذا كان الأمر كذلك، وأن الفقهيات الشرعية مبنية على هذا الأساس وأنها تسعى أساساً للإصلاح، فإن الخطأ فيها لا ضرر قاتل فيه.ولهذا اعتبر أن الخطأ في تفاصيل الفقهيات معفو عنه. ووصل في تجانس  آرائه بهذا الصدد ومواقفه إلى الدرجة التي أخذ يخترق فيها إجماع اللاهوت السنيّ من خلال دفاعه عن مرتكب الكبيرة، باعتبارها لا تشكل سبباً موجباً لتخليد العقاب ولا للزومه على وجه لا يقبل العفو. في حين أن الاجتهادات لا أثم على الخطأ فيها[8]. ولهذا نظر إلى الاجتهاد الدائم نظرته إلى أسلوب بلوغ درجة الأئمة.(يتبع...).

***

 ا. د. ميثم الجنابي

............................

[1] الغزالي: فضائح الباطنية، ص31.

[2] الغزالي: فضائح الباطنية، ص51.

[3] الغزالي: فضائح الباطنية، ص52-53.

[4] الغزالي: فضائح الباطنية، ص53.

[5] الغزالي: فضائح الباطنية، ص56.

[6] الغزالي: فضائح الباطنية، ص56-57.

[7] الغزالي: فضائح الباطنية، ص66.

[8] الغزالي: فضائح الباطنية، ص69.

 

ميثم الجنابي "الجنون فنون" 

إن تقييد وتقييم الغزالي للحركة الباطنية بكل اتجاهاتها في مفهوم التعليمية، جعلها في الوقت نفسه سهلة أمام انتقاده العقلاني اللاذع. فهو لا يتحدث عن اتجاه ما محدد في الباطنية، لكنه يقصد في أغلب آرائه ومواقفه النقدية الحركة الإسماعيلية بصيغتها الشعبية العملية. ونعثر على كل ذلك في العبارات التي يوردها عنهم مثل أن "النقل عنهم مختلف"، و"أن أكثر ما حكي عنهم إذا عرض عليهم أنكروه" وما شابه ذلك، أي أننا نقف من حيث الجوهر ليس أمام ظاهرة انتقاد المؤلفات الفكرية والمصادر النظرية الأساسية للإسماعيلية، بل أمام ما نقل عنهم وما حكي عنهم. ويفسر الغزالي هذه الظاهرة بكونهم "لا يخاطبون الخلق بمسلك واحد"[1]. مما جعله حذراً إلى الدرجة التي اعترف بها قائلاً "إن جملة مذهبهم يقتضي لا محالة أن يكون النقل عنهم مضطرباً"[2]. وهو يقدم أكثر من مثال للبرهنة على ذلك. فهو يؤكد على سبيل المثال، أنهم جميعا ينكرون القول بالإباحة المطلقة ورفع الحجاب واستباحة المحظورات وإنكار الشرائع إذا نسب إليهم. ثم يضيف إلى ذلك معلقاً، بأن "الذي يصح من معتقدهم فيه، أنهم يقولون لابد من الانقياد للشرع في تكاليفه على التفصيل الذي فصله الإمام من غير متابعة للشافعي وأبي حنيفة وغيرهما"[3]. والغزالي لا يقف ضد ذلك في الفقه، في حالة كونه جزءاً من الاجتهاد. بل على العكس، إنه وقف ضد محاربة الاجتهاد بأية صيغة ظهر وبأي شكل تشكل. إذ لم يجد في تقليد الإمام عوضاً عن تقليد الآخرين أصالة ما تستحق الاحترام والإجلال. لهذا وقف بالضد من تعصب ومحدودية ربط الحقيقة والتكليف بشخص ما دون آخر، أو ربط الحقيقة بالإمام المعصوم أو أي إمام آخر. إلا أننا نعثر في أماكن أخرى من (فضائح الباطنية) على ما يشير إلى قراءته بعض كتبهم وما كتب عنهم، وتصنيف آرائهم إلى الدرجة التي لم يستطيعوا هم أنفسهم أن يصنّفوه. وهو يقصد بذلك أساساً القضايا التي عالجها. وإلا فالمؤلفات الإسماعيلية تتصف بالدقيق والتصنيف المفرط، الذي لا يدانيه من حيث الترتيب الفكري أي من الاتجاهات والمدارس الإسلامية آنذاك. ذلك يعني، أن الغزالي لم يقصد بعبارته تلك سوى تعميم المفاهيم الجوهرية المشتركة للحركات الباطنية. فهو يتكلم عن "المشترك" بينهم، وبالأخص حول أفكارهم عن إبطال الرأي والدعوة إلى التعلم من الإمام المعصوم.كما يشير بوضوح إلى أن ما يهمه في كتابه هذا هو مناقشة آرائهم عن "إبطال الرأي وإثبات التعلم"[4].

فهو يدرك الجوانب العديدة المميزة للفكر الباطني ونظراته إلى الوجود والله والصفات والأفعال ونظرية العقول والأفلاك وغيرها من الأفكار. وهو يؤكد على أن الباطنية غيّرت وحوّرت آراء الفلاسفة وأدلتهم[5]. ولهذا السبب وضع مهمة وخطة مهاجمتهم على ثلاثة مستويات وهي الأمور التي يمكن قبولها، وإلى ما يتعين من الشرع إنكاره، وإلى ما هو منكر ينبغي مهاجمته. ولا يضع الغزالي في المستوى الأخير من آراء الباطنية سوى ما يخص مذهبهم من "إبطال الرأي وإثبات التعليم من الإمام المعصوم"[6]. بصيغة أخرى، إنه يشدد على خصوصية مهمته وغاياتها في الجدل مع الباطنية. لهذا سعى في استعراضه النقدي لآرائها بصدد قضايا الإلهيات ومسألة المعاد والقيامة والنبوة والإمامة وغيرها للكشف عن طابعها الفلسفي، من أجل إحالة القارئ إلى (تهافت الفلاسفة)، ومن أجل إبقاء ما هو مميز للباطنية أمام مبضع الجدل العقلي.

فهو يردد نفس آراء "النقلة" من أن الباطنية تقر بإلهين قديمين، ولكنها أطلقت عليهما تسميات السابق والتالي. وينطبق هذا بدوره على تسميات العقل والنفس (فلسفياً) والقلم واللوح (شرعاً). بينما تؤدي آراؤهم بصدد الصفات والذات الإلهية إلى نفيهما. إذ ليس في الوجود مبدع بنظر الباطنية، حسب عبارة الغزالي، سوى الوجود ذاته، بما في ذلك المعادن والنبات والحيوان والإنسان. وإن هذه الأفكار بنظره هي حصيلة آراء الفلسفة الدهرية والثنوية والمجوسية المصاغة بالعبارات الإسلامية. أما في مجال القضايا اللاهوتية فإن الباطنية حسبما يقول الغزالي، تبدو أكثر تجانساً في"زندقتها". بمعنى اتفاق الاتجاهات الباطنية على إنكار القيامة استناداً إلى آرائها القائلة بأن نظام الطبيعة يدل على الحركة والخلق الدائم والوجود الدائم. وأن القيامة بالتالي ما هي إلا رمزاً لخروج الإمام وقيام قائم الزمان الناسخ المغير للأمر، أي إبطال مفهوم القيامة الديني وتحويله إلى رمز سياسي. وينطبق هذا بدوره على آرائها بصدد قضايا المعاد. فالأفكار الباطنية "المادية" تظهر هنا كتجل متجانس للفكرة الفلسفية الأخلاقية التي توّحد في كل واحد النزعة الطبيعية والروحية الأخلاقية في مفهوم الحياة والموت. بمعنى إقرارها بأنه ليس هناك من حشر ونشر ولا جنة ولا نار بالمعنى المتعارف عليه. إذ ليس المعاد سوى رجوع الكلّ إلى الكلّ، والكلّ إلى أصله. فالإنسان هو وحدة العالم الروحاني والجسماني. فالجسماني يرجع بفعل مكوناته إلى عناصر الوجود الأربع (النار والتراب والهواء والماء)، والروحاني يرجع إلى أصله باعتباره رجوع النفس المدركة العاقلة(الروح) في حالة تزكيتها الحياتية وتغذيتها بغذاء المعارف والعلوم المتلقاة من الأئمة إلى العالم الروحاني. من هنا فكرة الباطنية القائلة بأن كمال النفس في موتها. إذ هو ميدان تحررها من قيود الجسد. لهذا السبب قيل "إن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا". فالنوم هو الموت وفيه يظهر علم ما لا يحصل في اليقظة. وكذلك الحال بالنسبة للموت. فهو يكشف أموراً لم تخطر على قلب البشر. إلا أن هذه الحالة لا تخص غير أولئك الذين تقدّست نفوسهم بالرياضة العملية والعلمية. فكلما تبتعد النفس من الحسيات تقترب وتكون أكثر استعداداً وقوة للعلوم الروحانية، على عكس القوى المغمورة في عالم الطبيعة. واعتبر الغزالي هذه الأفكار مجرد ترديد لآراء الثنوية والفلاسفة الدهرية. بينما وجه انتقاده لها بالطريقة التي حاول فيها البرهنة على افتقادها للعقلانية أو منافاتها للعقل. وذلك لأن بعث الأجسام، كما يقول الغزالي، ليس أكثر صعوبة من خلقها الأول. وهو لا يناقش معضلة الخلق الأول، بقدر ما أنه ينظر إليه كبديهة أولية. فهو لا يهمل فكرة الابتداء لأجل دحض فكرة معقولية الابتداء ولا معقولية الإعادة. ففي استعراضه آراء المتكلمين والفلاسفة ينطلق من المقدمة اللاهوتية القائلة إنه ليس من المستحيل توقع إعادة العلاقة التي خلقها الله بين النفس والجسد. إذ أن لها مثالها في الواقع وهو حال اليقظة بعد النوم. ومن هنا فإن إنكار البعض للمعاد مبني لا على أساس عقلي، بقدر ما أنه مبني على أساس محدودية التجربة. فإنكار البعث مبني على أساس عدم المشاهدة. إذ لو فرضنا أن الإنسان لم يشاهد خلق الإنسان من النطفة، كما يقول الغزالي، وقيل له ذلك لرفض التصديق به. فالإنكار هنا، كما هو الحال في أمور أخرى مشابهة هو مجرد إقرار في القول كل على قدر مشاهدته، لا على طريق معقول في إثبات الاستحالة. إذ أن البعث وإعادة الأجساد ليس مستحيلاً في العقل وجوده وتصوره. فالإنسان يؤمن بخلقه وحياته وموته لأنه رأى ذلك وشاهده. ولا عذر له في رفض البعث سوى عدم المشاهدة.  في حين أن البعث مع ما قبله في ميزان العقل على وتيرة واحدة[7].

لكن إذا كان انتقاده للآراء الباطنية بصدد القضايا المشار إليها أعلاه مبنياً على أساس كشف محدوديتها العقلية، فإن موقفه من  آرائها بصدد قضايا النبوة والإمامة تتخذ منحى آخر. فهو يتناولها أيضاً باعتبارها قضايا معرفية مستقلة، دون أن يعني ذلك كفه عن رؤية حوافزها "الثنوية". فقد نظرت الباطنية للنبي نظرتها إلى شخص فاضت عليه من السابق بواسطة التالي "قوة قدسية صافية"، أي تلك الظاهرة الممكنة من حيث مناسبتها لما يتمتع به أولئك الذين يرون بالمنام ما سيحصل لهم مستقبلاً أو أولئك الذين زكت نفوسهم. إذ ليس النبي سوى ذلك الذي يرى ما يحدث في اليقظة، أي القادر على إدراك الكليات العقلية "عند شروق ذلك النور وصفاء القوة النبوية، كما تطبع مثال المحسوسات في القوة الباصرة من العين عند شروق نور الشمس على سطوح الأجسام الصقيلة"[8]. إذ لا يعني جبرائيل سوى العقل الفائض على النبي ورمزاً إليه، في حين أن القرآن هو التعبير عن المعارف التي فاضت عليه من العقل (جبرائيل). وبهذا المعنى هو كلام الله بإعجاز باعتباره كلاماً مركباً (من حروف وكلمات وصوت)، في حين أن ما يفيض على النبي من العقل (جبرائيل) هو بسيط لا تركيب فيه. لهذا فهو "باطن لا ظهور له". أما كلام النبي وعبارته عنه فهو ظاهرة لا بطون لها[9].

وعلى الرغم من انتقاده الجزئي لهذه المفاهيم واختلافه معها في بعض الجوانب الجوهرية، إلا أنه يؤكد على أن في آراء الباطنية بصدد النبوة مما لا ينكر[10]. ومن هنا فإن الخلاف الذي يتعمق لاحقاً بينه وبين الباطنية بصدد القضايا المتعلقة بالنبوة مرتبط أساساً بموقفه المعارض "لباطنية" الباطنية وهرمية تصوراتها عن النبوة ودعواها عن العصمة الإمامية والنص الإلهي (على الخلافة). إذ جعلت الباطنية من "النص" المعيار الأعلى والوسيلة الشاملة لأحكامها، بينما لا تستند فكرة النص الباطنية إلى أساس متين وحقيقي.  إذ لو كان التواتر حقيقياً، لعرفه الجميع مثلما نعرف عن أخبار الماضي من المعارك والحروب والرجال والبلدان وغيرها. إضافة لذلك أن القائلين بالعصمة اختلفوا أنفسهم في الإمامة والأئمة. بمعنى افتراقهم إلى شيع عديدة ومتصارعة. أما النصوص التي عادة ما تستشهد بها الفرق الباطنية مثل "من كنت مولاه فعلي مولاه" و"أنت مني بمنزلة هارون من موسى ولكن لا نبي بعدي" وغيرها، فإنها لو كانت نصوصاً صريحة لما استجهلها الناس. في حين أننا نعرف جميعاً، كما يقول الغزالي، وبالتواتر عن وجود علي وخلافته. إذ لو كان هذا النص صريحاً دالاً على الخلافة لما كان بالإمكان مخالفته، كما هو الحال بالنسبة للصلاة والصوم والحج. بصيغة أخرى، إنه يحاول البرهنة على أن النص الشيعي الباطني هو مجرد ظن وتأويل لا يتطابق مع الحقيقة. لاسيما وأن فكرة ونفسية النص والإقرار به لم تتفرد به الفرق الشيعية فقط، بل وحتى الأموية والبكرية (التي أقرت بخلافة أبي بكر) ووالراوندية (التي أقرت بخلافة العباس) وغيرهم. فالنصوص هي "ألفاظ محتملة وليس تصريح"[11]. وفيما لو فتح باب التأويل والظن هنا لاشترك الجميع كل حسب قدرته ومشيئته ورغبته بفعل امتلاك الجميع القدرة على ذلك مما أدى إلى استحالة معرفة الحق من غيره.  وذلك لأن الجميع تمتلك القدرة على الخيال.  إضافة لذلك إن الرجوع إلى فكرة النص هو دليل العجز النظري الفكري. فالنفوس "تضطرب بأقصى الإمكان ولا تتعلق بالشبهة إلا عند العجز عن البرهان"[12]. وقد حدد ذلك رفضه لفكرة العصمة باعتبارها فكرة منافية للمنطق والعقل. إذ بأي طريقة يمكن الكشف عن حقيقة العصمة؟ عن طريق العقل والنظر أم عن طريق السماع والخبر؟ فالطريق الأخير ليس له أساس ضروري. أما عن طريق العقل والنظر فإنه يؤدي في منظومة التصورات الباطنية إلى مأزق وتناقض لا يمكن تذليله. فالعقل يرفض فكرة العصمة بحد ذاتها. من هنا تتبعه فكرة العصمة والإمام المعصوم في كافة مستوياتها مثل قضايا العوام والمعجزة والعقل والنظر والتاريخ والتواتر السمعي. وعندما يؤكد على أن من غير الممكن التصديق بالإمام المعصوم ومعجزته فذلك لأن المعجزة الممكنة هنا هي معجزة القرآن فقط. وهو لا يتناول هذه الفكرة هنا إلا من زاوية أهميتها العقائدية. وإلا فهو يدرك شأن الكثيرين من مفكري تلك المرحلة إمكانية إنكار المعجزات. لهذا السبب لم يقر بالتواتر الذي يوجبه العلم الضروري إلا في القرآن[13]. وبهذا يكون قد رفض أي إقرار بأهمية النص والتواتر، باستثناء القرآن. ففي ظاهره هنا يبدو كما لو أنه يسير في إطار الظاهرية المباشرة، بينما تتضمن حقيقة أفكاره حوافز الدفاع عن العقل في التعامل مع قضاياه.  وبالتالي رفض أية معرفة خارج أطرها الواقعية وأسسها العقلية. من هنا هجومه ضد فكرة علم الباطن للإمام المعصوم. فهو لا يقف هنا ضد "العلم الباطني" بقدر ما يقف ضد ما يمكن دعوته "بالأدلجة الباطنية" واحتكار الحقيقة التي يمكن أن تؤدي في قناعتها الذاتية إلى السفسطة المطلقة. وفي محاولته إظهار هذا الجانب لم يسعَ إلا للكشف عن الإمكانية القائمة فيما يمكن دعوته باللامنطقية المغرورة بنفسها. فالفكرة الباطنية القائلة بقدرة الإمام المعصوم على حل كل رموز الباطن لا يمكن فهمها بالنسبة للتابع والمؤيد إلا بالسماع والرؤية. وكلاهما مستحيل بفعل وجودهما داخل قلب الإمام. وإذا كان الأمر كذلك، فما هو يا ترى العائق من أن تكون اللفظة السماعية التي يطلقها الإمام هي مجرد باطن آخر. وتحت كل باطن باطن آخر، وهلمجرا. بل وحتى في حال إنكار الإمام أن يكون تحت هذا "الباطن الأخير" باطن جديد، فلربما يقصد بذلك الرفض والإنكار رمزاً آخر لباطن آخر[14]. وإذا كان الأمر كذلك فمن الممكن توقع إمكانية كذب "الإمام المعصوم" في تأويلاته للقرآن. إذ من المحتمل أن تكون كل تأويلاته لأجل حاجة أو مصلحة محددة أو سر ّمجهول جاز للإمام أن يظهر خلاف ما يضمره أو ضد ما يفهم منه[15]. من هنا يبدو واضحاً بأن الغزالي يسعى أساساً لكشف نقاط الضعف التي سبق وأن أعتبرها صنف من أصناف الجنون.(يتبع....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

...........................

[1] الغزالي: فضائح الباطنية، ص23.

[2] الغزالي: فضائح الباطنية، ص30.

[3] الغزالي: فضائح الباطنية، ص26.

[4] الغزالي: فضائح الباطنية، ص27.

[5] الغزالي: فضائح الباطنية، ص27.

[6] الغزالي: فضائح الباطنية، ص31.

[7] الغزالي: فضائح الباطنية، ص34.

[8] الغزالي: فضائح الباطنية، ص26.

[9] الغزالي: فضائح الباطنية، ص27.

[10] الغزالي: فضائح الباطنية، ص27.

[11] الغزالي: فضائح الباطنية، ص92.

[12] الغزالي: فضائح الباطنية، ص92.

[13] الغزالي: فضائح الباطنية، ص94.

[14] الغزالي: فضائح الباطنية، ص34.

[15] الغزالي: فضائح الباطنية، ص34.

 

ميثم الجنابي"الجنون فنون" 

إن انتقاد الغزالي للاتجاهات الباطنية في صيغتها الإسماعيلية التعليمية لم يكن وليد الصدفة لا من حيث جانبه الفكري والمذهبي ولا من حيث هويته السياسية. وإذا كان من الممكن القول بأن لهذا التاريخ مقدماته الأولى في ما قبل صعود الإمام علي بن أبي طالب لسدة الخلافة وانهيار نموذجها الراشدي، فإن فاعليتها الحقيقية في استثارة الصراعات والتشنجات القوية في الحركات الشيعية وبينها وبين الفرق الإسلامية الأخرى قد تزامن وتلازم لحد ما مع موت الإمام الصادق (ت – 148 للهجرة). إلا أن ذلك لا يعني أن انتقادات الغزالي وجداله مع الباطنية التعليمية قد جريا في مجرى التقاليد السابقة. فهي بمظهرها لم تختلف كثيراً عما هو مميز للانتقادات السابقة وبالأخص ما يتعلق منها بمساعيها المذهبية السياسية وحوافزها الأيديولوجية السياسية في كشف "فضائح الروافض". غير أن هذا المجرى العام لمسار العناصر السائدة في ثقافة العصر وروحها الجدلية (العقائدية) قد أدى في حالة الغزالي دوراً خاصاً ومتميزاً في تطوره الروحي، بما في ذلك في عملية انتقاله إلى التصوف. فإذا كان كتابه (المستظهري أو فائح الباطنية) يتضمن أحد نماذج، وأحد مراحل شحذ قوته العقلية في نزالها مع خصوم المذهب والسياسة، فإنه يكشف أيضاً عن دوره الخفي في تطويع روح الغزالي لمتطلبات انتقاد الذات ورؤيتها الأخلاقية، أي أن انتقاده للباطنية يكشف عن صيرورة المساعي الحثيثة في أعماق الروح الأخلاقي وتضافرها المعنوي في تعمق أزمته الروحية الكبرى ما قبل انتقاله إلى التصوف. وسوف يشير هو نفسه إلى ذلك في (المنقذ من الضلال) أيضاً، عندما صوّر صراعه مع الباطنية على أنه ميدان أساسي للبحث عن الحقيقة، وبالتالي إحدى مراحل تطوره الفكري الرئيسية. إضافة لذلك، إن أزمته الأخيرة ما قبل التصوف قد تزامنت مع إنجاز كتابه (فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية).

فقد كتب مؤلفه هذا بطلب من الخليفة المستظهر بالله، الذي تولى الخلافة عام 487 للهجرة. ويشير في بعض فقراته إلى خليفة الباطنية (الإسماعيلية) في مصر، أي المستنصر بالله (المتوفى في 17 ذي الحجة عام 487 للهجرة) أما أن أزمته الروحية بدأت في رجب عام 488 للهجرة، فإن ذلك يعني حدوثها بعد ما يقارب الستة أشهر من وقت انتهاء تأليف هذا الكتاب، أي أن من الصعب توقع صدفتها الطارئة. فالغزالي، كما هو واضح من كتاباته الأولية، لم يتعامل مع الباطنية بصورة مباشرة. إنه أدرك جرأة وخطورة الباطنية (الإسماعيلية) السياسية بالنسبة لمصير الخلافة العباسية. ولهذا انهال في انتقاداته اللاذعة على ما يمكن دعوته بأسسها "الجماهيرية"، أي على نموذجها الكلامي السياسي لا الفلسفي العقائدي. وهذا ما يمكن العثور عليه في آرائه التي حاول أن يكشف فيها عن مفارقة الفكر الباطني ككل باعتباره نوعاً من السفسطة والجنون. فالسفسطائي، كما يكتب في (معيار العلم) ينكر المعرفة الكلية، أما الباطنية المعاصرة له، فتشترك مع السفسطائيين في انخداعهم بكثرة الاختلافات بين النظار(المنظرين). حيث بنت على هذا الأساس اعتقادها ببطلان نظر العقل واستبدلته بعصمة الإمام. وهو الاستنتاج الذي اعتبره صنواً للجنون، رغم تأكيده على أن "أحكام الباطنية تجري مجرى الجنون، ولكن لا يسمى جنوناً، والجنون فنون".[1] ولهذا السبب اعتبر مهمة دحض التقليد والعصمة من بين أكثر المهام جوهرية في تفنيد الباطنية التعليمية.

فهو ينطلق في انتقاده للباطنية من واقع تباين الناس في كافة الميادين بما في ذلك في الدين والأخلاق والأحوال (المادية والروحية)، والمواقف النفسية من حب وكره وقبول ورفض، أي إقراره بالتباين الهائل في الوجود. ولم ينظر إلى هذا التباين  كما لو أنه قيمة بحد ذاته، بقدر ما استغله وانطلق منه كخلفية واقعية للصراع ضد الباطنية، وكذلك في دفاعه عن ضرورة الخلاف الفكري أيضاً. بحيث رفعه إلى مصاف الرحمة الإلهية، باعتبارها نتيجته الحتمية. لهذا أكد على أن كل خلاف تستتبعه الرحمة[2].

ولم يقف الغزالي عند حدود رؤية الآثار الأخلاقية والسياسية لآراء الباطنية التقليدية عن الإمامة والعصمة، بل وحاول الكشف عن ضررها المعرفي. من هنا تشديده على أن التقليد ليس صفة للعوام فقط، بل ويمكنه أن يكون صفة الخواص أيضاً، أي عند أولئك الذين اعتقدوا بقدرتهم المستقلة في التحليل والحكم، أو كما قال "عند أولئك الذين سلكوا طريق النظر (العقلي) دون أن يستكملوا فيه رتبة الإستقلال، أولئك الذين يحاولون تقليد من ينسب إلى الفضل والحكمة"[3]. فكم من طوائف، كما يقول الغزالي "رأيتهم اعتقدوا محض الكفر تقليداً لأفلاطون وأرسطوطاليس وجماعة من الحكماء قد اشتهروا بالفضل، ودواعيهم إلى ذلك التقليد وحب التشبه بالحكماء"[4]. وجعل من نقده للاتجاهات الباطنية أسلوب نقده الأساسي ضد فكرة التعليم الباطنية. فهو يؤيد الباطنية في موقفها من ضرورة التعليم، انطلاقاً من أن العلوم النظرية العقلية لا توجد بالفطرة. وبالتالي لا يمكن إدراك براهينها دون التعلم. غير أن التعليم بحد ذاته، كما يقول الغزالي، لا ينبغي أن يتطابق مع تقليد المعلم فيه. فليس الأخير سوى من يقدم طريقة إدراك العلوم، وبالتالي ينبغي للعاقل أن يرجع إلى نفسه فيدركه بنظره، وعند هذا فليكن المعلم من كان[5]. بصيغة أخرى، أنه ينطلق من الإقرار بضرورة التعليم، لكنه يربطه بضرورة معرفة أي من العلم يحتاج إلى معلم ودرجة هذا الاحتياج. وذلك لأن ما هو مهم في التعليم حسب نظره هو الطريقة والأسلوب لا تقليد المعرفة كما هي.ومن هنا اعتباره خطأ الفكرة الباطنية عن ضرورة التعليم كمقدمة لبناء استنتاجاتها "المنطقية"، أي عدم تمسكها بالمنطق السليم وتشويهها المتعمد لقواعده. وذلك "بفعل إطلاقهم مقدمات مهملة غير مفصّلة، تصدق في بعض مقتضياتها دون بعض، مثال القول: إذا اعترفتم بالتعليم فقد اعترفتم بمذهبنا"[6]. إن فكرة كهذه بنظره ليست منافية للمنطق فحسب، بل وتحمل في ذاتها بذور موتها. فطريق التقليد، كما يؤكد الغزالي، مباح إلا أنه غير موثوق به. فالتقليد يمنع المرء من رؤية الحقيقة. وإن كثرة الاتباع لا يعني أحقيتها. فلو اجتمع الكفر بالحماقة والبلادة وقصور النظر في وحدة الكلمة، فإن ذلك لا يدل على أن الحق معهم[7]. إضافة لذلك، إن التقليد ينفي ذاته بذاته حالما يحاول الاستناد إلى أسس منطقية. وذلك لأن المنطق يؤدي بالضرورة إلى نتائج معاكسة لما يريد ويرغب. وحالما أخذ بتطبيق آراءه النقدية بصدد تقليدية الباطنية للإمام المعصوم وفكرة العصمة، فإننا نراه يؤكد على أن العصمة بحد ذاتها لا يمكنها أن تكون دليلاً من دون دليل. وأن المعصوم لا يمكنه مخاطبة الناس من أجل اكتساب ثقتها وتأييدها دون براهين صحيحة ومقنعة. ذلك يعني، أن مصدر القناعة هنا وأسلوبها ليس التقليد والعصمة، بل البراهين والحجج. لأن الجوهري في ذهنية المخاطب هو التعامل مع الدليل لا مع العصمة. ومن هنا فإن العصمة لا تعمل إلا على حيونة الإنسان لأنها تفقده قدرة التفكير المستقل، أو أنها تضع مهمة "تحريره" من خلال تحويله إلى بهيمة. والغزالي يدرك تعقيد النفسية التقليدية في الأوساط الشعبية (مسلمين وغير مسلمين)، أي كل "أولئك الذين لو قطّعوا إرباً لم يدركوا شيئاً في البراهين العقلية"[8]. في حين أنه يغفل التعامل مع "من فارق حيز المقلدين أو عرف أن من التقليد خطر الخطأ فصار لا يقنع به"[9]. وهو يدعو هذا الصنف إلى النظر في خلق السموات والأرض ليعرف به الله، والتفكر في المعجزات ليعرف النبوة.ولم تكن هذه الصيغة الجدلية معزولة عن تقاليد وتأثير علم الكلام وأساليبه الخطابية، باعتباره علم الدفاع عن عقيدة العوام. وسوف يؤكد لاحقاً موقفه من كتابه (فضايح الباطنية)، باعتباره من بين مؤلفات الدفاع عن عقيدة العوام. وفيما لو تركنا جانباً هذه القضية، فإن خصوصية آثارها في شخصية الغزالي تقوم في فعالية دورها الكبير في التحضير لانتقاله إلى عالم الصوفية. وبالأخص فيما لو نظرنا إليها من زاوية تحليله وانتقاده لآراء الباطنية وأسلوبها "التكتيكي" في كسب أتباعها، وفي موقفها من إبطال الرأي والدعوة للإمام المعصوم، وكذلك من زاوية تحليل مقدمات ونتائج الحوافز القائمة وراء تأليف (فضائح الباطنية) ذاته واستنتاجه السياسية.

إن ما يميز (فضائح الباطنية) عن المؤلفات السابقة المعارضة للباطنية، هو تعميقه لإحدى القضايا السياسية والفكرية الجدلية في اتجاهات الباطنية التعليمية، أي عند أولئك الذين يقرّون بضرورة الإمام كمصدر للمعرفة اليقينية. والغزالي لا يناقش في الواقع ومن حيث الجوهر سوى هاتين المسألتين. ومع ذلك، تجدر الإشارة هنا إلى أن الكيان الباطني (الإسماعيلي)، الذي يجادله الغزالي، يستلزم بعض التدقيق، والذي يمكننا الحصول عليه من تسمياته للباطنية وألقابها. فهو يشير إلى ما يدعوه بالألقاب العشر للباطنية، المعبّرة عن مدارسها أو فرقها السبع، وأولها الباطنية وهو لقولهم إن لظواهر القرآن بواطن تجري في الظاهر مجرى اللب من القشر، وإنها رموز وإشارات إلى حقائق خفية. أما الثانية فهي القرامطة، نسبة إلى حمدان بن قرمط، والثالثة الخرمية (الخرمندية) لقّبوا بها تعبيراً عن مذهبهم القائل باللذة والإباحة (إذ الخرمة هي الشيء الملذ المستطاب) وهم أهل الإباحة من المجوسية والداعين إلى ترك بساط التكليف. أما الرابعة فهي البابكية نسبة إلى بابك الخرمي وهي فرقة إباحية أيضاً. أما الإسماعيلية (أو السبعية) نسبة إلى زعيمهم محمد بن اسماعيل بن جعفر، الذي انتهت الإمامة ودورها إليه وهو السابع استناداً إلى آرائهم بأن الإمامة سبعة سبعة وأن أدوارها السبعة في الإمامة تتوافق مع حدوث القيامة وأن تعاقب الأدوار لا نهاية له، إضافة إلى قولها بتأثير الكواكب السبعة (زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر)، أي تأثير ما يدعوه بملحدة التخمين ومذاهب الثنوية في النور. أما السادسة فهي المحّمرة حيث لقّبوا بها لأنهم كانوا يصبغون ملابسهم بالحمرة. والفرقة السابعة والأخيرة هي التعليمية، لقّبوا بها لأن مبدأ مذهبهم إبطال الرأي ودعوة الناس إلى التعلم من الإمام المعصوم. ومستندهم بذلك أن الحق إما يعرف بالرأي وإما بالتعليم. وبما أن الأول خاطئ بفعل اختلاف الآراء وثمرات نظر العقلاء، فإن من الضروري الاعتراف بالإمام المعصوم، الذي ينزلونه كما يقول الغزالي، منزلة النبي.

مما سبق يبدو واضحاً أن الغزالي ردد باختصار ما سبق وأن صاغته تقاليد المعارضة الفكرية للباطنية. وهو لا ينفي ذلك، خصوصاً حال حديثه عن أسباب نشوء الحركات الباطنية. حيث يستند أساساً إلى التصورات المتبلورة في كتابات علم الملل والنحل والكلام والتاريخ، أي حصيلة التصورات التي تسم الباطنية بالغلوّ. ولا يعني ذلك افتقاد هذه التقييمات للدقة من الناحية الفكرية والسياسية أيضاً، كل ما في الأمر أنه حاول أن يجمّع الصورة العامة للباطنية في مختلف العلوم الإسلامية بالصيغة التي يمكنها أن تخدمه في "تبشيع" مظهرها "الإسلامي". وبالتالي إعطاء انتقاده شرعية الدفاع عن عقيدة العوام باسم الدفاع عن الخلافة. لهذا تكلم عما يمكن دعوته بالشخصية العامة للباطنية وأسباب ظهورها بالصيغة التي توافق ما اتفق عليه "نقلة المقالات قاطبة". ولعل محاولته النقدية في توجيه سهامها نحو كشف الأسباب الكامنة وراء نشوء الباطنية وأساليبها السياسية الدعائية هو الشكل الأكثر تعبيرا عن ذلك في إطار ما يمكن دعوته بالصراع الأيديولوجي. ففي استعراضه لأساليب الباطنية في استدراج مؤيديها، يسوق الغزالي كل الدرجات التسع وهي الزرق والتفرّس، أي ضرورة أن يكون الداعي فطناً ذكياً صحيح الحدس صادق الفراسة ومتفطناً للبواطن، وله فيها ثلاثة أمور ينبغي أن يتقنها وهي التمييز بين من يمكن استدراجه ومن يعصي عليه من أجل أن لا يذهب وقته سدى، وأن يكون مستعملاً للحديث ذكي الخاطر في تغيير الظواهر (الآيات) وردها إلى البواطن إما لغوياً أو عددياً أو لمناسبة ما أخرى، وأن يكون بحّاثاً عن مسلك المرء أو معتقده، فمن كان مائلاً إلى التقشف والزهد دعاه إليه ومن كان مائلاً إلى المجون حبّذه إليه ومن كان من أتباع أبي بكر قرر إجماع الناس على خلافته[10]. أما التأنيس فهو العمل على خلق الأنس به عن طريق معرفة القرآن ومهاجمة السلاطين[11]. أما التشكيك فبعد حصول الاستئناس به، وهو جهد الداعي لتغيير اعتقاد المستجيب وزلزلة عقيدته عن طريق التشكيك من خلال الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عنها بمعقول مثل السبب القائم أو الحكمة القائمة وراء مقدورات الشرائع، وعدد الصلوات، ومعنى الحروف في أوائل السور، وآيات القرآن التي تقول بأبواب الجنة الثمانية وأبواب النار التسعة، ولماذا السموات سبع دون ثمان، والتشكيك في خلق آدم وغيرها[12]. أما التعليق فهو طيّ الجواب عن هذه الشكوك، فإن رآه قليل الفضول تركه، وإن رآه متعطشاً لها أخذ منه الميثاق والحلف، وهو الربط، أي الذي يربط الإنسان بإيمان مغلظة وعهد مؤكدة لا يجسر على المخالفة لها[13]. أما التدليس فهو التدرج في بث أسرار الدعوة إليه مع مراعاة قاعدة المذهب وتعميق فكرة تضارب الآراء وأن السر الحق المكنون عند الإمام المعصوم، وبالتالي تعميق فكرة قشرية الآيات (الظواهر) وعمق البواطن. مع التأكيد على أن الباطل ظاهر جلي والحق عميق ودقيق. وترغيبه في أن الكثير من العلماء والفلاسفة هم من أتباع الباطنية، إلا أنهم يكتمون ذلك، أي إقناعه بقوتهم وسعة انتشارهم[14]. أما التلبيس فهو وضع مقدمات لا تنكر في الظاهر ولا تبطل الباطن، بحيث يؤدي إلى تعميق القناعة بفكرة الظاهر الباطن. أما الخلع فهو إيصاله إلى فكرة فهم المعنى الباطن وعدم التقيد بالعمل الظاهر. أما المسخ فهو السلخ الكامل عن الدين وعن التمسك بشرائعه.

مما سبق يبدو واضحاً بأن الغزالي لا يقدم أي جديد في هذا المضمار. فهو يردد من حيث الجوهر نفس الاتهامات السائدة في الأوساط الإسلامية المعادية للباطنية. بمعنى أنها تكشف وتشير إلى بعض الحقائق دون أن تفي بحقيقة الباطنية. فهو يردد نفس الآراء المنتشرة والقائلة بأن الباطنية ما هي إلا محاولة اتباع الأديان الأخرى الأخذ بالثأر من سيطرة الإسلام والقضاء عليه، أي تصويرها على أنها نتاج المؤامرة المجوسية المزدكية من خلال إغواء الروافض، أو ما يدعوه بإيصالهم إلى الحالة التي يغلق عليهم فيها "باب الرجوع إلى الشرع"[15]. إلا أن هذه السطحية تقوم في طابعها الأيديولوجي لا في مضمونها الواقعي. إذ هي تشير إلى بعض الدلائل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية الدينية التي ولعت بها كتب الكلام حول ما دعته بمحاولات تحطيم الإسلام من الداخل. ففي إشارته إلى الجوانب السياسية والاقتصادية يؤكد على ما أسماه بمحاولة الثأر من جانب "أبناء الأكاسرة والدهاقين المجوس، الذين انقطعت سلطتهم قبل الإسلام" و"أولئك الطامحين إلى السلطة، إلا أنه ليس يساعدهم الزمان"[16]، الذين استغلوا رعاع الروافض والدعوة بعظمة أهل البيت كوسيلة لبلوغ مأربهم[17]. بينما هناك من تأثر بالباطنية وانخرط فيها لأسباب شخصية كحب الذات والرغبة في الإنفراد عن الأمة ودعوى التخصص بمعارف لا يصل إليها الآخرون. في حين أن هناك من "يسلك طريق النظر ولم يستكمل فيه رتبة الاستقلال" مما يحدو به عجزه عن البحث عن عروة اليقين في الإمام المعصوم. بينما تأثر آخرون بالباطنية بفعل التقليد والعيش بين أظهرهم. وفي حالات معينة توافقت بعض آراء الباطنية مع آراء وأفكار "ملحدة الفلاسفة والثنوية والمجبّرة في الدين"، الذين اعتقدوا "أن الشرائع نواميس مؤلفة، وأن المعجزات مخاريق مزخرفة"[18]، أي استغلال الباطنية كواجهة لنشر آرائها الخاصة. بصيغة أخرى، إننا نلاحظ في آرائه محاولة الكشف عن كل العناصر الأساسية للباطنية ومكوناتها الاجتماعية والسياسية والثقافية والشخصية وغيرها. وقد حدد ذلك تقييم الغزالي العام لها باعتبارها مذهباً ظاهره الرفض وباطنه الكفر، بسبب حصرها مدارك العلوم في الإمام المعصوم وتقليل شأن العقل في قدرته على إدراك الحق بصورة مستقلة، وطلب الحق بطريق التعليم (التقليد) على يد الإمام والمعلم المعصوم المستبصر بنور الله والمطلع على جميع أسرار الشرائع والهادي للحق والكاشف عن كافة المشكلات، وأن لكل زمان إمام معصوم لابد منه. (يتبع.....)

***

 ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص177.

[2] تستند فكرة الرحمة في الخلاف إلى تعمق الرؤية الواقعية تجاه تباين واختلاف الرؤية والمواقف. بينما أعطى لها الحديث (النبوي) الموضوع (الكاذب) "اختلاف أمتي رحمة" أساسا مزدوجا، بحيث فسح المجال أمام الخلاف من جهة، وأمام اعتباره قيمة كبرى من جهة أخرى. وعلى هذا الأساس كان من الممكن "للإجماع" الثقافي أن يقرّ بتنوع واختلاف مدارس وفرق الإسلام العديدة ومن ثم صراعها الذي كان يبلغ أحيانا حد التكفير والتجريم. وحالما تحول "الاجماع" إلى عنصر من عناصر الروح الفكري السائد، فانه حال دون تعميق عناصر "الرحمة". وظهر ذلك بجلاء في مختلف مظاهر وإشكاليات الفرق المتحاربة والمذاهب المتناحرة. فتطور إدراك الرحمة في الخلاف باعتباره ضرورة، حددته وحدة العناصر المتضادة في الثقافة الإسلامية كالعقل والنقل والبدعة التقليد وغيرها، وكذلك محاولة حلها بالطريقة التي تحافظ على ضرورة الحق وحرية التفكير. ولم يكن من الصعب حل هذه الازدواجية. بينما تباين مرورها، من حيث تعقيده، في دهاليز العلوم الإسلامية المختلفة. ووجدت في حالة الغزالي نموذجها المتميز في محاربة التقليد والبحث عن اليقين. ففي مهاجمته الفلاسفة دفع عناصر الشك العقلي إلى أقصاها من اجل تهشيم الذهنية العقلية التقليدية للفلاسفة ودحض آراءهم القائلة، بإمكانية العقل حل كافة المعضلات العقائدية. بينما دافع عن العقل ضد تقليدية الباطنية مبرهنا على ضرورته عوضا عن "عصمة الإمام". وفي كلتا الحالتين كان حافز البحث عن اليقين مجردا في مساعيه النقدية. إلا أن هذه المساعي استثارت بروز وتجّمع عناصر الرحمة وضرورة الخلاف ومحاربة التقليد وأهمية العقل وضرورة اليقين، أي العناصر  التي تمتلك قيمتها الحية في التذوق الفردي لتجربة الظاهر - الباطن الصوفية.    

[3] الغزالي: فضائح الباطنية، ص21.

[4] الغزالي: فضائح الباطنية، ص21.

[5] الغزالي: فضائح الباطنية، ص58.

[6] الغزالي: فضائح الباطنية، ص60.

[7] الغزالي: فضائح الباطنية، ص84.

[8] الغزالي: فضائح الباطنية، ص62.

[9] الغزالي: فضائح الباطنية، ص88.

[10] الغزالي: فضائح الباطنية، ص12-14.

[11] الغزالي: فضائح الباطنية، ص15.

[12] الغزالي: فضائح الباطنية، ص15-16.

[13] الغزالي: فضائح الباطنية، ص17-18.

[14] الغزالي: فضائح الباطنية، ص19-20

[15] الغزالي: فضائح الباطنية، ص10.

[16] الغزالي: فضائح الباطنية، ص22.

[17] الغزالي: فضائح الباطنية، ص10-11.

[18] الغزالي: فضائح الباطنية، ص21-22.

 

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (40)

قد يخفى على غير العارفين بنصوص العهد الجديد (الكتاب المقدس للاخوة المسيحيين) ان هذا الكتاب، وان كان في مجمله يتضمن السيرة الشخصية ليسوع المسيح، لكنه لا يحتوي إلا النزر اليسير من اقوال وتعاليم المسيح !!

فعند جمع كل أقوال ووصايا المسيح الواردة في أناجيل ورسائل العهد الجديد، لن يخرج من هذه الأقوال سوى ما يعادل الصفحتين فقط من الحجم الطبيعي، بعد حذف المتكرر منها بالطبع.

وفي نفس الوقت نجد ان رسائل بولس الرسول (شاول الطرسوسي)  التي تحتوي على أفكاره وتعاليمه وشروحه التي أصبحت أساسا للعقيدة المسيحية،لاحقا، تشكل ما يعادل أكثر من نصف العهد الجديد! 

وعلى الرغم من قلة أقوال ووصايا يسوع المسيح (نسبيا) في سرديات العهد الجديد، لكن تبقى هذه الأقوال والتعاليم والتوصيات على قدر كبير من الاهمية من الناحية العقدية والاخلاقية وكذلك من ناحية قراءة الواقع واستشراف المستقبل

ولعل من بين أهم الوصايا التي سردتها لنا نصوص الأناجيل والمنسوبة مباشرة ليسوع المسيح، تلك الوصايا والتحذيرات الموجهة لاتباعه وتلاميذه من الأنبياء الكذبة وضرورة الحذر منهم والانتباه لخطورتهم !

فعند قراءة الإصحاح الرابع والعشرين من إنجيل متى،مثلا، نجد السيد المسيح، يحذر(تلاميذه) من الانبياء الكذبة والذين قد يستطيعوا ان يقوموا بآيات وعجائب ويخدعوا حتى (المختارين) لو أمكن !! 

وطلب منهم ان لا يصدقوا ادعاء الكذابين بأن المسيح ظهر لهم هنا او هناك !..او انه ظهر بالبرية او اي مكان آخر،مؤكدا لتلاميذه انه حين يظهر،سيكون ظهوره واضحا للجميع مثل نور البرق الذي يغطي المشارق والمغارب! راجع متى 24

وفي نفس الإنجيل نجد،يسوع المسيح، في الإصحاح السابع، يحذر بشكل لافت جدا، من الانبياء الكذبة الذين ستكون نبؤاتهم الكاذبة بأسم المسيح، وقد شبههم يسوع، بأنهم مثل الذين يرتدون ثياب الحملان،ولكنهم ذئاب بالاصل!

ونجد المسيح يطلب مراقبة ثمار ونتائج أعمال هؤلاء الكذبة للتأكد من كذبهم وادعائهم، حتى لو كانوا يتنبؤن باسم المسيح نفسه، ويعتبرونه هو الرب !!... لانه سوف يتبرأ  منهم ومن أثم أفعالهم وخداعهم للمؤمنين

(كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!)

ان تحذيرات يسوع المسيح لتلاميذه وأتباعه من الانبياء الكذبة،هي انعكاس لاستشراف المسيح للمستقبل، وخطوة احترازية منه لتجنب اثار نتائج الدور التخريبي،الذي قد يسببه هؤلاء الدجالون الذي قد ينجحون بحرف الإيمان كله!

وبنفس الوقت، تعتبر تحذيرات السيد المسيح، تكملة لما تضمنته نصوص العهد القديم حول  الأنبياء الكذبة !

لقد حذر العهد القديم من الأنبياء الكذبة ومن خطورتهم في نصوص عديدة وبشكل مكثف، كما ورد في في سفر التثنية 18

وكذلك في سفر ارميا 14 وايضا سفر حزقيال 13 وغيرها من النصوص العديدة

ومن خلال تلك النصوص، نجد ان العهد القديم وضع علامتين أساسيتين لمعرفة وتمييز الأنبياء الكذبة وهما:

عدم الالتزام بتعاليم الرب ووصاياه التي أوجب الالتزام بها وحفظها كما ورد في الناموس (الشريعة)

والعلامة الثانية هي: ان الأنبياء الكذبة،سوف يفتضحون من خلال ثبوت كذب نبوأتهم حول المستقبل!

ومن أجل معرفة وفرز الأنبياء الكذبة، نحتاج أولا، لمعرفة ما هي النبوة؟ ومن هو الذي يصدق عليه وصف النبي؟

وحسب دائرة المعارف الكتابية المسيحية، فإن النبوة هي (الأخبار عن الله وخفايا مقاصده، وعن الأمور المستقبلية ومصير الشعوب والمدن، والأقدار، بوحي خاص منزل من الله على فم أنبيائه المصطفين)

وبذلك يكون النبي هو (من يتكلم أو يكتب عما يجول في خاطره، دون أن يكون ذلك الشيء من بنات أفكاره، بل هو من قوة خارجة عنه - قوة الله)..لذا وحسب التعريف المسيحي، فان النبي هو الذي يدعي ان تعاليمه وكلامه وارائه هي من الله!

و نظرا لاهمية شخصية شاول الطرسوسي (بولس) في مسيرة تطور الديانة المسيحية، ومحورية آرائه وأفكاره، والتي أصبحت نصوصا مقدسة، وقاعدة اساسية يقوم عليها هيكل تلك الديانة، لذلك، نحتاج الى مقاربة تلك الشخصية من خلال المعايير التي تحدد صفات الانبياء او مدعي الرسالة.

من المفارقات الطريفة، اننا نجد بعض الاخوة المسيحيين، وحتى المتخصصين منهم، عند الحديث عن نبؤة شاول الطرسوسي، نجدهم، ينتفضون، ويعترضون، على اساس ان بولس/شاول رسول وليس نبي !!

والعجيب، انهم يدافعون بهكذا حجة مضحكة، وبنفس الوقت يعتبرون كلام واراء هذا الرجل نصوص مقدسة،تشكل أكثر من نصف الكتاب المقدس لديهم !

ان تكثيف تكرار وصف بولس بالرسول، وتجنب وصفه بالنبي، هو تكتيك ذكي ومدروس اتبعته الكنيسة منذ القرون الاولى من اجل منع وابعاد اي محاولة  لإخضاع بولس لميزان مواصفات النبي الكاذب،التي ذكرها المسيح وكذلك العهد القديم !

وكذلك لمنع حصول اي مقارنة ذهنية لدى اتباعها، بين تحذيرات السيد المسيح من الأنبياء الكذبة،وبين شخصية بولس!

ورغم ان التعريف المسيحي للنبي، ينطبق على بولس وعلى ادعائه ان الرب ظهر له بشكل مباشر!!، والذي يحرص في كل رسائله على التأكيد لاتباعه، انه رسول من الله ومن الرب يسوع، وهما اللذان كلفاه بان يكون رسولا للامم،كما أعلن ذلك بنفسه  !!!...مع التأكيد، دائما،ان أفكاره هي من إلهام الروح القدس وليس منه !!

بل ويذهب الى ابعد من ذلك حيث يؤكد لاتباعه ان الله اختاره واصطفاه وهو في بطن امه !!

(و لكن لما سر الله الذي افرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته ان يعلن ابنه في لأبشر به بين الامم للوقت لم استشر لحما و دما)  غلاطية 15

ان تهرب بعض الاخوة المسيحيين، من إخضاع شاول الطرسوسي(بولس) لمعايير النبوة التي تم تحديدها بشكل صارم

بحجة ان شاول هو رسول وليس نبي!....يثير الاستغراب والتعجب والتساؤل، حيث انهم بهذه الحجة الواهية يكذبون نصوص العهد الجديد نفسه، والتي تشير الى ان شاول كان احد أنبياء العهد الجديد !! كما ورد في سفر الأعمال!

(وَكَانَ فِي أَنْطَاكِيَةَ فِي الْكَنِيسَةِ هُنَاكَ أَنْبِيَاءُ وَمُعَلِّمُونَ: بَرْنَابَا، وَسِمْعَانُ الَّذِي يُدْعَى نِيجَرَ، وَلُوكِيُوسُ الْقَيْرَوَانِيُّ، وَمَنَايِنُ الَّذِي تَرَبَّى مَعَ هِيرُودُسَ رَئِيسِ الرُّبْعِ، وَشَاوُلُ.

وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ،قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ:أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ) اعمال 13

وبعد ان تأكد لنا ومن خلال نص المقدس،وليس الاستنتاج او التخمين،ان هذا الرجل يقع ضمن تصنيف أنبياء العهد الجديد، يحق لنا ان نضع هذه الشخصية، في ميزان المصداقية، وضمن المعايير النصية الكتابية، لنرى هل كان نبيا كاذبا ام لا؟!

ان أهمية هذا التقييم،تبرز لنا، من خلال دراستنا للفترة التي كان يعيش فيها شاول/بولس، حيث كان تراشق الاتهامات بكذب ادعاء النبوة او ادعاء الارسالية للمسيح على أشده بين متصدري المجموعات المسيحية المختلفة وقتذاك!

وقد طالت هذه الاتهامات بولس ايضا، كما اننا نجده كذلك يرمي الاخرين بنفس بالتهمة ذاتها !

و في سفر الرؤيا،نجد في بداية الاصحاح الثاني،،اشارة الى هذا الامر والى ظاهرة الرسل الكاذبين

(أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ،وَأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَحْتَمِلَ الأَشْرَارَ،وَقَدْ جَرَّبْتَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ رُسُلٌ وَلَيْسُوا رُسُلًا،فَوَجَدْتَهُمْ كَاذِبِينَ)

وكما أوضحنا في صدر المقال، فان نصوص العهد القديم، قد حددت بشكل صارم و واضح معيارين مهمين، لتحديد مصداقية الشخص الذي يدعي النبوة او التواصل مع السماء

وعندما نضع بولس/شاول في منطقة المعيار الاول، الخاصة باهمية حفظ وصايا الناموس وعدم مخالفتها

سنكتشف ان هذا الرجل، ليس فقط خالف الناموس، واعتبره لاغيا ولاحاجة له، ولا الى اتباع تعاليم الشريعة، بل تجاوز هذا المدى،واعتبر ان وصايا الناموس ضعيفة وغير نافعة !!

(فانه يصير ابطال الوصية السابقة من اجل ضعفها وعدم نفعها!!) عبرانيين 7|18

وهناك العديد من النصوص الأخرى، منسوبة لبولس، يعتبر فيها وصايا الرب التي جاءت في الناموس غير كافية وأنها غير ملزمة وضعيفة، وان الانسان لا يحتاج لاتباع تلك الوصايا ليتبرر، اذ يكفيه فقط الايمان من اجل ان يتبرر!!

وبذلك تسقط مصداقية ادعاء بولس بالتواصل مع السماء،في الاختبار الأول،المحدد من قبل نصوص العهد القديم!

وعند وضع هذا الرجل في منطقة المعيار الثاني، حيث يتم اختبار تحقق نبوءته في الواقع  كما حدد الكتاب المقدس

حيث يكون عدم تحقق توقعات ذلك النبي دليل على كذب ادعائه التواصل مع السماء

(فَمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ بِاسْمِ الرَّبِّ وَلَمْ يَحْدُثْ وَلَمْ يَصِرْ، فَهُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ، بَلْ بِطُغْيَانٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ، فَلاَ تَخَفْ مِنْهُ) تثنية 18/22

بالنسبة لبولس الرسول، تعتبر واحدة من أهم نبؤاته، هي تلك التوقعات التي بشر فيها اتباعه، بأن قدوم المسيح الثاني هو وشيك جدا،وان وقت رجوعه قد اقترب، وانهم سيشهدون - مع بولس- ذلك الحدث التاريخي المهم، حيث سيلتحق بولس ومعه اتباعه المؤمنين بالمسيح، حين يتم اللقاء بينهم في السماء وعلى السحاب !!!

 (فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ.

لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا.ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ)  تسالونيكي الاولى 4/15

وبطبيعة الحال، توفى بولس، وانتهى جيل معاصريه، ومرت قرابة الالفين عام، ولم يأت المسيح، ولم يحصل لقاء السحاب!

وليس امامنا، والحال هذه، سوى تصنيف تلك النبوءة ضمن التوقعات الخائبة، والتي لايمكن اعتبارها وحيا سماويا، وانما مجرد كلام، بطغيان فم صاحبها كما يشير العهد القديم، لذلك فان مصداقية صاحب ذلك التنبؤ تسقط،مجددا، في الاختبار!!

هذا المقال، سيكتفي فقط، بقياس مصداقية ادعاء بولس تواصله مع السماء والتحدث باسمها، ضمن المعايير والأسس التي وضعها الكتاب المقدس نفسه وبنصوص واضحة ومباشرة، ولن نتطرق الى التناقضات و الأكاذيب والفبركات التي اكتنفنتها اقوال وتعاليم بولس، وهي كثيرة جدا،وتحتاج الى مقال مستقل!!

ان اتهام بولس بالكذب والتلفيق، ليس موضوعا جديدا، ولا فكرة مستحدثة، وإنما هو امر مشهور وقديم منذ زمن هذا الرجل، ولذلك نجد صداه في كتاباته ورسائله التي يحاول فيها وبمواضع عديدة نفي تلك التهمة عن نفسه،والتأكيد لاتباعه بانه هو فقط، من يعطيهم الحقيقة،وان الحق في اقواله، وانه ليس كاذبا !!

(والذي اكتب به اليكم هوذا قدام الله اني لست اكذب فيه) غلاطية 1/20

ومن تتبع رسائل بولس، نلاحظ ان هذا الرجل كان يتبع تكتيك: الهجوم خير وسيلة للدفاع !!

فنجده يطلق نيران الاتهامات بالكذب والضلال،على كل المخالفين لآرائه وتعاليمه !!.خصوصا الذين كانوا يحذرون منه!

بل اننا نجد في رسالته الى غلاطية انه لم يسلم من نيران اتهاماته حتى الرسل من تلاميذ المسيح، بل واصابت حتى الرسول بطرس (كبير التلاميذ) حيث نجد بولس في الاصحاح الثاني يؤشر الى اتهام بطرس بالرياء والنفاق!

ولم يكتفي بولس، بمهاجمة الذين كانوا يحذرون الناس من هرطقاته، او الذين اختلفوا معه، لكنه اخترع طريقة مثيرة وعجيبة من اجل ان يبرر تناقضاته وعدم مصداقية دعاواه!!!

وذلك من خلال الإيحاء لاتباعه، بأنه حتى وان كان يكذب، فانه غير اثم او مدان، لان كذبه هو من اجل اثبات صدق الله!!

وبذلك يكون السيد بولس/شاول قد أسس لبدعة فريدة وعجيبة لازال البعض يتبعها، ويتخذ منها أسلوب ومنهج كرازي!

وهي بدعة الكذب المقدس !!!

(فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ، فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟) رومية 3/7

 

د. جعفر الحكيم