مجدي ابراهيمفي مقال أرسله الدكتور محمد إقبال إلى (نيكولسون Nicholson) المستشرق الانجليزي المعروف عندما سأله عن مذهبه، وهو يترجم ديوان الأسرار والرموز، جاء فيه تربية الذات وترقيتها وتكميلها من طريق المعراج، وحدَّد فيه مذهبه الفلسفي، وأشار إلى أصول فلسفة الأخلاق الإسلامية، وبيّن أن لكمال الذات ثلاث مراحل:

(1) طاعة القانون الإلهي.

(2) ضبط النفس.

(3) النيابة الإلهية.

وبادي الرأي عندي أن مذهب "إقبال" نفسه في توكيد الذات وإثباتها والإحساس بها ثم تربيتها الروحيّة وفق مراحل الطاعة وضبط النفس؛ لتقويتها وتكميلها، ولترقيتها وإخراج ما أوُدِعَ فيها من مواهب وقدرات؛ لهو هو عينه "معراج روحي" يحسن الإصغاء إليه، والوقوف عنده وقفات.

هذا الرأي فقط هو الذي يجعلني أتوقف تلك الوقفة عند إقبال خلال مقاله المشار إليه. وليس من شك أن تربية الذات ضرورة واجبة بل فريضة إسلامية مفروضة من جانب الله تعالى؛ فهو سبحانه يقول:"يَا أيُّها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضَلّ إذا اهتديتم"؛ فالمسلم الذي يقرأ هذا الآية لا تفوته عنايته بنفسه، ولا يقلد غيره في الضلالة والاختباط.

يتخذ "إقبال" من هذه الآية الكريمة مفتاح مذهبه في توكيد الذات وإثباتها وهى أساس فكرته عن تربية الذات (عليكم أنفسكم). وإشعاعات الكلمة القرآنية توحي لديه بعمارة الوجود الإنساني؛ فالإنسان لديه قوة وقدرة واقتدار غير مسلوب الإرادة ولا منهار القوى، ولكنه خليفة الله في أرضه، تقتضيه هذه الخلافة أن يشعر بذاته ويعدُّ لها عدتها ويجدُّ في العمل لبنائها، لا يغيب عنها، ولا يفنى ولا يستهلك في غيره استهلاك المجاذيب الخواه حتى ولو كان هذا الغير هو الله !

ولذلك؛ فهو يرفض الفناء الصوفي، ويرفض السُّكْر والجذب والغيبة وكل الحالات السلبية التي لا تؤكد الذات بل تمحيها وتورث إذلال النفس وإماتتها فيما يسمى بدعوى الفناء في الله. وعنده أن التصوف "العَجَميّ" الذي شاع بين المسلمين أخذ من رهبانية كل أمة وجهدَ أن يجذب إليه كل نحلة، حتى القرمطية التي قصدت إلى التحلل من الشريعة. إنّ حالة السُّكْر في اصطلاح الصوفية تنافرُ الإسلام وقوانين الحياة.

وحالة الصحو، وهى الإسلام، توافق قوانين الحياة. وإنما قصد الرسول (ص) إنشاء أمة صاحية ليست بالفانية ولا بالعاطلة. ولهذا نجد في صحابة الرسول، الصدِّيق والفاروق ولا نجد حافظاً الشيرازي. وحافظ الشيرازي هذا، هو الشاعر الفارسي المنعوت بلسان الغيب، حَمَلَ "إقبال" عليه حملته العنيفة؛ فحطَّ من شأنه وغضّ من طريقته، ثم نهى الناس عنها وحذَّرهم منها، وهو يعدُّ أعظم شعراء صوفية الفرس في عصره.

ومن المعلوم عندي بالضرورة أن مذهب "إقبال" برمته مذهب يحارب آفة الضعف والركود التي تبدر في أشعار حافظ الشيرازي وشعراء الفرس على التعميم، بمقدار ما كان يحارب كل آفة تفت في عضد المسلم وتبطل ذاته قدر ما تبطل العمل: ركيزة تربية الذات وترقيتها، فكل شعر التصوف عنده ظهر في زمان ضعف المسلمين السياسي. وكل أمة يصيبها ضعف كالذي أصاب المسلمين بعد غارات التتار، تتبدّل أنظارها وتجمُل الاستكانة في أعينها، وتركن إلى ترك الدنيا، وفي الترك تخفي ضعفها. خاطب فلاسفة الهند العقل قي إثبات وحدة الوجود، وخاطب شعراء إيران القلب، فكانوا أشدّ خطر وأكثر تأثيراً، حتى أشاعوا بدقائقهم الشعرية هذه المسألة بين العامة، فسلبوا الأمة الإسلامية الرغبة في العمل، وفهموا من التبتل والروحانيّة دعوات الاستكانة والخمول. وتمتاز أمم الغرب بميلها إلى العمل، فآراؤهم خيرُ دليل لأمم المشرق إلى فهم أسرار الحياة.

وكما وَجَّه "إقبال" ضرباته للشيرازي، خالفَ كذلك الشيخ الأكبر ابن عربي، وغلّطه، ونصَّ أنّ آراءه غير إسلامية وقال: أنا لا أنكر عظمة الشيخ ابن عربي وفضله، بل أعدَّه من كبار فلاسفة المسلمين ولا أرتاب في إسلامه، فإنه يحتج لعقائده، كقوم الأرواح ووحدة الوجود بالقرآن مخلصاً؛ فآراؤه على صوابها وغلطها، قائمة على تأويل القرآن. وأرى أن تأويله غير صحيح. فأنا أعدَّه مسلماً مخلصاً ولا اتبعه في مذاهبه".

ويقول في رسالة إلى أحد المعترضين على رأيه هذا:"الحقُ أن التماس معانٍ باطنة في قانون أمة، هو مَسْخٌ لهذا القانون، كما يُعلَم من سيرة القرامطة، ولا يختار هذه الطريقة إلا أمةٌ في فطرتها الخنوع والذلة".

تبدأ تربية الذات بثلاث مرحل أولاهما: (مرحلة الطاعة) والقصد منها طاعة الله ورسوله. وليس من فرق عنده بين طاعة الله وطاعة رسوله، فكلاهما في منزلة واحدة: "ومن يطع الرسول فقد أطاع الله". هذا شرط أوليُّ لتقوية الذات لا مناص من الأخذ به بقوة، فطاعة الله ورسوله طاعة مطلقة لا تملل فيها ولا فتور شرط المرحلة الأولى في تربية الذات وفي بنائها؛ إذْ هى فرض من جانب الله يقرره القرآن "وأطيعوا الله ورسوله لعلكم ترحمون". "وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون"؛ فمن أراد أن يرحم نفسه؛ لتكون له قوة معينة يتحرَّر بها من سطوات التخلف الديني، ويستقل عن غبن الأغيار التي تلابسَه صباح مساء، وجبت عليه الطاعة؛ فهى أولىَ خطوات بناء الذات وتربيتها.

ثم تأتي المرحلة الثانية، وهى التي تمثل خطوة تالية لا بدَّ منها، وهى مرحلة (ضبط النفس) خلال التحكم في النفس الإمارة، ومراجعتها عن نزواتها وأهوائها، وصدها عن شهواتها ورغائبها التي لا تنتهي. وبما أن النفس الأمارة تقود إلى الشرور دوماً فقد نبّه القرآن الكريم على كوارثها، "إنّ النفس لأمارة بالسوء"، فوجب جهادها والعمل الدائم على مقاومتها؛ فإن طريق ترقية الذات هو التغلب على نزعاتها وأهوائها.

وفي هذا كله تزكية لها وتطهير.

والمرحلة الثالثة: من مراحل مذهب "إقبال" في كمال الذات، والعروج بها إلى أفق الرقي الإنساني واستخلاص ما أوُدِعَ فيها من مواهب هى مرحلة (النيابة الإلهية).

والنيابة الإلهية في هذه الدنيا هى أعلى درجات الرقي الإنساني. ونائب (الله) خليفة الله في الأرض، وهو أكمل ذات تطمح إليها الإنسانية، وهو معراج الحياة الروحي.

وأول شرط لظهور نائب الحق أن ترقى الإنسانية في جانبيها الروحي والجسمي، فإن ارتقاء الإنسانية يقتضي ظهور أمة مثالية يتجلى في أفرادها في الجملة، هذا التَّوحّد الذاتي وتصلح لأن يظهر فيها نائب الحق؛ فمعنى سلطان الله في الأرض أن تقوم جماعة شورية يتوحد أفرادها، ويقوم على هذه الجماعة واحد يمكن أن يسمى نائب الحق أو الإنسان الكامل، وهذا الإنسان الكامل يبلغ ذروة الكمال التي لا يتصور فوقها ذروة. وقد رأى نيتشه (الفيلسوف الألماني المعروف) ضرورة ظهور هذه الأمة المثالية، ولكن دهريته وإعجابه بالسلطان مَسَخا فلسفته كلها. على أن إقبال كان يرى أن في حياة الرسول (ص) أسوةً حسنة للمسلم، فقد كانت حياته خيرَ مثال للسعي الدائم والكفاح الموصول.

لقد كانت حياته كلها صورة للعمل وللمثل الأعلى قال صلوات الله وسلامه عليه:" تخلقوا بأخلاق الله". فكلما شَابَه الإنسان هذه الذات الوحيدة كان هو فرداً بغير مثيل.

ويركز "إقبال" على أن يكون هدف الإنسان الديني والأخلاقي: أثبات الذات لا نفيها، وعلى قدر تحقيق انفراده ووحدته يقرب من هذا الهدف. وتنقص فرديته على قدر بعده من الخالق. والإنسان الكامل هو الأقرب إلى الله، وليس القصد من هذا القرب أن يُفني وجوده في وجود الله، كما تقول فلسفة الإشراق، بل هو، على عكس هذا تماماً، يُمثل الخالق في نفسه؛ لأنه خليفة الله في أرضه.

الحياةُ رقي مستمر (معراج)، تُسخّر كلّ الصعاب التي تعترض طريقها. وحقيقتُها أن تخلُق دائماً مطالبَ ومثلاً جديدة من أمثلة الحياة العليا.

وقد خَلَقتْ من أجل اتساعها وترقيها آلات كالحواس الخمس والقوة المدركة؛ لتقهر العقبات والمشقات. وأشدّ العقبات في سبيل الحياة، المادة أو الطبيعة. ولكن المادة ليست شراً، كما يقول حكماء الإشراق، بل هى تعين الذات على الرقي، وتدفعها إلى (العروج)؛ فإن قُوى الذات الخفيّة تتجلى في مصادمة هذه العقبات، وفي التغلب عليها من طريق الترقية والتسامي. وإذا قهرت "الذات" كل الصعاب التي في طريقها بلغت منزلة الاختيار. الذات نفسها فيها اختيار وجبر، ولكنها إذا قاربت الذاتَ المطلقة نالت الحرية الكاملة. والحياةُ جهادٌ لتحصيل الاختيار. ومقصد الذات أن تبلغ الاختيارَ بجهادها.

وفي المقال الذي أرسله "إقبال" إلى "نيكولسون" لتوضيح مذهبه في توكيد الذات وتكميل الذات وترقيتها، يُظهِر "إقبال" خلافه مع مذهب الأستاذ "بريدلي" الذي كان يقول إن كلَّ مركز للشعور محدود، أي كل ذات مُفْرَدة إنْ هى إلا خداعُ نظرٍ باطل. لكن "إقبالاً" يقول بخلاف ذلك تماماً: إن مركز الشعور المحدود الذي لا يُدْرَك الذات هو حقيقة الكائنات. فالذات حقٌ لا باطل. ولكن تجليات الحياة تؤكد هذا. الحياة كلها فردية، وليس للحياة الكلية وجود خارجي. وحيثما تجلت الحياة تجلت في شخص أو فرد أو شيء. والخالق كذلك فرد، ولكنه أوْحَد لا مثيل له. ومع "إقبال" الحق فيما يقول ردَّاً على "بريدلي"؛ لأن الشعور لا يُحَدُّ ولا يتوقف، وإلا توقفت الحياة نفسها وتعطلت فيها الحيوية.

ولا خلاف على أن هذه الفرديَّة في التّصور وفي التحقيق من حيث إنها تؤكد ذاتية المخلوق وتجعل له وجوداً مستقلاً عن سواه قد أدَّت بإقبال أن يقول: وظاهر أن هذا التصور للكائنات يخالف كل المخالفة ما ذهب إليه شُرّاح فلسفة هيجل من المثاليين من محدثي الإنجليز، ويخالف أصحاب وحدة الوجود الذين يرون أن مقصد حياة الإنسان، أن يُفْنيَ نفسه في الحياة المطلقة أو "أنا" المطلق، كما تَفْنَى القطرة في البحر. وليس من شك، أنّ مثل هذا الفناء لا يؤدي في نظر "إقبال" إلى قيام شخصية المسلم ناهضة قوية بمقدار ما لا يؤدي كذلك إلى إحياء الذاتية الحرة المستقلة التي جاء بها القرآن الكريم وأكدتها أحاديث النبيّ صلوات الله وسلامه عليه، فهدف الإنسان الديني والأخلاقي في مذهب "إقبال" إثباتُ ذاته لا نفيها، وتحرُّرها لا سحبها من معترك الحياة أو من ميادين الجهاد فيها؛ وبمقدار ما يحقق تَفَرُّدَهُ واستقلاله ووحدته، يَقرُب من تحقيق هذا الهدف.

ومن المؤكد أن مذهبه في تحرير الذات يقوم على تحرير الشخصية الإنسانية مما يفنيها ويهدمها ولا يجعل لها كياناً تعتز به وتعتد، وما دامت للفرد شخصيته الحرة المستقلة فلا مناص من أن تكون مركز حياة الإنسان؛ فمركز حياة الإنسان ذات أو شخص، وحيثما تتجلى الحياة في الإنسان تسمى ذاتاً. وشخصية الإنسان من الوجهة النفسانية، حالٌ من التوتر. ودوام الشخصية موقوف على هذه الحال؛ فإن زالت هذه الحال عقبتها حال من الاسترخاء مضرة بالذات، شأنها في ذلك شأن الإرادة؛ كالسيف يُصْدِئُهُ الترك والإهمال ويشحَذَهُ الضرب والنِّزال؛ فإن يكن في حالة التوتر هذه كمال الإنسان فأول فرض عليه أن يعمل لدوام هذه الحال والحيلولة دون حال الاسترخاء، وكل ما يُمَكّننا من إدامة حال التوتر يمكِّننا من الخلود، وهذا التصور للشخصية يقوم معياراً لِيقيّم حقائق الأشياء.

وعند هذه النقطة يصل "إقبال" إلى حلِّ مشكلة الخير والشر حلاً بسيطاً يتوقف على مدى معرفتنا لذواتنا أولاً، ثم ثانياً يتوقف على مدى تربية هذه الذوات الفردية وقدرتنا على تنميتها وترقيتها ثم تكميلها في طريق التنمية والترقية، والعروج بها صعداً في معارج الكمال. إنّ في ذواتنا معيار الحسن والقبح؛ فما يقوّى الذات خيرٌ لا خلاف عليه، وما يضعفها شر لا بد من إزالته. ويجب أن يقوم الدين والأخلاق والفنون بهذا المعيار أيضاً.

ويقول "إقبال": واعتراضي على أفلاطون، هو في أصله اعتراضٌ على كل النظم الفلسفية التي تقصد إلى الفناء لا البقاء، والتي تُغْفِل المادة، وهى أكبر العقبات في سبيل الحياة، وتدعو إلى الفرار منها لا إلى تسخيرها والتسلط عليها بعزائم الإنسان، واقتداره على العمل الدائم المتواصل، وعلى التغلب والنصرة والنضال.

وكما تعرِض مسألة المادة في مبحث حرية الذات، تفرَض مسألة الزمان في مبحث خلودها. إنّ برجسون ليقول: إن الزمان ليس خطاً ممتداً إلى غير نهاية يتحتم علينا المرور به. هذا التصور للزمان غير صحيح؛ فالزمان الخالص لا يدخل فيه تصور الطول، أي لا نستطيع قياسه بمقياس الليل والنهار. إنّ خلود الذات أمل، من أراد أن يظفر به، فليِجدَّ ويدأب لبلوغه. والظفر به موقوفٌ على أن نسلك طريقاً للفكر والعمل في هذه الحياة يعيننا على حفظ حالة التوتر. ولا يستطيع إبلاغنا هذا الأمل دين بوذا ولا التصوف العجمي. وما إلى هذين من نظم الأخلاق الأخرى. لقد أضرّت بنا هذه الطرق؛ هكذا يقول إقبال؛ فأضرعتنا وأنامتنا. إنّ هذه المذاهب هى الليالي في أيام حياتنا".

لا جَرَمَ في أن هذه الفلسفة القرآنية التي اتخذت من القرآن الكريم دعامتها الأولى لهى هى نفسها التي جعلت من "إقبال" ينادي بمذهب فلسفي قويم في تحرير الذات، ويبني عليها مذهبه وقوام آراءه كلها في الحياة وفي الوجود. فللذات الإنسانية مؤهلاتها وقواها الباطنة التي تدفعها دفعاً إلى العروج في مدارج الكمال، وإلى معارج الرُّقيّ لبلوغ أقصى الغايات التي يبلغها الكاملون. لكن هذه الذات وهى في طريقها نحو التحرر ابتغاء المطلوب، تقابلها العقبات والصعاب، وأشدُّ العقبات وأصعبها هو ما يأتي من جهة المادة؛ فالتغلب عليها ومحاولة تذليلها ضربٌ آخر من ضروب توكيد الذات وترقيتها ثم تحرُّرُها من القيود والأغلال. على أن هذا التغلب على المادة يلزمه خطوات أو مراحل حدَّدها "إقبال" وذكرناها فيما تقدم؛ فإذا تمّ للذات غلبتها فقد تمّ لها في نفس الوقت تقويتها ومضاعفة الطاقة فيها على المقاومة والغلبة والانتصار؛ فكل صدام مع المادة يعزز في الذات القدرة على تذليلها والسيطرة عليها ويشحذ فيها الإرادة وينمي مجال النضال؛ ليجيء صعودها وارتقاؤها آخر الأمر تكميلاً لها وتحريراً. إنما الذات تنمو بالعمل وتذكو بالأمل ولا تنمو مطلقاً بالتواكل والكسل ولا تذكو ألبته بالخمول والركود والدعوى العريضة تقوم فيها بغير دليل.

تلك كانت، ولا زالت، تعاليم الإسلام في بساطة رقيها، وشموخ مقاصدها، وسمو ترقيها بالذات الإنسانية، جاءت لتنصر الفرد وتقومه وتقويه لا لتتركه هملاً عرضة للأغيار تفعل فيه الأفاعيل. لقد هضمها "إقبال" في مصدريها الكبيرين: القرآن الكريم والسّنة النبوية المطهرة، وقابلها بالثقافات والمورثات الدينية في الحضارات المختلفة، وواجه بها كل دعوة تفت في عضد المسلم؛ لتَدَعه فريسة للثقافات المستوردة وللموروث الوثني. فلئن كان ينقد التصوف العجمي ويحمل عليه بشدّة، فمعه الحق كل الحق، فإنّ هذا التصوف خارجٌ عن نطاق "المضمون الديني" الذي ينتسب إليه المسلم في عقائده الصحيحة ويدين له بالولاء، ومُغَزَّىَ بمصادر خارجة عن المصدر الإسلامي مختلطة بفلسفات وثنية تضر الذات المسلمة ولا تقويها، ولا تقوِّم فيها قيم "الوجود الروحي" كما تبيّنها له عقائد الإسلام، وتسلبها خصوصيتها وامتيازها وسط ركام هائل من التصورات والمعتقدات، ولا تدع لها هُويَّة ثقافية ولا معرفية تتكئ عليها وتعتمد وتحسن الاعتماد.

ولكن من جانب آخر، في المقابل لا يُفهم من نظرة "إقبال"، أنها نظرة تدعو إلى التقوقع والانغلاق عن لقاء الثقافات البشرية المتنوعة؛ فتأكيد الذات لا يعني الانغلاق، ومحاولة تحريرها من عوامل الاستلاب والاتكال على الغير لا يعني تقوقعها، ولا يُفهم منه انغلاقها على ذاتها، بل كلما اتصلت الذات بغيرها واحتكت بثقافات الآخرين، أزادت توكيداً لوجودها بشرط ألّا تترك هُويتها وتتسوَّل ثم تستجدي ما لدى الآخرين من ثقافة وفنون وعلوم ومعارف وآداب. تلك مسألة على البداهة مفروغٌ منها لا تحتاج إلى مزيد شرح ولا إلى إطالة كلام.

*    *     *

ومع كل ما يثير الإكبار في مذهب "إقبال"، وفي تحريره للذات وترقيها وتكميلها بعد تقويتها؛ فأنا شخصياً أوافقه في أكثر ما ذهب إليه توكيداً للذات الإنسانية واستقلالها، وإثباتاً لإمكاناتها وتفردها، وأخالفه في نقطتين مما هو معروض من مذهبه:

النقطة الأولى: أنه نظر إلى الفناء الصوفي لا من جهة كونه حالة روحية تقبل التحويل سُرَعان ما تتبدل وتتغير؛ ليعود صاحبها إلى ما كان عليه من قبل، ولكن من جهة دوام هذه الحالة، وكأنها حالة "عدم" لا حالة وجود، تحيط بالذات إحاطة تامة فتُركدها وتُفْنيها وتقضي عليها. والفناء في التصوف الإسلامي خاصّة ليس كذلك: لا هو عدم ولا هو حالة دائمة.

ليس الفناء، كما جاء لدى أئمة التصوف السّني، عدماً للذات بل هو حالة تقبل التحويل سرعان ما تزول ويعقبها البقاء بالله، ثم إنّ هذا الفناء نفسه هو فناء في التوحيد؛ أعنى اكتمال المعرفة بالتوحيد ليس إلّا؛ فالأصل في الفناء هو الفناء في التوحيد، لا الفناء في أي شيء آخر غيره. والتوحيد، كما في العقيدة الإسلامية، هو الذي قال عنه "إقبال" نفسه: رأس مال أسرارنا، وكل ما يتعلق بالتوحيد هو بؤرة أفكارنا.

والأمر الآخر: أنه نظر إلى الفناء في التصوف الإسلامي كما لو كان هو نفسه الفناء في التصوف "العَجَمي"، كلا! فليس مذهب بوذا كمذهب البسطامي، ولا التوحيد كما يفهمه أفلاطون كالتوحيد كما نعرفه وندين به في العقيدة الإسلامية، ولا عقائد الهنادكة كعقائد الإسلام لا في الجملة ولا في التفصيل. وهذه النظرة ولا شك نظرة إنْ لم تكن قاصرة فهى ليست وافية ولا محيطة بالفروق الفارقة بين التصوف في الإسلام المؤسس على عقيدة كاملة، تامة، شاملة، وبين أنواع التصوف في الثقافات والحضارات الأخرى.

أضف إلى هذا؛ وهو المهم، أن الفناء في التصوف الإسلامي خاصّة هو غاية ما تبلغه طاقة عمل العامل في سبيل الله، ومن أجل الله. فلئن كان "إقبال" يركَّز دوماً على العمل الإيجابي بُغية تحرير الذات؛ فإنّ هذه الذات نفسها لن تتحرر، ولن تشعر بالتّحَرُّر، حقيقة لا صورة، إلا في حال الفناء؛ إذْ الفناء في مؤدَّاه الإسلامي، وكما هو معلوم لدى أولياء المسلمين، هو منتهى الغاية من الطاقة العاملة: من العمل المنظم الإيجابي فضلاً عن كونه مجرد حالة عارضة لا تدوم، وهو هو التعبير المباشر، اصطلاحاً وإجراءاً، عن التجربة الصوفية، يخوضها العارفون؛ فيتحققون فيها فعلاً وقصداً بمعرفة التوحيد.

إذا نحن حذفنا الفناء كونه حالاً يتوارد من عين الجود فضلاً من الله ومنّة، حذفنا تباعاً خصائص التجربة الصوفية وشروطها ولوازمها؛ إذْ تستند في البداية على بذل المجهود كسباً من العبد وسُّنَّة. وبما أن لطائف العارفين كلها: كل شذراتهم المعرفية وإشاراتهم وعلومهم ومعارفهم صادرة عن تلك التجربة الروحية، وعن مذاقات الشهود فيها؛ فمن ينكر قيام التجربة الصوفية على فاعلية العمل الشاق المضنى، وعلى بذل المجهود العالي - ومعلوم لدينا أن المجاهدات عمل واختبار لتمحيص قيمة الرياضات الدينية - فإنما يُجرّد التصوف كله من أخصِّ خصائصه: من العمل الإيجابي المنظم ثم ينقض نفسه، ويتناقض معها قبل أن ينقض بالجملة تجارب الأولياء. ومع افتراض التسليم بصحة هذه التجارب النادرة وبذل المجهود الشاق للدخول فيها؛ فإنه لا يجوز إسقاط تجربة الفناء منها؛ إذْ لا يتسق القول بالتجربة الصوفية والاعتراف بها مع القول بحذف الفناء منها لا لشيء إلا لأنهما وجهان لعملة واحدة؛ ولأننا إذا قلنا تجربة صوفية فقد قلنا في الوقت نفسه حال الفناء.

وحيث إنَّ قياس الفناء في التصوف الإسلامي على الفناء في التصوف الهندي مثلاً أو البوذي أو الفارسي أو اليوناني أو المسيحي أو ما شَابَه ذلك من مصادر خارجة في تراث الأقدمين، هو خطأ في القياس؛ فتعميم الحكم، والغفلة عن المضمون الديني الذي تتشَكّل منه التجربة الصوفية الإسلامية الحيّة في المعرفة والتحقيق، وتتكئ عليه مباشرة وتعتمد تجارب الأولياء، هو خلط شنيع غير مقبول لدينا وغير معقول.

النقطة الثانية: وهى التي نأخذها على كلام "إقبال" مع تقديرنا الشديد لكلامه في تربية الذات وإحكام الذات، فهى قوله: إنّ الذات تستحكم بالعشق. ومفهوم العشق عنده واسع جدَّاً، ومعناه إرادة التسخير والجذب. وأعلى أشكاله أن يخلُق مقاصده ويجدَّ في نيلها. وخاصّةُ العشق: إفراد العاشق والمعشوق، يعني إظهار الانفراد والاستقلال فيهما. وإذا جدَّ الطالب في طلب الأوْحَد الأسمى ظهر فيه التَّوحُّد. ويتحقق ضمناً توحُّد المطلوب؛ لأنه إنْ لم يكن واحداً مستقلاً بنفسه لم يسكُن الطالب إليه. إنما يمكن عشق شخص أو وجود مُعَيَّن، ولا يمكن لشخص عشق كائن غير مشخَّص.

وكما تستحكم الذات بالعشق تضعف بالسؤال. وكل ما ينال بغير جهد يعدُّ سؤالاً؛ فالذي يرث مال غيره سائل. والذي يتبع أفكار غيره أو يَدَّعِيها لنفسه سائل. والخلاصة ينبغي، لأجل إحكام الذات، أن نخلق في أنفسنا العشق ونَتَجَنَّب كل ضروب الاستجداء والبطالة.

فإنِّا لنوافقه تماماً في الفكرة الأخيرة، وهى كل ما ينال بغير جهد تسوِّلٌ ممقوت يضعف الذات ويمقتها ولا يقويها ولا يرقيها؛ فهذا صحيح لا ينكره أحد مع اقتراف الكثيرين له؛ فمجتمعاتنا في الأغلب الأعم قائمة على هوان التسول ومذلة السؤال، وما يقالُ عن المجتمع يقال في تلك الجزئية على الأشخاص الذين يعيشون فيه، ومن هنا كان ضعفها، ومن هنا كان نكوصها وترديها. ولكن كلامه عن استحكام الذات بالعشق غير مقبول؛ لأنه بداهةً يوحي بالربكة الجُوَّانيَّة؛ فالذات العاشقة من جهة العبد لا تعنى الانفراد والاستقلال؛ فإذا كان هنالك إفراد للعاشق عن المعشوق لم يصحُّ أن يكون عشقاً ولم يصح التَّوَحُّد المطلوب.

الذات العاشقة تعمل عملها الإيجابي تحت إرادة المعشوق وفي كنفه وحمايته، فلو جَرَّدتها عن هذا العمل، فصلتها عن أصلها وعزلتها عن روحها، ولكن إذا تمَّ عملها بشهود المعشوق ورعايته، هنالك يصحُّ التوحُّد المطلوب ويصحُّ بالتالي الفناء.

وفي لغة "إقبال" نفسه:"إذا جدَّ الطالب في طلب الأوْحَد الأسمى ظهر فيه التوحُّد"؛ فماذا عساه يكون المراد من هذا التعبير غير دقة التعبير الدقيق عن حال الفناء؟ هذه واحدة.

أمّا الثانية؛ فإنّ وصف العشق نفسه مشكوكٌ في عقباه؛ للنصوص الواردة للحذر من استخدامه أصلاً في طلب الأوْحَد الأسمى. بيد أن شاعرية "إقبال" غلبت عليه في هذا الموطن، أو قُلْ إنّ ثقافته القومية طغت عليه، فآثر أن يستخدم لفظ العشق والعاشق والمعشوق ولم يرجع فيما يستخدمه إلى آيات القرآن الكريم؛ ليتتبع دلالة هذا الألفاظ فيها. فلو أنه استخدم كلمة "الحب"؛ لكانت أدلَّ على المقصود من كلمة "العشق".

فأما الأولى فشائعة في القرآن وفي الحديث. وأما الثانية، فلا. هذا على فرض وجود العشق وانسحابه على العلاقة بين العبد والربّ، وهو مما لا ينسحب ومما لا يجوز.

وقد أجمعت مصادر التصوف السُّني خاصّة على أن الحق، سبحانه، لا يوصف بالعشق؛ فإذا كان العشق مجاوزة الحدِّ في المحبة، فالحق، سبحانه، لا يوصف بأنه يجاوز الحدّ فلا يوصف بالعشق، ولو جمع محابِّ الخلق كلهم لشخص واحد لم يبلغ ذلك استحقاق قدر الحق. فلا يُقال من أجل هذا: إنّ عبداً جاوز الحدّ في محبة الله.

وعليه؛ فلا يوصف الحق بأنه يعشق ولا العبد في صفته، سبحانه، بأنه يعشق فنُفىَ العشق، ولا سبيل له إلى وصف الحق بالعشق لا من جهة الحق للعبد، ولا من جهة العبد للحق. ولم يكن القشيري ولا أستاذه الدقاق يطلقان لفظ العشق على الحب كما كان يطلقه غيرهما من الصوفية ممن هاموا في حبّ الله لدرجة الفناء؛ لأنه كما نعلم أن المعتزلة والظاهرية كانوا ينزهون الله عن العشق؛ لأنه يقوم من الناحية النظرية على التشبيه. ومن الناحية العملية على الملامسة والحلول. وبهذا يجنب القشيري كما يجنب أستاذه الدقاق في التصوف، كل مظنة تأتي من طرف أعدائه.

تُرى .. هل كان إقبال عقلانياً، مفرطاً في العقلانيّة؟ ربما! وهل أطلع على رأي المعتزلة والظاهرية في العشق فلم يجد في نفسه ما يسيغه؟ وكيف يتفق العقل والمعقول مع رأي كهذا في مسألة العشق؟ وهل من العقل التخلي عمن احتكموا إليه وواجهوا أنفسهم بمنطقه؟ وهَبْ أنه لم يكن عقلانياً ولم يوافق المعتزلة ولا الظاهرية فيما ذهبتا إليه، فلِمَ أصرَّ على أن يواجه الحالة الروحية مواجهة عقلية بغير منهجها وبغير أذواقها وأدواتها حتى لتكاد المواجهة لديه أن تُخرج "الحالة" بعيداً عن القصد المقبول؟

لقد تتبعتُ إقبالاً رحمة الله عليه، وأنا بصدد حديث الولاية في المعراج، عن قصد في المتابعة؛ لأن الرأي بدا لي أن مذهبه في توكيد الذات والإحساس بها، وإثباتها لا نفيها، ثم تربيتها الروحيّة وفق مراحل الطاعة وضبط النفس، لتقويتها وتكميلها ولترقيتها واستخراج ما أوُدِعَ فيها من مواهب وقدرات. أقول؛ إنّ الرأي بدا لي أن مذهبه هو عينه "معراج روحي" اقتضانا الوقوف عنده وتتبع مراحله، حديثنا عن المعراج.

إنما المعراج كما قلنا فيما تقدًّم ذاتي خاص، والرجعة منه كذلك ذاتية خاصة. هذه الذاتية المتفرّدة التي تضرب بجذورها في أغوار النفس البشرية، إذا عززها الدين، يعزز فيها العمق الداخلي والجذوة الباطنية، ولا يعزز فيها ظواهر الشكليات إلا بالمقدار الذي يفهم على المستوى الإنساني، وبخاصة إذا كان هذا المقدار مَرَدّه إلى مطالب الشرع وضرورة التمسك بقيوده من الوجهة العملية.

فلا التحلل من هذه القيود يعطيها حق الظفر المطلق بذلك "التعزيز"، ولا هو ييسّر لها ذلك التعميق الداخلي الذي نقصده، وإنما تتفرَّد "الذات" وتتحرّر من القيود والعلائق، ثم يتعزّز فيها مثل هذا التّفرُّد، إذا هى استبطنت مطالب الشرع وكشفت بنفسها عن الضرورة الواجبة له في صميمها، حينذاك تتسع لها القدرة فتمتلك "الإرادة" الحيّة لأن تصبح ذاتاً حرّة من قيود العلائق الخارجية، فلا يصفو لها الصفاء كلُّه إلا إذا تحرَّرت بمثل ما يكون التّحرُّر دليلاً على الطلاقة الروحيّة معراجاً دائماً للاتصال بالذات المطلقة.

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

علي جابر الفتلاويمن البحوث القرآنية (التأويل)، إذ (وردت كلمة (تأويل) في القرآن الكريم سبع عشرة مرة).(1) والتأويل لغة: تفسير ما يؤول إليه الشيء، وقد أوّلته تأويلا وتأوّلته تأولا بمعنى واحد، يقال: آلَ الأمير رعيّته يؤولها أوّلا وإيالا، أي ساسها وأحسن رعايتها،(2) وقيل: التّأويل من الأول أي الرجوع إلى الأصل، (3) والتأويل تفسير الكلام الذي تختلف معانيه، ولا يصحّ إلّا ببيان غير لفظه.(4)

والتأويل اصطلاحا له معان عدة، ذكرها السيد الطباطبائي في كتابه (الميزان في تفسير القرآن)، وحددها في أربعة أقوال رئيسية، ثمّ ذكر سبعة أقوال عدّها متفرعة عن القول الأول، عندما يذكر الأقوال الرئيسية مع فروعها لا يعني أنه متوافق معها بل هو يردّ عليها في نهاية طرح الأقوال، وهذا الاسلوب في الطرح هو جزء من منهجه التفسيري، الرأي الآخر ثم المناقشة والتحليل موافقة أو رفضا، أو يقبل وجها أو أكثر، ويرفض الوجوه الأخرى، في بحثه عن التأويل طرح مفهوم التأويل إصطلاحا، كما سنبيّن لاحقا، والأقوال التي ذكرها في التأويل هي(5):

القول الأول: التأويل بمعنى التفسير، وهو المراد من الكلام، وإذا كان المراد من بعض الآيات معلوما بالضرورة، كان المراد بالتأويل (وما يعلم تأويله إلّا الله والراسخون في العلم)(6) لا يعلم المعنى المتشابه إلّا الله والراسخون في العلم.

يرى البعض أن التأويل بمعنى التفسير هو قول المتقدمين، وبناء على هذا أصبح لكل آيات القرآن تأويل، عدا المتشابه استنادا لقوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله) فلا أحد يعرف تأويل المتشابه من الآيات إلّا الله.(7) يؤيد السيد الطباطبائي أن المتشابه لا يعلمه إلّا الله والراسخون في العلم؛ ونقل خبرا عن ابن عباس أنه كان يقول: أنا من الراسخين في العلم وانا أعلم تأويله،(8) ومفاد القول تخصيص تأويل المتشابه من الآيات بالله تعالى والراسخين في العلم وغير المتشابه متاح تفسيرها للأمة؛ يرى أبو عبيدة: أن التأويل والمعنى والتفسير تعطي نفس المعنى.(9)

القول الثاني: المراد من التأويل المعنى المخالف لظاهر اللفظ، وهو الشائع عند المتأخرين، (10) يقول الرّازي: التأويل هو الابتعاد عن المعنى الظاهري للفظ استنادا إلى الدليل والقرينة، والتي لها تأويل هي الآيات المتشابهة فقط.(11)

القول الثالث: التأويل أحد معاني الآية الذي لا يعلمه إلّا الله تعالى، أو لا يعلمه إلّا الله والراسخون في العلم مع عدم كونه خلاف الظاهر، وهذا القول لا يتوافق مع القول الثاني الذي حدد المعنى بالمخالف لظاهر اللفظ، في هذا القول الثالث يقول الطباطبائي: إنّ للآية المتشابهة معان متعددة بعضها تحت بعض منها ما هو تحت اللفظ يناله جميع الأفهام، ومنها ما هو أبعد منه لا يناله إلا الله تعالى والراسخون في العلم. يقول السيد الطباطبائي: اختلفت الرؤى في كيفية ارتباط المعاني المتعددة باللفظ فهو لا يتوافق مع من يذهب أن اللفظ القرآني يستعمل في أكثر من معنى. ويقصد المعنى في المتشابه، وعنده استعمال اللفظ في أكثر من معنى غير جائز، بل يرى أن اللفظ له معان مترتبة بحيث يكون له معنى مطابقي وله لازم وهكذا يتدرج في المعاني، هي معان مترتبة بعضها على بعض ترتب الباطن على ظاهره، فإذا قال المرء اسقني، فاللفظ طلب يلبي السقي، وهو طلب للإرواء، وطلب لرفع الحاجة الوجودية، وطلب للكمال الوجودي، فهذه كلّها أوامر ومطالب لكنها مترتبة وجاءت بطلب واحد هو طلب السقي، فهذه المطالب جاءت بعضها في باطن بعض، والسقي مرتبط بها ومعتمد عليها، هذا القول يذهب إلى أن لفظ الآية المتشابهه له ظهر وبطن، والبطن يتبعه بطن وهكذا، وهذا الأمر لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم.

القول الرابع: التأويل ليس من قبيل المعاني المرادة باللفظ، بل هو الأمر العيني الذي يعتمد عليه الكلام، فإذا كان الكلام حكما إنشائيا كالأمر والنهي، فتأويله المصلحة التي توجب إنشاء الحكم وجعله تشريعا، فقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة)(12) مثلا تأويله الحالة النورانية الخارجية التي تقوم في نفس المصلّي في الخارج فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وإن كان الكلام خبريا فيكون على صور هي:

1 – إخبار عن الحوادث الماضية والتأويل يكون نفس الحادثة الواقعة في الماضي كالآيات المشتملة على أخبار الانبياء والأمم الماضية.

2 – إخبارعن الحوادث والأمور الحالية والمستقبلية وتكون على قسمين: إما أن يكون المخبَر به من الأمور التي تناله الحواس أو تدركه العقول، فتأويله ما هو واقع في الخارج، كقوله تعالى: (وفيكم سمّاعون لهم)(13) وقوله تعالى: (غُلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلَبِهم سيغلِبون، في بضع سنين)(14) أو يكون من الأمور المستقبلية الغيبية التي لا تناله حواسنا الدنيوية ولا يدرك حقيقتها عقولنا كالأمور المرتبطة بيوم القيامة ووقت الساعة وحشر الأموات ويوم الجمع والحساب وتطاير الكتب، أو يكون ما هو خارج عن طبيعة الزمان وإدراك العقول، مثل صفاته تعالى، وأفعاله سبحانه، فتأويلها نفس حقائقها الخارجية.

الفرق بين الآيات المبينة لصفات الله تعالى وأفعاله وما يلحق بها من أحوال يوم القيامة، وبين الآيات الأخرى التي يمكن حصول العلم بتأويلها. أن الآيات المختصة به تعالى لا يعلم تأويلها إلّا الله تعالى، والراسخون في العلم بتعليم الله سبحانه بمقدار ما تسعه عقولهم، وأما حق التأويل فهو مما استأثر الله تعالى بعلمه. ذكر السيد الطباطبائي أقوالا أخرى عدّها من توابع القول الأول، لكنّ القائلين بها لا يتوافقون معه أنّ هذه الأقوال من التوابع، وذكر في هذا الباب سبعة أقوال نذكرها باختصار:

القول الأول: التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وفي الكتب الإلهية، أما التفسير فيستعمل في الكتب الإلهية وغيرها.

القول الثاني: أنّ التفسير بيان معنى اللفظ الذي لا يحتمل إلّا وجها واحدا، والتأويل تشخيص أحد محتملات اللفظ بالدليل استنباطا.

القول الثالث: أنّ التفسير بيان المعنى المقطوع من اللفظ، والتأويل ترجيع أحد المحتملات من المعاني غير المقطوع بها، يرى السيد الطباطبائي أن هذا القول قريب من سابقه.

القول الرابع: أنّ التفسير بيان دليل المراد، والتأويل بيان حقيقة المراد، مثاله قوله تعالى: (إنّ ربّك لبالمرصاد)(15) فتفسيره: أن المرصاد مفعال من قولهم: رصد يرصد إذا راقب، وتأويله التحذير عن التهاون بأمر الله والغفلة عنه.

القول الخامس: أن التفسير بيان المعنى الظاهر من اللفظ، والتأويل بيان المعنى المشكل.

القول السادس: أن التفسير يتعلق بالرواية، والتأويل يتعلق بالدراية. (16)

القول السابع:أن التفسير يتعلق بالاتباع والسماع، والتأويل يتعلق بالاستنباط والنظر.

لا يتوافق السيد محمد حسين الطباطبائي مع الأقوال الأربعة، والأقوال السبعة الأخرى التي عدّها متفرعة من القول الأول، يقول: (لا يصح الركون إلى شيء من هذه الأقوال الأربعة وما ينشعب منها)(17)

يردّ السيد الطباطبائي على الأقوال الأربعة مع فروعها السبعة بشكلين، الأول مجمل، والثاني مفصّل يقول: إما إجمالا المراد بتأويل الآية ليس مفهوما من المفاهيم تدلّ عليه الآية، سواء كان مخالفا لظاهرها أو موافقا بل هو من قبيل الأمور الخارجية، وليس كل أمر خارجي يصح أن يكون تأويلا للخبر، بل يكون الأمر الخارجي مخصوصا نسبته إلى الكلام نسبة الباطن إلى الظاهر.

ويرد الطباطبائي تفصيلا على الأقوال الأربعة، بالنسبة للقول الأول يقول: أنّه يفيد أن بعض آيات القرآن لا يمكن تأويلها أي تفسيرها أي معرفة المراد من مداليلها اللفظية من عامة الأفهام، وهذا لا يجوز عند السيد الطباطبائي، لأنّه يرى أنّه ليس في القرآن آيات كذلك، بل القرآن ناطق بأنّه إنما أنزل قرآنا لتناله الأفهام، وعليه لا مناص أمام من يقول بالقول الأول، إلّا أن يختار أنّ الآيات المتشابهة إنما هي فواتح السور من الحروف المقطّعة حيث لا ينال معانيها عامة الأفهام، ويردّ السيد الطباطبائي على هذا القول، بأنّه لا دليل عليه، ويقول: مجرد كون التأويل مشتملا على معنى الرجوع، وكون التفسير أيضا خال عن معنى الرجوع، لا يوجب كون التأويل هو التفسير، كما أن الأم مرجع لأولادها وليست بتأويل لهم، والرئيس مرجع للمرءوس وليس بتأويل له. إذن عند الطباطبائي أن المرجعية لا توجب التأويل.

يرى السيد الطباطبائي أنّ ابتغاء الفتنة في الآية السابعة من سورة (آل عمران)، هو من خواص الآيات المتشابهة، وتوجد في غير فواتح السّور، وإن أكثر الفتن التي حدثت في الإسلام إنما حدثت باتباع علل الأحكام وآيات الصفات وغيرها.

ردّ على القول الثاني: التأويل هو المعنى المخالف لظاهر الآية، لأنّ هذا الكلام يبطل الاحتجاج في قوله تعالى: (أفلا يتدبّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)(18) فالآية صريحة الدلالة على أنّ القرآن معرض لكافة الأفهام ومسرح للبحث والتأمل والتدبر، وليس فيه آية أريد بها معنى يخالف ظاهر الكلام.

ردّ على القول الثالث: أنّ الآيات القرآنية تشتمل على معان مترتبة بعضها فوق بعض، هذه المعاني تتكشف إلى الأفهام حسب التدبر وذكاء السامع، من هذه المعاني الباطنة المترتبة لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم، يرى السيد الطباطبائي أن التقوى وطهارة النفس هما مُعينين في فهم المعارف الإلهية، لكن ذلك ليس على نحو الدوران والعلية، بمعنى أن من يتمتع بالتقوى والطهارة لا يعنى وصوله إلى المعاني الباطنة بالكامل، بل منها ما هو مختص بالله تعالى، كما هو ظاهر قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله).

موقفه من القول الرابع لم يكن رفضا بالكامل، بل تقبل وجها منه ورفض الآخر يرى السيد الطباطبائي أن القول الرابع، أصاب في القول بأن التأويل لا يختص بالمتشابه بل يوجد في جميع القرآن، وأنّ التأويل ليس من صنف المدلول اللفظي بل هو أمر خارجي يبتني عليه الكلام، لكنّ القول الرابع أخطأ في عدّ كل أمر خارجي مرتبط بمضمون الكلام تأويلا للكلام، وأخطأ في حصر المتشابه الذي لا يُعلَم تأويله في آيات الصفات وآيات القيامة. وأوضح السيد الطباطبائي كلامه هذا بقوله:

قوله تعالى: (وابتغاء تأويله) الضمير إما إن يكون راجعا إلى الكتاب أو إلى المتشابه، لا يتوافق السيد الطباطبائي مع من يقول أن الضمير راجع إلى القرآن لأنّ ذلك يتعارض مع قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله)، إذ حصر تأويل القرآن بالله تعالى يتعارض مع رسالة القرآن، لأنّ كثيرا من تأويلات القرآن متاحة إلى الأفهام مثل تأويلات القصص والأحكام، وآيات الأخلاق، هذه الأمور من الممكن أن يعلمها غير الله، وغير الراسخين في العلم من الناس، وحتى الزائغة قلوبهم، مثل الحوادث التي تدلّ عليها آيات القصص يتساوى في إدراكها جميع الناس، وكذلك الحقائق الخلقية، والمصالح التي يوجدها العمل بالأحكام من العبادات والمعاملات وسائر الأمور الشرعية، فهي معلومة للجميع.

من هذه الأمثلة يصل السيد الطباطبائي إلى أنّ الضمير في (تأويله) راجع إلى المتشابه وليس إلى القرآن، والذهاب في هذا الاتجاه يستقيم معنى الحصر في الآية: (وما يعلم تأويله إلّا الله) بمعنى أنّ غيره تعالى وغير الراسخين في العلم مثلا لا ينبغي لهم تأويل المتشابه، لأنّ ذلك يؤدي إلى الفتنة وإضلال الناس، لكن السيد الطباطبائي لا يتوافق مع من يحصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلّا الله والراسخون في العلم، على آيات الصفات وآيات القيامة فحسب، إنّ الفتنة التي توجد في تأويل آيات الصفات وآيات القيامة، كذلك توجد في آيات أخرى مثل آيات الأحكام والقصص وغيرهما، وضرب الطباطبائي مثلا لذلك، فلو قال قائل أن الغاية من تشريع الأحكام هو الإصلاح الإجتماعي، فلو صلح المجتمع في غير الحكم الشرعي، سيكون ذلك مبررا لإلغاء الحكم الشرعي لأنه بالإمكان الإصلاح بغيره. يرى السيد الطباطبائي أنّ هذا من الفتنة في تأويل آيات الأحكام.

أخيرا يخلص السيد الطباطبائي إلى النتيجة التالية:

 إنّ التأويل هو الحقيقة الواقعية التي تستند إليها البيانات القرآنية من حكم وموعظة وغيرهما، وهي موجودة في جميع الآيات القرآنية، محكمها ومتشابهها، وهذه الحقيقة لا تحيط بها الألفاظ، وإنّما قيّدها الله تعالى بالألفاظ لغرض تقريب المعنى إلى الأذهان، قال تعالى:(والكتاب المبين، إنّا جعلناه قرآنا عربيا لّعلّكم تعقلون،وإنّه في أمّ الكتاب لدينا لعلّي حكيم)(19).

 

علي جابر الفتلاوي

.....................

المصادر: 

1 - الدكتور عبد الهادي الفضلي، موقع هدى القرآن الالكتروني. نشر في 29/3/2010 ، hodaalquran.com .

2- اسماعيل الجوهري، معجم الصحاح، ص56 – 57.

3- أبو القاسم حسين بن محمد الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص98.

4- الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، ج8، ص368.

5- محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج3، ص 35- 39.

6- آل عمران: 7.

7- محمد بن يعقوب أبو طاهر الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ج1، ص80.

8 – محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق، ج3، ص35.

9 -  معمر بن المثنى أبو عبيدة، مجاز القرآن، ج1، ص86.

10 – محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق، ج3، ص35.

11- الفخر الرّازي، التفسير الكبير، ج7، ص189.

12 – البقرة: 43.

13- التوبة: 47.

14 – الروم: 2 – 4 .

15 – الفجر: 14.

16 – علم الدراية: علم يُبحث فيه عن متن الحديث، وكيفية تحمّله وآداب نقله وطرقه من صحيحها وعليلها.يراجع: موقع السراج الالكتروني، alseraj.net .

17- محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق، ج3، ص37.

18 – النساء: 82.

19 – الزخرف: 2 – 4.

 

 

مجدي ابراهيمكان الحارث بن أسد المحاسبي مفكراً صوفياً رشيداً، تغلغل في أعماق النفس البشرية فحلل آفاتها؛ ليتسنى له، وللقارئين من بعده، الوقوف على العلل والأمراض المستشرية فيها ثم ليهتدي وليهدي غيره ممَّن أذن الله تعالى لهم بالهداية، إلى طريق الحق والصواب. توفى رحمه الله على أرجح الأقوال عام 243هـ . ومن مؤلفاته : الرعاية لحقوق الله، والوصايا أو النصائح الدينية، ورسالة المسترشدين، وآداب النفوس، والعقل وفهم القرآن، وكتاب التّوهُّم. ولقد ذكر عنه صاحب "حلية الأولياء" (جـ 10، ص73) :

إنه كان لألوان الحق مُشاهداً، ولأثار الرسول عليه السلام مساعداً ومصاحباً. تصانيفه مدوَّنة مسطورة، وأقواله مبوبة مشهورة، وأحواله مصححة مذكورة، كان في علم الأصول راسخاً وراجحاً، وعن الخوض في الفضول جافياً وجانحاً، وللمخالفين الزائغين قامعاً وناطحاً، وللمريدين والمنيبين قابلاً وناصحاً". تلك كانت أوصاف المحاسبي كما قدَّمها أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء.

وبقليل من التأمل؛ نرى كيف تجتمع في هاته الكلمات البسيطة مناقب المحاسبي في جملتها : إتباع سنة ومشاهدة حق، وعلم راسخ وحال صحيح، ورفض لألوان الزيغ والبدعة، وتربية صادقة ورعاية مخلصة للمريدين والتائبين والمنيبين.

رَوَىَ المحاسبي في كتابه "العقل وفهم القرآن" صفحة رقم (287) عن أبي سعيد الخدريّ أن رجلاً أتاه فقال : يا أبا سعيد، أوصني فقال : سألت رسول الله ص أوصني فقال :"أوصيك بتقوى الله عزَّ وجلَّ، فإنها رأس كل شيء. وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإسلام. وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء، وذكرك في الأرض. وعليك بالصمت إلا في حق، فإنك تغلب الشيطان".

هذه وصايا أربع تلقاها أبو سعيد عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فتلقاها المحاسبي رواية عن رواية عن رواية، فما أحسبني أزيد شيئاً فيما لو قلتُ إنّ هذه الوصايا الأربع هى كل شيء من مطالب الذات المؤمنة، وهى بالطبع خيرُ ما يؤمّن المسلم ويقوى رياض إيمانه؛ ليكون على بصيرة من الوعي بحقائق الإيمان. فأولى الوصايا تدعو إلى تقوى الله وتصف التقوى بأنها رأس كل شيء. وهذا حق لا شك فيه، بل هو صدق لا يداخله ريب، وهل يداخل الريب كلاماً قاله المصطفىَ عليه السلام؟ فإن أصل الإيمان تقوى الله والعمل بهذه التقوى حتى الرمق الأخير. وإني لأسأل عبداً من عباد الله قد يغيب عنه معنى كلمة التقوى، فأقول : ألا تحب أن تكون في معية الله؟ ألا تريد أن يكون الله معك في الدنيا والآخرة؟

والإجابة بالطبع هى : نعم نحب ذلك ونتمناه، وإذن : فلتتق الله. ومعناه : أن تحترم وجود الله في داخلك، وأن تُقرنَ الاحترام بالعمل على الدوام، تحترم أنفاس الحق فيك قبل أن تتشدق بمعرفة الله مع الآخرين، ويوم أن تحترم وجود الله في داخلك هو اليوم الذي تراعي فيه حقوقه وترعى حدوده فلا تعتديها، ذلك هو اليوم الذي يوفقك الله فيه أن تكون سَيّاراً على تقواه، وما دمتَ على تقوى الله، فالله إذن معك، ومع جميع من يتقيه :"واتّقوا الله واعْلموا أن الله مع المتقين" (البقرة : 194).

وثاني الوصايا تدعو إلى الجهاد؛ فلولاه ما تمَّ إيمان مؤمن ولا صدقت سريرته في احتمال أشراط الإيمان والصبر على فرائضه؛ فمن المطلوب أن يجاهد المؤمن نفسه أولاً، وهو الجهاد الأكبر كما جاء في الخبر، ثم يجاهد نفوس الآخرين أن تقف له عائقاً عن مسيرة الجهاد. ومما لابد منه، في هذه العملية الجهادية أن يترصد نزغات الشيطان، وأن يقف لها بالمرصاد، إذْ يعني هذا الترصد عندنا رعاية الإرادة بحيث لا تحول الرغبات دون التنازل عنها، ولا رعاية على الإطلاق لإرادة مريدة فعّالة وصاحبها لا ينتقل في حياته على الدوام من جهاد إلى جهاد : من أول جهاد النفوس وصولاً إلى جهاد الاستقامة وجهاد الأسرار. فذلك بغير شك مطلبٌ من مطالب الرهبانية لا يستطيعه إلا أفذاذ الأبطال.

وإنك لتلحظ وصف الجهاد هنا بأنه "رهبانية الإسلام"، فالدلالة فيه أظهر من أن تخفى لأنها تشير إلى شدّة التّعبُّد. والرهبانية في اللغة هى الخوف الشديد، وهى كذلك التبتل الذي يصعد بالروح إلى أجواء عليا من الممارسة التطبيقية للمبدأ العَقَدي.

ومن بدائه الملاحظات في النسق القرآني إنك لتجد القرآن يحدثنا في جلاء ووضوح إن الله سبحانه لم يرسل رُسُله للناس لشيء أعز ولا أنفع للإنسانية من العبادة، فمن أقوال الحق كما جاء على لسان نوح عليه السلام :"ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه، فقال يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيرُهُ، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم". ومن أقوال الحق على لسان هود عليه السلام :"وإلى عادٍ أخَاَهُم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، أفلا تتقون". وفي رسالة شعيب عليه السلام :"وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم أعبدوا الله مالكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربِّكم". وفي الدعوة الإبراهيمية الرشيدة :"ولقد أتينا إبراهيم رُشْدَهُ من قبلُ وكنَّا به عالمين. قال أتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم. أفِّ لكم ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون". وفي بشارة عيسى ابن مريم :"إنّ الله ربي وربكم فاعبُدُوه، هذا صراط مستقيم".

لكأنما كان تخصيص الدلالة هنا على العبادة إشارة إلهية قريبة المفهوم قريبة الدلالة غير غائبة ولا خافية تقول ببلاغ للناس إنّ الضرورة واجبة في تقويم الجهاد على حَصْر النفس في زاوية التعبّد الشديد الذي وصفه رسول الله (ص) بأنه رهبانية الإسلام.

وثالث الوصايا؛ تدعو إلى ذكر الله وتلاوة القرآن فهما بلسم الروح المستشرفة إلى طوالع الملكوت، ومصدر القوة والشفافية فيها غير منازع ! بهما يجلو العبد الغشاوة من على القلب والنفس والعقل ودخائل البواطن والأعماق، فيصفو صفاءً .. وأي صفاء.

في ذكر الله نعمة إلهية تصل العبد بخالقه .. وأي اتصال. وفي تلاوة القرآن حكمة ربانيّة لا يعلمها إلا الله واهب الحكمة، أعنى إنه لا يعلم فواتح النعمة على من يتلو القرآن بحضور وترقب إلّا الخالق جلَّ وعلا، وفيها مغنمٌ إنسانيٌ وسرٌ من أسرار الفتوح لا يحيط بهما إلّا السعداء، ولا يظفر بهما إلّا من منحه الله جليل فضله وكريم عطاياه.

ورابع الوصايا توصي بالصّمت فهو الحكمة الناطقة، أو قُلْ هو الحكمة "المؤجلة"، لم يحن موعد تصريفها في مرافقها العليا، ولا جاءت لحظة النطق بها لتأدية مهمتها. الصمت هو الحكمة النازلة والمعنى السابح في أفق البيان، فيه قال سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه :" إذا رأيتم الرجل يصمت فاعْلَمُوا أنه يُلَقن الحكمة ". وما تميزت المعرفة بشيء عند قدماء الحكماء إلا بتميزها بالصمت المفكر الذي يدل على مخزون القوة والامتلاء من مطالب المعرفة العلوية في الذات المؤمنة، وظل شعارهم عليها يقول :"إنْ من يعرف لا يتكلم، ومن يتكلم لا يعرف". وقال أبو سليمان الداراني في المعرفة بالله إنها :  "أقربُ إلى الصمت منها إلى الكلام".

غير أن الصمت في بعض الأحيان بل وفي معظمها أيضاً كما يشاهد الآن في ساحات التملق والمداهنة لا يكون في الحق فضيلة، أي نعم ! لا يكون الصمت في كل الأحوال في الحق فضيلة بل الحق يُوجِبُ الكلام ويوجِبُ الثورة الكاسحة لقلب الأوضاع البالية في داخل النفوس وفي خارجها على السواء. ولا يستدعى الحق التهاون والاستكانة قيد أنملة . ومع ذلك؛ فمن الناس من إذا نطق لا يسكته إلا ألم يشكوه أو مرض يلمُّ به حتى ليتعب من يسمعه كل التعب ويملّ من حوله كل الملل ولا يسكته إلا إذا أحد آذاه. ومنه قول القائل : وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن ... ثرثارة في كل وادٍ تَخْطِبُ.

ومطالب الذات المؤمنة أن تعتدل بغير إفراط في مطالبها، فلا تميل بصاحبها إلى الصمت وهو ضعيف مخذول لكي لا يحجز نفسه وراء الكلام، وهو شاعر أو غير شاعر، بخواء الذات وفقر المضمون.

فهذه الوصايا الأربع إنما هى مطالب ضرورية للذات المؤمنة إنْ لم أقلْ مطالب ضرورية للنفس البشرية إذا أُرِيدَ لها الاستقامة، لتستقيم بها حيويّة المؤمن. وليس ينال المؤمن بالمحافظة عليها سوى تلك التركيبة الأخلاقية التي توظف العمل والسلوك توظيفاً إيجابياً نافعاً وهادفاً، تجمع بين حيويّات متعددة : حيوية الروح، وحيوية النفس، وحيوية العقل، وحيوية الذوق، وحيوية القلب، وحيوية الضمير الديني على الإجمال، ذلك الضمير المنزّه عن الأدران والآفات والأوساخ التي يُبتلى بها سفهاء الآدميين. ثم تجمع بعد ذلك حيويّات أخرى تتداخل فيها وتتشابك حتى ينصقل في الإنسان معنى الإنسانية، وفي الوقت نفسه ينصقل مبناه ويتماسك فحواه؛ ليكون من بعدُ مؤمناً على الحقيقة ينال من مطالب الروح أصدق الخصال وأفضل القيم وكل الفضل كله إذا حرص عليه وتوخَّاه.

* *  *

تقتضي مطالب الذات المؤمنة إدمان القراءة في كتب الصوفية بمنهجية ومعايشة وحضور. وإدمان القراءة في كتب الصوفية يورث الأدب ويقوي ملكة البيان ويضيف إلى النفس أجواءً من عوامل التهذيب، وهى قراءة تنفع وعلم يستفاد منه يوم يحاسب المرء على أعماله وعلومه فيما أودعها مذاهب الحياة. وليس كل مقروء من العلوم والمباحث والأفكار يورث عوامل التهذيب أو ينجم عن ملكات خفية باطنة رابضة في قاع الإنسان.

لكنما هنالك من العلوم ما يظهر قوى الروح حين تكون مظاهر المحسوس غمرتها وأخفتها تحت كثافة المادة وظلمة الأشباح.

فما يظهره الحسّ شبح لا روح فيه. وما تظهره الروح نور لا ظلمة فيه.

ومزيّة التصوف العظمى هى أن تُظهر تلك المواهب الروحيّة المطوية تحت كثافة المادة الحاجبة ثم تجلو مطالب الشعور والوجدان، وتنهض شاهدة على مذاقات قيم الوجود الروحي والأخلاقي في جوف الإنسان. مزيّة التصوف على قلوب العارفين كمزية التجربة الشعورية على فحول الشعراء : قلب كبير ملآن بقوة التجربة فيما يفعل أو يقول. ووجدان حساس ممتلئ برهافة الشعور ونقاء الوجدان. ولا يستطيب قراءة كتب التصوف إلا ذلك الذي صبر وذاق عصارة الأرواح واختبر المعاني الصافية النقية فتطلع إلى جميل الأوصاف وارتفعت نفسه عن أوْهاق المادة وغبن الشهوات.

ونحن؛ وإنْ كنا رأينا جانباً من مثال كان قدّمه المحاسبي في العقل وفهم القرآن؛ فهناك من هذه الكتب التي تشع النور في قلوب قارئيها كتاب "قوت القلوب في معاملة المحبوب" لأبي طالب المكي (386هــ) فهو جوهرة الطالب المؤمن لطريق الحق.

هذا الكتاب الذي قال فيه الإمام أبو الحسن الشاذلي رضوان الله عليه :"كتابُ القوت يورثك النور وكتاب الإحياء يورثك العلم"؛ وهما دعامة التصوف السّني على التحقيق كما أنهما غذاء الذات المؤمنة في أرفع مطالبها من الوجهة العلمية. لكأنما يقالُ لك أقرأ القوت كيما تنوِّر به صدرك، فإذا تنوَّر ما في الصدر وانجلى ما في القلب كانت هى غاية الغايات من التصوف الذي يرى أصحابه وعارفوه الحقيقة كليةً واحدةً لا تقبل التجزؤ والتفتيت؛ فهاهنا تكون وحدة الحقيقة ووحدة المعرفة التي يبحث عنها الباحثون في غير طائل وفي غير معوان من عمل القلوب. حين يقرأ القوت لا يقرأ كما يقرأ أي كتاب آخر ولا يعالج كما تعالج موضوعات بعض الكتب الأخرى إنما الصفحة الواحدة في القوت تشعُّ في القلوب الأنوار؛ لأنه يورث قارئه نورانية تجعل صاحبها في حالة من البسط الذي ينشرح معه الصدر، فيقبل مع الإخلاص على المعرفة بانشراح.

ومجموع الصفحات بما تتضمنه من فنون الأذواق وتشتمل عليه من مطالب الذات المؤمنة، تهز الوجدان هزاً عالياً يرقى بصدق لا ريب فيه. وليجرب القارئ الصادق حين يقرأ القوت أن يعامل الصفحة ولا يعامل الكم، ولينظر، من بعدُ، ما توحي إليه به الجملة الواحدة في العبارة الواحدة، في الفقرة الواحدة، في الصفحة الواحدة، وهو يعامل الصفحة ولا يعامل الكم.

قوت القلوب قوتٌ للأفئدة تغذيها المعاني العزيزة لا المباني الصخّابة، علومه علوم أذكار لا علوم أقوال. وبلاغة الصوفية كلها على وجه العموم من ذلك الجنس من البيان : بلاغة معاني لا بلاغة مباني، ولكن كلما لطفت المعاني لطفت تباعاً لها المباني؛ إذْ لطف الأواني في الحقيقة تابع للطف المعاني، والمعاني بها تنمو كما كان يقول ابن الفارض رحمه الله.

* *  *

الحقيقة إنه من المهم جداً تحديد المجالات التي يكتب فيها الإنسان؛ فهو إذا كتب في مجال العلم والبحث العلمي لا ينبغي عليه أن يخلط خلطاً عشوائياً بين مجال ومجال، فالمجال العلمي لا يصلح فيه استخدام الإنشاء الأدبي، ولا تجدي الإشارة إلى الذات فيه نفعاً، لأن مجال الإنشاء الأدبي لا يليق أن يكون محكاً لطائفة تنظر إلى ميادين البحث في العلوم : طبيعة أو رياضية، فتستغني عن الرمز والإشارة والمصطلح بكتابة الإنشاء الحُرّ في ميادين النظر والآداب. المعلوم أن البحث العلمي شيءٌ والخلق الأدبي شيءٌ آخر، لهذا مجاله ولذاك مجاله الآخر. بالتالي من المهم كذلك التفرقة بين المجالين، وهى تفرقة واردة بحكم البداهة المعرفية بين الإنشاء الوجداني وخطوات البحث العلمي، فلا يجوز أن نقحم الفاعلية الوجدانية في مجال العلوم والمباحث الطبيعية والرياضية، وكذلك ليس بالجائز أن تقحم تلك الفاعلية في أي ميدان قائم على قوانين مادية أو معادلات رياضية وحسابية اللهم إلا إذا كانت دائرة الوجدان في أول مقام هى بمثابة "الحافز" يُغذي النشاط العلمي ويزكيه.

ومن ها هنا يقوم فينا على هذا الكلام اعتراض نُجْمِله في هذا التساؤل : هل يخلو العلم من الوعي؟ وهل تتعارض مطالب الذات المؤمنة مع النشاط العلمي كنشاط إنساني يرتدُّ إلى الوعي ويتقرّر به جوهر الإنسان؟

بدايةً؛ أنا لا أنكر مثل هذا التقسيم المنهجي السابق، ولا أشجع الخلط بين ميدان وميدان، ولا أتجاهل الفروق الجوهرية بين البحث في مجال العلوم الطبيعية والرياضية، والبحث في مجال العلوم الإنسانية، وأقف على الفوارق بينهما في غير مكابرة؛ ولكني فقط أمسك بنقطة هامة أراني أحققها، وألفت الأنظار إليها من الوجهة الإنسانية، كمطلب روحي ليس يستغني عنه بحال ذلك العالم الإنسان.

ليس من شك عندي أن الإنسان إنسان بعاطفته وبعقله وبضميره. وبغير العاطفة القوية والمحبة الجارفة لا يستطيع باحث، كائناً ما كان أو مَنْ كان، أنْ يمضي في بحثه على يقين ثابت وخطوات واثقة في أي مجال من المجالات؛ فإذا قلنا إنّ ميدان العلوم كائنة ما كانت تلك العلوم، طبيعة أو رياضية، تحتاج إلى تنزُّهٍ تامٍ عن الغرض والهوى والعاطفة، وهذا صحيح من هذا الوجه، لكنه من وجه آخر ليس بصحيح صحة كاملة تامة ولا هو بالفرض المسلم بتحققه في دنيا الواقع إذا نحن رحنا نفتش عن الدوافع الإنسانية والعاطفية من وراء أنابيق المعامل وأنابيب الاختبارات والتجارب.

اختر لنفسك من نشاط الباحثين العلميين في أي مجال كانوا فيه يبحثون، ولك إنْ شئت أن تساءلهم : هل بإمكانهم أن يتجرّدوا مطلقاً عن عواطفهم ودوافعهم أو حوافزهم إلى العمل حين يبحثون ويعملون؟ وهل لهم أن يركنوا مباحثهم في جانب ويفصلوها عن عواطفهم وحوافزهم الشعورية وأحلامهم في أن تحقق هذه الأبحاث للإنسانية كل التقدّم والخير والازدهار؟ هل في استطاعة أحد أن يفصل فصلاً تاماً في تكوين الإنسان بين العاطفة والوجدان من جهة، وبين العقل والنظر العقلي أو البحث العلمي؟

أقول؛ لَكَ أن تسأل من تشاء حين تشاء، ربما لا تجد بعد الإجابة حافزاً واحداً يدفعهم إلى العمل وخدمة البحث العلمي غير "العشق". والعشقُ بكل ضروبه يُنسب في أول مقام إلى العاطفة ولا ينسب إلى العقل، ويتعزز من طاقة الوجدان ولا يتعزز من طاقة البحث العلمي وقوانين العلوم كائنة ما كانت.

ومن هنا، تدخل معنا فكرة الوعي الإنساني في أكمل وأتمّ مراحلها؛ فالإنسان إنسان بمقدار ما فيه من الوعي غير مفصول النسبة إليه في جميع مراحل حياته الواعية. والوعي، كما نعلم، أعمُّ وأكملُ من العقل ومن العلم سواء؛ لأنه قوة روحانية تشمل أجزاء الإنسان كله : ظاهره وباطنه، علمه وعقله ومداركه وعاطفته ووجدانه وما يعيه وما لا يعيه على اجتماع يتكاتف ويتعاون ويتكامل، ولا يتناقض ولا يتهافت، ولا يعلو عليه جانب على حساب جانب آخر. وإنه؛ كلما كانت هنالك فكرة في الذهن واضحة أستطاع الإنسان أن يستخرج منها علمه المعملي أو رؤيته النظرية تماماً كما يستخرج من عاطفته ووجدانه شتى ضروب الخَلْق الأدبي. يوم أن يتجرَّد الفرد منا عن الفكرة الواعية لهو اليوم الذي تكون فيه الأفكار العلمية والوجدانية على السواء خاوية من دلالة المعنى ودلالة التحقق والإفهام إلا أن تكون دلالة لا ترتفع عن المادة ولا تنهض بتقويم الإنسان.

يوم إن يتجرّد العالم عن الوعي فقد تجرّد عن الحوافز الباطنة للعلم وللقيم العلمية؛ لأن التّجرّد عن الوعي فيه إنكار ضمني لحقائق الكون الكبرى. والعالم الذي ينكر حقائق الكون يقول بأبلغ لسان إنه يجهل أخص صفات الإنسانية فيه : صفة "الوجود الروحي" التي تفرز بدورها العلم والوعي، وتفرز العقل، وتفرز العاطفة، وتفرز الضمير والوجدان، وتهيئ العالم أن يترقى في مدارج الكمال من طريق البصيرة. ولا يلزم إنكاره من بعدُ أحد أن يكون ما ينكره غير موجود أو إنه في حكم العدم. تجارب العلماء لا تصدق بغير هذا المنظار الواعي، ولأجل هذا كان الدفاع عن الوعي في أول مقام دفاع عن الوجود الإنساني، بظاهره وباطنه، بآماله وآلامه؛ لأنه دفاع عن كيان الإنسان جميعاً، دفاع عن كنه الحق فيه، عن الوعي الذي يلازمه في حياته، وبعد أن تغادر أنفاسه الحياة.

* *  *

تأكدت لدينا مطالب الذات المؤمنة فيما رأيناه في السابق من مصادر التصوف سواء لدى الحارث بن أسد المحاسبي أو لدى أبي طالب المكي فيما أشرنا إليه من كتابه قوت القلوب. والحقيقة أن الذي يخدم فكرة الوجود الروحي في الإنسان من قريب هو التّصَوف؛ إذْ كان ولا يزال هو القوة الخارقة لحجاب الحواس الظاهرة؛ لأن قوته الحقيقية تخدم جوهر الروح كما تخدم ذلك الوجود الروحي في الإنسان على التعميم. وجوهر الروح هو أصل هذا الكون كله وأصل قوانينه المسيّرة له. فهل كان التصوف بهذا المعنى يعادي العلم؟ وللإجابة على هذا السؤال يجدر بنا أن نلاحظ ملاحظتين : أولهما ملاحظة لا يمكن تخطئتها مطلقاً لأن موضوع التصوف ليس هو موضوع العلم بالنظر إلى المنهج، وإلى روح التصوف وجوهره، فقد أخفقت الدراسات النفسية الحديثة والدراسات الاجتماعية المعاصرة التي حدَّدت نفسها بالمادة، وتقيدت بالظواهر المادية المحسَّة الملموسة أو المرئية أو المسموعة أو المذوقة مذاقاً حسياً أو المشمومة؛ أخفقت هذه الدراسات في التقريب بينها وبين كل ما يتصل بالروح وبالوحي وبالإلهام السماوي وبالدين على وجه العموم.

وبما أن التصوف في جوهره روح وإلهام وإشراق فلا يدخل في مجال هذه الدراسات؛ لأن مجالها كما تقدَّم إنما هو المجال المادي، وأن كل ما خرج عن المجال المادي فليس يدخل في بحثها ولا تحت مرصدها ومخبرها ومسْبرها. ومن هنا كان اكتفاء هذه الدراسات بالمظهر والشكل، ومن هنا أيضاً كان إخفاقها كاملاً وفشلها ذريعاً يفجأ النظر؛ فكل ما قيل بلسان العلم عن التصوف لا يمس منه إلا المظهر والشكل، وليس منه فائدة من حيث الروح والجوهر. ولقد أخذ بهذه الملاحظة المرحوم الدكتور عبد الحليم محمود، وترددت في كتاباته عن العلاقة بين العلم والتصوف، وهى ملاحظة جديرة بالنظر كما ذكرنا، لا يُقدَح فيها؛ إذْ تتناول هذه العلاقة بين التصوف والعلم من ناحية منهجية. وقد كان يقول :"إنَّ ما نسميه العلم الحديث إنما هو العلم السائد في أوربا وفي أمريكا في العصر الحاضر. وقد ألزم نفسه إلزاماً تاماً ألا يخرج عن دائرة المادة، وحَدَّد مختاراً دائرته تحديداً دقيقاً بأنها المادة (ولا شيء سواها)، وربط نفسه بذلك ربطاً محكماً إلى درجة أن كل من يخرج عن المادة لا يسمونه عالماً، وأن كل بحث في غير دائرة المُلاحظ المُحس لا يسمونه بحثاً علمياً ... الأمر الذي ينفي نفياً باتاً أن يتصل العلم الحديث، من قرب أو من بعد، بجوهر التصوف ومفهومه الحقيقي.

أما الملاحظة الثانية فهى الملاحظة التي نتصوّر فيها نحن، نظراً لاختلاف المجالين، أن التصوف لا يعادي العلم أصلاً لأن كلاهما يكشف عن الروح الكونية من وراء الحُجُب المادية، ومن هنا يخطئ في نظرنا من يظن أن المعرفة العلمية تتعارض مع التصوف، وأن التصوف ضد العلم هذا الرأي لغو فضول وخرافة ظاهرة، فمن مهام التصوف أن يكشف بقوته الروحية حجب الغيب وراء ظواهر الحواس. ومن مهام العلم أن يسعي بطريقته إلى هذه الغاية وإن كان يبدأ بالحواس. المفروض أن هنالك وحدة تتكامل فيها المعارف ولا تتصارع ولا تتناقض، ومن هذه النظرة الواسعة يحق لنا أن نقول إنه لا تعارض في أن كلاهما (العلم والتصوف) يكشف المجهول؛ كان ألبرت أينشتاين يقول :"كل من يجتهد في طلب المعرفة العلمية، فسوف يأتي عليه وقت يُوقن فيه أن هنالك روحاً تعبّر عن وجودها قوانين هذا الكون ... وهى روح تسمو سمواً عظيماً فوق الإنسان ... ونحن بقدراتنا المحدودة نحسُّ في مواجهتها أننا متواضعون إلى أدنى درجة". وتلك كانت بالضبط هى الروح التي توجهت إليها همم العارفين، أفلا يلتقي التصوف في الغاية مع العلم فيما لو أخلص لهما باحثون مخلصون فحرروهما من التضييق والتحجير. وكما يكون هناك تكامل في وحدة المعرفة البشرية يكون هنا تكامل في الملاحظتين السابقين. أحداهما تنظر إلى المنهج والأخرى تتجه إلى الغاية، وكلُّ يصل إليها بطريقته في غير تعارض إلا أن يكون من جهة الشكل الخارجي والمظهر البَّرانيِّ ويبقى الجوهر الباقي لا خلاف عليه.

* *  *

التصوف قوة واقتدار، لكن قوته لا تتأتى لكل إنسان كما لا يتأتّى اقتداره لأي إنسان ما لم يكن في ذاته أهلاً لكسب هذه القوة وذاك الاقتدار. والتصوف ليس ضعفاً؛ لأن الضعيف لا يكتسب الفضائل العالية، ولا يقتدر على الدوام لمشروعية الاكتساب وأهلية الاقتدار وهما بغير ريب تلك الرقابة الباطنة على الضمير والمجاهدة الدائمة لأهواء النفس وملابسة الشهوات، وهما سرُّ الإخلاص في سبيل الغاية.

ما من ضعيف هو ضعيف إذا أراد فعمل بهذه الإرادة كسباَ شرعياً لفضائل الأخلاق، وبما أن التصوف خُلق يحتاج إلى صفاء، صارت أفضل الفضائل للنفس الزكية هى التخلق بأخلاق الله، وأن يكون روح التصوف خلال صحبه أربابه وذويه، وهم أعلى الناس فضلاً واقتدراً، تعكس بالإيجاب فضله وبالقبول قيمته التي هى فيه.

ومن لطائف الله عليهم بالعرفان أن جُعلت لطائفهم فضلاً ممدوداً من الله لا وارداً من عطايا البشر. وعلى الله فيما تتوجه به قلوب المتصوفة قصد السبيل. ومن أجل ذلك؛ كانت الكتابة في التصوف عبادة. والقراءة في كتب الصوفية كذلك عبادة : عبادة من شأنها أن تُعرّف القارئ خطوات الطريق إلى الله تعالى، وأن تمسك شعوره على هذه الخطوات، وكل عبادة لا تكون على نفس هذا المحور من معرفة تعاليم السلوك، تدور عليه ولا تفارقه فهى أولى بالإهمال.

وكتب الصوفية، كما تقدَّم، رقائق، ترقق القلوب وتهذب الضمائر وتفضي إلى معرفة قواعد السلوك قربة من الله من طريق الأنس مع أحوال العارفين؛ أصحاب العلاقات الطيبة مع الله سبحانه، فهى من أجل هذا تجيء قرأتها عبادة من أشرف العبادات، فقد يكتب الله القبول لكل كلمة ينطق بها عارف من عارفيه؛ إذْ العارف بالله ينطق بما يجرى الله على قلبه لا بتكلف ولا بتصنُّع ولا بادعاء، ولا ينطق بما هو موجود عنده من أقوال منقولة من كلام الناس على اختلاف أهل القول فيما ينطقون ويقولون! وكما تكون القراءة في التصوف عبادة، تكون الكتابة كذلك قُرْبَة من الله واتصال به سبحانه؛ فهلا كنا بما نكتب ونقرأ من كلام العارفين قريبين من الله؟ هيهات ثم هيهات؛ فالكتابة والقراءة لا تفي بغرض القربة ولا بغاية التقريب إلا أن تنقلب إلى عمل وتتحوَّل إلى حياة.

وإذا كانت القراءة والكتابة عملاً فيلزمه الصدق ويلزمه الإخلاص. والمخلصون على خطر عظيم. وبما إن أذواق أهل الإشارات مخلوطة بأرواحهم ممزوجة بضمائرهم معجونة بالسريرة الباطنة التي يُعوّلون عليها في مداركهم للأمور الغائرة ولا يعولون على شيء سواها، فقد تبدو بعيدة المدى عن مدارك المحجوبين.

أذواقهم مواجيد وإشارات تعكس طبيعة العلم الذي يتحدثون به وعنه وفيه، حديث المجرب لا حديث العالم؛ فالعالم بالشيء ليس هو المجرّب له، وكل تجربة روحية فريدة هى في طبيعتها عَالَمُ وحده، عالم مليء بالأنفاس الصادقة والمعاناة المخلصة والعلاقة الطيبة مع الله في سبيل الله وعلى قصد الله.

وليس يعرف لهذا العَالَم معلماً واحداً يدل عليه إلّا من يقف فيه من الداخل، لا خارج عنه، ولا دارس له، ولا قارئ لمجرد القراءة أو الدراسة : التجربة مع الله "علاقة" وليست "قراءة". هذه العلاقة تعجز العبارة عن التعبير عنها بوجه من الوجوه؛ فيجيء الرمز فيها أو تجيء الإشارة تؤمي إيماءً إلى حال صاحبها : تصفه وليست هى بواصفة، وتعبر عنه وليست هى بمعبرة، ومن هذه الجهة كثر الإنكار على أهل الإشارات؛ لقلة الفهم لأذواقهم ومواجيدهم، وهم أهل الكمال في هذا الميدان.

من حكماء الإشارة في تراثنا الروحي ذلك الحكيم الذي عنىَ عناية فائقة بتحليل الأذواق المعرفية بمقدار ما عنى بمطالب الذات المؤمنة في أصل عنصرها الرفيع، وأعني به الحكيم الترمذي ( ت320 هـ)، صاحب كتاب "ختم الأولياء " النتاج الأصيل في التراث المعرفي الصوفي، والثمرة الناضجة للذوق الصوفي العميق، والمجهود المبارك لصميم التفكير الذاتي سواء في ذلك النشاط الرائع على مستوى "الصدق" أو في مستوى "المنَّة"؛ أي في مستوى الجهد البشري الخالص، أو في مستوى النعمة الإلهية السامية (ختم الأولياء : ص 93 وما بعدها). فإن أعزَّ مطالب الذات المؤمنة قبول بشرى الأولياء؛ فهو مطلب عزيز ولا شك رهين بأكبر التضحيات. يحدثنا الحكيم الترمذي في هذا المقام الأسمى عن موت نفوس الأولياء وقبول بشراهم بعد أن أعطاهم الله تعالى طهارة القلوب وعلم التوحيد ومعرفة الآلآء؛ فاطلع قلوبهم مُلكاً مُلكاً، وقطع لهم من كل مُلك حظاً، وأوصلهم إلى نجواه ومجالسه القدسية، وأمات نفوسهم عن جميع الشهوات : دنيا وآخرة، فامتلأت قلوبهم بعظمة الوحدانية، فأنىَّ يستفيقون لذكر النفوس؟ (ختم الأولياء : ص390).

لكأنه إذا امتلأ قلب الوليّ بمناجاة الله فلا شأن له، من بعدُ، بدنيا ولا بآخرة؛ فشواغله القدسية تجعله في معزل عن الأغيار لأنها مصروفة إلى الجناب الأعلى، مشغولة على الدوام بعظمة الوحدانية، فإذا أماتهم الله تعالى - هكذا يقول الترمذي - فهم لا يلتفتون إلى طلب فايدة أو علم أو حكمة حتى يكون هو الذي يفيدهم ويدلّهم، ولا يلتمسون رياسة ولا ميل الخلق إلى ما جاءوا به، حتى لا يصير الالتفات حجاباً لهم عن خالقهم. وبعد هذه الأشياء، بُشِّروا بفوز العاقبة.

فلو لم يكن في قلوب الأولياء إلّا حُسن الظن بعطاء الله؛ لكان تحقيق ذلك الخبرُ على قلوبهم، فكيف بالفراسة والإلهام والحق والحكمة وروح الجلال، وعجائب مطويّة في قلوبهم؟ فكلها محقق ومصدق هذا الخبر. ثم السكينة تُلقي الخبر في القلب فيقبله القلب؛ فكيف يمكنه (= الولي) ردّه (= خبر البشرى)؟ (ختم الأولياء : ص 390). وواضح أن الحكيم الترمذي يقطع ببشارة الولي قطعاً لا مرْيَة فيه؛ فإذا كان الأولياء قد أوتوا من مواهب الفضل والتوفيق ما هو أعلى من البشارة؛ كالفراسة والإلهام والحق والحكمة وروح الجلال وكل العجائب المطوية في أفئدتهم المستنيرة بنور الحق وضياء الموافقة؛ فلا أقلّ من أن يكون خبر البشرى مصدقاً على التحقيق؛ ناهيك عن أن سكينة الولي هى التي يعوّل عليها حين تُلقي خبر البشرى في قلبه، فيقبله القلب ولا يردّه الولي بوجه من الوجوه. وعليه؛ فقبول بشرى الأولياء يجيء من موت نفوسهم عن المطامع الدَّنيّة، وامتلاء قلوبهم بعظمة الوحدانية؛ فبشاراتهم طوالع نور صادرة من حسن الظن بعطاء الله.

وتحدّث الترمذي في معرفة الله، فكان من حديثه أن وجد دين الله عزَّ وجلَّ مبنيّاً على ثلاثة أركان : على الحق، والعدل، الصدق. فالحق على الجوارح، والعدل على القلوب، والصدق على العقول. وجميع هذه المعايير (الحق والعدل والصدق) إنما هى أساس الدين، يلتزمه الإنسان لو شاء أن تكون المعرفة بالله طريقه ومراده. فهو بالحق يضبط الجارحة، وهو بالعدل يزن القلب، وهو بالصدق يفقه حكمة العقل؛ فلو كان على طريق الحق؛ فعليه بخدمة الجوارح؛ فإذا أفتقد الحق من عمل خَلَّفه الباطل. ولو كانت على طريق العدل، فعليه بخدمة القلوب؛ فإذا أفتقد منه العدل خَلَّفه الجور. ولو كان على طريق الصدق، فعليه بخدمة العقول؛ فإذا افتقد منه الصدق خَلَّفه الكذب.

فهذه الثلاثة (الجور والباطل والكذب) أضداد المعرفة؛ لأنها جند الهوى؛ فللهوى جنوده كما أن للمعرفة جنودها من الحق والعدل والصدق. ولا يعرف الله من اتخذ من جنود الهوى سبيلاً في هذه الحياة، فكان بالباطل يبطش وينظر ويتكلم ويرى ويسمع، ويجرح بالجوارح أقدار الحق في عباده. وكان بالجور يظلم ويفتري ويتجبّر ويستطيل فتموت فيه اللطيفة الربانيّة المودعة في دخائله؛ ليحيا كما تحيا البهيمة في غير حياة. وكان بالكذب موصوفاً، وبالباطل منعوتاً، وبالجور مُشاراً إليه، فلا هو من المعرفة قريب، ولا هو من الدين على فهم أو على تجريب. إنما المعرفة بالله لا تكون إلّا على العدل من القلوب، وعلى الحق من الجوارح، وعلى الصدق من العقول. وفي الحق وفي العدل وفي الصدق القيم العلويّة المباركة التي لا يتخلى عنها إنسان يعرف كرامة الإنسانية في جميع الأحوال.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

كنا قد إنتهينا إلى القول: - بأن مبدأ الشورى أساسي و لازم من لوازم الإمامة -، والشورى بمعناها العام هي حكومة الشعب التي تكون بالإنتخاب أو الأختيار، والإمامة هي مؤوسسة مسؤولة عن تحقيق العدالة والنظام والقانون بالفعل بين الناس، هي مؤوسسة إجرائية تنفيذية تنحصر مهامها الرئيسية بالعمل في إدارة البلاد عبر المشاركة الجمعية، كما إن لها وظيفة أخلاقية وثقافية في تعميم قيم الحرية والسلام .

وبمقدورنا القول: - إن هذه الأشياء الحيوية أرادها الكتاب المجيد وقصدها وسعى لها عبر دائرة النصوص الحاثة و المرشدة إلى ذلك، وللتنويه والإعلام فقط نقول: إننا قد أعتمدنا في بحثنا هذا وما سبقه من بحوث، على نصوص الكتاب المجيد بإعتبارها المصدر الوحيد والرئيس في التشريع وفي الإجتهاد، وهذا يعني إننا لم نعتنِ بما ورد في كتب الأخبار من روايات وقصص، لقناعة منا راسخة في عدم إعتبار الأخبار حجة يمكننا الإستفادة منها في البناء والتأسيس، وفي هذا ننطلق من علم وتحقيق أشار لنا بوجود ذلك الخلل الواضح فيها من جهة تأريخها وزمنها وسندها ومضمونها، ومن هنا فالأخبار عندنا لا تصح المحاججة بها ولا في إعتمادها كحجة أو دليلاً في إستنباط الأحكام، وأكثر ما يُستفاد من الأخبار هو بالأستئناس بها بشرط صحتها وموافقتها لنصوص الكتاب، كما يمكن الأخذ بها في أدلة السنن من الأخلاق والشمائل !! .

 والحق إن الأخبار أو ما يسمى (بالسُنة) ماهي إلاَّ ظنون لا يمكن جعلها بمصاف االكتاب أو صنو له في عملية الإٍستنباط، ولهذا فهي لا تصلح البتة في عملية الإجتهاد الفقهي ناهيك عن الإجتهاد العلمي والفلسفي، الذي يتطلب الدقة والوثاقة الموضوعية، ومن باب التذكير نقول: - الأصول المعتمدة عندنا في الإستنباط والإجتهاد، هي كتاب الله المجيد والعقل -، الذي هو الدليل الدال على الكتاب، وأما الإجماع: - فليس عندنا بشيء بشقيه، سواء أكان الإجماع المحصل أو المنقول -، والإجماع المُدعى لا يصلح في عملية البحث والإجتهاد، لأن مستنده معلوم وهو الأخبار والتي عندنا لا تفيد إلاَّ الظن والذي لا يغني من الحق شيئا، وقديماً قالها الإمام الصادق: - أعرضوا اخبارنا على كتاب الله، فإن وافقه فخذو به، وإن خالفه فردوه أو إضربوا به عرض الجدار -، هذا هو المعيار وهذا هو الميزان، بالإضافة إلى إشكالية زمن التدوين وطبيعة الرواة وطبيعة النظام السياسي الذي كان سائداً، والأمر نفسه ولو بنحو أخر وجدناه عند الإمام أبي حنيفة الذي لم يصح عنده من الأخبار سوى سبعة عشر، حين بنى مذهبه وأقامه، مع الإشارة: إلى إن الإمام أبوحنيفة كان قريباً نسبياً إلى زمن الرسول عليه السلام، ومع ذلك أعرض جانباً عنها وقال مقولته تلك .

 نحن إذن أمام إشكالية معرفية تلف مجمل تراث المسلمين، ولا يجب القفز عليها متسلحين بالتقليد الأعمى والإيمان السطحي، الذي لا يقوم على دليل وعلم وبرهان، ثم إن - الآبائية - في الفهم مرفوضة ومنبوذة من عند الله ولهذا قال تعالى: - [.. قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ...] - البقرة 170، في صيغة الرفض وعدم الإتكاء عليها في الإيمان والإعتقاد، ذلك لأنها سلوك فض وينم عن جمود وتحجر ولذلك فهي مرفوضة، ولأنها أيضاً ضد التدبر الذي دعا إليه الله في قوله: - [ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها] - محمد 24، فعدم التدبر هو مذهب الآبائية وسلوكها في الفهم والتبني، وهو نفسه الذي يقود إلى التقليد الأعمى المنهي منه، ويمنع عن قصد الإجتهاد والبحث والتحقيق .

نعم إن هناك ثمة فئة من الناس أستسلمت للتقليد وآمنت به، وهي لا تتقدم خطوة من أجل التحرر والإنعتاق من هذا التحجر والضيق في النفس وفي الأفق، وشعارها الدائم هو - البقاء أو الإبقاء ما كان على ماكان - .

 وفي بحثنا هذا وكغيره من البحوث السابقة، إنما نعتمد و نلتمس وندعوا للنظر والتعمق من غير هآلات قدسية مزعومة، كما أن حُسن الظن القدري بالمتقدمين لا يعيننا في فهم ما يريده الله والناس منا، فثمة زمن مختلف وثمة إرادة ومُريد مختلف، وإلى ذلك نسترعي الإنتباه ..

 

ونعود للقول: هل المقصود في كتاب الله هو الإمام أم الإمامة ؟

و بحدود علمي القضية تحتاج إلى شيء من التأمل، والقضية لا تعني التفريق بقدر ما تعني العلاقة الزمنية، ومن أجل بيان أكثر سنأخذ على ذلك مثالاً من الكتاب المجيد، قال تعالى: - [... وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا] - الأنبياء 73، والملاحظ في النص: - إن الفعل والضمير يعود على المتعلق به وهم من يقومون بفعل الهداية -، والوصف بالهداية وصفاً تعريفياً يعود على الأمر الذي ينفع الناس، وكأن الأئمة هنا هم عنوان ثانوي وإنما المُراد هو العنوان الأولي، أي ما يقومون به من وظائف وأعمال، من نشر العدل وردع الظلم وتعميم السعادة وتوفير الأمن والإستقرار للناس والمجتمع، ومنه يتبين: - إن أصل جعلناهم - إنما جيء به لهدف معين وهو تحقيق العدالة، وليس جعلناهم ليكون أئمة بالمعنى الشخصي الخاص -، فهذا لم يكن المقصود ولا المطلوب في الكتاب المجيد، ثم لا يجب التركيز على مفهوم وحدانية الإمام بالمعنى العددي، بل المقصود هو مؤوسسة الإمامة بإعتبارها الضامنة لهذه الحقوق، وأما الإمام بالمعنى الشخصي - فهو إنسان من الناس ويجري عليه ما يجري عليهم، وهو محكوم عليه بالعدم - وهذا ما يناسب طباعه الواقعية من الموت وغيره (و الله لا يريد لمؤوسسة الإمامة أن تموت)، قال تعالى: - [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة] - الأحزاب 21، والرسول (الإمام) لا يكون أسوة إلاَّ في الرسالة (أعني الإمامة)، والرسول يموت ولكن الرسالة لن تموت .

 ويجري في السياق نفسه قوله تعالى: - [وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ..] - السجدة 24، والصورة هي ذاتها فجعل الأئمة متعلقة رتبة بهدآية الناس لما أمر الله به، وأمر الله متعلق بالعمل الصالح وإصلاح شؤون العباد والبلاد، والجعل في النص إرشادي لطبيعة الوظيفة التي سيضطلع بها الأئمة، وقد ورد في الأثر التأكيد على ذلك بقوله عليه السلام: - (بُني الإسلام على خمس الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية ..)، ومع إن هذا الخبر فيه ضعف بنيوي ومعنوي، لجهة وقوع الوصف على الإسلام وليس على الإيمان، والصحيح القول: - (بُني الإيمان على خمس، الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والولاية ..)، حتى يستقيم المعنى المُراد ..

وأما الولاية: فهي الإمامة أو القيادة أو الحكومة،

ولا يصح جعل - الصلاة والزكاة والحج والصوم ... - من فرائض الإسلام، بل الصحيح إنها من فرائض الإيمان، وبين معنى الإسلام ومعنى الإيمان فارق نجده في الكتاب مسطورا، فالإسلام هو: - (التوحيد، والإيمان باليوم الأخر، والعمل الصالح)، وأما الإيمان فالمُراد به خصوص الإيمان بنبوة محمد عليه السلام ورسالته، مما يعني إن هذا الخبر المروي عن الإمام الباقر ليس صحيحاً من ناحية البناء والتركيب، فالصلاة والصيام وكذا سائر الأعمال والعبادات فرائض إيمانية تتعلق بالرسالة التي جاء بها محمد، وهي ليست من فرائض الإسلام كما يروج لذلك في التاريخ والخبر .

 وجعل الولاية في سلة العبادات والأعمال والوظايف يخرجها من دائرة الإعتقادات، فالولي هو الحاكم والولاية هي الحكومة والتي هي من خصائص الإيمان وليست هي من عقائد الإسلام، فالوالي هو الشخص الذي ينتخبه الناس بعد أن يحصل على غالبية الأصوات، وعندها يكون هو الحاكم والإمام، وأصدق مصاديق ذلك ولاية الإمام علي حين بايعه الناس جميعاً وأختاروه للخلافة والحكم، إذ ليس في التاريخ الإسلامي شبيه لما حدث مع الإمام علي من إنتخاب حر، وقد قال في وصف ذلك: - [فما راعني إلاَّ والناس إليَّ ينثالون عليَّ .. ] - نهج البلاغة الخطبة الشقشقية، وبهذا اللحاظ يكون مقام الولاية من حيث الإعتبار وظيفة إجتهادية وليست نصيه أو وراثية وهي كالصلاة والزكاة والحج والصوم من الأمور الوظيفية التكليفية، بمعنى أنها وظيفة وتكليف عملي كباقي التكاليف التي يجب العمل بها حسب شروطها الموضوعية، وأهم عنصر في هذه الشروط هو إنتخاب الأصلح والأعدل والأكفأ وإن كانت هذه من الصفات النسبية، ولكن المعيار والمناط فيها هو ما يحقق للناس العدل ويجنبهم الشر، ومن يُنتخب بناءاً على ذلك فعليهم طاعته وإتباع أمره حسب الضوابط والحدود، فإقامة الولاية تكليف واجب كالصلاة والزكاه والحج والصوم لمن يكون أهلاً لها ..

وهنا يسأل زرارة بن أعين راوي هذا الخبر فيقول: وأي شئ من ذلك افضل ؟

فيقول الباقر: [أنها الولاية، لأنها مفتاحهن، والولي هو الدليل عليهن]، والباقر يعني: - إن الولاية هي مؤوسسة للحكم يقع على عاتقها، توفير الشروط الموضوعية اللازمة للعيش الكريم بما فيه من إقامة للفرائض والأعمال من غير خوف أو إكراه -، أعني إن الولاية توفر الأرضية المناسبة للإستقرار و الأمن، صحيح إن العبادات هي تكاليف مقصودة في ذاتها، ولذلك فأثرها وتأثيرها يبقى محصوراً في دائرتها، وأما الولاية فتخرج هذه العبادات من حيزها الطقوسي إلى حيز العمل والإستقامة والبناء والتقدم، لذلك جاء الإستدراك بالقول: ـ (أولئك المحسن منهم يدخله الله الجنة لفضله ورحمته)، وكأنه يريد بهذا الإستدراك القول: - إن الولاية الصالحة تجعل من إقامة التكاليف والعمل الصالح جزءاً من منهجها، وعليه فالولاية أو الإمامة هي التي جعلها الله للناس، لكي تقوم بهذا الدور .

وليس شرطاً بل ليس واجباً أن يكون الإمام عالماً أو يعلم الغيب، لأن العلم بالغيب شأناً خاصاً بالله وحده، وقد دل الكتاب المجيد على هذا في جملة نصوص، وليس فيها ما يدل على إنه قد فوض هذا العلم لواحد من أنبيائه، حتى حينما قال: - [عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلاَّ من أرتضى من رسول] - الجن 26، وحتى هذا العلم الذي أُظهره الله لبعض رسله (والمقصود بهم بعض الملائكة) وليس الرسل من البشر، هؤلاء إنما يطلعهم الله على الغيب لغاية محددة، وهي فهم وإدراك ما يؤدون وما يحملون للإنبياء الذين يتواصلون معهم، وهذا الغيب حين يصل للنبي لا يعد غيباً بل يصبح بعد ذلك علماً عادياً، وقد مر الكلام عن ذلك في شرحنا للنبوة فلا نعيد .

 والكلام في هذا وفي معناه هو: - إن ما لا يصح للنبي ولا يكون فمن باب أولى إنه لا يصح للرسول أو الإمام ولا يكون -، -

ولايجب أن يُفهم من معنى الحصر في نسبة الإمامة لخصوص أئمة أهل البيت عليهم السلام، المعنى التعبدي القهري بل إن معناه الحصر النسبي، والذي يعني نفي حاكميت الطواغيت والظلمة، وقد جاء في تفسير نور الثقلين ما يشير إلى هذا بقوله: - (أعرفوا الله بالله والرسول بالرسالة وأولي الأمر بالمعروف والعدل والإحسان) - نور الثقلين ج1 ص 507، ودلالة الحصر هنا معناها الحصر النسبي في زمنهم لعدم أهلية من تقدموا للحكم والولاية آنئذاك، ولا يستمر الحصر هذا حتى في زمن الغيبة، لأن ذلك يقتضي تعطيل للحدود والأحكام ونظام الجماعة .

إذن فتصحيح الفهم تجاه معنى قوله تعالى: - (أُولي الأمر) -، يقودنا للقول: إن جملة - أولي الأمر - دلالتها عامة مطلقة وتشمل كل من صح إنتخابه من قبل الشعب والأمة، وقد قيل في معناها أقوال منها:

الأول: إنها تعني جميع الأمراء والحكام .

والثاني: إنها تعني خصوص الأئمة الأثني عشر .

والثالث: إنها تدل على ما يناسب الحكم والموضوع، أي إن كل من له حق في الأمر والحكم هو ولي للأمر [وهذا يتم بالإنتخاب أو الأختيار الشعبي]، ومن ثبت له ذلك وجبت إطاعته والإنقياد له .

ولا يخفى إن: (مفهوم الأمر والحكم لا يتعلق بالعصمة)، بل يثبت معناه لكل من كانت حكومته قائمة على الإختيار والإنتخاب، ومثال ذلك: - حكومة الإمام علي - التي كانت عن طريق الإنتخاب الشعبي، ولهذا تجب طاعتها وطاعة ولاتها، ومعلوم إن الطاعة مشروطة بهذا القيد (أن لا تؤدي الطاعة إلى ظلم وفساد في المجتمع)، وقد ورد في الأثر قوله: - (من يطع أميري فقد أطاعني، ومن يعص أميري فقد عصاني) - تفسير الكشاف ج 1 ص 212، وكتاب الإمارة لمسلم ص 15 .

 وأما القول الأول: فلا نصوبه ولا نؤيده ذلك لأن مفهوم العموم فيه مشعر بصحة حكم الظالم، والظالم لا يكون إماماً وحاكماً قط، إذ كيف يجوز للظالم أن يُنصب نفسه للإمامة؟، والإمامة هي مؤوسسة حكم وإدارة هدفها تحقيق العدل ورفع الظلم، والشعب الذي ينتخب ظالماً أو يُنصب الظلم، فكمن أسترعى الذئب على غنمه ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

11 جمادي الثاني 1440 هجرية

 

علي جابر الفتلاويإذا تصفحنا الجزء الأول من تفسير الميزان للسيد محمد حسين الطباطبائي، وجدنا مقدمتين، الأولى بعنوان (المقدمة – دفاع عن الميزان) كتبها آية الله جوادي آملي. والثانية بعنوان (المقدمة) كتبها مؤلف التفسير السيد الطباطبائي، وسندرس المقدميتن. نذهب ابتداء لمقدمة الميزان للسيد الطباطبائي، بيّن السيد الطباطبائي بعد أن حمد الله تعالى، وصلّى على النبي محمد (ص) وآله ( ع)، الغاية من مقدمة كتابه (الميزان في تفسير القرآن) قال: نعرف فيها مسلك البحث عن معاني القرآن، بعدها عرّف التفسير: (هو بيان معاني الآيات القرآنية والكشف عن مقاصدها ومداليلها)، وأكد أن علم التفسير بدأ منذ عصر النزول، ولكن بشكل مختصر،واستدلّ على ذلك بالآية الكريمة: (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكّيكم ويعلّمكم الكتاب والحكمة).(1)

ومسألة أنّ علم التفسير بدأ منذ العصر الأول لنزول القرآن أمر متفق عليه بين المسلمين، (تفسير القرآن بالمعنى الحقيقي بدأ منذ عصر الرسول (ص)، بل منذ بدء نزول الوحي إلا أّنّه كعلم مدوّن بدأ زمن أمير المؤمنين علي (ع) كما تجمع على ذلك أقوال المؤرخين، والمفسّرين، ورجال هذا العلم يصلون بسلسلة أسانيدهم إلى الإمام علي (ع) .)(2) (ولم يكن يسمى علما في ذلك الوقت).(3) بل تحفّظ البعض أن يعّد التفسير علما؛ يقول ابن عاشور: (وفي عدّ التفسير علما تسامح)(4)

بعد أن ذكر الطباطبائي تأريخ علم التفسير منذ عصر النبوة حتى العصر الحديث   - علما أنّه توفي عام (1981م) - قال: كانت الطبقة الأولى من مفسري المسلمين جماعة من الصحابة والمراد بهم غير علي (ع)، نرى أنّه أخرج الإمام علي (ع) من طبقة مفسّري القرآن الأولى، لا لكون الإمام (ع) لم يكن مفسّرا للقرآن، بل لأنّ علم الإمام والأئمة من ولده لهم (نبأ آخر) حسب تعبيره، أي أن علمهم خاص متميّز عن علم الصحابة الآخرين، وأضاف: أنّ من مفسّري الطبقة الأولى، إبن عباس، عبد الله بن عمر، وأبيّ، وغيرهم، يرى أنّ تفسيرهم لا يتجاوز عن بيان ما يرتبط بالآيات من معانٍ أدبية، وشأن النزول، وقليل من الاستدلال بآية على آية، وقليل من التفسير بالروايات المأثورة عن النبي (ص)، والقصص القرآنية، ومعارف المبدأ والمعاد وغيرها. السيد الطباطبائي يرى أنّ هذه هي أهمّ  محاور التفسير عند مفسّري الطبقة الأولى، واستمرّ هذا الاتجاه التفسيري في عهد التابعين، كمجاهد وقتادة وابن أبي ليلى والشعبي والسّدي وغيرهم في القرنين الأولين من الهجرة. يرى الطباطبائي أن طبقة التابعين لم يزيدوا شيئا على طريقة الصحابة، سوى أنّهم زادوا من التفسير بالروايات، وفي هذه المرحلة دخلت ضمن روايات التابعين الإسرائيليات، خاصة فيما له علاقة بالخلقة، كخلق السموات والأرض والبحار، وقصص الأنبياء وغيرها لكنّه لا ينفي ورود بعض هذه القصص عن بعض الصحابة.

وفي العهد الأموي والعباسي، انتشر علم الكلام والفلسفة، وظهر التصوف مقارنا لانتشار البحث الفلسفي على حدّ تعبير السيد الطباطبائي، لكن الاتجاهات الكلامية والفلسفية والصوفية في التفسير لم تكن عامة، بل بقي (جمع من الناس وهم أهل الحديث على التعبد المحض بالظواهر الدينية من غير بحث إلا عن اللفظ بجهاتها الأدبية)(5) أي رغم انشغال البعض بالرياضات الروحية والنفسية بعيدا عن الاتجاه العقلي، بقي هذا الاتجاه عند طبقة من المفسّرين، شيوع هذه الاتجاهات التفسيرية أدّى إلى إن يتفرق المفسّرون في طرق البحث عن معاني الآيات.

تكلم الطباطبائي في مقدمة تفسيره أيضا عن المحدّثين، وصفهم أنهم اقتصروا على التفسير بالرواية عن السلف من الصحابة والتابعين، فساروا حيث يسير بهم المأثور  ووقفوا فيما لم يؤثر فيه شيء، أو عدم ظهور المعنى في الآية،أخذا بقوله تعالى: (والرّاسخون في العلم يقولون آمنّا به كل من عند ربّنا)(6)

لا يتوافق السيد الطباطبائي مع مفسّري هذا الإتجاه وقال عنهم: قد اخطأوا في ذلك فإنّ الله لم يبطل حجة العقل في كتابه. كذلك لم يتوافق مع أصحاب الكلام، لأنهم يأخذون من التفسير بما يتوافق مع مذاهبهم، والآية التي تتقاطع يذهبون فيها إلى التأويل، وعنده هذا من التطبيق وليس من التفسير، ويعني بالتطبيق أنهم يحملون آراءهم على الآية ويأولونها بما يتطابق مع ما يذهبون إليه في مذهبهم، في حين يفترض أن يكون القرآن هو المرجع الذي يفصل بين المعنى الصحيح وغير الصحيح. تأويل الآية وفق آراء المذهب هو التطبيق الذي يتعارض والهدف من تفسير القرآن. رفض أيضا الاتجاه الفلسفي في التفسير وقال عنهم: عرض لهم ما عرض للمتكلمين من المفسرين من الوقوع في التطبيق، وتأويل الآيات التي في ظاهرها مخالفة للمسلمات الفلسفية، حتى أنهم خالفوا الفرضيات والعلم الطبيعي.

 رفض الاتجاه الصوفي في التفسير،لأنهم اهتموا بالباطن دون الظاهر، طريقتهم اقتصرت على التأويل أيضا، ذهبوا إلى تفسير الآيات بحساب الجمل، والحروف النورانية والظلمانية، يقول: (من الواضح أن القرآن لم ينزل هدى للمتصوفة خاصة، ولا المخاطبين به، هم أصحاب علم الأعداد والأوفاق والحروف، ولا أن معارفه مبنية على أساس حساب الجمل الذي وضعه أهل التنجيم، بعد نقل النجوم من اليونانية وغيرها إلى العربية.)(7)

لم يترك السيد الطباطبائي التفسير بالباطن لكن ليس باهمال الظاهر، كما لم يترك التأويل على حساب أمر التنزيل؛ يؤيد وجود روايات عن النبي (ص) والأئمة (ع) ذكرت أن للقرآن ظهرا وبطنا، لكن أهل التفسير المقبول والسليم، اعتبروا الظهر كما اعتبروا البطن، أي أنهم لم يتركوا ظاهر القرآن كما تركه أهل التصوف، بل اهتموا بالظاهر كاهتمامهم بالباطن، كما اهتموا بالتأويل مثل اهتمامهم بأمر التنزيل. إذن التفسير عنده هو الذي لا يقتصر فقط على الباطن والتأويل، بل يهتم بالظاهر والباطن والتأويل وأمرالتنزيل.

ذهب في مقدمته إلى المفسّرين المعاصرين، أنتقد بعضا منهم، وشكك في قسم منهم كونهم من منتحلي الإسلام، انتقد المعاصرين الذين مالوا إلى مذهب الحسسيين تقليدا لفلاسفة أوربا، يرى هؤلاء الحسّيون أن المعارف الدينية لا يمكن أن تخالف الطريق الذي تصدقه العلوم، هم لا يؤمنون إلا بما يصدقه الحسّ، لذا ينكرون الغيبيات كالعرش والكرسي واللوح والقلم والمعاد إلى غير ذلك من المغيبات، يأولونها بما يتناسب وطريقتهم المادية، كذلك يؤولون التشريع من الوحي والملك والشيطان والنبوة والرسالة والإمامة، وغير ذلك من الأمور الروحية، يرون أنّ الروح نوع من الصفات المادية، والتشريع نبوغ، ذكروا أن الروايات لوجود الصحيح وغير الصحيح فيها تترك؛ لكنّهم يقبلون الرواية التي تتوافق مع مذهبهم، اهملوا حجية العقل في التفسير، وبنوا تفسيرهم على الحسّ والتجربة، صرحوا أن تفسيرهم هو تفسير القرآن بالقرآن، ولكن وفق الاتجاه المادي التجريبي.

يرى السيد الطباطبائي أنّ هذا النوع من التفسير لا يُعد تفسيرا، إنما هو من نوع التطبيق. إذ يعتبرون أفكارهم المادية صحيحة ويطبقونها على القرآن.

أرى أصحاب هذا التفسير يفسّرون بما وصل إليه العلم في عصرهم، ويغفلون أطروحة التطور العلمي في المستقبل، بل يبنون على ما في أيدهم من نتائج علمية علما أن هذه النتائج قابلة للتغيير بدرجة تطور العلم والاستكشافات المستقبلية.

يرى السيد الطباطبائي أنّ في جميع هذه الاتجاهات مشتركات، فكل فريق يطبق ما يحمل من رؤى فلسفية أو صوفية أو مادية على آيات القرآن، فصار بذلك التفسير تطبيقا، والتطبيق تفسيرا، فصارت حقائق من القرآن مجازات، وتنزيل عدة من الآيات تأويلات، يرى الطباطبائي أنّ آيات القرآن واضحة الفهم، فهو بلسان عربي مبين، ويرى أنّ الإختلاف في المصداق وليس في المفهوم.

بيّن السيد الطباطبائي أن المسميات المادية محكومة بالتغير والتبدل بحسب تبدل الحوائج في طريق التحول والتكامل، وضرب لذلك مثلا بكلمة السراج، أول ما عمله الإنسان كان إناء فيه فتيلة وشيء من الدهن تشتعل به أجزاء السراج، ثم بدأ بالتطور حتى وصل إلى السراج الكهربائي، الغرض من السراج واحد هو الإضاءة لكن المصداق يختلف حسب الزمان والمكان والتطور العلمي؛ وكذلك الميزان المعمول أولا، والميزان المعمول اليوم لتوزين ثقل الحرارة، والسلاح المتخذ سلاحا في ذلك الوقت، والسلاح المعمول اليوم.

يقول السيد الطباطبائي: (فالمسميات بلغت في التغير إلى حيث فقدت جميع أجزائها السابقة ذاتا وصفة والاسم مع ذلك باق، وليس إلّا لأنّ المراد من التسمية، إنما هو من الشيء غايته، لا شكله وصورته فما دام غرض التوزين أو الاستضاءة أو الدفاع باقيا، كان اسم الميزان والسراج والسلاح وغيرها باقيا على حاله.)(8)

السيد الطباطبائي يرى أن المدار في صدق الاسم اشتمال المصداق على الغاية والغرض، لا جمود اللفظ على صورة واحدة، والمقصود جمود المعنى في اتجاه واحد، لأن اللفظ باق، يرى الطباطبائي أن الجمود على العادة والأنس يؤدي إلى عدم تغير المصداق وفقا لمتغيرات الغرض والغاية، وممن وقع في هذا الإشكال  حسب تشخيص الطباطبائي المقلّدة من أصحاب الحديث، كالحشوية والمجّسمة، فقد جمدوا على ظواهر الآيات في التفسير، في رأي السيد الطباطبائي إنّ جمود هؤلاء في الحقيقة ليس جمودا على الظواهر، بل هو جمود على العادة والأنس في تشخيص المصاديق، يرى السيد الطباطبائي أنّ من نتائج الاعتماد على الأنس والعادة في فهم معاني الآيات؛ تشويش المقاصد واختلال أمر الفهم.

 أرى أن من يسمون أنفسهم من الوهابيين علماء واقعون اليوم في وهم العادة والأنس، فهم يرفضون الكثير من الحقائق التي اثبت العلم مصداقيتها مثل كروية الأرض، إذ يوجد من الوهابيين من يرفض حقيقة أن الأرض كروية ويقولون أنها مسطحة، فهم يحملون الكثير من أفكارهم البدوية على الآيات القرآنية، فيسمون تطبيقهم تفسيرا. هؤلاء الأعراب يكفّرون المسلم الآخر الذي يؤمن بوجود الله ووحدانيته، ويتحالفون مع اليهود الصهاينة تحت عنوان أنهم أصحاب كتاب، وكأن المسلم الآخر الذي يكفرونه ليس بصاحب كتاب هو القرآن الكريم، أرى سبب ذلك أنهم يفهمون القرآن وفق نمط الأنس والعادة حسب اصطلاح السيد الطباطبائي، لذا احتضن أعداء الإسلام الوهابية ودافعوا عنها، وأصبحت الوهابية من أدواتهم الفكرية التي يطمحون من خلالها تشوية صورة الإسلام وتضعيف المسلمين وبتعاون أمريكا وأدواتهم من الوهابيين، تمّ انتاج الفكر التكفيري الذي من آثاره ولادة جميع حركات الإرهاب، فسُفِكَت دماء المسلمين من جميع الطوائف، وخرّبت المدن وهدمت رموز الحضارة.

لا يجيز السيد الطباطبائي حمل ما ينتج من العقول والفلسفة والعلم على الآية، يرى أن الطريق الأسلم في التفسير هو عدم الحمل والتطبيق من الخارج على القرآن، بل  الصحيح هو تفسير القرآن بالقرآن، فيُستوضح معنى الآية من نظيرتها بالتدبر الذي يريده القرآن، وتشخيص المصاديق، ونتعرف عليها بالخواص التي تعطيها الآيات. يقول: وحاشا للقرآن أن يكون تبيانا لكل شيء ولا يكون تبيانا لنفسه. قال تعالى: (ونزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)(9) أضاف الطباطبائي: أن النبي (ص) الذي هو المعلم الأول للقرآن، ومن بعده خلفاؤه الأئمة الطاهرون (ع) ساروا في منهج تفسير القرآن بالقرآن، يقول: (على ما وصل إلي من أخبارهم في التفسير)(10)

في نهاية المقدمة يؤكد الطباطبائي أنه سار في تفسيره وفق منهج تفسير القرآن بالقرآن، يقول: هذا هو الطريق المستقيم والصراط السوي الذي سلكه معلمو القرآن وهداته صلوات الله عليهم، وذكر المحاور التي فسّر بها القرآن وفق هذا المنهج. نذكرها باختصار: المعارف المتعلقة باسماء الله سبحانه وصفاته، المعارف المتعلقة بأفعاله تعالى، المعارف المتعلقة بالوسائط الواقعة بينه تعالى وبين الإنسان كالحجب واللوح والقلم والكرسي والبيت المعمور والسماء والأرض والملائكة والشياطين والجن وغير ذلك، المعارف المتعلقة بالانسان قبل الدنيا، المعارف المتعلقة بالإنسان في الدنيا، المعارف المتعلقة بالإنسان بعد الدنيا، المعارف المتعلقة بالأخلاق الإنسانية، أما آيات الأحكام فلم يفصّل فيها لأنّها من اختصاص علم الفقه، يرى السيد الطباطبائي أنّ منهج تفسير القرآن بالقرآن يخلّص المفسّر من التأويل المخالف لظاهر الآيات، ولا يعني هذا أنه لا يقرّ بالتأويل عموما، بل يقر بالتأويل الذي يثبته القرآن في مواضع من الآيات، واضاف: أنه وضع في نهايات البيانات، ويعني أنه يفسّر الآية تحت عنوان (بيان)، بعد تفسيره للآية، يذهب في النهاية، إلى وضع أبحاث روائية منقولة عن النبي (ص) وأئمة أهل البيت (ع) من طرق العامة والخاصة، أما الروايات الواردة عن الصحابة والتابعين فليست عنده حجة. وأضاف أيضا ضمن منهجه التفسيري بحوثا فلسفية وعلمية وتأريخية واجتماعية وأخلاقية مؤكدا أن تناول هذه البحوث في تفسيره، وفقا لحاجة التفسير لها.

 أرى منهجه في طرح هذه البحوث حسب الحاجة هو الأسلم، لأنّ مجال هذه العلوم ليس التفسير، إذن البحث في علوم أخرى في منهجه ليست غاية، بل وسيلة للوصول إلى الغرض لمساعدة المفسّر في إيصال المعنى واضحا مفهوما.

ذكرنا في بداية دراستنا لمقدمة الميزان، أن المقدمة الأولى هي لآية الله جوادي آملي وعنوانها (دفاع عن الميزان)، يوحي العنوان أن هناك انتقادات للميزان، وهو يرد عليها، لكن لم يبين آية الله جوادي آملي مَن هي الجهة التي وجهت هذه الانتقادات أو الشخصية التي وجهتها، ذكر في بداية مقدمته معنى الوحي، والظاهر أن الناقد للميزان يرى أن بحث معنى الوحي هو من باب التفسير بالرأي، لكنّ آية الله جوادي آملي يردّ على ذلك دفاعا عن الميزان، إذ بيّن معنى الوحي حسب رؤيته التي أراد من خلالها تفنيد رأي من يعتبر هذه البحوث من باب التفسير بالرأي، قال: (وعلى ضوء ما ذكرناه، واستنادا لما ذكره العلامة الطباطبائي (رحمه الله) يتضح أن الناقد إنما عرض بالنقد لفكرة، لا لما أورده الأستاذ (قدس). )(11) وذكر آية الله جوادي آملي عدة نقاط عدّها الناقد من السلبيات، لكن آية الله آملي ينفي عن الميزان أنّ العلامة أراد المعنى الذي ذكره الناقد، نوجز طريقة الدفاع عن الميزان وردّ الإشكالات التي أثارها الناقد، حسب ما ذكرها آية الله جوادي آملي: 

لا يفهم من كلام العلامة، أنّ الرسول الأكرم (ص) كان كسائر الناس في علوم القرآن، ولا يفهم من كلام العلامة الطباطبائي أنّ الناس كانوا في غنى عن رسول الله (ص) في تحصيل العلوم القرآنية، وأنّ الرسول (ص) كان معزولا عن المرجعية في العلوم القرآنية، ولا يفهم من كلام العلامة أن علوم القرآن كانت بمتناول الجميع وهذا ما يوجب الاستخفاف بالقرآن، وأخيرا يقول: لا يفهم من كلام العلامة، أن الرسول (ص) علّم أصحابه كلّ ما لديه من علوم القرآن، فكانوا يفسّرونها للناس.

أخيرا يقول آية الله جوادي آملي: أن أي من الأمور المذكورة لا يمكن أن تمس بمقام الميزان، ولا يخفى إبداع صاحب الميزان في شرحه لمعنى التفسير بالرأي، وما حمل من نزعة متجددة في هذا الشأن، وأشاد آية الله آملي في استنباط الطباطبائي العميق في جمعه بين الآية: (لا يمسّه إلّا المطهّرون)(12) والآية (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا)(13) إذ يستدل الطباطبائي بالآيتين، أن مسّ باطن القرآن وحقائقه المكنونة هو من نصيب أهل بيت العصمة والطهارة (ع)  وعدم غنى الآخرين عنهم، أخيرا يوجّه آية الله جوادي آملي نصيحة بقوله: وما أجدر المتأخرين والأنسب للمتنعمين أن يجلسوا على مائدة الميزان ومأدبته الغناء للاغتراف من هذه الموسوعة.

 

علي جابر الفتلاوي

.............................

المصادر:

1 – سورة البقرة: 151.

2 – ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، المقدمة، ص2، بيروت، ط 2 2005م. 

3 – موقع mawdoo3 الالكتروني.

4 – محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ص12، تونس، ط1، 1984م. 

5 –  محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، المقدمة، ص6، بيروت، ط1 2010م.

6 – سورة آل عمران: 7. 

7 – محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق، المقدمة، ص7.

8 – المصدر نفسه، المقدمة، ص9. 

9 – سورة النحل: 89. 

10 – محمد حسين الطباطبائي، المصدر السابق، المقدمة، ص11.  

11 – المصدر نفسه، المقدمة (دفاع عن الميزان)، آية الله جوادي آملي، ص1- 3.

 12 – سورة الواقعة: 79. 

 13 – سورة الأحزاب: 33. 

 

 

 

مجدي ابراهيميخلط الباحثون كثيراً، وبخاصة في الرسائل العلمية التي يتم مناقشتها بين طلاب الدراسات العليا أو بين الباحثين على التعميم؛ إزاء التوجهات الصوفية والنزعات الشيعية؛ فلا يكادون يميزون الفوارق الدقيقة بينها على مستوى الشعور أو على مستوى العقيدة، ويكتفون بمتابعة ما سبق لهم من بحوث طالعوها مطالعة تقليدية في هذا الميدان الواسع، ليس فيها إعمال عقل ولا إحساس بأذواق أصحابها، ثم لا ينبّهون على ما بينها من ضروب الخلاف سواء في التوجُّه أو في القاعدة التأسيسية التي يقوم عليها هذا المذهب أو ذاك؛ كنزعة أصيلة تواجدت في الإسلام بين الحركة السياسية الطارئة المرتهنة بظرفها التاريخي من ناحية والبعد الديني العميق من ناحية ثانية. وما أبعد الفرق بين تحكيم العقل وتحكيم المتابعة والتقليد.

لا تكفي المتابعة وحدها لإماطة اللثام عن "الفكرة" حين يُرَاد لها التأصيل في أغوار العقيدة أو الدين ما لم يتم كشف النقاب عن أصولها وتوجهاتها، ثم عن توظيفها في سياقاتها المعنية، وظرفها التاريخي الذي نشأت في محيطه، وبيان الأغراض التي أتيحت لصياغة المفاهيم المتباينة إذا تعلق الأمر بنزعات التشيع والتصوف في الإسلام.

وعليه؛ فمتابعة السابقين - من المعاصرين خاصّة - فيما كتبوه لا تضيف جديداً ولا تعطي تصوراً حول ما يمكن إثارته من أفكار قد تكون عرضة للخلاف بمقدار ما تجيء على مستوى النظر الفكري مُساقة في ثوب هو أدعى إلى إثارة الخلاف منها إلى الوفاق والتقريب؛ فلا بد من فارق جوهري يميز تميزاً دقيقاً فاصلاً بين توظيف التوجُّه وتبرير الخلاف، وإعطاء الخاصة الدلالية التي تتضمّن فحوى التوجه ولا تلغيه لمجرد التشابه فقط، لكنما التشابه ليس يلغي عندنا مضمون التوجُّه ولا يقدح في دلالة الغاية وسمو مقصدها.

ولربما كان هذا هو السبب الذي جعلني أكتب تلك الأسطر؛ لتنبيه الأذهان إلى الفروق الفارقة بين النزعتين، خلال طرح نقدي للفكرة لا مجرد إثارة خلاف. ولم تكن كتابة هذه الدراسة مرسلة بدون توثيق من مصادرها، بل جاءت موثقة؛ لقناعة الرأي عندي بما فيها أولاُ، ثم ثانياً لقناعة القارئ بالفكرة التي أردت التركيز عليها، والإحاطة بمضامينها، والوقوف عند دلالة التخريج فيها؛ عساه يبذل الجهد فيفرق بين التوجُّه والنزعة. ولا يزال الفرق شاسعاً بعيد البون بين العواصف السياسية والنزعات الدنيوية وبين إشراقة الضمير وسيطرة الروح على توجُّهَات الإنسان.   

يلاحظ أن الطبقة الأولى من طبقات رجال الغيب: هى طبقة القطبانيِّة، وهى مقام القطب الغوث الفرد الجامع، وللسيوطي كتاب بعنوان:"الخبرُ الدالُّ على وجود القطب والأوتاد والنُّجباء والأبدال؛ فيه ردود بالأحاديث الشريفة على مَنْ أنكر وجود القطب كما ورد في "المنار المنيف" لابن القيم، وهو من المنكرين، نظراً لاتجاهه السلفي: أن أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد، كلها باطلة على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأقرب ما فيها (لا تسبوا أهل الشام، فإن فيهم البدلاء، كلما مات رجل منهم أبدل الله مكانه رجلاً آخر) وهو ضعيف.

نحن إذن أمام نزعتين متعارضتين، نزعة تقول بوجود رجال الغيب، والأخرى تنفيها. وينجم عن ذلك خلافٌ يرتد إلى خلاف في التوجهات الفكرية يستند على انتماءات مذهبية. لكن هذا الخلاف سرعان ما يتلاشى فيما لو عرفنا أن هذه المراتب والدرجات إنْ هى إلا مراتب ودرجات في سلم القيم الروحي. كان يمكن أن يكون كلام ابن القيم الرافض لها، وأضرابه، صحيحاً لو كانت تلك المراتب والدرجات مراتب في الوجود، غير أن الصفة الميتافيزيقية أغلب عليها وأكثر وصفاً لها. ومن أجل ذلك؛ أطلقوا عليها "طبقات رجال الغيب"، لا لشيء إلا لأنها طبقات روحية ميتافيزيقية، وكان أحمد الكمشخانويّ النقشبندي في "جامع أصول الأولياء" ممّن تناول تلك المراتب والدرجات لدي الأولياء، وفسّرها هذا التفسير، إذْ ليس من شأنها أن تلغي توحيد الربوبية والإلوهية، ولكنها مراتب ودرجات غيبية مجعولة، بالتعبير القرآني، للكدح إلى الله؛ لتحديد حركة الإنسان بما هى فعل غائي بفعل مطلق الربوبية.

لخَّص الشيخ حسن العدوى الحمزاوي تلميذ الشعراني وأحد عارفي فضله ومحبيه، كتاب السيوطي "الخبرُ الدالُّ على وجود القطب والأوتاد والنُّجباء والأبدال"، فنقل عن "اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر" للشعراني ما يخص طبقة القطبانِّيّة، وهو منقول من كلام ابن عربي:" واسم القطب في كل زمان عبد الله، وعبد الجامع، المنعوت بالتحقُّق بمعنى جميع الأسماء الإلهية بحكم الخلافة، وهو مرآة الحق تعالى، ومحل المظاهر الإلهية، وصاحب علم سرّ القدر، ومن شأنه أن يكون الغالب عليه الخفاء .. ولا تطوى له الأرض ولا يمشى في هواء ولا على ماء، ولا يأكل من غير سبب، ولا يطرأ عليه شيء من خوارق العوائد إلاَّ في النادر؛ لأمرٍ يريده الحق تعالى، فيفعله بإذن الله تعالى من غير أن يكون ذلك مطلوباً له ... إلى كثير من الأوصاف (راجع: النفحات الشاذلية: جـ2، ص 267، 268).

وإذا كان من اللافت للنظر شيوع استخدام الصوفية المتأخرين لاصطلاح (القطب الغوث) وخاصّة لدى الشعراني، فلا نعدم وجود أصول هذه "الفكرة" في التابعين، فليس أدل عليها من شخصية "أويس القرني" الذي وصفه أبو نعيم صاحب "حلية الأولياء" بأنه: "سيد العباد"، وعلم الأصفياء من الزهاد، بشّر به النبي صلى الله عليه وسلم، وأوصى به أصحابه عمر وعليّ، ويحاول عمر وعليّ لقاءه كما أوصي النبي. وبما أن "أويس القرني" كان شخصية غامضة من شخصيات التابعين؛ فلأنه فيما تقول المصادر كان يعيش متخفياً، أشعث أغبر ذا طمرين، تتحقق فيه صفات من أطلق عليه مـتأخرو الصوفية " قطب الغوث"، وسنعالج هذه الفكرة مع العودة إلى أويس بعد قليل (الحلية، جـ 2؛ ص 79 وما بعدها).

 ولا خلاف في أن ابن عربي هو أكثر الصوفية الذين تكلموا في هذا الموضوع، موضوع القطبانية، وأفردوا له كتابات خاصّة، وهو كذلك أوسعهم بحثاً وإحاطة به، إنْ لم يكن أسبقهم كلاماً، كما تحدّث عنه في أكبر كتبه وأهمها: "الفتوحات" و "فصوص الحِكَم"، ولا يترك مناسبة في العديد من كتبه ورسائله إلاِّ ويشير إلى خصوصية مثل هذه الكتابات التي يُولي فيها العناية بذلك الموضوع، كما جرت عادته في كتاب: "منزل القطب ومقامه وحاله"، لمّا أراد أن يصف القطب وتجلياته، إذْ الحق لهذا القطب متَجلٍ على الدوام .. ويستشهد بقول الصديق، رضى الله عنه،: " ما رأيتُ شيئاً إلاّ رأيت الله قبله ". ولا بد عنده لكل قطب عندما يلي مرتبه القطبية أن يبايعه كل سرِّ وحيوان وجماد ماعدا الإنسان والجان إلاِّ القليل منهم، وله من البلاد مكة، وله سكن حيث ما سكن ...، فإن محلَّه مكة ليس إلاَّ ... ثم قال: وقد صنفنا في هذه البيعة وكيفية انعقادها كتاباً كبيراً سميناه كتاب "مبايعة القطب في حضرة القُرب" (منزل القطب ومقامه وحاله، ضمن رسائل ابن عربي، ص 251).

ولا تفوته الإشارة في " الفتوحات المكيّة " حين يذكر عن كتاب مبايعة القطب: أنه يتضَّمن علماً كبيراً ما سبقه إليه أحد. وإذا كان العارفون من أهل الله شاهدوه وعلموه، فإن الذي شغلهم عن تبينه للناس ما كان المهم عندهم، ولكن إظهاره للناس كان من الأمور المهمّة عند ابن عربي، ورواياته في الفتوحات عن العارفين الذين تحققَّوا بمقام القطبيّة أو الذين شهدوا هذا المقام فوق أن تحصى (الفتوحات المكية، جـ3، ص91 وما يتلوها).

وفي كتابه "مواقع النجوم" يشير ابن عربي بالنثر تارة وبالشعر تارة أخرى، بحيث لا يتذوق من إشاراته أحد إلا من كان على شاكلته في التذوق وفي طبقته من الإدراك سواء بسواء (مواقع النجوم: ص147، 150، 190).

وعن ابن عربي أخذ الشعراني كثيراً من فنون النظر الإلهي، ومنها بالطبع مسألة الإيمان بهذا الأثر الغيبي الباطني الذي هو أيضاً بالطبع، أثرٌ من آثار التصوف لا شك فيه عندهم، ولذلك سموه كما سبقت إليه الإشارة بـ " طبقات رجال الغيب "، كما هو الحال عند السيوطي فيما تقدَّم، بيد أنه، كما يوجد مثل هذا الأثر في التصوف، يوجد كذلك في التشيُّع: فمعارف القطب عند الصوفية تتشابه مع عقائد الشيعة. على أن معارف الصوفية روحيّة خالصة في حين أن السياسة الحزبية كانت أصلاً لعقائد الشيعة، فمن عقائد الشيعة الإثنى عشرية أن الإمام كالنَّبيَّ، يجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال الإنساني، كالشجاعة والكرم والعفة والصدق والتدبير والحكمة، وأن يكون مؤيّداً من طريق الإلهام بالقوة القدسية، يتلقىَّ المعارف من طريق النبي أو الإمام الذي قبله، وشرطه أن يكون معصوماً: "مكلفاً بالهداية والعدل، والجماعة مكلفون بالاقتداء به والاستنان بسنته " (الشهرستاني: الملل والنحل، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، سنة 1387 هـ ، 1967 م، جـ 1 ص 169 - 173).

وإذا استجد شيء فلابد أن يعلمه من طريق هذه القوة القدسية؛ فمعرفة الإمام عن هذا الطريق الأخير ليست من قبيل الاستدلال العقلي، وإنما تتجلى المعلومات في نفسه كما تتجلى المرئيات في المرآة الصافية. وهنا يتفق الإثنى عشرية مع بعض فلاسفة الإسلام والصوفية الذين جعلوا وراء العقل واستدلالاته طريقاً حدسياً أو كشفياً للمعرفة (أبو الوفا التفتازاني: علم الكلام وبعض مشكلاته، دار الثقافة، القاهرة، سنة 1979، ص82). ولا ريب عندي أن هذا الاتفاق يأخذ التشابه لمجرد التشابه وكفى، ولا يتخذ مواقفه من مقارنات دقيقة للأفكار.

ومن المؤكد أن الشيعة اعتبروا الإمامة جزءاً من العقيدة، يسوى بينها وبين شهادة التوحيد، وبالتالي أضافوا إلى العقيدة أصلاً لم يرد إطلاقاً من قبل، الأمر الذي آثار ضجة كبرى في العالم الإسلامي ممّا جعل أهل السنة يحاربونها ويجادلونها بعنف بالغ (علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، حـ3، 323).

ومن المؤكد كذلك؛ أن هناك شواهد ظاهرة (لكن ينقصها التوظيف: توظيف الصورة المرسومة) على اقتراب التصوف من التشيع، الأمر الذي لا ينفي وجود مثل هذا الاتصال الفكري في كثير من جوانب المذهبين، منها على سبيل المثال لا الحصر:

(1) تلك المكانة التي يحتلها الإمام عليّ ابن أبي طالب لدى الصوفية، فإليه ينسبون مذهبهم، وتحديداً، في لباس خرقة التصوف، وفي فيوضات العلم الباطني ووراثة المعارف اللّدنيّة، فقد كان عليّ، رضوان الله عليه، أعرف الناس بسرِّ الحقائق ودقائق العلوم، وبرموز الأمور الباطنة، والكشف والعيان، وبمشاهدة عالم الملكوت، وروا أن "النبيَّ أمر بسدّ الأبواب إلا باب علي بن أبي طالب"، وقد خَصَّه ابن عربي في فتوحاته بما يبيِّن منزلته الكبرى عنده، وعلو مكانته في نفوس المتصوفة جميعاً، وذلك حين يصفه بقوله: "عليّ من أصحاب العلم وممّن يعلمون من الله ما لا يعلمه غيره". وإنه؛ ليتحدَّث عن مقام أبي بكر، رضى الله عنه، وعن إيمانه الذي يعدل كل أمة محمد، ثم يعرج إلى عليّ فيقول فيه:"ومع هذا الفضل العظيم لأبي بكر، رضى الله عنه؛ يشرك الحبيب الرسول المقرّب الخليل في مقام الخلّة كما صحّ أن يشرك معه في مقام الأخوة عليّاً، كرم الله وجهه، فقال: عليّ منى بمنزله هارون من موسى  (أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الإثنى عشرية، دار النهضة العربية، القاهر سنة 1991 م - 1411 هـ - الفصل الخاص بـ "الإمامة بين التشيع والتصوف"، ص 461، 476)؛ فعَليٌّ رضوان الله عليه: "أكبر العباد"، و" ربَّانيّ الأمة"، وكبير عبادها وزهادها، وكبير علمائها، و"سيد الصحابة"، و"ابن عم الرسول" و"زوج فاطمة الجميلة"، و"باب مدينة العلم" و"حامل الأسرار"، (النشار: نشأة الفكر جـ 3؛ ص 108 و 177).

(2) اتصالُ كثيُر من شيوخ الصوفية بأئمة أهل البيت: فأويس القرني قد أخذ عن علي ابن أبي طالب، وحارب معه في صفين، واستشهد فيها، وقصة استشهاده مع عليّ ترجح صلاته بآل البيت، رغم اختلاف الروايات الواردة في شأن أويس القرني (النشار: نشأة الفكر الفلسفي، جـ3، ص254). ثم أخذ أبو زيد البسطامي عن الصادق، وشقيق البَلْخى عن الكاظم، وأسلم معروف الكرخى على يد عليِّ الرضا وأصبح مولى له، وكان الرضا يحجبه خشية افتتان الناس به، وسلسلة المتصوفة المتأخرين متصلة بمعروف الكرخى، وأخذ السّري السقطى عن معروف الكرخى، ثم أخذ الحنيد عن خاله السَّرى. والدّين لدى الصوفية والشيعة طاعة لرجل (أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الإثنى عشرية، ص465).

(3) اتفاق التصوف مع التشيع في أن مصدر العلم اليقيني إنما هو العلم "الباطن" الذي عبّر عنه الحسن بن علي في حديث مرفوع عن جده (صلى الله عليه وسلم)، أن الله تعالى قال في حديث قدسي يصف العلم الباطن: "هو سرُّ من سرى أجعله في قلب عبدي لا يقف عليه أحدُّ من خلقي ". وظاهر التخريج يقول إن هذا العلم الباطن يأخذ به الصوفيّة كما يأخذ به الشيعة، ولهذا وجب الاتفاق فيما بينهما من حيث التشابه؛ وهو عجيب!

وعلينا أن نتوقف عند النقطة الأولى: تلك المكانة التي احتلها عليّ بصفة خاصّة، لنثير مسألة "رسم الصورة" أو "التوظيف" التي ذُكرت في المقدّمة؛ للتفرقة بين التوجُّه الروحي والنظام الشيعي، فكلاهما وظف (عليّاً) أو رسم صورته من حيث المرجعيّة وفقاً لما يراه مناسباً لمعتقده، فأصبح ربَّاني الأمة عند أئمة التصوف رأس السلاسل الصوفية ورأس السند الصوفي والزهدي؛ فاتّجه إليه أصحاب الروح في الإسلام متأملين متعشقين؛ فقد كان لهذا التوجُّه العلوي أكبر الأثر في تخريج رجال ذكروا (عليَّا) لشدّة قربه من النبي، ولمكانته العظمى في الإسلام. غير أن الصوفيّة أخذوا يحمّلون صورته أحاسيسهم ومشاعرهم؛ فكان في القلب منهم، ولم يفعلوا ذلك صادرين عن "نظام شيعي"، بل عن تأمل روحي عميق في حقيقته المتصلة بالنبي واستمداده لعلمه من روح القرآن. ذلك هو "التوجُّه" الذي قصدناه، وهو يتباين عن النزعة الشيعية كل المُباينة ويفترق عنها في الخصائص والوظائف. ولم تكن الصورة المرسومة لعليّ صورة في غير قصد وفي غير اعتدال، لا إفراط فيها ولا تفريط، وإن كان الإفراط فيها بادياً فممّا أملاه الحب وفرضته لوازم الروح في توجهاتها العليا، فهو إفراط روحي يجيزه منطق الذوق ولا ينفيه، ويسيغه قانون الحب ويوجبه على ذويه.

ولم يكن الصوفية كالشيعة فرقة واحدة، ولكنهم كانوا أهل سنة في جملتهم وتفاصيلهم، وفي مجموع ما يعتقدون فيه، ولم تكن عناية الصوفية منصرفة إلى شيء سوى التأكيد التام على أنهم من أهل السنة وأن عقيدتهم هى عقيدة أهل السنة والجماعة؛ فكانوا يتبنون في مقدمات كتبهم عقائد السنة، يشرحونها ويفسرون ما أغلق منها، ولم يوالوا من أئمة الإسلام قاطبة إلا من هو حقيقٌ بالموالاة من رجال أهل السنة بما فيهم موالاة الخلفاء الأربعة (أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ) ولم يقدح في هذه العقيدة بعدُ: أن يتميز عليّ بن أبي طالب عن الآخرين بأنه المثال الأكمل للعلم الصوفي وللحياة الصوفية، ولم يقدح في هذه العقيدة أيضاً أنه كان للآخرين من الخلفاء، المشاركة في هذا العلم وفي تلك الحياة. وهكذا؛ عاشت صورة على ابن أبي طالب الزاهدة والعارفة (ربّاني الأمة) في دوائر زهاد أهل السنة والجماعة وصوفيتهم فيما بعد حيّة زاهية تتصل بالروح وتمدها بمدد القربة والموالاة.

ولم يكن وسم علي بن أبي طالب "بربَّاني هذه الأمة" صادراً إلا عن رجل من خيرة رجال أهل السنة والجماعة هو الحسن البصري بل أتهم الحسن البصري بموالاة بني مروان. وبقيت صورة عليّ بن أبي طالب الزاهدة العارفة في قلوب أهل السنة والجماعة حتى الآن حيّة زاهية بلا شك. أما لدى الشيعة؛ فقد كان الأمر على خلاف ذلك: ما أن انتهى القرن الأول، وانتهت صفحات التوابين والبكّائين من المسلمين، حتى انمحت صورة عليّ الزاهد في حياة الشيعة، وحلّ محلها صورة عليّ "الإمام"، صورة عليّ ذي الحق السياسي المقدّس عند المقتصدة من الشيعة، وصورة عليّ الغنوصيّ لدى الغلاة منهم.

كان الشيعة الغلاة يتنسّمون بالزهد، ويتمسّحون بالأسرار والطلاسم، ولكنهم فعلوا هذا عن طريق غنوصيِّ خارجي. وبينما عاش عليّ المحب الزاهد العابد في قلوب صوفية أهل السنة والجماعة، عاش على المغيظ الحاقد في قلوب غلاة الشيعة. وقد أندفع الشيعة إلى جمع المال، فأثروا أشدّ الثراء، فانعكس هذا على المشاهد الشيعية المقدسة، المزينة بالذهب والياقوت والزبرجد وشتى الجواهر، بينما شاعت في مساجد مشيخة الصوفية من أهل السنة، البساطة والخلو من السرف والتأنق (النشار: نشأة الفكر الفلسفي جـ 3؛ ص 120-121).

وقتل علي بن أبي طالب ربَّاني الأمة (عام 40 هـ) وقد أنكر على شيعته قبل وفاته إغراقهم في الترف، رآهم مراراً يأتون إليه، وليس فيهم ما أراده فيهم: حُلماء عُلماء ذبل الشفاء يعرفون بالرهبانيّة من أثر العبادة، أخياراً يفترشون الجباه، مذلين أنفسهم العاتية، يفارقون المُأثري الدنيا من الطغاة. فقال "ومالي لا أرى فيهم سيما الشيعة ... خمص البطون من الطوى، يبس الشفاة من الظما، عمش العيون من البكا".

فلئن كان قد أنكر عليهم مسلكهم غير أن هؤلاء الذين جرَّعوه الغيظ حياً، يحاولون الإغراق في التوبة والندم والبكاء، فينشأ فيهم التوابون والبكاؤون، وتسيطر الروح وسط العواصف السياسية والمنازع الدنيوية، ويشيع في العالم الإسلامي إشراقة ضمير تبقى بعد ذلك نبراساً لصوفية الإسلام حين يتكون التصوف كمذهب وكطائفة لها خصائصها التي تميزها عن غيرها من طوائف الإسلام فقهاء ومتكلمين. أما أن فلاسفة الصوفية، وبخاصة المتأخرين من الفرس، قد اعتبروا عليّاً سر الوجود، وصورة تركيب العالم، وأنه الوجود ولولاه لسرى العدم في العالم الموجود؛ فإن هؤلاء الفلاسفة من الصوفية ولا شك كانوا قد فعلوا هذا متأثرين بكل ما حولهم من غنوصيات. والتصوف الفلسفي الإسلامي غير التصوف الإسلامي السُّني. لقد كان الأول مُلفقاً منسقاً مجمعاً؛ بينما كان الثاني صادراً عن القرآن والسنة، واحتضن عليّا في نطاقيهما، وأخرج لنا علم الأخلاق الإسلامي.

تلك كانت هى الصورة المرسومة لعلي بن أبي طالب بين الشيعة والصوفية، صورة مزدوجة فارقة بالحقيقة في تصور ربَّاني الأمة وعَلَم المهتدين، وفيما علق من تلك الصورة على قلوب المؤمنين. لم تكن صورة موحَّدة خالية من التطرف لدى الشيعة الأولين وكفى، بمقدار ما كانت كذلك مُفرطة في جانب المحبّة بحكم القرابة من معدن النبوة لدي كبار الزهاد من العباد وطلاب الآخرة من ذوي الروح لدى أهل السّنة من الصوفية الأوائل، وليس في إفراطها غلو بل كان إفراط التعالي عن أوْهاق المادة والزهد في جواذب الدنيا، وظلت كذلك هى هى الصورة الباقية لعلي بن أبي طالب في ضمائر العلماء الرَّبَّانين.

وهكذا .. يكون التوظيف مخرجاً للبناء الروحي على قدر المساحة الفاعلة في التوجًّه، وهكذا يصبح عمل المقاصد هو القاعدة التأسيسية التي يقوم عليها هذا المذهب أو ذاك: وظف الشيعة صورة عليّ بن أبي طالب توظيفاً سياسياً لا فكاك منه ولا ندحة عنه بحال. ووظف الصوفية نفس الصورة توظيفاً روحياً وخلقياً يخدم مقاصدهم ويخضع لمآلاتهم الروحية والخلقية ويظل يدور في فلك التوجه بما لا ينحرف عنه إلى غاية أو مقصد غير الغاية السامقة والمقصد العلوي الشريف. وإن يكن افتراق الصورة المرسومة داعياً إلى افتراق المنازع بين المذاهب، فلا أقل من أن يكون شرط التوظيف خادماً لتلك الصورة المرسومة، يفْرقها مع افتراق المنازع بين المذاهب، ويوحد بين الصورة والوظيفة في إطار يخدم التوجهات تماماً كما يخدم المقاصد والغايات.

 هذا، بالإضافة إلى جوانب أخرى كثيرة زكتها أغراض الباحثين ومطالبهم ومقاصدهم من البحث، يتفق فيها المتصوفة؛ وبخاصّة الفلاسفة منهم، مع الشيعة، أو تتشابه فيها العقائد بين هؤلاء وأولئك؛ كمسألة العصمة للإمام والحفظ للولي، ومسألة الإيمان بالمهدي الغائب المنتظر، ومسألة قدم النور المحمدي، وأقوال الصوفية في قضاياهم الكبرى: الحلول، والاتحاد، ووحدة الوجود، والمعراج الصوفي، وتأثرهم في ذلك بغلاة الشيعة؛ وبخاصّة الإسماعيلية المتأخرين من الروافض ... إلى كثير من النظريات التي تبدو للباحثين، قديماً وحديثاً، مع مثل هذا التشابه، موضع التقاء، ولكن أهمها جميعاً "نظرية القطب" أو "الغوث" التي هى أقربُ نظريات التصوف إلى إمام الشيعة من حيث إصرار الرأي في القديم والحديث على أن هذه النظرية مأخوذة عن الإسماعيلية.

وقد بني هؤلاء الباحثون آراءهم في الغالب على فرض الاستعارة والتشابه ليس إلّا. ونحن نعني بالاستعارة: استعارة الأفكار السابقة ومقارنتها بالأفكار اللاحقة؛ على اعتبار أن الأولى أثرت بالضرورة في الثانية، وأن الأفكار اللاحقة لابد أن تكون أخذت حتماً عن الأفكار السابقة. أمّا التشابه بين الأفكار فهو ممّا يوحى للأذهان من الوهلة الأولى بانتساب هذه "الفكرة" أو تلك إلى مصدرها، ما دامت وردت مادتها في الفكر القديم شكلاً ينقصه المضمون.

هذا منهج في البحث هزيل ابتدعه المستشرقون (منهج الأشباه والنظائر) لضرب الأصالة في الفكر الإسلامي على وجه العموم؛ واعتباره عالة على الفكر اليوناني وغير اليوناني من أفكار الأمم المتقدّمة، واتبعه نفرٌ غير قليل من الباحثين المستشرقين والعرب من بعدهم، لتأكيد أن الأفكار السابقة لابد أن تكون أثرت، لمجرّد التشابه ليس إلاّ، في الأفكار اللاحقة، ومن ثمّ فالقول بمسألة التأثير والتأثر عندهم ضرورة بحثية لازمة للبحث العلمي الحديث، وإن جاءت على حساب "المضمون" الذي ينتسب إليه المفكر أو الفيلسوف أو المتصوف، ويشكل من ثمَّ عقيدته التي يدين لها بالولاء.

ولمّا بنى هؤلاء الباحثون في التقديم أو الحديث آراءَهم على فرض الاستعارة والتشابه ليس إلا، بين عقائد الشيعة والتصوف الفلسفي من حيث التقاء هذا الأخير مع غلاة التشيع، كيما تقام لديهم صلة فكرية، إنْ في العقيدة وإنْ في التسليك؛ كان الأمر عندي لا يعدو أن يكون مجرّد تشابه بين الأفكار؛ كسائر الأفكار التي تبدو متشابهة بين فكرة ونظيرتها حين تتفق البواعث، وإنْ اختلفت معها الغايات.

ولستُ بصدد مناقشة الصِلات الفكرية القائمة بين عقائد الشيعة والتصوف، ولا فيما يبدو ظاهر الاتفاق بين الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، فهناك دراسات متخصصة كُتبت في السابق، في نفس العنوان تقريباً، وأهمها كتابات الدكتور كامل الشيبي، ولكنني فقط أشير في هذه العُجالة إلى مسألة "القطب" باعتبارها لفتت النظر فيما اقتضاه عنوان المقال، لأظهر اختلافها عن إمام الشيعة؛ ففي كتاب: "نفائس العرفان"، يرسم ابن عربي صورتين بيراعه المبدع الخلاّق، فيشير إلى أهم صفات القطب في رأينا، لتجئ صفات غارقة في التخفي والاستتار، ليست ممّا يتصف به إمام الشيعة بحال.

(1) الصورة الأولى: القطب عنده هو: "المعجوزُ عنه بالإدراك البشري ... فكل من تحقق من دوائر أسماء الله الحُسنى، كان قطباً في دوائر العُلى، وما تحقق بدائرة الاسم الجامع المحيط كان هو القطب الفرد الجامع المخصوص بالميزان الإلهي والوارث المهدي، والتجلي الرحماني، والاستواء الربانيّ (نفائس العرفان: منشور مع كتاب الكُنْه فيما لابد للمريد منه؛  والكتابان لابن عربيً، طبعة مكتبة صبيح، الطبعة الأولى (سنة 1387 - 1967؛ ص32).

فهذه الصورةُ التي يرسمها ابن عربي للقطب هى نفس الصورة التي وردت في الحديث النبوي؛ كما رواه أبو نعيم الأصفهاني صاحب "الحلية"، وهو من الحفَّاظ؛ عن شخصية   "أويس القرني"؛ في حديث طويل جاء فيه: " إنّ الله، عز وجل، يجب من خلقه الأصفياء الأخفياء الأبرياء، الشُّعثة رؤوسهم، المُغبَّرة وجوههم، الخمّصة بطونهم، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإن خطبوا المنعّمات لم ينكحوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن طلعوا لم يُفْرح بطلعتهم، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يشهدوا ... ذلك أويس القرني " ... ولمّا سأله الصحابة: " وما أويس القرني؟". قال: " أشهل ذو صهوبة، بعيد ما بين المنكبين، معتدل القامة، شديد الأدمة، و ضارب بذقنه إلى صدره، رام يبصره إلى موضع سجوده، واضع يمينه على شماله، يتلوا القرآن، يبكى على نفسه، ذو طمرين لا يؤبه له، متزر بإزار صوف ورداء صوف، مجهول في أهل الأرض، معروف في السماء؛ لو أقسم على الله لأبرّ قسمه، ألا وأن تحت منكبه الأيسر، لمعة بيضاء، ألا وإنه إذا كان يوم القيامة، قيل للعباد: أدخلوا الجنة، ويقال لأويس: قف فاشفع، فيشفعه الله عز وجل في مثل ربيعة ومضر". ثم ينادي الرسول؛ صلى الله عليه وسلم، عُمر وعلياً ويقول لهما: " يا عمر، يا علي، إذا أنتما لقيتماه، فاطلبا إليه أن يستغفر لكما، يغفر الله لكما" (حلية الأولياء جـ 2 ص 80 وما بعدها).

فلئن صحّ الحديث، على رواية صاحب الحلية، لكان لفكرة " قطب الغوث " أصلُ إسلامي؛ فتلك هى صورته التي انتشرت في أوساط الصوفية فيما بعد: الصوفي الخفيّ البرئ، الأشعث، الأغبر، (سيد عبّاد الروح)، يمشي في طَمْرَين، لو أقسم على الله لأبَّره. (النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، جـ3 ، 252، 253).

هذا؛ فضلاً عن أن هذا الحديث يجعل الإمام عليّ بن أبي طالب نفسه يأخذ عن أويس القرني، وليس العكس. لكننا مع ذلك، ونظراً لأهمية هذه الجزئية، نتابع رواية " أبي نعيم الأصفهاني " صاحب "حلية الأولياء"؛ لنقف على الدلالة الروحية لهذه الشخصية العجيبة، وهي دلالة بالقطع تثبت أمامنا وجود قطب الصوفية، وتميزه عن إمام الشيعة؛ لتجعل منه شخصية فارقة ومستقلة كل الاستقلال عن الإمام عند الشيعة، ناهيك عن أن المصادر ذكرت أن الأحاديث الصحيحة قد استفاضت عنه، فهو ليس فكرة خيالية ولا متوهمة كما يظن البعض؛ ولكن نُرجئ وجهة النظر هذه إلى ما بعد المتابعة لرواية صاحب "حلية الأولياء":

مكثا - عمر وعلي - يطلبانه عشر سنتين، عملاً بوصيته، صلى الله عليه وسلم؛ في حجيج أهل اليمن من القرنيين حتى وجداه في حجيج الكوفة: راعي إبل وأجير قوم ... ووقف أمامه الصاحبان الكبيران يرددان: نشهد أنك أويس القرني، فاستغفر لنا يغفر الله لك".

وينظر إليهما راعي الغنم في دهشة المستريب: لقد عُرف أمره وانكشفت حقيقته وبانت عند الناس أسراره؛ ثم يرد عليهما: " ما أخصُّ باستغفاري نفسي ولا أحداً من ولد آدم، ولكنه في البر والبحر، في المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات ".

عجباً! إنه ليطلق استغفاراً كونياً، يملأً الدنيا جميعاً وقد رآها قد طويت له. ثم سألهما من أنتما؟ فأجابه: عليّ بن أبي طالب، فاستوى أويس قائماً وقال: "السلام عليك يا أمير المؤمنين، وأنت يا ابن أبي طالب؛ فجزاكما الله عن هذه الأمة خيراً، ويطلب منه عمر أن يبقى مكانه حتى يأتيه بنفقته وبعض ملابس وهو يقول له:" إن هذا المكان ميعادُ بيني وبينك ". لكن " أويس " يرد عليه: " يا أمير المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك".

لا أراك بعد اليوم تعرفني .. ما أصنع بالنفقة، ما أصنع بالكسوة. أما ترى عليّ إزاراً من صوف، ورواءً من صوف، متى تراني أخرقهما. أما ترى نعلىّ مخصوفتان، متى تراني أبليهما. أما تراني قد أخذت من رعايتي أربعة دراهم، متى تراني آكلها؟!

يا أمير المؤمنين: إنّ بيني وبينك عقبة كئوداً لا يجاوزها إلا ضامر مخفف مهزول، فاخف يرحمك الله ..." (حلية الأولياء: جـ 2، ص 82).

فلما سمع عمر كلامه صرخ، ونادي بأعلى صوته: " ألا ليت ابن آم عمر لم تلده، يا ليتها كانت عاقراً لم تعالج حملها، ألا من يخبرها بما فعل لولدها "، ويطلب أويس من عمر: " يا أمير المؤمنين خذ أنت هاهنا حتى أخذ أنا هاهنا "، فولي عمر وصحبه عليّ ناحية مكة، وساق أويس إبله إلى أصحابه، وسلم القوم إبلهم، ثم اختفى، مقبلاً على العبادة (النشار: نشأة الفكر الفلسفي، حـ3 ، 253، 254).

ولنا أن نلاحظ، من بعدُ، أن منهج التحقيق العلمي من شخصية "أويس القرني" يفترض إنها، مع مساقها بمثل هذه الرواية؛ شخصية أسطورية، يفعل فيها الخيال فعل الأعاجيب وتحوطها دهشة الغموض والغرابة من جميع جوانبها؛ كما يصورها الخيال الصوفي بتصوراته البعيدة عن واقع لا يُصدقه عقل. قد تبدو القصة في نظر العقل اختلاقاً يكذّبه الواقع، وتوهّماً لا يوجد إلاّ في خيال كاتبها أو راويها، ولكننا مع ذلك من جهة أخرى؛ نقف إزاءها وقفة المطمئن الواثق من الأصل الذي بُنيَت عليه، والأساس الذي اعتمدته، والدلالة الروحيّة التي تشكلت منها عناصرها ومقوماتها. فليس يكفي القول هنا بأن قصة "أويس القرني" أسطورة من أساطير المتصوفة خلقتها لديهم أنداء الخيال .. لا يكفي هذا القول ترضيه للعقل أو مسايرة لمنهج التحقيق العلمي؛ لأن هذه القصة برمتها - مع افتراض الاختلاق - صُوِّرت على مثال قصة قرآنية هى قصة الخضر مع موسى الكليم؛ فهناك النموذج، وهناك المثال، وهناك الأساس، وهناك الدلالة الروحيّة المباشرة من نصوص القرآن الكريم والتي تشكلت منها عناصرها ومقوماتها ودواعيها في منطق الذوق والتخريج.

إنّ موقف أمير المؤمنين من "راعي الغنم الأجير"، لهو موقف التلميذ من الأستاذ، لا بل هو "الموقف القرآني"، موقف موسى من الخضر، موقف العبد الذي أتاه الله العلم اللّدُنّيِّ، فهو خفيٌ مستتر غير ظاهر معروف؛ ليكون آية من آيات الله في خلقه وطريقاً آخر في معرفة الله غير ما هو معروف للحسّ ومألوف للعيان.

ثم إن هذه القصة، مع إحالتنا إيّاها إلى الأسطورة التي لا تمسّ الواقع في شيء، ومع تقرير هذا الحكم عليها بدايةً، تنفي فكرة "العبد الربّاني" التي فاضت بها الأحاديث الصحيحة، ومن الصعب نفيها أو التعالي عليها ترضية للعقل أو مسايرة لمنهج التحقيق العلمي. فلئن كانت القصة صيغت صياغة روائية يحيلها العقل إلى أسطورة ندّت عن خيال المتصوفة، فلا نعدم في الواقع وجود رجال شهد الواقع نفسه بوجودهم، كانوا عبّاداً للروح، ربّانييّن، فتحققوا بمشهدهم النوراني، ورأت عيون الناس آثارهم ومناقبهم، ولم يكونوا في طبقة "أويس" بل أقل وأدنى. ولماذا نذهب بعيداً فنحكّم الواقع، وفينا حُكم الله، يقطع بالحكم فيما ورد من وجود العبد الخاص من عبيد الاختصاص، ذلك الذي علّمه الله من لدنه علماً، الأمر الذي يجعل فكرة العبد الربّاني، أو القطب الغوث، واقعاً يؤمن به المؤمنون الغيب، ويشهده المؤمنون به شهوداً قلبيّاً لا مزيد عليه، والطعن فيه طعن في الإيمان بالأساس، وقدح في المثال وفي النموذج، بالدلالة الروحيّة على وجه الخصوص.

(2) الصورة الثانية: أمّا الصورة الأخرى التي يرسمها ابن عربي للقطب، فهى أنه - كما يقول - اسم بدل من اسم الله، فكما يكون اسم الله هو المهيمن على جميع الأسماء؛ فكذلك القطب اسم مهيمن على أسماء النزول، وكما أن لله تعالى تسعاً وتسعون اسم، كذلك القطب له تسع وتسعون اسم يحتوي على كل اسم من أسماء الله تعالى، فهو عين عينه، وظاهر باطنه، ووجه ذاته، ومجلى تجلى أسمائه وصفاته، فمن عرفه عرف حضرة الله تعالى، ومن ينكر عليه، فلا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم .. (نفائس العرفان: ص30).

فتلك صورة العبد المتحقّق بالوحدة الذاتية مع الحق، صورة الإنسان الكامل، الذي اتصلت به " كاف الكنتيّة "، كما يسميها ابن عربي في شجرة الكون عند الحديث عن (كنت له سمعاً وبصراً ومؤيداً)، وذلك حين قال: " إني نظرت إلى الكون وتكوينه، وإلى المكنون وتدوينه، فرأيت الكون كله شجرة، وأصل نورها من حبة " كُن " (شجرة الكون، طبعة مكتبة صبيح، القاهرة سنة 1386 هـ ، 1967 م ، ص 3).

ومن خلال ما تقّدم عن هاتين الصورتين المرسومتين عن القطب يمكن أن يتجمّع لدينا المعنى الذي يلخّص الفكرة عن قطب الصوفية، ويفرقها فرقاً فاصلاً عن الإمام عند الشيعة: فقطب الصوفية، وليّ، عارفُ، وليس بإمام يتلقى معارفه من طريق الوراثة من الإمام الذي سبقه كما هو الحال عند الشيعة.

الولي (= القطب) عند الصوفية، يتلقى معارفه من الله مباشرة عن طريق النفث في الرّوع، إلقاءً وانقداحاً، كما قال البسطامي:" أخذتم علمكم ميت عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت"، وليست المعرفة تصل إليه بالوصيّة من الإمام الذي سبقه.

ليس شيخ الصوفية كإمام الشيعة، وليس الدّين هنا طاعة لرجل، ولن يكون. وإنما الرجل هو المُربّي الذي يعرّفَك أن الدين طاعة لله وحده لا شريك له. الرجل هو الذي يربّيك فيرَقِّيك. الرجل هو الذي يقودك على البصيرة إلى الله تعالى حين لم تجد قيادتك أدنى إليك من نفسك. كثيرون هم الذين وصلوا إلى الله بغير شيوخ ترعاهم وترقيهم. ومنهم من قرّر أن الحاجة إلى الشيخ إنما هى للإجلاف الأغبياء. أمّا الأذكياء المرهفون المتصلون بالنور فلا حاجة بهم في طريق الله إلى رجال، وبمواهب الوصول إلى أشياخ !

وإذا كانت المعرفة في كل من المذهبين تنسب الشيخ والإمام إلى العلم اللّدُنىِّ، ففي معرفة الشيخ لهذا العلم يظل الاجتهاد والاحتمال وبذل الطاقة كلها أمور جميعها بمثابة الفصيل الحاكم والعلامة الفارقة. بينما العصمة عند الشيعة هى الأساس لتحصيل الإمام لهذا العلم؛ ولا عصمة مطلقاً لشيوخ التصوف بل حفظ.

على أن الباحثين الذين فرضوا الفروض وطرحوا الأسئلة لالتماس الصلات القريبة بين مشاهد الصوفية وعقائد الشيعة، كالفروض التي صيغت بها فكرة الغوث بما لديه من قوة على التخفي والانتقال على صورة المهدي المختفي الذي يظهر لكل البشر من أتباعه بين الحين والحين؛ وكما الأسئلة التي من جملتها: هل أخذت فكرة المهدي من قصة الخضر القرآني، وصيغت على مثاله، وأخذت الصوفية فكرة الغوث من المصدرين: المصدر القرآني الأصيل في قصة الخضر، والمصدر الشيعي التابع للمصدر القرآني في فكرة المهدي؟!

أقول؛ إن هؤلاء الباحثين لم يحسموا الأمر وأخذوا على أنفسهم يقترحون الاقتراحات التي تتلّون بها آراؤهم، لتكون بين بين، لا هى هذه ولا هى تلك. إن ترك الباب مفتوح بهذه الجهة لا يحل ولا يربط، ولا يقطع في المسألة برأي حاسم، ولا التفات عندنا - ولو فيما نراه نحن - إلى المصدر الثاني إذا عمقنا النظر إلى المصدر الأول، أعني المصدر القرآني الأصيل، ومضينا معه إلى غاية ما يعطيه من أثر ذوقيّ ويحدثه من توجّه روحي، تكفي مساقات هذا المصدر بإطلاق؛ ليكون هو المصدر الأوحد لفكرة القطب الغوث عند الصوفية، وليس هو بالقليل ولا بالهين، ولا بالذي يهمل ليجئ ها هنا مصدر آخر سواه.

على أن هناك فرقاَ جوهريّاً في بنية اللغة نفسها (عبارة - وإشارة) بين الصوفية والشيعة الباطنية، يثبته الشيخ "زرّوق"، بعد أن يذكر أن للناس في أخذ العلم من الكتاب والسنة عدّة مسالك منها: قوم اثبتوا المعاني وحققوا المباني، وأخذوا الإشارة من ظاهر اللفظ وباطن المعنى، وهؤلاء هم الصوفية المحققون والأئمة المدققون. أمّا الباطنية الذين حملوا الكلّ على الإشارة، فهم لم يثبتوا المعنى ولا العبارة " (قواعد التصوف، ص 47، وله أيضاَ: عدّة المريد الصادق، ص118- 119).

ولئن شئنا الدّقة في مسائل اللغة أكثر من هذا، ومنها الرمز بطبيعة الحال؛ فإننا نلاحظ ما كنا لاحظناه فيما سبق من تحقيقنا لكتاب "السر في أنفاس الصوفية " للإمام أبي القاسم الجنيد؛ في المسألة الخاصّة بعلم الإشارة الصوفية فكان مما لاحظناه هنا أن: الرمز في التصوف غير الرمز في التشيع، تماماً كما أن السِّر في التشيع غير السِّر في التصوف؛ وإنْ ظهرت بوادي مشتركة ظاهرة فيما بينهما.

ربما كان أصل الرمز (حسب تعريف إسحاق بن سليمان بن وهب (ت272هـ) صاحب كتاب "البرهان في وجوه القرآن"، وهو كاتب شيعي، ظاهر التشيع، صنف كتباً عدّة في الفقه وعلوم الدين): الصوت الخَفيُّ الذي لا يكاد يفهم، وإنما يُستعمل المتكلم الرمز في كلامه فيما يريد طَيِّه عن كافة الناس. وقد نشأ مذهب الظاهرية في المشرق ليقاوم هذه الدعوة الباطنية، وينكر الحاجة إلى إمام مستتر "يختصه الله بأمانة الإلهام"، يعلم الناس ما ليس في وسعهم أن يتعلموه من ظاهر الآيات القرآنية، فكان داوود بن سليمان الظاهري (201 - 270هـ) هو أول من قام به في المشرق لكنه لم يبلغ من القوة والشيوع مبلغه في المغرب على يد الإمام على ابن أحمد بن سعيد المشهور بابن حزم الظاهري (384-456هـ) وكان ابن حزم أمويّاً شديد التعصب للدولة الأموية. وما كانت علوم الصوفية ولن تكون أبداً مستقاة من إمام معصوم يتلقى من علم الغيب أسراره ومعارفه؛ لأن علومهم، كما قلنا غير مرة، نفثٌ في الرَّوْع يصدرها الحال في لحظة تجرد خالصة، وليست هى بالصادرة عن إمام معصوم.

وهذا هو الفرق الفارق عندي بين باطنية الشيعة من جهة، والحياة الباطنة عند الصوفية من جهة أخرى. قال الغزالي:" لمّا سئل بعض العلماء عن العلم الباطن ما هو؟ أجاب:"هو سرٌ من أسرار الله تعالى يقذفه الله تعالى في قلوب أحبابه لم يطْلع عليه بشراً ولا ملكاً" (الإحياء: جـ 3 ص 24). وحديث الغزالي هنا عن "العلم اللَّدُنِّيّ" أو "العلم الباطن" الذي يقصده الصوفية (= الأخذ عن الله بالمباشرة) يجيء بعد صفاء القلب وطهارة النفس وتزكية الباطن وخلوص السريرة لله، وإليه إشارة الجنيد (297هـ):"لو أن العلمَ الذي أتكلم به من عندي لفنىَ، ولكنه من حق بدا وإلى الحق يعود " (حلية الأولياء: جـ 10 ص 263).

فكل ما يأتيه الصوفي الحق من علوم ومعارف وأسرار يطويها تحت غشاوة الرمز ولُمح الإشارة؛ إنما يأتيه من هذا "الحق" وحده، يبديها لقلبه بعد تزكيته من العلائق وتطهيره من الأوْشاب؛ فهى من أجل هذا: علوم ألهام ونفث في الرَّوع، من الحق بدت وإليه تعود. ليست تتلقى أولاً عن إمام معصوم كما هو الحال في التشيع، وليست تتأتى ثانياً بحيل العقل ولا كد الذهن ولا عنت التحصيل في المقروء والمكتوب: علوم إلهام لا علوم أقوال.

إنما الرمز في التصوف يستند على إشارة روحيّة تحمل سراً يدل على حال الصوفي ولا يزيد: حاله مع الله؛ فأقوالهم وإشاراتهم ما هى إلا أسرى أحوالهم وكفى (راجع: دراستنا وتحقيقنا لكتاب السّر في أنفاس الصوفية للجنيد: علم الإشارة الصوفية؛ دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1436هـ - 2015م؛ ص 106- 107).        

وإذا كانت إشارة الشيخ "زرّوق" تنصرف إلى الفارق اللغوي بداهة، وكانت إشارتنا تنصرف إلى دلالة الرمز في التصوف من حيث كونه علماً للإشارة الصوفية؛ فإن الأستاذ "ماسينيون"، يحقق فرقاً آخر مهمّاً متصلاً بالعقائد هو: قلة قبول الشيعة الإمامية للتصوف ورفضه لشيوخه مع إشعارهم غلبة نزعته الروحية واستقلاله الذاتي بعيداً عن التوسّل بالأئمة. ونص "ماسينيون" هو " ... جاءت الشيعة الإمامية الزيديّة والإثناء عشرية والغلاة في القرن الثالث الهجري؛ فأنكروا كل نزوع إلى التصوف؛ لأنه سيحدث بين المؤمنين ضرباً من الحياة الشاذة (صوف - خانقاه) تتمثل في طلب الرضا من غير توسل بالأئمة الإثنى عشر، وطلب إمامة تناقض ما جروا عليه من تقيّة (مادة تصوف؛ دائرة المعارف الإسلامية، ص 19).

وبعد؛ فإنِّ الذين يلتمسون الشواهد من هنا وهناك؛ لاقتراب التصوف من التشيع من جهة، ولإظهار "الاتصال الفكري" في كثير من جوانب المذهبين من جهة أخرى؛ أغراهم التشابه بين الأفكار ففارقوا التمييز ! تخونهم في الغالب قدرتهم الروحية، ولا أقول العلمية؛ على تحديد الفواصل الدقيقة الفارقة بين المعاني المتداخلة أو المتشابهة، ويعوزهم - من ثمَّ - في الواقع مفتاح المعايشة في باطن تلك الحياة الروحيّة. وإنهم ليحكمون عليها من خارجها، ويرضيهم ذلك، وعدتهم وعتادهم هو ما يقرأونه وما يسمعونه على التقليد، لا ما يشهدونه من جهة الحال ويتذوقونه من جهة المنهج. والأمر جدُّ بعيدٌ بين من رأى وبين من قرأ أو سمع: شتان بين الشهود العيني لمرأى القلوب، وبين السماع القولي والقراءة في كتاب.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم 

 

 

مقدمة: نقول: لقد أخطأ العلامه الحلي في وصفه للإمامة بأنها: - [رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي] - الباب الحادي عشر للحلي، والخطأ نقرئه في أصل التوصيف لأنه أعتمد على كلمات عامة، ولا ربط لها بمفهوم الإمامة ودلالتها، فقوله: إنها رياسة عامة !!، في أمور الدين والدنيا !!، نيابة عن النبي !!، قول غير مفهوم في المُراد من عموم معنى الرئاسة، كذلك الربط بينها وبين النبوة مجازفة غير دقيقة، بل إخلال في موضوعة الإمامة بإعتبارها قضية إجتماعية وحاجة في موضوعها وفي محمولها، فالرئيس لا يكون رئيساً إلاَّ بالإنتخاب أو الإختيار، وهذا يعني نفي كونها نيابة أو أنها هبة أو وصية أو تنصيباً، فكل هذه الأوصاف لا تنسجم وطبيعة الفاعل فيها والذين هم الناس لا غير، فهم أصحاب الشأن في إختيار من يكون رئيسا عليهم فينصبوه .

 ونقول: لا يكون الإمام نائباً عن النبي بأي نحو، ذلك أن موضوعة النبوة قضية إلهية محضة تكون بالإصطفاء من قبل الله، والنبي لا يكون منصوباً أو مختاراً من قبل الناس، فيصح معه ان يكون منصبه قابلا للنيابة، وفي ذلك المعنى تحديداً لا تصح النيابة ولا تصح الوصية ولا يصح التنصيب .

 أذن فحينما نقول: إن الحلي قد أخطأ في التوصيف فنحن نعني ما نقول، وذلك لأن الكلام في شأن الإمامة وطبيعتها مرتبطة بالناس وبشؤوناتهم، هي إذن: (عبارة عن حكومة تنفيذية ترتبط في مهامها بالرسالة)، وفي هذا نكون قد أخرجنا الإمامة من النبوة وطبيعتها وما يتعلق بها، وبهذا يمكننا القول: (هي نيابة عن الرسول في أمور الدين والدنيا) وهذا القول على نحو الإعتبار لا الحقيقة، بإعتبار كونه حاكماً ورئيساً، فالأمر والنهي والقضاء وجميع شؤونات السلطة والحاكمية هي من مهام الرسول، وكذا يكون بالتبعية من مهام الإمام أي (الحاكم أو الرئيس)، فمهام الإمام من مهام الرسول ومهام الإمامة من مهام الرسالة لا النبوة، وهذا الكلام من جهة الوصف وتعيين المصداق، ولكي يكون الوصف صحيحاً يجب ان يكون منسجماً مع معنى الموصوف .

 ولزيادة في الإيضاح نقول: [الإمامة هي سلطة زمنية تستقي فعلها وعناصر قوتها من الرسالة، بلحاظ كونها مؤوسسة من أجل تنفيذ القوانين والتشريعات وإجرائها]، والإمام يكون رسولاً من هذه الحيثية وليس من جهة الشخصية، فالرسول أو الإمام هو عنصر بشري يجري عليه ما يجري على عامة الناس، من جهة تطبيق القانون وإجرائه، ولا يتعلق الأمر بشخص الرسول من حيث هو، لذلك قال: (أفإن مات أو قتل أنقلبتم على أعقابكم) - آل عمران 144، وحتى حينما يقول النص: - [وما آتاكم الرسول فخذوه] - الحشر 7، إنما يعني إن ما جاء للرسول من تعليمات فعليكم بالأخذ بها وتنفيذها، وشرط التنفيذ متعلق بما يحكم به الزمان والمكان من حيث الطبيعة والإنسجام والموافقة، ونفس الشيء يُقال في معنى قوله تعالى: - [أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ..] - النساء 59، ومفهوم الطاعة هنا هو إطاعة ما جاء به الرسول من تعليمات ومن أوامر ونواهي، وليس إطاعة الرسول من حيث هو هو، فهذا شيء أخر إنما المتعلق في الطاعة هو طاعة الرسالة وما فيها، من قوانين وتشريعات، هذا هو الظاهر وفي المقام الأول، وبما إن الرسول هو المنفذ والمجري لهذا القانون في زمانه فتلزم طاعته من هذا الباب، ويعني هذا إن الأمر بالطاعة متعلقق بالرسالة أي طاعة الرسالة ومن ينفذها في كل زمان وفي كل مكان، والمعيار في ذلك هو المفهوم وليس المصداق لأن المصداق متغير بحسب الزمان والمكان .

 والفصل الذي نقصده بين الرسول والرسالة فصلاً إعتبارياً لا فصلاً حقيقياً، أعني هو فصل في الجانب الإجرائي وما يتعلق بفهم النصوص وشرحها والإجتهاد فيها، وفي مسألة الإمامة كذلك فنحن نشير إلى الإمام لا بصفته الشخصية بل بصفته الإعتبارية الدائمة والمتغيرة بحسب الزمان والمكان، بمعنى إن الشخصية مفهوما زمنيا إعتباريا لا يجوز فيه التعلق بها أو تسوية الأمور حسب مواصفاتها الشخصيه لأن ذلك غير ممكن .

 ومع التطور الإجتماعي والإقتصادي وتنامي دور المعلومات وسيادة النزعة الوطنية تقلص دور الإمام بالمعنى التاريخي، ولم يعد مفهوم الخليفة الإمام أوالسلطان مقبولاً في ظل التطور العلمي لمفهوم الحكم، ومن هنا تجذر المفهوم الجغرافي للوطن الذي لم يعد يتسع لمساحات واسعة، فأصبح لكل وطن وقوم أماماً خاصاً لهم ينتخبونه من بينهم ضمن مواصفات إجتماعية وسياسية معينة ...

نعم إن هناك خللاً مفاهيمياً في الفكر الإسلامي، يلف فكرة الإمامة ككل، ويبدأ من خلال الإعتماد المغلوط على أخبار وروايات غير صحيحة في تأسيس الإمامة والبناء عليها، ومن بين تلك الأخبار قولهم ا: - (الائمة أثنى عشر وكلهم من قريش) -، فالتأسيس لمفهوم الإمامة إسلامياً أنطلق من هذا الوضع، ومنه أبتدأت المغالطة والخرافة ونمت وترعرعت وكبر عودها، وصيغ حولها القصص والحكايا، والتي أنتهت بسيادة الغلو والتطرف وكثرة الأخبار التي روجت لذلك، وهذا ما نجده واضحاً في كتب الروايات والأخبار الإسلامية .

والبحث في سند الخبر أرشدنا إلى جميع رواته من الكذابين الوضاعين الذين لا يعتد بهم، ومع إن البحث في الخبر وسنده لا يعنينا لكن ومن باب الإشارة والتذكير جئنا به، وأما المعمول عندنا فهو كتاب الله المجيد وما يقول به العقل في هذا الشأن، فالخبر حسب قواعد الكتاب ونصوصه (خبر متهافت) ولا يصلح في التأسيس والبناء عليه، كما إنه لا يصح نسبة التهافت لرسول الله أو إنه عليه السلام يتبنى هذه الفكرة وبأن يكون الخلفاء من بعده أثنى عشر وكلهم من قريش .

 فالخلافة بمفهومها العام هي سلطة زمنية وليست وهبية ولا كسبية ولا نصيه، إنما هي سلطة إجتماعية في التأسيس والبناء، كما لا يصح الإعتماد على هذا الخبر، لأنه يجعل من الرسول هو المؤوسس لفكرة القومية والتعصب العنصري، وهذا يناقض ما جاء في وصف وما نفهمه من قوله تعالى: - (وما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالمين) - الأنبياء

107، وماورد في المأثور عنه عليه السلام: - (لا فضل لعربي على أعجمي إلاَّ بالتقوى) -، وهذا الكلام يتجاوز البعد الضيق للإنتماء القومي أو القبلي أو المناطقي، والمعيار عنده هو في العمل الصالح .

نعم شكل هذا الخبر دافعاً للبعض للقيام بتمرد مشروع على فكرة الإحتواء القهري الذي يمارس من قبل قوى السلطة، إذ ذاك يعني حذف متعمد لمفهوم السلطة كمؤوسسة إجتماعية تكون وتكبر وتنمو بالإنتخاب (الشورى والديمقراطية)، ناهيك من كون هذا الخبر المسخ يعارض بوضوح نصوص الكتاب المجيد، الداعية إلى التساوي في الحقوق وفي الواجبات من غير تمييز أو تفاوت طبقي أو أثني، كما إن من المفيد الإشارة إلى أخبار تعارض ذلك وتعلن بصراحة رفض فكرة التفاضل حسب النسب والعشيرة، وجعلت من التفاضل المحمود بالعلم والعمل والتقوى وهي مفاهيم مجردة مطروحة للعموم، وليست هي من خواص أو من ممتلكات قريش أو أنصار قريش، ففي المأثور قوله عليه السلام: (والله لعبد حبشي يطيع الله خير من سيد قرشي يعصي الله) .

 ولا يجوز حصر الأفضلية في الطقوس والممارسات والشعائر، بل تكون بالعمل الصالح وبالتقوى وإن كانت الثانية شأن خاص لا يدخل في مجال التنافس والتفاضل بل يجده العبد عند الله، والذي عليه المعول:

 - إن هذا القول عام مطلق ويتناول حركة الإنسان في مطلق الزمان والمكان -، ومن غير تصنيف أو علامات فارقة أفترضتها الذهنية المتخلفة، والكتاب المجيد كذلك يصدح بمقولته الشهيرة: - [إن أكرمكم عند الله أتقآكم] - الحجرات 13، وصفة التفضيل عند الله كذلك هي بالعمل الذي يقي الناس من العنف والشر والجريمة، وفي ذلك لا يكون هناك متسعاً من القول لكي نقول: - إن لقريش فضل على عامة الناس وفي قيادتهم -، وكذا لا يصح كذلك حصر الإمامة بعدد محدد من الخلفاء، طالما إن الأمر يرتبط بالحياة وبالوظائف اليومية للناس وبالزمن الإفتراضي لكل خليفة .

الرسول أو الإمام:

 موضوعة (الرسول أو الإمام) ليست موضوعة ثنائية التشكل والمعنى بل هي أحادية الصفة والمضمون، فالإمام في الكتاب المجيد هو رسول والعكس صحيح (وفي هذا الشأن يجب التركيز على مقولات الكتاب المجيد، وليس على ما تقوله الأخبار والروايات الموضوعة)، وهذا يعني إن للإمام من المهام والواجبات ما للرسول، وله نفس االسلطة والقابلية في إجراء القوانين وتنفيذها والحكم والقضاء بين الناس، إنهما إذن يعبران عن وحدة حال، وإلى هذا أشار النص التالي في قوله تعالى: - [.... إني جاعلك للناس إماماً، قال: ومن ذريتي ؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين] - البقرة 124، وفي بيان معنى هذا النص، نقول: إن مفهوم جعل أي صار في لغة العرب وهو من الصيرورة، أي الإنتقال من حال إلى حال أخرى، ونفس المعنى نجده في الكلامي وفي الفلسفة أيضاً، هو تطور ذاتي وموضوعي يطرأ على الشيء لغاية ما .

 والفعل ورد هنا في صيغة ما يحدث لا حقاً، كالذي حصل لإبراهيم من تطور (صيرورة) فبعد أن كان نبياً صار إماماً، هو إذن تطور في المهام وليس في المقام، وقد عبر الملا صدرا عن ذلك بحركة النقلة، وهذا ما عناه النص أيضاً في قضية الواجبات والمهام التي سيضطلع بها إبراهيم الإمام (الرسول) وليس إبراهيم النبي .

 وكما قلنا غير مرة (إن الإمامة هي ليست النبوة) تختلف عنها من وجه ولا تفترق عنها من وجه أخر، ففي:

الأول قال: إني - جاعلك .. إماماً - بصيغة المفعول الثاني،

 ولفظ - جاعلك - يقوم بمقام الفعل في نصب المفعول، ولا تصح إليه الإضافة، هذا إذا كان بمعنى الحاضر أو المستقبل، وأما إذا كان بمعنى الماضي فلا يقوم بمقام الفعل .

والثاني قولهم: أن أسم الفاعل حين يكون مضافا يكون ماضياً كدليل على الإقرار، وهذا لا يكون عند الكسائي، فهو إن كان مضافاً يحتمل الحال والإستقبال، وعليه يكون معنى النص: (إن الله قد جعل إبراهيم إماماً أما في الحاضر أو في المستقبل) .

 وكا قلنا إن: - (الإمامة شيء والنبوة شيء أخر) -، وإلى هذا ذهب صاحب الميزان حيث قال: - إن إمامة إبراهيم غير نبوته - الميزان ج1 ص 271، والإمام هو ما يُقتدى به ويُتبع في أفعاله وأقواله، كتدبير أمور الناس وإجراء سياساتهم وتطبيق القوانين والأحكام بينهم، ولا تدل عبارة - إني جاعلك - على معنى (إن يكون الإمام منصوباً من قبل الله)، ولكنها تشير فقط إلى تطور وإنتقال في حياة إبراهيم من كونه نبياً يوحى إليه إلى كونه رسولاً يقود الناس ويطبق القانون، إذن هي ترتبط بقضية الفعل والمهام التي سيقوم بها إبراهيم بإعتباره إماماً .

 وأما التوكيد في القول إنه: - (لا ينال عهدي الظالمين) -،

 أي عهد الإمامة لا يناله الظالمين، ولفظ - الظالمين - بصيغة الجمع مع ال التعريف مشعرة بالتخصيص، والمُراد منها (جماعة خاصة بعينها) من ذرية إبراهيم، ولا يصدق معناها على كل من صدر منه أو عنه ظلم أو شرك أو معصية في حياته، ولو كان في برهة من عمره ثم تاب وأصلح !!، ذلك إن الظلم ليست من الصفات الثابتة التي لا تزول بزوال السبب، ثم إن ترتيب الظلم والحكم عليه بأثر رجعي ممنوع عند الله إذ (لا تزروا وازرة وزر أخرى)، هذا من جهة الطبيعة وما يكون عليه الإنسان بالفعل، وقد ورد في الأثر التأكيد على: - إن الإسلام يجُب ما قبله - أي يمحو ما قبله، وبهذه الحيثية دخل الناس في الإسلام وقُبل منهم .

 أما لماذا لا ينال عهد الإمامة من ذرية إبراهيم ؟، فالقيد كما قلنا يشير إلى البعض منهم، والمتعلق في المنع هو الظلم، الصفة والفاعل إذ لا يستقيم أمره ومهام الإمامة، التي يتطلب فيها العدل كونها أمر ونهي وتنفيذ دقيق للأحكام، والشرط الموضوعي المقترح هذا يُلزم من يتصدى من ذرية إبراهيم لهذا العهد، وبأن لا يكون ظالماً أو من الظالمين في الحال وليس في الماضي .

 والظلم صفة نفسية نسبية تكون ضد العدل في مطلق الزمان والمكان، وفي الكتاب المجيد نرى التقابل بين الظلم والإحسان كما في قوله تعالى: - [.. ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين] - الصافات 113، والإحسان كما الظلم من الصفات النسبية المتغيرة، والمعيار في التعريف بالظلم أو الإحسان هو في الطبيعة والكيفية التي يتم الإعتماد عليها فيما ينفع الناس ويحقق مصالحهم .

والظلم والإحسان والعدل وغيرهما هي من الصفات الغير تخيُليه، ولا يصح التوصيف بها أو الكلام عنها على نحو مطلق من غير دليل، وكذا لا يجوز إعتبار لفظ - عهدي - منه تعالى ذو دلالة مطلقة بحيث يشمل كل عهد، حتى في قوله هذا: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ..) - طه 115، فالعهد ليس مطلقاً ومعناه هنا لا يشمل كل عهد، وهكذا قال في قصة يونس: - [سبحانك إني كنت من الظالمين] - الأنبياء 87، ولا يُقال عن الظلم هنا إنه محمول على ترك الأولى، بل يُقال عنه إنه متعلق بما يقوم به الإنسان تجاه نفسه (ظلم النفس)، كما جاء في قول آدم: - [ربنا ظلمنا أنفسنا] - الأعراف 23، وفعل آدم ويونس في الحقيقة لا يدخل في باب العهد الذي نحن بصدده، ولهذا لا يستوجب المخالفة والعصيان، وإنما جاء التوصيف من باب العتب أو لنقل من باب تعظيم الشأن .

 ....

ولكن هل العصمة واجبة للإمام أم العدالة ؟ وقبل بيان مفهوم العصمة، نقول: إن الله أستعرض في الكتاب المجيد الشروط الموضوعية الواجب تحققها في الإمام أو الحاكم، ولم  يذكر العصمة ولم يركز عليها بقدر تركيزه على المفاهيم الإعتبارية الأخرى من العلم والقوة والكفاءة، كما في قصة الملك طالوت والنبي داوود، فهو حين جعل طالوت ملكاً على داوود لم يقل إنه أو لأنه معصوماً، بل شدد على مقومات القيادة مع الحفاظ على النسبية في الأشياء التي تؤهل الفرد ليكون قائداً، مع العلم إن الله قد جعل طالوت ملكاً وجعل داوود جندياً في جيشه، قال تعالى: - [.... إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ..] - البقرة 247، يعني جعله حاكماً عليهم بوجود النبي داوود، وهذه تحتاج إلى تأمل، لأن الله لا يركز في القائد إلاَّ على الصفات التي تحقق للناس العدالة والتساوي وتطبيق القانون، فالحاكم المطلوب من قبل الله هو الحاكم العادل الذي يلزمه علم وقوة ولا تلزمه العصمة، أي إن اللازم توفره في الحاكم هو القدرة على تنفيذ القانون وإجرائه بشكل عادل، وتوفير الأمن والإستقرار للمجتمع وحمايته من التعديات الخارجية .

وحين نقول هذا فإنما نعني الجانب القيمي وفيما يحقق السعادة للمجتمع، وكذلك نقول: - ولا يشترط في الإمام أن يكون معصوماً -، ولكن ماهي العصمة ؟:

- عُرفت العصمة بأنها الحماية أو الوقاية، وأصلها من الفعل الثلاثي عصم، وبقولنا حماية فهذا يعني بان الفعل ذاتي، وقد تقع أثاره في الخارج، فهي حماية ذاتية تمنع صاحبها من الوقوع في الخطأ، وهذه الفكرة تنقسم بحسب موضوعها إلى نوعين:

1 - عصمة تكوينية: ومعناها إن يكون الفرد معصوماً في النشأة والتكوين، أي إنه لا يرتكب الخطأ ولا يفعله تكويناً، وهذا المعنى يجعل من المعصوم غير مكلفاً وهو أقرب إلى النبات والجماد منه إلى الإنسان .

2 - عصمة تشريعية: ومعناها إن يكون الفرد قد راقب نفسه ومنعها من الوقوع في الخطأ أو إرتكاب الخطأ، وهذه المراقبة هي فعل أو قدرة على المقاومة يكون الإنسان فيها مكلفاً ومختاراً، أي إنه من ينتخب ماهو صالح وصحيح له، ويتجنب كل ماهو ضار وقبيح، وهذا الفعل ينطلق من الفرد قبل التشريع، ويأتي التشريع كتعزيز وتثبيت لذلك عبر الأوامر والنواهي، وإلى ذلك أشار النص بقوله: - (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) - العنكبوت 69، ويُفهم من هذا إن التشريع يُثبت ويعزز ويدفع بهذا التوجه، لدى من يجد في نفسه العزيمة والإصرار والرغبة، وهذه الحالة تكون سابقة للنبوة ومنها وعليها يتم الإصطفاء .

وهذا المعنى مطلوب على نحو الإستحباب في الإمام أو الحاكم، لأن من يكون كذلك تكون العدالة لديه تحصيل حاصل، ولكن هذا الشرط ليس لازماً إنما هو شرط إقتضاء، ففيه تتحقق المصلحة والغاية من الحكم العادل والحكومة العادلة، ولذلك تكون العدالة هي الشرط الموضوعي الأكثر إنسجاماً مع الطبيعة البشرية في الحكم .

و أما القول: بأن العصمة هي ملكة نورية قدسية، كما يذهب إلى ذلك مُدعي العرفان والتصوف، فهو قول مجرد بل محض خيال ووهم، لأن العصمة في هذا المعنى تجرد الشخص المعصوم من إنسانيته وتذهب به إلى جهة الملائكة، وهذا ما لا يقره الحق ولا يسمح به، فالذين: - [..لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ..] - التحريم 6، هذا الوصف لا ينسجم ولا ينطبق على الإنسان وماهيته وجوهره، الذي يتميز به من عقل وقوة إدراك وتخيل وإختيار وإنتخاب للفعل والقرار .

ونعول للقول: - إن الإمامة ليست رئاسة عامة -، بمعنى إنها ليست تفويضاً من قبل الله، بل هي تفويضا من الشعب لمن يرتضونه إماماً عليهم، وليست التقوى شرطاً في صحة الإمامة، ذلك لأن التقوى في الغالب شيء أو ملكة ذاتية أو نفسانية يحصل عليها المرء من كثرة العمل بالواجبات والإحتياط عن كل الشبهات، وهي شرط مفاضلة عند الله لا يعلمها إلاَّ هو، ولايصح الوصف بها على نحو موضوعي خارجي، والدخول في جدلية التقوى لا يقودنا إلاَّ إلى الدور الباطل بين التقي والأتقى، كما هو الحال بين المفضول والأفضل، وكلها صفات لا يمكن التحقق منها على وجه الدقة في الخارج .

نعم في الإمامة يجب التركيز على إنسانية الإمام، وما يحقق لنا شرط محاسبته إن أخطأ والنظر والتدقيق فيما يقوم به ويحكم، هذا بلحاظ كون فعل الإمام مرتبطاً بحياة الناس وحاجاتهم، ولا يصح الحكم عليهم من غير تشاور معهم، فالشورى شرط لازم في صحة الإمامة، والشورى: - هي إستنطاق عقول الأخرين فيما ينفعهم وفيما يضرهم -، قال تعالى: - [وشاورهم في الأمر] – آل عمران 159، وقال تعالى:

- [...وأمرهم شورى بينهم] - الشورى 38 ..

وللحديث بقية

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

7 جمادي الثاني 1440

 

 

ميثم الجنابيلقد كفّ التصوف عن أن يكون مجموعة عناصر متناثرة في منظومة الغزالي الفكرية. لقد اندمج اندماجا عضويا في الكلّ الفكري الجديد. وليس الانفصال المّوحد في مفهوم تناغم أو وحدة التصوف والسنّة، سوى الاستمرار الجديد للاهوت الغزالي السالف، أو النفي الصوفي لهذا الاستمرار. فالغزالي يسير بنفس تقاليد المتصوفة في آرائها حول وحدة الحقيقة والشريعة، أي من خلال نفي صيغتها التقليدية على اساس الوعي والممارسة الصوفية. فعندما يناقش على سبيل المثال مفهوم التوكل، فانه يحاول أن يربط في كلّ واحد صياغته الدينية العادية فيما يسمى بضرورة الاعتماد على الله وبين مضمونه الروحي الفكري (الصوفي الفلسفي) في رؤية العلاقات السببية المنفية في إدراك قدرة الله الشاملة والمتجسدة في شروط الوجود نفسها، التي بوجد فيها الإنسان ويفعل. فمن جهة يعتبر ملاحظة الأسباب والاعتماد عليها شرك في التوحيد،غير أن نفي هذه الأسباب كلياِ هو طعن في الشرع، بينما الاعتماد على الأسباب من دون رؤية الأسباب تغيير في العقل وانغماس في غمرة الجهل[1]. من هنا المهمة المعقدة، التي حاول حلها في ربط ما دعاه "بمقتضى التوحيد"، أي الفكرة الصوفية الفلسفية المجردة للتوحيد و"مقتضى النقل والعقل"[2]. وقد استمر الغزالي في محاولته حل نفس معضلات الفكر الإسلامي بمختلف اتجاهاته التي واجهها في مرحلة ما قبل التصوف. ولم يجد حلولها النهائية (الحقيقية) إلا فيما سيدعوه بوحدة العلم والعمل الجديدة (الصوفية) أو  وحدة علم المعاملة والمكاشفة.

فحالما يتكلم عن تصنيفه الجديد (إحياء علوم الدين)، فإنه يشير إلى أن ما يصوغه في هذا التصنيف يبرز كالضرورة[3]. وليست هذه الضرورة في الواقع سوى نتاج الهيكلية الذهنية الجديدة في تناول القضايا من حيث مادتها التاريخية وتطور الافكار ومن حيث غايتها الاخلاقية. وقد دعا كل هذه الأشياء بوحدة علم المعاملة والمكاشفة. وبما ان علم المكاشفة مما لا يجوز الافصاح عنه، فان وسيلة بلوغ حقائقه ينبغي ان يقدمها علم المعاملة. وبهذا المعنى ضمّن الغزالي تقليدية المفاهيم والتصورات مضموناً جديداً. كما اعطى هذا بدوره لربط الشريعة بالحقيقة مضموناً جديداً. لقد اعاقه ذلك جزئياً دون ان يعيق الإبداع الدائم للكلمة الحرة. فالصياغة التقليدية وسيوف الهلع اللاهوتي، كان لابد وان يعترضا ابداع و"تهور" الكلمة الحرة. إلا أن مضمون هذه الكلمة شق لنفسه الطريق دوماً بغض النظر عن الكدمات والعوائق المتعمدة التي رى وضعها أمامه. وقد كانت هذه بدورها جزء من واقعية التاريخ وحقيقة التطور. إذ ليس هناك من مرحلة تاريخية لم تبدع قيودها الخاصة التي بدونها تصبح حركة التطور وصراعها أمرا مستحيل الوجود. آنذاك سيكون من الممكن اعادة النظر في مفهوم وحدة السنّة والتصوف في آراء الغزالي من وجهة النظر هذه ايضاً. والغزالي نفسه يشير إلى ذلك بصورة غير مباشرة، مما يجعل من الضروري الحذر في التعامل مع مفرداته اللغوية وعباراته عندما اكد على أن الباعث الثاني لكتابة مؤلفه (إحياء علوم الدين) بالصيغة التي هو عليها، مستند الى مبدأ "المتزيّ بزيّ كمحبوب محبوبي". لهذا لم "يبعد ان يكون تصوير الكتاب بصورة الفقه تلطفاً في استدراج القلوب"[4]، أي انه تتبع نفس اسلوب ما اسماه بتطلف من رام استمالة قلوب الرؤساء إلى الطب فوصفه على هيئة تقويم النجوم موضوعاً في  الجداول والرقوم، ولا ينبغي فهم صياغته اللغوية كصياغة شكلية خالصة. ففي التصوير الغزالي وحدة  شكلية ضرورية تستمد مقوماتها من تقاليد الشريعة والحقيقة الصوفية، من وحدة المعاملة والمكاشفة بوصفهما درجات في الفكر والممارسة، وباعتبارهما اوجهاً لحقيقة واحدة. إلا أن ما يهمنا الآن هو الاشارة  إلى كونها تبرز كأسلوب الاقناع التاريخي. وبهذا المعنى، فهو يشكل قناعة نسبية ضرورية في وعيه نفسه، أي أنها نفس الاستمرارية القديمة للفكرة الغزالية في الوقف من علم الكلام، الذي يصوغ المواقف التدريجية الجديدة منه في (الرسالة القدسية في قواعد العقائد). إنها إمكانية إدراك الحقائق مع تطور  المعرفة والوعي، تماما كما تتعدد تصورات وجوانب  تعمق وعي الإنسان لكل الكلمات والظواهر التي سمعها وشاهدها في الطفولة. اذ لا اضافة جديدة لكلمة الحق عندما يسمعها الإنسان للمرة الأولى. إلا أنها تحمل مع تطوره عالم غير متناه. والغزالي في سعيه استدراج القلوب سار في طريق استلهام ثقافة الاستدراج التي طورتها حضارة الخلافة في صيغ وتجليات غاية في التباين. وبدورها لم تعن سوى الأساليب التي طورتها حذاقة الوعي التجريدي المتمرس في معمعان الحياة الاجتماعية وقضاياها. فالغزالي نفسه يقدم أمثلة عديدة عن تلك "الحيل" التي استعملها حتى اشد الشخصيات ورعاً من اجل تجنب اضطهاد السلطة. وإذا كان ذلك ممكناً في ميدان الحياة الاجتماعية السياسية، فإنه ممكن ايضاً في ميدان الفكر. رغم خصوصيتها والتي يجري فيها تطوير "الحيلة" بصيغة شحذ الذهن في الكشف عما تدعوه المتصوفة "بخفايا وأسرار العقيدة والشرع".

إن لهذه الظاهرة "قانونيتها" الخاصة في التصوف، والتي لا يمكن توقعها خارج اطار التيارات الفكرية الكبرى من مدارس اللاهوت والفلسفة والادب. فقد شكل التصوف النظري احد نماذج حصيلته المتطورة، الذي صاغ إلى جانب غيره من النماذج آلية قناعته "بأسراره" الخاصة. لكن الغزالي لا يغلق رتاج المعرفة "بالسر الصوفي". انه يكشف عنه باعتباره حقيقة السنّة. وهو لا يؤدي بذلك مهمة الربط الآلي فيما بين الاثنين، بقدر ما انه يكشف عن نسبية تجلي حقائق التصوف الكبرى وتصوراته الكونية عن عالم الملك والملكوت، السفلي والعلوي، الانسان والله في نسيج وحدة الحقيقة والشريعة، الظاهر والباطن، أي محاولة جعل التصوف الممثل الحقيقي للشرع. وقد انجز هذه المهمة لا من منطلق الكلام اللاهوتي ولا من منطلق التصوف الخالص، بل بوحدة تآلف اتجاهات العصر الفكرية التي عادة ما تؤدي في  آرائه إلى نتائج ومواقف اجتماعية عقلانية ذات نزعة أخلاقية شاملة. فعندما يتكلم، على سبيل المثال، عن أفضلية الجوع الصوفي، فانه ينطلق من أن المطلوب الأقصى في جميع الأمور هو الوسط. والتطرف في الأدب هو من اجل صنع الاعتدال. وبالتالي فانه ينبغي النظر إلى مدح الشرع للمضاد والمقابل لما يبدو متطرفاً كالبذل مقابل التقتير والكف مقابل الاسراف بوصفه وسيلة بلوغ الاعتدال[5].

بصيغة اخرى، ان "ربط التصوف بالسنّة" هو شكل من أشكال تجلي التآلف الجديد، الذي عكس في آن واحد استمرار الفكر القديم وخصوصية التصوف الجديد. إذ لا يعني انتقال الغزالي إلى مواقع "علماء الآخرة" وانتقاده الشامل لممارسته السابقة (الكلامية الجدلية، والفقهية والاجتماعية السياسية والأخلاقية) تخليه الكامل عن تراثه السابق. على العكس! إانهما لم يعنيا سوى اعادة نظر جوهرية فيه على اساس وأرضية ربط الفكر بالأخلاق. فما "اهمله" في تجربته السابقه هو المظهر الخارجي، أي موقعه ومواقفه في المنظومة الاجتماعية السياسية والفكرية القائمة آنذاك. إذ لا تشكل وحدة علم المعاملة والمكاشفة سوى الاستمرار النوعي الجديد لتراثه الفكري السابق. وذلك لأن غاية المعاملة المكاشفة، وغاية المكاشفة معرفة الله، أي شمول كل مظاهر وتجليات الحياة والوجود.

لقد دمج تصوراته السابقة وأذاب حصيلة فكره في بوتقة الوعي الصوفي الاخلاقي. ويبرز ذلك بوضوح في اتجاه تعميمه لنتاج الفكر الصوفي استناداً إلى الأرضية العقلانية لثقافته السابقة. وأدى ذلك إلى إثارة الكثير من المعضلات حول ما يسمى بحقيقة الغزالي الصوفية وطبيعة تجربته الصوفية، أي ما إذا كان قد مارس وعيه الصوفي على اساس تجربته الفردية الخاصة ألا. ولعل أولى الانتقادات التقييمية الكبرى في تقاليد الفكر الصوفي في هذا المجال هي تلك التي وضعها ابن عربي. فقد تطرق لها من وجهة نظر الموقف من علاقة اللاهوتي والصوفي في شخصية وتجربة الغزالي، ومن حيث استمرار فكره السابق ومستوى ذوبانه في الممارسة الصوفية. ولعل التقييم الذي قدمّه ابن عربي بهذا الصدد يكشف بعمق عن النوعية الجديدة أيضاً التي أدخلها الغزالي في صرح التصوف النظري. فالفرق بين "علماء النظر" كالفقيه والمتكلم كما يقول ابن عربي، "اذا دخلوا طريق الله (وهو يقصد بذلك الغزالي) وبين الأمي"، الذي لم يتقدم علمه اللدني علم ظاهر فكري يقوم في صعوبة إدراك "الحقائق الإلهية" بالنسبة للأول (علماء النظر). وبما انه لا فاعل إلا الله، كما يكتب ابن عربي، فإن هذا الفقيه أو المتكلم حالما يدخل "الحضرة الربوبية" فإنه يأخذ بميزانه (الفقهي أو الكلامي) ليزن على الله وما عرف إن الله ما اعطاه هذه الموازين إلا ليزن لله لا على الله. آنذاك يحرم الأدب ويعاقب بالجهل بالعلم اللدني. إلا أن من كان وافر العقل كما يقول ابن عربي، فإنه يمكن أن يعلم من اين اصيب. وفي هذه الحالة عادة ما يسلك طريق من بين طرق، وأسلوب من بين أساليب. فمنهم من دخل"طريق الله" وترك ميزانه على الباب حتى إذا خرج أخذه ليزن به لله ولكن قلبه متعلق بما تركه، وأحسن من هذا حالا من كسر ميزانه، فإن كان خشباً أحرقه، وإن كان مما يذوب أذابه وبرّده حتى يزول كونه ميزاناً وان بقي عين جوهره. فلا يبالي وهذا عزيز جداً، وما سمعنا إن احداً فعله. فإن فرضنا، وليس بمحال إن الله قوّى بعض عباده حتى فعل مثل هذا، كما ذكر ابو حامد الغزالي عن نفسه، فإن الأمر يختلف مقارنة بالاميّ[6]. والتعليق اللاحق الذي يقدمه ابن عربي، يشير إلى مثال الغزالي في دخول "طريق الله"، أي أنها حالة "من لم يكن على شريعة فأراد أن يعرف ما ثم فسأل فدل على طريق القوم، فدخل ليعرف الحق بتعريف الله"[7].

وفيما لو استعملنا تعبير ابن عربي، فان الغزالي يكون قد كسر ميزان أحكامه الفقهية والكلامية وأذاب حصيلة معرفته في طريقه الجديد. ولكنه مع ذلك، بقي عين جوهره. وبهذا المعنى بقيت حصيلة المعارف المنفية والمجردة بوصفها الحالة التي "ما سمع أحد فعلها" إلا ما ذكره الغزالي عن نفسه. ولاي مكن فهم حقيقة هذه الصياغة الرمزية في تاريخيتها إلا بالصيغة التي توحي بخصوصيته في عالم الصوفية  تقاليدها المبنية على أساس استمرار الفكر وحصيلة التآلف النظري. وليس بما اعطت للبعض باعث وحجة نفي "تجربة الغزالي الصوفية". فهو استنتاج سطحي بفعل عدم رؤيته اضمحلال وانحلال "التجربة الصوفية" في مقارناته التعميمية. فقد دخل الغزالي "طريق الله" أو عالم الصوفية بعد تجربة فكرية نظرية وعملية اخلاقية متعددة المناهل والمستويات. ومهما حاول هو في وقت لاحق تكسير اطرها الأولية، فإن صورها ظلت تعبث في مخيلته كمصدر جوهري في رؤية العالم وظواهره. وهو لم ينكر  ذلك في يوم من الأيام. على العكس. انه وجد في ذلك أحد السبل الضرورية لعالم الصوفية الاكثر تطوراً. فحالما حاول التنظير لمفهوم العلم اللدني، فإن الحصيلة المعرفية المتعددة المناهل تظل ضرورية من اجل قوة هذا العلم. وهو ما نعثر عليه في البدايات الصوفية الأولى المباشرة وغير المباشرة للغزالي، أي في سعيه للتعميم الذي عادة ما كانت ترفضه المتصوفة الأوائل، ليس لرفضها التعميم، بل من منطلق اولوية التجربة الفردية الذاتيه. أما أحكام الغزالي فقد انصّبت في اطار وحدة المضمون الصوفي والتقاليد العقلانية الكلامية والعمق الفلسفي التحليلي. فعندما يتكلم، على سبيل المثال، حول اصناف التصورات الصوفيه عن الوسواس والذكر فانه يستعرض خمس فرق ليستنتج في نهاية المطاف، بأن كل مذاهبها صحيحة ولكنها كلها في الوقت نفسه قاصرة عن الاحاطة بأصناف الوسواس، بفعل كون كل واحد منهم نظر إلى صنف واحد من الوسواس فاخبر عنه[8]. بصيغة أخرى، انه يقف إلى جانب التجربة الصوفية الفردية في دقة حكمها باعتبارها تجربة المعرفة النسبية، ولكنه يكشف في الوقت نفسه عن افتقادها للتعميم. وقد أدى ذلك به دوماً إلى ابراز فعالية العقل والعقلانية في تجربته الصوفية. وهو بدوره نتاج استمرار التقاليد الفكرية السابقة، التي اتخذت مهمة الربط الدائم بين علوم المعاملة والمكاشفة، أي الارتقاء من ممارستها الصوفية إلى تنظيرها الصوفي. ولم يكن ذلك بمعزل عن الاتجاه الاجتماعي السياسي في آرائه، ومحاولة صنع تآلف فكري عقائدي جديد، والسعي لتوحيد استنتاجات الاتجاهات الفكرية الكبرى، ولوضع حد لبلبلة الصراعات المذهبية آنذاك. فأساليب علم الكلام والفكر المنطقي الفلسفي، هي التي جعلت من الممكن، بل ودفعته لحل الآراء المتعلقة "بالتناقض" بين التصوف والشريعة (السنّة)، أي أن محاولته البحث في ميدان علم المعاملة، كان لابد وأن يضعه أمام مهمة كشف العلاقات الداخلية بين المعاملة والمكاشفة في اطار منظومة فكرية متجانسة. لهذا السبب اكد على ما دعاه بتلازم المعاملة والمكاشفة الشبيه بتلازم "النوع والأصل". فلا يستغني أحدهما عن الآخر، وإن كان أحدهما في رتبة الأصل والآخر في رتبة التابع. وعلوم المعاملة "إذا لم تكن باعثة على العمل فعدمها خير من وجودها، فإن هي لم تعمل عملها الذي تراد له قامت مؤيدة للحجة على صاحبها"[9]. ولم تكن هذه الفكرة معزولة عن أسلوب التفكير الكلامي والمنطقي الفلسفي نفسه. فهو لم يرفض كلياً انتاج العلم الكلامي وآراء الفلاسفة، ولا حتى أسلوب تأويل الباطنية واستنتاجاتها الفكرية العديدة. إان التآلف الفكري الجديد المستند من حيث عناصره الجوهرية إلى تراث مختلف التيارات الفكرية السابقة والمعاصرة له، والمبني على أساس رفض التقليد، والمتسم بروح الإصلاحية الأخلاقية ومبادئ الإسلام الأولية المهذبة بروح الأخلاق الصوفية، هو تآلف ديناميكي المضمون محافظ الشكل. وبهذا المعنى، فإنه فسح المجال أمام تثوير  التصوف والفلسفة والكلام. إنه وضع وصاغ  الآراء والحلول النظرية للقضايا والمعضلات الفكرية الكبرى في وحدة جديدة. ولهذا فإن تثويره اللاحق كان ممكناً من خلال تثوير المنظومة الغزالية ذاتها أما بطريق "التثوير اللاهوتي"، أو الصوفي أو الفلسفي. وسوف تنجز الكثير من اتجاهات اللاهوت والتصوف والفلسفة هذه المهمة إلا أنها ستقف عند الحدود، التي وقفت عندها ديناميكية العلاقات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية.

إن التآلف الغزالي شكّل درجة نوعية في تطور وتطوير ثقافة الخلافة دون أن يكتمل نهائياً من حيث الشكل والأسلوب ولحد ما المنهج. وهو ما يفسرّ استمراره الدائم بصيغة الخميرة الفعالة في التراث الفكري الروحي والاجتماعي السياسي اللاحق والمعاصر. غير انه لم يترك تآلفه هلاميّ الشكل، بل حاول تأطيره منذ (إحياء علوم الدين) كمشروع أولي كبير. حيث ظهر للمرة الأولى بخطوطه الكبرى كمنظومة متكاملة لها تجانسها الخاص، تتطرق إلى وجود الإنسان في منظومة العلاقات الاجتماعية والسياسية، في الكون، وموقفه من النفس والوجود بكافة مستوياته. بصيغة أخرى، لقد وضع وحاول حل "برنامج" وجود ومعنى الإنسان في الكون والحياة. وما تناوله وصاغه كمادة للتفكير في الجزء الاخير من (إحياء علوم الدين)[10] ومادة لسلوك "الطريق" ما هو في الواقع، سوى القضايا التي ناقشها على صفحات كل "موسوعة الوجود الاخلاقي" (إحياء علوم الدين). وبذلك يكون تآلفه قد وضعه أمام مهمة الشمولية "المبرمجة" وأهدفها الاجتماعية الأخلاقية كبديل شامل لنظام الوجود المعاصر له. ذلك يعني انه صاغ البديل الهادف. وبهذا المعنى يكون الغزالي قد زاول ومارس العملية الذهنية التي لم تطرح بصيغتها الجلية إلا في القرن التاسع عشر ـ العشرين [11]. ومع ذلك لم يكن النزوع الهادف لمنظومته الفكرية مستقلة عن تراث الثقافة الإسلامية. وليس اعتباطاً أن يربط آرائه الاجتماعية السياسية بشخصية النبي محمد، بل وإفراده فصلا خاصاً له [12]. بحيث حوله فيها إلى ممثل المبادئ الأخلاقية المطلقة ومجسدها الحياتي. بصيغة أخرى، لقد امتلك هذا الرجوع الدائم للشخصية المحمدية أساسه التاريخي الواقعي والفكري العقائدي والأخلاقي المجرد. فالغزالي سلك نفس العملية الضرورية لبلورة المنظومة الجديدة في اطار التقاليد الفكرية الإسلامية، بوصفه الممثل الحقيقي "لأهل السنّة والجماعة" بالمعنى المحمدي، أي اتباع النبي محمد كما هو. بحيث حوّله إلى كيان فاعل ومطلق في منظومته الفكرية الخاصة. ومن ثم وسيلة وغاية المثال الاجتماعي الأخلاقي. لقد جعل من الشخصية المحمدية القوة المؤنسة لبرنامج الأخلاق المطلقة، التي طور الغزالي اتجاهها العملي من خلال التصوف.

وبغض النظر عن عدم تقبل الفقهاء والاتجاهات السنية العديدة الأخرى له ولأفكاره هذه، إلا انه لم يثر مع ذلك موقفها الفزع من التصوف باعتباره ممثل القيم الأخلاقية التي تتطابق مع التجريد البعيد المدى لمثال الشخصية المحمدية. لهذا استعمل كل تراث البنيان الإسلامي بالكل الذي جعل منه وحدة اجابية فاعلة في ميدان  الصراع الاجتماعي. فالغزالي يرفض السلوك السلبي والخامل. ووقف دوما إلى جانب النشاط الاجتماعي الفعال. ففي ميدان الحقوق يبرز احياناً كممثل لضبط النظام بما في ذلك في أقسى اشكاله حالما يكون ذلك لمصلحة العامة والأغلبية. انه حاول تطبيق فكرة "ولكم في القصاص حياة". ولم تكن هذه الأحكام والآراء في منظومته عرضية الطابع أو ثانوية الأهمية. إن أهميتها التاريخية تظهر بالذات بوصفها الفكرة المؤثرة في بلورة وعي وممارسة العامة والخاصة (الجمهور والنخبة). وبربطه هذين الجانبين يكون قد اختار طريقاً لم يسلكه أحد قبله. ولا ينبغي فهم هذه الصياغة كما لو أنها  ازدواجية للحلول والآراء والمواقف، بقدر ما انها كانت تعبر عن رؤية مستويات متباينة للظاهرة. حيث كانت تتطابق في منظومته الفكرية مع قضية المطلق والعابر، والكلي والجزئي، والحق والضرورة. الأمر الذي جعل من آرائه حتى في اشد حالاتها الصوفية المجردة ذات مضامين اجتماعية سياسية واضحة. إذ أنها وضعت على الدوام مهمة التعامل الملموس مع الفكرة ورؤية المطلق في العابر.

وحدد ذلك بدوره التطبيق الصارم لمبادئ العقلانية الاخلاقية. فقد وقف الغزالي، على سبيل المثال، بقوة ضد فكرة المجاهدة الصوفية المتطرفة، مبرهناً على ضرورة الشهوة والوقاع، مستنداً بذلك الى تحليل الظاهرة البيولوجية الاجتماعية ليثبت على اساسها ويولف فكرة المثال الصوفي الباطني للأخلاق ووجود الإنسان الاجتماعي التاريخي. فالمهمة التي حاول حلها لا تقوم في اخضاع العالم الواقعي لعالم المثال الصوفي، ولا الصوفي للواقعي، بل في استلهام مثل الأخلاق الصوفية كقيم مجردة مثل دوران الحق بالحق للحق. فعندما يناقش، على سبيل المثال، أفكار الحكايات والنوادر الصوفية فأنه يتطرق اليها ليس كمثال يستلزم المحاكاة، بل  لكونها كرامات. ولا يمكن بالتالي بلوغها عن طريق التعلم، لأنها مجرد رمز (سرّ). فمن أراد أن يسخّر كلب بيته كما يقول الغزالي، فمن الاجدى به أن يسخّر كلب أعماقه (الغضب). ومن أراد تسخير الأسود يلزمه اولا تسخير أسده (السيطرة). فإذا لم "يسّخر المرء كلبه الباطن، فلا مطمع له في استسخار الكلب الظاهر"[13].

قد سعى الغزالي من وراء ذلك إلى رفع ايجابية الممارسة الاجتماعية الدينية والأخلاقية. فهي الوسيلة التي ينبغي أن تجعل من أخلاقية الصوفية المثال الإيجابي الفعال. إنه سعي إلى ربط جوهر الأخلاق الصوفية ومثالها المطلق بظاهرية الممارسة الجماهيرية. وبهذا المعنى، فانه رفض الفردية المتطرفة في الفكر الصوفي والطابع السلبي في ممارسته الاجتماعية. فعندما يتكلم عن "اسقاط الجاه" باعتباره احد أساليب الارتقاء الروحي الأخلاقي، فإنه يقدمه على مادة ومثال العلم والحرية، لا مثال الملامتية. رغم أن ممارسة الأخيرة تتضمن مبادئ وقضايا العلم والحرية باعتبارهما عناصر الارتقاء الأخلاقي الصارم. إلا أنهما يولدان شعور الارتداد عند الجمهور، الذي يوهن الموقف الديني الايجابي. انه يكلّف الأخلاق الميتافيزيقية المتسامية إرهاق لا ضرورة فيه[14]. وبالتالي، يفسح الغزالي المجال لشرب عصير التمر في قدح الخمر دون الاعلان عنه. ان هذه "الدعوة الخفية" تظل في اطار السعي نحو إدراك حقيقة السرّ الصوفي الأخلاقي من أجل أن يكون ذلك حافزا للتطور الأخلاقي والرصيد الروحي.

لقد أدرك الغزالي ما في أعماق الأخلاق الصوفية من قوة هائلة على استثارة اليقين الروحي، الذي بدونه لا يمكن للوجود الإنساني امتلاك قيمته الفعلية. فهو لم يتطرق في هذا المجال إلى وعي الضرورة التاريخية. إن آراءه تسير في خطى الصوفية عبر إهمال الزمن الساري والاستعاضة عنه بالزمن الروحي، بوصفه قيمة روحية مطلقة. وبالتالي لا أمس ولا غد بل اليوم، أي اليوم الروحي الذي لا يتجاهل الصوفي معه وفي مجراه فكرة الوجود الدائم. فآراء كهذه تتناقض مع نظرته إلى الكون وعلاقته به بما في ذلك تصوراته عن الله الإسلامي. غير أن الصوفي بفعل انهماكه في عملية النفي الدائم تجعله في اعين معاصريه مثالاً للزندقة، تماماً كما يتعامل هو في اعماقه مع جمهور "الغافلين" من العلماء والسفهاء. إلا انه لا ينظر بعين الازدراء إلا تجاه نفسه. وبهذا المعنى، فانه يظل يدور في دوامة "التسامي الأخلاقي المبرح". والغزالي لا يرفض هذا الجوهر الأخلاقي الروحي، أو هذا التسامي "الشعث". انه يدرك استحالته الطابع الوظيفي في الاطار الاجتماعي التاريخي المعاصر له. مما حدد  بدوره أسلوبه في التعامل مع فكرة الصوفيه الجوهرية في الأخلاق: النفي الشامل لبلوغ الوحدة على أساس ومبدأ الوسط الفلسفي المجرد. انه أدرك تعقيد هذه العملية سواء من حيث فاعليتها التربوية او قدرتها على التغيير، الا ان ممارستها في حدود العقلانية تفسح المجال لتطوير الروح الاجتماعي الأخلاقي وهذا بدوره يعني ضرورة التوجه نحو النظر في العلة المعالجة حسب مبدأ "إن كنت تحب المال فأبذل. وإن أصبحت محب البذل فامسك". وهذه بدورها أيضا ليست إلا ممارسة الوسط العقلاني الذي يمكن بلوغ ذروته في حالة تحول البذل والإمساك إلى فعل واحد ظاهري وعرضي كتعامل المرء مع الماء. أما في الواقع فليس الوسط الحقيقي سوى انعدام الوسط، بمعنى التطابق التام مع الفكرة المثال أولا وقبل كل شيئ وليس ضرورة إدراكها كما هي. فالوعي هو مثير المعضلات ومبدع القضايا، بينما الوسط الحقيقي لا يستلزم رد فعل ظاهري باطني. فهو قائم بذاته. وهي الصيغة التي ابدعت المتصوفة رمزيتها عبر رفعها إلى مصاف المعضلة في ردّ النبي محمد على سؤال في المنام لأحدهم عن سبب قوله "شيبتني هود" بعبارة "فاستقم كما أمرت". فهي الاستقامة التي حاول الغزالي مطابقتها مع الوسط المجرد أو الوسط المنفي في معاملات الأخلاق المطلقة. فهو المثال الذي يستلزم كحد أدنى الاجتهاد بالاقتراب منه في حالة ضعف القدرة على بلوغ حقيقة الاستقامة[15]. أما مشروع الغزالي فقد انصب في تيار الإبداع الساعي لتحويل المتصوف العارف الى قطب الوجود الحق ومثوّر الروح الأخلاقي الدائم.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص243.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4 ص243.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص3.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص4.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج13، ص96.

[6] ابن عربي: شرح كلمات الصوفية (جمع وترتيب محمود الغراب)، ص260-261.

[7] ابن عربي: شرح كلمات الصوفية (جمع وترتيب محمود الغراب)، ص261.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص44.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص9.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص 423-448.

[11] إن لهذه القضية إشكالاتها الخاصة. ومن العبث البحث عن تطابق كلي فيما بين منظومة الغزالي بوصفها مشروعا فكريا شاملا ومثيلاته في العالم المعاصر. وقد بلور الغزالي إحدى صيغ البديل الذهني للوجود الاجتماعي التاريخي. وأبدع ذلك في آن واحد فعالية الآراء الغزالية ومشروع تنفيذها العملي، وفي الوقت نفسه فسح المجال أمام بعض عناصرها للتحول إلى قيود الوعي الطوباوي. ومع ذلك يبقى لمشروعه الفكري الروحي خصوصيته التي سأتناولها في مجرى دراسة آرائه الاجتماعية والسياسية.    

[12] الغالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص357-387.

[13] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص280.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص288.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص64.

 

قال تعالى: - [وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا] - النساء 3 .

نستهل البحث في موضوعة (ملك اليمين) ومشروعيتها، من خلال هذا النص ولكن وقبل الدخول في موضوعة البحث، لا بد من طرد تلك الإشكالية والتي يتوهم بها البعض والقائلة تقول: [إن التعدد في النكاح يرتبط بقضية - القسط في اليتامى -]، ولكن ماذا نعني بالقسط؟، القسط في لغة العرب هو النصيب من الحصص، ومنه جاء معنى الأقساط أي الدفع على التوالي، والقسط ليس بمعنى العدل، فالعدل من الإعتدال قال تعالى: - [الذي خلقك فسواك فعدلك] - الإنفطار 7، إذن القسط شيء والعدل شيء أخر، والدمج بينهما في المعنى ضار بعملية الفهم والتقويم .

 وأما اليتيم في لغة العرب (هو من مات والده وهو صغيرا)، ولا يُقال لمن ماتت والدته يتيماً، ومفهوم اليتم ينتفي موضوعياً عند البلوغ والتمكن، ولكن من أين أتى هذا التوهم في ذهن الكثيرين ؟، ونقول إنه:

1 - القول بأسباب النزول أو سبب النزول وإعتماده، فعند البعض إن آيات الكتاب ونصوصه إنما نزلت بسبب ما، وهذا التوهم والظن الخاطئ أعتمد في الأصل على حكايات وقصص لا أصل لها ولا دليل، كما هي عامة الأخبار التي تعتمد على الجعل والوضع اللاحق، وقد أفرد الواحدي النيسابوري كتاباً له في هذا الشأن .

2 - وربما يكون أصل التوهم هو القول (بالتحريف في بعض آيات الكتاب ونصوصه)، والتحريف في أصله ممكن في الكتاب المجيد، وقد بينا ذلك في بحث منفصل عند الكلام عن (جمع القرآن) الذي حدث في زمن الخليفة عثمان، ومعلوم إن الخليفة قد أمر بجمع وحرق كل المصاحف في الأمصار، وكانت حجته في ذلك ما طرأ عليها من اللحن بسبب كثرة من دخلوا في الإسلام من الأعاجم .

 والقائلين بوجود التحريف يذكرون على سبيل المثال لا الحصر بعض الموضوعات والمفردات، التي يقولون عنها إنها محرفة، سواء في الشكل أو الرسم أو الترتيب من التقديم والتأخير من غير دليل، مستشهدين في قوله تعالى (أقرأ بأسم ربك الذي خلق) فهذا النص هو أول ما نزل من المصحف، ولكننا نرى إن أول ما يبتدأ به من الكتاب المجيد سورة الحمد، وهذا النحو من الترتيب تحريف لأنه مخالفة صريحة لتسلسل النزول [وهنا يُطرح سؤال موضوعي، وكيف بنا التعرف على التسلسل الزمني لنزول الكتاب ؟ هذا الخلل أدى موضوعياً للخلط في الموضوعات وللتداخل]، والتحريف المذكور في كتب الرجال يأتي على نحو أحدى وعشرين نوعاً، ولا بأس من الإشارة إلى التناقض والتكرار، والإضطراب في وحدة الموضوع، والأمر بالشيء والنهي عنه، وهذه كلها لا علاقة لها بموضوعة الناسخ والمنسوخ، والتي قال بها البعض وأدخلها في الكتاب المجيد هرباً من مواجهة الحقيقة أو التصريح بالتحريف .

وعندنا: - إن الكتاب المجيد لا يحتمل النسخ ولا يجوز فيه ذلك ولا ينبغي، وما أعتمده الشافعي في هذا وسار على نحوه من تبعه فباطل بإستحقاق، وهذا الكلام عن أصل هذه الشبهة .

 3 - وهناك وهم الترادف في معاني الكتاب المجيد، الذي كان له كبير أثر في تغيير وتبديل قناعاتنا وفهمنا للنصوص ومعانيها، فأصبحنا لا نميز بين الأسماء والصفات والأفعال، فصار عندنا إن: (جاء بمعنى أتى، وذهب بمعنى مشى، والأسد بمعنى الليث، وهلمجرا) .

 هي إذن مغالطات في البنية التشكيلية للنص وبما التفكير كان ومازال ممنوعاً، وأما المسموح به فهو التقليد والخنوع والإتباع من غير تفكير، لذلك صنعت عندنا التابوات فصارت مقدسات لا يصح ولا يجوز المساس بها .

ونقول زيادة في التأكيد: - إن البعض من المفسرين قد شككوا في أصل هذا النص -، وعليه يكون عندهم الربط بين التعدد في النكاح واليتامى سالبة بإنتفاء الموضوع، ومع إن أصل البحث في قضية التحريف هي مسألة علمية وبحث مدرسي بحت، لكن الحاجة ألزمتنا في بيان النص وتوضيح دلالته، نعم إننا لسنا ملزمين بإلزام أنفسنا بتفسير لا نعتقد بصحته وموضوعيته وقربه من الحقيقة سوى إنه تبرير أستحساني .

 وفي موضوعات الكتاب المجيد نعتقد: إن للعقل دوراً ورأياً حاسماً، فثمة موضوعات يدور حولها نقاش كثير في الكتاب المجيد، يُقال إنها قد وردت أو أضيفت له من قبل الكتبة والنساخ، نرجوا أن يتسع العقل والصدر والمزاج لذلك فهذا مفيد في قضية التحرير والحرية المقصودة .

 وبعد هذا نقول: - أن لا ربط بين القسط في اليتامى، ومعنى أنكحوا ما طاب لكم من النساء -، ذلك إن تشريع النكاح والسماح به لا يتعلق بقضية القسط باليتامى لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون .

ثم إن هناك ثمة مخالفة مفاهيمية سائدة ويجري ممارستها من غير تحقيق ألاَّ وهي: (إنه وبسبب الترادف الممقوت أصبح النكاح أعني الإستمتاع لدى عامة المسلمين هو الزواج، وأسقطت عليه أحكامه وتبعاته)، فالمعلوم: - إن الزواج لاينعقد إلاَّ بميثاق غليظ، ولكن النكاح يتم بعقد -، لكن الغاية من النكاح هي غير الغاية من الزواج وكذلك الشروط فيهما، كذلك الطلاق في الزواج لا يصح إلاَّ إذا وقع خلل في شروط الميثاق وبنوده من أحد الطرفين، ولكن الطلاق في نكاح الإستمتاع فيكون مرتبطا بالأجل والمدة .

 ونعود لنقول: إن إقحام اليتامى في موضوعة النكاح لا معنى لها، ولا ربط سوى ذلك الخلل الذي نشأ بفعل ذلك التفريع، والظن الغالب عندي هو بسبب تلك الفوضى التي تدخل بها النساخ والكتبة في زمن الخليفة عثمان، وإلاَّ لا نجد ما يجعل من موضوعة اليتامى مرتبطة بموضوعة النكاح لا في صيغة الترغيب ولا في صيغة التدارك التي يلهث حولها بعض أهل التبرير والقناعة والرضى بما كان على ماكان .

ونصل إلى ما يريده الكتاب المجيد من معنى (ملك اليمين): تلك العبارة المثيرة للجدل والمثيرة للتحسس لدى البعض، والتي قيل فيها الكثير وظن بها كثير، نتيجة للتوظيف السيء والوضع في المحل والمعنى الذي ليس لها، من قبيل (التسري والإماء والرق والأستعباد) !!!، وقد تفنن البعض من فقهاء التراث في صياغة وإستحداث أحكام وتشريعات حول ذلك، ودائماً حجتهم تكون من الإعتماد على تلك الأخبار والروايات الموضوعة، والمؤسف إننا لم نجد عندهم ذلك التوسع وذلك التحقيق في الكتاب المجيد ولا في البحث فيه عن الدلالة والأهمية، وربما كانت للأحكام السلطانية الدور الحاسم في ترسيخ هذه القناعة المثيرة، والتي تحط من قدر وكرامة المرأة وشأنها .

وأما جملة - ما ملكت أيمانكم - فهي جملة خبرية ولفظ (ملكت) ليس بمعنى الإستملاك، ولا لفظ (ايمانكم) بمعنى اليد، ولا هي بمعنى القوة الدالة على ذلك، إنما هي جملة مركبة من - الملك والايمان -، والايمان هي كناية عن اليمين نرى ذلك في قوله تعالى: - [وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمن] – الواقعة 27، التي وردت من باب التقابل وللتمييز عن أصحاب الشمال، الواردة في صيغة: - [وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال] - الواقعة 41، ولا يعني لفظ اليمين (اليد اليمنى)، ولا لفظ الشمال يعني (اليد اليسرى)، بل هي مصطلحات جيء بها كناية عن جهتين متضادتين بين الإيمان وعدمه، ونفس الفكرة نقرأها في قوله تعالى: - [فأما من أُوتي كتابه بيمنه] - الحاقة 19، الواردة في دور التقابل، كما في القول التالي: - [وأما من أُوتي كتابه بشماله ..] - الحاقة 25، ولايدل هذا المعنى على ترجيح اليد اليمنى على اليد اليسرى، القضية لم تطرح هكذا إنما طرحت ككناية عن جهتين متقابلتين جهة اليمين وجهة الشمال للتعريف فقط، فعرف أهل الإيمان بأهل اليمين أو أصحاب اليمين، وعرف غير المؤمنين بأهل الشمال أو أصحاب الشمال .

 ونفس الشيء قاله في مسألة (ملك اليمين أو ما ملكت أيمانكم) هو كناية أو نسبة لما يملكه أهل الايمان، وفي هذا يكون كل مايقع في هذه الدائرة هو من ملك اليمين أو ما ملكت أيمانكم، والقيد المرموز له إنما جاء على نحو مطلق، وهو يشمل كل الفئة التي تتعرض لظلم يؤدي إلى الفقر والعوز والحاجة (الإقتصادية والإجتماعية)، وفي هذه الحالة قال: - قد تضطر بعض النساء المؤمنات للوقوع في الخطيئة والإستغلال من قبل بعض المغرضين والمجرمين -، مما يؤدي إلى إستغلال وإنتهاك لحرماتهن وكرامتهن، هنا وفي هذه النقطة بالذات ولكي لا يقع ذلك - أباح الكتاب المجيد وعلى نحو مشروط للمؤمنين من إحتضان هذه الفئة من النساء، وحمايتهن من التعدي ورفع هذا الظلم الواقع عليهن -، من خلال توفير لوازم العيش الكريم لهن من مسكن ومعاش، في هذه الحالة إذن جاء قوله تعالى: - [... أو ماملكت أيمانكم ..] - النساء 3، مشترطاً الجواز بتوفير الحماية والحصن للمرأة، كي لا تنزلق وتتوه في ركب الفساد والإنحراف (إذن هذا هو الشرط الموضوعي للإباحة) .

 أعني إن الهدف من الإباحة ليست الموضوعة الجنسية بل موضوعة الحماية والصيانه، وأما العلاقة الجنسية بين الذكر والأنثى فقائمة بالأساس على ثنائية - الرضا والقبول -، وفي قضية ملك اليمين تقع هذه عرضاً أو لنقل في سياق الإباحة وعلتها، ولكنها لم تكن هي الهدف المقصود، فالكتاب المجيد حذر ومنع إستغلال حالة العوز والحاجة للتجاوز على النواميس والكرامة والشريعة.

 ذلك لأن الأصل الأولي للإباحة هو حل المعضل الإقتصادي والإجتماعي والأخلاقي، وأما المتعة الجنسية (النكاح) فتكون عرضاً أو في سياق المعنى العام للحماية والحصانة .

 وحين يكون التركيز على الحماية والحصانة فذلك لأن الكتاب المجيد ركز على هذا، حين قال: - [ولقد كرمنا بني آدم] - الأسراء 70، فالكتاب يستهدف من الحماية كرامة الإنسان هذا الكائن الآدمي، ولا يجيز بحال إنتهاك هذه الكرامة أو السماح بذلك لا في الحروب ولا في غيرها، فالكتاب المجيد يمنع الرق والعبودية والتسري، ويعتبر الحرية شيئاً مقدساً وكرامة الإنسان كذلك محترمة ومُصانة، نعم في الحروب يقع الناس أسرى، ولذلك وضع القوانين والتشريعات والأنظمة الراعية والمحددة، قال تعالى: - [يا أيها النبي، قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أُخذ منكم ..] - الأنفال 70، وهنا أستخدم النص لفظ اليد ولم يستخدم لفظ الايمان، وهذا دليل على دقة ألفاظ الكتاب ودقة مُرادها، ولم يطرح النص فكرة الرق أو الإستعباد ولا غيرها من المصطلحات الخبرية، ولا نجد في الكتاب المجيد ولا دليلاً واحداً يدل على إستعباد الناس وسلب كرامتهم أو إرغامهم على فعل ما لا يرغبون به، ولم يدع الكتاب المجيد للمعاملة بالمثل فتلك عنده صفة مذمومة قال تعالى: - [ولا تزر وازرة وزر أخرى] - التحريم 10، ولهذا فما يُقال في التاريخ عن ظاهرة الإماء اللائي يقعن ضمن الغنائم الحربية ويوزعن على المقاتلة، فشيءٌ ممنوع ذلك لأنه يتعارض وصريح الكتاب المانع لهذا النوع من الممارسة، وحتى حينما يتحدث الكتاب المجيد عن مفهوم الرقيق في صيغة (تحرير رقبة)، هو لا يتحدث عنها بصفتها وبوصفها غنائم حربية وقعت بيد المنتصرين، بل بوصفها ظاهرة تاريخية كانت سائدة قبل عصر نبوة محمد، فهو إذن يحث ويشجع على تحرير الإنسان من سلطة الأستعباد، ولهذا ورد في المأثور وبصيغة الإستنكار المفهومي (متى أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) .

وهذا يعني إن هناك مرحلتين من التاريخ ما قبل عصر النبوة وما بعد عصر النبوة المحمدية، فما كان سائداً قبل ذلك العصر ورد التشجيع والحث والدفع عليه في الكتاب المجيد بتحرير تلك الرقاب التي أستعبدت .

وأما ما بعد عصر النبوة فلم يسمح النص ولم يجز بحال سلب كرامة الإنسان أو إجباره على فعل ضد طبيعتة وضد آدميته، وأما ما يُقال في التاريخ والروايات والأخبار عن الإماء وأمهات الأولاد فلا نقره ولا نعتقد بصحته، ومعلوم إن التاريخ والأخبار ليست بالمحل الذي يمكن الركون إليهما في تصويب أو تشريع القوانين والأحكام (مع ملاحظة إن جميع الحروب التي قام بها الخلفاء والسلاطين، كانت عبارة عن غزو منهي عنه) !! .

 ومن هنا نقول: - إن الدخول بالمرأة من غير رضاها لا يجوز شرعاً، ومن يفعله يكون قد أرتكب الأثم، ذلك إن العلاقة بين الذكر والأنثى لا تتم إلاَّ بالتراضي والقبول -، ولا تصح بالإستغلال أو بوضع اليد فهذا ممنوع شرعاً وعقلاً - ..

ونقول كذلك: - إن المسموح به من فعل (ملك اليمين) هو ما يقع مع النساء المؤمنات وليس مع الكافرات أو المشركات -، هذا بحسب ما يقوله الكتاب المجيد، إذ ورد ما يلي نصه قال تعالى: - [- وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ، بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ، فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ، وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ...] - النساء 25 .

أولاً: المحصنات هو جمع محصنة، وهي من الحصن بكسر الحاء، وهي لفظة دالة على المنع أو الإمتناع بمعنى الحماية والحصانة والصيانة، والمرأة المحصنة هي المرأة الممتنعة حين تقع بضائقة مادية وإقتصادية وإجتماعية لا تستسلم لها، بل تحصن نفسها من إرتكاب الخطيئة أو الإنزلاق فيها رغم المغريات، وهذا الفعل هو قابلية وقدرة على الإمتناع لدى بعض النساء، ولا يدفعهن عسر الحال والعوز والحاجة إلى الإنزلاق أو إرتكاب الخطيئة، ومن أجل هذا جاءت الإباحة لحفظ وصيانة المرأة التي تتعرض لمثل هذا الظلم، من خلال توفير العيش الكريم والحماية والحصانة والصيانة لها، وشرط الحصانة متعلق رتبةً بشرط الإيمان، قال (من فتياتكم المؤمنات)، وهذا يدفع القول الرائج: - بأنهن نساء من الكفار سبايا - .

وثانياً: أشترط النص أن يكون النكاح الذي يقع مع ملك اليمين، أن يتم بأذن أهل هذه المرأة المؤمنة، ويبين هذا إن فعل النكاح هو ليس بوضع اليد أو التملك، وإنما بالتراضي والقبول، والأصل فيه حصانة المرأة من الوقوع في الخطأ أو الخطيئة .

وثالثاً: الحصانة في واقعها الدلالي والمفهومي هو ما يتضمن هذا المعنى وتوابعه المعنوية والمادية، قال تعالى (وآتوهن أجورهن بالمعروف ... محصنات غير مسافحات) .

 ملاحظة:

بعد الحديث عن معنى الزوج في اللغة والكتاب المجيد، يلزمنا بيان في ماذا تعنيه كلمة - بعل -، والبعل في لغة العرب هو المعيل أو الكفيل (وهو هنا معنا عام)، وفي الكتاب المجيد يأتي بمعنى المدير أو من بيده إدارة شؤون الأسرة، وقد ورد التأكيد على ذلك كما جاء في الأثر قوله عليه السلام: - [إن جهاد المرأة حُسن التبعل]، وفي ذلك إشارة لما تقوم به المرأة في حال غياب زوجها عنها وعن البيت، وفي هذه الحالة تكون هي المديرة والراعية لشؤون الأسرة والبيت، فتوفر لهم ما يحتاجون إليه من معاش وأمن وإستقرار .

 ويُفهم من هذا إن البعل لا يكون المقصود منه خصوص ما يقوم به الزوج في فراش الزوجية، بل يعني الرعاية والإشراف والحماية في كل ما يتعلق بشؤون وحاجات الأسرة، وفي هذا المعنى يتساوى الرجل بالمرأة والذكر بالأنثى، طالما كان المُراد من ذلك هو هذا، وإلى ذلك وردت جملة نصوص ومنها:

قوله تعالى: - [أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين] - الصافات 125، والجملة فيها إستفهام إنكاري، لأولئك الذين يتركون أحسن الخالقين ويلتجؤن إلى ما لا يضر ولا ينفع من الأصنام، في تلبية حاجاتهم المعاشية وسد عوز أسرهم وما تعاني منه .

 وقال تعالى: - [وإن إمرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً ...] - النساء 128، والكلام على من بيده الإدارة في مرحلة وقوع الخلاف بين الذكر والأنثى، قال إن المسؤول عن إعادة العلاقة إلى مجرآها الطبيعي هو البعل بصفته مديراً، فهو القادر على فتح باب الصلح وسد ثغرة الخلاف التي قد يأتي منها الطلاق وغيره .

وقال تعالى: - [.. وهذا بعلي شيخاً ..] - هود 72، والكلام عن زوج إبراهيم عندما بشرتهم الملائكة بالولد، وهنا أستخدمت اللفظ كناية عن الزوج وعن الإمكانية في صناعة الولد، بإعتباره المسؤول أو هو صاحب النطفة التي تتم بها هذه العملية، لذلك أستدركت بالقول وهذا بعلي شيخا، كناية وحكاية عن الضعف وعدم القدرة .

وقال تعالى: - [.. ولا يبدين زينتهن إلاَّ لبعولتهن .. أو آباء بعولتهن .. أو أبناء بعولتهن ..] - النور 31، والنص إنما يتحدث عن الأفراد الذين يُسمح لهم برؤية المرأة في زينتها الداخلية، تلك الزينة الممنوعة على الأخرين، ويجب التنبيه: إن الكتاب المجيد حين يستخدم اللفظ في معنى ما، إنما يأتي به للتعريف ولتقريب الذهن، فحين يقول - زوجاً فهو يقصد معناه المتعارف مع حرصه الضمني ان يقوم هذا الزوج بواجباته من النكاح والإدارة - .

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

27 جمادي الأولى 1440 هجرية

 

 

ميثم الجنابي"أنّى تتجلى أسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم،

ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم"

(الغزالي)

 الإهداء إلى  الدكتور مارفن الزايد، صديق الروح ومثقف الإخلاص التام للحق والحقيقة.

 قد يبدو من السهل اعتبار "علماء السوء" ممن يتصف بأنصاف المعرفة و"كمال" السوء، إلا أن هذه التقييمات الصارمة سرعان ما تفقد طابعها الجزمي أمام المقارنة الحية بين العلم والعمل، والفضيلة والرذيلة في ثقافات الأمم وتاريخها. وذلك لآن "علماء السوء" شأن كل وحدة متناقضة في تقييمها أو تعميم عام يوّحد في ذاته اعتبارات الفضيلة والرذيلة، كان يستند إلى تراث متعدد الجوانب. وفي حالة الإسلام، فإن فضيلة العلم كانت منذ بداية الأمر وثيقة الارتباط باتجاهه الأخلاقي. إذ ليس العلم الإسلامي الأول سوى علم الدين، أي فقهه. وقد افترض ذلك في أجنته غزل خيوط الوحدة الخفية بين العلم والعمل. حقيقة إن هذه الوحدة لم تكن ملزمة للجميع، أو بصورة أدق إنه ما كان بإمكانها أن تبتدع نفس العناصر الموحدة عند كل من أحترف العلم والعلوم، وذلك بسبب تباين قضاياها وأساليبها ومناهجها. وإن هذا التباين الضروري يتصف بطابعه النسبي الحيوي لاختصاصات العلوم وليس في غاياتها النهائية. وليس هناك تيارا في الثقافة الاسلامية من أدرك هذه الأهمية البالغة لوحدة العلوم في غاياتها النهائية أكثر وأعمق من المتصوقة. وها بدوره نتاج الالتقاء المحتوم في الفكرة الصوفية وطرقها بميدان الحقيقة. فالتصوف من حيث الجوهر هو فلسفة الحق والحقيقة. وتحتوي هذه الحالة على ما هو ملازم للحقيقة نفسها. وذلك لأن حقائق العلوم تكشف في نهاية المطاف عن وحدتها. وإذا كانت هذه الوحدة في عرف التصوف هي الحق، فإن الاتصاف به يعني تمثل حقائقه. وقد كان هذا إنجازاً عميقاً ومميزاً للروح الباحث عن معالم الوحدة الضرورية بين العلم والعمل. لهذا نظر التصوف إلى انحراف العلم عن العمل، أو ابتعاده أو مخالفته أو مجافاة ما يلزم بالعمل بنتائجه على انه رذيلة تامة!

إن هذه المفارقة التي تصنعها الحضارة، باعتبارها أيضاً أسلوب تناقضاتها الدائمة، هي الميدان الأكبر لتعميق فضائل الروح الأخلاقي. من هنا وجودها الدائم ونفيها الدائم. فبالقدر الذي يبذل العلم قواه من أجل تلافي تصدع العقل النظري، فإن الضمير يبذل روحه من أجل تلافي تصدع العقل العملي. وقد واجه الغزالي مكونات هذه المفارقة لا على أنها أجزاء من ثقافة الإسلام وتقاليده الواقعية والمثالية فحسب، بل وعلى أساس تجربته العملية نفسها. إذ لا نعثر عنده على انشغال جاد بهذه القضايا إلا في مراحل انكساره الروحي، أي منذ (ميزان العمل). إذ يظهر هنا للمرة الأولى قلق العقل النظري حول قضايا العقل العملي، واهتمام العقل العملي بإرشادات العقل النظري.

فهو يتناول "علماء السوء" في انتقاداته اللاذعة للمرة الأولى في (إحياء علوم الدين)، بينما يردد في (الإملاء على مشكل الإحياء) باختصار مكثف ما بثّه في (الإحياء). فالعلماء الذين صورت ثقافة الإسلام وتقاليده الورعة إياهم، باعتبارهم "ورثة الأنبياء" والعلم النبوي و"أدلة الطريق"، أصبحوا جزءاً من نسيج الذاكرة المثالية، أي كما لو أنهم تحولوا إلى كيان بائد لا يمكن العثور إلا على صداه.

إن هذه النظرة القاسية في مظهرها تعبّر عن تجربة الغزالي الشخصية والمصاغة في لهيب التجربة الصوفية. فقد ارتبط نقدها "لعلماء السوء" بمقدمات معرفية وأخلاقية وبأسباب اجتماعية وسياسية. غير أن وقوفها ما وراء طور المصالح المباشرة واحتراب القوى السياسية، بفعل سلوك الطريق وفلسفته الخاصة، جعلها تركز على الجانب المعرفي الأخلاقي. وبهذا تكون قد استوعبت وصهرت في بوتقة تقييمها العملي ما سبق لتقاليد الورع الإسلامي وأن تتبعته على مثال عمل العلماء. لهذا اقتربت تقاليد الورع الإسلامي الأولى في انتقاداتها "لعلماء السوء" مع مثيلتها الصوفية، أو أنهما التقيا في عمق انكماش قلوبهم تجاه رذائل العلم والعلماء في كل من خضوعهم للسلطان (السلطة) واضمحلال الورع مع المعرفة. وليس مصادفة أن تجعل المتصوفة أفعال الحسن البصري وأقواله التعبير الأول عن تحسسها الأخلاقي في زهدها وورعها. فعندما يفرد أبو طالب المكي في (قوت القلوب) فصلاً خاصاً عن التفاضل بين ما أسماه "بعلماء الدنيا وعلماء الآخرة"، فإنه يضع الحسن البصري في مصاف الأستاذ الحق لعلماء الباطن والأحوال. فقد كان الحسن البصري يؤكد، كما يقول ابو طالب المكي (ت386 للهجرة)، على "أن السفهاء همّتهم الرواية، في حين أن العلماء همّتهم الرعاية"[1].  وهي الفكرة التي سيضعها رواد التصوف في صلب زهدهم العملي وأحكامهم الذوقية وتأملاتهم "النظرية. فإذا كان الفضيل بن عياض (ت-187 للهجرة) قد صنّف العلماء إلى عالم دنيا وعالم آخرة، وأن الأول علمه منشور والثاني علمه مستور، فإن تدقيقات عوالم علماء الآخرة الباطنية والظاهرية عند المحاسبي في كتابه (الرعاية لحقوق الله) قد توّجت في وحدتها المتعمقة في أذواق العقل العملي. في حين أجاب الجنيد على سؤال وجّه له:

ــ يا أبا القاسم يكون لسان بلا قلب؟

ــ كثير!

ــ فيكون قلب بلا لسان؟

ــ نعم قد يكون. ولكن لسان بلا قلب بلاء وقلب بلا لسان نعمة[2].

بينما سبق لسهل التستري (ت-283 للهجرة) أن قسّم العلماء إلى عالم بالله، وعالم لله، وعالم بحكم الله. فالأول هو العارف الموقن، والثاني هو العالم بعلم الإخلاص والأحوال والمعاملات، والثالث هو العالم بتفصيل الحلال والحرام[3]. وفي موضع آخر قسّم العلماء إلى عالم بالله لا بأمر الله ولا بأيام الله وهم المؤمنون، وعالم بأمر الله لا بأيام الله وهم المفتون في الحلال والحرام، وعالم بالله وبأيام الله وهم الصديقون[4]. والمقصود بأيام الله حسب آراء التستري هو نعمته الباطنة وعقوباته الغامضة. وعندما يعطي لمقارناته بين العلماء صيغتها "النهائية"، فإنه يسلسلها بالشكل التالي: الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء نيام إلا الخائفين، والخائفون منقطعون إلا المحبين، والمحبون أحياء شهداء[5]. وهي الدرجة القصوى في تطور الصوفي، بوصفه تحقيقا لوحدة العلم والعمل. واستند أبو طالب المكي إلى حصيلة الفكر الصوفي في وضع مقارناته البيانية بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة[6].

ذلك يعني بأن لمواقف الغزالي النقدية تقاليدها العريقة في الفكر الصوفي، أي أن انتقاده استند إلى ما جمّعته "ثقافة الإخلاص". غير أنه استمد مادته من حيث مضمونها وغاياتها العملية المباشرة من واقع القرن السادس الهجري ومعالم انهيار الخلافة السياسي والروحي، وطبيعة تجربته المعرفية الشخصية. فعندما واجه "علماء السوء"، فإن انتقاداته اللاذعة إياهم لم تكن نفياً ذاتياً لممارسته بقدر ما أنها كانت من حيث موضوعيتها إعادة نظر أخلاقية بالفكر السالف، وإعادة نظر نقدية بالموقع الأخلاقي للنظم الفكرية، وعلاقة الحقيقة بالسلطة. وعبّر عن موقفه هذا في ما كان يدعوه تهكماً بعبارة "المترسمين بالعلم"، أي أولئك "الذين استحوذ على أكثرهم الشيطان، وأغواهم الطغيان، وأصبح كل واحد يعاجل حظه مشغوفاً. فصار يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً حتى ظل علم الدين منهم مندرساً. ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهاوش الطغام، أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام، أو سجع مزخرف"[7]. وسوف يرتقي بهذه النزعة النقدية بعد صياغة مبادئها العامة إلى مستوى المواجهة، التي وضعته أمام معضلات المعرفة الفاقدة لروح الأخلاق وجهل الروح. ولم يستغرب الغزالي هذه الظاهرة وذلك بفعل رؤيته لواقع انتشار وسيادة من أسماهم بأهل الزور والفسوق، المتشبثين بالدعاوى الكاذبة والمتصفين بالحكايات الموضوعة، المترنمين بصفات منمقة والمتظاهرين بظواهر من العلم فاسدة، والمتعاطين لحجج غير صادقة. كل ذلك طلبا للجاه أو محبة الثناء.

إن مرور الغزالي بدهاليز "العلم السيء" قد أعطى له إمكانية تحديد هوية الوجود الشخصي في حدّه وحقيقته. وفي الوقت نفسه عمّق حساسية الرؤية النقدية. فالأخيرة لم تعد من ردود الفعل الإرادية ولا من انعكاسات التأمل البارد، بل من وهج التقييم الذوقي، الذي يرى كمال العالم في وجوده بما في ذلك نواقصه. ولكن إذا كانت النواقص فنوناً وأصنافاً، فإن كسادها في العلم هو تعجرف علمائه، أي كل ما يعطي لجهلهم قوته الهجومية ولرذيلتهم طعم الانتقام. لهذا رد عليهم في (فيصل التفرقة) بقوة شديدة، عندما تعرض إلى من حاول تكفيره والتشهير به. ومع ذلك لم يجعل من هذه الظاهرة مسألة شخصية ولا أن يحصرها في إطار الرد والانتقام، بل ليظهر من خلالها بديل التكفير وافتقاد معلنيه لأخلاقية القول والعمل به. لهذا شدد على أن "حق القول به يعطى لأولئك الذين انجلت قلوبهم من الدنس وتطهرت عن وسخ أضرار الدنيا، أولئك الذين ارتقوا بفعل الرياضة والذكر والفكر والتمسك بحدود الشرع إلى المراتب التي تفيض عليها فيها أنوار مشكاة النبوة". وإلا فكيف "يتجلى إسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم، ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم، وعبادتهم خدمة أغنيائهم، وذِكرهم وساوسهم، وفكرهم استنباط الحيل لما تقتضيه حشمتهم. فهؤلاء من أين تتميز لهم ظلمة الكفر من نور الإيمان؟ بإلهام إلهي ولم يفرغوا القلوب عن كدورات الدنيا لقبولها؟ أم بكمال علمي وإنما بضاعتهم في العلم مسألة النجاسة وماء الزعفران؟"[8]. وسوف يدفع هذا الانتقاد إلى إحدى درجاته القصوى عندما شدد في (الإملاء على مشكل الإحياء) على أنه "لا برّ يجمعهم بل اجتمعوا على الكفر. وأن قلوبهم تصفو على الخديعة والمكر". فهم "الجهال في علمهم، الفقراء في طولهم، البخلاء من الله بأنفسهم. لا يفلحون ولا ينجح تابعهم. لذلك لا تظهر عليهم مواريث الصدق، ولا تسطع حولهم أنوار الولاية، ولا تخفق لديهم أعلام المعرفة، ولا يستر عوراتهم لباس الخشية لأنهم لم ينالوا أحوال النقباء ومراتب النجباء وخصوصية البدلاء وكرامة الأوتاد وفوائد الأقطاب"[9]. وحالما قسّم العلماء إلى الحجة والحجاج والمحجوج (توالياً)، فإنه جعل من الصنف الأخير نموذجاً لعلماء عصره. فالمحجوج هو العالم الذي يضع نفسه في وسيلة وغاية مقالاته وبراهينه. بمعنى أن باعثه المحرك ليس العلم والحقيقة بل العلو والجاه. فهو يبدو كأحد الخدم في لباس العلماء. إضافة لذلك إنه مفتون بعلمه مغتر بمعرفته مخذول بنصرته. أما فخره فبلقاء أميره وصلة سلطانه وطاعة القاضي والوزير والحاجب"[10]. فهو شبيه بمن أهلك نفسه لأنه لا ينتفع بعلمه. وإذا أعطي رضى بالعطية ومدح، وإن منع منها شتم وذم وعربد[11]. وعندما التفت الغزالي إلى ما هو حوله من علماء عصره، فإنه لم يجد سوى "أهل سخافة ودعوى وحماقة واجتراء وعجب بغير فضيلة ورياء يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"[12]. وربط هذه النتائج المزرية لحالة العلماء المعاصرين له بالجهل بالنفس. فهو المبدأ الروحي الضروري للذات المفكرة الحقيقية. إذ لا يمكن بلوغ حقيقة السعادة والحقيقة، حسب نظره، خارج وعي الذات أو بمعزل عنها. فهي مقدمة إدراك حقيقة الحق. آنذاك فقط سيكون بإمكانه معرفة علة أهل الباطل ودواء أهل الضعف وأهل القوة معاً. وإن غياب هذه المعرفة هو السرّ القائم وراء احتجاب "علماء السوء" بالجهل وسخافاته، والإصرار وتهاونه، ومحبة الدنيا وتطويل الغفلة، وإظهار الدعوى وكبرها ورياءها[13]، أي كل حالة الزيف الديني (الأخلاقي) التي أفرد لها مقاطع واسعة في كتاباته من أجل إماطة اللثام عن واقعيته وفاعليته وصوره في ظاهر علماء السوء وباطنهم، أي كل ما شكل في حصيلته النتاج الملازم لانفصام وحدة العلم والعمل.

إن الصورة الباهتة الفاقعة التي يقدمها الغزالي عن "علماء السوء" تظهر بكامل صورتها المضحكة المبكية على خلفية أولئك الذين إذا ما حدّثوا صدقوا، أي أولئك الذين ظنهم كيقين إن هموا حدسوا! مما دفعه إلى تصوير تجلياتها الممكنة على أنها نتاج لابد منه لإظهار ازدواجية "علماء السوء" وفراغهم الروحي. فعندما يتطرق إلى آفة الرياء، فإنه يفرق بين ما يدعوه بالرياء في الأعمال التي هي ليست من الطاعات، وأعمال الرياء بالطاعات، بحيث يضع الرياء الأول في حالة أهون من الثانية. ولم يقصد الغزالي بذلك سوى الكشف عن واقع الرياء الديني السائد وسط العلماء أولاً وبين البسطاء ثانياً. وتتبع مظاهر الرياء ودقائقه في أوساط "علماء السوء" في مظاهرهم وبواطنهم. ففي مظاهرهم يتصنّع واحدهم "الخمول والصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد وعظم الحزن على أمر الدين، وغلبة الخوف من الآخرة، وليدل بالخمول على قلة الأكل وبالصفار على سهر الليل وكثرة الاجتهاد وعظم الحزن على الدين"[14]. ولا يقف أحدهم عند هذا الحد، بل يتعداه إلى الظهور متشعث الشعر ليدل به على استغراق الهمّ ويتصنع "خفض الصوت وإغارة العينين وذبول الشفتين ليستدل بذلك على أنه مواظب على الصوم، وأن وقار الشرع هو الذي خفّض صوته"[15]. ويجهد أحدهم نفسه في أن "يحلق الشارب ويطرق الرأس في المشية والهدوء في الحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه وغلظ الثياب ولبس الصوف وتشميرها إلى قريب من الساق وتقصير الأكمام وترك تنظيف الثوب وتركه مخرقاً. ومن ذلك لبس المرقعة والصلاة على السجادة ولبس الثياب الزرق تشبهاً بالصوفية مع الإفلاس عن حقائق التصوف في الباطن"[16]. وفي مجال القول، فإن رياءهم يظهر في "الوعظ والتذكير والنطق بالحكمة وحفظ الأخبار والآثار لأجل الاستعمال في المحاورة وإظهاراً لغزارة العلم ودلالة على شدة العناية بأحوال السلف الصالحين، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق، وإظهار الغضب للمنكرات وإظهار الأسف على مقارفة الناس للمعاصي، وتضعيف الصوت في الكلام وترقيق الصوت بقراءة القرآن ليدل بذلك على الخوف والحزن"[17]. ولا يقف الرياء الديني عند حدود الكيان المادي للإنسان ومظاهره الاجتماعية، بل وفي مظاهر العبادة، مثل الظهور بمظهر من يطيل القيام ويمد الظهر ويطيل السجود والركوع وإطراق الرأس وترك الالتفات وإظهار الهدوء وتسوية القدمين واليدين وكذلك بالصوم والغزو والحج والصدقة وغيرها[18]. ويقدم الغزالي كثرة من الأمثلة الواقعية، التي تكشف عن تهكمه العميق وانتقاده المرير لمظاهر الرياء الديني السائد، حيث يبرهن فيه على أنه حالما يتحول الرياء الديني إلى أسلوب الممارسة الواقعية والمثالية المزيفة، فإنه لابد وأن يودي إلى تكليس الوجود الأخلاقي وذلك لأنه لا يضع في اعتباراته سوى الأخذ بمظاهر الوجود العابرة. بمعنى أنه يتعامل مع مثل الأخلاق وعالمها الباطني بمفاهيم ومعايير وقيم الظاهر، مما يؤدي بدوره إلى استيطان قيم الظاهر المزينة بحراشف المغامرة  الغبية للمصالح. مما يؤدي في نهايته إلى تهميش المعنى وتهشيم الحقيقة بتحويل كل ما هو ضروري إلى مفتعل، وكل ما هو مفتعل إلى ضروري.

ولم يقف في انتقاداته الشاملة للزيف بشكل عام وزيف "علماء السوء" بشكل خاص، أي أولئك الذين همهم خدمة السلطان (السلطة) والمناصب، بل وتعداه إلى كافة ممثلي النخبة المفكرة، بما في ذلك متصوفة زمانه. غير أن انتقاداته للمتصوفة تستمد مقوماتها من تقاليد التصوف ذاته في علمه وعمله، أي في إرثه الفكري وفي طريقته نفسها على أساس نقد النفس (المحاسبة والمراقبة الذاتية). إذ من الصعب العثور على شيخ صوفي لم تلازم أقواله وأحواله انتقادات لاذعة لمتصوفة عصره. بصيغة أخرى، إن لهذه الظاهرة جذورها المعرفية والعملية، وبالتالي لها مبادئها الأساسية وتراثها التجريبي.

فالمتصوفة هم الذين وضعوا في ثقافة الإسلام مهمة السمو الروحي للإنسان باعتباره غاية وهدف وجوده الذاتي. وهم الذين وضعوا مهمة الحركة المستمرة في عالم الروح نحو المطلق. وليست هذه الحركة سوى المراقبة الداخلية للنفس وتأديبها المستمر بما يتطابق مع الفكرة المثال للمطلق الصوفي، أي الفكرة التي تعمّق في ذاتها وتتعمق بدورها مع سيره في قطع "منازل السائرين ومقامات الموحدين"، أو هو نفسه مساره في الطريق الذي يوصله إلى حالة تحول جدل العالم وصراعاته إلى أجزاء من صوته الداخلي. فهو يسأل ويجيب، وينتقد ويؤنب، أي كل تلك المتناقضات الحياتية الممكنة التي يتطور فيها الصوفي، باعتبارها أسلوب صيرورة كيانه الروحي وواضعة لبنات صرحه وجوده الفردي. فهو لا يقف عند حد لأن هدفه المطلق. وبغض النظر عن إدراكه لمحدودية وجوده المادي، فإنه يتحسسه في الوقت نفسه على أنه شعاع يستحق التنوير، أي أنه يبقي للموت قيمة الوجود الحق باعتباره بداية الملكوت. فالمراقبة الدائمة للنفس تفعل فعلها في تمحور الذات الصوفية حول المطلق و«أوساطه "من خلال تسوية الإرادة في مساعيها الواقعية للاستغراق في عالم الكمال والمثال". وهي الممارسة التي ترمي بكل ما هو ثانوي وعابر في رحى التلاشي على أنها ضرورة. كما أنها الممارسة التي تقوِّم تعرجات الحياة بالإبقاء على الحياة كقيمة أخلاقية من خلال ربطها بالمطلق، تماماً كما فعل النبي محمد مرة عندما رمى بخاتمه الذهبي، الذي ألهاه باقتسام نظراته: "نظرة إليه وأخرى إلى الناس"! وليس ذلك سوى رمز للتوجه نحو وحدانية الحق في  العمل. والصوفي يسعى لتطبيق هذا المبدأ البسيط في مظهره، الشديد التعقيد في باطنه. فهو يحاول سد طريق الانحراف في ذاته تجاه كل ما يخرجه عن عالم الوحدة سواء كان ذلك بالمعاصي أو الطاعات، باللين أو الشدة، بالشك أو اليقين، مما جعل من انتقاده للنفس نمط وجوده الحق وأسلوب نفيه الدائم. وهو في الوقت نفسه أحد العناصر الجوهرية في العلم الصوفي وفعله. ويمكن القول، بأن لغة الصوفية ذاتها هي لغة البحث عن النفي الدائم في مساعيها اكتشاف "خلل" التعبير عن المطلق. وبالتالي العمل من أجل تشذيبه مازالت التجربة الفردية هي وسيلته، أي كل ما ينبغي للصوفي أن يمثله في فردية جهاده الأكبر (جهاد النفس). فهي المقدمة الأساسية للتصوف بسبب كونها مقدمة تنقية النفس وصقل القلب من أجل اكتشاف حقيقة المطلق فيه على أنه مثاله أيضاً.

فالصوفية تدرك تعقيد العملية الواقعية لتنقية النفس. فهي تدرك بأن الإنسان مازال موجوداً، فإنه لا يمكنه تخطي حدوده الواقعية إلا بأساليب واقعية، ولكن من خلال دفعها إلى نهايتها، أو إلى ما يمكن أن يتخذ في تجليه الظاهري هيئة المذهل المعجز والمحيّر المفجع في تناقضاته، أي أنها تدرك قيمة التناقض كأسلوب لوجود الأشياء. وهي على خلاف الأشياء، تنحو منحاها الإرادي لتذليله في ذاتها، ومن ثم تذليل الإرادة في تسويتها من أجل إفقادها وجودها المستقل. وقد عبّر يحيى بن معاذ (ت-258 للهجرة) عن هذه الفكرة بصورة نموذجية عندما أكد على أن جهاد النفس يقوم في رياضتها. وهو على أربعة أوجه وهي القوت من الطعام، والغمض من المنام، والحاجة من الكلام، وحمل الأذى من جميع الأنام، أي كل ما يؤدي بحصيلته إلى موت الشهوات وصفو الإرادات والسلامة من الآفات وبلوغ الغايات. وهي العملية المترابطة في إخماد الذات النفسية بالخمول الجسدي وقلة الكلام، مما يؤدي إلى إبراز عظمة الحلم وانقطاع النفس عن الظلم والانتقام، أي عندما يكون الوجود بكل تناقضاته مندرجاً في ذاته متحولاً إلى كيان "نظيف ونوري وخفيف وروحاني".  آنذاك ستجول النفس "في ميدان الخيرات وتسير في مسالك الطاعات كالفرس الفارة في الميدان وكالملك المتنزه في البستان"[19].

وبغض النظر عن أن الصوفية لا تضع مفهوم الذات ككيان ما مطلق خاضع لمعاملاتها الخاصة، إلا أنها تنطلق من شموليته المطلقة باعتباره التجلي الإنساني للإلهي في حيثياته الوحدانية. وعلى الرغم من تنوع الله الصوفي، إلا أنه هو هو بالدرجة التي تستوعبها عملية وعي الذات الصوفية الفردانية. إذ ليس وعي الذات الصوفي سوى نفي الذات الفردية (الواقعية) بالذات المثالية المطلقة، أي مساعي تحويل فروض العين المطلقة إلى "تقليد" حياتي يومي. مع ما يترتب عليه من مواقف مفارقة موحدة تجاه الطبيعة وما وراءها، والتاريخي والمافوق تاريخي، والوجودي والميتافيزيقي، والواقعي والخيالي. فالنفس الإنسانية تظل فردية في تشخصها رغم بقاء التعامل الصوفي العام معها في المعرفة. وإن هذا الالتقاء بين العام والخاص في الممارسة يظهر بمظهر التهذيب الأخلاقي الدائم للعالم الباطني في مواقفه وأفعاله ونياته وأهدافه. فالتذويت الفرداني لله الصوفي يتجلى بمقدار سريان الله في التذويت أو بمقدار تجلي القيم المطلقة عن فروض الواجب، كما صاغتها تقاليد التصوف. آنذاك تظهر معرفة الذات الصوفية بهيئة عمل أخلاقي خالص، مما يجعل من وسيلة الوجود الحق نفي التناقض.

ويرتبط بهذه الحصيلة خصوصية انتقاد المتصوفة لنفسها في كل من تراثها النظري والعملي. إذ تجد المتصوفة في شيوخها الأوائل مصدر سموها الدائم وعلائم رفعتها المقوِّمة، بفعل ربطها سلسلة وجودهم بالوجود الحق من خلال المسيرة الإنسانية في أوليائها وأنبيائها وملائكتها، أي في كل الوسائط المادية والمعنوية، التي أبدعها خيال الروح وجموح العقل. أما في واقعها التاريخي فإنها وجدت في انتقاداتها اللاذعة للنفس وسيلة تنقيتها الدائمة. رغم أن هذه الممارسة لم تكن على الدوام متشابهة في حدتها وفاعليتها. وإذا كان هذا الانتقاد في الأوساط الصوفية ملازماً لوجودها منذ  البداية، فإن تجليه الحاد عند شيوخها الأوائل لم يظهر بهيئة منظومة عامة إلا بوصفه أسلوب التجديد الحق للحق في تصوفه. فعندما يضع القشيري رسالته الشهيرة في ثلاثينيات القرن الخامس الهجري (437 للهجرة)  من أجل تكوين الصورة الحية الناصعة عن شيوخ التصوف، باعتبارهم المثال الحق، فإنه ينظر إليهم نظرته إلى "صفوة الأولياء الذين تحوي قلوبهم معادن أسرار الوجود والله، والمختصين من بين الأمة بكونهم غياث الخلق الدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق. الذين تصفّوا من كدورات البشرية ورقوا إلى محال المشاهدات بما يتجلى لهم من حقائق الأحدية، الذين توفقوا إلى القيام بآداب العبودية له وأشهدهم بمجاري أحكام الربوبية"، أولئك الذين لم يبق منهم سوى ذكرهم ومثالهم. فهم الطائفة التي انقرض أكثرها ولم يبق منهم، كما يقول القشيري، إلا أثرهم، كما قيل شعراً:

أما الخيام فإنها كخيامهم     وأرى نساء الحي غير نسائها[20]

لكن إذا كان انتقاد القشيري لظواهر الزيف والرياء "الصوفي" يتضمن صياغة البديل الفكري الواقعي للتصوف المعاصر له على مثال شيوخ الصوفية الكبار، فإن الغزالي لم يقدم تصوراته وأحكامه إلا باعتبارها جزء من معتركه الفكري مع الاتجاهات الأخرى، من أجل صياغة الأطر العامة والعناصر المكونة لتآلفه الفكري البديل. فهو شأن مؤرخي المتصوفة والصوفية أنفسهم، نظر إلى شيوخها على أنهم ممثلو الحق الإسلامي والإرث النبوي المحمدي[21]. وأنه لا ينال السعادة الحقيقية سواهم بفعل إدراكهم حق اليقين بمشاهداتهم الباطنة، التي هي أقوى وأجلى من مشاهدة الأبصار، وهم لا يموتون لأن الموت لا يأخذ منهم سوى أجسادهم وهم أحرار عنها. ذلك يعني أنه أراد القول بأن المتصوفة هم العلماء الحق بالله، أو إنهم البديل الفعلي "لعلماء السوء". ولم يضع في مفهوم العلماء بالله وورثة الأنبياء ما هو سائد في أوساط الفقهاء والمتكلمين، ولا حتى في ما هو شائع في أوساط المتصوفة العادية. فالغزالي يشدد على تمايز الصوفية عن العلماء الآخرين بما في ذلك عن أشدهم ورعاً وتقوى.  فعندما يقارن على سبيل المثال بين أحمد بن حنبل والمحاسبي، فإنه يشبه الأول بنهر دجلة يغترف منه الجميع، بينما شبّه الثاني ببئر عذبة لا يقصدها إلا واحد بعد واحد[22]. وإذا كان لهذه المقارنة جذورها في فكرة العوام والخواص الصوفية، فإنها تعكس في موقفه وبديله العام جوهرية الممارسة الشخصية وسموها الروحي في عالم التصوف مقارنة بعوام "علماء السوء"، أي أنه لم يسع لوضع تعارض لا يمكن تذليله، وذلك بفعل تناوله هذا الخلاف الجوهري في ميدان ومقولات ومتطلبات الروح الأخلاقي المعرفي. فهو ليس تعارضاً بالمعنى الدقيق للكلمة، بقدر ما أنه تمثيل لدرجات القرب والبعد عن الحق والحقيقة.

بصيغة أخرى، إنه أراد إظهار ما في المتصوفة من قوة بديلة تظهر في جمعيتها العملية والعلمية كنقيض "لعلماء السوء".  فعندما صور كيان المتصوفة باعتبارهم البديل العملي (الأخلاقي) "لعلماء السوء"، فإنه يجعل منهم تجسيداً للخشية والخشوع والتواضع وحسن الخلق والزهد[23]. فالغزالي يدرك نقص حصر "مديح" المتصوفة بهذه الصفات، إلا أنها تكفي بحد ذاتها لرفع كفتها مقارنة "بعلماء السوء" إلى أقصى درجاتها، أي أنه أراد كشف كيانها العملي الأخلاقي كمثال لما هو موجود. وهو شأن شيوخ المتصوفة لم يكن بإمكانه تجاهل رؤية "الانحرافات" المتناثرة في الأوساط الصوفية. غير أن انتقاده للمتصوفة ليس انتقاداً منظومياً، بل كان جزءا من انتقاده لمظاهر الرياء باعتباره انعكاساً للانحلال الأخلاقي[24]....(يتبع).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص133.

[2] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص142.

[3] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص140.

[4] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص140.

[5] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص140.

[6] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص129-162.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص2.

[8] الغزالي: فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، ص35-37.

[9] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص13.

[10] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص19.

[11] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص19.

[12] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص19.

[13] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص13.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص297.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص297.

[16] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص297-298.

[17] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص298.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص298-299.

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص66.

[20] القشيري: الرسالة القشيرية، ص2.

[21] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص52.

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص70.

[23] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص77.

[24] سوف اتناول هذا الجانب في موضعه حال الحديث عن تصوف الغزالي وخصوصيته.     

 

لقد منع الكتاب المجيد - تعدد الزوجات -، ولكنه في المقابل أباح - التعدد في النكاح -، وبين المسألتين جدُ فارق في الفعل والمضمون، ونحن بدورنا سنوضح ذلك ما أستطعنا إلى ذلك سبيلا معتمدين على الكتاب ونصوصه ودون الإلتفات إلى ماورد من أخبار وروايات في هذا الشأن .

 ولكن وقبل البدء في شرح وبيان موقف الكتاب المجيد من هذه المسألة، لا بد من التذكير بأن المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة تخوض صراعاً مستديماً متعدد الإتجاهات، من أجل تحديد الموقف القانوني والشرعي والأخلاقي عن نوع الحريات التي تسمح والتي لا تسمح، وعن طبيعة الحقوق وطبيعة النظام الذي يجب أن يسكنون إليه، وأقول: إن التعريفات العتيقة التي تبنتها المدرسة الإسلامية ما عادت تلبي أو تستجيب لكثير من المفاهيم التي أفرزتها حالة وطبيعة التطور المجتمعية في العالم أجمع -، ولم يعد مناسباً في هذا الشأن التركيز فقط على منتجات التراث، مع جُل إحترامنا لذلك التراث، فالتراث مهما بلغ من شاء، فإنه يظل يعبر عن الماضي بما فيه من أفكار ورجال، والماضي لن يستطيع ان يصنع الحاضر بطريقته وبفهمه للأشياء، وإن منتجي التراث رجال لا قدسية لهم ولا معصومية، وما أنتجوه من أفكار يظل في حدوده الخاضعة لبند الصحة والموافقة لكتاب الله والعقل، والتراث في أصله اللغوي جاء من مادة - ورث - الثلاثية الدلالة والأبعاد ومعناه: ما يحصل عليه الوريث من المورث مادياً -، وإلى ذلك أشار النص التالي قال تعالى: [وورث سليمان داوود ..] - النمل 27، والتوريث هنا كل مايتعلق بما هو مادي من متاع وغيره [وليس منه النبوة والحكم، فالأول إصطفاء والثاني إختيار من قبل الناس]، فالنبوة ليست من الأشياء التي تورث لأنها إصطفاء من الله، كذلك الحكم هو إختيار وإنتخاب للحاكم من قبل الناس فلا يصح فيه التوريث أو ولا ية العهد .

والتراث في عمومه مادي يظهر ذلك حتى في قوله تعالى: (وتأكلون التراث أكلاً لما) - الفجر 19، وكل شيء يتعلق الفعل فيه والممارسة من قبل الإنسان فهو مادي ومنه الأفكار، ولهذا يصدق عليها مفهوم - التراث - أيضاً، كالقيم والأخلاق والمبادئ والتي هي في الواقع أشياء مادية يمكن توريثها، وبهذا المعنى يكون كل ما أنتقل أو وصل إلينا من الماضي القريب أو البعيد هو - تراث -، ولعلي أرجح لفظ - وصل إلينا - بدلاً عن أنتقل إلينا، والفرق بينهما واضح: [فأصل الفعل في أنتقل هو من النقل أي الرفع من مكان لمكان أخر، وبالتالي يكون معنى أنتقل إلينا هو ما نُقل إلينا من محل أخر، واما لفظ وصل إلينا أي ما أتصل بنا -، وفي هذه الحالة يكون الوصل أقرب في الدلالة، فما وصل إلينا من الماضي هو ما أتصل بنا منه، شريطة ان يكون له قابلية التأثير والفعل في حياتنا، من حيث التأثير على أفكارنا ومفاهيمنا وتصوراتنا، وحين نفتقد لشرط القابلية في التأثير والفعل، تكون الدعوة للخروج من حالة التقديس الأعمى لما في التراث ومُنتجيه أمراً لازماً، وبنظرنا المتواضع لم تعد كتب التراث من تفاسير وكتب وأخبار مؤدية للغرض، مع كامل الإحترام والتقدير لتلك الثروة ولذلك الجهد الغير مسبوق في زمانه، وهذا يعني إننا بحاجة إلى حركة نقلة تدرب العقل وتؤهله ليواكب عصره (الزماني والمكاني) .

 وهنا ترآنا نعود للتذكير بمقولة لنا مضت في لزوم ووجوب فتح باب الإجتهاد على نحو مختلف عن ذلك الذي ألفناه، والإجتهاد الذي نلح بالطلب عليه هو في فسح مجال أكبر وأوسع للعقل بعيداً عن سلطة الأخبار وما فيها من القيل والقال والنكاية البعيدة عن مضمون عصرنا وزماننا، مع عدم الإلغاء الكامل أو التجاوز الكامل على كل الماضي وكل التراث، فتلك مخاطرة لا نسمح بها ولا نؤيدها، إنما نريد لبعض الماضي الصحيح والتراث الموثق أن يكون جزءاً مما نستأنس به في موضوعاتنا وبحوثنا .

إن موضوعة - حرية الحقوق - جدلية بإمتياز فهي من حيث هي قضية يتصارع فيها الزمان والمكان، ومن هنا تدفعنا هي ذاتها لتصحيح المسار من خلال رؤية جديدة لمعنى - حرية الحقوق -، والسؤال هل تقع - حرية الحقوق - في دائرة الواجبات أم المباحات ؟،

 وطبعاً هنا في مسألتنا يكون الجواب إنها من المباحات فحق الزواج مثلاً ليس واجباً كذلك حق النكاح وحق التبعل، ومفردة زواح ونكاح وتبعل مفردات أستعملها الكتاب المجيد في سياقها حسب الوضع والطبع، وهي مفردات مختلفة المعنى والدلالة ولا يصح الخلط فيها تبعاً لما كان يفعله أهل التراث والأخبار، والخلط منشأه فكرة الترادف التي شاع وغلب أستعمالها في الشعر والأدب، ومن هناك وظفت في لغة الفقة والشرع عبر الشافعي كوسيط مفترض في هذه الفعلة، فوقع الشطط في المعاني وقد تغلب هذا الفكر على من سوآه من خلال سطوة أهل السياسة والحكم .

ففي قضية - التعدد - هيمن الترادف على ما تؤدي إليه الكلمة من ظنون، جاء ذلك بفعل هيمنة وغلبت الذكورية والقبلية التي كانت سائدة ومازالت في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فالتعدد موضوعة أرتبطت بالمرأة حين فسر المشرع المرأة كسلعة مما أدى مع الأيام لتجهيل - حق المرأة وحريتها -، والمريب في الأمر إن عامة النساء المسلمات رضين بهذا وأستسلمن له تحت ظل ظروف إقتصادية وإجتماعية ضاغطة، حتى صار التجهيل للحق حكم للشرع والدين بنظر العامة، وعلى ذلك سُنت قوانين الأحوال والحقوق الخاصة بالمرأة،  مع إن هذا التجهيل أساسه رجال دين تراثيين وكهنة وتجار قيم .

وفي هذا المجال تبدو الحاجة ماسة ليس فقط إلى إعادة تقييم ونقد التجربة الدينية لأهل التراث من المرأة، بل إلى إنتاج قواعد فكر وقوانين تحمي المرأة وتنظم حقوق المجتمع، وفي هذا أدعوا الجميع لمراجعة واقعية للكتاب المجيد من غير سطوة وهيمنة أهل التراث وفكره، كما أدعوا إلى إعتماد العقل كأداة منتجة ومستقرئة، وهذه الدعوة لنجعل منها الضابط الذي سيكون حاضراً معنا في كل خطواتنا هنا في هذا البحث، ولا ندعي إننا نريد تجديد الخطاب فهذه ثمة أكذوبة أو هي أفيون جديد للتخدير والإلهاء يميل إليه كهنة السلاطين للخروج من حالة التناقض واللا إتزان السائدة، ما نريده بناء منظومة بحث يمكنها إنتاج معرفة تجعل من الجميع حاضراً فيها غير بعيد عنها، وهذا يكون بالتركيز على بيان المعنى بصيغ قريبة إلى فهم السامع، من غير إطناب أو تضخيم أو تفلسف زائد، كما كان دئب من سبق، وهذا بنظرنا ما نرآه يفيد معنى مفهوم تجديد لغة الحقوق وقواعدها من وحي الكتاب والحياة المعاصرة .

 في قضية - التعدد - وقع الوهم والتدليس فبدلاً من أن يكون - التعدد - في النكاح، أصبح - التعدد - سارياً في الزواج لدى عامة الفقهاء ورجال الدين، وبما إن هذه القضية إشكالية لذلك فسوف نسلط الضوء عليها :

ونتسائل ونقول: هل إن فكرة - التعدد - جائزة أو ممنوعة في الكتاب المجيد ؟، وبما إن هذا السؤال يتموضع بين الجواز والمنع، فإننا نقول: إن قضية - التعدد - أساسها الفهم الخاطئ لما ورد في قوله تعالى: [.. فإنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألاَّ تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ..] - النساء 3، أعني الفهم الذي تبنى الترادف في فهم المعاني، الفهم الذي جعل من لفظ - أنكحوا - بمثابة أو بمعنى لفظ - تزوجوا -، مع إن الأصل والجذر اللغوي للفظين مختلف، فلفظ - أنكحوا - دال على الإستمتاع الجنسي، وأصله من الفعل الثلاثي - نكح -، وفي (النكاح) الإستمتاع أو المتعة أباح الكتاب المجيد التعدد، ولكنه في (الزواج) منع الكتاب المجيد التعدد، والزواج في الكتاب المجيد كفعل أو كمضمون ممنوع من التعدد وذلك:

 1 - لأن الزواج في وضعه ودلالته هو أوسع مفهوماً من الإستمتاع أو التمتع، ولذلك لا يجوز قصر معناه في النكاح .

2 - كما إن فعل تزوجوا أعتبر في الكتاب المجيد ممنوعاً من الصرف، والخلط بينه وبين فعل أنكحوا هو مخاطرة وفعل خاطئ .

 3 - ثم إن اللفظ في الكتاب المجيد إنما وضع لمعنى محدد معين لا يتعدآه لغيره - .

وحين قلنا: إن إباحة التعدد في (النكاح) إنما بشرط وجود القدرة والإستطاعة، وفي (الزواج) قلنا بالمنع لأن الزواج مرتبط بميثاق قال تعالى: [.. وأخذنا منكم ميثاقاً غليظا] - النساء 21، والميثاق هو إتفاق بين - الذكر والأنثى

- على طريقة الحياة وعن القوامة وعن الإدارة ورعاية الأطفال والضمان، أي إنه إتفاق على تأسيس الأسرة وفي هذا قال الكتاب المجيد بعدم جواز التعدد، قال تعالى: [وإن أردتم إستبدال زوج مكان زوج أخر ..] - النساء 20، بمعنى إن الجمع والتعدد في الأزواج ممنوع وغير ممكن، وهذا مالم يتوفر هدفاً ومضموناً في النكاح، إذ ليس هناك ثمة ميثاق فيه، إنما ينعقد النكاح (المتعة) بإتفاق بين الطرفين (ذكر وأنثى) من غير قيد وفيه يصح التعدد لطبيعته ولما يُراد منه - .

 وكما قلنا: بعدم جواز الترادف في الكتاب المجيد، كذلك نقول لا يجوز التكرار في الكتاب المجيد فعلاً ومضموناً -، ومنه جاء المنع بعدم جواز إسقاط لفظ - الزواج على النكاح -، وعندنا لا يصح الإتفاق مقروناً بهذا اللفظ في حال الزواج، ودليلنا في عدم الجواز ما عليه قواعد اللغة العربية والتي تمنع التكرار والترادف في هذه المسألة، وأما ما ذهب إليه البعض من أقوال في هذا المجال فلا يعتد بها ولا تفيدنا في هذا المقام، لهذا فالواجب يقتضي ضبط معاني الكلمات من خلال الكتاب المجيد ومن دون النظر أو الحاجة إلى هذه الإستعارة التبعية للشعر ومقولاته، بل ولا يجوز جعل ذلك حجة على معاني وألفاظ الكتاب .

 فإن قلتم: ألم ينزل الكتاب المجيد على سبعة أحرف - .

قلنا: إن ذلك ليس صحيحاً وهو وهم وتجني، ذهب إليه من أراد دفع شبهة التحريف في الكتاب المجيد والتي يقول بها البعض - .

ثم إن التعدد في النكاح ورد مضافاً، وليس عدداً صحيحاً بل العدد مضروباً بنفسه، وهو ليس من قبيل العدد الصحيح واحد وأثنين وثلاثة وأربعة، بل هو مثنى وثلاث ورباع، وفي ذلك يكون العدد مضافاً كما ورد في ذكر أجنحة الملائكة، قال تعالى: [..جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع .] - فاطر 1، ولم يقل أثنين وثلاثة وأربعة، لأن العدد هنا دال على الكثرة الممكنة، مع إنه أستخدم العدد الصحيح في قوله تعالى: [سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ..] - الكهف 22، ومنه يتبين إن اللفظ في الكتاب المجيد إنما يوضع بعناية للدلالة على المعنى المُراد والمقصود، ولكي لا يتم الخلط أو تعمد الخلط .

فحين يستعمل لفظ - تزوجوا - يقتصر الفعل والمضمون على الواحد من غير تعدد، وأما في حال علاقة الإستمتاع جعل التعدد ممكناً بحسب القدرة والإستطاعة، وفي علاقة الإستمتاع جعل الكتاب المجيد حد أدنى وحد أقصى، والأدنى يبتدأ بمثنى أي أربعة وينتهي برباع أي ستة عشر، ثم جعل القيد مرتبطا بمفهوم العدالة من جهة الإستمتاع

 قال - وإن خفتم ألاَّ تعدلوا - قال (فواحدة)، وهذا القيد متعلق بالقدرة والإستطاعة وليس بمحل أخر .

 وبما - المتعة - يُثار حولها بعض اللغط، والذي في غالبه جهل في فهم النصوص وعدم التعاطي مع ذلك بروح الواقع، بل وتغليب بعض الأخبار على نصوص الكتاب المجيد، ومن بين أوضح النصوص الدالة على جواز - المتعة - ماورد في قصة النبي موسى في قوله تعالى: [قال إني أريد أن أنكحك إحدى أبنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشراً فمن عندك ..] - القصص 27، في هذا النص تبدو الدعوة لعلاقة مؤقتة ومشروعة بين ذكر وأنثى في زمن محدد وثمن محدد (نكاح)، هذه العلاقة حسب ظاهر النص جائزة شرعاً، ولم يرد نص في الكتاب بمنع أو إلغاء هذا النوع من النكاح، ولم يجعل هذا النص عقدة النكاح بيد موسى -، مما يدل على أن هذا النوع من الإتفاق والذي يقصد به الإستمتاع المشروط بأجر وزمن يلزم في الحرية الضامنة للطرفين .

يتبع

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

اختلف المسلمون كثيرًا، ولا زالوا يختلفون، في أمر المؤمن العاصي في الدنيا والآخرة، وهل العمل ركن من الإيمان أم لا؟ وافترقوا.

كانت أهم عقائد الخوارج أن الإيمان لا ينفصل عن العمل، فهو ما وقر في القلب وصدقته الجوارح ‏والعمل، وقد قادتهم تلك المقدمة إلى نتيجة خطيرة جعلتهم أول فرقة متطرفة في تاريخ الإسلام، وهي أن ‏الفاسق غير مؤمن، فمرتكب الكبيرة هو كافر بزعمهم، فكفّروا المسلمين ووقعوا في دمائهم، وكان ‏الأزارقة -أتباع نافع بن الأزرق الحنفي- يعتبرون باقي المسلمين مشركين، وديارهم ديار ‏شرك! ولا نجد في أدبيات الخوارج حديث عن توبة صاحب الكبيرة، كما هو الحال عند المعتزلة، وفي ‏هذا فتح لباب المعاصي، وتجاهل للضعف الإنساني، وإغلاق لباب الرحمة في وجوه العباد.

ويذكر ‏الإمام البخاري في صحيحه، في أول باب (قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم) "وكان ابن عمر يراهم ‏شرار خلق الله، وقال: "إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في ‏الكفار، فجعلوها على المؤمنين"‏أهـ. ورواها ابن ‏عبد البر في "الاستذكار" (ج8، ص90) (رقم 10576) من رواية نافع عن ابن عمر. وأقول: ولا زالوا ‏يفعلون، وصدق ابن عباس عندما قال في الخوارج: "يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه".‏

يذكر علي سامي النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج1، ص233) "وجد الإمام الحسن ‏بن محمد بن الحنفية، أن الذين قاتلوا جده مستندين إلى أصل ظاهره الصدق وباطنه الإفك، هو (الحكم لله ‏لا لعليّ)، ينشرون أصلًا آخر خطير لقتل المسلمين، وهو أن لا عقد بدون عمل، فنفر لمجادلتهم، ‏وأعلن أنه لا يضر مع الإيمان معصية، وكان يكتب الكتب إلى الأمصار ويعلنها للناس، بأن الطاعات ‏وترك المعاصي ليست من أصل الإيمان حتى يزول الإيمان بزوالها"أهـ. ‏

أما المعتزلة، فمن أصولهم الخمسة، المنزلة بين المنزلتين، وهي منزلة الفاسق في الدنيا عندهم، فهو لا يُسمى مؤمنًا ولا يُعد ‏كافرًا، وكان تعليل المعتزلة ‏لتلك المنزلة الوسطى التي أنزلوها مرتكب الكبيرة أن الإيمان لو كان موجودًا لعصم صاحبه ‏من الكبائر. ورغم أن تعليلهم للأمر كان مصدره ما حكم به العقل من عدم فصل الإيمان عن ‏العمل، فقد رأى المعتزلة في الآيات القرآنية التي حثت على العمل الصالح في القرآن وقرنته ‏بالإيمان أنها دليل على ركنية العمل كجزء من الإيمان، وهناك نصوص دينية يتفق ظاهرها مع ‏قولهم. يقول تعالى: ‏﴿‏إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر‏‏﴾ [العنكبوت:45]. وورد في ‏صحيح البخاري (2475) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ‏‏"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق ‏حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو ‏مؤمن". وعن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: مثله، إلا ‏النهبة. قال الفربري: وجدت بخط أبي جعفر: قال أبو عبد الله: تفسيره: أن يُنزع منه، يريد ‏الإيمان. وللحديث أطراف بصحيح البخاري، أرقام (5578- 6772- 6810).

فالمعتزلة ‏يرون في النصوص التي قرنت الإيمان بالعمل الصالح، وتلك التي على العكس قرنت نفي ‏الإيمان بالعمل الطالح، نصًا على عدم الفصل بين الإيمان والعمل، -بينما الأشاعرة ترى تمييز ‏الآيات بينهما دليلًا على انفصالهما، كما سأوضح لاحقًا-. وكان هذا الأصل من أصول عقيدتهم هو سبب انعزال واصل بن عطاء عن مجلس ‏أستاذه الحسن البصري، وقد تفرّد المعتزلة به، فكان مخالفة من المعتزلة لاعتقاد الخوارج بأن ‏الفاسق غير مؤمن، ومرتكب الكبيرة كافر، ‏والذي على أساسه كفّر الخوارج المسلمين وخاضوا ‏في دمائهم، وكذا كان فيه مخالفة من المعتزلة لأهل السنة والجماعة من ‏الأشاعرة والماتريدية ‏الذين لم يكفروا أصحاب ‏الكبائر، ولم يحكموا بتخليدهم ‏في النار، بل اعتبروهم مؤمنين فاسقين، أمرهم إلى الله. كما خالفوا المرجئة الذين قالوا: لا ‏يضر مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة، وحكموا بنجاة كل من نطق بالشهادتين، ‏وكان واصل بن عطاء قد فسَّق كلا فريقيّ حرب الجمل، وفيهم علي والحسن والحسين وابن ‏عباس وعمار بن ياسر من جهة، وعائشة وطلحة والزبير من جهة أخرى!!

بينما أهل السُنة والجماعة الأشاعرة على أن العمل ليس ركنًا من الإيمان. وعدّه ركنًا يوقع في معتقد الخوارج أو المعتزلة. والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:110]. أي أنه تعالى في الآية لا يجعل العمل ركنًا من الإيمان، بل يميز بين الإيمان والعمل، ويجعل كليهما شرطًا للطمع في النجاة الأخروية، مع أنه في آية أخرى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء:48]، أي أن من ضيّع إيمانه لا يجب أن يطمح للنجاة، أما من كان صاحب معصية فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾؛ فهم يعتقدون أن إيمان المسلمين أمره مرجأ إلى الله، ويكفينا إقرار الناس بالإيمان لعدّهم مسلمين في الدنيا، والتعامل معهم على هذا الأساس؛ فتارك العمل مرتكب الكبائر مؤمن في الدنيا، ليس كافرًا كما قالت الخوارج، ولا فاسقًا كما زعمت المعتزلة، وهو مستحق للعقاب في الآخرة، لكن لا نحكم بتخليده في النار كما حكمت الخوارج والمعتزلة، بل أمره إلى الله في الآخرة، كما قال بذلك أبو حنيفة.

وهناك قصة شهيرة تحكي سبب إرجاء أبي حنيفة لأمر تارك العمل من المسلمين، وهي ‏مأثورة عن أبي حنيفة مع جارٍ له فاسق، والذي يُروى أن أبا حنيفة رفض أن يُصلي عليه عندما ‏مات، ثم جاء الجار في المنام لبعض أهل الصلاح ليُخبرهم أن الله قد غفر له، ولمّا سأل الإمام ‏زوجة الرجل عن حاله، أخبرته أنه كان يُطعم الأيتام ويطلب منهم أن يدعوا له؛ فعلم الإمام أن كل ‏مُوحد أمره مرجأ إلى الله، والله أعلم بما خفي من عمله.‏

فإرجاء الأشاعرة هو إرجاء سُنة. ويختلف عن اعتقاد بقية المرجئة، فهؤلاء الأخيرون يقولون: "إن من شهد شهادة الحق، دخل الجنة، وإن عمل أي عمل. وكما لا ينفع مع الشرك حسنة كذلك لا يضر مع التوحيد معصية. وقالوا: إنه لا يدخل النار أبدًا، وإن ركب العظائم وترك الفرائض وعمل الكبائر للكبائر"! ‏وقول المرجئة هذا يفتح الباب على مصراعيه أمام اقتراف المناكر، وما جاء الإسلام إلا لمحاربتها.

لكن للعمل مع ذلك وفقًا لاعتقاد أهل السُنة والجماعة قيمة، وإلا فنحن نغامر بآخرتنا، إن شاء عذبنا الله وإن شاء غفر لنا، ثم أن به تتفاوت مراتبنا في الجنة.

يقول إمام الحرمين الجويني في "الإرشاد في أصول الاعتقاد" (ص399-400) عن اعتقاد الأشاعرة في ‏الإيمان ردًا على من يقول بزيادته ونقصانه: "فإن قيل: فما قولكم في زيادة الإيمان ونقصانه؟ قلنا: إذا ‏حملنا الإيمان على التصديق، فلا يفضل تصديق تصديقًا، كما لا يفضل علم علمًا؛ ومن حمله على ‏الطاعة سرًا وعلنًا؛ فلا يبعد على ذلك إطلاق القول بأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهذا ‏مما لا نؤثره. فإن قيل: أصلكم يلزمكم أن يكون إيمان منهمك في فسقه كإيمان النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: النبي ‏عليه الصلاة والسلام يفضل من عداه باستمرار تصديقه، وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك، واختلاج ‏الريب. والتصديق عرض لا يبقى، وهو متوال للنبي عليه الصلاة والسلام، ثابت لغيره في بعض ‏الأوقات، زائل عنه في أوقات الفترات. فيثبت للنبي عليه الصلاة والسلام أعداد من التصديق لا يثبت ‏لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه بذلك أكثر، فلو وُصف الإيمان بالزيادة والنقصان، وأُريد بذلك ما ذكرناه ‏لكان مستقيمًا فاعلموه. فإن قيل: قد أُثر عن سلفكم ربط الإيمان بالمشيئة، وكان إذا سُئل الواحد منهم ‏عن إيمانه، قال: إنه مؤمن إن شاء الله، فما محصول ذلك؟ قلنا: الإيمان ثابت في الحال قطعًا لا شك ‏فيه، ولكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة، إيمان الموافاة؛ فاعتنى السلف به وقرنوه بالمشيئة، ‏ولم يقصدوا التشكك في الإيمان الناجز"أهـ.

وعلى قدر إعزازي وتقديري لإمام الحرمين الجويني، فقد زادني جوابه تصديقًا بأن الإيمان يزيد وينقص، وليس ثابتًا بالقدر نفسه للجميع، ولكنه يتفاوت باطنًا وليس ظاهرًا، ولا يلزم من ذلك أن أنزع صفة الإيمان عمن شهد شهادة التوحيد كفعل الخوارج، كما لا يلزم منه أن أفتش في ضمائر الناس لاستكشاف قدر إيمانهم. ثم أخيرًا قرأت للنشار في مقدمة تحقيقه لـ "الشامل في أصول ‏الدين" للجويني (ص38) أن "الشافعي كان يؤمن بأن الإيمان تصديق وعمل، وأن الإيمان يزيد ‏وينقص"، علمًا بأن الشافعي موقفه معروف من الخوارج،‏ فأنا مع الشافعي في اعتقاده.

ولكن يبقى السؤال الأكبر: إن كنا نقطع بأن كل موحد هو مؤمن في الدنيا حتى لو ارتكب ‏الكبائر، ولا نخرجه من عداد المؤمنين لأنه نطق الشهادتين وهما عمود الإيمان، ولا مخرج من ‏الإيمان إلا بإنكارهما، فهل الإيمان يزيد وينقص؟ وإن كان العمل ليس ركنًا للإيمان بل هو متميز ‏عنه، فكيف يزيد الإيمان وينقص؟

جاء في "جوهرة التوحيد" للإمام اللقّاني المالكي:

ورُجِّحَتْ زيادةُ الإيمان *** بما تزيدُ طاعةُ الإنسان

ونقصهُ بنقصها *** وقيلَ لا خُلْفَ كذا قد نُقلا

وذكر البيجوري في "حاشيته على جوهرة التوحيد" (ص94) في شأن العمل "العمل شرط كمال –يعني للإيمان- على المختار عند أهل السُنة، فمن أتى بالعمل فقد حصّل الكمال، ومن تركه فهو مؤمن، لكنه فوّت على نفسه الكمال، إذا لم يكن مع ذلك استحلال أو عناد للشارع أو شك في مشروعيته، وإلا فهو كافر فيما علم من الدين بالضرورة"أهـ. ويضيف (ص100) في شرح البيت الفائت "وقد ذكر المصنف هنا أنه –أي الإيمان- يزيد بزيادته وينقص بنقصه –أي العمل-، ويعني: رجّح جماعة من العلماء، وهم جمهور الأشاعرة القول بزيادة الإيمان؛ لأنه لا معنى لترجيح زيادة الإيمان إلا ترجيح القول بها، ويكون ذلك بسبب زيادة طاعة الإنسان، فالباء سببية، و "ما" مصدرية، والطاعة فعل المأمور به واجتناب المنهي عنه"أهـ.

وأعتقد أن أفضل تشبيه ممكن للإيمان هو بالشجرة، فكما أن الشجرة جذع وأفرع، فالإيمان إقرار وأعمال، فكأن الجذع هو الإقرار، وكأن كل فرع بمثابة عمل، وحتى لو قُطِعت كل فروع الشجرة، فالشجرة لا تزول إلا بقطع جذعها، وكذا الإيمان لا يزول إلا بزوال أصله وهو الإقرار بالشهادتين، حتى لو لم يعمل صاحبه أي عمل. كما قد تكون شجرة جذعها قوي وأفرعها قليلة، وشجرة كثيرة الفروع وجذعها ضعيف، وهي شجرة المُرائي غير المخلص؛ لذا رُوي عن ساداتنا العُرفاء بالله قول بعضهم: "إن الله يقبل قليل عمل مع الإخلاص، ولا يقبل كثير عمل من غير إخلاص". ولعل تشبيهي هذا يُفسر أن يقع شخص كان كثير الصلاة والصوم وقراءة القرآن فريسة الإلحاد، بينما لا يتطرق حتى الشك لنفس شخص تارك العمل، لأن جذع إيمان هذا الثاني قوي حتى لو عدم الفروع.

ومن الفوائد في هذا الباب ما رواه السُبكي في طبقات الشافعية (ج4، ص259) "تكلم الأستاذ الإسفرايني في كتاب "الحلي في أصول الدين" على قول الشافعي رضي الله عنه الإيمان لا يشركه الشرك والشرك يشركه الشرك، بما حاصله أن الإيمان لو قارنه اعتقاد قدم العالم أو نحوه من الكفران ارتفع بجملته، والكفر كالتثليث مثلًا لو قارنه اعتقاد خروج الشيطان على الرحمن ومغالبته كما يقول المجوس لم يرتفع شركه بالنصرانية بل ازداد شركًا بالمجوسية، وأطال في ذلك. قلت –أي السُبكي-: فيؤخذ منه أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن الكفر يزيد وينقص فتأمل ذلك"أهـ.

وهنا يلزمني توضيح فروق هامة بين المنظور السلفي والمنظور الأشعري حول ركنية العمل: المنظور الأشعري قائم على أننا نؤمن به سبحانه، ونطيع ما استطعنا، ونقر بذنوبنا، ونستغفر منها، وهو أرحم الراحمين، فنطمع في رحمته، أما المنظور السلفي فيركز على العمل، فيرون أنهم طالما يُطيعون؛ يصلون ويصومون ويحجون، فهم أهل لنيل رحمته سبحانه. ومن هنا، ولتركيز المنظور السلفي على العمل، فقد يصل الأمر إلى تكفير من لا يقوم به، والإنكار على من يقول أن المؤمن تارك العمل إن شاء الله أدخله في رحمته، لأن نظرتهم إلى المسلم الذي لا يلتزم بأداء العبادات أشبه بالنظرة إلى الربوبي.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيأيا حجر الشحر إلى متى

تسنّ الحديد ولم تُقطَعِ؟

لم يكن بإمكان الغزالي آنذاك بعد أن يقول ما سيقوله الجيلاني عن منازلته لأقدار الحق بالحق للحق، لأنه لم يجتز بعد "طريق الانكسار" حتى نهايته. وإذا كانت تقاليد الصوفية اللاحقة قد أفلحت في إبداع مقارنات عديدة لمنازلات شيوخها، فلأنها وجدت فيها الصدى الروحي لما هو موجود وممكن (الفعل والواجب). بمعنى أنها استطاعت أن توّحد في كلّ واحد تجاربها الفردية العديدة في حقيقة المنازلة. لهذا كان بإمكان الجيلاني أن يقول ما لم يقله الغزالي، وأن تنعكس مع ذلك تجربة الثاني في فكرة الأول. غير أن لهذه المقارنة صداها المعنوي في ثقافة الروح الصوفي، لا واقعية المسار الفعلي للغزالي.

فقد كانت مواجهته للتعليمية الباطنية هي التجسيد الحي لمنازلته الواقعية والممكنة. إذ أدرك في مجراها بأنه ليس الحقيقة هي التي تحدد نظام السياسة، بل السياسة هي التي تدجّن الحقيقة. ومن الممكن أن نعثر على صدى هذا الإدراك الخفي في بعض استنتاجاته في (فضائح الباطنية)، القائلة بأن التعين للإمامة وموافقة الخلق هو لطف من الله في اختيار المرء لخلافته. إذ أن اختيار الخلق في الظاهر هو اختيار الله في الباطن. ولا ينبغي فهم هذه العبارة على أنها تبرير للسلطة في ممارساتها، أو شكل من أشكال إضفاء قدسية التيوقراطية الشاملة عليها. على العكس! إنه عبّر بصورة خفية، أو بصورة غير مباشرة، بما في ذلك في مواقفه وأحكامه الأيديولوجية المناهضة للتعليمية الباطنية عن سعي عقلاني إجماعي إسلامي. وقد حفظته هذه العقلانية من التهشّم وأنقذته من السقوط في مرارة اليأس، بما في ذلك في أشد مراحل انحلاله الروحي وأزمته النفسية الأخلاقية.

لقد كان ارتباط شخصية الغزالي وتطورها الفكري بعالم السياسة جلياً، شأن أغلب رجال الفكر العظام. وترك ذلك بصماته أيضاً في عباراته عن "شكر النعمة" و«إقامة رسم الخدمة للخلفاء والأمراء وغيرها. وبهذا المعنى، فإنه لم يشكل استثناء. وإذا كان بالإمكان الحديث هنا عن استثناء خاص به فهو ذاك الذي استثار الخلافة (السلطة) في طلبها منه تأليف كتاب في الرد على الباطنية حيث وجد في اختياره من بين العالمين لمهمة الذبّ عن الخلافة المستظهرية، استثناء مثيراً للإعجاب والتقدير. فهو يشير في (فضائح الباطنية)، باعتباره الوجه الدفاعي عن (فضائل المستظهرية) إلى هذا الاختيار والتقدير باعتباره وحدة واحدة. وإذا كان الغزالي عادة ما سيذكر (فضايح الباطنية) (بالمستظهري) فليس لكونه أراد التنصّل كلياً مما اقترفه عقله ولسانه ضد معارضيه، بقدر ما أنه وضع الأمور، كما يقال، في نصابها، أي وحّد ما هو موّحد في عباراته: الذب عن المستظهرية من خلال التشهير بفضائح الباطنية التعليمية. فهو يشير في مقدمة كتابه إلى أنه شخصياً كان يرغب في تأليف كتاب في (علوم الدين)  يرد به "شكر النعمة" للخليفة. وإذا كان طلب الخليفة قد استجاب لما في خلجات نفسه، فإن هذا التناغم قد التأم في نسيج التقاليد الكلامية الفِرَقية. بمعنى أنه تضمن في ذاته كل فضائل ورذائل الثقافة الإسلامية الجدلية. فالاستعداد النفسي لتأليف كتاب في "علم الدين" من أجل حظوة الملوك ضد معارضيها، كان في الواقع النتيجة الحتمية لاحتراق الكلمة الجدلية وضمور الروح الأخلاقي، أي كل ما سيهاجمه لاحقاً بقوة نادراً ما نعثر على مثيل لها في الفكر الإسلامي، وبالأخص ما يتعلق منه بالكشف عما أسماه، متتبعاً أثر أبو طالب المكي، بعبارة "علماء السوء". وقد قصد الغزالي بممارسة هؤلاء العلماء أيضاً تجربته الشخصية، أو على الأقل، أنها تتلألأ بين عباراته وانتقاداته اللاذعة في (إحياء علوم الدين) كرنين حاد لأصواته المقموعة في (المستظهري) وغيره من المؤلفات. ومن الممكن العثور على ذلك بجلاء في تلك العبارات العديدة التي ينتقد بها أولئك الذين يسمون سعيهم للجاه والمال في خدمة السلطان، على أنه دفاع عن الدين. حقيقة إنه لم يبتذل ممارسته هذه إلى الدرجة التي يسقط بها إلى حضيض الاحتراف الأيديولوجي الرخيص. لقد كانت خدمته للسلطان هي بمعنى ما أيضاً نتاجاً لعدم حسمه الفكري والشخصي لعلاقة السياسة بالأخلاق، والأخلاق بالحقيقة (العقلية).

فهو يظهر في (المستظهري) كمدّاح للسلطة. حيث ينظر إلى "الأوامر الشريفة النبوية المستظهرية" الموجهة إليه نظرته إلى خادمها. وبهذا يكون تسطيره في الدفاع عن الخلافة هو استجابة لطلب مدفوع الأجر مادياً ومعنوياً. وذلك لأن الطلب الموجّه إليه يحدد له أيضاً مهماته الفكرية ويحجّم بالتالي حدود انتقاداته للتعليمية الباطنية ضمن ما أسماه الطلب بالكشف "عن بدعهم وضلالهم ومكرهم، وإبراز فضايحهم بما ينص إلى هتك أستارهم وكشف أعوارهم"1 ، أي مهمة تنفيذ متطلبات الأيديولوجية السلطوية في أكثر صيغها تحزّباً ودعائية. إلا أن "الفضائح" الباطنية التي ركز الغزالي اهتمامه عليها لم تطمس عقلانيته النقدية. على العكس! إنها، إن أمكن القول، ساهمت في تعميق منظومة التفكير العقلاني. وفي هذا كمن أحد الأسباب الرئيسية في إثارة اصطدام روحه المعرفي والأخلاقي. وليس من المستغرب هنا افتراض فاعلية هذا الاصطدام الداخلي في أعماقه، إذا أخذنا بنظر الاعتبار واقع ابتداء أزمته الروحية، التي أدت به إلى التصوف بعد أشهر قليلة من تأليف هذا الكتاب.

لقد تضمن (فضائح الباطنية) في أعماقه بذور الوعي العقلاني الأيديولوجي والأخلاقي السياسي المتصادم والمعترك، بفعل عدم خضوعه الكلي للحقيقة، وبفعل خضوعه الجزئي للسلطة. فقد شكل هذا التناقض أحد مصادر قلقه الروحي. بل يمكن القول بأن انتقاده للتعليمية الباطنية قد أسدى له خدمة سموه الروحي. وضمن هذا السياق يمكن القول، بأن  مصير الافراد هو بمعنى ما الحصيلة الواقعية لانكسارات حياتهم الفعلية. غير أن ما هو جوهري في حياة ومصير أهل العلم الكبار هو أن هذه التلقائية الوجودية لا تفرضها عشوائية الاجتماع و"فوضى" قوانينه بما في ذلك في أكثر أشكالها وأنماطها تطورا. وتصبح هذه الحقيقة أكثر اقناعا للصوفي بسبب ربطه فكرة المصير بالأزل. فالأزل بالنسبة له ليس نقطة البداية وذلك لأن الأول بالنسبة له هو الآخر. والعكس هو الصحيح. فالأزل بالنسبة له ليس زمنا ساريا بحد ذاته بل هو مسار الحال (الصوفي). فالحال هو الكينونة الوحيدة التي تكشف في ثناياها تذوق حقائق الوجود. آنذاك يفقد الصراع طابعه المفترس. الأمر الذي حدد موقف الصوفية من السلطة والقوة، باعتبارهما أوهاما وأشباحا عابرة لا معنى ولا قيمة لها بمعايير السمو الأخلاقي والروحي. إن هذا الإدراك العميق المبني على رؤية العالم ووحدته ضمن منظومة أخلاقية متكاملة، لم يكن معزولا عن تجارب المتصوفة، وبالأخص تجارب أولئك الذين تحسسوا ذلك بكامل وجودهم، كما كان الحال بالنسبة للغزالي. فقد أوحت هذه التجربة في تذوقها الصوفي للفكرة التي لم يعلنها الغزالي والتي يمكن رؤيتها في مجمل مبادئ منظومته الأخلاقية عن أن الحقيقة ينبغي أن تزيح جانبا تخويل نفسها مسئولية تطبيقها العملي، دون أن يعني ذك في الوقت نفسه رفع شعار الخمول العملي في عالم المتناقضات.

فقد جذبته "فضائح" الباطنية كضالة كان ينشدها، وبغية كان يقصدها، وكيف لا يتسارع إليها، كما يقول هو عن نفسه في مقدمة كتابه، وهو يرى الامتثال والطاعة موجبة مازال الأمر من زعيم الأمة وخليفة الله؟ وقد أقنع نفسه آنذاك بأن ما يقوم به هو ذبّ عن الدين والحق المبين. وإذا كان الغزالي هو المختار بين العالمين، فالإذعان في حقه، كما يقول عن فعله، هو من فروض الأعيان. لقد حشر نفسه في مزالق الوهم الأيديولوجي، ولكن دون أن يفقده ذلك عقلانيته النقدية.

فالتوجه الأيديولوجي لم يقض على عقلانيته، بينما الأخيرة فسحت على الدوام مجالاً لتلألؤ الأنوار الخفية للأخلاق. إذ يمكن القول بأن الغزالي ظل عقلانياً حتى في تلك اللحظات التي كان يتنازل فيها جزئياً، بفعل متطلبات الصراع الايديولوجي (المذهبي الكلامي)، عن وحدة العناصر العقلانية المتجانسة. وهذا ما يبرز بوضوح في تنوع الاحتمالات التي تتضمنها عباراته ومقولاته المؤدلجة، بما في ذلك من حيث إمكانية استعمالها ضده. فعندما يرد على آراء وتأويلات الباطنية التعليمية وبالأخص ما يتعلق منه بصيغة الحروفية والعددية، فإنه يؤكد على إمكانية استعمال الأرقام الأولية من الواحد إلى العشرة بالطريقة المخالفة لاستنتاجات التعليمية الباطنية. بمعنى أننا إذا رأينا شيئاً واحداً، فإننا نستطيع أن نستدل به على عمر بن الخطاب واثنين على محمد وأبي بكر، وثلاثة على محمد وأبي بكر وعمر. وإذا وجدنا سبعة نستدل بها على سبعة خلفاء من بني أمية مبالغة في إرغامهم، كما يقول الغزالي، وإجلالاً لبني العباس عن المعارضة بهم. ويمكننا القول بأن عدد السموات السبع والنجوم السيارة وأيام الأسبوع تدل على معاوية ويزيد ومروان وعبد الملك والوليد وعمر بن عبد العزيز وهشام ثم السفياني المنتظر2 . وينطبق هذا بالقدر ذاته على كافة آراءه ومواقفه وانتقاداته ذات المنحى الأيديولوجي.

فمن المعروف الدور الذي لعبه تأويل الحروف والأعداد في تاريخ الفلسفة بشكل عام والباطنيات بشكل خاص. فقد ربطت التيارات الباطنية في تأويلاتها الحروف والأعداد. وأرست على هذا التأويل الكثير من مفاهيمها وأحكامها وتصوراتها بل وفلسفتها النظرية والعملية. ولم تخل مساعيها هنا من افتعال كبير احيانا. اذ تمتلك الأرقام أربعة وسبعة، على سبيل المثال، أهمية عقائدية بفعل تطابق الرقم أربعة مع فكرتها عن (السابق والتالي والناطق والأساس) حيث وجدت فيه التعليمة الباطنية التعبير العاكس لشموله المطلق الذي يلف الكون ومظاهر الطبيعة. فالطبائع أربعة (الماء والهواء والتراب والنار) ويقابله في الإنسان (البلغم والدم والصفراء والسوداء) والأمزجة الأربعة (الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة). كما يتوافق مع الجهات الأربع للعالم (شمال وجنوب وشرق وغرب) وفصوله (ربيع وصيف وخريف وشتاء). أما في مجال تأويل الحروف والعدد فقدموا مثال ذلك على تأويل (لا إله إلا الله) على أنها أربع كلمات تدل على في العالم الروحاني على (السابق والتالي= النفس والطبيعة) و(الناطق والأساس= النبي والإمام) ويقابلها في العالم الجسماني الطبائع الأربع وهي ذاتها أيضا سبع (لا إ له إ لا ا لله) الذي يتوافق مع دورات الائمة السبعة والأفلاك السبعة. ومن الممكن الاستفاضة هنا بأمثلة عديدة تجري كلها ضمن نفس السياق. بمعنى ان ما يتغير فيها هو مجال التطبيق والاستعمال. غير إن ذلك لا ينبغي أو يلزم النظر إلى أن مضمون وحقيقة الفلسفة الإسماعيلية ترجع إلى هذا المستوى والنمط في التفكير والتأسيس. أنها مجرد مظاهر للتمثيل وليس حقيقة ومضمون الفلسفة الباطنية والإسماعيلية بشكل خاص. وقد قدم الغزالي هذه الامثلة واستفاض في نقدها من أجل الكشف عما اسماه بفقدان العقل والغلو المذهبي. (يتبع....) 

 

ميثم الجنابي

......................

1- الغزالي: فضائح الباطنية، ص2.

2- الغزالي: فضائح الباطنية، ص26.

 

ميثم الجنابي"عند الشدائد تذهب الاحقاد" 

إن سوء الفهم السائد تجاه مضمون نقد الغزالي للفلاسفة المسلمين ينبع أساسا من تأثير تقاليد وشحنة الصراع الثقافي العقائدي، التي تولدت في مجرى احتكاك الكلام بالفلسفة، والفلسفة بالكلام. فإذا كانت الفلسفة قد اتخذت في تقاليد الكلام ووعيه الخاص هيئة "العلم الدخيل"، فإن ذلك لم يمنع النظر إليها باعتبارها من "علوم الأوائل". مما فسح المجال أمام قبولها "الثقافي" باعتبارها جزءا من الحكمة. وقد تضمن ذلك في الوقت نفسه إمكانية الصدام والاحتدام بسبب تراكم التقاليد الفكرية للكلام والعقائد بمعايير التجارب الثقافية الخاصة. وهذه بدورها من إبداع الإنسان وأحكامه الوضعية. بينما جرى وعي الإسلام وإدراكه على أنه من "ملكوت الرحمة". وبالتالي إلزامه عالم الإنسان الروحي ومساعيه المادية وأحكامه الفقهية بشكل كان يلوي كل ما في العالم بالطريقة التي ينبغي أن ينسجم فيها مع وحدانية الإسلام. إن هذا الاصطدام الذي مّهد له تاريخ طويل من صراع العناصر الثقافية والعقائدية هو الذي اعطى (لتهافت الفلاسفة) إمكانية تحوله إلى "حجة" الدفاع عن الإسلام في صراعه ضد "الزندقة" الفلسفية. أما في الواقع فإن "حجة" (تهافت الفلاسفة) هي من انتاج العوارض العقائدية وغلوّها التقييمي، الذي عادة ما تثيره شهية التبديع والتكفير. بينما كان مضمون (تهافت الفلاسفة) فلسفيا عقليا وبالأخص ما يتعلق منه بتمارين الجدل وحيوية برهان الخلف، الذي وجد طريقه الخاص إلى خلخلة اليقين الإيماني وفكرة اليقين التقليدية نفسها مع ما لازمها من أثر على أزمته الفكرية والروحية. 

وهذا ما يمكننا العثور عليه أيضاً في غياب الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث والأخبار. وفي حالة استعمالها فإنها لا تتعدى كونها وصفاً بلاغياً لا دليلاً برهانياً ولا حجة كلامية[1]. فهو يستند في انتقاده "السلبي" إلى كل التقاليد الجدلية التي أبدعها تاريخ الكلام وتقاليد النقد الإسلامي من الهجاء والتهكم حتى السفسطة العقلية. ومن الممكن رؤية تأثره بأسلوب الباقلاني. ولهذا يمكن فهم الأسباب القائمة وراء استعماله في (تهافت الفلاسفة) آراء المعتزلة والكرامية والواقفية رغم معارضته ونفيه الكثير من آرائهم[2]، أي إمكانية استعمال مختلف آراء وأحكام واستفسارات واعتراضات المدارس الفكرية واتجاهاتها دون التزامه بها أو القناعة بمضمونها، بل بوصفها الخميرة الجدلية للشك. فهو يسير هنا في نفس تقاليد الجدل الكلامي وأساليبه النقدية. غير أنه يتجنب الوقوع في اوحالها الأيديولوجية. فهو يؤكد على أن مهمته لا تقوم في تصنيف وتصفيف الآراء المناهضة للفلاسفة في الأوساط الفكرية السائدة من متكلمين وفقهاء وغيرهم، ولا حتى في الاستناد إلى مذهب معين من مذاهب الفرق الكلامية، أي أنه يستغلها جميعها انطلاقاً من شعار "عند الشدائد تذهب الأحقاد". ولا ينبغي فهم هذا الشعار بمعزل عن فهمه لوظيفة الكلام. حقيقة إن هذا الفهم الأولي مازال مندمجاً في مساعيه النقدية وذلك لأن فهمه لوظيفة الكلام باعتباره علم الدفاع عن عقيدة العوام هو من نتاج المرحلة الصوفية. إلا أن بذوره الأولى قد تجمعت في مجرى انتقاده للفلسفة. فانتقاده إياها كان يحتوي على إمكانية تثوير الكلام وتقاليده المستتبة من جهة، ووضعها أمام المحك النظري الأصعب للبرهنة على صلاحيته من جهة أخرى. إذ لا يعني استعماله لمختلف آراء الكلام وفرقه مع عدم القناعة الشخصية بها سوى سريان أحد العناصر الجوهرية التي ساهمت في اكتشافه لاحقاً خطأ وخطيئة الجدل الكلامي وضعف حججه. وبالتالي أشارت إلى ما فيه من حوافز "إفحام الخصم" و"مكر النفس" التي سيدينها.

غير أن ما اتخذ في وعي الغزالي الصوفي هيئة المكر والإفحام، اتخذ في المسار التاريخي الفعلي لتطوره الشخصي صيغة الجدل العقائدي العقلي، أي كل ما ساهم في إمكانية تطوره الداخلي وحركة مفاهيمه الفكرية. إذ حتى في تلك المرحلة التي يظهر في منظومته مفهوم وممارسة العوام والخواص، وإدراجه (تهافت الفلاسفة) في صنف علوم العوام، فإن ذلك ينبغي أن يفهم على أساس صيرورة أسلوبه النقدي وخصوصية وعي الذات النقدي الصوفي، لا على أساس حقيقة (تهافت الفلاسفة) في تكونه الفكري والحقائق بحد ذاتها. إذ ليس "العام" هنا سوى الدفاع عن وحدة العقيدة بالصيغة التي لا ينبغي أن تؤدي إلى تعارض ظاهري بينها وبين مقومات الشرع. من هنا، فإن الآراء التي تحاول تصوير مؤلفاته السابقة بما في ذلك (تهافت الفلاسفة) على أنها لا تعكس حقيقة أفكاره أو أفكاره الحقيقية، لا تمتلك أي معنى من وجهة النظر التاريخية والفكرية لتطوره الذاتي. إذ أن ذلك يفترض وجود مرحلة لا وجود حقيقي لها في حياته! والغزالي نفسه سيؤكد في (الإملاء) على أنه لا خاصة بدون عامة. وإذا كانت هذه حقيقة في ميدان العلاقات الاجتماعية، فإنها أكثر صحة ودقة في عالم الفكر. فالأخير هو التجلي "الخالص" لهذه العلاقة. وهو لا يعبّر عن تناقض مستعص على الحل، بقدر ما أنه يعكس مستويات متباينة للحقيقة، كما هو الحال، على سبيل المثال، بالنسبة لانعدام التناقض بين معطيات الحساب البسيط والرياضيات المعقدة. والغزالي في تطوره حتى مرحلة (تهافت الفلاسفة) لم يخفِ آراءه الخاصة. كما لم يتكلم عن آراء لا يمكن البوح بها. بل حتى العبارات التي سيكررها في وقت لاحق في كل من (الإحياء) و(جواهر القرآن) و(الإملاء) و(مشكاة النبوة) وغيرها لا تعني وجود منظومة من الأفكار السرية الخالصة أو التي لا يمكن صياغتها نظرياً، بقدر ما أنه يقصد بها بعض الأفكار أو بصورة أدق بعض الحلول التي أرهقت الوعي العقلاني الإسلامي آنذاك، وبالأخص ما يتعلق منها بالقضايا والمعضلات "الخالدة". فقد كان الغزالي حتى هذه المرحلة أسير حرية الفكر العقلاني وزهو الإعجاب المفرط بالجدل وإمكاناته. فهو يبدو كلاعب الشطرنج في تعامله مع أحجاره بحرية هو أسير لها. والغزالي لم يخرج عن إطار لعبة القدر الفكرية هذه. وبالتالي، فإن (تهافت الفلاسفة) لم يكن طارئاً أو إبداعاً موهوماً أو عارضاً عن حقيقة آرائه، بقدر ما أنه كان درجة في تطورها. لقد وضعه "تهافت" الفلاسفة أمام تهافت علم الكلام وتراثه العقلاني، أي أنه أخذ يدرك المحدودية المعرفية لعلم الكلام. وسواء أشار إلى هذه المحدودية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإن مما لاشك فيه هو انعكاسها في أسلوب ومنهج انتقاده السلبي للفلسفة. أما إيجابية هذا الأسلوب، فإنها ظهرت كقوة مغتربة ومتشيئة في الوظيفة الخارجية لعلم الكلام، باعتباره حارس عقيدة العوام وإيمانهم.  مما أعطى لانتقاد الفلسفة في آرائه قيمة الحافز العقلاني الجديد لإعادة النظر في تراثه الفكري.إذ أفرز ذلك أهمية الآراء والمناهج الفلسفية بالنسبة له، مما سيجعله في وقت لاحق يعيد النظر بكل قضايا العقيدة الإيمانية ومعضلات الفكر الاجتماعي والسياسي والأخلاقي على أسس "الإيجابية"، التي لم يكن بالإمكان تصورها خارج إطار تراثه السلبي،  أي حصيلة وظيفية الكلام ومنهجية الفلسفة.

فالفكرة الحيادية الأولى، أو بصورة أدق التقييم الإيجابي الأولي لعلوم الفلاسفة، الذي صاغه للمرة الأولى في (مقاصد الفلاسفة) ظل كما هو، أو على الأقل ظل محتفظاً بصيغته العامة في كافة مؤلفاته وأعماله اللاحقة. إذ نرى ذلك في تأكيده على أهمية وضرورية الرياضيات والمنطق والطبيعيات، إضافة إلى تقيمه الرفيع للكثير من آراء الفلاسفة في الاجتماع والسياسة والأخلاق، أي في كل ما هو جوهري في الفلسفة السائدة آنذاك. ففي (مقاصد الفلاسفة) أشار إلى ضرورة وأهمية المنطق والرياضيات[3]. وفي (تهافت الفلاسفة) ركّز على أهمية الرياضيات والمنطق معتبراً محاولات إنكار ضرورتهما أو التقليل من أهميتهما عمل لا معنى له، بل ومناف لحقيقة الدين (الإسلام). وذلك لأن المنطق هو "النظر في آلة الفكر في المعقولات"[4]. وفي (معيار العلم) حاول أن يجعل من المنطق الأداة الضرورية للفقه من خلال التركيز على فكرة استحالة بلوغ الحقيقة دون المنطق. وذلك لأن العلوم النظرية، كما يقول الغزالي، لا توجد عند الإنسان بالفطرة والغريزة. وبالتالي فإن طرق الوصول إلى الحقيقة غير مأمونة "إذ لا كل ظان الوصول إلى شاكلة الصواب آمن من الانخداع بلامع السراب"[5]. ومن هنا سعيه للبرهنة على أن لا قوة للفكر دون المنطق. فالأخير يتخذ بنظره هيئة ميزان البحث والابتكار ومصقل الذهن وشحذ قوة العقل والنقل. فهو بالنسبة لأدلة العقول كالعروض بالنسبة للشعر والنحو بالإضافة إلى الإعراب[6]. أما في (الإحياء) فإنه يورد ذكر الفلاسفة ثلاث مرات، اثنتان بصورة عابرة ومرة بعبارات محددة حال كلامه عن علوم الفلسفة كالهندسة والحساب باعتبارهما من العلوم المباحة والضرورية. وكذلك الحال بالنسبة للمنطق، أي البحث عن وجه الدليل وشروطه، والذي أدخله إلى جانب الإلهيات في علم الكلام، أو البحث عن ذات الله وصفاته. فالفلسفة كما يؤكد الغزالي لم تختلف عن علم الكلام بصدد الإلهيات، بمعنى أنه ليس لها علم خاص أو نمط خاص بالإلهيات، بقدر ما أنها انفردت" بمذاهب عديدة بعضها كفر وبعضها بدعة".

فقد تكلم الغزالي عن تشابه الفلسفة والكلام في قضايا الإلهيات للمرة الاولى في (الإحياء). ومع ذلك يمكن العثور على أجنة هذه الفكرة في (معيار العلم في فن المنطق). إلا أن صياغتها في (الإحياء) تعكس تبلورها الدقيق والعميق من خلال مرورها بتجربته الصوفية وتوليفها الفكري الجديد. وسوف يكرر هذه الفكرة بصيغ عديدة في مؤلفاته الأخرى بما في ذلك في (المستصفى من علم الأصول)، باعتباره آخر كتبه وأكبرها حجما وقيمة. إلا أن تقييمه المتعلق بتشابه علم الكلام والفلسفة في الإلهيات كان نتاجا لنقده الكلامي للفلسفة والفلاسفة بصدد قضايا الإلهيات نفسها. بمعنى توصله إلى قناعة خلوهما من المنطق في الإلهيات. لهذا شدد على انه ليس هناك علم خاص بالإلهيات في الفلسفة، بقدر ما انها مذاهب عديدة موزعة بين الكفر والبدعة. وعند هذا الحد يفترق الكلام والفلسفة بفعل الخصائص الجوهرية المميزة لكل منهما. فإذا كان انتقاد الفلسفة قد أوصله أيضا إلى إدراك الوظيفة الأيديولوجية للكلام، فإن انعكاس ذلك في موقفه من الفلسفة قد جرى من خلال إبراز تباين مذاهب الفلسفة في الإلهيات. أما التشديد على هذا الجانب فيعكس إدراكه المبكر لخلوها من وظيفة الدفاع عن عقيدة العوام. بمعنى أن في علومها الأخرى امكانية كشف الحقائق كما هي. وهو أمر جلي في موقفه وتقييمه للطبيعيات. فبعضها، كما يقول الغزالي، مخالف للشرع والدين الحق، والبعض الآخر ما يبحث في صفات الأجسام وخواصها واستحالتها وتغيرها مما لا يتعارض مع الدين الحق[7].

ولم يقصد الغزالي بمخالفة بعض الطبيعيات للدين والشرع على أن هناك خلاف لازم بينهما. فهو لم يقصد بالطبيعيات هنا سوى ما يتطابق في مضمونه مع الجهل، أي كل ما له صلة بترهل المعرفة وشططها كما هو الحال بالنسبة لعلم الفلك وتدخله بقضايا القضاء والقدر، والكيمياء بالسحر والشعوذة أي كل ما يتعامل بهذا القدر أو ذاك مع "طلاسم" الحياة وشعوذتها "الثقافية". وبهذا المعنى كانت آراء الغزالي أكثر تجانسا في علميتها. فهو من بين المفكرين المسلمين الكبار، الذين اعتبروا محاربة العلم "أفضل الوسائل لمحاربة الدين". ووضع لهذه الفكرة أساسها الفلسفي القائل، بأن معطيات العلوم الطبيعية مستقلة عن قضايا العقائد، وأن فائدتها تقوم أولا وقبل كل شيء في خدمة الإنسان وأغراضه الحياتية.  

 ولا يتنافى ما في (المنقذ من الضلال) مع آراءه ومواقفه وأحكامه السابقة باستثناء طابعها التقييمي العام، الذي يعبّر في الكثير من حوافزه ومظاهره عن إدراكه الجديد لتجربته السابقة. فالغزالي الذي قيّم المنطق عالياً حاول أن يكشف في الوقت نفسه عن عدم تجانس الفلاسفة في استعماله، أي أن انتقاده للفلاسفة لم يكن موجهاً ضد حقائق الفكر الفلسفي، بقدر ما أنه تطرق إلى ما دعاه بتهافتهم، أي عدم تمسكهم المتجانس بما وضعوه في بادئ الأمر كمقدمات أولية. فالآراء الفلسفية من حيث جوهرها مبنية، كما يقول الغزالي، على "الظن والتخمين من غير تحقيق ويقين"[8]. فالإدعاء الذي يقدمه الفلاسفة عن استنادهم إلى المنطق والرياضيات غير صحيح. وإلا فبأي شكل يمكن تفسير اختلافاتهم في الآراء والأحكام والنتائج، كما لم يختلفوا في الأمور الحسابية[9]. ومن هذا المنطلق حاول تطبيق اعتراضاته الجدلية على آراء الفلاسفة بصدد القضايا العقائدية الكبرى.

فقد نظر إلى تباين آراء الفلاسفة وكثرة خلافاتهم على أنه المثال الملموس لغياب التمسك الصارم بالمنطق. وبما أنه كان يدرك الصعوبات العقلية في العلوم النظرية فإنه حاول أن يكشف في الوقت نفسه عن ضعف قابلية المنطق الشكلي في وضع حلول مقنعة لقضايا الوجود والمعرفة والاجتماع والسياسة والفقه والأخلاق. وقد جعله ذلك يتطرف في بعض أحكامه إلى الدرجة التي اعتبر فيها الآراء الفلسفية وصياغاتها النظرية مجرد "استدراج في الحيل". ولهذا السبب اعتبر ادعاء الفلاسفة عن ضرورة الرياضيات والمنطق للفلسفة على أنه مجرد خداع. فالفلسفة بحاجة إلى الرياضيات احتياج الطب أو النحو لها، أو كاحتياج الحساب للطب. فالإدعاء الفلسفي حول الحاجة الماسة للفلسفة بالعلوم  المذكورة  هو كمن يدّعي بأنه لا يمكن معرفة "كون هذه البصلة حادثة ما لم يعرف عدد طبقاتها، ولا يعرف كون هذه الرمانة حادثة ما لم يعرف عدد حباتها"[10].

فهو لم يسعَ هنا فقط لانتزاع احتكار الفلسفة والفلاسفة للمعارف باعتبارها "أم العلوم"، بل وإثبات تهافتها المنطقي من خلال الكشف عن عدم تمسكها المتجانس بمتطلبات المنطق وقواعده. لهذا انتقد بشدة استعمالات الفلاسفة المنطقية، التي حاولوا من خلالها بناء صروحهم المعرفية والوجودية. بينما لم يجد في هذه البنى سوى فرضيات هي أقرب إلى الخيال والوهم من الحقائق، أي معارضتها للوقائع والحقائق كما هي.

والغزالي محق ومصيب عند الحدود التي حاول أن يكشف فيها عن محدودية المعرفة العقلية. بمعنى إدراكه بأن الأحكام العقلية تظل حتى في أقصى حالاتها ودرجاتها المتجانسة أسيرة منطقها الخاص. وبالتالي، فإن استنتاجاتها النهائية تبقى مجرد فرضيات تضفي تصوراتها الخاصة على الواقع. لكن ذلك لا يعني أن الغزالي قد وضع فكرة "الشيء بذاته"، رغم وجود بعض عناصرها في جدله "السلبي" واستنتاجاته عن محدودية المنطق العقلي الفلسفي وعجزه عن تقديم ما يمكنه تجاوز افتراضاته "الوهمية" عن الوجود وغاياته. وسوف تظهر هذه العناصر في وقت لاحق ولكن في اطارها "الإيجابي" ضمن نظريته الأخلاقية. الأمر الذي يكشف بدوره عن أهمية التمادي المتطرف والنقد العقلي للفلسفة في استثارة المساعي الأخلاقية، بوصفه أيضا أسلوب نفي القواعد الشكلية الميتة للمنطق وأحكامه. 

ففي معرض انتقاده ورده على فكرة الفلاسفة عن أبدية العالم والزمان والمكان وبالأخص الفكرة المنسوبة لجالينوس حول أنه لو كانت الشمس مثلاً تقبل الانعدام لظهر منها ذبول في مدة مديدة. وبما أن الارصاد يبرهن على أن مقدارها ظل منذ آلاف السنين كما هو، فإن ذلك يدل على عدم فسادها. بينما حاول الغزالي أن يبرهن استناداً إلى شروط المنطق الشكلي ذاته، عدم دقة  هذا الاستنتاج. فالقضية "الشرطية المتصلة"، أي إن كانت الشمس تفسد فلابد أن يلحقها الذبول، حسب رأي جالينوس، لا تتضمن بنظره برهاناً سليماً، لأنها ذات مقدمة خاطئة. وبالتالي فإن نتيجتها غير لازمة. والقضية (الجملة) يمكن أن تكون أفضل في حالة صياغتها بإضافة شرط آخر وهو "إن كانت تفسد فساداً ذبولياً، فلابد أن تذبل في طول المدة"، أو بصياغة أخرى مثل "لا فساد إلا بطريقة الذبول"، حتى يلزم التالي للمقدم (النتيجة للشرط). وهذا ما لم يوافق عليه الغزالي أيضاً. فالذبول بالنسبة له مجرد أحد وجوه الفساد، وبالتالي فإنه "لا يبعد أن يفسد الشيء وهو على حال كماله"[11]. فهو يصوغ هنا فكرة عميقة تتعدى حدود المنطق الشكلي. ولا يقف عند هذا الحد في جداله الفكري بل ويتقصى مختلف جوانب الظاهرة ومستوياتها، ليس فقط من ناحية المنطق، بل ومن الناحية الواقعية والحسية أيضاً.

 فالإستنتاج القائل بعدم ذبول الشمس وفسادها المبني على معطيات "الحس الساذج" لا يمكن بنظره أن يخدم كبرهان بحد ذاته. فكون الذبول لا يتبين للحس لا يعني انعدامه. إذ لعل الشمس "في الذبول وإلى الآن"[12]. فالحس بنظره "لا يقدر على أن يدرك ذلك لأن تقديره في علم الناظر لا يعرف إلا بالتقريب"[13]. وبالتالي فإن المعرفة الحسية هي معرفة تقريبية قد لا تتطابق مع حقيقة الشيء. وهو يشير إلى أن من الصعب على سبيل المثال رؤية نقصان الذهب أو الياقوتة في غضون مئة سنة ولكنه يحدث. وهذا بدوره يجعله أكثر تدقيقاً في تحديد ضعف الأحكام المنطقية السابقة. بحيث يستنتج بأن من الممكن أن تكون "نسبة ما نقص من الشمس في مدة تاريخ الارصاد كنسبة ما ينقص من الياقوتة في مئة سنة، وذلك لا يظهر للحس"[14].

إن محاولة الغزالي الكشف عن ضعف تجانس الآراء والمواقف والأحكام الفلسفية لم تحشر انتقاداته السلبية في عالم السفسطة، بفعل تلك الحوافز الأولية القائمة وراء حياكة نسيج المنهجية المبنية على معارضة الإشكالات بالإشكالات، أي حوافز الدفاع عن عقائد الإيمان. فانتقاداته لآراء الفلاسفة بصدد القضايا العقائدية الكبرى وبالأخص قضايا حدوث العالم وصفات الصانع (الله) وحشر الأجساد، لم تكن تسعى في محتواها وغاياتها سوى للدفاع عما سيدعوه لاحقاً بعقيدة العوام.

فهو يقف موقف الوسط الذي لا يندفع صوب قناعة الفلاسفة "الظنية" رغم عقلانيتها الظاهرة، ولا صوب القناعة العقائدية (الإيمانية) الساذجة للعوام. فهو لا يهاجم "ما لا يعدم مذهب الفلاسفة فيه أصلاً من أصول الدين". أما الأحكام الدقيقة المتعلقة باكتشافات العلوم فلا تثلب الدين. على العكس! إنها تؤكد صحته! فالأحكام العلمية بصدد الخسوف والكسوف وغيرها بنظره، لا يمكن أن تخص شيئاً من شئون العقيدة. لهذا وجد في مناظرات علماء الدين في محاربة العلم جريمة على الدين وإضعافه[15]. ولهذا السبب أيضاً وقف موقف المعارض الشديد للمحاولات الدينية الساعية لإبطال الحقائق العلمية ومعطياتها الدقيقة (في الحساب والهندسة والطب والفلك وغيرها)، أو محاولة تأويل الآيات والأحاديث بالصيغة التي تفند فيها استنتاجات العلوم الدقيقة والتي "يفرح بها الملاحدة" حسب تعبيره. إذ يسهل عليهم "طريق إبطال الشرع"[16].

لقد أراد من وراء انتقاده لآراء الفلاسفة بصدد مختلف القضايا البرهنة على أن منطقهم لابد وأن يؤدي، في الإلهيات خصوصاً، إلى أخطاء لا تحصى[17]. فالتصورات والأحكام الفلسفية المبنية على الحس لا يمكنها بنظره احتواء حقيقة المطلق. إذ لولا نقصان الآدمي، كما يكتب الغزالي "لما احتاج إلى حواس تحرسه عما يتعرض للتضرر به"[18]. أما المعرفة العقلية فإنها تقف حائرة أمام الله. وليس ذلك بمدهش بحد ذاته من وجهة نظر العقل، كما يقول الغزالي، بل الإعجاب في الأدلة على نفيه. فالعجب "إنما من إعجابهم بأنفسهم وبأدلتهم ومن اعتقادهم أنهم عرفوا هذه الأمور معرفة يقينية مع ما فيها من الخبط والخبال"[19]. فالقضية العقائدية الجوهرية المتعلقة بقدم العالم أو حدوثه شكلت بالنسبة له مقدمة الجدل الإشكالي الواسع، الذي حاول من خلاله إظهار ضعف الأدلة الفلسفية. فهو ينطلق من أنه لا أساس مطلق عند الفلاسفة في رفض الاعتقاد القائل بابتداء العالم من حيث ابتدأ، وأن الوجود قبل ذلك لم يكن مراداً، وأنه في الوقت الذي حدث فيه كان مراداً بفعل الإرادة القديمة (الإلهية). وذلك لأن رفض الفلاسفة إمكانية حدوث العالم بفعل إرادة إلهية قديمة يمكن رده على أساس كثرة القائلين بحدوث العالم، رغم أنه يدرك سذاجة هذا الحكم، انطلاقاً من أن كثرة الأغبياء لا تعني صحة غباواتهم. إلا أن هذا الحكم ينطبق بالقدر ذاته على أصحاب الفكرة المعاكسة. لهذا حاول البحث عن الدليل العقلي الجدلي لمهاجمة فكرة قدم العالم انطلاقاً من أن نفي الفلاسفة حدوث العالم هو مجرد أحكام مبنية على أساس المقارنة النفسية الإنسانية، أي أنهم يماثلون الإرادة الإنسانية بالإرادة الإلهية. فهم يماثلون أو يستبعدون ما هو مشابه لإرادتنا أو ما هو مخالف لها. بينما الاستبعاد لا يمكنه أن يشكل بحد ذاته برهانا. ولا يمكن أن نقارن الإرادة الإلهية بالإرادة الإنسانية. إضافة لذلك، إن قدم العالم بالنسبة للغزالي محال أيضاً، لأنه يفترض ويؤدي إلى إثبات دورات للفلك لا نهاية لأعدادها ولا حصر لآحادها مع أن لها سدساً وربعاً… فهو يحاول استناداً إلى فكرة محدودية حركة الكواكب أن ينظر إلى الحركة ذاتها بوصفها دورة لا غير. ففلك الشمس يدور في سنة واحدة وفلك زحل في ثلاثين سنة والمشتري في اثنتي عشرة سنة. وبالتالي فإن افتراض حركة لانهائية يعني منافاتها للواقع. فاستبعاد حادث عن قديم هو مجرد افتراض ليس له مقوماته العقلية والوجودية. فالاعتراف بحدوث العالم يفرضه "منطق" النظر إلى الحوادث وارتباطاتها. فاستناد الحوادث إلى غير نهاية بنظر الغزالي محال. وهي لابد بالتالي من أن تنتهي في تسلسلها إلى طرف، فيكون هذا الطرف هو القديم[20]. وكل الاعتراضات التي يمكن صياغتها هنا تبقى في محتواها بنظره مجرد تأويلات عقلية ممكنة لا تغير من جوهر الأمر شيئاً. بمعنى أن السؤال الأساسي يظل قائماً وهو إما أن تكون الأشياء قديمة وإما حادثة. وأن "الحركة الدورية الأبدية" التي يقول بها الفلاسفة التي تخلق في مجرى حركتها الحوادث لا تزيل أو تنفي السؤال نفسه، وهو ما إذا كانت هذه الحركة الدورية حادثة أم قديمة؟ فالحركة الدورية بنظره لا يمكنها أن تكون مبدأ الحوادث، وذلك لأن جميع الحوادث بنظره "مخترعة لله أبدا"[21]. فالقديم الحق هو الله وما عداه حادث، أي أن الله مقدم على العالم والزمان، و"أنه كان ولا عالم، ثم كان ومعه عالم"[22]. فالقدم هو انفراده بالوجود. ولا يعني "كان ولا عالَم" سوى وجود ذات الله وعدم ذات العالم فقط. في حين أنه "كان ومعه عالَم" ولا يعني سوى وجود الذاتين فقط. فوجود العالم من حيث وجد وعلى الوصف الذي وجد وفي المكان الذي وجد محدث بالإرادة الإلهية. وليست الإرادة هنا سوى صفة من شأنها تمييز الشيء عن مثله. وبهذا المعنى فإن وجود العالم على ما هو عليه يقع خارج إطار فكرة الإمكان الفلسفية. بمعنى أنه واجب لا ممكن. وبهذا يكون الواجب مستغنياً عن علة[23]. إذ لم يكن وجود العالم "قبل وجوده ممكناً، بل وافق الوجود الإمكان من غير زيادة ولا نقصان" وإن ذلك لا يعني الانتقال من العجز إلى القدرة بالنسبة لله، لأن الوجود لم يكن ممكناً، ولهذا لم يكن مقدوراً. ثم إن امتناع حصول ما ليس بممكن لا يدل على العجز. أما الإجابة عن الكيفية التي تحول بها الامتناع إلى ممكن فإن الغزالي يجيب عليه بإشكالية مقابلة وهي "ولِمَ يستحيل أن يكون ممتنعاً في حال ممكناً في حال آخر؟ وذلك لأن تقدير الإمكانيات التي يطرحها الفلاسفة، لا معنى لها. وذلك لأن الله قديم قادر لا يمتنع عليه الفعل أبداً إن أراده. وليس في هذا القدر ما يوجب إثبات زمان ممتد، إلا أن يضيف الوهم بتلبسه إليه شيئاً آخر"[24].

إن محاولة الغزالي كشف لا يقينية الأحكام الفلسفية بصدد قضايا "الميتافيزيقيا الإلهية" تعكس دون شك مأثرته الكبرى أيضاً رغم توظيفها الأيديولوجي. فقد ساهم في انتزاع القضايا العقائدية المتعلقة بالله وصفاته وقضايا ما بعد الموت من صومعة الأحكام العقلية، باعتبارها قضايا لا يمكن الحكم عليها منطقياً بفعل خروجها عن العقل والمنطق، أي كل ما سيدخله لاحقاً في "طور ما وراء العقل". إلا أن هذه الفكرة  امتصت في صيرورة عناصرها الأولى كل اندفاع النفس الإشكالي المميز لكتاب (تهافت الفلاسفة). إضافة لذلك لم تتأطر هذه الفكرة في منظومة متجانسة لرؤية ماهية العقل وإمكاناته في الحكم على قضايا "الميتافيزيقيا الإلهية". إلا أنها تبلورت في مجرى انتقاده للفلسفة. فالحلول الجازمة للفكر الفلسفي قد استثارت أولاً وقبل كل شيء إشكالية السر القائم وراء القناعة الجازمة، مما أفرز بدوره مشاعر العقلانية في لباسها اللاعقلاني. وليس من الصعب رؤية أثر الكلام وتقاليد العقل والنقل في هذا المضمار. غير أن ذلك يفسر حوافز استمرارية الجدل لا مضمونه. حقيقة إن ذلك لا يعني بأن ما اعترض به على الفلاسفة هنا هو من ابتكاره الخاص. إلا أن تنظيمه للجدل ومنطقة الحجج بروح الإشكالية الفلسفية قد أدى في نهايته إلى نتائج مزدوجة في كل من مساره الفكري العقلي والروحي الأخلاقي.

إذ لا يعني خروج القضايا العقدية الكبرى عن العقل والمنطق لاعقلانيتها، أو عجز العقل عن أن يدلي بآرائه فيها، بما يمكنه أن يشكل الصيغة المناسبة لما أبدعته تقاليد الإسلام عن وحدة المعقول والمنقول. وإن هذه التقاليد يمكنها أن تقتنع بحد "الكفاية" أو ترفعه إلى مصاف "فرض العين"، بينما تبقى كل الإشكاليات "المتهرمنة" في وحدة المعقول والمنقول مثار الجدل غير المتناهي أمام العقل الباحث والشكاك. وعندما تناول آراء الفلاسفة، فإنه كان يدرك دون شك أصولها "الثقافية" غير الإسلامية. ولهذا تعامل معها في الإطار الذي فرضته عليه خلفيته الذهنية والثقافية.  ومكوناتها العقلية والنقلية. لهذا، كان لابد للجدل الإشكالي أن يتخذ تلك الصيغة التي لا يمكن معها الاقتناع بقيم ما جازمة دون أن يضعها أمام فرضيات أخرى مقابلة. غير أن ما أثار الغزالي في (تهافت الفلاسفة) ليس مكونات العقل المجرد وبراهينه، بل نموذج تجليه الفلسفي ومن زاوية الدفاع عن أصول الدين (الإسلامي). لهذا أكد في معرض انتقاده للفلاسفة على أن العقل لا يحيل أفكاراً يحيلها الفلاسفة مثل نهاية المستقبل[25]. وأن استحالة وجود الله أو القول بالمبدأ الأول وأنه عالم مريد قادر يفعل ما يشاء وأمثالها لا تعرف بالضرورة بالعقل ولا نظره[26]. أو ما يقابلها من أفكار الفلاسفة مثل كون السماء شبيهة بالحيوان، بمعنى أنها مما لا ينكر إمكانه ولا يدعي استحالته. غير أن الفلاسفة بنظر الغزالي تعجز عن "معرفة ذلك بدليل العقل"[27]. وهو لم يسعَ من وراء ذلك إلى التقليل أو الانتقاص من شأن العقل، بقدر ما أنه انتقد صيغته التأملية السائدة آنذاك، أو ما دعاه باستنتاجات "التحكم المحض الذي لا مستند له"[28].

إن الصراع الفكري مع الفلاسفة ساهم في بلورة كل تلك العناصر العقلية والشكوك، التي ستشق لنفسها الطريق في أزمته اللاحقة ووعي خروجه منها. فهو لم يرفض ولم يؤيد أسلوب "التحكم المحض" أو الأحكام العقلية بالطريقة التي بلورتها التقاليد الكلامية والفلسفية. فإذا كان علم الكلام قد وقف عند حدود التقليد واجترار حقائقه وأوهامه فإن الفلسفة كانت تفسح المجال الدائم أمام تثليم الإيمان دون أن تعطي بديل اليقين والأمان. والغزالي محق بالقدر الذي مثل فيه نزعة الانتقاد العقلية في بحثها عن الصيغة الأكثر تجانساً في الدليل والبرهان، أي أنه كشف عن عدم تجانس النظريات الفلسفية بغض النظر عن مبادئها الاولية وغاياتها النهائية. وبهذا المعنى فإن انتقاده لها قد جرّد الطريق أمام إمكانية إبداع منظومة أكثر تجانساً في أفكارها وأسسها المكونة حول قضايا العقائد الكبرى والوجود والأخلاق، بحيث تربط في كل واحد ما لم يكن بإمكان الفلاسفة والمتكلمين فعله آنذاك. إلا أن هذا الفعل لم يكن إرادياً أو غائياً، بقدر ما أنه كان النتيجة الملازمة لتجربته الفكرية، بما في ذلك في طبيعة وآثار تعامله مع الفلسفة.

فقد كلفه انتقاد الفلسفة والفلاسفة ثمن الشكوك العقلية التي جعلته يعاني في وقت لاحق من إرهاصات "السفسطة" الحياتية. لكنه صنع في الوقت نفسه مقدمات أسلوب نقد الذات "الفلسفي" (النظري والعملي). فالموقف من الفلسفة وانتقاد قواعدها ومنطلقاتها، أسسها وبراهينها، بداياتها وغاياتها، تضمن في ذاته إرهاصات الرفض الأشد لعلم الكلام نفسه. اما ظهور هذه المعالم في وقت لاحق، فانه يؤكد فرضية صيرورتها المقلقة الأولى وليس نهايتها المحتومة. فعندما أعاد الغزالي النظر بتجربته الفكرية، فإن الفلسفة اتخذت عنده هيئة أخرى تستند في مكوناتها إلى إشكالية (تهافت الفلاسفة) وروحية (الإحياء)، أي كل ما يكشف عن القوة الفاعلة لتقاليد الفكر الفلسفي وأثره على بلورة تهافت العقائدية المرنة بين إشكاليات الشك واليقين ومن ثم انتقاله إلى عالم التصوف.

***

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص148، 178، 289، 290، 307.

[2] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص129-130.

[3] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص3-4.

[4] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص87.

[5] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص26.

[6] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص17.

[7] الغزالي: احياء علوم الدين، ج1، ص22.

[8] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص76.

[9] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص77.

[10] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص84-85.

[11] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص126.

[12] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص126-127.

[13] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص127.

[14] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص127.

[15] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص81.

[16] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص81.

[17] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص202.

[18] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص202.

[19] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص205.

[20] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص107.

[21] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص109.

[22] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص110.

[23] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص117.

[24] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص117.

[25] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص124.

[26] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص152.

[27] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص218.

[28] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص221.

 

 

ميثم الجنابي"على الإنسان أن يبني كلامه على ما يعلم لا على ما يجهل"

(الغزالي) 

لم يكن بإمكان الغزالي شأنه شأن كل شخصية فكرية كبرى أن يعي كل حيثيات تجربته الفردية بصفتها تجربة تاريخية متشعبة الوشائج والصلات. وإذا كان بالإمكان إدراك بعض جوانبها ووحدتها بمعأيير الرؤية الواقعية أو الأخلاقية، فإن كل ما فيها يضمحل في مجرى وعي الذات. فالتجربة الفردية عادة ما تتلاشى في مجرى اعادة تقييم التطور الذاتي بحيث يصبح نسيان "الانكسارات" العميقة فيها الحافز غير المرئي للارتقاء والنمو.  وفيما لو كان بالامكان تصوير تطور الوعي الفردي على اشعة روتنجن لظهرت لنا صورة "مشوهة" في انكساراتها بحيث لا يطيق التمتع بها سوى مفكر جرئ أو فنان مرهف الذوق.

فما يقدمه لنا الغزالي في (المنقذ) هو الصورة المنطقية، الصارمة، المستقيمة لتطور سيرته المعرفية دون أن يغفل في الوقت نفسه رسم تعرجاتها وخفأياها الداخلية. فهو يعكس لنا في الاطار العام اتجاه البحث عن الحقيقة ودورها في تطوره الروحي، أي انه عبّر عما هو جوهري في مساره الفكري والأخلاقي. لقد صوّر تطوره الذاتي على انه عملية معقدة لم ترتبط بظاهرة عابرة أو ثانوية، كما هو مميز لمحاولات تفسير انتقالاته الفكرية وتحوله إلى عالم الصوفية عند الكثيرين من دارسيه وناقديه.

وفيما لو حاولنا تعميم التفاسير التي تناولت انتقاله إلى التصوف، أي تطوره الفكري ككل وخصوصية منظومته النظرية فمن الممكن حصر نماذجها المشهورة في الاطار العام فيما يلي: هناك من اشار إلى واقع انتقاله إلى التصوف دون ان يقدم تفسيراً له، بمعنى انهم تتبعوا مراحل تطوره كما وصفها في (المنقذ من الضلال)[1]. بينما وجد آخرون في انتقاله إلى التصوف نتيجة لتأثير موعظة أخيه الصوفي[2]. في حين بحث آخرون عن سّر ذلك في التربية الصوفية للغزالي في طفولته والتي ستظهر ثمارها في أواخر حياته[3].  بينما وجد آخرون سبب ذلك في "مرضه النفسي" الذي دعاه البعض بمرض الكنظ الذي يميز ذوي الاتجاه الديني المتطرف[4]. في حين وجد القسم الآخر سبب ذلك فيما اسماه بالجبن السياسي خوفا من إرهاب الباطنية الذين اغتالوا رجال الدولة والفكر المناهضين لهم[5]. بينما جمع آخرون بين هذه الاسباب الثلاثة الاخيرة (التربوي والنفسي والسياسي) وراء انتقاله إلى التصوف[6].  في حين حاول البعض الآخر  البحث عن سبب ذلك في تعطش الغزالي لتلبية متطلباته الروحية[7]. بينما وجد قسم آخر سبب ذلك في سعيه المعرفي للبحث عن ملكة أخرى غير العقل وهي كل من الذوق والكشف الصوفيين[8]،  أو للتوفيق بين الدين والعقائد[9].  في حين لم ير البعض في انتقاله للتصوف سوى "تحول من المنهج العقلي إلى المنهج النفسي التجريبي"[10].  بينما وجد البعض الآخر في انتقاله للتصوف تعبيرا شاملا في الرد على ما يمكن دعوته بمتطلبات روح العصر وذلك لأن زمن الغزالي كان تواقا لريّ ظمأ الاطمئنان والسكينة[11].

وبغض النظر عما في هذه التفسيرات من أسس وجوانب جزئية من تطور الغزالي الروحي وإبداعه الفكري إلا أنها تشترك في طابعها الاحادي الجانب في النظر الى مقدمات وأسباب ونتائج انتقاله إلى التصوف. بمعنى أنها تبرز أو تضخم هذا الجانب أو ذاك دون البحث عن وحدة هذه الاسباب (باستثناء فرضية المرض النفسي) وانعكاسها في سيرته. ولعل الضعف المميز لها يقوم في اهمالها الديناميكية الداخلية للفكر الغزالي في تطوره بوصفه سعيا نحو الحقيقة، والذي ارتبط  بمجمل مكونات ومصادر الثقافة المعاصرة له. وعبّر بهذا المعنى، شأن كل تآلف فكري كبير عن أزمة حضارية كبرى ومحاولة حلها في الوقت نفسه.

فالنموذج الذي اشار إلى ظاهرة الانتقال دون تفسيرها لم يقدم اكثر مما اشار له هو في (المنقذ). بينما لا تفسر فرضية تأثره بموعظة اخيه طبيعة الانتقال ومحتواه ولا تكشف عن الخلفية الفكرية الروحية التي يصبح من الممكن معها توقع الفاعلية السحرية لكلمات تقلب مسار المفكر وانتقاله من عالم إلى آخر. اما تأثير تربية الطفولة فذلك مما لا يمكن نكرانه بحق أي مفكر. إلا انها لا تستطيع تفسير آلية انتقاله ولا نموذج بحثه عن الحقيقة ولا تطور عناصر منظومته الفكرية. اضافة لذلك انها تسبغ صفة الجبرية على تطور الشخصية الفكرية وتتعامل مع الذات الإنسانية تعاملها مع حبات القمح. وإذا كان من الممكن التعامل بصورة جدية مع مختلف التفسيرات فإن فرضية المرض العضال تبدو من بين اكثرها ضعفا وابتذالا. والقضية ليست فقط في الفهم الخاطئ لبعض عبارات (المنقذ) بل ولسذاجة التأويل "الطبي" للعبارات التي لم يقصد بها في (المنقذ) سوى التعبير عن حالته وأزمته الفكرية الأخلاقية لا النفسية الفسلجية. اضافة إلى ذلك أن مرضاً عضالاً كهذا لا يمكنه إبداع منظومة فكرية متجانسة، كما لا يمكنه ان يخدم كأساس منطقي وعلمي لتحليل ظاهرة التطور الفكري الروحي. فتطور الغزالي حسب هذه الفرضية يبدو كما لو انه سلسلة أو نتاج لأمراض نفسية مما يجعل من هذا التفسير جزء من ولع الدراسات السيكولوجية لا البحث التاريخي الفلسفي. اما محاولة تفسير ظاهرة انتقاله إلى التصوف استنادا إلى خوفه أو جبنه من ارهاب الباطنية فإنها تعاني من نواقص جدية وتجابه باعتراضات وجيهة من الصعب تذليلها. فالتأثير السياسي من العوامل التي لا يمكن اغفالها أو انكارها في بلورة الشخصية الفكرية وتبدل توجهاتها وأسلوب برهنتها ومواقفها من مختلف القضايا. إلا ان بين تأثير السياسة والجبن السياسي فرق كبير. فالجبن السياسي هو جزء من عناصر انحلال وسقوط الشخصية. ومن الصعب النظر إلى انتقال الغزالي للتصوف على انه انحطاط في الفكر والممارسة. ومن غير الممكن العثور على علاقة عضوية فعلية بين الجبن السياسي والإبداع الفكري الحي. فالجبن السياسي لا يبدع منظومة تآلفية كبرى. وهو في أفضل الأحوال لا يمكنه تجاوز قدرة تلفيق عناصر التبريرية السطحية. ثم ان الجبن السياسي لا يبدع حقائق لأن آليته لا تتضمن حوافز البحث عن الحقيقة.

إن ضعف الأحكام المبنية على ما يسمى بجبنه السياسي باعتباره السبب الفاعل والمؤثر في انتقاله إلى التصوف يقوم في افتقادها للرؤية الموضوعية والتاريخية. فمن الناحية التاريخية (الزمنية) كان مقتل نظام الملك عام 485 للهجرة، أي في الوقت الذي كان الغزالي منهمكا في التدريس في نظامية بغداد. ولم يمنعه ذلك من تأليف كتبه المناهضة للإسماعيلية، وبالاخص كتابه الشهير (فضائح الباطنية). اضافة لذلك ان مهاجمته إياهم ظلت مستمرة حتى في مجرى وما بعد انتقاله للتصوف. كما تجدر الاشارة هنا إلى أن ما بين انتقال الغزالي إلى التصوف ومقتل نظام الملك بضع سنوات، بينما الجبن السياسي، بوصفه "قوة فاعلة"، لا يحتمل هذه الفترة لكي يؤتي ثماره! وإذا كان بالإمكان الحديث عن تهديد من جانب الإسماعيلية للغزالي فقد جرى ذلك من خلال "تهديد" مواقفه وذهنيته الأيديولوجية، الذي لعب أحد الأدوار المهمة في مساره الفكري والروحي والأخلاقي والمعرفي.

 أما التفسيرات التي ربطت انتقاله إلى التصوف بفعل خوضه ارهاصات عالم المعرفة فهو تأكيد سليم الا ان محدوديته تقوم في انه لا يفسر الكيفية التي جرى بها تطور الغزالي في عالم المعرفة، ولا الكيفية التي أدت إلى انتقاله من مملكة العقل إلى مملكة الذوق والمكاشفة، ولا حقيقة العلاقة بين العقل والكشف ولا مضمونها، ولا كيفية انعكاسها وتأثيرها في آرائه اللاحقة، ولا كيفية تأثير الصوفية في تطوره الفكري. فتحقيق الذات و"البحث عن متطلباته الذهنية والروحية" تبقى في مواقف من تطرق اليها خارج اطار ثقافة المرحلة. وهي لا تكشف طبيعة التطور المعرفي وتأثيره في بلورة هذه المتطلبات. والأكثر من ذلك أنها لا توضح طبيعة العلاقة بين هذه المتطلبات ومنطق التطور الموضوعي المعرفي في آرائه. في حين لا تكشف فكرة انتقاله من منهج إلى آخر عن كيفية التعامل اللاحق مع قضايا الفكر وبالتالي تهمل الجوهري في استمرار المكونات العقلية والنفسية الأخلاقية وتآلفهما الجديد. أما تفسير انتقاله بمقولات "روح العصر ومتطلباته" فإنها لا تكشف عن الصلة الداخلية الضرورية في تطور شخصية الغزالي الروحية وإبداعه الفكري، وإلا لكان بإمكان جميع مفكري المرحلة الكبار انذاك ان يصبحوا كالغزالي أو أن تؤدي بهم بالضرورة إلى ابداع ما ابدعه من منظومة.

كل ذلك يضع أمامنا من جديد مهمة التحليل الموضوعي لمجمل العوامل المعقدة لظاهرة انتقاله إلى التصوف والتي لا يمكن ادراك حقيقتها دون تحليل واستيعاب ما يمكن دعوته بتجربته المعرفية - النظرية والعملية- الأخلاقية.

فالغزالي في (منقذه) لا يكشف لنا بصورة مباشرة عن أسباب انتقاله إلى التصوف. إلا انه يلقي الكثير من الأضواء على سيرته التي تعطي لنا امكانية الحكم على ان تحوله هذا كان نتاجا "طبيعيا" لتطوره الفكري - الروحي. أي كل ما قاده لضرورة اعادة النظر الشاملة تجاه كل ما هو قائم من منطلق، وفي ضوء مبادئ الأخلاقية المطلقة.

ففي مجرى تحليل شخصية الغزالى واستقلاله الفكري وسعيه لإدراك الحقائق كما جرى عرضه فيما سبق، يبدو واضحاً أن صيرورة التآلف الصوفي لم تكن عملية عرضية أو إرادية. ومع ذلك فإن هذا لا ينفي ما لشخصيته وقدراته الفردية من دور هائل بهذا الصدد. ولا يمكن ان نكرر ما سبق وان اقتنع هو به من أن ما كان في علم الأزل لا يمكن للمقادير ان تخالفه. وذلك لأن هذه القناعة هي من وحي أو الثقافة اللاهوتية الفلسفية لا حصيلتها التاريخية. والمهمة المطروحة الآن لا تقوم في تتبع جريانه في "سيلان المكر الإلهي"، بل بانتزاعه من حركة افلاك القدر وذرات الوجود الالهي من اجل وضعه في تاريخ الفكر ومنطق تطوره الواقعي.

فتجربته بمقوماتها الكلية هي تجربة وعي الذات النقدية التي ستواجه يوما تأمل نفسها ومصيرها أمام "بحر الصوفية"، أي كل ما بإمكانه ان يتطابق في خيالنا ووعينا المعاصر مع سحرية التنبؤ الرمزي لدعوة استاذه الجويني إياه بالبحر المغرق. إلا أن الاخير تجّسد أولا وقبل كل شيء في ذاته، وثانيا في كيانه التاريخيـ الثقافي. وليس هنا من تناقض. إذ ليست حصيلة الوعي المقارن والخيال المبدع في أيجاد الصلة بين الكلمة العابرة التقيمية - الشاعرية مع المصير الشخصي سوى نتيجة اعادة تقييم ما مضى من وجهة نظر وحدة الحاضر والماضي. فعوضا عن ان يكون مغرقا للآخرين غرق هو في ذاته لكي يصبح بدوره بحرا تضاربت في لججه تقييمات الثقافة اللاحقة.

ولم يكن هذا الواقع معزولا عن تجربة الثقافة اللاحقة في محاولتها استيعاب ظاهرة الغزالى الفريدة، أي ظاهرة التحول والانتقال من مدرسة وميدان إلى آخر والتي عادة ما جرى تحسسها وفهمها بمعايير ومقولات التصورات العادية والنظرية عن ميوعة المواقف وفقدان الثبات الداخلي للشخصية. غير أن هذا الاستنتاج نفسه يحتاج إلى كشف حوافز وأسس هذا التغيير وعدم الثبات. ولا يكفي هنا تتبع حيثيات الفطرة والغريزة التي وضعها الله في جبلته، كما يقول عن نفسه، دون ان يفقد عالمه النفسي لمميزاته الخاصة. وذلك لأن هذه المقدمة في حالة استغلالها الموضوعي لا يمكنها ان تكشف إلا عن الجانب العندي في المعضلة لا المعضلة ذاتها، وعن بعض جوانبها لا جوهرها الحقيقي. فالتغيير الدائم عنده هو اسلوب تطور البحث عن اليقين. وبهذا المعنى ليس التحول والتقلب سوى عوارض ضرورية شكلت بدورها العناصر الجوهرية في صيرورة تآلفه الفكري.

وارتبطت هذه الظاهرة بمجمل الصيرورة الفكرية لذهنية الغزالى ومواقفه من المعرفة في اسلوبها العقلي والمتشكك. وسواء وعى منذ بداية الامر الوحدة الخفية ما بين هذين الاسلوبين ام لا، فإن مما لا شك فيه تمثله لعناصرهما الايجابية في التيارات المتصارعة وخصوصا الاشعرية والمعتزلية. وقد ظل الغزإلى امينا لأسلوب الشك الموصل للحقيقة. وحتى في تلك الحالة التي رفض الشك السلبي في ممارسته الفكرية فان استبداله بمفهوم اليقين لم يكن في مضمونه الجديد سوى الاستمرار المعرفي للشك. إذ لا يقين بلا شك. وهو ما نعثر عليه أيضا في تلك المقدمة المشهورة للبحث عن اليقين كما صاغ نموذجها الأول في (ميزان العمل) عندما قال بإن "الشكوك هي الموصلة إلى الحق. فمن لا يشك لا ينظر. ومن لا ينظر لا يبصر. ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال"[12]. ان هذا الاستنتاج هو عصارة تجربته النقدية العقلية. ‘لا انه حتى هنا لم يحول الشك إلى اسلوب المعرفة بقدر ما نظر اليه باعتباره أحد وسائله الضرورية، أي انه وحّد في كل واحد تجارب الاتجاهات الفكرية في البحث عن الحقيقة مع تجربته الخاصة.

فكون الشك احد وسائل وأساليب المعرفة لم يكن اعترافا غريبا أو انجازا ما خارقا بالنسبة لعلم الكلام والفلسفة، بل ومختلف ميادين المعرفة النظرية التأملية الاخرى. ومن الممكن الاشارة هنا على سبيل المثال إلى الاتجاه المعتزلي وموقفه من الفكرة المنهجية للشك القائلة بضرورة تطهير العقل في اعتراضاته وقناعاته المسبقة وإخضاعه ذاته وأحكامه إلى مبضع التشريح العقلي. فقد اكد ابراهيم النظام (ت- 221 للهجرة) على انه لا يقين قط حتى صار فيه شك. ولم ينتقل احد من اعتقاد إلى آخر حتى يكون بينهما حالة شك. بينما وضع الجاحظ (ت-255 للهحرة) مهمة تعلم "الشك في المشكوك فيه"، واظهر التمايز بين ذهنية الشك العلمي (للخواص) والتقليدية (للعوام). أما ابو هاشم الجبائي (ت- 321 للهجرة) فقد اعتبر الشك ضرورة لكل معرفة، وبداية لكل معرفة حقيقية. فليس النظر أيا كان بدون شك، كما يقول الجبائي، سوى تحصيل حاصل. وتقترب آراء الغزالي بهذا الصدد اقترابا كبيرا من اراء المعتزلة، أو انه ينهل منها باعتبارها احد المصادر الأساسية للثقافة الإسلامية، والتي سيعمقها الفكر اللاحق بما في ذلك جدل الكلام الاشعري- المعتزلي عند الباقلاني والجويني وغيرهما.

ففي استعادته تأمل تجربته الفكرية السابقة برَّز الغزالى أولا وقبل كل شيء إعادة النظر النقدية بها،  أو ما عبر عنه بعبارة "ما قاساه في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق". إن خوضه معاناة البحث عن الحقيقة بين اضطراب الفرق وتبايناتها وصراعاتها العديدة هي العملية الفكرية لسيرته الحياتية التي أدت به إلى رفض التقليد وبالتالي دخوله معترك الثقافة ومعضلاتها الكبرى. فهي العملية التي أدت به في نهاية المطاف إلى الانخراط في "سلوك الطريق" وما آلت اليه من اكتشاف "لباب الحق"، أي كل ما شكل عناصر ديمومة التطور الفكري والسمو الروحي في مجرى صراعه السابق في مدارس الكلام والباطنية والفلسفة. وكذلك في تقييمه لمجرى تجربته الفكرية . فهو لا يدين اتجاه ما دون آخر بقدر ما انه يشير إلى التباين  القائم بين الفرق في وسائل وطرق سعيها لبلوغ الحقيقة، أو ما اطلق عليه عبارة "البحر الذي غرق فيه الأكثرون". ولم تعن هذه العبارة الوصفية في آرائه أيضا سوى الغرق في وهم القناعة العندية، أو الزعم القائل بأنها الفرقة الناجية تماما كما صورها القرآن بعبارة (كل بما لديهم فرحون).

فقد استمد الغزالى مصادر معرفته النظرية من كل ما هو موجود انذاك. ولهذا لم تكن تجربته الفكرية الحياتية كما يقول في (المنقذ) تجربة الجبان الجذور بل المفكر الجسور المتوغل في كل ظلمة والمقتحم لكل مشكلة والمتفحص لكل عقيدة والمستكشف لأسرار مذهب كل طائفة لا لشيء إلا لتمييز المحق عن المبطل والمتسنّن عن المبدع[13]. فهو لا يقف أمام باطني إلا ويجب ان يطلع على باطنيته ولا ظاهري إلا وأراد معرفة حاصل ظاهريته، ولا فيلسوف إلا وقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلم إلا واجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفي إلا وحرص على العثور على سر صوفيته، ولا متعبد إلا ويرغب في معرفة ما تؤدي اليه عبادته وحاصلها، ولا زنديق ومعطل إلا ويتتبعه لمعرفة أسباب الجرأة القائمة في آرائه وأعماله. إن كل ما وضعه في (المنقذ) في عباراته الوجيزة عن تعطشه إلى إدراك حقائق الأمور وسر التباين والخلاف القائم بين الاتجاهات والمدارس هي التي اخضعت تطوره الفكري الروحي إلى تأثير ضغطها الدائم بحيث تركت بصماتها القوية في كل قسمات روحه المعرفي والأخلاقي. فتقريره  عما اسماه بانحلال رابطة التقليد منذ الصبا، أي نبوغ استقلاله النظري لا تكشف عن بساطة هذه العملية واستجلاء آفاقها اللاحقة بقدر ما انها تشير إلى بداية الظاهرة ومجراها العام، أي انها تضعنا أمام الإشكالات الحية للمعرفة في سعيها إلى ادراك حقائق الامور. فإذا كان ديدنه كما يقول عن نفسه هو التعطش لإدراك حقائق الأمور فإن هذا الإدراك لا يمكنه ألا يكون ثمرة التطور الفكري التاريخي. وذلك لأن إدراكه لحقائق الامور لم يكن معزولا عن أساليب ومستوى وصيغ إدراك هذه الحقائق في الاتجاهات والمدارس التي حاول جهده نزع تأثيرها التقليدي عنه.

فهو لم يصل إلى هذه النتيجة بمحض الصدفة وذلك لأن مساره الشخصي مثَّل اتجاه البحث عن الحقيقة. وبما أن هذه الأخيرة كانت هدف وغاية مختلف الطالبين فإنها انتزعت من جهودهم خلاصة تصوراتهم، ومن مداركهم عوالم تأملها، ومن منطقهم اساليب ادراكها. ومأثرة الغزالى تقوم في إدراكه هذا التشعب والتجزئة الكبيرة في إدراك حقائق مختلف الاتجاهات والمدارس. لكنه لم يكن يبحث عن أنصاف الحقائق أو صيغها العندية. لقد وضع أمامه مهمة أيجاد المعيار المطلق للحقيقة. وبغضّ النظر عن إشكالية هذا المعيار والغاية من مسعاه إلا انه شأن المفكرين الكبار وقع ضحية المعرفة وحقائقها النسبية. ومع ذلك فإن بحثه عن الحقيقة المطلقة قد وضع أمامه مهمة البحث عن معيارها المناسب أو ما دعاه بحقيقة العلم، الذي طابقه مع مفهوم العلم اليقيني، أي ذاك الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب ،ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك. بل الأمان من الخطأ ينبغي ان يكون مقارنا لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه مثلا من يقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا لم يورث ذلك شكا وإنكاراً. فإني إذا علمت ان العشرة أكثر من ثلاثة وقال لي قائل "لا بل الثلاثة أكثر من العشرة بدليل اني اقلب هذه العصا ثعبانا وقلبها وشاهدت ذلك منه لم اشك بسببه في معرفتي ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه. فأما الشك فيما علمته فلا"[14]. وفي الواقع ليس هناك من صورة اكثر دقة في تحديد طبيعة العلم الحقيقي (المعرفة اليقينية) مما يتطابق مع مضمون المنطق والمادة، أي كل ما يتطابق في حقيقته مع بديهيات المعرفة المنطقية، أو المعرفة التي يكف بها العالم الخارجي ومظاهره الطارئة عن ان تكون مهددة لماهية المعرفة وحقيقتها. فالمعرفة الحقة بهذا المعنى هي تلك التي تستند إلى ذاتها، المجردة عن ثقل وفاعلية التقليد أيا كان شكله ومضمونه ومستواه وأداته بما في ذلك الذي يبدو خارقا في مظهره للوجود الطبيعي للأشياء (المعجزات). وفي هذا تكمن النتيجة المعرفية التي تنفي في نهاية المطاف أسلوب  الشك بوصفه أداة بلوغها.

إن التطور الفكري للغزالى هو بحد ذاته نموذج للنفي الدائم للشك. فهي العملية التي شكلت حافز وغاية تطوره المعرفي. فالمعرفة اليقينية الضرورية للأمان الروحي لا يمكنها حسب نظره ان توجد بمعزل عن الوجود الإنساني في تجاربه القديمة والمعاصرة. ولهذا انطلق من المادة الاقرب والأكثر التصاقا بالحس، والتي تتضمن في أشكالها ومظاهرها المباشرة الصيغة المقنعة للجميع، أي الحسيات والضروريات. انه يحاول الكشف عما إذا كانت الحسيات والضروريات تمتلك بحد ذاتها من حيث علاقتها بالبحث عن حقائق الأشياء كما هي، طابع اليقين المميز للقناعة التقليدية، وما اذا كانت تمثل مستوى آخر من المعرفة لا يتطابق مع حقيقة العلم. فالتجربة الحسية كما يقول الغزالى هي واسطة وضرورة للمعرفة الأولية. غير أن الشكوك فيها قد أوصلته إلى الاحساس بضعف الأمان في المحسوسات. وذلك لأن المعطيات الحسية عادة ما تتناقض مع معطيات التجربة والمشاهدة. فالناظر يرى الظل واقفاً في حين تكشف معطيات التجربة والمشاهدة عن حركته الدائمة. والحس يرى الكواكب صغيرة بينما الأدلة الهندسية تكشف عن ان بعضها اكبر من الارض.  فالحسيات التي تبدو يقينية الطابع سرعان ما تتحول إلى سراب خادع أمام مبضع العقل. مما يفقد القناعة طابع اليقين الضروري. في حين يظهر العقل مقارنة بها اكثر يقينا وأدق حكما. فالحس يكذبه حاكم العقل إلى الحد الذي لا يمكن معه الدفاع عن يقينية المعطيات التي تقدمها الحواس. وإذا كان الامر كذلك فليس هناك من أمل في اليقين إلا بمعطيات العقل. غير ان العقل بدوره يثير السؤال الخفي حول معيار اليقين فيه، وكذلك مبررات اليقين في الأحكام العقلية.

فيقين العقل في المثال السابق يبدو جليا مقارنة  بمعطيات الحس. من هنا فإن الوقوف عندهما لا يعني في الواقع سوى ردع ما هو عير متناه. وبالتالي، فإن افتراض طور ما وراء العقل لا يرفضه العقل. فالإحساس ذاته من خلال تجريده العقلي يثير الشك باستنتاجات العقل وظاهرية احكامه اليقينية. فما هو يا ترى معيار الثقة بالعقل بحد ذاته ما زالت قناعته مبنية على موقفه المدقق لمعطيات الحس وتفنيدها بعد ان كانت في بادئ امرها تبدو يقينية خالصة؟ فالعقل كذَّب الحواس، ولولا العقل لكانت معطيات الحس معترف بها ويقينية. من هنا استنتاج الغزالى القائل بإمكانية وجود ما وراء العقل تماما كما تقر بإمكانية وجود ما وراء الحس (العقل) باعتباره درجة ارقى. إذ ان عدم تجلي هذا الادراك (طور ما وراء العقل) لا يدل على استحالته[15]. ومما يؤيد ذلك حالة النفس الإنسانية في اليقظة والمنام. فالنفس تؤيد افتراض وجود ما وراء العقل. فالنائم على سبيل المثال يرى أشياء سرعان ما تتحول إلى أخرى زمن اليقظة. والنائم لا يشك في يقينية ما يرى في نومه. وفي حالة اليقظة يعلم بأن  كل ما رآه مجرد تخيلات لا طائل تحتها. وإذا كان الامر كذلك فلم يا ترى يجري رفض افتراض وجود الحالة التي تصبح فيها معطيات العقل وأحكامه مقارنة بما وراء العقل شبيهة بحالة معطيات النوم مقارنة باليقظة؟ فهي الحالة التي تتجاوز طور العقل لتكشف عن محدوديته وضعفه، مثل مستوى العقل مقارنة بالحواس، أو ما تدعوه المتصوفة بحالة الموت. غير انه لا ينبغي فهم هذه الصياغة بعباراتها الظاهرية. وسوف نرى لاحقا بأنه لم يسعَ من وراء ذلك إلى اضعاف اهمية العقل أو التقليل من شأنه كما توهم الكثير ممن بحث في فكر الغزالي، بقدر ما انه اراد ان يبرز ذلك التطور الفعلي العقلي الذي مارسه في سعيه لبلوغ اليقين الحق.

فالغزالى لا يتطرق هنا إلى العقل ومعطياته بالمعنى العلمي التجريبي. لقد تناول في اطروحاته اساسا القضايا العقائدية والفلسفية التي أوصلته إلى فكرة محدودية العقل في قدرته على حلها الجازم واليقيني. وبهذا يكون قد "خلَّص" العقل من بعض محاولاته غير المجدية، دون ان يقع في مستنقع التبرير غير العقلاني. فهو يشير إلى ذلك مرات عديدة بطرق غير مباشرة في (المنقذ) وغيره من الكتابات. فعندما يتناول على سبيل المثال الالهام الصوفي مقارنة بالعقل فإنه لم يقصد بذلك معارضة أحدهما بالآخر، أو وضع الالهام بالضد من العقل كما هو، بقدر ما انه تناولها ضمن اطار دحض الاستنتاجات العقلية اللاهوتية والفلسفية التي أضفت تصوراتها وأحكامها الخاصة عن الله وقضايا الإلهيات الكبرى، أي ان معطيات طور ما وراء العقل أو الالهام الصوفي لا تتعارض مع العقل إلا في صيغته وهويته الجدلية أو المعرفة العقلية النفسية عن الله التي دعتها المتصوفة بالحجب. ولم يقصد  المتصوفة بالمعرفة كحجب أو حجاب المعرفة والعلم سوى حجاب التصورات والأحكام التقليدية والقناعة القبلية (المسبقة). إذ ليس ما وراء العقل سوى الحصيلة الوجدانية المعرفية للتجربة الصوفية التي ترمي في مساعيها صوب حقيقة التوحيد والمطلق كل لباس الماضي التقليدي لتستعيد هوية تمثلها الذاتي كما هي عليه.

غير ان هذه الحصيلة النهائية للصيغة المجردة التي لازمت تطوره المعرفي الروحي لا تمتلك قيمتها الفعلية الواقعية في تآلفه الفكري إلا في الاطار العلمي المنطقي. ودون ان يعني ذلك أيضا تجاهله أو اغفاله عما في ما وراء العقل من خصوصية المنطق الصوفي. إلا ان لهذا المنطق اسراره الخاصة التي تشكل  في كلها عناصر علم المكاشفة. وفي هذا تكمن خصوصية تجربة الغزالى النقدية في التعامل مع سيرته المعرفية ونماذج البحث عن الحقيقة في ثقافة الخلافة والأمم السابقة. وقبل أن يصل الغزالي إلى هذه المحصلة العامة كان لابد له فيما يبدو ان يمر بنفس الطريق الشائك للثقافة الإسلامية في سعيها إلى بلوغ اليقين بعد ان ابتدأت به. وقد حصلت هذه العملية على انكسارها الدرامي في موشور وعيه العقلاني والأخلاقي قبل ان تنصهر لاحقاً في بوتقة الطريق الصوفي. فإذا كانت تجربة البحث عن اليقين العلمي في بداية أمرها هي الصيغة الطبيعية للعقلانية النقدية، فإن اتخاذها من الشك وسيلة لتذليله ذاته كان لا بد وان تضعه كما يقول عن نفسه، على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم المنطق والمقال، أي كل ما واجهه في غضون شهرين بعد جداله النفسي العقلي الشاك في معقولية العقليات وحسية الحسيات وضرورة الضروريات وإشكالية اليقين. لقد دفعه كل ذلك كما يصف لنا حاله في (المنقذ) إلى المأزق المغلق في المعرفة من خلال التمسك بالمنطق الضروري لبلوغ العلم اليقيني، أي دفع الشك باليقين من خلال الدليل ولا دليل!

لكن هذا الانغلاق الإشكالي في المعرفة سرعان ما إنحلَّ في ذهنية الغزالى من خلال استعادة الوثوق والقبول بالضروريات العقلية، أي العناصر الجوهرية التي ستلازم تطوره الفكري في بحثه عن الحقيقة. ولكن إذا كان هذا الرجوع الأولي للضرورات العقلية قد جرى من خلال الاحتكام غير المباشر لقيم العالم الصوفي، فإن اسلوب تجلياته المباشرة كان من خلال ما دعاه الغزالى "بالقذف النوراني"، أي من خلال القناعة غير المنطقية بمنطقية الضرورات العقلية، أو ما عبر عنه الغزالى بكلمات "بلا نظم دليل وترتيب كلام"، والذي سيجعله لاحقا "مفتاح اكثر المعارف".  اما في الواقع فإن هذه الصياغة ما هي إلا الصيغة الاكثر تجريدية للمعطيات العقلية بمستواها الحدسي. اضافة إلى ذلك ان ما تضمنه (المنقذ) من اعادة استدراج للذاكرة النقدية تجاه تجربته النظرية كان لا بد لها من ان تخترق مسامات كيانه الصوفي. فهو لم يسع من وراء استعراض "سيرته" سوى إلى كشف الطريق الضروري لبلوغ الحقيقة لا غير، لكي يكون مثاله مجرد حافز، كما يقول "لكمال الجد في الطلب حتى ينتهي المرء إلى طلب ما لا يطلب. فإن الأوليات ليست مطلوبة، فإنها حاضرة والحاضر اذا طلب فُقِدَ واختفى. ومن طلب ما لا يطلب فلا يتهم بالتقصير في طلب ما يطلب"[16]. فالبديهيات العقلية أولية بمعنى انها موجودة وفي حال طلب البرهنة عليها ستكف عن ان تخضع لمنطق البديهيات. ومع ذلك فإنه حاول تجاوز الحدود العقلية (والتقليدية) للبديهيات وغير البديهيات للتأكد من يقينها المجرد.

فتجربته الذهنية هي تجربة البحث عن الحقيقة وخوض الصراع الفكري والتطور الروحي الذي تجسد في صيغ تطوره المدرسي في اصناف الطالبين للحق. لقد خاض هو غمار البحث عن اليقين الذي كان في حصيلته النهائية النتاج المعقد لوحدة التجربة النظرية (العقلية) والعملية (الأخلاقية). وإذا كانت هذه الوحدة هي الخيط الذي يربط في كل واحد مجرى ومضمون انتقاله إلى التصوف في نظريته عن المكاشفة والمعاملة، فإنها حصلت على انعكاسها الشخصي في (المنقذ من الضلال). فالاخير لا يكشف اساسا إلا عن الصيغة الشخصية التي تعامل بها في مجرى بحثه عن الحقيقة في مدارس واتجاهات وأصناف الطالبين. وإذا كان ميدان هؤلاء الطالبين في ثقافة الخلافة المعاصرة له تتمركز في علوم الكلام ومدارس الباطنية واتجاهات الفلسفة وطرق الصوفية، فان سيرته تعكس نموذج وعيه الثقافي الأصيل في بلوغ حقائق المرحلة، أي انه عبر عن الصيغة النقدية المثلى للبحث عن الحقيقة في مجمل ثقافة العصر وتوليف ابداعها النظري من خلال معاناته الطويلة باعتباره جزء من العملية التلقائية "للسير في طريق الحق". واذا كانت هذه الحصيلة قد تجسدت في نهاية المطاف بأسلوب الانكسار الفردي للإرادة في طريق الحرية فمن الصعب توقع حصولها في مثال الغزالى دون صيرورة تلك العناصر القائمة في ديناميكية تجربته العقلية التي تكونت في مجرى سباحته في "بحر المعرفة".

ان حصره لميدان طالبي الحقيقة في الكلام والباطنية والفلسفة والتصوف كان بمعنى ما موقفا ثقافيا عاما في التعامل مع حصيلة الاصناف أو الاتجاهات الفكرية الكبرى لعصره. إلا ان هذا الموقف يعكس في مساره أيضا نزع التقليدية المميز لتطوره الذي رافق انتقاله في رحاب الثقافة، بوصفه أسلوب الرؤية النقدية الخلاقة لوحدة الأمة في مساعي مدارسها للبحث عن الحقيقة. لقد تعامل مع اتجاهات العصر الكبرى على اساس كونها اصنافا لطالبي الحق والحقيقة. وبالتالي اعطى له ذلك إمكانية خوض غمارها الذي اسهم  مساهمة جوهرية في صيرورة ابداعه التوليفي، أي انه مثّل في هذه العملية الخطوة الجريئة في عصر الانحلال لتجاوز وتذليل عبث السفسطة وفوضى الاباحية (العدمية) وكسر التقليد من اجل اعادة شعلة الوحدة والنظام للوجود الاجتماعي والكينونة الإنسانية على مثال وحدانية الحق.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] Foster F.H. al-Ghazali’s inner secret.Moslem World, vol.23 w/4,p.378.  

والشيئ نفسه يمكن العثور عليه عند مونتغوميري واط وماكدونالد

[2] Trimingham J.S. The Sufi order in Islam, Oxford 1971, p.33.  

[3] الشيخ محمد صادق عرجون: مقتاح شخصية الغزالي. هل شك حجة الاسلام؟ ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده، القاهرة، 1962، ص838.

[4] زكي مبارك: الأخلاق عند الغزالي، القاهرة، 1971، ص63؛ عمر فروخ: رجوع الغزالي الى اليقين، ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده) 311-330.

[5] هذا ما يقول به الباحث الكبير فريد جبر

[6] عبد الامير الاعسم: الفيلسوف الغزالي، بيروت، 1981، ص38، 49، 63، 150-151.

[7] جورج قنواتي: الفلسفة، علم الكلام، التصوف، ضمن كتاب (تراث الاسلام، القسم الثاني)، الكويت، 1978، ص344.

[8] عبد الرحمن بدوي: الغزالي ومصادره اليونانية، ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده)، ص222.

[9] يوسف الشاروني: موازنة بين اراء الغزالي والقديس اوغسطين، صمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده)، ص689.

[10] ابو العلا عفيفي: أثر الغزالي في توجيه الحياة العقلية والروحية في الاسلام، ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده)، ص739.

[11] Грюнбаум Фон. Классический ислам. М.1988, с.147.

[12] الغزالي: ميزان العمل، ص153.

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص78-80.

[14] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص82.

[15] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص85.

[16] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص88.

 

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (37)

في المقال السابق، تم التطرق الى كيفية تطور تفصيلات قصة صلب يسوع الناصري، وكيف تم اضافة تعديلات و تفاصيل جديدة للقصة مع مرور الزمن، من خلال تتبع ذكر القصة في الأناجيل القانونية الأربعة بمراعاة  التسلسل الزمني.

في هذا المقال، سنتناول التأثير الاجتماعي والسياسي على الروايات والأخبار التي تناولت قصة صلب يسوع المسيح، وأثره في تطور تفاصيل هذه القصة مع مرور الزمن، عن طريق تتبع سرديات الأناجيل القانونية، حسب تعاقب زمن تدوينها.

من المعلوم ان قصة الشاب المصلح يسوع وأقواله ومعاجزه و صلبه،كانت تتناقل على شكل حكايات و سرديات شفوية بين أتباعه المؤمنين به، وتنتقل مع الزمن الى مجاميع المؤمنين الجدد الذين ينضمون تدريجيا الى الايمان المستحدث، ثم يقوم هؤلاء ايضا بنقل هذه القصص والحكايات الى مجاميع اخرى من الناس، ويستخدمونها في التشويق والترغيب لغرض جلب أكبر عدد من المنضمين الجدد للايمان المسيحي، وبمرور الزمن ومع اتساع رقعة المنضمين، تزداد الحكايات و تتسع تفاصيلها، مع تضخم عناصر التشويق والتضخيم خصوصا حول الشخصية المحورية التي يقوم عليها الإيمان الجديد!

وقد استمر الامر على هذا المنوال في الثلاثين عاما التي تلت صلب المسيح، حتى بدأ تدوين أول الأناجيل القانونية وهو انجيل مرقس، ومن بعده بحوالي عشر سنوات انجيلي متى و لوقا، الى زمن تأليف اخر الاناجيل القانونية وهو إنجيل يوحنا، الذي يعتقد أنه كتب حوالي عام 95 أي بعد صلب المسيح بفترة تقارب ما بين 60 الى 70 عام

يسوع الناصري وخلال فترة دعوته الاصلاحية الدينية، لم يستجب له من اليهود سوى عدد قليل جدا من الاتباع الذين واصلوا و بحماس نشر دعوته، بعد صلبه، بين اقرانهم اليهود، وجلبوا للدعوة الجديدة بعض الأتباع الجدد من اليهود، ورغم المضايقات و التعسف الذين واجهوه، لكنهم نجحوا في تكوين فرقة يهودية جديدة داخل المجتمع، تؤمن بيسوع المسيح، لكنها كانت في نظر رؤساء و كهنة اليهود مجرد فرقة يهودية ضالة.  

استمر الوضع هكذا لعدة سنوات الى ان حدث تغير دراماتيكي في تطور الأحداث، حين انضم الى الايمان الجديد شاول الطرسوسي، ذلك اليهودي القادم من مدينة طرسوس، والذي كان متطرفا في مواجهة الفرقة اليهودية الضالة!

لقد غير ايمان (شاول) والذي أصبح لاحقا يعرف بأسم (بولس) مجرى الأحداث، حيث قام بتوجيه بوصلة الدعوة للإيمان الناشئ الى المجتمعات الوثنية التي كانت تشكل الجزء الأعظم من سكان الامبراطورية الرومانية وقتذاك، واخرجها الى أوروبا وآسيا الوسطى، بعد أن كان تلاميذ يسوع المسيح يحصرونها على المجتمع اليهودي فقط .

نجح (بولس) الذي كان يتمتع بثقافة عالية، ويجيد اللغة اليونانية، من خلال استثمار ذكائه، وحماسته ونشاطه الكبير، في تحويل أعداد كبيرة من الوثنيين وفي مناطق جغرافية عديدة الى الإيمان الجديد والذي تحول مع مرور الزمن وازدياد الاتباع من فرقة يهودية صغيرة،تتبع تعاليم يسوع المسيح، الى ديانة جديدة تقوم كليا حول شخص يسوع المسيح !

الدين الجديد الذي بدأ عدد أتباعه بالازدياد المضطرد، واخذت رقعة انتشاره تتسع في ارجاء الامبراطورية الرومانية، خرج من الدائرة اليهودية الضيقة، الى فضاء اوسع وارحب، وصار الغالبية من أتباعه هم الوثنيين السابقين، ومعظمهم من مدن الامبراطورية الرومانية و حاملي التابعية الرومانية (مواطنين) كما هو الحال مع بولس الذي اصبح رسولا للامم !

ومع تحول الفرقة اليهودية الصغيرة (الضالة) الى دين جديد يقدس الشاب اليهودي يسوع الناصري،ويضفي عليه تدريجيا صفات الهية، كان من الطبيعي ان يحدث الصدام الفكري والعقدي بين اليهود وبين أتباع الدين الناشئ والذي صار يشكل مواطني الامبراطورية الرومانية الغالبية العظمى من اتباعه.

واجهت الشريحة المجتمعية الجديدة التي أصبحت تمثل القاعدة الشعبية للايمان المسيحي، معضلة سوسيو/ سياسية !

فالشخصية التي يتمحور حولها إيمانهم الجديد، قد تم تعذيبه وإهانته ومن ثم قتله على يد سلطة الدولة التي يدينون لها بالولاء، ويفتخرون بالانتماء إليها، فيسوع المسيح (ابن الله) قد تم صلبه وفق القانون الامبراطوري الروماني، وبقرار من حاكم روماني، وعلى أيدي جنود رومان !!... حيث انه قد تم الحكم عليه كخارج على القانون و محرض على التمرد ضد الدولة الرومانية، و داعيا الى إنشاء مملكة مستقلة لليهود،  لذلك،تم صلبه، وتعليق لوحة على جسده مكتوب عليها

(هذا ملك اليهود) ليكون عبرة لغيره، ولكل من يفكر بمثل هذا التفكير!

وطبعا، لا يمكن إغفال الدور الذي كان لليهود ورؤسائهم من خلال التحريض والوشاية ضد يسوع الناصري!

استمرت العداوة الايمانية بين اليهود الذين رفضوا يسوع وكذبوه وبين المجتمعات التي آمنت به و ألهته، و أخذت بالازدياد مع مرور الزمن، حتى تحولت - في قرون لاحقة - الى صدام دموي نتج عنه مجازر وحشية بحق اليهود، وذلك حين أصبحت الديانة المسيحية هي الديانة الرسمية الوحيدة للامبراطورية الرومانية...وبمرسوم امبراطوري !

ومع ازدياد العداء الإيماني والتنافر العقدي، فقد كان من الطبيعي ان تلقي هذه المؤثرات الاجتماعية بظلالها على عملية تدوين الأناجيل وخصوصا ان اغلبها كانت موجهة الى شريحة اتباع الدين الجديد من مواطني الدولة الرومانية، وكانت مكتوبة بلغتهم، وعلى ايدي اشخاص يحملون ثقافة يونانية واسعة .

وعند البحث في قصة صلب يسوع المسيح، يلاحظ القارئ في الأناجيل القانونية الأربعة، ان هناك محاولة متقصدة وواضحة جدا في تحميل اليهود المسؤولية الكاملة لجريمة صلب المسيح، مع تكثيف الجهد من أجل إيجاد مبررات لإعفاء الحاكم الروماني الذي اصدر امره بعقوبة الصلب من المسؤولية، او على الاقل ايجاد العذر له !

وعند تتبع هذه النقطة في الأناجيل، و تتبع تطورها الزمني، بحسب زمن تأليف كل إنجيل من الأناجيل القانونية، يكتشف القارئ، ان الذين كتبوا تلك الأناجيل، كانوا مهتمين جدا باضافة تفاصيل جديدة مع مرور الزمن، تثبت ادانة اليهود، وتخفف من مسؤولية السلطة الرومانية، من اجل تخفيف عقدة الذنب التي قد تنشأ نتيجة الولاء لسلطة قامت بصلب الرب!

في اقدم الاناجيل القانونية (انجيل مرقس) نجد ان الحاكم الروماني (بيلاطس) لم يكن مقتنعا بتجريم يسوع الناصري، ولكنه رضخ لرغبة اليهود الذين طالبوا بصلبه، لذلك امر بجلد يسوع وصلبه !!! (انجيل مرقس 15)

اما إنجيل (متى) فقد أضاف تفصيلة جديدة، ولكنها مهمة جدا وخطيرة في نفس الوقت !

حيث نجد في الاصحاح  السابع والعشرين، ان الحاكم الروماني (بيلاطس) وبعد ان اخبر اليهود انه لايجد في يسوع الناصري اي ذنب يستحق العقوبة، ومع إصرار اليهود وتحريضهم على صلب يسوع

نجد كاتب الإنجيل يضيف حبكة درامية مهمة جدا، تتمثل في قيام (بيلاطس) بطلب ماء وثم قام وغسل يديه أمام الجموع، ليؤكد لهم أنه بريئ من دم هذا الإنسان البار.. ثم أصدر قراره بجلده وصلبه !!

(فلما راى بيلاطس انه لا ينفع شيئا بل بالحري يحدث شغب اخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع قائلا اني بريء من دم هذا البار ابصروا انتم)  متى 27/24

ولم ينسى كاتب الإنجيل بعد ان قام بتبرئة الحاكم الروماني، بأن يضيف فقرة تؤكد مسؤولية اليهود، بل وحتى ذريتهم!

(فاجاب جميع الشعب وقالوا دمه علينا وعلى أولادنا!!!)  متى 27/25

وعند الذهاب الى انجيل ( لوقا) نجد كاتب الاناجيل ينفرد باضافة تطورات وتفاصيل جديدة للقصة، من اجل ابراز نفس الغرض، وهو إلقاء اللوم والمسؤولية على اليهود، حيث نجد ايضا في الاصحاح الثالث والعشرين،ان (بيلاطس) مقتنع ببراءة يسوع الناصري، وعندما عرف انه من (الجليل) قام بارساله الى حاكم الجليل (هيرودس) الذي تصادف وجوده في أورشليم بذلك الوقت !!

الحاكم الضيف، لم يجد،كذلك، ان يسوع قد اقترف جريمة او ذنب، فاكتفى بضربه واهانته، وارجعه الى بيلاطس !

وهنا، نجد بيلاطس، يحاول جاهدا، ولثلاث مرات،ان يقنع جموع اليهود، بإطلاق سراح يسوع البريء حسب رأيه، ولكن اليهود،كانت ترتفع أصواتهم بالمطالبة بصلب يسوع، فاضطر الحاكم الروماني (المسكين) الى النزول على رغبة اليهود، فقام باطلاق سراح (باراباس) المدان بقضية شغب وأمر بصلب يسوع الذي كان يجده بريئا !!

اما اخر الأناجيل القانونية تدوينا (إنجيل يوحنا) فقد تطرق الى نفس القصة في اصحاحين (18 و 19)

وقام باضافة تفاصيل وبهارات جديدة لزيادة الحبكة!!... ولو ان بعضها كان يشي بالطرافة والغرابة !!

حيث نجد الحاكم (بيلاطس) يقوم بدور يشبه المفاوض، بين يسوع المتواجد داخل دار الولاية، وبين رؤساء اليهود الذين بقوا خارج تلك الدار، لذلك اضطر بيلاطس للذهاب والمجيئ ثلاث مرات بينهما، ومع ذلك، فشل في إقناع اليهود !!

رغم انه وبعد حوار مطول مع يسوع،بقي مقتنعا ببرائته، وأراد إطلاق سراحه، لكن اليهود أصروا على إطلاق (باراباس)

وهنا نجد ان كاتب انجيل(يوحنا) ابتكر لنا فكرة جديدة وقوية !!... وهي تهديد اليهود لبيلاطس والتلميح له بأنهم سيتهمونه بعصيان القيصر، لذلك خاف بيلاطس !!... وقرر النزول عند رغبتهم !!

(من هذا الوقت كان بيلاطس يطلب ان يطلقه ولكن اليهود كانوا يصرخون قائلين ان اطلقت هذا فلست محبا لقيصر كل من يجعل نفسه ملكا يقاوم قيصر) يوحنا 12/19

هذا التطور المستمر في تحديث و تغيير تفاصيل قصة الحكم بالصلب على يسوع المسيح، يعكس لنا بشكل واضح الأثر الاجتماعي وكذلك السياسي على مخيلة المؤمنين بالمسيحية في زمنها المبكر، والذي انعكس على سرديات نصوص الأناجيل، التي هي بطبيعة الحال، انعكاس لطريقة تفكير هؤلاء المؤمنين ونظرتهم الى الأمور، ومحاولتهم لتصوير الحدث التاريخي وفق الطريقة التي تشيطن خصومهم في العقيدة، وبنفس الوقت، تزيل العنت واللوم عن السلطة التي ينتمون لها

وبذلك خرجت لنا نصوص الأناجيل، بقراءة للتاريخ تقوم على الرؤية الايمانية للمسيحيين الاوائل، اكثر مما هي قراءة حقيقية لمجريات الأحداث التاريخية.

وهذا الأمر تؤكده أيضا، صورة الحاكم الروماني (بيلاطس) في المخيال المسيحي في الفترة المبكرة، حيث اننا نجد بعض الأخبار تشير إلى أن هذا الحاكم القاسي القلب والذي كان يحتقر اليهود، ويبطش بهم،قد  تاب من فعلته، بل يوجد هناك كتاب زائف اسمه أعمال بيلاطس (يرجع إلي القرن الرابع أو الخامس الميلادي) يبرر بيلاطس من كل لوم، ويؤكد أنه اعترف أن يسوع هو ابن الله!!.

كما توجد حتى اليوم كتب أخري باسم أعمال بيلاطس تختلف فيما بينها في بعض التفصيلات، إلا أنها جميعها زائفة. وتزعم إحدى الأساطير أن زوجة بيلاطس صارت مسيحية. ويقال أن بعض الكنائس الشرقية تحتفل بيوم 25 يونيو، تذكارأً لبيلاطس باعتباره قديساً وشهيداً!!!

ورغم ان هذا الرأي يفتقر إلي السند التاريخي، و لايمثل الرأي الرسمي للكنيسة، لكنه بنفس الوقت، يعكس لنا نمطية التفكير لدى المسيحيين الاوائل من غير الأصول اليهودية، والذين كانوا يعتقدون ان تبرئة (بيلاطس) وهو رمز للسلطة الذين هم مواطنوها، سيرفع عنهم عقدة الذنب، الذي سيتم رميه برقبة اليهود ورقاب اجيالهم !!!

 

د. جعفر الحكيم

 

 

محمد بنيعيشمشكلتنا مشكلة التواصل، فقد نتصل ولكن لا نتواصل، ونتكلم ولا نتفهم، ونطالع ولا نتعلم، وننصت ولا نسمع:" وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ"" وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ "قرآن كريم.

إن موضوع اللغة جدير بأن يدرج ضمن العلوم النفسية، بل إن الجسور ينبغي أن تبقى منصوبة بين علم اللغة وعلم النفس بصورة رسمية ومسترسلة، وهذا أقرته الدراسات النفسية واللغوية الحديثة، لأنه بعد فقدان علم اللغة ثقته بعلم النفس جاء العلم النفسي اللغوي ليعيد بناء الجسور[1].

فاللغة هي الإنسان وبدونها فليس هو هناك، حتى إن الحد الذي عرف به عند المناطقة هو أنه: حيوان ناطق[2].

هذا النطق له مظاهر كثيرة إلا أنه يقف عند حد واحد، ألا وهو طريقة التوصل فيما بين الإنسان وأخيه .

اللغة الضرورية وبقاء النوع الإنساني والحضاري

يرى ابن حزم أن اللغة مسألة ضرورية في  كيانه وليست مكتسبة، بل هي تلقين       من الله تعالى ابتداء، مستندا في هذا إلى قول الله تعالى "وعلم آدم الأسماء كلها".

أما البرهان العقلي عنده فهو:أن الكلام لو كان ألفاظا لما جاز "أن يصطلح عليه إلا قوم قد كملت أذهانهم وتدربت عقولهم ونمت علومهم ووقفوا على الأشياء كلها الموجودة في العالم وعرفوا حدودها واتفاقها واختلافها وطبائعها، وبالضرورة نعلم أن بين أول وجود الإنسان وبين بلوغه هذه الصفة سنين كثيرة جدا يقتضي في ذلك تربية وحياطة وكفالة من غير، إذ المرء لا يقوم بنفسه إلا بعد سنين من ولادته ولا سبيل إلى تعايش الوالدين والمتكفلين والحضان إلا بكلام يتفاهمون به مراداتهم فيما لابد منه فيما يقوم معايشهم من حرث أو مواشي أو غراس ومن معاناة ما يطرد به الحر والبرد والسباع ويعاني به الأمراض ولابد لكل هذا من أسماء يتعارفون بها ما يعانونه من ذلك"[3].

فكل إنسان قد كان في حالة الصغر ممتنع الفهم ومحتاجا إلى كافل"والاصطلاح يقتضي وقتا لم يكن موجودا قبله لأنه من عمل المصطلحين وكل عمل لابد من أن يكون له أول، فكيف كانت حال المصطلحين على وضع اللغة قبل اصطلاحهم عليها، فهذا من الممتنع المحال ضرورة".

ثم يخلص بعد هذه التحليلات النفسية الدقيقة و الأناسية-إن صح التعبير(الأنتروبولوجية)-حول مصدر اللغة الأصلي إلى القول بأن: هذه الحقائق المذكورة دليل برهاني وضروري على" وجود الواحد الخالق الأول تبارك وتعالى ومن أدلة وجود النبوة والرسالة، لأنه لا سبيل إلى بقاء أحد من الناس ووجوده دون كلام"[4].

من هنا نستخلص أنه يرى اللغة مسألة توقيفية غرزها الله تعالى في نفوس البشر حتى يتسنى لهم التعايش، وبدونها فلا بقاء لجنسهم على وجه الأرض، إذ الانقراض سيكون مآلهم المحتوم.

هذه اللغة قد تكون بالإشارة والحركة أو بالكلام الفصيح:

أما الأولى فهي ضرورية وجدت منذ وجد الإنسان واضطر إلى التواصل مع أخيه الإنسان، فعبر غريزيا بحركات وإشارات تبين غرضه ومطالبه.

وأما الثانية فهي اصطلاحية جاءت بعد الأولى لأنها مؤلفة وتحتاج إلى زمن حتى يتم جمعها، ومن ثم وضعت لها رموز ومعالم مختلفة أدت إلى تنوع تراكيبها وانقسامها إلى لغات متعددة حتى تؤدي نفس الهدف المنوط بها، وعلى هذا فاللغة الضرورية لغة واحدة أما اللغات المختلفة فهي اصطلاحية[5].

هذا الرأي عند ابن حزم قد يجد تقاربا في التحليل عند علماء السيكولوجية اللغوية في العصر الحديث، بحيث قد استنتج بعضهم أن القدرة اللغوية واحدة في النوع، وذلك من خلال ملاحظة الجماعات البشرية التي لا تخلو أية منها من لغة، بالإضافة إلى هذا فقد لوحظ أن الفروق طفيفة في تعقد الأوصاف لمختلف اللغات فيما يخص مجموعة القواعد اللغوية المجردة، وهذه الملاحظات قادت الكثيرين من دارسي العمليات اللغوية إلى الاعتقاد بأن الكثير من وجوه قدرتنا اللغوية فطرية.

ويرى إيريك لنيبرغ أن: جميع الدلائل تشير إلى أن القدرة على تنمية لغة حقيقية هي خاصية نوعية، بمعنى أنها خاصية يتفرد بها النوع الإنساني، كما أنه يجعل تطور اللغة لدى الإنسان رهين نموه الجسدي وذلك"أن الأطفال يتكلمون متى وصلوا إلى مرحلة معينة من النضج الجسدي وليس قبل ذلك أو بعده"، هذا وقد أثبتت أن النمو اللغوي يترابط بالتأكيد مع النمو الحركي ونمو الدماغ"[6].

كما ذهب إلى هذا الرأي تشومسكي موضحا بأن الإنسان يملك قوة فطرية لغوية ذات صفات عامة بين جميع اللغات، وذلك حينما ناقش نظريات سكنر عن السلوك الكلامي، فكان يرى أن" الخبرة والتعلم لا يفعلان أكثر من تقديم معلومات عن صفات الوجوه العامة للغة التي لابد منها من أجل التواصل مع الناس، في مجتمع لغوي معين (عام1969)"[7].

إن ابن حزم حينما أثبت أن اللغة واحدة في أصلها سعى إلى البحث عن اللغة الأم التي تفرعت عنها كل اللغات، فنراه يناقش شتى الآراء حول الموضوع:

"قد قال قوم هي السريانية-أي لغة آدم- وقال قوم هي اليونانية وقال قوم هي العبرانية وقال قوم هي العربية، والله أعلم.

إلا أن الذي وقفنا عليه وعلمنا يقينا:أن السريانية والعبرانية والعربية، هي لغة مضر وربيعة لا لغة حمير، لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها، فحدث جرش كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيروان ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلسي ومن الخراساني إذا رام نغمتهما، ونحن نجد من سمع لغة فحص البلوط وهي على ليلة واحدة من قرطبة كان أن يقول إنها لغة أخرى غير لغة أهل قرطبة، وهذا في كثير من البلاد فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى يتبدل لغتها تبديلا لا يخفى على من له تأمله"[8].

هكذا يمضي في إقامة دراسة موضوعية وتحليلية للظواهر النفسية والاجتماعية وعلاقة اللغة بها ومستوى الإبداع فيها من خلالها، إذ يرى أن الابتكار رهين بوجود قوة النفس وعزتها ومظهر لوجود الاستقرار السياسي في البلاد، وأنه متى ضعفت السلطة في البلاد وحدثت الفتن لم يعد مجال إذاك للتقدم العلمي، بحيث إن أهم ميدان تطاله الأزمة هو العنصر اللغوي كمظهر رئيسي للمستوى النفسي عند الشعوب والمفتاح الأول للتواصل البشري و التلاقح المعرفي.

فالاضطهاد والظلم والحاجة والمذلة والسخرة تميت الخواطر-على حد تعبيره-، وفي هذا تأثر نفسي واضح وشعور بالإحباط، وعند موت الخواطر يتقلص مستوى الإبداع اللغوي، وفي هذه الحالة لم تبق هناك قوة لربط المعلومات ببعضها وإحداث تشكيلة مناسبة للعصر ومتطلباته، فحينئذ تندثر العلوم وتبيد[9].

2) مشكلة علاقة اللغة بالفكر وتحديد الأسبقية

يبدو أن ابن حزم قد كان أكثر عمقا في دراسة مفهوم اللغة وحدودها الوظيفية وآفاقها الفكرية ممن يرون أن "الأفكار لا تتكون ولا تتشكل إلا عبر كلمات وتجميع الكلام وعن طريق الكلمات وتجميع الكلمات في جمل تصور الواقع في الفكر، ولا تصبح الأفكار أفكارا محددة إلا بقدر ما تكون مسجلة ومثبتة في كلمات وفي كلمات مربوطة في جمل، فالأفكار دون لغة غير موجودة شأنها شأن الأرواح دون الأجساد"[10].

هذه الآراء حول علاقة اللغة بالفكر قد لا تستند فيما يبدو لنا إلى استقراء علمي لمجموع البشر، إضافة إلى ما فيها من التكلف في إدراج النزعة المادية المتعامية في تفسير النشاط الإنساني.

فالإنسان البدائي لم يكن يعرف كلمات أو حروف، والأخرس لا يعرف لغة مركبة ولن يعرفها أبدا، إلا أنه يستطيع أن يفكر وأن يومئ بإشارات يفهم منها قصده وأنه قد فكر من خلالها، وأدلى برأيه في قضية ما.

فالفكر سابق على اللغة و ليست اللغة سابقة على الفكر، وإنما هي مجرد وسيلة للتواصل بين بني الإنسان والتعبير عما يختلج الباطن من أفكار وتصورات ومشاعر، قد تعجز أحيانا عن وصفها اصطلاحا.

من هنا فقد أدرك ابن حزم جيدا هذا الموضوع ومن ثم كانت براعة تفكيره بخصوص دور اللغة تتلخص في القول:بضرورة انقراض الجنس الإنساني إذا لم تكن له لغة، نظرا لتعذر التواصل بين الإنسان وأخيه؛فيتعذر تبعا لذلك التعاون والتعاضد والتناسل وتحقق كل متطلبات الحياة الاجتماعية .

غير أن اللغة التي يقصدها ليست مركبة من حروف وكلمات، وإنما هي غير ذلك قد تمثل تفاهما خاصا بين الإنسان وأخيه لوجود طبائع مشتركة فيما بينهما مهدت لهذا التواصل وسيرته.

هذا التواصل ضروري لبقاء النوع، أما الحروف فليست إلا نتيجة مواصفات وتطورات حضارية عند الإنسان تشكلت عنها لغات شتى بفعل الظروف والبيئة والواقع الاجتماعي والسياسي...كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

من هنا يبدو صاحب القول بأن اللغة موجودة قبل الفكر أو معه التحاما - في النص السابق- قد غلبت عليه فكرته المادية في تصوره للعقل الإنساني وأداة التفكير لديه.

فهو يرى أن الفكر ليس إلا انعكاسا للعالم المادي ومن ثم فليس هناك شيء معنوي خالص من هذه المادة، فأراد أن يربط اللغة نفسها بالمادة، جاعلا من العرض جوهرا ومن الجوهر عرضا، وهذا خلط في المفاهيم والتصورات وتحليل المبادئ البديهية.

بحيث يرى أن"الأفكار لا توجد إلا مجسدة في كلمات أو عبارات معينة فليس للأفكار وجود منفصل غير متجسد بمعزل عن التعبير عنها...وليس النشاط التفكيري للمخ إلا مثل هذه الإقامة للصلات بالعالم الخارجي ولا يتم هذا قبل اللغة ولا بمعزل عن اللغة وإنما بالتحديد بواسطة اللغة فحسب"[11].

فبخصوص مسار اللغة يستخلص أنها" تتطور كوسيلة لتعبير أناس يعيشون في مجتمع ما وللاتصال بينهم، وأنها تنشأ وتتطور في مجرى نشاطهم الإنتاجي وكل ألوان نشاطهم الاجتماعي الأخرى، وأن أفكار الناس-التي يعبرون عنها باللغة- تخضع للمنطق، لقوانين الفكر كانعكاس للواقع المادي.

وفي الوقت نفسه فإن الآراء الاجتماعية التي تجد تعبيرا عنها في اللغة وتصاغ بمساعدة المنطق تتطور على أساس علاقات الناس الاقتصادية، ونشاط ومصالح الطبقة الاجتماعية"[12].

فهذا الرأي كما فهمنا قد لا يمس إلا الشطر الثاني من مفهوم اللغة عند ابن حزم، وهو المظهر الاصطلاحي الذي يتطور حسب الظروف والأوضاع النفسية والاجتماعية والسياسية، أما عمق اللغة وحقيقتها فهذا ما لم يستطع أصحاب الاتجاه المادي في تفسيراتهم للنشاط الإنساني إدراكه أو ملامسته.

فإذا تفحصنا هذه النصوص التي تريد أن تعلل قضايا اللغة بالتعليل النفسي فسنجدها لا تعطي توضيحا لمشكلة اللغة ومصدرها الأصلي، بل إن العنصر الموضوعي والتجريبي في هذه النصوص مفقود.

خاصة إذا قارناها بنصوص ابن حزم في إثبات مذهبه حول طبيعة اللغة ومصدرها ومراحل تطورها وتأثرها بالواقع والأحوال الاجتماعية، وذلك في تحليلات علمية سليمة تجمع بين الروحاني والمادي والتجريدي والحسي من غير لف ودوران في بوتقة التعصب المادي الضيق الأفق.

إن مسألة علاقة الفكر باللغة مسألة شائكة ومعقدة، فلقد تساءل"علماء النفس عما إذا كان من الممكن وجود فكر بدون لغة، وكان جوابهم أنه إذا كان من الممكن نظريا على الأقل وجود فكر ابتدائي بدون لغة فإنه من غير الممكن وجود فكر وتفكير حقيقيين عميقين بدون لغة"[13].

فإذا عمقنا النظر في هذه التساؤلات قد نجدها تنصب على اللغة الاصطلاحية، إذ رغم وجودها فقد بقيت مجالا للتشكيك في استيعابها كل حركات الفكر[14].

من هنا فقد ذهب بعض الباحثين إلى القول بأن بين اللغة والفكر تأثيرا متبادلا وأن الفكر متقدم على اللغة؛وهو ما فهمناه عند ابن حزم، مستدلين على هذا بأنه:

"لو كانت اللغة شرطا من شروط الفكر-أي متقدمة عليه- لأمكن التعبير عن كل فكرة، إلا أننا كثيرا ما نشعر بالأفكار تجول في خاطرنا من غير أن نوفق للتعبير عنها...

والحق أن اللغة نتيجة من نتائج الفكر المنطقي وشرط من شروطه، فالكلام والفكر ينموان ويرتقيان معا، إلا أن كثرة المفردات تتبع كثرة المعاني، وتطور الألفاظ تابع لتطور الفكر.

إن وراء الفكر التأملي نفسه صورا من المعاني المستقلة عن الألفاظ، حتى لقد بين علماء النفس أن لدى الطفل تفكيرا غير لفظي وهو تفكير مقارن للعمل تنوب الحركات فيه عن التصورات.

ثم إن هناك فكرا تأمليا وحدسيا يتميزان بتقدم الشعور فيهما على الألفاظ، فالفكرة إذن، أغنى من اللفظ ويمكن التعبير عنها بألفاظ مختلفة"[15].

هذه إذن بعض أهم بواكير علم النفس اللغوي عند ابن حزم، وأجمل ما فيها هو ربطه الوجود الإنساني بالوجود اللغوي، وجعله أساسا من أسس البنية النفسية وليس شيئا خارجيا مكتسبا أو متواضعا عليه، ومن ثم فإن النظر في اللغة يبقى دائما له اتصال بعلم النفس لتحديد أسباب تقدمها أو انحسارها[16].فهل نحن في زماننا هذا لنا الشجاعة لاستعمال معصرة فكرية قد تعطي مثل هذا المعنى للغة من حيث التوظيف والتوصيف والتصنيف وبشكل علمي غير متعصب ولا متذبذب؟...

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

...........................

[1] جان بياجي:البنيوية، ترجمة عارف منيمنة وبشير أوبري، منشورات عويدات بيروت باريس ط1982ص68

[2] مجموعة المتون الكبرى:متن إيساغوجي مطبعة الاستقامة القاهرة1378-1958

[3] ابن حزم:الإحكام في أصول الأحكام، مطبعة السعادة مصر ط1-1345ج1ص29

[4] نفس  ج1ص 39

[5]نفس  ج1ص31

[6] فاخر عاقل:أصول علم النفس وتطبيقاته، دار العلم للملايين، ط6-1984ص152

[7] نفس  ص153

[8] ابن حزم الإحكام في أصول الأحكام ج1 ص31

[9] نفس ج1ص32

[10] موريس كورنفرث:مدخل إلى المادية الجدلية، ترجمة محمد مستجير مصطفى، دار الفارابي بيروت ج3ص50-51

[11] موريس كورنفورث:مدخل إلى المادية الجدليةج3ص52

[12] نفس   ج3ص59

[13] فاخر عاقل:أصول علم النفس وتطبيقاته ص138

[14] نفس ص139

[15] جميل صليبا :علم النفس  ص518

[16] فاخر عاقل:أصول علم النفس وتطبيقاته ص142

 

 

محمد بنيعيشكثير من الباحثين من قد يحسن التفكير والتحليل والتعمق والتدقيق في باب العلم والمعرفة، ولكنه سرعان ما يحول بينه وبين هذا الجمال والجلال العلمي نوع من التعصب أو التعاطف أو الضبابية والتوجس، فيسقط من حسابه عدة مصادر ومراجع قد تكون ذات فائدة وتقريب للمعنى على أحسن وجه وأسلم استنتاج، كما قد يصعب على الكثير منا تقريب المعنى المتسامي للأفهام وملامسة الأذواق والمقصد الرفيع، فلا يجد إلا أمثلة من الواقع المحسوس، ومن القصص والحكايات .وفي هذه اللحظة تمتزج الحقيقة مع الخيال والبرهان مع الخطابة، والجدل يتداخل مع البيان، فتضيع حينها الغاية الراقية ويفقد العلم دوره وحكمه الصارم والقطعي...

أ) الاستمداد والتقاطع بين الصوفية والفلاسفة

ولقد كانت الغاية من الدراسة النفسية أو الأخلاقية عند الغزالي، في شتى المراحل والمباحث، هي السعي إلى تقريب أهمية الأخلاق ودورها في إصلاح الفرد والمجتمع، وذلك بأسلوب قريب من البرهان وبواسطة استدعاء كل الآراء النفسية أو الخلقية السليمة لتقريب أهمية فضيلة ما إلى الأذهان، ولهذا لوحظ عليه عدم توجيه انتقاد إلى الفلاسفة في هذا المجال بل على العكس من ذلك فقد اعتمد كثيرا من أفكارهم.

إن للغزالي في اقتباسه المسائل النفسية والأخلاقية مبرر طريف من نوعه، إذ يرى أن الفلاسفة هم الذين اقتبسوا من الصوفية وليس العكس.

لهذا يجب رد الحق إلى أهله، ومن ثم سيدخل آراء الفلاسفة النفسية والأخلاقية في علم التصوف.

فنراه يقول بهذا الصدد:"أما الخلقية فجميع كلامهم فيها يرجع إلى حصر صفات النفس وأخلاقها وذكر أجناسها وأنواعها وكيفية معالجتها ومجاهدتها، وإنما أخذوها من كلام الصوفية، وهم المتألهون المثابرون على ذكر الله تعالى، وعلى مخالفة الهوى وسلوك الطريق إلى الله تعالى بالإعراض عن ملاذ الدنيا، وقد انكشف لهم في مجاهدتهم من أخلاق النفس وعيوبها، وآفاق أعمالها ما صرحوا بها، فأخذها الفلاسفة ومزجوها بكلامهم توسلا بالتجمل بها إلى ترويج باطلهم، ولقد كان في عصرهم بل في كل عصر جماعة من المتألهين لما يخلي الله سبحانه العالم عنهم، فإنهم أوتاد الأرض، ببركتهم تنزل الرحمة إلى أهل الأرض كما ورد في الخبر حيث قال عليه السلام:" بهم تمطرون وبهم ترزقون، ومنهم كان أصحاب الكهف"...[1]".

هذا الرأي عنده سيتعرض لانتقادات وردود[2]وجدل غالبيته تميل إلى رفضه والتحيز إلى اعتبار الفلاسفة هم رواد الفكر النفسي والأخلاقي، قد لا يسمح لنا المجال تتبعها بالتفصيل...

خلاصة الحديث عن موضوع الاقتباس عند الغزالي هو أنه في مجمله يبدو متوازنا وموضوعيا ومتناسبا، فهو أصولي بالدرجة الأولى وله مرجعية معينة تصوغ أفكاره وآراءه التي ضمنها كتبه النفسية والأخلاقية، خصوصا كتابه "الإحياء"، إذ كما يقول زكي مبارك:"فرأيته لا يضع حكما إلا وقد اقتبسه من حكمة أو مثل أو بيت من الشعر و آية أو حديث أو أثر إلى غير ذلك مما قرأه بنفسه أو سمعه من أساتذته، ولقد حاولت أن أرجع كل حكم لأصله ولكني رأيت في ذلك منافاة للإيجاز، وهو شرط هذا الكتاب –أي كتابه:الأخلاق عند الغزالي"[3].

فبتنويعه للمصادر التي بنى عليها أفكاره قد أراد أن يقول بأن هذه الأخيرة برهانية ومؤسسة على علوم ثابتة ومتفق عليها بين أهل العلم والعقلاء، كما أنه أراد أن يدعم أفكاره بتنويع الاستشهادات حتى يكون وقعها على النفوس قويا، بالإضافة إلى هذا فإن كتبه الأخلاقية قد استهدفت العامة والخاصة من العلماء وكل مستويات الوعي في المجتمع، لأنه في نظره لا يخلو أحد من الناس في الغالب إلا وهو مريض خلقيا[4]، إن لم يكن ظاهرا فسيكون باطنا لا محالة، وإن لم يكن بسيطا فسيكون معقدا ...وهكذا استطرادا.

فلا غرابة إذا كان يخاطب القارئ بشتى اللهجات والأساليب، ابتداء من النص القرآني و الحديثي أصل الأصول، ثم مرورا بالحكم والأمثال والآراء الفلسفية وضرب الأمثلة العامية، كما يصرح بذلك في كتاب عجائب القلب من الإحياء، فيقول :"فلنذكر الآن من شرح عجائب القلب بطريق ضرب الأمثال ما يقرب من الأفهام فإن التصريح بعجائبه وأسراره الداخلة في جملة عالم الملكوت مما يكل عن دركه أكثر الأفهام"[5].

ب) منهج التقريب والتبسيط لقضايا النفس والأخلاق

فبخصوص هذه الأمثلة التقريبية التي كان يستعملها لتوضيح آرائه النفسية والأخلاقية نجد تعسفا واضحا في تأويلها من طرف زكي مبارك، إذ اعتبرها "ميزة خطيرة لمؤلفات الغزالي وهي إقباله على الخيال، فهو يحسن ويقبح بطريقة فنية بديعة تخلب العقول وتمتع القلوب"[6].

فلا ندري أين يكمن الخطر في هذه الأمثال التي ضربها في كتبه، وهي في الغالب مستقاة من آراء الصوفية والفقهاء والفلاسفة قبله ؟.

ثم إن عرض لها فلم تكن إلا تفسيرا للنصوص القرآنية أو الحديثية، وقد تكون توضيحا لفكرة فلسفية عميقة قد لا يفهمها العامي في غالب الأحيان، وهو ما رأيناه في النص السابق الخاص بالهدف من ضرب الأمثلة، كما أنه حينما يسترسل في تشعيب الفكرة محل الدرس فقد كان يعتمد على أسس معقولة وملاحظات دقيقة وواقعية في أغلبها، ثم يستعمل القياس في كل تخيلاته، وذلك بالربط بين الإنسان والحيوان تارة وبين أمثلة الروح والجسد على غرار ما سلكه ابن مسكويه، وكذلك حينما كان يريد أن يعطي لنا توضيحا لعمل القلب فإنه قد لجأ إلى قياسه على الملك وجنوده وكل ما تحتمله المملكة من تنظيم وتشريع وتقاليد، فكان قياسه هذا يقوم على أسس معقولة ومقبولة يقرها الواقع والذوق السليم ولا يجد الخيال المتزن فيها منافرة أو تعارضا .

يقول بخصوص موضوع القلب بعدما عرض له بالدرس الموضوعي وتشريح بنيته المجسدة بطريقة علمية دقيقة:

"فهذه أقسام جنود القلب وشرح ذلك بحيث يدركه فهم الضعفاء بضرب الأمثلة يطول، ومقصود مثل هذا الكتاب أن ينتفع به الأقوياء والفحول من العلماء، ولكنا نجتهد في تفهيم الضعفاء بضرب الأمثلة ليقرب ذلك من أفهامهم"[7].

من هنا يبدو تناقض زكي مبارك في دعواه بأن طريقة الغزالي الخيالية في تقريب أفكاره للقارئ كانت تمثل خطرا في مؤلفاته وذلك حينما أقر بأنه "كان لا يورد فكرة إلا وهي مقتبسة من حكمة أو مثل أو بيت من الشعر..."[8]

ليس المقصود من هذا الاعتراض تعقب الانتقادات الموجهة ضد منهجه في علم النفس والأخلاق، ولكن مرادنا الإشارة إلى خصوصيات هذا التأليف حتى أنه أشكل الهدف منه على بعض من لم يقم بمسح شامل لكل محتويات كتبه سواء الإحياء أو غيره.

حينما نرجع إلى الكتابات الأخلاقية قبله أو بعده فإننا سنجدها غالبا ما كانت تصاغ إما على شكل جمل خلقية وأمثال وقصص، وإما على صورة دراسة منظمة تسعى إلى إقامة البرهان وتثبيت الأفكار بالحجج العقلية والحسية كما لاحظ أحمد أمين بأنه بما كان :"جامعا بين المذهبين في كتابه الإحياء، فهو يبدأ الكلام في كل فضيلة أو رذيلة بالآيات والأحاديث وما روي عن كبار الصحابة والتابعين ثم يتبع ذلك بالتحليل النفسي للفضائل والرذائل، وقد جمع بين المذهبين كما حاول الجمع بين الفقه والتصوف وبين الفلسفة والدين" [9].

قبل اختتام الحديث عن خصائص الاقتباس عند الغزالي لابد من الإشارة إلى مصادر أخرى غير الصوفية والفلسفية اعتمدها في كتابه الإحياء (خاصة)ألا وهي: المصادر الفقهية، وهي مصادر متنوعة ؛غير أنه اعتمد آراء ومأثورات الفقهاء الذين كانوا يمثلون اتجاها صوفيا في سلوكهم وآدابهم، منهم على سبيل المثال: الإمام مالك و أبوحنيفة والشافعي وابن حنبل...وهؤلاء فيما يرى أنهم كانوا يمثلون ويطبقون قواعد السلوك عمليا، لهذا فإن جل اقتباساته عنهم كانت تتمثل في عرض جوانب من سيرهم وما ورد عنهم من مواقف وأقوال مجملة مثل قوله:"وكان في الفقهاء من يقول لا أدري، ومنهم سفيان الثوري ومالك بن أنس و أحمد بن حنبل وبشر بن الحرث..."[10].

من ثم نجده يستشهد بسيرة هؤلاء الفقهاء ويرى أنهم مثال الأتقياء ولم يكن لديهم فصل بين الفقه والتصوف، بل كان هذا الأخير دائم الحضور في أعماقهم ووجدانهم.

في حين؛يرى أن فقهاء عصره لم يعودوا يمثلون سوى سطحيات وقشر ما كان يتضمنه مفهوم الفقه عند الأولين، فيؤرخ لهذا التحول بأنه في "القرن الرابع حدثت مصنفات الكلام وكثر الخوض في الجدال والغوص في إبطال المقالات ثم مال الناس إليه وإلى القصص والوعظ بها فأخذ علم اليقين في الإندراس من ذلك الزمان، فصار بعد ذلك يستغرب علم القلوب والتفتيش عن صفات النفس ومكايد الشيطان، وأعرض عن ذلك إلا الأقلون، فصار يسمى المجادل المتكلم عالما والقاص المزخرف كلامه بالعبارات المسجعة عالما، وهذا لأن العوام هم المستمعون إليهم، فكان لا يتميز لهم حقيقة العلم من غيره ولم تكن سيرة الصحابة رضي الله عنهم وعلومهم ظاهرة عندهم حتى كانوا يعرفون بها مباينة هؤلاء لهم"[11].

لئن كان لغزالي قد اعتمد المصادر الفقهية في كتابه الإحياء فإن أكثر ما وظف اقتباساته منها في الربع الأول والثاني منه خاصة، كما أن كتاب الماوردي الأخلاقي "أدب الدنيا والدين" قد يبدو غير حاضر فيه، سواء من حيث مادته المعرفية أو المنهج، رغم أنه يوجد نوع من التقارب بين الرجلين في تفصيل الأسباب التي قد تكون وراء هذا السلوك أو ذاك...

هذه هي إذن بعض المميزات الخاصة بمنهج التأليف و الاقتباس عند الغزالي، التي يبدو فيها أنه كان طالب علم موضوعي وليس بساع لمذهب أو غاية ذاتية وتقليدية، ويتجلى هذا من خلال تنويع مصادر معرفته، لأن العارف العاقل كما يقول :"يعرف الحق ثم ينظر في نفس القول، فإن كان حقا قبله سواء كان قائله مبطلا أو محقا، بل ربما يحرص على انتزاع الحق من أقاويل أهل الضلال عالما بأن معدن الذهب الرغام، ولا بأس على الصراف إن أدخل يده في كيس القلاب وانتزع الإبريز الخالص من الزيف و البهرج مهما كان واثقا ببصيرته، فإنما يزجر عن معاملة القلاب القروي دون الصيرفي البصير، ويمنع من ساحل البحر الأخرق دون السباح الحاذق، ويصد عن مس الحية الصبي دون المعزم البارع"[12].

فيا أيها الباحثون: هلا قد حان الوقت لاستعادة زمام المبادرة للرقي بالبحث العلمي والصرامة والفكر الموضوعي حتى نخلص مما نحن فيه من التيه وطغيان الأكاذيب والمخوفات والفزاعات الإعلامية والتعميمية على حياتنا اليومية وقدراتنا الفكرية والتحليلية ...؟.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

..........................

[1] الغزالي :المنقذ من الضلال ص29

[2] حسين الرمضاني الخالدي:الأخلاق عند نابغة العصر، مطبعة التوفيق بدمشق ص7

[3] زكي مبارك:الأخلاق عند الغزالي  ص53

[4] الغزالي :إحياء علوم الدين  ج1ص14وج3ص42

[5] نفس ج3ص3

[6] زكي مبارك:الأخلاق عند الغزالي  ص75

[7] الغزالي:إحياء علوم الدين  ج3 ص5

[8] زكي مبارك:الأخلاق عند الغزالي ص53

[9] أحمد أمين:ظهر الإسلام دار الكتاب العربي بيروت الطبعة الخامسة ج2ص189

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين   ج1ص62

[11] الغزالي:إحياء علوم الدن  ج1 ص30

[12] الغزالي:المنقذ من الضلال     ص30

 

محمد بنيعيشكثير من الباحثين قد يحتارون في طريقة التأليف والمزج بين المعلومة المقتبسة والمتبناة والمستنتجة، فلا يستطيعون التخلص من التقليد والمحاكاة لغاية الابتذال، كما لا يحتفظون بالموضوعية في منازلة الحاضر لديهم والحكم عليه، فيقعون إما في الحذف المتعسف فيكون معه ضياع العلم وجوهره، وإما في المزج والخلط المدلس لحد السرقة العلمية، فلا النص الأول بقي على حاله وقوته ولا المضاف أدى إلى معنى جديد يفيد الباحثين ويطور الفكرة أو النظرية.

إن تحديد المنهج عند الغزالي في هذا الباب يبدو متشعب النواحي ومترامي الأطراف، فهو أصولي مع الأصولي سواء كان صوفيا أو فقيها، وفلسفي مع الفلسفي، مشائيا كان أو رواقيا، وهو مازج بين النصوص الدينية والحكم الصوفية والاستنباطات الفقهية والآراء الفلسفية مزجا دقيقا وواضعا بنية متكاملة في مجالات دراساته النفسية والأخلاقية، إما على شكل سياق متكامل وإما على صورة كتب يصب بعضها في بعض .

فقد يحار الباحث في تحديد كتبه النفسية و الأخلاقية كنموذج خاص للدراسة وجامع لخصائص المنهج عنده.

فهناك كتاب "معارج القدس في مدارج معرفة النفس "و"ميزان العمل "و"منهاج العابدين"و"كيمياء السعادة "و"الأدب في الدين"و"الأربعين في صول الدين "و"المنقذ من الضلال"...إلخ

إلا أن أهم هذه الكتب جملة هو كتابه "إحياء علوم الدين"الذي قسمه إلى أربعة أجزاء عرض فيها عصارة محصلاته العلمية في المجالات النفسية والأخلاقية.

فكان أكثر ما وظف فيه بشكل مركز فكره النفسي والأخلاقي هو ما تضمنه الربعان الأخيران من الكتاب واللذان سماهما ب:ربع المهلكات وربع المنجيات كما لخص مضامينهما في التقسيم التالي:

"ففي ربع المهلكات ما تجب تزكية النفس منه من الشره والغضب والكبر والرياء العجب والحسد وحب الجاه وحب المال وغيرها، وفي ربع المنجيات يظهر ما يتحلى به القلب من الصفات المحمودة كالزهد والتوكل والرضا والمحبة والصدق والإخلاص وغيرها.

وبالجملة يشتمل كتاب الإحياء على أربعين كتابا يرشدك كل كتاب إلى عقبة من عقبات النفس وأنها كيف تقطع، وإلى حجاب من حجبها وأنه كيف يرفع، وهذا العلم فوق علم الفقه والكلام وما قبله لأنه علم السلوك وذلك علم آلة السلوك..."[1].

من الملاحظ على مؤلفاته النفسية والأخلاقية أنها تتضمن أفكارا وأخبارا تكاد تشبه بالحرف ما عند من كتبوا في نفس المواضيع التي عرضها فيها، بحيث قد تفرض علينا هذه الملاحظة التساؤل التالي؛وهو:ما هي مصادر الاقتباس عند الغزالي في علم النفس والأخلاق خصوصا، وما هي مميزاته؟

إن أهم هذه المصادر التي تبدو في صورة جملية صريحة وواضحة لغة ومضمونا يمكن حصرها في مصدرين أساسيين احتلا الصدارة في كتاباته وهما: المصادر الصوفية والمصادر الفلسفية.

أ(المصادر الصوفية وأبعادها العملية

لا يشك باحث في أن الغزالي قد ملأ كتبه النفسية والأخلاقية بعدة آراء وحكم صوفية، منها التي ذكر أصحابها وقائليها ومنها التي عرضها بشكل يوهم للبعض نسبتها إليه...

فكان من بين المصادر التي ذكرها صراحة كمعتمد لديه لفهم معاني التصوف ودقائق علم الأخلاق مثل "قوت القلوب"لأبي طالب المكي رحمه الله، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي ...وغير ذلك من كلام مشايخهم".

كما كان من بين أهم المراجع التي لم يذكرها في كتبه كلها والتي اعتمد عليها كثيرا في تأليف كتابه الإحياء فيما يرى زكي مبارك هو كتاب "الرسالة القشيرية "لأبي القاسم القشيري، في حين يتساءل عن السبب الذي جعل الغزالي"لم يشد بذكر مؤلفها ومؤلف قوت القلوب مع أن فضلهما عليه كبير"[2].

فلست أدري لماذا يلزم بهذه الإلحاح لأن يشيد بذكر الكتب ومؤلفيها؟ كما قد يرد على هذه المسألة بالملاحظة التالية:

بخصوص عدم الإشادة بمؤلف قوت القلوب لأبي طالب المكي فهذا قد سبقت الإشارة إليه -كما رأينا قريبا- من خلال اعتراف الغزالي به كمرجع نظري ذي أبعاد عملية في كتابه المنقذ من الضلال، هذا مع ذكر عدة حكم له في الإحياء نفسه[3].

أما فيما يتعلق بعدم الإشادة ب: "الرسالة القشيرية"أو غيرها من الكتب التي نقل عنها، فهذا مما يميز منهجيته في دراساته كلها، كما قد تعتبر خاصية في الاقتباس عنده على شكل التزام فكري، لأنه في منهجه يسعى إلى التحقيق المعرفي الموضوعي المؤدي إلى ضبط السلوك أوتحصيله، وليس الوقوف مع الشكليات والحشو التاريخي واللغوي، إذ لكل عمل رجال كما يعبر عنه في كتبه، وقد صرح بهذا في كتابه فضائح الباطنية حيث قال: "ولقد طالعت الكتب المصنفة في هذا الفن -أي الرد على الباطنية- فصادفتها مشحونة بفنين من الكلام: فن في تواريخ أخبارهم وأحوالهم من بدء أمرهم إلى ظهور ضلالهم وتسمية كل واحد من دعاتهم في كل قطر من الأقطار وبيان وقائعهم فيما انقرض من الأعصار، فهذا فن أرى التشاغل به اشتغالا بالأسمار، وذلك أليق بأصحاب التواريخ والأخبار، فأما علماء الشرع فليكن كلامهم محصورا في مهمات الدين وإقامة البرهان على ما هو الحق المبين، فلكل عمل رجال[4]".

فكان هذا هو السبب الكامن وراء عدم ذكر المراجع التي اعتمدها في كتاب الإحياء خاصة، بالإضافة إلى هذا فالرسالة القشيرية لا تمثل مصدرا مباشرا للتصوف وعلم الأخلاق، وإنما هي بدورها قد تعتبر مرجعا من المراجع التي اعتمدت على أقوال المشايخ الصوفية السابقين في كل فصولها، ولم تكن هناك تدخلات لمؤلفها إلا في بعض الأحيان وعلى شكل تبيان واستطراد في غالب الأحيان.

ب) المصادر الفلسفية وتوافقها النظري

إن أبرز المراجع التي اعتمدها الغزالي في درسته النفسية والأخلاقية هي مؤلفات ابن سينا الخاصة بالدراسات النفسية وابن مسكويه من خلال كتابه "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق "

1) مؤلفات ابن سينا وخصائصها النفسية

فقد شكلت كتبه، وخاصة الشفاء والنجاة، مرجعا مهما من مراجع الغزالي النفسية في ثوبها الفلسفي ودراسة النفس كجوهر وذات متميزة ومشكلة التحديد.

بحيث ستتبين اقتباساته منها أسلوبا ومنهجا فكريا بكل وضوح في كتابه المتجادل حوله "معارج القدس في مدارج معرفة النفس".

تتجلى هذه المطابقة شبه الحرفية في المواضيع التالية:

فعلى سبيل المثال حينما يتحدث عن حدوث الأرواح البشرية نجد معالجته لها تتشابه مع ما ذهب إليه ابن سينا طالت في بعض الأحيان حتى العبارات والجمل !

يقول في النجاة:"إن النفس الإنسانية متفقة في النوع والمعنى، فإن وجدت قبل البدن فإما أن تكون متكثرة وأن تكون ذاتا واحدة ومحال أن تكون متكثرة وأن تكون ذاتا واحدة على ما تبين، فمحال أن تكون قد وجدت قبل البدن، فنبدأ ببيان استحالة تكثرها بالعدد، فنقول:إن مغايرة الأنفس قبل الأبدان بعضها البعض إما أن يكون من جهة الماهية والصورة، وإما أن يكون من جهة النسبة إلى العنصر، والمادة متكثرة بالأمكنة التي تشمل كل مادة على جهة منها والأزمنة التي تختص كل نفس بواحدة منها في حدوثها في مادتها والعلل القاسمة لمادتها، وليست مغايرة بالماهية والصورة لأن صورتها واحدة، فإذا إنما تتغاير من جهة قابل الماهية أو المنسوب إليه الماهية بالاختصاص وهذا هو البدن، وأما قبل البدن فالنفس مجرد ماهية فقط، فليس يمكن أن تغاير نفس نفسا بالعدد والماهية لا تقبل اختلافا ذاتيا"[5].

فيقول الغزالي في نفس الموضوع:"الأرواح البشرية حادثة حدثت عند استعداد النقطة لقبول النفس من واهبها كما قال الله تعالى:"فإذا سويته ونفخت فيه من روحي"[6].

كما حدثت الصورة في المرآة لحدوث الصقالة، وإن كان ذو الصورة سابق الوجود على الصقالة، وتلخيص البرها: أن الأرواح لو كانت موجودة قبل الأبدان لكانت إما كثيرة وإما واحدة، وباطل وحدتها وكثرتها:فمحال وجودها، وإنما استحال وحدتها بعد التعلق بالأبدان لعلمنا ضرورة بأن ما يعلمه زيد يجوز أن يجهله عمرو، ولو كان الجوهر العاقل منهما واحد لاستحال اجتماع المتضادين فيه كما يستحيل في زيد وحده، ونحن نعني بالروح العاقل كما ذكرنا، ومحال كثرتها لأن الواحد إنما لا يستحيل أن يتثنى وأن ينقسم إذا كان ذا مقدار كالأجسام، فالجسم الواحد ينقسم، فإنه ذو مقدار فله بعض فيتبعض، أما ما لا بعض له ولا مقدار فكيف ينقسم ؟"[7].

كذلك نجد المطابقة التامة بينهما[8]في موضوع تقسيم العقل إلى نظر وعملي وجوهرية النفس وبقائها[9]...إلخ

إن شدة التشابه بين أفكار وتعبير كل من الرجلين، في المواضيع النفسية خاصة، جعل البعض يتشكك في نسبة كتاب "معارج القدس في مدارج معرفة النفس"إلى الغزالي، خاصة وأنه لم يشر فيه كما هي عادته في الإحالة إلى أي كتاب من كتبه السابقة، كما لاحظ عليه ذلك آسين بلاسيوس المستشرق الإسباني، لكنه مع ذلك لا يشكك في نسبة الكتاب إلى صاحبه، إذ يرى أن أسلوبه ومنهجه الفكري الذي يتحكم في الكتاب هو نفسه الذي اعتمده في جل كتبه الأخرى[10]، وذلك من حيث اعتماد التسلسل في عرض الأفكار والمتمثل في بناء أصل على أصل، فيما هو عليه منهجه في علم الكلام[11]، بحيث يمكن استخلاص هذا التوجه من خلال عنوان الكتاب نفسه حيث عبر بلفظة المعارج ومقابلتها بالمدارج.

كما قد يلاحظ عليه تقليده لأفكار ابن سينا النفسية وموافقته لها حتى في المسائل التي عارضه فيها من خلال كتابه"تهافت الفلاسفة "؛خاصة في موضوع جوهر النفس وبقائها[12]، سبقت الإشارة إليه، وهي ملاحظة غير قليل من الباحثين والمفكرين سواء منهم الأقرب معاصرة له كابن رشد أو من المحدثين والمعاصرين[13].

فكيفما كان حال مستوى تقليده لابن سينا في هذا المجال إلا أنه لا يفقده خصوصياته، إذ أن كتابه "معارج القدس"كان كتابا منظما على سلم خاص وغاية منشودة، ابتدأه بتحديد المصطلح وبإثبات الجوهر النفسي وعرض البراهين عليه، ثم تحديد ماهية النفس وصلتها بالجسد وقواها الخاصة بها، كما أن كل قوة من هذه القوى أعطى لها تقسيمات كلا بحسب وظيفته، في حين لم يهمل الجانب الأخلاقي وصلته بقوى النفس .

إذ بعد خوضه في دراسة النفس عموما وتبيين أحوالها العامة انتقل إلى الحديث عن الغاية القصوى للنفس وهي معرفة الله تعالى، وهذا هو منتهى معارج معرفة النفس .

2) مؤلفات ابن مسكويه والتزامها الأخلاقي

إن أهم مؤلف تمثل فيه عنصر الاقتباس عند الغزالي بكل وضوح في الجانب الأخلاقي من الناحية الفلسفية هو كتاب "تهذيب ألأخلاق وتطهير الأعراق"لابن مسكويه.

فإذا كان الغزالي يلتقي معه[14] في تحديد أجناس الفضائل في أربع وهي:"الحكمة والعفة والشجاعة العدالة"[15]إلا أن هذا التوافق لم يكن فيه ابن مسكويه إلا ناقلا عن الفلاسفة قبله، ومع هذا فالغزالي سيعمل على نقل مواضيع من كتاب التهذيب بنصوصها وعناوينها كاملة ويدرجها في كتابه إحياء علوم الدين، من أهمها: الباب الخاص بتربية الصبيان[16]، والذي يتطابق حرفيا مع ما أورده ابن مسكويه تحت عنوان "فصل في تأديب الأحداث والصبيان خاصة"[17] وهو ما لاحظه زكي مبارك وذهب إلى القول على إثره بأن مظاهر النقل عند الغزالي واضحة في هذا المجال[18]، لكنه أضاف أشياء تفصيلية ومدققة أكثر مما تضمنه نفس الموضوع عند ابن مسكويه، بحيث سيقدم منهجا تربويا عمليا خاصا بالصبيان لكي ينشئوا على أخلاق ثابتة تتحكم فيها العادة والتوجيه بحسب أطوار نموهم[19].

حتى إن نفس الأمثلة التي أوردها ابن مسكويه لتقريب المعنى الأخلاقي قد نجدها عنده، إذ في تحديد قوى النفس يقول ابن مسكويه:"وشبه القدماء الإنسان وحاله في هذه الأنفس الثلاث بإنسان راكب دابة قوية يقود كلبا أو فهدا للقنص، فإن كان الإنسان من بينهم هو الذي يروض دابته وكلبه يصرفها ويطيعانه في سيره وتصيده وسائر تصرفاته، فلا شك في رغد العيش المشترك بين الثلاثة وحسن أحواله، لأن الإنسان يكون مرفها في مطالبه يجري فرسه حيث يحب "[20].

ثم لننظر كيف صاغ الغزالي هذا المثال بقوله:"مثل العقل مثال فارس متصيد وشهوته كفرسه وغضبه ككلبه، فمتى كان الفارس حذقا وفرسه مروضا وكلبه مؤدبا معا كان جديرا بالنجاح، ومتى كان هو في نفسه أخرق وكان الفرس جموحا والكلب عقورا فلا فرسه ينبعث تحته منقادا ولا كلبه يسترسل بإشارته مطيعا، فهو خليق بأن يعطب فضلا عن أن ينال ما طلب، وإنما خرق الفارس مثل جهل الإنسان وقلة حكمته و كلال بصيرته، و جماح الفرس مثل غلبة الشهوة خصوصا شهوة البطن والفرج، وعقر الكلب مثل غلبة الغضب واستيلائه"[21].

من خلال هذه المعطيات أمكن القول بأنه كان باحثا مرجعيا في تأليفه لكتبه، غير أنه كان يحاول أن لا يخلل السياق الذي كان يصبو إلى صياغة بحوثه العلمية على صورته بحشو المراجع والإحالات فيه وإفقاده رونقه وتسلسله المنطقي والموضوعي...

فالمواضيع ذات الأفكار المترابطة والتي تحمل نوعا من السعي إلى إقامة نظرية متكاملة واعتماد القواعد تلو القواعد كان لا يذكر عندها مصادرها المقتبسة منها، أما الحكم القصيرة الجامعة لبعض تلك المواضيع فهذه كان يلجأ إلى ذكر قائلها حتى يستقيم له السياق، بالإضافة إلى هذا فإن الجانب النفسي أو الأخلاقي لم يكن موضوعا يفترض الجدل كثيرا؛وخاصة في عناصره الأساسية وأصولها، إذ كل العلماء كانوا يقرون بالفضائل ويرفضون الرذائل جملة وتفصيلا.فهلا راجعنا طريقة بحثنا واقتباسنا ودمجنا ومزجنا لكي نكون في مستوى الباحثين الجامعيين، أم أننا أصبحنا نميل إلى العجن والجبن، والرقن بغير أين ولا بين، ولا أسهل لدينا سوى قطع وإلصاق وحذف وإخفاق؟...

 

الدكتور محمد بنبعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

...........................

[1] الغزالي: جواهر القرآن، منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت ص24

[2] زكي مبارك: الأخلاق عند الغزالي، مطابع دار الكتاب العربي بمصر ص64

[3] الغزالي إحياء علوم الدين، مطبعة محمد علي صبيح وأولاده ج3  ص72

[4] أبو حامد الغزالي: فضائح الباطنية، تحقيق عبد الرحمن بدوي مؤسسة دار الكتاب الثقافية الكويت ص9

[5] ابن سينا: النجاة، منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت الطبعة الأولى 1405-1985 ص222

[6] سورة الحجر آية 29

[7] الغزالي: معارج القدس في مدارج معرفة النفس، منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت ص105

[8] ابن سينا: النجاة  ص206-217-223

[9]الغزالي: معارج القدس ص27-50-117

[10] دكتور محمد قاسم: في النفس والعقل لفلاسفة الإغريق والإسلام، مكتبة الأنجلو المصرية  الطبعة الثالثة  ص100

[11] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، تحقيق محمد مصطفى أبو العلا، مكتبة الجندي ص26

[12] الغزالي: تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنا، دار المعارف بمصر الطبعة الخامسة ص 275

[13] دكتور محمد قاسم: في النفس والعقل لفلاسفة الإغريق والإسلام، مكتبة الأنجلو المصرية ص180

[14] الغزالي: معارج القدس في مدارج معرفة النفس  ص85

[15] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، مطبعة محمد علي صبيح وأولاده ص17

[16] الغزالي إحياء علوم الدين  ج3  ص62

[17] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق    ص58

[18] زكي مبارك: الأخلاق عند الغزالي، مطابع دار الكتب العربي بمصر ص58

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين  ج3 ص 63

[20] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق    ص54

[21] الغزالي: إحياء علوم الدين ج3ص6

 

مجدي ابراهيمانتهينا في المقال السابق إلى أن القاعدة القرآنية المنزَّهة تقول "اَدْعُو إلىَ سَبِيِلِ رَبِّك بالحِكِمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ"، تحدّد الدعوة إلى الله بالحكمة كونها كلمة حق تخرج من لسان صدق، ولا يفترض فيها غير الحق وغير الصدق على طول الطريق، وليس يمكن للحكمة ولا إحسان الموعظة أن يهدفا إلى شيء بغير أن يكونا هادفهما إلى الإصلاح والتقويم والتهذيب في نفس صاحبها أولاً ثم من نفسه بعد فنون الدُرْبَة على الإصلاح والتقويم والتهذيب تنعكس على المجموع إشعاعاته الروحية والدعويّة ولها من الغايات أجَلَّها وأقصدها حين تخلص لله في سبيل الدعوة إليه.

ولا تنتظر من خلقه شيئاً قط قلَّ أو كثُر؛ وذكرنا أن مثل هذا الانتظار نقائض تنفي خلوص التوجه، وتكشف لوثة النية والضمير، وتقدح في التجرُّد لوعي الرسالة المنوطة بما هى عليه في نفسها.

ولم يكن ذكرنا لهذا كله قائماً إلا على تحديد معنى النقائض باعتبارها اضداداً هدامة تعوّل على السّلب والهدم ولا تعول على البناء والإيجاب، ولذا سميت بالنقيضة لأنها تهدم ولا تبنى، ومنها يجئ “النقض” بمعنى الإزالة أو الهدم. ومن أعجب المفارقات أن تلاحظ أن العقل الذي يُفترض فيه أنه يبني، يتضمّن في داخله جراثيم سقوطه وعوامل هدمه وانحلاله . وتلك هى دلالة النقيضة تؤكدها واقعات التطبيق.

ثم قلنا أن تطبيق القاعدة القرآنية المنزَّهة "اَدْعُو إلىَ سَبِيِلِ رَبِّك بالحِكِمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ"، هو بالضبط ما كان يفعله أئمة التصوف فيما يتضح من توجيهاتهم وتعاليمهم خلال ما دَوَّنه عنهم تلاميذهم الأقربون : التربية من أجل الإصلاح, ولكن بالكَلِم الطيب والموعظة الحسنة.

وليس هناك من عجب، فبالكلمات تحيا الأرواح، بالكلمات يَتَغَذَّىَ الروح العاقل في الإنسان، لكنها ليست كلمات كأي كلمات، ولا ككل كلمات؛ إنما هى كلمات حق تخرج من لسان صدق، ولها من الغايات أجلها وأقصدها في غير ما يحول بينها هوى مُقْلِق أو خوف مزعج.

ليس غريباً عندنا ولا هو بالشيء العجيب أن يُؤسِّس الصوفي فكره على "الإخلاص" في الدعوة إلى الله، هذا "الإخلاص" في سبيل الله هو الذي أدىَ بهم إلى التنكيل والتعذيب كما عَرَفْنَا شيئاً منه فيما تَقَدَّمْ.

والإخلاصُ طُهْر يَتَعْدَّىَ ذات الطاهر، ويتجاوز نفسه؛ لينسحب على المجتمع، وعلى من يحيطون به من أتباع وتلاميذ أو هكذا ينبغي أن يتحقق المتصوف من دعوته فتقوم فيه ناهضة قوية بواعث الإصلاح التي لا يُوقفها على نفسه وكفى بل يريد أن يعطيها الجماعة المحيطة به من طريق الدعوة لتتهذب كما تهذب هو؛ ولتستقيم كما استقام هو، ولتَعْرف الله كما عَرَفَهُ هو.

إنمّا الصوفي الحق في هذه الحالة يلمس قلب الأشياء، ويصل إليها مباشرة من خلال اتحاده مع غَايَاته ومقاصدها واتساقه مع نفسه وربه، وخلوصه إلى كلمة التوحيد يَتَحِد بها اتحاداً يعرف فيها من طريق المجاهدة على الحقيقة مُهِمَّة الإخلاص للحقيقة التي ينشدها.

ليست الدعوة الإصلاحية هنا، ولن تكون؛ مجرد كلمات تخرج من أفواه غير قانعة بما تمضي فيه رسالةً تغييريَّةً من أجل الله وكفى، ولا هى بمقتنعة بما تؤديه، ولكنها ولكي تكون إصلاحاً حقيقياً تنطلق من تطابق الذات المُصْلِحَة مع فكرتها : تطابقها بين القول والعمل أو بين الخطاب الأيديولوجي والممارسة الفعلية أو بين اللفظ الصادر كلمة أمينة واعية وبين الحالة الواقعية المعاشة فعلاً في الواقع العملي.

الصوفي لا يجد في هذا التطابق صعوبة ولا غرابة؛ لأنه هو الذي يَخْلِقَهُ، وهو الذي من ذاته يعطيه، وهو الذي يحكم دعوته الإصلاحية من البدء إلى المنتهى على أساسه؛ إنْ في الصورة وإنْ في الحقيقة، إنْ في المظهر البرَّانيِّ وإنْ في الجوهر الجوَّانيِّ. وهذا الاتساق بين الظاهر والباطن هو الذي يشكل شخصية المُحَقِّق الإصلاحية، تلك الشخصية القائمة بدءاً على طُهْر الإخلاص وعلى أمانة الصدق؛ فالصوفي لا يكذب عليك، ولا ينافقك، ولا يداريك، ولا يخونك، ولا يقول لك - كيفما أتفق -  أي كلام في أي لحظة وفي كل لحظة؛ والسلام.

الصوفي لا يفعل ذلك، ولا يخطر له ذلك على بال؛ لأنه مُتَّسقٌ مع ذاته، صَادقٌ في قوله غير مفصوم ولا منقسم، تُعَبِّر لغته عن شخصيته الإصلاحية تتشكل من معدن الإخلاص ومداد الصدق؛ إذْ يبدأ طريقه بالدخول إلى واقع مسكون بالنظافة الباطنة، مسكون باللغة الشاعرة الصادقة المتصلة بالضمير، والمنطلقة من القلب البصير، والعارفة لمعنى ما تقول، والمسئولة أمام الله في نفس الوقت عَمَّا تقول.

لا يتيه الصوفي في تأملاته بعيداً عن واقع يجري فيه الأحياء ممَّن يعيشون ويجرِّبون، ولكنه مسكونٌ بواقعه الذي يعيشه، مسكونٌ بحضوره دوماً في رحاب الله. فليس له من ذنب إذا عاش الأحياء من حوله واقعات أٌخَر غير ما يعيشه هو، وغير ما يستحضره هو، عاشوا واقعات مُزَيفة فرضوها على أنفسهم حتى صارت بالنسبة لهم هى الحياة الحقة ولا حياة سواها. فالواقع الأسود الذي يعيشه إنسان اليوم إنْ هو إلا نتيجة لممارسات دائمة من الزيف والكذب والاختلاق والبطلان، فصارت ممارساته مع دوام التكرار هى الحقيقة التي يتشكل منها واقع الحياة اليوم، بمقدار ما تشكل؛ وسيتشكل مستقبلاً، في كل يوم تعْوَج فيه الضمائر وتنحرف القلوب عن توجهاتها العلوية.

ومَرَدُّ هذا إلى غياب الصدق في الأقوال، أي تردي اللغة وشيوع الكذب فيها واستخدامها الاستخدام الأعوج الكاشف عن عوج الضمائر وخراب القلوب، كما يرتد في الوقت نفسه إلى غيبة الإخلاص في الأعمال، أعني غيبة "الوحدة القصدية" إزاء العمل، وفيما وراء العمل.

وهذه النقطة وحدها كفيلةٌ ببطلان العمل من أساسه فيما لو غابت عنه تلك  الوحدة القَصْدِية؛ ليجيء سقوطه بالجملة من عين الله. والصوفي رجل الله؛ ليس يرى وجهة يتَّجِه إليها سوى وجهة الله مولاه، ففيما الغرابة إذن، وفيما العجب إذا نحن وجدنا "رجل الله"؛ يؤسس فكره على الإخلاص لوجهته التي يتجه إليها؟ فلئن كان الشيطانُ مخلصاً لعوجه وانحرافه, أفغريب على من عرف الله أن يكون مخلصاً لمعرفته، مخلصاً لدعوته، مُبَرَّزَاً فيها بفضل الله، مخلصاً في قوله وعمله من أجل الله، لا لشيء آخر سواه ..؟!

مُهِمَّةُ الصوفي الحقيقية أن يكتشف ما لله في الإنسان، ثم يـَمْضي بهذا الاكتشاف إلى غاية ما يصل إليه طموحه ليُعَمِّمَهُ على أوسع نطاق ممكن من خلال إصلاحياته التأسيسية : الروحية والفكرية والخُلقية، ومتى أنصلح الإنسان الفرد أنصلح معه المجموع، واهتدى على هديه بقدر المستطاع.

هذا الإنسان العظيم الذي خَلَقَه الله على صورته؛ أعظم ما فيه أنه بنيانٌ الله مخلوق على الصورة، لكن من أسف أنه يَهْدمُ نفسه بنفسه، ويقدِّم من نفسه كل يوم الدليل وراء الدليل على هَدْمِهِ :" والإنسان بُنْيَانُ الله مَلْعُونٌ مَنْ هدمه "؛ كما جاء في الخبر المشهور. هَدْمُ الإنسان نفسه بنفسه واضح في أنه يعطي الفرصة سانحة للأغيار أن تهدم فيه ما بناه الله: تهدم روحه، وتفْقر حيويته، وتصيبه بالفقر والشلل والمرض والجهالة والتخلف، رغم أنه أفضل الكائنات وأكرمها قطعاً على الله.

هذا الإنسان الذي حَمَلَ السِّرَّ الإلهي فيه وأستودعه الله أمانته في حين لم ترد السموات والأرض ولا الجبال أن تحملها، وَحَمَلَهَا الإنسان لا لأنه كان ظلوماً وكان جهولاً؛ ولكن لأنه هو المنوط بحملها لا قهراً بل عن حب واختيار وتكليف، هو ظلوم وجهول بتبْعَته، بحبه، وباختياره وبتكليفه، إنما الجهالة والظلم الموصوفتان في القرآن عندما عَرَضَتْ الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبَيْنَ أن يحملنها، وأشفقن منها وحملها الإنسان، هما الخلافة في تعمير هذا الكون، وهما تحقيق الخلق في هذا الواقع العملي، إنما الأمر تكليفُ في تكريم، وليس هذا بالجهل الذي تكون فيه الغفلة، ولا هو بالظلم الذي يرتد أسَفَاً على الإنسان.

هذا الإنسان الذي حَمَل السِّرَّ الإلهي موصولاً فيه وأستودعه أمانته لهو في الحق أهلُ للتبْعَة، وأهل لحمل أمانة التكليف، ولكن بمقدار ما يعرف نفسه ويتبيَّن أغوارها الدفينة ويسوسها بسياسة الوعي الكوني الذي يرفع عنها الحُجُب والعلائق وحواجز النظر المحدود، وبمقدار ما ينفتح باطنه ليرى ببصيرته نور الله مبثوثاً في كل شيء، وبمقدار ما يتهيآ لكشف سر الحياة بداخله، ويستشرف أفاق الكون كله ظاهره وخافيه، لا بل يَتَحَقَّقها، هنالك يكون "الإنسان الكامل" الذي عرفت به أدبيات أذواق الصوفية منسوجة في أعمق نظراتهم الوجودية والمعرفيّة.

متى يَعْرف الإنسان نفسه؟

في الوقت الذي يَتَجَرَّد فيه عن نفسه خالصةً لله طواياه. في الحالة التي يحارب فيها الأغيار فلا يعطيها الفرصة سانحة لهَدْمِهِ في كل حين، في اللحظة التي يتغير فيها من سلب الذات إلى إيجابيتها، من الهَدْمِ إلى البناء، وينفعل داخلياً بالكلمة كيما تتحول فيه إلى أفعال. ومن هنا كانت مهمّة التصوف العملي، تربوياً يَتَرقَّىَ في إطار حركة روحية خَالصة انفردت بها المدراس الصوفية ودَعَّمَتْهَا بقوانين الشرع وأصقلتها بخبرة الوعي التَّبَصري بعد صدق الدعوة إلى الله.

مُهِمَّةُ التصوف العملي في هذا الإطار : إصَلاح ما أفسده الإنسان من نفسه؛ إصلاحه من طريق الدعوة، والعودة إلى أمانة التكليف التي أختارها طواعية لا عن قهر ولا عن غفلة ولا عن ظلم لنفسه بل عن حُبّ وتكريم. ولولا أن للدعوة طريقاً شاقاً وعسيراً لما أختاره الأقوياء العاملون، أولو العزم، الذين فرضوا على أنفسهم أن تكون لله، ومن أجل الله، وفي سبيل الله. وليس يعنيها النتائج تأتي من بشر مخلوقين ليس لهم إرادة على الحقيقة، وليس لهم فعل ولا عزم ولا تصميم.

طريق الدعوة إصلاحاً هو الذي أختاره أهل "الكلمة" مِمَّن عرفوا لها قدرة وفاعلية وحركة وحياة، لكنهم عرفوها حين عرفوها منزوعة من ضمائرهم، مُستلة من عروقهم، مخالطة للحومهم ودمائهم : فكرة مبدعة خلاقة ذات وعى عالي يتأسس بالجملة على الإخلاص.

حقاً! إنها الإخلاص حقيقةً تستقم عليه مهمة المُرَبي المُصلح الداعي إلى الله لا على غفلة وجهالة بل على بصيرة. وقد شاءت إرادة الله لهم أن يكون طريقهم في الحياة هو الإصلاح : دعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة لا بالإرهاب والتنفير من الدين. فمن الناس من تنقلب الدعوة على لسانه إلى تكريه الناس في دين الله، وتضييق ما وسَّعه الله على عباده، وتنفيرهم من محبته ولطفه وإحسانه، ومأمُوليته، وولايته لخلقه، ورحمته لهم، تلك الرحمة التي وسعت كل شيء بغير استثناء.

ولن تجد على الإطلاق لهذه الحالة، ولا لمن يتلبَّسها بين أقطاب الصوفية المُصْلِحين وجوداً، لا لشيء إلا لأنهم كانوا أخذوا نفوسهم بالشدة وقلوبهم بالرياضة وأرواحهم بالتزكية والتطهير؛ فهم بحق أهلُ إصلاح وأهل دعوة خالصة ومخلَّصة؛ لأنهم هم الذين فهموا عن الله، وأخذوا علومهم من الله، لا بالتعالي على خلقه، ولا بالتجافي عن الطالبين.

ثم أقرأ قوله تعالى:" وَمَنْ أحْسَنُ قولاً مِمَّنْ دَعَىَ إلىَ الله وَعَمَلَ صَاَلحَاً وَقَالَ إنَّني منَ المُسْلمينَ "؛ ليَتبَيَّن لك أن الدعوة إلى الله والعمل الصالح، لهُمَا بالفعل من حُسْن القول الذي ليس عليه حُسْن يعلوه ولا يتجاوزه، ولكن في الوقت الذي تكون فيه الدعوة خالصة في قلب الداعية، وصادقة في التوجه إلى الله، صادقة وخالصة له سبحانه في وحدة قصدية نافعة وعاملة.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم