ميثم الجنابيإن تاريخ الباطنية الإسلامية بصيغتها الإسماعيلية التعليمية هي بمعنى ما تاريخ "الفضائح" العقلية والأخلاقية. فقد شارك الجميع مؤيدون ومعارضون في إبداع تلك الصورة، التي أذهلت الجميع دون أن تقنع أياً منهم حتى النهاية على أنها الصورة الشافية والوافية، أو عما يمكنه أن يكون لصورتها الواقعية المتكاملة أو المثالية . فبالقدر الذي ارتبط اسم الباطنية الإسلامية بصورة "الغلوّ" الإسلامي، فإن هذا التطرف العارم لم يكن في تاريخيته سوى الرد الأخلاقي المرهف لانتكاسات السياسة في تمثلها لمبادئ الإسلام الكبرى ومساعيه العدلية. وقد جعلها ذلك منذ البداية شفافة القلب في تقبل كل ما لا يمت للواقع بصلة، مازالت يمتلك في ذاتها بعض مقومات "السرّ الباطني" للمثال. وإذا كان مزاج الورع الإسلامي لم يعِ ذاته بالضرورة بمعايير الروح المتسامي، فلأنه كان ملزماً منذ البداية أن يقترب من واقعية الإسلام بفعل قوة عناصره القانونية والعملية. حقيقة إن هذا الاقتراب كان من الناحية الواقعية أيضاً نزوعاً ذاتياً. بمعنى أنه في الوقت الذي استبطن في ذاته مظاهر الصراع فإنه استظهر في ورعه عوالم الاختلاج الباطني. وإذا كان الوعي التاريخي عادة ما يربط ذلك بشخصيات كالحسن البصري وأتباعه وأمثاله، فلأنه أحد نماذجه الجلية. بينما استطاع الوعي التاريخي الإسلامي اللاحق في روحه الباطني وثقافته التأويلية أن يبحث عن شخصياته ورموزه في كل "فضائل" و"رذائل" المسلمين الأوائل.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاستبطان التاريخي للوعي الاجتماعي بشكل عام والسياسي بشكل خاص لابد وأن يدرج في تقاليد التأويل كل ما يمكنه أن يكون مادة للتأمل النظري، أي انه يستبطن الظاهر في المظاهر بسبب انتمائه إلى عالم السياسة المتغيرة. لهذا السبب لا يهتم هذا النمط من التأويل بقيم الأخلاق وإشكالاتها، بما في ذلك في حال إدراجها ضمن تأملاته النظرية. وذلك لأنه يدخلها بوصفها أجزاء متناثرة في فسيفساء خطابه السياسي وخططه العملية. ولا يفعل هذا النط الأيديولوجي في الواقع إلا على جرش كل ما يدخل طاحونته على أمل تحويله إلى مادة عجينه النظري. وبهذا المعنى كان لابد وأن تؤدي "فضائل" و"رذائل" المسلمين الأوائل دور الرموز الضرورية للآراء السياسية والشعارات العملية. ويمكن رؤية ذلك على مثال التأويلات العديدة والمتنوعة لفرق الغلو الإسلامية الأولى وبالاخص الشيعية منها في مواقفها من "فضائل" الأئمة وأصحابهم وأتباعهم و"رذائل" الخلفاء ومن ورائهم من الأتباع، أي مجموعة الفضائل والرذائل السياسية بمعناها الأيديولوجي. ومع ذلك ساهمت هذه الظاهرة السلبية في بلورة تقاليد الباطن والباطنية. ومن ثم مدت الروح الباطني للإسلام بمادة وأساليب وخيال التأويل المفرط. مما ساعد بالتالي على إعادة ترتيب علاقة العقل بالنقل، والتأويل بالتفسير، والأخلاق بالسياسة وغيرها. مما استثار في حصيلته النهائية مهمة البحث الدءوب عن النسب الممكنة في تجليات الروح الباطني، وأبدعت بأثر ذلك كل تلك الأصناف المثيرة للباطنية الإسلامية بما في ذلك "التعليمية" منها.        

 وحالما أخذت هذه الآلية فعلها في تكوين عناصر الذهنية المقارنة والتحليلية، فإنها تكون قد فسحت المجال أيضاً أمام الخيال المبدع في تجلياته العديدة. وبهذا المعنى كانت الباطنية الإسماعيلية (التعليمية) نموذجاً كبيراً لعمل هذه الآلية. إلا أنه النموذج الذي استقل بذاته في ذاته مبدعاً كيانه الخاص، أي أنه استقوى باتجاه بناء استبطانه الداخلي الذي أرهقته وأغنته في الوقت نفسه مساعيه السياسية وإفراطه المذهبي، أي كل ما استثار ولع التشفي والانتقام. ولم تكن هذه العملية وليدة الحسرة الداخلية لمآسي الهزائم السياسية للتشيع، بل ولردود فعلها الظاهرية أيضا. بمعنى أنه لم يكن مجرد تعمّق الباطنية في الالتفاف والدوران الذاتي عن قيم الوجود الكبرى، بل وتعمّق الظاهرية في هجومها ضد "الزندقة" الباطنية.

فقد كانت هذه القضية من حيث محتواها التاريخي جزء من ثقافة الإسلام الروحية والسياسية، أي انها حصيلة الظواهر المعبرة عن روحه الباطني. والمهمة الآن لا تقوم في تتبع هذا التناقض الحي، الذي كان نتاجا ونفيا في الوقت نفسه لواقع الصراع الاجتماعي والسياسي والمذهبي، بل في رسم الصورة العامة لما يمكن دعوته "بالعقل الظاهري" (السنّي) في موقفه من الباطنية التعليمية السابق للغزالي. حقيقة إن ذلك لا يعني خلو الظاهرية من الباطنية، والباطنية من الظاهرية. وسوف اتناول بعض جوانب هذه القضية في مجرى دراسة آراء الغزالي في التفسير والتأويل، والظاهر والباطن، والخواص والعوام وغيرها من القضايا المشابهة. وسوية مع ذلك تجدر الإشارة إلى أن ما تناوله الغزالي وغيره من مفكري تلك المرحلة هو تعبير عن الاستيعاب الفردي في حدوده الثقافية. حيث تبقى كثرة من الحقائق العائمة وراء ثقافة المرحلة في كل من ترابط عقائدها المذهبية وصيغها المنطقية وحدسها المعرفي، أي وراء كل الجدل الفكري بوصفها حقائق ذات قيمة بسبب تعبيرها عن استمرار الخلافات وإمكانية ظهورها المتجدد بما في ذلك في الظروف المعاصرة.   

لقد استثارت الباطنية واستفزت الظاهرية وربطتها في جدل اللاهوت السياسي والسياسة اللاهوتية، مما أدى في حالات كثيرة إلى إبداع مختلف الأساطير والخرافات. حقيقة إن ذلك لم يكن بمعزل عما هو مميز للباطنية بشكل عام والإسماعيلية (التعليمية) بشكل خاص في عالم الخلافة آنذاك. فقد تكلّست التقاليد الباطنية للباطنية (التعليمية) في جدلها اللاهوتي، وتعمّقت في خيالها الفلسفي، واستوطنت في خاصة خواصها. لهذا كانت حصيلتها الظاهرية مجموعة من الإرهاصات الحادة في السياسة. مما حدد طبيعة العلاقة المناهضة للباطنية في الاتجاهات الظاهرية (السنّية) وعلومها وبالاخص في التاريخ والكلام وعلم الملل والنحل، أي تركّزها في قضايا "اللاهوت السياسي" وتفريعاته الكلامية. لاسيما وأنها تمرّست في معارك "الفضائح" الفكرية التي سيرمي الغزالي بدلوه فيها أيضاً. ولكن إذا كانت إسهاماته الجدلية تنصبّ عموماً في نفس الاتجاه الذي أبدعته تقاليد العلوم "السنيّة" في صراعها مع الباطنية، فإن نتائجها في تطوره الروحي مثّلت بمعنى ما مفارقته النظرية (العقلية الأخلاقية) الكبرى.

إننا نقف هنا أمام حالة نموذجية من انكسار "الجمود العقائدي" في أحلامه الكبرى. إذ لا تخلو أية حركة سياسية عقائدية مهما قل شأنها أو كبر من واقع انكسار جمودها في أحلامها. إلا أن ما يميز الباطنية الإسماعيلية (التعليمية) هو أنموذجها المنظومي. بمعنى بناء منظومة باطنية قادرة على أن تشمل كل مكونات الوجود والمجتمع والمعرفة والعقائد. إنها أبدعت منظومة فريدة في مكوناتها من خلال لحم التكلّس اللاهوتي بالخيال الفلسفي. وحاولت جمع مكونات يصعب جمعها، من هنا إبداعها لكل ما هو غريب، أو أنها على الأقل أدرجت كل غرابة الفكر والتفكير في منظومتها بالطريقة التي أصبح من الممكن قبول كل الأساطير على أنها واقع، وكل الحقائق على أنها نماذج حية لمساعيها وغاياتها النهائية. مما انتج بدوره نوع من الاعتزاز المفرط بالقناعة العقائدية الصلبة كالعصمة، واندفاع مبتهج للخيال ومقدرته على إدراج كل ما هو كائن وممكن في هرمها العقائدي والسياسي. وإذا كان لهذا التناقض حيويته الخاصة في الفكر الإسماعيلي، فإن إفرازه الواقعي كان لابد وأن يصدم "العقل الظاهري" باستنتاجاته العملية. إذ تصارع كل منهما مع الآخر متمسكين في الوقت نفسه بنفس الحبل كل من طرفه المقابل دون أن يعي كل منهما إن نقطة الضعف الأساسية ليست في تباين أو شرعية القوى وصلاحيتها، بل في نفسية المنافسة العدائية. وهو استنتاج يستمد مقوماته من النتائج الفعلية التي آل اليها تطورهما كلاهما في الفكر النظري والسياسة العملية.غير أن المأثرة المعرفية والأخلاقية الكبرى لهذا الإدراك يمكن العثور عليها في المسار الشخصي لإبداع الغزالي ومصيره المعرفي الروحي الأخلاقي الفردي.

غير أن المهمة المطروحة الآن لا تتعدى حدود الكشف عن الصيغة التي تبلورت بها عناصر الصراع اللداخلي في ذهنية الغزالي بوصفها النتيجة المترتبة على ما اسميته بسخاء العقل وجفاء الأخلاق، أي الخيبة التي تولدها حيرة المفكر حالما يقف أمام نتائج وحقائق إبداعه النظري وخوائه الروحي، أي تلك النتيجة المميزة لمحترفي الأيديولوجية العقلانيين في حال اندفاعهم العارم صوب هاوية الاحتراف ذاته. فهي الممارسة التي تعمي البصيرة الاخلاقية من رؤية خطوات العقل الجريئة ذاتها. فالفوز الذي يصنع وهم التفوق في جرحه للخصوم من خلال كشف "فضائحهم" يؤدي بالضرورة الى انهماكه غير الواعي في مشاركة الخصوم "قبائحهم". اذ يساهم في شحن الطاقة الجدلية لكنه يثلم في الوقت نفسه قوة اليقين العقلي ويصدئ معادن الروح الأخلاقي. غير ان هذه الرؤية الخاصة من وعي الذات الفردي لا تظهر عند المنتصرين بتلك البساطة التي يمن ملاحظتها في سيماء الخاسرين. الا ان اكتشافها عند الاولئل هو من وحي تداخل البحث عن قوة المعرفة ويقين الاخلاق، أي ما هو اكثرها تعقيدا في صيرورة الفردي والاجتماعي. وقد سار صراع الغزالي وتطوره الروحي ضمن هذا الاطار العام. 

  فقد سبق الغزالي تاريخ طويل من جدل المدارس الكلامية والعلوم الأخرى في مقارعة الباطنية ونقض أنماطها المختلفة. حقيقة إن هذه التسمية عادة ما تتطابق في الوعي الإسلامي وعلومه القائمة آنذاك مع الحركات الشيعية "المتطرفة" والإسماعيلية منها خصوصاً. أما تسمية الباطنية فإنها تعبّر في الأغلب عن تقييم وموقف سلبي لمنهج الباطنية وغاياتها

 

[1]، أي كل ما سيدخل بهذا القدر أو ذاك في أسلوب الغزالي وتقييمه الساعي لكشف "فضائحها". غير أن المهمة الأساسية الآن لا تقوم في تتبع الحيثيات الهائلة لهذه الظاهرة الفريدة والكبيرة في عالم الإسلام آنذاك، بل في تتبع تلك الصورة التي أنتجتها تقاليد العلوم النظرية والتاريخية للمرحلة في مواقفها من الحركة الباطنية في نموذجها الإسماعيلي التعليمي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن انتقاد الغزالي للباطنية لا يشكل ظاهرة استثنائية سواء في منظورها التاريخي أو الفكري رغم بقاء أثرها قوياً في العصور التالية، بحيث شكل مصدراً مهماً لاستعادة وتكرار الانتقاد اللاهوتي والمذهبي ضد مدارس الباطنية (الإسماعيلية).مما أدى بدوره إلى استثارة ردود الباطنية ضد هذه "الإتهامات الباطلة" وأمثالها.

لقد قدمت كتب التاريخ، وعلم الكلام، وعلم الملل والنحل وغيرها من الفنون النظرية والأدبية شواهد لا تحصى عن هذه الصراعات والاتهامات "الباطلة" المتبادلة. ولم يفعل ذلك في الأغلب إلا على تطويع ترسانة الباطن الإسماعيلية لصنع حدود القناعة الجازمة ضد أتباعها ومؤيديها. وإذا كانت هذه الظاهرة متناقضة من حيث مكوناتها وتأثيرها، فلأن ذلك مرتبط بخصوصية الباطنية الإسماعيلية  ومنظومتها اللاهوتية والسياسية. فممارسة التقية والطابع السري للحركة الإسماعيلية على سبيل المثال، شكّلا بحد ذاته مصدراً لقوتها وضعفها في الوقت نفسه. إذ ساعد على تعميق الوعي الذاتي وتطوير فلسفتها استناداً إلى عناصرها الداخلية وتراث الفكر ككل من خلال تجنب الدخول في مهاترات ومناوشات الجدل الضيق، ولكنه أدى في الوقت نفسه إلى نوع من الانغلاق الذاتي والتقوقع والإذابة الدائمة للمكونات الذاتية في الذات. وسوف أكتفي هنا بتحليل المادة التاريخية الفكرية، التي تشكل بحد ذاتها ضمانة أولية ضرورية وكافية لرسم خطوط التقاليد العامة التي سبقت (فضائح) الغزالي في كل من معسكري الباطنية والمعارضة.

فالمؤلفات التاريخية السابقة للغزالي، كما هو الحال عند الطبري(ت- 311 للهجرة)  والمسعودي (ت- 344 للهجرة) والقرطبي (ت- 370 للهجرة) سلطت الكثير من الأضواء على أسباب ظهور الحركات الباطنية وترابطها من خلال التركيز على مقدماتها وقضاياها السياسية. إضافة لذلك حاولت الإشارة، وإن بصورة عابرة، إلى الصلة بين الإسماعيلية والقرامطة. أما كتابات المتأخرين منهم، فقد أخذت تتصف بنوع من العداء والمناهضة الصريحتين للباطنية الإسماعيلية وحركاتها السياسية، مما أدى في حالات عديدة إلى تشويهها المتعمد ونسب آراء ومواقف غريبة إليها، كما هو واضح في كتابات مسكويه (ت- 421 للهجرة) والصابي (ت- 447 للهجرة) ونظام الملك (ت- 485 للهجرة) وابن شداد (ت- 632 للهجرة) وأبو الفدا (ت 732 للهجرة) وغيرهم.

في حين أعار علم الملل والنحل جلّ اهتمامه وبفعل موضوعه ومناهجه الخاصة لدراسة الإسماعيلية وفرقها من زاوية تقاليده في النظر إلى ظهور وتفرق الفرق الإسلامية، كما هو الحال عند الأشعري (ت- 234 للهجرة) والملطي (ت- 377 للهجرة) والبغدادي (ت- 429 للهجرة) وابن حزم (ت- 456 للهجرة) والشهرستاني (ت- 548 للهجرة) وغيرهم[2]. فقد نظر الأشعري على سبيل المثال إلى الإسماعيلية نظرته إلى إحدى الفرق الإسلامية، عارضاً بعض مقالاتها بصدد القضايا المميزة لكتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين).  في حين هاجم البغدادي مدارس الباطنية بشكل عام والإسماعيلية بشكل خاص، حيث اعتبرها من بين فرق الرافضة[3]. فهو ينظر إليها على أنها من فرق الإمامية الرافضة[4]، ويصنفها في الوقت نفسه ضمن الباطنية الغلاة.  من هنا حكمه على الباطنية، باعتبارها من أشد الفرق ضرراً على الإسلام بما في ذلك من اليهود والنصارى والمجوس والدهرية وسائر "أصناف الكفرة". ففضائح الباطنية، كما يقول البغدادي، "أكثر من عدد الرمل والقطر"[5]. لكنه يقدم في الوقت نفسه كثرة من المعطيات عن الفرق الباطنية حيث يدرج فيها كل من الديصانية والقرمطية والمأمونية والخرمية والإسماعيلية. ويشير أيضاً إلى فلاسفتها ومؤلفيها الكبار أمثال الشعراني والترمذي والسجزي والنسفي وأبي حاتم الرازي[6]. ويستند في استعراضه لآرائهم إلى أصحاب المقالات والتواريخ المسلمين. وهو يقصد فيما يبدو كتابات كل من الأشعري والملطي وأبي القاسم البسطي (ت-420 للهجرة) والقاضي عبد الجبار (ت-415 للهجرة) وكذلك الباقلاني وغيرهم، أي دون الاطلاع على مؤلفاتهم الأصلية. ويربط البغدادي ظهور الباطنية بمؤسسي الحركة القرمطية الأوائل كميمون بن ديصان ومحمد بن الحسين (دندان) وحمدان قرمط وأبو سعيد الجنابي، أي كل تلك الشخصيات التي ربطت نفسها، كما يقول البغدادي، بصورة كاذبة بالبيت العلوي من أجل بلوغ مآربها السياسية. بمعنى استناده إلى الفكرة السائدة في كتابات تلك المرحلة ومحاولاتها العديدة في إسدال ستار التعتيم والتشوية المتعمد، دون الالتفات إلى بحث الأسباب الحقيقية الكامنة وراء ظهور هذه الظاهرة الفريدة والعميقة في تاريخ الثقافة الإسلامية. غير أن ذلك لا ينفي وجود آلية البحث عن علل الأشياء بما في ذلك في علم الكلام، باعتباره منبع الأحكام الكبرى حول الفرق الإسلامية في علم الملل والنحل. وليس من المستغرب في هذه الحالة أن يبحث البغدادي عن أحد أسباب انتشار الفكر الباطني السريع في كل من "جهل العوام" و"مكر الباطنية". بل إنه حاول تطبيق ذلك أيضاً على إبداع مفكري الباطنية الكبار أنفسهم.غير أن السبب الرئيسي في سلسلة أسباب ظهور الباطنية بنظر البغدادي قوم في محاولة الثأر من جانب أحفاد المجوس ضد سيطرة الإسلام! أي من جانب أولئك الذين يميلون إلى دين أسلافهم. وبما أنهم لم يستطيعوا الإعلان عن ذلك جهراً، فإنهم اضطروا إلى أسلوب الباطنية في التأويل، وبالصيغة التي تسمح بإمكانية الدفاع عن الديانة المجوسية وفلسفتها الثنوية. فالثنوية تزعم بأن النور والظلمة صانعان قديمان. وأن النور هو فاعل الخيرات والمنافع، وأن الظلام هو فاعل الشرور، وأن الأجسام ممتزجة من النور والظلمة، وكل واحد منهما يشتمل على الإسطقسات (الطبائع) الأربع (الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة). وأن الأصلان الأولان (النور والظلمة) والطبائع الأربع هم الذين يديرون كل ما في العالم. ويشارك المجوس آراء الثنوية من وجود صانعين، غير أنهم نظروا للصانع الأول على أنه قديم فاعل للخيرات، بينما الآخر على أنه شيطان فاعل الشرور، أي ذات الأفكار التي يمكن رؤيتها عند الباطنية ولكن بصيغتها الإسلامية. فالباطنية تؤكد، كما يقول البغدادي، على أن الله خلق النفس، فهو الأول والنفس هو الثاني، وكلاهما يدبران ما في هذا العالم من الكواكب السبع والطبائع الأربع. ومن هنا إشارة البغدادي إلى أن الأول والثاني المدبران للعالم في الباطنية ما هما إلا قول المجوسية. غير أن الأخيرة تعبّر عنه بكلمات يزدان وأهرمن. وإذ لم يكن بإمكانهم، حسب عبارة البغدادي، إظهار عبادة النيران، فإنهم حاولوا إقناع الخليفة هارون الرشيد (ت- 139 للهجرة) بتجمير المساجد، أي تلك الحيلة التي اكتشفها الرشيد والتي أدت إلى نكبة البرامكة الشهيرة[7].

ويقدم البغدادي صورة فظيعة الملامح عما أسماه بعدمية الباطنية ولا أخلاقيتها، بحيث تربط في كل واحد اللواط وعلم النجوم ومحاربة العبادات الإسلامية وغيرها من الأمور، أي كل تلك الصورة الأيديولوجية المفرطة في شناعتها. وفيما لو جرى اهمال هذه "الفضائح" وطرحها جانباً، باعتبارها جزء من نفسية الابتذال وذهنية العداوة ونظرنا إلى ما يتناوله البغدادي  بالتحليل الموضوعي حال استعراضه آراء أهل الكلام في الباطنية، فإن الظاهرة تبدو أكثر تعقيدا. فهو يشير إلى أن أكثرية المتكلمين تشترك في إقرارها بأن غرض الباطنية هو الدعوة إلى دين المجوس بالتأويلات التي يتأولون بها القرآن والسنّة، استناداً إلى مفهوم الأول والثاني (يزدان وأهرمن). بينما زعم البعض أن الباطنية استمدت مقوماتها من الصابئة الحرانية استناداً إلى ممارستهم كتمان الديانة عن الآخرين وإعلانها إلى المقربين والأتباع. أما البغدادي فإنه يحدّ الباطنية بمفهوم "الدهرية الزنادقة"، الذين يقولون بقِدَم العالم وينكرون الرسل والشرائع[8]. ويستند في حكمه هذا إلى ما قرأه، كما يقول، في رسالة عبيد الله بن الحسين القيرواني إلى سليمان بن الحسن بن سعيد الجنابي، والمسماة (بالسياسة والبلاغ الأكيد والناموس الأعظم)، التي تبلور "تكتيك" الباطنية في كيفية التقرب إلى ممثلي وأتباع مختلف فرق الملل والنحل من أجل كسب ودها وتأييدها. وحاول من خلال ذلك إبراز نزعتهم "الدهرية" و«زندقتهم "بالتشديد على ما ينسبه لهم من رد نواميس الأنبياء والقول بقدم العالم"، و"إبطال الثواب والعقاب". و"أنه ليس الجنة إلا الدنيا وليس العذاب إلا اشتغال أصحاب الشرائع بالعبادات"، وأن عبادة أهل الأديان هي لإله لا يعرفونه"[9]. وبالتالي رفضهم المعجزات والملائكة والوحي. إذ ليست الملائكة بنظرهم، كما يقول البغدادي، سوى دعاتهم وليست الشياطين سوى مخالفيهم. أما الأنبياء فهم قوم أحبوا الزعامة. فالنبي بالنسبة لهم هو الناطق والوصي أساسه. وبالتالي فمن يستند إلى تأويل الباطن فهو من الملائكة ومن يعمل بالظاهر فهو من الشياطين. وأدى ذلك بهم إلى تطرف في التأويل بحيث انتزعوا المضمون الحقيقي لما في القرآن والسنّة. فليست الصلاة حسب تأويلاتهم سوى موالاة الإمام، وليس الصوم سوى الإمساك عن إفشاء السر، وليس الزنى سوى الإفشاء بالسر ونكث العهد والميثاق. وبالتالي فإن تشكيك الناس بصحة القرآن والتوراة والإنجيل والدعوة لإبطال الشرائع هو من صلب مهماتهم وغاياتهم النهائية، كما يستنتج البغدادي. إذ لا ملائكة ولا جن ولا آدم ولا الله. وإن ما جاءت به الرسل هو مجرد مخاريق وما كلامهم إلا تناقضات. فعيسى يقول لا أرفع شريعة موسى ويزيلها، ومحمد يستصعب الإجابة عن سؤال وجه إليه عن معنى الروح ويقول "إن الروح من أمر ربي"، وموسى لم يبق له من البرهان على نبوته سوى المخرقة باتقان الحيلة والسحر.  إلا أن خطورة هذه الآراء، حسب نظره، تقوم في أن الباطنية لا تتناولها دفعة واحدة، بل تتبع في ذلك أسلوبها الخاص، الذي بلورته على أساس مفاهيم وممارسات التدرج في المراتب التسع وهي: التفرّس، والتأنيس، والتشكيك، والتعليق، والربط، والتدليس، والتأسيس، والميثاق والعهد، والخلع والسلخ. ومن الممكن العثور على كل ما أورده البغدادي بهذا الصدد عند الغزالي وفي الكتابات المناهضة للباطنية مثلما هو الحال في كتابات حميد بن أحمد المحلي ( ت-652 للهجرة) في كتابه (الحسام البتار في الرد على القرامطة الكفار) وملخصه في كتاب محمد بن الحسن الديلمي في جزئه المخصص "لبيان مذهب الباطنية" في كتابه (قواعد عقائد آل محمد) وغيرها من الكتب. غير أن البغدادي لا يتناول هنا إلا مراتب التفرس والتأنيس والتدليس والتشكيك.

أما ابن حزم فيفسر ظهور الاتجاهات الباطنية انطلاقاً من أسباب "قومية". فهو ينظر إليها باعتبارها رد فعل فارسي ضد السيطرة العربية. إلا أنه لا يضّمن هذه الفكرة مضمونها القومي المعاصر،  بقدر ما أنه يشير إلى بواعثها الفكرية، التي شاطرها في واقع الأمر الكثير من كتاب ومؤلفي تلك المرحلة. بمعنى النظر إلى هذه الحركات بوصفها رد فعل من جانب القوى التي فقدت سيطرتها المادية والروحية.ولهذا اتخذت من الشيعة العلوية في فرقها العديدة، وبسبب معاداتها للسلطات، وسيلة وغلاف لمهاجمة الإسلام[10].  ولا يغير من هذا الحكم شيئاً، كون ابن حزم يضع الإسماعيلية والقرامطة في فرق الباطنية (الشيعية) المجاهرة بترك الإسلام[11]. وهو يقطع إمكانية الجدل منذ البداية عندما يؤكد على أنه لا باطن في القرآن، وأن كل ما فيه ظاهره، وأنه "لا سرّ تحته. كله برهان لا مسامحة فيه"[12]. وبالتالي ليست دعوة الظاهر والباطن سوى مخرقة، إذ لا كتمان في حقيقة الشريعة. إذ ليس هناك من علم خاص تابع للقرابة من النبي. ولا يوجد في القرآن والسنة "سر ولا رمز ولا باطن غير ما دعى الناس كلهم إليه. ولو كتم شيئاً لما بلّغ"[13]. أما آراء الشهرستاني فقد كانت في حصيلتها صياغة موضوعية محايدة تستعرض آراء الباطنية (الإسماعيلية) العامة.

فقد تبلورت شخصية وآراء الشهرستاني بعد الغزالي، وبالتالي لم يكن بإمكانها أن تكون مصدرا للغزالي أو منهلا من مناهل التقاليد السابقة له. إلا أن آراءه وأحكامه العامة يمكنها تسليط الضوء على بعض الجوانب المهمة بالنسبة لرؤية مضمون النقد الحاد الذي وجهه الغزالي ضد التعليمية الباطنية. فالشهرستاني لم يخض جدل العقائد والاتهام. بل اكتفى بالإشارة إلى انه لميبق بعد استعارضه الفرق الاسلامية سوى فرقة واحدة وهي الباطنية. وعلّق على ذلك قائلا بأن أصحاب التصانيف في المقالات اختلفوا في إدراجهم أو إخراجهم من فرق الإسلام. واعتبرهم الشهرستاني بالجملة فرقة تختلف عن فرق الاسلام الاخرى الاثنتين وسبعين[14]. ولا يمكن إغفال ما في هذا التقييم من معان متعددة. فباستثناء موقفه النقدي الوحيد في نهاية استعراضه لآراء الإسماعيلية، والقائل بأن حصيلة أفكارهم تؤدي إلى سد باب العلم وفتح باب التقليد[15]، فإننا لا نعثر عنده على أي موقف معارض أو نقدي آخر. فهو يستعرض ألقاب الإسماعيلية مشيرا إلى أن أشهرها هو اسم الباطنية استنادا إلى قولهم إن لكل ظاهر باطن، ولكل تنزيل تأويل. أما القابهم الاخرى فتختلف باختلاف المناطق. ففي العراق يطلقون عليهم اسم الباطنية والقرامطة والمزدكية، وفي خراسان التعليمية والملحدة. بينما يطلقون هم على أنفسهم أسم الإسماعيلية[16]. كما يفرّق الشهرستاني بين "باطنية قديمة" خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة وأن حصيلة فكرهم تقوم في نفي الصفات حقيقة وتعطيل الذات. أما اصحاب "الدعوة الجديدة" فغنهم تنكبوا الطريقة القديمة حين أظهر الحسن بن الصباح (ت-518 للهجرة) "دعوته وقصر عن الإلتزمات كلامه واستظهر بالرجال وتحصن بالقلاع"[17]. ويمكن لهذه الآراء والأحكام العامة ان تساعد على تدقيق سمية الباطنية والتعليمية، والاتجاه الذي خاض الغزالي الصراع ضده، أي ضد أصحاب "الدعوة الجديدة".

غير أن صورة الباطنية تأخذ بالتغير حال الانتقال إلى ميدان الفلسفة والكلام. وإذا كان جدل العقائد والآراء والأحكام يتخلل كل مسامات الكلام، فإن نظيره الفلسفي عادة ما كان يضمحل في مساعيه التأملية بفعل ابتعادها عن قضايا اللاهوت التقليدي ومماحكة استعماله السياسي والأيديولوجي.غير أن ذلك لا يعني غياب المؤلفات الفلسفية المتصارعة، بما في ذلك داخل الفرقة الباطنية (الإسماعيلية)، كما هو جلي في كتابات النسفي (ت- 331 للهجرة) والسجستاني (ت- 353 للهجرة) ومحاولة توليفهما في كتابات الكرماني (ت- 411 للهجرة). بمعنى أن هذا الجدل كان يسعى للبحث عن تطوير ووحدة الحركة الباطنية الإسماعيلية. لهذا السبب لم يختف هذا الجدل في ما بينهم، كما هو الحال داخل كل الفرق الإسلامية الأخرى.

وما هو مهم ضمن سياق البحث هو مضمون واتجاه التقاليد الفكرية المتبلورة في مجرى صراع الفرق الإسلامية مع الباطنية الإسماعيلية. وإذا كان ميدان العلم الفلسفي "شحيحاً" في هذا المجال، فإن علم الكلام قد امتلأ بمهاترات لا تحصى. وينطبق هذا بقدر أقل على كتابات علم التاريخ والملل والنحل. ومع ذلك فإن هناك تشابهاً كبيراً في التقاليد العامة لهذه العلوم في مواقفها من الباطنية. وفي الوقت نفسه هناك تقاليد مشتركة في ما بين الفرق الإسلامية جميعاً. بمعنى هجوم كل فرقة ضد فرقة ما أو ضد جميع الفرق الأخرى. فمثلما تعرضت المعتزلة، على سبيل المثال، إلى هجوم أغلب الفرق الإسلامية، فإنها هاجمت بدورها الجميع بنفس الحماسة. وينطبق هذا على كل الاتجاهات الإسلامية الكبرى وفرقها العديدة. وبهذا المعنى كان تعرّض الباطنية إلى انتقادات المعتزلة والأشاعرة شيئاً ما طبيعياً، أي كل ما يمكننا العثور عليه في كتابات المعتزلة والأشاعرة مثل القاضي عبد الجبار وأبو القاسم البسطي والباقلاني والجويني وغيرهم.

فعلى الرغم من التشابه النسبي بين المعتزلة والأشاعرة في تقاليدهما الكلامية، إلا أن خلافاتهما الفكرية أدت في حالات عديدة إلى تباين أساليبهما أيضاً في الانتقاد والجدل. لكنهما التقيا في عدائهما للباطنية، تماماً بالقدر الذي ناصبت الباطنية عداءها لهما.

فإذا كانت انتقادات البغدادي تحمل روح التطرف العقائدي والمذهبي، فإن كتابات البسطي تميزت بطابعها الكلامي الفلسفي الجدلي. وبغض النظر عن أن البسطي يشاطر البغدادي فكرة اعتبار الديانة الزرادشتية هي المصدر الفكري الروحي للباطنية الإسماعيلية، إلا أنه يتناول هذه القضية استناداً إلى تحليل ومناقشة آراء المفكرين الإسماعيليين وفلاسفتها الكبار أمثال النسفي والسجستاني وأبي محمد النيسابوري وأبو أيوب القيرواني والقاضي النعمان وغيرهم. وينطبق هذا الأسلوب لحد ما على ما قام به الباقلاني في انتقاداته الجدلية للباطنية في كتابه (كشف الأسرار في الرد على الباطنية). ومن الممكن هنا افتراض أن آراء هذا الكتاب تتشابه من حيث نموذجها العام مع ما وضعه في كتاب (التمهيد). بمعنى تضمنه لأسلوب الكلام العقلي في الجدل وإنجازاته في تتبع وتحليل وانتقاد العقائد والاتجاهات الفكرية والأديان كالفلاسفة والفرق الإسلامية والمجوسية واليهودية والنصرانية والبراهمة. حيث عرّض فرق الشيعة بمختلف اتجاهاتها وفرقها إلى انتقادات تناولت قضايا الإمامة والعصمة والنص والاختيار. وسوف يشير الغزالي في (إحياء علوم الدين) حالما تناول قضية الإمامة قائلاً "قد ذكرنا في كتاب المستظهري المستنبط من كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار تأليف القاضي أبي الطيب في الرد على أصناف الروافض من الباطنية ما يشير إلى وجه المصلحة فيه"[18].

لقد كانت الحصيلة الظاهرية لصراع الغزالي ضد الباطنية التعليمية (الإسماعيلية) تقوم في تعميق وتوسيع الأبعاد السياسية في صراع العقائد، أما حصيلتها الباطنية فتقوم في توسيع فجوة العقل والأخلاق مع ما ترتب عليه من انكسار روحي في شخصيته. الامر الذي حدد تأثير أحد الروافد الكبرى النظرية والعملية في مصيره الفكري كما نراه في انتقاله إلى التصوف وإعادة النظر بإشكالية العقل والأخلاق، السياسة والروح الأخلاقي.

***

ا. د. ميثم الجنابي

............................

[1] يجري الحديث هنا أساسا عن الباطنية(التعليمية)، أي عن تلك الصيغة التي نعثر عليها في كتابات الاتجاهات المعارضة للإسماعيلية. فالباطنية من حيث كونها أسلوبا تختلف عن كونها حركة سياسية ومدرسة عقائدية. وبغض النظر عن وجود قواسم مشتركة بين مختلف أنواع الباطنيات، إلا أن ذلك لا يعني تشابهها. فهناك بون شاسع، على سبيل المثال، بين باطنية الإسماعيلية والتصوف. ومع ذلك هناك تأثير متبادل بينهما. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار اغتراف أغلب مدارس وتيارات الغلو الإسلامي من بحر الباطنية، فإننا نستطيع استشفاف بعض الحوافز الفكرية القائمة وراء القيمة السلبية لتسمية الباطنية عند الاتجاهات "السنيّة". أما في الواقع، فإن أغلب هذه المعارضات هي نتاج الصراع المذهبي وتقاليده السياسية اللاهوتية. وذلك للخطورة الكامنة في أسلوب الباطنية بسبب بطونه واستبطانه الدائم للتأويل، الأمر الذي يؤدي إلى صعوبة استقرار قواعد العقائد، ومن ثم يفسر الأسباب الفكرية والعقائدية واللاهوتية السياسية القائمة وراء عداء واستعداء التيارات السنيّة ضد الباطنية بمختلف أشكالها ومستوياتها وأنواعها.

[2] لقد تناولت هذه الجانب وكثير غيرها مما هو مميز لتقاليد علم الملل والنحل في كتابي (علم الملل والنحل- تقاليد المقالات والأحكام).

[3] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص26.

[4] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص42.

[5] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص213.

[6] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص214.

[7] يمثل هذا النوع من التفسير لأحدى المدارس الفلسفية والسياسية الكبرى عن ضيق أفق شديد بسبب استحواذ عناصر المنهجية العقائدية والمذهبية الضيقة فيه. إذ لا يجد هذا النوع من التفسير في تاريخ الفكر والاجتماع سوى تعبير صادق أو كاذب على معتقداته الخاصة. في حين يستند تقييمه على بعدها أو قربها من تصوراته وأحكامه كما لو أنها "مشكاة" الحقيقة المطلقة.

[8] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص222.

[9] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص222-223.

[10] ابن حزم: الفصل في المِلل والأهواء والنِحل، ج2، ص115.

[11] ابن حزم: الفصل في المِلل والأهواء والنِحل، ج2، ص116.

[12] ابن حزم: الفصل في المِلل والأهواء والنِحل، ج2، ص116.

[13] ابن حزم: الفصل في المِلل والأهواء والنِحل، ج2، ص116.

[14] الشهرستاني: المِلل والنِحل، ج1، ص190.

[15] الشهرستاني: المِلل والنِحل، ج1، ص195.

[16] الشهرستاني: المِلل والنِحل، ج1، ص192.

[17] الشهرستاني: المِلل والنِحل، ج1، ص195.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص141.

 

ميثم الجنابي"عند الشدائد تذهب الأحقاد"

من الصعب استيعاب حقيقة مواقف الغزالي من الفلسفة والفلاسفة وتأثيرهما اللاحق في تطوره الفكري ككل دون إدراك مقدماتها التاريخية الثقافية، وبالأخص تلك التي تبلورت في تقاليد المعارضة الإسلامية للفلسفة. رغم أن هذه المواقف لا تتطابق من حيث قيمتها النظرية وفاعليتها مع مناهضة التفكير الفلسفي وأساليبه بحد ذاته[1].فقد تضمنت آراء الغزالي المعارضة ومواقفه الأولية المتشددة من تيارات الفكر الفلسفي المعاصر له التشكيك بمنطقية البراهين الفلسفية وبدعاوى تمثلها للمعرفة الحقة. بينما استهلكت بأسلوبها الجدلي حوافز الروح الفلسفي من نزوات السفسطة حتى تدقيقات البرهان.

بصيغة أخرى، إن آراءه المناهضة للفلسفات السائدة في عصره (الأرسطية والإفلاطونية والإفلاطونية المحدثة والفيثاغورية وغيرها) ونماذجها الإسلامية لا يعني انقطاعه عن تياراتها أو عدم تأثره بها. وكمن في ذلك أحد الأسباب القائمة وراء الترديد الواسع لكلمات أبي بكر ابن العربي من أن "الغزالي دخل بطن الفلاسفة فأراد أن يخرج فما قدر". غير أن هذه الصيغة لا تعبّر إلا عن مظهر الظاهرة لا حقيقتها.

فالغزالي لم يدخل "بطن الفلاسفة" بقدر ما أن ثقافة الوعي الفلسفي للخلافة قد بلورت آراءه. وبالتالي فإن موقفه المعارض منها وتأثره بأسلوبها كان في الوقت نفسه نتاجاً للتطور الفكري التاريخي ذاته. إلا أن خصوصية مواقفه تقوم في كونه الأول من بين مفكري تلك المرحلة من تجرأ على منازلة تيار فكري متكامل له جذوره القوية في ذهنية الثقافة، وأوراقه المظلة في سمائها الروحي، وأن يعطي لهجومه طابعاً عقلياً منظماً. وفي هذه الظاهرة ينعكس مضمون المفارقة العميقة التي سيصوغها الوعي النقدي الإسلامي اللاحق بعبارته القائلة "إن الغزالي أمرضه الشفاء"[2]. وسواء جرى وعي هذه الكلمة في إطارها الثقافي أم لا، فإن مما لاشك فيه تضمنها حدس الإشارة الخفية في قدرتها على إماطة اللثام عن "مرض" الغزالي الفكري اللاحق ومقدمات "شفائه". وفيما لو تجاوزنا مجازية العبارة، فإن الأزمة التي أبدعها الغزالي في صراعه مع الفلسفة قد صاغت بطريقتها الخاصة قيوده الذاتية، أي أن مهاجمته الفلسفة قد جعلت منه منظومة مفتوحة وأطرقت بذهنه إلى عالم "الإلهيات" الشائك، دافعة إياه نحو تحقيق "منطق الحقيقة" كما هي. وهذا بدوره لم يكن معزلا عما تعرضت له الفلسفة من انتهاك عقائدي ونقدي من قبل المتكلمين، تماما بالقدر الذي جرى تأثرهم بها. أما الصيغة الفعلية لهذه الظاهرة فتقوم في أن ما يسمى بالعداء والخلاف لا يعكس بصورة دقيقة حقيقة المجرى الموضوعي لتطور الفكر الفلسفي والكلامي في عالم الإسلام آنذاك. بمعنى إنها كانت تعكس واقع الصدام والخلاف وليس حقيقة التعامل الفكري. فأغلب الخلافات التي كانت تحدث هي جزء من آلية وتقاليد الخلاف المرافقة لصراع العقل والإيمان. إذ لخلاف المدارس الكلامية والفلسفية أسسه المعرفية والعقائدية أيضا. غير أن ذلك لا يعني تطابق العقل مع الفلسفة، والإيمان مع الكلام. فالكلام هو أيضا فلسفة عقلية، إلا انها إسلامية المعتقد، مما حدد بدوره أوجه ومسار الخلاف الأيديولوجي بينهما، أي كل التقاليد السائدة ما قبل الغزالي. أما الطابع العلني في نقد الغزالي لآراء وأحكام الفلاسفة والفلسفة بشكل عام بصدد قضايا الإلهيات، فإنه يعكس حالة التمثل العميق لتقاليد الصراع بين الكلام والفلسفة. أما حصرها في مجال الإلهيات فقد كان النتاج المرافق لمساعيه الخاص في الكشف عما أسماه بخلل البراهين الفلسفية وضعف تمسكها الدائم بالمنطق الذي تدعيه. الأمر الذي يكشف بدوره عن أهمية المنطق وجوهريته بالنسبة للغزالي، ومن ثم دوره الأساسي في البرهان. أما حصر الجدل في قضايا الإلهيات، فإنه كان يحتوي أيضا على نزوع أيديولوجي، ولكنه مرفوع إلى مستوى الجدل العقلي الرفيع. وقد حددت هذه العملية الشائكة من تداخل العقل والإيمان، والجدل والبرهان، والحقيقة والمعتقد إلى خلخلة العقائدية الصارمة وأسلوبها الأيديولوجي كما كان الحال في شعاره "عند الشدائد تذهب الاحقاد"، ليحل محله لاحقا تأمل الحقيقة خارج احتراب الفرق والمدارس.

استند الغزالي في تجربته النقدية للفلسفة إلى تراث الكلام. لكن ذلك لا يعني أن لعلم الكلام عداء جوهري مع الفلسفة، أو أنه يحمل صفة التناقض الجوهري مع الفلسفة. فالكلام هو الآخر فلسفة. أما الفِرق الكلامية فإنها غاية في التباين والتنوع والاختلاف. ويلتقي بعضها مع الفلسفة ويفترق في كل من المفاهيم والآراء والمواقف والبراهين والحلول. وفي هذا كان يكمن الإحساس المشبوب بالعداء الخشن لما هو مقترن بالتفلسف "المغترب". ومن الصعب الآن القول بأن لهذا الإحساس أطره الثابتة. إلا أنه كان يلتف في أغشية الهذيانات العقائدية، التي أثارت كجزء من أسلوب إعادة إنتاجها، ولع التشفي بكل ما لا يستند إلى معطيات العقائد المتعارف عليها. وإذا كان لهذا التسويف الفكري صلابته في قواعد البنية التقليدية للكلام وموضوعاته الجدلية، فإن ذلك لا يعني غياب مثيلها في التقاليد الفلسفية. من هنا تصادمهما أيضا، بوصفهما أساليب متعارضة في دفاعهما عن "الحقائق". وبما أن الأخيرة كانت في أغلبها "ثقافية" المنزع، فإن منزع الثقافة ألزمهما منطقه السهل ألا وهي المواجهة عندما تقتضي الضرورة، والضرورة في المواجهة من أجل "شرعية" الاستمرار في الوجود. ومع ذلك تجدر الاشارة هنا إلى أنه ليس في تاريخ الفكر والحضارة ما يحتمل الحتمية المطلقة. ففي حصيلته هو نتاج تصادمات لا تحصى. وليس "منطق" المواجهة سوى أحد مظاهر الصدام. ومن السذاجة رفع هذا "المنطق" إلى مصاف الإرادة المدركة لقواه. وفي الوقت نفسه لا يعني ذلك غياب عقلانيته التاريخية. فصيرورة الكلام النظرية لم تكن معزولة عن الفكر الفلسفي أيضا. وبالتالي، فإن لصراعه معها أسسه ومقدماته الثقافية والعقائدية والمعرفية. بمعنى انه يتجاوز قواعد الإدراك السلبي المسبق. وباستثناء تلك الحالات التي تحول فيها الجدل إلى جزء من المهاترات العقائدية الضيقة، بعد أن بلغ تباين وإختلاف الفلسفة والكلام درجة "الاجماع" العام، فإن صراعهما عادة ما كان ينبثق من تلقائية التنافس المميزة لوجود وصراع القوى والمدارس النظرية. الأمر الذي حدد واقع عدم استناد "منطق" المواجهة على إرادة مدركة، مع انه في ذاته إدراك كامل لإرادة الأنا الثقافية - العقائدية. مما حدد لدرجة كبيرة قيمة العقلانية التاريخية في هذا الصراع. وذلك لأنه ألزم الجميع بضرورة التمسك بقواعد "الحقيقة" من أجل إثبات حق الشرعية الوجودية، أي انه اعطى لحوافز البحث عن الحقيقة ومنطقها أداة وقيمة ومعنى لا يمكن تجاهلها. وهو ما نعثر عليه بوضوح في انتقاد الغزالي للفلاسفة وسعيه إلى ما اسماه بكشف تهافتهم المنطقي.

إلا أن ذلك يبقى، إن أمكن القول، من عوارض الغليان الذي تفتعله أحياناً الذهنية العقائدية ونفسية الانتماء المذهبي. وهي في الوقت نفسه عناصر تتخلل بأقدار متباينة جميع المدارس. ولا تفلت منها الشخصيات المفكرة في مجرى تطورها كعناصر ضرورية في تعميق إدراك التجربة الفردية كبحث عن الحقيقة. ولكنها قبل أن تصل إلى هذه الذروة، ينبغي لها أن "تتمتع" بجملة من رذائل الطريق، مازال من المستحيل فرض قواعد الأدب عليها في مسارها الجدلي. وقد تمتع كل من الفلسفة والكلام في مسارهما في عالم الإسلام إلى ما لا يحصى برذائل الجدل، ولكنهما بقيا الكيانين الأرقى في مساعيهما النظرية إلى "الذب عن الحقيقة". وبهذا المعنى فإن صراعهما وخلافهما كان أيضاً يلتقي ويفترق بمدى ملامسته للحقيقة. وبما أن الحقائق الكبرى كانت تدور حول الله أو المطلق، وعقائد الدين كقضايا جوهرية، من هنا اضفاءها على الخلاف تداخلاً من الصعب فرز مكوناته. بمعنى تداخل العقائد والحقيقة، الإيمان والعقل، البرهان والجدل. وفي الوقت الذي كمن في هذا مصدر الخلاف الدائم، فإنه أدى أيضاً إلى إبداع تقاليد مشتركة. وقد انطلق الغزالي من هذه التقاليد المشتركة وخلافاتها. حيث اتخذت الفلسفة في إدراكه) هيئة العلم القائم بحد ذاته إلى جانب علم الكلام، أي كل ما يصوره بعبارة انتقاله في المعارف من الكلام إلى الفلسفة ودراسة علومها.

ولكن ماذا تعني هذه العبارة في تطوره الفكري إن لم تعنِ استمرارية تقاليد علم الكلام في موقفه من الفلسفة وبالتالي هضم العناصر الجديدة في تقاليد وأسلوب الوعي الفلسفي؟ فقد انطلق الغزالي في دراسته العلوم الفلسفية منذ وصوله بغداد للتدريس في نظاميتها، أي أنه اصطدم بها للمرة الأولى كعلم مؤثر في الأوساط الثقافية والعلمية. وساهم في توجهه "المتحزب" وسعيه المتفاني نحو الفلسفة كل من حب البحث عن الحقيقة وضغط عالم الكلام، الذي بلور ثقافته النظرية. والغزالي نفسه يشير إلى أنه "لم ير أحداً من علماء الإسلام صرف عنايته وهمته إلى ذلك"[3]، أي مهمة دراسة الفلسفة والرد عليها من جانب الفقهاء والمتكلمين وأمثالهم من "علماء الإسلام". أما المتكلمون الذين صرفوا عنايتهم للرد على الفلاسفة، فإن كتاباتهم لم تكن بنظره سوى مجموعة لكلمات مبددة ظاهرة التناقض والفساد وقليلة الجدوى بفعل عدم معرفتهم الدقيقة بالعلوم الفلسفية[4]. آنذاك وضع أمام نفسه مهمة دراسة الفلسفة بالشكل الذي يستلزم، في حالة الرد عليها، إتقانها على التمام. وصاغ على هذا الأساس أحد المبادئ المنهجية العميقة والعلمية في النظرة النقدية لدراسة الأفكار ومدارسها. فمن أجل انتقاد هذا العلم أو ذاك يستلزم من الناقد "معرفة منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك، ثم يزيد عليه في معرفته ويتجاوزه بحيث يطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم ذاته"[5].

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا المبدأ الذي بلوره الغزالي في مرحلة متأخرة نسبيا من حياته الفكرية يعكس تضمنه الفعلي على العناصر الأولية المتجمعة في مجرى تطوره الذهني الفقهي والكلامي. ومن الممكن العثور على هذه العناصر في أعماله الفقهية الأولى. أما جانبها الجدلي الشديد فقد ظهر بقوته الكبرى في (تهافت الفلاسفة). فقد انطلق الغزالي هنا من أن السعي لامتلاك ناصية المعرفة هو المقدمة الضرورية لكل نظرة نقدية جدية. ومن ثم نعثر هنا على ازدواجية المساعي للمعرفة الموضوعية والنزوع الأيديولوجي للمواجهة. ولا يوجد في هذه الحالة "فضيحة" فكرية في حال النظر اليها ضمن سياق المرحلة التاريخية وثقافتها ومزاجها العقائدي. بل يمكن تأكيد العكس! بمعنى إن ذلك يتضمن في ذاته على عناصر التثليم الخفية للتشدد العقائدي من خلال تمتين وحدة المعرفة المتكاملة واستقلال الفكر النقدي، والذي نعثر عليه عند الغزالي في العبارة التي بلورها عما اسماه "ببلوغ منهى ذلك العلم من خلال معرفة الأصل الزيادة عليه بالتفوق على صاحب العلم نفسه". ولا يقصد هو هنا كمية المعارف بل أسسها الضرورية في مصادرها الأساسية. ولكن ماذا تعني الزيادة في المعرفة على ممثل العلم نفسه إن لم يعن في الوقت نفسه تمثل حقائق العلم المعنى "من الداخل"؟ وفي الحالة المعنية استلزم ذلك منه أن يكون "فيلسوفا أكثر من الفلاسفة". وبالتالي لم يكن من الصعب رؤية التأثير الكبير للفلسفة في "مصيره" الروحي.

فالغزالي، كما هو جلي، لم يتناول في بادئ الأمر الفلسفة من زاوية صوابها أو خطئها بقدر ما أنه تعامل معها كتيار فاعل في الثقافة السائدة. وإن تناوله للفلسفة جرى في الوقت نفسه تحت ضغط الخلفية النفسية والفكرية التي بلورها علم الكلام في مواقفه المتشعبة منها. فعلم الكلام، حسبما يقول الغزالي، لم يبنِ أحكامه على أسس برهانية. ولم يعرف الفلسفة للدرجة التي يمكن أن ينازلها كندّ لها. وفيما لو طرحنا جانباً ما إذا كان هو مصيباً في معرفته الفلسفة للدرجة التي فاق بها الفلاسفة أنفسهم بحيث استطاع الإطلاع على ما لم يطلعوا عليه منها، فإن أطروحته ذاتها تكشف عن توجه مسبق للرد على الفلاسفة. فهو لم ير من علماء المسلمين من رد عليهم. أما علم الكلام فإنه عجز عن ذلك بفعل ضعف اهتمامه بالعلوم الفلسفية. ولم يقصد هو بذلك سوى ضعف الاستقلال الفكري في تمثل حقائق الفلسفة، أو التقليد السطحي "لقوتها البرهانية".

إلا أن ذلك لا يعطي أي مبرر للفكرة السائدة في أوساط الباحثين والدارسين القدماء والمعاصرين، عن تناقض الكلام والفلسفة أو عن الطابع الدخيل للفلسفة في الثقافة العربية الإسلامية، أو عن أن العرب المسلمين لم يكن بإمكانهم تقبل أي شيء ما خارجي ما لم يخضع خضوعاً كلياً للعقائد الإسلامية ويذاب فيها. إن لهذه الأحكام حقيقتها الجزئية، ولكنها لا تستطيع أن تفسر ظاهرة الثقافة الإسلامية وصراعاتها الداخلية. وذلك لأن ما يميز الثقافة الإسلامية في مراحل نموها الأولى ونضوجها الكبير حتى زمن الغزالي تقوم في اعترافها العام "بعلوم الأوائل". ولا يعني ذلك في مضمونه المعرفي سوى الإقرار باستمرار المعرفة. وبهذا المعنى جرى تقبل الفلسفة من قبل الجميع كجزء من "علوم الأوائل". لاسيما وأن لحب المعرفة تأييده "الشرعي" في الحديث المستحسن عن "طلب العلم ولو في الصين".  بصيغة أخرى، إن تطور الثقافة الإسلامية ذاتها جرى من خلال البحث الصادق "في الآفاق وفي الأنفس". وكان لابد لهذا البحث وحوافزه الصادقة من أن يثير شعور التقبل والنفور، وتقييم الجليل والدخيل، وأحكام التمنطق والتزندق وأمثالها.

وفي هذه العملية المتناقضة لازدواجية وثنائيات الصراع الفكري جرى تصلّب النصل الثقافي لعالم الإسلام. وقد أضفى هذا العالم لمحاته البارقة على كل ما هو "دخيل" دون أن يستفز ذلك مشاعر التحفّز المسبق لإسباغ ألوانه عليه. لقد جرى صهر المعارف في عالم الإسلام، كما لو أنه قدرها المسمى، وتقبل الجميع هذا المصير بين تشنج النقل وابتهاج العقل، وأنين الحشرجة المذهبية وسكرة اللذة المعرفية. وذلك لأن تعمق الحكمة (والفلسفة)، بدا كما لو أنه تعبير عن الحكمة التي يستحكمها كل حسب "ما هو ميسر له". وبهذا تكون الفلسفة (الحكمة) قد تغلغلت في نسيج الثقافة الإسلامية. وإذا كان نتوؤها البارز في صرح المعرفة النظرية قد استثار حفيظة الوعي اللاهوتي، فلأنها عادة ما كانت تمثل النموذج العقلاني الأرقى في صراع العقل والنقل،و الفكر الحر والعقائد الإيمانية. وقد كمن هنا دون شك أحد الأسباب المعرفية الأساسية لصراع الكلام والفلسفة وشكله الثقافي في محورية الصراع حول العقائد الدينية الكبرى.

ولم يشذ انتقاد للغزالي للفلاسفة ولم يخرج عن هذا الاطار العام. على العكس! انه يؤكده بصورة أشد وضوحا وتجانسا. فهو يشاطر الفلاسفة قناعة الدور الجوهري للمنطق في بلوغ العلم اليقيني. كما يدرك أهمية وقيمة العلوم الفلسفية ككل. إلا أن خلافه "المنطقي" معها يبرز في هيئة الدفاع عن عقائد الإيمان الكبرى. اذ لم يكن الجدل الذي خاضه صراعا في ميدان الميتافيزيقيا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل في مجال العقائد الإيمانية. الا أن مجال هذه العقائد كان، بمعنى ما، ميدان الميتافيزيقيا الإسلامية، أو بصورة أدق ميتافيزيقيا الوجود التاريخي الثقافي لإسلام المرحلة. مما اسبغ بدوره غشاء مزدوجا من وحدة المنطق والسفسطة، العقل والشك، الجدل والنقد لأجل الدفاع عن عقائد الاسلام. وقد أدى ذلك في نهاية المطاف إلى إثارة البلبلة الفكرية والصراعات الداخلية الحادة في ذهنية الغزالي وأزماتها التالية.

فعلم الكلام الذي حارب الفلسفة لم يكف هو ذاته عن أن يكون فنا فلسفياً. إضافة لذلك إن الصراع الذي خاضه علم الكلام لم يتمحور ضد العلوم الفلسفية بحد ذاتها، بقدر ما أنه جرى حول بعض الآراء والنظريات الفلسفية. ولم يحصل هذا الصراع على "إجماع" من حيث مشاطرة الآراء أو مخالفتها. بمعنى أن اتجاهات علم الكلام ظلت مختلفة ومتباينة في مواقفها من النظريات المختلفة للفلاسفة بين معارض ومؤيد، تماماً بالقدر الذي يمكن رؤية هذا الخلاف والتعارض بين المدارس الفلسفية نفسها. وسوف يشير الغزالي لاحقاً إلى التشابه الكبير أحياناً بين آراء الفلاسفة والمعتزلة بصدد الكثير من القضايا. في حين سيؤكد في مؤلفاته ما بعد (تهافت الفلاسفة) أن الكثير من آراء الفلاسفة في السياسة والأخلاق والمنطق والطبيعيات تتطابق أو تتفق مع آراء الأنبياء والحكماء والصوفية. ذلك يعني أن مناهضة الغزالي لم تكن موجهة ضد الفلسفة بحد ذاتها بقدر ما أنه واجه وناقش وجادل ودحض آراء واستنتاجات بعض المذاهب الفلسفية، أي كل ما يمكن العثور عليه في حالة تتبع حوافز انتقاده للفلاسفة.

فهو يشير في مقدمة مواقفه العامة من الفلسفة إلى ما أسماه بالتفاوت العظيم في البعد من الحق والقرب منه عند الفلاسفة[6]. وشكل انتقاده للنزعة التقليدية في آراء ونظريات الفلاسفة المسلمين للفكر الأرسطي والأفلاطوني وغيرهما أحد البواعث الجوهرية لسخطه الكبير. لهذا وجد في آرائهم مجرد استبدال لهيبة التقليد العادية للعوام بتقليدية الوعي الفلسفي. وليس من الصعب رؤية التناقض الخاص في هذه العبارة. فالغزالي، كما هو جلي من آرائه، لم يقف ضد "الحق" الفلسفي، بقدر ما أنه حارب نزعة التقليد السائدة وسط "فلاسفة الإسلام"، التي حاولت أن تقدم أغلب إنجازات العلوم الفلسفية للأوائل (الإغريق والرومان) على أنها حقائق مطلقة. وبهذا المعنى كان انتقاده خطوة كبرى إلى الأمام في ميدان تثوير الوعي الفلسفي ذاته. إلا أن محاربته لتقليدية الفلاسفة لم تكن هي ذاتها حرة (مستقلة) من تقليد العقائدية الدينية. وفي هذا كمن أحد التناقضات الحادة في صيرورة آرائه الأولى، أي في تلك المرحلة التي واجه بها الفلاسفة وجهاً لوجه، والتي جعلته يقترب في آن واحد من إدراك محدودية آراءه ومواقفه الكلامية وآراء الفلاسفة ومواقفهم. ومن الممكن القول إنه توصل إلى رؤية الملمس الحاد لحدّيْ محدودية الكلام والفلسفة فيما حوله منذ زمن مبكر نسبياً، أي منذ المحاولات الأولى التي هاجم بها فلاسفة العالم القديم والمعاصرين له.

فالعرض الموضوعي المنسق، الذي يقدمه في (مقاصد الفلاسفة) كان لحد ما تجربة التمرين الفلسفي المستقلة في استيعاب وتنظيم الآراء والنظم الفلسفية، التي سيتأملها بصورة نقدية في (تهافت الفلاسفة). فهو يشير مرات عديدة في (مقاصد الفلاسفة) إلى أن ما يعرضه هو مجرد "بيان مقاصد الفلاسفة"[7].  وفي الوقت الذي يهمل مجادلة آرائهم في الرياضيات، فإنه يؤكد على صحة أغلب آرائهم في المنطق. غير أنه يفرز في آرائهم كل من الإلهيات والطبيعيات على أنها مثيرة للجدل. وفي هذين الجانبين تظهر ذهنية الغزالي النقدية في مواقفها من "تناقضات" الفكر الفلسفي، دون أن يعني ذلك خروجه على العقلانية الفكرية. فهو يدرك صعوبة بل واستحالة حل هذه القضايا سلباً أو إيجاباً استناداً إلى العقل البرهاني وأحكام المنطق، أي كل ما سيولد عنده لاحقاً فجوة الشك المعرفية.

إن هذا الشك العقلي الفلسفي كان بمعنى ما نتيجة لتأزم صراع الكلام والفلسفة،أي في تلك الحالة التي أخذت تتضح  عنده فيها معالم محدودية الكلام وضعف يقينية الأحكام الفلسفية. وبالتالي وضعته أمام ضرورة البحث عن مخرج آخر سيجده لاحقاً في عالم الصوفية، ولكن دون أن يؤدي ذلك إلى قطع الصلة نهائياً بالتيارات الفكرية (الكلامية والفلسفية) السابقة باعتبارها درجات منفية في تجربته الصوفية الجديدة. وهو ما يمكننا العثور عليه في تقييمه تجربته الفكرية عندما يتناول بالتصنيف مؤلفاته المعارضة للفلسفة وبالأخص (تهافت الفلاسفة). فهو يشير في (جواهر القرآن) إلى أن من العلوم ما يعنى بمحاججة الكفار ومجادلتهم. ومنها يتشعب "علم الكلام المقصود لرد الضلالات والبدع وإزالة الشبهات" والذي "يتكفل به المتكلمون". وهذا العلم شرحه على طبقتين هما الطبقة القريبة، منها (الرسالة القدسية) والطبقة التي فوقها (الاقتصاد في الاعتقاد). ومقصود هذا العلم حراسة عقيدة العوام من تشويش المبتدعة. ولا يكون هذا العلم ملياً بكشف الحقائق. وبجنسه يتعلق الكتاب الذي صنفه في (تهافت الفلاسفة)[8].

إن هذه العبارة تثير معضلات فكرية عديدة حول انتقاده للفلاسفة. وما يثير اهتمامنا الآن هو حوافز هذا النقد ونتائجه المؤثرة على تطوره الفكري. فهو يحدد بوضوح دقيق أن ما وضعه في (تهافت الفلاسفة) هو من "جنس" مؤلفات الدفاع عن عقيدة العوام، أي من صنف العلوم التي لا تعتني بالبحث عن الحقائق كما هي. ومن ثم لا يمتلك في ذاته قيمة علمية  معرفية إيجابية. والغزالي نفسه لم ينكر هذا الاستنتاج بما في ذلك في (تهافت الفلاسفة) نفسه ولا في أي من مؤلفاته الأخرى. رغم أنه ظل يكنّ إعجاباً خفياً له يردده بين الحين والآخر، بما في ذلك في مؤلفاته المتأخرة مثل (جواهر القرآن) و(المقصد الأسنى) و(المنقذ من الضلال) وغيرها من الاعمال. ومن الصعب فهم قيمة ولا قيمة (تهافت الفلاسفة) وأهميته الفكرية ولا علميته في الوقت نفسه دون استيعاب ثنائية وازدواجية العوام والخواص في التعامل مع قضايا الفكر والوجود الاجتماعي والعقائدي المميزة لعصره.

إن انتقاده الأولي للفلاسفة، كان يمثل بالنسبة له المواجهة الفكرية ومستواها الأرقى. وإن إدراكه الجزئي لضعف أسلوبه النقدي في (تهافت الفلاسفة) يقوم أساساً في محاولات كشف تقليدية المذاهب الفلسفية وزرع بذور الشك في يقينها الجازم وإبراز ضعفها المنطقي في "قضايا الإلهيات". وفي هذا الميدان الأخير ومنه تظهر الحاجة الملحة للدفاع عن عقيدة العوام، أو بصورة أدق حراستها من "البدع والضلالات"، أي أن هذه الممارسة النقدية ولّدت في أعماقه عناصر الإدراك الأولي عن أن نقده للفلاسفة هو أيضاً جزء من مهمات حراسة عقيدة العوام. ولكن هل يعني ذلك بأن الانتقادات الكلامية ذاتها لا تمتلك صفة الحقيقة و"شرعيتها" مازالت هي من ميدان الدفاع لا الكشف، ومازالت هي في مستوى عقيدة العوام لا الخواص؟ إن الغزالي لا يجيب على هذه الأسئلة بصورة مباشرة. غير أن آراءه  اللاحقة تؤيد هذه الفرضية. بمعنى خلوها المباشر من عناصر البحث عن الحقيقة كما هي، أو عن الحقيقة الإيجابية. فكتاب (تهافت الفلاسفة) لا يبحث عن حقيقة، بل عن تهافت "الحقائق". وفي هذا تكمن أهميته النقدية بالنسبة لتجربته الفكرية واستمرارها في شحذ ذهنه المعرفي.

فقد ظل (تهافت الفلاسفة) يشكل عنصراً ضرورياً في وعي الغزالي، وبالأخص ما يتعلق منه بالجانب العقائدي. إلا أن هذا الأخير لا يتطابق مع معتى الخلو التام من الحقيقة واللاعقلانية. إذ لم يسعَ الغزالي لتحويل عقائديته الإسلامية إلى ميدان "اللاهوت السلبي"، رغم أن اللاهوت اتخذ لحد ما مظهر الوسيلة المباشرة لنقد الفلسفة. وبهذا المعنى يكون قد فسح المجال لانتقادهما كليهما. رغم أن ملامح هذه الظاهرة ظلت جنينية الطابع في (تهافت الفلاسفة). فالغزالي ينتقد ضمنياً هنا علماء الكلام على فطانتهم البتراء وبصيرتهم الحولاء، أي أنه يسعى لإعطاء علم الكلام تجانسه الأوسع والأدق والأعمق في الكيفية التي ينبغي أن يدافع بها عن عقيدة العوام. وفي مجرى هذه العملية  النقدية، أو على الأقل في نهايتها الأولية أخذت تبرز أمام ناظريه البصيرة الحولاء لعلم الكلام نفسه.

لقد كان جهده الأولي منصباً أيضاً من أجل تهذيب الفطانة البتراء للمتكلمين في مواقفهم من الفلاسفة. وحاول ترميم أحجارها من خلال إثبات ضعف يقينية الأحكام الفلسفية. وبهذا يكون قد تغلغل في وعيه الطابع السلبي لكليهما إلى الدرجة التي أصبح هو  نفسه أسير صراعهما غير المجدي. غير أن ذلك لا يعني التقليل من أهمية هذا الصراع. إذ يستحيل توقع الصيرورة الفعلية لكينونة الغزالي خارج هذه "اللاجدوى"، التي انتجها مسار قرون من شحذ همم العداء المتبادل. فقد كان الصراع في أغلبه يحتكم من حيث حوافزه إلى عناصر الثقافة ورموزها المعرفية. الأمر الذي أدى إلى أن يبدع في دهاليزه المظلمة قيم المعرفة الحقة وضغائن الجهل المذهبي والفرقي. وقد أبدع هذا "المأزق" الحي للثقافة الروحية على مثاله دينامكية الوعي الحاد تجاه رؤيته للنفس والأغيار. أما بالنسبة للغزالي فقد كان ذلك أسلوب تطوره الشخصي، أي انكساراته وأزماته و"انقاذه من الضلال". في حين يشكل ذلك بالنسبة للمعرفة أسلوب احتكامها إلى فيصل الحقيقة وأحكام الوهم. وذلك لأن علم الكلام، كما سيقول  الغزالي لاحقاً، هو جدل ملفّق بفعل استناده إلى التقليد وانطلاقه من مسلمات تفتقد هي ذاتها إلى برهان ودليل. أما الفلاسفة فإنهم أيضاً لم يأتوا بجديد. وذلك لأنهم أيضا مقلدون جدد. وبهذا المعنى فإن التقليد الفلسفي لا يختلف في جوهره عن تقليد العوام في الإيمان[9].

إن انتقاد الغزالي للفلاسفة ذو حدين. فهو يسعى من جهة للبرهنة على أنه لا جديد في الفلسفة العربية الإسلامية، ومن جهة أخرى صاغ مهمة تحطيم الهيبة التقليدية لأي كان. فهو ينطلق من أن مصدر "كفر" أغلب فلاسفة الإسلام يقوم في اتباعهم أسماء شهيرة مثل سقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطو. بمعنى التأثير النفسي للغريب والشاذ. في حين أن هذه النزعة المميزة لمتفلسفي الإسلام وفلاسفته، أي أولئك الذين يقتفون الأسماء دون الحقائق ويدعون الترفع عن مسايرة العوام والدهماء، ما هو في الواقع إلا ظن الارتفاع عن التقليد، أو كل ما اعتبره مجرد انتقال "من تقليد الحق إلى تقليد الباطل". فهو من بين أوائل مفكري الإسلام الكبار، الذين حاولوا الكشف عما يمكن دعوته بضعف المناعة الثقافية المميزة لظاهرة التفلسف الإسلامية. وبغض النظر عن التجني النسبي في مواقفه الجدلية هذه من فلاسفة الإسلام، إلا أنه أشار دون شك إلى جانب مهم للغاية فيما يتعلق بالاستقلال الفكري ودوره في تمتين اليقين المعرفي. إنه حاول انتزاع نفسية التقليد المغتربة. فهو لم يقف ضد التفلسف أو التفاعل الثقافي. على العكس! إنه أراد أن يعطي لهذا التفاعل طابع التعامل المعرفي الصادق المبني على أساس إدراك الحقائق ورفض التقليد. وبهذا المعنى فقط ينبغي فهم تشديده على تقليدية الفلاسفة باعتباره انتقال من تقليد الحق إلى تقليد الباطل. وإلا فإن التقليد واحد من حيث انعدام قيمته المعرفية، أو ما صاغه بعبارة أن الانتقال من تقليد إلى تقليد ما هو إلا خرق وخبال[10].

فهو لا يتجاهل حقائق الفكر الفلسفي وإنجازاته ولا يرمي جانباً قيمه الكبرى. فهو يؤكد على ما يسميه "بحسن أصول الفلاسفة ودقة علومهم"[11]. وحدد ذلك أسلوبه النقدي تجاه الفلسفة والفلاسفة. فهو يدرك منذ بداية الأمر طبيعة العناصر السلبية في أسلوب انتقاده للفلاسفة، أي كل ما وضعه في مضمون ومنهجية "مقابلة الإشكالات بالإشكالات". وليست هذه الإشكالية السلبية سوى التعبير الجدلي المناسب لأحد نماذج الشك العقلي، الذي يدفع إلى المقدمة مهمة إظهار "فساد كلام" الخصم. وقد جعل من هذا الأسلوب مقدمة وغاية (تهافت الفلاسفة)، أو ما دعاه "بتكدير مذهبهم" و"إبطال دعواهم بمعرفة القدم"[12]. وقدم على صفحات (تهافت الفلاسفة) أمثلة كثيرة تكشف عن طبيعة أسلوبه النقدي هذا. فالفلاسفة تجيب، على سبيل المثال، عن السؤال المتعلق بسبب حركة الأفلاك التي يجري بعضها من الشرق إلى الغرب وبالعكس مع تساوي الجهات (لاسيما وأن تساوي الجهات يساوي تساوي الأوقات) استناداً إلى فكرتها القائلة بأنه فيما لو دارت الكواكب في اتجاه واحد، فإنه سيكون من غير الممكن تباينها في الأوضاع والمناسبات، في حين أن هذه المناسبات هي مبدأ كل الحدوث في العالم. وعلى الرغم من أن الغزالي لا ينفي اختلاف جهة الحركة وأشكالها، إلا أنه يثير إشكالية التمايز في الجهات والحركات. فإذا كان رأي الفلاسفة يستند إلى الفكرة القائلة بعدم إمكانية تساوي المتقابلة، فإن ذلك، حسب نظره، ليس بأكثر من الاعتراض القائل بأن التقدم والتأخر في وجود العالم متضادان فكيف يمكن تساويهما. وإذا كان الفلاسفة يتمسكون بآرائهم فلم لا يحق لمعارضيهم أن يعتبروا آراءهم هي الأصح[13].

بصيغة أخرى، إن الغزالي يسعى كما هو جلي من مواقفه هذه إلى دحض دعوى الفلاسفة امتلاك ناصية الحقائق أو سلوكها سلوك الحاكم على كل ما هو موجود، لا معارضة الحقائق كما هي. وبهذا المعنى يكون (تهافت الفلاسفة) أحد نماذج الانتقاد العقلي للتراث الفلسفي. وهو في الوقت نفسه تمثل كلامي فلسفي بليغ للعقلانية المؤدلجة، التي حاولت أن تربط في كل واحد إبراز أهمية العقل ومحدوديته أيضاً في قضايا الميتافيزيقيا الإلهية. وبالتالي، فإن انتقاده للفلاسفة هنا هو مجرد اتجاه معارض ضمن الإطار العام للعقلانيات الفكرية، أي محاولة الكشف عن عدم تجانس أو تهافت العقلانية المنطقية للفلاسفة في قضايا الإلهيات. فهو يظهر هنا كفيلسوف ضد الفلاسفة، ومن ثم التجسيد الخاص لما يمكن دعوته بالنقد الفلسفي للفلسفة.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] ما يثير اهتمامي هنا ليس مقدمات وتقاليد الصراع بين علم الكلام والفلسفة، بقدر ما يقوم في الكشف عن خصوصية هذه العلاقة عند الغزالي، بوصفها مقدمة معرفية وثقافية ساهمت في انتقاله إلى التصوف. فقد سعى الغزالي اساسا لدحض آراء الفلاسفة وأحكامهم عن الطابع المنطقي للفلسفة بصدد الإلهيات معتبرا إياها مجرد أحكام نفسية. واستند في مواقفه هذه إلى حصيلة الجدل بين الفلسفة والكلام وبراهينهم وحججهم. وإذا كانت هذه التقاليد "العدائية" الصفة المميزة لثقافة المرحلة ككل، رغم مساعيها الموازية في تأسيس فكرة وأصول الإجماع، فإننا نستطيع استشفاف فاعلية الجدل وراء كل ذلك، أي حول كل ما سيهاجمه الغزالي في وقت لاحق.

[2] والمقصود بذلك تأثره بكتاب (الشفاء) لابن سينا.

[3] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص94.

[4] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص94.

[5] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص94.     

[6] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص65.

[7] الغزالي: مقاصد الفلاسفة، ص3-4.

[8] الغزالي: جواهر القرآن، ص21. تعكس هذه الصيغة إدراك الغزالي لضرورة التمييز الجزئي والنسبي بين كتبه الكلامية (التقليدية) أو ما اسماه بالطبقة القريبة والتي ما فوقها وفي جنسها مثل (تهافت الفلاسفة). وسوف اتناول هذا التمايز من حث خصوصيته وطبيعة تأثيره في قضايا الكلام والفلسفة عند الغزالي.

[9] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص73.

[10] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص74.

[11] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص74.

[12] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص123.

[13] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص106-107.

 

ميثم الجنابي"العمى أقرب إلى السلامة من بصيرة حولاء"

لقد توصلت في الجزء السابق من هذا البحث إلى ما اسميته بالمفارقة الداخلية لازدواجية المعرفة والأخلاق التي ستضعه وجهاً لوجه أمام ممارسته الشخصية، أي التناقض الذي مزق وحدة النسيج الداخلي لفكره وقناعته العقائدية، والذي شكل أحد عناصر انتقاله اللاحق إلى التصوف

فقد كان الغزالي مضطراً تحت ثقل هذه الازدواجية المعرفية والأخلاقية إلى أن يبرر جزئياً ما لا قناعة له به، بل إنه يضطر في إحدى مراحل تطوره إلى أن يؤدلج متطلبات السياسة وأن يؤدي بالتالي مهمة "مدّاح" الدولة الأيديولوجي و"نائحتها المستأجرة"، أي كل ما سيضعه وجهاً لوجه أمام "محاسبة النفس" وتقريعها الذاتي على كل مقترفاتها السابقة بما في ذلك "العلمية" منها. فالحقيقة التي دافع عنها أنقذت سقوطه الأخلاقي. وهذا ما يفسر سبب ذلك "الهجوم الأخلاقي" الذي جعله يخلِّق حتى أدق الحقائق وجودية ونظرية (معرفية). لكنه قبل أن يصل إلى هذه النتيجة كان لابد لسؤال الإشكالية الفكرية أن يبرز في مجرى الازدواجية المذكورة أعلاه. بمعنى كيف يمكن للعلم الذي لا يبحث عن الحقيقة كما هي والمتميز بعناصر التبرير والتقليد أن يكون أسلوباً للدفاع عن عقيدة العوام الإيمانية؟ وكيف يمكن للعقيدة أن تؤيد بأسلوب لا يمتلك بحد ذاته مقدمات قناعته الخاصة دون أن تعرِّض أسسها للهدم والزوال.

وقد كانت هذه الاشكالية الجوهرية إحدى العقبات الفعلية أمام الوعي النقدي لعلم الكلام. وإذا كانت مدارسه السابقة عادة ما تحل هذه الإشكالية من خلال تذليل حدة النزعة النقدية "بالانكسار" داخل المنظومة العقائدية الكبرى ومذاهبها، فإن مأثرة الغزالي هنا تقوم في سعيه لتحطيم بنيتها العامة من خلال سحب البساط من تحت أقدام علم فن الدفاع عن عقيدة العوام نفسه. وقد كانت هذه العملية النتاج الطبيعي للنفي الداخلي المتمرس ضمن تقاليد علم الكلام. الأمر الذي يفسر أيضا تجمع عناصر الفكر النقدي في تجربته الكلامية. وما ترتب عليه من بحث عن نموذج أرقى للمعرفة، والذي وجده في الذوق والمكاشفة. مما أدى إلى الابقاء النسبي على وجود علم الكلام ضمن المفاهيم والأساليب المتعلقة بضرورته للعوام، بوصفه الأسلوب المناسب لاستيعاب عقائد الايمان. وبهذا يكون الغزالي قد كشف بحذقه الفكري عن مقدمات وغايات علم الكلام، وكذلك بداياته ونهاياته وموقعه المناسب في الثقافة الإسلامية ووظيفته العملية. لكن المهمة التي اتناولها هنا تعلق أساسا بقضية الكشف عن الصيغة التي تراكمت بها عناصر الرؤية النقدية لعلم الكلام وتداخلها مع عناصر تجاربه النظرية العقلية ودورها في دفعه صوب الانتقال إلى التصوف.   

إذ من الصعب فهم حقيقة آراء الغزالي وأجوبته بهذا الصدد دون إدراك حوافزها الاجتماعية والسياسية بالدرجة الأولى والعقائدية بالدرجة الثانية. رغم أن ذلك لم يعقه أحياناً بفعل واقعيته الفكرية ومبدئية مقالاته من أن يستبدل هذه المعادلة بأحكام أخرى. إلا أن جوهر القضية يبقى بالنسبة له في الطابع الاجتماعي والسياسي لظاهرة الكلام وتأثيره اللاحق.

فإذا كان قد نظر في بداية أمره إلى الكلام نظرة المتكلمين المحترفين، فإنه أخذ يدرك على خلفية صراعاته المدرسية والمذهبية والعقائدية، جموده وتحجره، الذي اتخذ في الكثير من قسماته الصفات المرادفة والمشابهة لسمات الفقه والفقهاء. إلا أنه لم يرفضهما من حيث كونها علوما أو فنونا، بل رفض تأثيرهما السلبي في صيغته المتعصبة والتقليدية. الأمر الذي يفسر سرّ دعوته إلى ما أسماه "بفقه النفس" لا "فقه الدنيا"، وموقفه المعارض من فكرة قدرة الكلام على شحذ خواطر الإدراك والمعرفة. وإذا كان قد أقر ّالحقيقة الجزئية لهذه الفكرة، فإنه وجد فيها هوساً كهوس تصور شحذ الشطرنج للخواطر بالنسبة لتعميق الإيمان الديني. من هنا يبدو واضحاً بأن ما يثير اهتمامه في هذه القضية هو الوظيفة الاجتماعية والسياسية لعلم الكلام. مما جعله يعترف بضرورته في ذلك الوقت الذي "ثارت فيه البدع وعمت البلوى وأرهقت الحاجة"[1]. ولكن لا بوصفه أداة للمعرفة بل بوصفه أداة أيديولوجية جزئية. لهذا السبب وقف بالضد من تدريسه بالمدارس والجامعات رغم اعترافه بإمكانية ضمه إلى علم من علوم فرض الكفايات، أي الاعتراف بموقعه الذي شغله بفعل التطور التاريخي للعلوم الإسلامية. وقد تضمن ذلك بذاته الاعتراف النسبي بوظيفته الضرورية الجزئية والدائمة ولكن بوصفه أداة خارجية وثانوية وطارئة. وبهذا يكون قد أزال إمكانية الاحتراف الأيديولوجي الرسمي (السياسي) لعلم الكلام. إذ طالب باستقلاله عن الدولة ومؤسساتها. وبهذا المعنى فإن أيديولوجية الكلام هي أيديولوجية الدفاع الحر عن المعتقد لا غير.

فإذا كان الكلام يتقاسم الكثير مما هو مميز للفقه، فإن الأخير يتميز عنه بكونه أداة داخلية ضرورية ودائمة. وإذا كان الكلام يتشابه في مهمته مع الدواء فإن الفقه يتشابه مع الغذاء[2]. إلا أن الغزالي في دفاعه عن وحدة علم الكلام والفقه لم يقصد الفقه السائد في زمنه، ولم يعن بالمتكلم ما هو شائع في عصره، بل أولئك المستقلين في آرائهم عن السلطة المدافعين عن العقيدة المتجردين للعلم المتميزين بالفطنة والذكاء والصلاح والتقوى[3].

وقد أدرك التعقيد الملازم لتكوين هذا النوع من المتكلمين. ومع ذلك وضع هذه المهمة أمام كل من علم الكلام والمتكلمين والسلطة والمتسلطين. أنه اقترح مشروعاً ايديولوجياً سياسياً أخلاقياً ممكناً وضرورياً إلى جانب علم المعرفة الحقة المبني على أساس التجربة الفردية العميقة واليقين المعرفي الأخلاقي. أما "التناقض" الذي يبدو للوهلة الأولى في آرائه بصدد هذه القضية فهو نتاج تناقض توجهاته في المراحل المختلفة لتطوره الفكري الروحي. ومن الصعب أحياناً فصل هذه المراحل بصورة قاطعة مازالت هي في حصيلتها غير المباشرة الخلفية الفاعلة في بلورة تصوراته وأحكامه الكلية. فالغزالي المتكلم الذي دافع عن الكلام لم يعد هو ذاته في مرحلة التصوف. لقد بقيت في ذهنيته حصيلة التقاليد الكلامية. لهذا كان إدراكه وتصويبه لخفاياها وقوتها وضعفها أشد وأقوى. ولهذا أيضاً كان انتقاده للكلام عميقاً. بينما اتصفت رؤيته لفحواه ووظيفته بواقعية حصينة. وهذا ما يبرز بوضوح في موقفه من الكلام كأيديولوجية. فعلى الرغم من أنه نظر إلى الكلام والفقه مثل "حارسان" لإيمان العوام، فإنه أقر بضرورتهما. بمعنى التركيز على طابعهما الوظيفي الاجتماعي السياسي الايديولوجي. وتضمن ذلك في آرائه استيعاباً عميقاً لخلو هذا علم الكلام من حافز البحث عن الحقيقة، بفعل كونه العلم الذي يشقّ لنفسه قنوات في صحراء الوجود، دون البحث عن المياه العذبة في آبار القلب[4].

 إن علم الكلام لا يمكنه، حسب آراء الغزالي، أن يكشف حقائق الأشياء كما هي، بسبب كونه أسيراً للتقليد. بل حتى دليل الاعتقاد في الكلام هو تقليد كالاعتقاد ذاته[5]. بحيث جعله ذلك ينفي كل البهرجة الزائفة لهيبة المتكلمين التقليدية أيا كان ممثلها. وكتب بهذا الصدد قائلاً "ما ينال به الفضل عند الله شيء وما ينال به عند الناس شيء آخر"[6]. وهو لم يقصد بذلك وضع أحدهما بالضد من الآخر بقدر ما أنه أراد أن يكشف عما يمكن دعوته "بالحقيقة التقليدية" و"الحقيقة الإلهية".

فمعاناة علم الكلام هي معاناة التقليد المرهقة للجسد لا للروح. إنها تصدّئ عالم الفكر الحقيقي بفعل إسداء حجاب التقليد، الذي يعيق المتكلم عن رؤية حقائق الأشياء كما هي. فالمتكلم ينطلق من تجميع "الحقائق والمسلمات" وحسن الظن إلى الدرجة التي لا يمكنه رؤية ما هو مخالف لها. إنها الممارسة التي دعاها "بالحجاب العظيم الذي به حجب أكثر المتكلمين والمتعصبين للمذاهب"[7]. وأدى كل ذلك إلى أن "يضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده"[8]. إذ أنهم كفّروا الناس الآخرين لا لشيء إلا لعدم معرفة أو موافقة آرائهم. وقد اعتبر هذا الصنف من المتكلمين من "أشد الناس غلواً وإسرافاً"[9].

وعلى الرغم من إدراك الغزالي في مجرى تجربته الشخصية لأهمية علم الكلام إلا أنه أدرك أيضاً بأنه العلم الذي أوصله إلى مأزق الفنون اللاهوتية. فهو في الوقت الذي ظل فيه أميناً لفكرة ضرورة علم الكلام في الدفاع عن عقيدة العوام، إلا أنه أخضع هذه الفكرة إلى تحويرات حسب مراحل تطوره ومواقفه الملموسة، دون أن يمسّ ذلك مضمونها النهائي. فقد أشار في (الإحياء) إلى أنه زاول علم الكلام وذكر في كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد) القدر المهم منه[10]. وأن هذه الصيغة لا تعكس فقط وعي ارتباطه (في مرحلته الصوفية) بتراثه الكلامي، بل وبإدراكه أهميته العقائدية والمعرفية الجزئية.

فقد ظل علم الكلام في ممارسة الغزالي اللاحقة ضرورياً للعوام باعتباره المستوى المعبّر عن الصيغة الدينية المبسطة التي يمكنها أن تثبت وتعمق الإيمان وأصول الاعتقادات في الوجدان والعمل. لكن علم الكلام لا يمكنه تجاوز هذه الوظيفة العملية رغم أن الغزالي لا ينفي أحياناً الإمكانية الجزئية لعلم الكلام في تثوير "الحقيقة الإلهية". وبهذا المعنى يمكن لعلم الكلام أن يكون ضرورياً، بما في ذلك في مجال دراسته  المتخصصة من أجل حراسة عقيدة العوام لا بلوغ حقيقة اليقين[11]. وقد اضطر نفسه إلى استعمال "لغة الكلام" في تلك الحالات التي كان من الصعب، فيما يبدو، أن يتكلم بلغة "الزندقة" الصوفية. وتمتلك هذه الظاهرة الفعلية أسسها الثقافية ومقدماتها الفكرية وقناعتها العقائدية في مؤلفات الغزالي. من هنا صعوبة حصرها بمواقفه الشخصية فقط أو باعتبارات خارجية طارئة. إن استعماله "لغة" الكلام هو الاستمرار الطبيعي لثقافته الخاصة وتكوّنه فيها. بينما استمدت هذه اللغة نماذجها البيانية ومقوماتها الفكرية مما هو مميز للفكر الصوفي وجوهرية فكرة الخواص فيه بمقابل لغة العوام. بمعنى إن موقفه هذا يستمد مقوماته من قناعته العقائدية وإدراكه الخاص لضرورة التأثير الفعال على العوام باعتبارهم "مادة الإسلام" وأساس الخواص.

فعندما تعرّض لقضية الجبر والاختيار ضمن فكرة التوكل الصوفي فإنه كتب قائلاً "فلنشرح الاختيار بلسان المتكلمين شرحاً وجيزاً"[12]. والقضية هنا ليست فقط في صعوبة فهم اللغة الصوفية ورمزيتها الضرورية، التي يمكن أن تؤدي إلى سوء الفهم ومتعلقاته من إثارة الغوغاء وضلال الاتهام والتكفير وما شابه ذلك، بل وفي تجنّب المتصوفة مناقشة قضية القضاء والقدر باعتبارها سراً من أسرار الله لا يلزم الإفشاء به. وذلك لأن الإفشاء به يؤدي، حسب منطق بعضهم، إلى إبطال الربوبية والنبوة. إضافة لذلك أنها تبلورت كقضية ومعضلة لاهوتية فلسفية أساساً في لغة الكلام وتقاليده. وبشكل عام لا يمكن فهم حقيقة آرائه بهذا الصدد دون الأخذ بنظر الاعتبار ثقافة علم الكلام اللغوية والفكرية التي تطور ضمنها. وقد أشار هو في (المنقذ) إلى أنه استفاد من علم الكلام[13]. غير أن هذه الاستفادة لم تكن أسيرة جانب ما معين دون آخر في تجربته النظرية العقلية الأولى. إذ أن مضمون هذه الاستفادة في جوهرها وتأثيرها اللاحق قام أساساً في تجاوز محدودية الكلام.

فقد أكد في (المنقذ) على أن علم الكلام "وافٍ بمقصوده"، بمعنى أن مهمته هي "حفظ عقيدة أهل السنّة وحراستها عن تشويش أهل البدعة"[14]. إلا "أنه غير وافٍ بمقصوده"[15]. فقد استند علم الكلام، وبفعل وظيفته الاجتماعية السياسية والعقائدية، على نفس المقدمات التي يطرحها الخصوم أو يضطر إلى التسليم بها إما تقليداً أو لإجماع الأمة عليها أو بمجرد القبول عن القرآن والأخبار[16].  في حين أن الهيبة التقليدية وإجماع الأمة وآيات القرآن والآثار والأخبار لا تكفي بحد ذاتها لإثبات حقيقة البرهان، ولا يمكن الاستعاضة بها عنه في إدراك حقائق الأشياء كما هي. فهي تمتلك قيمتها (بالحالة المعنية) للإيمان العقائدي (التقليدي) لا للدفاع عن الحقيقة. فالآيات القرآنية لا تمتلك، بنظر الغزالي، قيمتها المقدسة من حيث كونها مصدراً للقناعة إلا بالمعنى التقليدي الإيماني.

ان لهذا الموقف أسسه النظرية التي أبدعتها الثقافة الإسلامية ككل بما في ذلك تقاليد علم الكلام والمعتزلي شكل خاص. أما مضمونه الملموس عند الغزالي فقد أرتبط بخصائص ومجرى تطور الكلامي والفلسفي وصراعه ضد الباطنية. فقد أوصلته التقاليد العقلانية الكلامية إلى حقيقة بسيطة مفادها أن القرآن للجميع وقدسيته للمسلمين فقط. وإذا كانت هذه التقاليد قد أفرزت قضية "الكلام" و" العلم" الالهيين كمعضلات لاهوتية – فلسفية، فإنها مع ذلك لم يكن بإمكانها التذليل الثقافي للشق القائم بين "كلام الله" المطلق و"كلام الله" الملموس(القرآن). وإذا كانت تقاليد الإسلام الورعة قد اقرت واعترفت "بالكتب المقدسة" لليهودية والنصرانية كجزء من "الكلام" الإلهي، فإنها حلّت هذا الخلاف "المنطقي" بين المطلق المجرد والتاريخي الملموس ضمن تقاليد العقلانية الإسلامية نفسها، أي ربطها إياه بمستوى التطور الإنساني مع إبقاء "السر الإلهي" وراء الحكمة. وقد شارك الغزالي هذه التقاليد غير أن انتقاله إلى التصوف قد وضع هذه القضية وأظهرها بمستوى ومضمون آخر. فعقلانية الكلامية أصبحت جزأ من جدل العوام المتعلمة (المتكلمين). واختفت مهاترات هذا الجدل العقيم حول هذه القضية أمام معضلات "الوجود الحق". وبالتالي لم تعد قضية "الكلام الإلهي" وقدسيته من مواد الجدل اللاهوتي، بل من معضلات السمو الروحي والمعرفي الأخلاقي. واحتوت هذه الحالة على تعبير عميق عن الروحية الصوفية من جهة، ومحاربة التقليد والدعوة للإصلاح من جهة أخرى.

وقد سار علم الكلام في هذا الدهليز الضيق وبضوء قناعته التقليدية ومنطقها السطحي. فالمتكلم أكثر خوضه "في استخراج متناقضات الخصوم ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم"[17]. أنه يمارس ولع تحصيل الحاصل المقنّع بعبارات النقد المعارض، دون تقديم أي بديل إيجابي. فعلم الكلام الذي نشأ بادئ الأمر لاعتبارات اجتماعية سياسية وعقائدية، أخذ يهتم أيضاً بالبحث عن حقائق الأمور متأثراً بالفلسفة من خلال خوضه في البحث عن الأعراض والجواهر وأحكامها. وقد طابق الغزالي في (الاحياء) بين علم الكلام والفلسفة في مواقفهما من قضايا المنطق والإلهيات[18]، أي نفس الفكرة التي يمكن العثور عليها في (المنقذ)، بمعنى تشديده على الدفاع عن حقائق الفلسفة وسعيها للبحث عن حقيقة الأشياء. ومن الممكن رؤية هذه التقييمات وجلائها حالما يجري نزع الغلاف الأيديولوجي وطابعه الهجومي المميز "لإشكالات" (تهافت الفلاسفة). الأمر الذي يشير إلى إدراكه العميق للصلة الخاصة بين علم الكلام والفلسفة. وفيما يخض القضية المعنية (العرض والجوهر) فيمكننا رؤية امثلتها العديدة في كتابه (معيار العلم في فن المنطق)، حين يشير إلى التشابه والتباين بين المتكلمين والفلاسفة تجاهها. فالمتكلمون، كما يقول الغزالي، يطلقون لفظ الجوهر على الجوهر الفرد المتحيز الذي لا ينقسم ويسمون المنقسم جسما. لهذا السبب يرفضون اطلاق كلمة الجوهر على المبدأ الاول[19]. فالجواهر المتحيزة عند المتكلمين هي "كلها ذات جسد واحد، وإنما تختلف اعراضها. إذ للجسم ماهية واحدة وهو كونه مجتزأ مؤتلفا. فكونه حيا معناه قيام العلم والحياة به... أما الفلاسفة فيقولون إن "الجواهر مختلفة بأنفسها باختلاف حدودها. وإن الصفات المقومات لها هيئات الأشياء، التي بتبدل ماهيتها يتبدل جواب ما هو"[20]. كما كشف عن التشابه التباين بين عدد كبير من اصطلاحات وآراء المتكلمين والفلاسفة[21] . ومع ذلك فإن أولئك الذين خاضوا في علم الكلام لم يبلغوا مقصدهم النهائي. وبهذا المعنى فإن علم الكلام لم يصنع، كما يستنتج الغزالي، إلا حيرة جديدة.

ولم يقصد بذلك حيرة المتصوفة، بل حيرة المعرفة العقلية، التي كشفت في ميدان بحثها الكلامي عن أفقها المسدود. وبالتالي، فإن انتقال علم الكلام من مستواه العقائدي الأول إلى ميدان البحث عن حائق الاشياء قد وضعته أمام إشكاليات جدبة. وإذا كان لهذه الظاهرة الفكرية مقدماتها التاريخية ومؤشراتها الدينية الثقافية التي لازمت ظهور وتطور أدلة الكلام وحججه، فإن انتقاله إلى التفلسف مع الابقاء على حوافزه الداخلية الاولية (الدفاع عن عقائد الإيمان والعوام) قد وضعه أمام إحراج الفكر والعقيدة. إلا أن لهذه الحالة الحرجة مخارجها الخاصة وأساليب بدائلها المناسبة. أما في مثال الغزالي فقد اتخذت صيغة "الحيرة" الجديدة. اذ طبق على نفسه نموذج الكلام في هيئته الفلسفية، كما هو جلي في (تهافت الفلاسفة). وليس مصادفة ان يصنّفه لاحقا باعتباره من بين كتبه الكلامية، أي أن أسلوب البحث عن حقائق الاشياء يطرق الكلام الفلسفي قد أدت إلى حيرة وجدت انعكاسها المباشر في أزمته الفكرية الأخيرة، وغير المباشر في انتقاله إلى التصوف

وأشار إلى ذلك بجلاء عندما كتب معبراً عن تجربته المعرفية الشخصية قائلاً بأن المرء "قد يظن أن فائدة الكلام كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه. هيهات! فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف.  لعل التخبط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف. وهذا إذا سمعته من محدّث أو حشوى ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا. فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر تناسب نوع الكلام. وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود"[22].

إن تجربة الغزالي في تجاوز محدودية علم الكلام هي ليست تجربة شخصية بحتة، بقدر ما أنها ظاهرة تاريخية فكرية. فقد انتقد الغزالي الكلام وتجاوزه باعتباره أحد ممثليه الكبار. بينما كفّ الكلام في وقت لاحق عن أن يشكل قيمة متجددة قادرة على تثوير نفسها. ولم يكن ذلك معزولا عن مأثرته ذاتها في الكشف عن محدودية الكلام وانغلاق آفاق تطوره. مما فسح المجال بدوره أمام تطوير الفلسفة والتصوف الفلسفي. غير أن هذه العملية لم تجر في أثره إلا بمعنى مثالها الفردي ومثاليتها التاريخية ونموذجيتها الفكرية. فالغزالي نفسه لم ينظر إلى تجربته بهذا الصدد على أنها البديل الشامل الوحيد والعلاج المفوض للجميع. لقد أكد على أن الكلام "في حقه لم يكن كافياً، ولدائه لم يكن شافياً"[23]. وبالتالي فإن تجربته التي صاغها في (المنقذ) لم تهدف إلى "الإنكار على من استشفى به. فإن أدوية الشفاء مختلفة باختلاف الداء. وكم من دواء ينتفع به مريض ويستضر به آخر"[24]. فهو يقف هنا بالضد من تحويل التجربة الفكرية الفردية ونتائجها أياً كانت إلى مثال مطلق وملزم وضروري للجميع. أنه يبدو هنا أكثر تجانساً في مواقفه من عقلانية الكلام، التي ظلت حتى في أشد حالاتها جرأة أسيرة مأزقها التقليدي. في حين أن التجربة الفكرية والعملية قد أقنعته بأنه لا ضرورة للتقليد خارج الأوليات (البديهيات).

لقد دفعت الحصيلة العامة للتطور الفكري العقلاني ووضعت أمام الغزالي مهمة تثوير الكلام من الداخل ونزع قيوده الداخلية. إلا أن هذه الحصيلة أوصلته في الوقت نفسه إلى عدم جدوى هذه المهمة. فالوصول إلى هذه الغاية من وجه الكلام مسدود كما سيقول في (الإحياء). ذلك يعني بأن انسداد علم الكلام افترض أيضاً إمكانية البحث عن حل له في طريق آخر، وعن مخرج له في أسلوب آخر، اتخذا عنده طريق وأسلوب التصوف.

فبالتصوف فقط، كما سيشدد مراراً، يمكن رؤية حقائق الأشياء كما هي عليه، بفعل فاعلية التجربة الفردية وقيمتها، وبفعل ضرورة المعاناة الشخصية وجوهريتها، وبفعل ربطه في كل واحد وحدة الحقائق كما هي عليه، بحيث لا يصبح المفكر فيها أجير الكلمة، بل أسير البحث عن روح المعاني. آنذاك لا حدّ محدود ولا أفق مسدود. آنذاك تصبح حرية المعرفة وحقيقة المطلق القيمة العليا، أي كل ما لم يكن بإمكان المتكلمين رؤيته. وهذا ما يفسر عجز المتكلمين كما يقول، عن استيعاب حقائق الصوفية. وذلك لأن علم الكلام توقف عند حدود قناعته التأملية والجدلية دون أن يرى أو يحاول رؤية ما هو أبعد منها وأعمق وأشمل. وقد حدا ذلك بهم، على سبيل المثال، إلى إنكار الأنس والشوق والمحبة الصوفية لأنهم وجدوا فيها دلائل التشبيه. أما في الواقع فليس التشبيه سوى الصيغة المحوّرة والمنعكسة في دلائل علم الكلام من التثبيت أو التعطيل. فالإنسان يقيس على ما هو مميز له، بينما دلائل الكلام ما هي إلا خيالات فاسدة أو مريضة[25]. فالمتكلمون يجهلون بأن "جمال المدركات بالبصائر أكمل من جمال المبصرات، ولذة معرفتها أغلب على ذوي القلوب"[26]. وقد قدم هنا مثال غلام الخليل (أحمد بن غالب) الذي أنكر على الجنيد (ت-297 للهجرة) وأصحابه حديث الحب والشوق، بينما أقر بالصبر فقط. وعلّق الغزالي على ذلك قائلاً:"وهذا كله كلام ناقص قاصر لم يطلع من مقامات الدين إلا على القشور فظن أنه لا وجود إلا للقشر. فإن المحسوسات وكل ما يدخل في الخيال من طريق الدين قشر مجرد ووراءه اللب المطلوب"[27]. فالحقائق أياً كانت لا يرتبط مضمونها بالجدل الوهمي والتصورات والمسلمات السائدة.

وإذا كان علم الكلام قد بنى صرحه على هذا الأساس، فإن قناعة اليقين فيه (في حالة افتراض وجودها) عرضة للتثلم الدائم. لكن ذلك لا يعني دعوة الغزالي إلى يقين جامد ثابت لا معرفي. على العكس! فهو يجد في كل الأشكال السابقة للمعرفة، بما في ذلك الكلامية، مستويات متباينة ومقبولة لحد ما في بعض أجزائها دون افتراض طابعها اليقيني التام. فالمعرفة بنظره لا يمكنها أن تتناهى بفعل عدم تناهي الله وأفعاله. والكون هو تجلي فعله الدائم. وإمكانات وأساليب إدراكه متفاوتة. من هنا إمكانية بقاء واستمرار الكلام. إلا أن الكلام يقابل في ضرورة بقائه موقع السيف للأنبياء. ولكن من هو الذي يقول بأن السيف أبلغ حجج النبي؟ إن قولاً كهذا ينمّ، كما يستنتج الغزالي، عن عدم فصاحة وضعف إدراك.

لقد أراد القول، بأن الشاعر يمكنه أن يقول بأن السيف أصدق إنباءً من الكتب، إلا أن الشعراء لا تستقيم إلا بتعبيراتهم العوجاء! فالنار الطبيعية لا تستقيم. والشاعر الحق أشد ابتعاداً عن الحق المنطقي. بينما لا يمكن لمظاهر القوة أن تكون بالنسبة لأنبياء المعرفة سوى أمثلة طارئة وعابرة وملموسة للإحساس والخيال لا للبصيرة. وبهذا المعنى ليس "علم الكلام والجدال أبلغ مقام من ظهر منه من العلماء" كما يستنتج الغزالي[28].

إن إدراك الغزالي لمحدودية علم الكلام باعتباره التعبير الأيديولوجي والنموذج الفكري للقوة الخشنة في تعبيرها عن عقائد الإيمان لا يمكنه أن يكون أسلوب السمو والوحدة الحقيقية للكينونة الإنسانية. وبهذا تكون تجربته الكلامية أحد المصادر العقلية النظرية لبلورة نزوعه اللاحق صوب التصوف.

***

 

 ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص98.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص99.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص99

[4] لهذه الفكرة التي يرددها الغزالي كثيرا في كتابه (الإحياء) وغيرها من المؤلفات أسسها العميقة في نظراته المتعلقة بطرق بلوغ الحقيقة واليقين، التي سوف اتناولها في مجرى تحليل نظريته عن المعرفة. إلا أن الشيء الذي ينبغي الإشارة إليه هنا هو ربطه إشكالية الأيديولوجيا والحقيقة ومحاولة تأسيسها النظري.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص94.

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص23.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص14.

[8] الغزالي: فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة، ص97.

[9] الغزالي: فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة، ص97.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص247.

[11] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص253.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص254.

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص77.

[14] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص91.

[15] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص91؟

[16] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص92.

[17] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص92.

[18]  الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص22.

[19] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص231.

[20] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص 231).

[21] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص222-231).

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص97,

[23] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص92.

[24] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص93.

[25] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص127.

[26] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص340.

[27] الغزالي: اإحياء علوم الدين، ج4، ص340.

[28] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص30.

 

ميثم الجنابي"العمى أقرب إلى السلامة من بصيرة حولاء"

 لقد شكل علم الكلام أحد المصادر الأساسية المكونة لثقافة الغزإلى ونزوعه العقلاني ومقدرته الجدلية. وهي الجوانب التي نعثر على انعكاسها الدقيق في (المنقذ) بما في ذلك من حيث أهميتها بالنسبة لتطور الفكري والروحي. حيث يعتبر علم الكلام أحد مراحل اهتمامه النظري وأحد ميادين نشاطه والمحك المعقد لامتحان سعيه لبلوغ الحقيقة كما هي. وقد استند إلى تراث الكلام العريق في ابداع اساتذته الكبار كالباقلاني والجويني إضافة إلى شيوخ المعتزلة. وبغض النظر عن الانتقادات الشديدة التي وجهها للكلام المعتزلي بما في ذلك في أحد اعماله الفقهية المتأخرة (المستصفى من علم الأصول) إلا انه ظل يكن احتراما لعقلانيته المتألقة، كما نراه أيضا في (فيصل التفرقة) وموقعه في مستويات التأويل والتكفير.

أما موقفه من الكلام وتقاليده في صيرورة نزوعه العقلاني، الذي ساهم في انتقاله إلى التصوف، فمن الصعب توقعه دون وخارج الاعتزال. فالمعتزلة هم أول من أدخل في الثقافة الإسلامية منهجية البحث عن الأسباب والعلل والبحث العقلي تجاه فهم كل شيء. ونعثر على أثر ذلك في تقييم الغزالي لتجربته الفكرية العقلية كما وضعها في (المنقذ) وغوصه في "بحر المعرفة". بل نعثر على ذلك أيضا حتى في آخر أبحاثة الكبرى كما نراها في (المستصفى من علم الأصول) في معرض جدله ونقضه لآراء المعتزلة بصدد الأخلاق. إذ نعثر فيها على محاولة دفع الأخلاق العقلية للمعتزلة إلى اقصى درجة ممكنة. إذ نعثر في اعماقها ليس على تفنيد وجدل العقل اللاهوتي المميز للكلام وتجاربه الشخصية الأولى في مهاجمة آراء المعتزلة. لقد حاول نقض آراءهم ضمن سياق تقاليدهم العقلانية وتقاليد الكلام ككل. لهذا كان نقده ونقضه ومهاجمته إياهم يحمل طابع الاجتهاد العقلي والأخلاقي والروحي. كما نعثر فيه على النفي المبطن وغير المباشر لتقاليد الكلام بحد ذاته

إن تجربة الغزالى في موقفه من علم الكلام وتقاليده هي تجربة إدراك محدوديته المعرفية. فعندما يتناول في احدى مراحل تطوره الصوفي، بعد أن قطع شوطا بعيدا في التخلي عن "هواجس النفس" و"مكر العقل" وإعادة النظر والتصنيف بمؤلفاته السابقة، فإننا نراه يضع اغلبها مثل (تهافت الفلاسفة) و(المستظهري) و(حجة الحق) وغيرها في مصنفات علم الكلام الذي لم يعد بالنسبة له أكثر من "علم الدفاع عن عقيدة العوام"[1]، إي انه مجرد الاستمرار "النظري" لعقائد العوام في الإيمان. ولم يصل إلى إدراك وإعلان محدودية الكلام وطابعه الأيديولوجي (بوصفه فن الدفاع عن عقيدة العوام) إلا في وقت متأخر نسبيا. وما صاغه في (المنقذ) من اعادة النظر في تجربته السابقة تعكس رغم قناعتها الهادئة، المسار المعقد للبحث عن الحقيقة واليقين. فهو يشير إلى قناعته الأولية القائلة بأنه لا مطمع لبلوغ الحق خارج الأصناف الأساسية لطالبي الحقيقة (المتكلمون والباطنية والفلاسفة والمتصوفة). وبهذا فإن نظرته إلى علم الكلام وموقفه منه اتخذ في بداية الأمر صيغة الكيان والمنهج الذي يمكن من خلاله بلوغ الحقيقة. بمعنى، إن موقفه منه في بداية الأمر لم يتصف بالرفض، على العكس! فتربيته بروح الكلام الأشعري وتقاليده قد صنعت منه متكلما رفيع المستوى. وبالتالي، فإن دخوله في دهاليز الكلام لم يتضمن في نزوعه الأولي سوى رغبة بلوغ الحقيقة لا إتقان حلوله الجاهزة. وأن تطوره اللاحق هو الصورة الحية لمتابعة مجرى المعرفة المتعمقة في بحثها عن الحقيقة.

لقد تجمعت عناصر إدراك المحدودية المعرفية لعلم الكلام في مجرى دفاع الغزالي عن معتقداته الكلامية. لهذا ركز في انتقاده لعلم الكلام على كشف أسلوبه الجدلي وبراهينه التي تبتدع "الحقائق" النفسية الأيديولوجية لا حقائق المعرفة المجردة. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن تفحصه النقدي لتجربته الكلامية ذاتها. حقيقة إن إعادة النظر بالكلام اللاهوتي لم تكن عملية فردية أو انعكاسا مباشرا لتجربته الشخصية. فتاريخ الكلام الإسلامي يعرف الكثير من حالات الانقلاب وشواهده من الكلام إلى التصوف والميادين الأخرى. غير أن هذا التاريخ نفسه لا يقدم لنا مثالا نموذجيا كبيرا عن انتقال صوفي إلى الولع بالكلام. وإذا كان بالإمكان استثناء الحارث بن أسد المحاسبي (ت ـ 243  للهجرة) فليس إلا لكونه نتاج المراحل الأولى لمزاوجة الكلام بالزهد الصوفي. وبهذا المعنى يمكنه ان يخدم كمثال للمقارنة مع الغزالى، إلا انه لا يفسر الظاهرة الغزالية.

فقد جرى انتقال الغزالي من الكلام إلى التصوف في وقت بلغ به تطور الكلام مراحل عليا بحيث اتخذ في الكثير من جوانبه هيئة المنظومات النظرية المختلفة من حيث أسس بنائها ومستويات عمقها. بينما كان التصوف يمارس في مدارسه وشخصياته تأمل تراثه الكبير وسعيه نحو المطلق. ومن العبث البحث في هذه العملية عما يمكن دعوته بالتآلف الجديد بين التصوف والسنّة التي تحول بها مخزونه الكلامي إلى ذرات متناثرة في تصوفه العقلاني، كما كان الحال بالنسبة للصيغة العامة المميزة لنموذج المحاسبي. وذلك لأن هذه الفرضية عاجزة عن تفسير حقيقة هذا "الربط" كما أنها لا تستطيع فهم مضمونه ونوعية هذا التصوف. اضافة إلى ذلك إن هذا الافتراض لا يمكنه تسليط الضوء على الكيفية التي كان بإمكان الغزالى ان يوّحد بها انتقاده للكلام (اللاهوتي) الإسلامي ومعتقداته السُّنية، وكذلك رميه إياه في مزبلة الوعي الثقافي باعتباره جهل متحذلق بالمعرفة. أما في الواقع فإن العملية جرت شأن كل ما هو جوهري في الحياة والواقع، أي من خلال نفيه الضروري.

فعلم الكلام الذي شكل أحد مصادر الوعي العقلاني وثقافة البحث عن الأسباب، شحذ قريحة الجدل المعرفي والمذهبي والعقائدي وكذلك أسلوب التبرير والقناعة الشخصية، أي مصدر كل التناقضات الواقعية والممكنة في التفكير العقائدي الاجتماعي والسياسي والميتافيزيقي. وعمَّق في شخصية الغزالى، بسبب "تطرفه" الشديد في ميدان الجدل العقلي، مواجهة حقيقة الإمكانات الفعلية للكلام نفسه، باعتبارها طاقات مفتعلة. مما حدد بالضرورة إعادة النظر بموقع ومضمون ووظيفة الكلام في المعرفة والكينونة الاجتماعية والروحية للأمة.

فالغزالى الذي ولع بالجدل الفكري إلى الدرجة التي أدت به احياناً إلى هاوية السفسطة، قد تمثل في الواقع ليس الاشعرية وخصوصا بصيغتها الباقلانية، بل والاعتزال ومهاترات الفرق الكلامية الأخرى. وإذا كان علم الكلام الإسلامي قد عرف بنماذجه أيضا أسلوب الورع والخشية، فليس إلا عند تلك الشخصيات التي استمدت مثالها الفردي الأخلاقي من بعض ممثلي الإسلام الأول. في حين بقيت في جدالها الفكري ضحية العقائدية والمذهبية الضيقة ومنطقها المقيد لحرية الفكر بين الاتهام والشتيمة وبين التكفير وإباحة الدماء. ولم يجد الفكر العقلاني حرجا في مزاولة ما هو مناهض لمنطق العقل. غير أن مفارقة هذه الظاهرة تقوم في أن هذا المنطق الجدلي قد حوّل العقل إلى أداة طيعة لتبرير كل استنتاجاته بحيث أصبح من الصعب تحديد ما هو منطقي في الأخلاق وما هو أخلاقي في المنطق، والحقيقة في النقد والنقد في الحقيقة. ومن الممكن العثور على هذا النموذج في كتاب (التمهيد) للباقلاني و(التهافت) للغزالي من حيث تشابههما الكبير في منهجية الجدل. ولم يكن هذا الأسلوب حصيلة التيار الأشعري فقط، بل وجميع تيارات علم الكلام.  فالجاحظ، على سبيل المثال، قد مّثل في بعض سخرياته اللاذعة السفسطة الجارحة للنقد العقلاني. انه استهزأ بكل ما هو موجود إلى الدرجة التي رفع بها "الوضيع" أحيانا إلى أعلى عليين واهبط "الرفيع" إلى اسفل السافلين. لكنه ابقى مع ذلك على جوهرية النزعة الإنسانية العقلانية في أحكامه النهائية. بينما اصيب بالحمى ثم الموت مؤسس الفرقة النجارية الحسين بن محمد النجار (ت ـ 230  لهجرة) بعد ان افحمه النظّام في احدى مناظراته[2]. ولعل تاريخ الكلام الإسلامي يعرف في شخصياته نماذج عديدة في استثارة حفيظة الوعي المقارن والنقدي الذي أحتل فيه الغزالى أيضا أحد امثلته الرفيعة.

فقد تتبع في (تهافت الفلاسفة) أسلوب الجدل الكلامي بحيث اكد فيه على أن انتقاده ودحضه للفلاسفة مبني أساسا على منهجية "مقابلة الإشكالات بالإشكالات" من اجل "اظهار فساد كلامهم". أما براهينه الإيجابية فسوف يسطرها في (قواعد العقائد)[3]. غير أن الغزالى لم يكن بإمكانه آنذاك وعي محدودية هذه الايجابية أو صيغتها النهائية. فإذا كان المقصود (بقواعد العقائد) هي (الرسالة القدسية) التي أدرجها في (الإحياء) فإنه يضعها في (جواهر القرآن) في صنف مؤلفات علم الكلام وطبقاته الدنيا، التي تلي من حيث مستواها مؤلفاته الكلامية الشهيرة مثل (الاقتصاد في الاعتقاد) و(تهافت الفلاسفة)، أي الكتابات التي نظر إليها باعتبارها مؤلفات حجاجية لا تهدف إلى بلوغ الحقيقة كما هي[4]. ذلك يعني، أن الغزالى لم يعِ ويقطع بالمحدودية المعرفية لعلم الكلام إلا في مجرى انتقاله إلى التصوف. وهو ما نعثر عليه بوضوح كامل في (الإحياء). آنذاك أخذت تبرز فكرة افتقاد علم الكلام للحقيقة وأن مهمته هي الدفاع عن عقيدة العوام.

ففي مؤلفاته السابقة (للإحياء) لم تختمر هذه الأحكام النهائية بعد. إلا إننا نعثر فيها على بعض العناصر الجوهرية التي شكلت روافد تجاوزه لمحدودية علم الكلام في مجرى معاناته لقبول حقائق الطريق الصوفي. ففي (تهافت الفلاسفة) يظهر المتكلم باعتباره نموذجا للفطانة البتراء والبصيرة الحولاء. بصيغة أخرى، إن البصيرة الحولاء والفطانة البتراء للمتكلمين رغم توجهها العام لاستثارة الهِّمة الكفاحية للعقائد اللاهوتية ضد "زندقة" الفلاسفة، إلا أنها كانت تتضمن في أعماقها إقرارا بواقع المحدودية الفعلية للفكر الكلامي في كل من جدله العقائدي وفي قابليته للبرهنة على مقالاته ومعتقداته. وفي وقت لاحق، حالما واجه مهمة "تثوير" الذهنية اللاهوتية للمتكلمين التقليديين والفقهاء المتشددين من خلال دعوته إلى إدراك أهمية المنطق، فإنه يكون قد سار في التقاليد العقلانية الصارمة للكلام، التي ألزمته بالوقوف أمام حصيلتها الفكرية الأيديولوجية والمعرفية النظرية ومفاهيمها عن "تكافؤ الأدلة".

فقد عمّق مفهوم تكافؤ الأدلة من الناحية التاريخية، الصراع الفكري وشحذ في الوقت نفسه ذهنية العقلانية الجدلية. لكنه أثار في نفس الوقت حفيظة وتعصب النزعة الضيقة التي افرغت المنطق العقلي من محتواه السليم وقدرته البرهانية. ومن الناحية المنهجية كان هذا المفهوم النتيجة النظرية لاستعصاء حل المعضلات الميتافيزيقية (الإلهيات) بصورة قاطعة ومقبولة للجميع، إلا انه احتوى ضمنيا الاقرار بالصراع في ما بين الحلول النظرية المتعارضة للقضايا الفلسفية الكبرى و"شرعية" وجودها. أما من الناحية المعرفية فهو تعميق لمنهجية برهان الخلف.

إن وحدة وتفاعل التأريخي والنظري والمعرفي بعناصرهم جميعا فسح المجال أمام حرية أوسع للنزوع السوفسطائي. إذ انه صنع في مجرى صراع المدارس الفكرية بشكل عام واللاهوتية الكلامية بشكل خاص، إمكانية الجدل السوفسطائي الذي دخل بدوره كعنصر فعال في التقاليد الكلامية التي واجهها الغزالى في سعيه لحل معضلات الفكر الفلسفي وقضايا الميتافيزيقا والمسائل النظرية العملية للوجود الاجتماعي.

إن خوض الغزالى جدل الكلام اضطره إلى الاستعمال الجزئي لجدلية "تكافؤ الأدلة" أو ما دعاه في (تهافت الفلاسفة) "بمواجهة الإشكالات بالإشكالات". بينما اعتبر نفسه الشخصية المعارضة والمنتقدة والمفندة لمقالات الفلاسفة التي يمكنها ان تستلهم كل حصيلة الجدل الكلامي بغض النظر عن مدارسه عندما رفع شعار "عند الشدائد تذهب الاحقاد". لكنه وضع في الوقت نفسه مشروعه الايجابي القادم الذي اقترح له عنوان (قواعد العقائد).

لقد أدرك الغزالي القوة النسبية لمنهج "تكافؤ الأدلة" في الجدل وضعفها في المعرفة. وهذا ما سيظهر بوضوح في موقفه من مفهوم ونظرية تكافؤ الأدلة، والجدل، وحقيقة المعرفة. فقد شدد في (معيار العلم) الذي كان من حيث مشروعه ومهمته تنفيذا وإثباتا لما سبق وأن استعرضه في (مقاصد الفلاسفة) وقرره في (تهافت الفلاسفة) عن صحة المنطق وضرورته لمختلف ميادين الفكر النظري والعملي. فهو يؤكد على أن الإقرار بتكافؤ الأدلة كنهج في النظر أو كمقدمة فكرية عامة لا يعني في الواقع سوى إمكانية مطابقة المنطق مع السفسطة. بل شدد على أن القول بتكافؤ الأدلة هو نتاج الفكر السوفسطائي[5]. وقد أفرز ذلك في مجرى تطور آرائه وصراعه ضد مناهضي المنطق من المتكلمين والفقهاء، عناصر محاربة الأدلجة الكلامية رغم انه لم يتخلص منها كلياً. وفي الوقت نفسه تعيق أحكام المنطق والعقل. فالذين اقروا بالضرورات المنطقية الأولية كما يكتب الغزالى وزعموا "إن الأدلة متكافئة في النظريات فإنما حملوا عليه ما رأوا من تناقض أدلة فرق المتكلمين وما اعتراهم في بعض المسائل من شبه وإشكالات عسر عليهم حلها فظنوا انها لا حل لها اصلاً. ولم يحملوا ذلك على قصور نظرهم وضلالتهم وقلة درايتهم بطريق النظر، ولم يتحققوا شرائط النظر المنطقي"[6]. ذلك يعني أن الأساس المعرفي لمفهوم تكافؤ الادلة يستند إلى رؤية واقع التناقض في أدلة وآراء الفرق الكلامية وتعارضها وعدم تمكنها من شروط المنطق. وبالتالى، فإن نفي إمكانية إدراك الحقيقة في اطار هذا المفهوم هو نتاج الضعف الخاص. لهذا لا يمكنه ان يشكل اساسا للقول باستحالة بلوغ الحقيقة. فالأمور النظرية هي ليست تناقضات خلف خالصة. وبالتالي، فإن الاستعصاء النظري أو تكافؤ الأدلة في النظريات هو نتاج غياب نظرية شاملة ومتجانسة. بينما استعصاء بلوغ الحقيقة في اطار علم الكلام وتناقض أدلة فرقه فهو نتاج تقليديته وتعصبه العقائدي وطابعه التبريري.

فقد بنى علم الكلام استنتاجاته "المنطقية" كما يقول الغزالي، على مقدمات مشهورة جدلية غير مبرهن عليها. ومن ثم جرى اخذها كمسلمة من حيث استبشاع نقيضها أما لما فيه من مخالفة الجمهور (العوام) وأما لما فيه من مخالفة ظاهر القرآن، أي تلك الحالة "المنطقية" المزيفة التي يمكن ملاحظتها في الكثير من "المقدمات المنطقية" في آراء الناس وأحكامهم المبنية على اساس كراهتها للنقيض لا غير.  فالمقدمة التي يحاول المتكلم أن يبرهن فيها "منطقيا" على فكرة رحمة الله وإنه أرحم الراحمين تستند إلى مادة القياس (الكاذبة) من أن الرحيم لا يؤلم البريء عن الجناية، والله أرحم الراحمين فإذن لا يؤلم بريا عن الجناية. إلا إننا نرى، كما يقول الغزالي، إيلام الله للحيوانات والمجانين وما شابه ذلك. فالقضية هنا ليست في الإيلام والرحمة بقدر ما هي في استيعاب طبيعتها وهويتها. فالرحيم بالنسبة للغزالى هو الذي لا يؤلم من غير فائدة. ولا معنى للرحمة خارج المتناقضات، بل أن وجه التناقض والنقص في الأحكام "المنطقية" للكلام تقوم في أخذها النصوص والكلمات القرآنية أو تصورات العوام كما هي. بمعنى إدراك الرحمة والقسوة (الإلهية) بأنسنتها، في حين أن الغلط القائم هنا يقوم في ترك التأويل في محل وجوبه مما يؤدي إلى تناقض أقيسة المتكلمين. إذ أنهم ألِفوا "هذه الأقيسة من مقدمات مسلمة لأجل الشهرة أو لتواضع المتعصبة لنصرة المذاهب عليها من غير برهان ومن غير كونها أولية واجبة التسليم"[7]. وقد حدد ذلك، كما يستنتج الغزالي، الطابع الضيق والوظيفة التبريرية لعلم الكلام. بل نراه يعتبر العلاقة السائدة بين الفرق الكلامية وتناحرها شبيها بتناحر القبائل[8].

إن ضيق ومحدودية الكلام يقوم في منطقه غير المنطقي وسيادة التقليد والتعصب العقائدي والمذهبي الذي يبرز بوضوح في اتجاهاته الكبرى. فالمتكلم يشكل بحد ذاته منظومة فكرية مغلقة لا يتطرق إليها الشك، ولا تتقبل انتقادات المعرفة العلمية بفعل أسسها وأحكامها القَبلية. فالمعتزلي لا يتقبل وجدانياً ومعرفياً آراء الأشعرية، والأشعري يتعامل مع الآراء المعتزلية بالمزاج نفسه. فهي الظاهرة المميزة لأكثر من لقاهم من المتكلمين، كما قال مرة عن نفسه. أو ما دعاه بأولئك "المترسمين باسم العلم" الذين "لم يفارقوا العوام في أصل التقليد، بل أضافوا إلى تقليد المذاهب تقليد الدليل. فهم في نظرهم لا يطلبون الحق، بل يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما اعتقدوه حقاً بالسماع والتقليد"[9]. فالكلام بهذا المعنى لا يمكنه أن يؤدي إلى الحقيقة واليقين. وهو يتشابه في الكثير من عناصره الداخلية بالفقه. فأسلوبه الجدلي، كما هو الحال في الفقه، مجرد مشاغبة لا برهان. مما جعله ذلك يستنتج قائلا إن "ما ذكره المتكلمون في مناظراتهم مع الفرق جدليات. وهكذا ما يجري في مناظرات الفقه"[10].

وبغض النظر عن إشكاليات تقييمه لاتجاهات الكلام، إلا أن تقييمه العام القائل بضعفه ونقصه بسبب تعمق وهيمنة عناصر التبرير والأدلجة العقائدية فيه، يبقى دقيقاً للغاية. بل يمكن القول بأنه يشكل أحد أهم إنجازاته النقدية في نزوعها العقلي.

ومما هو جدير بالاهتمام، أن الغزالي في معرض إشارته لهذه الجوانب المميزة لعلم الكلام لا ينفي في الوقت نفسه أهميته الاجتماعية السياسية والدينية العقائدية. فهو يشدد على أهمية علم الكلام باعتباره حارس عقيدة العوام. وأن هذا التناقض القائم بين الطابع العملي الأيديولوجي للكلام ووظيفته العقائدية وبين فقدانه لحوافز البحث عن الحقائق كما هي، له جذوره الواقعية في الصفات "الهرمونية" للثقافة السائدة ومُثلُها الأساسية العامة في وحدة ثنائياتها الكبرى كالخواص والعوام ومختلف نماذجها الأخرى كالتأويل والتفسير، والظاهر والباطن، والحقيقة والشريعة وغيرها.

إن الشيء الجوهري في موقفه من علم الكلام يقوم في أن هذه الثنائيات العامة التي ابدعتها الثقافة الإسلامية كانت الأسلوب الواقعي لتأسيس وتراكم المعرفة واستمرارها في وحدة التقاليد الثقافية والحضارية. وقد أدرك الغزالي هذه الحقيقة التي توصل اليها بأثر تجربته الشخصية ومحاولات جمعه إياها في توليف نظري وعملي خاص. بمعنى انه حاول توظيفها أيضا في مجال توحيد الأمة والدفاع عن حصيلة وخصوصية ابداعها الثقافي والحضاري. ويمكن الرجوع بهذا الصدد إلى كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد)[11]. اضافة لذلك إن هذه القضية تتسم بقدر كبير من التعقيد والتشابك وبالأخص ما يتعلق منها بعلاقة الفكر النظري بالسياسة، وعلاقة السياسة بالأخلاق، وعلاقة كل ذلك بالشريعة.

لقد نظر إلى علم الكلام باعتباره حصيلة الأدلة التي ينتفع بها للدفاع عن العقائد الإيمانية. إلا أن خروج علم الكلام عن إطار مهمته الأولية وتحوله إما إلى مجادلة مذمومة أو مشاغبة بالتعلق بمتناقضات الفرق والخصوم هو الذي أدى به إلى أن يمتلئ، كما يقول الغزالي، بالترهات والهذيانات[12].  غير أن ذلك لا يعني عرضية علم الكلام. فقد نشأ الكلام كما يؤكد الغزالي، شأن أغلب علوم الدين، بفعل الحاجة. وقد طابق الغزالي هذه "الحاجة" مع مهمة علم الكلام الأيديولوجية، أي في الدفاع عن عقيدة العوام. وبغض النظر عن مفارقة هذه الصياغة، إلا أنها تبقى دقيقة من حيث محتواها. بمعنى أنه نشأ ضد "غوغائية العوام" ولأجلها. ولا تعني هذه الظاهرة وتعبيرها المجرد في أحكامه عن منشأ علم الكلام سوى الصيغة المعبرة عن الصراعات السياسية والانتفاضات الجماهيرية التي رافقت تكوين الدولة الإسلامية وعالم الخلافة الثقافي. وليس بعيداً عن الذاكرة كل تلك الانتفاضات والثورات الكبرى للخوارج والشيعة وأمثالها، التي كانت تكتسب أتباعها ببساطة استناداً إلى بساطة مفاهيمها وتباينها. مما جعل إمكانية الوحدة (الأمة) عرضة للتفتت بفعل "الأدلجة" المتزايدة للنزوع الديني والنصوص السمعية (الإيمانية). وقد كشف الغزالي عن هذه الظاهرة بدقة بليغة عندما أكد على أن ضرورة الرد وظهور الكلام نشأت "على ما ظهر من البدع وتجرؤ العوام مع كل ناعق والمنازعة لهم، والسعي في اجتماع الكلمة على السنّة بعد افتراقها"[13]. وبهذا يمكن القول بأن الغزالي أدرك الطابع السلبي للحاجة بعلم الكلام، أي أنه نظر إليه باعتباره العلم المناهض "للبدع". لكنه لم يقصد بضرورة الرد المميزة للكلام في دفاعه عن إيمان العوام سوى مراحله الأولى.

فالبدعة لا تتطابق في أحكامه مع ما هو سيء ورديء، ولا تتضمن على الدوام فحوى سلبي. فهي عادة ما تظهر بهيئة رد فعل على الحاجة، وبالتالي تتضمن تمثلها الواعي لهذه الحاجة. لكن ذلك قد يتخذ صيغة المظهر السلبي كظهور الحرس بسبب ظهور اللصوص في طريق الحج[14]. إن هذا الفهم الواقعي لترابط الظواهر يعكس الادراك العميق للكيفية التي نشأت فيها العلوم بشكل عام والاجتماعية (الدينية) منها بشكل خاص. فتخصص المعارف يعكس الحاجة الطبيعية للإنسان والجماعة. ومع أن الغزالي لم يتطرق إلى هذه القضايا بصورة محترفة، لكنه بلور الكثير من الآراء والمواقف القيمة بهذا الصدد، والتي حاول من خلالها أن يربط في كل واحد الأبعاد الطبيعية للحاجة بما في ذلك من حيث مقدماتها الاجتماعية والسياسية والحياتية. أما موقفه من علم الكلام فقد ربطه بصيرورة الدولة ومؤسساتها. وتعكس هذه الفكرة العميقة إدراكه الدقيق للطابع الأيديولوجي والوظيفي لعلم الكلام وبالاخص في مراحل نضجه الكبير. وفي هذا يكمن أحد الأسباب التي جعلته يقف منه موقفا نقديا. 

وليس مصادفة أن يضع مرتبة المتكلمين مقارنة بالفقهاء في (جواهر القرآن) كنسبة بدرقة طريق الحج وحراسه إلى الحجاج[15]. وهي ذات الفكرة التي يكررها في (الإملاء)، عندما وصفهم "بخدام الشرع وحراس متبعيه"[16]. أنه يدرك وحدة الأضداد التي حالما تفرز ظاهرتها الجديدة، فإن الحكم الأخلاقي المجرد يفقد جوهريته بفعل انتقال مواقع الإدانة وتقدم وتأخر "الأولويات" العملية فيه.

لقد شغلت هذه القضية وما تزال اهتمام الفكر الفلسفي بمختلف ميادينه ومستوياته. وهي قضية علمية وعملية بقدر واحد. بل نعثر فيها على بؤرة التوتر الدائم في أعماق الإدراك العلمي المجرد والضمير الأخلاقي الصافي. فهي تمثل الوحدة المتآلفة من عالِمية المعرفة وأخلاقية الأخلاق. فإذا كانت المعرفة هي حلقات السلسلة الملازمة لتطور الإدراك العلمي المحددة بحاجات الروح والجسد، فإن أخلاقية الأخلاق هي الأخرى أيضا نتاج الوحدة الخفية لحاجات الروح والجسد. وبالقدر الذي يمكن أن يتحولا كلاهما (المعرفة والأخلاق) إلى "عبيد" للجسد، يمكنهما أن يصبحا "أسياد" الروح. وفيما بينهما تتراوح نسب الرؤية والمواقف في تعاملهما مع "الأولويات". فعلى هذا الاساس جرى بناء نظريات الأخلاق وموقفها المختلفة والمتباينة تجاه أبسط القضايا وأكثرها تعقيدا. فمن الناحية التاريخية شكلت النماذج والاتجاهات والمستويات المتباينة للنظريات والمواقف التعبير "الطبيعي" للتنوع الأخلاقي. أما من الناحية المعرفية فقد شكلت الأسلوب الثقافي للمواقف من "الأولويات" والقيم العليا. ومأثرة الغزالي هنا تقوم في عدم خضوعه لآلية الإدانة أو ولع الأولويات المميز للعقائدية الضيقة والمذهبية المفرطة، بل في التتبع الدقيق لعلاقة المكون التاريخي الثقافي بالمعرفي الأخلاقي.

بعبارة أخرى، إن نشوء علم الكلام وتطوره هو "بدعة ضد البدعة". وقد تضمنت هذه العملية الفكرية التاريخية للنفي مقومات ذاتها. فالبدعة حسب تحديده هي "ما يحلّ ويضعف عقدة الإيمان"، بينما الكلام هو "ما يدفع حيل التحليل والتضعيف. والعارف به يسمى متكلماً". ذلك يعني أن علم الكلام هو العلم الذي يقف ضد تلك "الحيل الفكرية"، التي تحاول ردم العقيدة الإيمانية للعوام "بحيل أخرى". فالكلام يخوض معمعة الحيل وبالضد منها دون أن يتجاوز أسلوبها وحدودها ووظيفتها. فهو يمثل وظيفة  الدفاع "المشرّفة" عن العقيدة الإيمانية للعوام، دون أن يمثل في الوقت نفسه الحقيقة كما هي. الأمر الذي جعله يؤكد على أن علم الكلام حالما أخذ على عاتقه تلبية هذه المهمة، فإنه "لم يعد بدعة، بل أصبح بحكم الضرورة مأذوناً فيه، بل صار من فرض الكفايات"[17]. لهذا السبب وقف موقف المعارض للاتجاهات الإسلامية وممثليها الذين لم يروا في الكلام سوى جوانبه "السوداء".

فعندما تناول القضايا المتعلقة بالمذموم والممدوح في العلوم، فإن مما يلفت الانتباه هو عدم إدراجه الكلام والفلسفة في فلك تقييماته، أي أنه يتجاهلها هنا عمداً. ويمكن فهم مرمى الغزالي من وراء هذا "التغافل" فيما يبدو، باعتباره أسلوباً لنقل الجدل إلى ميدان آخر من أجل إثبات نقص وأحادية الأحكام القييمية المباشرة (الذم والمدح) تجاههما (الكلام والفلسفة). وهذا ما يفسر أيضاً اتجاهه المعارض لمواقف أئمة الفقه المستهجنة لعلم الكلام. فقد بنى الشافعي حكمه المعارض للكلام على أساس إحدى المناقشات التي جرت بينه وبين حفص الفرد (الذي يدعوه الشافعي بحفص القرد) بحيث جعله ذلك يقول "لأن يلقي الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله، خير من أن يلقاه بشيء من علم الكلام. ولقد سمعت من حفص كلاماً لا أقدر أن أحكيه". من هنا حكمه على أصحاب الكلام بأن "يضربوا بالجريد ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنّة". أما أحمد بن حنبل فقد أكد على أنه "لا يصلح صاحب علم الكلام أبداً. ولا تكاد ترى أحداً نظر في علم الكلام إلا وفي قلبه غفل".  ومن هنا حكمه القائل بأن "علماء الكلام زنادقة".  في حين أشار مالك بن أنس إلى "بدعة" علم الكلام وضرره على عقائد الإيمان قائلاً "أرأيت إن جاءه من هو أجدل منه أيدع دينه كل يوم لدين جديد؟".  من هنا حكمه "لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء".  في حين اختصر أبو يوسف القاضي هذه الأحكام والمواقف بعبارة "منطقية" مفادها "من طلب العلم بالكلام تزندق".

وعلى الضد من ذلك وقف علماء الكلام، الذين بنوا مواقفهم وأحكامهم منه على تبيان ضرورته الشرعية. فقد أكدوا، كما يقول الغزالي، على أن لغة الكلام المثيرة للفقهاء، مثل الجوهر والعرض وغيرها هي شيء طبيعي وذلك لأن لكل علم اصطلاحاته الخاصة به بما في ذلك الفقه. إضافة لذلك، ليس هناك من دليل يحرم ضرورة المجادلة. على العكس! إذ أن الفهم والبرهان على معرفة الله والوحدانية هما من صلب القرآن والسنّة. أما انعدام وجود التصانيف الكلامية عند الأوائل فله أسبابه الخاصة، تماماً كما لم يوجد عندهم علم الفقه.

أما الغزالي فإنه لم يؤيد وجهة النظر الأولى ولا الثانية. لقد جعلته أحكامه الواقعية ينظر إلى الظاهرة من منظار آخر يقول بأن إطلاق القول بذمّ علم الكلام أو بحمده في كل حال خطأ. فهناك ما يحرّم لذاته. بمعنى أن علة تحريمه في ذاته كالخمر والميتة. في حين أن هناك ما يحرّم لضرره في حالات أخرى كالعسل الكثير. وعلم الكلام شأنه شأن العلوم الأخرى، له منفعة وفيه مضرة. فمنفعته تقوم في الدفاع عن عقيدة العوام، أما مضرته فتقوم في إثارته الشبهات وتحريكه العقائد وتأديته إلى التعصب. إن هذا الاستنتاج الذي وصل إليه الغزالي يعبّر في أحد ملامحه عن تجربته النظرية (العقلية) في رؤية محدودية علم الكلام وانسداد تطوره. غير أن هذا الجانب "السلبي" في علم الكلام هو النتيجة النهائية للعملية الفكرية التاريخية الطويلة، التي أخذ ينظر إليها من حيث قيمتها المعرفية والعملية (الأخلاقية والسياسية) على أنها من بقايا عالم منصرم، أي النتيجة المنطقية لاستيعاب تجربة الكلام في مجرى تطوره الشخصي، التي جعلته ينظر إليه نظرته لداء مناسب لداء آخر أو لدواء مرّ. وذلك لأن مهمته الأساسية حسب نظره، لا تقوم في معرفة حقائق الأشياء كما هي عليه، بل في الدفاع عن عقيدة العوام[18]. فالكلام يبدو حسب وصفه إياه، كشيخ أدخل في بيته طباخ ماهر وجارية حسناء، أي أنه لا يستطيع هضم ما يقول ولا يتمتع بجمال حقائق الأشياء. فكل ما يقوم به ويسعى إليه ينقلب بالضد منه. والقضية هنا ليست فقط في شيخوخة الكلام، بل وفي اعتقاده بلوغ حقائق الأشياء. أما في الواقع، فإنه لا يختلف في اعتقاده وقناعته عما هو مميز لاعتقادات العوام. فالاختلاف الوحيد في ما بينهما يقوم كما يقول الغزالي، في أن المتكلمين يتقنون "صنعة تلفيق الكلام"[19]، أي أنه يعمق مضمون الفكرة التي سبق وأن تناولها في (الإحياء) من أن الفرق البسيط القائم بين اعتقاد المتكلمين واعتقاد العوام يقوم في أن اعتقاد المتكلم يزيد على العامي في "صنعة الكلام" لا غير[20]. وهي ذات الفكرة التي سيرددها بقوة أكبر في (الإملاء) عندما يؤكد على أن المتكلمين من حيث "صناعة الكلام فقط لم يفارقوا عقود العوام، وإنما فارقوهم بالجدل عن الإنخرام. والجدل علم لفظي وأكثره احتيال وهمي. وهو علم النفس وتخليق الفهم، وليس بثمرة المشاهدة والكشف. ولأجل هذا كان فيه السمين والغث. وشاع في حال النضال إيراد القطعي وما هو حكمه من غلبة الظن وإبداء الصحيح وإلزام مذهب الخصم"[21]. بصيغة أخرى لقد أراد القول، بأن العلم الذي لا يفارق في محتوى عقائده عقائد العوام لا يمكنه أن يكون باحثاً عن حقائق الأشياء. وذلك لأن كل أساليبه الجدلية تستند في جوهرها إلى احتيال الوهم وألاعيب النفس ومكر العقل. فهو يعطي للظن طابع اليقين ومهمته ليس الإقناع بل إحراج الخصم. وبالتالي فإن علماً كهذا لا يمكنه أن يتجاوز حدوده، التي رسمها لنفسه أو ما عبّر عنه الغزالي بكلمات "من أين للنازل طي المنازل!؟" وأدى ذلك إلى ظهور شخصية المتكلم الأجير، الذي يتخذ في الكثير من ملامحه صورة النائحة المستأجرة. وليس مصادفة أن يورد الغزالي كلمات محمد بن ذر، عندما سأله ابنه:

ــ ما بال المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد فإذا تكلمت أنت سمعت البكاء من كل جانب؟

ــ يا بني! ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة.

وهي ذات المفارقة الداخلية التي ستضعه وجهاً لوجه أمام ممارسته الشخصية، أي التناقض الذي مزق وحدة النسيج الداخلي لفكره وقناعته العقائدية، والذي شكل أحد عناصر انتقاله اللاحق إلى التصوف.(يتبع..)

*** 

ا. د. ميثم الجنابي

....................

[1]  الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص21.

[2] ابن النديم: الفهرست، ص268.

[3] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص123.

[4]  الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص21

[5] الغزالي: معيار العلم في المنطق، ص161.

[6] الغزالي: معيار العلم في المنطق، ص162.

[7] الغزالي: معيار العلم في المنطق، ص167.

[8]  الغزالي: ميزان العمل، ص150.

[9] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص77.

[10] الغزالي: ميزان العمل، ص116.

[11] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص8.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص22.

[13] الغزالي: الإملاء، ص29.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص22.   

[15] الغزالي: جواهر القرآن، ص23.

[16] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص29.

[17] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص22.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص97؟

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص246.

[20] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص52.

[21] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص29.

 

جعفر الحكيميتداول بعض رابايات اليهود، في معرض السجال العقائدي مع المسيحيين، طرفة تدور حول العلاقة المسيحية - اليهودية

وهذه الطرفة مفادها:

ان مسيحيا طيبا ظهر له الرب!!.. فسأل ذلك المسيحي ربه قائلا:

لماذا يا رب خلقت المورمون؟

فاجابه الرب:

من اجل ان تعرفوا وتقدروا مشاعر اليهود نحوكم!!

قد تبدو هذه الطرفة غير مفهومة لبعض الاعزاء من القراء الكرام، لكني اتمنى ان تكون الفكرة واضحة لديهم عند استكمال قراءة المقال!

في البداية ،نحتاج الى عرض نبذة مختصرة عن طائفة المورمون المسيحية، وهي تعتبر من الطوائف المسيحية التي نشأت حديثا - نسبيا- في امريكا حوالي عام 1830م على يد شخص اسمه (جوزيف سميث) والذي يعتبره أتباع الكنيسة المورمونية ،النبي المؤسس لهذه الطائفة، الآخذة بالازدياد والانتشار ،حيث بلغ افرادها حوالي خمسة عشر مليون مسيحي، يعيش حوالي ستة ملايين منهم في الولايات المتحدة الأمريكية

وإستنادا إلى تاريخ الكنيسة المورمونية فإن منشأ مصطلح المورمون هو نبي كان إسمه النبي مورمون والذي قام بنقش كتاب المورمون على ألواح ذهبية  ثم ظهر على شكل ملاك لمؤسس الكنيسة المورمونية جوزيف سميث في عام 1827 واخبره عن موقع الألواح الذهبية التي تحتوي على نصوص مقدسة ،حيث كانت مخبأة في تل كومورا في مدينة مانشستر بولاية نيويورك، وحسب الرواية التاريخية فإن الألواح كانت تحت حماية ملاك حيث قام جوزيف سميث بتلقي ترجمة الألواح من الملاك وكانت الألواح عبارة عن تأريخ المستوطنين الأوائل لقارة أمريكا تمت كتابته من قبل النبي مورمون، والذي قام بتكليف جوزيف سميث بمهمته النبوية ،ليكون نبيا يعمل على نشر وتصحيح الإيمان المسيحي !

وقد أطلق النبي (سميث) على كنيسته الجديدة أسم (كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة)

ولدى المورمون كتب يعتقدون بأنها مقدسة ،بالاضافة الى العهد القديم والعهد الجديد، ومن أهم تلك الكتب هو (كتاب مورمون)

والذي يعتبرونه التكملة للكتاب المقدس، وبالاضافة الى ذلك ،لديهم أيضا كتب اخرى مقدسة،مثل كتاب(لؤلؤة كثيرة الثمن)

وكتاب ( المبادئ والعهود)... ويعتبرونها اضافات تكميلية للعهد الجديد

يشترك المسيحيون المورمون مع بقية الكنائس المسيحية في بعض أصول الإيمان المسيحي، مثل الاعتقاد بالوهية يسوع المسيح، والتعميد ، وغيرها…. ويختلفون معهم في امور اخرى

يمتاز المسيحيون المورمون بانهم ينشطون في خدمة كنيستهم، وفي الدعوة الى عقيدتهم، وكذلك يمتازون بالتشديد على اهمية الاسرة وترابطها، ولا يقيمون اي علاقات جنسية قبل الزواج، ويعتبرون شرب الخمر والتدخين من المحرمات، ويتميزون كذلك باعتقادهم ان النبوة مستمرة، ولازال لديهم الى الان انبياء يخلف أحدهم الاخر!

يعتبر المورمون أنفسهم جزءا من الديانة المسيحية، ولكن معظم الكنائس المسيحية ترفض ذلك، وتعتبرهم فرقة مهرطقة ضالة، ولا تستند الى الإيمان القويم، وقد حدث الاصطدام مبكرا بين الكنيسة المسيحية وبين المورمون، الذين تعرضوا الى الإضطهاد بسبب عقيدتهم التي لم تلق ترحيبا من أغلبية المسيحيين الذين حاربوهم بشدة وعنف، وكان مصير نبي المورمون، ان اقتيد مع اخيه، ليتم تصفيتهم جسديا!

ان سبب رفض الكنيسة المسيحية لعقيدة المورمون، يمكن تلخيصه بأسباب تعتبر جوهرية لدى الكنيسة مثل اعتقاد المورمون بكتب اضافية الى جانب الكتاب المقدس، وكذلك بسبب خروج المورمون عن ثوابت قانون الايمان المسيحي

والسبب الاهم هو، ان المورمون يتبعون نبي كاذب ادعى ان السماء تواصلت معه، واقنع اتباعه بهرطقات مضللة وبدعة زائفة، تخالف الثوابت الايمانية التي سطرتها نصوص العهد الجديد.

 

ان هذه النظرة التقيمية للكنيسة المسيحية نحو طائفة المورمون، تجعلنا بحاجة الى معاودة قراءة السيناريو التاريخي لتشكلات العقيدة المسيحية نفسها، ومتابعة مراحل تطورها ،والتي ابتدأت تأخذ برادايم الديانة المستقلة، مع بداية مرحلة تدوين النصوص المسيحية المقدسة، حيث كانت باكورتها، رسائل بولس الرسول، وتعليماته، وشروحه للعقيدة الجديدة، والتي أصبحت التأصيل الأساسي للإيمان المسيحي الحالي، واحتلت الحيز الأعظم من مساحة تدوينات العهد الجديد.

ادعى بولس التواصل المباشر مع السماء، من خلال ظهور الرب المسيح له، وكذلك من خلال الوحي والإلهام السماوي الذي يتلقاه ،بشكل مباشر، وبدأ يمارس وظيفته النبوية التي كلفه الرب بها، ويدعو الآخرين الى اتباع الطريق الوحيد للخلاص، من خلال القبول بالعقيدة الجديدة، والتي من ضمن أركانها، التوقف عن العمل بتعليمات التوراة، فلا داعي بعد الان للختان او التقيد بشرائط الاكل والطعام (الكوشر) ...معتبرا ان الخلاص يأتي بالايمان فقط، وليس بالالتزام بالناموس

اضافة الى ذلك، فتح بولس باب الجدل حول طبيعة الإله ووحدانيته، التي تحددها نصوص العهد القديم، وبشكل صارم،على ان الرب هو إله واحد،ليس معه آخر، بينما نجد العقيدة المسيحية تتحدث عن اله معه الهين اخرين ليصبح اله ثلاثي الابعاد

موقف اليهود من الديانة الجديدة في ذلك الوقت، كان تماما ،مثل موقف الكنيسة المسيحية من المورمون، حيث ان اليهود بدأوا يواجهون دعوة جديدة، تخبرهم ان كتابهم المقدس (التاناخ) لم يعد كافيا، وان عليهم التزام الكتاب الجديد!

وان تعليمات الناموس، الذي جاء به نبيهم موسى، واخبرهم ان عليهم الالتزام بها للابد، لم تعد ضرورية ولا حاجة لها!

وانهم معاشر اليهود، وطوال القرون العديدة، لم يكونوا يفهمون حقيقة نصوص كتابهم المقدس، وعليهم ان يتعلموا معنى تلك النصوص وغاياتها من السيد بولس الرسول الذي كلفه الرب بهذه المهمة، من دون شهود على حقيقة ذلك التكليف!

ان رد الفعل الطبيعي لغالبية اليهود، كان تكذيب ادعاءات بولس وجماعته، والالتزام بكتابهم المقدس وتعاليمه، وهو بالمصادفة يشبه تماما نفس مفارقة الرفض المسيحي لادعاءات النبي جوزيف سميث وتعاليمه، والتشبث بالالتزام بالكتاب المقدس، وتعاليم العهد الجديد!

ومن هنا يتضح ان المعايير التي جعلت الكنيسة المسيحية ترفض عقيدة المورمون، وتعتبرهم اتباع بدعة هرطوقية ضالة جاء بها نبي كاذب، هي ، و للمفارقة، نفس المعايير التي جعلت حاخامات اليهود وعلمائهم ، يرفضون العقيدة المسيحية في الحقبة التأسيسية لها، وينظرون لتلك الجماعة الايمانية ورسولهم بولس، بنفس نظرة الكنيسة للمورمون ونبيهم !! 

ان هذه المفارقة التاريخية الطريفة، تجعلنا نفهم حقيقة مشاعر اليهود ونظرتهم تجاه العقيدة المسيحية، وبالتالي تجعلنا نفهم مغزى النكتة اليهودية، المذكورة في صدر المقال ! 

 

د. جعفر الحكيم

في الحلقة الماضية إنتهينا من القول بإن: - شهادة أن محمداً رسول الله، ليس شرطاً في إسلامية المرء ولا هي واجبة في جعل الإنسان مسلماً، ذلك إن الإسلام هو دين الله الذي أرتضاه لعباده وليس هو دين محمد، قال تعالى: - [إن الدين عند الله الإسلام] – آل عمران 19، وبهذا التعريف كان كل أنبياء الله من المسلمين دون إستثناء، وأما هذه الشهادة المتقدمة فلا تعني شيئاً سوى: - الإقرار والإعتراف والقبول بنبوة محمد بن عبدالله وبرسالته وإمامته -، ومن يقر ويعترف ويقبل بذلك فقد أعتبر من - الذين آمنوا -، أي إنه يدخل في حيز ودائرة تلك الجماعة التي ورد ذكرها في مقابل الجماعات الأخرى: [كالذين هادوا والنصارى والصابئين]، فهي إذن صفة تعريف لا صفة تقرير، وهي هكذا وردت في سياقات النصوص .

ومادمنا في سياق البحث عن النبوة، فإننا نقول: - إن النبوة جوهر مستقل بذاته دال على المعرفة اليقينية التي بُعث بها النبي ليكون فاعلاً -، وهذا يعني: - إن جوهر النبوة هو تلك القدرة المودعة فيها موهبةً وإصطفاءاً -، ويكون فعل النبي من خلالها في الطبيعة والواقع مقيداً بماهو ممكن بذاته، وإذا كان ذلك كذلك فهذا يعني: - إن ما يحصل عليه النبي من معرفة لا يدخل في باب القدوة والأسوة -، ولا يمكن تمثله في الواقع، لذلك لم يرد في شأنه: - ولكم في نبي الله أسوة -، بل ورد ذلك في شأن الرسول قال تعالى: - [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة] – الأحزاب 21، ذلك لأن العلة المنتجة للنبوة هي غيرها التي أنتجت الرسالة، ولذلك فهي ليست علة يمكن التأسي بها والعمل بموجب قوانينها، ولهذا: - تعلق التصديق بالنبوة لا بسبب علتها المنتجة بل بسبب فعلها في الواقع -، والخطاب الموجه للنبي متضمن في العادة أسماء وصفات وأفعال، تتعلق بالواقع وبالتاريخ وبالغيب، وما يتعلق بالتاريخ والغيب هي تجليات تظهر له بالكشف الغير مألوف، وليس بالكشوفات العادية .

وهنا ندخل بموضوعة هامة ألاَّ وهي علم الغيب أو عالم الغيب: - وهل النبي يعلم ذلك ؟ .

ننطلق هنا أولاً من تعريف الغيب كما ورد في اللسان العربي الذي قال عنه: [إنه كل ما غاب عنك] فيُعدُ غيباً، ومن هنا ذهب أهل الميزان لتبني مفردتي: - الغيب المادي و الغيب المعنوي -، وعرفوا الغيب المادي: - بأنه ذلك الشيء الذي يتعلق بالصورة والهيئة -، وعرفوا الغيب المعنوي: - بأنه ذلك الشيء الخارج عن عالمي الوجود والشهود -، ولكن في الكتاب المجيد جعل الغيب بمعناه المطلق هو لله ومن الله، قال تعالى: - [فقل إنما الغيب لله] – يونس 20، وأداة الحصر - إنما - قد جعلت الغيب ملكية خاصة به تعالى، وبهذا الإعتبار يصح القول: إن علم ُ الغيب أو عالمُ الغيب دائرة مفاتحها عند الله قال: - [وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاَّ هو ..] - الأنعام 59، ولفظ مفاتح ليس جمع مفتاح أي الآلة التي يفتح بها ما أغلق، بل مفاتح جمع مفتح بمعنى الخزائن، ومعنى النص: - إن الله عنده خزائن الغيب التي لا يعلمها أحد سوآه -، أما قوله تعالى: - [عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد] - الجن 26، ففيه إطلاق لمفهوم - عالم الغيب - لكن ورود التقييد اللاحق بصيغة الإستثناء المنقطع، يدل على إمكانية تزويد البعض من الغيب، يظهر ذلك في قوله: [إلاَّ من أرتضى من رسول] - الجن 27، والضمير في عبارة - من أرتضى - يعود على الله، و التبعيض والتنكير في قوله - من رسول - وردت كدليل على من حمل الوحي وجاء به من عند الله لمن أصطفاه من الأنبياء

وأداة الحصر أو الإستثناء - إلاَّ - إنما تتحدث عن بعض الغيب الذي يظهره الله لبعض رسله من ملائكته، ويُفهم هذا من إطلاق لفظ - أرتضى - كونه مشعر بذلك، وصيغة أرتضى غير صيغة أصطفى الخاصة بما يُناسب النبوة والأنبياء، وجملة - إلاَّ من أرتضى من رسول - دالة على الملاك الذي أرتضاه الله ليكون حاملاً للوحي، والجملة لا تدل على من يُبلغ وينفذ الأوامر والنواهي والأحكام، (لأن هذه الجزئية ليست من عالم الغيب الذي يتحدث عنه النص)، وكما قلنا: - لا بد أن يكون هذا الملاك الذي أرتضاه الله ليخبر النبي قد أطلعه الله على هذا الغيب -، فمثلاً قصة إبراهيم وقصة لوط وقصة موسى أو قصة عيسى أو قصة مريم وغيرها، بُلغت للنبي بواسطة هذا الرسول الذي أرتضاه الله، فأطلعه على ذلك، ويجب أن نفهم: - إن صيغة الإظهار أو الإطلاع في هذا الباب، (هي تجليات وإيحاءات وليست حروفاً أو كلمات) -، وهذا ظاهر في قوله تعالى: - [فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا * ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا] - الجن 27، 28، وهذه الحتمية أو قل هذه الجبرية تكون مع الرسل الغير مخيرين والغير مجتهدين، الذين وصفهم الكتاب بالقول: [..لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون] - التحريم 6 (وهذه صفات الملائكة) .

لكن الرسول الحاكم الدنيوي يكون فعله وعمله قائماً على الإجتهاد والنظر، وليس فيه جبرا أو تفويضا، إنما فعله وعمله خاضعاً للواقع ومتناسباً مع الطبيعة، بدليل قوله: [لا يكلف الله نفسا إلاَّ وسعها ...] – البقرة 286، ويتعلق هذا بالكيفية والطريقية في تنفيذ الأوامر والنواهي، ونعود لنقول: - إن الإظهار في معناه يكون على شكل وسيلة إيضاح رمزية -، ولكن ماذا نعني بذلك ؟، نعني به إن فعل المضارع يسلك لما جيء به هاهنا، أستخدم كعامل رصد ومتابعة في طريقة فهم الوحي وإيصال معناه، وفي هذا تكون الإشارة هنا بمثابة الضبط والإحكام في عملية الإبلاغ الموكل بنقلها الملائكة للأنبياء .

لذلك قيل: - وهذا فعل وأداة مساعدة في فهم النبي جاء بها الوحي -، ولكن كيف وماهي لغة التخاطب بين الملاك والنبي ؟، لغة التخاطب مرتبطة بحسب طبيعة وكيفية الوحي، ولايمكن الجزم بطبيعة لغة الملائكة إذ ليس هناك لغة معينة ومحددة يمكننا وصفهم بها، إنما اللغة التي نفهمها عنهم هي عبارة عن رموز وإشارات (إيحاءات) تُحاكي عقل النبي ومُقدار فهمه، ومن خلال ذلك تتم عملية إيصال المعنى المطلوب للنبي، والنبي مكلف بوضع هذه المعاني في قوالب لفظية دالة ومناسبة للمعنى المطلوب، ويعني هذا إن ما يحصل عليه النبي من الملائكة هو عبارة عن معاني وليست إلفاظاً وكلمات، لكن النبي فهم هذه المعاني بلغته وصبها في قوالب لفظية مناسبة وبنفس السياقات المطلوبة، وكأن هناك تماهياً وليس تخيلاً في المعاني والألفاظ بين الملائكة والنبي .

يجري هذا وبنفس السياق حتى في النصوص التي نسمع بها انه قال – إنني أنا الله -، أو - لاتخافي ولا تحزني -، أو - قال إنما أنا رسول ربك -، أو - قالوا نحن رسل ربك -، وكأن هذه الصيغ وغيرها وردت بصيغة كلمات وحروف، والحق إنها لم تكن كذلك، أي إنها لم تكن كلمات وحروف ومفردات لفظية، إنما كانت معاني تصورها النبي ووضعها في قوالب لفظية متناسبة معها، وإلى ذلك يُشير صاحب الكفاية في قاعدة التناسب بين الحكم والموضوع، تلك القاعدة المضطردة والتي تجري في كل ماهو متصور وممكن، وفي بيان ذلك والرد عليه قال تعالى: - [وللبسنا عليهم ما يلبسون] - الأنعام 9، أي بالإستحالة في مستوى الهئية والصورة، وهذا القيد يسري حكمه على كل الإطلاقات الواردة في الصيغ المتقدمة (سواء في حكاية إبراهيم وقصة العجل الحنيذ أو لوط وقصة قومه الذين جاوءا يهرعون)، والتي قد يفهم منها ذلك المعنى البعيد .

وبنفس الدليل يمكننا القول: إن لغة الله غير قابلة للتصور، حين نفهم أو نريد منها هذه الكلمات والحروف، وحين يوصف بالمتكلم فالوصف صفة بيان للمخاطب لا تدل على الذات ولا تخبر عنه، وقد قلنا في غير مناسبة (إن صفاته غير ذاته)، وللتوكيد ورد القول التالي: - [.. ليس كمثله شيء ..] - الشورى 11 والكلام عن الذات .

ونعود للقول: - إن النبي لا يعلم الغيب -، وأما ما يحصل عليه من علم فهو معرفة غير مسبوقة يأتي بها الوحي، ومع العلم بهذه المعرفة تصبح حقيقة طبيعية أو علماً طبيعياً، وكل شيء لا يُعلم أو يكون مجهولاً يُعدُ غيباً، ومع العلم به تنتفي عنه صفة الغيب ويصبح واقعاً يُفهم من خلال علله، التي تكون بالفعل قد أصبحت معلومة [ومن هنا نقول: - ليس في كتاب الله غيب -]، وقد دل على ذلك ماقاله الإمام علي عن معنى الغيب في الكتاب، نعم هناك إشارة للغيب كما يظهر في قوله تعالى: - [1 – إن الله عنده علم الساعة، 2 - وينزل الغيث، 3 - ويعلم ما في الأرحام، 4 - وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، 5 - وما تدري نفس بأي أرض تموت ..] - لقمان 34، وقد أختُلف في معنى و مفهوم - علم الساعة –، فمنهم من أعتبر العلم بالساعة دليل على يوم القيامة، والمُراد بيوم القيامة هو قيامة الإنسان التي تكون عند موته مباشرة، ومنهم من أعتبر العلم بالساعة هو العلم بنهاية الكون .

وفي الحالة الأولى: تكون الساعة أو العلم بالساعة حكاية عن موضوعة الموت عن الكيف وعن الزمن، بمعنى إن العلم بكيفية الموت وزمن الموت هو مما أختص الله بعلمه، وبما إن الموت هو قيامة الكائن البشري، فيكون العلم بالساعة بهذا المعنى هو العلم بزمن الموت وكيفيته، يعني العلم بقيامة الإنسان .

وفي الحالة الثانية: يكون العلم بالساعة هو العلم بنهاية الكون، ونهاية الكون مرتبطة بمعرفة العلل المنتجة لهذا الكون، أي العلم بالغاية من وجوده، وفي هذه الحالة تنتفي الغاية من وجود هذا الكون، فينتهي إلى زوال بعد أن يفقد مبررات وجوده، فيكون العلم بالساعة بهذا اللحاظ أيئذاناً بنهاية الكون، ولكي يكون ذلك ممكناً لا بد من عمل وجهد يقوم به - الراسخون في العلم - لمعرفة هذه العلل وغايات وجودها، وهؤلاء وحدهم القادرون على تحليل الكون ومعرفة خفاياه ومعرفة العلة من وجوده، هذه النقطة قال عنها الله إنها من علم الغيب الذي هو من أختصاصه .

والموضوعات الأربعة الأخرى المذكورة في سورة لقمان تقع في تلك الدائرة، أي في دائرة البحث عن العلل المؤدية إليها، وكشف ذلك من مهمات - الراسخون في العلم -، أعني معرفة تلك العلل ممكن في ظل تطور أدوات وآليات البحث العلمي .

ولكن هل النبي هو من - الراسخون في العلم - ؟، في تعريفنا للراسخين في العلم قلنا: إنهم تلك الجماعة التي تعتمد في تحليل الموضوعات على البحث والإستقراء والبرهان، وفي ذلك الطريق يستخدمون أدوات بحث علمية ومعرفية خالصة، وبما إن النبي ليس باحثاً علمياً أو يستخدم أدوات البحث العلمي، لذلك فهو بهذا اللحاظ ليس راسخاً في العلم، إنما هو موجه للعقل لكي يستخدمه ويسخره في المجال العلمي، وإخراجه من دائرة الصمت إلى دائرة الحركة والبحث، وإلى ذلك أشار النص الآتي حين قال: - [إن أستطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلاَّ بسلطان] – الرحمن 33، والكلام فيه عن القابلية وعن الإمكانية ودعوة العقل لإكتشاف المجهول، عن طريق البحث العلمي والنظر من خلال الآليات و الأدوات، والتي بها ومن خلالها يمكنه النفاذ والتحرك، لمعرفة العلل الحاكمة لهذا الكون، وقد أستخدم فعل الأمر - أنفذوا - ولكن بشرط التمكن من معرفة العلل التي من خلالها يتم النفاذ أو المساهمة في عملية النفاذ، وهذا يعني إدراك ما يوافق قانون الطبيعة و الوجود .

يُميز العرفاء في مقولاتهم بين الصورة اليقينية و المعرفة اليقينية، كتلك التي يحصل عليها النبي عن طريق الوحي، فالمعرفة اليقينية هي معرفة بالرموز والإشارات (الإيحاءآت)، والصورة اليقينية سابقة للمعرفة وتظهر عند الكلام عن متلازمة الوحي والنبوة، والإيحاء أو الوحي مشتق في العهد القديم من لفظ - روا - التي تدل على كلمة - روح - في العربية، ومعناها - الريح -، ولها إشتقاقات متعددة في اللغة العبرية، منها الذي:

1 - ورد بمعنى - نسمه - كما في المزمور 135 النص 17 قوله (وليس في أفواههم نسمة) .

2 - ورد بمعنى - نفخ فيه - كما في سفر صموائيل - الأول 30: 12 - قوله (وعادت إليه روحه) أي نُفخ فيه .

3 - ورد بمعنى - قوة - كما في سفر يشوع (2: 11) قوله (ولم يبق في أحد روح) - .

4 - ورد بمعنى - صفة للقدرة - كما في سفر أيوب (32: 8) قوله - لكن في البشر روحاً -، أو كما قال في سفر العدد (26: 18) - إنه رجل فيه روح - .

5 - ورد بمعنى - رأي - كما في سفر العدد (14: 24) قوله - فيما أنه كان له روح آخر - اي رأي آخر أو فكرة أخرى، قال في الأمثال: (1: 23) - فإني أفيض عليكم من روحي - .

6 - ورد بمعنى - نفس الإنسان - كما في سفر الجامعة (3: 19)، قوله - ولكليهما روح واحد - أي نفس واحدة .

7 - ورد بمعنى - جهات العالم - كما في سفر حزقيال (37: 9 و42)، قال - بسبب الرياح التي تهب منها - .

وفي - أشعيا وروحكم نار تأكلكم -، إذن فكلمة (روا) العبرية التي مرت ترجمتها، إنما تعبر عن الروح في كل هذه المعاني المتقدمة، ويظهر ذلك في شرح التوارة البابلية لمعنى روا على أنها الروح أو هي الروح، وبحسب المزمور السابع فالروح ليست واحدة بل هي أرواح متنوعة تكون بحسب الطبيعة والوضع، فمنها العالية ومنها الهابطة ومنها الشريرة ومنها الطيبة، وهذا المعنى يقترب من المعنى الوارد في سورة الشمس النص رقم 8، قوله تعالى: - (ونفس وما سوآها فألهمها فجورها وتقوآها)، ولابد من التذكير هنا بأن اللغة العبرية حين تستعمل المصدر، تستخدمه بصيغة الصفة وهذا شائع جداً ..

ونعود لنقول: - أن لا ملازمة عقلية بين صورة اليقين ومعرفة اليقين -، كذلك لا ملازمة عقلية بين المعرفة وبين طبيعة الذات، ونقصد بالمعرفة تلك التي يحصل عليها النبي بواسطة الوحي، وهذه المعرفة من صفاتها النسبية والمحدودية لكونها تتعلق بموضوعات معينة، ولهذا لا يصدر عنها إلاَّ فعل مخصوص واحد، وحتى يتمكن النبي من هذه المعرفة لا بد أن يكون بينه وبين الملاك شيء مشترك، وهذا الشيء هو الذي يُسهل عليه عملية الفهم والإدراك، ولولا ذلك الشيء المشترك بينهما لما تمكن النبي من فهم إيحاءات الملكوت ورموزه وإشاراته، ولولا ذلك أيضاً لمتنع وجود المعاونة بينهما، ويدخل في ذلك الشيء المشترك الغاية الفاعلة والغاية القابلة والغاية التامة، وشرط وجود أياً من هذه الغايات مرتبط بوجود علة من سنخها لا تنفك عنها ولا تحول .

وتكون النبوة بهذا الوصف معقولة لمن يؤمن بها ولمن هو شاك أو ناف لها، لأن هذا يأتي من طبيعتها أو من خلال ما تتم به في التتالي أو في التبدلات .

وقد أعتبرت المباحث الكلامية هذا الشيء هو - مبدأ اللطف - والذي يعني: - إن وجود النبوة لطف من الله -، وبما إنها كذلك فهي تنقسم عندهم إلى ثلاث معان

أولها: أن يكون اللطف بمعنى التفضل الدال على التقدم على الغير، كما نقول فلان فائز بتفضله على غيره .

وثانيها: أن يكون اللطف بمعنى التفضل أي (الموهبة المجانية)، كقولنا أنا أوليك هذه المكرمة .

وثالثها: أن يكون اللطف بمعنى التفضل عرفان الجميل، كقولنا أنَّا نقابل الفضل بالنعمة .

وثاني هذه المعاني يتوقف على الأول، [فإن هبة شيء ما إلى بعض الناس مجاناً]، إنما ينشأ عن الحب الذي يظفر الموهوب إليه بحظوة عند الواهب، والمعنى الثالث يصدر عن المعنى الثاني، فإن - المنُ يتبع الصنيعة -، وواضح إن الفضل بالمعنيين الأخيرين يوجب في مقابلها شيئاً، وهو في الأول الموهبة المجانية، وفي الثاني عرفان هذه الموهبة، ولكن اللطف بالمعنى الأول فيه فرق بين لطف الله ولطف الإنسان، إذ إن لطف الله بمعنى محبة الله الأزلية التي يحظى بها من قد أصطفاه وقربه، وهذا هو الذي يُبنى على يقين خالص ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

14 ربيع الآخر 1440

 

ميثم الجنابي"أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايفتنون؟

ولقد فتنا الذين من قبلهم"

إن التكرار الجديد لغربة الإسلام هي الاستعادة العميقة لمبادئه الحقيقية. كما أنها الدعوة التي تلازم المحافظة على نقاء وقوة الشعلة الأولى و"خلودها" المميزة لبداية الحق في تقرير ذاته. ذلك يعني أن المهمة الأساسية لا تقوم في استعادة محاربة الوثنية الجاهلية، بل محاربة "وثنية" الابتعاد عن المبادئ الأولى. وبهذا يكون الغزالي قد فسح المجال أمام إمكانية الظهور الدائم "للروح المحمدي" في دفاعه عن الإصلاح والتجديد. وقد تضمنت آراء الغزالي جملة من العناصر التي يمكن في حال جمعها وترتيبها أن تولد انطباع الوجود الفعلي لفكرة "الروح المحمدي". غير إن هذه المحاولة تبقى في نهاية المطاف مجرد صيغة مجازية عن حقيقة افكاره ومضمونها الواقعي والتاريخي في نظراته عن "الروح المحمدي". اذ ليس لهذا الروح في منظومته الفكرية سوى أبعاد معنوية محتملة. بمعنى إننا نعثر عنده على صيغة روحية معنوية هي بدورها التعبير الظاهري عما في الفكر الصوفي وتقاليده من ذوق ومشاهدة للمثال الإنساني الإسلامي الأكبر. لاسيما وانه كان بالنسبة للغزالي المثال الواقعي والضروري والحجة التي لابد منها لفكرته الاصلاحية والأخلاقية العملية. وبهذا المعنى فقط يمكن لهذا المثال أن يكون مصدرا لتأسيس القناعة الباطنية وشعارا للعمل الظاهر. من هنا يمكن فهم عثوره في هؤلاء الغرباء على أولئك الذين "يصلحون ما أفسده الناس من سنّة الرسول والذين يحيون ما أماتوه من السنّة"[1]، أي التركيز على مهمة الإصلاح التي نعثر على ملامحها الكبرى في (الإحياء). وسوف تحصل هذه الفكرة على تجسيدها الذاتي في شخصية الغزالي نفسه من حيث إدراكه لذاته باعتباره الكيان الحامل لمهمة الإصلاح والتمثيل الحي لإنجازها التي سبق وأن واجهها النبي محمد قبل خمسة قرون مضت. إلا أن المهمة المطروحة أمامه لم تكن في دعوة الناس للانتقال من الوثنية للإسلام، ومن الشرك للوحدانية، بل لإصلاح ما أفسده الناس وإحياء ما أماتوه (من السنّة). إنها ليست المهمة المحمدية في مواجهة الوثنية (الجاهلية) بل الاستكمال الجديد للوحدانية الإسلامية من خلال استعادة الروح الأخلاقي الأول. إلا أن هذا الإدراك الذاتي لموقعه في سلسلة الإصلاح (المئوي) وفاعلية الإحياء لم تعن في الواقع سوى السير في اتجاه ابداع التآلف الفكري الجديد المستند في أغلب عناصره الجوهرية إلى تراث الخلافة الإسلامية المسبوك في أخلاقية الصوفية ورؤيتها للعالم.

لقد صاغت المتصوفة أكثر من غيرها المقدمات الفكرية المجردة لمحاربة التقليد. وفسحت المجال الكبير أمام حرية الفكر. فعبر تحويلها التجربة الفردية إلى معيار جوهري في استكناه الحقائق تكون قد أرست أسس الإمكانية المجردة لإعادة النظر بكل حقيقة مستتبة. فأفلحت في هذا المجال ما لم تفلح به أي حركة فكرية اجتماعية وسياسية في الخلافة. وفي الواقع ليس هناك من حكم اجتماعي مهما بدا ثورياً أو مغامراً معزول عن التقاليد. إذ ليس هناك من جديد في ميدان الفكر خارج إطار استحداث التقاليد وإعادة إنتاجه من جديد. وبقدر ما ينطبق هذا على العلاقات الاجتماعية والأخلاقية والروحية ينطبق نسبياً أيضا على أساليب التفكير وأحكامه المجردة. فكلاهما يتضمنان عملية النفي الدائمة التي تحول الخوف إلى نظام، والنظام إلى تقليد، والتقليد إلى مثال. ولهذا السبب دعت المتصوفة للرجوع إلى صفاء القلب وإعادة عكس الوجود من خلال إزالة كل ما انطبع فيه من "أدران" الحياة الاجتماعية وتصوراتها وأحكامها وقيمها الشرطية، أي كل المفاهيم التي أدخلها الغزالي في آرائه عن الفطرة الإنسانية كمقدمة لمحاربة التقليد. إلا أنه بالاختلاف عن متصوفة زمانه لم يقف عند حدود عوالم النفس وتنقيتها الدائمة، رغم متابعته إياهم في هذا الشرط باعتباره المقدمة الضرورية لصيرورة الذات العارفة (الصوفية) واستكمال وحدة العمل كشرط للسعادة الحقيقية وغاية الإصلاح والإحياء.

إن تجانس آراء الغزالي في محاربة التقليد منذ بداياته الأولى حتى مرحلة التصوف بما في ذلك دعوته الدائمة للبحث عن الحقيقة لم تقف عند تخوم التجريد، بل تضمنت في ذاتها وجهها الآخر واستمرارها الطبيعي. اذ لم تكن محاربة التقليد بالنسبة له قضية فكرية خالصة، بقدر ما كانت واتخذت في وقت لاحق مضموناً اجتماعيا سياسياً وأخلاقياً عميقاً. فرفضه للتقليد في (ميزان العمل) لم يعد من مقومات الجدل كما هو الحال في مؤلفاته السابقة، بل تحول إلى عنصر من عناصر التثوير الاخلاقي الروحي. فهو يشير إلى أن كثيراً من الناس تناقش وتطالب بالبرهان عن خسارتها درهم واحد ولكنها تأخذ في حالات عديدة مفاهيم كاملة وتقر بها دون أن تطالب ببراهين كافية، بغض النظر عما في هذه المفاهيم من حساسية وأهمية بالنسبة للسلوك الحياتي والروحي[2].

وفي الوقت نفسه كان الغزالي يدرك تعقيد الخروج على التقليد، بمعنى إدراكه لضرورته التاريخية باعتباره بديلاً شاملاً. وهو ما يمكن ملاحظته في مجرى تطور نظراته ومواقفه من مفهوم الفطرة الإنسانية، ومواجهته الآراء التقليدية للمتكلمين والفلاسفة وانتهاءً بدعوته للانتقال من لا تقليدية الفكرة إلى لا تقليدية الممارسة، أي المنظومة الاجتماعية الأخلاقية للكلّ، والتي ستحصل على صيغتها الفكرية من خلال استلهام القناعة التقليدية في ظاهريتها عن الإصلاحي المئوي وتقاليده الإسلامية في الحديث المنسوب للنبي محمد عن ظهور كل قرن من يجدد للأمة دينها. ولم يشذ الغزالي عن تقليدية هذه الصيغة. وهذا بدوره مرتبط بالحقيقة القائلة، بان استمداد النزعة الإصلاحية وبراهينها المنطقية من الروح الأخلاقي المعرفي هو الأسلوب الأكثر عمقا وتـأسيسا في التعامل مع قضايا الوجود الاجتماعي لعصره. لقد بحث الغزالي عما هو جوهري في ميدان الروح الأخلاقي والمعرفي، وبالتالي لم تكن التقليدية الظاهرية في فكرة التجديد المئوية سوى أسلوب تعميق التحرر من التقليد. لاسيما وأن محاربة التقليد والتنقية القلبية (المعرفية - الاخلاقية) هي المقدمة الضرورية والشرط الذي لابد منه لكل عملية إصلاح حقيقية. وهنا نعثر على ما يمكن دعوته بظهور الجديد المتحرر من التقليد بلباس التقليد الظاهري الذي يتطابق من حيث حقيقته مع معنى التقاليد. وبالتالي لا دورية بالمعنى الدقيق للكلمة في الحركة الدورية للإصلاح. تماما كما ان فكرته عن محاربة التقليد تصبح جزء من الرؤية الشاملة للوجود الإنساني، والتي وقف أمام مهمة الرؤية الشاملة للبديل الشامل. ونعثر على ذلك بوضوح في تناوله مختلف القضايا الكبرى لعصره كقضايا الإيمان، والعقل، والسلطة، والأخلاق، ومعنى الوجود والحياة والموت وغيرها، أي كل ما هو عضوي في كينونة النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والروحي القائم آنذاك. وهي القضايا التي سيتناولها من منطلق إحياء ما هو جوهري ومتراكم في حضارة الخلافة من خلال الرجوع إلى المبادئ الأولى.

لقد أراد من وراء ذلك العثور والتمسك "بالعروة الوثقى" أو عين اليقين الذي يمكن أن يعطي له حافز العمل أو قدوة المثال، أي البحث عن التطابق المثالي بين الحاضر والماضي، وبين التاريخ الملموس والمجرد المثالي، والعابر والدائم، أو وحدة الثنائيات والمتناقضات والمتضادات المنفية في المجرى العلمي - العملي. وذلك لأن الرجوع إلى المبادئ الأولية ليس رجوع المقلد الأعمى بل إرجاع الجوهري الحي. فالتاريخ الملموس كما استرعته التقاليد الإسلامية التي تمثلها الغزالي له حدوده الزمنية، والمعرفية، والأخلاقية، والحقوقية. إنه "مزرعة الاخرة"، أو الممر الضروري الذي وعت به مختلف الحركات والمدارس والشخصيات الإسلامية أسلوب وجودها ومعنى حياتها، مما حدد بالتالي مواقفها من مجرياته. فمأثرة الغزالي هنا تقوم في عدم بقائه أسيراً للصراعات الإسلامية اللاهوتية عن الجبر والاختيار وغيرها من معضلات اللاهوت التقليدي بل تعدى حدود الصراع الأشعري ــ المعتزلي إلى الميدان الأوسع والأعمق، أي ميدان القلب الذي يمكن أن تبرز فيه وتتعمق روابط الملك والملكوت والجبروت، والمعرفة والأخلاق، والعلم والعمل والحال، والفناء وفناء الفناء والبقاء. فهو الميدان الذي يمكن احتواء كل ظواهر الوجود، باعتبارها قضاياه الخاصة، ومن ثم النظر اليها بعين البصيرة والتفاعل معها بالهمة الواحدة. بمعنى النظر إليها من منطلق الوحدانية المطلقة التي يتطابق الرجوع فيها إلى المبادئ الأولية مع عملية الانتقال (السريان) من التاريخي إلى المطلق ومنه إلى الملموس. لهذا لم يعن رجوعه إلى مبادئ الأمة الأولية رجوعاً آلياً بسيطاً، بل عملية عميقة المضمون والمغزى استمدت قواها من طبيعة التآلف الفكري الذي غابت عناصره "المتناقضة" وراء وحدة الكلّ. وليست وحدة الكل هنا سوى الاصلاحية الدائمة أو ما دعاه الغزالي بتجديد السنة الدائمة"[3].

لم يكن هذا الرجوع سلفية جامدة مبسطة ومباشرة، بل كان استيعاباً جديداً بروح الإصلاحية العقلانية والأخلاقية المطلقة (الصوفية) لدراسة الواقع وتحديد مهلكاته ومنجياته. وهذا ما يبرز بوضوح على مثال موقفه من مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهو ينظر إلى هذا المبدأ نظرته إلى "قطب الدين الأعظم" و"الهمّ الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين". بل لو طوى بساطه، كما يقول الغزالي، "وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة"[4]. وهنا يشدد الغزالي على أن هذا التعبير يعكس شطح العبارة الصوفية في محاولاتها تذليل ضعف الهموم الخاصة تجاه الهموم الكبرى لأتباع الحق، أي كل ما له علاقة بقضايا الوجود الإنساني وإشكالاته الأخلاقية. فإذا كانت التقاليد الصوفية بدء من التستري قد وضعت فكرة "تعطيل النبوة" في اطار تصورتها عن "سرّ القدر"، فإن تحويرها في مواقف الغزالي العملية من الإرادة الأخلاقية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعكس الكيفية التي جرى من خلالها انكسار ووحدة الأبعاد العقلانية والصوفية في مجرى تطور آراءه عن الإصلاح والإحياء. وضمن هذا السياق يمكن فهم حقيقة موقفه النقدي من الواقع الذي يكشف كل ما فيه عن "إندراس علم وعمل القطب وانمحاق حقيقته ورسمه بالكلية"[5]، أي دلائل تمويت السنّة التي ينبغي "سد ثلمتها اما متكفلا بعملها أو متقلداً لتنفيذها مجدداً لهذه السنّة الدائرة"[6].

وسوف يعطي لفكرة "السنة الدائرة" معانيَ تتعدى حدود زمنها التأريخي الملموس لكي تربط في كل واحد الإصلاح الفردي بالاجتماعي ونقلها من عالم الأخلاق إلى السياسة وبالعكس. إن محاربة التقليد التي أدت في مجرى تطورها إلى خلخلة القناعة الذاتية وتحطيم أسسها المذهبية (الضيقة) كان لابد وأن تؤدي في حالة ملامستها الواقع الاجتماعي والسياسي إلى مواجهة مهمة التعامل معه بمعاييرها الخاصة. وإذا كان التاريخ المنصرم للإصلاحية الإسلامية التي كان نشاط النبي محمد مثالها النموذجي (المجرد والملموس) فإنها اتخذت عنده صيغة الربط الخفية فيما بينهما كصيرورة جديدة لما يمكن دعوته "بالروح المحمدي"، والتي ستحصل في وعي الذات الإصلاحي الإسلامي على أحد تعابيره المفارقة بكلمات: "لو كان بعد النبي نبيٌ لكان الغزالي"، و"كاد الإحياء أن يكون قرآناً".

ولايمكن استيعاب حقيقة المضمون التاريخي لهذه "الصلات" إلا في إطار فهم طبيعة العلاقة بين النموذجي والملموس في التقاليد الإسلامية التي شكلت فيها فكرة النبوة النموذج الأعلى للتمثيل الإنساني في الممارسة (الملموس). إن تحليل هذه الأفكار النموذجية في ثقافة الرمز الإسلامية تكشف عن تمركز وتجوهر الأفكار العقلانية في قالب الأحكام القيميية العليا. وبهذا تكون قد تجاوزت التصورات والأحكام اللاهوتية المباشرة في تعاملها مع رموز الدين الكبرى. فإمكانية الاقرار بوجود نبي بعد النبي محمد هو بحد ذاته "كفر". إلا أن ذلك لم يعق ترديده من جانب أكثر الشخصيات الإسلامية إسلاما وورعا. وينطبق هذا بدوره على مقارنة (الإحياء) بالقرآن. إننا نقف هنا أمام الظاهرة التاريخية الثقافية، التي تصبح فيها قيم الروح العليا مؤشرات نموذجية للاستمرار والتقدم. وفي الحالة المعنية لم تكن هذه الكلمات والمقارنات وليدة الصدفة بقدر ما أنها تعكس المضمون الجديد الذي ادخله الغزالي لعالم الخلافة في أسلوبه غير المباشر في التعامل مع تجربة الإسلام الروحية والفكرية في مجرى القرون الخمسة السابقة له. وهذا ما يفسر أيضا الأسباب التي اعاقت حتى أشد الفلاسفة عقلانية كالفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم من تجاوز القيمة المعرفية والعملية للنبوة ودورها النموذجي في كيان وكينونة الأمة الإسلامية.

 غير أن الغزالي لم ينظر إلى النبوة والنبي كرديف للفيلسوف الأفلاطوني أو الحكيم الارسطي أو مثيلاتها الإسلامية، بل نظر إليهما بروحية التقاليد الصوفية في مواقفها من العارف الكامل. ولم يقف هو هنا عند تخوم الأخلاقية الصوفية الصارمة وعزلتها المتسامية، بل حوّرها في الميدان الأكثر تعقيداً في تعامله مع الواقع، أي ميدان الروح الفعال أو الاصلاح الشامل، والذي يمكن لكل انسان تمثله وتحقيقه. لهذا كان بإمكانه أن يتخذ من شخصه مثال هذه العملية كحلقة في سلسلة "تجديد السنة الدائرة".

قد حاول الكشف عن ذلك في آواخر حياته عندما غادر عزلته راجعاً إلى حلبة الصراع، الذي لم يعد بالنسبة له مجرد رجوع عادي. لهذا لم ينظر إلى رجوعه للتدريس ونشر العلم كرجوع. فالرجوع كما يقول الغزالي هو عُوْد إلى ما كان بينما لا تكرار في الوجود كما سيردد ابن عربي لاحقاً معمقاً فكرة الغزالي ذاتها. فالرجوع ههنا هو شبيه "بالانحصار" بين الأبد والأزل، الذي تتحول فيه الذات الفاعلة بعد ادراكها حقيقة الوجود ومعنى الحياة إلى "قلب بين اصابع الرحمن". ولم تعن هذه الفكرة في آراء الغزالي سوى بلوغ تطابق الغاية والوسيلة في الذات وتذليل استقلالها النسبي في مجرى ووحدة المساعي الحرة. وشكلت هذه النتيجة الفكرية مقدمة القناعة الراسخة للعمل الإصلاحي. من هنا يمكن فهم سبب جعله الرجوع إلى التدريس الحافز الداخلي لكتابة (المنقذ). ولهذا ايضاً يمكن أن نفهم سبب تشديده على إن رجوعه للتدريس في نظامية نيسابور لم يكن رجوعاً عادياً أو بصورة أدق أنه ما رجع. إذ ان الرجوع هو عود إلى ما كان. وعندما يكون قد تغير مضمون كل ما يقوم به فإن مظهر الفعل (الرجوع والتدريس) يصبح هو الآخر مغايراً. اذ لم يعد الفعل (العلمي والتدريسي) بعد الآن نتاج اختياره الضروري بقدر ما انه اصبح تقلبا بين "أصابع الرحمن". ولم تعن هذه الفكرة في مضمونها الصوفي وفي حالة الغزالي بعد الخروج من العزلة سوى وحدة التطابق بين حقيقة الغاية والوسيلة، أو غياب الوسيلة كلياً وذوبانها في رؤية الغاية المتسامية. وعبّر عن هذه الحالة في كلماته القائلة بأن أمنيته وقصده في العمل (التدريس) لم يكن سوى "إصلاح النفس والغير"[7]. فقد شدد الغزالي متتبعا أثر الصوفية وتصوراتها عن سر الروح الاخلاقي. ولم يكن هذا المفهوم الصوفي عن سر الروح من وجهة النظر التاريخية والفكرية ذا بعد واحد. إذ كان هذا المفهوم نتاجا طبيعيا للفكرة الصوفية عن الظاهر والباطن. غير أن التصوف ذلل هذه الثنائية من خلال تأسيس الوحدة التامة والمرنة في علاقة الشريعة بالطريقة وثمرتها الخالصة في الحقيقة. لهذا كان بإمكانه القول بأن القلب لا يدخل في ولاية الفقيه، أو حسب عبارته ليس للفقيه ولاية على القلب، أي انه جرّد الروح الانساني (من ضمير ونية وأفكار وهواجس ووساوس وما شابه ذلك) من خضوعها للأحكام الفقهية للفقهاء. ومن الناحية التاريخية لم تكن هذه الافكار مجرد احتجاج مباشر ضد سلطان فقه السلطة الدينية والدنيوية بل واستمرار معقد لانكسار التصورات الصوفية عن الوحدانية ومبادئها العملية. وبالتالي لم تعد العبارة والكلمة والعمل سوى احد مظاهر وتجليات مستوى تمثل حقيقة الوحدانية في النفس، او وحدة الظاهر والباطن في الوهم والعقل والهواجس والخواطر والأعمال والأفعال، او وحدة الطريقة والشريعة في الحقيقة. وبهذا المعنى كان خروج الغزالي من العزلة فعلا معبر عن حاله لا غير. فهو لم يرجع من الحقيقة للعلم، ومن الطريقة للشريعة، وإلا لأدى ذلك، كما تقول المتصوفة، الى إفساد ارادته. فما هو جوهري في كل ذبك هو تذليل استقلال الظاهر والباطن، والغاية والوسيلة في وحدة الهّم. آنذاك لم يعد للفعل معنى خارج حقيقة السمو الاخلاقي والروحي. من هنا سطحية الاحكام القائلة بتذبذبه وانحرافه وزيغه وما شابه ذلك من احكام فيما يتعلق بسبب رجوعه للعلم والتدريس. فهي أحكام في اغلبها مبنية على الجهل بحقائق الفكرة الصوفية. وليس مصادفة أن يؤسس الغزالي لفكرة إصلاح النفس قبل إصلاح الغير، رغم ربطه الدائم بينهما.  

إن بلوغ الغزالي حالة "القطبية" قد افترضت تلقائية العمل بوحي "مشكاة النبوة" أو نورها المؤيد[8]. بصيغة اخرى، انه لم يعد يعمل إلا بعد مخاض الرؤية اليقينية لحقيقة المرمى. وبهذا ينبغي للعقل أن ينصهر كليا في لحمة المبادئ الأخلاقية المطلقة. فرجوعه إلى معاودة التدريس لم يكن فعلاً ارادياً من جانبه أو من جانب السلطان بل يصبح ذوبانا أو اندماجا خالصا للقضاء والقدر في ضرورة الإصلاح. إلا أن عقلانية الغزالي التي ساهمت في تشذيب الروح النقدي (والمناهض للتقليد) قد تعرضت هي ذاتها إلى تهذيب الشك المعرفي، الذي حالما يعثر على يقينه النهائي في الأخلاق فإنه يعطي بالضرورة لعناصر العقلانية هيئة السمو الروحي ونوازعه الوجدانية الباحثة في كل فعل عن معنى يتجاوز "الأنا" الفردية وكيانها البشري. وإذا كان الغزالي قد شدد مراراً على انه لا معنى لتجاوز بشرية الإنسان، فإن غلبة الافكار المطلقة قد قيدته في حريته الجديدة، أو حررته من قيوده "البشرية" بحيث جعلته ينظر إلى ما هو قائم من زاوية التأمل الكليّ لا من زاوية الانقضاض البهيمي، أي من منطلق الروح والحقيقة لا السياسة والمصلحة. فقد رأى هو اصناف الخلق كما يخبرنا في (المنقذ) وقد ضعف إيمانهم لأسباب يُجملها ببواعث فكرية واجتماعية وأخلاقية عديدة[9].لكنه يرى في الوقت نفسه استعداده النفسي أو ضغط عالم النفس في دعوتها لمهاجمة الفرق من جديد تحت أثر تجربته القديمة وتمكنه الهائل من الصراع ضدها. ذلك يعني أنه كان يتحسس على الدوام ويدرك الصلة الداخلية في تطوره واستمرارية البراهين العقلية والجدلية. إلا ان ما كان يقيده هو عالم النفس بإشعاعه الصوفي. فقد كان يعاني من ضغط عوالم المعرفة ومهمة الإصلاح ووسيلة تجسيده. وهو نفس الصراع الاجتماعي النفسي الأخلاقي بين الغاية والوسيلة الذي ادى في يوم ما إلى إثارة ازمته الروحية الأولى ومرضه النفسي. أما الآن فإن ذلك لم يؤد إلا إلى استثارة التأمل الحزين لما يجري.

لقد تعامل مع معضلات وانحطاط أمته بقدر عال من المسؤولية والاندماج الوجداني. فهو يتحسس عدم اغناء الخلوة والعزلة وقد "عمّ الداء ومرض الاطباء وأشرف الخلق على الهلاك"[10]. وفي الوقت نفسه نراه يواجه النفي الداخلي المستند إلى نفي عالم النفس في براهينه المضادة. فهو يحاور نفسه عن مدى انهماكه في كشف هذه الغمم ومصادمة هذه الظلمات والزمان زمن الركود والدور دور الباطل. أنه يدرك حقيقة الصدام وقوته الذي رغب وعزب عن أن يكون ضحيته المأساوية (المغامرة). لقد أدرك الشقة المثيرة لقلق العقل والضمير، التي يثيرها إدراك ما ينبغي القيام به وعدم توفر الظروف المناسبة لتحقيق ذلك. وقد صوّر كل خلجات ضميره الحرجة وحجج عقله الجدلية في (المنقذ) عندما كتب عن معاتبة نفسه بعبارة "فما تغنيك الخلوة والعزلة وقد عم الداء ومرض الاطباء واشرف الخلق على الهلاك"[11]. في حين رد عليها في نفسه على نفسه:"متى تشتغل أنت بكشف هذه الغمة ومصادمة هذه الظلمة، والزمان زمان الفترة والدور دور الباطل. ولو اشتغلت بدعوة الخلق عن طرقهم إلى الحق لعاداك أهل الزمان بأجمعهم. وأنى تقاومهم فكيف تعايشهم؟"[12]. واذا كان صراع النفس العقلية هي الصفة المميزة للمفكرين فلأنها تعكس ذلك التداخل القائم بين أحكام النطق المجردة ورغبات النفس. ومن الصعب تجاوز هذه الصلة اللامرئية بما في ذلك في الصيغ المجردة للفكر والتفكر دون السعي لتمثل الحقيقة الأخلاقية أو تلك التي سيدعوها لاحقاً بالمعرفة الحرة التي لا يقيدها قيد (المصلحة وأمثالها). وإذا كان الغزالي قد أبرز "عجزه" الفردي أمام واقع الركود ودور الباطل، فإنه أدرك في الوقت نفسه قوة عالمه الروحي. فقد استثار وما يزال "خمول" في الظروف العصيبة للخلافة ومأزقها السياسي وتعرضها للهجمات الخارجية على ردود لعل عديدة ومتنوعة في محاولاتها فهم حقيقة موقفه الصامت. وعادة ما يجري التطرق البها بعلامات الاستفهام والاستغراب والتعجب وما شابه ذلك تجاه موقفه الخامل من هجمات الصليبين على عكس هجومه الشرس ضد الإسماعيلية والإسماعيليين. وهو انتقاد له أساسه الفكري والأخلاقي والعقائدي. غير أن القضية أبعد وأعمق من ان يجري حصرها وتقيمها بمعايير المواقف السياسية والنفسية الظاهرية والمسطحة ومن منطلق "متطلبات الساعة". فالغزالي لم يسلك سلوك الجندي المقاتل أو السياسي الماكر أو المتملق والمتسلق الذليل في موقفه من احداث الساعة. لقد كان آنذاك مهموما بالبحث عن الأسباب الجوهرية التي ينبغي توجيه قواه البها من اجل استنهاض وتجديد قوة الأمة وجبروتها. إذ بين المفكر العظيم والسياسي المحنك بون لا يمكن تذليله وتباين لا يمكن القضاء عليه حتى في تلك الحالة التي يجسد فيها السياسي مقدرة المفكر والمفكر مقدرة السياسي. اما بالنسبة للغزالي فانه حاول تجسيد علاقة المفكر بالسياسة في الميدان الأكثر تعقيدا، أي ميدان إبداع وصيانة أسس ومبادئ المتانة الصلدة لقوة الفرد ومناعة الأمة في وحدتها الروحية والإخلاقية. لقد صاغ الغزالي أحد الأسس الكبرى التي ما زالت تمتلك قيمة هائلة لحد الآن، والقائل بأن إمكانيات التحدي والتصدي الناجح لأي عدوان خارجي يفترض استناده الواعي إلى فكرة الحق. بعبارة أخرى، لقد اكسبته عقلانية الفكر وواقعية التصور إدراك الصلة الممكنة والضرورية بين الإصلاح وأداته القائمة في قوة الفكر، كما نراه في عبارته القائلة:"ولا يتم ذلك إلا بزمان مساعد وسلطان متدين قاهر"[13].

وعندما يصور الغزالي جدل النفس والعقل في موقفه من الأمر السلطاني للتدريس في نيسابور، والذي رفضه مراراً فإنه لم يسع من وراء ذلك إلا للكشف عن التطابق والتوافق بين نضوجه اليقيني وإرادته المجردة للمساهمة في الإصلاح وبين الحركة الطوعية المنبعثة من أمر السلطان لدعوته للعمل. وقد اعطى له ذلك إمكانية الحكم على أن ما جرى لم يجر بإرادته الخاصة المقيدة بمطامع النفس و"مكر العقل"، بل بفعل السر الخفي في هذه الحركة التي ترافقت مع حلول القرن الجديد مما اعطى لها قيمة مطلقة. لكن هذه القيمة من حيث كونها فعلا لم تكن مقنعة بحد ذاتها كما هو الحال بالنسبة للسلوك الصوفي، الذي عادة ما يجري امتحانه الدقيق في عالم اليقظة والمنام، أي حالما تصبح القيمة واحدة في الوعي والوهم، وحالما تتحول إلى همّ واحد وغيب يدور وراء الحجج المادية للنفس، يعد تحوله إلى غاية اخلاقية صارمة كما كان حال النبي محمد.

غير أن التطابق بين شخصية الغزالي والنبي محمد في هذا المجال لم يكن تطابقا مضمونيا، بل تطابقاً معنويا. بمعنى انه استمد تصوراته من "نور مشكاة النبوة" في تقاليدها الصوفية. اضافة إلى تصادف الظاهرة التاريخية مع نهاية القرن الهجري التي جعلته يعتقد باستمراره المعنوي الحق في اتباع حقيقة النبوة وآثارها باعتبارها صراعاً من اجل الإصلاح.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن للثقافة التاريخية حدودها المقيدة. ومن الممكن تجاوز هذه القيود إلا أن من الصعب تهشيمها بصورة تامة، خصوصا إذا كانت هذه القيود تمثل في شفافيتها الروحية لمعان الأنوار المغرية. فقد أبدعت الثقافة الإسلامية أنوارها الخاصة شأن الثقافات الكونية الكبرى. لهذا من الصعب اتهامها أو وصفها "بالطفولة" و"الرعونة" في حال اتخاذ بعض مظاهرها هذا الطابع في أعين البصيرة المعاصرة. ولعل فكرة الدورة المئوية للإصلاح بتمثلها الفردي هو من بين نماذجها المتميزة. فإذا كانت الدورة المئوية قوية التأثير بما في ذلك في الزمن الحالي (بل وتبدو اشد تأثيرا بفعل الطابع الحسي للزمن المعاصر في الوعي والثقافة العالمية ككل)، فإن تجسيده الفردي لم يعد قضية مقلقة للوعي الاجتماعي أيا كان مستواه ونموذجه. وإذا كانت الثقافة الإسلامية قد ساهمت واختبرت بمعايير العقائد في مجرى القرون السابقة للغزالي السر المجهول والساحر لفكرة الانبعاث المئوي، فإن ذلك لا يحتوي اطلاقا على ما يمكنه أن يكون نقيصة أو سذاجة للوعي بما في ذلك النظري، بقدر ما انه يعكس أحد ملامح رؤية التقدم والتجديد في الأصالة الثقافية من حيث رؤية ارتباطها بإرثها الخاص. فقد كان العالم آنذاك واسعا بمعايير المكان والزمان، لكنه ضيقا بمعايير النظر الى الله. فالمساحات الشاسعة والأبعاد الزمنية تتضاءل إلى اقصى درجة أمام الملحمة الخاطفة "للرحمة الإلهية" في ثوابها وعقابها. وقد اعطى ذلك للوعي النظري والعادي قيمة روحية في تأمل دوراته السنوية. لقد وجد فيها صيغة لتحدد الحياة وانبعاثها وإحيائها، أي على خلاف العالم المعاصر الذي أصبح ضيقا في الزمان والمكان وواسعا وبعيدا في نظراته الى الله. لقد اصبح كل شيء بالنسبة له لا متناه مما خلّصه منة عقدة تأمل وملاحظة ما بعد الموت. بمعنى انه افتقد لسحر الملحمة الخاطفة لوعي الوحدة. فهو يعيش اللامتناهي في تناهيه الشعوري. من هنا كان الزمن في "دورته" مجرد استعادة جديدة للمشاكل ومقدمة الحلول، وعتبة وعقبة على طريق مليء بالمستجدات.

 ونعثر على كافة هذه الجوانب والقضايا في استشهاداته وتأويله للآيات القرآنية المنبعثة من قناعة الروح الأخلاقي مثل "أحسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟ ولقد فتنا الذين قبلهم"، أي الدعوة للتحدي التي تعي مهمتها استنادا إلى الالهام (الصوفي) لا إلى عوالم الظواهر الخارجية. فهو يظهر في استيعابه للآية بوصفه جزء من الأمة التي لا يمكن ترك مصيرها عرضة للزلل دون أن يتحمل بذلك مسؤولية أمام الله. وهذه بدورها ليست إلا وحدة الإيمان والعمل. وإلا فلا معنى للإيمان ولا قيمة للعمل. تلك الفكرة التي وجد استمرارها في مثال الدعوة القرآنية للنبي محمد في صراعه كما هو موجود في الآية "لقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واوذوا حتى اتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله". فالمثال النبوي يتحول في وعيه إلى مثاله الخاص. آنذاك لم يعد بحاجة إلا لقناعة اليقين التي وجد رؤيتها في الآية "انما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب". حينذاك يتخذ النشاط اسم الحق (المطلق) لأنه من تدبيره. أما في الواقع فإن هذه التصورات لم تكن سوى نتاج تقاليد الإسلام الإصلاحية التي بلورتها قرون عديدة. بحيث اتخذت في أحد نماذجها الخلابة هيئة التجديد المئوي بإرجاعها إلى لسان النبي محمد من أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة عام من يجدد لها دينها.

وقد اتخذت حياة الغزالي في الكثير من انعطافاتها صيغة التطابق الظاهري مع الشخصية النبوية لمحمد. فهو ايضاً انتقل في الأربعين من العمر إلى عالم "مشكاة النبوة". فعند النبي محمد بداية النبوة وعند الغزالي بداية العزلة ومهمة الإحياء. وإذا كان التطور التاريخي من الناحية الزمنية قد دفع خروجه للإصلاح عند تخوم القرنين الخامس ـ السادس الهجري فإن التطابق الظاهري بين شخصيته وشخصية النبي محمد قد ولّدت في وعيه إمكانية انصهار الابعاد التاريخية والميتافيزيقية إلى الدرجة التي وجد فيها نفسه ممثل الإصلاح والمجدد للأمة دينها.

لكن ما يميز الغزالي هنا هو كونه ذاته نتاجاً للتقاليد الاجتماعية السياسية والروحية للخلافة التي طابقت في شخصيته فكرة وأهمية الأربعين والمائة. ومن الخطأ البحث في آرائه وسلوكه عما يوحي باستلابه أمام قوة الكلمة أو خضوعه الأعمى للتعاليم الدينية اياً كان مصدرها، بقدر ما كان للتطابق الظاهري مقدماته الفعلية في صيرورة الأنا المجددة التي اختزلت وحدة تطوره (الغزالي) المعرفي والأخلاقي على خلفية التصوف الإسلامي. فالتقاليد هي مقدمة النشاط. لهذا لم ير الغزالي في عودته للتدريس سوى بداية تطبيق الوعد القائل بضرورة التجديد المئوية التي وقعت على عاتقه نهاية 499 ـ بداية 500 هجرية. فالعمل الإصلاحي لم يعد فعلاً طارئاً ولا حتى سعياً ذاتياً محضاً بل فعلاً خلاّقاً يعي ارتباطه بالوجود من خلال الله. فهو لم يعط للإصلاح فعل الحركة التنويرية الظاهرية أو التأثير المباشر أو الانقلاب الحاسم في الوجود الاجتماعي التاريخي، بل فعل السعي الحثيث لبلوغ التطابق الحق بين النية والفعل، والغاية والوسيلة، والباطن والظاهر، والحقيقة والشريعة، اي تذليل كل التناقضات الممكنة في طريق السمو الذاتي، باعتباره الأسلوب الأعمق للإصلاح الحقيقي.

وقد استندت فكرته عن الإصلاح الشامل إلى نظراته في المعرفة والوجود وضرورة وحدة المعرفة والتخلق بأخلاق الله (المطلقة)، أي نظريته عن وحدة الكون ووحدانية الله. لهذا وجد في كل حياته من دخوله بغداد حتى خروجه منها، ومن دخوله العزلة حتى خروجه منها، حلقات في مجرى "الرحمة الإلهية". وليس هو نفسه بالتالي سوى "قلب بين أصابع الرحمن" يحركه كيفما يشاء. ومن ثم فمن الخطأ البحث في هذه الفكرة عن هيمنة الجبرية المفرطة في وعي الذات عند الغزالي. فبين الجبرية كفعل ازلي مخطط له وبين وعي الذات في جبرية الوجود بون شاسع. وقد سار الغزالي في الاتجاه الثاني دون ان يفتقد روح التفاؤل التي سيظهرها لاحقا في موقفه القائل "ليس بالإمكان إبداع أفضل مما كان" دون ان يقيد لا تناهي المممكنات. وفيما بين هذه المتناقضات ظهر وتبلور تآلفه الفكري كمحاولة لرؤية العلاقة بين الوجود والمثال، بوصفهما كلا واحد. مما اعطى لآرائه حتى في اشدها تجريدية مهمة كشف الحقائق لذوي البصيرة، أي إننا نقف أمام احدى المعضلات الجوهرية للوعي الفلسفي ألا وهي قضية وحدة الإصلاح والحقيقة، وللوعي السياسي الاخلاقي بوصفها قضية موقع الإنسان في الكون ومعنى الحياة ومبادئ السلوك والقيم، أي كل ما طبع آراءه ومواقفه من قضايا ومعضلات الأمة الإسلامية وثقافتها.

لقد سعى الغزالي لإبداع نظرية تتجاوز الطابع التقليدي وتلفيقية الحلول السائدة في عصره، من خلال إبراز مقياس ومحك الإخلاص الإنساني. ولم تكن هذه المهمة والغاية سهلة الحل. فالمحاولات العديدة التي بذلها الفكر والمفكرون القدماء لم تتجاوز جزئية الإصلاح في ميادين الاختصاص على عكس الغزالي الذي حاول ربط الإصلاح بمصير الإنسان وكينونته الأخلاقية. وقد اثار ذلك الكثير من المعضلات الفكرية أمامه في مختلف ميادين المعرفة والأخلاق العملية، أي المحاولة التي وضعت نصب اعينها مهمة ايجاد الوحدة الايجابية الفاعلة كما وعاها الغزالي في ثقافة القرون الخمسة السابقة بربط مصادرها الفكرية وعصارتها الذهنية من اجل ابداع تآلف فكري مقبول لطبقات الأمة كل بمستوى فهمه وإدراكه. بمعنى حدة الخاصة والعامة، والباطن والظاهر، والمطلق والنسبي، والعقل والنقل، والحقيقة والشريعة، والتي ظلت تحمل في بعض جوانبها نسبية الموازاة التي لم يذللها فكريا احد آنذاك سوى ابن عربي. فقد انطلق ابن عربي في بدايته من نهاية التجربة الحية للموتى. فما ظهر في (الإحياء) كإحياء لما مات سيظهر في (الفتوحات) كنظرة في الغيب وكوحدة للحي الذي لا يموت. ولربما شكلت كلمات الغزالي في نزعه الأخير: الاخلاص! الاخلاص! التعبير الذاتي الواقف أمام هوة المطلق. وقد سبق له وإن شرح نزعه الاخير في (الإحياء) بعبارة تقول "إن الإخلاص هو مساعدة الحال للمقال، أي أن يكون المرء من أهل لا إله الا الله حالا ومقالا ظاهرا وباطنا حتى يودع الدنيا"[14]. وقد سلك الغزالي حسب هذه الوصية حتى لحظاته الأخيرة. انه وعى مصيره قبل موته بزمن طويل دون أن يفرض مثاله على الآخرين.

***

 ا. د. ميثم الجنابي

.....................................

[1] الغزالي: الإحياء، ج1، ص38.

[2] الغزالي: ميزان العمل، ص16.

[3] الغزالي: الإحياء، ج2، ص306.

[4] الغزالي: الإحياء، ج2، ص306.

[5] الغزالي: الاحياء، ج2، ص306.

[6] الغزالي: الاحياء، ج2، ص306.

[7] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص160.

[8] استعمل هنا مفهوم القطبية بما يتوافق مع معنى الحقيقة الصوفية، أي انه يتطابق مع ما هو مميز للطريقة الصوفية التي تعطي للقطب والقطبية مقامها الخاص في الكيان والكينونة الصوفية والوجود أيضا. ومع انه تناول في أعماله الصوفية فكرة القطب في مجرى تأملاته وتأسيسه لمعنى وحقيقة ونموذج الإنسان الكامل، إلا انه لم يتطرق الى هذا اللقب حوله نفسه، شأن بعض كبار الصوفية. لكنه وعى أو تعامل مع نفسه بوصفه مجددا على رأس المائة السادسة للهجرة. ومن الممكن احتمال تضّمن هذه الحالة على معنى القطب والقطبية، أو انها الوحدة الجديدة للمصلح النبوي (الفلسفي العقلاني) والقطب الصوفي. ووجد ذلك انعكاسه فيما بعد في اقوال ومواقف بعض كبار الصوفية. فقد وصفه ابو الحسن الشاذلي بعبارة "حبر الأمة" الذي باهى به النبي محمد انبياء اليهود والنصارى (موسى وعيسى). بينما شهد له تلميذه ابو العباس المرسي بالصديقية العظمى (السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج4، ص134).

[9] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص154-156.

[10] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص157.

[11] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص157.

[12] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص157-158.

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص157-158.

[14] الغزالي: الإحياء، ج1، ص303.

 

محمد ممدوحارتبط الميزان فى العقل الشرعى أو العرفى بالعدل، فهو رمز للعدل لا أكثر، هكذا دل القرآن غير ذات مرة (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) (الرحمن9) إنه أمرٌ بالقسط، بالعدل، بعدم تطفيف الميزان باعتباره رمزًا للعدالة، إنه معيار العدالة في المعاملات المادية الدنيوية، وهو كذلك معيارها في الآخرة أمام الله، إنه ذات اللفظ "الميزان"، وذات المقصد "العدالة" ... ولكن الجوهر يختلف كثيرًا بين الإثنين.

القرآن يقر بوجود الميزان في الآخرة (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا) (الأنبياء47) (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) (الأعراف8) إنه يؤكد لفظية الميزان، بما يعطى انطباعًا بمادية مجردة وحسية محضة، إنه أقرب إلى الذهن بصورة الميزان ذى الكفتين، أو الميزان الناطق ذو الأرقام والأعداد الحسابية، ولكن هذا في ميزان الدنيا، ميزان الكيل، أو ميزان الوزن بالكيلو جرام، أو ميزان التقدير القياسى، فكلها أنواع مادية محضة ووسائل قُصد بها إقامة العدل، أما ميزان الآخرة فلن يكون أبدًا بذات الصفات المادية البحتة، لن يكون بكفتين، ولن يكون بمؤشر، ولن يكون بأرقام أو وسائل عددية أو حسابية للقياس ولكنه سيكون شيئًا آخر مغاير للمادية تمامًا.

القرآن ينطق مقرًا عملية الوزن، يصورها للذهن كأنها عملية حسابية بحتة، فما عسى أن يكون الميزان غير ثقلٍ وخفة، وهما ماديتان، والقرآن يقرهما لفظًا ومعنى (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) (القارعة6) (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) (القارعة8) إنه يتحدث بالصفة المادية المحضة، ولكن مراده أعمق من تلك الصورة بكثير.

لن يكون ميزان الآخرة لمجرد وزن الحسنات والسيئات، أبدًا، فليس هذا بمنطق لربٍ قد أحاط بكل شئ علمًا!!

لن تكون الحسنات ذات صفة مادية مع قدرة الله على كل شئ، وكذا لن تكون السيئات بذات الصفة على الرغم من توصيف القرآن لها بأنها حمل ثقيل، بما يعنى اكتسابها لصفة المادية، من ذلك قوله (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ) (العنكبوت13) (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) (الأنعام31)، هذا مجرد معنى دلالى لا واقعى، فالمادية صفة دنيوية فقط لا أخروية .. الميزان رمز للعدالة في الدنيا لكنه في غالب الأحيان لا يحققها، هو مجرد رمز لا واقعية له أو مصداقية، فقد يطفف الناس الميزان، وقد يستوفون أو يخسرون بحسب مصالحهم وأهوائهم، وقد يقيمون القسط  في الوزن والجور في السعر والقيمة، مئات السُبُل لتطفيف الميزان في الدنيا، ليكون مجرد رمز للعدالة ولكنه مجردٌ منها تمامًا.

ولا يستسيغ عقل أبدًا أن تستمر تلك الصورة العبثية في الآخرة، فلن يكون الميزان مجرد رمز للعدالة، ولن يكون ماديًا قط، بل لن يشترك بين ميزان الدنيا المعوج وميزان الآخرة ذى العدالة المطلقة إلا الإسم فقط، ومن ثمّ فلا وزن للحسنات والسيئات كما صرح القرآن، هذا مجرد تقريب للذهن لا أكثر، ولكن الإنسان ذاته سيوزن، بشحمه ولحمه، بشعره وأظافره، بمكنونه وظاهره، الإنسان ذاته سيوضع في الميزان بكليته، سيوزن أمام الذى يعلم السر وأخفى، هذا ما تقوم عليه الشواهد، وتشير إليه الأدلة ..

القرآن يتحدث عن علم الله بمكنونات الصدور (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) (النمل74) (وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) (القصص69)

(وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) (النحل19)

(يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) (التغابن4)

(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) (البقرة235)

عشرات الآيات تعطى هذا المعنى وتؤكده، فالله سبحانه يعلم ما أخفت النفوس وأضمرت، يرى ما عششت عليه النوايا وأطبقت عليه الصدور خلاياها، ومن ثمّ فعند الحساب سيوزن الإنسان كاملاً، بأفعاله ونواياه، بظاهره وخفاياه، بمكنونه وخباياه، بمطوياته ونجواه، كل ذلك سيوضع في الميزان، سيخضع للتقدير المحكم من العزيز الحكيم، التقدير الذى لن يخطئ خردلة، ولن يغفل مثقال ذرة، هذا ما تشير إليه مكنون الآيات (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)) (الزلزلة7-8) هذا المثقال لن يوزن أبدًا بميزان حسى مع قدرة الله على ذلك، ومع طلاقة قدرته وإرادته سبحانه، لن يوزن في كفتين إحداهما مضادة للأخرى، ولكن الوزن سيكون القسط، (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (الأنبياء47) ولن يكون هذا القسط  أبدًا بدون وزن الإنسان ذاته، بخفاياه وخباياه وظواهره ومطوياته، بشكله وفكره ومضمونه ومكنوناته، هذا ما يمكننى أن أفهمه من سياقات القرآن الآنفة، وما يمكننى فهمه من قوله (ص) :" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرء ما نوى".. لكل امرء ما نوى في صدره، في قلبه، في خفايا مكنونات نفسه، من ذا الذى أحاط علمًا بما يجرى هناك؟! إنه الله وحده ... من ذا الذى يعلم خفايا التفكير ومترددات الصدور بين ستائر أنسجتها، إنه الله وحده... لا الحفظة يعلمون، ولا الكرام الكاتبون، فتلك المكنونات علمها عند ربى وحده، ومن ثمّ فلا يعقل أن تفلت النوايا من الميزان، وإلا لما كان رسول الله (ص) قد جزم بالقول : " إنما الأعمال بالنيات" وما كان نبى الله عيسى حسم الأمر قائلاً (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (المائدة116) إنه التأكيد الجازم على أن مكنونات الصدور علمها عند الله وحده، ومن ثمّ لم يطلع عليها ملك فيكتبها، وتالياً فمحض تقديرها ووزنها من عمق اختصاصات الله سبحانه، ولن يقدر ذلك ميزانٌ، ولن يفلح في ذلك ملك ولا مؤشر ولا أى مقياس آخر، بل علم الله وحده هو الحكم، علمه سبحانه بمكنونات الصدور، بما أخفت النوايا، وبما أضمرت القلوب.

هذا فقط ما يمكننى فهمه من عبق القرآن وعمق وحى الدين وجوهره .. فالذين نافقوا، أبطنوا الكفر والإلحاد وأظهروا الإيمان!! من الذى يملك أن يفضح خباياهم أو يطلع على أسرارهم ؟ كيف يكون هناك ميزاناً للنوايا وهى محض نفسية داخلية باطنية لا شعورية ؟!! والذين كذبوا على الله، والذين تكبروا وعاندوا وتجبروا، والذين أصروا على الظلم والبغى أو ناصروا أهله ولو بالكلام أو بالرضا الصامت، من الذى يطلع على سرهم وأخفى ؟! ومن الذى يعلم مكنون صدورهم ومطويات نفوسهم غير الله ؟!

هذا ما أفهمه من قوله (ص) : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " .. النبى يتحدث بلغة الداخل، اللا شعور " من كان في قلبه" ومن الذى يحكم على القلوب .. إنه (ص) يعود للتأكيد غير ذى مرة أن القلوب من محض علم الله وحده، يتضح ذلك في قوله لخالد بن الوليد " هلا شققت عن قلبه" .. ويتضح من قول القرآن (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا) (الأحزاب51) مناط علم القلوب إلى الله وحده، والوزن للسيئات لن يكون أبدًا على ما تم بالخطأ أو بعدم التعمد أو بعدم الإصرار، فذلك مما يسعه عفو الله، هكذا نطق القرآن (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (الأحزاب5)،وهذا لا يقوم به ميزان عادى أبدًا، بل لن يُقدره إلا الله، فهو وحده العليم بما في القلوب وحكمه على الجميع بالقلوب، سواء في الدنيا بمثل ما قال لنبيه (ص) (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ) (الأنفال70) أى لو وجد سبحانه فى قلوبهم خيرًا لآتاهم خيرًا، ولكنه وجد قلوبًا مظلمة، مصرة على الكفر إصرارًا، وذات الحال  في الآخرة بمثل قوله سبحانه (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)) (الشعراء88-89)..

القرآن يضع التبعة كلها في الأعمال على النية، على إرادة القلب، على التعمد والتصميم على الفعل، وكم من أمثلة على ذلك (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) (البقرة225)

(وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) (آل عمران154)

القلب مناط الحساب، فالذى أكره على شئ لا حساب عليه ولا ذنب، أما من شرح بالكفر صدرًا فحسابه ومأثمه عند ربه، وهذا وذاك مما لا يقوم به إلا علم الله، ووزن الله سبحانه في ميزان يحقق العدالة المطلقة، ميزان غير ذى كفتين أو مؤشر أو مقياس أو بوصلة، ولكنه ميزان العليم الخبير، الذى لا يأتى علمه باطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يشوبه ظلم قط، بل هو الصورة المطلقة من العدل، تلك التى لم تقع العين قط قبل على مثلها.

فالذين يكذبون أبشروا بعدل الله وميزانه، فأنتم بروحكم وجسدكم ستكونون في الميزان، والوزن قسط، وحق، والله حكم عدل، والذين يظلمون بالقول أو بالفعل أو بالتضليل، والذين ينافقون ويخادعون .. والذين يعاندون ويكابرون .. الكل في هذا الميزان، الكل سيوزن، ويومئذ يفرح الصادقون (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) (المائدة119) ويخسر هنالك المبطلون الكاذبون، وتزاح الحُجُب، وتُعرّى الحقائق، وتُبلى الأسرار، والله من وراء الجميع محيط..

 

د.محمد ممدوح

 

محمد ممدوحأحيانًا كثر حاولت العقول البشرية استنباط السر العظم القابع خلف غيب الغيوب، والباحث عن علة وجود الكون، سماء، وأرض، نجوم وأفلاك، غيب وشهادة، عوالم غير مرئية لا تحصى، وأخرى مرئية لا تُعد، نظام محكم لا عبثية فيه، تراتب أدائى وقانون كونى يحكم حركة الكون الكلية والجزئية، كلٌ فى فلك يسبحون، لا تأخر لشئ عن مجراه، ولا تخلف لشئ عن فلكه، كلٌ يسير فوق مرادات وضعها الخالق العظيم، لا تقديم ولا تأخير عما رتَّب سبحانه وقدّر !!

كون بديع، وحياة أكثر إبداعًا، ييأس العقل حينًا ويضنيه البحث فيظن ألا شئ إلا السراب، وألا وجود إلا للمجهول، وألا حقيقة إلا الوهم، ماذا عن أسرار تلك الحياة؟ ماذا عن الموت؟ ماذا عن الدار الآخرة؟ يحار العقل بحثًا عن إجابات، فيُعييه البحث أحيانًا فيجلس مستسلمًا ولسان حاله يهمس فى أذن غيب الوجود (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء85)

وإدراك الحقيقة، حقيقة الوجود، الغيب، المجهول، أسرار هذا الكون البديع والملكوت الفسيح يتطلب قدرات خاصة، وملكات فريدة، قدرات لا يؤتاها إلا الخواص، أولئك الذين خلعوا المادة من قلوبهم ليسكن محلها الله !! فإذا سكن الله القلوب، أبصرت البصائر والقلوب، وفتح الله لها مجال الإبصار فيصبح الغيب شهودًا، ويصبح ما وراء الأفلاك البعيدة  بين إصبعين من أصابع العبد الربانى الذى خشع بكل جوارحه لربه، فجعل الله الكون كله خاشعًا له، وفتح له مجال الرؤية فيصير رائيًا بنور الله، ماشيًا فى نوره سبحانه، إذ يصير عبدًا ربانيًا يقول للشئ كن فيكون.

أسرار هذا الملكوت فى حاجة إلى تلك القلوب التى تسبح فى بحر علم الله سبحانه لتأتى بالنبأ اليقين بعد مكاشفات لم ينالوها إلا بمجاهدات طالت طويلاً، ثم عادوا إلى الواقع بعد أن عاينوا الشهود وغيب الكون وسره الأعظم، فيصبحون أكثر لينًا وشفقة على هذا المخلوق الضعيف، يعودون ومنطق قلوبهم يبتسم سخرية من واقع بائس " يا ليتكم تعون ما نعى .. مساكين أهل الدنيا، لم يعرفوا الحقيقة ولم يعاينوا أنوارها"...

بهذا الزاد وحده يمكن لتلك القلوب أن تعاين أنوار الكشف، أن تسبح فوق سطح بحر الغيب، أن تنهل من نور الله سبحانه، فيفتح الله لهم القلوب ويرزقهم من لدنه علمًا.

وما كان علم الخضر عليه السلام إلا من معين تلك الكشوف وفيوضات تلك التجليات (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)(الكهف 64)

ويذهب العقل فى صحبة القلب متجردين عن الدنيا، عن علائقها، عن شهواتها، عن زيفها وغرورها، يعرجان إلى الملكوت تدبرًا وتفكرًا، علهما يرجعان بنبأٍ، أو يعودان بمعرفة تضفى على القلوب نوعًا من الشبع .. يسمعان صوت الخالق سبحانه، يخبر ملائكته بإرادته فى خلق خليفة، ولكن الملائكة تطرح سؤالاً استفهاميًا، أتجعل فيها المفسدين وسفكة الدماء، فإن كنت تريد هذا الخليفة لعبادتك فهل قصّرنا نحن فى تلك العبادة؟ ألسنا نحن الرُكع السجود لعظمتك، ولكن الله سبحانه يقطع عليهم الطريق بإجابة مقتضبة، من كلمات معدودة لا تتعدى نطاق الجملة الواحدة، ولكن معناها أكبر من كل الكتب، إنه ذاك الحوار الأول

 (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

 قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ

 وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ

 قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة 30)

كان رده سبحانه (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) أعلم غيبًا لم أُطلع عليه أحدًا، حتى ولا الملائكة ذاتهم الذين هم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويخضعون لما يؤمرون..

ويأتى الإختبار الأول لهم .. يخلق الله آدم، يُعلمه مسميات الأشياء، ثم يسألهم عن تلك المسميات دون جدوى، فيقول لآدم : أخبرهم يا آدم بتلك المسميات، وينجح آدم فى الإختبار، لتدرك الملائكة من توها أن ثمة إرادة لله لا يعلمونها، وأن آدم صار أفضل منهم، لقد نفخ الله فيه من روحه القدسية ولم ينفخ فى روحهم، وقد علّمه من علمه ولم يعلمهم....

 الملائكة تعبد الله منذ آلاف السنين لا تعلم شيئًا عن مسميات الأشياء وآدم الذى عمره يومًا أو بعض يوم يعلم تلك المسميات !!

إنه لمخلوق مكرّم إذن ! مخلوق ذو شأن !! هكذا سطر القرآن

 (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا

 ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ

 فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)

 قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)

 قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ

 فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) (البقرة 31-33) ..

هكذا يثبت الله لملائكته أن علمًا ما ينقصهم، وأن حكمة ما خافية عليهم، وأن إرادة ما لم يُجليها لهم.

ثم يعصى آدم ربه، يأكل من الشجرة وقد نُهى عنها، يهبط إلى الأرض بأمر من الله سبحانه (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (الأعراف24) .. ينزل آدم وحواء والشيطان .. يزرع آدم الأرض، يأكل من رزق الله، علّمه جبريل كيف يزرع وكيف يحصد، وينجب آدم أربعة من الأولاد ذكرين وأنثيين فى عامين متواليين، قانون الله الذى سَّنه لأولاده أن يتزوج الذكر من الأنثى التى جاءت من بطن أخرى، حتى يفرق بين الإخوة الذين جاءا فى بطن واحدة فى عام واحد، إذ لم يكن مخلوقات على الأرض غيرهم، فكان هذا القانون لإعمار الكون فى بداية الخلق، ولكن قابيل يثور على هذا القانون إذ لم تعجبه أخته التى من المفروض أن يتزوجها، يثور على قانون الله، يتدخل آدم لإعادة القانون الإلهى، يقترح عليهما أن يقربا قربانًا، يقدم هابيل أثمن غنمه قربانًا لله، ويقدم قابيل أردئ قمحه، فيرسل الله نارًا تلتهم قربان هابيل كدليل على قبول الله سبحانه لقربانه، بما يعنى أنه على الحق وأن أخيه على الباطل، ولكن قابيل لم يقتنع بحكم الله سبحانه، فتوعد أخيه، ثم قتله، ليثبت للملائكة صدق نبؤتها القديمة (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) (البقرة30) ولكن الملائكة تفاجئ بشئ آخر، إنه من معين الغيب الذى خفى عليها من قبل والذى حوته إجابة الله عليهم (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)...

 لقد فوجئوا برغم القتل وسفك الدماء، بأن أحد أبناء آدم يؤثر السلام، يحسن إلى الوجود الإنسانى، يرفض أن يلوث يديه بجريمة فى حق الإنسانية، يؤثر الإحسان، فينظر الله سبحانه إلى هابيل بإكبار وإعزاز، يقول لملائكته، لأجل هذا خلقت ابن آدم، لأجل تحقيق الإحسان، لأجل السلام، لأجل أن يؤثر رضا ربه على أهواء نفسه، ولتسمع إلى ما قصّه القرآن فى تلك  المساجلة التى تمثل خلاصة السر الأعظم

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا

 فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ

 قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ

 قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)

 لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي

مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ

إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28)

إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29)

 فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)

 فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ

 قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) (المائدة27-31)

هى قصة يرويها الله سبحانه ليعطينا عمق المعنى، الصراع بين الحق والباطل، الموت والحياة، إرادة الله وإرادة الظالمين، ليسجل لنا القرآن تلك المشاهد فى صحائف من نور البلاغة وعظمة الإرشاد، ثم ليعطى لنا ربنا قانونًا  ترتب على تلك الحادثة (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة32) ثم يؤكد على أن هذا القانون يقبع خلف الحجب، لأجله أرسل الرسل، ولأجله كانت الرسالات (وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) (المائدة32)

لقد رسبت الملائكة فى استفهامها من كل وجه، ونجح آدم الذى علّمهم الأسماء، ثم نجح ابنه الذى آثر السلام، لينجح الإنسان من كل وجه، حتى وإن أثبت صحة نظر الملائكة فى سفك الدماء والبغى والظلم، إلا أن الإنسانية يظل فيها المحسنون، الإنسانيون، الراحمون، أولئك الذين مثلوا سر الوجود الأعظم.

ولم يكن الإحسان بإيثار السلام فقط هو السر من وراء هذا الوجود، بل كل إحسان وكل وجه للإنسانية يمثل جزءً من هذا السر.

 الإحسان إلى الفقراء والمساكين جزء من هذا السر.

(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) (النساء36)

نصر المظلوم على الظالم حتى لو أفضى إلى الموت جزء من هذا السر (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) (هود113)

 كسوة العراة، جزء من هذا السر ..

تفريج كربات الناس جزء من هذا السر، لذا دخلت البغّى الجنة فى كلب سقته، لأنه مثلت جزءًا من هذا السر، ودخلت امرأة النار فى هرة حبستها لأنها انتهكت حدود ومعالم هذا السر. 

ثم يضفى الله بقدرته جزءًا من البلاء على أرضه وخلقه، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، يدفع بعضهم ببعض، ينظر إليهم من أعلى، يعطيهم امتحانًا من وراء امتحان، ينظر بنفسه فى إجاباتهم، تُرى من ينجح فى اجتياز الإمتحان ويحفظ هذا السر، سر الإحسان، سر الإنسانية !!

هكذا نطق القرآن (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الملك2) (لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ)

من هذه الوقائع يُستخرج السر، يصبح علانية ذا شهود ومكاشفة، الإحسان هو سر الخلق، والابتلاء للتمييز بين الخلق (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (الأنفال37) كان البلاء والإبتلاء لأجل إتمام ذاك الإختبار .. هو هو لم يتغير، اختبار ابنىّ آدم الأول، الدنيا أم وجه الله، القيم أم المصلحة، الأريحية أم الأنانية، الأثرة أم الإيثار، هو ذاته الصراع الذى يعانيه البشر كل يوم عبر أوجه عدة  للإبتلاء، وهو ذات الإمتحان الذى يمرون به عبر أقدار الله سبحانه، ليعلم الله الصادقين من الكاذبين، المخلصين من المنافقين، وليقف القرآن دومًا إلى جوار الصادقين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة119). وما من إحسان أعظم من طاعة الله سبحانه فى كل ما أمر، التقرب إليه بفرائضه، والتحبب إليه بالنوافل، السير إليه سبحانه بكل ما يسره ويرضيه، والبعد دومًا عن كل ما يُسخطه ويجلب غضبه، خشيته سبحانه بالغيب أعظم درجات الإحسان (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) (الأنبياء49)، الذين يعمقون اتصالهم به سبحانه، يخرون للأذقان يبكون ويزيدهم أنسهم خشوعًا، علموا مراده سبحانه من خلقه للكون، فلم يكونوا لشئ غير هذه الإرادة، لم يلتفتوا عن هذه الغاية، لم يلتمسوا غير طريقها أو يقصدوا غير سبيلها.

هكذا فهم الأنبياء والرسل ذاك التكليف، ثم فهموا غاية الإبتلاء للتمييز والتمحيص، ثم علموا أن الفائز هو الذى يجنح نحو تحقيق  مرادات الله سبحانه، هكذا يقدم لنا القرآن وصفًا لأخلاق أنبيائه (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة114) .. أواه كثير الأوبة والتوبة والأنين، حليم يعفو عمن ظلمه ويصل من قطعه.

ثم يرسل موسى إلى ألدّ الأعداء، أعظم المتكبرين فى الأرض بغير الحق برسالة مؤداها ينبع من عمق ذاك السر الأول (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا) (طه45) لينًا مع من يدّعى الألوهية؟!

إنه سبحانه يؤكد عمق الرسالة الأولى، الغاية النبيلة من خلق الكون!!

ثم نذكر طرفًا من نبأ نبى آخر الزمان .. يذهب إليه ثمامة بن آثال يريد قتله، يطلب له النبى الكريم () الطعام والشراب، يحسن إليه  وقد أتى بنية القتال، يدخل الرجل فى الدين الجديد مأسورًا بإحسان صاحب الرسالة وأخلاقه، لا يجد القرآن غير أن يشهد له (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم4)  .. ثم يوصيه القرآن دومًا بالعفو والصفح (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف199) (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)(آل عمران159) (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة13) .. هكذا نطق القرآن مربيًا لأصحاب الرسالات، وهكذا فهم أصحاب الرسالات عمق إرادة خالق السماوات سبحانه، فكانت حياتهم تسير فى فلك تلك الإرادة، ولا تتخطى تلك الغاية.

إن الناجح الوحيد فى هذه الحياة هو من يفهم تلك الغاية من الخلق ويسير فى ركابها، هو من يتعقل تلك الإرادة ولا يتخطى حدودها، فيسير محسنًا إلى الناس، محسنًا إلى نفسه بحسن عبادته وخشيته لرب الناس، مستقبلاً قضاء الله وأقداره فى إطار الإمتحان والإبتلاء للتمييز لا أكثر، للتصفية لا غير، نجح من نجح، وفشل من فشل،ويبقى الحكم فى النهاية لله  الواحد الأحد، صاحب الحكم المطلق، والأمر المطلق، والغايات الحكيمة، التى لم يطلع أحد إلا على القليل من بحر فيوضاتها لتبقى الأسرار كلها فى معين خزائنه سبحانه، يفيض ببعضها من حين إلى حين، حين تخلع القلوب الأجساد وتسير إلى رحابه عارية، سائلة، ليس لها مقصد سوى وجهه سبحانه، أكرم مسئول وأعظم مجير.

عند معاينة تلك الأسرار يعلم المؤمن بأسرار ذاك الملكوت الفسيح أن كل صنوف الهم والحزن والمرض كانت من قبيل الإبتلاء بقصد التمحيص لا أكثر، لم تكن أبدًا لهوانٍ به على خالقه، فما كان البسط لفرعون فى الملك أو لقارون فى الرزق تكريمًا، ولا كان سجن يوسف ومرض أيوب انتقامًا، بل كٌل يجرى ليؤدى معنى الإبتلاء، النعمة ابتلاء، والنقمة ابتلاء، يريد الله سبحانه أن يعلم من يؤدى الشكر والصبر، من يثبت على غايته العظمى سبحانه، من يحترم نواميس الله فى خلقه (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء35) (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) (الفجر14-16) ..

بهذا اليقين لا يملك المؤمن إلا التسليم لمرادات الله، الإنقياد لإرادته سبحانه، البلاء يرفعه، يحط عنه ذنوبه، يعيده إلى طهارته ونقائه كيوم ولد حيث لم يكن شيئًا مذكورًا، لا تتلوث نفسه بإثم إلا حال تلوث قلبه، حال درن الداخل، ليسمع نداءًا إخباريًا عزيزًا على النفس، كلكم هلكى إلا أصحاب القلوب النقية، الأفئدة الوضيئة (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء88-89) قلب قام على المراد وقصد السبيل نحو الغاية والتزم أطرها القويمة، لم ينشغل بالدنيا وأهوائها وقناطيرها المقنطرة، قلب أفرغ ذاته من كل شئ ليسكن الله، لأنه علم الهدف، فقه الغاية، فما انشغل بالمخلوق عن الخالق، ولا بالكون عن المكون، ولا بالنعمة عن المنعم، هذا القلب وحده هنيئًا له السعادة العظمى، هنيئًا له جنة الدنيا وملك لا يبلى فى الآخرة، إنها السعادة التى يحققها الرضا، القدرة على امتصاص أى قدر وأى بلاء، إنه يتعامل على أنه زائر أو عابر سبيل " كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل "().. يتعامل على أنه راحل غير مقيم، يعرف الغايات العظمى وراء هذا الوجود، يفهم كل شئ فى إطاره، على حقيقته، بلا تبديل ولا رتوش، فتقع النعمة عنده موقع الشكر، وتقع النقمة موقع الصبر، ويعلم أنه فى الحالين يسير فى معية الناموس الذى لا يتبدل، ليكون الله فى نهاية الطريق، أفلح من سار إليه، وخاب من انشغل بزحام الطريق عن غايته، أولئك هم الأخسرون أعمالاً الأضلون صنعًا.

هكذا كان إيمان أهل اليقين الذين علموا هذه الحقائق، بنو إسرائيل يؤمنون بقلوبهم، يتوعدهم فرعون، يخرج الرد من جوهر الغاية (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طه72) افعل ما تشاء، فغاية ما تملكه أن تقضى وتنكل فى ظاهر الأمر وظاهر الحياة، لكن هناك حياة أخرى تستوجب التضحية، وتتطلب النجاح فى الإختبار.

وأولئك الصحب الكرام المستضعفون فى الأرض، الذين سطر القرآن ذكرهم متفاخرًا (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) (آل عمران 174) .. لا وزن للناس أمام التسليم لله فى أمره، لا قيمة لأحد أو لشئ طالما نعلم غاية السر الأعظم، طالما نفقه سر هذا الوجود، بذا المنطق كانت الدنيا هينة فى أعين من صدعوا بالحق فى مواجهة السلاطين، مؤمن آل فرعون، مؤمن آل ياسين، المؤمنون فى عهد طالوت، الغلام المؤمن الذى شقت لأتباعه الأخاديد، وكذا المؤمنون من أصحاب الأخدود، الذين استقبلوا المنايا تسليمًا ورضا لامتلاء يقينهم فى حقيقة هذا الوجود (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (البروج3-9) وهكذا كان صبر يعقوب (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)(يوسف18) (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) (يوسف86) وكان صبر أيوب (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأنبياء83) وكان قتل الأنبياء سنة وناموسًا لذات القانون، فلا هم فروا من الموت أو القتل، ولا الله سبحانه حجب القتل أو الظلم عنهم، بل ترك الناموس يعمل فى أنبيائه وأوليائه، ميزان الدفع يبلغ منتهاه، ثم إليه سبحانه المصير، ليعلم المفسد من المصلح، ويعلم الصابرين من الظالمين، ثم ينصب الموازين فى خاتمة مطاف رحلة الدنيا، لتجزى كل نفس بما كسبت وجودًا وضمنًا، يدًا وقلبًا، وليبتلى السرائر، وتُفضى الحقائق، وتسير إلى رحابه المقدسة كل ما أضمرته النوايا وأخفته النفوس، فى يوم لا تخفى عليه خافية  (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ)(الحاقة18) لتكون نهاية هذا البلاء، نهاية الإمتحان، وعندها يُكرم ابن آدم أو يُهان، ينجو أو يهلك، كلٌ رهن بما قدمت يداه (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) (النجم 39-41) ...

 

د. محمد ممدوح

أستاذ الفلسفة جامعة القاهرة فرع الخرطوم

 

مهند محمد البياتييُجمع معظم الرواة ان سورة قريش مكية، نزلت بعد سورة التين لوثيق الصلة بين السورتين وتعتبر السورة الوحيدة في القرآن الكريم والتي تحتوي على كلمة قريش، لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ .

واذا تمعنا بالسورة الكريمة نجد انها تخاطب اهالي قريش وتشرح لهم وضعهم قبل الاسلام وتذكر في  البدايه ايلاف قريش، والايلاف إشارة الى العقود والمواثيق والاحلاف التي اقامتها قريش مع بقية القبائل العربية، وهذا الايلاف يتعلق برحلتي الشتاء والصيف فقط وضرورة حمايتها، ثم يربط ذلك بالطلب من قريش بعبادة رب البيت، والبيت هو اشارة واضحة للبيت الحرام في مكة والذي تتولى ادارته قريش، وتنتهي السورة بالاشارة الى اطعام قريش وقت الجوع وتأمينها من الخوف، ولقد حاول معظم مفسري سورة قريش الى اعتبار الرحلة كونها التجارة التي كانت تقوم بها قريش، ثم اشاروا الى رحلتين احداهما الى الشام في الشمال صيفا، والاخرى الى اليمن جنوبا وفي الشتاء، ثم يحاولون ان يربطوا هذه التجارة بالطلب الى قريش بعبادة رب البيت الحرام والذي اطعمهم من جوع وأمنهم من خوف، وهذا الربط  ليس مترابطا ولا مقنعا، لان التجارة في اي مكان تجلب الربح للقائمين بها والمشاركين فيها لوحدهم عادة، ويحاول اصحاب التجارة والقائمين بها ان يأمنوا على تجارتهم بعقد الاحلاف مع جيرانهم ومع القبائل المتواجده على طريق التجارة لحمايتها من السلب ومنع الاغارة عليها، وكذلك ان التجاره غير محصورة في الصيف او في الشتاء فقط، لانها يمكن ان تحصل في اي وقت من العام وقد تكون رحلة الصيف هي الاسوأ بسبب الحر والجفاف، وكلما توفرت الاموال اللازمة للتاجر يقوم برحلة لشراء البضاعة من مصادرها الرخيصة ويقوم بنقلها الى اماكن تكون اسعارها عالية ومجزية و تجلب له وللمساهمين برأس المال بربح وفير.

ولكن اذا كان المقصود بالرحلة، هي السفر الى البيت الحرام او بالاحرى الحج الى البيت الحرام، عندئذ يكون الترابط بين ايات سور قريش الاربع قويا ويكون تفسيرها منطقيا ومعقولا، وخاصة ان معنى كلمة الرحلة لا يمكن ان تُربط فقط بالتجارة، بل هي ارتحال من مكان لاخر، للتجارة او الزيارة او الحج او الانتقال لاي سبب اخر، وعندما نقوم باعادة تفسير السورة الكريمة واعتبار المقصود بالرحلة هو الحج، نستطيع القول ان تحالف او اتفاق قريش مع القبائل المختلفة لتأمين طرق الحج والسماح للحجيج في موسمي  الشتاء والصيف بالوصول الآمن للبيت الحرام للقيام بمراسيم وطقوس الحج، وهذا الحج وما يرتبط به اشهر حرم معروف ويوئمن وصول الحجيج لمكة وممارسة شعائر الحج ثم الرجوع لديارهم وتجلب الامان للجميع، وكذلك ستضمن الطعام لمجتمع قريش، بما يجلبه الحجيج من مأكولات وطعام وبضائع للمتاجرة وما يصرفونه اثناء مكوثهم في مكة ومشاركتهم بالاسواق الكثيرة والمقامة اثناء فترة الحج، ولهذا يطلب الله تعالى من اهل قريش ان يتركوا الشرك به ويعبدوا رب هذا البيت الحرام الذي يؤمن لهم كل هذا.

واذا دخلنا في تفاصيل اكثرلمواسم الحج، فمعلوم  وجود حجان لبيت الله الحرام، الحج الاكبر في شهر ذي الحجة وهو ينتصف الثلاثة اشهر الحرم المتتالية وهي ذي القعدة وذي الحجة ومحرم وهي التي كانت تقع في الشتاء، وقد تحالفت قريش مع معظم قبائل الجزيرة وليس فقط مع القبائل الواقعة على مسير التجارة بين مكة والشام واليمن، بتحريم ومنع القتال في هذه الاشهر والسماح للحجيج بالرحيل الى مكة والقيام بمراسيم الحج في العاشر من ذي الحجة والرجوع بامان الى ديارهم بعدها ونلاحظ بوضوح ان هنالك اربعون يوما امنا قبل الحج للمسير الى مكه ومثلها اياما اخرى بعد الحج لتامين رجوع الحجاج الى ديارهم، وهؤلاء الحجيج يأتون لاداء مراسم وطقوس الحج في البيت الحرام. والحج الاخر والذي يسمى بالحج الاصغر والذي يكون في رجب ويسمى رجب مضر ايضا، وفيه اتفقت قريش مع القبائل العربية بتحريم القتال في هذا الشهر فقط، والسماح للحجيج  باداء مراسيم الحج والرجوع ولكن بفتره اقصر، وهذا يحصل في الصيف، ومعلوم ايضا ان مواسم الحج تكون عامره بالحجيج وتنصب اسواق كثيرة فيها و تكون عامرة، وتصرف مبلغ كثيرة فيها وهي مستمرة لحد الان، فتجارة اصحاب المحال في مكة، وفي شهر ذي الحجة لوحدها يعادل او يزيد عن التجارة في اشهر السنة الباقية وكذلك يجلب الحجيج وخاصة القادمين بالبر الكثير من البضائع ويمكن مشاهدتها الان في الاردن والعراق وسوريا اضافة للدول الاخرى والتي يمر بها الحجاج، وفي الاماكن التي تتوقف فيها حافلاتهم.

اضافه لموائد الاطعام والتي كان يقيمها المترفون من الحجاج وقسم من اغنياء وساده مكه حينئذ، ويجد الكثيرون من ابناء قريش وخاصه الفقراء منهم فرصه للعمل وخدمه الحجيج باجر او بغير اجر ولكن على الاقل بلقمة الطعام والذي قد لا يتوفر في اشهر السنة الاخرى، لذلك يذكِّر القرآن الكريم اهل قريش بفضل الحج عليهم والذي يطعمهم من بعد جوع ويأمنهم من الخوف بسبب حرمه القتال.

و يبقى السؤال المهم لماذا لم يقم مفسروا القرآن الكريم والذين ابتدأوا بالتفسير من نهايه القرن الثاني الهجري باعتبار كلمة الرحلة تعني الحج وهو الاصح والاقرب للمنطق والعقل بدلا من التجارة، ويعود السبب الرئيسي لذلك، انه في فترة التفسير هذه، كان التقويم القمري هو المعتمد في تدوين التأريخ وفي الحياة اليومية، وهذا التقويم يسبب في تحرك الاشهر القمريه ومنها اشهر الحج على مدار السنة ولا يبقى منحصرا في الصيف او الشتاء.

ومن المعلوم ان الانسان ادرك منذ البداية ان الشمس تحدد فترتين زمنيتين قصيرتين ومتعاقبتين، هما النهار والليل، ثم شاهد وادرك ان القمر يكمل دورة كاملة من فترة ظهوره ونموه ولغاية تكامله ثم نقصانه والى اختفائه كل 29 او ثلاثين يوما وبذلك اصبح لديه مقياس اخر للزمن وهو الشهر القمري، وبعدما بدأ يمارس الزراعة ويتجمع سوية، لاحظ ان هنالك دورة زمنية طويلة يتعاقب فيها البرد والحر وكذلك تظهر المراعي وتختفي، وتورد الزهور وتختفي وتثمر الاشجار، وهنا تكون لديه مقياس اكبر للزمن وهو السنة الشمسية، ثم استنتج بعد ذلك ان السنة الشمسية تعادل تقريبا اثنا عشر شهرا قمريا، ومع التطور الحضاري للانسان وتقدمه في الحساب والرصد الفلكي علم ان السنة الشمسية تزيد على الاشهر القمرية الاثنا عشر بمقدار يساوي تقريبا احد عشر يوما، واستطاع البابليون بحساباتهم ومراقباتهم الفلكية ان يضمنوا بقاء الاشهر القمرية في نفس فصول السنة لاهميتها الشديدة في الزراعة وتنظيم امور الدولة، عن طريق اضافة شهر قمري كل سنتين او ثلاث سنين شمسية، وبذلك ظهر اول تقويم قمري شمسي سنوي ولايزال الصينيون يستخدمونه لتسجيل اعايدهم الدينية، وكذلك يستخدمه اليهود ومنذ السبي البابلي، وكانت العرب قبل السلام وحتى في فترة نزول سورة قريش تستخدم التقويم القمري الشمسي، ولكن في فترة لاحقة تم اعتماد سنة قمرية تعادل اثنا عشر شهرا قمريا فقط، واستخدمه المسلمون لاحقا لوحدهم وهو السنة الهجرية، وهو ما تسبب في عدم ثبات الاشهر القمرية في فصولها وجعلها لا تتزامن مع الاشهر الشمسية بل تكرر دورة كاملة كل 33 سنة تقريبا.

ولذلك لم يكن المفسرون يعلمون اوتجاهلوا ان التقويم الذي كان معمولا به وقت نزول سورة قريش، كان تقويما قمريا- شمسيا، والذي يثبت الاشهر القمريه في فصولها ولا يسمح لها بالتحرك من فصل لاخر، لذلك كان الحج يحصل في الشتاء والحج الاصغر او العمرة في الصيف فقط، وكان هذا التقويم  القمري الشمسي معمولا به وعلى الاغلب لغايه زمن الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب رض، ومن المحتمل انه تم ايقافه والتحول الى التقويم القمري الصرف مع البدء بالعمل بالتقويم الهجري في زمن الخليفه عمر، ولم يذكر احد من المدونيين متى تم التحول من التقويم القمري الشمسي الى التقويم القمري، وحتى ان العالم جواد علي في موسوعته الضخمه المفصل في تأريخ العرب قبل الاسلام وباجزاءه العشرة، لم يستطع تحديد متى تم ذلك.

وامل ان يقتنع بعض رجالات الدين والمتخصصون في التفسير والشأن الديني بهذا التوضيح لكلمة الرحلة، وخاصة انه لايتعارض مع ثوابت الدين او المذهب او الفقه الاسلامي.

 

د. مهند محمد صبري البياتي

اكاديمي مقيم في الامارات

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (39)

القديس بولس او رسول الامم هو احد اهم اعمدة الرسل في الكنيسة المسيحية الاولى، بل يمكن اعتباره الشخصية الأهم في التاريخ المسيحي، بعد شخصية يسوع الناصري، ويكفي القارئ الكريم، ان يعلم، ان العهد الجديد، وهو الكتاب المقدس لدى الاخوة المسيحيين، والذي يتألف من 27 جزءا، ما بين رسائل واناجيل وأسفار، هذا الكتاب يضم 14 رسالة تعود لبولس

(بعد اضافة رسالته الى العبرانيين)... أي ان الرسائل التي احتوت على أفكار و مواعظ وتعليمات بولس تؤلف الجزء الأعظم من محتويات العهد الجديد، والذي يؤمن المسيحيون انه، وبكل محتوياته، يمثل (كلمة الله)

ولد بولس في مدينة (طرسوس) التركية، والتي كانت في ذلك الزمان تعتبر من حواضر الامبراطورية الرومانية، ومركزا مهما من مراكز الثقافة الهيلينية، والفلسفة الرواقية، وكان اسمه (شاول الطرسوسي) قبل ان يصير اسمه بولس وتعني (الصغير).... وكان ينتمي الى عائلة يهودية تتمتع بصفة المواطنة الرومانية، وقد نشأ بولس في (طرسوس) وتلقى تعليمه فيها، قبل ان يشد الرحال إلى اورشليم لاستكمال تعليمه الديني اليهودي هناك، بعد حادثة صلب المسيح، على الأرجح.

المصادر التاريخية والدراسات البحثية والتي تناولت شخصية بولس، كثيرة جدا، ومتنوعة، ولعل أهمها وأقدمها هو العهد الجديد نفسه، والذي اشتمل على رسائل بولس العديدة، وكذلك، سفر أعمال الرسل، والذي تضمن في جزئه الأكبر، الحديث عن بولس، و قصة تحوله للمسيحية، ورحلاته، ونشاطه الكرازي.

جميع المصادر التاريخية المسيحية، التي تطرقت الى سيرة بولس، أجمعت على أمور عديدة حوله، ويمكن اختصار قصته، بأنه كان يهودي متعصب، من الذين ساهموا في اضطهاد وتعذيب المؤمنين الاوائل بالمسيحية، وخلال رحلة له الى دمشق من أجل تتبع بعض المسيحيين، ظهر له في الطريق يسوع المسيح، موجها له اللوم على أفعاله الشريرة، فامتلأ قلب بولس بالإيمان!!!... وحصل على تكليف من الرب يسوع بأن يكون رسوله الى الأمم البعيدة (غير اليهود)!!

 في هذا البحث سنختار ثلاثة مواضيع، لكي نناقشها من خلال مطابقتها مع الثوابت التاريخية المعروفة، من أجل اختبار مصداقية تلك الأخبار التاريخية، التي تضمنتها سرديات المصادر المسيحية المبكرة….وهذه الأمور الثلاثة هي:

ان بولس كان قبل ظهور يسوع المسيح له، ينتمي الى طائفة الفريسيين اليهود، وانه كان ناشطا في مجال ملاحقة واضطهاد المسيحيين الاوائل، و كذلك أظهرته بعض المصادر، وكأنه عالما بكتاب اليهود المقدس، وفاهما لمضامين التوراة الى الحد الذي مكنه من الخروج بتأويلات وأفكار جديدة، كانت نتيجتها أبطال العمل بناموس اليهود ..والى الابد !!

في البداية نحتاج الى مقدمة مختصرة عن الفريسيين، وهم إحدى الفئات الدينية اليهودية الرئيسية الثلاث التي كانت معروفة عند اليهود في زمن مجيء المسيح. وهذه الفئات الثلاث، هي: الصدوقيون، والأسينيون والفريسيون.

وكلمة فريسي، كلمة آرامية ومعناها (المنعزل) لانهم كانوا يعتبرون أنفسهم مفروزين عن الشعب لقداستهم. وكانوا يمارسون التعليم والوعظ مع التشدد والتمسك بحرفية الناموس في التفسير، وكانوا ينتشرون في جميع قرى ومدن المناطق اليهودية في ذلك الوقت.

وفي نفس الوقت، كان هناك طائفة اليهود الصدوقيون، وهم الطبقة الأرستقراطية بين اليهود، ومنهم معظم رؤساء الكهنة، وكان عملهم المحافظة على نظم الهيكل والضرائب ومراقبة الخزائن، وهم مرتبطون مع السلطة الرومانية المحتلة، وإليهم أسندت السلطة الدينية ومهمة رئاسة الهيكل و النشاط الكهنوتي، على اعتبار انه حق تاريخي لهم منذ زمن جدهم (صادوق) الذي تولى رئاسة الهيكل في زمن النبي سليمان، واليه أصبحوا ينسبون بالتسمية.

كانت العلاقة بين الفريسيين والصدوقيين، متوترة في أغلب الأحيان، نتيجة لصراع المصالح والنفوذ، وكذلك بسبب الخلافات العقدية بين الطائفتين، من قبيل الايمان بقيامة الأموات، والارواح، ووجود الملائكة والشياطين، والذي يؤمن بها الفريسيون، وينكرها الصدوقيون، هذا بالإضافة الى الإيمان بالتوراة الشفوية، والعلاقة مع سلطة المحتل الروماني، والتي تسببت باستمرار الصراع بين الطائفتين في فترة يسوع المسيح وما بعدها.

عندما بدأ يسوع الناصري كرازته في قرى الجليل، اصطدم اولا مع الفريسيين، وكان الخلاف بين الطرفين، على شكل سجالات عقدية لم تكن تخلو من تبادل للاتهامات !!

ولكن عندما ذهب يسوع الى أورشليم، وبعد حادثة تطهير المعبد الشهيرة، بدأ الاصطدام مع جماعة الصدوقيين، الذين بدأوا يتحسسون، في دعوة الشاب المصلح، الخطر على مصالحهم ومكانتهم ونفوذهم….فأخذوا بالتخطيط للتخلص منه، ومن دعوته، فحرضوا السلطات الرومانية عليه، وهيجوا عامة الشعب ضده، وتصدى كبرائهم امثال (حنانيا) و( قيافا) لمحاكمته

و في نهاية المطاف، نجحوا فعلا، في التخلص منه، باستصدار الحكم بصلبه.

بعد صلب المسيح، بقي تلاميذه نشطين في الدعوة الى الإيمان بمسيحانيته، واخذ ينضم إليهم بعض الاتباع الجدد، وكان مركز دعوتهم في أورشليم، مع حرصهم على التواجد في المعبد الرئيسي لليهود (الهيكل)، وممارسة الدعوة هناك، وهذا الأمر كان بمثابة جرس إنذار للصدوقيين، من أجل المسارعة الى القضاء على هؤلاء الأتباع وسحق الدعوة التي تهدد نفوذهم ومصالحهم، فابتدأ منذ ذلك الوقت الصدام بين الصدوقيين وبين تلاميذ المسيح واتباعه، وابتدأ الاضطهاد والملاحقة وممارسات التنكيل التي شرع بها الصدوقيون، مستغلين قربهم من المحتل الروماني، والصلاحيات التي منحها لهم والتي تخولهم لادارة شؤون المعبد والكهانة وما يتعلق بها من حفظ التشريعات و القوانين الخاصة باليهود.

هذا فيما يتعلق بالصدوقيين، اما الفريسيون، فيبدو ان نظرتهم الى تلاميذ المسيح واتباعه، كانت مختلفة، حيث كانوا يرونهم مجموعة صغيرة، لم تعد تشكل خطرا على الديانة اليهودية، وربما كانوا يعتبرون صراعهم التقليدي مع الصدوقيين اهم واولى من الدخول في صراع مع مجموعة صغيرة، سيتكفل الزمن بأضمحلالها واندثار دعوتها.

ان هذه النظرة الفريسية، تجاه تلاميذ المسيح، نقلها لنا سفر أعمال الرسل، على لسان، شخصية تعتبر من ابرز واشهر شخصيات اليهود الفريسيين، ويدعى (غمالائيل) ...حيث ينقل لنا كاتب السفر في الإصحاح الخامس/34:

(فَقَامَ فِي الْمَجْمَعِ رَجُلٌ فَرِّيسِيٌّ اسْمُهُ غَمَالاَئِيلُ، مُعَلِّمٌ لِلنَّامُوسِ، مُكَرَّمٌ عِنْدَ جَمِيعِ الشَّعْبِ، وَأَمَرَ أَنْ يُخْرَجَ الرُّسُلُ قَلِيلاً)

هذا العالم اليهودي الفريسي الكبير، وقف في محاكمة بطرس وبقية الرسل، حيث كان الصديقيون يحاولون ان يتخلصوا منهم، من خلال الحكم عليهم بالقتل….وقف كبير الفريسيين (غمالائيل) وقال:

(أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ، احْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ جِهَةِ هؤُلاَءِ النَّاسِ فِي مَا أَنْتُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ تَفْعَلُوا….

وَالآنَ أَقُولُ لَكُمْ: تَنَحَّوْا عَنْ هؤُلاَءِ النَّاسِ وَاتْرُكُوهُمْ! لأَنَّهُ إِنْ كَانَ هذَا الرَّأْيُ أَوْ هذَا الْعَمَلُ مِنَ النَّاسِ فَسَوْفَ يَنْتَقِضُ،

وَإِنْ كَانَ مِنَ اللهِ فَلاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَنْقُضُوهُ، لِئَلاَّ تُوجَدُوا مُحَارِبِينَ للهِ أَيْضًا

فَانْقَادُوا إِلَيْهِ. وَدَعُوا الرُّسُلَ وَجَلَدُوهُمْ، وَأَوْصَوْهُمْ أَنْ لاَ يَتَكَلَّمُوا بِاسْمِ يَسُوعَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمْ.

وَأَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ)

من هذا النص المهم جدا، نفهم ان موقف الفريسيين المتمثل برأي كبير علمائهم، كان عدم تأييد قتل ومضايقة أتباع يسوع الناصري، وان يتم الكف عن اضطهادهم، و تركهم للزمن، الذي هو كفيل بإظهار صدق دعوتهم او بطلانها، وقد كان لهذا الموقف الفريسي، أهمية كبرى في إنقاذ التلاميذ من مؤامرة القتل التي كان الصدوقيون يحاولون تمريرها، لولا تصدي الفريسيون!

وبعد ان عرفنا موقف اليهود الفريسيين، من تلاميذ وأتباع المسيح، والمتمثل برأي (غمالائيل) كبير الفريسيين في ذلك الزمن، نحتاج لمعرفة نوع العلاقة بين هذا العالم اليهودي الفريسي وبين بولس، في تلك الفترة….يقول بولس:

(أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ وُلِدْتُ فِي طَرْسُوسَ كِيلِيكِيَّةَ، وَلكِنْ رَبَيْتُ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ مُؤَدَّبًا عِنْدَ رِجْلَيْ غَمَالاَئِيلَ عَلَى تَحْقِيقِ النَّامُوسِ الأَبَوِيِّ) اعمال الرسل 22/3

هذا النص الذي يقر فيه بولس انه كان من تلاميذ كبير الفريسيين، في تلك الفترة، يظهر لنا مغالطة صريحة وخطيرة

لان الفريسي (بولس/شاول) نفسه، تظهره لنا نصوص اخرى، وكانه أشد تعصبا وتطرفا من الصدوقيين ضد تلاميذ المسيح، حيث كان مهتما جدا بملاحقتهم، واقتحام أماكنهم وبل وحتى قتلهم، على الضد من رأي وموقف طائفته وكبيرها !!

 (أَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ يَنْفُثُ تَهَدُّدًا وَقَتْلاً عَلَى تَلاَمِيذِ الرَّبِّ، فَتَقَدَّمَ إِلَى رَئِيسِ الْكَهَنَةِ) اعمال 9/1

ومن التناقضات التي تبرز لنا، هي أننا نجد الفريسي، بولس، ليس فقط يخالف تعاليم معلمه وكبير طائفته، بل ايضا، وعلى غير عادة الفريسيين، نجده متحمسا للتعاون مع الصدوقيين، خصوم طائفته التقليديين، من أجل اضطهاد مجموعة صغيرة، يطالب معلمه وزعيمه الروحي، بالكف عن أذيتهم وتركهم وشأنهم!!

والتناقض الغريب، اننا نجد هذا اليهودي الفريسي، يطلب من رئيس الكهنة، وهو من الصدوقيين، ان يمنحه تخويلا، بملاحقة اتباع يسوع المسيح في خارج الأراضي الفلسطينية...وان يلقي القبض على من يجده منهم في الطريق

ولو صدقنا، ان الفريسي(شاول/ بولس) كان غير مبالي ولا يحترم راي وتعاليم استاذه، كبير الفريسيين، يبقى الامر الاكثر غرابة وصعوبة على التصديق، هو كيف يثق رئيس الكهنة (الصدوقي) بشخص ينتمي لطائفة تعتبر من خصومه وفي صراع مستمر مع طائفته، ويعطيه صلاحيات ودور محوري لم تذكر لنا المصادر انه اعطي مثله حتى للصدوقيين؟!!

ان التصديق بهكذا حكاية متناقضة، يشبه تماما التصديق بحكاية افتراضية تخبرنا :

ان فلان ( الشيعي المتعصب) طلب من المفتي الاكبر (للسلفية) بالسعودية، ان يخوله ويعطيه صلاحيات لملاحقة والقاء القبض على المسلمين (الصوفية) في دمشق، او من يجدهم بالطريق، وجلبهم مقيدين بالأغلال !!!!

المغالطة التاريخية الاخرى، في نصوص العهد الجديد، التي تحكي عن بولس، أثناء فترة نشاطه في اضطهاد المسيحيين الاوائل، هي اننا نجد تلك النصوص، تصوره لنا، وكأنه ضابط في الجيش الامبراطوري الروماني، الذي كان هو صاحب السلطة الفعلية في تلك الفترة، والذي لم يكن يسمح بظهور سلطة موازية له

النصوص المسيحية، اظهرت لنا بولس، وهو يقتحم البيوت، ويقتل، ويطارد المسيحيين حتى خارج حدود فلسطين، ويجلب اناس مقيدين بالاغلال، كل هذه الأعمال، تجري في غياب السلطة الرومانية وجنودها التي كانت تحكم البلاد بقبضة حديدية، وفي تناقض لافت مع الحقائق التاريخية التي تؤكد ان اليهود في تلك الفترة كانوا في حالة احتقان و تشنج مع المحتل الروماني الذي كان يعاملهم باحتقار و قهر وإذلال، الامر الذي ادى، لاحقا، الى اندلاع الثورة اليهودية الكبرى ضده …

مع التذكير هنا، ان كهنة الهيكل لم تكن لديهم صلاحيات ممنوحة من الرومان لممارسة سلطتهم الدينية خارج فلسطين، الأمر الذي يبين لنا ان ادعاء بولس، حول رحلاته الى دمشق، ونشاطه النضالي في الطريق إليها، مجرد كذبة مضخمة!!

ان عوامل الشك في مصداقية دعاوى وقصص بولس، ومحاولته اضفاء معالم الاهمية والمركزية على شخصيته، تزداد لدى الباحث لهذه الشخصية، من خلال تتبع رسائله وما تضمنته من اقتباسات غير حقيقية كان ينسبها الى كتب اليهود المقدسة، ضمن التعاليم والمواعظ التي كان ينشط في إرسالها الى اتباعه المؤمنين الجدد، من غير اليهود، الذين ليس لديهم اطلاع ولا معرفة بتفاصيل عقائد اليهود، فيستقبلون تأصيلات بولس على اساس انها حقائق إيمانية يقينية!

ومن الامثلة على ذلك، ادعاء بولس، وهو يؤصل للعقيدة التي ابتدعها، ان لا مغفرة بدون سفك دم !!

 (وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ) عبرانيين 22/9

هنا نلاحظ، ان بولس، ينسب هذا الادعاء العريض والخطير الى الناموس( التوراة) وهو ادعاء غير صحيح

حيث تؤكد نصوص التوراة الكثيرة على ان المغفرة، تحصل بالتوبة والعودة الى الله، والكف عن عمل الخطيئة

( فَإِذَا رَجَعَ الشِّرِّيرُ عَنْ جَمِيعِ خَطَايَاهُ الَّتِي فَعَلَهَا وَحَفِظَ كُلَّ فَرَائِضِي وَفَعَلَ حَقًّا وَعَدْلاً فَحَيَاةً يَحْيَا. لاَ يَمُوتُ.

كُلُّ مَعَاصِيهِ الَّتِي فَعَلَهَا لاَ تُذْكَرُ عَلَيْهِ. فِي بِرِّهِ الَّذِي عَمِلَ يَحْيَا) سفر حزقيال 18/21

ومن الامثلة الاخرى، والعجيبة، على جرأة بولس في المغالطة والتحريف، نجد الخطأ الذي يمرره لإقناع أتباعه الغير مطلعين على اللغة العبرية ولوازمها، حيث يخاطب أهل غلاطية في رسالته...غلاطية 3/16

(وَأَمَّا الْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ. لاَ يَقُولُ: «وَفِي الأَنْسَالِ» كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ: «وَفِي نَسْلِكَ» الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ….!!!)

وهنا يجد القارئ محاولة بولس لتمرير خطأ مضحك، يكتشفه اي عارف بلغة اليهود(العبرية)، والتي لا توجد فيها اصلا، كلمة (انسال) وانما فقط كلمة (نسل) والتي تأتي للدلالة على الجمع فقط، كما هو الحال مع كلمة ( ابل) في اللغة العربية.

ان لجوء بولس الى استخدام أسلوب التلون من أجل نجاح دعوته!!... كما أقر هو في كورنثيوس الأولى 20/9

(فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ)

وكذلك اعتماده على منهجية ( الكذب المقدس) من اجل مجد الرب !!

(فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ، فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟)

كل هذه الحقائق، تقودنا الى فهم المغالطات والاخطاء التي أوردها بولس، او أتباعه، في سرديات قصته، وكذلك تفسر لنا حقيقة الأسباب التي جعلت هذا الشخص ينجح في تحويل دين يسوع المسيح، الى دين جديد، يقوم بأكمله على شخص المسيح...فقط !!

 

د. جعفر الحكيم

 

كنا قد قدمنا للقراء الأعزاء في الحلقة الماضية معنى النبوة، وقلنا إنها: معرفة يقينية يحصل عليها بعض الناس عن طريق الوحي -، وفي هذه الحلقة سنُتابع البحث ونناقش في طبيعة النبي:

وهل هو صاحب شريعة وأحكام (مشرع)، أم إنه كما قلنا: مفسراً للوحي الذي يأتيه من عند الله - ؟، والدليل الثابت: إن طبيعة النبي هي في كونه مفسراً للوحي -، هذا من الناحية الفعلية، يتشارك مع ماتذهب إليه المقولة التوراتية في معنى النبي، إذ ورد في الإصحاح 7 النص 1 من سفر الخروج، ما نصه: [يا موسى قد جعلتك رباً لفرعون وهارون أخيك نبيك] -، ومضمون النص يعني: [إن هارون كان مفسراً لكلام موسى عند فرعون (أو مترجماً له)]، ويؤيد هذا المعنى ما يقوله الكتاب المجيد قال تعالى: [وأخي هارون هو أفصح مني لساناً، فأرسله معي ردءاً يصدقني، إني أخاف أن يكذبون] - القصص 34، ولفظ - أخي - في لغة العرب وردت مشتقة من - أخ - المختلف في دلالتها:

1 - بين أن تدل على أن - الأخ - هو الشقيق من جهتي الوالد والوالدة.

2 - وبين أن تدل على أن – الأخ - يكون من جهة الوالد فقط .

3 - وبين أن تدل على أن - الأخ - يكون من جهة الوالدة فقط .

4 - وبين أن يكون معنى - الأخ - دال على القرب من جهة الإيمان والمعتقد والرأي، قال تعالى: إنما المؤمنون أخوة – الحجرات 10، وقال تعالى: يا أخت هارون .. – مريم 28 .

 وبحسب ما تقوله بعض المدونات التاريخية: إن هارون لم يكن أخ لموسى من والدته، بل هو أخ له من أبيه -، ويقولون: إن والدة هارون كانت من أهل مصر، وقد توفيت حين كان رضيعاً -، أي إنها لم تكن يهودية، وهذا سبب نجاته من القتل والموت الذي كان يتوعد به فرعون كل مولود يُولد من إمرأة يهودية، ويقولون كذلك: إن (أم موسى) إنما تكفلت برعاية هارون ورضاعته وتربيته -، وهناك قول أخر يذهب إلى: إن أم هارون هي نفسها أم موسى، ولكن هارون كان أكبر من موسى، ولذلك نجا من الموت الذي كان يتوعد به فرعون، إذ لم يكن بعد قد نبه فرعون كهنته إلى خطر المولود اليهودي، بقولهم (إنه سيولد)، أي لم يكن قد ولد بعد .. - .

 وأما الأم في لغة العرب هي كما الأب لا تعني الوالدة بالضرورة، فقد تكون - الأم والدة - وقد لا تكون، كذلك الأب قد يكون والداً وقد لا يكون، ومفهوم لفظ - الأم - من أم يم أماً وإماماً، والأم: هي الراعية والمربية والمديرة -، ولا يطلق العرب لفظ الأم هكذا على الوالدة، وقد وضح الكتاب المجيد هذا البيان بقوله: [ووالد وما ولد] البلد 3، ومن هنا قالوا: ليس كل والدة أماً، وليس كل أماً والدة -، ويدخل في هذا قوله تعالى: [يا أبن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ..] - طه 94، فالأم هنا ليست بمعنى الوالدة بل بمعنى المربية والراعية، وأما جملة - أفصح مني لساناً -، ولفظ - أفصح - من الفصاحة وهي الطلاقة والوضوح في البيان، وإضافة اللسان للدلالة على المعنى المُراد في البيان اللغوي، وأعترف موسى بذلك دليل على أن هارون كان أدق منه في إيضاح المعلومة وبيانها، ولهذا أستعان به وطلب أن يكون مساعده ووزيره في مهمته التي كُلف بها قال: [وأجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي] طه 29 - وفي تلبية المطلب قال تعالى: [سنشد عضدك بأخيك ..] القصص 35، وعموماً فاللسان في لغة العرب أداة في التوضيح والشرح والبيان، وجاءت هنا مبالغة في الوصف والتعريف، بدليل ورود لساناً مبنياً على النصب بصيغة المفعول في إشارة إلى: أن هارون كان أفصح في لسان المصريين من موسى -، والسبب معلوم من جهة التاريخ، فموسى قد خرج مهاجراً من مصر - تلقاء مدين - القصص 22، بعد حادثة القتل الشهيرة التي قيل فيها: [يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ..] - القصص 19، إذن فهروبه وهجرته كانت سبباً في أن يكون لسانه أقل فصاحة من هارون، بسبب البيئة والنشأة والتربية التي أثرت عليه بشكل واضح .

ونعود لبيان ما في سفر الخروج، فنقول: إن هارون كان نبياً لموسى من حيث إنه المفسر لكلام موسى عند فرعون -، فالنبوة هنا في هذا السياق تعني هذا المفهوم، وبحسب المقولة التوارتية فإن: موسى كان إلهاً لفرعون -، ومعنى إلهاً هنا أي رباً، أي إن موسى كان يريد أن يكون المربي والمعلم والمرشد لفرعون، ويكون هارون هو من يبين ذلك ويشرحه ويترجم معناه، والرب الصفة هو الأسم الدال على معنى المربي في لغة العرب (والفرق بين صفة الإله وصفة الرب معلوم) .

وهكذا تقول الترجمة العبرية للفظ (جالاه نيفا)، فالحرف الثالث يجب أن يكون من حروف الوقف، ولو حذفناه يصبح اللفظ - جالا نيفا -، وأصله اللغوي - شور فطيم نف - ومعناه الكلام المفسر، هكذا قال الحبر - سليمان يارشي - في معنى لفظ (نيفا)، وقد خالفه في ذلك - أبن عزرا – حين وجه له ولتفسيره نقداً، مع إن - أبن عزرا - ربما كان مخطأً ولم يكن في ذلك محقاً، لنقص واضح في معرفته باللغة العبرية .

 بقي أن نقول: إن لفظ نبؤة هي لفظ عام يشمل كل النبؤات -، في حين ان الكلمات الأخرى تدل على معنى خاص ينطبق بعض منها على نوع معين، والبعض الآخر على نوع آخر، وهكذا يُعرف علماء اللغة الأنبياء بالمفسرين لله، بمعنى إنهم يُفسرون ما يأتي لهم بالوحي من قبل الله، تقول التوراة البابلية: إن من يستمع للنبي يصبح نبياً كما أن من يستمع للفيلسوف يصبح فيلسوفاً -، وإلى ذلك ذهب العلامة الطباطبائي في الميزان ج2 حين قال: النبي هو من يملك شرف العلم بالله وبما عنده .. - .

ولكن هل يختلف النبي عن الرسول ؟، نقول: نعم يختلف النبي عن الرسول، إذ النبي لا يمتلك سلطة على العباد سوى السلطة الروحية والفكرية (ولهذا فهو إمام دين)، وأما الرسول فهو صاحب سلطة على العباد، بإعتباره حاكماً ومنفذاً للأوامر والنواهي (ولهذا فهو إمام دنيا)، والنبوة والرسالة هي صفات إضافية لهذا الإنسان الذي صار نبياً و رسولاً، والصفة النبوية أشمل وأعلى رتبة من الصفة الرسولية، فمن خلال النبوة تتم العلاقة بين الله وبين الناس عن طريق الوحي، والرسالة هي مشتقة أو قل هي مندكة في النبوة [من حيث كونها تعبيراً عن الخبر الصادق]، والذي يُراد منها معنى البيان والتبليغ والتشريع، وليس للرسول علم مستقل إذ ما يحصل عليه فمن النبي يكون .

 والنبي يجب أن يكون معصوماً والرسول كذلك لكن بشرط هنا، في النقل والتبليغ وكل ما يأتي به من الوحي، والضبط في ذلك نقرئه بقوله تعالى: [وما ينطق عن الهوى] النجم 3، وبقوله تعالى: [ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين] - الحاقة 44 و 45 و 46، وفي السياق ذاته أقتضى التوكيد من الله عبر الوحي إلى النبي: إنه ليس مسموحاً البتة النطق أو الكلام عن الله من قبل الوحي أو من قبل ينقضي الوحي - أي إن المسموح به فقط وفقط هو الكلام من الوحي وبعد إنقضائه وتمامه، قال تعالى: [.. ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيه ..] – طه 114، والتأكيد على النبي بإعتباره المخاطب الأول و الذي عليه يتنزل الوحي، وحين قلنا: إن النبي ليس آمراً أو ناهياً، إنما كنا ننظر إلى دوره في الواقع -، ودور النبي من حيث هو إرشاد وتوجيه إلى ما يأتي به الوحي، وفي هذا ليس هناك أحكاما أو أوامر تعبدية .

 ويجري هذا الحكم حتى في مسأئل الحرب و القتال، وليس صحيحاً ماذهب إليه البعض في فهم المُراد من قوله تعالى: [يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال] – الأنفال 65، والتحريض على القتال هو الحث عليه ولا يكون ذلك من النبي إبتداءاً، إنما يكون في سياق الدفاع في حال تعرض المؤمنين للظلم والإعتداء، وفي هذا ليس هناك شرطاً واجباً أو معلقاً في أن يكون النبي مؤوسساً للدولة والحكم، بل إن: الدفاع هو شيء فطري لا علاقة له بتشكيل الدولة أو غيرها -، وفي هذا يتساوى الإنسان مع كل الكائنات حين تتعرض للإعتداء فهي تدافع عن نفسها كتعبير فطري ورد فعل طبيعي، وفي قصة طالوت وداوود مثلاً في عدم وجوب كون النبي هو من يتقدم الصفوف في الحرب، بل كان النبي داوود تحت أمرة طالوت الملك، وهكذا يجب أن نفهم دور النبي محمد في تحريضه المؤمنين على القتال، لأن ذلك كان يجري في نفس السياق، الذي جاء بعد الأذن الشرعي والسماح بالدفاع والقتال عن المؤمنين .

 أما الدولة: فهي مؤوسسة إجتماعية، أو قل هي شأن إجتماعي يصنعه الناس لحاجاتهم إليها في الإدارة والأمن والنظام والقانون -، وإدارة هذه المؤوسسة من مهام الحاكم الدنيوي والذي هو هنا (الرسول أو الإمام)، ومنه وردت الصيغة القائلة: [إني جاعلك للناس إماما ..] البقرة 124، أي جعلتك حاكماً عليهم، والحكم جاء لا حقاً بعد النبوة، إذ إن إبراهيم كان نبياً قبل أن يكون رسولاً أو إماماً، ومعنى كان في السياق هو القيد المرتبط بشؤون الناس وما يلزم في إدارتهم، ثم إن النبي محمد لم يشكل دولة بالمعنى الذي نفهمه في المدينة، إنما كان يُنظم شؤون الدعوة والجماعة المؤمنة به .

 وأما ماذهب إليه البعض من الكتاب في هذه المسألة فليس على ما ينبغي بل هو مردود حتماً، لأنه لا يستقيم و معنى النبوة ولا يستقيم ومعنى القتال في الكتاب المجيد، فالكتاب المجيد حدد بشكل واضح طبيعة القتال في الدفاع ورفع الظلم من على الناس، ولم يشرع القتال على نحو الإبتداء معتبراً ذلك تعدِ وظلم صريح ممنوع، فالقتال الممنوع هو الإبتداء بالحرب على الغير من غير ظلم منهم أو تعد، و لم يأمر النبي بذلك ولا حتى الرسول، وأما القتال المسموح به شرعاً فهو القتال من أجل الدفاع وردع المعتدي والظالم، وهذا القتال لا يحتاج الأمر به لدولة أو نظام حكم، بل يحتاج إلى مجوز شرعي وقد ورد ذلك كما يظهر بقوله تعالى: [أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ..] - الحج 39، إذن فالقتال المسموح والمأذون به شرعاً يكون من أجل رفع الظلم والتعدي، وقد مر في كتابنا (الجها في الإسلام): إن الأمر بالقتال من جهة المولى إرشاديا و ليس تعبديا -، إنما كان مرتبطاً بمصلحة الناس و الوجود العام .

 ولكن هل النبوة أعم من الرسالة ؟، والجواب: نعم النبوة أعم من الرسالة وهي جزء منها، ومعنى أعم يعني أشمل فكل رسول هو نبي في الأصل، وصفة المبالغة هنا تفيد ما يدل عليه المعنى في الواقع، من حيث السعة والإيمان والمساحة ولغة الخطاب، وهذه لا تتحدد بزمان أو مكان معينين، ولا بقوم أو طائفة أو ملة بعينها، بل هي للجميع، والإيمان بقوانينها وبخطابها للعموم ولا يخالف في ذلك إلاَّ جاهل، إذ لا أحد في الكون يُنكر طبيعة الليل والنهار وتعاقبهما وهكذا في كل القوانين الكونية، وليس من شرط يلزم إن يكون إتباع هذه القوانين أو الإيمان بها إيمان بنبي معين .

ثم إن النبوة كما قلنا سابقة للرسالة، فلا يكون الرسول رسولاً إذا لم يكن نبياً، وليس بالضرورة ان يكون كل نبياً رسولاً، وقوانين النبوة مطلقة وليس هي كما قوانين الرسالة مقيدة في الزمان والمكان والقوم والجماعة التي تؤمن بهذا النبي رسولاً، وسواء أكان النبي أو الرسول فهما ليسا صاحبي التشريع، فالنبي هو المكلف بالإرشاد إلى الأمر المولوي، أما الرسول فهو المكلف بتنفيذ الأمر المولوي، وصاحب الأمر هو الله والتشريع جزئية تتعلق بتنظيم حياة مجتمع ما يكون قد آمن بهذا النبي رسولاً من عند الله، ويعني هذا إبطال القول: بأن الرسول هو صاحب التشريع، حتى ذهب قوم للقول: بأن حرام محمد حرام إلى يوم القيامة وحلاله حلال إلى يوم القيامة، معتبرين التحليل والتحريم من شؤونات فعل محمد الرسول وأمره، والحق إن محمداً ليس سوى منفذ لهذه الأحكام ومشيرا إليها، فالحرمة والحلية ليست من صنع محمد الرسول إنما هو تابعا ومرشدا ومنفذا وخاضعا لها كذلك، ولكن هذه التشريعات حين تُنسب إليه فمن باب علمه بها والأمر متوجه إليه على نحو مباشر، ولا بد من الإعتراف إن أصل الأمر الإرشادي فيه عموم وإطلاق، لا كون الأمر منه بما هو بالذات لأنه لا يأمر بشيء يكون غير مأمور به من قبل المولى .

وهذا القول يخص الأحكام الشرعية المنصوصة، وحين يقول لنا: [ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فأنتهوا] – الحشر 7، وما مطلقة بمعنى الذي يأتيكم به الرسول من عند الله من أمر أو نهي، فيجب الإمتثال إليه وإطاعته، والكلام هنا في مجال التشريعات وقيد الرسول يخرج النبي من صلاحية الأمر والنهي الدنيوي، أي إن الرسول هو الحاكم الدنيوي وهنا يكون من صلاحيته الإجتهاد في الإحكام بما يتناسب وحاجة الناس، وفعل الإجتهاد ممنوع على النبي لا من جهة التقييد أو التخصيص، والرسول هو المجتهد بعنوان كونه الملتصق بحاجات الناس على نحو مباشر، أما النبي فدوره يتعلق بالجانب العقلي والفكري المحض، والرسول يكون دائماً في مقام تفصيل الحكم على الحوادث المعينة، من حيث كونه حاكماً دنيوياً ولهذا ورد: أطيعوا الرسول ... - النساء 59، ولم يرد: (أطيعوا النبي)، فالنبي لا يقدم قوانين للمجتمع تخص معاشهم وحياتهم اليومية، ولكن الرسول هو من يقوم بتنفيذ وتقديم هذه القوانين للحياة والمجتمع، ولا علاقة للإجتهاد بمعنى قوله: (وما ينطق عن الهوى) النجم 3، فالرسول في إجتهاده إنما يستخدم بُنات أفكاره وما يرتبط بالواقع، ولا دخل للوحي في ذلك، وصفتي النبوة والرسالة هما صفتان زائدتان كما قلنا وتتعلقان بالوحي وترتبطان به ولا تتعديان إلى غيره .

ومادمنا نبحث في جدلية النبوة والرسالة، فقد طرح لنا الكتاب المجيد موضوعة المحكم والمتشابه كموضوعة تحتوي الكتاب وتشير إلى معنى النبوة والرسالة، قال تعالى: [هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هُن أم الكتاب وأُخر متشابهات ..] - آل عمران 7، ولفظ - أنزل - بمعنى جعل، ولفظ - عليك - بمعنى إليك، والجملة الخبرية في محل بيان طبيعة الكتاب وما يحتويه، ويفصل فيقول: إن في الكتاب (أيات محكمات)، ولفظ - آيات - جمع آيه ودلالتها على الشيء الغير مألوف، والمُراد إن الذي جاءتت به لم يكن مألوفاً، وأما - محكمات - جمع محكم من أحكم الشيء أي شد وثاقه وأتقنه قالت العرب، وكل شيء يوصف بالمحكم فيعني هو ذلك - الشيء المتقن - الذي لا خلل فيه ولا ضعه، سواء من حيث الصنع والتركيب أو من حيث الدلالة والبيان، وأما المحكم في عند الأصولي فهو:

1 -: ما عُرف معناه، من غير حاجة لوسيلة إيضاح - .

2 -: ما لا يحتمل إلاَّ وجهاً واحداً - .

3 -: ما أستقل بنفسه، ولم يحتج إلى ما يدل عليه - .

 والنص المتقدم قال في - وصف الكتاب -: بأن فيه آيات محكمات، وقد أطلق على هذه المحكمات صفة - أم الكتاب -، والأم: كما نعرفها هي الأصل أو الحاضنة والمتقدمة على غيرها، وهكذا تكون - المحكمات - هُنَّ أصل الكتاب وحاضنته والمتقدمات على غيرهن، وكأن المُراد بهذا الوصف القول: إن الأصل في الكتاب أن يكون محكماً بيناً واضحاً - .

وفي مقابل هذا: تكون الأُخر (متشابهات)، بصيغة المنكر للدلالة على الخلط وعدم التمييز والضمير يعود على الآيات، والمتشابه: من الأشياء في لغة العرب أصله من الشبه والتشابه، الذي يختلط فيه الأمر على من ليس مؤهلاً، والمتشابه من الأفعال هو ما يقود للخلط والتشويه وعدم الدقة والوضوح، والمتشابه في الآيات هي ما أستأثر الله بعلمها وبما تؤول إليه وتنتهي - .

 والتقابل الموضوعي بين المحكم والمتشابه، هو تقابل بين موضوعات النبوة و موضوعات الرسالة، ونقول::

 وموضوعات النبوة تمثل المُتشابه من الآيات وتعنيه، والتي تحتاج في فهمها إلى إدراك و إمعان نظر و تدبر، لأنها في الغالب العام مسائل ومباحث علمية وعقلية وفكرية، ولذلك جعل الله العلم بها يحتاج إلى تأويل، والتأويل: أصله من آل بمعنى ما تؤول إليه معرفة الأشياء وتنتهي وهذه من خواص علم الله، ثم جعل - الراسخون في العلم - مؤيدين وممضين على صحة تلك المآلات وتلك النهايات، وفق هذا النص: [يقولون آمنا به كل من عند ربنا] آل عمران 7، والراسخون في العلم: هي صفة تمييز وإختصاص في العلم الحياتي والكوني، والفقه ومبباحثه لا تدخل في هذا الحيز، وأما إطلاق لفظ الراسخ في العلم على الإنسان هو من باب التأكيد والتوكيد على علو كعب هذا الإنسان في مجال إختصاصه العلمي والعقلي، وكما قلنا: يخرج من هذا الوصف كل رجال الدين وحتى الفقهاء منهم، ذلك إن مجال عمل الفقيه هو ليس العلم المحض بل هو في بيان إنطباق الحكم على الموضوع، ومادة الحكم متوفرة وبكثافة في الكتاب المجيد، قال تعالى: [.. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ..] - التوبة 122، والكلام في النص عن معنى التعرف على أحكام الدين ثم العمل بها ونشرها في الحيز والمكان الذي يتحركون فيه، وهذا العمل لا يدخل البتة في مجال البحث العلمي أو في دائرة الراسخون في العلم .

 وأما المُحكم من الآيات فهي موضوعات الرسالة، والتي تضم في العادة مسائل حياتية وإجتماعية وقانونية، تواجه المجتمع والناس كل يوم، ولا تحتاج هذه الموضوعات إلى تأويل بل تحتاج إلى فهم وشرح وبيان للمعاني لمن تعوزه معرفة ذلك، وكما إن هذه الموضوعات لا تحتاج إلى تأويل كذلك هي لا تحتاج إلى - راسخين في العلم - بل تحتاج إلى رجال دين وفقهاء كما أكدت على ذلك سورة التوبة النص 122 .

و طبيعة فعل الرسول وعمله يكون في دائرة المحكم من الآيات والنصوص، وهذه الدائرة عبارة عن قوانين وتشريعات في الأمر والنهي، وهي لا تحتاج إلى تأويل بقدر ما تحتاج إلى جعل الحكم منطبقاً على موضوعه، وبيان المفهوم و المصداق على أساس المناسبة بينهما حكماً وموضوعاً، وأما ساحة فعل النبي وعمله فتكون في المتشابه من الآيات، وهذه الساحة تحتاج إلى البحث والنظر والتدبر (التأويل)، وبين التفسير والتأويل فارق مفاهيمي في اللغة وفي التعاطي والفهم، لكن ما تقتضيه الضرورة والحاجة جعل بينهما تعاون وإشتراك، في بعض المعاني وما يتطلبه التأويل، فالوصول إلى الغاية لاتتم من دون معرفة معاني الموضوعات، لذلك ومن هذا الباب أقتضى التلازم والتعاون والإشتراك، وبقي أن نقول: إن موضوعات الكتاب تنقسم بحسب الدلالة والمعنى إلى موضوعات شرطية أو موضوعات مطلقة:

 والشرطية: هي تلك الوسائل أو الوسيلة التي بها نصل أو نتعرف على الشيء الآخر أو إليه .

والمطلقة: هي تلك الموضوعات المستقلة بذاتها والتي لا تحتاج إلى غيرها .

 لذلك قيل: [النصوص الشرطية هي تلك النصوص التي تعبر عن الفعل حين يكون مُريداً لغيره، وأما النصوص المطلقة فهي تلك النصوص التي تعبر عن الفعل الضروري في ذاته]، قال الأصولي: والمطلق هو ذلك الفعل الذي يكون جازماً أو قاطعاً في حال لم يرد التقييد فيه - .

ولكن هل الرسول في مقام التشريع منزه عن الشك والترديد في الأحكام ؟، ولكن ما المُراد بالحكم الترديدي ؟، الحكم أو الأحكام الترديدية: هي الأحكام القلقة والقابلة للنفي والإثبات، وهو غير الأحكام الإيجابية والتي يكون فيها النفي والإثبات من الأمور الواقعية، وهي غير الأحكام البرهانية كذلك والتي يكون فيها النفي والإثبات من الأمور الضرورية .

ومادمنا نعتبر النبوة والرسالة صفات إضافية زائدة، فهذا يعني إن الأصل الأولي للنبي والرسول - إنه كائن بشري -، وهذا الأصل من صفاته الشك والترديد في الأحكام وفي الموضوعات التي تقابله، وفي هذا الأصل الأولي لا يكون منزهاً أو معصوماً، والكتاب المجيد أعتبر هذا الأصل من الملازمات و الخصائص التي يتميز بها، ولأنه كذلك فهو يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق ويتزوج ويتناسل، قال تعالى: [وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ..] - الفرقان 25، وقال تعالى: [وما أرسلنا قبلك إلاَّ رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كتنم لا تعلمون * وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين] – النساء 7، 8، والذي يميز النبي أو الرسول عن غيره هو في (الإصطفاء)، والذي به يكون قدوة لكل من أراد أو يريد لنفسه خيراً، قال تعالى: [أولئك الذين أتيناهم الكتاب والحكم والنبوة .. أولئك الذين هدى الله .. فبهدآهم إقتده] – الأنعام 89، 90، ولم يفت الكتاب المجيد: أن يُنبه إلى تلك الحقيقة، كون الذي أتى به الأنبياء والرسل يستعصي على باقي البشر أن يأتوا بمثله، ولكن هذه الخاصية لا يجوز أن نجعلها الحجة التي ننزع فيها عن النبي أو الرسول طبيعته البشرية، قال تعالى: [وما كان لرسول أن يأتي بآية إلاَّ بإذن الله] – الرعد 38 و غافر 78، وأما دعوى البعض في أن النبي أو الرسول له صلاحية التشريع في الأمر والنهي، فهذه الدعوى مردودة بدليل التكليف المنوط به جميع المكلفين وهو واحد منهم في هذا، قال تعالى: [يا أيها الرسل كلوا من الطيبات وأعملوا صالحاً إنني بما تعملون عليم] – المؤمنون 51 .

يبين الكتاب المجيد للطابع الإجتماعي لموضوعة التشريع، معتبراً مايقره المجتمع و يعتبره المجتمع ملائماً وطبيعياً له، هو تشريع ملزم ما دام لا يخل بوحدة النظام والمجتمع، لذلك أقر الكتاب هذا المبدأ وأمضاه، من خلال النص التالي قال: [خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين] - الأعراف 199، ومفهوم العرف مفهوماً نسبياً ومن محدداته الثقافة واللغة والعادات والأعراف، وهذه المحددات متغيرة في الزمان والمكان تبعاً لتغير الظروف والأحوال، وهذه أحدى مزايا التشريع من حيث كونه خاضعاً لطبيعة الظروف والأحوال، بإستثناء مسألتي - الحلال والحرام - التي حددهما الكتاب بدقة، ولم يسمح ولم يجز لأحد إطلاق لفظيهما ومعناهما على أي شيء لم يذكرانه، وهذا يعني إن الرسالة هي مفهوم إجتماعي ينبثق من وعي وحاجة الناس ومن ضرورتهم للعيش .

 لكن النبوة ليست كذلك، فهي لا تخضع لهذا القيد ولا تُلزم نفسها به، لأن مدآها أوسع ومعانيها لا تتحدد بالأعراف المكانية والزمانية، والإيمان بها حتمي أو هو قريب من ذلك، لكن الإيمان بالرسالة: هو إيمان محدد، بالرسول الذي يؤمنون به أو بكونهم يعيشون في ظلال حكمه وتشريعه، ولهذه الطبيعة جعل الله الرسول واحداً من وسط المجتمع الذي يعيش به ويتحدث بلسانه، قال تعالى: [وما أرسلنا من رسول إلاَّ بلسان قومه ..] - إبراهيم 4، وهذا القيد ليس شرطاً في النبوة، لأن ما يقصده النبي وما يطلبه ليس تعاليم وأحكام تشريعية من وأوامر ونوآه، بل الذي يطلبه ويريده هو تحريك وتحفيز العقل لتحليل الكون والطبيعة، هو إذن يُركز على المبادئ والأفكار، وهذا هو لسان حاله، ولهذا لم يشر الله إلى ذلك كونه من باب تحصيل الحاصل .

يتبين مما تقدم: إن النبوة هي تلك المعرفة أو ذلك الدليل على المعرفة بالقوانين الكلية للطبيعة والكون، ولهذا تقلصت أو إنعدمت أخبار النبوة في تراث المسلمين، وأما الغالب العام فهو أخبار الرسالة ولهذا اٍسباب لا مجال لسردها هنا، ولهذا فقد توهم عامة رجال الدين، في إعتبار صحة إسلام المرء بشهادة أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله، وهذا منهم وهم كبير لأن الإسلام هو: إيمان بالله الواحد الأحد، والإيمان بالغيب، والعمل الصالح -، وهذه الثلاثية لآزمة في إيمان الرسول كما هي لازمة في إيمان عامة الناس، قال تعالى: [إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين، - من آمن بالله، واليوم الآخر، وعمل صالحاً -، فلهم أجرهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون] – البقرة 62، وهذا هو المعيار، وهذا هو الميزان في إسلام المرء أي مرء دون النظر إلى لونه ولغته وقوميته ودينه، وفي هذا لا يشترط: شهادة أن محمداً رسول الله -، لأنها زائدة في المقام ...

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

3 ربيع الآخر 1440

 

 

 

ميثم الجنابي"اختلاف الخلق حكم ضروري أزلي"

(الغزالي) 

لم يعنَ الغزالي بالمثال الشخصي كياناً ما قائماً بحد ذاته وإلا لكان ذلك استبداداً مبطناً ومؤنسناً للنزعة التقليدية ذاتها ولكن في أشد حالاتها وأشكالها ضرراً وتدميرا. فمساره الفكري هو مسار الشخصية الباحثة عن الحقيقة. وبالتالي لا يختلف بهذا الصدد عما هو مميز لرجال الأصالة والإبداع. غير أنه لم يجعل من شخصه مثالاً ولم يحوّله إلى جزء من معترك التقليد الأعمى. لقد بحث عما يمكنه أن يكون تآلفاً بين أصالة الثقافة الإسلامية في مبادئها الكبرى وإبداعها الحر في البحث عن الحقيقة، بوصفه التجسيد الممكن للحقيقة في شخصه. لهذا لم تعن الاستقلالية الشخصية ورفض التقليد في آرائه سوى ضرورة تحكيم العقل من أجل بلوغ الحقيقة. ولا يعني ذلك في الوقت نفسه تجذير مفهوم وسلوك العندية المعرفية الصرف. فهو يدرك حقيقة كون "لا خاصة إلا بعامة"[1]، أي إدراكه للترابط الوثيق بين المثال ومصدره من حيث قيمته الاجتماعية والتاريخية، على الأقل في مجال علاقتهما المتبادلة. رغم أنه نظر إلى هذه العلاقة بمستويات مختلفة ومن زوايا متباينة. ففي الوقت الذي يرفض فيه تقليدية الوعي وبالأخص صيغته عند العوام، فإنه أقرّ به كواقع من الصعب تجاوزه. لهذا رأى ضرورة التعامل مع العوام بالقدر الذي تحتمله عقولهم. وضمن هذا السياق يظهر ما يمكن دعوته بالتأييد الخفي للتقليد. إلا أن هذا التأييد الخفي للتقليد ينبغي فهمه ضم اطار ما ندعوه الآن بالصيغة الأيديولوجية. فقد أدرك الغزالي الطابع الأيديولوجي لموقفه في هذا المجال، كما سنوضحه لاحقاً على مثال موقفه من علم الكلام.

إذ نراه يؤكد، بما في ذلك حالما يتكلم عن ضرورة التقليد، على أهميته بوصفه وسيلة الترابط الضرورية في الوعي والممارسة، إلا أنه ينقلها إلى مستوى المثال. وبالتالي ليس التقليد هنا سوى الاحتذاء بالقدوة. وبهذا المعنى يكف التقليد عن أن يكون محجّراً للوعي والممارسة. فالنبي محمد والصحابة هم مثال لا يفقد أهميته في نظر الغزالي. وبالقدر الذي يصبح من الضروري تتبع هذه القدوة في الممارسة، فإنه يدعو في آن واحد لتأمل ما أسماه بسرّ الكلمات والأفعال القديمة ورفض التقليد الأعمى، استناداً إلى ضرورة إدراك الفارق بين الشخصية والمضمون. فعندما يشير على سبيل المثال، إلى أهمية فضيلة العفة حال تكلمه عن الجماع وضرورته ومعقوليته من أجل ألاّ يتحول إلى سلوك بهيمي صرف، فإنه يرفض تحويل ممارسة النبي محمد إلى مثال يقتدى به من كل ما هبّ ودب! فهو يؤكد على الطابع السلبي الاجتماعي والأخلاقي للتتبع التقليدي لمثال النبي محمد، بسبب التباين الكبير فيما بينه وبين مقلديه. فمن ظنّ "أن ما لا يضرّ صاحب الشرع لا يضرّه، كان كمن ظن أن من لا يغيّر البحر الخضم ماء النجاسات لا يغيّر كوزاً مغترفاً من ماء البحر"[2]. فرفض هذا التقليدي العملي هو رفض يستند إلى استيعاب عميق وضروري لأهمية المضمون العملي الأخلاقي للظاهرة. ولهذا يمكن أن نفهم لماذا اعتبر التقليد دنساً، وطالب المرء بأن يكون "نظيفاً من دنس التقليد"[3].

إن هذا التناقض الجزئي القائم في آرائه هو نتاج ثقافة المرحلة ونمط حياتها العام. وفي الوقت نفسه هو النتاج العرضي الملازم لكل تآلف فكري كبير. إذ لا يمكن فهم طبيعة هذا التناقض في آرائه إلا بالارتباط مع ظاهرة تقاليد العوام والخواص في الفكر الإسلامي، التي هي بدورها حصيلة تداخل معقد للعلاقات الاجتماعية الاقتصادية، والفئوية المهنية، والتعليمية التخصصية، والنفسية المعرفية، وتجزئة التكامل الثقافي، وتناقض التطور المعرفي الاخلاقي والحضاري ككل. وفيما لو توخينا حقائق الأمور، فإن هذا النمط من التفكير والممارسة مازال من حيث الجوهر سائداً في الثقافة المعاصرة. أما إلى أية مرحلة ستستمر وإلى أية كيفية ستؤول فتلك قضية يمكن تركها للمستقبل. إلا أن بعض عناصرها ستظل قائمة بالضرورة. وقد مارس الغزالي ودعا إلى تقاليد ثنائية النخبة والعوام ولكن لا من منطلق الادانة والاستهانة بالعوام، بل من منطلق الرأفة والنظر "بعين الرحمة". ولا معنى هنا للبحث عما إذا كانت هذه الرأفة والرحمة ضروريتين أم لا، مازالا هما لا يعنيان في آرائه الاستهانة بالعوام أو عدم القناعة بمساواة الجميع. فالتاريخ يصنع في مجرى تطوره قيماً وممارسات ليست متشابه من حيث الشكل والمضمون. وإلا فإنه لا جديد ولا قديم ولا حركة ولا جمود. فالتطور الاجتماعي والتاريخي والفكري يرفض في بعض مظاهره ضرورة الوحدة، بينما التناقض هو شكل تجليها الضروري. وليست ضرورة الرأفة والنظر بعين الرحمة سوى التجلي الأكثر عمقاً لتطوير وعي الذات الإنساني في وحدته الأخلاقية من خلال رؤية التناقض الفعلي بين المثال والواقع. وعندما يتخذ هذا التناقض صيغة القناعة الذاتية والعقائدية عند العوام،  فليس أمام المفكر آنذاك سوى صياغة المثال بأسهل أسلوب من أجل جعله مقبولاً، دون أن يعني ذلك مطابقة هذا المثال مع مثال الحقيقة المجردة. فقد كان الغزالي من بين الشخصيات التي سلكت هذا الطريق، أي أنه كان يدرك القيمة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية لأكثر فكاره تجريدا. من هنا يمكن فهم سبب محاربته للتقليد في مستواه الفكري العقلي المجرد، وتأييده إياه في مجال الموقف من العوام. فالعامة لا تستطيع إدراك كافة الحقائق أو أعماق الحقائق. ولم يقصد الغزالي بذلك زرع أو إثارة شعور الاحباط تجاه العامة أو عندها، بقدر ما انه يشير إلى ظاهرة تاريخية واقعية. لهذا السبب يحذر من "إبداء التصريح بتأويل لم تصرّح به الصحابة"[4]. وهي ذات الأفكار التي سيكررها في آخر مؤلفاته المكتوبة للعوام. فهو يبرز هنا من الناحية الظاهرية كمتمسك شديد بتراث التقليد. إذ نراه يردد في كتاب (إلجام العوام عن علم الكلام) من أن أفكار السلف هي الحق بصدد  القضايا "الكلامية" المتعلقة بالتقديس، أي تنزيه الله من الجسمية، والتصديق أو الإيمان بما قاله النبي وعلى الوجه الذي قاله وأراده، والاعتراف بالعجز، اي الإقرار بأن معرفة مراده ليست على قدر طاقته، والسكوت، أي أن لا يسأل في معناه والسؤال بدعة، والامساك، أي لا تصرّف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والكفّ، أي يكف باطنه عن البحث والتفكر فيه، وأخيراً التسليم لأهل المعرفة، أي أن لا يعتقد أن ذلك خفي عليه لعجزه فقد خفي على رسول الله[5]. ولا يمكن فهم حقيقة هذه الصرامة عنده، والتي تقمع كل تصرف حر للتعامل مع النصوص وبالتالي إعادة صنع آلية الهيبة التقليدية، إلا ضمن سياق فكرته عما أسماه بالنظر بعين الرحمة للعوام، إضافة إلى طابعها المشروط بالوظيفة الاجتماعية والسياسية العملية. فما وضعه في (الجام العوام) لم يكن موجهاً ضد تصورات العوام الحشوية والمشبهة بل لرفع هذه التصورات الى درجة أكثر عقلانية. فالتفسير اللاحق الذي يقدمه لمفاهيم "أفكار السلف" هي تفسيرات مقبولة من جانب عقل العوام. فقضية الاعتراف بالعجز لا تعني رفض أية إمكانية للمعرفة بالنسبة للعوام، بل لإقناعها بأن مفهومها عن فكرة "الكيفية المجهولة" لله لا يعني سوى "أن تفصيل المراد به غير معلوم"[6]. وأن السكوت لا يعني كمّ الأفواه بقدر ما يعني ضرورته المرتبطة بمستوى الناس المعرفي. إذ أن عجز الصبي كما يقول الغزالي، عن الاغتذاء بالخبز واللحم لقصور في فطرته لا أن الخبز واللحم مضران[7]. وترتبط بهذه القضية مسألة أخرى سبق وإن بلورتها تقاليد الصراع العقائدي والأيديولوجي بين الفرق، والتي اعتصرت ذاتها بالشكل الذي أصبح معه ممكناً الحديث عن افتراق وتباين الأمة الإسلامية وإمكانية تمثيلها الحقيقي. ولم يكن بإمكان الغزالي أن يخرج كلياً أو يتجاهل هذه التقاليد. لكنه بالاختلاف عنها يعطي لهذه الفكرة طابعاً عقلانياً بحيث يصبح معه افتراق الأمة الإسلامية إلى فرق متباينة ضرورة مرتبطة بتباين مستوى الوعي والإدراك، بينما يعطي للممثل الحق (الفرقة الناجية) طابعاً اجتماعيا وأخلاقياً ومعرفياً وميتافيزيقياً. إذ لا يمكن فهم حقيقة أجوبة الغزالي على الفكرة القائلة بانقسام الأمة الإسلامية إلى ثلاث وسبعين فرقة الناجية منها واحدة خارج الأثر الفعلي للحديث ووظيفته في الفرق الإسلامية بعد تحوله إلى "بديهة نظرية". فالحديث الذي شاطرته مختلف مناهج علم الملل والنحل الإسلامي، حال انتقاله إلى ميدان الصراع الكلامي العقائدي، كفّ عن أن يكون "منطلقاً نظريا". لقد تحول إلى وسيلة الاتهام والأدلجة، أي أنه لم يمتلك هذه القيمة إلا بالدرجة التي أصبح فيها وسيلة للضغط العقائدي بيد الاتجاهات السنية المتشددة. وهذا ما يفسر غياب هذا الحديث، أو بصورة أدق شحة وروده وقيمته عند المعتزلة والفلاسفة والمتصوفة والشيعة. وإذا كان الحديث قد حصل على صيغة الأمر الواقع في الكتابات الإسلامية، فإن المهمة تقوم في معرفة المضمون الواقعي له في الاتجاهات والمدارس الإسلامية.

فالاتجاهات الإسلامية القائمة آنذاك كل منها على حدة وبأجمعها، اعتبر نفسه الممثل الوحيد للحق والفرقة الناجية. وهي الصيغة التي يصعب توقع خلافها في عالم مشحون بالصراع والسعي نحو السكينة والاطمئنان. وقد سار الغزالي ظاهرياً في هذا الاتجاه بقدر مخاطبته العوام، أي أنه لا يتعدى بما في ذلك في آخر كتاباته للعوام (إلجام العوام) عن أن يكرر فكرة "خير الناس قرني ثم الذين يتلونهم ثم الذين يتلونهم"، أي الفكرة المنسوبة للنبي محمد، تماماً كما هو الحال بالنسبة للحديث المتعلق بافتراق الأمة الإسلامية إلى فرق عديدة. لكنه وضع هذه الفكرة في إطار استثارة الوعي الاجتماعي والأخلاقي، والنظر إلى حقيقة الماضي من أجل تطوير وعي الذات. لقد أدرك الغزالي البون الشاسع بين الجوانب الاجتماعية الأخلاقية والجوانب المعرفية. وإذا كان بإمكان الأول أن يحتوي على بعض تجليات المطلق، فإن جوانب المعرفة لا يمكن أن تكون تقليداً صرفاً، لأن التقليد كما يقول الغزالي جهل بحقيقة "الأفعال الإلهية" غير المتناهية.

ومن هذا المنطلق، تعامل مع حديث افتراق الأمة. ففي (فيصل التفرقة) يورده على سبيل المثال بثلاث صيغ متباينة فيما يتعلق بحكم الحديث "العقائدي". الأول بصيغة "الناجية منها واحدة"، والثانية "الهالكة منها واحدة"، والثالثة "كلها في الجنة إلا الزنادقة"[8]، أي نفس الآراء التي وضعها في كتاب (الإملاء)[9]. فاذا كان الغزالي في (فيصل التفرقة) يحاول تفسير مضمون الفرقة الناجية، ففي (الإملاء) يقف بالضد من تكفير الفرق، أي أنه في كلتا الحالتين يبرز كممثل عنيد لمعارضة التقليد، بغض النظر عن مستوياته. فمعنى الناجية هي التي "لا تعرض على النار ولا تحتاج إلى الشفاعة"، أي تلك التي يمثلها هو. وليست هذه الصياغة في الواقع سوى التعبير الأخلاقي اللاهوتي عن المستوى المعرفي الصوفي. أما الصيغة الأخرى (الاجتماعية والأخلاقية) فهي التي تظهر  بهيئة السلب، أي الفرقة الهالكة، التي لا يمكنها إلا أن تكون واحدة، وهي الخالدة في النار. وإن معنى الهالكة هنا هي عبارة "عمن وقع في اليأس عن صلاحه"[10]. وحالما يطبق الغزالي هذه الفكرة على أمته الإسلامية، تصبح هذه الفرقة الهالكة تلك التي "جوّزت الكذب على رسول الله بالمصلحة"[11].

إننا نقف أمام صيغة راديكالية في موقفها من التكفير والتقليد وحرية الفكر والادلجة العقائدية المذهبية، التي أصبحت الحقيقة رهن مصالحها السياسية والاقتصادية. فليست الهالكة هي التي يمكن أن تخطئ في بحثها عن الحقيقة، بل تلك التي توظّف "الحقيقة" لمصالحها. وسوف يضع الغزالي ويحل هذه القضية في الاطار الأوسع والميدان الأعمق لها، أي في إطار علاقة العلم بالاعتقادات، والحقيقة بالمصلحة. ومن المهم الآن الاشارة إلى فكرته واستنتاجه القائل بضرورة اسقلالية الحقيقة عن الخضوع للمصلحة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية العابرة والضيقة، التي تصنع وتعمّق أساليب التبرير وتجعل من التزييف والادلجة معيار الحقيقة. ولا يمكن لهذه الوحدة أن تتم دون التتبع التقليدي الصرف لقدسية الكلمة المذهبية في أشخاص أئمتها. وقد تناول هذه الظاهرة وكشف عن حيثياتها في (المنقذ)، أي الحالة التي وجد نفسه فيها منذ بداية الأمر، عندما وقف أمام ظاهرة التباين الشاسع عند البشر في الأديان، ثم اختلاف الأئمة في المذاهب على كثرة الفرق وتباين الطرق[12]. وكذلك في الحالة التي دعاها بالبحر العميق الذي غرق في لججه الكثيرون، بفعل تلك الحالة التي جعلت كل منهم يخضع لقناعة النفس التقليدية، بحيث يصبح كل بما لديهم فرحون. وهي الحالة التي وعد بها النبي كما يقول الغزالي "بحيث كاد ما وعد أن يكون"[13].

وفيما لو طرحنا جانبا "كاد ما وعد أن يكون"، فإن الغزالي يكشف من خلال تتبع اختلاف الفرق الإسلامية، وحدة التطور الفكري في تباينه، بوصفها الخلاصة التي أصبح البحث فيها عن الحقيقة، هو حقيقة التطور ذاته وحقيقة الفرقة الناجية. فليست الأخيرة سوى تلك التي تجسّد في ذاتها وحدة العلم والعمل. وإذا كان هو لا يشير إلى المتصوفة بعينها، فإنه كان يقصدها، باعتبارها التجلي الجديد لما مضى. وذلك لأن الحديث النبوي يؤكد على ما هو عليه الآن. وليس الآن سوى الوجود الدائم. وهي القيمة الفعلية "الخالدة" بالنسبة للصوفي. إنها الحالة التي سيشدد عليها لاحقاً بوصفها مصدر المعرفة والسلوك المتلازمين في سعيهما نحو الكمال الأخلاقي، أي كل ما سيطوره في آرائه عن ضرورة الكمال الأخلاقي المعرفي للانسان والتخلّق بأخلاق الله، أو علاقة الإنسان بالمطلق، والتي تتضمن بحد ذاتها على أغلب عناصر رفض التقليد. وقد قدّم في (المقصد الأسنى) على نموذج "الأسماء الإلهية" الأمثلة المطلقة، التي يمكن وينبغي للإنسان أن يستمد منها ما هو مناسب له من أجل بلوغ المطلق (الأخلاقي). فهي العملية المعرفية الأخلاقية والفلسفية الصوفية، التي تجعل من فكرة التقرّب الصوفية المضمون الاجتماعي الأخلاقي والفلسفي للتقرب من الحق (الله) بالصفة لا بالمكان. فهي الممارسة التي ينبغي أن تحوله إلى أن يكون ربانياً باكتشافه الصيغة الإنسانية للصفات الإلهية، أو وحدة المطلق والنسبي، غير المتناهي والمتناهي في الوجود والوعي الإنساني. وقد صاغ الغزالي هذه الفكرة بعبارة "اتقاد الباطن واشتعال القلب وإنفساح الصدر بنور اليقين والمعرفة والعقل[14]. وهي العملية غير المتناهية للمعرفة التي لا يمكن أن يكون مصدرها ومحركها وغايتها سوى المطلق، وبالتالي فأية حركة إلى الأمام هي نقض مباشر للتقليد. إذ ليس التقليد سوى مثال الماضي بصورة المستقبل. لهذا حالما تكلم عن الاسم الإلهي (الجبار) الذي ينفذ مشيئته على سبيل الاجبار في كل واحد ولا تنفذ فيه مشيئة أحد، فإن مثاله وصيغته الانسانيين يقوم في تأسيس وتطوير الشخصية التي "ترتفع عن الاتباع وتنال درجة الاستتباع… بحيث يجرّ الخلق بهيئته وصورته على الاقتداء به ومتابعته في سمته وسيرته"[15]. وليس هنا من دعوة للتقليد "المتسامي"، وذلك لأنه يوجه الدعوة للجميع وفي الوقت نفسه يقدم المثال العملي للإتباع والتقليد وليس الصورة الفكرية، أي مثال القدوة في سعيه الدائم لتجسيد المطلق المجرد بإحدى صيغه العملية الملموسة. ولم ينظر إلى ضرورة اتباع المثال الملموس للمطلق في الممارسة الاجتماعية والأخلاقية نظرته إلى علاقة الحي بالجماد، بل إلى علاقة الحي بالحي. ونعثر على ذلك، على سبيل المثال، في موقفه من الاسم الآلهي (المتكبر). فالمتكبر الإنساني هو الزاهد العارف. وإن معنى زهد هذا العارف هو أن يتنزه عما يشغله عن الحق ويتكبر على كل شيء سوى الحق[16]. وقد تبلورت هذه الأفكار عند الغزالي اساسا على توليف تطور الفكرة العقلانية وأثر التجربة الصوفية وصراعه الفكري السابق، وبالأخص ذاك الذي خاضه ضد الاتجاهات الشيعية الشعبية والتقليدية، كما هو جلي في موقفه من الباطنية وفكرتها عن العصمة.

فالغزالي لا يرفض الامكانيات الكبيرة التي يمكن أن يتمتع بها الإنسان المفكر حالما يبلغ مرتبة النظر إلى الأشياء بالله ولله وفي الله. وحتى في هذه المرتبة فإن الإنسان يعبّر عن مستوى محدد من إدراك الحقائق دون حمل صفة العصمة. إذ لا عصمة لأي إنسان. ومن هنا ليست فكرة الإمام المعصوم سوى تقليد الابوين. وبهذا المعنى لا خلاف بينها وبين فكرة التقليد في إيمان العوام من اليهود بيهوديتهم، والمجوس بمجوسيتهم والنصارى بنصرانيتهم والمسلمين بإسلامهم[17]. بصيغة أخرى إن الغزالي بمحاربته مفهوم العصمة أراد فسح المجال أمام حرية العقل المستند بحد ذاته إلى عدم تناهي المادة المعرفية ومحدودية الذات الإنسانية المعرفية والتاريخية. من هنا رفضه واستهزاؤه بمفهوم الرجوع إلى الإمام المعصوم بصدد القضايا المعروضة للجدل أو الحل، أي ينبغي للمرء أن "يحكّم عقله" في حل هذه القضية أو تلك[18]. فالمعرفة لا  تتحدد بالرجال أياً كانوا، مازال موضوعها هو "الفعل الإلهي" غير المتناهي. إذ لا يمكن للكلمة أن تكون المعيار الحقيقي أو النهائي للمعرفة. وقد حاول الغزالي التعبير عن ذلك بصيغ مبسّطة في (القسطاس المستقيم)، والذي أراد أن يجعل من "ميزانه" وسيلة عقلنة ومنطقة التعامل مع النصوص في تأويلها. فالمنطق بفعل استقلالية أحكامه وتجريديته العامة يصبح رفيقاً للقرآن بالصيغة التي عبّر بها الكتاب في إحدى آياته "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"، أي تلك المعرفة التي لا يمكن أن تكتفي بهيبة المرء وإلا فإنها لا تساوي المعرفة بشيء. إنها يمكن أن تعادل من حيث طريقة تأثيرها تأثير السحر والشعوذة، في حين أن معيار المعرفة الحقيقي هو "التجربة والإمتحان"[19].

إن هذه العقلانية الصارمة التي نعثر عليها عنده بما في ذلك في آخر مؤلفاته تعطي لمحاربة التقليد في منظومته أساساً جوهرياً، ولتصوراته عن ضرورة التباين الفكري قيمة الفضيلة. فهو لا يقف عند حدود الإشارة للـظاهرة كما هي رغم أهميتها من حيث ملاحظة المصدر الواقعي لأحكامه. فالملاحظة التاريخية للصراعات الاجتماعية والسياسية والفكرية تبرهن على أنه لم يستطع سد الخلافات لا الأنبياء ولا الأئمة ولا حتى الميزان (القسطاس المستقيم) أو المنطق. ولعل الغزالي أدرك الأسباب الاجتماعية والسياسية والمصالح المادية للخلافات الفكرية، التي يصبح المنطق وسيلتها أيضاً. فهو يشير في معرض ردّه على الباطنية من أن أئمة الشيعة أنفسهم كانوا مصدراً لخلافات ابتداءً من علي بن أبي طالب. وهي "اختلافات لا تنقطع أبد  الدهر"[20]. وبغض النظر عما إذا أدرك الغزالي الوحدة الداخلية للعوامل الاجتماعية والسياسية والعقائدية في استعادة وإعادة إنتاج الفكر التقليدي، فإنه أشار في الاطار العام إلى المصدر الذي لم يحسم ولم يكن بإمكانه أن يحسم الخلافات الفكرية. من هنا يمكن فهم خصوصية التناقض النسبي بين إدانته للتقليد وضرورته النسبية، أي أنه يرفض التقليد من حيث الجوهر، ويمجّد الإبداع الحقيقي فيه. من هنا الصياغة الفلسفية للحكم الدقيق الذي وضعه في (القسطاس) والقائل بأن "اختلاف الخلق حكم ضروري أزلي"[21].

 بصيغة أخرى إنه يفرّق بين التقليد والمعرفة الحقيقية. فعندما يتكلم عن حقيقة الفكر، فإنه ينظر إلى التقليد بوصفه لا معرفة لأن "معرفة" كهذه تبنى على أساس تقبّل "الحقيقة" المعطاة لها بينما المعرفة الحقيقية غير ممكنة دون التجريد والاستنتاج المبني على أساس الاستنباط والتحليل الذي يأخذ بنظر الاعتبار معطيات الواقع الجديد، أو كما يقول الغزالي إحضار معارف قديمة لاستثمار معارف جديدة[22]. غير أن ذلك لا يعني بأنه يقف على الدوام بالضد من أية فكرة تقليدية. فهو يدرك الأهمية النسبية للتقليد وضرورته من حيث كونه مقدمة ووسيلة نقل المعلومات واستمرارية المعرفة. إذ ليس كل تقليد بحد ذاته خاطئ. فالخطأ بنظره، يقوم عندما يصبح التقليد وسيلة المعرفة الأساسية وأسلوب بلوغها الرئيسي.

لقد وقف الغزالي بالضد من لجم لانهائية المعرفة، التي تعيق استقلال البحث باسم التقليد الأعمى للأفكار أياً كان ممثلها ومحتواها. وبنى فكرته هذه على أساس أطروحته القائله بعدم تناهي "الأفعال الالهية". فتتبع المعرفة لظواهر الوجود لا يمكن أن يؤدي بها إلى التناهي. وعندما يطبق هذه الفكرة على إحدى القضايا الجوهرية لعصره وهي قضية الموقف من الشرع والسنّة، فإنه يربط في كل واحد نسبية القدوة والتجديد، اللاتقليد والتأييد، من خلال إبراز أولوية اللاتقليد والتجديد. فعندما يناقش، على سبيل المثال، مسألة الموقف من تراث الإسلام الأول المتمثل بنشاط النبي محمد والصحابة وضرورة الاقتداء بهم وإتباع السنّة، فإن من الصعب فهم حقيقة آرائه دون نزع الصيغة الظاهرية المباشرة والمتبلورة والمصاغة في تقاليد الظاهر والباطن، والعوام والخواص. رغم كونه لا يضع تعارضاً قاطعاً بين هذه الجوانب. فعندما يؤكد على أن "الإتباع ضروري" من الناحية التاريخية العملية، فإنه في الواقع يتبع تقاليد الصياغة الإسلامية في مستواها الظاهر والمباشر، أي ما نعثر عليه في العبارة القائلة، بأن "السلامة في الإتباع والخطر في البحث عن الأشياء والاستقلال"[23]. فالغزالي لا يطابق هنا بين مفهومي السلامة والحقيقة أو الخطر والخطأ. بمعنى أن ما يضعه هنا هو مجرد صيغة ارشادية للعوام في إحدى وظائفها الاجتماعية والأخلاقية والعقائدية (العادات والعبادات)، دون أن يعني ذلك تحولها إلى شعار عملي للشخصية المفكرة. لقد حاول تقديم صيغة مبسطة لتقييم الماضي من خلال إدراك أهمية وجوهرية ما فيه.

فالغزالي في تصويره لإسلام الدعوة والرسالة وعقود الخلافة الراشدية لم يسع في الواقع إلا لإظهاره كمثال يحتذى. انه سعى لتحويل الطابع الملموس والمشّذب للماضي إلى معيار ومحك للمقارنة المعاصرة. إنه سعى لانتقاد العالم المعاصر له مقارنة بمثال "واقعي" في الوعي الاجتماعي الأخلاقي والسياسي والروحي، باستعادة رسم صورته وصنع نموذجه الجذاب. إلا أنه لم يفتأ مع ذلك عن تكرار تأكيده الدائم بضرورة الفهم الجديد والاستيعاب المعاصر للماضي. ففي إجابته على السؤال المتعلق فيما إذا كان الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، يربط في كلّ واحد تاريخية الفكرة السلفية ومضمونها وضرورة استيعابها المجدد. انه يؤكد على أن فكرة السلف الصالح هي الحق، ولكنه يضيف في الوقت نفسه قائلاً "أما الشأن ففي فهمه"[24]. ولا ينبغي فهم هذه الصياغة على أنها هروب أو محاولة للتلفيق المصطنع. فهي تمتلك دون شك، أساسها وقناعاتها الخاصة. إنها تستند إلى ما يمكن دعوته بالتقليدية العقلانية كعنصر من عناصر موقفه من تراث الماضي.

وعموما يمكننا القول، بأن التعارض النسبي بين النزعة التقليدية والعقلانية هو نتاج الصيغة الشكلية في التفكير والتقييم. اما في الوقع، فان التقاليد العقلانية ترتبط على الدوام بخيوط لا تحصى فيما بينها وبين التقليدية الصارمة. أما الغزالي فقد سعى لحل إحدى القضايا الجوهرية في الفكر والثقافة الإسلامية آنذاك. ونعثر على ذلك في رؤيته وفكرته عن الإصلاح والتجديد بوصفها إحدى صيغ "التقليد" الضرورية للماضي، والتي تعادل معنى الابقاء على شعلة الحقيقة في مجرى التطور والتبدل والتغير. فإذا كان الإنسان لا يستطيع التخلص من أثر التقليد بوصفه الأسلوب المستتر لصيرورة كيانه الوجودي وكينونته الروحية، فإن مظاهره في الوعي وانعكاسه في السياسة والحياة الاجتماعية كان يشكل عصب الحوافز المقلقة والمثيرة للروح الإصلاحي. ومساهمة الغزالي بهذا الصدد تقوم في إبداعه أحد النماذج الكبرى والعميقة المؤسسة لوحدة الماضي والحاضر والمستقبل، والأخلاق والحقيقة، للقيم والعقل فيما يتعلق بتأمل الماضي وما فيه.

لقد  أدرك الغزالي مهمة الرجوع الدائم للماضي. لهذا ما كان بإمكان هذه الصيغة الواعية لإدراك جوهرية الصلة بالماضي ألاّ تتضمن الكثير من عناصر العقلانية المجردة. أما في منظومة الغزالي الفكرية، فإنها شكلت أيضاً ميزان ربط الماضي بالمستقبل. إنها لم تفسح المجال أمام الانغماس الكلي في الماضي، ولم تترك المجال سائباً أمام ثورة الروح الوجداني. بمعنى أنه حاول تمثيل المسار الموضوعي الوسطي، أو التوليفة التي اتخذت في تصوراته وأحكامه صيغة المثال المطلق للواقع والمستقبل.

كل ذلك يساعدنا على إزالة الالتباس في "تناقضات" الغزالي، التي تبدو للوهلة الأولى بين دعوته الحارة للرجوع إلى الماضي وبين رفضه نتاج "علماء السوء".  فوحدة الرجوع إلى الماضي ورفض النتاج العصري ما هو في الواقع سوى المقدمة الضرورية للفكرة الجريئة التي يصوغها عن حتمية الإصلاح الدائم ووجوبه. فالاتفاق العام بين وجهات النظر المتضادة بين من أيد الغزالي وعارضه تقوم في تجاهل أو عدم معرفة الطريق الخاص لتطوره الفكري والروحي. فإذا كان من يعارضه يشدد على ناقضاته وتهافت مواقفه وآرائه، فإن من أيده حاول إزالة كل أثر ممكن لتناقضه الفعلية في مجرى مساره الشخصي والفكري، كما لو أن بالإمكان تصور الإبداع الكبير والهائل دون تناقضات لا تحص. إن هذا الموقف الأيديولوجي نتاج الانطباعات النفسية من حالة التناقض وتوظيفها المسطح تجاه تناقضات المفكر الكبير في مجرى تطوره الذاتي. فالانطباع العام السائد عن تناقضات الغزالي واقع لا يمكن تجاهله أو نفيه، بمعنى ان له حيثياته وأسسه التاريخية الثقافية، بل ومنطقه الذاتي الخاص أيضا. فإذا كانت محاولات ابرازها هي الصفة المميزة لصراعات العصر واختلاف الفنون والتخصص، فإن مظاهرها العديدة كما نراها في كتب الفلاسفة فقد كانت مهتمة بكشف محاولاته في ابراز تهافتهم من جهة، وتأثره بهم من جهة أخرى. أما عند الفقهاء فقد اتخذت صيغة ابراز مهاجمته إياهم وبقاءه فقيها. بينما اتخذت عند الباطنية (الإسماعيلية) صيغة نقده إياهم والتأثر بأساليبهم. وبغض النظر عما في هذه الجوانب من أهمية لفهم حقيقة المفكر الكبير، إلا أن أهميتها تكمن أولا وقبل كل شيء في اندماجها العضوي فيما اصطلح عليه بتناقضاته الخاصة. أما في الواقع فان لكل مفكر أصيل تناقضاته الخاصة باعتبارها الحالة الطبيعية الملازمة لحقيقة الإبداع. لكنها تتخذ صيغتها المشوهة حالما تنكر أو لا تعي طابعها الجزئي في منظومة الفكر المتراكمة في الإبداع الذاتي للمفكر الأصيل. فالتشابك الفعلي والمتنوع بين الأبعاد المنطقية والثقافية في مجرى تطور الغزالي هو الذي أدى إلى سوء فهم "تناقضاته". إذ نعثر فيها على حالة تناقضات العصر المنفية والمتشابكة من جهة، وطابعها الملازم لحيوية الإبداع الحر في دهاليز الفرق من جهة أخرى. اذ ليست تناقضات الغزالي في الواقع سوى التعبير الثقافي الإسلامي في أحد نماذجه الرفيعة "للتناقضات الحية"، أي أن كل تعرجات الغزالي هي أسلوبه المعرفي والإصلاحي من اجل ايقاف تيار السقوط الجارف آنذاك. لقد حاول الوقوف في بداية الأمر بكل قواه أمام تدحرج أحجار السيول الجارفة، لكنه أدرك لاحقا بأن الحل الأمثل يقوم في بناء سد المناعة الإخلافية والمعرفية التي نجد بدايتها الكبرى الأولى في (الإحياء).     

ذلك يعني، إن دعوة الغزالي للرجوع إلى المصادر الإسلامية الأولى، بما في ذلك في قضايا الفكر، لم تعن سوى إدراك الحقائق في تاريخيتها، أما رفض نتائج "علماء السوء" فمبني على أساس ضرورة الاستقلال في البحث عن الحقيقة. إذ لم يدع مجالاً للشك في هذا الميدان عندما يؤكد على أن اعتماد "علماء السوء" على الأسماء المشهورة لهم من غير التفات إلى ما عرف في الصدر الأول (الإسلامي) هو "كمن طلب الشرف بالحكمة بإتباع من يسمى حكيماً"[25]. وهو لا يتلاعب هنا بالألفاظ، بمعنى إمكانية إطلاق تسمية الحكيم على الطبيب والشاعر والمنجّم، بل يؤكد ضرورة اتباع وحدة الحقيقة الملموسة والمجردة في العمل الاجتماعي والسياسي والحقوقي التاريخي، أي أن ما هو جوهري بالنسبة له هو إدراك حقيقة ما يجري تقليده. فإذا أراد المرء أن يقلد صاحب الشرع والصحابة، وإذا قلد صاحب الشرع في "تلقي أقواله وأفعاله بالقبول، فينبغي أن يكون حريصاً على فهم أسراره، بأن المقلد إنما يفعل الفعل لأن صاحب الشرع فعله، وفعله لابد وأن كان لسرّ فيه. فينبغي أن يكون شديد البحث عن أسرار الأقوال والأفعال فإنه إن اكتفى بحفظ ما يقال كان وعاء للعلم ولا يكون عالماً"[26]. فالشرط الضروري "للتقليد" إن كان لابد منه يستلزم بنظر الغزالي إدراك روح (سرّ) الممارسة والفكر (الأفعال والأقوال)، دون الخضوع الأعمى لها (أن لا يكون وعاء للعلم، بل عالماً). وذلك لأن ترديد الكلمات (الآيات والأحاديث والآثار وغيرها) اياً كانت لا معنى له بحد ذاته دون تأمل مضمونها المجرد (الحقيقي).  إذ أن وجودها بين أغلفة الكتب أكثر حفظاً لها. والمهمة كما هو جلي من آراء الغزالي، لا تقوم في تحويل المرء إلى وعاء فارغ للمعرفة، بل إلى عالم لها، أي تلك المعرفة الضرورية التي تجعل من الإصلاح الدائم إمكانية حية من خلال الاحتفاظ والحفاظ على ما هو جوهري في الثقافة والتعاليم الإسلامية الكبرى وممارساتها في رموزها وشخصياتها السالفة.

من هنا تشديده على استعادة الإصلاحية الحقيقية لمظهرها الغريب، باعتبارها النموذج الصادق والحق في اغتراب الأمة عن مبادئ وحدتها الأولية (الحقيقية). واستند هنا إلى نفس التقاليد الإسلامية الإصلاحية وتقاليد الورع العميقة التي أبدعت إحدى صيغ تعاملها مع واقع "الإنحراف" و"الاغتراب" القائم في الأمة الإسلامية، بالحديث الموضوع القائل "بدأ الاسلام غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء". ولم يعن هذا الحديث في آرائه سوى الاطروحة التي تثير في الوعي والروح مقدمات وغاية المفارقة الورعة بين الماضي والحاضر، وجوهرية الاستعادة الجديدة للتجربة المحمدية في الظروف المعاصرة له. إذ يعكس هذا الحديث، شأن الكثير من أمثاله، من حيث نزوعه الوجداني نزوع النفس الورعة لإدراك ذاتها بوصفها جزء من كيان غريب بين الغرباء. فهو يحمل من حيث نوازعه عنفوان الوجدان الأخلاقي في مجرى معاناته من رؤية "الإنحراف" عن المثال الأسمى. وليس من الدقيق اعطاء هذا النوع أو النموذج من تحسس العالم المحيط ومختلف مظاهره الاجتماعية والسياسية والأخلاقية طابعا نفسيا فرديا خالصا. وذلك لأنه يحتوي على رؤية عميقة في مساعيها لتمثل "السراط المستقبم" بمعايير الانتماء الثقافي والعقائدي. وبهذا المعنى يصبح جزء من التقاليد الفكرية والسياسية التي تطبع بأناملها الخفية كافة الاتجاهات الفكرية والاجتماعية الكبرى والصغرى، المعتدلة والغالية، والثورية والسلفية. لهذا ليس مصادفة ان يتحول هذا الحديث في التراث الإسلامي إلى أحد مصادر الطريق الصوفي وأساليبه التربوية للمريد كما هو الحال بالنسبة لنموذج الخلوة والاعتزال، وكذلك الى حافز روحي للقناعة الفردية عن المجددين والإصلاحيين من فقهاء ومتكلمين، ساسة وفلاسفة، أي كل ما يمكن رؤيته لحد الآن في موشور الحركات الاجتماعية والسياسية في العالم العربي والإسلامي المعاصر. ولعل مأثرة الغزالي هنا تقوم بنوعية استيعابه وتأويله إياه بالشكل الذي جعل منه أحد البواعث والحوافز الفكرية والأخلاقية القائمة في الربط الوثيق بين معارضة التقليد ورفع أولوية الإصلاح.      

فإذا كان الإسلام الأول غريباً في الوسط الوثني (الجاهلي)، فإن الإسلام المعاصر له هو غريب أيضاً ولكن في الوسط الإسلامي. وليس في آرائه الفقهية أو الكلامية أو الصوفية ما يمكن معه القول "بإسلامية" الأمة المعاصرة له. لقد كانت "الغربة" في مفهومها الإسلامي بالنسبة له، هي غربة الأمة عن التمسك بمبادئ الإسلام الحق. وإذا كان الغزالي لم يناقش الطابع "الجبري" لرجوع الإسلام غريباً من جديد، فلأنه وجد في هذه الحالة الإمكانية الدائمة "لإرادة" التغيير المميزة للغرباء!

***

 ا. د. ميثم الجنابي

....................

[1] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص30.

[2] الغزالي: ميزان العمل، ص68.

[3] الغزالي: الاملاء، ص28.

[4] الغزالي: فيصل التفرقة، ص71.

[5] الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام، القاهرة، المطبعة المنيرية، ط1، 1351 للهجرة، ص5-6.

[6] الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام ص11.

[7] الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام ص12.

[8] الغزالي: فيصل التفرقة، ص106-108.

[9] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص21، ص27..

[10] الغزالي: فيصل التفرقة، ص107.

[11] الغزالي: فيصل التفرقة، ص108.

[12] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص78.

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص79.

[14] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص29.

[15] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، الجفان والجابي للطباعة والنشر، ط1، ص1987، ص74.

[16] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، ص75.

[17] الغزالي: القسطاس المستقيم، القاهرة، مطبعة التقدم، ط2، ص79.

[18] الغزالي: القسطاس المستقيم،ص80.

[19] الغزالي: القسطاس المستقيم،ص85.

[20] الغزالي: القسطاس المستقيم،ص85-86.

[21] الغزالي: القسطاس المستقيم،ص85.

[22] الغزالي: الاحياء، ج4، ص452.

[23] الغزالي: الاحياء، ج1، ص31.

[24] الغزالي: الاحياء، ج1، ص120.

[25]  الغزالي: الإحياء، ج1، ص38.

[26] الغزالي: الاحياء، ج1، ص78.

 

النبوة: [هي المعرفة اليقينية يوحي بها الله إلى البشر عن شيء ما] - راجع كتابنا رسالة في التوحيد والسياسة ص 73 -، وفي هذا الوصف لمعنى - المعرفة اليقينية - التي (يوحي الله بها إلى البشر)، يدلنا ذلك على طبيعتها وعلى معناها العام الذي يشمل جميع البشر من غير تمييز، وهي التي تحصل للذكور وللإناث على حد سواء، وهذا المعنى هو رد لما ذهب إليه غير واحد من علماء الكلام [في تقييد النبوة بالذكور دون الإناث]، وليس من شك إن ماهب إليه هذا البعض في حقيقته دعوة جاهلية، ذلك أن - المعرفة اليقينية - التي يحصل عليها البشر عن طريق الوحي لم يرد فيها حصر أو تخصيص بالذكور دون الأناث كما توهم هؤلاء .

 ثم إن - الكتاب المجيد - لما عرف لنا النبي قال هو - إصطفاء -، ولم يجعل معنى الإصطفاء خاصاً بالذكور دون الإناث، ومعنى فعل - أصطفى -: يدل على الإختيار والإنتخاب بعناية، المأخوذ من الأصل اللغوي للفظ والدال على الصفاء ضد الكدورة والتلوث من كل شائبة، نقرأ ذلك في:

قوله تعالى: [إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي] - الأعراف 144،

وفي قوله تعالى: [إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ] - آل عمران 33 .

وفي قوله تعالى: [إنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ] - البقرة 247 .

والمعنى في هذه النصوص واحد وهو الإختيار، الذي لا يكون ممكناً ومنطبقاً على معناه في مسألتنا إلاَّ حينما يكون من قبل الله، الذي لديه علم تام بهذا المختار من بين الناس، وفي نفس سياق المعنى وكما قلنا بإن - المعرفة اليقينية - لا تختص بالذكور دون الإناث، فكذلك - الإصطفاء - لايكون منحصراً بالذكور دون الإناث، وإليكم الدليل .

 قال تعالى: [وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ] – آل عمران 42 -، وهذا النص واضح الدلالة في أن - المعرفة اليقينية - التي حصلت عليها مريم العذراء جعلتها من فئة الإنبياء مع قيد وبيان - إن الله أصطفاك -، فيكون - إصطفاء – مريم دليلاً على نبوتها، وقد عزز ذلك المعنى القول التالي من سورة مريم:

قوله تعالى: [إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ] - مريم 45، ففي هذا النص نلتقي مع ذلك الجدل المعرفي الطوعي الذي نجده في صدر البيان، بقوله - إذ قالت الملائكة - وفي لغة العرب حين يكون الخطاب موجهاً لشخص ما بأسمه وصفته فذلك دليل على الأهمية، وجملة - يبشرك - جملة خبرية يُفهم منها المُراد في السياق الذي ورد جاء بعد حالة - الإصطفاء -، وفي هذه الحالة تكون مريم يقيناً من الأنبياء من غير شك، بل ولها درجة فوق درجات كل نساء العالمين اللائي بلغن شاءاً من القرب في مطلق الزمان والمكان .

كذلك نفهم من السياق أن علاقة مريم بالوحي كانت علاقة مباشرة، كتلك التي حصل عليها النبي محمد وغيره من سائر الأنبياء، فالطريق والسبيل إلى ذلك واحد وبه تتحقق نبوة الإنسان، وذلك السبيل أو الطريق سماها الكتاب المجيد - الوحي -: والذي هو الوسيلة السريعة التي تأتي بالمعلومة من الجهة المرسلة كما تقول لغة العرب، وأصله: من وحى أوحى إليه ووحيت إليه، إذا كلمته عمَّا تخفيه عن غيره -، وهو في لغة الكتاب المجيد: يعني تلك الواسطة أو الوسيلة التي من خلالها يمكن إيصال المعلومة من الله لمن أختاره من عباده -، ومعرفياً لا يمكننا تصور الكيفية ولا الطريقية التي يتم فيها إيصال تلك المعلومة، لكننا يمكننا تصور المعنى من خلال طبيعة النصوص الحاكية عنه، [فيمكننا مثلاً - تصور الوحي على إنه إشارة أو إيماء أو سرعة أو صوت -]، وهذا التصور رصدناه في لغة النص وفي لسان الأخبار، فالوحي بناءاً على تلك الطبيعة أما أن يكون:

1 - كلاماً مباشراً كما في قصة موسى النبي .

2 - أو يكون قولاً بلسان الملائكة كما في قصة مريم العذراء .

3 - أو يكون إلهاماً ورؤيةً، كما في قصة إبراهيم مع إسماعيل أو قصة أم موسى .

 وفي المعجم المفهرس وجدنا إن لفظ - الوحي - وكذا إشتقاقاته لا يبتعد عن هذا المعنى المتقدم، بدليل:

قوله تعالى: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً - الأنعام 112، فصيغة (يوحي) وردت بالمعنى السلبي للفظ حين يدل على التحريض والنزاع وتأليب البعض على البعض الأخر، من خلال الدس والتزوير والتشويه والدعاية المضللة، وهذا جهد الشيطان وجنوده .

وقوله تعالى: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل - النساء 163، وفي هذا النص وردت الصيغة بالمعنى الإيجابي، الدال على الإشارة والتنبيه .

 وقوله تعالى: فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا - مريم 11، ومعناها هنا دعاهم أو أشار إليهم .

وقوله تعالى: وأوحى ربك إلى النحل - النحل 68، ومعناه هنا أي جعل أو صيَّر لدى النحل إرادة ذاتية تنطلق من فعل ذاتي بايولوجي، وهذه الإرادة لها علاقة بالطبيعة التكوينية لعموم الحيوانات فيما تأكل وفيما تشرب .

وقوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى - القصص 7، والمعنى هنا جعلنا في قلب أم موسى السكينة والإطمئنان، وقد عُرف هذا المعنى بالإلهام الفطري المستند إلى اليقين، وقد عُرف الإلهام بأنه من ألهم الدال على: [وقوع اليقين في القلب مما يؤدي إلى الإطمئنان في العمل] .

وقوله تعالى: [يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها] - الزلزلة 4 و 5، والمُراد من لفظ - أوحى - هنا بمعنى الأمر الذي يكون بعد الإخبار .

وأما قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ - الشورى 51، فهو يبين لنا درجات و مراتب الوحي التي يمكن تصورها للبشر وهي كالآتي:

1 - الوحي المجرد: ومن مصاديقه - الإلهام - الذي يقع في قلب الإنسان عن معرفة ويقين، فيطمئن إليه ويعمل بموجبه كالذي حدث لأم موسى -، ويدخل في بابه الرؤية الصادقة التي حصلت لإبراهيم النبي مع ولده إسماعيل، أو كالذي حصل لزكريا مع قومه حين أمرهم بالتسبيح بكرة وعشيا .

2 - الوحي من وراء حجاب: ومعنى هذا وتجلياته تظهر بالصيغة التي وقعت مع موسى النبي، وفيها كان الوحي من وراء حجاب بعيداً عن الرؤية المباشرة لله، وقد دل على هذا قوله تعالى: ربي أرني أنظر إليك !! .... فكان الجواب: قال لن تراني !!!، ولكن أنظر إلى الجبل فإن أستقر مكانه فسوف ترآني .. - الأعراف 143، والنفي هنا ورد لتقويم المعنى في قوله تعالى: وكلم الله موسى تكليما - النساء 164، فكان الوحي صوت وكلمات يسمعها موسى في المقدَّسين، فوق أحساس الكروبيين، فوق غمائم النور، فوق تابوت الشهادة، في عمود النار، وفي طور سيناء وفي جبل حوريث في الوادي المقدس في البقعة المباركة من جانب الطور الأيمن - مفاتيح الجنان ص 103 - .

3 - وأما الوحي بواسطة الملائكة: فهذا هو المألوف في علاقة الله بأنبياءه، فالملاك أو الملائكة كانوا هم الواسطة التي تنقل الخبر من الله إلى من أصفاه الله لذلك، وهذه الصيغة وردت في سياق القول التالي: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ - الشورى 51

* * *

بعد هذه المقدمة نأتي للتعرف على الطبيعة أو على المهمة التي يقوم بها النبي، وبعبارة أدق:

هل النبي مفسراً للوحي أو مبلغاً له أو مبشراً به، أم له مهمة أخرى ؟،

 يقول الإمام علي عن السر من بعثة الأنبياء، قال: إنما يبعثهم للناس ليثيروا فيهم دفائن العقول - .. فثورة العقل أو إثارة العقل هدف مستقل بذاته يقصده الله حين يبعث أنبياءه، ولهذا ترآه يقول: أفلايتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها - محمد 24، فالتدبر: في لغة النص هو تحريك للعقل كي يلاحظ ويفكر ويستنتج ويجتهد ويحكم، والتدبر (هو إعمال للنظر) سواء أكان ذلك الفعل تجريدي أو توعوي، وإعمال النظر: هو لفظ دال على الإستنهاض والتحفيز للعقول، لكي تفهم وتعي الأشياء بطريقة تتناسب مع ما يُصلح الحياة ويَّعمَرُها .

 ونعود للقول في الجواب عن السؤال: من البدهيات اللازم معرفتها هو (إن عقل النبي عقلاً متطورا بالضرورة قياساً إلى غيره من العقول) -، ومادمنا في صدد الكلام عن عقل النبي فأول ما يتبادر منه إنه المفسر لما يأتيه من وحي، وهذا في - العنوان الأولي - الذي يمكننا فيه وصف النبي ودوره، إذن [فهو مفسرٌ لما يوحي به الله إليه]، وهذا النبي يكون مبلغاً أو مبشراً أو نذيراً لكن في - العنوان الثانوي -، وهو في كليهما لا يكون - آمراً أو ناهياً -، أي لا يصح من النبي أن يقوم بدور (أفعل أو لا تفعل)، وهذا المعنى وجدناه في الكتاب المجيد، إذ ليس فيه لفظ أو معنى يدل على أن النبي كان - آمراً أو ناهياً -، لأن هذا الدور هو من مهمات وإختصاصات الرسول بصفته (حاكماً)، ولا يخالف في هذا إلاَّ الجاهل المُقصر، ذلك الذي يخلط بين النبوة والرسالة، كما يخلط بين النبي والرسول، والخلط أساسه التماهي في الدور في ذهن فئة من الناس تتعمد إغراق الواقع بين حاجات النبي ودور الرسول، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على جهل في معنى - المعرفة اليقينية - التي يحصل عليها النبي بالوحي، والتي يؤمن بها بعد إدراكها ووعيها فتصبح عنده يقيناً مطلقاً

ومعنى كون النبي مفسراً، هذه الجملة أو العبارة هي من لوازم نصوص الكتاب المجيد التي توحي بذلك كما في:

 قوله تعالى: (قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلاَّ نبأتكما نتأويله) - يوسف 37 -، فيوسف النبي يقول لمن حوله أنا قادر على أن أشرح لكما وأبين ما تأكلانه، وهذا المعنى من القول هو ما نسميه (بالتفسير)- .

و قوله تعالى: (قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم) - التوبة 94، وهذا القول هو (تفسير للخبر)، ومعناها: إن الله قد أخبرنا أو أطلعنا على أخباركم .

و قوله تعالى: (قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير) - التحريم 3، في هذا النص هناك مفردتين:

 الأولى: وردت في صيغة الإستفهام - أنبأك - ومعناه من أخبرك أو فسر لك .

 والثانية: وردت في صيغة - نبأني - والتي تعني الخبر اليقين الصادق، في كلا الحالين وردتا بمعنى (التفسير) .

و قوله تعالى: (سأنبك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا) - الكهف 78، ومعنى - سأنبك - أي سأكشف لك أو أظهر لك، والكشف والإظهار هنا هو بمعنى (سأفسر لك) .

و قوله تعالى: (قل أونبئكم بخير من ذلكم) - آل عمران 15، والصيغة وردت في خطاب الجمع ومعناها - أدلكم أوأهديكم - وهي كذلك بمعنى (التفسير) .

و قوله تعالى: (ثم إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) – لقمان 15، والمعنى هنا هو التذكير أو إعادة المشهد والصورة التي كنتم عليها، وهو أيضاً بمعنى (التفسير) .

وفي جميع هذه النصوص هناك معنا مشتركاً واحداً ألاَّ وهو (التفسير أو التبشير)،

 قال تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين) – آل عمران 42، و لفظ - مبشرين - وردت في سياق النص لتبين لنا طبيعة التطور والتحول الذي حصل للإنسان، وإنتقاله من حالته البشرية إلى حالته الإنسانية، و الجذر الثلاثي للفعل بشر صحيح يدل على البشارة، والتي هي الخبر المفرح السار، والبشارة والتبشير: من الملازمة اللفظية لحركة النقلة التي حدثت للإنسان، ومعها كانت حاجة هذا الكائن الجديد للتعرف على الأشياء، لذلك قال تعالى في الجواب: وعلم آدم الأسماء كلها ..- البقرة 31، ومفهوم عَلَّمَ بهذه الصيغة تعني - التفسير والشرح -، الذي يتناسب وكل مرحلة من مراحل الإنسان، (فالنبوة) أو (بعثة الأنبياء) كانت هي الوسيلة التي تُبشر في تحرير العقل والإنسان من كل ما يعيق حركتهما، وبهذا المعنى تكون - البشارة - جزءاً من المعنى الفطري للطبيعة الإنسانية، وبما إنها كذلك فهي تعبر عن - المعرفة اليقينية - التي تتطابق وتتناسب معها .

 وهذا المعنى يبحث في الفلسفة بصيغة سؤال يقول: كيف يكون ذلك؟، أي كيف يكون التطابق ممكناً بين المعرفة الفطرية والمعرفة اليقينية ؟

 وفي الجواب نقول: [المعرفة الفطرية هي تلك المعرفة التي يحصل عليها الإنسان، من النور الذاتي و الذي يعتمد في الأساس على نور الله]، وهذه المعرفة عامة من حيث كون جميع الناس يشترك فيها، لأنها تعتمد على مبادئ مشتركة يؤمن بها و يعتنقها أغلب الناس، لكن ليس جميع الناس يعتنون بها، ذلك لأن الكثير من الناس إنما يولعون بالنوادر والعجايب والخوارق والمعجزات، ويحتقرون أو يزدرون كل هبة فطرية، وهكذا يكون موقفهم من النبي حين يتحدث عن المعرفة التي يحصل عليها عن يقين، مع إن الواجب يقول: إن للمعرفة الفطرية الحق الذي يفوق أو يغلب أية معرفة أخرى .

ولتبسيط الفكرة نقول: إن المعرفة الفطرية هي أثراً من آثار الطبيعة الإلهية، والطبيعة الإلهية هي أثراً من آثار الأوامر الإلهية -، ولكن هل تختلف المعرفة الفطرية عن المعرفة الطبيعية ؟، نقول: لا تختلف المعرفة الفطرية عن المعرفة الطبيعية إلاَّ في نقطة واحدة، وهي: إن ما يحصل من المعرفة الفطرية من معارف وعلوم لا يمكن تفسيرها بقوانين الطبيعية بالمطلق - .

 لكن لأصحاب مذهب الإتحاد رأي في هذا فهم يقولون: إن كل موجود في الطبيعة هو عبارة عن إتحاد بين الموجد المفيض والموجود الممكن -، وبعبارة أوضح يكون عندهم: كل موجود في الطبيعة المادية لا يمكنه الوجود أو الإدراك بدون فيض الموجد وإرادته -، ومن طبيعة الموجد المفيض إن له عدداً لا متناه من الأشياء والأحوال الممكنة الوجود، و بناءاً على هذا فكل حيز ذهني لا نهائي يدخل في هذا المعنى، وبناءاً عليه كذلك تكون المعرفة الفطرية من المعرفة الإلهية، ولكن ليس كل معرفة فطرية هي معرفة يقينية، فما يحصل لبعض الناس من معارف وعلوم فطرية لا يصح أن نجعل منه بقوة المعرفة اليقينية التي تحصل عن طريق الوحي، وإذا تبين هذا تسقط دعوى الكثير من الغنوصيين أدعياء المعرفة الفطرية ويسقط من الإعتبار مشاهداتهم وكيفياتهم وحالاتهم الذاتية المُدعاة .

 لكن ما الدليل على أن هذا الإنسان مُدعي النبوة قد حصل بالفعل على الوحي من الله ؟، ولماذا لا يدخل هذا المُدعي في ساحة أؤلئك الذين يحصلون على العلم بالنور الفطري الذاتي ؟، مع تأكيدنا إن ذلك ممكناً وغير ممتنع، أعني بذلك جواز حصول البعض على هذا النور والعلم من غير وحي، وهذا القول: ممكن في ذاته لكن إتصافه بالوحي الخاص وحالاته فهذا ممتنع، أما الإمكان فيكون من وجهين:

الأول: الطبيعة التكوينية، ونعني بها التكوين والجبلة الخاصة كالغرائز، يظهر ذلك في قوله تعالى: [وأوحى ربك إلى النحل أن أتخذي من الجبال بيوتاً] - النحل 68، فالقدر المتيقن من لفظ - أوحى - هو ليس الوحي بمعنى الملاك أو الغمام، بل بمعنى التكوين والخلقة الطبيعية لهذا الكائن، وهذا الذي نسميه التقدير في عالم السنن الطبيعية، كأكل البقر للعشب والحشائش دون اللحوم، والوحي هنا بمعنى الصنعة والخلق على نحو ما .

الثاني: الحس والخيال والتصور والكلام أحياناً، كما في قوله تعالى: [وأوحينا إلى أم موسى] القصص 7، والوحي هنا لا بمعنى نزول الملائكة بل بمعنى الإلهام والإلقاء في الروع على نحو يفيد اليقين، وتعريف ذلك: هو حس وشعور ذاتي مفيد للإطمئنان واليقين، يكون هو نفسه أي الحس والشعور بمثابة الطاقة التي تجعل من تصل إليه واثقاً ومتيقناً، بأن شيئاً سلبياً لم يحدث، هذا اليقين متعلق بما تحصل عليه الفطرة من معرفة تكون يقينية عندها، وبما إننا عرفنا وجوه الوحي وقلنا: إن واحدة منها هو الوحي، الذي يكون بشكل إلهام، لذلك نقول لا مانع من إعتبار ما حدث لأم موسى من فئة الوحي الذي حدث لكثير من الأنبياء، وهذا المعنى لا ترديد فيه بعدما تبين لنا: إن النبوة هي معرفة يقينية يحصل عليها الشخص من خلال الوحي -، وهذا بالضبط ما حدث مع أم موسى .

والثالث: الرؤية االصادقة، والإبتداء مع قوله تعالى: [يا بني أني أرى في المنام إني أذبحك ..] - الصافات 102، وهذه الرؤية هي التصور أو الخيال الذي كان بالقوة، ولكي يكون واقعاً بالفعل وحقيقة، قال في مقام الرد: [قال أفعل يا أبتي، ستجدني إنشاء الله من الصابرين ..] - الصافات 102، ولو طبقنا النظرية الواقعية سنجد: إن هذه الرؤية مجرد خيال ووهم، لا يمكننا العمل بموجبها، لكن هذا الخيال وهذا الوهم كان هو الحقيقة من وجهة نظر المعرفة الفطرية التي هي معرفة يقينية عند إبراهيم النبي، ولكن مجرد الخيال والتصور كان بالنسبة لهما واقع وحقيقة، ولهذا أمتثلا للفعل مصدقين الرؤية على أنها حقيقة لا وهم، قال تعالى: [أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ..] – الصافات 103، ولكن هل الرؤيا جاءت في سياق نبوة إبراهيم أم كانت سابقة لها ؟، بحسب المعطى التاريخي لم تكن الرؤيا سابقة للنبوة، بل كانت في سياقها أو هي جزءاً من إيحاءاتها .

 ونصل هنا لحقيقة الإختلاف بين الوحي والبعث، وقد مر الكلام عن الوحي وطبيعته وأنواعه، وأما البعث فقد ورد في لسان العرب بمعنيين:

 أحدهما: يعني الإرسال كما في قوله تعالى: ثم بعثنا من بعدهم موسى - يونس 75 .

 وثانيهما: بمعنى الإحياء بعد الموت، قال تعالى: ثم بعثناكم من بعد موتكم - البقرة 56، فالبعث هو حالة نهوض وإستنهاض، وهي تأتي بعد حالة الوعي والإدراك، وفي مسألتنا تأتي بعد الوحي أو الذي جاء به الوحي، والنبي حين يبعث إنما يقوم بدور المبلغ والشارح لما لديه من حقايق ومعارف، لكن هذا الدور لا يسحب منه طبيعته البشرية لذلك يقول: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي - الكهف 110، وأداة الحصر - إنما - تفيد معنى إن له نفس الصفات المخلوقة كما هي لهم، لكن المميز له عنهم هو بهذا القيد أو قل بهذا التعريف: يوحى إليَّ – وفي هذا القيد أو التعريف ورد ذكر قوله تعالى: وما ينطق عن الهوى * إنما هو وحي يوحى - النجم 3 .

 وهذا المميز قالت عنه الكلامية بمعنى (العصمة)، والتي هي المنع من الوقوع في الخطأ، والمنع لا بد أن يكون صفة ذاتية، عبر عنها الأصولي: بالملكة التي تمنع صاحبها من إرتكاب الخطأ، وهي بهذا المعنى لا تتعدى بالنسبة للنبي المعنى التشريعي وليس المعنى التكويني، أي إن النبي يكون معصوماً بذاته (تشريعاً) حين يمتنع عن إرتكاب الخطأ، ثم تأتي العناية الإلهية كما يُفهم من قوله تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا - العنكبوت 69، ولا يصح إعتبار قوله - وما ينطق عن الهوى - بمعنى العصمة من الله، بل المُراد: إن ما يأتي به النبي من الله لا يخطأ فيه ولا يتعمد ذلك، بدليل قوله: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون - الحجر 9، إذن فالنبي معصوم عصمة ذاتية تمنعه من أتيان الخطأ، وهذه متقدمة على الإصطفاء الذي يأتي لا حقاً، يعني لا يكون النبي مصطفا من دون هذه الضابطة الذاتية المانعة من إرتكاب المحرم والخطأ .

والنبي لا يوصف بالنبوة إلاَّ بالوحي، وليس من شرط أن يكون كل نبي مأمور بواجب - الأمر والنهي -، لأن النبوة ليست قوانين لتنظيم حياة البشر، بل هي دعوة لفهم الحياة دعوة مجردة، وحتى تكون تامة لازمها الصدق والمحبة والشمول، لأنها في الواقع قضية ربانية خالصة في شروطها وفي فعلها وفي أدواتها وأهدافها، ولأنها كذلك: نقول: بأن ما يحصل للفلاسفة والعرفاء من علوم ومعارف، لا تؤهلهم ليكونوا أنبياء -، لا في مجال التفسير والشرح والبيان ولا حتى في مجال التدبر وإعمال النظر، فالنبي إنما يكون موظفاً لإثبات الحق الذي ينفع الناس، عن طريق الحوار والجدل بالحسنى (البرهان)، مستفيداً بالقدر اللازم من كل المراحل التي يمر بها من مراحل تجريبية حسية أوفيزيائية مجردة وأحيانا ميتافيزيقية مثالية، وتارةً تكون عبر مكاشفات غير مألوفة أو متصورة، ولكن كل ذلك الفعل ينتهي إلى الوحي الذي هو دليل النبوة الوحيد، وكل من أدعى النبوة أو يدعيها فلا بد أن يكون له وحياً يتلقى من خلاله الكلمات، التي كانت بمثابة القول التالي: وإذ أبتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن .. – البقرة 124، أو بصيغة القول التالي: فتلقى آدم من ربه كلمات فتآب عليه .. – البقرة 37، والكلمات جمع كلمة والتي تكون مرةً على نحو مكاشفة صورية وأخرى على نحو مكاشفة معنوية .

والمكاشفة الصورية: ونعني بها هنا ما يحصل عليه النبي في عالم المثال عن طريق الحواس الخمس .

والمكاشفة المعنوية: ونعني بها ما يطلع عليه النبي من معاني الغيب، وهي التي تجمع بين الصورة والمعنى لذلك تكون أعلى رتبةً وأكثر يقيناً .

وفي هذا السياق جاء قوله تعالى: فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور – الحج 46، وعبارة - لا تعمي الأبصار – إشارة إلى معنى الكشف الصوري الذي يتم عبر أو من خلال الحواس الخمس، وجملة - تعمي القلوب التي في الصدور - دليل وإشارة رمزية لمعنى الكشف المعنوي، والجملة الخبرية جملة توضيحية تتحدث عن مقام العقل أو ما يغذي العقل، إذ الثابت حسب أخر الدراسات: إن القلب هو من يعمل على تفعيل القلب أو إغلاقه -، ويكون هو المتعين بذاته بحسب هذا النص دليلاً، على أنه مكان وعي وإدراك المعاني و الحقيقة من غير واسطة، قال الملا صدرا في مفاتيح الغيب: أن قوة الوعي والإدراك الأصلية تفيض من القلب من غير واسطة -، والفيض الموجب هو الرؤية والوضوح والكشف دون لبس، وفي غير ذلك يكون العمى والضلال والإنحراف، والكلمات التي ينزل بها الوحي لا بد ان تتناسب سعةً وحجماً مع من تتنزل عليه، وبما إن النص إستعار مفهوم القلوب في الكشف والرؤية الصادقة، فإن ذلك دليلاً على أنه مكان المعرفة الفطرية وساحتها .

 وفي جميع الاحوال يمكننا وصف الوحي على إنه حركة وعي في الارادة والقوة، تجلت لمحمد النبي بصيغة متعددة، وتجلت لموسى النبي بصوت خارجي، وتجلت لعيسى النبي بصيغة إتصال الروح بالروح، وقد عبر عن ذلك بعض العرفاء بالقول: [فعين النطق منه بعد الولادة هو تجلي لذاته الروحية في كمال ذاته القدسية]، وعبر عن ذلك بعض أهل الإتحاد بالقول: [إن قدرة التجلي بين الوجود والحقيقة واحدة في الأثنين]، ومنها يمكننا الإدعاء: بأن علة النبوة علةٌ غالبة، كما إن قدرة الله قدرة غالبة - .

وفي هذا الإدعاء حرص منا على القول: وبما إننا نجهل حدود ذهننا، لذلك فنحن نجهل العلة الغالبة للنبوة -، ذلك إن النبي إنما أدرك النبوة بواسطة الخيال الذاتي، والذي هو الوحي الإلهي، والنبي حين يفسر هذا الخيال لنا فإنه لا يتحرك في حدود ضيقه، بل يتعدى ذلك إلى تفسير فكرة الله ومفهوم الله وحدود الله وطبيعة الله، فهو حينما يبلغنا أن الله: يدآه مبسوطتان – المائدة 64، أو حين يقول لنا إن: الرحمن على العرش أستوى – طه 5، صحيح إنه أستخدم أو أستعار إلفاظاً على نحو مجازي، لكنه كان يستهدف تقريب الذهن العام لما يتصوره، عن اليد وعن العرش وعن الكرسي، وكل ذلك من أجل تقريب الذهن إلى كيفية أستخدام الألفاظ وتطويعها وبما يتناسب ومُراد الوحي، ونعود للقول: بأن الله حين كلم موسى تكليماً، إنما كان صوتاً عبر عن روح الله، الذي لم يكن سراً كما إن النبوة ليست سراً، بل هي كشف عن الحق المغيب الغير معلوم، ولذلك كان من مهامها إثبات حقيقة الملائكة وحقيقة الجان التي هي من الغيب أو من الأسرار، وهذا من أجل أن يتفطن الإنسان لما وراء هذا العالم، كما يفعل العلم الحديث في جانب حين يستطيع الجمع والتركيب للأشياء الغير مرئية فيجعل منها حقيقة عيانية مشاهدة ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (38)

تعتبر عقيدة (قيامة) يسوع الناصري بعد (صلبه) هي الحدث الأعظم في سرديات قصته ، حسب المنظور المسيحي، فعقب موت يسوع على الصليب، قام من الموت وعاد ثانية الى الحياة بعد ثلاثة أيام، كما تقول النصوص الدينية المسيحية، والتي تعتبر حادثتي الصلب والقيامة، هما الحدثان الضخمان في تاريخ المسيحيةُ، حيث اعتبرت الكنيسة المسيحيةُ ، أن قيامة يسوع المسيح هي برهانها الضخم، والحدث التاريخي الفريد المعجز في تاريخ البشرية!

ورغم إيلاء الكنيسة المسيحية الأهمية العظمى لقصة قيامة يسوع المسيح من الموت، باعتبارها حقيقة ثابتة لا تقبل الشك!

واعتبار القبول والتسليم بها، من اهم ضروريات الإيمان القويم الذي يجب على جميع البشر الخضوع له، لتجنب الهلاك في الجحيم الأبدي!!..الا أننا لا نجد لهذه القصة المدعاة اي ذكر او أثر في اي نص تاريخي خارج النصوص الدينية المسيحية

لابد لنا، ونحن نبحث في قصة عودة يسوع الناصري الى الحياة بعد موته على الصليب، ان نرجع الى جذور القصة ، قبل حادثة الصلب، وما شكلته هذه النهاية المفجعة من صدمة كبيرة جدا في نفوس تلاميذ يسوع الناصري، الذين صدقوه واتبعوه، وكان يحدوهم الأمل بأن معلمهم هو (الماشيح) الموعود والملك القادم لمملكة الرب التي ستسود، قريبا، على كل الأمم

وهذا الاعتقاد، يظهر بوضوح في ثنايا نصوص الاناجيل، حين يسأل يسوع تلاميذه، من تظنون اني انا؟

فيكون جوابهم : انت هو المسيح.. راجع متى 16

وهنا نحتاج لوقفة قصيرة، لتبيان، معنى هذا الاعتقاد ، لدى تلاميذ المسيح..

ان هؤلاء التلاميذ، كانوا من اليهود البسطاء، الذين تشكلت ثقافتهم وعقائدهم، طبقا لعقيدة مجتمعهم اليهودي في ذلك الوقت، حيث كان اغلب اليهود يتطلعون الى مجيئ مسيحهم المخلص، لكي يكون هو المنقذ (الفادي) الذي سيقودهم الى النصر و العظمة، و إثبات تفوقهم على كل الأمم، التي سوف تأتي خاضعة لمملكتهم و منقادة الى ملكهم الذي سيمسحه الرب بالزيت المقدس ، ليكون هو (الماشيح) المخلص الموعود.

وهذا الأمل ، كان ينمو في نفوس تلاميذ يسوع الناصري، نتيجة تأكيد معلمهم على قرب حلول هذا الموعد، من خلال عظاته العديدة التي تدعو مجتمعه إلى الاستعداد لهذا الحدث التاريخي، من خلال العودة الى الرب، والعزوف عن شهوات الدنيا.

القي القبض على يسوع الناصري، وحكم عليه بالموت صلبا، بتهمة انه (ملك اليهود) نتيجة لما تشكله هذه الدعوة من خطورة على المحتل الروماني، والذي كان يعتبر هكذا دعوة وتبشير بمثابة تحضير للتمرد ضد الإمبراطورية ودعوة للانفصال

لقد شكل الحكم بموت يسوع الناصري، صلبا، صدمة كبيرة في نفوس تلاميذه، وانهيار كامل لكل الآمال المرجوة في تحقق صدق نبؤات معلمهم، الذي احبوه واتبعوه، ولم يشككوا في كلامه او وعوده...وفجأة..يموت المعلم..وينهار كل شئ!!

وهذا الأمر، يبدو واضحا ، في قصة التلميذين ، الهاربين من اورشليم ، بعد موت يسوع، كما وردت في إنجيل( لوقا 24)

عندما يواجه الإنسان، او مجموعة من الناس، صدمة شديدة محزنة، عادة، ماتكون ردة فعل الاغلبية منهم، اما رفض تصديق الحدث، واما اعادة قراءة الحدث وما سبقه، من اجل صياغة تفسير مقبول ومريح، يزرع الأمل مجددا في النفس!

وهذه الظاهرة، معروفة في أدبيات علم النفس والسلوك البشري، حيث نجد ان الفاقد لشخص عزيز عليه، احيانا، يؤكد للاخرين انه رأى ذلك الشخص الميت، وهو يجلس في المكان الذي اعتاد ان يراه جالسا فيه !!!

بل ان بعض المجاميع من الناس، اكدت انها رأت صورة زعيمهم المحبوب وهي تظهر لهم على وجه القمر، بعد موته !!

يذهب الكثير من الباحثين في تاريخ المسيحية، الى الرأي القائل، ان موت المسيح، وانهيار امال تلاميذه ، في قيام مملكة الرب، جعلت اتباع يسوع الناصري، يعيدون قراءة الأحداث، وكذلك يعيدون قراءة مفهوم (المسيحانية) من اجل الوصول الى تفسير وتحليل للواقع الصادم الذي طرأ بعد موت المسيح الموعود !

فكان تصور عودة يسوع الناصري من الموت، لاستكمال مهمته في تأسيس المملكة (الامل) هي رد فعل (سايكو/ ثيولوجي) لبعض تلاميذه الذين رفضوا تقبل فكرة موته، و قاوموها بافكار طوباوية عن المسيح ودوره، تطورت لاحقا، لتصبح عقيدة، اراد لها معتنقوها ان تأخذ شكل الحتمية التاريخية! 

من هنا، يظهر، ان التعاطي مع قصة عودة يسوع المسيح الى الحياة، يختلف، حسب الخلفية الايمانية لكل جهة، فالذين يؤمنون بالعقيدة المسيحية، يعتبرون هذه القصة، حقيقة تاريخية ثابتة، بينما يعتبرها غيرهم، مجرد ادعاء لادليل عليه، وربما يكون مرده الى توهمات او هلوسات شخص او مجموعة اشخاص، مصدومين بفقدان معلمهم وزعيمهم، الذي احبوه وتعلقوا به، خصوصا ان نصوص الأناجيل تؤكد على ان اول شخص ادعى رؤية يسوع بعد موته كان امرأة …!!

هذا المقال، سيبحث في النصوص الاولى التي تطرقت لهذه القصة، مع متابعة التطورات التي تطرأ على القصة، مع مرور الزمن، حسب تسلسل كتابة تلك النصوص، وهنا لابد من اعادة التذكير على اهمية الاخذ بالاعتبار، انه لا يوجد لدينا ذكر لهذه القصة (المهمة) الا في النصوص الدينية المسيحية فقط، وان الذين كتبوا تلك النصوص، لم يكونوا يؤرخون للتاريخ، وانما كانوا يدونون نصوصهم، لغرض الدعاية العقائدية، والتسويق للإيمان الذي اعتنقوه، ويحاولون جذب الاخرين اليه..من خلال اعادة ترتيب صورة الحدث لتتماشى مع عقيدتهم الجديدة!

عند العودة الى أقدم النصوص المسيحية زمنيا، وهي رسائل (بولس) والتي يعتقد انها كتبت بحدود عام 50 م اي بعد رحيل يسوع الناصري بعشرين عاما تقريبا، نجد ان (شاول الطرسوسي/بولس) قد اكد كثيرا على أهمية الايمان بقيامة المسيح من الموت، بعد صلبه، بل انه اعتبر ان كل الكرازة والدعوة للإيمان الجديد، باطلة، ما لم تحتوي على الاعتقاد بقيامة المسيح

حيث نجد بولس في رسالته الاولى الى اهل كورنثوس، يؤكد في الإصحاح الخامس عشر، على هذه العقيدة، وبنفس الوقت نجده يستند في تأكيده على صحة عقيدة قيامة المسيح على امور عدة، اهمها

ان (الكتب) قد تنبأت بحدوث هذا الأمر!!...ويقصد بالكتب اسفار العهد القديم

والأمر الثاني هو، تأكيد بولس على ان يسوع المسيح، قد ظهر -بعد موته- للكثيرين، ومنهم بولس نفسه!

 

يعتبر كلام بولس الوارد في الإصحاح 15 من رسالته الأولى الى أهل كورنثوس، بدرجة عالية من الاهمية ، فهو يتحدث بالتفصيل عن عقيدته في قيامة يسوع المسيح من الموت وبأسلوب يبدو انه يرد فيه على المشككين ويحاول اقناع غير المصدقين بهذه الفكرة، مما يشي بأن هذه العقيدة لم تكن من الامور المسلم بها في المجتمعات المسيحية المبكرة جدا !

في هذا النص، نجد بولس، يحاول تثبيت فكرة عودة المسيح من الموت، بأسلوبه الذكي، الذي يعتمد على المراوغة والتشويق وخلط الأوراق، بالاضافة الى ايراد ادعاءات كبيرة ليس لها أساس من الصحة !!

حيث نجده يحاول إيهام أتباعه ، ان أمر قيام المسيح من الموت، هو حتمية ايمانية، قد تنبأت بها أسفار العهد القديم!

وهذا الادعاء، لا اساس له، وغير صحيح، رغم محاولة المسيحيين الاوائل ايراد أجزاء مقتطعة من نصوص التناخ، للاستدلال بها، ولكن بالعودة الى النصوص الكاملة ، يكتشف القارئ ان تلك العبارات قد اجتزأت من نصوص، تتحدث عن مواضيع لا علاقة لها بيسوع الناصري ولا بموضوع المسيح اصلا !!

كذلك، نجد بولس ، يحاول تثبيت حقيقة القيامة ، من خلال تأكيده على ان هناك اناس كثيرين، هو واحد منهم، قد ظهر لهم يسوع المسيح، بعد موته، وكلمهم، وهذا يشكل بنظره دليلا قاطعا على صدق هذه الدعوى…!!..حيث يقول:

(وانه ظهر لصفا ثم للاثني عشر، وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لاكثر من خمس مئة اخ اكثرهم باق الى الان و لكن بعضهم قد رقدوا، وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين، وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي انا)

ان هذا النص الذي كتبه بولس في رسالته، احتوى على العديد من المغالطات، والمعلومات الغير صحيحة، التي حاول بولس تمريرها، لكي يصدقها اتباعه، فتنغرس الفكرة في أذهانهم، ليتقبلوها كعقيدة راسخة !

حيث نجده يذكر ان هناك خمسمئة شخص قد شاهدوا يسوع بعد موته في وقت واحد !!..وهذا الادعاء العريض، لم يرد ذكره في اي مصدر مسيحي اخر ، رغم أهميته العظيمة!!...ونفس الأمر ينطبق على ادعائه بأن المسيح قد ظهر ليعقوب!

ولم يذكر ذلك اي مصدر ، بل ان يعقوب نفسه لم يدعي ذلك أبدا !!

ومن المغالطات العجيبة، في هذا النص، اننا نجد بولس يؤكد على ظهور المسيح لتلاميذه الاثني عشر !!

رغم ان المتواتر في قصة يسوع المسيح، هو ان أحد تلاميذه (يهوذا) قد قام بخيانته وتسليمه، وبعدها انتحر!!

بينما نجد بولس، هنا، يورد لنا ان يسوع ظهر لجميع تلاميذه، بما فيهم الخائن يهوذا !!

ان هذه المغالطة الكبيرة، اوقعت مفسري العهد الجديد، في حيرة كبرى، مما جعلهم يتخبطون في شرح وتأويل هذه المغالطة

لدرجة اوصلت بعضهم الى ايراد تبريرات طريفة ومضحكة، من قبيل ، ان كلمة اثني عشر ...تعني احد عشر !!!  

ومن المراوغات، التي مارسها بولس، في هذا النص ، أننا نجده ، يغفل تماما، عن ذكر (مريم المجدلية) وبقية النسوة، والتي ذكرت لنا الأناجيل التي كتبت لاحقا، انها كانت اول شخص، يظهر له المسيح بعد موته !!

ويفسر اللاهوتيون المسيحيون هذه المفارقة الغريبة من بولس، بسبب انه، لايريد ان ينسب اول ادعاء مشاهدة للمسيح الى امرأة، خشية ان يدب الشك في أذهان أتباعه نتيجة النظرة الدونية للمرأة، وعدم الوثوق بعقليتها في ذلك الزمن !!

ورغم كل ما تقدم، يبقى كلام بولس في هذا الاصحاح، هو الأهم من بين جميع نصوص العهد الجديد، التي تطرقت الى قصة قيامة المسيح، لان هذا النص، يبين لنا جذور الفكرة، التي تطورت فيما بعد لتصبح قصة، ومن ثم عقيدة ثابتة ويقينية!

في هذا الإصحاح، نجد أمرا لافتا جدا ، وهو عدم ذكر بولس اي شئ عن قصة القبر الفارغ، ولم يستدل بها في معرض محاولته تثبيت صدقية قصة القيامة، رغم أهميتها الشديدة، حيث تعتبر الكنيسة، ان القبر الفارغ، هو من أهم الادلة التاريخية على حقيقة قيامة المسيح، بينما نجد بولس في كتاباتها المبكرة جدا، يغفل عن هذا الامر، لسبب بسيط، وهو انه لم يكن قد سمع بهذه القصة، التي تم اختراعها في زمن متأخر عن زمانه….!!

ان اهم واخطر، ما ورد في في كلام بولس، هو تأكيده على امر بالغ الاهمية، وهو ان ظهور المسيح له، وكذلك لجميع من سبقوه ، كان بجسد روحاني وليس مادي!!...جسد يختلف عن هيئة يسوع الناصري الذي فارق الحياة عليها !!

(يزرع في هوان ويقام في مجد يزرع في ضعف ويقام في قوة، يزرع جسما حيوانيا ويقام جسما روحانيا)

من هذا النص المهم، يتضح لنا ان قيامة المسيح، التي يتحدث عنها بولس، هي بالحقيقة، عبارة عن (ظهور) ليسوع الناصري، لبولس وللذين سبقوه من التلاميذ، الذين حصلت لهم (مشاهدة) لجسم (روحاني) تصوروا انه يسوع !

وهذا الامر يعرف في السايكلوجي بظاهرة المشاهدة او (التجربة) البصرية … والتي تحدث لكثيرين وعلى مر الأزمنة واختلاف الأماكن، حيث يدعي البعض انه شاهد مركبات فضائية، ويدعي آخرون ، انهم تكلموا مع مخلوقات غير ارضية

وحتى في التراث المسيحي، هناك تسجيل لدعاوى لا حصر لها على مشاهدة العذراء مريم، واحيانا تكون هذه المشاهدة جماعية !!!...بل اننا نرى ونسمع الى ايامنا هذه اشخاص يدعون ان يسوع المسيح ظهر لهم ، وتحدث معهم !!!

لقد حاول بولس، تصوير التجربة البصرية التي حدثت له، وكذلك لبعض التلاميذ، على انها قيام يسوع من الموت وعودته الى الحياة، فقام بتوصيف تلك المشاهدة على انها (قيامة) للمسيح... وبعد ذلك تم تبني هذا التوصيف، وأصبح عقيدة!!

ولو سلمنا، بصدقية ادعاء بولس وغيره، بانهم شاهدوا يسوع المسيح، الذي ظهر لهم بجسم روحاني، فهذا لايعني ابدا ان يسوع قد قام من الموت وعاد الى الحياة مرة اخرى …!!

والدليل على ذلك، هو الكتاب المقدس نفسه!!..حيث يذكر لنا إنجيل (متى 17) ان النبي موسى والنبي إيليا، قد ظهرا على الجبل وتكلما مع يسوع، وقد شاهدهما ثلاثة من تلاميذه الذين كانوا بصحبته!..ولم يدع أحد ان موسى وايليا قاما من الموت

يتضح مما سبق، ان هذه الفكرة قد تأسست على المراوغة اللفظية عن طريق التحايل في العناوين من اجل ترسيخ مخادعة ايمانية تقوم على التلاعب في المعاني!!..فأصبح ظهور موسى وإيليا...تجلي!...بينما ظهور يسوع…قيامة من الموت!

ويبدو ان الاباء المؤسسين للكنيسة، قد تنبهوا، لاحقا، لخطورة هذا الأمر، لذلك نجدهم في الانجيلين المتأخرين (إنجيل لوقا ثم من بعده انجيل يوحنا) قد حاولوا الالتفاف على هذه الثغرة، من خلال إيراد نصوص تؤكد على ان يسوع الناصري، قد عاد الى الحياة بجسده المادي، وأنه ركز على اثبات ذلك لتلاميذه !!..لكن تبقى هذه النصوص التصحيحية، دليلا على تطور القصص المسيحي، وتغيره بمرور الزمن، وحسب مقتضيات احتياج العقيدة الناشئة الآخذة بالتطور آنذاك !!

فبعد تأكيدات بولس، في تدويناته المبكرة جدا، على حقيقة تصوره لظهور المسيح الغير مادي، وبعد إنجيل مرقص الذي تلى رسائل بولس بعشرات السنين، والذي لم يورد اي ظهور مادي للمسيح، وكذلك فعل - بعد عشرات السنين-كاتب انجيل متى الذي اكتفى بذكر (ظهور) المسيح للتلاميذ في (الجليل) مع ذكره ايضا، ان بعض التلاميذ قد أصابهم الشك !! متى 17/28

بعد كل هذا، اتى لنا كاتب إنجيل (لوقا) بقصة مختلفة، تظهر ان المسيح التقى بتلاميذه في (أورشليم) وليس (الجليل) وأن يسوع كان حاضرا بينهم في جسده المادي، وبجروحه، بل وقام بتناول الطعام معهم !! في تناقض واضح مع ما سبق !!

وعلى هذا المنوال، خطى ايضا، كاتب إنجيل يوحنا، الذي أضاف بدوره تفاصيل اخرى، وحكاوي جديدة مبتكرة للقصة !!

لقد كان هناك تمسك، بفكرة تصوير (ظهور) المسيح، على أنه عودة للحياة من بعد الموت، سواء كانت هذه الفكرة من اختراع بولس، او اختراع بعض التلاميذ مثل (بطرس) او حتى من اختراع (مريم المجدلية)....وسبب هذا التبني والاعتناق لهذه الفكرة، بالنسبة للتلاميذ هو انها تعطيهم تفسيرا طوباويا يغرس الأمل مجددا في نفوسهم، بعد صدمتهم بموت المسيح!

أما بالنسبة لبولس، فان ادعاء ظهور يسوع المسيح له، كان البوابة التي اوصلته الى مقام كنسي، ومكانة متساوية مع تلاميذ المسيح، رغم أنه لم يلتق المسيح ابدا في حياته !!

ان ادعاء شخص، او مجموعة اشخاص، بمشاهدة بصرية معينة، او رؤية إنسان قد مات سابقا، لا يعني بالضرورة انهم يكذبون!!..لكن بنفس الوقت لا يمكن حمل ادعائهم سوى على أنه، تجربة شخصية، تولدت منها، قناعة نفسية ذاتية ناتجة عن ظروف سايكلوجية أو عقائدية ووجدانية تخصهم وحدهم، لذلك لا يشاركهم في ذلك الإيمان الا من خضع لنفس الظروف، او ربما، من اعتقد ان القصة التي يسردونها هي إلهام من روح سماوي مقدس !!

 

د. جعفر الحكيم

 

 

مفهوم القسم في الكتاب المجيد لا يكون حقيقياً وملزماً إلاَّ في تلك الصيغة - أقسم -، ولا يصح القسم في غيرها من الصيغ والتي توهم في الإدعاء بها فقهاء التراث وتوابعهم، وهذا الإستهلال هو بيان وتقديم: لمادة القسم على المقسوم والمقسوم عليه وبكونها ثابتة وصادقة ومعلومة اليقين، والصدق والثبات واليقين هي صفات موضوعية أعتمدناها هنا، وليس ذلك نفياً لمبدأ النسبية في الصفات ولكن لعظمة المقسوم عليه وأهميته، وهذا التعميم جئنا به من أجل التأكيد على نظر كل واحد منا للشيء في ذاته، وفي الكتاب المجيد تكون دلالة لفظ فعل (أقسم) على معناه واضحة، وهي معلومة في السياق والإشارة، وبحسب القراءة الموضوعية لمفهوم اللفظ لا نجد شيئاً أدل منه على التوكيد سواه، ولهذا لا يصح بل لا يجوز القسم بغيره، وهذا ما سنمر عليه في سياق البحث لاحقاً، وفي الكتاب ورد اللفظ مفرداً هكذا - أقسم - وفي نحو سبع مواضع بإضافة الرقم 15، 16 من سورة التكوير ليكون العدد ثمانية، وهي كالتالي:

 قال تعالى: [فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم] - الواقعة 75، 76 . .

 وقال تعالى: [فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس] - التكوير 15، 16 .

وقال تعالى: [فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون] - الحاقة 38، 39 .

وقال تعالى: [فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون] - المعرج 40 .

وقال تعالى: [لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة] - القيامة 1، 2 .

وقال تعالى: [فلا أقسم بالشفق * والليل وما وسق * والقمر إذا أتسق] - الإنشقاق 16، 17، 18 .

وقال تعالى:: [لا أقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد] - البلد 1، 2 .

وقد ورد لفظ - أقسم - ولكن بصيغة الجمع، وهو في هذه الحالة جاء وصفاً لا تقريراً، في خمس مواضع من الكتاب المجيد، في سورة الأنعام النص 109، وفي سورة المائدة النص 53، وفي سورة النحل النص 38، وفي سورة النور النص 53، وفي سورة فاطر النص 42، وعلى النحو التالي: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم)، وهي في الجميع لا تعدو وصف حال في الموجب أو السالب ...

ولفظ - أقسم - في اللسان العربي يأتي مفرداً ويكون جمعاً وأصله رباعي صحيح قال أبن فارس، وأما دلالته فعلى التوكيد والإثبات، أي جعل المقسوم به أو عليه ثابتاً ومؤكداً، وقد أستخدم اللفظ في الكتاب المجيد وصفاً للصدق تارةً وللصواب تارةً أخرى، ‏ وأما - الفاء - فيه فهي للأبتداء وما يأتي بعدها فكلام مستأنف، وقالوا: بل هي حرف عطف‏ ودلالته على الترتيب والإشتراك، وأما لفظ - لا - فقال البصريون هي حرف زائد لا معنى له، وقال الكوفيون بل هي أسم إن سبقها حرف جر، وقيل في معناها أقوال منها: [إنها نافية للجنس، أو ناهية للأمر، أو أنها جواباً لسؤال، أو تكون بمعنى غير، أو أنها لا معنى لها، أو أنها تعمل عمل إن أو ليس]، هذه التنوع الذي قال به المعجمين يجعل من التركيز حول المعنى المراد مشكل في ذاته، لكننا مع القول بأنها نافية للجنس حال دخولها على فعل القسم نفسه هكذا نفهمها، وتأتي مع لفظ - أقسم - للمبالغة في توكيد القسم وإثباته، وتدلنا على إن القسم في هذه الحالة لا يكون إلاَّ على شيء مهم وعظيم، وأما الجمع المركب من - حرف لا وفعل أقسم - فهو جمع بين النفي والإثبات، [فالنفي يكون على المقسم والإثبات يكون على المقسم عليه]، وهذا مذهب المفسرين والنحاة القدامى، ودلالة النفي في اللفظ واضحة قال البغوي، وفي الكتاب المجيد حين أستخدم لفظ - أقسم - أستخدمه في مجال خدمة قضية النبوة وإثباتها وتأكيدها، هذا في الفترة المكية من حياة النبي عليه السلام، ولكنها صارت لا حقاً قيمة تداولية لمجمل أفعال الرسالة فيما يخص العقود والمواثيق والإدارة والمسؤولية وغيرها .

 وكما قلنا في البدء: - إن القسم لا يصح ولا ينعقد مطلقاً بغير صيغة - أقسم بالله -، في كل القضايا القانونية والشرعية (الحياتية والمجتمعية)، وأما ماذهب إليه الفقهاء في إعتماد صيغة - الحلف - للقسم فليست عندنا بشيء، بل ولا تجب عليها أية تبعات وأحكام قانونية وشرعية [إذا أعتمدت كصيغة للقسم]، ومعلوم إن دلالة لفظ - حلف - في اللسان العربي تعني التناصر أوالتعاهد بين أثنين أو جماعة، ومنه جاء معنى الحلف والتحالف والأحلاف، ولا دخل له في معنى القسم البتة .

فإن قيل: وما تقولون في معنى - حلف - الذي ورد في غير موضع من الكتاب كقوله تعالى: (ويحلفون على الكذب وهم يعلمون) المجادلة 14 .

قلنا: إن لا دلالة على أن - يحلفون - هنا بمعنى يقسمون، بل الظاهر من الكلام إن اللفظ هنا دال على التناصر والتعاهد على الكذب، ولا يدل على القسم بالمعنى المشار إليه، ودليلنا على ذلك قوله تعالى: (أتخذوا أيمانهم جنة)، فالتترس بالأيمان الظاهر من أجل الصد عن الحق هو غطاء يتخذه دائماً أهل الدعاوى الباطلة .

وللفقهاء فيما يذهبون قول عن - الحنث بالحلف أو الحنث باليمين -، وقد ورد قولهم ذلك في سياق تدعيم فكرة - الحلف - على أنه القسم !!، وهذا منهم ليس على ما ينبغي، فالحنث بالحلف عندنا لا يتعدى ذلك المعنى الذي ذهبنا إليه عن المخالفة أو نقض العهد والتحالف، ولذلك قلنا بأن مخالفة الحلف أو الخروج على قواعده ونصوصه، فتترتب عليه أحكام وتبعات وعقوبات وجزاءات، أي إن العقوبة تترتب على مخالفة شروط الحلف، وليس بإعتبار الحلف قسم يجب الوفاء به، ذلك أن المتحالف قد آمن بشروط الحلف وأمضاها، [كما يحصل اليوم من أنكلترا مع الإتحاد الأوربي فيما يسمى بقضية البريكست]، فالعقوبة أو ما تسمى بالكفارة إنما تترتب أثراً على نقض الحلف وشروطه بعد توكيده لا من حيث هو قسم، بل من حيث كونه معاهدة يجب الوفاء والإلتزام بشروطها .

 وأما معنى قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم * ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته ..ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم * وأحفظوا أيمانكم ..) المائدة 89 .

فنقول: اللغو في لغة العرب هو كل صوت أو كلام يكون من غير قصد أو إرادة، أي إنه من حيث هو هو عبارة عن ثرثرة وكلام لا طائل منه، ولذلك فلا يترتب عليه من الأحكام والعقوبات شيءُ، وقد أكد النص على هذه الحقيقة بقوله - لايؤاخذ كم الله باللغو -، أي إن الله لا يرتب عليكم تبعات وأحكام على كل قول وكلام لم تقصدوه أو تريدوه، وعلى هذا النحو فكل قول أو كلام لم يقصده القائل أو المتكلم ليس عليه عقوبة أو جزاء،، [قال الراغب: اللغو هو الكلام الذي يورد من دون روية ولا تفكير، فيجري مجرى اللغا، والذي هو صوت العصافير ونحوها من الطيور، ومنه اللغو في الأيمان]، وأما العقد: (فهو الجمع بين الأطراف، ومثاله عقد الحبل وعقد البناء وعقد البيع والشراء)، وعليه فكل كلام إن صدر عن شخص ما من غير روية ولا تفكير فلا يترتب على ذلك الشخص أية عقوبة أو حكم، وبحسب مبدأ المقابلة: فإن كل كلام يصدر عن روية وتفكير فعليه عقوبة وحكم، (وقد سما النص هذا القصد من الكلام - عقداً - ومعناه إرادة الفاعل من كلامه وقوله)، فالكلام المقصود والمُراد هو ذلك الذي تترتب عليه الأحكام والعقوبات، وأما إضافة الأيمان للعقد فيكون من باب تأكيد القصد وإرادته لا غير، [فانت حين تشتم أحداً أو تسبه أو تدعي عليه دعوى في كلام ما، فلازم ذلك الكلام توكيد وهذا التوكيد يسمونه عقد أيمان]، وإن حصل ذلك يكون العقاب ويكون الجزاء والذي سُمي بلسان النص - كفارة -، والكفارة لغة بتشديد الفاء بمعنى التغطية أو المحو، وهي إصطلاحاً عقوبة مقدرة، وتكون هنا بسبب نقض العقد الذي كان بفعل الحلف، قال تعالى: - (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) -، فالعقوبة بحسب منطوق النص تترتب وتتقدر أثراً على طبيعة التحالف ونوعيته الذي تعاقدتم عليه بشروط أمضيتموها، والتجاوز على تلك الشروط أو نقضها لا زمه عقوبة مقدرة تكون بحسب الزمان والمكان وهي ما يطلق عليها بالتعزيرات وليست الحدود .

وأما قوله تعالى: [ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ..] - البقرة 224، والعرض هو النشر ومنه جاء المعرض والمعروض، وكل الأشياء التي تُعرض تسمى عرضة أو معروضة، وهو أستخدام يجري تداوله في مجال البيع والشراء، ومن هنا جاء النهي في النص بعدم جعل الله عرضة لهذا النوع من المزايدة والتقليل والحط من قيمته وشأنه، وظاهر النص ومراده التأكيد على الجانب الإخلاقي في التعامل مع الله أو تداول أسمه العظيم، إذ لا يجوز بحال جعل هذا المقام العظيم بضاعة وسلعة يُعرض بها الجاهل في كل حين، كقولهم - والله، أو أي والله، أو لا والله وامثالها -، فهذا القول لا ينعقد به القسم ولا يعتد به شرعاً ولا يترتب عليه أثراً، وإن حصل وهو حاصل بالفعل فلا يتعدى معنى - اللغو - المنهي عنه في الكتاب، وكما قلنا فليس هذا اللفظ تبعات وأحكام، وما قيل في هذا الشأن عند عامة الفقهاء فليس عندنا بشيء .

 * * *

تحدثنا فيما مضى من بيان عن معنى القسم والحلف، وقلنا متى يكون القسم صادقاً وصحيحاً ومتى لا يكون كذلك ؟، كما رددنا فكرة الحلف وقلنا بإنها ليست من باب القسم المشار إليه في الكتاب المجيد، والآن سنناقش بشيء من الإيجاز معنى قوله تعالى: [فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس] من سورة التكوير 15، 16،

 والخنس: لغة من خنس فهو خانس - والخاء والنون والسين - أصل واحد قال أبن فارس في المقاييس، ودلالتها على الإستخفاء والتستر، واللفظ إن جاء مُنكراً فيعنى الذهاب خفيه، وإن جاء جمعاً فيكون أسماً دالاً على النجوم السيارة التي تستر في النهار وتطلع في الليل، و - الخناس - صفة للشيطان الذي يوسوس في الصدور، ..

 والجوار جمع جارية وهي الريح المسرعة، وشُبه فيها كل شيء جار، ومنها - الجوار (المنشآت) في البحر كالأعلام -، ومنها الخيول والجبال والأنهار والبحار والشمس وكل شيء يسبح فهو جاري .

وأما الكُنس فهي صفة مشبهة بالفعل من كنس، وأصله صحيح من الكاف والنون والسين، قال الجرجاني هو الكشف والإظهار، وقال أبي عبيدة هو الإستخفاء، والأقرب ما قاله أبي عبيدة في معنى الإخفاء .

 والجملة الخبرية - فلا أقسم بالخنس* الجوار الكنس* - وردت في مقام التأكيد والإثبات، وفي معناها ذُكرت أقوال منها:

أولاً: ما نُسب إلى الإمام علي إنه قال: - هي النجوم تجري (وفي رواية تكنس) في الليل وتخنس بالنهار -، قال أبن عباس فيما ذكره الطبري وأبن كثير، وعلى هذا أعتمد بعض المفسرين وقالوا: هي الكواكب التي تخنس أي ترجع في دورتها الفلكية، وتجري في أفلاكها وتختفي - .

وثانياً: ماذهب إليه مناصروا فكرة الإعجاز العلمي للقرآن، وبأن المُراد من هذا النص هو في الإشارة إلى عمل الثقوب السوداء، في عملية تخليص جو السماء من الغبار الفضائي وما يحدث من إنفجارات كونية هائلة، إذ لولا تلك الثقوب لأنعدمت الحياة، وهذا الرأي لا أعتد به بل هو مرجوح عندي، ذلك إن تحميل النصوص القرآنية ما توصلت إليه البحوث العلمية، هي مغامرة لا نؤيدها إلاَّ غذا كانت منسجمة تماماً مع السياق والسباق ..

 

وثالثاً: هو الرأي الغنوصي القائم على فكرة - إن هذه الثقوب السوداء - هي مجمع أو بوابات للعالم الأخر، العالم الخفي الذي تتجمع فيه كل العوالم، وإليه تذهب الروح بعد الموت، وهذا الرأي بعيد عن مضمون النص ومقتضى الحال فيه !! .

ورابعاً: الرأي البيالوجي الذي أعتمده بعض المهووسين والمغامرين، والقائل: هو إشارة لما تقوم به الكريات البيض من تنقية للدم، وتخليصه مما علق به من ترسبات وميكروبات وبكتريا ضارة، على أساس إن عملها يقوم بكنس وتنظيف الدم من الرواسب الضارة عبر الجهاز البولي، وهذا الرأي كسابقيه تحميل للنص ما لا يحتمل من المعاني والدلالات ..

 وأما الرأي الراجح عندي والذي أميل إليه، هو ما نُسب إلى الإمام علي من قول، عن النجوم التي تجري أو تكنس في الليل وتخنس في النهار، والذي يؤكد هذا الرأي، دلالة النص اللاحق في قوله تعالى: [والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس]، وهو بمثابة الشرح والبيان، إذ أن مفهوم عسعس أي دخل أو أقبل الليل بظلامه، ودخول الليل يفسح المجال لرؤية النجوم حيث تنعكس أشعة الشمس من خلالها إلى الأرض، وحين يدخل النهار تخنس النجوم أي تختفي عن المشاهدة العيانية، وفي هذا إشارة للمعنى المُراد من الخنس الجوار الكنس، والعطف بالليل على القسم لمناسبة جريان الكواكب والنجوم في الليل، وتعاقب الليل والنهار هو من أجل مظاهر الحكمة الإلهية قال ابن عاشور في التحرير والتنوير، وهذا مناسب للمقام ومنه يتبين إن الخطاب في النص يخاطب العقل في الزمان والمكان المطلق، وأما أعتماد منتجات العلم الحديث وتعميمها على نصوص الكتاب فمخاطرة لا نقبلها ولا نوجه بالعناية بها، إنما يمكن فسح المجال لها في باب الإستئناس لا غير

 ..

آية الله الشيخ إياد الركابي

12 ربيع الأول سنة 1440 هجرية

 

 ميثم الجنابي"من شرط المقلد أن لا يعلم انه مقلد. فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده، وهو  شعب لا يرأب" (الغزالي)

في معرض انتقاده "للتقليد الفلسفي" أشار الغزالي إلى تباين المناهج في علوم الفلسفة. وهنا تجدر الاشارة إلى أن الغزالي لم ينتقد المنهج الفلسفي المنطقي. على العكس. إنه رفعه إلى مستوى المنهج الحقيقي اليقيني. ووجد هذا الموقف انعكاسه في الكثير من مؤلفاته بما في ذلك في (المنقذ)، عندما أكد على أن الذي يأتي "بمعجزة" أمامه، يمكن أن يثير إعجابه دون أن يقدر على تغيير قناعاته بالحقائق اليقينية (المنطقية). فانتقاد الغزالي للتقليد في الوعي الفلسفي، مبني على أساس رؤيته إمكانية صنع الوهم. فهو يشير إلى أن دقة البراهين الفلسفية قد تصنع وهم ومظهر دقة براهينها في كافة علومها. الامر الذي قد يؤدي إلى إمكانية التقليد الأعمى لهم بأخذ كل آراءهم ومواقفهم  على أنها حق[1]. وضمن هذا السياق يمكن فهم وضعه وتقييمه للفلاسفة المسلمين كمقلدين أيضا. فهو لا يتطرق هنا إلى حقائق الفلسفة، بل إلى أسلوب الفلاسفة المسلمين في التعامل مع نتاجها الاغريقي بالأخص، مقارنة بعلماء الكلام مع نتاج ومادة علم الكلام.

فقد كانت تقليدية علم الكلام من وجهة نظر الغزالي مبنية أساساً على المقدمات التي تسلّموها من خصومهم، أو اضطرهم إلى التسليم بها أما التقليد وأما إجماع الأمة أو مجرد القبول من القرآن والأخبار[2].  وفي هذا الموقف نعثر على تحليل وأحكام الغزالي النقدية تجاه التقليد في علم الكلام عن صيغة عميقة ودقيقة تجاه انماط وعيه وأساليبه الجدلية في البرهان. كما شخّص نفسية وذهنية التقبل والانصياع للفكرة المعارضة سواء كانت فرضية أو نتيجة، بوصفها مقدمة التقليد. الأمر الذي جعل علم الكلام يدور في جدله وبراهينه واستنتاجاته على فرضيات ومقدمات تحتاج هي نفسها أولا وقبل كل شيء الى برهان يثبت طايعها اليقيني. من هنا يمكن فهم سبب اطلاق الغزالي في وقت لاحق على براهين المتكلمين عبارة "براهين أوهام النفس". وبهذا يكون قد كشف عن خواء الجدل الكلامي الذي انحدر اليه، ونضوب امكانياته الداخلية، ومحدودية افاقه في اكتشاف الحقائق والبرهنة عليها. أما الفلاسفة المسلمون فقد كانوا الوجه الآخر لهذا التقليد. وبغض النظر عن تباين أسس هذا التقليد، إلا أنه في الاطار العام، شبيه بالتقليد السماعي كتقليد اليهود والنصارى[3].

وتجدر الاشارة هنا الى النقص الكامن في هذه المقارنة بين ما اسماه الغزالي بتقليد المتكلمين والفلاسفة، مع معرفته المؤكدة بالفرق بينهما. وبالتالي تعكس مقارنته هذه عن أحد مستويات موقفه من الفلسفة في مجرى تطوره الفكري والروحي. فهي تعكس من جهة نزوعه اللاهوتي الأيديولوجي الذي ميّز انتاجه الفكري ما قبل التصوف كما نراه بصورة دقيقة في (الاقتصاد في الاعتقاد) و(ميزان العمل)، ومن جهة أخرى، سيعيد النظر بها في وقت لاحق. فقد كانت شخصية الغزالي الفكرية والوجدانية عنيفة بنزوعها اللاهوتي الأيديولوجي للدرجة التي أراد بها سحق خصومه دون رأفة، على مسنّه الجدلي الذي كان لابد له من ان ينقطع. فقد كانت الرأفة بعيدة عن قلبه وعقله تجاه الخصوم ولاحقا تجاه النفس. إذ دفعه هوس الجدل ضد الفلاسفة للوصول إلى حافة اتهامهم بالتكفير. لكنه حالما وقف في أحد أطوار حياته الحادة الى تأمل ما فيه وهو أمام هاوية الشك الشامل إلى التردد والتراجع لكي يبدأ مهمة اتهام النفس وتكفيرها بالتوبة الصوفية، ومن ثم اعادة "الاعتبار" لهم بصورة خفية ومبطنة سواء بالتقييم أو الفكرة والمنهج.  

ذلك يعني، انه وجد مصدر الانحراف (أو الكفر حسب تعبيره) في تقليد الفلاسفة الأعمى، بفعل سماعهم أسماء غريبة مثل سقراط وبقراط وأفلاطون وارسطوطاليس وأمثالهم، وبفعل حسن أصولهم ودقة علومهم[4]. فالتقليد يبرز هنا بصيغة الاستلاب الفكري أمام أئمة الفلسفة الإغريقية، الذي أدى بهم إلى متابعتهم بالطريقة التقليدية التي صنعت في تصوراتهم وعي وممارسة الترفّع عن "مسايرة الجماهير والدهماء". والغزالي لا يرفض الترفع عن مسايرة الجماهير والدهماء، إلا أن سيطرة نفسية الترفع التقليدية، تشترك في طابعها وحافزها مع كل أشكال التقليد بما في ذلك في أبسط وأدنى درجاتها كما نراه في إيمان العوام والمذاهب لتقليدية. فالغزالي كما هو واضح من تقييم انجازات الفكر الفلسفي يدرك "حسن الأصول ودقة العلوم" فيها، لكنه بالضد ممن يرفض "تقليد الحق بإتباع تقليد الباطل". بمعنى أنه رفض من حيث الجوهر التقليدية الفكرية بحد ذاتها، أو كما يقول في (تهافت الفلاسفة) ليس الانتقال إلى تقليد عن تقليد سوى خرق وخبال[5].  وسوف تتعرض هذه الفكرة الأولية في انتقاد التقليد والتي قدمت لنا مفهوم "تقليد الحق" الى تغيرات جوهرية. فإذا كان مضمونها الأولي كما وضعه في (تهافت الفلاسفة) يسير في تيار الانتقاد والاتهام اللاهوتي ضد الفلاسفة المسلمين، فانه أتخذ لاحقا منحى اخر. بحيث يضمحل ويتلاشى مفهوم "تقليد الحق" بوصفه مفهوما منهجيا ليستعيض عنه بمنهج التصوف في مفاهيم الذوق والكشف، باعتبارهما أسلوب المعرفة اليقينية. حينذاك كّف التقليد أيا كان شكله ونوعه عن أن يكون ذا قيمة ومعنى بالنسبة لإدراك الحقيقة. ولم يبلغ الغزالي هذه الحالة المنهجية لمعرفته بأثر الفكرة الصوفية وتأثيرها عليه، بل وبتاريخ نقده للفلاسفة والباطنية. فقد دفع الغزالي معارضته ونقده الشديد للتقليد عند الفلاسفة الى نهايته المنطقية في موقفه من الباطنية (الإسماعيلية). مما ألزمه لاحقا مهاجمة كل انواع التقليد "الحق" منه و"الباطل". غير أن نقده ونفيه "لتقليد الحق" جرى من خلال أسلوب بلوغ المعرفة على حقيقتها كما هي. فالمعرفة المستندة إلى تقليد المعلم، كما يقول الغزالي، في حال معاناة فهم حقائقها تكف عن أن تكون تقليدا. وذلك لأن بلوغ حقيقة المعرفة هو بحد ذاته نفيا للتقليد. إذ لا تقليد في الحقيقة. وهي الفكرة التي سيطورها لاحقا في آرائه ومواقفه من الحقيقة واليقين، والذوق والكشف. ولهذا السبب أيضا نلاحظ لماذا أخذت تغيب هذه الصيغ النقدية تجاه الفلسفة بشكل عام في أعماله المتأخرة. ففي (ميزان العمل) يضع الفلاسفة "الالهيين الإسلاميين" إلى جانب أهل الدين والصوفية باعتبارهم محقين في فكرتهم حول ربط العلم بالعمل باعتباره طريق بلوغ السعادة[6]. ولم يتناول الفلاسفة في (إحياء علوم الدين) بصورة مباشرة سوى مرتين، أما في (جواهر القرآن) فان الكلام حولهم يضمحلّ في التركيز على علم الكلام، ولم يظهروا بقوة جلية من جديد إلا في (المنقذ من الضلال) ولكن ليسوا كقوة معارضة، بل كرديف في الكثير من استنتاجاتهم لآراء الأنبياء والصوفية[7].

إن الموقف المعارض للتقليدية المستلبة، الذي تطور وتبلور في مجرى صراع الغزالي اللاهوتي المذهبي والعقائدي الفلسفي لم يبق في إطار التأمل والقناعة الذاتية، بل تعداه الى تعميق أحكامه في مواجهة ونقد التقليد بشكل عام. ومأثرة الغزالي هنا تقوم في إفراطه الجدلي واتهامه العقائدي لما دعاه بالتقليد الخالص للفلسفة الإسلامية. بمعنى أنها تحتوي على صواب أفكاره بالمعنى التاريخي بوصفه ممثلاً بارعاً لكسر التقليد الفكري أياً كان مصدره وممثله. فقد بحث الغزالي عن استقلالية الفكر في تتبع منطقه الخاص. فأكثر العلماء، كما يقول في (ميزان العمل) مقلدون في أعيان المذاهب، وأدلة تلك المذاهب على الوجه الذي تلقوه من أرباب المذاهب. بحيث جعله ذلك يقول:"من قلّد فهو أعمى، فلا خير في متابعة العميان"[8]. ولا يمكن فهم وهضم حقيقة هذه الفكرة الجريئة ودورها في تنظيم بنية الوعي المتحرر عند الغزالي ودورها في تعميق توجهه الفكري صوب صنع التآلف اللاهوتي الفلسفي الصوفي، دون الأخذ بنظر الاعتبار الشكل التاريخي الملموس لهذا التوجه. فالتحرر الفكري واستقلالية البحث عن الحقيقة وتساميها في حافز الوعي وغاية الإدراك للخلافة الإسلامية وثقافتها اتخذت من محاربة التعصب العقائدي المذهبي ذروتها الفعلية باعتباره أسلوب تعميق وعيها الذاتي الحقيقي. لهذا السبب نستطيع إدراك قيمة الفكرة التي وضعها في (الإحياء) في نصائحه للمريد الصوفي والقائلة بضرورة رفض التعصب العقائدي. بينما يشدد في (فيصل التفرقة) على أن المسارعة بالتكفير هي الصفة المميزة لذوي العقول التقليدية والجهل. فالتعصب العقائدي، كما يقول الغزالي هو من "آفات علماء السوء" إذ هو سبب ترسيخ العقائد في النفوس. فعلماء السوء "يبالغون في التعصب للحق وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار فتنبعث منهم الدعوة بالمكافأة والمقابلة والمعاملة وتتوفر بواعثهم على طلب نصرة الباطل ويقوى غرضهم في التمسك بما نسبوا إليه"[9]. إذ لو كان بالإمكان إزالة التعصب بحيث يصبح طلب الحقيقة باعث الفكرة المختلف عليها، ويكون اللطف والرحمة أسلوب البحث لنجح الكثير في تذليل الخلاف وإدراك الحقيقة. إلا أنه "لما كان الجاه لا يقوم إلا بالإستتباع ولا يستميل الأتباع مثل التعصب واللعن والشتم للخصوم، اتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم، وسمّوه ذبا عن الدين ودفاعاً عن المسلمين، وفيه على التحقيق هلاك الخلق ورسوخ البدعة في النفوس"[10]. وليست هذه الصياغة سوى التعبير البارع عن إدراك الغزالي للبواعث الاجتماعية السياسية والمصالح الاقتصادية لعلماء السوء، أي الفقهاء والمتكلمين وغيرهم من ذوي الارتباطات بالمصالح  الشخصية والسلطان، وكذلك نفسية التعصب الفكري والتقليد. فالأخير لم يعد نتاج محدودية الوعي الاجتماعي بل والممارسة الاجتماعبة والسياسية والحقوقية (الفقهية). وهذا ما يفسر لنا أيضاً انتقاداته اللاذعة لممثلي السلطان (الفقهاء وعلماء السوء). ومن هنا دعوته للناظر الفقيه أن يكون مجتهداً برأيه لا بمذهب الشافعي (والغزالي كان شافعياً في توجهه الفقهي الأولي وظل يكن له احتراماً عميقاً مدى الحياة)، أو أبي حنيفة وغيرهما. ذلك يعني انه ينبغي للفقيه الناظر أن يتبع كما يقول الغزالي رأيه الاجتهادي ويجعله بالتالي أسلوب البحث عن الحلول الحقيقية والسليمة. فإذا وافق الشافعي ترك الحنفي. والعكس هو الصحيح.

وسوف يعطي لآرائه المناهضة للتقليد في كتاباته الصوفية طابعاً أعمق يستند إلى موقفه من حقيقة المعرفة وأسلوب رؤيتها. حيث يبني أحكامه المعارضة للتقليد على مستويات عديدة، لن أتناول منها هنا سوى ما دعاه الغزالي بمفهوم الحجاب، أي النزعة الإرادية والعندية المكبّلة لحرية إعادة النظر في مضمون الحقائق المعترف بها. فعندما يناقش على سبيل المثال ما دعاه بأسباب عدم استيعاب معاني القرآن، فإنه يشير إلى التقليد بوصفه من بين الحجب الأربعة المعيقة لمعرفته الحقة. أنه يقف بالضد من المعرفة القرآنية المبنية على أساس غير أساس البصيرة الداخلية والمشاهدة. فالاستيعاب المبني لا على أساس البصيرة الداخلية والمشاهدة ما هو إلا تقليد مبني على تقييد المعتقد الشخصي، أي أنه لا يمكن أن "يخطر بباله غير معتقده. فصار نظره موقوفاً على مسموعه. ولمثل هذا قالت الصوفية إن العلم حجاب. وأرادوا بالعلم العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب"[11].

إن رفض الغزالي للتقليد لم يكن مجرد رد فعل مباشر لأجل فسح المجال للاجتهاد وحرية الرأي، بل ونفي لهما على أساس تجديد الحيوي في تقاليد الوعي والممارسة. حيث وجد في الصوفية وطريقتها في إدراك حق اليقين الأسلوب الأمثل بوصفه طريق المشاهدة الباطنية، التي "تجعلها تترقى عن حد التقليد بمجرد السماع"[12].

لقد حاول الكشف عن محدودية الأحكام والبراهين العقلية للمتكلمين وأمثالهم، حيث وجد فيها مجرد "كلمات جدلية". وبالتالي أراد القول بأن الجهد العقلي مهما كان كبيراً فإنه يبقى في إطار التفكير التقليدي مجرد خادم وضيع للتعصب المذهبي. وكشف عن فكرته هذه استنادا إلى معطيات عدد كبير من الأمثلة. فالتقليد بوصفه حجاباً من الحجب المعيقة لرؤية الحقيقة يمكنه أن يتخذ صيغة "الحجاب العلمي" التقليدي العاجز عن كشف الحقيقة كما هي بفعل كونه لا يتوجه إلا صوب "حقيقة" معلومة له. فهو يتكلف عناء التفكير من أجل البرهنة على مقدمات يعتنقها كحقائق أولية، مما يفقد عملية المعرفة طابعها الحقيقي ويعيق بالتالي القلب من رؤية ما هو مخالف لتقليده[13].

 وسوف نرى فيما بعد الدور الذي تلعبه هذه الفكرة في نظريته المعرفية ومنظومته الأخلاقية، وآرائه الكلامية والاجتماعية والسياسية. فالفكرة المبدئية التي بلورها عن ازالة الهوى والتقليد لا تعني في منظومته الفكرية سوى تذليل التعصب العقائدي ونفي مطلق الحقائق الجزئية والنسبية في مجرى المعرفة، بوصفها ميدان اللامتناهي وغير المحدود في تتبع "أفعال الله" في الوجود. وترتب على هذه الفكرة استنتاجات عديدة في مواقف الغزالي من المعرفة كما هو الحال في الموقف من الشك واليقين، والإيمان والإسلام، والنبوة وغيرها من القضايا. في حين ستتخذ من مفهوم التخلق بأخلاق الله أحد امثلتها الملموسة في رؤية وتجسيد صفات المطلق في السعي نحو الكمال. أما في مجال انتقاد التقليد، فانه حاول الكشف عما فيها بوصفها شكلا من أشكال وأدوات الخداع الذاتي.

وانطلق الغزالي من هذه المقدمة لمهاجمة تقليد المذاهب هجوماً عنيفا. فهو يقف إلى جانب أن يكون الإيمان مبنياً على أساس ارتفاع كل معبود سوى الله، أي ارتفاع الهوى والتقليد. ولا بأس للمرء أن يصل إلى حقيقة ما استمعه تقليداً بعد انكشاف حقيقة الأمر في اعتقاده، فإما الإيمان وإما غير الإيمان. وعلى هذا الأساس بنى استنتاجه القائل بأن الممارسة الوحيدة، التي تمتلك أحقيتها المعرفية هي تلك التي تتكشف من "المجاهدة لا من المجادلة"[14]. إذ لا طريق حق في بلوغ الحقيقة سوى طريق المعاناة الفردية المتحررة من قيد التقليد والجدل المتعصب. لكن ذلك لا يعني أن الغزالي يشجع النزعة العندية بقدر ما انه يرفع من قدر الذات الإنسانية في ضرورة إدراكها الحقائق كما هي. فهي الوسيلة الحقة لتجاوز التقليد. فالجدل ليس أسلوب بلوغ الحقيقة، بل المجاهدة الفردية. إلا أن ذلك لا يعني أن الغزالي يقف بالضد من الجدل كأسلوب ممكن لإدراك الحقائق. لقد وضع المجاهدة والجدل على طرفي نقيض لا لشيء إلا لأن أسلوب الجدل السائد آنذاك كان أسلوباً جدلياً عقائدياً متعصباً.

لقد أعطى الغزالي لمفهوم الجدل طابعاً سلبياً. وسوف نرى في وقت لاحق، حال الحديث عن موقفه من علم الكلام، المخاطر التي رآها في الجدل الكلامي (اللاهوتي) وبالأخص تشويهه الحقائق والأخلاق ووحدة العلاقات الاجتماعية السياسية والروحية للأمة. لهذا نراه يضع مفهوم المجاهدة في اولوية بلوغ الحقيقة وكذلك بوصفه أسلوبا في نفي الجدل. وبالتالي ليست المجاهدة من حيث وظيفتها المعرفية سوى جدل معرفي وأخلاقي رفيع المستوى وعميق المحتوى. أنه "الجدل" المنفيّ في السعي الحقيقي للمعرفة ولأجلها، بوصفها مثال تجلي المطلق. وتضمّنت هذه الفكرة في أعماقها على منهجية معرفية عميقة. بمعنى أنها شددت على أن الجدل الكلامي والجدل بشكل عام لا يبدع الحقائق. وأن طريق المعرفة هو طريق اكتشاف الحقيقة كما هي. إذ لا يمكن للمرء، كما يؤكد الغزالي، أن يخلق الحقيقة. إنه يستطيع أن يكتشفها لأنه لا حقيقة إلا في الوجود. وأن الحقيقة هي "سنّة الله في الوجود". وسوف يعطي لهذه الفكرة أبعاداً هائلة عندما يؤكد على أن إبداع الإنسان واكتشافاته أياً كان مستواها وحجمها ما هي في نهاية المطاف سوى نتاج رؤية الصلة الداخلية والممكنة بين الأشياء بوصفها "سنّة الله في الوجود". وبهذا المعنى ليس هناك غير اللامتناه، والذي يدركه الإنسان بصورة مستمرة. وإذا كان ذلك ممكناً كعملية فإنه مستحيل كنهاية مطلقة. مما حدد ذلك لدرجة كبيرة موقفه من المجاهدة بوصفها أسلوب الإدراك الفعلي للحقيقة عوضاً عن الجدل. وبفعل توجهه الأخلاقي الصارم أراد أن يجعل من القلب (أي عالم الروح المعرفي الأخلاقي) مرآة الوجود، الذي ينبغي أن تنعكس فيها كل حقائقه. وفي ظل منظومة كهذه فمن العبث توقع إعارة أهمية فيها للجدل العقائدي والتعصب التقليدي. لهذا أكد على أن من طلب الحق بالتقليد فإن أي استقصاء له، من حيث النظر في آراء مؤيديه ومعارضيه، سيضعه أمام حيرة لا حل فيها ولها، أي أنه سيقف أمام خيار الاضطرار في الحيرة أو الابقاء على معتقداته بفعل ميل النفس التقليدية إلى التشبّث بما تعودت عليه. آنذاك تصبح "الحقيقة التقليدية" من حيث جوهرها ووظيفتها شبيهة بعصا العميان. فالأعمى يتكأ عليها ويستعملها في طريقه دون أن يعي جمادها وعميها وصمّها وبكمها. أما بلوغ الحقيقة في مجال رفض التقليد فلا يمكن بلوغها إلا بالطريقة التي تجعله يقف في آن واحد أمام سلبية وإيجابية التقليد من أجل حلّها على أساس الممارسة المستجدة. فعندما يرفض الغزالي التقليد فإنه يتناول جوانبه الأساسية: أما الرفض القاطع للتقليد من خلال رفض التحجّر الذهني والقناعة الساذجة، أو بإعادة النظر بالفكرة من خلال استيعاب الوحدة الجديدة للفكرة التقليدية بمضمونها التاريخي وطابعها المجرد على أساس التجربة المعاصرة. بمعنى أن يكون اعتماده "في علومه على بصيرته وإدراكه بصفاء قلبه، لا على الصحف والكتب ولا على تقليد ما يسمعه من غيره"[15]. وحتى في حالة تقليد صاحب الشرع والصحابة فإنه ينبغي أن ينظر إلى سرّ الكلمات والأفعال[16]. بصيغة أخرى، إن الغزالي يحوّل الماضي بكل آرائه وأفعاله وممارساته إلى مستودع رمزي يجري إعادة الاعتبار إليه وتقييم أسراره من منطلق المعاصرة، بالبحث فيه عن الحقائق غير المتناهية. من هنا شعار المثال الذي يستشهد به، والذي استقاه من روح المتنبيالقائل:

ولم أر في عيوب الناس شيئاً    كنـقص القادريـن على التمـام

وهنا تجدر الاشارة إلى أن الرجوع إلى القدماء أو التمسك بتجاربهم بالنسبة للغزالي هو اخذ الجوهري والحيوي في إبداعهم أو الجوانب التي اعتبرها أقرب إلى الحقيقة. فهو لم ينظر إلى تجارب الأسلاف باعتبارها كيانات ميتة. على العكس! انه اعطى لها وطابقها مع فكرة الاستمرار كما هو بوصفه أحد العناصر الضرورية للوعي المعاصر في تعامله مع قضاياه الخاصة. لهذا طالب الفقيه الناظر في قضية ما بضرورة الاجتهاد في تحكيم الفكر في القضية والاتفاق مع الشافعي إن كان حل الشافعي صحيحا بنظره، أو مع أبي حنيفة إن كان الحق إلى جانبه. مع ان القضية بالنسبة للغزالي لا تقوم في ضرورة المطابقة الفعلية مع أي إمام من الأئمة، بقدر ما انه يتناول حقيقة الموقف المجتهد لا الشخصية التي يمكن نسب هذا الحل أو ذاك إليها. وقد اطلق على هذا الأسلوب عبارة "أسلوب القدماء من المسلمين"، أي اولوية الحقيقة والاجتهاد لا التبجح الفارغ بتقليد الأئمة. وبما انه لا شافعي ولا حنفي ولا مالكي في العصر الأول للإسلام، لذلك لا مرجع مطلق يمكنه أن يستعيض عن الاجتهاد الشخصي تجاه القضايا والأمور المتغيرة. لقد سعى الغزالي للبرهنة عل أن النبي محمد نفسه طالب الجميع بإعمال الفكر بالقضايا المستجدة. وبالتالي ليست تجربة القدماء سوى أحد نماذج تجربة التعامل الحر في البحث عن الحقيقة. بل نراه يصل في إحدى درجات التحدي من أجل الاستقلال والدفاع عن حرية التفكير، بعد أن وجّهوا له الانتقادات على مخالفته لمذاهب الأصحاب المتقدمين والمشايخ المتكلمين وعدوله عن مذهب الأشعري إلى الدرجة التي يقول فيها في (فيصل التفرقة) "استحقر من لا يحسد ولا يقذف، واستصغر من بالكفر أو الضلال لا يعرف" [17].

لقد وضع الغزالي هنا من جديد معياراً لحرية التفكير في اتباع الحقيقة دون الألقاب. فهو يحارب "عماية التقليد" ويدعو "للتعطش إلى الاستبصار"، ويصرّح بأن من يضع حد التكفير على أساس الخلاف الفكري لأي مذهب كان من المذاهب، فليس هو في نهاية المطاف سوى "غرّ بليد قيّده التقليد. فهو أعمى من العميان"[18]. ويكشف انتقاده اللاذع ضد احتكار الحقيقة من أي طرف كان عن جرأته وحرية تفكيره الواسعة. لقد أكد على واقع "مخالفة الباقلاني للأشعري في صفة البقاء لله. وماذا ترتب على ذلك؟ ولماذا يمكن أن يكون أحدهما أولى بالكفر من غيره؟ ولم صار الحق وقفاً على أحدهما دون الآخر؟ فإذا كان الاعتبار للزمن والأقدمية فقد سبقت المعتزلة الاشعري"[19]. لقد حاول الغزالي بذلك الكشف عن ضعف أساس الحكم التقليدي وافتقاده لمعيار الموقف من الحقيقة كما هي، وبالتالي كشف عن تهافت الأحكام والقناعة التقليدية. ولم يقصد بذلك تخطئة الاشعري أو تفضيل الباقلاني، بقدر ما انه يوجه أفكاره للدفاع عن حرية التفكير والحقيقة. فالأخيرة لوحدها هي معيار ذاتها. وهي الوحيدة التي تمتلك حق الوجود وتستلزم الدفاع عنها. لقد حاول الغزالي هنا تذليل أسس الاتهام الفكري المبني على التقليد. فالخلاف حول قضية ما لا يعطي الحق لأحد دون الآخر. وبالتالي لا ينبغي للاختلاف الفكري أن يشكل أساساً للاتهام العقائدي. فالحقيقة كيان قائم بحد ذاته لا يتحدد بالماضي. على العكس! إن الجديد لا يظهر إلا مع الزمن الجديد، ولا معنى لتقييد حرية التفكير باسم الزمن (الماضي). فالزمن ليس من بين عناصر الفكرة – الحقيقة. إنه أساس وجودها ووجود الذات المفكرة. وقد جعلته هذه المقدمة يهاجم، بل و"يكفّر" المكفرين التقليديين أنفسهم. إذ نراه يؤكد على أن من "جعل الحق وقفاً على واحد من النظار فهو إلى الكفر والتناقض أقرب"[20]. لهذا أيضاً يمكن أن نفهم بواعث تلك الصيغة الصارمة التي بدأ بها في كتاب (الإملاء على اشكالات الإحياء) في رده على أولئك الذين نسبوا كتبه (الإحياء خصوصاً) إلى الضلال وحاربوا قراءته واتهموه بالزيغ في الشريعة عندما شدد على تقليديتهم المتحجرة. فهو لم يجد في تلك الهجمة ضده سوى هجمة "شركاء الطغام وأمثال الانعام وإجماع العوام وسفهاء الأحلام وذعار أهل الإسلام"[21]، أولئك الذين حجبوا عن الحقيقة بأربع، الجهل، والإصرار، ومحبة الدنيا، وإظهار الدعوى"[22]. أننا نقف في الواقع أمام نفس الصيغة الجوهرية لمحاربة التقليد والدعوة للاستقلال الفكري. فليست الحجب الأربع هنا سوى حجب التقليد المجزأة. ولم يفتأ الغزالي يدافع عن حرية التفكير ورفض التقليد حتى آخر حياته. ومن الممكن الاستشهاد بتلك الحوادث التي تشير إلى محاولات استفزازه وجرّه للجدل. فعندما اضطر إليه مرة بفعل تذكير المناهضين له بتراثه الفقهي السابق عندما حارب وهاجم النعمان أبو حنيفة ودافع عن الشافعي، بإحراجه المباشر بطريقة الفقهاء الماكرة بالسؤال على مذهب من هو؟ أجاب "أما في المعقولات فعلى مذهب البرهان وما يقتضيه دليل العقل، وأما في الشرعيات فعلى مذهب القرآن. ولا أقلد أحداً من الأئمة. فلا للشافعي عليّ خط ولا لأبي حنيفة عليّ سند"[23]. لقد أراد الكشف عن إتبّاعه الدائم للشعار القائل "معرفة الرجال بالحق لا الحق بالرجال".  وهو ما يمكننا العثور عليه أيضاً في نظريته التربوية عن التعليم، عندما أشار إلى أهمية التدريس ضمن إطار حديثه عن وظائف المعلم. فهو يجعل من مهمة محاربة التقليد والمساهمة في صنع الذهنية المستقلة، من بين أهم وظائفه. ويؤكد في الوقت نفسه على ضرورة عدم ترك أي فن من فنون العلوم، أو نوع من أنواعه إلا ونظر فيه نظراً يطلع به على غايته ومقصده وطريقه. بمعنى ضرورة الاطلاع المتفحص المبني على أساس الممارسة الشخصية المستقلة[24]، والمتميزة باحترام المعلم والعلم كل في اختصاصه، مع التكامل في ميدان العلم المعني. لهذا حذّر قائلاً: "نعوذ بالله من نصف متكلم ونصف طبيب. فذاك يفسد الدين وهذا يفسد الحياة الدنيا"[25]. لقد أدرك الغزالي قيمة المثال الحق ونبذ أنصاف المتعلمين أيا كانت الصورة الشائعة عنهم. بمعنى أنه لا يمكن للقيم الاجتماعية ومثالها الشخصي أن تتبلور وتبرز بصورتها المستقلة، إلا في ميدان التجربة الشخصية والبحث عن الحقيقة كما هي.

***

ا. د. ميثم الجنابي

...........................

[1] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص100-101.

[2] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص92.

[3] الغزالي: تهاف الفلاسفة، ص73.   

[4] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص74.

[5] المصدر السابق، ص74.

[6] الغزالي: ميزان العمل، ص21.

[7] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص112-113.

[8] الغزالي: ميزان العمل، ص42.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص40.

[10] المصر السابق، ص41.

[11] المصدر السابق، ص284.

[12] المصدر السابق، ص52.

[13] المصدر السابق، ج3، ص14.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص75.

[15] المصدر السابق، ج1، ص78.

[16] المصدر السابق.

[17] الغزالي: فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، ص32.

[18] المصدر السابق، ص39.

[19] المصدر السابق، ص40-41.

[20] المصدر السابق، ص44.

[21] الغزالي: الإملاء في إشكالات الإحياء، ص13.

[22] المصدر السابق.

[23] الغزالي: فضائل الانام من رسائل حجة الإسلام، ص46.

[24] الغزالي: ميزان العمل، ص113-117.

[25] المصدر السابق، ص127.

 

مجدي ابراهيميحتفل المسلمون بمولد سيد الخلق، صلوات الله وسلامه عليه، وهو بلا شك ظل وارف من ظلال المحبة، ويحتفون معه بمولد الرسالة الإسلامية، وليت الاحتفال يكون احتفالاً حقيقياً ولا يجئ صورة لا تزيد عن الصور الكثيرة التي تنقلب معها القيم الإيمانية فيتحوّل أعلاها مع غيبة الفهم إلى أسفلها، وأرقاها في سُلم القيم إلى أدناها؛ فيُساء فهم المقصود من كل حفاوة علويّة وكل تكريم ربانيّ.

الفرقُ ولا شك كبير جداً بين العلم والمعرفة والقيمة والدلالة وقصد المفهوم من كل علم ومعرفة وقيمة باقية، وبين أن يتحوّل ذلك كله، مع تدني الممارسات، إلى مبتدعات الحياة الشعبية فيصبح الدين جزءاً من فلكلور شعبي، وتصبح شعائره عرضة للعادة تتجرّد عن العبادة، وتصبح العقائد والاحتفاء بها مجرّد ممارسات فلكوريّة تصادم الفكرة المستنيرة عن الدين كونه معرفة وعلماً ومجموعةً من قيم معقولة باقية، وتجرده من حيوية الاعتقاد، ليتحول كما تحولت العقائد السابقة عليه (كالمجوسية واليهودية والمسيحية) من الدين إلى نقيض الدين.

هذه خشية الغيورين على عقائدهم من الدُّخلاء، او المنتسبين إليها انتساب الجاهل الغافل ينطلق من الحب وهو يُسئ أو يُساء فهمه في كافة الأحوال، ومنها تنبعث أقلامهم للتنبيه على ما يُحاك ضدهم أو ما يفهم على غير المقصد الأسمى من مقاصد الدين أو الاعتقاد.

بالطبع، أنا لا أنكر بالبداهة الاحتفالات بمولد النبي، صلوات الله وسلامه عليه، على الإطلاق، وليس لي من سبيل بالبداهة كذلك إلى نكرانها، كيف وقد أبان مولده عن طيب عنصره كما يقول البوصيري طيّب الله ثراه، ولكنّ أنكر الإنكار هو ما يكون فيها من ممارسات لا تمس حقيقتها ولا تقوّم المحبّة المُجرّدة لشخصه الكريم ولحضرته المباركة تقويماً يُرقيها في قلوب الناس ويُعليها في عقولهم وضمائرهم، بل تتوقف عند الصورة البرانيّة منها ولا تزيد، فهو من ثمّ إنكار أشخاص ومسالك لا إنكار قضايا وعقائد، والفرق من بعدٌ كبير؛ ولقد عرف تاريخ المسلمين جدلاً واقعاً بين أئمتهم وعلمائهم، واختلف جماعة من الأوائل في الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف فمنهم من أجازه وهم الجمهور الغالب من العلماء كابن حجر العسقلاني والحافظ السيوطي والسخاوي وغيرهم من علماء الأمة وهم كثيرين، ومنهم من أنكر الاحتفال به أشدّ النكران وقال ببدعته؛ لعلة ظهرت لديهم إذ ذاك في تقويم المسائل الإيمانية وبخاصّة العقائد الكبرى تقويماً يحفظها من الالتباس من أرجاس الناس، ومنهم ابن تيمية وابن الحاج المالكي والشاطبي، فكان ابن تيمية ومن جرى مجراه يخشى عادات النصارى في الاحتفال بالسيد المسيح أن تتلبس بعادات المسلمين فضلاً عن أن هذا الاحتفال أصلاً لم يكن على زمن الصحابة ولا أجراه التابعون ولا قرره أحد في الصدر الأول وإنما هو من عادات المتأخرين.

وعلّل رفضه باشتمال كثير من الكبائر وعظائم الأمور عليها مثل الطرب والغناء الماجن واختلاط الرجال والنساء وتناول المحرمات. وظن ابن تيمية أن ما يحدثه بعض الناس أمّا أن يكون مضاهاة للنصارى في ميلاد السيد المسيح عليه السلام، وأمّا ان يكون محبة للنبي صلوات الله عليه والمحبة توجب التعظيم، والله يثيبهم على هذه المحبة والإجهاد لا على البدع الخارجة عن صحيح الدين. ولئن كانت البدع إحداث أمر في الدين لا أصل له في الشرع والتعبّد بغير الطريقة النبوية اقتفاءً للصراط المستقيم فإن الاحتفال بمولده عليه السلام كما ذكر السيوطي إن يكن بدعة فهو حسنة لما يشترط فيه من تعظيم قدر النبى صلوات الله وسلامه عليه، وإظهار الفرح بمولده. والصحيح أن تسمى بدعة حسنة لقوله عليه السلام " من سن في الإسلام سُنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ".

التنطع في الدين سمة غالبة لكل متشدّد يكاد يخنق أنفاس الناس ويملي عليهم عنوة ما يفهمه وإن جاء ضيق الفهم غارقاً في التحجير، فليس كل مستحدث له أثره من عمل الصحابة أو عمل التابعين وإلا ضيقنا الخناق وحسبنا الأنفاس وظلمنا سنة التطور كما تجري بها عادة الزمن وكل زمان كان، وليس من مانع أن يتم العمل بجنس المأثور مما ورد من المأثور، وإن لم يكن مأثوراً في ذاته، ويجوز إلا يعمل به ولا يجزى من ثمّ عليه ولا يثاب على تركه أو إهماله.

قلت إن الفرق واضح وضوح الشمس في ضحاها بين إنكار أشخاص ومسالك، وإنكار قضايا وعقائد، فالأشخاص ممّا يجوز لك الاختلاف معهم ومع مسالكهم فيما شاءت لك حجة الخلاف أن تمضيها نقداً على الأعمال والافكار وعلى ما يكون وراؤها مما يكشف عنها فيما هو مخبوء تحتها من طوايا ونوايا وتخريجات، وليست العقائد هكذا؛ لأنها ليست سوى النصوص صامتة في ذاتها لا ينطقها إلّا من أراد النطق بها بمقدار ما يفهم وبمقدار ما يلهم منها ومن ذلك الفهم الذي يتوخّاه.

ومع هذا كله تبقى العلة التي ذكرناها فيما تقدم سارية، ويبقى قيامها في عقول المصلحين وهى : تقويم المسائل الإيمانية وبخاصة العقائد الكبرى ومنها عقيدة النبوة، تقويماً يحفظها من الوقوع في شرك الالتباس من أرجاس الناس. فليست حلاوة المولد، ولا احتفالات المواسم والإتّجار بها واستغلالها أسوء استغلال، ولا منح الأجازات في أغلب المؤسسات، ولا راحة الأبدان فيها من مشقة الأعمال يوم المولد، إلّا صورة ليست تحتها حقيقة تجوهر هذا الاحتفال بقيمه العلمية، أتراهم - وهم في أمس الحاجة إلى الرشد والتهذيب فضلاً عن الفقه والمحبّة والتقريب - فقهوا الدلالة أم هل عرفوا الإشارة من مضمون الرسالة؟

لم تكن تلك القيم العلمية المُشار إليها إلا الغرض الإلهي الذي أتاح الدين الجديد للظهور، وإلّا العناية الإلهية التي مهّدت لظهوره يوم كان العالم كله يموج بالتيارات الدينية المتناقضة، يُضاف إليها عبث السياسة بالمذاهب والآراء، وبالمعتقدات والشرائع التي تنظم حركة المجموع فضلاً عن حركة الأفراد في سياقات متصلة بقانون الوجود أو قانون البقاء.

كانت هنالك مقدّمات مهّدت لظهور البعثة المحمدية وسبقت مطلع النور، ثمة بواعث من عناية الله حفّت هذا الكون بسياج الحفظ الذي تمّم الرسالة لتجيء رحمة للعالمين. كانت هنالك حاجة جديدة إلى إصلاح جديد بمقدار ما كانت هنالك حاجة ماسّة إلى دعوة جديدة لدين جديد، ونحن نعمد إلى سفر ممتاز من أسفار الأستاذ عباس العقاد عنونه بهذا العنوان "مطلع النور أو طوالع البعثة المحمديّة"، وهو طيّب الله ثراه أقدر القادرين على استيفاء البحث في أسباب تلك العلل وتخريجها بصواب الرأي والرؤية؛ شارحاً تلك المقدمات التمهيدية التي سبقت الدعوة الإسلامية قبل أن يصدع بها لأول مرة أكرم نبي عند الله، وأحب نبي إلى الله، وحامل لواء الحمد، وأول شافع، وأول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة.

جاء في هذا السفر القيم : أن العالم المعمور شاعت فيه قبيل الدعوة المحمديّة أديان قديمة كبرى وهى على حسب قدمها : المجوسية واليهودية والمسيحية؛ فلم يكن أتباع دين من هذه الأديان على استقرار في عقيدتهم أو ثقة بأحبارهم وأئمتهم، وأولها وأشدّها اضطراباً ديانة الدولة الفارسية او دياناتها المتعددة التي تشكلها الثنوية، أي الإيمان بربّ للنور وربّ الظلام وعالم للخير وعالم للشر في كون واحد.

فقد كانت هذه المجوسيّة تستعصي على الدعاة المصلحين منذ أيام الوثنية الآريّة الأولى التي اشترك فيها الهنود والفارسيون، وقد عمل  "زرادشت" نبي الآريين جهده لتطهيرها من الوثنية وإخلائها من شعائر الهياكل والمحاريب الخفية فلم يتيسر له من ذلك غير القليل، وجاء بعده مصلحون من اتباعه مزجوا الفلك بالتنجيم بالخرافة بالعبادة في نحلة واحدة، ولم يعرف الناس عنهم على البعد إلى عصر الميلاد المسيحي إلا أنهم رصدة للكواكب طلعة للخفايا والغيوب من وراء حجاب الظلام.

أمّا اليهودية فقد كان قيام المسيحية في معقلها الأكبر إيذاناً حيّاً بنفادها وانتهائها إلى الغاية من وراء الجمود والضيق، إذ كانت المسيحية في الواقع حركة إصلاح واسع في جميع العقائد اليهودية التي جمدت على النصوص والمراسم وتحوّلت من الدين إلى نقيض الدين. ولا شئ يناقض الدين كما ناقضته تلك الأنانية القومية التي حسبت الإله المعبود ملكاً لها دون سائر عباده يبيح لها في سائر الأقوام ما لا يباح في شريعة ولا قسطاس مستقيم. وفي عصر الميلاد نفسه ظهر من حكماء اليهود من أحسّ الحاجة إلى إصلاح عقائد قومه وشعائرهم، فاختار "فيلون" الحكيم أسلوب التعبير الرمزي لتفسير مسائل الكتاب التي لا تقبلها الحكمة، ثم سري الإصلاح المسيحي مسراه، فمضي معه من اليهود من صلح له وبقي الجامدون على شرّ ممّا كانوا عليه قبل الدعوة المسيحية، وجنى العناد والإصرار على الباطل جنايته المعهودة فذهبت ريح الكهانة والمراسم الهيكلية وتفرّقت مراجع الديانة مع كل مجمع وكل معبد وكل طائفة ذات مذهب في التوراة أو التلمود أو تقاليد الأحبار والربانيين. وكان من آثار هدم الهيكل سنة سبعين للميلاد أن أشياعه فقدوا وحدة المراسم بعد أن فقدوا وحدة العقيدة والروح فلم يأت عصر البعثة المحمدية حتى استفحل الخطب بينهم من جراء تفسيراتهم الكثيرة فنهضت بينهم طلائع الطائفة التي عرفت بعد ذلك بطائفة القرائين، وأنكرت كل رأي غير النصوص والحروف في الكتب المنسوبة إلى موسى الكليم، فكان خوف التفرقة سبيل النكسة إلى أيام العصبية والأنانية القومية ولم يكن سبيلاً إلى الحرية والتجديد.

كان يهود العالم في عصر البعثة المحمدية بين أشتات يذهب كل منها مذهبه على حسب المجمع أو المعبد الذي ينتمي إليه، وبين شراذم متعنتين في الجمود على الحروف والنصوص يرجعون بهذه النكسة إلى الدواء الذي قامت المسيحية لإصلاحه قبل بضعة قرون. فتلك حاجة جديدة إلى إصلاح جديد (يُراجع : مطلع النور، ص ٣٧ - ٣٩)

وجاء الإسلام، والمسيحية منتشرة في بلاد الدولة الرومانية شرقاً وغرباً يدين بها ملوكها وروساؤها ومعظم رعاياها، وكان هؤلاء الملوك والرؤساء قبل تنصّرهم يضطهدون المسيحيين ويعذبونهم ولا يتورعون عن لون من ألوان العذاب يصبونه عليهم، فكانت محنة عظيمة صبر لها المسيحيون الأولون صبر المؤمنين الصادقين . ولكن هؤلاء الملوك والرؤساء كانت محنتهم للمسيحية بعد تنصّرهم أشدّ عليهم من محنة الاضطهاد والتعذيب لأنهم لم يكفوا عن الظلم وزادوا عليه عبث السياسة بالعقائد والآراء، فدسوا مطامعهم بين المختلفين على تفسير المسيحية الأولى وفرّقوهم شيعاً متباغضة متنافرة يرمي بعضها بعضاً بالكفر والضلالة وينسب بينها الجدل فلا تتفق على قول حتى تفتح أمامها مذاهب الخلاف على أقوال. فلم تبق نحلة من النحل الكثيرة إلا حكمت على مناقضيها بالمروق والهرطقة .

وتعددت هذه النحل بين الأريوسية والنسطورية واليعقوبية والملكية على تباعد الأقوال في الطبيعة الإلهية ومنزلة الأقانيم الثلاثة منها. ويأتي النزاع بين الكنيستين الشرقية والغربية فيقضي على البقية الباقية من الثقة والطمأنينة، ولا يدع ركناً من أركان العقيدة بمبعدة من الجدل والاتهام، فلا جرم يتردد على الألسنة ويدّون في كتب التاريخ يومئذ أن القوم جميعاً قد استحقوا العقاب الإلهي وإن أبناء إسماعيل قد جاؤوا من الصحراء بأمر الله عقاباً للظالمين والمارقين. فلمّا بطل الأمان كما بطل الإيمان جاءت خلاصة هذه الأحوال تتلخص في خلاصة واحدة هى ضياع الثقة بكل منظور ومستور فلا أمان من السياسة ولا من الدين ولا من الأخلاق ولا من الواقع ولا من الغيب .

هكذا كانت أحوال العالم قبل مطلع البعثة المحمدية كما لخصناها من كتاب مطلع النور للأستاذ المفكر الكبير عباس العقاد، فقد كانت مقدمات الدعوة الإسلامية، كما قال رحمة الله عليه، لا تتأتى على وتيرة الداء الذي يتبعه الفناء، ولكنها مقدمات العناية الإلهية التي تدبّر الدواء للداء المستحكم على غير انتظار وبغير حسبان. عالم إذا صحّ أن يقال عنه إنه إن كان ينتظر شيئاً من وراء الغيب، فإنما ينتظر عناية من الله.

مرة أخرى نطرح السؤال كما طرحناه في السابق : أتراهم فقهوا الدلالة أم عرفوا الإشارة من مضمون الرسالة؟

لا يزال التهديد الحقيقي يواجههم، ولا يزال القتل والتدمير وفزع الصغار والكبار، وسفك الدماء وخراب العقول والقلوب أموراً تفعل فيهم الأفاعيل.

ولا يزال الاحتفال بيوم مولده - صلوات الله عليه - يمر عليهم مراسم تخضع في الغالب لحكم "العادة" وتتجرّد عن "العبادة" لكأنها أصنام كما الوثن لا روح فيها ولا حياة.

حطم رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، الأصنام والأوثان ليقول لنا بأبلغ لسان : حرّروا عقولكم وضمائركم وقلوبكم عن عبادة الأصنام، وستكون لكم - معشر المسلمين - في مستقبل الأيام أصناماً وأوثانا تخلقونها على هواكم، وتتصورها أوهامكم، وليست بالضرورة أن تكون حجراً أو قطعة من طين أو عجين، فلربما تكون قيمة ساقطة تخلقها الغفلة، أو تكون لافتة يتصوّرها الوهم، أو شارة ينسجها الخيال العاطل، أو تكون رباً من الأرباب تعبدونه من دون الله، أو تكون منصباً أو جاهاً أو سلطة أو فكرة أو عقيدة تغشي عيون قلوبكم وتظلمها فلا ترون الحق أبداً، وعلى قلوبكم غشاوة وفي أبصاركم غبش، فيتحول الدين معها من الدين إلى نقيض الدين، ومن العبادة إلى نقيض العبادة، ومن المعرفة إلى الجهالة العمياء.

هذا هو الرمز، وتلك هى الرسالة الدائمة التي يجب على عقلاء الإسلام، وعارفي فضله، الاضطلاع بها : تحطيم الأصنام والأرباب والأوثان التي تتراءي لنا صباح مساء، صنم المال، وصنم المجد الزائف، وصنم السلطة البالية، وصنم النفوذ الطاغي، فتصرفنا عن روح الدين وجوهر العقيدة السّمحة تماماً كما تصرفنا عن نهج الرسالة المحمديّة كونها؛ في كفاحها المتصل وجهادها الجميل وصبرها الدائم الموصول على سُبل الكفاح والجهاد، رحمة للعالمين.

فالعنف والإرهاب والدمار والخراب والقتل والسرقة والعدوان وأكل حقوق الناس بالباطل والشر والرزائل على اختلاف ألوانها وأشكالها مدعاة للخروج عن نهج الرسالة، لأنها مدعاة للخروج عن الإنسانية ليست فيها رحمة تفرضها مقومات الرسالة المحمديّة، ومن ثمّ فهى أعمال شيطانية ملوثة بالخبث والدهاء ومكر الطويّة خارجة عن جوهر الدين، وعن نهج الرسالة مادامت الرحمة بالإنسانية هى من الأسس القويّة لبناء الذات المؤمنة في رسالة محمد عليه السلام .

فمن نهج نهج الرسالة كان مرحوماً بذاته، رحيماً بغيره، وأنه مادام مرحوماً بذاته، فلن تكون رحمته في نفسه إلا مشمولة بالعموم على جميع خلق الله تعالى عملاً بقوله (وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين).

وليفتش كل مسلم في داخله وليبحث عن الصنم الذي يعبد من دون الله : المال، الجاه، النفوذ، السلطة، الرئاسة، وليتحرر من كل هذا كله؛ ليشهد الله على الحقيقة، وليعلم إنما الدنيا أسباب وراء أسباب، وإنه بهذه الأسباب لمحجوب عن الله بالسبب المعلق بوسائل الدنيا، فليعتق نفسه ليشهد تجلي الفعل الإلهي فيه من خلف حجاب الأسباب.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

 

 

 

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (36)

في الإيمان المسيحي، تعتبر عقيدة صلب يسوع المسيح وموته متعذبا على خشبة الصلب، من اجل افتداء خطايا البشر، الركن الأساسي في ذلك الإيمان، ولا يمكن اعتبار الشخص مسيحيا ما لم يقبل هذه الحقيقة ويقبل يسوع المسيح على اساس انه المخلص الذي حصل الخلاص بموتهعلى الصليب، فاديا بعذابه ذنوب ومعاصي البشر!

إن هذه العقيدة، بطبيعة الحال،لم تأت من فراغ، وإنما لها ما يسندها من إشارات تاريخية قوية، تشير إلى أن عملية الصلب هي واقعة تاريخية قد حدثت بالفعل، ولم يقتصر ورود هذه الاشارات على الكتب الدينية المقدسة لدى المسيحيين، بل قد ورد ذكر هذه الحادثة في مصادر تاريخية من خارج الدائرة المسيحية، رغم انه ذكر عابر وبشكل مقتضب.

أن ورود قصة صلب يسوع الناصري في مصادر تاريخية قديمة وقريبة من زمن حدوثها، يجعل حادثة الصلب تتمتع بموثوقية تاريخية قوية، وهنا يجب التنبيه على أن الكلام حول وقوع الحادثة،  لا يعني بالضرورة التسليم والوثوق بكل التفاصيل التي وردت حول هذه القصة في النصوص المقدسة المسيحية، وذلك لاسباب عديدة، سنحاول تبيان بعضها .

ونحن نبحث في تفاصيل قصة صلب المسيح، علينا ان نتذكر ان النصوص التي تطرقت الى تلك التفاصيل، هي من نوع النصوص (البعدية) والتي تم تدوينها بعد وقوع الحادثة بزمن طويل، وبعد أن خضعت القصة للمؤثرات العقدية !

فمن المعلوم أن قصص صلب المسيح وقيامته وظهوره للتلاميذ قد ابتدأت بالتداول بين المؤمنين بيسوع المسيح ومن ثم أخذت تتناقل من مجموعة الى اخرى ومن منطقة جغرافية الى منطقة اخرى على شكل حكايات وقصص شفوية، تضمنت الكثير من الاسطرة الدينية و التضخيم الايدلوجي لغرض جلب الانبهار والتقديس لدى المستمعين لهذه القصص التي كانت في بداية مرحلة التبشير المسيحي المبكر، بمثابة المفتاح الرئيسي لجذب مؤمنين جدد للايمان الناشئ.

والدليل على صحة هذه الفرضية، هو التباين الواضح في سرديات تفاصيل القصة، بعد ان تم تدوينها، وبعد ان اخذت حيزا في نصوص اصبحت لاحقا تمثل كتابا مقدسا لدى اتباع الإيمان المسيحي حين اكتمل تدرج تطوره بمراحل تاريخية متعاقبة

عند الحديث عن قصة صلب المسيح، ومن خلال تتبع التدرج التاريخي في سرد تفاصيل تلك القصة، و بطريقة مقارنة النصوص حسب أزمنة تدوينها، نلاحظ بشكل واضح، كيف تمت عملية الاضافة والتعديل و حشر معلومات متناقضة لغرض اعطائها صفة الحقيقة التاريخية من اجل انتاج فكرة عقدية تدعم الإيمان الجديد !

رسائل بولس (شاول الطرسوسي) والتي تعتبر أولى نصوص العهد الجديد من ناحية الترتيب الزمني (20-30 سنة بعد الصلب) لم تتطرق الى تفاصيل احداث قصة الصلب، رغم انها ذكرت صلب المسيح وأهميته، من باب التبشير الإيماني.

وعندما نذهب الى الأناجيل القانونية، ونتابع سردياتها حول تفاصيل القصة، وحسب تسلسل زمن كتابتها، نلاحظ التباين بين الصورة التي أخرجها إنجيل مرقس (كتب بعد عام 65 م) وبين الصورة التي يخرجها لنا إنجيل لوقا (حوالي 80م)

وسنلاحظ ان الصورتين تختلفان عن ما سيسرده وما سيضيفه للقصة مؤلف إنجيل يوحنا الذي كتبه اواخر القرن الاول!

في إنجيل مرقس نقرأ قصة الصلب في الإصحاح الخامس عشر، ونلاحظ ان يسوع المسيح، وأثناء محاكمته من قبل الحاكم الروماني (بيلاطس) لم يتحدث الا بكلمة واحدة فقط وهي :

انت قلت !

جوابا على سؤال الحاكم، وبعدها بقي صامتا تماما، طوال مجريات المحاكمة وما تلاها من تعذيب و سخرية واهانة

بقي يسوع المسيح صامتا، بعد ان علقوه على الصليب، وكأنه قد استسلم لقدره، ولم ينطق الا بعد ان خارت قواه وبلغت روحه التراقي، حينها صرخ معاتبا إلهه الذي قد تخلى عنه !

(الوي الوي...لما شبقتني!!) …..ثم اسلم الروح !

وعند الانتقال الى انجيل لوقا الذي تمت كتابته في زمن لاحق لزمن كتابة إنجيل مرقس، نجد ان مؤلف الإنجيل يحاول إعطاء صورة مختلفة لوضعية يسوع الناصري في تلك الساعات الأخيرة من حياته،  فيضيف الكاتب تفاصيل جديدة على أجواء المحاكمة، ثم يمضي في الإصحاح الثالث والعشرين ليسرد لنا كيف ان يسوع كان رابط الجأش، غير مكترث لما يجري عليه، وإنما كان مهتما خلال الطريق بالحديث الى النسوة الباكيات، و تحذيرهن من المستقبل المشؤوم المقبل على مدينة اورشليم واهلها، ثم نجد يسوع ايضا وهو معلق على الصليب، يدخل في حوار مع أحد اللصوص المعلقين الى جانبه يبشره فيه بأنه سيكون معه بعد قليل في الفردوس!

وبعد ذلك يظهر لنا كاتب الانجيل كيف ان يسوع استقبل الموت بشجاعة وهو يقول (يا أبتاه لديك استودع روحي!)

انجيل يوحنا والذي هو آخر الأناجيل القانونية في التسلسل الزمني، نجده قد توسع في اضافة تفاصيل جديدة لم تتطرق اليها الاناجيل التي سبقته، رغم أهميتها، وهذا امر مفهوم من ناحية تضخم السرد التاريخي للقصص الذي ينحو باتجاه التأصيل القداسوي في المتخيل الإيماني

لذلك نجد مؤلف انجيل يوحنا، يضيف الى محاكمة يسوع امام الحاكم الروماني تفاصيل جديدة، يظهر فيها يسوع الناصري وكأنه منخرط في حوار وسجال جدلي مع الحاكم، وبعد ذلك يضيف ايضا تفاصيل وكلام على لسان يسوع وهو على  الصليب لغرض غرس مفاهيم ايمانية جديدة من الممكن ان العقيدة الآخذة بالتطور قد احتاجت إليها !

فنجد يسوع المسيح، في الإصحاح التاسع عشر من إنجيل يوحنا، يتكلم الى والدته !!!...التي ظهرت فجأة في مشهد الصلب حسب رواية مؤلف هذا الإنجيل والتي تفرد بها من دون بقية الاناجيل!!

وكذلك نجد يسوع يوصي تلميذه (الحبيب) بوالدته !!!... ثم يواجه يسوع الموت وهو يردد كلمة (قد اكمل!!)

وطبعا هذه الاضافة الجديدة هي لغرض الايحاء الى نتيجة عقائدية، مفادها ان المكتوب قد اكتمل بموت المصلوب!

اللاهوتيون المسيحيون، يواجهون هذه الاختلافات في سرديات تفاصيل قصة الصلب، من خلال انتهاج أسلوب الهروب الى الأمام، وعمل التفاف ذكي، للتخلص من مأزق التباين الواضح، وذلك عن طريق جمع كل التفاصيل الواردة في كل إنجيل، ومن ثم اخراجها على شكل قصة جديدة !!!... جامعة لكل التفاصيل!!... فتصبح لدينا قصة خامسة (مبتكرة) ومتضمنة لكل التفاصيل التي ذكرتها كل قصة من قصص الأناجيل الاربعة على حدة!!!

وهذا الاسلوب هو مراوغة فظيعة، وتلاعب بعقلية القارئ للعهد الجديد، الذي يريد اللاهوتيون خداعه من خلال اخفاء اهمية التسلسل الزمني في كتابة هذه الأناجيل، والتي اصبحت -لاحقا- ضمن كتاب واحد ( العهد الجديد) بقرار كنسي !

ومن المغالطات التاريخية الواردة في سرد تفاصيل قصة الصلب، أننا نجد كتبة الأناجيل، يحاولون الايحاء ان الغرض من عقوبة الصلب التي تم اقرارها بحق يسوع الناصري هو اخضاعه للعذاب والالم وتعليقه لكي يلقى حتفه….فقط !

وهذه المغالطة يكشفها البحث في التاريخ الروماني و تتبع طريقة وأهداف صلب الخارجين عن قانون الدولة الرومانية

حيث نرى ان الرومان تبنوا هذا النوع الوحشي من العقوبات لاغراض عديدة، بالاضافة الى البطش بالمصلوب!

فعقوبة الصلب لدى الرومان تنفذ في مكان عام يشهده اكبر عدد ممكن من الناس ليشاهدوا العقوبة،لكي تكون رادعا مخيفا للآخرين، من خلال تعليق جسده لايام عديدة وربما اسابيع ليكون عبرة لغيره، وكذلك تتضمن هذه العقوبة الإذلال والاحتقار للضحية المسكينة، حيث يبقى جسده معلقا لفترة طويلة،فيكون طعاما للجوارح من الطيور، وبعد ان تتحلل الجثة، يتم انزالها ورميها للكلاب والحيوانات المفترسة !

(فكان المصلوب يظل أحيانًا لمدة أسبوع كامل مُعلَّق على الصليب حتى تنتهي حياته، وفي هذا يُترك لنهش الطيور الجارحة والحيوانات الضارية، ويقول المؤرخ الروماني "Horace": "كانت النسور تسرع من جثث الماشية والكلاب والصلبان حاملة لحم الموتى إلى أعشاشها لكي تطعم صغارها) 1

هذا كان السائد في جميع عمليات تنفيذ عقوبة الصلب في تاريخ الدولة الرومانية، ولا يوجد في السجلات التاريخية الرومانية الا حالة استثناء واحدة، حيث تم انزال جثة شخص تم صلبه في الاسكندرية، والسبب انه تم صلبه في يوم عيد ميلاد إمبراطور روما ...لذلك كان إنزال الجثة اكراما لذكرى ميلاد الامبراطور! 2

ومن هنا يتضح ان الطريقة الرومانية في صلب الخارجين عن القانون كانت تتطلب تعليق الضحية لأيام طويلة لغرض الإمعان في الاذلال والتحقير وكذلك لغرض الردع والتخويف للاخرين، ولا  يتم انزال الجثة الا بعد ان تنهشها الطيور الجارحة وبعد ان تتعفن وتتحلل،ثم بعد ذلك ينزلونها من على الصليب، ووقتها اما ترمى للكلاب او يدفنها الجنود الرومان في مقبرة خاصة باشرافهم مثل مقبرة الجمجمة باورشليم، واذا كان اهل الضحية محظوظين او اغنياء، فربما ينجحون في اخذ ما تبقى من جسد فقيدهم( ليدفنوه بطريقتهم) بعد ان يسترضون الجنود باموال او عطايا !

وقد يعترض البعض، ليقول، ان جسد يسوع قد تم انزاله، بعد ان توسط ( يوسف الرامي) لدى بيلاطس الحاكم الروماني

وهنا، نحتاج الى معرفة، ماهو السبب الذي جعل هذا التلميذ الذي كان يخفي اتباعه ليسوع ويخفي ايمانه بالملكوت، الى المغامرة بحياته، وكشف نفسه امام رؤساء اليهود والكهنة،مما سيعرضه للخطر الذي كان بالأصل يخفي إيمانه ليتجنبه؟!

ولو سلمنا، وقبلنا، ان هذه القصة صحيحة، وان الحاكم الروماني، استجاب لتلميذ يسوع المتكتم على ايمانه، وان بيلاطس قرر ان يعطي استثناء لحالة يسوع، وأمر بانزاله من على الصليب!

لكن في هذه الحالة، سيبرز لنا مشكلة أخرى، وهي، ما الذي يدفع الرومان الى انزال اللصين المصلوبين الى جانب يسوع؟

ولماذا تم شمولهم بهذا الاستثناء النادر والغريب؟!

وهنا قد يلجأ البعض الى نفس طريقة التفذلك، التي انتهجها مؤلف إنجيل يوحنا، وذلك باتباع أسلوب خلط المفاهيم!

حيث نجد هذا الكاتب، يبرر انزال اجساد المصلوبين بسبب الاستعداد ليوم السبت المقدس لدى اليهود !

وهو هنا اراد اللعب من خلال خلط الاوراق، والايحاء الى حرمة ابقاء المصلوب معلقا الى الليل كما ورد في سفر التثنية

(وَإِذَا كَانَ عَلَى إِنْسَانٍ خَطِيَّةٌ حَقُّهَا الْمَوْتُ، فَقُتِلَ وَعَلَّقْتَهُ عَلَى خَشَبَةٍ،فَلاَ تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلَى الْخَشَبَةِ، بَلْ تَدْفِنُهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّ الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ. فَلاَ تُنَجِّسْ أَرْضَكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا) تثنية 21

ان النص المتقدم، هو نص خاص باليهود، يلزمهم باتباع تعاليم التوراة في حال تنفيذهم (أي اليهود) لعقوبة الصلب

اما في حالة يسوع الناصري واللصين الذين كانا معه، فان الذي قرر ونفذ عقوبة الصلب هم المحتلون الرومان!

وهؤلاء المحتلون لم يكونوا ابدا يكترثون او يحترمون طقوس او تعاليم أديان الجاليات الاخرى غير الرومانية، بل كانوا فقط حريصون على تنفيذ القانون الامبراطوري الروماني بكل حسم وبشكل كامل وتطبيق العقوبات بحق الخارجين عن القانون، كما هو الحال مع يسوع الناصري واللصين الآخرين.

ان حماسة المؤلف المجهول لإنجيل يوحنا في ابتداع وابتكار اضافات جديدة لقصة الصلب، واندفاعه في هذه المنهجية رغم مناقضتها للثوابت التاريخية، جعلته يقع في مغالطات منطقية فادحة !!... ومن أمثلتها

تفرده بذكر خبر حضور السيدة مريم والدة يسوع المسيح في حادثة الصلب، وانها كانت على مقربة من مكان صلب ابنها بحيث انها كانت تسمع الكلام الذي وجهه له ابنها وهو معلق على الصليب!

وبعد ان فارق يسوع الحياة، وبعد إنزاله عن الصليب، ومن ثم قيام التلميذ يوسف الرامي ومعه (نيقوديموس) بنقل جسد يسوع الى حيث يتم دفنه...بعد كل هذا نجد ان والدة يسوع المسيح قد اختفت تماما من تلك المشاهد !!!

ان المنطق و العقل في مثل هذه الاحوال يستدعي ان تكون الوالدة قريبة من ابنها بعد ان يتم انزاله من صليب العذاب

او انها من المفروض ان تسارع الى حضن ابنها و ربما تقبيله بعد ان أخذ جسده يوسف ونيقوديموس!

وإن اي والدة مكلومة بولدها الشاب المعذب ستحرص على اللحاق بالتلميذ الذي اخذ جسده، لكي تحضر مراسيم دفنه!

كاتب انجيل يوحنا غفل عن هذه اللوازم المنطقية، لانه كان مهتما فقط، بدس معلومة بشكل متطفل على القصة الخالية اصلا من تلك المعلومة (حضور مريم في عملية الصلب) من أجل الخروج بنتيجة ذات ثمرة عقدية، تعطي للتلميذ (يوحنا بن زبدي) مكانة خاصة تميزه عن باقي تلاميذ يسوع المسيح..الأمر الذي يعلي من مكانة هذا التلميذ واتباعه.. والذي يعتقد أن كاتب الإنجيل المنسوب ليوحنا قد كان واحدا منهم ! 

 

د. جعفر الحكيم

.............................

مصادر:

1- كتاب أسئلة حول الصليب، أ. حلمي القمص يعقوب

2-  How Jesus Became God: The Exaltation of a Jewish Preacher from Galilee

    by Bart D. Ehrman

 

ميثم الجنابي"من شرط المقلد أن لا يعلم انه مقلد. فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده، وهو  شعب لا يرأب" (الغزالي) 

لقد رد الغزالي في إحدى رسائله الأخيرة على الطلبات المتكررة الداعية إياه بالعودة للتدريس في نظامية بغداد قائلاً: "إن هذا الوقت هو وقت فراق الدنيا لا السفر إلى العراق"[1]. أما الحافز والتأسيس القائم وراء دعوته للتدريس بوصفه من يمكنه جمع الخلق للتوجه إلى الله وأن وجوده في قلب الخلافة (بغداد) هو الأمثل، أجاب:"إن الطريق إلى الله من طوس ومن بغداد ومن كل مكان سواء"، أي أن الطريق إلى الحقيقة والمطلق واحد. وقد أنجز هو ما استطاع إنجازه في غضون سنواته السابقة، وليس له بالتالي سوى انتظار أيامه الأخيرة ليكف الزمان والمكان عن التباين، ولتحلّ الوحدة في موته! فهي اليقظة التي تقطع عليه نوم الوجود، كما سيقول ذلك لاحقا متتبعاً أثر الصوفية.

ولم يصل إلى هذه الذروة إلا بعد شوط طويل من "تنقية" النفس، التي لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد حياته الخاصة فقط. فقد كانت هي في حقيقتها التمّثل الغزالي لثقافة العصر ككل. لقد مّثل هو عصارتها الذهنية. وليس هناك أفضل منه ممن اكتشف أخطاءه كما ترجمها في (المنقذ من الضلال).

وشكلت وحدة رفض التقليد والبحث عن الحقيقة جوهر (المنقذ)، أو ما يمكن دعوته بجوهر الظاهرة الغزالية. إلا أنها شأن كل ظاهرة فكرية لم يكن بإمكانها أن تتشكل خارج محيطها الثقافي. فروايات الكتب التاريخية والسير عن طفولته اليتيمة، ومسعى أبوه المحب للمتصوفة والفقهاء في أن يكون وليده من بينهم، واضطرار مربيه الأول (الصوفي) إلى أن يرسله وأخاه أحمد إلى المدرسة الفقهية لتوفير لقمة العيش لهم، لا يمكنها أن تكشف عن الأسباب الفعلية وراء التحول الذي سينسب له لاحقاً في عبارته القائلة "أردنا العلم للدنيا فأبى إلا أن يكون لله". إذ لم يكن بإمكان هذا التحول الجارف في توجه علمه من الدنيا إلى الله، أو من المصلحة إلى الغاية المتسامية، أو من المهاترات إلى الحقائق، أن يتبلور إلا من خلال نفي المصلحة والمهاترات نفسها. وهو ما تكشفه ليس فقط حياته الاجتماعية السياسية وتطوره الفكري الروحي، بل وصراعهما على خلفية الثقافة السائدة آنذاك.

ففي هذا العالم يمكن للشخصية المفكرة أن تظهر بهيئة استقلال تلقائي لا هدف مسبق لها، مختطّة لنفسها مصيرها الخاص كي تعيه فيما بعد على أنه ما لم يكن بالإمكان تصور غيره واستبداله، أو حسبما صاغته العبارة الإسلامية الوجيزة:"ما أصابك لم يكن ليخطأك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك"، أي عندما تتخذ الدراما الحياتية هيئة التفاؤل المطلق. آنذاك سيغيب الجميع وراء الكلّ. وهي الصيغة التي لابد وأن يواجهها كل وعي ذاتي عميق. إلا أن كلاً منها يضمّنه مضمونه الخاص. وفي هذه الخصوصية تظهر حقيقة الشخصية ما زال الإنسان لا يمكنه تعدي حدود الزمن بوجوده. بينما الأخير هو مطلق النهاية في اللانهاية. وقد أدرك الغزالي حقيقة هذه الحقيقة في ذاته. ومن العسير تتبع جزئياتها فيه، بمعنى أنه لا يمكننا تخطي حدود الشرطية التي تناولها هو عن نفسه. فهو يظهر لنا منذ البداية بوصفه حركة الحقيقة، أي التركيز على الاستقلال الفردي والفكري المبني على "نبوغ مبكر"، كما ستحاول الصيغ التاريخية فيما بعد إبرازه بهيئة تناقض خفي في موقف استاذه" إمام الحرمين" الجويني منه، بمعنى الاعجاب والتباهي الظاهري به والامتعاض والحسد الداخلي منه. وقد لا يخلو ذلك من صدق واقعي لاسيما وأننا لا نعثر على تبجيل أو احترام أو حتى ذكرى عابرة في مؤلفات الغزالي اللاحقة عن استاذه. ومن الصعب الآن الجزم عما إذا كانت الحكايات المروية حول علاقة الجويني بتلميذه الغزالي أو الغزالي باستاذه حقيقة أم خيال، وذلك لما فيها من اختلاق وتناقضات. والشيئ الوحيد المشترك بينها هو تركيزها على هذه العلاقة. ففي بعضها يجري اظهار نبوءة الجويني عن صعود الغزالي وتألق نجمه في العبارة التي تصفه بانه "بحر مغرق". بينما تشير بعض الروايات إلى صورة أخرى تعّبر عن حسده الداخلي وامتعاضه منه في العبارة المنسوبة اليه بعد أن كتب مؤلفه الأول (المنخول):"دفنتني وأنا حي! هلا انتظرت حتى أموت!". ومن الصعب الأخذ بالعبارة الأخيرة كما هي لاعتبارات واقعية تتعلق بحجم وقوة إبداع الجويني وشخصيته. ولكن يمكن القبول بها في حال النظر اليها باعتبارها شكلا من اشكال الاعجاب المتحمس بكتاب تلميذه الغزالي. ولربما كانت هذه الصيغة شكلا ماكرا من أشكال الإدانة المبطنة من خلال تصوير شخصية الجويني الاشعري بالنفاق الأخلاقي. والاحتمال الأكثر رجوحا في تفسير هذه الرواية يقوم في نزعة الغزالي نحو الاستقلال وعدم التقليد لأي كان. إلا أنه لم يبن ذلك على قاعدة التبجح الشخصي والخواء الروحي، بل على أساس وعي إمكانية الإبداع الفكري الجديد، أي الاستناد إلى التراث العقلاني واللاعقلاني بمختلف اشكاله ومظاهره ومستوياته. بمعنى إلى كل المتناقضات القائمة في مرحلته، والتي أسس لها وبلورها تاريخ الخلافة السابق. إذ لا إبداع كبير خارج المتناقضات. فعندما يشير الغزالي في (المنقذ) إلى مساره الفكري، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن انعكاس تلك المعاناة الفكرية التي مر بها، أو ما اسماه باستخلاص الحق من بين اضطراب الفرق. بمعنى سيره في وسطها مترفعاً في الوقت نفسه عن التقليد، أي وعي ضرورة قبول الفكرة والاستنتاجات بعد غربلتها العقلية المستقلة. وهذا ما يعادل معنى عدم الاقتناع بالكلمة أياً كان مصدرها. ولم يكن ذلك بمعزل عن شدة الصراعات الفكرية التي أظهرت في معاركها عدم إمكانية القناعة الموحّدة حتى تجاه أبسط الحقائق، مما جعله يخوض غمار الجدل من أجل أن يكتشف هو الآخر حقيقة اليقين من بينها. إلا أن البحث عن الحقائق الخاصة لم يكن في الواقع سوى حقائق الأسلوب الجدلي والبحث عن الحقائق المتضاربة. بحيث جعله ذلك يجد نفسه كما سيقول في (المنقذ) مرمياً منذ وقت مبكر قبل بلوغه العشرين في "لجة هذا البحر العميق"[2]، أي بحر المعارف والصراعات الفكرية.

وقد خاض هذا الصراع خوض "الجسور لا خوض الجبان الحذور". إذ كان يتوغل في كل مظلمة، ويهاجم كل مشكلة، ويقتحم كل ورطة، ويتفحص عقيدة كل فرقة، ويستكشف أسرار كل طائفة ليميز المحق والمبطل فيها[3]. وقد وضعته هذه الحالة العقلية والاجتماعية أمام مهمتين بمضمون واحد ألا وهما محاربة التقليد، والبحث عن الحقيقة. وبالتالي فإن ما أبدعه قد تأرجح ضمن هذين القطبين المتصارعين. من هنا فإن التصورات والأحكام التي حاولت أن تجعله سنياً متشدداً أو ما شابهها من الأحكام تغفل الجوهري لحساب الثانوي، والجزئي والعابر لحساب الكلي الدائم، والتاريخي لصالح غير التاريخي، والماضي ودقائقه لصالح المصطلح المعاصر.

ففي التاريخ الفكري لا يمكن للمنظومة أن تكون سخفاً لا معنى له حتى في حالة تحول السخف واللامعنى إلى عناصر جوهرية فيها، أو إلى عنصر من عناصر القناعة الذاتية. فحتى في هذه الحالة يمكن رؤية إدراك أهمية غير العقلاني في الوعي، أي العنصر الضروري بالنسبة لإمكانية تثوير الفكر القائم سواء في عناصره ومكوناته المجردة أو في أحكامه. إننا نقف هنا أمام تجربة الوعي التاريخي في متضاداته بوصفها المقدمة الضرورية لتثويرها الممكن. وقد تعامل الغزالي مع مجموع هذه المتضادات في الثقافة المعاصرة له. بمعنى أنه تعامل مع تجربة الوعي الإنساني المتعدد المناهل، والتي اتخذت تشكلت في إطارها العام آنذاك في الفقه وعلم الكلام والفلسفة والتصوف، أي في كل تلك العناصر الأساسية لثقافة عصره ومكونات فكره الخاص. وأدرك أكثر من غيره آنذاك، بأن معياره في التعامل مع ثقافة عصره النظرية والمجردة وشخصياتها ليس السياسة بل الحقيقة. وبهذا المعنى تصح كلمات السبكي عنه والقائلة، بأن الغزالي كان "ضرغاماً لا كالأسود، وقمراً لا كالأقمار! حمى حوزة الدين دون أن يلطخ حسامه بدم المعرضين"[4]. ففي هذه العبارات نعثر على تصوير أدبي مذهبي لا يتعارض في الوقت نفسه مع الحقيقة، رغم أنه لا يتطابق معها.

فقد مثّل في تطوره وتحوله ديناميكية الوعي الثقافي، بمعنى أنه مثّل أكثر من أي مفكر آخر آنذاك المثال الايجابي الذي عبّر وعكس الرموز المتعددة في البحث والجدية، والشك والعقلانية، والقدوة الفعالة وجوهرية القناعة الذاتية، ووحدة العلم والعمل، وضرورة اليقين، أي التجربة التي كشف في صيرورتها الدائمة، عن أن أي ادعاء مطلق لامتلاك الحقيقة يعادل معنى الهيئة والهيبة الفعلية لنسبية الجهل. وفي هذه الصيرورة سعى لأن يوحّد ما هو جوهري في الاتجاهات المعاصرة له بوصفها النتاج التاريخي لتطور الفكر، أي البحث عن الحلقة الوسطى، تماماً مثلما فعل ارسطو تجاه مكونات الثقافة الاغريقية. بمعنى السعي لصنع تآلف فكري جديد. وقد جرت هذه العملية جريان الأنهار إلى بحارها، بوصفها العملية التاريخية التي جرت عبر صراعه مع أساليب وقيم ومفاهيم مرحلته التاريخية، متمثلاً اياها على أساس ضرورة وعي الحقيقة كما هي.

إذ لا يمكن فهم حقيقة موقفه من الاتجاهات الأساسية، التي مثلت في خطوطها العامة مراحل وتداخل ثقافة العصر التجريدية (الكلام والفلسفة والباطنية والتصوف)كما وضعه في (المنقذ من الضلال) على أساس ما واجهه منها وجهاً لوجه. فقد كان (المنقذ من الضلال) الصيغة المبطّنة والحذرة، التي تعكس ما ينبغي أن يقال لا الحقيقة كلها. إنه أراد الكشف عما أنقذه. فهو لم يوجه كتابه للمؤمنين والوثنيين  كما فعل أوغسطين، بل للباحثين عن الحقيقة وأسلوب بلوغها.

فالموقف من التقليد الذي صاغه في (المنقذ) هو التعبير الخارجي عما تراكم في مجرى تطوره الحقيقي منذ بداياته الأولى. فقد بدأ الغزالي من تلك الملاحظة الدقيقة للتناقض القائم بين وعي الإنسان الاجتماعي التاريخي والعقائدي وبين حقيقة هذا الوعي، بين الإيمان الظاهري المذهبي وحقيقة الإيمان. إلا أن هذه الصياغة الأخيرة ليست إلا الملاحظة الأولية عما هو قائم، والتي ستتطور لاحقاً حول إشكالية الحقيقة كما هي. فقد اصطدم شأن مفكري تلك المرحلة الكبار بظاهرة الإيمان التقليدي السائد، والذي أفلح الوعي الكلامي العقلاني بتأطيره بصيغة الحديث المنسوب للنبي محمد، والقائل بأن الإنسان يولد على الفطرة، وإنما أبواه هما اللذان يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه. وإذا كان الإسلام يتطابق بالمفهوم السنّي الخالص مع الفطرة الإنسانية، فإن الغزالي لم يشغل ذهنه بهذه التفريعات التبريرية، وتعامل أولاً وقبل كل شيء مع واقع الحديث كما هو. مما اضطره لاحقاً إلى أن يدخل الأسلمة في إطار التقاليد التي لا تختلف من حيث الجوهر والظاهر عما هو مميز للمعتقدات الدينية ككل. مما اضطره للبحث عما هو جوهري في الإنسان وعما هو قبل كل هذه الاعتقادات فيه. وهذه بدورها ليست سوى "اعتقادات طارئة" على حقيقة الفطرة. ولم تعن  الفطرة بالنسبة له مجموع الصفات الطبيعية التي يولد عليها الإنسان، ولا الصفحة البيضاء للوجود الإنساني الأول، بل والقدرة الطبيعية الأولية، التي تتجلى في ميدان المعرفة "بغريزة العقل"، وفي الوجود الاجتماعي التاريخي بفكرة الاستعداد للتقليد، وفي الوجود الحياتي بالطبع والمزاج. وقد وجّه الغزالي اهتمامه في الموقف من التقليد صوب هذه المظاهر في وحدتها، لأنه وجد في تفاعلها سرّ التقليد، وفي إدراك هذا السر ّعلاجه.

ووضعه تتبع واقع التقليد وأشكاله أمام مهمة انتقاده ليس في ميدان المعتقدات الدينية، بل وميدان القناعة الفكرية. انه حاول البحث عن محك ومعيار للحقيقة خارج الطابع الشرطي للوجود الاجتماعي التاريخي، أي مناقشة حقيقة المعرفة وطرق بلوغها وأشكال تجلياتها.

فالتقليدية العادية المترعرعة في الوسط الاجتماعي التاريخي يمكنها المساهمة في نقلا القناعة الأولية إلى ميدان التبرير والدفاع "العقليين" مما يجعل من العقل، كما يقول الغزالي، وسيلة الخداع الذاتي. لاسيما وأن الواقع الاجتماعي مليء بالظواهر التي تتحول فيها القدرة العقلية إلى أسلوب عقلنة الرذيلة. بمعنى إمكانية استغلال العقل في الصراعات الاجتماعية والسياسية من أجل السلطة والكبر والخداع والإثراء وما شابه ذلك.

لقد وضع الغزالي مهمة الرجوع إلى البداية الأولية وضرورة النظر إلى حقائق الأشياء كما هي عبر استلهامه فكرة الفطرة الإنسانية، أي محاولة انتزاع تكلس الأحكام والتصورات والرموز الاجتماعية التاريخية. لكنه لم يطابق بين عدم التقليد والحقيقة، ولا بين التقليد وغير الحقيقة. إنه ينتقد أسلوب التقليد والعناصر المانعة لرؤية الحقيقة كما هي. إذ لم يصل إلى مرحلة إدراك الحقائق كما هي إلا بعد المرور بكل ما هو تقليدي. فقد كان هذا المرور يعادل ثقل التقاليد وتجربة المدارس وتصارع الفرق والتربية الثقافية ولحد ما نمط الوعي، أو ما يمكن دعوته  "بالموضوعية الثقيلة"، التي لا يستطيع المفكّّر التخلّص منها دون أن يقدم لها تضحية خاصة في ممارساته وتصوراته وأحكامه. فالغزالي الذي هاجم "المبتدعة" بقي لحد الآن في نظر الكثيرين ضحية ما سعى لتثبيته. أما في الواقع، فان هذه الحالة جزء من مفارقات التناقض الدائم بين الوجود الاجتماعي التاريخي والفكري المجرد. فالتطور الفكري وبوادره الأولى الناشئة في صيرورة الدولة والأمة الإسلامية، الذي تصلّب في هياج الصراع الاجتماعي والسياسي والديني والعقائدي، أدى بالقوى المتحاربة إلى إقحام كل مناهض لها تحت خيمة الكفر والالحاد. وبالتالي تقديم الحقيقة ومعيارها في الاحكام بصيغة الخطأ والباطل، أي انعدام الحقيقة والحق فيه. مما حدد بدوره أسلوب الحكم على ما ينبغي من خلال الحكم على ما لا ينبغي، والحكم على الفضيلة من خلال إدانة الرذيلة، والحكم على المؤمن من خلال تكفير وتفسيق مرتكب الكبيرة.

وقد خاض الغزالي غمار هذه "الشروط الأولية" ليكتشف فيها إرادته الخاصة بوصفها جزء من سلسلة "الشروط  غير المتناهية"، أي أنه اكتشف حريته بفعل الضرورة. أما هذا الاكتشاف فهو حصيلة تجربة فكرية معرفية وعملية اخلاقية عميقة أوصلته إلى اكتشاف حقيقة ذاته في هذه الشروط الاولية (الضرورية) للثقافة، بوصفها أوهاماً وعقائد طارئة وزيفاً أخلاقياً. لكن  هذا الاكتشاف، شأن كل ظاهرة عميقة في التجربة الفردية الفكرية، كان الحصيلة المفاجئة لصيرورة المعرفة. وحتى في حال بلوغ ذروتها (كالشك العميق أو التحول الفكري العقائدي)، فإن كل ما ساهم في هذه الصيرورة المفاجئة لا يكفّ عن التأثير، مازال الأخير ذاته هو نتاج التراكم الدائم للعلم والعمل. لهذا لم يفعل في "نزاله الأخير" مع المذاهب ووعيها التقليدي، أي في مجرى انتقاله من "عالم التجزئة" الكلامية والفلسفية (المجردة والتأملية) إلى "عالم الوحدة" الصوفية سوى أن نقل تجربته العلمية والعملية السابقة إلى الميدان الذي طالبه بإعادة النظر تجاه كل ماله وفيه وعليه. فهو أسلوب معرفة النفس ومن ثم حقائق العالم وإعادة اكتشافها كما هي. وقد كمن ذلك في الحافز الدائم لمهاجمة التقليد بفعل الرؤية الدقيقة التي وجدها في مخاطره باعتبارها آفة عمى للبصر والبصيرة، وتشويه العقل، وصدأ الروح الأخلاقي.

إذ يكشف ما وضعه في (المنقذ من الضلال) من حيث الجوهر إعادة تقييم تطوره الفكري. وبالتالي من الصعب المطابقة بين حقائق وعيه الجديد وتجربته الفعلية السابقة. إلا أن قيمة إعادة التقييم الفكرية، تقوم في أنه تتبع على مثاله الشخصي مساعي محاربة التقليد، الذي كان أحد الحوافز الأكثر فعالية في تطوره. ومن الممكن التسليم فيما أورده في (المنقذ) على أنه تصوير صادق مازال "تقلبه" اللاحق و«مزالق عقله في العلوم والأعمال هو المثال الحي على ما أراد قوله بهذا الصدد.

فقد وقف أمام مهمة إعادة النظر بالقيم والمفاهيم التقليدية منذ سن مبكرة. فهو يخبرنا في (المنقذ) كيف أنه بلغ مرحلة كسر التقليد في عمر يناهز العشرين. آنذاك أدرك الصيغة الأولية للحقيقة التي صورها بدقة بالغة والقائلة بأن من "شرط المقلّد ألا يعلم أنه مقلد، فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده، وهو شعب لا يرأب"[5]. وجعله ذلك يتحمل لنفسه بنفسه وزر مهمة البحث عن "حقيقة الفطرة الإنسانية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليدات الوالدين والاستاذين"[6]. ولم يعن ذلك من الناحية التاريخية سوى ما كان سائداً في العقائد الايمانية والسياسية اللاهوتية (الباطنية خصوصاً) والكلام والفلسفة والتصوف. إذ أدرك خصوصية التقليد في هذه الميادين. وقدّم أمثلة عديدة ملموسة للمقارنة فيما بين تقليدية الوعي في الفقه والكلام والباطنية والفلسفة والتصوف. لكنه أدرك أيضاً التباين الشاسع فيما بينها بسبب تباين موضوع ومادة هذه الاتجاهات وتقاليد كل منها. لهذا فإن انتقاده للتقليدية الواقعية في هذه الاتجاهات، لم ينف الحقائق التي صاغتها في مجرى تطورها. إنه سعى لانتقاد التقليدية القديمة والمعاصرة له، التي أخذت تجثم على رؤوس الأحياء من البسطاء والدهماء، والمفكرين والمتحذلقين.

فقد نظر إلى تقليدية الفكر الفقهي في تحجّره المذهبي، والكلام في أيديولوجيته العقائدية، والباطنية في خضوعها لعصمة الإمام، والفلسفة في استلابها أمام ادعاءاتها المنطقية الصارمة بصدد قضايا الميتافيزيقا وتقليدها لفلسفة الإغريق. فعلم الكلام على سبيل المثال، لم يهتم بالكشف عن الحقائق[7]. إذ ليست مهمته سوى "الدفاع عن عقيدة العوام من تشويش المبتدعة" كما يقول الغزالي. بحيث جعله هذا الموقف النقدي الحاد أن يدرج في الكتب الكلامية "التي لا تبحث عن الحقائق كما هي" الكثير من مؤلفاته الكبرى (كالاقتصاد في الاعتقاد) و(تهافت الفلاسفة) و(المستظهري) وغيرها. ومن الممكن أن تثير هذه الفكرة اعتراضات جدية بصدد حقيقة موقفه من كسر "زجاجته" التقليدية في مراحله الأولى، مازالت مؤلفاته الكبرى لا يمكن إدراجها في مضمار الكتب الباحثة عن الحقيقة كما هي. أما حقيقة هذه القضية فتقوم في الصلة المتعلقة بتطوره الفكري ومضمون ووظيفة مواقفه من الفلسفة والكلام وتمارين الجدل. فقد أدى كل ذلك في حياته الفكرية والروحية الى إدراك خطورة الوعي المذهبي والطابع المدمر للخلاف والاختلافات بالنسبة للروح الأخلاقي. وبالتالي فان لها مسارها وأثرها الخاص على بلورة معارضة التقليد. إذ شقّت هذه المعارضة لنفسها الطريق في جمعية هذه الجوانب. وبالتالي، فإن التناقض الممكن تصوره عن الفكر الكلامي عند الغزالي في بداية امره من جهة، ومعارضة التقليد من جهة أخرى، يمكن  تذليله في حالة إدراكنا حقيقة موقفه من التقليد ومعارضة التقليد السائد عند الخواص والعوام على السواء.

فعندما يتناول الغزالي قضية رفض التقليد، فإنه ينظر إليها من زاوية الكشف عن حقيقة المعرفة، أي البحث عن الحقائق الموضوعية كما هي، على عكس ما يظهر في ميدان الصراع الفكري الاجتماعي السياسي والعقائدي. وأن هذا التناقص بدوره ليس تناقض الفكر، بقدر ما هو النتاج الطبيعي للماضي، الذي لم يقض عليه تطور الممارسة الاجتماعية السياسية والفكرية. بمعنى انه الافراز الملازم لما يمكن دعوته بعدم التطابق الدائم بين الأيديولوجية والحقيقة، بين السياسة والمعرفة الأخلاقية، بين الجزء والكلّ. والغزالي لم يضع أي منهما بالضد من الآخر، بقدر ما أنه أشار إلى مستوى تاريخي ملموس للوعي القائم آنذاك ومقدماته التي تبلور هو نفسه فيها. بمعنى أن رفض التقليد لا يعني التطابق مع الحقيقة، تماماً كما لا تتطابق الحقيقة بالضرورة مع رفض التقليد. فهو لم يسع من وراء اطروحاته إلا إلى أن يصنع الوحدة الممكنة بين الحقيقة ومعارضة التقليد. ولهذا السبب يمكن أن نفهم لماذا وضع مصنفاً كبيراً (كتهافت الفلاسفة) في إطار كتاباته التي لا تبحث عن الحقيقة كما هي، بل للدفاع عن عقيدة العوام، رغم إدراكه للجديد الذي أدخله في علم الكلام والفكر الفلسفي. وهي الفكرة التي بلورها للمرة الأولى  في (الاقتصاد في الاعتقاد)، باعتباره احد مؤلفاته الكلامية المهمة عندما أكد فيه على أن تقليدية أهل الكلام تقوم في كون اعتقاداتهم وتصوراتهم مبنية على النظرات المسبّقة. فالمعتزلي يرفض الآراء الأشعرية بغض النظر عما هو صحيح فيها والعكس هو الصحيح. وهي الظاهرة المميزة لأكثر هؤلاء "الذين رآهم من المتوسمين باسم العلم. فإنهم لم يفارقوا العوام في أصل التقليد، بل أضافوا إلى تقليد المذهب تقليد الدليل. فهم لا يطلبون الحق، بل يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما اعتقدوه حقاً بالسماع والتقليد"[8]. ووجد في هذه التقليدية الصارمة المخيمة على عقول المتكلمين مقدمة وسر ّمأزق علم الكلام. فعلماء الكلام لم يكن بإمكانهم الخروج من هذا المأزق كما سيردد في (المنقذ من الضلال)، بفعل بقائهم في إطار التقليد. إلا أنه كما سبق وأشرت، لم يقف في انتقاده للتقليدية في الفقه وعلم الكلام، بل وأشار إلى إمكانية التقليد في الفلسفة. (يتبع.....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

............................

[1] الغزالي: فضائل الإنام من رسائل الإمام، ص75.

[2][2]  الغزالي: المنقذ من الضلال، ص79.

[3] المصدر السابق، ص79-80.

[4] السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج4، ص102.

[5] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص89-90.

[6] المصدر السابق، ص81.

[7]  الغزالي: جواهر القرآن ودرره، بيروت، دار الافاق الجديدة، 1983، ط5، ص21.

[8] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، مصر، المطبعة الادبية، ط1، ص77.