لفظ صحيح المصدر من الفعل الثلاثي ضحّى – ض، ح، ى -، الذي هو في أصله يعني التبرع أو التقديم، والجمع فيه أضاحي، وأعلى مراتب - التضحية - تكون بالمال أو بالنفس من أجل قضية حق يؤمن بها.

ومن الفعل أشتق معنى - أضحية البدن من بهيمة الأنعام المتداولة في ألسن العامة في يوم (الحج الأكبر) –، تلك التي تكون في أيام معلومات، والمُراد منها التقرب إلى الله ونيل مرضاته، وحول هذا المعنى وعليه بحث طويل أختلف القوم فيه، [مع التأكيد من قبلنا بأن (أعمال - مشعر منى - لم تُذكر في الكتاب المجيد)]، و إنما جيء بها على سبيل التطوع، عبر أخبار نسبوها إلى الرسول محمد، أي إنها لا تدخل في أعمال الحج إلاَّ من باب الإستحباب وعلى نحو (وذكروا الله كثيرا) .

فإن قلتم: ألم يأمرنا الله بالإمتثال للرسول وبما جاء به من عند ربه؟، كما في قوله تعالى - وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فأنتهوا - الحشر 7، وهذه واحدة من الأعمال التي قام بها الرسول .

قلنا: المعنى في قوله - وما آتاكم - مرتبط حصراً ودلالة على ما أتى به الرسول من عند ربه، وإطلاق اللفظ يبين ذلك، أي إن - ما آتاكم - به الرسول من عند ربه فخذوه، وفي التقابل (وما نهاكم عنه فأنتهوا)، وهذا يعني أن: - ليس كل ما جاء به محمد بن عبدالله هو بمثابة ماجاء به الرسول من عند ربه، حتى يصدق عليه قوله [و ما آتاكم] -، ومعلوم بالضرورة إن لمحمد بن عبدالله ثلاث صفات واحدة ذاتية والأخريين صفتين إضافيتين، فالصفة الأولى: هي الصفة الشخصية والبشرية له وهي الأعم والأشمل والتي تعبر عنه وعن حياته، وأما الصفتين الأخريين أعني (الصفة النبوية والصفة الرسولية) فتعبران عما كان يأتيه من الوحي، والمدون في الكتاب المجيد لا غير، ولا يجب الخلط، فما كان يأتي به محمد بن عبدالله بصفته بشراً إنساناً، فهذا ما يطلق عليه (بالإجتهاد والنظر وهو ليس من الرسالة)، وكما قلنا فالرسول لمحمد: - صفة مضافة وليست صفة ذاتية -، ولا يصح الوصف بها من غير وحي أو تكليف، وحين يُكلف الرسول بتبليغ رسالته يكون رسولاً - بالرسالة - وموصوفاً بها، وعلى هذا فهي ليست من الصفات الذاتية الملازمة له منذ ولادته - بحيث تولد معه -، إنما هي كما قلنا (صفة مضافة) يتصف بها المرء بعدما يكلفه الله بالرسالة، والرسالة: - هي مجموعة الأوامر والنواهي التي نزلت على من أصطفاءه الله من البشر ليكون رسولا -، والرسالة متأخرة رتبة عن النبوة في المقام بدليل الإصطفاء، ولا يدخل في معنى الرسالة قول محمد الإنسان و فعله و تقريره قبل أن يُكلفه الله بالرسالة !!، وعليه فكل فعل أو قول أو تقرير لم يأت به الوحي فهو مجرد إجتهاد ونظر، والإجتهاد والنظر من الصفات الموضوعية التي لها مكانتها وأهميتها بشرط الموافقة لكتاب الله (ولا يدخل الإجتهاد والنظر المجردين في دائرة قوله تعالى - وما آتاكم الرسول فخذوه ...-)، و أما مفهوم الموافقة والمخالفة لكتاب الله فيسري تطبيقه على الجميع من دون تمييز، وهذا المفهوم يؤتى به لضبط عملية الإجتهاد بحيث لا تخرج عن القواعد، ولهذا يفترض فيه الدقة والعناية والتحري .

والمعنى الذي ذهبنا إليه يجعل من الإنسان حين يكون خارجا عن أسوار الوحي واحدا من الناس، لا يميزه شيئا عنهم البتة، وأعني بلفظ

 (خارجاً) بضميمة الوحي أي مساوياً في الرتبة والمقام والعمل والتكليف، أي إن له مالهم وعليه ما عليهم، والمائز بينهما ما دل عليه قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي) الكهف  110، وبهذا النص ينتزع هذا التضخيم وهذا الخلط المُربك لنصوص الكتاب المجيد ومضامينه في الذهن العام .

ونعود للقول: إن الحكاية القرآنية في أصلها منتزعة من المعنى الظني لقوله تعالى: (وفديناه بذبح عظيم) الصافات 107، وهذا النص لا علاقة له البتة بما يقوم به الناس ويفعلونه من - ذبح للأنعام في العاشر من ذي الحجة -، (أعني إن مفهوم النص مختلف تماماً عن المصداق المتداول)، فأصل الحكاية والدليل عليها هو فعل تاريخي وإجتماعي له علاقة بزمن النبي إبراهيم وما قبله، وهو ليس حجة ولا دليلاً في وصف ما يقوم به الناس من ممارسات في ذلك اليوم، والقول بإستغراق فعل الحكاية في الوصف وفي البيان لتضمين صحة ومقبولية - الذبح - (لا معنى له)، بل ولا دليل عليه إذا ما نظرنا إلى اللفظ في صيغته المقرؤه والتي لا يستفاد منها ذلك المعنى المذكور بلسان العامة، وأما نسبة ذلك إلى هذا وتعميمه فدليل على مدى الخلل في بيان المعاني وتناسبها، كما أن مفهوم - الفداء - بإضافة مفهوم - الذبح العظيم - إليه لازمه التناسب بين الصفة والموصوف (أي أن يكون الموصوف من جنس الصفة لا غريبا عنها)، ويدل على هذا قول الإصولي - .

 وأما العرب لما قالت: - إن الباء في لفظ - بذبح عظيم - سببية، فهم يعنون بذلك: إنها بمثابة السبب الدال على هذا التناسب بين طبيعة الفعل وجنسه، وفي هذه الحالة ينتفي معنى الإستغراق في الزمن وفي الصفة، ويكون المتعلق دالا على أن جملة - بالذبح العظيم - في إطلاقها لا يُراد منها بهيمة الأنعام .

 وقد ذهبت طائفة من المسلمين للقول: - (بأن الذبح العظيم هو ذلك الفعل الذي قام به إبراهيم النبي، حين ترك ولده في عمق الصحراء) من غير أب ولا معيل، فالترك في الصحراء في حد ذاته يُعد (تضحية عظيمة) سماها النص - فداء - عن الذبح العظيم، ووجاهة هذا التأويل تكون حالما ننظر إلى معنى الإستغراق وفي تناسب الصفة و الموصوف والشأن، على إعتبار إن عموم المقال في كون (الذبح العظيم) لا يكون في - كثرة الذبح - إنما يكون بشأنيته وصفته، وهذا ما لا يتوفر عليه في بهيمة الأنعام مهما كثرة وصفاً وعدداً .

أقول: والتأويل يكون صحيحاً كذلك إذا كان المُراد منه، الإبقاء على حياة إسماعيل من أجل غاية عظيمة تترتب عليها مصلحة عظيمة، أعني إن - بقاء إسماعيل حياً - لازمه أن يكون ذلك علةً و سببا في وجود محمد النبي الخاتم (أي من ذريته ومن نسله)، وفي هذا يكون فداء إسماعيل مقترناً بوجود محمد ولازم من لوازمه، ولذلك تقرر الفداء وتقررت الفدية الإلهية، فيكون بقاء إسماعيل في الوجود سبباً في وجود محمد، وإذا كان ذلك كذلك يصح التأويل والحمل، فالفداء لا يكون ممكناً إن لم يكن السبب عظيماً ومهماً، وبذلك يصح الجمع بين الترك في الصحراء كمقدمة لوجود سبب أهم، مع ما يحصل لإبراهيم من العذاب والمعانات على نحو، لكنه في المحصلة والنتيجة أهون، وهو تخفيف له عن معانات أشد فيما لو وقع الذبح حقيقةً، وزاد أحدهم بالقول: - إن الفدية منه تعالى - سبب كاف في لزوم كون المترتب عليها فائدة في كل زمان ومكان - قال الأصفهاني ..

ولنتأمل القصة كما روآها الكتاب المجيد

 في المشهد الأول نجد قوله تعالى: (... يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك !!، فأنظر ماذا ترى ؟، قال: يا أبتي أفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) الصافات 102 .

وفي المشهد الثاني نجد قوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين) الصافات 103 .

وفي المشهد الثالث نجد قوله تعالى: (وناديناه أن يا إبراهيم، قد صدقت الرؤيا ..) الصافات 104، 105 .

ففي المشهد الأول نلتقي بالفعل المضارع (أرى)، والدال على تكرار الفعل مرات عديدة، أي إن ما كان يرآه إبراهيم من ذبح لأبنه، لم يكن وهماً بل كان رؤى متعددة و متكررة وفي ليال متعددة أيضاً، جسدت هذه الرؤى جزءا من نبوة إبراهيم وهي كذلك بالطبع من هنا أعتبرت واجبة ولازمه مع طبيعتها، وهي لذلك لم تكن حلماً عابرا مر ومضى إلى حال سبيله، بل كانت وحياً وأمر إلهياً، ولأنها كذلك في صفتها و طبيعتها المادية أستدعى الأمر التشاور بين إبراهيم وولده، والشورى صفة عقلائية تكون بين المؤمنين رسخها الكتاب المجيد وأمتدحها، وكان من نتيجتها أن قال إسماعيل لأبيه: [أن يا أبتي - أفعل ما تؤمر -]، ولفظ - أفعل - في لسان العرب يدل على العزيمة والتصميم بعد الإختيار، أي إن كان الأمر وحياً فنفذه لما فيه من مصلحة وأجر، وهكذا قال:

 - ستجدني إنشاء الله من الصابرين - مقدماً المشيئة على الصبر، إكمالا للدور وخضوعاً للأمر الإلهي .

وفي المشهد الثاني تتكامل الصورة في تهيئة أدوات الذبح وعُدته، مع التأكيد على الحالة النفسية والطبيعية التي صاحبت ذلك الأمر، ولكن في النهاية أستسلما معاً للأمر وخضعا له (دل على ذلك قوله - أسلما - وهو مشترك لفظي)، والذي لا يخرج أبداً من دائرة قوله (أفعل ما تؤمر) الذي قرأناه في المشهد الأول، وكأنه يقول لوالده (دع عنك حالة التردد و القلق هذه) وأفعل مادام الأمر تكليف إلهي، ومع الإستسلام لأمر الله والرضا به كان جواب الله قاطعاً: - (أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) -، وجزاء ذلك إنا - قد فديناه (بذبح عظيم) يتناسب مع طبيعة المذبوح وحجمه - .

وفي المخيال العام تبدو عملية - ذبح إسماعيل - ويكأنها هي نفسها الحالة التجريبية التي عاشها إبراهيم في ظل التصديق، والإمتثال للأوامر المولوية، حتى وإن كان محل التجربة عظيماً ومهماً، وفي التأمل في نوعية هذا الأمر المولوي نجده لم يكن يريد الذبح على نحو الواقع، إنما كان يريد إظهار حالة الإمتثال على أحسن وجه في حال التعاطي مع الأوامر، ويكأن الله يريد من نوع التجربة ومحلها إكتشاف وتوكيد حالة الإيمان والصبر تجاه كل أمر مولوي والعزيمة في تنفيذه وتطبيقه، وما يترتب على ذلك من نتائج في طول الزمان وعرضه من جهة الخضوع للأمر وعدم النكوص عن الحق .

وأما مقولة - الذبح العظيم - فقد عُممت في الميثولوجيا الدينية ليكون معناها أو المقابل لها في الأذهان - ذبح الكبش العظيم - [ذلك المخلوق الأسطوري النازل من السماء]، وقد ساعد في تعميم هذه الخرافة واللاعقلانية الوهم وبعض الأخبار الوافدة مع توكيد من قبل رجال دين متخلفين على ذلك، أخبار ومرويات لا سند لها ولا قيمة، ومنها أصبح مفهوم - بذبح عظيم - يعني [ذبح الأضاحي من البهائم والأنعام] التي يفعلها الناس في كل سنة يوم العاشر من ذي الحجة .

 إن مفهوم القرابين على تنوعها مارسته الجماعة البشرية كتعبير عن الإيمان و الحب والطاعة للآلهة، ولم تخرج الجماعة الإسلامية ولم تتخلص من هذا الأرث التاريخي، فمارسته هي الأخرى تباعاً كلاً حسب ثقافته وعاداته الإجتماعية، نرى ذلك في أنماط وصور كتلك التي يُحكى عنها في النذور والهدايا، ولم تجتمع كلمة فقهاء المسلمين في هذه المسألة على رأي واحد كما هو شأنهم دائماً، فالأضحية: - ليست واجبة لدى عامة الفقهاء -، لكنها كذلك تكون عند أحمد بن حنبل وقد تبعه على ذلك جماعة، معتمدين في ذلك على روايات ظنية متهالكة.

وقد: - ذهبت طائفة من المؤمنين للقول بان الإمام الحسين هو المُراد بمعنى قوله: (بذبح عظيم) -، فهو عندهم المصداق الأبرز للذبيح العظيم، وإن ما حصل للحسين الشهيد يوم عاشوراء من قتل مروع هو ذلك المعنى الذي قصده النص، وهذا رأي فيه وعليه - ذلك أن الحسين لم يكن في شهادته يقصد أن يكون ضحية هذا أولاً، (أعني لم يكن قاصداً ذلك أو مريداً له من جهة الإختيار والإنتخاب)، وأما ما حصل للحسين يوم عاشوراء فكان جريمة منظمة قامت بها السلطة الظالمة ظلماً وعدواناً، وهذا يعني إن الحسين لم يكن يريد التضحية أو الشهادة حين تحرك أول مرة من مكة إلى الكوفة، [وللتوكيد لم يكن الحسين قاصداً كربلاء]، وإن ما حصل له من قتل وترويع كان بفعل أعداء الإنسانية أعداء الحق والعدل والحرية والسلام، كما إن: - التضحية بالنفس - ليست هدفاً ولا غاية مقدسةً يسعى لها المصلحين والأنبياء العظام، ولم تكن التضحية أو الشهادة مطلوبة منه، وإنما حصل للحسين من قتل وشهادة فكان ظلماً متعمداً من قبل السلطة، نعم كان الحسين يُدافع عن العدل وعن الإنسان كان يسعى لتحرير الإنسان من الظلم، وشهادة التاريخ في ذلك تعطينا الدليل الثابت والجازم على أن الحسين إنما كان يريد الحياة ولم يسع للموت ولم يطلبه ولا يريده .

 لكن معنى الشهادة كغاية وهدف وردت في بعض التفسيرات الغنوصية، التي وفدت إلينا عبر التفسير الطوباوي عيسى النبي، ومنها عُممت هذه المقولة وتبنتها بعض الأفواه والألسن، فقيل: - إن عيسى النبي إنما ضحى بنفسه لينقذ الناس من الضلالة، ويرفع عنهم أصرهم وأغلال الخطايا والذنوب -، هذه المقولة أستحسنها البعض ووظفها كبلاغ ديني مستفيداً من العواطف الجياشة التي لا تنظر للأمر بتروية وهدوء وقليل من التعقل، أقول نعم وظفت هذه المقولة من خلال - العقل الغنوصي - وأُدخلت في الأدب الإسلامي وأستحسنها بعض المغردون لتكون الصورة المعبرة عن قيامة الحسين عليه السلام، ومعها ومن خلالها ضاعت أهداف قيامت الإمام الحسين، وغلبت عليها البكائيات والعواطف وترسخت هذه في ذهن العامة ..

وخلاصة القول: إن جملة ومفهوم - بذبح عظيم - وردت في سياق التناسب مع طبيعة المُفتدى له، وهي تصح بالجملة في كل زمان ومكان والتناسب المذكور يكون أي فديناه في الشأن والصفة والمقام، وعلى هذا لا يصح ذلك الإشتقاق الذي تبنته تفسيرات إسلامية لا حقة والموصوفة بلسان العامة - بأضحية بهيمة الأنعام - .

وتشريع ذلك كذلك لا أساس له إن كان المعتمد هي تلك الأخبار المتضاربة غير الصحيحة سنداً ودلالة، والحيوان المذبوح لا يوصف (بالعظيم) شأناً ومقاماً لمُراد الله لفظاً ومعناً، ومن هنا لا يصح كذلك تسمية يوم العاشر من ذي الحجة - بعيد الأضحى -، لا تيمناً ولا وصفاً مادام المتعلق أو المؤوسس عليه ليس هو كذلك، وأعمال الحج لا تتضمن ذبيحة الأنعام على نحو الوجوب، في إتمام مراسم الحج، ولهذا ورد في المأثور - الحج عرفه -، تلك المقولة التي تُلغي في الذهن تلك المراسم التالية والوافدة ومنها على نحو خاص ذبيحة الأنعام ...

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

14 محرم 1441 هجرية

 

 

منى زيتونفي مقال "الاعتقاد في صفة الكلام لله عز وجل" تناولنا عرضًا مبسطًا لاعتقاد أهم فرق المسلمين في الكلام، فعرضنا لاعتقاد أئمة الأشاعرة ولاعتقاد السلفية وكذا اعتقاد المعتزلة في الكلام، والذي وافقتهم عليه فرق الشيعة المختلفة.

وقد عُرِف عن تقي الدين أحمد بن تيمية كثرة مخالفاته لأئمة المسلمين في الأصول والفروع. يذكر السبكي في مقدمة كتابه "الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية" (ص6): أن "ابن تيمية أحدث في أصول العقائد، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة، وأن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وأن القرآن محدث تكلم الله به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت، ويُحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم، والتزامه بالقول بأنه لا أول للمخلوقات، فقال بحوادث لا أول لها، فأثبت الصفة القديمة حادثة والمخلوق الحادث قديمًا، ولم يجمع أحد هذين القولين في مِلة من المِلل ولا نِحلة من النِحل"أهـ.

وربما كان ينبغي أن أوضح أن بعضًا مما نُسِب إلى ابن تيمية من عقائد لم يصرِّح باعتقاده به، ولكنه صرَّح باعتقاد ما لزم منه اعتقاده به؛ وكان لابن تيمية اعتقادان شاذان أثبتهما ما دونته يداه في "منهاج السُنة"، أحدهما أخذه عن الكرامية، والآخر ابتدعه، فلم يُسبق إليه، ونفصل فيهما في هذا المقال.

الاعتقاد الأول: تجويزه قيام الحوادث بذات الله تعالى

كان ابن تيمية إلى مذهب الكرامية أقرب منه إلى مذهب الحنابلة؛ فالكرامية -وإن اتفقوا مع الحنابلة في أغلب عقائدهم- كانوا يجوِّزون قيام الحوادث بذاته تعالى، وابن تيمية كان يرى برأيهم، وكتب كتابًا ينقض فيه "أساس التقديس" للفخر الرازي، وبالغ في الحط منه انتصارًا للكرامية. كما أثبت اعتقاده بتلك العقيدة في "منهاج السُنة" (ج2، ص380) "فإن قلتم لنا: قد قلتم بقيام الحوادث بالرب. قالوا لكم: نعم، وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل"أهـ. وهو في هذا الموضع يقرر عقيدته لا عقيدة غيره.

ويضيف (ص381) "فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به. قلنا: ومن أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة؟ ونصوص القرآن والسُنة تتضمن ذلك مع صريح العقل، وهو قول لازم لجميع الطوائف، ومن أنكره فلم يعرف لوازمه وملزوماته. ولفظ الحوادث مجمل فقد يُراد به الأمراض والنقائص، والله تعالى منزَّه عن ذلك، كما نزَّه نفسه عن السِنة والنوم واللُغوب، وعن أن يؤوده حفظ السماوات والأرض، وغير ذلك مما هو منزّه عنه بالنص والإجماع. ثم إن كثيرًا من نُفاة الصفات -المعتزلة وغيرهم- يجعلون مثل هذا حجة في نفي قيام الصفات أو قيام الحوادث به مطلقًا، وهو غلط منهم، فإنّ نفي الخاص لا يستلزم نفي العام، ولا يجب إذا نفيت عنه النقائص والعيوب أن ينتفي عنه ما هو من صفات الكمال ونعوت الجلال"أهـ.

وأقول: بل كذب ابن تيمية، وافترى على الله، بل وعلى العقل؛ فسبحانه يُغيِّر ولا يتغَّير، فما كان في مخلوقاته كان عُرضة لأن تقوم به الحوادث فتتغيّر، وما كان قائمًا بذاته لا تقوم به الحوادث لأنه سبحانه لا يتغيّر، والله كامل بكل صفات الكمال والجلال منذ الأزل، ليس بحاجة أن يأتي مختل ضعيف عقل فينسب إليه أنه أراد أن يُلحق بذاته القديمة إضافة يُحدثها، ثم يدعي أنها تضيف إليه كمالًا، ولو صحّ أن قبلت ذات الله إضافة لاقتضى منها نقصًا سابقًا. تعالى الله عما نسب إليه المختلّون.

كما كذب ابن تيمية كعادته، وافترى على السلف والأئمة، وما قال بقيام الحوادث بالله قبله إلا الكرامية المجسمة أسلافه، متابعة منهم للمجوس، بل إنه حتى الحنابلة الأوائل لم يقولوا بهذا. وهذا أسلوب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وصدق الإمام الكوثري في مقدمة تحقيقه "السيف الصقيل" (ص15) حين قال عن ابن القيم: "كلما تراه يزداد تهويلًا وصراخًا باسم السُنة في كتابه هذا –النونية-، يجب أن تعلم أنه في تلك الحالة متلبس بجريمة خداع خبيث، وأنه في تلك الحالة نفسها في صدد تلبيس ودس شنيعين، وإنما تلك التهويلات منه لتخدير العقول عن الانتباه لما يريد أن يدسه في غضون كلامه من بدعه المخزية"أهـ.

الاعتقاد الثاني: اعتقاد شاذ في صفة الكلام

واعتقاد ابن تيمية في الكلام كان شاذًا؛ إذ حاول فيه الجمع بين النقيضين، فأثبته صفة ذات قائمة بذاته تعالى كقول جمهور السُنة من الأشاعرة والماتريدية وعامة أهل الحديث، وأثبته صفة فعل كما أثبتته المعتزلة! أو بالتعبير الأدق فقد اعتبر الكلام صفة كصفة الفعل! فاعتبره صفة قديمة –وصفات الله كلها قديمة-، لكنه يحدث شيئًا فشيئًا، والصفة القديمة التي تقوم حوادثها في المخلوقات شيئًا فشيئًا هي صفات الفعل كالخلق والرزق، ولكنه لم يعتقد قيام حوادث الكلام بالمخلوقات كما اعتقدت المعتزلة!

ويمكنني تلخيص اعتقاده بالآتي: "رغم تصريحه بأن الكلام صفة تقوم بالذات، كاعتقاد أهل السُنة، فقد اعتقد بحدوث الكلام، كما تحدث الأفعال، ولكنه قائم بذات الله، وموضع حدوثه في ذات الله، باعتباره لا يرى بأسًا في قيام الحوادث بذاته تعالى، مع تعلق الكلام الحادث بالمشيئة والاختيار". ويدل على هذا الكثير مما ذكره في "منهاج السُنة".

ولنأخذ مقتطفات مما كتب لتتضح لنا عقيدته في الكلام أكثر:

يقول في "منهاج السُنة" (ج2، ص375-376) مدِّللًا على قيام الكلام بالذات، وهو ما لا يرفضه أهل السُنة، بل هو عقيدتهم: "وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم بالرضا والمعافاة؛ فكان ذلك عند أئمة السُنة مما يقوم بالرب تعالى، كما تقوم به كلماته، ليس من المخلوقات التي لا تكون إلا بائنة عنه. فمن قال: إن المتكلم هو الذي يكون كلامه منفصلًا عنه، والمريد والمحب والمبغض والراضي والساخط ما تكون إرادته ومحبته وبغضه ورضاه وسخطه بائنًا عنه لا يقوم به بحال من الأحوال، قال ما لا يعقل"أهـ. وعند هذا الحد فاعتقاده لا يُخالف اعتقاد أهل السُنة قيد أنملة.

ولكن ابن تيمية لا يقول إن الكلام صفة تقوم بذاته تعالى القديمة وحسب، بل يدّعيه فعلًا يتجدد أيضًا!! ويرفض التصنيف الذي اتفق عليه المسلمون منذ عهد أبي حنيفة، على أن الصفات إما صفات قائمة بالذات كالعلم والإرادة، أو صفات فعل تقوم حوادثها في المخلوقات بائنة عن الذات كالخلق والرزق، لأن ذات الله ليست محلًا للحوادث. وإنما كان اختلاف المسلمين حول تصنيف الكلام، فأهل السُنة اعتبروه صفة ذات ومن ثم فهو قديم، والمعتزلة اعتبروه صفة فعل ومن ثم عدّوه مخلوقًا محدثًا.

يقول في "منهاج السُنة" (ج2، ص377-378): "وقول القائل الصفات تنقسم إلى صفة ذات وصفة فعل، ويفسر صفة الفعل بما هو بائن عن الرب، كلام متناقض. كيف يكون صفة للرب وهو لا يقوم به بحال، بل هو مخلوق بائن عنه؟ وهذا وإن كانت الأشعرية قالته تبعًا للمعتزلة فهو خطأ في نفسه، فإن إثبات صفات الرب وهي مع ذلك مباينة له جمع بين المتناقضين.. فإن قلتم هذا بناء على أن فعل الله لا يقوم به، لأنه لو قام به لقامت به الحوادث، قيل: والجمهور ينازعونكم في هذا الأصل، ويقولون: كيف يعقل فعل لا يقوم بفاعل، ونحن نعقل الفرق بين نفس الخلق والتكوين وبين المخلوق المكون. وهذا قول جمهور الناس كـ......."أهـ.

وهنا هو يكذب ويخلِّط في عدة مسائل:

-الأشعرية ما قالت بالتصنيف متابعة للمعتزلة، فهذا التصنيف أول من قال به هو أبو حنيفة، كما أن المعتزلة تقول إن الكلام صفة فعل بخلاف قول الأشاعرة إنه صفة قائمة بالذات.

-يعتبر أن الاعتقاد بأن صفة الفعل كالخلق والرزق محل عملها بائنًا عن ذات الله لأن ذات الله ليست محلًا للحوادث من تناقض الكلام، وهذا من تجويزه أن تقوم الحوادث بذاته، تعالى الله عما يقول ضعفاء العقول، وكلا النوعين من الصفات، الذات والفعل، صفات قديمة منسوبة لله، ولا تناقض، لكنه لا يفهم أن صفة الفعل ينشأ معها حوادث متغيرة محلها المخلوقات وليس ذات الله.

-يكذب في ادعاء خلاف جمهور السُنة في صفات الفعل لمعتقد المعتزلة والشيعة! وجمهور الأمة عدا الكرامية على أن أفعاله تعالى محلها مخلوقاته بائنة عنه لأن التغير يلحقها ولا يلحقه سبحانه. وممن كذب عليه ابن تيمية، وادّعى حكايته لذلك البهت، الإمام البخاري في كتابه "خلق أفعال العباد".

وقد أنصف الإمام البخاري في كتابه "خلق أفعال العباد"، عندما ردّ على المعتزلة والحنابلة في آنٍ واحد، في تنازعهما في مسألة الكلام، وقد كانت محنة خلق القرآن ما فترت بعد، فميّز بين المتلو والتلاوة، فالكلام صفة ذات، وذاته تعالى قديمة لا تتغير ولا تحل فيها الحوادث، ومن ثم فالقرآن المتلو كلام الله قديم غير مخلوق، ولكن الخلق صفة فعل، تقوم حوادثها في المخلوقات، فيخلق الله أفعال العباد، ومنها تلفظنا بالقرآن، فتلاوتنا للقرآن وكتابتنا له محدثة مخلوقة. وشتّان بين عظمة هذا التمييز للبخاري، وهو اعتقاد أهل السُنة الأشاعرة والماتريدية، وبين تخليط ابن تيمية وجمعه بين أن يكون الكلام صفة ذات وصفة فعل!! ونسبته التغير إلى الله، وعدم تمييزه بين فعل الله القديم وأفعال العباد المخلوقة. والحقيقة أنني لم أقرأ لسلفي واحد من القدماء والمحدثين ما يدل على فهمه وتمييزه لمسألة الكلام إلا الإمام الذهبي رحمه الله، أما من عداه فيبدو أن المسألة فوق مستوى فهومهم.

وأعود فأُذكِّر بأن ابن تيمية كان أقرب في كثير من معتقداته للكرامية وليس للحنابلة، فالإمام أحمد لم يثبت عنه تمام الثبوت سوى أن قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، أما الكرامية فهم أول من ابتدع القول بأن الصفات القديمة تتعلق بها مشيئة قديمة وإرادات حادثة. يقول الشهرستاني في "الملل والنحل" (ص102): "أثبتوا لله تعالى مشيئة قديمة متعلقة بأصول المحدثات، وبالحوادث التي تحدث في ذاته، وأثبتوا إرادات حادثة تتعلق بتفاصيل المحدثات"أهـ. وتابعهم ابن تيمية في هذا المعتقد.

يقول ابن تيمية في منهاج السُنة (ج1، ص148): "الله لم يزل متكلمًا إذا شاء".

ويقول في منهاج السُنة (ج2، ص383): "كان القول الصحيح قول أهل الحديث الذين يقولون: لم يزل متكلمًا إذا شاء، كما قاله ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما من أئمة السنة".

ويقول كذلك في منهاج السُنة (ج2، ص362): "قول من يقول: إنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، بكلام يقوم به، وهو يتكلم به بصوت يسمع، وأن نوع الكلام أزلي قديم، وإن لم يجعل نفس الصوت المعين قديمًا. وهذا هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة".

وهذه عادته في نسبة كل ما يعتقده إلى السلف، وادعاء إجماعهم عليه، وإلحاق فهمه بقولهم، ليفهم منه ما أراد:

- فكونه تعالى لم يزل متكلمًا، دال على أن صفة الكلام قديمة أزلية، وصفاته تعالى كلها قديمة، بلا خلاف بين أهل السُنة. سبحانه لا يلحقه تغير.

- أما قرن هذه الصفة بمشيئته في كيفيتها وزمنها، فترتبط بحوادث يُحدثها في خلقه، وليس ما ادّعاه سلفه الكرامية؛ فالله يخلق فيمن يشاء من خلقه القدرة على تلقي كلامه القديم القائم بذاته. ويبدو أن ابن تيمية يعتقد أن الله تعالى لم يتكلم إلا بالقرآن، وانقضى كلامه، وهو ما لم يقله السلف.

- وأما تحديده أنه تعالى يتكلم بصوت يُسمع، فلم يقم به إجماع أهل السُنة، بل عموم أهل السُنة الذين هم الأشاعرة والماتريدية على أن كلامه تعالى ليس بحرف وصوت، ولكنه لا يفتأ يردد أنه وجماعته هم أهل السُنة.

وإشاراته التي تقطع بأنه يرى أن صفة الكلام فقط هي القديمة، لكن محتوى الكلام حادث على فترات وفقًا لمشيئة الله، كثيرة. منها:

يقول في "منهاج السُنة" (ج2، ص380) موجهًا كلامه إلى الشيعة الإمامية، وهم على عقيدة المعتزلة نفسها فيما يخص خلق القرآن، زاعمًا أن ما يقوله ردًا عليهم هو قول جمهور أهل السُنة: "وإذا كان الجمهور ينازعونكم، فتُقدَّر المنازعة بينكم وبين أئمتكم من الشيعة ومن وافقهم؛ فإن هؤلاء يوافقونكم على أنه حادث لكن يقولون: هو قائم بذات الله، فيقولون قد جمعنا بين حجتنا وحجتكم، فقلنا: العدم لا يؤمر ولا ينهى، وقلنا: الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم"أهـ. ثم يُردف "قالوا –أي الجمهور الذي يدعيه من أهل السُنة-: وبالجملة فكل ما يحتج به المعتزلة والشيعة مما يدل على أن كلامه متعلق بمشيئته وقدرته، وأنه يتكلم إذا شاء، وأنه يتكلم شيئًا بعد شيء، فنحن نقول به؛ وما يقول به من يقول: إن كلام الله قائم بذاته، وإنه صفة له، والصفة لا تقوم إلا بالموصوف فنحن نقول به، وقد أخذنا بما في قول كل من الطائفتين من الصواب، وعدلنا عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما"أهـ.

وهذا إقرار صريح منه على أنه يوافق الشيعة والمعتزلة في القول بأن القرآن حادث مخلوق، ولكنه جمع مع اعتقادهم اعتقاد السُنة بأنه قائم بذات الله!!

ويقول في "منهاج السُنة" (ج1، ص177): "أئمة أهل الملل وإن قالوا: إن الرب لم يزل متكلمًا إذا شاء ولم يزل حيًا فعالًا، فإنهم يقولون: إن ما سواه مخلوق حادث بعد أن لم يكن"أهـ.

ويقول في "منهاج السُنة" (ج1، ص235): "معلوم أن الشيء الذي يريد الفاعل أن يفعله، لا يكون شيئًا قديمًا أزليًا لم يزل ولا يزال، بل لا يكون إلا حادثًا"أهـ, وأقول: قوله هذا منطقي، في ضوء اعتباره الكلام صفة فعل كاعتقاد المعتزلة.

ويقول في "منهاج السُنة" (ج2، ص380): "ومن قال إنه لم يزل ينادى موسى في الأزل، فقد خالف كلام الله مع مكابرة العقل، لأن الله يقول‏‏‏: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ﴾ [النمل: 8]. وقال: ﴿إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]، فأتى بالحروف الدالة على الاستقبال"أهـ.

وأقول: لو كنت تميز أن الكلام القديم، الذي هو صفة ذات وليس صفة فعل، لمّا أراد الله إنزاله على رسله أو إسماعه لموسى عليه السلام، أو أمر شيئًا من مخلوقاته، خلق لهم في أنفسهم القدرة على تلقيه، لزال عنك خلطك. ولكنه لا يُميز بين صفتيّ الكلام والخلق، ولا يفتأ يشير إلى أن كل ما سوى الله مخلوق مفعول محدث، وهذا صحيح بالنسبة لمخلوقاته، ولكن ماذا عن صفاته يا ابن تيمية، والكلام من صفاته؟

إن أي مدقق وراء كلامه يرى تلميحات، بل وتصريحات، متكررة متناثرة، عن اعتقاده بأن صفة الكلام لدى الله قديمة، ولكن القرآن ذاته مخلوق، حادث على فترات، وفقًا لمشيئة الله، وكان هذا من تناقضاته المنهجية؛ إذ كيف يتفق كون الكلام قديمًا مع كونه يتجدد ويحدث (بذاته تعالى) وفقًا لمشيئته؟! واعتقاده للمدقق –ورغم كل التحوير- هو أقرب لقول المعتزلة في خلق القرآن، لأن إدعاءه قيامه بالذات، لم يمنع إثباته لحداثته.

بالرغم من ذلك، فإنه يُصر صراحة ويُقرر أن اعتقاد السُنة هو أن القرآن كلام الله قديم غير مخلوق. يقول في "منهاج السُنة" (ج2، ص363): "وبالجملة أهل السُنة والجماعة، أهل الحديث، ومن انتسب إلى السُنة والجماعة من أهل التفسير والحديث والفقه والتصوف كالأئمة الأربعة، وأئمة أتباعهم، والطوائف المنتسبين إلى الجماعة كالكلابية والكرامية والأشعرية والسالمية يقولون: إن كلام الله غير مخلوق، [والقرآن كلام الله غير مخلوق (العبارة ساقطة من أربع نسخ)]، وهذا هو المتواتر المستفيض عن السلف، والأئمة من أهل البيت، وغيرهم، والنقول بذلك متواترة مستفيضة"أهـ. ويضيف (ج2، ص374-375) "احتجّ الإمام أحمد رضي الله عنه وغيره على أن كلام الله غير مخلوق بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بكلمات الله تعالى التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر" قالوا: لا يُستعاذ بمخلوق، وكذلك ثبت عنه أنه قال: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك" وقالوا: لا يُستعاذ بمخلوق"أهـ.

لذا؛ ولأجل تلك التناقضات الثابتة عنه، فإنه بالرغم من إثباته في بعض مواضع من كتبه لعقيدته في أن القرآن كلام الله قديم غير مخلوق، كما هو اعتقاد أهل السُنة، وبالرغم من نفيه قدم العالم أو حتى قدم جزء منه في كتاباته، إلا أنّ لازم ما اعتقده في قيام الحوادث بذاته تعالى، وتوفيقه العجيب بين صفة الذات وصفة الفعل، وجعل الكلام ضربًا خليطًا من كليهما، قد أدى لاتهامه بالاعتقاد بكل من خلق القرآن وقدم العالم؛ فاتهمه علماء السُنة بالقول بخلق القرآن رغم نفيه ذلك في مواضع، وادعائه أن اعتقاده أن كلام الله قديم، ولم يتوقف الأمر عند ما اتهموا به المعتزلة؛ لأن المعتزلة قالوا: إن الكلام صفة فعل يُحدثها الله في مخلوقاته وليس في ذاته، وقالوا: ذات الله ليست محلًا للحوادث، فلم يُتهموا بالقول بقدم العالم. لكن ابن تيمية اُتُهِم بالقول بقدم العالم، لأنه لمّا جوّز على الله وهو القديم سبحانه أن يكون محلًا للحوادث، جاز أن يكون كل ما هو محل للحوادث قديمًا، فقيل عنه اعتقاده أن العالم قديم، رغم نفيه ذلك في كتبه، وكان يمكن أن يتهموه بالمزيد ولكن يبدو أنهم ترفعوا عنه؛ ذلك أن ما لم يخلُ من الحوادث فهو حادث، فكلامه يقتضي نفي الأزلية عن الله أو القول بقِدم العالم، وحاشا لله أن يعتقد بهذا مؤمن، وربما هو لم يفهم الأمر على ما ألزموه به، ومن الواضح لي تمامًا أنه لم يعتقده، بل ولم يخطر بباله أن يجرّه اعتقاده في قيام الحوادث بذات الله إلى الاتهام بالقول به. لكن لا نُخطِّئ من اتهموه، فمن خاض في عقائد شاذة باطلة -قيام الحوادث بذاته تعالى، وجعل الكلام صفة فعل وموضع حدوثه في ذات الله!- يلزمه كل ما ترتّب عليهما. كما أن له كلام يُفهم منه أنه لا يُسلِّم بمقدمة الأشاعرة "ما لم يخل من الحوادث فهو حادث"، ومجرد نقده لهذه المسلمة يدل على مستوى عالٍ من التخبط العقلي والمكابرة، ومن يحاول التمنطق من السلفية المعاصرين -وما أبعدهم عن المنطق- يدافعون عن هذا التخبط.

وقصة محن ابن تيمية وما صحبها من فتن بسبب اعتقاداته وفتاواه أوردها العديد من الأئمة في كتبهم، ومنهم الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه "الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة" (ج1، ص144 : 149)‏. قال بشأن استتابته: "وُجد خطه بما نصه (الذي اعتقد أن القرآن ‏معنى قائم بذات الله، وهو صفة من صفات ذاته القديمة، وهو غير مخلوق، وليس بحرف ولا ‏صوت، وأن قوله الرحمن على العرش استوى ليس على ظاهره، ولا أعلم كنه المراد به، بل لا ‏يعلمه إلا الله، والقول في النزول كالقول في الاستواء)، وكتبه أحمد بن تيمية، ثم أشهدوا عليه أنه ‏تاب مماينًا في ذلك مختارًا، وذلك في خامس عشرى ربيع الأول سنة 707، وشهد عليه بذلك ‏جمع جم من العلماء وغيرهم، وسكن الحال، وأُفرج عنه، وسكن القاهرة"أهـ.

كما ذكر استتابته في مصر كتابة سنة 707هـ كي تكون حجة عليه، ابن المعلم القرشي في "نجم المهتدي ورجم المعتدي" (مخطوطة،630-631)، وهو مخطوط في المكتبة الوطنية بباريس رقم (638). ومما أورد أن "ابن تيمية هدى الله قلبه للتوبة والرجوع والأوبة فادعى للطاعة، فاقترح عليه قاضي القضاة ابن جماعة أن يكتب بخطه ما يؤاخذ ‏به إن لم يقف عند شرطه، وبعد أن كتب تلك الصيغة بخطه توج خطه قاضي القضاة بدر الدين ابن ‏جماعة بالعلامة الشريفة، وشهد عليه جماعة من العلماء. ونص استتابته مدونة ومنقولة بالكتاب من خط يد ابن تيمية وهي كالتالي: "الحمد الله، الذي اعتقده أن القرءان معنى قايم بذات الله، وهو صفة من ‏صفات ذاته القديمة الأزلية، وهو غير مخلوق، وليس بحرف ولا صوت، وليس هو حالًا في ‏مخلوق أصلًا لا ورق ولا حبر ولا غير ذلك،........"أهـ.

وأقول: وكتابته لنص ما جاء في الاستتابة دليل على أنه كان قد ثبت عنه أنه يقول بعكسه، أو ما يوهم بعكسه.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيللمتصوفة في طرائقها طرقا لا تحصى. تماما كما أن الاختلاء بالجسد هو الاختلاء بالكون وما فيه، والانزواء بالروح هو عين الانفتاح على خباياه وإشكالاته. وفي هذا الكلّ المحير للمنطق تكمن الوحدة الحية للشخصية الصوفية الكبرى في ابتلائها وبلائها، ومنازلها ومنازلاتها، وعنائها ومعاناتها، ومكابداتها واكتشافاتها معنى الحقيقة وحقيقة المعنى.

فالطريق الصوفي في بدايته كسر للإرادة، وفي وسطه مساعي متنوعة لصهرها وإعادة بنائها بمعايير الحق، وفي نهايتها وقوف دائم بالحقيقة. وقد كانت بداية ووسط ونهاية الفضيل بن عياض أحد النماذج الحية لهذه الحلقات التي تشكلت منها سلسلة الصيرورة الصوفية للفضيل بن عياض وكينونتها التامة. مع انه لا تمام في التصوف باستثناء المكابدة الخالصة في الإخلاص للحق والحقيقة.

ولد الفضيل بن عياض بسمرقند ونشأ بأبِيْوَرْد وتكامل في الكوفة ومات في مكة (عام 187 للهجرة). بدأ حياته بالشطارة والسرقة على كل من استطاع الوصول إليه، بوصفه أحد قطاع الطرق لينتهي بقطع طريق الحق. بمعنى انه مثّل، على خلاف إبراهيم بن ادهم الذي انحدر من غنى العائلة الملكية إلى فقر المكابدة الصوفية، وعلى خلاف شقيق البلخي الذي ولع في بداية أمره بالتجارة والمال وانتهى بإفلاسه المادي وغناه الروحي، طريق كسر إرادة الغريزة الهمجية بإرادة الحق. بعبارة أخرى، لقد عاش الفضيل بن عياض عيشة الشطار قبل ان ينشطر قلبه ليخرج منه قيح العبث.

وتنقل لنا الروايات التاريخية المدونة ضمن أمهات تاريخ التصوف والكتب الصوفية عن ان الفضيل بن عياض كان شاطرا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليا يتلو (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ) فلما سمعها قال: بلى يا رب قد آن!

فرجع فأواه الليل إلى خربة فإذا فيها سابلة يقول بعضهم للآخر بان من الأفضل الرحيل من هنا، بينما اقترح البعض الآخر البقاء حتى الصباح خوفا من ان يقطع الفضيل عليهم الطريق. عندها تفكر الفضيل كما ينقل عن نفسه مخاطبا إياه "أنا سعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين هاهنا يخافوني. وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع. اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام ". بعدها ترك خراسان وانتقل إلى الكوفة، فسمع من مختلف علماءها، ثم اعتزل اعتزال المتصوفة، وبعدها انتقل إلى مكة ونزلها إلى أن مات بها عام 187 للهجرة.

غير ان هذه الصورة المكثفة لتنقله ليست إلا خطوط المسار العام والمجرد لسياحته في ارض الخلافة المعنوية. فقد كان من صفاته في الطريق السياحة في أرجاء الخلافة. وهي الممارسة التي أسس لها الفضيل بمعايير الجسد، قبل ان ترتقي لاحقا إلى قاعدة في طريق قهر الارادة وتربيتها على تمل مصاعب الوجود. وضمن هذا السياق يمكن فهم الصيغة التي حاول أبو نعيم الأصفهاني من خلالها رسم معالم الروح والجسد المميزة للفضيل، والتي وضعها في عبارة تقول "كان الفضيل من الخوف نحيفا، وللطواف أليفا". ومن شخصيته هذه بلور احد المبادئ أو القواعد الكبرى للتصوف والقائلة: "إن التصوف المبادرة في السفر والمساهرة في الحضر"[1]. لكنها، شأن كل وصف من هذا القبيل، قد تعكس بعض الجوانب الجوهرية في الشخصية لكنها لا تلمّ بما فيها من أفكار خاصة وتجربة فردية. بمعنى انه وصف من بين أوصاف يمكنها ان تكشف الانطباع الظاهري أو شخصيته الثقافية. وبالتالي يمكنها ان تسلط الضوء على ما فيه وليس حقيقته الباطنية.

فقد قال عنه خادمه إبراهيم بن الأشعث "ما رأيت أحدا كان الله في صدره أعظم من الفضيل، كان إذا ذَكر الله أو ذُكر عنده أو سمع القرآن ظهر به من الخوف والحزن وفاضت عيناه، وبكى حتى يرحمه من يحضره. وكان دائم الحزن شديد الفكرة. ما رأيت رجلا يريد الله بعلمه وعمله، وأخذه وعطائه، ومنعه وبذله، وبغضه وحبه، وخصاله كلها غيره. كنا إذا خرجنا معه في جنازة لا يزال يعظ، ويذكر ويبكي كأنه مودع أصحابه ذاهب إلى الآخرة حتى يبلغ المقابر فيجلس مكانه بين الموتى من الحزن والبكاء، حتى يقوم وكأنه رجع من الآخرة يخبر عنها"[2]. وفي موقع آخر قال "رأيت سفيان بن عيينة يقبل يد الفضيل مرتين". وضمن هذا التقييم ما قاله عنه أبو علي الرازي:"صحبت الفضيل بن عياض ثلاثين سنة ما رأيته ضاحكا ولا مبتسما إلا يوم مات ابنه". وعندما قال له بذلك أجاب "إن الله أحب أمرا فأحببت ما أحب"[3]. وهو تصوير يعكس جوهرية الله والخوف والحزن والتأمل الفكري الدائم. بينما وجد بشر بن الحارث فيه نموذجا "لأكل الحلال" كما في قوله "عشرة ممن كانوا يأكلون الحلال، لا يُدخلون بطونهم إلا حلالا ولو اسْتَفُّوا التراب والرماد" وجعل الفضيل بن عياض بينهم إلى جانب إبراهيم بن أدهم، وسليمان الخواص، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي، وداود الطائي، ووهيب بن الورد وغيرهم. بينهما شدد ابن المبارك على جوهرية الورع في شخصيته. بحيث نراه يفرز فيه هذه الصفة مقارنة بما عند الآخرين، كما في قوله "رأيت أعبد الناس عبد العزيز بن أبي روَّاد، وأورع الناس الفضيل بن عياض، وأعلم الناس سفيان الثوري، وأفقه الناس أبا حنيفة". وهي الصفة التي شاطرها اغلب من وصفه كما في قول إبراهيم بن شماس "رأيت أفقه الناس، وأورع الناس، وأحفظ الناس وكيعا والفضيل وابن المبارك". بل نرى ونسمع هذا الوصف بما في ذلك على لسان هارون الرشيد، بأثر لقائه به كما في قوله "ما رأيت في العلماء أهيب من مالك، ولا أورع من الفضيل".

وعموما تراكمت فضيلة الفضيل بن عياض في سيل متنوع الروافد لكنها كانت جميعا تصب في الموقف منه باعتباره احد أفضل المشايخ والعلماء. فقد قال عنه عبيد الله القواريري، ان الفضيل بن عياض بين أفضل من رأى من المشايخ. بينما قال ابن المبارك عنه "إن الفضيل بن عياض صدق الله فأجرى الحكمة على لسانه، فالفضيل ممن نفعه علمه"، وانه "ما بقي على ظهر الأرض عندي أفضل من الفضيل بن عياض". وقال عنه أيضا "إذا نظرت إلى الفضيل، جَدَّد لي الحزن، ومقت نفسي". ثم بكى. بل نراه في خاتمة المطاف يقول "ما بقي في الحجاز أحد من الأبدال إلا الفضيل بن عياض". في حين قال البعض عنه "لم يزل لكل قوم حجة في أهل زمانهم، وإن الفضيل بن عياض حجة لأهل زمانه". بل وتنسب إلى هارون الرشيد قولة "ما رأت عيناي مثل الفضيل بن عياض. دخلت عليه فقال لي: فرّغ قلبك للحزن وللخوف حتى يسكناه، فيقطعاك عن المعاصي، ويباعداك من النار".

ولا يعني ذلك سوى صيرورته الروحية في مثال مرجعي في العلم والعمل والسلوك. اذ جّسد في ذاته وشخصيته وحدة المتناقضات الحية. وقد تكون العبارة التي رسمها إسحاق بن إبراهيم الطبري من بين أكثرها دقة كما في قوله عنه "ما رأيت أحدا أخوف على نفسه، ولا أرجى للناس من الفضيل. كانت قراءته حزينة، شهية، بطيئة، مترسلة، كأنه يخاطب إنسانا". وهو وصف اقرب إلى ما قاله خادمه إبراهيم بن الأشعث:"ما رأيت رجلا يريد الله بعلمه وعمله، وأخذه وعطائه، ومنعه وبذله، وبغضه وحبه، وخصاله كلها غيره". إننا نعثر في هذه الأوصاف على جمع الفضيل بين الأضداد، وهي الذروة التي يبلغها الروح بوصفه حامل المطلق. ووضع ذلك في جملة مفاهيم ومواقف الجمع بين الضدين بوصفه أسلوب بلوغ الاعتدال والحقيقة، كما في قوله"حزن الدنيا يذهب بهمّ الآخرة، وفرح الدنيا للدنيا يذهب بحلاوة العبادة"[4].

والمقصود بوحدة التناقضات الحية هي تفعيل وحدة الأحوال في العلم والعمل. من هنا تميز الفضيل بكونه "دائم الحزن شديد الفكرة". ولا يعني ذلك سوى التعامل الوجداني الحي تجاه كل ما في الوجود. والوجود تناقض لا يتناهى ولا ينتهي. الأمر الذي يثير في القلوب الحية على الدوام شعور الحزن والمحبة. ومنهما تتولد على الدوام شرارة التفكر والتأمل الدائم. وهي الحالة التي صورتها العبارة القائلة بان كل ما كان يقوم به الفضيل من علم وعمل،وأخذ وعطاء، ومنع وبذل، وبغض ومحبة هو لله، أي للمعيار المتسامي في الموقف من الأشياء والسلوك. وضمن هذا السياق يمكن فهم مضمون العبارة التي قال بها عبد الله بن المبارك عن انه "إذا مات الفضيل ارتفع الحزن"[5]. بمعنى بلوغه في هذا الحال ذروة المقام.

ان الذروة المتحققة في شخصية الفضيل بين عياض، التي وجدت انعكاسها في الصفات الجوهرية الملازمة لوجده ووجوده من حزن وتفكر وورع وخوف هي الوجه الآخر لتجاربه الشخصية ووعيه الذاتي. وهي تجارب ليست معزولة عن مخاض الدخول في الطريق الصوفي، أو تجربة انكسار الإرادة الأولى وأثرها اللاحق في المسار الشخصي للطريق. فهو بمعنى ما الوجه النقيض للماضي، والذي يسري، شأن كل مسار صوفي مهذًّب في مقامات الرقي الروحي وبلوغ ذروتها المعرفية في إدراك الحقيقة، اي حقائق الأحوال الباطنة والظاهرة. فقد اخذ مرة بيد سفيان بن عينة وقال له:"إن كنت تظن أن بقي على وجه الأرض شرّ مني ومنك فبأس ما تظن"[6]. وحالما يجري قلب هذه العبارة بمعايير الحال والمقام، فإنها تعني ضرورة التهذيب الدائم للإرادة والقلب، اي تهذيب الروح الأخلاقي العملي والمعرفي من اجل بلوغ الإخلاص في العلم والعمل. من هنا توسعه في نقد النفس وتهذيبها عبر وضعها على لهيب المحاسبة الذاتية كما في اقواله العديدة مثل "كيف ترى حال من كثرت ذنوبه، وضعف علمه، وفني عمره، ولم يتزود لمعاده"، و"يا مسكين! أنت مسيء وترى أنك محسن، وأنت جاهل وترى أنك عالم، وتبخل وترى أنك كريم، وأحمق وترى أنك عاقل، أجلك قصير، وأملك طويل" وامثالها العديدة. بحيث اوصله ذلك في نهاية المطاف للقول "كفى بالله مُحبا، وبالقرآن مؤنسا، وبالموت واعظا، وبخشية الله علما، وبالاغترار جهلا".

إننا نعثر في هذه المواقف والأحكام عن النفس ها على رقة الإخلاص الذي يميز دموع الأطفال البريئة عن دموع التماسيح البشرية! من هنا رؤية الوجود عبر موشور النقاء الخالص. وقد وضع ذلك عبر تجاربه الفردية بصيغ مختلفة ومتنوعة لكنها تصب شأن الجداول في بحر البحث عن اليقين. وهو يقين ظاهره نفي المظاهر والعابر، وباطنه انتصاب القلب في طلب الحق، كما في قوله "لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي حلالا لا أحاسب بها في الآخرة، لكنت اتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه"[7]. وأن يقول في حال آخر "لو خيرت بين أن ابعث فادخل الجنة وبين أن لا ابعث، لاخترت أن لا ابعث"[8]. وعندما قيل لم ذالك، أجاب "من الحياء". وأن يقول في حال آخر "والله لأن أكون هذا التراب أو هذا الحائط أحب إلي من أن أكون في مسلخ أفضل أهل الأرض اليوم"[9]. وفي حال آخر قال "لو خيرت أن أعيش كلبا وأموت كلبا ولا أرى القيامة لاخترت أن أعيش كلبا وأموت كلبا ولا أرى يوم القيامة"[10]. وانتهى في مواقفه هذه بقول يحتوي في أعماقه على كامل تجربته بهذا الصدد من خلال بلورة فكرة اللاشيء كما في قوله "ما اغبط ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، يعاين القيام وأهوالها. ما اغبط إلا من لم يكن شيئا"[11].

ان اعتبار الحياة العادية مجرد قذارة هو الذي حدد موقفه منها ومن نفسه فيها. وبالتالي ليس رغبته عن تفضيله البقاء في "قبر" الوجود على الانبعاث إلى "جنة الخلد"، أو تفضيله ان يكون ترابا أو حائطا، وانه لا يغبطه شيئا أكثر من ان يكون لا شيء، سوى الصيغة العميقة للحزن الذي يعتصر العقل والقلب في رؤيته لديمومة القذارة الفعلية التي تلف وجود البشر، كما كان الحال بالنسبة لديموقريطيس (الفيلسوف الباكي)، الذي اختلى بنفسه بأثر تأمل الحياة ومستوى الانحراف الأخلاقي فيها، لكي يكتشف الحقيقة القائلة بان الوجود والعدم نار تحترق بمقدار وتنطفئ بمقدار. وهذه بدورها ليست إلا لهيب المعاناة والتأمل العميق للوجود وإشكالاته، التي تجعل المرء "شاهدا لغائب" كما تقول المتصوفة، وليس "غائبا لشاهد". بمعنى ان تكون في صلب الوجود والحياة والبشر بالقلب والحقيقة، وليس مستمعا لما فيها، اي حاضرا بجسدك غائبا بروحك.

لقد كانت هذه المواقف والاستنتاجات مستنبطة من التأمل العقلي الوجداني للحقيقة وتعبيرا عنها. لهذا نراه يجيب على قول ابنه علي:

يا أبتي إن الحلال عزيز.

يا بني، وإن قليله عند الله كثير!

وعندما سأله احدهم:

يا أبا علي ما الخلاص مما نحن فيه؟

أخبرني من أطاع الله هل تضره معصية أحد؟

لا!

فمن يعصي الله هل تنفعه طاعة أحد؟

لا!

هو الخلاص إن أردت الخلاص!

لقد وضع الفضيل الله في صلب المعيار التام للأقوال والأعمال. اذ ليس الله بالنسبة للفضيل (والمتصوفة جميعا) سوى الحق المطلق، ووحدة الحق والحقيقة، ووتر الأخلاق المشدود برقة الاستماع إلى ضربات الوجد والوجود، ودمعة الأطفال البراقة على وجنة البراءة المخدوشة، والوقوف في كل ما له صلة بالروح المتسامي. من هنا يمكن فهم مضمون العبارة التي قال احدهم عنه "ما رأيت رجلا يريد الله بعلمه وعمله، وأخذه وعطائه، ومنعه وبذله، وبغضه وحبه، وخصاله كلها غير الفضيل بن عياض". اذ نعثر في هذه العبارة على ما وضعه الفضيل نفسه من أفكار ومواقف مثل قوله "عاملوا الله بالصدق في السر، فان الرفيع من رفعه الله. وإذا أحب الله عبدا اسكن محبته في قلوب العباد"[12]. وأن "من خاف الله لم يغرّه شيء، ومن خاف غير الله لم ينفعه احد"[13]. وأن "من مقت نفسه في ذات الله آمنه الله من مقته"[14]، و"إذا أحب الله عبدا أكثر غمه، وإذا ابغض الله عبدا أوسع عليه دنياه[15]. وأن "أحق الناس بالرضا عن الله أهل المعرفة بالله"[16]، وأن "إن رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله".

إننا نعثر في هذه الأفكار على مواقف أخلاقية عميقة اقرب ما تكون إلى المعارضة المتسامية في موقفها من الواقع. بمعنى أنها تواجه بمعايير الحق والحقيقة سواء تعلق الأمر بالصدق والاغترار والعزة الباطنية وحقيقة الغنى وما شابه ذلك والتي اختتمها بفكرة عميقة تقول بان معايير الحق والحقيقة هو معرفة الحق والحقيقة والعمل بهما.

وليس الله هنا سوى الحق المجرد والحقيقة المتسامية. من هنا قوله "أكذب الناس العائد في ذنبه. وأجهل الناس المُدِلّ بحسناته. وأعلم الناس بالله أخوفهم منه". بعبارة أخرى، ان معيار الحق والحقيقة في الله، أو معيار الله في الحق والحقيقة مرهون بالنسبة للفضيل بالمعرفة الصادقة والعمل بمعاييرها، من هنا قوله "رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله. وزهادته في الدنيا على قدر رغبته في الآخرة. من عمل بما علم استغنى عما لا يعلم، ومن عمل بما علم وفَّقه الله لما لا يعلم، ومن ساء خلقه شان دينه وحسبه ومروءته". وقد حوّل الفضيل بت عياض هذه الحقائق المستنبطة من تجاربه الفردية إلى حقائق متحكمة في السلوك الباطني والظاهري لنفسه وللآخرين. من هنا قوله "بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله"، و"إن قدرت أن لا تعرف فافعل، وما عليك أن لم يثن عليك". وشكلت هذه الأفكار ما يمكن دعوته بمرجعيات الروح الأخلاقي في مواجهة كل ما يواجهه في الحياة. من هنا قوله "من أحب أن يذكر لم يذكر، ومن كره أن يذكر ذكر"، وأن "ترْك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله عنهما". ذلك يعني ان العصمة الذاتية هي الوجه الفعلي للعلم والعمل في مواجهة الواقع أيا كان شكله وقيمته ومحتواه. بحيث نرى الفضيل يقول "لا يكون العبد من المتقين حتى يأمنه عدوه". بل ونسمعه يحلف قائلا "والله ما يحل لك أن تؤذي كلبا ولا خنزيرا بغير حق، فكيف تؤذي مسلما". فالإنسان في نهاية المطاف يقف على الدوام أمام سلسلة الماضي والحاضر والمستقبل، ويستمد منها قيمته وأثره في بلورة الشخصية الصوفية ومواقفها العملية، كما في قوله "إنما أمس مثلٌ، واليوم عمل، وغدا أمل".

ان هذه الحصيلة المتنوعة في المواقف تتوحد في انتمائها لفكرة القلب، بوصفه الإناء الذي ينضح ما فيه، أو المرآة التي تتجلى بها رؤية الوجود الحق أو رؤية الحقيقة. فمن حيث كونه إناءا ينسكب مما فيه في مختلف المواقف مثل قوله "ثلاث خصال تقس القلب: كثرة الأكل وكثرة النوم وكثرة الكلام"، و"كما أن القصور لا تسكنها الملوك حتى تفرغ، كذلك القلب لا يسكنه الحزن من الخوف حتى يفرغ"[17]. ومن هنا موقفه "لا يسلم قلبك حتى لا تبالي من كل الدنيا"[18]. فالعين، على سبيل المثال "ما لم يكن بصرها بالقلب فكأنما أبصرت سهوا"[19]. بحيث جعله ذلك يقول، بان "نقل الصخور من الجبال أيسر من إزالة رياسة قد ثبتت في قلب جاهل"[20]. وقد كانت مواقفه هذه كلها نتاج "قرح القلب"، اي معاناته الفعلية بمعايير الحق والحقيقة. وقد صورت هذه الحالة الحكاية الواردة على لسان سهل بن راهويه عندما قال لسفيان بن عيينة:

ألا ترى إلى الفضيل لا تكاد تجف له دمعة

إذا قَرِح القلب نديت العينان!

أما من حيث كونه رؤية الوجود الحق أو رؤية الحقيقة فيظهر في توسع أعماق الرؤية الباطنية للوجود ومداها وأثرها في المواقف الفعلية من النفس، أو المراقبة الذاتية، بوصفها أسلوب التنقية الدائمة للقلب وتصفيته من كدر الوجود وخبائث المعدوم. وهذا بدوره ليس إلا التعبير المناسب لتجربته الصوفية ونوعية تأسيسه لبعض المفاهيم الجوهرية بالنسبة للطريقة كالورع، والخلوة، والجوع، والخوف، والبلاء، والزهد، والرضا، والتوكل، اي كل ما يشكل عصب الطريقة والحقيقة. فالورع بالنسبة له ليس كمية المظاهر التي لا تخلو من رياء محتمل، بل هو مجرد "اجتناب المحارم"، ومن بين أشده هو "الورع في اللسان". بعبارة أخرى، انه لم يذهب باتجاه التفريع والتدقيق واكتفى بالحد الذي يقيد أخلاق المرء بحدود الفضيلة الباطنية وتعبيرها الظاهري في اللسان. فاللسان هو سوط الرذيلة حالما لا تقيد كلماته وعباراته أحرف الأخلاق وكلمات الحقيقة.

ووجد في الخلوة احد أساليب هذا التقييد الذاتي. فهو الأسلوب الذي يجمع التصوف والمتصوفة، لكنه شأن كل مفاصل المقامات الكبرى مرتبط من حيث حدوده ونوعيته وأثره في السلوك بالتجربة الفردية للصوفي. وقد اتخذت عند الفضيل أولويتها على الأنس. حيث تروى عنه الحادثة التالية. كان الفضيل جالسا وحده في المسجد الحرام، فجاء إليه أخ له فقال له:

ما جاء بك؟

المؤانسة يا أبا علي!

هي والله بالمواحشة أشبه! هل تريد إلا أن تتزين لي وأتزين لك؟ وتكذب لي واكذب لك؟ أما أن تقوم عني أو أقوم عنك![21]

وضمن هذا السياق يمكن فهم حقيقة قوله:"طوبى لمن استوحش من الناس، وأنس بربه وبكى على خطيئته"[22]. وضمنها أيضا يمكن فهم حقيقة موقفه من الجوع. فقد كان يخاطب نفسه "أي شيء تخافين؟ تخافين أن تجوعي؟ لا تخافي ذلك! أنت أهون على الله من ذلك، إنما يجوع محمد وأصحابه"[23]. بل نراه يرفع من شأن الجوع إلى مستوى الفضيلة الكبرى، كما في قوله:"الهي! أجعتني وأجعت عيالي وتركتني في ظلم الليالي بلا مصباح، وإنما تفعل ذلك بأوليائك، فبأي منزلة نلت هذا منك؟"[24]. ولا يعني ذلك سوى الاعتزاز بإرادته في تحدي وتذليل الأنس الفارغ الذي يجزع الناس بدونه، وجوع البطون الخاوية بجوع الارادة بوصفها تحد للنفس، ومعيار موقعها في مدارج الحقيقة.

وليس مصادفة ان تتحول دهاليز الإرادة الباحثة عن مخرج عبر الورع والجوع إلى ممر الخروج صوب أهمية وجوهرية فكرة الخوف، بوصفها فكرة تقويم الارادة الناطقة بمنطق الحق وذوق الحقيقة،كما في قوله "إذا قيل لك تخاف الله؟ فاسكت. فإن قلت (لا) كفرت، وإن قلت (نعم) فليس وصفك وصف من يخاف"[25]. من هنا استنتاجه القائل:"الخوف أفضل من الرجاء مادام الرجل صحيحا. فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل من الخوف"[26]. وما بينهما تبلورت فكرة البلاء وأهميتها بالنسبة لامتحان النفس والإرادة، كما وضعها في قوله "لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة، وحتى لا يبالي من أكل الدنيا، وحتى لا يحب أن يحمد على عبادة الله"[27].

ان تحول البلاء إلى نعمة تعني جوهريتها أو مرجعيتها بالنسبة للإرادة في السلوك والعمل. فالإرادة الإنسانية محاصرة بقوة الغريزة والمصالح والعادات والتقاليد والأعراف والقيم السائدة والتصورات العقائدية وما إلى ذلك من قوى تقيّد أو تحبط الارادة الصوفية، بوصفها حرية السلوك المحكوم بقوة الحق والحقيقة. وقد قدم الفضيل بن عياض نماذج عدة لهذه الرؤية كما في قوله "الشيطان إنما يدور على هلاك الخلق"[28]، اي الرذيلة بمختلف أشكالها ومستوياتها وصورها عادة ما تلتف حول إرادة الإنسان لكي تكبله بأثقالها. ومن هنا استنتاج القائل بأنه "ليس في الأرض شيء اشد من ترك الشهوة"[29]. لهذا اعتبر "حب الدنيا وطول الأمل" من بين أكثر الخصال خطورة بهذا الصدد، بمعنى إهمال حقيقة المعنى الفعلي للحياة والأمل. فحقيقة الحياة هي العطاء لا الأخذ، وان الأمل هو شعاع الروح في وحشة المتوحشين، كما في قوله "من استوحش من الوحدة واستأنس بالناس لم يسلم من الرياء"[30]. كما ان "ترك العمل من اجل الناس هو الرياء"، بل ونراه يدفع هذه الفكرة إلى أقصاها عندما يشدد على ان "والعمل من اجل الناس هو الشرك"[31]. بمعنى ان حقيقة العمل هي العمل من اجل الحقيقة. عند ذاك تكون من اجل الناس بالفعل. وضمن هذا السياق يمكن فهم المعنى الباطن للفكرة التي وضعها في قوله "أمرنا أن لا نأخذ الشيء إلا في وقت الحاجة"[32]. وحاجة الصوفي هي كل ما يهذب ويشذب الارادة، وحصرها ضمن لمعان الحال العابر بعبارة تقول "من واقى خمسا فقد وقى شر الدنيا والآخرة – العجب والرياء والكبر والإزراء والشهوة"[33].

وقد حددت هذه الأفكار المتبلورة في مجرى التجربة الصوفية للفضيل بن عياض مواقفه المتنوعة في الظاهر والمتوحدة في باطنها سواء تجاه النفس أو الآخرين. مع انه لا آخر في حقيقة الموقف الصوفي. ففي بعض مواقفه من نفسه نسمعه يقول: "لو حلفت إني مرائي كان أحب إلي من أن احلف إني لست بمرائي"[34]. وفي موقف أخر يجيب على من قال له مرة عشية عرفة:

كيف ترى حال الناس؟

مغفورون لولا مكاني فيهم"[35].

وقد حقق هذا الموقف النقدي تجاه مختلف مظاهر الجسد وبواطن النفس. لهذا نسمعه مرة يقول "احفظ لسانك، واقبل على شأنك، واعرف زمانك، وأخف مكانك"[36]. ويقول في موقف آخر:"لا تقول اللهم أهلكه، بل قل اللهم أصلحه"[37]. بينما نراه يدقق في موقف آخر بواطن النفس بعد وضعها على محك الإيمان، اي على محك الروح الأخلاقي النقي كما في قوله:"الغبطة من الإيمان، والحسد من النفاق. والمؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط. والمؤمن من يستر ويعظ وينصح، والفاجر يهتك ويعير ويفشي"[38]. و"المؤمن يهمه الهرب بذنبه إلى الله، يصبح مغموما ويمسي مغموما"[39]. في حين يصحح ويدقق في موقف آخر باطن النفس كما في قوله: "لن يتقرب العباد إلى الله بشيء أفضل من الفرائض. الفرائض رؤوس الأموال، والنوافل الأرباح"[40]. ووضع هذه الرؤية في مواجهة مرآة الأخلاق النقية المتمثلة في "أخلاق الأنبياء والأصفياء الأخيار الطاهرة"، الذين تتحكم في قلوبهم خلائق ثلاثة وهي "الحلم، والأناة، وحظ من قيام الليل"[41]. ومنها ومن خلالها يمكن تأمل حقيقة الأخلاق الفعلية للإنسان، أي مرآة أخلاقه الباطنة.

ان المرآة الباطنية بالنسبة للصوفي هي نتاج تجربته العلمية والعملية في الطريق. ولكل صوفي مرآته التي يرى فيها وعبرها الصورة الأكثر صفاء بوصفها صفاء روحه الذاتي، ومن ثم المعيار الذي يقيس به كمية ونوعية العقبات الكبرى من اجل قطع الطريق بقطع العلائق. فمنهم من وجدها في مقام الزهد، وآخر في الرضا وغيره بالتوكل أو المحبة وما إلى ذلك. بمعنى أن كل منهم مسك بيده مرآته لكي يتحسس من خلالها الوجد الذاتي، ويتأمل الوجود العام والخاص للأشياء والظواهر والقيم، باختصار لكل عوالم الظاهر والباطن. ومع ذلك فالطريق كل واحد. وقد كانت مرآة الله أو الحق هي الأكثر صفاء في قلبه والأشد تمسكا بها في مساره.

غير ان الله الصوفي ليس عكازة العميان والتعبان، بل قوة الروح المتوحد بهموم الحق والحقيقة. وقد وجدت هذه القوة فاعليتها المباشرة في الطريق من خلال التركيز على مقامات الزهد، والرضا، والتوكل، والمحبة، بوصفها مقامته الخاصة، اي ممرات الروح الباحث عن الحق، وتنقية مرآة القلب. لهذا نراه يعتبر "الزهد هو القناعة"[42]. وبدونه لا يمكن تذوق حقيقة الإيمان كما في قوله "حرام على قلوبكم أن تصيبوا حلاوة الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا"[43]. من هنا حكمه العام والشامل بهذا الصدد والقائل:"اجعل الشر كله في بيت واحد واجعل مفتاحه الرغبة عن الدنيا، واجعل الخير كله في بيت واحد واجعل مفتاحه الزهد في الدنيا"[44]. بينما وجد في الرضا مرآة يمكن من خلالها رؤية التكامل الذاتي وسموه في الموقف من متناقضات الوجود كما في قوله الرضا هو "إذا استوى عنده المنع والعطاء"[45]. بل نراه يعتبر "درجة الرضا عن الله درجة المقربين، ليس بينهم وبين الله إلا روح وريحان"[46]. وبالتالي، فان "أحق الناس بالرضا عن الله أهل المعرفة بالله". في حين وجد في التوكل مرآة يرى عبرها "الوثوق بالله ولا يتهم ربه ولا يستشير ولي اله ولا يخاف خذلانه ولا يشكوه"[47]. لهذا نراه يسكب حقيقة التوكل في عبارة تقول، بأن "من خاف الله خاف منه كل شيء"[48]. بينما يدرج المحبة ضمن ما اسماه بفرض المحبة، والتي يقوم مضمونها في السكوت حالما يستفسر الآخرون منك فيما إذا تحب الله أم لا،وذلك "ان قلت نعم فليس وصفك وصف المحبين"، كما يقول الفضيل[49]. في حين لا نعثر إلا على القدر القليل جدا من مواقفه النظرية والعملية من الأنس وغيرها من الأحوال والمقامات.

تكشف كل هذه الصورة عن مسار الطريق الذاتي للفضيل بن عياض عما يمكن دعوته بصرامة الاحتجاج العملي والاستقامة مع النفس. الأمر الذي نعثر عليه في مواقفه من العادات والعبادات، والحديث،والبدع، والعلم والعمل، والمعرفة والحكمة، ومختلف المواقف الاجتماعية والسياسية.

ففي موقفه من العبادات اعتبر العبادة أداء الفرائض بوصفها رؤوس الأموال، بينما النوافل هي الأرباح. وبالتالي "لا يصح ربح إلا بعد رأس المال"[50]. غير ان هذه الصيغة المادية الخشنة هي التعبير الظاهري عن حقيقة العبادة بوصفها عمل وحكمة وتفكر وعبرة وما شابه ذلك، وليست حركات الجسد المقننة. ففي معرض مقارنته، على سبيل المثال، بين المؤمن والمنافق في مجال العبادة نسمعه يقول "المؤمن قليل الكلام كثير العمل، والمنافق كثير الكلام قليل العمل. كلام المؤمن حكمة، وصمته تفكر، ونظره عبرة، وعمله بر. وإذا كنت كذا لم تزل في عبادة"[51].

أما في موقفه من الحديث، فقد كان كما صورته الثقافة الإسلامية الورعة والمدققة والمحققة للحديث النبوي بأنه كان صحيح الحديث، صدوق اللسان، شديد الهيبة للحديث إذا حدث. بل وكان يثقل عليه الحديث جدا، بحيث قال مرة لأحدهم سأله بشأن الحديث:"لو أنك طلبت مني الدنانير كان أيسر علي من أن تطلب مني الحديث[52]. ونقل عن محرز بن عون قوله "أتيت الفضيل بمكة، فقال لي: يا محرز، وأنت أيضا مع أصحاب الحديث؟ ما فعل القرآن؟ والله لو نزل حرف باليمن لقد كان ينبغي أن نذهب حتى نسمعه، والله لأن تكون راعي الحمر وأنت مقيم على ما يحب الله خير لك من الطواف وأنت مقيم على ما يكره الله". بل نسمعه مرة يقول "وددت أنه طار في الناس أني مت حتى لا أذكر. إني لأسمع صوت أصحاب الحديث فيأخذني البول فرقا منهم ". وفي ذروة مواقفه بهذا الصدد قال لأصحاب الحديث عن رواية الحديث:"لِمَ تكرهوني على أمر تعلمون أني كاره له؟ لو كنت عبدا لكم، فكرهتكم كان نَوْلي أن تبيعوني. لو أعلم أني إذا دفعت ردائي هذا إليكم ذهبتم عني لفعلت". واختتم موقفه العام والخاص من أهل الحديث والمحدثين في إحدى عباراته التي خاطب بها احدهم:"هؤلاء المحدثون يعجبهم قرب الإسناد. ألا أخبرك بإسناد لا شك فيه؟ انه رسول الله عن جبريل عن الله". بعبارة أخرى انه أراد سحب البساط ممن اسماهم بأهل العجب، أي ذوي الافتخار والتبارز على فتات المعرفة وطحالبها والعيش عليها ومكاسبها. وطابق ذلك مع القراء. ووضع ذلك في عبارة مقتضبة تقول "آفة القراء العُجْب". فقد كان المعروف عنه عداءه للقراء[53]. من هنا نصيحته:"تباعد من القراء فإنهم إن أحبوك مدحوك بما ليس فيك، وإن غضبوا شهدوا عليك وقبل منهم ".

أما الوجه الآخر لموقفه من الحديث وأهل الحديث والقراء فهو موقفه من "البدعة" والمبتدعة. وكانوا هؤلاء يتطابقون عنده مع أهل الأهواء الفكري وأصحاب الخواء الروحي والمعنوي. من هنا موقفه القائل الدقيق "نظر المؤمن إلى المؤمن جلاء القلب، ونظر الرجل إلى صاحب بدعة يورث العمى"[54]. وأن "من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله واخرج نور الإسلام من قلبه"[55]. من هنا موقفه الشخصي القائل "إني أحب من أحبهم الله. وهم الذين يسلم منهم أصحاب محمد، وابغض من ابغضه الله وهم أصحاب الأهواء والبدع"[56]. وذلك لان كل ما فيهم يخلو من حقيقة العلم والعمل كما في قوله "لا يرتفع لصاحب بدعة إلى الله عمل"[57]، وان "من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة"[58]. بل نراه يقول في إحدى حالاته الوجدانية الحادة يقول "لان آكل عند اليهودي والنصراني أحب إلي من أن آكل عند صاحب بدعة اقتدى به الناس"[59].

أما في موقفه من العلم والعمل فتتجلى كامل تجربته المعرفية والأخلاقية. فقد بلور الفضيل بن عياض فكرة ان العلم هو عمل. من هنا قوله "لم يدرك عندنا من أدرك بكثرة صيام ولا صلاة، وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس وسلامة الصدور والنصح للأمة"[60]، وانه "لا حج ولا جهاد ولا رباط اشد من حبس اللسان"[61]. اذ يكسب حبس اللسان عقل ووجدان المعرفة السليمة والمرنة للحق والحقيقة. الأمر الذي يحدد ماهية وقيمة وموقع العالم الحق بالنسبة للأمة ككل. من هنا قوله "يغفر للجاهل سبعون ذنبا ما لم يغفر للعالم ذنب واحد"[62].

ان العالم الحق بالنسبة للفضيل هو عالم الحكمة أو الحكيم المتنور بنور الحق والحقيقة. من هنا وضعه عالم الحكمة أو الحكيم بالضد ممن سيدعوهم الغزالي بعلماء السوء، اي أولئك الذين علمهم بلا عمل. فقد توصل الفضيل في مجرى معاناته الباطنية وتجربته الصوفية إلى الثنائية المتناحرة بين عالم الحق والحقيقة وما غيره، كما في قوله "إنما هما عالمان، عالم دنيا وعالم آخرة. فعالم الدنيا علمه منشور، وعالم الآخرة علمه مستور. فاتبعوا عالم الآخرة واحذروا عالم الدنيا"، ثم قرأ (إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل)[63]. وهؤلاء يعادلون عنده ما يمكن دعوته بمرتزقة "العلم" المزيف. من هنا قوله "إن كثيرا من علمائكم زيه كزي كسرى وقيصر منه لمحمد". اذ "لو كان مع علمائنا صبر ما غدوا لأبواب الملوك". من هنا تفرقته الجوهرية بين العلماء والحكماء، او بين العلماء المأجورين وعلماء الحق والحقيقة، أو من أطلق عليهم اسم الحكماء. من هنا استنتاجه القائل، بان "العلماء كثير والحكماء قلل. وإنما يراد من العلم الحكمة. فمن أوتي الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا". وعندما قال رجل له "العلماء ورثة الأنبياء"، أجابه: "الحكماء ورثة الأنبياء"[64]. وعندما رجل له "العلماء كثير"، أجابه الفضيل:"الحكماء قليل".

لم يقصد الفضيل من وراء هذا التفريق الحاد بين العلماء والحكماء، والعلم والحكمة وضع احدهما بالضد من الآخر، بل لإبراز حقيقة العلم بوصفه حكمة نظرية وعملية. من هنا قوله "من عامل الله بالصدق، أورثه الله الحكمة"[65]. وأن "من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة". بمعنى ان الحكمة وبلوغها تفترض الثبات في الحق وليس التقلب مع الأهواء.

لقد اهبطه الارتقاء الروحي والسمو المعرفة وبلوغ الحكمة إلى عالم الوجود الطبيعي، بوصفه المحك الذي لابد منه في اختبار النفس واختيار الحق فيها. ووجد ذلك انعكاسه في مواقف عديدة تعكس في وحدتها مطلب ما تدعوه المتصوفة بانتصاب القلب في طلب الحق، بمعنى تكاملها الذاتي ووحدتها الباطنية. فعندما طلب منه احد الأشخاص أن يوصيه بوصية، أجابه:"اخف مكانك، واحفظ لسانك، واستغفر لذنبك، وللمؤمنين والمؤمنات، كما أمرك الله"[66]. وعندما نظر إلى رجل يشكو إلى رجل، قال: يا هذا! تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟!". وتوجت هذه المواقف العملية باختيار الفكرة الجوهرية للتصوف عن العلم والعمل ووضعها في صلب مواقفه من كل شيء وفعل وقيم، كما في قوله "بلغني أن العلماء فيما مضى كانوا إذا تعلموا عملوا، وإذا عملوا شغلوا، وإذا شغلوا فقدوا، وإذا فقدوا طلبوا، فإذا طلبوا هربوا". من هنا قوله "لا ينبغي لحامل القرآن ان يكون إلى الخلق بحاجة"، بمعنى ان التمسك بحقيقة الحق تجعل المرء حرا في المواقف، كما تجعله في مواقفه محكوما بالحقيقة كما في قوله، "لم يدرك عندنا من أدرك بكثرة صيام وصلاة، وإنما أدرك بسخاء الأنفس وسلامة الصدر والنصح للعامة". بينما نراه يحدد موقفه من الحياة بعبارة تقول "لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت عليّ حلالا لا أحاسب عليها في الآخرة لكنت اتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه"[67]. وهو موقف مبني على اساس إدراك حقيقة المفارقة بين الحياة والموت بوصفها معادلة المعاناة المتسامية للنفس من اجل خلودها في خلوة العيش بمعايير الحق والحقيقة، وليس بمعايير احتقار الحياة كما هي. وضمن هذا السياق يمكن فهم فكرته القائلة:"الدخول في الدنيا هين ولكن الخروج منها شديد"[68].

ان معادلة الحياة والموت هي معادلة المواقف المتنوعة والمختلفة التي تكشف ما أسميته بمحك الاختيار والاختبار. وقد يكون موقفه من الحياة والموت احد النماذج الحية التي أسست لمواقفه الاجتماعية والسياسية. فعندما قال له مرة رجل:

كيف أصبحت يا أبا علي؟ (وكان لا يحب هذه الأسئلة أو تثقل عليه)

في عافية

كيف حالك؟

عن أي حال تسأل؟ عن حال الدنيا أو حال الآخرة؟ إن كنت تسال عن حال الدنيا فإن الدنيا قد مالت بنا. وإن كنت تسأل عن حال الآخرة، فكيف ترى حال من كثرت ذنوبه، ولم يتأهب للموت، ولم يخضع للموت، ولم يتشمر للموت، ولم يتزين للموت"[69].

ولا يعني عدم تأهبه للموت، وعدم خضوعه للموت، وعدم تشمره للموت، وعدم تزينه للموت، سوى الصيغة القاطعة لإدراك قيمة ومعنى الحياة الحقيقة بوصفها أمانة أمام الله الإنسان والأمة مبنية على اساس الإخلاص والصواب. فقد فسر مضمون الآية (ليبولنكم أيكم أحسن عملا) بمعنى أخلصه وأصوبه. فانه إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا. والخالص إذا كان لله، والصواب إذا كان على السّنة"[70]. بمعنى ان الإخلاص في العمل يفترض صوابه لان الحق حقيقة والحقيقة حق. وهي الدوامة التي تصنع مغزل المواقف المتلونة بألوان الالتزام بالحق. ففي موقفه من المساكين(الفقراء)، على سبيل المثال، نسمعه يقول "بلغني أن نبيا من الأنبياء قال: يا رب كيف لي أن اعلم رضاك عني؟ فقال:انظر كيف رضا المساكين عنك"[71].وعندما سال مرة احد الأشخاص:

ممن أنت؟

مهلبي!

إن كنت رجلا صالحا، فأنت الشريف، وان كنت رجل سوء، فأنت الوضيع كل الوضيع"[72].

لهذا نراه على سبيل المثال يقول "التواضع هو الخضوع للحق والانقياد له أيا كان قائله". وقد كان في مواقفه جميعا نموذجا للخضوع للحق والانقياد له. وقد يكون موقفه من السلطة والسلطان تحقيقا لذلك. بمعنى جمعه بين الابتعاد عن السلطة لكي يبقى حرا في المواقف، ونقد "علماء السلاطين"، والنصيحة للجميع بما يتوافق مع حقيقة الشرع وشرع الحقيقة.

ففي موقفه من "علماء السلاطين" يقول "رجل لا يخالط (السلطان)، ولا يزيد على المكتوبة أفضل عندنا من رجل يقوم الليل ويصوم النهار ويحج ويعتمر ويجاهد في سبيل الله ويخالطهم"[73]. ثم يخاطبهم بعبارة:"ما لكم وللملوك؟ اركبوا طريق الآخرة. ولكن لا ترضون تبيعونهم بالدنيا ثم تزاحموهم على الدنيا. ما ينبغي لعالم أن يرضى هذا لنفسه"[74]. وفي حالة أخرى قال "ما على الرجل إذا كان يه ثلاث خصال. إذا لم يكن صاحب هوى، ولا يشتم السلف، ولا يخالط السلطان"[75]. لقد كان موقفه السلبي من السلطان مبني على اساس تأمل تجارب الخلافة. فقد أشار في أكثر من موقف إلى أهمية وضرورة الإمام الذي تتوقف على صلاحه صلاح الأمة. وعلى ظلمه فساد البلاد والعباد. لها نراه يشير إليه بكلمة "هؤلاء" وليس بالاسم إلا ما ندر. من هنا موقفه الحاد القائل "لان يدنو الرجل من جيفة منتنة خير له من أن يدنو إلى هؤلاء (يعني السلطان)[76]. لهذا ابتعد في حياته عن السلطة والسلطان، إلا في الحالات النادرة التي يتقربون إليه. وكان المعروف عنه انه يمتنع من جوائز الملوك.

ومن بين هذه الحالات النادرة تلك الواقعة التي جرت بينه وبين هارون الرشيد. اذ تنقل الروايات صيغ عديدة مختصرة وموسعة لكنها متشابه من حيث المضمون والمعنى. فالمختصرة تقول، بأنه حالما دخل على هارون الرشيد الذي سعى للتعرف عليه، قال:أيكم هو؟ (فأشاروا إلى الرشيد) فقال "أنت هو يا حسن الوجه؟ لقد وليت أمرا عظيما. إني ما رأيت أحدا هو أحسن وجها منك. فان قدرت أن لا تسود هذا الوجه بلفحة من نار فافعل[77]! وفي صيغة أخرى انه قال له: يا حسن الوجه، حساب الخلق كلهم عليك! أما الصيغة الموسعة فهي تلك التي يرويها الفضل بن الربيع، والتي يقوم مضمونها في كمية النصائح التي ألقاها الفضيل بن عياض على هارون الرشيد. ان مضمونها العام يقوم في أن الخلافة بلاء، أي امتحان للعقل والروح والضمير الأخلاقي. ومن ثم فإن مهمة الخليفة هو السهر على حقوق العامة وتنفيذ كل ما يفرضه الشرع، والتعامل مع الناس بمعايير الإخوة والبنوة والحق. وعندما أعطى له في نهاية الحوار كمية من المال رفضها الفضيل قائلا بأنه ينصح الخليفة من اجل النجاة بينما هو يكافئه بالمال[78]!

لقد جسّد الفضيل بن عياض في تعرجات حياته قدر الاستقامة المحكومة بقوة الحق والحقيقة. كما لو انه الرد الشامل على اعوجاج الجسد المحكوم بقوة الغريزة والنفس الغضبية. فالانتقال من عالم الشطارة والسرقة إلى عوالم الروح هو اختبار للإرادة في دهاليز البحث عن الحق والتحقق به، أي بلوغ حال الوقوف بالحقيقة والعمل بموجبها تجاه إشكاليات الوجود. الأمر الذي جعل من طريقه لغزا، ومن لغزه طريقا للحقيقة.

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

......................

[1] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص84.

[2] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص86.

[3]الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص101.

[4] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص100.

[5] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص87.

[6] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص101.

[7] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص89.

[8] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص84.

[9] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص85.

[10] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص84.

[11] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص90.

[12] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص88.

[13] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص88.

[14] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص104.

[15] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص88.

[16] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص104.

[17] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص101.

[18] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص91.

[19] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص89.

[20] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص267.

[21] الغزالي: الإحياء، ج 2، ص229.

[22] السلمي: طبقات الصوفية، ص12.

[23] الغزالي: الإحياء، ج 3، ص82.

[24] الغزالي: الإحياء، ج 3، ص83.

[25] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص226.

[26] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص89.

[27] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص94.

[28] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص97.

[29] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص98.

[30] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص109.

[31] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص95.

[32] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص99.

[33] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص95.

[34] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص94.

[35] الكلاباذي: التعرف. ص53.

[36] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص94.

[37] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص97.

[38] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص95.

[39] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص97.

[40] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص101.

[41] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص95.

[42] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص267.

[43] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص94.

[44] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص91.

[45] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج2، ص40.

[46] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص97.

[47] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص95.

[48] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج2، ص4.

[49] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج2، ص52.

[50] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج2، ص207.

[51] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص98.

[52] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص86-87.

[53] السلمي: طبقات الصوفية، ص10.

[54] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص103.

[55] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص103.

[56] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص103.

[57] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص103.

[58] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص103.

[59] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص103.

[60] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص103.

[61] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص110.

[62] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص100.

[63] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص141.

[64] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص92.

[65] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص99.

[66] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص97.

[67] الغزالي: الإحياء، ج 3، ص209.

[68] الغزالي: الإحياء، ج 3، ص209.

[69] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص85-86.

[70] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص95.

[71] الغزالي: الإحياء، ج2، ص207..

[72] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص96.

[73] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص98.

[74] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص102.

[75] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص104.

[76] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص98.

[77] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج8، ص105.

[78] وهناك إضافة لهذه القصة بالشكل التالي: فدخلت عليه امرأة عن نسائه فقالت: قد ترى ما نحن فيه من الضيق، فلو قبلت هذا المال. قال: إنما مثلي ومثلكم كمثل قوم لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه! فلما سمع هارون هذا الكلام قال: ندخل فعسى أن يقبل المال. فلما علم الفضيل خرج فجلس في السطح على باب الغرفة، فجاء هارون فجلس إلى جنبه فجعل يكلمه فلا يجيبه، فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا قد آذيت الشيخ منذ الليلة فانصرف! فانصرفنا.

 

 

ميثم الجنابيلقد وضع الغزالي الإنسان في آرائه الظاهرية دون مرتبة الملائكة. لكنه لم يغلق أمام الإنسان إمكانية تجاوزها في مجرى مساعيه الحثيثة "للتخلّق بأخلاق الحق". وإذا كانت آراؤه العامة تتبع في بعض جوانبها اعتبارات اللاهوت الإسلامي عن الملائكة، فإن الأخيرة لم تكن سوى رموز متنوعة ومتعددة في آرائه وأحكامه ومواقفه. إنها أقرب ما تكون إلى علائم. وفي حالات أخرى أقرب إلى إشارات ورموز، وفي حالات أخرى إلى جواهر قائمة بذاتها. الأمر الذي جعل منها مادة مطواعة في مقارناته. وفي الحالة المعنية لا يعني امتيازها بصلاة واحدة سوى وظيفتها "الجزئية" و"الثابتة" بفعل قيمتها المحددة والنهائية في منظومة العبودية لله أو الإلهية، والتي يفرضها منطق الوحدانية اللاهوتية. لكنها اتخذت في صوفية الغزالي ابعادا عبّرت في وظيفتها عن إدراك المرحلة لقيم الأقمار الضرورية في فلك واحديتها الثقافية. إنها مثلت التجسيد الفرداني الروحي للمثل الأخلاقية في صفائها التام والكامل. إذ لا يمكن للثقافة الحية، وبالأخص تلك التي يرتبط وجودها الباطني و"مشكاة" وحيها الأخلاقي بما وراء وجودها الواقعي والتاريخي، أن تتخلى عن الجواهر القائمة في كل ما هو موجود بوصفها ملائكتها الخاصة. وأن تعطي لها في برزخها الثقافي تصوراتها وقيمها المتسامية، باعتبارها الوسائط الضرورية بينها وبين المطلق. وهي الوساطة التي يحدد طابعها المثالي والواقعي تقلبات العصور والمعارف لا غير. وإلا فإن لكل مرحلة ملائكتها في علاقة السيادة والخضوع. وليس مصادفة أن يطابق الغزالي ضمنيا بين السيادة والمسيود في الصلاة الظاهرة مع مثليها في عبودية السلطة والسيطرة، وأن يذلل هذه الظاهرية في البديل الأسمى من خلال محاولته بناء وحدة الروح الإنساني في جمعه بالله، وفي جمع وحدته الداخلية. فهو المثال الذي لا يكف عن إثارة معضلات الفكر الدائمة ويستثير في أعماق الروح المتعطش ضمان بذله الدائم.  

وطبق هذا الاتجاه والنمط على موقفه من الصوم وأسراره، أي لم تعد عبادة الصوم الميدان الممكن للرياء الديني، لأن حقيقته تقوم في سرّيته بوصفه فعلا لا مرئيا. ولا تعني استتاره هنا سوى ذوبان الوسيلة في الغاية، وذلك لأن حقيقة الصوم بنظره لم تعد شيئا ما غير الكفّ عن الأذى وتركه. وإذا كانت جميع أعمال الطاعات الأخرى كالصلاة والزكاة والحج تقوم بمشهد الخلق ومرأى منهم، فإن الصوم لا يرى حقيقته إلا الله. انه عمل من أعمال الباطن. وقد جعله ذلك يدعوه بالصبر المجرّد لأنه قهر للشهوة[1]، ومن ثم تربية للإرادة أيضا. لهذا تكلم عن مراتب ودرجات الصوم، ابتداء من صوم العوام وانتهاء بصوم خصوص الخواص. حيث وجد في صوم العوام مجرد كفّ البطن والفرج، بينما وجد في صوم الخواص كفّ السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام. في حين وجد ذروته عند خواص الخواص في "صوم القلب عن هضم الدنية والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوى الله بالكلّية"[2].

غير أن الغزالي لم يحصر آراءه في باطنية العبادات الدينية، بقدر ما انه أراد إظهار النسبة الحقة بين تجليها الظاهري وفعلها الباطني. وبالتالي الربط الدائم بينهما. إننا نعثر على نفس الاتجاه المميز لآرائه وأحكامه اللاهوتية عن توحيد مفاهيم وقيم العقلانية والإيمان، الواقعية والميتافيزيقية. لكنه أعطى في الوقت نفسه أولوية المعنى لسيادة القيم العقلية والأخلاقية، وبالأخص من خلال تمريرها في وحدة العلم والعمل، أي في وحدة الذات الإنسانية وسلوكها الأجتماعي والروحي. فعندما تناول قضية الزكاة نراه يشدد على ما أسماه بأسرارها وشروطها الجلية والخفية ومعانيها الظاهرة والباطنة[3]. وبما أن ظاهرها وشروطها ترتبط بتقنين الدفع والعطاء، فإن لهذه الإخيرة صلاتها الروحية بالأخلاق من خلال ما دعاه بالشروط الظاهرة والباطنة وآدابها. بمعنى موقف الإنسان الأخلاقي منها. فهو لم يسع من وراء إبراز شروطها وآدابها الظاهرة والباطنة وتقنينها الفقهي سوى تحديد سلوك السلطة وأخلاقية الفرد الاجتماعية والاقتصادية. وحصر شروطها الباطنة الظاهرة في كل من النية (ينوى بقلبه زكاة الفرض) والبدار عقيب الحلول والفطر ولا يؤخرها. وأن لا يخرج بدلا باعتبار القيمة، بل يخرج المنصوص عليه، وأن لا ينقل الصدقة إلى بلد آخر، وأن يقّسم ماله بعدد الأصناف الموجودين في بلده والمحتاجين إليها[4]. وهي الشروط التي سعى من خلالها الى "قمع" حرية الجشع، وصياغة ضرورة الشروط في منظومة الآداب الباطنة للزكاة. وبهذا لم تعد الزكاة فعلا اجتماعيا أو اقتصاديا بحتا، بل ورمزا ومَعْلَما في تربية الروح الأخلاقي. إذ ليست الزكاة من وجهة نظر الوجوب الأخلاق سوى أسلوب كشف درجة مفارقة الإرادة لمحبوبها أو درجة مفارقة المحب لمحبوبه. فالأموال محبوبة الخلائق. وهي المقدمة التي وضعها في فكرته القائلة بضرورة توجه الإنفراد الحق لمن لا ينفد ولا يزول. أما وقت أدائها المحدد لها فهو رمز إلى الإمتثال الحق، في حين أن أفضلية الإسرار (الإعطاء سرا) هو محاربة الرياء وحب الجاه. غير ـن الغزالي لا يعتمد ولا يتوقف هنا، شأنه تجاه مختلف القضايا الاجتماعية والأخلاقية على معيار واحد. من هنا توكيده على أن الزكاة في الخفاء ليست على الدوام أفضل من القيام بها في العلن. والعكس هو الصحيح، أي إمكانية أن يكون إظهارها العلني أدبا من آداب الباطن في بعض الأحيان، خصوصا عندما يرتبط الإعلان بالنية الخالصة ترغيبا للناس في الاقتداء بمثله. في حين حارب بشدة صدقة المِّنة وذِكرها وإعلانها. فالصدقة الحقة هي صدقة "اللامبالاة" المطلقة في مظاهرها. وهو موقف مبني على أساس وحدة المطلق وكونه غير قابل في حقيقته للتجزئة بين الظاهر والباطن. الامر الذي جعله يشدد على ضرورة استصغار العطايا أيا كانت، باعتبارها مدرسة لترويض السلوك الأخلاقي[5].

لقد كان بإمكان الغزالي التعمق والانسياق في رؤية النسب الحقة بين الظاهر والباطن في أسرار الصوم والصلاة والزكاة. إلا انه أبقى عليها بصيغها المشار إليها أعلاه تاركا للمرء حرية الاستزادة والاستفاضة فيما وضعه من مبادئ عامة. وظهرت هذه الإمكانية بوضوح في مواقفه من عبادة الحج. فقد أدرك سواء في مرحلة ما قبل التصوف وما بعدها مظاهر الحج اللاعقلانية. لهذا أكد على انه "لاحظّ للنفوس ولا أنس فيها، ولا اهتداء للعقل إلى معانيها. فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلا الأمر المجرد وقصد الامتثال"[6]. انه أشار إلى ما في الأمر المجرد وقصد الامتثال في سلوك العوام من "بقايا وثنية"، لأنه كان يعرف "رموز" الوثنية في الطواف والسعي بين الصفا والمروة والتعلق بأستار الكعبة ورمي الجمار وذبائح الهدي. إنها تكشف بقدر متساو عما في رموز الوثنية الغابرة من معايير متحركة صوب وحدانيتها، وعما في الرموز التقليدية للوحدانية الإسلامية من معايير متكلسة تجاه الوثنية العربية (الجاهلية). وذلك لأن هذه "المعايير" ما هي إلا العلاقة القائمة بين العابد والمعبود. لهذا امتثلت في وثنيتها قدرة الأمر المجرد وقصد الامتثال. إذ لم تساق عرب الجاهلية إلى "بيت الله الحرام" بسياط غير سوط إيمانها الوثني. وهي العملية التي تبدع في علاقتها المتجسدة بقصد الامتثال خشوعها التقليدي وأهدافها المستترة والمعلنة. وبالتالي استثارتها روح الوحدة والإخلاص للمبدأ العام، الذي يحدد مسار الحركة منه وإليه. ليس مصادفة أن تضع المتصوفة في رؤيتها للحج درجاته وطبقاته، لتعبّر بذلك عن مستويات علاقة الظاهر بالباطن، والنسبة المدركة في بواعث الأمر المجرد وقصد الامتثال في سلوك الروح والجسد. وهي النسب المجردة، التي بنى عليها تذوقه العقلي الأخلاقي والأخلاقي الحقوقي لأسرار العبادات. وللمقارنة يمكن الإتيان هنا بالتصنيف الذي أورده الطوسي في كتاب (اللمع في التصوف). مع انه ليس التصنيف الوحيد، لكنه يعكس في انموذجه مواقف المتصوفة في علومها وأعمالها وسلوكها وآرائها من الحج وأثره في الظاهر والباطن. فقد صنف طبقات المتصوفة في آدابهم إلى ثلاث طبقات. الأولى منها "إذا حجّوا حجة الإسلام جلسوا واشتغلوا بحفظ أوقاتهم ومراعاة أحوالهم. فطلبوا السلامة ولم يتعرضوا للبلاء مما يلحقهم من المشقة في ذلك". أما الطبقة الثانية "فإنهم لما قطعوا العلائق وفارقوا الأوطان وهجروا الإخوان قصدوا بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول عليه السلام. فقطعوا البراري والقفار بغير حمل نفقة ولا زاد، ولا سلكوا على الطريق، ولا تعلقوا بمصاحبة الرفيق، ولا عدّوا الاميال ولا البرد، ولا طلبوا المنازل ولا المناهل". أما الطبقة الثالثة "فإنهم اختاروا المقام بمكة والمجاورة بها وحبسوا أنفسهم هناك لما خصّ الله تعالى به تلك البقاع والمشاهد من الفضيلة والشرف. ولما وجدوا أنفسهم من التنافر والعجز عن المقام بها، لأنها واد غير ذي زرع، وهو الحجاز، يحجز عن الشهوات واللذات لاسيما لمن كان قوته في الغيب ورزقه مقسوم ورفقه معدوم. والنفس مجبولة على الاضطراب عند عدم الوفاء بها. والعبد مطالب بالسكون تحت الأحكام. فعند ذاك تبين مقامات الرجال"[7]. انه أراد من وراء ذلك الكشف عن طبقات المتصوفة في ما يمكن دعوته بحج الطريق الذاتي، الذي يكشف عن مسار الوحدة الممكنة بين الروح والجسد في مقامات الطريق باعتباره حجا في مسار الحق. تماما بالقدر الذي تعبّر في مقامات الحج السلوكي النماذج الأكثر رفعة عن حقيقة الوحدة بين طابعه التقليدي الظاهر وباطنه المثالي.  

أما بالنسبة للغزالي فالحج لم يعد عملا تقليديا، بل شكلا من أشكال الجهاد الروحي الأخلاقي. من هنا تتبع ما أسماه بمحطاته الظاهرة والبحث فيها عن أسرار الباطن باعتبارها حقيقة الحج. من هنا وضعه عشرين محطة ظاهرة تعكس مسار الحج من بدايته حتى نهايته في الروح والجسد أو أفعاله الظاهرة ومعانيه الباطنة. ولم يكن هذا التناول معزولا عن تقاليده العريقة في التصوف. فقد سبقه أبو طالب المكي إلى ذلك عندما أكد على انه ينبغي للحاج أن "يعتبر في طريقه وسيره بالآيات وما يرى من الحكمة والقدرة في تصريف الخلق وما يحدث الله تبارك وتعالى في كل وقت. فيكون له في كل شيء عبرة، ومن كل شيء موعظة، فإنه على مثال طريق الآخرة. وليكن له بكل شيء تذكرة، وفي كل شيء فطنة وتبصره تردّه الى الله تعالى، وتدل عليه، وتذكره به، ويشهده منها، فيتفكر في أمره ويستدل به على حكمته، ويشهد منه قدرته"[8]. وهي الفكرة التي سبق للطوسي وأن نفذها في محاولته كشف أحد النماذج الرفيعة لنسبة العلاقة بين الظاهر والباطن، والفعل ومعناه الواجب في الحج. واستعرض بهذا الصدد مثال هذه العلاقة في بعض آدابهم، حيث كتب قائلا بأن المتصوفة "إذا بلغوا الميقات غسلوا أبدانهم بالماء وغسلوا قلوبهم بالتوبة. وإذا نزعوا ثيابهم للإحرام وتجردوا وحلّوا العقد وائتزروا وارتدوا فكذلك نزعوا عن أسرارهم الغلّ والحسد، وحلّوا عن قلوبهم عقدة الهوى ومحبة الدنيا، ولم يعودوا إلى ما خرجوا منه من ذلك. ومن آدابهم أيضا أنهم إذا قالوا لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، أن لا يجيبوا بعد ذلك دواعي النفس والشيطان والهوى بعد ما أجابوا الحق بالتلبية وأقروا أنه لا شريك له في ملكه. فإذا نظروا إلى البيت بأعين رؤوسهم نظروا بأعين قلوبهم إلى من دعاهم إلى البيت. فإذا طافوا حول البيت بأبدانهم، فكأنهم ينظرون طواف الملائكة حول العرش. فإذا حلّوا خلف المقام يعلمون انه مقام عبد قد وفى لله بعهده فندب الله الأولين والآخرين إلى متابعة قدمه، واتخاذ صلواتهم خلف مقامه. فإذا استلموا الحجر وقبّلوه، علموا أنهم هو ذا يبايعون الله بإيمانهم. فإذا جاؤوا إلى الصفا فمن الأدب أن لا يعترض بعد ذلك كدورة الصفا قلوبهم. فإذا هرولوا بين الصفا والمروة وأسرعوا في مشيهم فمن الأدب أن يسرعوا بالفرار من عدوهم، ويهربوا من متابعة نفوسهم وهواهم. وإذا وافوا الى منى فمن آدابهم في ذلك أن يتأهبوا للفناء، فلعلهم يصلون إلى مناهم. فإذا وافوا إلى عرفات فأدبهم أن يتعرفوا إلى معروفهم، ويذكروا نشرهم وحشرهم وبعثهم من قبورهم. فإذا وقفوا فأدب الوقوف أن يكون وقوفهم بين يدي سيدهم. فإذا دفعوا إلى المزدلفة فأدبهم أن يكون في قلوبهم العظمة والإجلال لله. فإذا دفعوا إلى الأمام مع إمامهم جعلوا الدنيا والآخرة وراء ظهورهم. فإذا كسروا الحجارة للرمي كسروا مع الحجارة إرادات بواطنهم وشهوات أسرارهم، وممكنات أهوائهم. فإذا ذكروا الله عند المشعر الحرام فالأدب عند ذلك أن يكون مصحوبهم تعظيم مشاعرهم وتشريف مشاهدهم وإعظام حرماتها. فإذا رموا الحجر رموا بحسن الأدب، بملاحظة أعمالهم ومشاهدة أفعالهم. فإذا حلقوا رؤوسهم فآدابهم أن يحلقوا عن بواطنهم حب الثناء والمحمدة مع حلق رؤوسهم. فإذا ذبحوا فأدبهم في الذبح أن يبدؤوا بذبح نفوسهم في نفوسهم قبل ذبح ذبيحتهم. فإذا رجعوا إلى طواف الزيارة وتعلقوا بأستار الكعبة فمن الأدب أن لا يتعلقوا بغيره ولا يلوذوا بأحد من خلقه بعد اللياذة والتعلق به"[9]. وهي العملية التي ينبغي أن تؤدي في نهاية المطاف ألى تطابق السرّ والعلن في أفعالهم.

وتتبع الغزالي هذه الفكرة والنمط في المواقف. لكنه وضعها في منظومته الإصلاحية الدينية الأخلاقية والاجتماعية الشاملة، أي طريق الجهاد الروحي والجسدي في مساعيها نحو الوحدة الحقة للظاهر والباطن، للفعل ومعناه، للوسيلة والغاية. وليس اعتباطا أن يقارن الحج الإسلامي بالرهبنة النصرانية من حيث فاعليته في تنقية الروح والجسد، لأنه هو الآخر يقدم في مراحله نموذج العزلة والمجاهدة. بهذا لم يعد الحج عبادة تقليدية، بل عبادة الروح المعرفي الأخلاقي. وذلك لأنه لا سبيل للوصول إلى الله، كما يقول الغزالي، إلا بالتنزه عن الشهوات والكفّ عن الملذات، والتجرد لله في جميع الحركات والسكنات. من هنا فكرته القائلة بأن الإسلام جعل الحج رهبانية لأتباعه. انه اعطى له مهمة الكلّية الإسلامية بالصيغة التي طابقها مع الأمة في مبادئ أخلاقها الواجبة، بحيث كفّ عن أن يكون تخصصا بفعل إلزامية الحج للجميع بمعايير الإخلاص الإسلامي.

وقد شكل هذا الفهم الأولي المقدمة التي ينبغي تتبع درجاتها في العزم وقطع العلائق حتى بلوغ المراد الأقصى. وذلك لأنه بعد الفهم والتحقق من أن البيت (الحرام) وضع على مثال حضرة الملوك، من هنا، فإن شاهده قاصد إلى مالكه. وبما أن الله لا يمكن رؤيته بالعين المجردة لهذا أصبح قصد البيت هو شكل من أشكال التشوق إلى رب البيت. أما العزم فهو أن يقصد مفارقة الأهل والوطن وهجرة الشهوات، وأن يجعل عزمه لله وحده. أما قطع العلائق فهو رد المظالم والتوبة الخالصة. وإذا كان الحجاج مضطرين إلى تحملهم بالزاد وشراء الراحلة، فإنهما يطابقان في حقيقتهما الباطنة بالنسبة للمؤمن ما ينبغي طلبه من موضع الحلال للزاد. إذ أن زاده الحياتي ينبغي أن يذكره بزاد حياته الخالدة، لأن سفر الآخرة طويل. وأن حقيقة زاده في الحياة الدنيا هو إزالة كدوراتها وشوائب الرياء العالقة فيها. وإن راحلته هي نعمة الله في الوجود. وذلك لأن وجود الإنسان نفسه هو نعمة من نعم الله الكبرى. لهذا ينبغي أن تذّكره الراحلة بما سيحمله بعد موته. إذ أن سفر الحج مثل سفر الموت. وبالتالي فإن شراء ثوبي الإحرام ينبغي أن يذكره بالكفن. إذ ليس ثياب الإحرام كثياب الحياة. فهي بلا خيط كالكفن. والإنسان لا يلاقي الله بعد الموت بثياب الدنيا. وإذا كان دخول البادية وصعوباتها من حر وبرد وجوع وعطش، فإنها يمكن أن تعني في رمزيتها الباطنة كيفية الخروج من الدنيا حتى البعث. وهو حكم حق، لكنه كينونة غير متناهية في السلوك أيضا. انه ليس علائم العروة الأبدية بل وأسلوبها الدائم. وبالتالي فإن المقارنات الممكنة هنا بين نسب الظاهر والباطن في العبادات هي نسب التجارب الفردية ورؤيتها من جهة، وكيفية ارتباطها في النظام العام من جهة أخرى. لهذا تكلم الطوسي عن آداب المتصوفة باعتبارها آدابا للخواص، وتكلم الغزالي عما ينبغي رؤيته في سلوك المؤمن. وصاغ المبادئ العامة للأمة في عباداتها وترك لأفرادها حرية استيعابها الشخصي وتطبيقها. انه دفع إبداع الفكر الصوفي في منظومته عن وحدة الطريقة والحقيقة إلى مداها الاجتماعي الأوسع من خلال ربطها بقواعد السنّة الإصلاحية للأمة ككل. ومن الممكن العثور على هذا الربط في كل الكتب العشرين لربعي العادات والعبادات من (إحياء علوم الدين). الأمر الذي يكشف عن منظومته الدقيقة في توليف تقاليد "السنّة"، باعتبارها حكمة الجماعة والأمة، مع نتاج الوعي الصوفي وأخلاقيته المتسامية. ويمكن التدليل على ذلك في موقفه من قضايا الزمان والمكان في العبادات على مثال الحج. فقد أذاب الغزالي الزمن العبادي، مع احتفاظه الدائم بقواعده المتوارثة، بحيث أعطى له قيمة المنظِّم الأخلاقي الفعال بوصفه سنّة. وينطبق هذا على كافة العبادات. من هنا يمكن القول، بأن مأثرته مقارنة بمن سبقه بهذا الصدد تقوم في سعيه الدائم لربط أشد الأفكار تحررا وراديكالية بأثقال التجارب التاريخية للأمة، دون أن يخضع في الوقت نفسه أحدهما للآخر. بمعنى بحثه عن حقيقة الوحدة الدائمة في تطورها. لهذا لم يعن إذابته للزمن العبادي سوى ترسيخ عوالم العبادة وبناءها على أساس القيم الأخلاقية المتسامية. ولم ينجز هذه المهمة بمعزل عن تقاليد الثقافة وتطور وعيها العقلي وتعمق تجاربها الروحية. إذ للظاهرة تاريخها الخاص. فقد كان لزمن العبادة الجاهلية معناه الخاص في عوالم الوحدة المافوق قبلية. غير انه لم يمتلئ بكونية الميتافيزيقيا الأخلاقية. لكنه تضمن مع ذلك بعض عناصرها الأولية. إذ ليس الاجتماع الدوري للحج سوى إبداع وحدة الزمن الأخلاقي الديني ووحدة الميتافيزيقيا المعرفية. وقد عمقت التقاليد الإسلامية هذه الظاهرة من خلال تحويل كعبة مكة إلى قبلتها الدائمة. وبغض النظر عن إدراك الغزالي للطابع الجزئي والحسي للوجود الإلهي في مكان محسوس وملموس، إلا انه أبقى على ضرورته بسبب تحول المحسوس الجزئي إلى رمز المطلق غير المتناهي أو الشعاع الذي ينبغي ان يضئ مسالك الأمة في سنتّها العملية.

وهذا بدوره لا يعني في الواقع سوى ما يتطابق مع آرائه عن الإصلاح الديني الشامل من خلال وضعه مهمة خلاص الإنسان ورقيه الأخلاقي والروحي في صلبه. وتتبع هذا الأسلوب في توليفه "زندقة" الفكر الصوفي كما نراها في استنتاجاته الأخلاقية "الغالية" بمقاييس الاعتدال وتقاليده السائدة في الأمة. فعندما تناول على سبيل المثال، مسألة الطواف الشريف أو "طواف القلب بحضرة الربوبية"، فإنه حاول أن يظهره من خلال منظومته الفكرية عن وحدة الظاهر والباطن، والملك والملكوت المنفية في السلوك الصوفي باعتباره مثالا رفيعا للحق. فالبيت (الحرام) ما هو إلا مثال ظاهر في عالم الملك، تماما كما أن الحضرة الإلهية لا شاهد لها لأنها من عالم الملكوت. كذلك الحال بالنسبة للبدن والقلب. فالأول هو مثال ظاهر في عالم الملك و الشهادة، والثاني مثال باطن في عالم الغيب والملكوت. ومن هنا استنتاجه القائل بأن "عالم الملك والشهادة مدركه إلى عالم الغيب والملكوت لمن فتح الله له الباب. وإلى هذه الموازنة وقعت الإشارة بأن البيت المعمور في السموات بإزاء الكعبة، وأن طواف الملائكة به كطواف الأُنس بهذا البيت. ولما قصرت رتبة أكثر الخلق عن مثل ذلك الطواف أمروا بالتشبه بهم بحسب الإمكان، ووعدوا بأن من تشبه بقوم فهو منهم، والذي يقدر على مثل ذلك الطواف هو الذي يقال أن الكعبة تزوره وتطوف به على ما رآه بعض المكاشفين لبعض اولياء الله"[10]. وإذا كان المقصود بهؤلاء الحلاج وأمثاله، فإن الذين ليس بمقدورهم رؤية المطلق في ذواتهم يكون البيت والكعبة بالنسبة لهم وسائل للتشبه بهم حسب الإمكان.

وفي الحصيلة يمكننا القول، بأن آراء الغزالي وأحكامه بصدد العبادات الإسلامية كانت الحصيلة اللاهوتية لآرائه الأخلاقية وتقاليدها الصوفية. فقد سادت فكرة المطلق الأخلاقي في ارآئه ومواقفه بهذا الصدد، الأمر الذي حوّل العبادات إلى رموز محكية ومرئية لما لا يمكن تلمسه ورؤيته بالحواس المباشرة. غير انه لم يسع من وراء ذلك فصل أحدهما عن الآخر، بقدر ما انه سعى إلى تثبيت وحدتهما الأخلاقية المعقولة، ومن ثم ربط العبادات الإسلامية التقليدية بروحية التصوف. وكان ذلك من الناحية التاريخية تثويرا أخلاقيا للإصلاحية الدينية والاجتماعية. إذ لم تكن آراء الغزالي بهذا الصدد معزولة عن واقع انكسار عالم السياسة وترميمها الأفضل في عالم الأخلاق. غير أن هذا الترميم لم يبق في حيّز التأملات المجردة، بل كان في أعماقه الكامنة قوة التأثير الفاعلة في حوافز السياسة العملية. ففي آرائه نعثر بقدر واحد على انتقاده العميق للسلطة غير الأخلاقية وأخلاقية السلطة المكثفة في جهازها القمعي من الفقهاء. لهذا وجّه انتقاده العارم ضد الرياء الديني، وأّسس في الوقت نفسه لتبسيط العبادات وبناء مقوماتها الروحية والأخلاقية. وبالتالي استثارة حقائق المسؤولية الفردية تجاه المصير الفعلي للأمة. وبهذا يكون قد أّسس للإصلاح الديني الشامل، بما في ذلك في العبادات التقليدية من خلال تعميق حرية الفرد في تعامله مع الآلهة باعتبارها الكيان الجامع لفضائل الفرد والجماعة. ولم يقيّد هذا التعامل بسلطة ما غير سلطة الروح الأخلاقي للمطلق. وبهذا يكون قد رفع مسؤولية الفرد إلى أقصى درجاتها الممكنة، تماما بالقدر الذى نّحى جانبا قدسية الهيبة التقليدية والمفتعلة للعبادات في أفعالها وحرّاسها (الفقهاء). انه سعى لتحطيم الأسس المعنوية والفكرية للمؤسسة الدينية في شخصية الفقهاء، والفقهاء في شخصية المؤسسة الدينية من خلال جعل الباعث الديني في العبادات الإسلامية رديفا للباعث الأخلاقي.

***

 ميثم الجنابي

..............................

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص231. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الغزالي اعتبر الشهوة عدوا من أعداء الله وإن الصوم قاهرها، أي أنها تتخذ في منظومته عن العبادات صيغة الرذيلة الباطنة. وهو تحديد له معناه الواقعي والنفسي والأخلاقي في منظومة العبادات ومحتواها العملي والشرعي. فقد أعتبرها الغزالي أحد الأجزاء الضرورية للنفس. من هنا إفراده إياها بقيمة واقعية وحيوية في نشاط الإنسان والمجتمع بما في ذلك في بناء روحهما الأخلاقي. ذلك يعني انه أعطى لها قيمة ايجابية، لكنه ربطها في الوقت نفسه بمنظومة الأخلاق العقلية. بمعنى تحجيمها في الكلّ الايجابي. وبالتالي لم يقصد بالشهوة بوصفها عدوا لله سوى صيغتها الغالية، أي الشهوة المذمومة . وهذه بدورها ليست إلا الصيغة المفرطة التي تتعدى حدودها الطبيعية ووحدة ارتباطها بالكلّ الأخلاقي. لهذا نراه يجد في الصوم وسيلة قهرها. ولا يعني ذلك بالنسبة له سوى كونها ميدان تربية الإرادة وكيانها الروحي الأخلاقي.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص234.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص209

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص212-213.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص213-221.

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص266.

[7] الطوسي: اللمع في التصوف، ص167-169.

[8] ابو طالب المكي: قوت القلوب، ج2، ص119.

[9] الطوسي: اللمع في التصوف، ص171-172.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص269.

 

ميثم الجنابي"لا باعث عليها إلا الأمر المجرد وقصد الامتثال"

(الغزالي)

إن سيادة الروح الأخلاقي وبقاءه في الوقت نفسه في حيز الانتماء الواضح للجماعة في أمتها ودولتها هي المزاوجة الأكثر تعقيدا لمنطقية الفكر وتحقيق اليقين. وذلك لأنها تفترض في آن واحد تنسيق الانتماء الحقيقي لمصادر الوعي الذاتي وتثويرها في الوقت نفسه. بمعنى البقاء الدائم في حيز الإدراك المرهف لوحدة الحق والحقيقة والفناء الدائم في تجديدها المتجانس. وإذا كان الغزالي قد انجز هذه المهمة عبر توليفه لإنجازات العقلانيات الإسلامية في تقاليد التصوف وأخلاقه المتسامية، فإن انكسارها في قضايا الكلام التقليدي أدى إلى إعادة لحمة المنطق واليقين في تحقيقه العملي الأخلاقي. أما الميزان الأكثر دقة في معاييره لتحقيق هذه النسبة فهو نفسه الذي يحدد نسب المعقول والمنقول، والظاهر والباطن في وحدتهما، أي التوليف المتجانس والتنسيق النموذجي بين العقلي والصوفي. فقد كان هذا التوليف والتنسيق النتيجة التي حددها أسلوب صيرورة التآلف اللاهوتي الفلسفي الصوفي عند الغزالي. أما تجليها الملموس في موقفه من العبادات والعادات، فقد جرى من خلال إعادة النظر في ظاهرها وباطنها، ومعقولها ومنقولها، ولكنضمن إطار توليفه الجديد لوحدة الحقيقة والشريعة.

فقد شكلت علاقة الظاهر بالباطن في مجال الشريعة والحقيقة الأساس الفكري لمواقفه من العبادات الإسلامية وآدابها. فقد انتزع هذه العبادات من منظومات العقائد الإيمانية ومن اغترابها الاجتماعي في جليد الرياء الأخلاقي. وسعى في الوقت نفسه إلى إدخالها ميدان الروح الذاتي باعتبارها أحدى وسائله الأخلاقية المنظِّمة للوحدة. لهذا لم نعثر في كتاباته على هذه القضايا إلا في مرحلته الصوفية. إذ لا نعثر عليها في كتاباته ما قبل (إحياء علوم الدين). بينما نراها تظهر في الجزء الأول باعتبارها إحدى الجوانب العلمية والعملية لشريعة. إنها اتخذت صيغة المقدمة أو المدخل للإحياء الروحي الأخلاقي، التي يفترضها منطق الطريق، باعتباره التجسيد الاخلاقي الخاص للشريعة وأسلوبا في الارتقاء إلى حقائقها. وليس مصادفة أن يضع ربع العبادات في أولها، في محاولته صياغة مشروع الاحياء الإسلامي، أو إصلاحه الجديد. وبهذا المعنى لم تكن آراؤه بمعزل عن تقاليد الصوفية وأحكامها العملية في مواقفها من وحدة الشريعة والحقيقة. فقد كانت هذه الوحدة ذاتها النتاج الخاص للتصوف، باعتبارها المبدأ العام والعنصر الجوهري لنظمها العلمية والعملية. من هنا ارتباط أو وحدة الشريعة والحقيقة والطريقة، باعتبارها الثلاثية المميزة للوجود الصوفي ذاته بذاته. غير أن ذلك لا يعني خلوّ المدارس والاتجاهات الإسلامية عما يمكن صياغته بعبارة الوحدة الضرورية في مفاهيمها للشريعة والحقيقة، كما هو الحال عند الباطنية. إلا أن هذه الوحدة تصبح جزءاً من منظومة التفسير الظاهر والتأويل الباطن. الأمر الذي يعني تميزها الجوهري عما هو الحال في التصوف. إذ ليست وحدة الشريعة والحقيقة سوى كفتي وجود الطريقة أو المنظومة الأوسع للعلم والعمل والحال. وبالتالي لا معنى لهذه الثلاثية خارج الطريق في آدابه، وفي ما صاغته المتصوفة بعبارة السلوك إلى الله من قطع المنازل والترقي في المقامات. فهي الوحدة العلمية العملية للشريعة والحقيقة، والتي عبّرت عنها المتصوفة فيما طلقت عليه عبارة "الالتزام بالعبودية ومشاهدة الربوبية"، أو الوحدة المتحركة للالتزام والمشاهدة، والعبودية والربوبية، والتي تنفي أقطابها عملية الارتقاء في المقامات باعتبارها السلوك الحق.

أبدعت المتصوفة عالمها الخاص في مواقفها من سلوك العبودية والالتزام بها، ومشاهدة الربوبية والتمتع بها. فالعبودية لا تصح كما يقول محمد بن خفيف "إلا أذ طرح كلّه على مولاه، وصبر معه على بلواه". بينما وصفها ذو النون المصرى بعبارة "أن تكون عبده في كل حال، كما هو ربك في كل حال". وقدمت المتصوفة صيغا غاية في التنوع عن "عبوديتها" في تجاربها الخاصة. فقد ربط ابو علي الدقاق العبودية بالغاية الداخلية للسلوك في عبارته القائلة "أنت عبد من أنت في رقّه وأسره". أما النصراباذي فقد قال بأن "قيمة العابد بمعبوده كما أن شرف العارف بمعروفه". بينما جمعها التسترى في تحلي المرء بأربعة وهي ألا يجوع من الجوع، وبالعرى وبالفقر وبالذل، أي سلوك الإرادة من أجل بلوغ اندراس المسكنة عليه في العدم، وأثر الغنى في الوجود. وهذه بدورها ليست إلا عملية نفي "الشهود" الإنساني بالاندماج كليّة مع الحقيقة. وهو الذي يحدد قيمة المشاهدة باعتبارها ذروة المعرفة في إدراك الحق. وقد عبّر عنها النصراباذى بعبارة "اسقاط رؤية التعبد في مشاهدة المعبود"، والتي يقابلها في الوجود الاجتماعي تنقية النفس من العبودية، بحيث تجعل "أعماله عنده رياء وأحواله دعاوى"[1]. أما وراء مظهره العدمي، فيكمن مطلق العدم الذاتية في نفيها واقعية العبودية باسم المشاهدة الحقة للحق. فهي العبودية التي تحصل، كما يقول ابو علي الدقاق، لمن له حق اليقين. أو المعرفة التي توصله إلى التحلي بصفات أهل المشاهدات ببلوغ ما بعد المحاضرة والمكاشفة. فإذا كان صاحب المحاضرة مربوطاً بآياته ويهديه عقله، وصاحب المكاشفة مبسوطاً بصفاته يدنيه علمه، فإن صاحب المشاهدة ملقى بذاته تمحوه معرفته. وهي الذروة التي عبّر عنها الجنيد بحالة وجود الحق مع فقدانك، أو رؤية الأشياء بدلائل التوحيد. آنذاك تصبح الشريعة جزءاً من الحقيقة، والحقيقة جزءاً من الشريعة. بمعنى النفي الدائم، الذي لا يقف عن حد في حركة الوحدة المتجددة. فهي الحركة المتجددة لوحدة الوسيلة والغاية. من هنا فكرة المتصوفة القائلة، بأن كل شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول، وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصول[2].

وقد سار الغزالي في الاطار العام بهذه التقاليد الصوفية. لكنه عوضا عن الانخراط الكامل فيه، فإنه طوّعها بالشكل الذي أصبحت جزءاً من منظومته الفكرية. انه أبدع صوفية أوسع من صوفية المتصوفة. بحيث أعطى لقضية الشريعة والحقيقة في منظومته منحى آخر. وهو المنحى الذي حددته اساسا التوجهات العامة لإصلاحية المنظومة، وبالتالي تحول قضية الشريعة والحقيقة إلى جزء من مهماتها العملية. وليس مصادفة أن يمهّد لها أولا في انتقاده اللاذع للفقه والفقهاء. ومع ذلك فإن مواقفه ظلت متنوعة منها. فهو يحلل هذه العلاقة في حالة وينتقد في أخرى ويحكم في ثالثة. وفي النهاية ينتمي إلى صفّ الصوفية في استنتاجها العام عن أولوية الحقيقة ونهايتها وضرورة درج الشريعة في الحقيقة لا بالعكس. كما هو الحال في استنتاجاته عن علاقة الإسلام بالإيمان، والشرع بالعقل، والظاهر بالباطن، والتفسير بالتأويل.

وبغض النظر عما في المعيار الداخلي للأولوية من تناقضاته الخاصة، إلا أنها في تاريخيتها هي تناقضات يستقطبها مشروع الغزالي في مواجهاته معآراء ومواقف الكلام اللاهوتي. كما أنها التناقضات القائمة في مفهوم الشريعة والحقيقة، والنتاج الضروري للعلم والعمل، أو النتاج المنطقي في المعرفة واللاعقلاني في تاريخه. ومن الممكن الإقرار بإدراك الغزالي الأولي لهذين الجانبين. بمعنى إدراكه وظيفة الشريعة ومأثرتها في صيغتها الفقهية، والتي نظرت إلى الصلاة، على سبيل المثال، نظرتها إلى أفعال ظاهرة وإن كانت من العبادات، بينما يفترض إسلام الحق فيها إسلام القلب. إن ما يبدو "عقلانيا" في مظهره المعرفي، يتجلى في حالات عديدة، كما لو أنه الصيغة اللاعقلانية الفظة. فالشريعة نفسها والتي أبدعت في مجرى تعميقها وتوسعها عقلانية المباحث، أفرزت كإحدى نتائجها في أساليبها ظنية الظن بحيث اضطرته للقول، بأنه ما افلح من نظر إلى العادات والمراسم في العلوم[3]. فهو التناقض الذي لا يمكن حسمه، بنظر الغزالي، إلا استنادا إلى فكرة الحقيقة، أي بشهود كل ما في الوجود على انه جود منه إليه (الله)، وإزالة التناقضات الممكنة، باعتبارها حراشف المعرفة، والبحث عن الوحدة في حقيقة التوحيد (المحض). فعندما قدم على سبيل المثال، مفهوم الشكر بهذا الصدد، فإن الشرع يظهر فيه كما لو انه تعريف لسلوك درجاته (الشكر). لهذا تكلم عن درجات ومستويات يقابل كل منها مشاهدة ومقاماً، والتي تؤدي إلى تطابق المشاهدة والمقام في رؤية الشكر حتى بلوغ درجتها العليا في مشاهدة الشكر والشاكر والمشكور[4]، أي الوحدة التي ينبغي البحث عنها في كل موجود. حينذاك يصبح لكل موجود سرّه.

فالسرّ هنا هو المعنى لا المجهول، والنسبة لا المعلول. وهي المقدمة الفكرية العامة التي ضمّنها مواقفه من العبادات الإسلامية. إذ ليس السرّ سوى الذروة التي يبلغها الصوفي في سلوكه الحق. وذلك لأن الغاية القصوى في عمل السرّ وحمله أن يتكشف له جلال الحق وعظمته. إذ لا تحل معرفة الله بالحقيقة في السرّ، كما يقول الغزالي، ما لم يرتحل ما سوى الله عنه[5]. أما هذا الارتحال فهو السلوك الذي يقطعه المرء في تصوفه (اخلاقه)، بما في ذلك في عبادته، باعتبارها معالم ومستويات غير متناهية في أعماقها. إذ أن ظهور السرّ في العبادة هو تجاوز للعادة. ولا يعني ذلك سوى تذليل الرؤية التقليدية وكسر جمود الممارسة. وبالتالي البحث عن اليقين المتجدد، باعتباره الميدان غير المحدود للروح الأخلاقي لا المعرفة البديهية. وذلك لأن متغيرات الوجود لا يمكنها أن تكون بديهيات إلا في عالم الروح الأخلاقي، أما من خلال خضوعها لوحدانية الحق أو حق الوحدانية. مما يجعل السوح في تموج الأسرار أسلوبا في نفي الاضطرار، أو اكتشاف الحرية في العبودية للحق، أو هو ذاته اليقين الفردي المتجدد. من هنا ارتباط السر بالعبادات، تماما بالقدر الذي تتحول فيه العبادات إلى مستودع الأسرار غير المتناهية. وذلك لأن السرّ القائم فيها هو الاجلاء الدائم لوحدة الذات الفعلية. الأمر الذي جعله يؤكد على أن كل ما في صفات العالم الخارجي والإنسان عرضة للزوال أمام المطلق. وإن المطلق هو المعيار الحقيقي والنهائي لتقييم كل ما هو عرضة للزوال وظواهر الوجود المتشابهة. وعندما استند شأن المتصوفة الى الحديث القائل، بأن "الرجلين من امتي ليقومان إلى الصلاة، وركوعهما وسجودهما واحد، وأن ما بين صلاتهما ما بين السماء والارض"، فإنه حاول أن يبرز من خلاله حقيقة التباين أو حقيقة الشر فيه، باعتباره نفيا للرذيلة والرياء. وذلك لأن السرّ المجهول هنا هو الرذيلة الكامنة في سلوك الباطن. إذ لا سرّ في الوجود لأنه لا سرّ عند الله. ولا يعني ذلك من حيث مضمونه الواقعي سوى ضرورة إدراك الذات لمغزى أفعالها. لقد حاول تحويل السرّ إلى علانية من خلال مطابقته مع النية والوازع الأخلاقي، وتذليل علانيته في سرّ العلاقة بين الإنسان والله، أي وضعها على محك المبادئ الأخلاقية المطلقة[6]. وهي الفكرة التي تتبع تقاليدها الصوفية القائلة، بأن السرّ ما هو إلا ما يكون مصونا مكتوبا ما بين الإنسان والحق في الأحوال.

إلا أن الغزالي لم يقف عند حدود الممارسة الفردية للتصوف، رغم جوهريتها في آرائه الأخلاقية، بل تعداها ألى مداها الأوسع من خلال تحويل السرّ الفردى إلى كينونة الوجود الاجتماعي الأخلاقي العام. فالوجود نفسه ما هو إلا سرّ من أسرار الله الخفية في الأحياء وأرواحها. والأسرار هي أساليب وجود الموجودات والأرواح، وميدان فعلها وغاياتها. أنها المعروفة المجهولة. المعروفة لله والأنا الفردية، والمجهولة لما عداهما. لهذا كان السرّ نعمة الله الخالدة في الوجود، وسرّها في الوقت نفسه. إذ لو كان بالإمكان رؤية أسرار الناس كما هي، ولو كانت أسرارها كمظاهرها لاستحال العيش ولأنهار وجود الاجتماع والأفراد والسلطة والحرب والحب، وذلك بسبب ترتب وجود الأشياء بأسبابها، وارتباط كل منها بالآخر بقدر معلوم. وبما انه يستحيل إدراك كنه الأسباب كلها، لذلك يستحيل معرفة كنه حقيقة الأسرار كلها بما في ذلك ما هو قائم وراء خلاصه وهلاكه. غير أن الغزالي لم يسع من وراء ذلك تطويع الواقع المتشابك والمعقد في علاقاته لأسرار الوجود الاجتماعي في ميادينه المختلفة من سياسة ومغامرة وحب وحرب وما شابه ذلك. لقد بلور الإمكانية الأخلاقية لهذا التطويع في فعل الإدراك المتسامي لحقيقة السرّ باعتباره أسلوبا للعمل وغاية للمسعى. وربط السر بالحق أو العلانية الذاتية بالمطلق الألهي، كما لو انه أدرك بأنه لا يمكن بناء عالم الروح إلا بوسائل الروح. وعندما طبق هذه الفكرة على العبادات الإسلامية، فإنه وجهها بالشكل الذي يكشف فيها عن حقائق الأسرار فيها أو النسبة الحقة بين الظاهر والباطن وبين تجلياتها الواقعية ونماذجها المطلقة.

من هنا أهمية السرّ في العبادات من صلاة وصوم وحج وزكاة. فالسرّ في الطهارة على سبيل المثال هو ذروتها وخلاصتها الحقة. وبهذا المعنى لم تعد الطهارة عملا ظاهريا فحسب، بل والتعبير الظاهري عما ينبغي. من هنا تقسيمه إياها إلى مراتب أربع، هي في الوقت نفسه درجات مترابطة في ما بينها كأنها وحدة واحدة. فالمرتبة الأولى هي تطهير الظاهر عن الخبائث، ثم تطهير الجوارح عن الجرائم والآثام، ثم تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة، وأخيرا تطهير السرّ عما سوى الله[7]. ومن هنا لم تعد هذه المراتب كيانات قائمة بحد ذاتها، بل هي شروط متلازمة يحدد كل منها ما هو أرقى. وتؤدي هذه العملية بالضرورة إلى بلوغ حقيقة السرّ من خلال تحول المطلق إلى معيار السلوك والفعل وطهارة الباطن. لهذا نرى الغزالي يؤكد على أن طهارة الباطن ما هي إلا محاولة اظهار أولوية الطهارة القلبية وجوهريتها الباطنة في تحديد أشكال تجليها الظاهرة. أما المادة التاريخية التي وضعها في (إحياء علوم الدين) فهي مادة الخلافة في تجاربها الاجتماعية والأخلاقية والدينية، أي كل ما عممه في استنتاجه القائل، بأن الطهارة الخارجية لا يمكنها أن تكون ركنا من أركان الدين في حالة خبث الباطن. لقد ركّز هنا على ما هو جوهري، الأمر الذي اعطى له حرية التصرف المرنة تجاه قيم الإسلام الظاهرية وصيغها الظاهرية في الأحكام الفقهية. من هنا عدم وضعه أية صيغ جاهزة ملزمة للجميع. كما انه لم يفرض على الجميع فكرة ما واحدة محددة، بل صاغ أسلوب القناعة المخلصة بما يتناسب مع القدرة الواقعية للمرء وإمكاناته الفعلية. لهذا لم يدن المتصوفة على عدم اكتراثهم بالمظاهر، ولم يجعل من إهمالهم للظاهر نجاسة، ولم يرفعه إلى مصاف المثال بالنسبة للسلوك الفردي[8]. وذلك لأن النفس، كما يقول الغزالي، في حالة عدم انشغالها بشيء شغلت صاحبها، أما طهارة القلب فهي تجسيد المثال في فرديته. من هنا حكمه على أن "وقت العالِم أشرف من أن يصرفه إلى مثله فيبقى محفوظاً عليه. وأشرف وقت العامي أن يشتغل بمثله فيتوفر الخير عليه من كل الجوانب. وليتفطّن بهذا المثل لنظائره من الأعمال وترتيب فضائلها ووجه تقديم البعض منها على الآخر.. فتدقيق الحساب في حفظ لحظات العمر بصرفها إلى الأفضل أهم من التدقيق في أمور الدنيا بحذافيرها"[9]. وبهذا لم تعد الطهارة جزءاً من الممارسة الفردية، بل والاجتماعية الأخلاقية التي يحدد شكلها موقع المرء وميدان عمله.الأمر الذي يعني اتخاذها مضمونا سياسيا أيضا، بفعل ضرورة سريانها في الوسائل والغايات.

وينطبق هذا على موقفه من العبادات الأخرى كالصلاة. بمعنى أنها لم تعد فعلا ظاهريا.وبالتالي تكفّ عن أن تكون ركنا تقليديا من أركان الدين. فهي الأخرى لها أسرارها الخاصة . أما سرّها الأعظم فهو القائم في حقيقة العلاقة بين الإنسان والله. وهذا يعني بدوره تجاوزها قيود الفقه الظاهري وأحكامه العبادية المباشرة. وبالتالي اتخاذها مظهر الشاهد الدائم على سلوك المسلم باعتبارها تجسيدا للعلاقة الدائمة بينه وبين الله. لهذا اعطى لها في حالات عديدة صيغة البديل الروحي الأخلاقي لعلائق الخضوع المستبد والقهري. إنها تتجلى في منظومته كنفي روحي وإدانة شرعية لا مباشرة للعلاقات الواقعية بين الإنسان والرب كما نراها في علاقة السلطان بالرعية، والسيد بالتابع، والمالك بالمملوك. بحيث جعله ذلك يشدد على أن الله "فارق الملوك بالتفرد بالجلال والكبرياء بترغيب الخلق في السؤال، فقال هل من داع فاستجيب له؟ وباين السلاطين بفتح الباب ورفع الحجاب، فرّخص للعباد في المناجاة بالصلوات كيفما تقلبت بهم الحالات في الجماعات والخلوات. ولم يقتصر على الرخصة، بل تلّطف بالترغيب والدعوة وغيره من ضعفاء الملوك لا يسمح بالخلوة إلا بعد تقديم الهدية والرشوة"[10]. وبهذا يكون قد نقل الصلاة إلى عالم الروح الأخلاقي، وأظهرها بوصفها الوسيلة غير المتناهية لرقي الإنسان الروحي. انه طابقها مع حقيقة السرّ في خضوعه للمطلق، مما كان يعني احتواءها في ذاتها على إمكانية التنوع الأخلاقي في وظائفه المتعددة. ومن ثم حوّل الصلاة إلى الوسيلة التي يستطيع الإنسان من خلالها تجاوز "الطريق المسدود" أمام الملائكة. وإذا كان كل صنف من أصناف الملائكة يتميز في عبادته (صلاته) بمهمة واحدة، فإن صلاة الإنسان تحوى في ذاتها قيم ووظائف الخشوع والأخلاق والنية، أي وسائل العمل وغاياته.

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] القشيري: الرسالة القشيرية، ص90-92.

[2] القشيري: الرسالة القشيرية، ص43.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص119.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص88.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص126.

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص231.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص126.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص127.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص128.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص145.

 

 

ميثم الجنابي"النظر بعين الاعتبار هو إدراك حكمة الله في كل موجود"

(الغزالي)

 على الرغم من التقاء الغزالي مع الاتجاهات الباطنية (الإسماعيلية خصوصا) في نقاط كثيرة، إلا إنهما لا يتطابقان في أي مكان، بما في ذلك حال رفضه المبطن للتفسير الظاهري، باعتباره تفسيرا سطحياً لا يمكنه بلوغ لباب القرآن وحقائق آياته. وهي نفس الفكرة الباطنية المستندة بدورها إلى تصورات الكلام والفلسفة عن الصفات الإلهية. وينطبق هذا أيضا على آرائه عن قِدم الكلام (القرآن)، والوحي غير المخلوق والعلم الالهي. مما يعني أيضا الإقرار بإمكانية التأويل غير المحدود. بحيث جعله ذلك يقف إلى جانب أكثر الآراء والمواقف غلواً في ظاهرها. غير انه جرى تذويب هذا الغلّو في أفكار الصوفية القائلة بعدم نفاد الكلمات الإلهية. وليس التأويل بالتالي سوى الأجزاء غير المتناهية لملكَتَه. غير إن هذا التقارب "المنهجي" مع الباطنية سرعان ما ينحلّ إلى مكونات متعارضة في ميدان المواقف الاجتماعية والسياسية. وعليهما يرتقي صرح الخلاف الصلب.

فقد وجه في (المستظهري أو فضايح الباطنية) باعتباره أول كتاباته الكبرى المعارضة للباطنية، نقده ضد تطويعها المذهبي والحزبي للنصوص، وكذلك ضد عنديتها الغالية في التأويل معتبرا تأويلاتها شيئا يؤدي بالضرورة إلى "إبطال الشريعة". وذلك لأنهم ينتزعون من العقائد في تأويلاتهم موجب الظاهر مما يؤدي إلى إسقاط الثقة بموجب الالفاظ الصريحة فلا يبقى للشرع عصام يرجع إليه ويدل عليه[1]. رغم انه كان يدرك، بأن "إبطال الشرع" هو خلق جديد له. لكنه مع ذلك حارب هذا الأسلوب لأنه يؤدي بنظره إلى السفسطة والعندية المتلونة. لهذا رفض في (إحياء علوم الدين) التأويل المتعمد بما فيه ذاك الذي يهدف إلى مقاصد سليمة، في حالة معرفة المؤول عدم قصد القرآن بما يريده هو. وذلك لأن هذه المساعي تؤدي في نهاية المطاف إلى التغرير بالناس، لأنهم "ينزلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعا إنها غير مرادة به"[2].

غير ان الغزالي استعمل هذا الأسلوب أيضا وبالأخص في أمثلته العديدة التي شحن بها الربع الأخير من (إحياء علوم الدين) وغيره من كتبه المتأخرة. غير أن الفرق الجوهري بين أسلوبه وأسلوب الباطنية يقوم في أن التأويل بالنسبة لها حوار لا نهاية له، بينما سعى هو إلى ضبط قانون التأويل غير المحدود. مما جعله يعتبر العقل لا عصمة الإمام معيارا لحقيقة التأويل أو ما دعاه بضرورة التأويل حسبما دل نظر العقل عليه. وربط ذلك بشرط ان يكون اللفظ مناسبا له بطريق التجويز والاستعارة. فبطلان الاستقرار والنزول، على سبيل المثال، يستند إلى كونهما صفات الحوادث. لهذا يجرى تأويلها على الاستيلاء وهو مناسب للغة[3]. وأستند في تأسيسه لمعيارية العقل وضرورته إلى فكرته القائلة بأن معارضتها سوف تؤدي إلى السفسطة التامة وضمور الأدلة المقنعة. وهي الفكرة التي صاغها بدقة بالغة في (إحياء علوم الدين) في معرض انتقاده للشطح الصوفي والطامات الباطنية. فما أثاره في موقفه المعارض "لطامات" الباطنية مقارنة بالشطح الصوفي هو منهجيتها المستترة لا شكلها الظاهر. إذ وجد في "صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق فيها إلى الفائدة إفهام كدأب الباطنية في التأويلات حرام وضرره عظيم. فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل من صاحب الشرع، ومن غير ضرورة تدعو إليه بدليل العقل، اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ وسقط به منفعة كلام الله… فإن ما يسبق منه إلى الفهم لا يوثق به، والباطن لا ضبط له، بل تتعارض فيه الخواطر، ويمكن تنزيله على وجوه شتى"[4]. وعارضه في (المستظهرى أو فضايح الباطنية) بأساليب الإبطال والمعارضة والتحقيق. بحيث جعلته هذه المعارضة يتشدد بالحديث القائل "من فسّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار". وكان قصده بذلك التأويل المتحزب بشكل عام والباطني الصرف بشكل خاص، لا التفسير والتأويل بشكل عام. وأسس له في (إحياء علوم الدين) بما يمكنه أن يكون دحضا للأيديولوجية الكاذبة في التأويل. وعبّر عنه بكلمات "أن يكون للمرء في الشيء رأي وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق رأيه و هواه ليحتج به على تصحيح غرضه… وهذا تارة يكون مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته وهو يعلم انه ليس المراد بالآية ذلك. ولكنه يلبس به على خصمه، وتارة يكون مع الجهل"[5].

فعندما ناقش في بداية (إحياء علوم الدين) الموقف من الاجماع ومن آثار الصحابة، فإنه حاول إدراجها في "العلوم الشرعية" إضافة إلى القرآن والسنّة. فالإجماع بنظره يدل على ألسنَّة لأنه تبعها. وإن آثار الصحابة هي كذلك بفعل معاينتهم وتجربتهم مع الوحي والتنزيل ونشاط النبي محمد. لكنه وضع اعتراضه العميق القائل بأن ذلك ممكن ولكن "بشرط مخصوص على وجه مخصوص عند من يراه"[6]. ومن الصعب حصر هذا الوجه في قوانين التأويل وموازينه فقط،وذلك لأن موازينه في (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) تعكس الصيغة النظرية في اطارها العام لا غير. ولهذا فمن الصعب إدراك أهميتها وحقيقة مواقفه دون الكشف عن عناصرها المتناثرة في مؤلفاته ككل. أما أهم هذه العناصر جوهرية فهي تلك التي بلورها في مفاهيم ومواقف الاعتبار والتنبيه والتأويل الصوفي والإلهام.

فقد شكل التنبه والاعتبار الصيغة الايجابية لنقده أسلوب الباطنية. لهذا لم يحبّذ استعمال مصطلح التأويل الباطني حتى في تلك الحالات التي يتشابهان فيه، أي أن لاشتقاقه مصطلح التنبه والتنبيه والاعتبار تميزا له مغزاه ومعناه في آرائه عن التأويل المختلف عن اتجاه الباطنية العام. وهو اختلاف حددته منهجيته العامة في التأويل لا وسائله التي دفعتها الباطنية إلى اقصى درجاتها الممكنة، بحيث عَدَتْ الجميع بأقدار متفاوتة بما في ذلك الغزالي. فعندما يؤول على سبيل المثال، الحديث القائل: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب" فإنه يتبع نفس أسلوب الباطنية. فهو ينظر إلى البيت باعتباره قلبا، وإلى الكلب باعتباره صفة من الصفات المذمومة. لكنه يفترق عن الباطنية في تأكيده على انه "لم يعن بلفظ البيت هو القلب ولا بالكلب هو الغضب، بقدر ما انه مجرد تنبيه عليه"[7]. فهو يشدد على ما يدعوه بطريق الاعتبار أو طريق ومسلك العلماء الأبرار بوصفه طريق "التنبيه للبواطن من ذكر الظواهر مع تقرير الظواهر"[8]. وهو الأسلوب المعارض للباطنية في عبورها الظواهر إلى البواطن. مما أدى إلى تباين شديد بين أسلوبه وأسلوب الباطنية من حيث "منهجيته العامة"، وبالأخص ما يتعلق منها بقضايا التوظيف السياسي والفكري، أو ما سبق وإن هاجمه في انتقاده لفكرة عصمة الإمام وعوارضها العديدة بما في ذلك التغرير بالخلق.

فقد ضمّن فكرة التنبيه للبواطن وفكرة الاعتبار آراءه عن التفسير والتأويل والعلاقة بينهما. فعندما تطرق لهذه القضية بصورة محددة في (الرسالة اللدنية)، فإنه حاول تحديد مفهوم التفسير والموقف منه على أساس رفض الفكرة التقليدية السائدة في مطابقة مفهوم التفسير مع تعدد أنواعه. وذلك لأنه لم يجد في كتب التفسير والفقه ما يمكنه أن يكون شاملا معانيه. لهذا عارض الهيبة المتفشية عن التفاسير الشهيرة للثعلبي والماوردي والقشيري وغيرها باعتبارها تفاسير مطابقة لنموذج التفسير الحق. ولا يعني ذلك نفيه قيمة هذه التفاسير وأمثالها بقدر ما انه بنى أحكامه هنا على أساس فكرته عن القرآن باعتباره تجلياً لأفعال الله وإشارات إليها، وبالتالي لا نهائية تأويلها. ولهذا السبب رفع تفسير السلّمي فوق التفسيرات السائدة. حيث وجد فيه تفسيرا يجمع "كلمات المحققين شبه التحقيق، وتلك الكلمات غير مذكورة في سائر التفاسير"[9]، أي ما سبق وأن وضعه في (إحياء علوم الدين) من "أن العلوم كلها داخلة في أفعال الله وصفاته. وفي القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته. وهذه العلوم لا نهاية لها. وفي القرآن إشارة إلى مجامعها"[10]. وبنى على هذا الأساس موقفه المعارض من إرجاع التفسير إلى التفسير الظاهر أو ربطه برأي شخص ما أي كان هذا الشخص. إذ اعتبر اعتقاد من لا يرى معنى لكلمات القرآن إلا في ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، و"أن من فسّر القرآن بالرأي فقد تبوأ مقعده من النار" مجرد حجاب من حجب العلم، أي تقليديتهم الفارغة[11]. مما جعله يرفض فكرة اعتبار معرفة الصحابة للقرآن هي المعرفة الحقة الوحيدة. ولهذا السبب أيضا يمكن فهم الأسباب القائمة وراء إدراجه علم التفسير في القسم الشرعي من أقسام العلوم الشرعية والعقلية وفي قسم الأصول منها. لقد تتبع هنا تقاليد التصنيف القديمة. لكن ما يميزه بهذا الصدد هو ليس فقط إدراجه التفسير في قسم الأصول بل واعتباره إياه من علم التوحيد.

إن التفسير يكف عن أن يكون مقدمة أولية للتأويل، ليصبح بحد ذاته ميدانا له. بمعنى تطابق أساليبهما وأدواتهما مع علم التوحيد. ولا يغير من ذلك شيئا تشدده في عربية القرآن ونصه اللغوي، ودعوته لإلجام العوام عن التصريف في التفسير، أي تبديل اللفظ بلفظ آخر يقوم مقامه في العربية أو معناه بلغة أخرى. إذ لا يجوز بنظره النطق إلا باللفظ الوارد بسب غياب ما يعادله في اللغات الأخرى مثل لفظ الاستواء. حيث لا يقابله في الفارسية إلا لفظة (راست باستاد) والأصبع حيث يعني في العربية أيضا النعمة، والذي يقابله بالفارسية (انكشت). ولكن لا اللفظ الأول ولا الثاني بإمكانهما ان يعبّرا عن مضمون ما ورد في القرآن[12]. وهو ما أكد عليه في (إحياء علوم الدين) بضرورة استناد المفسر إلى الدلائل اللفظية واللغوية والتاريخية[13]. وتأكيده في (الرسالة اللدنية) على ضرورة تفسير القرآن "من وجه اللغة، ومن وجه الاستعارة، ومن وجه ترتيب اللفظ، ومن وجه مراتب النحو، ومن عادة العرب"[14]. إذ أن كل ذلك هو مجرد لحظة في مفهوم التفسير لا حقيقته. وذلك لأن اهتمامه بالجانب اللغوي، رغم إدراكه ضرورته الجوهرية، كان مجرد لمحة في هاجس المصارعة الفكرية مع الاستهتار اللغوي للباطنية التعليمية. فهو يشترك مع الباطنية في هذا المجال في ما يدعوه بأسرار الكلمة في القرآن. إلا انه يبقي على الكلمة مقيدة من حيث لغتها الصحيحة. مما جعله يؤكد على ما أسماه بالوجوه العديدة التي ينبغي للمفسر  الأخذ بها في تفسيره. وأضاف إليها ما دأسماه بضرورة التفسير من "وجه أمور الحكماء، ومن وجه كلام المتصوفة حتى يقرب التفسير إلى التحقيق لأن الاقتصار على وجه واحد قاصر"، بسبب حاجته إلى "حجة الإيمان وإقامة البرهان"[15]. وذلك لأن تعلم اللغة هو السبيل إلى علم التفسير والأخبار. بينما علم القرآن هو دليل على علم التوحيد. وبهذا يكون التفسير داخلا ومنفيا في علم القرآن (التأويل) كوسيلة وجزء منه. فالقرآن حسبما يقول الغزالي "من أعظم الأشياء وأبينها واجلّها واعزّها، وفيه الكثير من المشكلات مما لا يحيط بها كل عقل، وله ظاهر وباطن، ولكل باطن بطون. فالقرآن هو البحر المحيط الذي لا يحيط به أي كان… وكل مفسر يفسره بمقدار طاقته"[16]. وقد جعله ذلك يؤكد على أن "المفسرين كلهم قالوا وبالحقيقة ما قالوا"[17]. وذلك بسبب دلالة علم القرآن على علم الأصول والفروع، الشرعية والعقلية. فهو أوسع بما لا يقاس من مهمة التفسير بمعناه التقليدي والمتعارف عليه في اللغة. وبهذا المعنى يتطابق التأويل باعتباره وسيلة مع مهمة الكشف عن أسرار علم القرآن. من هنا مطابقته بين مفهوم التأويل في خطوطه العامة وبين فكرة التعبير من حيث المجرى العام للوسيلة (التأويل). من هنا إشارته في (جواهر القرآن ودرره) إلى أن "التأويل يجري مجرى التعبير. فلذلك قلنا يدور المفسر على القشر"[18]. وقد حددت هده المقدمة ضرورة التأويل ولكن بالشكل الذي استند فيه إلى تراث التأويل الإسلامي. ولم يكن بإمكان الغزالي الخروج من اطار الثقافة الإسلامية ومدارسها، وبالتالي أثر التأويل باعتباره أحد عناصرها الاسلوبية الجوهرية.

فالتأويل هو على الدوام من بين مركبات وعناصر الفكر الاجتماعي والفلسفي. انه الأسلوب الذاتي لإدراك الحقائق ومعطيات الفكر. ومن ثم عادة ما يحدد هذا الأسلوب القدرة الذهنية للمفكر وتجربته الشخصية، وكذلك شدة الصراع الاجتماعي ومستوى استقلالية الفكر عن الأيديولوجية السائدة أو الهيبة التقليدية. ولم يكن بإمكان الغزالي أن يردد بقناعة ما قاله مالك بن أنس يوما عن آية الاستواء، رغم اقراره بها كمستوى مناسب لعقيدة العوام الظاهرة. غير أن ميدان الجدل أوسع من رغبة أفراده. وذلك بفعل تعامله مع حقائق الوعي وتأويلاته، كما لو أنها اعتراضاته الخاصة، التي لا يمكن إزالتها إلا بإزالة حرفية النص وترميزها أو تصيّرها في ذاتية الروحي الفكري للمفكر.وشكل تراث التأويل بكافة مدارسه روافد هذه الذاتية المتصيّرة لعالم الغزالي. الأمر الذي جعله ينظر إلى الاستواء متتبعا كلمات اهل الحق (الصوفية) كقهر واستيلاء. وهي الكلمات التي قالت بها المعتزلة وشاركتها الباطنية في تأويلاتها. وينطبق هذا أيضا على ما دعاه باضطرار أهل الباطن المتصوفة إلى تأويل الآيات والأحاديث الأخرى[19].

غير أن المتصوفة لا تعطي لتأويلاتها بعدا ثابتا، بسبب استنادها الدائم إلى وحدة الظاهر والباطن في أبعادها ومستوياتها المتعددة. ولا يحدد الغزالي المعيار النهائي لهذه الوحدة. لكنه يكشف عنها من خلال سلبه لغلو ّالباطنية في تأويلاتها، وتأسيسه لمعقوليتها الممكنة. نعثر في هذا التأسيس على بعض "مثالبه" في استمرار التناقضات الجزئية بين دعوته المعارضة للباطنية الغالية في مواقفها من التأويل واستعماله الجزئي للتأويل المتحزب. غير أن ما يخفف أو يفقد "غلوّه" المشابه في مظهره لغلو الباطنية في  أساليبها يقوم في أن تأويلاته كانت في الأغلب جزءاً من جدل المعارضة المعقولة للغلّو من جهة، وتمثيلا ممكنا في بحثه عن الحقيق من جهة أخرى. فهو لم يجعل من تأويلاته وسيلة في السياسة وغاياتها. رغم انه لم يهمل متطلباتها بما في ذلك المباشرة. ولم يكن بإمكانه هنا أن يتخطى بصورة تامة حدود التأويل في تقاليده القائمة آنذاك، بفعل اندماجها في الممارسة الذهنية للثقافة الإسلامية نفسها. إضافة لذلك أن سيادة الروح المنطقي في تفكيره جعله أكثر قربا للواقعية والتاريخية في نظرته إلى النص. فقد كان يرى حركة الخطاب المتغيرة وتبدل ماهيته. لهذا لم يتقبل الأحكام الجزئية الجازمة. وطبق هذه المبدئية الصارمة على مختلف القضايا بما في ذلك تصوفه. فقد رفض الأحكام الجزئية الجازمة في تأييدها أو عدم تأييدها للعزلة، وينطبق هذا بالقدر ذاته على مختلف قضايا التصوف ومفاهيمه. ففي موقفه من الغناء (السماع الصوفي) حاول الدفاع عنه باعتباره حلالا. لكنه فسح في الوقت نفسه إمكانية تحريمه في حالات معينة. مستندا بذلك إلى موضوعية الأحكام العقلية والضرورة الاجتماعية. فحلال العسل مطلق، حرامه عند الضرر، أو حرام الخمر حلاله عند الضرورة (كالغص في الأكل). ذلك يعني انه أعطى للتأويل العقلاني طابع الصيغة المكملة لمعيار وحدة الظاهر والباطن في الرد على التحزب والغلو الباطني. وهو ما حاول الكشف عنه بما في ذلك في "تحريم" ما يؤدي في مقاصده الأولية إلى رداءة المعنى الشبيهة في محتواها بالغلّو الباطني وتحزبه كما هو الحال بالنسبة لمثال الحادثة المتعلقة بترديد أحد المنافقين في زمن النبي لسورة (عبس) بصورة متكررة وبصوت مسموع من أجل تشويه شخصية النبي والانتقاص منها.

لقد وضعت العقلانية الحرة، أو التحزب غير المباشر آراء الغزالي التأويلية في مواقفها من وحدة الظاهر والباطن أمام إمكانية التثوير الدائم للنصوص في قضايا الاجتماع والسياسة والأخلاق من خلال ربطه إياها بفكرته القائلة، بأن من الضروري رد من يشهد بفعل لا يتضمن بحد ذاته شمولا تاما. وعندما طبّق هذه الفكرة على من أراد منع الغناء استناداً إلى قول عثمان بن عفان، من أنه لم يغنِّ بعد اسلامه ولا مسّ ذكره بيمينه، فإنه تساءل قائلا "إذا كان هذا دليل تحريم الغناء، فمن أين يثبت أن عثمان كان لا يترك إلا الحرام؟"[20]، أي إمكانية ترك الحلال أيضا. أما في مجال الفكر فقد أدت دعوة رفض التحزب والغلّو، والدعوة إلى مساندة ومطابقة العقل للتأويل، ووحدة الظاهر والباطن مع فكرة التعبير العقلاني. فالظاهر والباطن، شأنهما شأن التفسير والتأويل لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، تماما كما لا يمكن وجود أحدهما دون الآخر. غير أن التفسير يضمحل في مجرى التأويل. ولم يسع من وراء ذلك إلى إبطال الظاهر. إذ لا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر[21]. وهي الدعوة التي تضمنت في ذاتها تذليل ظاهرية الظاهر وباطنية الباطن في وحدة الحقيقة كما يفهمها اهل الحق (الصوفية). كما أنها الفكرة التي حاول الكشف عنها في شروحه وتعليقاته العديدة على آيات (ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) و(قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم"، باعتبارها دقيقة لا يمكن فهم حقيقتها إلا على أساس وجه ارتباط الأفعال بالقدرة الحادثة[22].

ذلك يعني بأن التأويل يستند في جوهره إلى ضرورة إدراك علاقة الظاهر بالباطن، أو إلى إدراك طبيعة الباطن المتجلي في الظاهر. فهو الإدراك الذي يعكس استحالة بلوغ إدراك المطلق المجرد، وفي الوقت نفسه هو الأسلوب الوحيد الحق في إدراك حقيقة الظاهر. إننا نقف أمام ظاهرة النفي الدائم في تقاليد الصوفية، أو طريقها الذي نظّر له الغزالي في مواقفه من التفسير والتأويل. فالتأويل هو نفي التفسير، كما أن الباطن هو نفي الظاهر. وهي العملية التي يصبح التأويل والباطن فيها كلاّ واحدا. فالتأويل هو التفسير المنفي. بمعنى تحوله إلى وسيلة أرقى. أما الباطن فينتفي في بطون الباطن. وبهذا لم يعد التأويل نفيا للتفسير الظاهرى، بل ووسيلة إدراك الحقيقة كما هي. انه يتطابق مع تجريدية الوعي في إدراك الحقيقة المنزّهة عن المادة. فعندما يكرر القول المأثور بأن المثال لا يعقله إلا العالمون، فإنه لم يعن بذلك سوى صيغة التأويل المدركة للحقيقة بما في ذلك في تنوع مظاهرها. وإلا لأدى ذلك إلى بقاء الظاهر في ذاته وبالتالي انغلاق إمكانية بلوغ الحقيقة المطلقة (الله). وبهذا يكون قد فتح طريقا آخرا أمام التأويل غير المحدود. وهو الطريق الذي احتوى على عناصر الحوار الباطن "الذي لا نهاية له"، والمتميز عنه في الوقت نفسه بمعالمه الداخلية، االتي يرصفها الطريق الصوفي في وحدة العلم والعمل.

فالغزالي الذي وقف بالضد من غلوّ الباطنية في تأويلاتها غير المحدودة لم يمنعه ذلك من أن يؤسس لها في اطار التصوف. وقد ظل هذين الجانبين المتوازيين يكمل أحدهما الآخر في آرائه، بما في ذلك في آخر مؤلفاته (إلجام العوام عن علم الكلام). إن رفض التأويل غير المحدود لم يعن بالنسبة له سوى رفض صيغته المتحزبة. بمعنى إن تأسيسه لضرورة الحدود هنا يتطابق مع رفض الغلوّ العندي في عدم تمسكه بوحدة العقل والنقل أو العقل والشرع. وهي الفكرة التي أسهب في كشفها على مثال تأويلاته العديدة للحديث القائل بأن "الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب". فالمستقبح من الكلب هنا، كما يقول الغزالي، لا شكله بل أخلاقه. ومن هنا فإن الحديث خارج من سبب (مباشر)، مما جعله يتأول الحديث على "انه يمكن أن يستقرئ منه ما قلناه، ويستنبط من مفهومه ما نبهناك عليه ويتخطى منه إلى ما اشرنا لك نحوه"[23]. وجعله ذلك يستنتج أنه لا ضرورة لإنكار ذلك إذا "دل عليه العلم وجملة الاستنباط، ولم تمّجه القلوب، ولم تصادم به شيئا من أركان الشريعة"[24]. وهي الصيغة التي تؤدي، حال دفعهاإالى اقصى إمكاناتها إلى التأويل غير المحدود من حيث  أسلوبه ووسائله رغم تقييدها بشروط المنطق والنفسية الاجتماعية الثقافية والقواعد الشرعية. وهي الإمكانية التي حاول في (الإملاء على مشكل الإحياء) استخراجها على أساس "تنبيهه" على قضايا متباينة في حديث واحد مثل قضايا الفضيلة والرذيلة، وحرية الإرادة والقضاء والقدر وغيرها. إلا أن تأويلاته ظلت مترابطة رغم تباين مضامينها، بروابط المقارنة بين مضامينها الواقعية والمجردة. مما افقدها بالضرورة نفسانية التعسف الإرادي.

لقد بلّط الغزالي الطريق أمام التأويل غير المحدود، باعتباره إمكانية دائمة رغم ابقائه إياه كدليل أيضا للكشف عن "حقائق" الشرع و"أسراره"[25]. فعندما ناقش الحديث المذكور أعلاه فإنه سعى إلى تخطي الأحاديث الخارجة عن السبب (غير المشروطة) إلى الأحاديث المشروطة وإمكانية تأويلها. لهذا رد على سؤال حول ما إذا كان بالإمكان التعامل مع الفكرة (المجردة) أو التأويل المناسب لحديث "لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة" بعبارة "للحديث شجون"، أي إقراره بالإمكانية غير المحدودة للتأويل، رغم تشديده على خطورة هذه الممارسة. وقد قدم تأويليين للحديث بالصيغة التي تحدد في عددها الحدود الظاهرة، وفي تباين مضامينها الباطنية غير المحدودة. إذ يمكننا نأ نرى في "الصورة المنحوتة" إمكانية اتخاذها آلهة عبدت من دون الله، وبالتالي فامتناع الملائكة عن دخول هذا البيت لأجل أن من يعبد فيه غير الله، أو يمكن تأويله على أساس أن القلب الذي هو بيت بناه الله ليكون مهبط الملائكة ومعرفة عبادته وحده، فإذا حلّ فيه معبود آخر غير الله كالهوى، لم تقربه الملائكة[26]. فالغير المحدود هنا هو لا محدودية العالم الصوفي بفعل مساعيه الحقيقية نحو الحق (المطلق). وذلك لأن الاتجاهات الأخرى، كما يعتقد الغزالي، تقيّد التأويل في تصوراتها الخاصة. الأمر الذي جعله يتكلم في (إلجام العوام عن علم الكلام) عن تحريمه لتأويلات العوام لأنها أفعال شبيهة بمن يخوض البحر وهو لا يعرف السباحة. وينطبق هذا بالقدر ذاته على تأويل العالِم للعوام. ولم يقصد بالعالِم هنا الأديب ولا المحّدث والمفسّر والفقيه والمتكلم، بل أولئك "المتجردين لتعلم السباحة في بحار المعرفة، القاصرين أعمارهم عليه، الصارفين وجوههم عن الدنيا"[27]، أصحاب الحقيقة والتجرد (غير المتحزب). فالمتصوفة لا تحتقر الدنيا فقط بل والآخرة والفردوس إلى جانب الله (أي مقارنة بحبها لله). وليس هذا في الواقع سوى "مجافاة" الحقيقة المتعالية تجاه عوارض الدنيا (المصالح العابرة) بفعل تحوّل الحقيقة إلى ديمومة اللذة المطلقة.

وقد حدد ذلك تحوّل التأويل والمعرفة (الصوفية) عنده إلى وسيلة بلوغ السعادة الروحية التامة.بحيث جعله ذلك يسعى لربط فكرة التأويل في إحدى درجاتها العليا بفكرة القلب باعتباره عقلا وروحا ومعرفة، وأن يشدد في الوقت نفسه على انه لا يمكن بلوغ التأويل الحق بدون القلب. وهي الصيغة التي سعت إلى مطابقة المضمون الداخلي للتأويل مع مستوى رقي الإنسان في عالم الملكوت (الأخلاقي المعرفي)، أي كل ما يعطي للكلمات مثال المعنى وتعمقه المتزايد مع تزايد تعمق عالمه الروحي المعرفي الأخلاقي، باعتباره جزءاً من السرّ الإلهي للقلب، أي سرّ الوجود واللانهاية، اللذين يتحير العقل في إدراكهما. لكنه حالما يجري إدراك حقيقة  النفس آنذاك سرعان ما تزول الحيرة في إدراك حقيقة السرّ القائم بين الوجود واللانهاية. فالسرّ القائم هنا هو "الأمر والملك، لأن بين عالم الأمر وعالم الخَلق ترتيبا، وعالم الأمر أمير على عالم الخلق. وهي اللطيفة التي إذا صلحت صلح لها سائر الجسد. وإن عرفها فقد عرف نفسه. ومن عرف نفسه فقد عرف ربه. وعند ذلك يشم العبد مبادئ روائح المعنى المطوي تحت قوله "إن الله خلق آدم على صورته". ونظر بعين الرحمة إلى الحاملين له على ظاهر لفظه وإلى المتعسفين في طريق تأويله. وإن كانت رحمته للحاملين على اللفظ أكثر من رحمة المتعسفين في التأويل، لأن الرحمة على قدر المصيبة. ومصيبة أولئك أكثر. وإن اشتركوا في مصيبة الحرمان من حقيقة الأمر"[28]. ولا تعني هنا مصيبة الحرمان سوى عدم إدراك حقيقة التأويل، الذي طابقه الغزالي في نهاية المطاف مع تأويل الصوفي الذاتي، والذي تنحلّ فيه قيم الوجود الإضافية أمام حقيقة المطلق. ويعني هذا فسحه المجال أمام التأويل المطلق، وتحويل جزئياته غير المتناهية إلى ذرات في عالم الوحدة ومثالها في الله باعتباره مبدأها ومرجعها. من هنا اندفاعه في مدارج التأويل الصوفي بحيث جعله يرى في من يعارضه ويباينه شكلا من أشكال حرمانه إدراك الحقيقة. لهذا أكد على أنه لا يدرك حقيقة المقامات الصوفية كالرضا (باعتباره أعلى مقامات المقربين وثمرة المحبين) إلا من "علّمه الله التأويل وفهّمه وفقّهه في الدين"[29]. ولم يعن ذلك تحول التأويل إلى مقدمة إدراك الحقيقة كما هي، بقدر ما انه وجد في إتقان قانونه المستند إلى التجربة الصوفية وطريقها الوسيلة الحقة لإدراك حقائق الوجود في روحها الإسلامي. فعندما تكلم، على سبيل المثال، عن معنى الشكر الصوفي، فإنه توصل من خلال الآيات (وقليل من عبادي الشكور) و(لا تجد أكثرهم شاكرين) وغيرها سوى "حكمة الله في جميع أنواع الموجودات"[30]، باعتبارها حقيقة معنى الشكر. وطبّق ذلك على الآيات الاخرى مثل (الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) بمعنى "إن كل حكمة تظهر في القلب من غير تعلم فهي بطريق الكشف والإلهام"، وأن من "يتق الله يجعل له مخرجا" من الإشكالات والشبهات، وأن (يرزقه من حيث لا يحتسب) تعني أن يعلم من غير تعلّم، وبفطنة من غير تجربة، ببلوغ الإلهام في إدراك حقائق القرآن، أو تطابق الوجدانية المتسامية لعقلية الصوفي.

إن هذه النتيجة التي أسس لها بمعايير العقل والتصوف، كانت تحتوى في ذاتها على إمكانية تحرير النص وتحويله إلى درجات وأساليب في بلوغ معالم الكمال المعرفي الأخلاقي (الصوفي). بحيث يفقد النص قوته "السلطوية" من خلال تحوله إلى جزء من تجربة الصوفي وارتقائه في مقاماته. آنذاك يمكن أن تتحول نصوص المخاطبة إلى نصوص الذات العارفة، في حين تتحول الذات إلى مركز المخاطبة. وعندما أسهب في (الإملاء على مشكل الإحياء) في شرح مضامين الآية (فانك بالوادي المقدس… فاستمع إني أنا ربك)، فإنه سعى إلى جعلها نموذجا من نماذج الطريق الصوفي ذاته. إذ حوّلها إلى جزء من المخاطبة الذاتية بضرورة الدوام على ما هو عليه (كل بمقامه) من البحث والجد والطلب. أما (الوادي المقدس) فهو مقام "الكليم". بينما تقديس الوادي هو نتاج للذكر. في حين أن المخاطبة بعبارة "فاستمع" تعني سرْ بقلبك فلعلك تجد على النار هدى، ولعلك من سرادقات العز تنادي بما نودي به موسى. أما (اني انا ربك) فهي دعوة الى تفريغ القلب لما سيرد عليه. وعلى الرغم من محاولة الغزالي وضع حد أمام إمكانية بلوغ المطلق و"تزندقها" غير المباشر في ما يمكنه أن يكون دعوة "للنبوة المكتسبة"، فإن آراءه ومواقفه تؤدي إلى فسح المجال أمامها باعتبارها "نبوة الإتباع لا نبوة التشريع". آنذاك يمكن للصوفي الذي بلغ "بالمكاشفة والمشاهدة واليقين التام" الذي يوجب المعرفة والعلم بتفاصيل الأمور أن "يسمع ما يوحى لغيره من غير أن يقصد هو بذلك"[31]. إن هذه المشاركة في "الخطاب" هي "ليست من غايات مقامات الأولياء"[32]. وذلك لأن "تباين الإفهام" في الخطاب مرتبط بتباين المقامات، من هنا أيضا تباين ورود الخطاب. وقد حوّل ذلك النص باعتباره "كلمة الله الأزلية" إلى وجود حي يحدد معنى ورود الخطاب به وعمقه، درجة استدراج الصوفي في مقاماته. مما أعطى للتأويل الغزالي طابعه الاخلاقي الإصلاحي في العلم والعمل. ومن ثم ساهم في تحويل "الكمال الروحي" إلى مثال الممارسة العملية في موقفها من النص. من هنا استنتاجه القائل، بأن حق الحقيقة في إدراك الخطاب لا يعود للسلطة والفقيه. وهي النتيجة التي كانت تعني أيضا انهاكه سلطة وهيبة الخطاب القاهرة، وتذويبها في منظومة البديل الأخلاقي القانوني المتسامي، بفعل دمجه قانونه التأويلي في فلك الذات الأخلاقية، دون أن يجعل منه في الوقت نفسه قيمة معارضة أو خارجة عن جماعة الإسلام في أمتها ودولتها.

 

ا. د. ميثم الجنابي

............................

[1] الغزالي: المستظهري أو فضائح الباطنية، ص5.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص291.

[3] الغزالي: المستظهري أو فضائح الباطنية،ص35.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص37.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص290.

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص16.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص49.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص49.

[9] الغزالي: الرسالة اللدنية، ص18-19.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1،ص289.

[11] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1،ص285.

[12] الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام، ص13-14.

[13] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1،ص37.

[14] الغزالي: الرسالة اللدنية، ص62.

[15] الغزالي: الرسالة اللدنية، ص62-63.

[16] الغزالي: الرسالة اللدنية، ص42

[17] الغزالي: الرسالة اللدنية، ص62.

[18] الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص31.

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1،ص108.

[20] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1،ص286.

[21] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1،ص291.

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1،ص293.

[23] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص23.

[24] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص23.

[25] لقد شحن الغزالي كتاب (إحياء علوم الدين) ومؤلفاته الأخرى بأمثلة عديدة من هذا القبيل. فعندما تكلم عن عدم مناسبة آيات القرآن حال المستمع (في مجرى حديثه عن وجد الصوفية واستماعهم للشعر وتواجدهم عليه أكثر من تواجدهم على القرآن)، فإنه أشار إلى أن من استولى عليه حزن أو شوق أو حزن أو ندم فمن أين يناسبه قول القرآن في آيته القائلة بأن أكثر ما "يوصيكم الله في أولادكم للذكر حظ الانثيين" وأمثالها؟ ومع ذلك فإن الذكي المتيقظ والمستولى عليه في الوقت نفسه يمكنه أن يخرِّج وجده على كل مسموع. آنذاك يمكن لهذا "الذكي المتيقظ والمستولى عليه" أن يخرج وجده على "يوصيكم الله في أولادكم..." باعتبارها إشارة لحالة الموت والمحوج إلى وصية. فكل إنسان لابد وأن يخلف ماله وولده (وهما محبوبان في الدنيا) فيترك المحبوبين ويهجرهما جميعا. ويمكن أن يدهش بمجرد سماع الاسم "الله" بحيث يشغله عما قبله وما بعده (الأولاد والوصية) بحيث لا يخطر في ذهنه سوى رحمة الله بعباده وشفقته، بأن تولى هو قسمة مواريثهم بنفسه. أما بالنسبة "للذكر مثل حظ الانثيين" فبمعنى أن الفضل في الاخرة لرجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. وذلك لأن من ألهاه غير الله عن الله فهو من الإناث كما يقول الغزالي(إحياء علوم الدين، ج2، ص298-299)     

[26] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص24.

[27] الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام، ص16.

[28] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص26.

[29] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص343.

[30] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص95.

[31] الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام، ص33.

[32] الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام، ص33.

 

منى زيتونروى أئمة الحديث في كتبهم جملة أحاديث تثبت سن الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين صوم العاشر من المحرم (عاشوراء)، وتركه لهم على التخيير. من الروايات ما لم تذكر السبب، وروايات ذكرت السبب واختلفت فيه، على سببين:

السبب الأول: الروايات عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها نقلت عنها أن ذلك اليوم مُعظَّم من الجاهلية، وكانت قريش تصومه، وزِيد في إحدى الروايات بأن الكعبة كانت تُكسى فيه، وزِيد في روايات أخرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصومه من الجاهلية.

روى الإمام البخاري في صحيحه، في كتاب الحج، (1592) بإسنادين رجالهما كلهم ثقات، حدثنا يحيى بن بكير: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها. وحدثني محمد بن مقاتل قال: أخبرني عبد الله -هو ابن المبارك- قال: أخبرنا محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يُفرض رمضان، وكان يومًا تُستر فيه الكعبة، فلمَّا فرض الله رمضان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليتركه".

وفي رواية ثانية رواها البخاري في كتاب الصوم (1893) عن السيدة عائشة أيضًا تثبت فيها تعظيم يوم عاشوراء من الجاهلية. حدثنا قتيبة بن سعيد: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب: أن عراك بن مالك حدثه: أن عروة أخبره، عن عائشة رضي الله عنها: أن قريشًا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فُرِض رمضان، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شاء فليصمه، ومن شاء أفطر".

ورواية ثالثة عنها رضي الله عنها في صحيح البخاري كتاب الصوم (2002) حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فُرِض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه.

ورواية رابعة عنها أيضًا في صحيح البخاري كتاب "مناقب الأنصار" باب "أيام الجاهلية" (3831) حدثنا مسدد: حدثنا يحيى: قال هشام: حدثني أبي، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلمّا نزل رمضان كان من شاء صامه، ومن شاء لا يصومه.

وروى الإمام مسلم في صحيحه، في كتاب الصوم أحاديث (113- 114- 115- 116- 117- 118- 119- 120- 121) بأسانيد مختلفة عن السيدة عائشة وعن عبد الله بن عمر تثبت تعظيم يوم العاشر من المحرم من الجاهلية، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصومه ويأمر بصيامه.

ولا ذكر لليهود أو لاحتفالهم بأحد أعيادهم في أي من تلك الروايات بالبخاري أو مسلم أو الروايات التي حملت المتن نفسه بألفاظ أخرى في كتب الحديث الأخرى.

***

السبب الثاني: تذكره روايتان؛ الأولى عن عبد الله بن عباس، والأخرى عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، والروايتان ذكرتا سببًا آخر لما ثبت من صيام الرسول صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء؛ إذ ترويان أن هذا اليوم كان عيدًا لليهود، وفصّلت رواية ابن عباس بأن ذكرت حوارًا دار بين النبي وبين يهود المدينة بعد مقدمه إلى المدينة، أخبروه فيه أن هذا يوم نجاتهم من فرعون.

في صحيح البخاري كتاب "الصوم" (2004) حدثنا أبو معمر: حدثنا عبد الوارث عن أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: "ما هذا؟". قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال: "فأنا أحق بموسى منكم". فصامه وأمر بصيامه.

وفي كتاب "مناقب الأنصار" (3943) حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لمّا قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسُئِلوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصومه تعظيمًا له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن أولى بموسى منكم". ثم أمر بصومه.

وفي كتاب الصوم (2005) حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا أبو أسامة، عن أبي عُميس، عن قيس بن مُسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فصوموه أنتم".

وفي كتاب "مناقب الأنصار" (3942) حدثني أحمد، -أو محمد- بن عبيد الله الغداني، حدثنا حماد بن أسامة، أخبرنا أبو عُميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وإذا أناس من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نحن أحق بصومه". فأمر بصومه.

وروى الإمام مسلم في كتاب الصوم روايات بألفاظ مقاربة تفيد أنه كان يوم عيد لليهود لنجاتهم من فرعون (127- 128- 129-130-133).

***

تجاهل لروايات السيدة عائشة وتأويلات متكلفة لرواية ابن عباس!

الروايات الصحيحة عن السيدة عائشة تخالف تمامًا الروايات الصحيحة عن ابن عباس وأبي موسى الأشعري، وكأن الحديث يدور عن يومين مختلفين، وهو ما لم يلفت نظر أي من أئمتنا عبر العصور!!

والعجيب أن أئمتنا أهملوا تمامًا روايات السيدة عائشة التي لا تشوبها شائبة من جهة السند، حتى أن أغلب المسلمين لم يسمعوا بها، واعتمدوا رواية ابن عباس رغم عدم منطقية أن يُدعى أن الرسول وجد اليهود يصومون عاشوراء المحرم عند مقدمه إلى المدينة! إذ من الثابت وغير المختلف فيه أنه دخل المدينة في ربيع الأول من العام الأول للهجرة! ولكنهم قالوا: كان ذلك الصيام في المحرم من العام الثاني للهجرة، أي بعد عشرة أشهر من هجرته! وتباروا في إيراد تأويلات تسهل للعقل أن يستسيغ ذلك التناقض على عواره!

الثابت يقينًا أن اليهود لم يستخدموا عبر تاريخهم التقويم القمري المعروف عند العرب، بل تقويمهم تكون به السنة شمسية لكن شهوره قمرية؛ حيث ترتبط بدايات الشهور بالأهلة كما هو الحال في الشهور القمرية العربية، لكن كل 19 سنة شمسية في تقويمهم العبري تُوجد فيها سبع سنوات كبيسة، وتكون عدد شهور السنة الكبيسة منها 13 شهرًا؛ أي يظهر فيها 13 هلالًا للقمر، وإضافة ذلك النسيء يكون لربط الشهور بفصول السنة، فلا تدور، مثلما كان يفعل العرب في الجاهلية.

وعند اليهود المحدثين فإن يوم نجاتهم من فرعون هو يوم الغفران "عيد كيبور"، وهو اليوم العاشر من شهر تشري، وهو الشهر الأول وفقًا للتقويم العبراني الشمسي. وهو بالمناسبة التاريخ الذي اختير ليكون بداية حرب السادس من تشرين الأول/أكتوبر 1973م، والذي وافق العاشر من رمضان 1393هـ في تلك السنة، وليس العاشر من المحرم.

ثم إنه من غير المختلف فيه أن رحلة الهجرة النبوية بدأت أواخر صفر ووصل النبي وصاحبه المدينة المنورة في الثاني عشر من ربيع الأول، لكن لأن المحرم هو أول شهور السنة القمرية عند العرب فقد اعتُبر أول المحرم في السنة التي هاجر فيها النبي بداية التقويم الهجري. ورواية ابن عباس تقول إنه صلى الله عليه وسلم رأى اليهود يصومون عاشوراء لمّا قدم المدينة، ورغم أن المعنى واضح، وظاهر الخبر أن ذلك الصيام لليهود مرتبط بقدومه المدينة فقد تحيل المفسرون بأن ذلك الحوار إنما حدث في المحرم من السنة الهجرية الثانية! يذكر ابن حجر في "فتح الباري" (ج4، ص291) "إن في الكلام حذفاً تقديره: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ فأقام إلى يوم عاشوراء، فوجد اليهود فيه صيامًا".

ونجد ابن القيم في "زاد المعاد" (ج2) يتحيل مزيد تحيل بأن الحوار كان في ربيع الأول بعد مقدمه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأن اليهود كانوا يستخدمون التقويم الشمسي، فوافق صومهم في تلك السنة مقدم الرسول إلى المدينة، لكن نجاة موسى من فرعون في العاشر من المحرم، وأن اليهود كانوا قد أخطأوا تعيين اليوم لدورانه في السنة الشمسية، ومن ثم فنحن نصوم على الصحيح وفقًا للشهور الهلالية.

وتأويلاتهم في هذا الباب كثيرة، تكاد تكون مجموعة في شرح تلك الأحاديث في كتاب الصوم في "فتح الباري" (ج4)، فالرسول –وفقًا لعلمائنا- سأل اليهود ثم صدقهم ثم أنه أراد تألفهم فصامه إلى أن نُسخ بفرض صيام رمضان.

رواية الطبراني

روى الطبراني في "المعجم الكبير" في ترجمة زيد بن ثابت بإسناد حسن رواية تساعد في فك الالتباس بين تعظيم العرب من الجاهلية يوم العاشر من المحرم بداية العام بالتقويم العربي القمري، وكسوة الكعبة فيه، وبين أن اليهود كانوا يحتفلون بعيد نجاتهم من فرعون في اليوم العاشر من بداية تقويمهم العبراني الشمسي.

الحديث من طريق أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: "ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقوله الناس، إنما كان يوم تُستر فيه الكعبة، وكان يدور في السنة، وكانوا يأتون فلانًا اليهودي –يعني ليحسب لهم- فلمّا مات أتوا زيد بن ثابت فسألوه".

فإذا جمعنا الروايات فلدينا روايات عن السيدة عائشة تقول إن العاشر من المحرم كان معظمًا من الجاهلية، وتُكسى فيه الكعبة، وكانت قريش تصومه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه، وروايات أخرى تقول إن المسلمين كانوا يصومون مع اليهود يوم احتفالهم بنجاتهم من فرعون، ورواية تحدد أن صيام اليهود والمسلمين احتفالًا بنجاة موسى من فرعون كان وفقًا للتقويم العبري، وبذا فإن يوم صيامهم هذا كان يدور في السنة، فما الذي تراه قد جعله يثبت فجأة في يوم محدد من أيام السنة الهجرية القمرية ليوافق دومًا العاشر من المحرم وكف عن الدوران؟!

بالرجوع إلى تاريخ معركة كربلاء سنجد أنها دارت رحاها في العاشر من المحرم عام 61هـ كما هو معلوم، والذي وافق 12 تشرين الأول/أكتوبر 680م وفقًا للتقويم الميلادي. واليهود من الأمم التي اعتبرت الخريف بداية العام، مثلهم في ذلك مثل قدماء المصريين، ووفقًا للتقويم العبري فإن شهر تشريه Tishrei هو بداية التقويم العبري. واسم "تشريه" مشتق من كلمة "تشريتو" (tašrītu) الأكادية بمعنى "بداية". وعيد الغفران "يوم كيبور" الذي يحتفل فيه اليهود بنجاتهم من فرعون يكون في عاشر أيام شهر تشريه العبري. وتبدأ السنة العبرية وفقًا للتقويم الميلادي في شهر أيلول/سبتمبر –وتتفق في ذلك مع السنة القبطية- أو تبدأ في تشرين الأول/أكتوبر، بحسب ما إذا كانت السنة بسيطة (12 شهرًا) أو كبيسة (13 شهرًا)، ولهم طرق معقدة في حساب السنوات.

ومن هنا نفهم أن عاشوراء المحرم القمرية التي كانت تعظمها قريش منذ الجاهلية وتُكسى فيها الكعبة قد توافقت تقريبًا في ذلك العام 61هـ مع احتفال اليهود بنجاتهم من فرعون وفقًا للتقويم العبري، وهو توافق يحدث كل عدد كبير من السنوات، وكان حدوثه الأخير عام 2018؛ فالأربعاء التاسع من المحرم 1440هـ الموافق التاسع عشر من سبتمبر 2018م كان هو الموافق ليوم كيبور (عيد الغفران) العاشر من تشريه وفقًا للتقويم العبري لأن الأول من تشريه وافق العاشر من سبتمبر 2018م. وهذه مصادفة لا تتكرر كثيرًا لأن السنة الهجرية والسنة العبرية قد تزامنت بدايتهما هذا العام، وكانت معهما أيضًا السنة القبطية!

ومن يعرف، فربما كانت نجاة سيدنا موسى من فرعون في عام من تلك الأعوام التي يكون فيها ذلك التوافق بين أوائل السنوات الثلاث؛ العربية والعبرية والقبطية! ولكن الثابت أن اليهود كانوا يصومون العاشر من أول السنة وفقًا لتقويمهم، والعرب كانوا يحتفلون ويعظمون اليوم العاشر من السنة وفقًا لتقويمهم.

ومنذ تلك السنة -61هـ- رُبطت الحادثتان معًا –كسوة الكعبة في الجاهلية ونجاة موسى من فرعون-، وصارا كأنهما احتفال بيوم واحد وليس يومين، وكان هذا أفضل غطاء على مذبحة كربلاء؛ فلأن موسى كان الحق وفرعون كان الباطل استغل كلاب السلطة ذكرى اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون ليلهوا عوام المسلمين عن قتل جيش يزيد سيدنا الإمام الحسين ومعه آل بيت النبوة! وجعلوه يومًا للاحتفال والابتهاج بنصرة الحق!!

المفاجأة الأكبر بالنسبة لي كانت عندما قررت الرجوع إلى تاريخ هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فوجدت أنه قد وصل وصاحبه أبو بكر إليها في الثاني عشر من ربيع الأول عام 1هـ، والذي كان موافقًا تقريبًا ليوم 27 أيلول/سبتمبر عام 622هـ، والذي يوافق أيام بدايات رأس السنة العبرية، واحتفالات اليهود بعيد الغفران (يوم كيبور) يوم نجاتهم من فرعون في اليوم العاشر من العام العبري! ومن ثم فالأحاديث التي روت أنه صلى الله عليه وسلم وجد اليهود يصومون (عاشوراء) عند مقدمه إلى المدينة صحيحة، ولكن عاشوراء سنتهم العبرية غير عاشوراء سنتنا الهجرية، كانا يومين يُحتفل بكل منهما على حدة وفقًا للتقويمين الهجري والعبري، حتى كان عام 61هـ حيث رُبطا كأنهما يوم واحد.

وأنا أقول إن الشبهة بأن هذا التثبيت والربط بين احتفال اليهود بنجاتهم من فرعون بالتقويم العبري ويوم كسوة الكعبة في الجاهلية بالحساب القمري، الذي صادف في عام 61هـ مقتل ابن بنت رسول الله على يد جيش يزيد من أبناء الزُناة ليس صدفة، كما أنه ليس خطأ غير مقصود، وليس الشيعة فقط من يتشككون في الأمر، فكل من له عقل سليم لا بد أن يشتبه فيه.

ونستخلص مما سبق أن صوم عاشوراء ليس بدعة من بدع الأمويين كما يدعي الشيعة، فهو يوم معظم من الجاهلية، وقرأت في فتح الباري رواية أوردها الإمام ابن حجر العسقلاني تقول إن قريشًا أذنبوا ذنبًا في الجاهلية فأخبرهم أهل العلم أن يصوموا عاشر المحرم فهو كفارة للذنب، والمحرم بأكمله شهر حرام، وهو افتتاح العام، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن أفضل الصيام بعد رمضان هو صيام المحرم. كما أنه من الثابت أن آل بيت النبي منع عنهم الكلاب الماء في كربلاء في أوائل المحرم، واستشهد سيدنا الحسين صائمًا في عاشوراء.

هو يوم صوم وثورة على الظلم وتكفير للذنب، وليس يوم لطم كما تفعل الشيعة، لكنه أيضًا ليس يوم احتفال كما تفعل السُنة جهلًا بينما هم يحتفلون بمقتلة آل بيت نبيهم على يد الفجرة، ظانين أنه يوم نُصرة الحق، فهذا ابتداع ليس أقل من ابتداع اللطم الذي ابتدعته الشيعة. هدانا الله جميعًا سواء السبيل.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابي"النظر بعين الاعتبار هو إدراك حكمة الله في كل موجود"

(الغزالي)

لقد اقترن الظاهر والباطن بالتفسير والتأويل للدرجة التي أصبح من الصعب فصل أحدهما عن الآخر. وهو ترابط متجذر في الوعي الإسلامي. والمفارقة الفكرية لهذه الظاهرة تقوم في أن محاولة إزالة الهيبة المفتعلة لقدسية النص باعتبارها اجتهادا قابلا للخطأ والصواب أو ظنونا تتراوح في قربها وبعدها عن الحق، قد شكلت في الوقت نفسه الصيغة الثقافية لبناء "الصراط الإسلامي المستقيم". وقد كان ذلك يعني أيضا رصف المكونات التاريخية للكينونة الإسلامية التي عادة ما كان يجري إدراكها على أنها التجلي الممكن للحكمة الخالدة. وقد لازم هذا الإدراك في آن واحد قطرات الروافد الأساسية لصراط الاستقامة الإسلامية في دينها ودنياها، علمها وعملها، روحها وجسدها، اي باطنها وظاهرها ومن ثم تفسيرها وتأويلها. وقد جرى في تقاليد التفسير والتأويل ظهور وتوسع ميادين الهواجس والوساوس، واليقين والشك، والتصديقات والتصورات، والأحكام والتأملات، أي كل ما كان بإمكانه أن يبدع في وحدته  فرضيات الإدراك الحق "للحكمة الخالدة" في القرآن.

فقد انتجت الثقافة الإسلامية في مختلف ميادينها صيغا عديدة للتفسير والتأويل[1]. وبهذا تكون قد أدت في مجرى اشتراك مدارسها وتياراتها العديدة إلى صنع ما يمكن دعوته بثقافة التفسير والتأويل الإسلامية. والمقصود بثقافة التفسير والتأويل هنا هي تلك التي تمتلك إدراكها الخاص لتاريخها الذاتي. فالحديث يجري هنا لا عن أجنتها أو شظاياها المتناثرة في لغة الفكر والتاريخ، بل عن كلّها النظري والعملي، وذلك لما لهذه القضية من أهمية بالغة. فقد بلورت في آن واحد مزاجها الروحي اللعقائدي وأحكامها الأخلاقية والحقوقية بأثر الأهمية الجوهرية للقرآن في تكوينها العام. وهو الذي يفسر أيضا قيمة التفسير والتأويل في الوعي النظري الإسلامي. بمعنى تحولها إلى جزء من الثقافة المدرِكة لذاتها، باعتبارها قضية مستقلة في وجودها. وأن بلوغها لهذه الدرجة يعكس تراكم مكوناتها الأولى منذ أن احتل القرآن موقعه المباشر في إدارة شئون الأمة. فإذا كان القرآن زمن النبي محمد هو الوحي الساري في آياته وأقواله وافعاله، فإن تحوله إلى "كتاب" الأمة بعد موته قد أدى إلى رفعه إلى مصاف المصدر الأول، الذي أثار إلى جانب أمور أخرى "محنة" القديم والمحدث فيه. وقد عكست هذه المحنة في ثناياها قيمة وفاعلية الجذور المؤلمة لأعصاب الثقافة الإسلامية في أعمالها السياسية واجتهاداتها النظرية (الكلامية) والروحية (الأخلاقية) والفقهية (الحقوقية). فإذا كانت اجتهادات الفرق الكلامية الأولى تدور في الأغلب حول تبرير أفعالها، فإن تنظيرها اللاحق في ثنايا الاجتهادات الكلامية قد ساهم في بلورة القيم العلمية والعملية للتفسير والتأويل، أي سار في نفس الاتجاه العام لثقافة الحدود الفقهية. إذ جرى فيها ليس فقط تقنين القرآن في أصول التشريع، بل وتجزئته الدائمة في أحكامها. وهي العملية الضرورية الملازمة للاجتهاد. لكنها حالما تدخل في أطر المذاهب وعقائدها فإنها تكف عن أن تكون اجتهادا. الأمر الذي أدى بها بالضرورة إلى الانحطاط صوب الهيبة المزيفة للتقليد والتقديس. غير أن النتيجة المتكلسة في الظاهر كانت على الدوام عرضة للاختراق في ميادين الأخلاق والسياسة. لهذا شكلت الأخلاق الميدان الأكثر حساسية وصعوبة لهيمنة الظاهرية. وذلك لأنها الوحيدة القادرة على إبداع منظومات الباطن، وبالتالي حرية التأويل غير المحدود، وبالأخص في الطرق الصوفية التي شكلت مقدمة لآراء الغزالي ومواقفه بهذا الصدد.

وهي المقدمة التي استند إليها الغزالي، تماما بالقدر الذي بلورت فيه كيفية إدراكه ولحد ما نموذج بديله المتوافق في مضمونه مع مجمل تصوراته وأحكامه عن الظاهر و الباطن وماهية القرآن نفسه. ولا يغير من ذلك شيئا كون الغزالي لم يضع كتابا خاصا في تفسير القرآن أو تأويله[2].

لكنه أبقى على نماذج من تأويله وتفسيره في مؤلفاته العديدة. إضافة لذلك انه قام بصياغة قواعد للتفسير والتأويل في (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) عممت إبداع الثقافة الإسلامية بالشكل الذي سعت فيه إلى تأصيل روح الابتكار الحر باعتباره جزءاً من هموم البحث الدائم عن الحكمة العلمية والعملية (العقلية والأخلاقية).

إن لهذه  القواعد العامة مقدماتها الفكرية في مؤلفاته السابقة. بمعنى صيرورة بعض عناصرها الأولية في تناوله لمختلف القضايا الكلامية والفقهية والفلسفية. ويمكن العثور على هذه المقدمات بوضوح منذ بواكير أعماله النظرية وبالاخص في كتاب (معيار العلم في فن المنطق) حيث يمكننا هنا للمرة الأولى رؤية منطقية التأويل لا التأويل. إن استعماله للتأويل هنا يجري في اطار وتقاليد الفكر المنطقي الكلامي الفلسفي. فعندما يتناول على سبيل المثال مسألة الشروط المنطقية في الفقهيات، فانه أكد على قاعدة "ألا يكون نسبة المحمول إلى الموضوع على جهتين مختلفتين". فالماء في الكوز مرو ومطّهر، وليس بمرو ولا مطهر. مرو بالقوة وليس مرو بالفعل. ولم يجد في ذلك تناقضا. وحالما طبق هذه القاعدة على الآية (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) فأنه يحاول أن يكشف عن معقوليتها المنطقية أيضا من خلال نفي الرمي وإثباته. بمعنى عدم جعل جهة النفي هي جهة الإثبات. ولهذا لم يتناقضا[3]. إنه أراد الكشف عن أغلاط الفقهاء في استيعابهم لحقائق النص القرآني بسبب عدم تمكنهم من شروط المنطق. وحالما دفع بهذه الفكرة إلى نهايتها فإنه وقف أمام مهمة دحض الرفض السفسطائي للقياس استنادا إلى تناقض أقيسة الفقهاء والمتكلمين انطلاقا من أنه لو كان القياس صحيحا لما تناقض موجبها، مثل القول بأن الرحيم لا يؤلم البرئ من الجناية، والله أرحم الراحمين، فإذن لا يؤلم بريئاً من الجناية. في حين اعتبر هذه النتيجة كاذبة استنادا إلى واقع رؤيتنا لإيلام الله للحيوانات والبهائم والمجانين من غير جناية منهم. ولكن هل يعني ذلك الشك في قولنا إن الله أرحم الراحمين؟ وأجاب على هذا السؤال من خلال البرهنة على أن هذه الاستنتاجات عادة ما تنطلق من مقدمات جدلية مشهورة مسلّم بها من حيث استبشع نقيضها. وعادة ما يحدث ذلك بفعل مخالفة الجمهور (العامة) أو لما فيه من مخالفة ظاهر القرآن. وعندما طبق ذلك على قضية الرحمة فإنه اعتبر وصف الله بالرحمة على الوجه الظاهر كما تفهمه العامة هو وصف سطحي وذلك لأن الله مقدس عنه. إذ أن ألفاظ الرحمة والغضب وما شابه ذلك شبيهة بألفاظ النزول والمجيء. والأخذ بظاهر اللفظ والتسليم به دون التحقيق يؤدي إلى كذب النتيجة. وإن كون الله رحيما بالمعنى الذي تفهمه العامة هو ليس مقدمة أولية كما لا يدل عليها قياس الشرط المذكور. بمعنى أن محل الغلط هنا  يقوم في ترك التأويل في محل وجوبه، كما يقول الغزالي. وهو السبب القائم وراء انتشار التناقضات وكثرتها في أقيسة المتكلمين. وذلك لأنهم ينطلقون من مسلمات مشهورة أو تقليدية مترسخة من غير برهان، ومن غير أن تكون واجبة التسليم فعلا[4]. بصيغة أخرى، إننا لا نعثر في كتاباته ما قبل انتقاله إلى التصوف إلا على مواقف أولية وجزئية عن التفسير والتأويل ضمن آرائه ومواقفه المنطقية والفقهية. وهي الصيغ التي ظلت مع ذلك سارية المفعول في الأخلاقية الصوفية وأذواق تأويلها الباطني باعتبارها المستوى الأرقى للمنطق. وسوف يظل هذا التناسب غير المرئي يتطابق مع العلاقة التي تتحكم بتناسب العقلي المنطقي مع الروحي الأخلاقي بما في ذلك في أشد اللحظات ذوقا (صوفية).

أما الخلافات التي ستظهر في وقت لاحق في بعض جوانب تفسيره وتأويله، فليس ذلك إلا بفعل تعمق وتوسع تجربته الفكرية والاجتماعية السياسية والروحية من جهة، وتناوله الملموس لهذه القضية أو تلك في أبحاث خاصة، من جهة أخرى. مما اعطى لآرائه السابقة صيغة العناصر الأولية القابلة للتغيير والتطوير. ففي (المستظهرى أو فضايح الباطنية) على سبيل المثال، تبرز أيضا الصيغة العقلانية مقارنة بما في (معيار العلم في فن المنطق) من خلال انتقاده للتطويع الفِرَقي المتحزب للتأويل في الإسماعيلية (التعليمية). فهو يقف هنا بالضد مما اسماه بالتأويل الذي لا يدل نظر العقل عليه، لأنه يؤدي به إلى السفسطة[5]. وهي ذات العقلانية التي حاول اظهارها في (الاقتصاد في الاعتقاد) من خلال تأويله للآيات التي تتماشى مع اطروحاته الكلامية الفلسفية بصدد قضايا وجود الله وصفاته وأفعاله. ويمكننا العثور عليه من خلال وجود وثقل نتاج الكلام العقلاني المعتزلي والاشعري في تأويلاته لآيات خلق الإنسان والاستواء والنزول[6]. لكنه يختلف مع المعتزلة في قضايا أخرى تتعلق بنتائج التأويل لا بالتأويل العقلي، أي تجاه كيفية توظيفه في بعض القضايا. ففي معرض انتقاده لآراء المعتزلة بصدد مسألة رؤية الله، ومقارنة آرائهم بآراء الحشوية، فإنه يشير إلى أن الحشوية لم تفهم معنى "وجود لا في محل"، أما المعتزلة فقد نفت الجهة ولم تثبت الرؤية. ولهذا وجد في استنتاج المعتزلة شيئا يؤدي إلى مخالفة الشرع[7]. من هنا يبدو واضحا، بأن الأسلوب العقلاني العام للغزالي والذي جرى إبراز ملامحه الأولية في (معيار العلم في فن المنطق) هو نفسه في كل من (المستظهري أو فضايح الباطنية) و(الاقتصاد في الاعتقاد)، وجزئيا في (تهافت الفلاسفة)، حيث ركز على إمكانية أن تؤدي تأويلات الفلاسفة إلى نفي النبوة. ولا يعني ذلك في الواقع، سوى تشابههما مع آراء المعتزلة من حيث كونهما يؤديان بنظره إلى خلاف  مع الشريعة، أي كل ما نعثر عليه في وقت لاحق في آرائه المنظومية عن التأويل ودرجاته. أما الفرق بين الفكرتين فإنه يقوم في الطابع النقدي الجزئي لآرائه الأولية وطابعها التعميمي فيما بعد. بمعنى اتخاذ انتقاده الأولى والمشبع بروح الجدل الكلامي طابع الايجاب المتزن. وهي النتيجة التي حصلت على تنظيرها المتجانس في صياغة مراتب التأويل ودرجاته الخمس التي تتطابق فيها مراتب التأويل مع عوالم الوجود. وبذلك يكون قد فسح المجال أمام التأويلات جميعها وضرورتها أيضاً، باعتبارها انعكاسا مناسبا لتعمق المعرفة واستعدادها. مما كان يتضمن في ذاته بذور إضعاف وتهشيم الأسس النفسية والفكرية للتكفير. وبهذا يكون من بين المفكرين المسلمين الأوائل الذين وضعوا منظومة شاملة في التعامل مع الجميع في تأويلاتها وأن يبقي في الوقت نفسه على نسبيتها المنهجية والمعرفية. إن الابقاء على النسبية المنهجية والمعرفية يعني الإقرار بتنوع الحقيقة وكذلك الإقرار بتباين مستوى ادراكها. إنه أراد إزالة التعصب و"العصمة" الذاتية في الأحكام، خصوصا في تلك القضايا التي تشكل في أفضل أحكامها اجتهادا يعكس استعداد المرء وقدرته لا غير في استيعاب ثقافة التأويل والتفسير. فالنسبية هنا هي الشرعية العقلية في الاجتهاد، التي يفرضها بالضرورة انتماء المفكرين للفِرق والمدارس والأحزاب. وهي النسبية التي ظلت مرتبطة في أحكام الغزالي بمدى اقتراب المعرفة من "حقائق" الفكرة المجردة و"الحكمة الخالدة". بمعنى في اكتشافها الدائم لحقائق الحكمة الخالدة. وهذه بدورها ليست إلا معرفة النفس وحقيقتها الفردية والاجتماعية والدينية والسياسية بما في ذلك في مجرى تعاملها مع "النص الإلهي". فالأخير ليس نصا قابلا للقراءة مرة واحدة وإلى الأبد  بقدر ماانه قابل للقراءة المستمرة والمتنوعة بما يتوافق  مع الضرورة في حاجاتها والأرواح في أخلاقها والفقهاء في اجتهادهم. وقد أسس الغزالي لهذا التنوع والتعدد في ما اسماه بتراتب الأرواح والعقول (التأويلية) بما يضمن لها حرية التمسك باستنتاجاتها. بمعنى إمكانية "ترويضها" بالشكل الذي يكسر حدية التعصب والتشدد، وأن يبقي عليها في اطار الوحدة المتنوعة للتأويل الإسلامي. وبهذا كان أسلوبه هنا يتطابق مع ما يمكنه أن يكون أسلوبا للإجماع المتنوع أو الإجماع الثقافي لا الفقهي. فقد وضع في (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) منظومته التأويلية ردا على نفسية الكفير وتقاليدها الفكرية السائدة. مما اعطى لها طابعا سياسيا واجتماعيا أخلاقيا استند في تحليلاته وغاياته إلى ما هو جوهري في استنتاجاته السابقة وخصوصا ما وضعه في (إحياء علوم الدين).

وتجدر الإشارة هنا إلى آرائه عما أسماه بالدرجات الخمس لترتيب الاعتقاد في إدراكها لعلاقة الظاهر بالباطن، والحقيقة بالشريعة. فالقسم الأول منها هو ما يكون الشيء في نفسه دقيقا نكلّ الافهام عن ادراكه مثل سرّ الروح. والقسم الثاني ما هو مفهوم في نفسه إلا أن ذكره يضر بأكثر المستمعين مثل سرّ القدر. والقسم الثالث ما يكنى على سبيل الاستعارة والرمز ليكون وقعه في القلوب أفضل وأجلب للمصلحة. والقسم الرابع أن يدرك الإنسان الشيء جملة ثم يدركه تفصيلا بالتحقيق والذوق. والقسم الخامس أن يعّبر بلسان المقال عن لسان الحال[8]. وهي الدرجات التي لا تتطابق مع ما وضعه في (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة)، لكنها تؤسس لها من حيث صياغتها فكرة الدرجات والترتيب في الاعتقاد (الإدراك)، أي درجات إدراك النسبة بين الظاهر والباطن في القرآن. ونعثر على النموذج النظري الآخر لهذه الفكرة في تفريقه بين طريق النظار (المتكلمين) وطريق المتصوفة، أو بين العقل والذوق عندما أشار إلى ما أسماه بدرجات العوالم أو الوجود وهي الوجود في اللوح المحفوظ، والوجود الجسماني، والوجود الحقيقي، والوجود الخيالي، والوجود العقلي[9]. وإذا كان الغزالي يشير إلى أربعة عوالم فلأنه وضع عالم اللوح المحفوظ وراء الموجودات الأخرى. وهي فكرة تتطابق من حيث انعكاسها المعرفي والتأويلي مع ما في (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة)[10].

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] ليس المقصود بذلك تباين الآراء والمواقف حول حد وحقيقة التفسير والتأويل السائدة في الكتب المدرسية الكلامية، بقدر ما يعني مظاهرها في المجالات العلمية والعملية. ولا يعني ذلك انتقاص ما في هذه التحديدات من قيمة منهجية ومعرفية. إذ أنها تحتوي أيضا على أسلوب المدارس وشخصياتها الكبيرة في تدقيق ما تراه ضروريا في أساليب تعاملها مع المادة المدروسة، أي حصيلتها النظرية والعلمية والعملية. وهي قضايا لها أهميتها المباشرة ضمن اطار التعليم المدرسي فقط.

[2] لم يضع الغزالي تفسيرا بالمعنى التقليدي للكلمة والمصطلح. ما ينسب إليه بهذا الصدد هو من الموضوعات، أي المؤلفات الكاذبة. لهذا لا نستطيع الحديث عن صيغة منظمة للتفسير والتأويل عنده بالمعنى التقليدي، أي بالصيغة التي تستلزم أولا وقبل كل شيئ التعامل الكلي مع النص القرآني سواء بطريقة جزئية مع آياته وسوره أو بصورة شاملة جامعة. لكننا نعثر عنده على ما يمكن دعوته بقواعد التفسير والتأويل التي بلورها للمرة الأولى في كتبه (جواهر القرآن ودرره) و(فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة). لقد تناول فيهما مادة التأويل وقواعده. أما استعمالها المباشر فقد نثره في مختلف أعماله وبالأخص في كتابه (إحياء علوم الدين). ونقف هنا أمام إشكالية "تاريخية" ذات علاقة بالتسلسل الزمني لتأليف هذه الكتب. فقد كتب (إحياء علوم الدين) قبل كتابة (جواهر القرآن ودرره) و(فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة). غير أن هذه الإشكالية تزول في حال افتراض أن ما وضعه فيهما هو نتاج تأمله وتعميمه لتجاربه في التأويل منذ كتاب (إحياء علوم الدين). وهو افتراض يمكن تأييده استنادا الى كتاب (الإحياء) نفسه.

[3] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص92-93.

[4] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص167.

[5] الغزالي: المستظهري أو فضائح الباطنية، ص5، ص34.

[6] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص24-29.

[7] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص35.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص100-104.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص21.

[10] يؤيد هذا الاستنتاج ما سبق وأن أشرت إليه عن أن منظومة التأويل النظرية في (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) قد استجمعت في قواعدها (قوانينها) أفكاره المتناثرة في مؤلفاته السابقة وبالأخص (إحياء علوم الدين). لقد استطاع الغزالي أن يحوّل حصيلة أفكاره بهذا الصدد إلى قانون نظري في التأويل.

 

عبد الجبار العبيديالرحلة معقدة، والايمان بها بحاجة الى تثبيت بدليل.. فالمحاورة بشك لا تعني الكفر والألحاد، الا من وجهة نظر المتخلفين..

كانت جدلية فلسفة عودة الروح بعد الموت في اعتقاد قدماء المصريين، هي عودتها للحياة مرة اخرى بعد الموت عندما تنفصل من الجسد وتبقى تحوم حوله حتى يؤذن لها بالعودة.. ولكن من يؤذن لها.. وكيف؟.. لا نص ثابت فيه.. بل كانوا يعتقدون ان الروح غير النفس.. فالنفس هي التي تموت وتبقى الروح حية هكذا كتبوا في بردياتهم.. وهذا ما أورده القرآن الكريم ايضاً حين قال تعالى: "كل نفسٍ ذائقة الموت "آل عمران 185"ولم يقل كل روح.. لان النفس" قضاء مُدرك والروح وجود غير مدرك" 1، والفرق بينهما كبير.. لذا كانوا يدفنون مع الميت مسلتزمات العودة من طعام وشراب.. عدها البعض نوع من معتقداتهم السحرية المعروفة عندهم..

وفي الحضارة العراقية القديمة كان المعتقد الديني وهمياً ولا عودة للروح بعد الممات.. فالعراقيون القدماء لا دين لهم معين، ولا يؤمنون بحياة اخرى بعد الممات سوى التصورات.. من هنا اتجه فكرهم نحو شرائع القوانين الدنيوية.. فكان الابداع الحضاري بدلا من المخاصمات الدينية.. لذا ظل الفكر العراقي من اكثر الافكار في الشرق القديم ربطاً للظاهرة الفكرية ان هي توفرت له في جو الحرية والامان.. وفي عهد حمورابي (ت1790 ق.. م) عندما كتبت القوانين وسلمها للآله المجهول "آله الشمس.. " الوهمي.. اصبح الفكر مطلقا لكنه ربط القانون بظاهرة صحية زادت من قيمته معرفياً.. لتحقيق العدل بين المواطنين.. فكان أهتمامهم بحياة الأنسان أفضل من الأهتمام بأخرته.. هنا كان سر التقدم..

أما المسيحية فتعتقد بعودة المسيح بعد ان صلبوه.. لكن القرآن ينفي هذا التوجه، لأنه اصلا هو لم يمت وانما رفع الى السماء..، النساء 157-158 ).. وتشاركهم في الرأي فرق الشيعة الأمامية من المسلمين حين تعتقد بظهور المهدي بن الحسن العسكري (بعد غيبته والذي سيظهر في اخر الزمان ليملأ الارض عدلا بعد ان ملئت ظلما وجورا.. وكأن لا احد يستطيع تحقيق العدالة الا بظهوره.. فلسفة تخريفية ميتة..

اعتقاد سطحي ووهمي عند الطرفين ً.. لا يستند على دليل.. بنص انجيلي او قرآني.. لكن الفرق ان الشيعية حسب نظرية ولاية الفقيه عندهم تعتقد بالعودة.. "ليملأ الأرض عدلاً بعد ان مُلئت ظلماُ وجوراً " نظرية مستحيلة التحقيق خاصة في ظل من يؤمنون بها وهماً لا صدقاً.. لانهم لو يؤمنون بالانسان وحقوقه لانتجوا دولة تحميه من الشرور.. لذا ادرك المرحوم الصدر مؤسس حزب الدعوة الحقيقة فاراد العودة للاصول والتخلص من عصر النصوص.. "انظر كتاب الفقيه والسلطان لوجيه كوثراني.. ص16.. وكتاب المعالم الجديدة للاصول للصدر،ص54..

 ان صورة هذا الاعتقاد عند الأثنين "المسيحية والشيعة" تتنافى وقول القرآن الكريم.. :" ونُفخَ في الصورِ فصُعقَ من في السماواتِ ومن في الأرضِ الا ما شاءَ الله ثم نُفخَ فيه أخرى فأذا هم قيامُ ينظرون، الزمر آية 68"

يقول العلماء في نظرية العقل والقياس " لا سعادة حقيقية من دون التمسك بالقداسة، ولا قداسة حقيقية من دون التمسك بوصايا الله للانبياء والرسل.. ولا وصايا ان لم تحقق للانسان العدالة بأيمان.. منطق فلسفي رائع.. وكلام جميل، ولكن هل التزموا وحققوا ما جاءت به الوصايا ؟ اقول وبثقة.. لا..؟.. لأننا لم نلتزم بما فرضته الحياة علينا من قيم ومُثل ومبادىء وأيمان.. ليس المهم ان يكون الايمان دينيا.. بل المهم ان يكون انسانيا لكل بني الانسان.. فالوحي لا يناقض العقل ولا يناقض الحقيقة التي هي أثبات الشيء بيقين.. لكن يبدو ان اصحاب الديانات السماوية ما زالوا وهميين في الاعتقاد والعقيدة لنقضهم نظرية التطبيق.. في العدل والقانون..؟

علينا ان نصحى من رقادنا الأبدي فلا يمكن للرسل والانبياء ان يشتركوا مع الله في معرفة المصير.. معرفة نتائج النص في الأيمان الا بالتطبيق، لان الانبياء جميعا لا يعلمون الغيب ولم يكونوا معصومين من الخطأ في القول والتطبيق..، يقول الحق: " لو كنت أعلم الغيب لأستكثرت من الخير وما مسني السوء، الأعراف 188 " ويقول الحق في العصمة "يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس.. المائدة 67" فالعصمة في الرسالة وليس في الرسول.. .. فقيامنا وقيامهم ضمان اساسي لمعرفة نتائج الأختبار.. وعودة الحياة بعد الصور المجهول ما هي الا ما اوصى به الانبياء والرسل للناس لتصبح حقيقة عقيدية ثابتة لا تحتاج الى كهنة ورجال دين هنا يسقط حق وجودهم بين الناس كمقدسين لأنهم غير مخولين بالفتوى على الناس.. لذا فلا مرجعية دينية في الاسلام على طريقة رجال العهد القديم.. فالمرجعيات الدينية اليوم عرقلة في التقدم والتحديث بعد ان اشتركت في شرعنة اخطاء المصير، هنا كل ما قيل ويقال اراء وهمية لا تتفق وعقلية التقدم مع صيرورة الزمن للانسان..

نحن لم نرَ العودة بعد الممات التي بشر بها القرآن الى اليوم.. .. مجرد قصص قرآنية جاءت من الجزء المتغير من تراكم الاحداث حتى أصبحت حقيقة تكهنات بأيمان.. يقول الحق :"نحن نقص عليك نبأهم بالحق، الكهف 13".. لذا فهي مجرد قصص، لذا منا من صدقها.. ومنا من يقف منها موقف الحيرة والتردد في التصديق.. بعد ان مرَ الانسان بمرحلة الظلم دون رادع له ببرهان ولا زال.. فاذا لم يحصل الصور في أي زمان ستبقى البشرية تنتظر المخلص المسيح او المهدي المنتظر او اي أمل ببرهان.. لذا لازال البعض يعتبرها أختبار روحي تقربنا الى الله.. سواءً كانت حقيقة او وَهمُ بأيمان.. هنا يصبح الدين عرقلة لاتقدم فيه للانسان..

ونحن نقول لا مسيح يعود، ولا مهدي منتظر يظهر ويسود.. يقول الحق: "حتى اذا أخذت الارض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس.. ..،يونس 24".. فاين المسيح والمهدي من ظهورهما.. ؟

انا شخصيا لا زال النص في فكري وَهم وايمان وهو لم يتحقق بعد.. ولازالت الخطايا تلاحقنا.. رغم اننا نحب الحق والعدل وانسانية الانسان.. فقيام الصور والحساب هو البرهان الأكيد للغفران لمن يستحقة بأثبات الأيمان.. شرط ان لا يتحكم فينا رجل دين ناكر لقيم الأيمان.. لص باموال الانسان.. كما نرى اليوم رجال مؤسسة الدين عبيدا لسلطة السياسة والمال واللاأيمان.. كفاية لقد قتلوننا ودمروا مستقبلنا ونحن لا زالنا نلطم وننوح.. ؟

اعتقد وبأيمان مطلق ان لم يتحقق ما جاء به النص.. فحياتنا جهل وضياع.. ان لم نتمتع بحياتنا دون قيد من نص، فالحياة الرديئة كالعملة الرديئة التي تطرد العملة الجيدة في الأسواق.. اي تطرد الأخلاق الجيدة في التعامل مع بني الأنسان..

عندما يكون الانسان عزيزاً في نفسه، فكل شيء يتعلق به يكون عزيزا ايضاً من اجل خاطره ورفعة مكانته بين الناس.. فأن الله ما خلق الانسان ليكون عبدا له بل ليكون من عباده الصالحين.. لذا فهناك فرق بين العبودية والعبيد.. من هنا نحن نرفض المذلة والاهانة والعيش الرديْ ليسود الحاكم الظالم بأسم الدين..

هكذا يقول شبنكلر "ت1936" الفيلسوف البريطاني في فلسفة الحياة.. التي عد الفضائل والمكارم الآلهية للانسان هي من صنع الله وهي ان تمسك بها الانسان يكون الخلاص من الخطايا والذنوب بتطبيق.. وحتى اذا لم تتحقق القيامة التي ينادون بها غداً.. ان تمسك بها الانسان سيكون الفريد في فكره وحياته.. اذن كم هي ارادة الله رائعة لبني الانسان..

تقول المسيحية بهذ الخصوص في" مجلة اذكر خالقك ص15" : ان الاعمال الصالحة وحدها لا تنجي الانسان من الخطأ.. بل الذي ينجيه هو الايمان بوصايا الله العشر دون نقصان.. فكسرِ واحدة منها يعني انك كسرتها جميعا من وجهة نظر العدل في الميزان.. فالقسم ايمان.. وحنث اليمين نقصان.. فأذا تكلمت كن متكلما بفكر الله وبشعور الله وكيف اراد الله لك الخير ومحبة الأوطان مثلما اراده لكل الناس.. فكيف اذا أخَليتَ بشروط التكليف.. فأنت ليس مفضلا من بينهم ساعتها ستشعر انك لم تؤدي ما اراده الله منك.. فلا يهمك ان حييت او مت بلا عودة الرحمان.. ان أشد ما يغيظ الله هي خيانة الاوطان "سورة التوبة الآية 43،120".. فالانبياء ما جاؤا ليُخلقوا أكاسرة على الناس.. بل جاؤا ليقهروا الباطل بالحق.. فلتفهم مؤسسة الدين كيف تفكر وكيف تعتقد.. فالعقيدة تطبيق بأيمان..

ويقول ارنولد توينبي الفيلسوف البريطاني (ت 1975 م) في نظريته التحدي والاستجابة ان الله منحك العقل به لتتحدى الصعاب وتستجيب للممكنات بسلطان العقل وبعدالة القانون.. لا بقوة سلطة الانسان وعقلية الوهم في المعتقدات.. فاذا عملت بما اراده عقلك وبما اوحى لك به الله فانت والانبياء في مورد واحد.. حين ترضي نفسك والناس.. ساعتها لا يهمك الصور فانت فيه ابداً.. فلسفة ربانية لم تعمم في مناهجنا الدراسية ليُخلق منا الأنسان صاحب العرفان.. فالجنة والنارما هي الا صفات رمزية لتحقيق الايمان.. وليس للتمتع بحور العين وما ملكت ايمانهم والقوارير والغلمان..

تعلمت من قراءة النص المقدس ان فلسفة الحياة تكمن في التعليم المُنفتح الصحيح، لان التعليم المُضل يصيب الناس في ارواحها واجسادها بالعقم والتكاسل.. فاذا اردت ان تقود وطن اصنع له تعليما يتفق وحضارة الانسان.. لكن مع شديد الاسف نحن ما زلنا نرى هذا الخطر العظيم يهدد وطننا كما كان في عصر السلاطين.. من اخطاء خدم الدين المُهلكة للناس والمجتمع دون رادع من ضمير او ايمان.. ..

نحن نريد ممن يدعون النص باليقين ان يكون لنا دين وحقوق بلاتفريق.. وغفران لنا بتأكيد.. وخلاص من الماضي بتجديد.. وسماء مصابيحها تضيئ للجميع.. ودين بدون منَة حتى من رب العالمين، وليس أستجداءً بالأدعية الممُلة للأنسان.. فلا فرق بيننا وبينهم بنظريات التقديس والمعرفة والعرفان.. لا ان مضى علينا 1400 سنة ونحن لازلنا نرمي الشيطان بالحجر.. ولا ادري هل للشيطان في مكة بيت من حديد لا يقاوم.. ؟.. ساعتها سيكون النص مقدسا يستحق الايمان.. فنحن نكتب من منهج معرفي اصيل يقول : ان حرية التعبير عن الرأي وحرية الاختيار، هما اساس الحياة الانسانية في الاسلام.. .. كفاية تخريف فقد قتلتنا الردة..؟

 

د.عبد الجبار العبيدي

.......................

ملاحظة مهمة : (1)

الفرق بين القضاء والقدر والسحر والشعوذة: القضاء هو حركة انسانية واعية بين النفي والاثبات.. بينما القدر هو الوجود الحتمي للاشياء.. اما السحر فهو مشاهدة الظاهرة بالحواس دون فهم القوانين التي تحمكم الظاهرة.. لم يفهوننا الفقهاء هذا المعنى.. فبقينا في تيه الفكر والتخمين في هذا الزمان..

اليوم ورغم كل الدراسات الاسلامية في العالم الاسلامي لم تستطع ان نضع نظرية اسلامية في المعرفة الانسانية مصاغة صياغة معاصرة لتعطينا منهجا في التفكير العلمي.. لذا ادى بنا الفكر الوهمي الذي صاغته المذاهب الأجتهادية ومرجعيات الدين الى كيل الاتهامات والالحاد لكل فكر نير يطالب بالمنهج المعرفي الصحيح.. هنا كان مقتلنا.. ولا يزال.. ؟

 

منى زيتونيحكي لنا المؤرخون عن محنة طويلة استمرت لسنوات، جرت للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري؛ شيخ المفسرين والمؤرخين والعالم بالقراءات ‏وصاحب الكتب في أصول الفقه وفروعه، مع الحنابلة؛ بسبب موقف الطبري من الإمام أحمد بن حنبل في ‏كتاب اختلاف الفقهاء، وإنكاره ‏لعقيدة الإقعاد –حيث يفسر الحنابلة آية المقام المحمود بأن الله تعالى يقعد النبي صلى الله عليه وسلم على العرش يوم القيامة-،‏ إضافة لتصحيح الطبري لروايات حديث غدير خُم. جرت وقائع المحنة بعد رجوع الطبري ‏لبغداد من طبرستان للمرة الثانية أي بعد سنة 290 هـ، ‏حتى منعوا دفنه في مقابر المسلمين عندما مات ‏سنة 310هـ. ‏

ذكر ابن الأثير في "الكامل في التاريخ" (ج7، ص8-9)‏ عن الطبري قال: "وفي هذه السنة –‏يقصد 310هـ- توفي محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ ببغداد، ومولده سنة أربع وعشرين ومائتين، ‏ودفن ليلًا بداره لأن العامة –يعني الحنابلة- اجتمعت ومنعت من ‏دفنه نهارًا وادعوا عليه الرفض، ثم ‏ادعوا عليه الإلحاد، وكان علي بن عيسى –الوزير- ‏يقول: "والله لو سُئل هؤلاء عن معنى الرفض ‏والإلحاد ما عرفوه  ولا فهموه". هكذا ذكره ‏مسكويه صاحب تجارب الأمم، وحاشى الإمام عن مثل هذه ‏الأشياء، وأما ما ‏ذكره من تعصب العامة فليس الأمر كذلك وإنما بعض الحنابلة تعصبوا عليه ‏ووقعوا ‏فيه فتبعهم غيرهم، ولذلك سبب وهو أن الطبري جمع كتابًا ذكر فيه اختلاف ‏الفقهاء لم يصنَّف مثله، ‏ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل، فقيل له في ذلك فقال: لم يكن ‏فقيهًا، وإنما كان محدثًا، فاشتد ذلك على ‏الحنابلة، وكانوا لا يحصون كثرة ببغداد، ‏فشغبوا عليه وقالوا ما أرادوا"‏أهـ‏.‏

وذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج14، ص849) في ترجمة الطبري، قال: "ودُفن في داره؛ ‏لأن بعض الرعاع من عوام الحنابلة منعوا من دفنه نهارًا، ونسبوه إلى الرفض، ومن الجهلة من رماه ‏بالإلحاد، وحاشاه من ‏هذا ومن ذاك أيضًا، بل كان أحد أئمة الإسلام في العلم بكتاب الله وسُنة رسوله، ‏وإنما ‏تقلدوا ذلك عن أبي بكر محمد بن داود، حيث كان يتكلم فيه ويرميه ‏بالعظائم ويرميه بالرفض"‏‏.‏ كما ‏ذكر الخبر ابن الجوزي في "المنتظم"، وثابت بن سنان في "تاريخه"، ومسكويه في "تجارب الأمم"، ‏والذهبي في السير، وغيرهم.‏

فكانت بداية محنة الإمام معهم هو ما افتراه عليه أبو بكر محمد بن داود الظاهري. وكان الطبري قد ‏تلقى فقه الظاهرية مدة على يد أبيه داود بن علي الأصبهاني رئيس أهل الظاهر ببغداد، ثم تخلف عنه ‏وعقد لنفسه مجلسًا. ذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج13، ص100). ثم جرت بين داود الظاهري ‏وبين الإمام الطبري مناظرة كبيرة، وصنَّف الطبري كتابًا أسماه "الرد على ذي الأسفار" يعني داود ‏الظاهري، نتج عنه أن صــنّف أبو بكر محمد بن داود كتابًا في الــرد على الطــبري أسماه "الانتصار من ‏محمد بن جرير الطبري"، ذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج13، ص110). وذكر ياقوت الحموي ‏في "معجم الأدباء" (ج6، ص2460-2461) الواقعة بحذافيرها. قال: "ومن كتب الطبري المسمى "كتاب الرد على ذي ‏الأسفار" يرد فيه على داود بن علي الأصبهاني، وكان سبب تصنيف هذا الكتاب أن أبا جعفر كان قد ‏لزم داود بن علي مدة، وكتب من كتبه كثيرًا، وكان داود بن علي قد أخذ من النظر ومن الحديث ومن ‏الاختلاف ومن السُنن حظًا ليس بالمتسع، وكان بسط اللسان حسن الكلام متمكنًا من نفسه، وله ‏أصحاب فيهم دعابة قد تمكنت منهم حتى صارت لبعضهم خلقًا يستعمله في النظر لقطع مخالفيه، ‏وكان ربما ناظر داود بن علي الأثبات في المسألة في الفقه فيراه مقصرًا في الحديث فينقله إليه، أو ‏يكلمه في الحديث فينقله إلى الفقه، أو إلى الجدل إذا كان خصمه مقصرًا فيهما، وكان هو مقصرًا في ‏النحو واللغة وإن كان عارفًا بقطعة منه، وكان أبو جعفر مليًا بما نهض فيه من أي علم كان، وكان ‏متوقفًا عن الأخلاق التي لا تليق بأهل العلم ولا يؤثرها إلى أن مات، وكان يحب الجد في جميع أحواله، ‏وجرت مسألة يومًا بين داود بن علي وبين أبي جعفر، فوقف الكلام على داود بن علي، فشق ذلك على ‏أصحابه، وكلَّم رجل من أصحاب داود بن علي أبا جعفر بكلمة مضة، فقام من المجلس وعمل هذا ‏الكتاب، وأخرج منه شيئًا بعد شيء، إلى أن أخرج منه قطعة نحو مائة ورقة، ثم قطع ذلك بعد ما مات ‏داود بن علي. ثم تعرض محمد بن داود بن علي للرد على أبي جعفر فيما ردَّه على أبيه، فتعسَّف الكلام ‏على ثلاث مسائل خاصة، وأخذ في سب أبي جعفر، وهو كتابه المنسوب إلى الرد على أبي جعفر ابن ‏جرير. قال أبو الحسن بن المغلس، قال لي أبو بكر ابن داود بن علي: كان في نفسي مما تكلم به ابن ‏جرير على أبي، فدخلت يومًا على أبي بكر ابن أبي حامد، وعنده أبو جعفر، فقال له أبو بكر: هذا أبو ‏بكر محمد بن داود بن علي الأصبهاني، فلما رآني أبو جعفر وعرف مكاني رحَّب بي وأخذ يثني على أبي ‏ويمدحه، ويصفني بما قطعني عن كلامه"أهـ. ‏

وإذا عرفنا أنه فوق هذا اللقاء بين الرجلين، أن أبا بكر بن داود بن علي الأصبهاني قد مات سنة ‏‏297هــ، أي قبل الإمام الطبري بثلاث عشرة سنة سندرك وجود سبب آخر لبدء ثم استمرار محنة ‏الطبري مع الحنابلة؛ ذلك أنه كان هناك أبو بكر ثانٍ بينه وبين الطبري منازعات، ‏وهو أبو بكر –واسمه عبد الله- بن أبي داود السجستاني الحنبلي، وأبوه الإمام أبو داود السجستاني ‏صاحب السُنن وهو تلميذ الإمام أحمد. قال السبكي في "طبقات الشافعية" (ج2، ص294) عن أبي ‏داود "أحمد شيخه، ويقال إنه عرض عليه كتاب السُنن فاستحسنه"، مما يفسر غضب ابنه لعدم ذكر ‏الطبري لأحمد بن حنبل في كتاب "اختلاف الفقهاء" – وإن كان أبوه نفسه محدثًا كأستاذه الإمام أحمد ‏وليس فقيهًا-.

ويبدو أنه كان أيضًا من أهم أسباب الخلاف بين الطبري وابن أبي داود السجستاني هو ‏تفسير الطبري للمقام المحمود بالشفاعة، بينما كان أبو داود السجستاني من مروجيّ عقيدة الإقعاد، ‏ويظهر اسمه ضمن رواة أحاديثها في كتاب السُنة لأبي بكر الخلال. روى ياقوت الحموي في "معجم ‏الأدباء" (ج6، ص2450) عن محنة الطبري مع الحنابلة "وقصده الحنابلة –أي الطبري- فسألوه عن ‏أحمد بن حنبل في الجامع يوم الجمعة، وعن حديث الجلوس على العرش، فقال أبو جعفر: أما أحمد ‏بن حنبل فلا يُعدّ خلافه، فقالوا له: فقد ذكره العلماء في الاختلاف، فقال: ما رأيته رُوي عنه، ولا رأيتُ له ‏أصحابًا يُعوَّل عليهم، وأما حديث الجلوس على العرش فمحال"أهـ.‏

إضافة لذلك كانت هناك عداوة شخصية بين الطبري وأبو بكر السجستاني -الذي كان مشهورًا ‏بالنصب وبغض الإمام علي- بسبب تصحيح الطبري لحديث خُم والذي كان ابن أبي داود يكذبه في ‏مجالسه ببغداد نكاية في الشيعة، بل ويكتب الأشعار في ذلك، وفقًا لرواية ياقوت في "معجم الأدباء" ‏‏(ج6، ص2464). ذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج14، ص274) في ترجمة الطبري نقلًا عن ‏أبي محمد الفرغاني تلميذ الطبري "ولمّا بلغه –أي الطبري- أن أبا بكر بن أبي داود تكلم في حديث غدير ‏خُم، عمل كتاب "الفضائل" فبدأ بفضل أبي بكر، ثم عمر، وتكلم على تصحيح حديث غدير خُم، واحتجّ ‏لتصحيحه، ولم يُتم الكتاب". قال الذهبي (ج14، ص277)  "جمع –أي الطبري- طرق حديث غدير ‏خُم في أربعة أجزاء، رأيت شطره، فبهرني سعة رواياته، وجزمت بوقوع ذلك. وقيل لابن جرير: إن أبا ‏بكر بن أبي داود يُملي في مناقب علي. فقال: تكبيرة من حارس. قال الذهبي: وقد وقع بين ابن جرير ‏وبين ابن أبي داود، وكان كل منهما لا يُنصف الآخر، وكانت الحنابلة حزب أبي بكر بن أبي داود، ‏فكثّروا وشغّبوا على ابن جرير، وناله أذى، ولزم بيته، نعوذ بالله من الهوى"أهـ. وأعاد الذهبي القصة ‏بتفصيلات في ترجمة أبي بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني (ج13، ص230): "قلتُ –أي ‏الذهبي-: كان –يعني ابن أبي داود- شهمًا، قوي النفس، وقع بينه وبين ابن جرير، وبين ابن صاعد، ‏وبين الوزير ابن عيسى الذي قرّبه. قال محمد بن عبد الله القطّان: كنتُ عند ابن جرير، فقيل: ابن أبي ‏داود يقرأ على الناس فضائل الإمام علي. فقال ابن جرير: تكبيرة من حارس. قلتُ –أي الذهبي-: لا ‏يُسمع هذا من ابن جرير للعداوة الواقعة بين الشيخين"أهـ.‏

وأقول: بل يكفي أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني، الذي شنَّع على الإمام الطبري، أن أباه الإمام أبا ‏داود قال عنه إنه كذاب، وليس بعجيب أن ينتمي إلى هذه العصابة، ويسيء إلى شيخ المفسرين وشيخ ‏المؤرخين والفقيه والعالم بالقراءات، الطبري. روى الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج13، ص227-‏‏228) في ترجمته "وقد ذكره أبو أحمد بن عدي في "كامله" -الكامل في الجرح والتعديل-، وقال : لولا ‏أنا شرطنا أن كل من تُكلم فيه ذكرناه لما ذكرت ابن أبي داود. قال: وقد تكلم فيه أبوه، وإبراهيم بن ‏أورمة –وهو صديق أبيه-، ويُنسب في الابتداء إلى شيء من النصب. ونفاه ابن الفرات من بغداد إلى ‏واسط، ثم رده الوزير علي بن عيسى، فحدّث، وأظهر فضائل علي رضي الله عنه، ثم تحنبل فصار ‏شيخًا فيهم، وهو مقبول عند أصحاب الحديث. وأما كلام أبيه فيه، فلا أدري أيش تبين له منه؟ وسمعت ‏عبدان يقول: سمعت أبا داود يقول: من البلاء أن عبد الله يطلب القضاء. قال ابن عدي: أنبأنا علي بن ‏عبد الله الداهري، سمعت أحمد بن محمد بن عمرو كُركُرة، سمعت علي بن الحسين بن الجُنيد، سمعت أبا ‏داود يقول: ابني عبد الله كذاب. قال ابن صاعد: كفانا ما قال فيه أبوه. قال ابن عدي: سمعت موسى ‏بن القاسم الأشيب يقول: حدثني أبو بكر، سمعت إبراهيم الأصبهاني -ابن أورمة- يقول: أبو بكر ابن ‏أبي داود كذاب"أهـ. ثم يكفي ابن أبي داود فوق ذلك البهتان الذي رمى به سيدنا علي بن أبي طالب، وافترى نسبته إلى الزُهري، ‏وكاد يقتله لأجله أمير أصبهان بعد أن شهد عليه الشهود، ثم قولته الشهيرة الفاجرة: إن صح حديث ‏الطير –وهو في فضائل علي- فنبوة النبي صلى الله عليه وسلم باطلة! ونبوة محمد صحيحة صحّ الحديث أو لم يصح. ‏روى القصتان الذهبي في ترجمته في "السير" (ج13، ص229- 232).‏

‏ والحنابلة المحدثون يتحايلون لتبرئة أسلافهم، بالادعاء أنهم قد خلطوا بين الإمام ابن جرير ‏الطبري وبين طبري آخر من أئمة الشيعة، وكأن ابن جرير الطبري هذا كان نكرة لا يُعرف، بل هو من ‏أكابر أئمة المسلمين في وقته وفي كل وقت، ثم إن دخوله بغداد المرة الثانية التي استقر بها فيها إلى ‏أن مات كان سنة 290هـ، ووفاته بعدها بعشرين سنة في 310هـ على أرجح الأقوال، وقيل بعد ذلك، ‏فهل بقي أمره مخلطًا على أكابر الحنابلة حتى يغروا به سفهاءهم عشرين سنة؟! وأيًا كانت الأسباب، ‏فهذا لا يمنع من تحقق سوء رأي الطبري فيمن يسمون أنفسهم بالحنابلة بدءًا من أواخر القرن الثالث ‏وأوائل القرن الرابع ويدّعون انتسابهم لأحمد، مع حسن رأيه في الإمام أحمد رغم تصنيفه له كمحدث ‏وليس كفقيه. ذكر ابن الجوزي في "المنتظم" (ج13، ص217) في ترجمة الإمام أبي جعفر الطبري ‏قوله –أي الطبري- عن الحنابلة: "لا عصابة في الإسلام كهذه ‏العصابة الخسيسة". ‏وعلّق ابن الجوزي ‏‏–وهو حنبلي- بقوله: "وهذا قبيح منه، لأنه كان ينبغي أن يخاصم من خاصمه، وأما أن يذم طائفته ‏جميعًا، وهو يدري إلى من ينتسب فغاية في القبح"أهـ. وأقول، إن في تعليق الإمام ابن الجوزي تغافل ‏عما فعلته تلك العصابة بتمامها –وليس واحد منها- ضد الإمام ابن جرير الطبري. ‏

وقد ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج14، ص 818) في أحداث سنة 309هـ "وفي ذي ‏القعدة أُحضر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله إلى دار الوزير علي بن عيسى لمناظرة الحنابلة ‏في أشياء نقموها عليه، فلم يحضروا ولا واحد منهم"أهـ.‏

وذكر المؤرخون أنهم كانوا يترصدون بجوار بيته يتكلمون في حقه ليمنعوا طلبة العلم من الدخول ‏عليه. ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج14، ص 847) ‏"وروى الخطيب عن إمام الأئمة أبي بكر ‏محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه طالع "التفسير" لابن جرير في سنين من أوله إلى آخره، ثم قال: ما أعلم ‏على أديم الأرض أعلم من ابن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة. وقال لرجل رحل إلى بغداد يكتب الحديث ‏عن المشايخ -ولم يتفق له سماع من ابن جرير؛ لأن الحنابلة كانوا يمنعون أن يجتمع به أحد- فقال: ‏لو كتبت عنه لكان خيرًا لك من كل من كتبت عنه"أهـ.‏

والخبر ذكره الذهبي في ترجمة الطبري في "السير" (ج14، ص272) بشخوصه، فحدد أن طالب ‏العلم هو حسينك بن علي. وكذا أورده السبكي، لكن للسبكي رأي آخر في القصة أورده في ترجمة ‏الطبري في "طبقات الشافعية" (ج3، ص124-125) "قال حسينك بن على النيسابورى: أول ما سألنى ‏ابن خزيمة، قال: كتبتَ عن محمد بن جرير؟، قلتُ: لا، قال: ولِم؟، قلت: لأنه كان لا يظهر، وكانت ‏الحنابلة تمنع من الدخول عليه، فقال: بئس ما فعلت، ليتك لم تكتب عن كل من كتبت عنهم وسمعت ‏منه. قلتُ –أي السبكي-: لم يكن عدم ظهوره ناشئًا من أنه مُنع، ولا كانت للحنابلة شوكة تقتضى ذلك، ‏وكان مقدار ابن جرير أرفع من أن يقدروا على منعه، وإنما ابن جرير نفسه كان قد جمع نفسه عن مثل ‏الأراذل المتعرضين إلى عرضه، فلم يكن يأذن فى الاجتماع به إلا لمن يختاره، ويعرف أنه على السنة، ‏وكان الوارد من البلاد مثل حسينك وغيره لا يُدرى حقيقة حاله، فربما أصغى إلى كلام من يتكلم فيه ‏لجهله بأمره فامتنع عن الاجتماع به. ومما يدلك على أنه لم يُمنع قول ابن خزيمة لحسينك: ليتك ‏سمعت منه، فإن فيه دلالة أن سماعه منه كان ممكنًا، ولو كان ممنوعًا لم يقل له ذلك. وهذا أوضح من ‏أن ننبه عليه، وأمر الحنابلة فى ذلك العصر كان أقل من ذلك"أهـ.

وأقول: إن رأي السُبكي أكثر ‏مقبولية، خاصة وقد كان الوزير علي بن عيسى الجراح يُجل الإمام الطبري، ويحميه، وكذلك الخليفة المقتدر، وإن كان المقتدر مسارع لسماع الوشايات في وزرائه، وينكبهم لأقل وشاية، ثم يعود ليخلع عليهم، وقد نكب علي بن عيسى مرات، ربما تأذى الطبري في أوقاتها. ولكن، على كل حال، ما من شك ‏أن الإمام لم يكن ليمتنع عن الناس بعد أن علا سنه ولم يعد يحتمل المهاترات، إلا من كثرة تشنيعهم عليه، ‏وهذه إساءة ليست بالهينة.‏ ولم تكن أول ولا آخر فتنهم، فأينما حلّوا وكثروا عم بهم البلاء.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيلكل حضارة كبرى عالمها الخاص، الذي يصنع أبطالها وأئمة الفكر فيها وذوقها الجمالي وقيمها الأخلاقية وتقييمها لنفسها والآخرين. وإذا كان التاريخ هو الحصيلة غير المتناهية للمتناهي تاريخيا، فان ذلك يفسح المجال أمام النفي النسبي للفكرة القائلة بان كل شيء عرضة للزوال. ولا يغير من ذلك شيئا صمود اليقين الإسلامي بها وربطه للخلود بوجه ذي الجلال والإكرام. وهي مفارقة لها قيمتها وتأثيرها الخاص في الحضارة الإسلامية، اللذين استمدا وجودهما من منطق الإسلام الثقافي في تناول إشكالاته المتنوعة في مختلف ميادين الحياة. وهو منطق أبدع الثقافة الإسلامية وأرواحها المتنوعة، التي شكلت بمجموعها تنوعا جميلا لوحدتها التاريخية، وفي تنوعها تجليا لاجتهادها في كيفية حل إشكاليات الملك والملكوت التاريخي للإسلام في جبروت الأمة وصراع فرقها، أي في كيفية حلها لإشكاليات وجود الأمة الطبيعي والماوراطبيعي في إرادة قواها المتصارعة.

إذ ليست الثقافة الإسلامية في نهاية المطاف سوى الحصيلة المتراكمة لصراع قواها الاجتماعية والسياسية والفكرية في غضون قرون عديدة. وفي نفس الوقت هي وعاء الهدوء والوداعة الخلابة والقلق المثمر، والجهاد الدائم واللهو المستمر، والذوق الرفيع وانعدام الذوق، والورع المتسامي والخلاعة الداعرة، وصرف الجهود صوب المطلق ونحوها بقواعد الابتذال التام في نفس الوقت.

ولا يمكن لحضارة أصيلة أن تنشأ وتنمو وتتكامل بذاتها دون أن تكون لها أساليبها الخاصة بها في كافة نواحي الحياة المادية والروحية، بما في ذلك تقييم أفعالها وأشخاصها وإبداعها بانتزاعه من أعماقها وتهذيبه بمعاييرها ووزنه بموازينها وقياسه بمقاييسها. وليس التقييم الذاتي هذا سوى الصيغة التاريخية للنماذج المثالية المتراكمة من وحدة التنوع الضروري للجميل والقبيح، والخير والشر، والعقل والنقل في إشكاليات الحضارة الإسلامية وكيفية حلها في ميادين الملك والملكوت.

وقد استمد هذا التقييم رموزه الأولية من القرآن ونماذجه المثلى في تقييم النفس والوثنية العربية في مجرى صراعه مع مظاهرها المختلفة. ففي الوقت الذي يتمثل تقاليدها في المديح والهجاء والرثاء والافتخار، نراه يربط تقييمه للمواقف والأفعال بالمطلق الإلهي والحياة الأبدية. ذلك يعني أن التقييم بالنسبة له لا يتحدد بالموقف الآني والمصلحة العابرة وقيم الوحدة المجزئة للقبيلة، بل بحكم النماذج المثلى، التي صنعت ثنائيات المؤمن والكافر، والصالح والفاسد وأمثالها. وهي نماذج واقعية أيضا. لهذا السبب لم تتكلس في صيغ نهائية، بقدر ما أنها كانت على استعداد للامتلاء بقيم جديدة ومضامين قادرة على احتواء المظاهر المتجددة للحياة وتقييمها من وجه نظر التاريخ والمطلق.

إذ نعثر في الآيات الأولى للسور المكية على مواقف متنوعة لعل أكثرها استعمالا وانتشارا آنذاك هو الرفض لكل ما يخالف المعتقد الذاتي والقيمة المطلقة للنبي محمد. فنرى سورة (العلق) تمتلئ بأداة النفي "كلا"، بحيث تختتم آياتها بعبارة "كلا لا تطعه وأسجد وأقترب"[1]. وفي سورة (الماعون) نراه يدين الرياء[2]، في حين يظهر الله في سورة (التين) بوصفه أحكم الحاكمين[3]، وفي سورة (الجن) نرى ما يمكن دعوته بالسلبية الفاعلة، كما في الآية "قل أني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا"[4] ونرى في سورة (فاطر)، فكرة إرجاء الحكم لله[5].

بعبارة أخرى، أننا نلاحظ تراكم أحكام الصراع الديني الاجتماعي وبروز تمايز المؤمن المسلم عن الكافر الوثني وتعمق تضادهما. حيث تظهر تسمية المسلم للمرة الأولى في وقت متأخر نسبيا من تاريخ السور المكية (في سورة الذاريات). وفيها نعثر على الصيغة الأولية لتقييم الخلاف كما في الآية "إنكم لفي قول مختلف"[6]، وكذلك ظهور الخلاف في الممارسة الاجتماعية والمواقف الأخلاقية التي تجعل من المؤمن ضدا للكافر في الحياة والموت وما بعد الموت. وقد كمن في هذه الاختلافات تراكم المقدمات الأساسية لوعي الذات، الذي أخذ في التكامل بالارتباط مع تعمق وتوسع الصراع بين الرؤية الإسلامية والتقاليد الوثنية. حيث يأخذ المؤمن بالظهور في كل السور والآيات بوصفه ممثلا ونموذجا للخير على عكس الكافر. ذلك يعني تراكم الصيغة الحادة في التقييم الأخلاقي المميز للأديان والعقائد الكبرى في مرحلة نشوئها الأولى. وليست هذه الحدة تجاه الآخر (الوثني) سوى الوجه المقلوب لتقييم النفس.

لكن التقييم الإسلامي الأولي لم يقف عند حدود المواقف الأخلاقية المجردة، بل وتعداها إلى جميع ميادين الحياة وبالأخص ميدان الإيمان واليقين. واتخذ ذلك في تصورات وأحكام الإسلام الأول التفريق الحاد بين الظن واليقين، بين هوى النفس ويقين الحق. فإذا كانت السور المكية الأولى تطالب بعلم اليقين وعين اليقين كما في آيات سورة (التكاثر) القائلة "لو تعلمون علم اليقين"[7]، و"عين اليقين"[8]، فان من الصعب توقع هذا اليقين دون صراعه مع الآخر. وهي معادلة ضرورية عمق التطور التاريخي للإسلام جوانبها المختلفة. من هنا لم يعد للظن قيمة حقيقية، لأنه يماثل في التصور الإسلامي الأول معنى الجهل وعدم المعرفة، كما في الآية "وما لهم من علم أن يتبعون به إلا الظن فأن الظن لا يغني الحق شيئا"[9]. إضافة لذلك أن الظن هو الوجه الآخر للشك، بينما لا معنى للشك في عوالم الإيمان. وليس ذلك لأنه ينافيه، بل ولأنه لا يثبت اليقين، وبالتالي لا يصنع شخصية ثابتة في المواقف[10]. وإذا كان اليقين الإسلامي الأول لا مكان للمعجزة فيه، فلأنه حوّل المعجزة إلى ميدان تثبيت اليقين في النفس، باعتباره هدى إلهيا. وهو أمر استلزم في مجرى الصراع مع الوثنية العربية إبراز قيمة الحكم العقلي. ومع أن مضمون "تعقلون" القرآنية لا تتطابق على الدوام مع مفهوم العقل، إلا أنها سعت على خلفية الدعوة الدائمة للتفكر والتذكر والنظر إلى الكون والطبيعة والإنسان وتجارب الأمم البائدة، إبراز حكمة الله في الوجود وتفاهة الظنون الوثنية[11]. إذ أننا لا نعثر في دعوة النبي محمد على إلزام المرء بالإيمان دون تفكر. على العكس انه مربوط على الدوام بمفاهيم الآية الوجودية والعبرة التاريخية لذوي الأبصار. من هنا فان معنى وقيمة الإيمان الإسلامي في توافقهما مع اليقين المعقول[12].

لقد أدخل الإسلام في الوعي الوثني العربي مهمة تهشيم عدم الاكتراث تجاه عالم الملكوت (الماوراطبيعي أو الميتافيزيقي). وذلك لأنه جعل من الإنسان جزءا من الكون "المتناهي" وذرة في اللانهاية. لقد أدخله في "فلك الربوبية" وطالبه بتأمل ذلك، أي أدخله في فلك الآيات التي لا ينبغي أن يتجاهلها ذوو العقول والأفئدة والحواس. وشدد القرآن على أن النبي محمد وأتباعه لا يسيرون إلا على بصيرة[13]. بل وشدد على قيمة الحكمة بحد ذاتها، بما في ذلك في تراث الوثنية العربية نفسها، وما أبدعته في أشعارها وأمثالها وكلماتها المأثورة[14]. لكن الحكمة لم تعد محصورة بتجارب الحياة وقيم القبيلة، التي اخذ الإسلام ببعضها، بل تجاوزتها إلى رؤية الحكمة في الوجود ككل بمنظور الله. أما معيارها في النظر إلى الموجدات، الذي أثار منذ البداية جدل الوثنية واعتراضاتها فهو السبب الذي جعل القرآن يشمئز من الجدل لا من البحث عن حقيقة الحكمة. إضافة لذلك كان الموقف الإسلامي الأولى المعارض للجدل النتاج الطبيعي للمواجهة المحتدمة بين يقين الإيمان الإسلامي ويقين الإيمان الوثني ـ القبلي. وهو احتدام أثار في البداية  ضيق الطرفين. ووجد انعكاسه في آيات القران العديدة وبالأخص تلك التي عبرّت عن خلجات المعاناة النفسية للنبي محمد، كما في الآية التي تخاطبه بكلمات "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون"[15]. وهي معاناة جرى حسمها لاحقا بقوة السلاح، الذي جسد عمليا قيم الروح المنتصر. ووجد ذلك انعكاسه في موقف القرآن السلبي من الجدل وجعله صفة للكافرين. لأنه وجد في جدلهم سعيا "لدحض الحق" كما يقول القرآن[16]. لهذا طالب القرآن بتأجيل الجدل إلى وقت احتكام الناس أمام عرش الله[17]. ولم يعن ذلك من حيث مضمونه الواقعي والتاريخي سوى البحث عن صيغة ملطفة للهدنة العسكرية، بينما كان يعني من حيث مضمونه المثالي إمكانية التسامح الفكري. غير أن الهدنة والتسامح، شأن كل ما في العسكرة والفكر، لا يمكنهما الاستمرار طويلا دون هدنة اليقين الحقيقي والسمو الشامل بان الغاية النهائية اعقد من مساعي الأفراد أيا كانوا. وفي نفس الوقت العمل على تحويل اليقين إلى هدنة لا يتحكم في خواطرها شيئ غير مساعي البحث عن الحق والحقيقة. أي إدراك أن هدنة بلا صراع (مع النفس) يحولها إلى مستنقع قاتل.

وأفرز الموقف السلبي من الجدل بواعث قوية في مجال التقييم الاجتماعي والديني والسياسي. فقد اضطر الصراع الذي خاضه النبي محمد إلى الإقرار ببعض عناصر التقية، التي فسحت المجال أمام إدانة الكافرين والفتنة في آن واحد[18]. ولم يكن ذلك معزولا عن روح المساومة السياسية الماهرة التي أقرت بتعدد الأديان و"شرعية" الوثنية. بينما كشفت الأحداث اللاحقة، بان تأجيل الجدل عمليا وأخلاقيا كان أمرا معقولا حتى الوقت الذي أصبحت فيه "شرعية" الوثنية انتقاصا "للقدرة الإلهية". وهي قدرة عمل النبي محمد حسب منطقها، الذي وضعه القرآن بمفهوم العمل لوجه الله. حينذاك اصبح شعار المعركة الصراع ولو كره الكافرون[19]. وعندها أصبحت الهجرة هي مساعي المؤمن في الزمان والمكان نحو السعادة الحقيقية[20]. انطلاقا من أن أرض الله واسعة. وأن سعتها الحقيقية في أعماق المرء وقلبه باعتباره ميدان جهاده التام. وهي أفكار وقيم تمثلت تاريخ الإسلام الأول من بداية الوحي حتى توحيد الجزيرة، أي من سر الكلمة الأولى حتى وحدة الجهاد الشامل، التي أبدعت تقييمات هائلة التنوع. فعدم الإكراه في الدين، المبني على أساس تبين الغي من الرشد[21]، تصبح مقدمة القتال الشامل من أجل أن "لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله"[22]. فالجهاد من اجل قيم السلم الأخلاقية والسياسية لم يتجسد في مفاهيم المنافق والفاسق فحسب، بل وقيم الروح المتسامي كالورع والتقوى والتوكل. والشيء نفسه يمكن قوله عن الدور الهائل الذي ستلعبه مفاهيم وقيم الإسلام عن الصبر والعدل والحق والقضاء والقدر والتوحيد في صيرورة تقاليد التقييم الفكري والاجتماعي والسياسي والأخلاقي.

تحول الوحي القرآني إلى مصدر الإلهام التقييمي للأمة الإسلامية الناشئة. فهو المستودع الذي لم يمتلك العرب قبله سوى ذاكرة الشعر الشفوية، أو ما سيدعى لاحقا بديوان أخبارهم. بهذا يكون القرآن قد وحّد الذاكرة القديمة واستثار حفيظتها في الجمع والحفظ. وللمرة الأولى يظهر إدراك قيمة وضرورة جمع الكلمات، التي لم تعد بدورها مجرد أصوات الروح المترنم بالمديح والمهاجم بالهجاء والباكي بالرثاء والمعتز بالفخر وما شابه ذلك من بقايا الروح الغضبية للقبيلة، كما لم تعد مجرد ديوان الماضي بمختلف أحداثه، بل البحر الذي لا تنفد كلماته. وبالتالي مصدر الذاكرة المقدسة للأجيال اللاحقة. مما أعطى لها صورة النموذج الأمثل والمقياس الأعلى والمرآة الصافية لرؤية وتحسس وإدراك وتدوين الانفعالات والمواقف والأحكام بهيئة تقييمات "شرعية". وهي عملية غاية في التناقض من حيث مضمونها ووظيفتها عند مختلف القوى المتصارعة فيها.

ومع ذلك تشير الصيغة العامة والسريعة التي قدمتها "للجهاز التقييمي" عن تضمنه على كل الأوصاف والأسماء، التي سيجري إطلاقها على الفرق والمدارس الفكرية من تشيع وشراة واعتزال وغلوّ، أي ممن تشيع للبيت العلوي، واحتكم إلى الله وشرى نفسه، ودعا بالعدل والتوحيد، وغلى في مواقفه بحيث أخرجه من حضرة الانتماء للأمة في ما أجمعت عليه من أصول ومبادئ كبرى وقواعد عامة.

فقد ظهر التقييم الأول للفرق الإسلامية بصورة عفوية. مما أعطى له في الأغلب صفة الاتهام العقائدي تجاه براعم القوى الصغيرة الناشئة في كيان الأمة. ولم يكن ذلك معزولا عن تجربة الأمة في المدينة، التي أفرزت المنافقون بوصفهم قوة سلبية بمعايير السياسة والأخلاق. ولم تكن سرعة الاتهام العقائدي هذه سوى نتاج الفاعلية الاجتماعية، التي لم تؤد إلى تفتيت الوحدة الجديدة، بقدر ما كانت أسلوبا لتأسيس وعيها الذاتي وشحذ تقييمها للنفس.

من المعلوم أن الوعي التاريخي الذاتي لا يقبل أن تدور في أفلاكه مفاهيم مثل "تضحية بلا معنى" بما في ذلك اشد الأفعال جنونا. وذلك لأنه مضطر لان يتعامل معها من وجهة نظر الفائت واللازم. وهو تعامل يؤدي بالضرورة إلى إيجاد النسبة المعتدلة بين العقل والوجدان، التي يجري في ثناياها إدراك وتقييم الحاضر. وقد سار التقييم والتعميم الإسلامي الأولي تجاه القوى المتصارعة بعد موت النبي محمد، بالشكل الذي لم يجبرها دوما على الالتفات إلى الوراء، كما لم يضطرها إلى السباق مع المستقبل. أما الصيغة القرآنية القائلة "لكل أجل مسمى" فقد خففت من وطأة تأنيب الضمير، على الأقل عند الحد الذي لم تتحول عنده جماعات الأمة الإسلامية إلى ضحية صراعاتها. لهذا نفهم لماذا لم يستأ عمر بن الخطاب من طعنة أبي لؤلؤة، بل نراه يقول "الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل مسلم"، في حين كان عثمان بن عفان يرتل قبيل مقتله "إنا لله وإنا إليه راجعون". وعندما أهلك السيف عليا بن أبي طالب، فإنه لم يتفوه إلا بكلمات "فزت ورب الكعبة"!

لقد قيم كل منهم نفسه وقاتله، من خلال تقييم مصيره الشخصي. ففي تقييم الأفراد لمصائرهم نعثر أيضا على عناصر التقييم الفكري اللاحق، وبالأخص عندما اخذ الصراع يتحول من مصير الأفراد إلى ميدان القوى الجماعية المنظمة. آنذاك ظهر للمرة الأولى الاعتزال الاجتماعي والسياسي، الذي رافق حرب الجمل. ومن الممكن أن نتغافل ذهنيا عن الآنية الزمنية لهذه التسمية، انطلاقا من أنها كانت تعني بالنسبة للوعي الإسلامي اللاحق سلوك الورع المبدئي، الذي يرفض تقييم القوى المتحاربة أو المشاركة معها دون استكمال اليقين الشخصي التام. وبدون ذلك فضلوا الاعتزال عن القوى المتحاربة وعدم الاشتراك في أحد المعسكرين. كما ظلت تسمية "حرب الجمل" خجولة في موقفها من القوى المتحاربة، التي يمكن البحث عن تبرير لها في تقاليد تسمية الحروب الوثنية (داحس والغبراء، والبسوس وأمثالها) أو ما تضمنه القرآن من تسميات مثل (سورة الفيل والبقرة والعنكبوت والنمل والنحل وغيرها). غير أن الرمزية "الحسية" لا تصمد طويلا في الوعي الذاتي التاريخي، وبالتالي لابد لها من التنحي نسبيا أمام تيار التهذيب والتشذيب المتزايد. حيث يتنحى عالم الحيوان أمام عالم المكان كما هو الحال في تسميات صفين والنهروان. وهنا لم يعد الصراع فعلا عسكريا خالصا بل وفكريا أيضا. بمعنى أن القوى المتصارعة لم تستند إلى مهاراتها وقوتها الحربية بل وإلى أسلحتها الفكرية والأيديولوجية. وظهر الوجه الأول لذلك في حادثة رفع المصاحف على الرماح في معركة صفين، الذي يمكن اعتباره من بين أشد الرموز إثارة في وعي الذات التاريخي الإسلامي وتجزئة وحدته وإعادة لحمها في العقل والوجدان. وما هو مهم بالنسبة لنا الآن ليس تتبع تأثير هذا الرمز في الوعي التقييمي اللاحق، بل فعاليته السياسية والعسكرية، التي أفرزت إمكانية استمرار الحرب وإثارة ما دعاه الوعي الإسلامي اللاحق بالفتنة. فقد كانت الفتنة الفعل والنتيجة التي جزأت الصراع وطورته في اتجاه ظهور الفرق السياسية الدينية الكبرى في تاريخ الخلافة ووعيها التقييمي.

 

ميثم الجنابي

.........................

[1] القرآن: سورة العلق، الآية، (19).

[2] القرآن: سورة الماعون، الآية، (7).

[3] القرآن: سورة التين، الآية، (8).

[4] القرآن: سورة الجن، الآية، (21).

[5] القرآن: سورة فاطر، الآية، (4).

[6] القرآن: سورة الذاريات، الآية، (8).

[7] القرآن: سورة التكاثر، الآية (2).

[8] القرآن: سورة التكاثر، الآية (7).

[9] القرآن: سورة النجم، الآية، (48)، سورة يونس، الآية (36).

[10] القرآن: سورة نوح، الآية(9).

[11] القرآن: سورة يس، الآية، (42).

[12] القرآن: سورة آل عمران، الآية، (113).

[13] القرآن: سورة يوسف، الآية (108)

[14] القرآن: سورة البقرة، الآية (269)

[15] القرآن: سورة الحجر، الآية (97)

[16] القرآن: سورة الكهف، الآية (54-56)

[17] القرآن: سورة الحج، الآية (68-69)

[18] القرآن: سورة النحل، الآية (106-110)

[19] القرآن: سورة غافر، الآية (14)

[20] القرآن: سورة العنكبوت، الآية (56)

[21] القرآن: سورة البقرة، الآية (256)

[22] القرآن: سورة الانفال، الآية (39)

 

علي اسعد وطفة"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".. عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

"كل ما يخرج من بين يدي الباري حسن وكل شيء يفسد بين يدي الإنسان".. روسو

مقدمة:

في القرن الثامن عشر، وفي بداية العقد الثاني منه تحديدا، كان الفكر الإنساني على موعد خلاق مع ولادة المفكر والأديب الفرنسي المشهور جان جاك روسو Jean Jacques Rousseau(1712 - 1778) فيلسوف الحرية الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بعطاءاته الفكرية التي تدفقت لتشكل منطلقا للفكر الحر في أوروبا وفي العالم قاطبة. ويعد روسو زعيما للنزعة الطبيعة في الفلسفة والفكر بلا منازع، وواحدا من أبرز عمالقة عصر التنوير و أكثر هم تأثيرا على الإطلاق، ولاسيما في مجالي التربية والفكر السياسي والاجتماعي (1).

استطاع روسو، بعبقريته الفذة، أن يولّد في النظريات التربوية روحا جديدة تتدفق إيمانا بالحرية ورفضا لكل أشكال القهر والعبودية. وتجلى إلهامه هذا في كتابيه: " إميل" Emile الذي أحدث ثورة شاملة في بنية التصورات والعقائد التربوية في عصره وفتح الباب على مصراعيه لكل إبداع لاحق في ميدان التربية والتعليم؛ ثم في كتابه " العقد الاجتماعي"  Le Contrat social (2) الذي شكل مهمازا للثورة الفرنسية بما اشتمل عليه من أفكار وتصورات يعتقد بأنها أشعلت فتيل الثورة الفرنسية عام 1789، وشكلت برنامج عمل منهجي استوحاه الثوار في مختلف ممارساتهم السياسة والثورية. وفي هذا يقول نابليون " لولا كتاب "العقد الاجتماعي" لما قامت للثورة الفرنسية قائمة" (3). وقد بلغ روسو بكتابيه مبلغا عظيما من الشهرة والمجد، وكيف لا وفيه يقول الفيلسوف الألماني كانط فيلسوف عصره قوله المشهور: " إني اعتبر روسو نيوتن عصره لاكتشافه العنصر الأخلاقي بوصفه المكون الرئيس للطبيعة الإنسانية، مثلما اكتشف نيوتن المبدأ الذي ربط بين جميع قوانين الطبيعة الفيزيقية" (4). ومما لا شك فيه أن الرجل قد أحدث ثورة حقيقية في الفكر التربوي والسياسي في أوروبا في القرن الثامن عشر.

لم يسجل تاريخ الفكر الإنساني حياة أكثر غرابة وتناقضا من حياة جان جاك روسو الذي ترك سجلا إنسانيا يتدفق بالأحزان والمآسي ويفيض بكل معاني القهر وأشكال الهزيمة. كانت شخصيته نقطة تقاطع لكل التناقضات الإنسانية حيث تآلفت فيها أقدار القوة والضعف وتآزرت في أعماقها العبقرية والعاطفة والصدق والخداع والانفعالات. ومع كل هذا كان يستحوذ على بصيرة نافذة وعطف إنساني لا حدود له.

 لقد شكلت عوامل البؤس والشقاء والمصائب والهزائم البوتقة التي تشكلت فيها عبقرية الرجل فاهتزت هذه العبقرية إيمانا ساحرا بلا حدود بمبادئ الحرية والسلام والأمن ودعوة مطلقة للثورة والتمرد على كل أشكال التسلط والقهر والطغيان في عصره.

 يتحدر جان جاك روسو من عائلة فرنسية الأصل بروتستانتينية المذهب حطت رحالها في جنيف قادمة من فرنسا في منتصف القرن السادس عشر. ولد روسو في مدينة جنيف في سويسرا عام 1712. وكان على موعد مع مصائب الدهر التي كانت ترتقب قدومه، فقد ولد مريضا ضعيفا هزيلا، ولم يمض أسبوع واحد على ولادته حتى خطفت يد القدر والدته "سوزان" وتركته يتيما تحت رحمة الآخرين. ويصف بنفسه هذه المأساة في كتابه "الاعترافات" حيث يقول: "لقد ولدت ضعيفاً ومريضاً، وقد دفعت والدتي حياتها ثمن ولادتي، وكانت هذه الولادة البائسة أول مصائبي". وكانت أخلاقه متأثرة أعمق تأثر بمشاعره وانفعالاته أكثر من تأثرها بعقله.

 كان والده يشتغل في صناعة الساعات وتجارتها ولكنه ترك المهنة وانتقل للعمل كمدرس للرقص، ثم تزوج سوزان والدة روسو وكانت فتاة يتيمة تعاني من ظروف قاسية، لم تفتأ أن عانت المزيد منها بعد أن تركها زوجها والد روسو لاحقاً في رحلة له إلى القسطنطينية، لكنه بعد مغامرات فاشلة عاد إليها من جديد.

بعد دخول والده في مشاجرة عنيفة اضطر للهرب من جنيف خوفاً من ملاحقة العدالة له عام 1720، وقد عهد بابنه روسو الذي كان في الثامنة من العمر إلى خاله، الذي عهد به بدوره إلى لامببرسيه Lambercier وهو أحد رجال الدين المسيحيين، لكن روسو لم يستمر هناك كثيراً وعاد إلى خاله في جنيف، حيث عاش متعطلاً طيلة ثلاث سنوات كاملة، ثم اشتغل مساعداً لكاتب إحدى المكاتب القضائية، لكنه طرد منها بسبب إهماله الشديد، وأرسل في عام 1726 ليتلقى تمارين عند أحد المصورين، وهناك كما يقول في الاعترافات أصبح شخصاً لا ضابط لسلوكه، كاذباً ولصاً. ثم ترك جنيف عام 1728 إلى آنسي  Annecyفي فرنسا حيث أقام عند السيدة وارين Warens وهي من أصل سويسري واعتنق الكاثوليكية على يدها. ثم عاد إلى سويسرا وإلى مدينة جنيف لاحقا وألحقته إحدى السيدات بملجأ ديني بمدينة تورينو وهناك غير مذهبه البروتستانتي إلى الكاثوليكي، ثم بدأ يرتحل منذ عام 1729 من بلد إلى آخر.

بدأ روسو حياته الثقافية بقراءة القصص والروايات التي تركتها له والدته في مكتبتها الخاصة، ثم انتقل إلى قراءة المؤلفات الأدبية والفلسفية التي وجدها في مكتبة والده ولاسيما المؤلفات اليونانية والرومانية والفرنسية (5).

وفي عام 1930 سافر بعدها إلى إيطاليا وكان في الثامنة عشرة من عمره، وهناك في مدينة سافواي تعهدته امرأة تسمى مدام دي وارنز Madame de Warnes وهي امرأة على جانب كبير من الرقة والجمال، قدر لها أن توجه عنايتها ورعايتها المشرقة لروسو ولم تبخل عليه بعطفها وحبها الكبيرين، وقد شجعته على اعتناق الكاثوليكية التي كانت تدين بها، وقد قدر له أن يعيش معها عشر سنوات من أفضل أيام عمره تعلم خلالها اللغة اللاتينية و الموسيقى و الفلسفة و بعض العلوم الأخرى ثم اختلف مع المرأة و غادر سافواي في عام 1741 متجها إلى باريس ثم غادرها إلى ايطاليا حيث عمل كاتبا لسفير فرنسا Montaigne فيها ثم عاد إلى باريس مرة أخرى(6).

ثم انتقل إلى ليون حيث عمل مدرساً خاصاً لأولاد ما بلي Mably حاكم مدينة ليون 1740. سافر إلى باريس وتعرف على ديدرو Diderot 1743 وتقدم بمشروعه عن التسجيل الموسيقي للمجمع الفرنسي للعلوم. وفي عام 1745 تعرف إلى الآنسة تيريز لوفاسور Thérèse Levasseur وهي كما يصفها كانت خادمة غبية على جانب كبير من الخشونة، وعاش معها بقية عمره فقد كانت صديقته مدة ثلاثة وعشرين عاما ثم تزوجها أنجب منها خمسة أطفال أودعهم جميعا في دار الأيتام لأنه لا يمتلك إمكانية تربيتهم والعناية بهم (7).

خلال إقامته في باريس وبعد أن وثق علاقته بنخبة المجتمع الباريسي مثل ديدرو وفولتير، اشترك روسو وبحكم المصادفة في مسابقة علمية أدبية أقامتها جامعة ديجون Dijon عام 1749 حول دور النهضة العلمية والفنية في إفساد الأخلاق أو إصلاحها. والسؤال الذي طرحته الجامعة هو: هل أدى تقدم العلوم والفنون إلى تقدم الأخلاق أم إلى فسادها؟ وبوحي من عبقريته الطبيعية وتجربته الإنسانية الفريدة أجاب روسو بأن تقدم العلوم والفنون يؤدي إلى فساد الأخلاق وتراجع القيم وليس إلى تقدم الأخلاق. ومن الطبيعي أن ترتدي إجابته طابعا أدبيا ساحرا ومقنعا في الآن الواحد، تمكن على أثرها من نيل الجائزة وقد أطلق على عمله العبقري هذا "رسالة في العلوم والفنون" Le Discours sur les sciences et les arts) (8) . ثم نال الجائزة في عام 1750، وهذا ما جلب لروسو الشهرة الواسعة مما شجعه على المضي في الكتابة، فاشترك بمسابقة أخرى عبر بحث له بعنوان "مقالة في أصل التفاوت بين البشر" Discours sur l’origine de l’inégalité عام 1755 ولم يحصد الجائزة المنشودة (9). وفي عام 1761 أنجز مؤلفه هيلواز الجديدة La Nouvelle Héloïse  10. وفي عام 1762 قدم للإنسانية كتابيه الشهيرين "العقد الاجتماعي" Le contrat social (11) و "إميل" Emile ou l'education(12). في عام 1765 أنجز كتابه الاعترافات les Confessions ثم كتابه قاموس الموسيقى Dictionnaire de musique 1767 (13) .

بالرغم من أن مؤلفات روسو لاقت الشهرة الواسعة والإقبال الشديد على قراءتها عبر الأرجاء الأوروبية، فإن كتابيه "العقد الاجتماعي" Le contrat social و"إميل" Emil قد جلبا له النقمة والسخط وغضب المؤمنين والملحدين والمفكرين. لقد حكم البرلمان الباريسي، وبعد عشرين يوماً من نشر كتاب إميل، بحرق الكتابين وسجن مؤلفهما مما اضطره إلى الهرب إلى سويسرا والتي بدورها كانت قد أصدرت حكماً مماثلاً على الكتابين. فلجأ روسو إلى إنجلترا حيث تعرف هناك على الفيلسوف الإنكليزي المعروف دافيد هيوم D.Hume ونزل ضيفاً عليه ولكنه ما لبث أن تخاصم مع هيوم وعاد إلى فرنسا ليعمل كناسخ نوتات حتى وفاته في عام 1778.

وعندما بلغ الستين من عمره ازداد بؤسه وفقره وانصرف الناس عنه حتى زوجته فكان يتمنى لنفسه الموت والخلاص. وقد تعرض في نهاية أمره لأزمة قلبية حادة أدت إلى وفاته فدفن في مقبرة تبعد خمسين كيلو مترا عن باريس. وبعد أن حققت الثورة الفرنسية نجاحها المظفر نقل رفاته باحتفال طقوسي إلى البانثيون وهو مدفن عظماء الفرنسيين.

مؤثرات روسو:

لم يكن في حياة روسو المعذبة والشقية والبائسة ما يؤهله لأن يكون في مكان الصدارة بين صفوف العباقرة والمفكرين في عصره. لقد أثار روسو دهشة المفكرين في عصره إذ كيف يمكن لشخص مغلوب مقهور مستلب الإرادة مثل روسو  أن يفجر عبقرية تربوية وسياسية بلغت مداها في عصره ووصلت إلى أوج عظمتها في المراحل الفكرية اللاحقة؟

كثير من النقاد والمفكرين يعتقدون أن حياة روسو المعذبة توجد في أصل العبقرية التي فجرها في عصره. هذه الحياة التي غلب عليها طابع الإثارة والتمرد والجنون وسرعة الحركة والانتقال في دائرة الزمان والمكان كان لها أكبر الأثر في تنمية عواطفه المتمردة وحسّه الإنساني النبيل الذي تفجر تمردا وثورة ورفضا منهجيا لكل أشكال الطغيان. لقد فجرت هذه الحياة المقهورة عشقا للحرية وولعا بالثورة والتمرد في أعماقه، وكانت في نهاية الأمر البوتقة التي تنامت فيها إمكانيات رؤية ثورية للوجود والحياة.

ولا يخفى على أحد عشق روسو للمطالعة ونهمه الشديد للمعرفة وجوعه المتمرد إلى الأدب والشعر العاطفة. كان شغوفا بالمعرفة لم يترك لحظة ممكنة أتاحت له أن يتبحر في كتاب أو أن يقرأ في شعر أو أن يستغرق في رواية عاطفية. وهذا الشغف الكبير بالمطالعة منذ السادسة من العمر مكّنه من امتلاك حس أدبي متميز وبراعة فنية في صوغ الخطاب المضمخ بعاطفة إنسانية فياضة وجارفة. إن من يقرأ روسو في أسلوبه الساحر يجد بأنه يتحرك ويتجاوز إمكانيات العقل ليستقر دفعة واحدة في مكنون العاطفة التي يبدأ على الأثر تدفقها بالعواطف الإنسانية النبيلة والمتمردة في آن واحد. لقد كان روسو يقرأ بنهم أسطوري كل ما يقع بين يديه من كتب الأقدمين والمحدثين، ولم يكن خافيا أنه كان يدرس الرياضيات والفلك " وقد قيل أن هذه الحياة التي قضاها في القراءة والعمل وأن تلك الحوادث الأسطورية التي تتخللها وهذه المغامرات الدافئة والأخطار المحدقة، التي كان يكابدها ألهمته وفجرت فيه قدرة هائلة على العطاء، لأن هذه الأحداث والمفارقات كانت توقظ خياله وتفجر أحاسيسه وكان فعلها وتأثيرها يضاهي ويتجاوز تأثير دروس منظمة في كلية بليسس Plessis" " (14).

لقد أضفت تجارب الترحال دون انقطاع على إحساسه العبقري طابعا إنسانيا وجماليا متشبعا بالخبرة والعطاء. لقد عرف دروب فرنسا وسويسرا وإيطاليا وبريطانيا في ترحال لم ينقطع، وفي تجوال لم يتوقف ولم يكن خافيا على أحد بأن تجواله هذا كان في مرات عديدة راجلا على قدميه وتلك هي رحلته الأولى إلى ليون التي قطع المسافة إليها من جنيف راجلا إن لم يكن حافيا. هذه التجارب عركته بالخبرة وعجنته بأحاسيس إنسانية متفردة تتعايش فيها لحظات الألم والحرمان مع لحظات الحنين والشوق والفرح والشعور بالزهو والانتصار.

ولا يمكن لأحد أن ينكر حصاد تواصله مع أهل الحصافة والرأي من علماء ومفكرين وأدباء وقساوسة ورجال دين وقد منحه هذا التواصل مع ثقاة المعرفة وسدنة الفكر طموحا عبقريا انطلق منه في تسجيل أمجاده الفكرية عبر أعماله المختلفة.

وهنا يجب علينا أن نتوقف عند الخصائص الشخصية والفردية في شخصية الفيلسوف، إذ يجب الاعتراف بأن روسو كان ذكيا مرهف الأحاسيس نبيلا بطبعه، ولم يكن أبدا طفلا عاديا. لقد كتب لنا يقول " لم أكن أملك أية فكرة عن الأشياء في الوقت الذي كنت أعرف فيه كل العواطف والمشاعر، ولم أفكر في شيء تفكيرا بل أحسست كل شيء إحساسا " (15) . وفي هذا القول إشراقة عبقرية تؤكد أن روسو كان أكثر من طفل عادي إن لم يكن قد استجمع في ذاته بذور عبقرية تأصلت في فطرته الأولى.

هذه الظروف والتجارب والخبرات والمكابدات والهزائم شكلت بوتقة نضج فيها إبداع روسو وسمت معها مواهبه الفكرية والتربوية فسجلته بين أكثر رجالات عصره عبقرية وتأثيرا وشهرة.

في مفهوم الطبيعة عند جان جاك روسو:

لا يستقيم البحث في نظرية روسو التربوية ولاسيما في التربية الطبيعية دون العودة إلى مفهوم الطبيعة لأن تحديد هذا المفهوم يشكل حجر الزاوية في فهم معمق لأبعاد واتجاهات نظرية روسو الطبيعية في التربية.

يحدد روسو ثلاثة تجليات لمفهوم الطبيعة، يأخذ الأول منها صورة الكون أو العالم الخارجي على نحو ما يتبدى لنا بصورة موضوعية، فالطبيعة وفقا لهذا التصور هي تقاطعات كونية في دائرتي الزمان والمكان. فالأرض وما عليها من بشر وشجر وحجر، والسماء وما فيها من كواكب ونجوم وأجرام كونية تشكلان الحدود القصوى لمفهوم الطبيعة بصورته الشمولية عند روسو.

ويتجلى المفهوم الثاني للطبيعة عند روسو في العالم الداخلي عند الإنسان، فغرائزنا وميولنا الأصيلة وما فطرنا عليه من قوى داخلية منحتنا إياها الطبيعة يمثل مفهوم الطبيعة الإنسانية. وهذه الطبيعة خيرة بكل ما تنطوي عليه من غرائز وميول وقوى داخلية لأنها صناعة كونية إلهية وليست من صنع الإنسان.

أما التصور الثالث للطبيعة فيتحدد بالطبيعة الاجتماعية للوجود البشري. لقد كان روسو يعتقد بأن الإنسانية كانت في العهود لغابرة تعيش حياة طبيعية سابقة للحضارة والثقافة وهي الحالة الطبيعية. كان الناس في حالتهم الطبيعية الاجتماعية كما يصورهم في كتابه " مقالة في العلوم والفنون " يعيشون حالة إنسانية تتميز بأصالتها وسموها وعظمتها إذ كانت حياة الناس البدائيين تخلو من الحقد والكراهية والحسد. إنها حياة آمنة يتفانى فيها الإنسان في خدمة الإنسان ويضحي فيها الفرد من أجل الآخر والجماعة. في هذه الحالة الطبيعية كان أفراد الجماعة الإنسانية يعيشون دونما إكراه اجتماعي، فالناس يأكلون ما يجمعون ويعيشون في ظل سمو أخلاقي يفيض عليهم بكل معاني التسامح والمحبة التي كانت قانونا كليا يحكم الوجود الإنساني برمته. إلا أنه ومع ظهور الملكية الخاصة للأرض، ومع تدجين الحيوان، ومع اللحظة التي بدأ فيها الإنسان يقول لأخيه الإنسان هذه لي وهذا لك، بدأت مرحلة الجشع والطمع والفزع وبدأ الصراع الإنساني نحو مزيد من السيطرة والتسلط والاستبداد، وظهر الحاكم القوي الذي فرض على الجماعة قوته وبسط جناح سلطانه وتحول الإنسان إلى عبد لأخيه الإنسان فظهرت المظالم والشقاء وامتد البؤس الإنساني ليضع الناس جميعا في حالة استلاب واغتراب. فالحالة الطبيعية الاجتماعية هنا قد انتهكت وفقدت طهارتها وأصالتها ونقاء انتمائها وصفاء وجودها. لقد انتهكت الطبيعة الإنسانية ودنست طهارتها مع ولادة الثقافة والملكية وصولة الطغاة وتسلط الحكام. وهذه الأفكار الطبيعية هنا تجد مدّها في كتاب روسو مقالة في أصل التفاوت بين البشر حيث يبين لنا كيف تطورت الإنسانية من حالة الطهارة والحرية إلى حالة العبودية والقهر (16) .

ومهما يكن الأمر فالخير كامن في طبقات الطبيعة بأبعادها الثلاثة: في الكون وفي الإنسان وفي المجتمع. ومن أجل خروج الإنسان من حالته المأساوية يتوجب عليه أن يبحث عن الفردوس في العودة إلى الطبيعة في الإنسان وفي الكون وفي المجتمع. لقد جاء كتابه " العقد الاجتماعي " دعوة مطلقة للعودة إلى حالة الطبيعة وإحياء طقوس الحرية والمساواة التي كانت تسود المجتمعات القديمة قبل أن يلفها الفساد. وفي التربية على الإنسان كي يتحرر من ربق العبودية والقهر وينتقل إلى الفضاء الأرحب للحرية أن يعمل على بناء الإنسان وفقا لمبدأ الطبيعة وروحها.

ينطلق روسو في منظومته التربوية من المبدأ الذي يقول بأن الطبيعة الإنسانية خيرة وأن فطرة الإنسان معدن كل خير، وهو وفقا لهذه الرؤية يعارض الأفكار السائدة في عصره التي تبنى على أن الشر أصيل في طبيعة الإنسان، وهي الفكرة التي يؤسس لها الفيلسوف الإنكليزي هوبز وأغلب رجال القرن الثامن عشر كما يؤسس لها رجال الدين والكنيسة في عصره. وعلى هذا الأساس كانت التربية وفقا لمبدأ الشر الأصيل في النفس، تؤكد أهمية اقتلاع الشر من النفس الإنسانية بما توفره التربية ذاتها من أدوات التسلط والقوة والقهر لاستئصال الشر الدفين في النفس الإنسانية. وعلى خلاف هذه الرؤية البائسة للطبيعة الإنسانية، كان روسو يعتقد بأن الطبيعة خيرة وخيرها يفيض بالمطلق، ولذلك فإن التربية يجب أن تنطلق على أساس الميول الطبيعة ليكون الطفل ابن الطبيعة وربيبها. ولأن الطبيعة خيرة فإن التربية الحرة يجب أن تعمل على تأكيد النمو الحر الطليق لطبيعة الإنسان ولقواه وميوله الطبيعية.

في التربية الطبيعية عند روسو:

يشار إلى روسو بوصفه زعيما للنزعة الطبيعة في الفلسفة والتربية الحديثة دون منازع. وقد أودع أفكاره الطبيعية هذه في مختلف أعماله ومؤلفاته بدءا من كتابه الأول " رسالة في العلوم والفنون " مرورا بكتابه " مقالة في أصل التفاوت بين البشر " ثم في سفره المشهور "العقد الاجتماعي " وأخيرا في كتابه الذي يعرف بإنجيل التربية الحديثة " إميل والتربية" (17) . وفي هذه الأعمال جميعها نجد نسقا متكاملا من الأفكار والاتجاهات الطبيعية في المجتمع والتربية والسياسة والفلسفة. ويعد كتاباه "إميل" و" العقد الاجتماعي" أروع ما أهداه روسو لبني البشر (18) . وفي هذا الصدد يقول بورجولان Burgellin في كتابه المعروف "فلسفة الوجود عند روسو " يشكل كتاب جان جاك روسو إميل أحد مفاتيح حضارتنا الحديثة" (19).

ويأخذ كتابه إميل صورة عمل أدبي وتربوي صقله إلهام ارتجال عبقري يتضوع بالأحاسيس الإنسانية النبيلة. ولم يكن هذا الكتاب أبدا مجرد تلبية لرغبة السيدة شونسو Chenonceaux من أجل تربية ابنها بل كان حركة عبقرية ألهمت الحضارة والإنسان في القرن الثامن عشر وفي الأزمنة الحديثة طرا " (20).

يتضمن كتاب روسو في "إميل" منظومة عبقرية من الأفكار التربوية، وهي تشكل نظرية متكاملة في التربية حسب الطبيعية وبمقتضى الطبيعية. ويأتي هذا الكتاب بلورة منهجية لمنظومة أعمالة السابقة التي كتبها ولاسيما مقالته في العلوم والفنون وفي اصل التفاوت بين البشر.

يفتتح روسو كتابه هذا بقوله " كل شيء صنعه خالق البرايا حسن وكل شيء يفسد بين يدي الإنسان" (21). وهو في هذا القول يضع استراتيجية نظرية يؤسس عليها نظريته الطبيعية في التربية والحياة وخلاصة هذا القول تكمن في عبارة قصيرة قوامها " الطبيعة خيرة والإنسان يفسدها".

فالطبيعة خيرة وخيرها يتدفق بالمطلق وعلينا " أن نؤمن إيمانا لا مرية فيه بأن الحركات الأولى للطبيعة هي دوما رشيقة وما من فساد أصيل في النفس الإنسانية أو في القلب البشري"( (22). فالمجتمع عين الشر وينبوعه وعلينا أن نحصن الطفل ضد الشر المستطير الذي يميد بالحياة الاجتماعية. وتأسيسا على هذا الحذر الكبير من شرور المجتمع وآثامه يرى روسو أن الطبيعة هي مبدأ الخير، ومنها يجب أن ننطلق إلى بناء الخير في النفوس، وتشكيل المناعة الأخلاقية في العقول، فالطبيعة هي المبتدأ والخبر في معادلة البناء الإنساني الخيّر، وفي أحضانها يجب أن ينمو الأطفال ليكونوا في منعة وامتناع عن كل ضروب الإثم والشر في التكوين الإنساني للفرد. فإميل " ابن الطبيعة، تربية الطبيعة وفق قواعد الطبيعة لإرضاء حاجات الطبيعة" (23).  ومن هنا يتدفق تمرد روسو ضد المجتمع منبع الشرور والآثام.

هذا ويعتقد روسو أن الطبيعة قادرة بذاتها على تنمية ملكات الطفل ولذلك يجب أن نوكل أمر تربيته إلى الطبيعة ذاتها. لأن الطبيعة تريد للطفل أن ينمو نموا حرا وأن يعمل بمقتضى تكوينه الطبيعي بوصفه طفلا.

إن أعظم ما قدمه روسو للتربية يتمثل في عبقرية الكشف عن طبيعة للطفل مفارقة لما هو معهود ومألوف في عصره وفي العصور التي سبقته. يرفض روسو المبدأ التربوي الذي ينظر إلى الطفل بوصفه راشدا صغيرا، وهو على خلاف ذلك يرى بأن الطفل صغير الراشد. فطبيعة الطفل مفارقة لطبيعة الراشد نوعيا وليس من الجانب الكمي. فالطفل يختلف في مستوى قدرته على الإدراك والنظر والتحليل اختلافا نوعيا عما نجده عند الكبار. يروي روسو قصة ذلك الطفل الذي حكيت له حكاية الإسكندر الكبير وطبيبه، لقد كان هذا الطفل معجبا إلى حد كبير بشخص الإسكندر وشجاعته، ولكن هل تعلمون أين كان يرى موطن هذه الشجاعة؟ كان يراها في قدرة الإسكندر على تجرع شرابا سيء الطعم، وفي هذا المثال يبين روسو أن إدراكات الطفل وطريقة نظرته إلى الوجود مختلفة كليا عن الراشد فالطفل لا يمتلك هذا التفتح الذهني الذي يمكنه من فهم العالم بما ينطوي عليه على النحو الذي يدركه الراشدون. ومن هذا المنطلق ينادي روسو بأهمية معرفة طبيعة الطفل على نحو ما تفرضه هذه الطبيعة من خصوصية مفارقة لطبيعة الراشدين. ولروسو فيض من القول في طبيعة الطفل ومن أشهر مقولاته في هذا الخصوص:"تعلموا كيف تتعرفون إلى أولادكم لأنكم يقينا تجهلونهم كل الجهل" ولماذا هذا الجهل لأن الكبار ينظرون إلى الصغار نظرة الراشد إلى الراشد وليس نظرة الكبير إلى الصغير. نحن " نجهل الطفولة الجهل كله وكلما راودتنا الأفكار الخاطئة التي نملكها عنها ازداد ضلالنا" (24). إن هدف التربية الطبيعية يتمثل في بناء الإنسان على صورة الطبيعة أي كما خلقه الله وكما يريد له أن يكون (25) .

وهنا نجد أن روسو غالبا ما يكرر أقواله المأثورة:" دعوا الطفولة تنمو في الأطفال"... " دعوا الطبيعة تعمل وحدها زمنا أطول قبل أن تتدخلوا بالعمل مكانها خشية أن تعرقلوا عملها."احترموا الطفولة ولا تتسرعوا أبدا بالحكم عليها خيرا كان أم شرا"(....) " فالإيقاع البطيء لزمن النمو ليس شرا نحتمله بل وظيفة ضرورية للنمو ". وكثيرا ما كان يقول " الطبيعة لا تحتاج إلى تربية، والغريزة خيرة طالما تعمل وحدها وتصبح مشبوهة عندما تتدخل المؤسسات الإنسانية وينبغي علينا أن ننظمها لا أن نقضي عليها وقد يكون تنظيمها أصعب من تدميرها " (26).

تتضمن التربية الطبيعة عند روسو فيضا متدفقا بالحب والحنان على الطفولة والأطفال. وقد استلهم روسو هذا العطف على الطفولة من الحرمان العظيم والبؤس الخانق والآلام الفادحة والمدمرة التي عاناها في طفولته المعذبة. وفي حنانه هذا زفرة طفولة مقهورة وصرخة إنسانية تدعو إلى محبة الأطفال والعناية بهم. يقول روسو والقول يتدفق بأعظم معاني الحنان والحب للطفولة والأطفال: " أحبوا الطفولة، يسروا لها ألعابها ومسراتها وفطرتها المحبوبة. من منكم لا يأسف أحيانا على تلك السنين التي لا تفارق فيها الابتسامة الشفتين(...) فلم تريدون أن تحرموا هؤلاء الصغار الأبرياء من متعة فترة تكاد من قصرها تفوتهم(...) ولم تريدون أن تملؤوا بالمرارة والآلام هذه السنوات الأولى الخاطفة التي لا تعود إليكم؟ أيها الآباء، هل تعلمون الأجل الذي ينتظر فيه الموت أبناءكم؟ قلا تتهيؤوا للندامة إذ تحرمونهم من الهنيهات القليلة التي منحتهم إياها الطبيعة. متّعوهم بلذة الوجود منذ أن يصبحوا قادرين على الاستمتاع بها حتى إذا دعتهم المنية في ساعة من الساعات، لم يموتوا قبل أن يتذوقوا الحياة ويقضوا منها وطرا"( (27*.

ويمكن تحديد أهم المبادئ الأساسية لطبيعة الطفولة في التربية عند روسو على النحو التالي (28):

1- طبيعة الطفل خيرة وليس شريرة.

2- يجب احترام ميول الطفل الطبيعية وتنميتها وفقا لمبدأ التربية السلبية.

3- التأكيد على تجربة الطفل الخاصة في اكتساب المعرفة واستبعاد دور المعلم ما أمكن ذلك.

4- تقسيم التربية إلى مراحل تتناسب مع عمر الأطفال لأن طبيعة الطفل هي التي تحدد نوع التربية الممكن.

5- العمل على فهم طبيعة الطفل ودراستها ورصد مكوناتها لكي تستقيم العملية التربوية.

التربية الحرة:

ينطوي مفهوم التربية السلبية عند روسو على شحنة ثورية هائلة وإيمان متفجر بمبدأ الحرية الإنسانية. وتتجلى هذه التربية السلبية في رفض مطلق لكل إكراهات التسلط والقهر والعبودية التي تنبث في عادات الناس وتشع في تصوراتهم وممارساتهم الإنسانية والتربوية.

يقول روسو " الحكمة البشرية ذاتها لا تنطوي إلا على تحكمات استعبادية، فعاداتنا لا تعدوا أن تكون إذلالا واستعبادا، وكبتا وألما فالرجل المتمدن يولد ويعيش ويموت في حالة عبودية: يلف عليه القماط يوم يولد، ويزج في الكفن يوم يموت ويغلق عليه التابوت يوم يدفن، وما دام حيا فإنه يكون مقيدا بأغلال الأنظمة المختلفة " (29).

إنه يقترح عبر مفهوم التربية السلبية ثورة تربوية عارمة تحرر الإنسان من قيوده وتحطم أغلاله وأصفاده. نادى روسو بمبدأ التربية السلبية فالتربية الأولى التي تقدم للطفل يجب أن تكون سلبية وهي لا تكون بالتلقين لمبادئ الفضيلة، ولكن قوامها المحافظة على القلب من الرذيلة والعقل من الزلل. ويعتقد روسو التربية الحقة تكون في النمو الحر الطليق لطبيعة الطفل وقواه الداخلية وميوله الفطرية. والتربية التي ينشدها ليست نفيا للتربية بل هي رفض للأساليب التربوية التقليدية السائدة التي تزج الإنسان في مدافن العبودية والإكراه. فالتربية السلبية هي التربية الحرة التي تترك للطفل أن ينمو بمقتضى فطرته وطبيعته الخيرة. إنها التربية التي تتيح للطفل أن ينمو روحيا وعقليا ونفسيا نموا حرا أصيلا خارج دوائر الإكراه والتسلط والقهر. فالتربية السائدة تربية إكراه تفقد الإنسان براءته وأصالته لأنها تستأصل قدرته على المبادهة وعلى العيش وفق قانون الطبيعة. ولذلك فإن التربية السلبية تشكل نفيا للعادات والأساليب التربوية السائدة في عصره. وهو يقول في معرض وصفه للتربية الإيجابية بأنها هذا النوع من التربية الذي يساعد على تكوين العقل قبل الأوان كما يساعد على تلقين الطفل واجبات الرجال. وهو لا يعني بالتربية السلبية حالة من السكون والكسل بل هي نوع من التربية الحرة التي لا تسبب الفضيلة ولكنها تحمي القلب من الرذيلة. وعلى خلاف ما هو معهود وسائد في عصره يؤكد روسو ألا شر أصيل في النفس الإنسانية ومن هذا المنطلق فإن طبيعة الطفل خيّرة بالمطلق وأن التربية الحقة تجري على نبض الإيقاع الداخلي لهذه الطبيعة.

التربية السلبية تعني باختصار أن نحقق للطفل نماء طبيعيا بعيدا عن تدخل الراشدين وعبثهم. وكأننا بروسو في هذا التوجه يميل إلى الاستغناء عن المربي كليا، وميلا إلى أن يوكل مهمة تربية الطفل إلى الطبيعة ذاتها وأن يدع الطفل منفردا في صدامه مع الحياة بتجاربها وعبثها ومفارقاتها. فوظيفة المربي لا تكاد تتجاوز حدود الإشراف على إميل عن بعد، وهو ليس مطالبا بالتدخل إلا حينما تقتضي الضرورة القصوى تدخله. وليس على المربي أن يحتسب الزمن والوقت في عملية نماء الطفل وتربيته بل يجب عليه أن يبدد الزمن ويهدر إمكانية الإحساس به لأن إميل يختمر ويتكوّن  وكلما كان نضجه في ظرف زمني هادئ مستريح في صدر الزمن كلما كان ذلك في مصلحة البناء والتكوّين والإعداد التربوي عند إميل. والقاعدة التي يعلنها روسو في هذا الصدد تقول وتشدد القول " بأن ليست أهم قاعدة في التربية أن نربح الوقت بل أن نضيعه".  (30) وانطلاقا من مقولة روسو بأن الطبيعة خيرة وأن المجتمع يفسدها فإن مفهوم التربية السلبية يرتكز إلى أمرين أساسيين:

- حماية إميل من الفساد الاجتماعي وإبعاده تربويا عن سطوة الراشدين وتدخلهم المباشر في التربية.

- مجاراة التطور الطبيعي في الطفل لأن الطفل يمتلك شروط نموه طبيعيا وهو ينمو وفقا لمبدأ القانونية الطبيعية.

تنطوي التربية السلبية على ثلاثة جوانب لمفهوم الحرية الطبيعة:

- الحرية الجسدية التي توفر للطفل كل ما يحتاجه من إيقاعات النماء الجسدي الحر الذي يأخذ مساره عبر النشاطات والفعاليات والألعاب وتترك لجسده الحرية. وهنا يجب نرفض كل ما من شأنه أن يقيد حرية الطفل الجسدية. ومن هنا جاء رفض روسو للقماط وهجومه العنيف على الأساليب التربوية التي تمنع الطفل من إمكانيات الحركة والقفز والانطلاق واللعب، وغير ذلك من هذه الحريات الجسدية الضرورية لنمو الطفل. كان روسو يعتقد بأنه لا يمكن للمرء أن يكون حرا بجسد مهزوم محاصر، لأن الحرية كينونة صماء لا تقبل التجزئة والانشطار. ولا يمكن لإنسان ما أن يكون حرا في المستوى العقلي أو العاطفي بجسد مهزوم ومحاصر.

- الحرية العاطفية والانفعالية: إذ يتوجب إبعاد إميل عن كل ما من شأنه أن يفرض على الطفل مشاعر مقننة وعواطف جامدة معلبة أو مثلجة. فالتطور الطبيعي للطفل يكون في أن نترك لمشاعره الداخلية حرية النمو وفقا لاندفاعات إنسانية داخلية نابعة من أحاسيس الطفل وتجربته ومشاعره، وتلك هي الخصوصية التي يجب ألا تتعرض لعدوان الراشدين وتسلطهم. إن التدخل في توجيه النمو العاطفي والانفعالي هو قمع للروح الداخلية للطفل، وهو إكراه يتجاوز كل إكراه، لأن الروح، وهي أعمق وأقدس ما في الإنسان، يجب أن تترك حرة أصيلة رشيقة كما تفرضها الطبيعة. دعوا الأطفال يتذوقون العالم عبر إحساسهم الإنساني بعيدا عن كل أشكال التسلط والإكراه. فللطفل أن يشعر بحرية أن يحب ويكره ويغضب ويتسامح بحكم مشاعره الداخلية وعلى منوال ما تفرضه روحه الداخلية التي تفيض بالعطاء.

- الحرية العقلية: ليس لنا أو علينا أن نفرض على عقل الطفل ما لا يحتمل وما لا يستسيغ. إن الاغتراب الحقيقي يكون عندما نفرض على عالم الصغار رؤانا ومعتقداتنا وأن نعلمهم وبصورة مبكرة ما نرغب من العلوم والمعارف. إن التعليم المبكر يقض مضاجع الأطفال ويحرمهم من عطاء الطبيعة بوصفهم أطفالا. وهنا يرى روسو أن القاعدة في تعليم الأطفال وتشكيل عقولهم ليست في أن نربح الوقت ونقتنص الزمن بل تكون في هدر الزمن وتضييع الوقت بالمعنى التقليدي، فتضييع الوقت وهدره في التربية الطبيعة وفقا لمفهوم روسو هو عملية استثمار عظيمة، لأن كل لحظة تبذل في سبيل التربية تجد مردودها العظيم في التكوين الخلقي والإنساني للطفل، لأن عقل الطفل يكون في المراحل الأولى في مرحلة التكوين، وهو الخاصة الإنسانية التي تنضج متأخرة. وفي هذا يقول روسو: لو كان بيدي لجعلت الطفل لا يعرف يمينه من يساره حتى الثانية عشرة من عمره. وهو بذلك يريد للطفل أن يكون قادرا على تشكيل رؤاه الخاصة للعالم وأن يكون في مرحلة يمتلك فيها زمام نفسه وعقله بحيث لا يقبل إلا ما يراه وفقا لمقتضى طبيعته بأنه صحيح وخير وأصيل. إنه ينادي بألا نهتم بالإعداد العقلي للطفل حتى بعد سن الثانية عشرة، لأن فترة الطفولة هي فترة الركود العقلي وهي مرحلة كومونية لا نستطيع أن نتصور مدى أهميتها، ولذلك يجب ألا ندفع الطفل إلى التفكير أو إلى القراءة أو إلى بذل أي مجهود عقلي في هذه المرحلة.

 وتعتمد التربية السلبية على قانون الجزاء الطبيعي، بحيث ندع الطفل يتحمل النتائج الطبيعية لأعماله دون تدخل أي إنسان. ويرى روسو في ذلك أن المربي يمكنه أن يقوّم أخلاق الطفل طالما يبين له أن العقوبة كانت طبيعية مثال: إذا أبطأ الطفل في ارتداء ملابسة للخروج للنزهة فاتركه في المنزل. وإذا أفرط في الأكل أتركه يعاني ألم التخمة. وباختصار دعه يتحمل النتائج الطبيعية لعدم خضوعه لقوانين الطبيعة.

وباختصار شديد التربية السلبية لا تعني نفيا للتربية، بل هي تربية حرة تتوافق مع الطبيعة، وإذا كانت التربية الإيجابية تسعى إلى تكوين النفس قبل الأوان فإن التربية السلبية تسعى إلى تعبيد طريق المعرفة وجعل أدواتها جاهزة قبل إعطاء المعرفة. إنها التربية التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين نمو العضوية والنفس والعقل عند الأطفال. وهي تنطلق من مبدأ النمو الذاتي الحرّ لطبيعة الطفل. إنها لا تعلم الفضيلة بل تجنيب القلب من الوقوع في الرذيلة وهي، في جماع عبارة واحدة، النمو الحر لطبيعة الطفل وميوله الطبيعية.

 من الميلاد إلى الخامسة:

يؤكد روسو على أهمية الأبوين كمربيين طبيعيين للطفل، فالأبوان هما ال أكثر قدرة على أن يمنحا الطفل الحنان الضروري لنموه إنسانيا وأخلاقيا على نحو طبيعي. فالأب هو المعلم الطبيعي والأم هي حاضنته. ويعلي روسو هنا من شأن الأم على نحو خاص في العملية التربوية، وكان يلح دائما على دور الأم بقوله "إذا أردتم أن تعيدوا كل إنسان إلى واجباته الأولى عليكم البدء بالأمهات وستعجبون لما تحدثونه من تغيرات" (31).

في هذه المرحلة يجب على الأبوين رفض جميع الأساليب التربوية التقليدية السائدة واعتماد المنهج الطبيعي في التربية. وتكون البداية بإرضاع الطفل إرضاعا طبيعيا من صدر الأم، ويحذر من تغذية الطفل من غير صدر أمه كما كان سائدا في ذلك العصر. ويرفض روسو بمطلق الرفض أن يعهد بالأطفال إلى مربيات ومرضعات، ويهيب بالأمهات أن تقوم بواجبات الأمومة لأن غير ذلك يؤدي إلى مخاطر مذهلة يتصدع لها عقل الطفل وقلبه. وكان في هذا الصدد يرفض أن يغسل الطفل بالخمرة والنبيذ ويرفض هذا على مبدأ أن الخمرة شراب متخمر وبالتالي فإن الطبيعة لا تنتج ما هو متخمر.

يرفض روسو قطعيا وضع الطفل في القماط المعهود أو في " المهاد" لأن المهاد يمنع عليه الحركة وتدفق الدماء ويميت قلبه الحر، ويحذر من استخدام هذه الطريقة كما يحذر من آثارها المدمرة للطفل جسديا ونفسيا. ويؤكد أهمية اللعب بمستوياته المختلفة، حيث يأخذ اللعب مستويات تتدرج وفقا لعمر الطفل في مدى وحدود هذه الفئة أي من الميلاد إلى الخامسة من العمر. فإميل في هذه المرحلة يجب أن يتكوّن  جسديا على محك الألعاب الرياضية. فالرياضة المضمخة باللهو والتسلية واللعب هي الرياضة التي تناسب نمو إميل جسدا وعقلا. وهو يعتقد في هذا الصدد بأن جميع الرغبات الشهوانية تجد لها مسكنا في الأجسام الضعيفة، وكل ضعف يولد ضعفا، والطفل لا يكون سيء الخلق إلا لأنه ضعيف فإذا قويته تحسن وتم له النماء الأخلاقي والجسدي في آن واحد. يرفض روسو تلقين إميل فيضا من الكلمات والمفردات اللغوية ويريد لإميل هذا أن يحقق تناسقا بين نموه اللغوي ونموه الفكري. وباختصار فإن روسو يؤكد في هذه المرحلة العمرية على:

- عدم استخدام القماط.

- دعوة إلى الرضاعة الطبيعية.

- أن تكون التربية عملية نمو داخلية عضوية.

- الابتعاد عن الأوامر والنواهي.

- التأكيد على التربية الجسدية.

التربية من الخامسة إلى الثانية عشرة:

 يركز روسو على أهمية هذه المرحلة ويعتقد بأنها من أخطر المراحل التربوية في حياة الإنسان. وهو يؤسس للتربية في هذه المرحلة وفقا لمبادئ ثلاثة:

1- على إميل أن يستمد معلوماته وخبراته عن طريق الحواس والتجربة والاحتكاك المباشر مع الطبيعة.

 2- يجب على التربية في هذه المرحلة أن تكون تربية سلبية حيث يترك الطفل في غفوة أشبه بالسبات بعيدا عن مختلف التأثيرات الخارجية. وهنا يجب على المربي عدم التدخل إلا عندما تقتضي الضرورة. لأن إميل يتكوّن تكوّنا طبيعيا في هذه المرحلة وحري بنا أن نجعل الطبيعة تفعل فعلها وتنهض بواجبها دون تدخل المربين والكبار.

 3- التربية الخلقية يجب أن تكون عن طريق الجزاء الطبيعي، فعندما يسقط إميل يتألم، وعندما يتخم يعاني من الألم، وعندما يخرج في ليلة باردة يصاب بالزكام، وعندما يضع يده على مكان لاهب يشعر بألم الحرارة ووخزها، وفي كل هذا يجب أن يشعر الطفل بأن العقاب الذي استحقه كان عقابا طبيعيا ينبع من طبيعة الأشياء ذاتها وأن هذا العقاب لم يكن انتقاما أو إكراها يمارسه الكبار. وباختصار أيضا يؤكد روسو على المبادئ التالية في هذه المرحلة:

- التربية السلبية في مختلف مستويات هذه المرحلة.

- التربية الأخلاقية عن طريق النتائج الطبيعية.

- تدريب الحواس لا تدريب العقل.

- التعلم بالأشياء والخبرة والتجربة.

- لا حاجة إلى القراءة والكتابة.

التربية من سن الثانية عشر إلى الخامسة عشرة

في هذه المرحلة تبدأ عملية تعليم إميل، لأن مرحلة الغفوة والسبات قد انتهت وقد اكتملت لإميل أسباب التعلم بعد أن نضجت ملكاته الطبيعية وبعد أن خمرته الطبيعة وسوته وهيأته لتلقي المعرفة الإنسانية وما تنطوي عليه من قيم ومعايير ثقافية. لقد آن الأوان لتعليم إميل وتزوده بالمعرفة والمعلومات والمعارف. وفي هذه الفترة كما يقول روسو تزداد فيها قوة الفرد على ما يحتاج إليه.

ومع أهمية هذه المرحلة وضرورة التعلم فيها فإن روسو يرسم سبل التعلم والاكتساب ويحدد مساره وطريقته. فالتعلم والاكتساب يجب أن يتم عن طريق التشويق وأن يتساوق مع الرغبة في التعلم وحب الاستطلاع، وهنا يجب أن يكون ميل إميل وتعطشه للعلم والمعرفة ناجما عن رغبات طبيعية أصيلة في أعماقه.

ومن حيث طبيعة المعرفة التي يجب أن نزودها للطفل يجب أن تكون متوافقة مع اهتمامات الطفل ولاسيما هذه التي تدفعنا غرائزنا إلى تتبعها والتي تتضح أهميتها وفائدتها العملية بالنسبة لإميل.

على الطفل كما يؤكد روسو وينصح أن يقرأ قصة "روبنسون كروزو" لأن هذه القصة تؤكد أهمية التعلم وفهم الحياة وفقا لقوانين الطبيعة حيث تبرز أهمية الاعتماد على النفس فيها.

ويجب على إميل أن يتعلم حرفة بحد ذاتها، وذلك ليس من أجل الكسب، بل من أجل غرض أسمى من هذا، وهو التغلب على العقائد الفاسدة التي تحط من قدر هذه الحرفة؛ وعندما نؤكد من جديد على أهمية التجربة الذاتية، ويكون التعليم مناسبا لحاجات إميل وميوله، فإن إميل سيصبح شخصا مجدا هادئا صبورا مملوءا بالشجاعة والثقة، وقادرا على أداء وظيفته الحيوية والاجتماعية بصورة تجعله أكثر قدرة على التكيف والاستمتاع بحياته وتحقيق السعادة الطبيعية المنشودة.

وفيما يتعلق بالمواد الدراسية يتوجب علينا أن نعلّم إميل العلوم الطبيعية مثل الفلك والجغرافيا وخير وسيلة لتعلم الخرائط هي الأسفار والتنقل والترحال. وهو يرفض تعليم إميل النحو واللغات القديمة والتاريخ لأنه يريد لإميل أن يعيش في عزلة عن المجتمع وفي دائرة الطبيعة تحديدا.

وفي منهج التعليم، يرفض روسو مبدأ الخطب الرنانة المصقعة، ومبدأ النصح والإرشاد، ويؤكد على الأهمية الكبرى للمارسة والتجربة ويقول " لنحوّل إحساساتنا إلى أفكار، وعلينا أن نتجنب القفز مباشرة من عالم المحسوس إلى العالم المجرد، ولنتحرك وبأناة وروّية من فكرة محسوسة إلى فكرة محسوسة، لنتعلم عن طريق الأشياء، وعلينا أن نبتعد عن معالجة الأشياء بالرمز طالما نستطيع أن نرصدها أشياء في دائرة المكان والزمان".

من سن الخامسة عشرة إلى العشرين

في هذه المرحلة تنمو استعدادات إميل وقدراته على التكيف مع الآخرين والحياة الاجتماعية، وقد آن الأوان ليصبح إميل كائنا اجتماعيا فاعلا ومشاركا في دائرة الحياة التي تنتظره في المجتمع. ومن أجل هذه الغاية يتوجب علينا أن ندربه على العلاقات الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي مع الآخرين. في هذه المرحلة يكون إميل قد اكتمل نضجه جسديا وحسيا وعقليا، وقد آن الأوان لكي يتشكل عاطفيا وروحيا.

فالتربية في المراحل السابقة كانت تربية ذاتية تهدف إلى بناء الجسد والنفس، أما الآن فيجب إعداد إميل من أجل الحياة الاجتماعية، وعلينا أن ندربه على امتلاك شروط العلاقة الاجتماعية وفقا للمعايير الاجتماعية التي يفرضها تكيف الأنا مع الآخر.

 تسعى التربية في هذه المرحلة إلى تنمية الوجدان وبناء الأخلاق الاجتماعية، حيث تنتهي في هذه المرحلة فترة التعليم أو التربية العادية أو السلبية كما يحلو لروسو أن يسميها. وهنا يؤكد روسو في هذه المرحلة على التربية الدينية والأخلاقية. ولكنه يرفض الأساليب القديمة في تشكيل إميل أخلاقيا ولاسيما أخلاق النصح والإرشاد حيث يجب على إميل أن يكتسب عمقه الأخلاقي عن طريق الممارسة ومحاكاة أبطال التاريخ.

وفي هذه المرحلة أيضا تبدأ إمكانية بناء صلة دينية بين إميل وربه، وتتوجب تربيته الدينية على قيم الحق والخير والجمال. فالطفل يمتلك القدرة في هذه المرحلة على فهم أمور الدين ويمكنه أيضا أن يدرس البلاغة والتاريخ والمسرح لأن هذه المرحلة تمكنه من تذوق الفن والاستمتاع بالقراءة والمطالعة.

فإميل يمتلك في هذا العمر رصيدا محدودا من المعرفة ولكنه يمتلك هذه المعرفة امتلاكا حقيقيا والمعرفة التي يمتلكها معرفة نابعة من صميم الأشياء وراسخة في قلب إميل وعقله، وهناك أشياء كثيرة أيضا مازال يحتاج إلى معرفتها وهناك أشياء لا يعرفها ولا يحتاج إلى معرفتها ولكنه يمتلك القدرة الكلية على معرفة كل الأشياء.

تربية المرأة أو صوفيا:

يكرس روسو الجزء الخامس من كتابة إميل لتربية المرأة التي أطلق عليها اسم(صوفي)، وهي تظهر مباشرة في الكتاب دون تمهيد يذكر. يؤكد روسو في هذا الجزء على أهمية التربية الجسدية لصوفيا، ويرى بأنه يتوجب عليها أيضا أن تتعلم فن الطهي والتطريز والموسيقى والعناية بالطفل وعدم الاهتمام بالعلوم. وهنا نجد أن روسو كان كلاسيكيا وعدوانيا في نظرته إلى المرأة، فوظيفة المرأة هي إسعاد الرجل وإرضائه والقيام بتربية الأطفال. وهو يقف موقفا سلبيا من المرأة المثقفة التي قد تكون وبالا على زوجها وأطفالها وعائلتها. وكثيرا ما يؤخذ على روسو هذا الموقف المتوحش من المرأة، ويؤخذ عليه أيضا أن آراءه متطرفة وعنصرية وغير إنسانية فيما يتعلق بدور المرأة ووضعها الإنساني والاجتماعي. ومن أوجه الغرابة في هذا الموقف أن روسو كان في سيرة حياته كلها يدين للمرأة التي كانت عونه في مسيرته الإبداعية والفكرية والحياتية. فعبقرية روسو وحياته كانت وليدة عناية أنثوية خالصة، ولا يخفى على من يقرأ سيرة حياته أنه كان مدينا للمرأة الأم والصديقة والزوجة والعمة التي كثيرا ما كان ينهمر دمعه على عمته وعلى عدة نساء كان لهن دورا عظيما في حياته، فلمسة الحنان الوحيدة في حياته كانت هي لمسة المرأة. فصوفيا في هذا الكتاب لا تمتلك إلا على فضائل ثانوية وهي الفضائل التي تتصل بالحياة الزوجية والأسرية وهي كما يصورها روسو شخص ناقص يحتل مرتبة دنيا في عالم إميل وحياته.

الخاتمة

سجل روسو نفسه في تاريخ الفكر مربيا ومعلما وفيلسوفا وأديبا وثائرا، وكانت سيرته الحياتية والفكرية من أغرب السير التاريخية في تاريخ الفكر إن لم تكن أغربها على الإطلاق. ومن أوجه الغرابة والإدهاش في هذه السيرة أننا مع روسو نجد أنفسنا أمام عبقرية شمخت ونهضت على أعمدة القهر وعلى ثوابت الألم والهزيمة. وعلى هذا الأساس شيّد مملكته الفكرية الجبارة الفيّاضة بكل المعاني الإنسانية النبيلة والخلاقة. لقد أحدث انقلابا فكريا في عصره وفي العصور التي تتابعت بعده. ولا غرابة في ذلك فهو مؤسس التربية الحديثة وصاحب أكثر النظريات التربوية عبقرية وغرابة.

وما يدهش أن علم النفس الحديث والنظريات التربوية الحديثة قد استجابت لاندفاعات روسو العبقرية الجامحة المتمردة. ولم تستطع الانتقادات التي وجهها العلماء والمفكرون والكتاب لنظريته التربوية والاجتماعية أن تنال من شموخ هذه النظرية بل زادتها شموخا وتمردا. صحيح أن مظاهر النظرية قد تبدو غريبة مستغربة ولكن جوهرها الإنساني مازال يحلق في الأجواء الشامخة.

إن ما اكتشفه روسو بفطرته وعواطفه ونبيل إحساسه الإنساني وعبقريته الأدبية كان كشفا عن مناطق مظلمة في حياة الإنسانية فأراد أن يطرد منها العتمة ويحررها من الجمود عبر شطحات عقل ثائر متمرد. وما حمله روسو إلى البشرية عبر نظريته التربوية تارة والاجتماعية تارة أخرى لا يضاهيه عطاء. لأنه وباختصار جاء ينتصر للأطفال والضعفاء والمظلومين والمحرومين والمقهورين، جاء ليحرر الطفل من ظلمات القرون الوسطى لأن الطفل في نظريته رمز البراءة والعطاء بل هو هبة الله ولذلك فإن سعادة الأطفال يجب أن تكون هدف التربية بالمطلق.

وإذا كان عصره لم ينصفه، إذ عاش حالة التشرد والقهر مظلوما مهزوما في وطنه، فإن روسو اليوم يمثل رمزا من رموز الحضارة الإنسانية التي تفتخر به فرنسا ثقافة وحضارة، وهو الذي هجرته الأيام فعاش متوحدا حزينا مقهورا مغلوبا مطاردا من قبل رجال الأمن والسلطات في عصره. ومن من المفكرين في القرن التاسع عشر ولاحقا في القرن العشرين من لا يدين لروسو الأب الروحي للتربية الحديثة. فالتاريخ يعلمنا بأن جميع المبدعين من بعده في مجال التربية والفكر الاجتماعي يدينون له ويأخذون عنه ويتمثلون جوهر رؤيته للتربية والإنسان.

ليس غريبا أن يكون كتابه العقد الاجتماعي طفرة فكرية وجهت عمل الثورة في فرنسا وهي أعظم ثورة تشهدها أوربا ضد القهر والاستبداد والإرهاب. وليس غريبا أيضا أن يحدث ثورة تأخذ طابع الاستمرار في مجال التربية. لقد وضع روسو حجر الزاوية لانقلاب فكري تربوي أتى على كل التراث القديم في مجال التربية وأحدث انقلابا كوبرنيكيا في المفاهيم والرؤى والتصورات. وستبقى نظريته في العقد الاجتماعي ونظريته في التربية أحجارا كريمة براقة في عقد الفكر الإنساني الحر إلى الأبد.

 

علي أسعد وطفة

........................

هوامش وحواشي :

1- انظر : علي وطفة ، خالد الرميضي ، التربية قبل المدرسية، تصورات علمية وعقائد نقدية، مكتبة الطالب ، الكويت ، 2004، الفصل السادس ، صص 155-179.

2- انظر: جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، ترجمة عادل زعيتر، دار المعارف، القاهرة، 1956.

3- بو منرو، المرجع في تاريخ التربية، ترجمة صالح عبد العزيز و حامد عبد القادر، مكتبة النهضة المصرية، 1949، الجزء الثاني، ص 229.

4- السيد محمد بدوي، الأخلاق بين الفلسفة وعلم الاجتماع، دار المعارف، القاهرة، 1980، ص 94.

5- Hubert Hannoun, Anthologie des penseurs de l'éducation, P.U.F., Paris, 1995,pp158-177.

6- شبل بدران، الاتجاهات الحديثة في تربية الطفل ما قبل المدرسة، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2000، ص 117.

7- محمد الفرحان، الخطاب الفلسفي التربوي الغربي، الشركة العالمية للكتاب، بيروت 1999، ص 118

8- J.-J. ROUSSEAU, Discours sur les sciences et les arts, Discours sur l’origine et les fondements de l’inégalité parmi les hommes, in Œuvres complètes, t. III, coll. La Pléiade, 1964.

9- J.-J. ROUSSEAU, Discours sur l’origine et les fondements de l’inégalité parmi les hommes(1754), préf. B. de Jouvenel, Gallimard, 1965.  Du contrat social, introd. et notes J. Halbwachs, Aubier-Montaigne, Paris, 1960.

10- J.-J. ROUSSEAU, La Nouvelle Héloïse, Amsterdam, 1761, rééd. in Œuvres complètes, t. II, B. Gagnebin et M. Raymond éd., coll. La Pléiade, Gallimard, 1961.

11- Rousseau, J.-J. Du contrat social. Flammarion. 1ère édition, Paris,1762.

12- جان جاك روسو، إميل والتربية، ترجمة عادل زعيتر، دار المعارف، القاهرة، 1956.

13- عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ، من العصور القديمة حتى أوائل القرن العشرين، دار العلم للملايين، بيروت، 1984، ص 377.

14- عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ، من العصور القديمة حتى أوائل القرن العشرين، دار العلم للملايين، بيروت، 1984، ص 377.

15- عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ،  المرجع   سابق، ص 376.

16-

16-  جان جاك روسو، أصل التفاوت بين البشر، ترجمة عادل زعيتر، دار المعارف، القاهرة، 1956.

17- انظر: جان جاك روسو، إميل والتربية، ترجمة عادل زعيتر، دار المعارف، القاهرة، 1956.

18- KAHN P., Emile et les Lumières, dans L'éducation, approches philosophiques, PUF, Paris, 1990.

19 P. BURGELIN, La Philosophie de l’existence de Jean-Jacques Rousseau, Paris, 1952, 2e éd. 1973, rééd. 1978.

20- فاطمة جيوشي، فلسفة التربية، جامعة دمشق، مطبعة خال بن الوليد، دمشق 1982، ص 61.

21- جان جاك روسو، أميل أو التربية، ترجمة عادل زعيتر، م، دار المعارف، القاهرة، 1956، ص 37.

22- عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ، مرجع سابق، ص 378.

23- عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ، مرجع سابق، ص 378.

24- عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ، مرجع سابق، ص 397.

25- راتب عبود، نظريات التربية في عصر التنوير الفرنسي، ترجمة عبد الله المجيدل، دار معد النشر، 1996، ص37.

26-  فاطمة جيوشي، فلسفة التربية، مرجع سابق، ص 74.

27-  عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ، مرجع سابق، ص 384.

28- محمد كمال يوسف عالية وآخرون، الفكر التربوي: أصوله تطوره اتجاهاته المعاصرة، الهيئة العامة للتعليم التطبيقي، كلية التربية، الكويت، 1985، ص 105.

29- بول منرو، المرجع في تاريخ التربية، ترجمة صالح عبد العزيز و حامد عبد القادر، مكتبة النهضة المصرية، 1949، الجزء الثاني، ص 239.

30- عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ، مرجع سابق ص383.

31- عبد الله عبد الدايم، التربية عبر التاريخ، مرجع سابق، ص 381

 

 

عدنان عويدإن مسألة تأصيل الفكر السلفي الوثوقي الجبري وقوننته بدأت إرهاصاتها الأولى في نهايات القرن الأول للهجرة مع المالكي والشافعي  وابن حنبل، مرورا  بتلامذتهم مثل، أبو حسن الأشعري وأبو حامد الغزالي، والسيوطي، والقطني والشعيبي وابن قيم الجوزية وابن تيمية والباقلاني والقطني والسختياني وغيرهم. فكل هؤلاء التلاميذ آمنوا إيماناً مطلقا بدور النقل على حساب العقل، وقياس الشاهد على الغائب، وأن صريح العقل لا يخالف صحيح النقل، وأن الحسن والقبيح هو ما حسنه الشرع أو قبحه. وإذا اضطروا لاستخدام العقل كما استخدمه الشافعي وغيره فيما بعد في القياس، أو كما استخدمه الأشاعرة في نظرية الكسب، فيأتي استخدام العقل هنا للاستدلال والاستقراء أو البحث عن دليل في النص أو الأثر ليشيرعن ما هو محدث او مستجد من أمور الحياة. أو بتعبير آخر، يأتي استخدام العقل في هذا المنهج لتثبيت النص والأثر وليس للحكم عليهما، لأن ما تم في الزمن الذي حدد أصحاب هذا التيار (القرون الهجرية الثلاثة الأولى)، صحته وضرورة الالتزام به، وهو زمن مقدس ولا نقاش أو رأي في ما ورد فيه من فكر وسلوكيات. كما أن التقديس راح يشمل فيما بعد عند البعض حتى أقوال فقهاء هذا المنهج السلفي أنفسهم.

لنعود وننظر في آراء من أصل لهذا التيار السلفي الجبري، حيث يعتبر الشافعي /150- 205/ للهجرة، هو أول من أصل قواعد الفقه السلفي في صيغته الوثوقية التي جئنا عليها، عندما حدد المراجع الأساسية للتشريع الإسلامي بالقرآن والحديث والإجماع والقياس، وإذا كان القرآن وما اتفق عليه من الحديث الصحيح هي مسائل ثابتة، فإن الإجماع جاء عنده مقتصراً على إجماع علماء الدين من أهل السنة، أو إجماع أهل المدينة، أما القياس فهو البحث عن دليل شرعي لكل محدث أو مستجد لم يرد فيه نص أو أثر، ودور العقل في القياس هنا هو البحث عن دليل في هذه المصادر الأساسية وليس لابتداع دليل .

يقول الشافعي حول ضرورة التمسك بالنص المقدس والأثر: (لم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى.).(1)

إن الماضي عند الشافعي يأتي هنا بصريح لفظه  متمسكاً بالعلم الوحيد في الإسلام، فلا يحل أو يحق لجيل لاحق أن يحكم أو يفتي أو يفكر لنفسه، إلا ويكون مستنداً إلى حكم أو فتوى أو فكر الأجيال السابقة. وبالتالي فكل المحدثات من الأمور هي بدعة كما يورد ابن القيم الجوزي عن الشافعي قوله: (المحدثات من الأمور ضربان أحدهما، ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً، فهذه البدعة الضلالة). (2).

أما بالنسبة لأحمد بن حنبل المتوفى سنة /284/ هـ، فهو الممثل الرئيس لمدرسة الرواية، وهي المدرسة التي تأخذ بالحديث حتى المرسل والضعيف منه وترجحه على الأخذ بالرأي والقياس. فالحديث الضعيف عند ابن حنبل (أهم من الرأي)، وكذلك الخبر الضعيف كما يقول. فابن حنبل يحارب الأخذ بالرأي ويلتمس الخبر ولو كان ضعيفاً، هذا وقد روي عن ابنه عبد الله قوله: (سمعت أبي يقول: لا تكاد ترى أحداً نظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل.).(3). والدغل هو فساد الرأي.

هذا ويعتبر ابن حنبل من أكثر الفقهاء تشدداً بالنسبة للتيار السلفي، وأن معظم من اشتغل على هذا التيار وأخذ به يعتبر ابن حنبل أستاذه، وفي مقدمة هؤلاء " أبو حسن الأشعري".

أما أبو حسن الأشعري المتوفى سنة /324/ هـ، وهو المعتزلي أصلاً، ثم تخلى عن فكره القدري ليلتحق بالفكر السلفي بعد أن راح أصحاب الفكر السلفي يُلاحقون من يقول بالقدر، وشُكلت لهم محاكم التفتيش منذ مرسوم المتوكل عام 232 للهجرة الذي أصدره لمعاقبة كل من يقول بالرأي، واعتماد العقل مرجعاً للحكم على مستجدات الحياه.

لقد انبرى الأشعري مدافعاً عن مقولات ابن حنبل بعد أن تبنى آراءه وهو القائل في ذلك: ( قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها هي التمسك بكتاب الله وسنة نبينا محمد (ص) وما روي عن السادة الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون بما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون.).(4). وبهذا الموقف السلفي أصبح تياره فيما بعد الممثل الأكثر حضوراً للتيار السلفي الوثوقي الجبري في صيغته الحنبلية الضيقة، بالرغم من إشكالية الأشعري الواقعة بين رغبته في مدرسة الحديث من جهة، وبين انشقاقه عن المعتزلة وتأثره بدور العقل من جهة ثانية، وللخروج من هذه الإشكالية راح يستخدم العقل لتثبيت النص وليس للحكم عليه، أي استخدام العقل لنفي العقل. هذا وقد اعتبر الأشاعرة كتيار ديني سلفي من التيارات الأساسية التي توافق الخط العام السياسي للسلطات الحاكمة سابقاً ولاحقاً، وهو بإيمانه أو قوله – أي الأشعري - بالإجماع في زمن ظهوره، كان يلتمس الشرعية في فعل السلف وما ينسب إليهم من الإجماع على اختيار أبي بكر وعمر وعثمان، وذلك لنفي مقولة المعارضة الشيعية بالوصية لعلي وأبنائه من بعده.

على العموم، إن أبي حسن الأشعري في المحصلة أصل للسلفية من حيث العقيدة، في الوقت الذي أصل لها الشافعي فقهياً. أي هو من ولج باب الأصول أكثر من الفروع، في مسألة القضاء والقدر، وطرحه لنظرية الكسب، وهو من تحدث بالصفات العقلية واعتبرها من ذات الله، وتكلم بمفهوم العدل  والحسن والقبيح الشرعيين، وأنكر السببية، وقال ليس من قديم سوى الله أما العالم المادي فمحدث.

أما الغزالي المتوفى سنة /505/ هـ، وهو تلميذ أبي حسن الأشعري فقد تمسك بفكر أستاذه، في الوقت الذي فتح فيه الحدود بشكل (تلفيقي) بين الفلسفة والمنهج السلفي، بالرغم من بقائه محاربا للفكر العقلاني برده على الفلاسفة في كتابه المشهور (التهافت). فالغزالي واجه الفلاسفة الذين قالوا إن الله لا يعلم إلا بالكليات، أما الجزئيات فلا، فالغزالي يقول بأن الله خلق العالم بإرادة حرة قديمة وهو قادر على الإحاطة الكلية والجزئية بهذا العالم. كما يقول الغزالي إن حقائق الأمور الإلهية لا تنال بنظر العقل وليس بقوة البشر الاطلاع عليها.(5).كما حاول إقحام التصوف في الفكر السلفي حيث اشتغل على هذا الفكر والتقى مع المتصوفة في الكثير من أفكارهم، واختلف معهم في قضية وحدة الوجود حتى ولو على أساس روحي، كون هذا المبدأ يرمي في النهاية إلى إنكار الواحد الأحد المفارق والعلوي.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

............................

1- عبد الجواد ياسين- السلطة في الإسلام – المركز الثقافي

العربي –ط1- 1998- ص69

2- المرجع نفسه- ص 69.

3- المرجع نفسه- ص 72.

4- المرجع نفسه. ص- 55 .

5- الطيب تيزيني- من اللاهوت إلى الفلسفة العربية الوسيطة  - القسم الثاني- دمشق – وزارة الثقافة- 2005– ص 253.

 

محمد عبد الكريم يوسفمقدمة: إن التفسير القانوني في إطار مفهومه العام يعني أن القاعدة القانونية المراد تفسيرها يكتنفها الغموض ولذلك يسعى الشارع إلى توضيحها. وللوقوف على المعنى الدقيق لماهية التفسير القانوني يجب أولا أن نحدد مفهومه لتبيان أهم دواعي التفسير وطرقه.

تعريف التفسير القانوني:

يقصد بالتفسير في اللغة مطلق التبيين، إذ يقال فسر الشيء يفسره ويبينه. ويعرف التفسير في الاصطلاح القانوني بأنه تحديد المضمون الحقيقي للقاعدة القانونية بالكشف عن مختلف التطبيقات التي تنسحب عليها أحكامها وإيضاح ما غمض من هذه الأحكام واستكمال النقص فيها ورفع ما قد يبدو في الظاهر من التناقض بين أجزائها أو يلوح من التعارض بينها وبين غيرها من القواعد القانونية . أما التفسير القانوني للنصوص فيعني تبيين معنى القاعدة القانونية المتضمنة في نص مكتوب، وتحديد المعنى الذي تتضمنه القاعدة القانونية وتبيين نطاقها حتى يمكن مطابقتها على الظروف الواقعية التي يثار بصددها تطبيق هذه القاعدة وهو أيضًا الاستدلال على الحكم القانوني وعلى الحالة النموذجية التي وضع لها هذا الحكم من واقع الألفاظ التي عبر بها الشارع عن ذلك. هناك دائما مفهومان للتفسير القانوني للنصوص يمكن أن نلخصهما بما يلي:

المفهوم الضيق للتفسير القانوني:

يقصد بالمفهوم الضيق إزالة غموض النص وتوضيح ما أبهم من أحكامه وهنا لا يقع التفسير إلا في حالة غموض النص ولا شأن للتفسير بنقص النصوص أو قصورها أو تعارض أجزاء القانون لأن هذه الأمور من اختصاص الشارع لا المُفسر.

المفهوم الواسع للتفسير القانوني

و يقصد به توضيح ما غمض من ألفاظ النصوص القانونية وتقويم عيوبها واستكمال ما نقص من أحكام القانون والتوفيق بين أجزائه المتعارضة وتكييفه على نحو يواكب متطلبات المجتمع وروح العصر.

وبالتالي يمكن أن يشمل التفسير المعاني التالية:

- التفسير عملية ذهنية تهدف إلى استخراج النص أو المضمون الحقيقي لقاعدة معينة.

- التفسير يعني وجود اصطلاح مطلوب اكتشاف واستخراج المحتوى الذي يتضمنه .

- التفسير يقتضي وجود سلطة عامة تضطلع عليه وكذلك وجود حكم غامض ومبهم يتطلب التفسير.

مجال التفسير القانوني للنصوص:

التفسير لا يرد إلا على التشريع المكتوب وتعد تعد الكتابة شرطا لقيامه والمقصود بالتشريع جميع القواعد والنصوص القانونية الصادرة عن سلطة الدولة. وإلى جانب التشريع نجد العرف والمبادئ العامة للقانون وغيرها حيث أجمع الفقهاء على عدم إخضاعها للتفسير لأن القاضي يتعمد التأكد من وجود العرف فقط ويتعلق في هذه الحالة بمسألة الإثبات لا غير . ويُتوصل إلى المبادئ العامة للقانون عن طريق الاجتهاد مما يجعلها في غنى عن تفسيرها.

أسباب ودواعي التفسير القانوني للنصوص:

هناك أسباب عديدة تدفع إلى التفسير القانوني للنصوص يمكن أن نلخصها بما يلي:

الأسباب الذاتية الداخلية:

1- الخطأ المادي أو المعنوي: وهو كل تشويه مادي أو معنوي لصياغة النص بحيث لا يستقيم النص إلا بتصحيح هذا الخطأ.

2 - الغموض أو الإبهام: ويقصد به عدم وضوح عبارات النص بحيث يجعله يحتمل أكثر من معنى. ودور المفسر في هذه الحالة اختيار المعنى الأكثر صحة والأقرب إلى الصواب من بين باقي المعاني الأخرى، وكمثال على الغموض الذي قد يشوب النص القانوني مصطلح " الليل" الذي قد يحمل في طياته معاني متعددة مثل السرقة ليلا أو فتيات الليل أو الغموض أو الظلام وفي اللغة العامية يعني الليل إما تخييم الظلام أو الفترة الممتدة بين غروب الشمس وشروقها من منظور علم الفلك .

3 - النقص والسكوت: لا يمكن أن يتسم النص القانوني بالنقصان إلا إذا كانت عباراته خالية من بعض الألفاظ التي لا يستقيم الحكم إلا بها أو بعبارة أخرى هو كل ما يصيب النص أو النظام القانوني من ثغرات أو فراغات غير مملوءة. لاحظ النص القانوني التالي وتمعن فيه " لا جناية ولا جنحة ولا مخالفة إذا كان الفعل قد أوجبه القانون وأمرت به السلطة الشرعية ."

وعند فهم هذا النص يتضح أن الشارع قد اشترط لاعتبار الفعل مبررا قانونا لابد من توافر شرطين أساسيين هما: أن يكون الفعل قد أوجبه القانون وأمرت به السلطة الشرعية وباعتماد الواو بدل " أو" في متن النص "… وأمرت به السلطة الشرعية" يكون الشارع قد ألزم توافر الشرطين لا أحدهما فقط .

4 - التناقض والتعارض: ويتحقق هذا السبب في الحالة التي يكون فيها الحكم الدال عليه النص الأول يخالف الحكم الذي يمكن استنتاجه من النص الثاني وإذا لم يكن بالإمكان التوفيق بين النصين وتطبيقهما معا يعتبر النص المتأخر ناسخا للمتقدم. ويمكن أن نصادف هذه الحالة عندما يكون لدينا قاعدتين متناقضتين في معانيهما، ومثال ذلك ما جاء في الدستور الفرنسي عندما وجد القاضي نفسه في قضية الحجاب الإسلامي بين الحرية الدينية والعلمانية كمبدأين لهما قيمة دستورية.

الأسباب الموضوعية الخارجية: يمكن إجمال هذه الأسباب في الانتفاض ضد الشكل وتغير وظيفة القانون وتضخم في أدوار أجهزة الدولة بالإضافة إلى الأدوار الحقوقية للقاضي .

1- الانتفاض ضد الشكل:هذه الظاهرة التي تم الاعتماد عليها في مجال القانون شكلت عدة مدارس ومناهج جديدة، وما ميز الأخيرة هو تنكرها للطبيعة الخيالية للتصور الموروث من التقاليد الجوستينية التي كانت تنظر إلى القاضي على أنه مجرد ناقل ينطق كلمات القانون أي أنه يعتمد فقط المنهجية الاستنباطية دون إدخال أي جديد من تقييمه الشخصي . وعلى العكس من ذلك، فإن عملية الاختيار التي يمارسها القاضي بشأن البدائل المعروضة أمامه يعني ممارسة سلطة تقديرية وهذا لا يقتضي فقط أخذ الحجج المنطقية المجردة بعين الاعتبار وإنما الأخذ بعين الاعتبار جميع الحالات والمجالات .

2- تغير وظيفة القانون: يعود سبب ذلك إلى تنامي دور التفسير المتغير الذي طرأ على دور ووظيفة القانون والدولة فبتدخلها في جميع المجالات جعلها بحاجة لأجهزة قادرة على إكمال تدخل القانون وإعطائها فعالية عملية أكبر. فالقوانين التي تصدر الدولة لم تعد تتخذ طابع الحياد بل أصبحت تطمح إلى تغيير المجتمع وبذلك صارت القوانين تحمل عناصر سياسة الدولة في داخلها . هذا المتغير زاد من السلطة التفسيرية للقانون وقاد إلى وضع قوانين جديدة وزاد أيضا من اتساع الهامش المتروك للسلطة التقديرية لهؤلاء.

3 - تضخم أدوار أجهزة الدولة: إن التغيرات التي طرأت على أجهزة الدولة سببت في تضخمها وصيرتها عاجزة عن مسايرة التطورات العالمية فالكثير من القوانين صارت إما متأخرة أو باتت غير فعالة وأحيانا معاكسة للأهداف الاجتماعية التي يفترض أنها تسعى إلى تحقيقها وقد سبب الكثير من القوانين في حدوث الخلط والغموض وفقد الاعتبار والإهمال لها. يضاف إلى ذلك فقدان الثقة في هذه الأجهزة مما قد يؤدي إلى مخاطر الاستبداد ضد المواطن نظرا للتدخل الواسع للإدارة في شؤون الناس وزيادة الأعباء والضرائب وتكرارها وعدم منطقيتها .و بسبب قصور الجهازين التشريعي والتنفيذي بات هناك دور جديد على كاهل القضاء يشكل تحديا من أجل صد النزوع التحكمي للإدارة والميل نحو التسلط وهو الدور الذي أصبح يعول عليه في ظل هذه المتغيرات الجديدة.

4 - الأدوار الحقوقية للقاضي: وهو من الظواهر الجديدة التي طفت على الساحة الدولية وأصبحت تفتح آفاقا جديدة لتنشيط آلية التفسير حيث أدى إلى انتشار ما أضحى يطلق عليه بحقوق الإنسان التي انتشرت في دول العالم قاطبة والتي ضمنت دساتيرها نصوصا تتعلق بهذه الحقوق. يتضح لنا من كل هذه المتغيرات الجديدة أن الأنظمة السياسية والقانونية للدول تتجه وبشكل سريع نحو إلقاء مهام جديدة ومتنامية على القضاء مما يقود بشكل تلقائي إلى اللجوء إلى الأدوات والمناهج المتعلقة بتفسير النصوص القانونية.

مناهج التفسير القانوني للنصوص:

يعتمد التفسير القانوني للنصوص مناهج كثيرة يمكن أن نلخصها بما يلي:

يعتمد التفسير طرقا متعددة ومتنوعة ميز الفقه فيها بين وسائل وطرق داخلية وأخرى خارجية.

1- التفسير اللفظي: وهو تفسير النصوص اعتمادا على المعاني اللغوية والاصطلاحية لألفاظ النص القانوني بغية الوقوف والكشف عن قصد الشارع .

2- الاستنتاج بطريق القياس: وهو تطبيق حكم وارد في حالة معينة على حالة أخرى مشابهة لم يرد في حكمها نص قانوني . حيث يُعتمد على الحديث النبوي الشريف في تفسير النصوص القانونية خاصة وأن الشريعة الإسلامية هي أحد المصادر القانونية الرئيسية الذي ينص على أن قاتل مورثه لا يرث منه ويمكن الاستنتاج أن الموصى له إذا قتل من أوصى له فإنه لا يستحق الوصية منه وذلك لاتحاد العلة في الحالتين وهي القتل .

وللقياس شروط يمكن إجمالها بما يلي:

- عدم وجود حكم مقرر بنص لفظا وروحا.

- وجود أوجه للشبه للعناصر الأساسية بين الحالة المنظمة والحالة التي لا يوجد فيها حكم تشريعي.

- ألا يكون الحكم المقرر تشريعا قد ورد على سبيل الاستثناء لأن الاستثناء لا يقاس عليه.

- ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يقاس عليه.

- لا يجوز اللجوء إلى القياس بالنسبة للجرائم والعقوبات.

3- الاستنتاج بمفهوم المخالفة: ويكون بتطبيق ومنح واقعة غير منصوص عليها في القانون عكس الحكم الذي أعطي لواقعة منصوص عليها فيه لوجود اختلاف في العلة أو لانتفاء شرط من الشروط المعتبرة في الحكم. ومثاله أن يشترط نص لمزاولة مهنة ما الحصول على إذن إداري بذلك فإن مفهوم المخالفة يقتضي إبطال مزاولة المهنة المشار إليها في غياب الترخيص الإداري.

4- الاستنتاج من باب أولى: وهو تطبيق حكم وارد في حالة معينة على حالة أخرى لم يرد في حكمها نص لا لأن علة الحكم الوارد في الحالة الأولى أو سببه متوفران في الحالة الثانية فحسب كما هو الحال بالنسبة للاستنتاج بطريق القياس. ولكن لأنهما أكثر توافرا في هذه الحالة منهما في الحالة الأولى ومثال ذلك قوله تعالى في حسن معاملة الوالدين: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} ويستنتج من ذلك عدم ضربهما من باب أولى. ومثاله كذلك تحريم الخمر الذي لما له من أضرار على الإنسان ومن ثم فمن باب أولى تحريم المخدرات الأكثر فتكا بجسم الإنسان وهكذا دواليك .

5- حكمة التشريع: وهي تحري الغاية النهائية التي يقصدها المشرع من وضع التشريع كدعم الاقتصاد ورعاية الفئات الضعيفة ومنفعة قطاع معين من قطاعات الإنتاج كالزراعة وحماية الأقليات والحفاظ على أمن المجتمع. مثال: ما المقصود بلفظة "الليل" كظرف مشدد في القانون الجنائي: الظلام الفلكي أم الظلام الفعلي؟ حكمة التشريع تدعو إلى الاعتداد بالظلام الفلكي الذي يسكن فيه الناس ويسترخون.

6- الأعمال التحضيرية: وهي مجموعة المذكرات التفسيرية ومناقشات المجالس التشريعية ومحاضر جلسات هذه المجالس وأعمال اللجان التي تقترن عادة بالتشريعات عند تحضيرها وهذه الوثائق تفيد المفسر لمعرفة قصد المشرع الحقيقي عند وضع النص ويجب التنبيه إلى أن هذه الأعمال قد لا تعبر عن وجهة المشرع تعبيرا حقيقيا ولذا فان الرجوع إليها يكون على سبيل الاستئناس .

3- المصادر التاريخية: في حالة غموض النص الوضعي المحلي على المفسر الرجوع إلى القانون الأجنبي الذي يمثل الأصل التاريخي الذي استقي منه النص الوضعي المحلي . ومثال ذلك القانون السوري واللبناني التي تم استقاؤها من الشريعة الإسلامية والقوانين المصرية والقوانين الفرنسية . يمكن القول بأن التفسير هو عملية كشف وبيان لمقاصد الشارع من سن القاعدة القانونية واستكمال ما شابها من نقص وعيب والتوفيق بين ما تعارض من أحكامها وبين هذه الأخيرة وأحكام النصوص الأخرى .

مدارس التفسير القانوني للنصوص:

ينقسم التفسير إلى أنواع كثيرة يمكن أن نركز على ثلاثة أنواع هي

التفسير التشريعي: وهو الذي يصدر من الشارع على شكل نص لاحق لإزالة غموض أو سد نقص في قانون اختلف في تفسيره وأثير التناقض في أمر تطبيقه ويسري بأثر رجعي على الوقائع القائمة في ظل القانون المفسر والتي لم تصدر بشأنها الأحكام على ألا يتضمن أحكاما جديدة لم يتضمنها القانون المفسر. فإن تضمنها فإنها تسري للمستقبل فقط . ويعتبر التفسير التشريعي استثناء من الأصل إذ يفترض في النص التشريعي عند وضعه وضوح معانيه بما تنتفي معه الحاجة إلى تدخل تشريعي لاحق لتفسير النص وهو ملزم لكافة مؤسسات الدولة ومواطنيها ورعاياها بما في ذلك القضاة بحكم كونه نصا تشريعيا.

التفسير القضائي: هو تأويل القاضي للنص القانوني عند تطبيق أحكامه على القضايا المعروضة عليه ويواجه القاضي بحكم وظيفته غموض التشريع ونقصه وعيوبه ومن ثم يعمل على استنباط الأحكام للوقائع لسد النقص ورفع العيوب من النصوص. وبما أن القضاء يواجه وقائع الحياة المتجددة ويتميز تفسيره للقانون بالطابع العملي فإنه وعبر التاريخ كان عاملا مهما من عوامل تطوير القانون بل إنه اعتبر مصدرا من مصادر القانون. وللتفسير القضائي عدة خصائص تجعله متميزا عن باقي أنواع التفسير الأخرى في أنه تفسير عملي وذو طبيعة واقعية حيث يباشر القاضي تفسير القانون بمناسبة تطبيقه للقانون على القضايا الواقعية المعروضة عليه مما يدفعه إلى الملاءمة في تفسيره للنص بين الجانب النظري للنص والجانب الواقعي للنزاع. ويتميز أيضا بأنه لا يتمتع بأية صفة إلزامية إلا بالنسبة للواقعة التي صدر من أجلها ويترتب على ذلك جواز مخالفته وتبني تفسير مغاير له في القضايا الأخرى المشابهة. كما يتميز بأن القاضي المفسر ملتزم بالتقيد بالحدود التي رسمها له القانون ولا يجوز له الخروج عنها ولا يجوز أن يمتنع عن التفسير وإلا اعتبر متنكرا للعدالة .

التفسير الفقهي: هو التفسير الذي يباشره رجال القانون في مؤلفاتهم وهؤلاء هم أساتذة الجامعات وكبار المحامين والقضاة حين يتناولون فيها نصوص التشريع بالتحليل بقصد الكشف عن معانيها وما تشتمله من أحكام وهو مرجع لا غنى عنه للقاضي في تطبيقه للقانون على المنازعات وكذلك بالنسبة للمشرع الذي يلجأ إليه أحيانا لتعديل النصوص وفق ما استقر عليه الفقه . ولا يرتبط التفسير الفقهي بنزاع واقعي فهو غاية في حد ذاته بعكس التفسير القضائي المرتبط بواقعة معينة.

ويعد التحليل الفقهي للنصوص التشريعية عاملا مساعدا في توضيح أحكام القانون وبيان أوجه القصور فيه مما يؤدي إلى تبني تلك التفسيرات الفقهية فيما بعد على شكل نصوص قانونية ملزمة. ويبحث التفسير الفقهي في الأصول والمصادر مثل وضع التعريفات القانونية وتحليل شروط تطبيق نص معين أو وضعها في حالة خلو التشريع منها صراحة وكذلك البحث في أركان وعناصر الوقائع المادية مثل أركان العقد وأركان الجريمة أو انتقاد النصوص القائمة واقتراح البدائل الملائمة.

بعض القواعد الفقهية التفسيرية

لا يمكن حصر القواعد الفقهية التفسيرية نظرا لكثرتها وتنوعها واختلافها من بلد لآخر ومن منطقة لأخرى . نورد فيما يلي بعضا منها:

- الجهل بأحكام الشريعة ليس عذرا.

- الاستثناء لا يقاس عليه ولا يتوسع في تفسيره .

- ما ثبت بنص أمر يقدّم على ما وجب بالشرط.

- ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب .

- الحكم يدور مع علته وجودا وعدما .

- المثليات لا تهلك .

- اليقين لا يزول بالشك .

- الأصل بقاء ما كان على ما كان .

- الأصل براءة الذمة .

- الأصل في الصفات العارضة العد.

- ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه .

- الأصل إضافة الحادث إلى اقرب أوقاته.

- ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يقاس عليه .

- لا ضرر ولا ضرار .

- الضرر يزال .

- الضرورات تبيح المحظورات .

- درء المفاسد أولى من جلب المنافع.

- الاضطرار لا يبطل حق الغير.

- العادة حكمة عامة كانت أم خاصة

- الحقيقة بدلالة العادة .

- استعمال الناس حجة يجب العمل بها.

- الممتنع عادة كالممتنع حقيقة .

- العبرة للغالب الشائع لا النادر

- المعروف عرفا كالمشروط شرطا.

- التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.

- إذا تعارض المانع والمقتضي يقدم المانع.

- التابع تابع ولا يفرد بالحكم .

- إذا سقط الأصل سقط الفرع.

- الساقط لا يعود كما أن المعدوم لا يعود.

- إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه .

- إذا بطل الأصل يصار إلى البدل.

- التصرف على الرعية منوط بالمصلحة .

- السؤال معاد في الجواب .

- لا عبرة للتوهم .

- لا عبرة بالظن البيّن خطؤه.

- الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان .

- المرء ملزم بإقراره.

- قد يثبت الفرع مع عدم ثبوت الأصل.

- الظاهر يصلح حجة للدفع لا للاستحقاق.

- الخارج بالضمان .

- الغرم بالغنم.

- الأمر بالتصرف في ملك الغير باطل.

- من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.

- من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه

- طالب الولاية لا يولى .

مدارس التفسير القانوني للنصوص:

هناك مدارس كثيرة للتفسير يمكن تلخيصها بما يلي:

مدرسة الشرح على المتون: ظهرت هذه المدرسة في فرنسا في مطلع القرن التاسع عشر، حيث بدأ المفسرون ينظرون إلى القوانين نظرة القداسة ويعتبرونها كاملة مشتملة على كل القانون فقصروا اهتمامهم على دراسة نصوصها متنا تلو الآخر وتقيدوا في شرح القانون وعرض موضوعاته المختلفة بترتيب نصوص القانون وأرقام مواده. فإذا كان النص واضحا في صياغته ولا غموض في معناه يستدل على الإرادة الحقيقية من واقع النص ذاته ومعاني ألفاظه ومفرداته مع إعمال قواعد اللغة مما يكاد يقتصر معه دور المفسر على التطبيق الآلي للنص إذ كما يقولون "لا اجتهاد في مورد النص ". وإذا لم يوجد نص لحالة معينة، وجب البحث عن الإرادة المفترضة للشارع فيما يتعلق بهذه الحالة وقت وضع التشريع، أي إرادته التي نفترض أنه كان يقول بها وقت وضع التشريع لو أنه أراد وضع قاعدة للمسألة المعروضة والتي لم يوضع لها نص ينظمها. وتتمثل مزايا هذه المدرسة في أنه يمنع تحكم القضاة ويكفل استقرار ومعنى التشريع وثباته إلا أنه يعاب عليه أنه يؤدي إلى جمود القانون وعرقلة تطوره وحصره في نطاق إرادة الشارع وقت وضع النصوص.

المدرسة التاريخية: ظهرت هذه المدرسة في كل من ألمانيا وفرنسا ثم بدأ إشعاعها ينتشر في بقية أنحاء العالم بدرجات مختلفة ويعتمد مذهب هذه المدرسة في مجال التفسير بحتمية عدم التقيد بحرفية وجمود النصوص القانونية بل لابد من تفسير القانون في المحيط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتاريخي العام لوقت سن ووضع التشريعات القانونية فالشارع قد يتأثر ويتبادل ويتفاعل حتمياً بمعطيات وحوادث الواقع الاجتماعي . ويمتاز هذا المذهب بالواقعية والمنهجية العلمية والموضوعية والدقة في التفسير السليم والحقيقي للقانون . يعاب على هذه المدرسة أنه فتح مجالاً واسعاً للقاضي أو الفقيه للخروج عن إرادة الشارع الحقيقية تحت حجة تفسير القانون وفقاً لمعطيات اجتماعية جديدة وكان مصيرها مثل مصير الإرادة المفترضة التي نادى بها أصحاب مدرسة الشرح على المتون.

المدرسة العلمية: تقوم هذه المدرسة على أنه متى كانت إرادة الشارع واضحة لم يصح تأويل القانون أو تحويره أما إذا وجدت مشاكل لم يعالجها الشارع لسد فراغ تشريعي أو غموض فيجب البحث عن أفضل حل بانتهاج طريق علمي حر ويلزم في سبيل ذلك التقصي عن التفسير في مصادر القانون، فإن عدمت هي أيضا وجب أن يتقلد المفسر دور الشارع ويصوغ القاعدة التي تتطلبها الحقائق الواقعية والتاريخية والعقلية والمثالية.

انتشار ظاهرة التفسير القانوني للنصوص ليس دليل عافية في التشريع بل دليل على افتقار النصوص القانونية للشمولية والإحاطة في حاجة المواطن في أي بلد من البلدان . ومتى انتشر التفسير والشرح انتشرت مدافع الفقهاء في كل المجالات وحل الظلم والمصلحة الخاصة والفساد محل العدل والمصلحة العامة .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

......................

المراجع

https://www.droitetentreprise.com

مدخل إلى القانون، د حمود غزال، منشورات جامعة تشرين، 2014

تنمية المهارات القانونية والإدارية، د مجدي شعيب، مركز الأعمال الأوروبي للدراسات والتدريب، دمشق، 2005 .

 

جواد بشارةفرضية ريمان هي إحدى سبع مشاكل عويصة يتعذر حلها في الرياضيات من أكثر من قرن. وهذه المعادلة التي نشرها بيرنهارد ريمان Bernhard Riemann (1826–1866) سنة 1859 هي من الغرابة والصعوبة بمكان جعلت البعض من العلماء يطلق عليها مازحاً صفة " معادلة الله l’équation Dieu" أو الشفرة السرية للكون المرئي le code secret de l’univers، وتقترن بها أيضاً دالة زيتا لريمان fonction zêta de Riemann .  ولقد حاول فطاحل علماء الرياضيات وعلماء الكونيات وعلماء الفلك متضافرين حلها ولم ينجح أحد في ذلك لغاية اليوم والظريف أن مؤسسة كلي للرياضيات la Fondation Clay pour les mathématiques رصدت جائزة مليون دولار لمن يحلها. ومن المؤكد أن حلها من شأنه أن يجعلنا أن نفهم حقيقة الكون المرئي وربما الجواب العلمي القاطع عن وجود أو عدم وجود " الله" فهي أعقد وأكبر من أن تعرف.

1042 شفرة الخلق

وبهذا الصدد تحضرني حادثة تاريخية في التراث الإسلامي تقول أن الإمام علي مر بالقرب من شخص يصلي وفي تكبيرة الآذان يردد الله أكبر من كل شيء، فرد عليه الإمام علي ويحك لقد شيئته وهذا كفر فقولك الله أكبر من كل شيء يعني أن هناك أشياء والله أكبر منها فهو إذن شيء أكبر من الأشياء، فعقب المصلي وماذا أقول يا أمير المؤمنين، رد الإمام علي قل الله أكبر من أن يعرف ـــ بضم العين ــ فكل شيء محسوب بدقة في الكون المرئي لا مكان للصدفة في وجود هذا الكون كما يقول رجال الدين، وأن هناك شيء ما قبل البغ بانغ الانفجار العظيم الذي عد بمثابة البداية العلمية للكون المرئي وإن هذا الـــ " شيء ما" قد يكون معادلة رياضياتية على شكل معلومة حاسوبية أو كود سري " شفرة سرية" تختزن كل ما هو موجود في الكون المرئي المادي قبل انبثاقه مادياً وهذه الشيفرة تتواجد وراء جدار بلانك. فحسب نظرية التعاقب الكوني يصل الكون إلى مرحلة من التوسع يتوقف عندها ومن ثم يبدأ بالانكماش والتقلص إلى النقطة التي انطلق منها والتي تعرف بالفرادة الكونية ومن ثم يبدأ عندها الانفجار العظيم، وهذا دواليك، وبالتالي تتضمن الفرادة المعلومة الحاسوبية الكاملة عن الكون السابق بكل حساباته ومقاييسه وثوابته وقوانينه ومعادلاته لكنها مشفرة في كود سري، وبهذا الصدد كان العالم الفيزيائي هانز باغيل Heinz Pagels قد صرح " أعتقد بأن الكون المرئي عبارة عن رسالة مشفرة، أي كود سري أو شيفرة سرية وإن عمل العلماء يتخلص بفك أسرار هذه الشيفرة". فهي الشيفرة المصدر le code-source لكل ما هو موجود مادياً من اللامتناهي في الصغر إلى اللامتناهي في الكبر. فالرياضيات هي التي ستوصلنا إلى الشيفرة الخفية والمصدر اللغزي للكون المرئي. ولقد علق ريمان على ذلك قائلاً " لو أمتلكت ناصية كافة النظريات والفرضيات لكان بإمكاني ربما ببساطة أن أكتشف الأدلة والبراهين والإثباتات بشأن الحقيقة " أي حقيقة الله وحقيقة الكون المرئي. فدالة زيتا هي التي قد تقودنا إلى فرضية الله ومعرفة ما إذا كانت الفرضية لازمة وحتمية أم زائدة.

للخروج من مأزق التناقضات والمفارقات والألغاز التي تحيط بالكون المرئي، وفي نفس الوقت بمفهوم الإله الخالق لهذا الكون المرئي، ينبغي إيجاد الصيغة البديلة المقبولة علمياً ودينياً.

ومن أبرز تلك المفارقات موضوع الصفات . فإله الأديان هو كائن حي عاقل يوصف عادة بأنه كلي المعرفة وكلي القدرة وكلي العلم ويتمتع بالكمال. وكان موضوع الصفات متداولاً بين رجال الدين والفلاسفة في الماضي منذ نشأة الأديان التوحيدية السماوية وموضوعاً للسجالات الكلامية والفلسفية بينهم، فلو كان كلي القدرة فهل بوسعه خلق شيء أثقل من أن يتمكن هو نفسه رفعه؟ وهل كان مرغماً على خلق الكون رغم معرفته المسبقة بعدم كمالية هذا الكون؟ وماذا كان يفعل قبل خلق الكون؟ وإذا كان يعلم بكل شيء في الوجود قبل خلقه وحاضره ومستقبله فلماذا لم يتجنب السلبيات فيه وهي لا تعد ولا تحصى؟ وهل عملية الخلق تمت وفق السيناريو الديني الذي نصت عليه النصوص والكتب المقدسة لا سيما في سفر التكوين أي خلق العالم في ستة أيام، أو بطريقة كن فيكون لحظياً؟ وهو الأمر الذي يتعارض كلياً مع السيناريو العلمي المتعارف عليه عن نشأة الكون المرئي قبل 13.828 مليار سنة إثر حدوث الإنفجار العظيم البغ بانغ؟ وهل الله الديني يتجسد في كينونة مادية كما تقول المسيحية؟ وهل يمتلك مشاعر الشهوة والحقد والغيرة والانتقام والمكر والخوف والإحباط والخيبة واليأس وهي صفات بشرية بالأساس؟ وماهو جنس الله، هل هو ذكر أم أنثى؟ وهل سيرى الناس الله يوم القيامة؟ وهناك أسئلة جوهرية أخرى كثيرة من قبيل كيف ولماذا وأين ومتى، خلق الله الكون، ولم يجد لها البشر أجوبة شافية ووافية وقاطعة ومقنعة وناجعة؟.

نفس التساؤلات والمفارقات والتناقضات تحوم حول الكون ذاتي النشأة وغير المخلوق، من قبيل: من أين جاءت قوانينه وثوابته وقياساته وذلك التنظيم الهائل والدقيق في مكوناته؟ وما سبب حدوث الانفجار العظيم ؟

سبق للمتصوفة في الدين اليهودي الكابالا، وفي الإسلام أيضاً، أن تحدثوا عن " وحدة الوجود" والتي يمكن استلهامها علمياً إذا اعتبرنا أن الوجود برمته هو الموجود الوحيد ولا شيء غيره موجود، وهو المطلق الوحيدة وكل شيء آخر نسبي. والمقصود بالوجود هنا الكون المطلق المكون من عدد لانهائي من الأكوان ومن بينها كوننا المرئي، حسب أطروحة تعدد الأكوان. وكل كون جزئي فيه، في حالة تجدد وتعاقب في وجوده، بين الانفجار العظيم والانكماش العظيم، وفي حركة دائبة ودائمة. وتلك الأكوان اللامتناهية تشكل نسيج الكون المطلق الذي ليس له بداية ولا نهاية، أزلي، أبدي، سرمدي، لا متناهي في أبعاده، لم يخلقه أحد ولم يخلق أحداً وكل ما هو موجود جزء منه كمثل مكونات وخلايا الجسد البشري حيث لكل مكون وظيفة معينة ومحددة لكي تبقي جسد الإنسان حياً متعافياً وفي حالة تطور دائم يسعى نحو الكمال والتسامي، لأن الكل المطلق حي متسامي، وهي نفس الصفات التي تطلقها الأديان على الله وبالتالي تكون المعادلة أن الكون المطلق هو الله ولكنه لا يقوم بأفعال وتصرفات أضفتها عليه الأديان كالعقاب والثواب والجنة والنار ويوم الحساب أو القيامة والتدخل في شؤون الكائنات في كل صغيرة وكبيرة. فكل الأكوان المرئية والخفية، وبكل ما فيها من مكونات وجسيمات هي خلايا وجسيمات ومكونات أولية لوجوده إذ هو الموجود الوحيد وهو الوجود الذي نحن جزء منه، وهذا ما قصده الحلاج الشهيد عندما صرخ " أنا الحق" .

 

د. جواد بشارة

 

 

جواد بشارةكثيرا ما نسمع رجال الدين يدينون ويعاقبون أشخاصاً بتهمة المس بالذات الإلهية، وعندما يوجه لهم سؤال، ما هي الذات الإلهية؟ وهل الله ذات؟ وهل الله كينونة؟ يعجزون عن الإجابة.

تصدى الكثير من علماء الدين والثيولوجيين والفلاسفة لمناقشة مفهوم" الله" ودخلوا في سجالات حادة ومعارك حامية مع " الملحدين" لدحض أطروحاتهم عن غياب الدليل القاطع عن وجود " الله" وإثباته علمياً وليس فقط من خلال المراوغات الكلامية والتلاعب بالمنطق إلا أن أياً من الخصمين لم ينجح في إثبات نظريته وأطروحته، لا في النفي ولا في الإثبات.

في سنة 1963 نشر العالم الفيزيائي الشهير بول ديراك Paul Dirac نصاً قال فيه: أن الله عالم رياضيات من الطراز الأول واستخدم الرياضيات المتقدمة جداً لكي يبني على أساسها الكون المرئي، ووافق على إن الطبيعة صيغت بلغة الرياضيات كما قال غاليلو غاليله". ومن هنا خرجت " فرضية اللهl’hypothèse Dieu " و" معادلة الله l’équation Dieu" كعلة أولى وسبب أول للتكوين. وهذا يحيلنا لحدث مشهور يعود لسنة 1805 عندما قدم العالم الفرنسي بيير سيمون لابلاس pierre simon de laplace لنابليون الأول المجلد الرابع من دراسته العلمية المعنونة " بحث في الميكانيك السماوي Traité de mécanique céleste، التي أعجب بها الإمبراطور لكنه أردف معلقاً:" أيها العالم الجليل لقد شرحت كل شيء عن الكون لكنني لم أر مكاناً أو دوراً لــ "الله" الخالق، أجاب لابلاس بأدب:" سيدي الله مجرد فرضية لست بحاجة إليها". فلماذا لايكون الله مجرد فرضية رياضياتية؟ أو معادلة رياضياتية فحسب؟ أو حتى مجرد معلومة حاسوبية رقمية بصيغة معادلة كونية تفسر وجود الكون المرئي؟

لم يكن تناول موضع الله والربوبية وماهية الإله في العصور الأولى للأديان السماوية ممنوعاً أو محرماً ففي الإسلام على سبيل المثال لا الحصر، تعرض علم الكلام لهذه المسائل الحساسة بحرية وجرأة، مثل التجسيد والتشبيه والغضب والكره والانتقام والمكر وغيرها من الصفات التي أضفيت على الله في نصوص دينية وردت في القرآن والأحاديث النبوية وكذلك في كتب الأديان السماوية الأخرى كاليهودية والمسيحية، كانت تناقش وتفسر وتأول من قبل علماء الدين والفلاسفة المتدينين، وكذلك إشكالية التقديس ونفي الصفات والاتجاهات فالله لدى الكثير من علماء الكلام منزه عن الاختصاص بالجهات والإتصاف بصفات المحدثات كالتحول والانتقال والقيام والقعود أو الجلوس، مثل نص "ثم استوى على العرش"، أو نفي الشيئية عنه، كما في نص" وليس كمثله شيء" فكل من زعم أن " الله في شيء أو من شيء أو على شيء فقد أشرك" كما قال الإمام جعفر الصادق. أما الإمام علي فقال" إن ربي لا يوصف بالبعد وهو قريب ولا بالحركة وبقيام ولا انتصاب ولا مجيء ولا ذهاب " فالله في هذه لنصوص لا يحدد بمكان ولا بزمان ولا بهيئة ولا بصفة ولا بمقارنة ولا بحدوث، فهو ليس له وجه ويدين وفوقية ونزول وحركة وانتقال وتجسد . فالموضوعات الإلهية كانت متداولة وتناقش بحرية لارتباطها بمسألة حدوث العالم وخلقه والكون ومنشأه وأصله ومصيره وبالتالي نفي صفة القدم والأزلية عن الكون . فالقديم الذي لم يزل والمتقدم في الوجود على غيره من الموجودات ليس سوى موجد الوجود كما يقول المتصوفة.فالله عند بعض المتكلمين " جوهر substance" وليس " جسم أو كينونة" فلهذا الأخير حيز هو المكان والله لا يحده مكان . يقسم الفارابي الموجودات على نوعين: ممكنة الوجود وواجبة الوجود . فالأول يرتبط وجوده بغيره والثاني يكون وجوده بذاته، وهنا تبرز المعضلة: هل الله ذات وماهي الذات الإلهية؟ وهل الله كله خير؟ وبالتالي ما هو منشأ الشر؟ إذ قيل إنه " الشيطان" فهذا الأخير مخلوق من قبل الله وبالتالي فإن الله هو من غرز فيه نزعة الشر أي إن الله هو المسؤول عن الشر إن لم يكن مصدره المباشر.

كان طرح سؤال: هل الله موجود" مسموحاً به في بدايات الدعوات الدينية، وكان الأنبياء يواجهون تحدي إثبات وجود إلههم الذي يتلقون منه الوحي، لكنه غدا جريمة لا تغتفر على مر التاريخ ومن يطرحه يستحق الموت وبأبشع الطرق وأكثر قسوة ووحشية تنفها المؤسسات الدينية أو السياسية التابعة لها ضد من يتجرأ على طرحه.

الله: بورتريه تجريدية

لقد شوهت عبارة الله أكبر وأصبحت كناية للرعب والجريمة والعنف والإرهاب والوحشية والبطش والقتل بإسم الله الذي أورد في نصوصه المقدسة للأديان التنزيلية السماوية آيات في القتل والتدمير والإبادة والعنف، ولكن هل صحيح أن تلك النصوص تنطق عن الله وهو الذي أرسلها ؟ النصوص الدينية تعمل، من حيث وعت أم لم تع ذلك، على تجسيد وشخصنة الله وتشبيهه بالبشر على اعتبار أنه خلقهم على صورته، فهو مثلهم يغار ويغضب ويفرح ويغضب وينتقم ويعطف ويسامح ويعفو ويكافيء وبيده العقاب والثواب.

فمن هو هذا الله؟ ما هي صفاته؟ ما هي طبيعته؟ ما هي ماهيته؟ ما هو جوهره؟ ما هو دوره؟ هل هو كينونة موجودة في المكان والزمان، أم خارج الزمان والمكان؟ أين يتواجد، وهل هو موجود حقاً؟ متى ظهرت فكرة الإلوهية ولماذا ؟ من الذي ابتكر فكرة الإله الواحد، الأعلى المتسامي الخالق الخالد القادر على كل شيء؟ هل هم اليهود؟ هل هو مذكر أم مؤنث؟ هل يعلم كل ما كان ويكون وسيكون؟ أي يحيط بعلمه الماضي مهما قدم، والحاضر والمستقبل مهما بعد؟ هل إله اليهود والمسيحيين والمسلمين هو نفس الإله وإن اختلفت التسمية؟ ما علاقة إله الأديان التوحيدية بمجمع الآلهة القديمة في عصر الحضارات الأولى السومرية والأكدية والآشورية والبابلية، والفرعونية والإغريقية والهندية والصينية والفارسية؟ من كتب الكتب والنصوص المقدسة التي تحدث عن يهوه والإلوهيم والرب ذو الأقانيم الثلاثة والله الإسلامي؟ ماهي الأوصاف التي أسبغتها الأديان على الله وأسبغتها الفلسفة الربوبية وأخيراً العلم؟ الخ... هناك أسئلة لا تنتهي بخصوص الإله (الله) المطلق الذي أوجد الوجود وعبرت عنه نظرية وحدة الوجود الصوفية. في الحقيقة هناك شبه استحالة للإجابة على أي من هذه الأسئلة على نحو قاطع ومثبت ومبرهن لا يمكن دحضها. فــ " الله" لغز غامض حتى لمن يؤمن به، فما بالك بمن ينكر وجوده.

ظهر الإله Dieu متأخراً في تاريخ البشرية . فالإنسان الموجود على الأرض منذ عدة ملايين من السنين لم يكن يمتلك فكرة واضحة ودقيقة عن شيء أو كينونة تدعى " الله أو الرب أو الخالق" ومن الناحية العلمية تشير التنقيبات الأثرية الآركيولوجية أن أول تمثل لفكرة الإلوهية ظهر قبل حوالي عشرة آلاف سنة . كانت هناك ربات أنثوية déesses سبقت ظهور الإله، أو الآلهة. أما الإله الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد، كما يقول المسلمون، والذي يعبد في أركان الأرض اليوم، بفضل الأديان التوحيدية الثلاثة الرئيسية، اليهودية والمسيحية والإسلام، فقد ظهر متأخراً . وأول فكرة توحيدية كانت قد تبلورت في زمن الفراعنة في مصر في القرن الرابع عشر قبل الميلاد تحت حكم الفرعون أمنحتب الرابع Amenhoteb، الذي غير إسمه إلى " أخناتونAkhénaton " إشارة إلى عبادة إله الشمس والذي فرضه الفرعون كإله وحيد " آتون Aton " لكن عبادة الآلهة المتعددة سرعان ما عادت بعد وفاة الفرعون آخناتون، واحتاج الأمر انتظار منتصف الألف الأول قبل الميلاد كي تختبر الديانة التوحيدية في إسرائيل من خلال عبادة يهوه Yahvé، وفي بلاد فارس من خلال عبادة آهورا مازدا Ahura Mazda. فالأقوام البدائية في حقبة ماقبل التاريخ لم يعرفوا مفهوم الإله أو الآلهة . فلا توجد آثار آركيولوجية أحفورية أثرية عن الدين الذي يسير حياة البشر آنذاك. وهي الحقبة التي سبقت التحول العصر الحجري الحديث Néolithique قبل حوالي إثني عشر ألف عام عندما بدأ أسلافنا بالتوطين والاستقرار في بقع أرضية وتأسيس تجمعات على هيئة قرى، تطورت فيما بعد إلى مدن، ولكن توجد بعض المؤشرات التي تسمح لنا بتصور ما عن وجود معتقدات يمكن أن نسميها " دينية" لدى إنسان ماقبل التاريخ. أهم تلك المؤشرات طقوس الموت . ففي وقت ما بدأ البشر بممارسة طقوس تصاحب الموت الأمر الذي لم يقم به باقي الكائنات الحية، وقد عثر على أقدم قبر في فلسطين يعود تاريخه إلى حوالي المائة ألف عام. الهومو سابين Homo Sapiens الإنسان الحديث المنتصب كان يضع جثث موتاه في وضع الجنين في اللحد وبعناية فائقة ويغطيهم باللون الأحمر قبل دفنهم وبجانبهم بعض الأدوات البدائية التي كانوا يستعملونها في الصيد لأنهم ربما كانوا يعتقدون أن أمواتهم سيعودون للحياة وسيحتاجون لتلك الأدوات، وهو تفكير رمزي كان يميز البشر عن باقي الكائنات الحية. فتلك الألوان وتلك الأدوات والأسلحة البدائية، ما هي إلا رموز لاعتقاد أو معتقد بدائي لدى البشر عن ما بعد الموت لكننا لا نستطيع إثبات ذلك.

في البدء كانت هناك الآلهة الإنثوية وفي السبعة آلاف سنة قبل الميلاد ظهرت في الأناضول منصات للقرابين ذات طابع ديني تجرى أمامها مراسم وطقوس دينية بدائية وعليها رسومات لربات تلدن ثيران ثم انتشرت في منطقة المتوسط وفي الهند ايضاً حيث سادت عبادة الربة ــ الأم الكبرى culte de la Grande Déesse – Déesse-Mère التي تمنح الحياة ورمز الخصوبة في الطبيعة بجانب الثور رمز الذكورية والملفت للنظر أن الثور كان دائماً خاضعاً ومستسلماً للربة الأم الأنثوية فهو في وضع أدنى، كما يظهر ذلك بوضوح في الرسومات والتخطيطات التي عثر عليها في التنقيبات الأثرية في منطقة الأناضول وفي بعض مناطق الهند.

لم يكن العبرانيون أول من اختلق فكرة التوحيد كما ورد في كتاب عالم اللغويات والأنثروبولوجيا والمبشر الكاثوليكي فلهيلم شميدت Wilhelm Schmidt في كتابه " أصل فكرة الإله L’Origine de l’idée de Dieu" الصادر سنة 1912 فإنسان ما قبل التاريخ عبد إلهاً واحداً قريب منه داخل الطبيعة وأتخذ أشكال وهيئات مختلفة، قبل أن يبتعد عنه ويغدو مفهوماً تجريدياً ليترك مكانه لآلهة وآلهات متعددة مذكرة ومؤنثة، ومن ثم عاد من جديد في النصوص العبرية أو اليهودية القديمة . ولقد سبق أن طرحت هذه الفكرة، فكرة الانعزال والابتعاد عند إله وادي الرافدين ـــ ميزوبوتاميا، وهو الإله " آنو Anu وبسبب إحاطته بعدد كبير من الآلهة الثانوية المذكرة والمؤنثة حيث نساه البشر وبعد ذلك جاءت تجربة التوحيد اليتيمة الوحيدة في عهد الفرعون توت عنخ امون ولكن بعد موته عاد الناس للتعدد الإلهي بضغط من رهبان الإله آمون Amon ويعتقد أن هذه التجربة أثرت في "موسى" حيث لجأ هو الآخر إلى الإله الواحد المتعالي الذي عبده أجداده من آدم ونوح مروراً بإبراهيم وإسحق الذي أصبح اسمه إسرائيل وإسماعيل ويعقوب والأسباط الإثني عشر الذين أوجدوا القبائل الإثني عشر اليهودية أو العبرية وكان كتاب التوراة اليهودي هو أول من تحدث بالنص عن الإله الواحد، وهو كتاب تم بتجميع خليط من الأساطير والخرافات والسرديات التاريخية لأحداث متخيلة أو مستوحاة من أساطير وخرافات لحضارات قديمة ونصوص وحكم وتنبؤات وقصائد وأدعية وصلوات وترانيم، وتخبرنا الأبحاث التاريخية المعاصرة أن العهد القديم أو التوراة La Bible دون في القرن السابع قبل الميلاد اعتماداً على تراث شفهي ما يجعل حقيقة أبطاله وشخصياته تاريخياً مشكوك فيها وهذا ينطبق على نوح وإبراهيم ــ آبراهام، وموسى نفسه . هناك إشارة تاريخية لمملكة إسرائيل في عهد الفرعون مينبتاح Méneptah حوالي 1200 قبل الميلاد ورد فيها " أن إسرائيل محيت ودمرت ولم يعد فيها بذرة semence. وهناك نص آرامي في القرن التاسع قبل الميلاد ورد فيها ذكر لــ " بيت داود يشهد بوجود مملكة داود حوالي القرن العشر قبل الميلاد. وهي ليس مملكة بالمعنى الحقيقي وإنما شبه مدينة أقرب للقرية منها لحاضرة متطورة ولا يوجد آثر للمعبد الكبير الذي شيده الملك سليمان Salamon إبن دافيد David ــ داود . أشاع اليهود أن التوراة هو كلام الله لكن المنتقدين والمعارضين لهذا الطرح رغم إيمانهم وتدينهم يقولون أنه الله لم يكتبه أو يمليه وإنما هو نتيجة إيحاء أو استلهام رباني جاء لأذهان الأنبياء القدماء وبالتالي يجب تفسيره وتأويله لأنه ليس نصاً منزلاً ومقدساً لأنه ورد في الكثير من النصوص الموضوعة والمؤلفة من قبل البشر وهناك الكثير من التزوير والإضافات فيه. ثم جاء يسوع المسيح ــ عيسى بن مريم ــ كما يسميه المسلمون وكان يهودياً متديناً في صباه وشبابه ومتمسك بالتوراة قبل أن يجهر بنبوته ورسالته المصححة والمكملة للديانة اليهودية . ولقد جمعت آثاره وأقواله وقصته ومقتله في مجموع نصوص سميت بالأناجيل ــ الإنجيل يعني البشارة ــ وهي كثيرة لم تحتفظ المؤسسة الدينية الكنسية منها سوى أربعة هي إنجيل مرقص Marc ومتى Mathieu ولوقا Luc ويوحنا Jean المكونة لكما يعرف بالعهد الجديد المكمل للعهد القديم . ولقد اعتبر عدد كبير من المسيحيين أن يسوع المسيح إله وهو إبن الرب الخالق وقالوا بالأقانيم الثلاثة " الأب والإبن وروح القدس " وأن للمسيح طبيعتان ناسوتية ولاهوتية الأولى بشرية والثانية ربانية،وأضفوا عليه الكثير من المعجزات والأعمال الخارقة للطبيعة كإحياء الموتى والسير على الماء وشفاء المرضى ووصفوه برب المحبة والصفح والتسامح الخ ...

غالباً ما يقدم إله التوارة أنه كلي القدرة وحاضر أو متواجد دوماً في كل مكان وزمان ويتدخل على نحو مباشر في شؤون البشر وتفسر آيات التوراة ما يتعرض له اليهود من مصائب وكوارث بأنه عقاب أرسله الله لهم أو سمح بحدوثه بسبب خطاياهم التي ارتكبوها بحقه، فردياً وجماعياً، مايعني أن هناك تفسير ثيولوجي للشر ومصدره هو الله الخالق للخير والشر معاً والمسيح المنتظر هو المحرر الذي يمتلك قدرات إلهيه ينتظره الشعب اليهودي لكي يحرره من الاحتلالات الأجنبية المتعاقبة عليه .

الإيمان بوجود إله خالق متعالي، يتخذ أشكالاً متنوعة، من الإيمان الفطري أو الاعتقاد الديني، مروراً بالطرح الفلسفي والمنطقي، وانتهاءاً بالفرضيات العلمية. والسؤال الأهم المطروح هو: هل بالإمكان التوصل إلى وجود الله بالعقل وحده؟ شغل هذا السؤال تاريخ الفلسفة برمته لغاية القرن التاسع عشر . منذ العصر الإغريقي الذي يؤشر لبداية التفكير الفلسفي الغربي . كان المفكرون والفلاسفة الإغريق في غالبيتهم يعيشون في عالم متدين تحف به الخرافات والأساطير والمعتقدات المشركة وكانت جهود الفلاسفة التنويريين تصب في محاولات تجاوز تلك المعتقدات الخرافية والتمعن بالمسألة من الناحية العقلية الصرفة. . كان العديد من الفلاسفة القدماء يحترمون الآلهة ولكن ما هو مفهمهم وفهمهم لمفهوم الإله ؟ أول نقطة مشتركة بينهم هي دحض الصفة الأنثروبومورفية anthropomorphique التجسيمية واللاأخلاقية لآلهة الأولمبياد les Dieux de l’Olympe، لأن هذا التصور يجعل الآلهة يشبهون كثيراً البشر مما يفقدهم بعض المصداقية خاصة وإنهم يتصفون بالكثير من صفات وردود أفعال وسلوكيات البشر كالفسوق والعجرفة والتكبر وروحية الانتقام والخداع والمكر والتقلب والخداع ونقض العهود الخ... أي على النقيض من الكمال، فهناك فلاسفة رفضوا هذا النموذج التشبيهي والتجسيمي للإلهة الإغريقية مثل أبيقور Epicure، وآخرون لا يعتقدون حتى بوجود الآلهة مهما كان كمالها، لكن ذلك لم يمنعهم بالاعتقاد بوجود حكمة متعالية شمولية إلهية تحكم العالم ومتجلية من خلال سلوك بعض البشر المتميزين المصطفين. فهناك تيار فكري وفلسفي إغريقي ــ روماني ولد في القرن الرابع قبل الميلاد يعرف أتباعه بالمتحملون stoïciens يعتقدون بوجود كينونة ما بين العالم الدنيوي والعقل الإلهي وهي عقيدة الوجوديين الذين يعتقدون بوحدة الوجود panthéistes ومن أشهر من يتبنون ذلك فيلسوف النهضة باروخ سبينوزا Baruch Spinoza. وقبلهم كان الفلاسفة المشهورين مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو قد أدلوا بدلوهم في مسألة الإلوهية .وكذلك فلاسفة الأفلاطونية الجديدة néoplatoniciens، وعلى رأسهم أفلوطين plotin الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد وهذا الأخير أكد وجود ثلاث مباديء عليا التي ينحدر منها العالم الحسي وهي: الواحد l’Un الذكاء le Noos والروح أو النفس l’Ame . والواحد هو المبدأ العلي الأعلى وهو متسامي وغير قابل للتعريف والتحديد وثابت لايتغير، لا يشيخ ولا يموت، خالد وخير إلى حد الكمال، ومكتفي بذاته. والذكاء أو العقل الأول، ينبثق من الواحد المتسامي حيث تتجلى الحقيقة. والنفس أو الروح تنبثق من الوعي أو العقل الأول ككينونة أو مبدأ للوحدة التي تحرك العالم المحسوس. فهناك " روح العالم الجمعية، وهناك روح جزئية لكل كائن حي، وهذا الطرح يتميز ويختلف عن الطرح التوحيدي الذي جاءت به الأديان التوحيدية الكلاسيكية الثلاثة . وهناك في ذلك الوقت فلاسفة ملحدين لايعتقدون بوجود مبدأ أو كينونة خالقة ربانية أو إلهية عليا athéistes أو لا أدريون agnostiques ويوجد فرق كبير بين إله الفلاسفة الإغريق وإله الأديان التوحيدية لأن هذا الأخير فيه الكثير من الصفات والمزايا البشرية كما نصت على ذلك النصوص المقدسة المنزلة . أما مسألة إثبات وجود الله فهناك عدة حجج وحالات أحدها يسمى بالدليل الأنطولوجي حيث يكون التفكير بالله باعتباره الكائن الأكثر كمالاً من أي كائن آخر في الوجود وبما أنه من الكمال بمكان فهو إذن يوجد أكثر مما كونه لا يوجد فسيترتب على ذلك بالضرورة أنه موجود عقلاً إلا أن هذه الحجة لا تنطلي على المفكرين والمثقفين، ما عدا ديكارت، ولاتقنع أحد سوى المؤمنين الذي لايحتاجون لحجة لإقناع أنفسهم. ولقد حاول عدد من الفلاسفة، وبأسلوب المنطق إثبات وجود الله ومن بينهم لايبنز الذي سعى لتقديم ما يسمى بالبرهان الكوسمولوجي والسبب الكافي الذي يقول لا يوجد شيء بدون سبب ولا علة بدون معلول. من هنا لابد من وجود كائن يسمى الله لضرورة وجوده . وهناك حجة ثالثة قدمها الميتافيزيقيون وتسمى البرهان الفيزيقي الثيولوجي physicothéologique وينطلق من مراقبة ومشاهدة النظام المعقد والذي يقود حتماً إلى ضرورة وجود عقل ذكي خالق ومنظم إذ لا يمكن لهذا النظام أن يكون ثمرة الصدفة.لذلك لا بد من وجود عقل علوي ذكي يكون هو الأصل الموجد للكون. ولقد علق الفيلسوف الفرنسي فولتير قائلاً " الكون يحيرني ولايمكنني أن أقبل بأن هذه الساعة الكونية موجودة بدون ساعاتي صانع لها".

وبعد ظهور نظرية الانفجار العظيم البغ بانغ المبنية على نظرية النسبية العامة لآينشتين انبرى عدد من المثقفين المتشبثين بالإيمان بوجود الله تحت يافطة " التصميم الذكي dessin intelligent" ليجيروا مقولة التنظيم الدقيق للكون وللقوانين الفيزيائية التي تنظمه وتسيره، إلى جانب ظهور الحياة الذكية العاقلة ونشوء جنس البشر وتطوره لا سيما العضو الأكثر تعقيداً فيه ألا وهو الدماغ، وقالوا بأن ذلك يشهد على وجود تصميم ذكي ومصمم خارق لهذا الكون، دون أن يغرقوا في وصفه على غرار الأديان السماوية التي قللت من قيمته دون أن تعي أو تقصد ذلك. وحاول هذا التيار الثقافي والفكري أن يمحو مسلمة الصراع بين الدين والعلم بخصوص مسألة الإله الخالق للكون. ولكن لايوجد في الكون المرئي الجمال والهارمونية والتنظيم الدقيق فقط، بل تزخر الطبيعة بالفوضى والكوارث الطبيعية والمذابح وهيمنة الشر الذي لا يعرف أحد مصدره سوى أنه خالق الكون نفسه إذا آمنا بأن للكون المرئي خالق، أي أن الله هو مصدر الشر وبهذا الصدد علق الفيلسوف لايبنز في كتابه " دراسات وأبحاث في الثيولوجيا الربانية Essais de théodicée ويطرح تساؤله على نحو مباشر وصريح قائلاً:" كيف نفهم، في حالة وجود الله، وإنه إله طيب وخير، وجود هذا الكم الهائل من الشر والسوء والفظاعة والبؤس في الأرض؟ فيما يسخر فولتير من هذا الإله في رائعته كانديدCandide 1759 من خلال شخصية البروفيسور بانغلوس وهو يردد وسط الكوارث والمساويء والشرور أن كل شيء نحو الأحسن في أفضل العوالم الممكنة .وفي التصوف العبري الكابالا هناك أطروحة تقول أن الله بعد أن انتهى من خلق الكون تجرد من إلوهيته وانسحب من العالم لكي يتيح المجال لشيء آخر أن يحدث أو يوجد فبعملية الخلق وافق الله ألا يكون هو كل شيء واختزل كينونته حتى يتيح للعالم أن يفرض نفسه ويمكن لشيء آخر أن يتواجد غيره وبالتالي يوجد الشر بالضرورة في هذا العالم الذي يفتقد للكمال .

أما أبيقور فلقد طرح المشكلة بسخرية قائلاً: إما أن الله أراد استئصال الشر لكنه لم يتمكن لذا فهو عاجز وليس كلي القدرة، وإما هو قادر على استئصال الشر لكنه لا يريد ذلك لذا فهو شرير، أو هو غير قادر على استئصال الشر وغير راغب بذلك، فهو إذن عاجز وشرير وغير كامل، ولو أراد ذلك وكان قادراً عليه، فمن أين إذن أتى الشر ولماذا لم ينهه ويستأصله الله؟ .

فلاسفة عصر الأنوار انتقدوا الأديان بشدة لكن جزءاً كبيراً منهم لم يكن ملحداً ولديه مفهومه الخاص عن الله، فأغلب الربوبيون déistes، على غرار الفلاسفة في العصور القديمة، يؤمنون بوجود " مبدأ علي" خارق وخالق ينظم الكون وليس إلهاً شخصياً يهتم بشعب معين على حساب شعوب أخرى ويظهر نفسه لهم من خلال أنبياء ونصوص مقدسة يؤمنون بالإلوهية théismes. وهكذا تستمر دائرة الصراع بين العلم والدين حول موضوع إثبات وجود أو عدم وجود الله ولقد عبر غاليلو غاليله، ضحية الكنيسة الكاثوليكية بسبب أفكاره وآرائه، قائلاً:" إن العلم والدين يجيبان على سؤالين مطروحين في سياق مختلف ولا يفترض أن يدخلا في معركة أو صراع بينهما فالدين يخبرنا كيف يمكننا أن نذهب إلى السماء في حين أن العلم يخبرنا ما هي أحوال السماء . أما في وسط الإلحاد والملحدين athéisme فكان أول ملحد علني هو الراهب جون ميسليه Jean Meslier وكان فولتير قد نشر وصيته في سنة وفاته 1729 وهو نص معادي للدين بقوة واحتدام تحت عنوان مذكرات وأفكار ومشاعر جون ميسليه وهو عبارة عن دراسة فكرية مطعمة بالبراهين والحجج المنطقية والعقلية التي تنفي وجود إله وإلوهية تتحكم بالعالم والواقع الوحيد الموجود هو الواقع المادي، فمسيليه كان ملحد ومادي في نفس الوقت بعد أن كان رجل دين متعمق بدينه.

حصيلة ذلك أننا مازلنا وسنظل نجهل حقيقة هذا اللغز وهذه الفرضية المسماة " الله" وهل هي ضرورية لوجودنا أم لا لأن الله رغم جهوده في الاتصال بنا عبر أنبيائه ورسله ونصوصه، لم يكشف لنا عن حقيقته وطبيعته وماهيته وصفاته وقدراته إلا من خلال نصوص لا يمكن الجزم أنها صادرة عنه بل ربما وضعها مؤلفون بشر باسمه .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

ميثم الجنابيالفكرة العربية والوعي القومي الذاتي

للفكرة القومية، شأن كل الأفكار الكبرى، لحظتها التأسيسية الأولى. وقد شاءت الصدف أن ترتبط بشخصية الارسوزي (1900-1968). الامر الذي جعل منه فيلسوف الفكرة القومية العربية الأول في العصر الحديث. وليس مصادفة ان تكون فلسفته بهذا الصدد فلسفة شخصية ايضا. فهو الفيلسوف الذائب في الفكرة القومية بوصفه رحيقها الأول. اذ تكاملت في ذاته وإنتاجه الفكري الفلسفي بوصفها رؤية منظومة ونسق يتغلغل في كل انساق وجوده الشخصي والاجتماعي والوطني والقومي والروحي والسياسي[1].

فالطابع الشخصي لفلسفة الارسوزي يبرز أيضا على مثال حياته وموته، اي ان تاريخها النظري يتمثل أيضا تاريخه الشخصي. فقد ولد الارسوزي في بداية القرن العشرين وتوفي بعد الانتكاسة الكبرى الاولى في تاريخه القومي الحديث. بمعنى اننا نعثر في حياته ومماته على تمثل نموذجي لحياة الفكرة العربية من حيث ولادتها وموتها الاول، اي ظهورها وفسادها. وقد كانت تلك الفاجعة الاولى التي سوف تعطي للفقدان قوة الوجدان. بمعنى ان ضياع الارض الفلسطينية المؤقت قد ادى الى اكتشافها الروحي الاوسع. ومن ثم نقلها الى حيز المصدر الدائم في شحن وشحذ الوجدان العربي. مع ما ترتب عليه من اكتشاف اولي لمكر العقل التاريخي العربي وتقوية اقدامه للنهوض الجديد بعد الغيبوية الطويلة في دهاليز الزمن الضائع.

ولكن قبل ان تعاني الفكرة القومية العربية من هذا المخاض الاول، فانها قد عانت ولادتها التاريخية الكبرى في شخصية الارسوزي ومعاناة ابداعه الفكري. فقد تمثل الارسوزي التاريخ الواقعي والفعلي بمعايير الوجع الميافيزيقي للروح الولهان بوهج المعاصرة. وفي هذا يكمن سره الهائج بالبحث في اللغة وعوالمها المافوق تاريخية من اجل بلورة فكرة عن التاريخ. وفي هذا ايضا كانت تكمن المعاناة الروحية العميقة لهذه الفكرة وذبولها الجسدي في دهاليز البحث عن بعث قومي وجد لغوه في اللغة وثرائه في ثرثرته!

فمن الناحية الظاهرية يمكن النظر الى الولع اللغوي والتأويل المفتعل كما لو انه الجامع الذي يجمع فلسفة الارسوزي. فقد جّسد الارسوزي في آرائه وتحليله ومواقفه ومفارقاته حب اللغة في مختلف مستوياته وأنواعه من إعجاب وغرام وحب وهيام وعشق حد الفسق. لهذا نرى فيها وفيما أجهد نفسه واجتهد للبرهنة عليه مجرد أمور بسيطة ومطروقة يمكن وضعها في عبارات "صوتية" قليلة، هي الأكثر رقة وجمالية مثل قوله "مثل الإنسان كمثل الطائر ينبت ريشه بالهمة"، و"الحياة تنشئ بنيانها وبدنها بحسب غايتها في الوجود" وامثالها الكثيرة. بحيث نقف احيانا امام صورة مغرية للخيال عن شخصيته الحكواتية الكبيرة وجمهورها الغفير في احد الجوامع الإسلامية الكبرى، فيما لو انه ولد قبل ألف عام. لكنه ولد بعد الف عام! وبالتالي، فان ما وراء اللغو والثرثرة الظاهرية كانت تكمن وتتفاعل عوالم اللغة الثرية الهائلة والصاخبة بوصفها عوالم التراث والماضي والانا المنسية. بعبارة اخرى، لقد اراد الارسوزي ان يضع هذا الثالوث المغمور على نار الوجد المعاصر لكي تلتهب مكوناته "الخالدة" في وجدان الفكرة القومية الحديثة. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن مخاض التحرر ومعاناة تأسيس الدولة القومية في عالم الفكر وميدان الحياة السياسية.

فقد عايش الارسوزي صعود الفكرة القومية ورؤية ملامحها المتراكمة، كما عايش بالقدر ذاته انحدار المشروع القومي صوب القطرية المحاصرة، وتعرضه اللاحق للتجزئة الثقافية والتهرؤ السياسي. وفيما بين هذه البداية والنهاية تلألأت رؤيته الفلسفية للفكرة القومية العربية، بوصفها معاناة اولية حقيقية كبرى. بحيث تطابق مضمون هذه المعاناة مع كيفية ونوعية الصيغة الاولية لما يمكن دعوته بفلسفة الانا الثقافية. الامر الذي جعل من الارسوزي فيلسوف الأنا القومية الثقافية. ومن ثم احتواء تأسيسه النظري على بوادر الرؤية الاولية لفكرة القومية التلقائية (الروحية). وبالتالي، لم يكن مضمون الرجوع الى ميتافيزيقيا اللغة المتسامية والخالدة عنده سوى محاولة انتشال الفكرة من السقوط والانحدار صوب تجزئتها الى حروف منفصلة لا تستقيم مع حقيقة العربية، والركض وراء جمعها في كلمات بلا عبارة! ذلك يعني، أن الاتجاه صوب ملكوت اللغة كان بالنسبة له اسلوب الرجوع الى الملك العربي المفقود، اي الواقع البائس! لكن مأثرة الاسوزي تقوم في محاولته تحويل البؤس المادي الى بأس روحي. من هنا اصبح السباحة في عالم الملكوت اسلوب تأمل المعنى والوجوب. مع ما ترتب عليه من توحيد العربية النموذجية في حروفها لكلمات النطق والمنطق الروحي للماضي والحاضر والمستقبل.

أصل اللغة وأصل الأنا القومية

من هنا محاولته تأسيس فهمه الجديد لقضية أصل اللغة. اذ نراه يبدأ من تناول القضية - الاشكالية القديمة عما اذا كانت اللغة اصطلاحية (موضوعة من قبل العقل) أو نتاجا للوحي، لكي يؤسس على كيفية حلها فكرته عن القومية العربية. فقد انطلق من المقدمة القائلة، بان ربط اللغة (العريبة) بالغيب تضييق على العقل. كما ان اعتبار اللغة مجموعة من الرموز موضوعة من قبل العقل هو دوران في حلقة مفرغة. وذلك لان هذا القول يفترض وجود عقل كامل. وكيف يمكن ذلك دون كلام (اللغة)؟ ووجد الارسوزي الحل فيما اسماه "بالصدفة السعيدة" في اكتشاف جذر اللغة (العربية). وعثر عليه فيما اسماه بمنهج اللسان العربي بوصفه جذر "اللغة الكونية". مما حدد بدوره طابعها المتميز واصالتها التي ينبغي ان تستعيد هيئتها الاولى بوصفها فكرة قومية اصيلة.

اذ لا يعني منهج اللسان العربي بوصفه جذر اللغة الكونية سوى الصيغة النموذجية التي تعكس اصل وجذر اللغة الطبيعي واستجابته للارادة الانسانية في بلوغ المتسامي[2]. من هنا توحيدها للطبيعة وما وراء الطبيعة، او ما اطلق عليه الارسوزي عبارة "الملأ الاعلى". فاللسان العربي بالنظر إلى نشأته وصناعته هو بدائي وبرئ، كما يقول الارسوزي. وكل كلمة أو قاعدة تحمل طابع عبقريته أيا كانت. فهي مستعارة منه. بمعنى ان دورها التاريخي يقوم في صنع التاريخ الحقيقي للانسانية. من هنا قوله، بان للأمة العربية فضل على الأمم جميعا. فهي ليست مصدر الشعوب السامية فقط، بل واثرها على سير المدنية بإيجاد اللغة اضافة الى إبداع الديانات الإلهية. وذلك لان العربية كانت الأكثر استعداد من بين الشعوب على إيجاد الصورة الصوتية التي هي أصلح للانتشار، وبالتالي تعميم انتشار لغتها. الامر الذي يجعل من اثرها بهذا الصدد اثرا كونيا. الامر الذي يحدد بدوره أهمية دراستها، لما في ذلك من قيمة بالنسبة لالقاء الضوء "على جذور الإنسانية، وعلى العلاقة بين الأقوام في مهد الحضارات"[3]. اما سر هذا الاستعداد والاثر فيكمن فيما دعاه الارسوزي بتفاعل مكونين فيها وهما كل من الأصوات الطبيعية بوصفها جذر الكلام، ومبدأ الاشتقاق.

فقد وجد الارسوزي معنى "اللغة العربية جذورها في الطبيعة"، هو اننا نرى فيها نمو أداة بيانية متكاملة منذ بدء الخليقة ولحد الآن. ولها نماذج لا تحصى، مثل خرير الماء (خرّ، خرب، خرج، خرم). ذلك يعني ان العربية استفادت من خضوع الصوت للإرادة. وهذه بدورها ليست الا إحدى عبارات الهيجان الطبيعية. بعبارة اخرى، انها استفادت من انتقال الصوت عبر المكان، واستعانت بحاسة البصر، واتخذت من الصورة وسيلة لجلاء المعنى، كما يقول الارسوزي[4]. وهنا يكمن سر ما اسماه الارسوزي بالصدفة السعيدة، بمعنى تلاقي الطبيعة والماوراطبيعة في وحدة الارادة. والاخيرة هي المقولة الشاملة للطبيعة والماوراطبيعة، التي تتجلى على افضل شكل في العربية وجذرها الخاص بوصفه منهجا نموذجيا شاملا.

أسس الارسوزي فكرته هذه من خلال البحث عن جذر اللغة في الحياة نفسها. واعتبر ان "جذر اللغة هي الحياة". وذلك لانها تتمثل العلاقة المتبادلة بين وضع الجسد وبين المعنى الذي هو صداه في الوجدان. فوحدة الصوت والخيال في الكلمة العربية يؤدي إلى ظاهرتين او نتيجتين تميزها عن غيرها وهي أولا- فقدان المترادفات، وثانيا – الاختلاف في التطور بين الكلمة العربية وغيرها في اللغات الأخرى. فالأجانب لا يعرفون قراءة ما كتب في لغتهم قبل ألف عام. أما في العربية فان الكلمة هي صورة. وبالتالي، فان الكلمة العربية كالحياة. لهذا لا تصمد الكلمات الشاذة (غير العربية) في العربية فترة طويلة. إنها تنقرض. الامر الذي جعل من الكلمة العربية غير خاضعة للزمن. وان نشوء كلمات جديدة فيها (ومنها) هو استمرار مدرك[5].

ووضع هذه المقدمة في اساس فلسفته للغة العربية. وفيها نعثر على فكرة عميقة تقوم في دعوته لضرورة التوفيق والتجانس بين اللغة والفكر والثقافة القومية. فهو ينطلق في كتابه (العبقرية العربية في لسانها) من أن دراسة البنية الاشتقاقية للعربية يساعدنا على معرفة الكلمة الدخيلة من الأصيلة، وبالتالي يحررنا من الركاكة والهجانة. وهذا بدوره يهدينا أيضا إلى إدراك الشبه بين بنيان البدن وهداية غرائزه في توحيد العلوم الصحية، وبين هذه الحُدُس في بنياننا النفساني وهدايتها في إنشاء ثقافتنا. وبهذا نحصل على نهج أصيل في دراسة حياتنا الفكرية بحيث ينقشع الحجاب المزعوم بين الطبيعة والملأ الأعلى (ما وراء الطبيعة)[6]. مما يوصلنا بدوره إلى "بعث الخيال الأصيل" ومن ثم الوصول إلى ينبوع الحياة بالنسبة للسان، بحيث تتميز هذه المؤسسة المتمتعة بخلود الأمة التي أوجدتها عند بنيان البدن الذي ظل متصلا بالقدر بانغلاق المكان والزمان في وحدانية نموه وخاضعا بهذا الاتصال للتحول"[7]. اما الخلاصة التي توصل اليها الارسوزي بهذا الصدد فتقوم في بلوغ ما اسماه بفكرة "الحياة معنى ينشئ الصور. والخيال من الصور على درجات متفاوتة بالقسمة والعمق تحقيقا للآية الساطعة في صميم الوجود كأني بها تقتات بتجاوبهما تجاوبا صادقا وتنمو"[8].

وفيما لو جرى تحويل هذه العبارة "البيانية" المغلقة الى بيان اللغة العربية الطبيعية(!)، فانها تعني، ان الابداع الحقيقي يفترض الرجوع الى ينبوع الاصالة الذاتية، ولا اصالة بالنسبة للفكرة العربية سوى العمل بمعايير "الخيال الاصيل"، اي الابداع الذاتي الحر والمتحرر من ثقل الزمان (المعاصر) والمكان (الجغرافي الحالي) اللذين جرى انتهاكهما بفعل الخراب الذي تعرض له العرب في مجرى السيطرة العثمانية والكولونيالية الحديثة. فالزمن المعاصر هو زمن ليس عربيا، والمكان العربي هو جغرافية متهرئة. اما العربية من حيث كونها تمثلا ابديا لحقيقة الابد الكامنة في توليف الطبيعية والمارواطبيعة فهو الينبوع الدائم للخلود. والرجوع الدئم اليه يعني الوصول إلى حالة مثلى عن العلاقة بين البيان بالحقيقة من اجل معرفة نهج الحياة الأصيل، كما انه النهج الفني للتحرر من ظروف المكان لبلوغ البصيرة من اجل الاستغناء عن الطبيعة، كما يقول الارسوزي نفسه.

ونعثر على نفس هذا الاتجاه والتأسيس في (رسالة اللغة). فقد أكد فيها أيضا على أفكاره الأساسية بهذا الصدد وبالاخص ما يتعلق بفكرة اللسان العربي باعتباره بنيانا اشتقاقيا وأصوله من الطبيعة، وله أداة بيانية متكاملة وانه بناء مازال كامل حي. وختم ذلك باستنتاج يقول، بأن مفاهيمنا وأصول مؤسساتنا تكمن "في كلماتنا، كمون الحياة في بذور النبات"[9]. وبالتالي فان الرجوع الى اصول تأسيسها الاولية هو اسلوب تاصيل الحاضر والمستقبل. من هنا جوهرية اعادة بناء فلسفة اللغة العربية. فهو يعتقد، بان احد الأسباب التي حالت دون وجود فلسفة لغوية عربية ومن ثم إدراك حقيقتها كما هي يقوم في أن واضعو قواعدها كانوا عجما. مما ادى الى سوء فهم حقيقتها. فالكلمة العربية ليست رمزا يلتصق به المعنى عرضا واتفاقا، كما هي الحال في تعريف الكلمة في اللغات الأوربية، بل أنها صورة تتآلف من صوت وخيال مرئي ومعنى هو قوام تآلفها[10]. وبالتالي، فان اللسان العربي بمبدئه (المعنى) وبتجلياته (الأصوات) لهو على غرار البدن، شجرة سحرية نامية أبدا، جذورها في الملأ الأعلى (الماوراطبيعية) وتجلياتها في الطبيعة[11]. من هنا فاذا كان الأسلوب الأدبي قد لا يخلو من البيان في أية لغة من اللغات، فإن البيان شامل في اللسان العربي (في الكلمة والحروف والحركات والصورة)، على خلاف ما في اللغات الأخرى التي يقتصر فيها البيان على حدود العلاقة بين الفكرة وعبارتها[12]. وذلك لان الكلمة العربية تتألف من ثلاثة مكونات هي صورة صوتية، وخيال مرئي، ومعنى هو قوام تآلفهما، مثل كلمة فقه. فهي فق بوصفها صورة صوتية (من غليان الماء)، اما خيالها المرئي فهو التفتح الداخلي، بينما المعنى هو الحقيقة المتجلية من صميم النفس مستضيئة بنور ذاتها[13]. كل ذلك يجعل من العربية ذات معالم واضحة لا تقبل الالتباس بغيرها. فإذا "كان المعنى يؤلف بين الصورة الصوتية والخيال المرئي في الكلمة، فان الحدس المنطوي في المصدر هو أيضا قوام الرابطة بين المفاهيم العقلية والمدلولات الحسية" كما نراه على سبيلالمثال في نموذج تنبأ ونبي ونبوة[14].

وضع الارسوزي هذه المقدمة في اساس فهم ما يمكن دعوته بالعقل العربي الاصلي بوصفه عقليا نموذجيا. ومن ثم فهو ليس اساسا ضروريا لفهم العقل العربي بل والبشري ككل[15]. وذلك لانه يستند الى ما اسماه الارسوزي بالمنهج الكوني للسان العربي القائم في توحيده الشامل للطبيعة والماوراطبيعة. بعبارة اخرى، ان المهمة التي وضعها الارسوزي بدراسة قواعد اللسان العربي القادرة على كشف تكون العقل البشري أيضا، تهدف اساسا الى ارساء اسس الرؤية النقدية تجاه النفس وتذليل انحرافها عن الاصول. من هنا قوله، بان الانبعاث القومي يفترض إلى جانب الصناعة والعلم، الاهتمام "بتراث الأجداد". الامر الذي جعله يدعو الى البحث عن مصدر الوعي القومي المعاصر في مرحلة الجاهلية. ووضع ذلك في عبارة تقول: "بالعودة إلى جاهليتنا نلتقي مع أصول الثقافة الحديثة، الأصول التي تقوم على الاعتقاد بان النفس تنطوي على مقوماتها. ثم انه يجنبنا مما أورثه التاريخ من حزازات بين المذاهب والأديان"[16]. بينا نراه في بحثه الموسوم (اللسان العربي) يقول، بان المهمة المطروحة أمامنا تقوم في استجلاء آية الأمة العربية بوصفها حقيقة تاريخية، ومن ثم "إنشاء فلسفة عربية يتحول بها ما نسجته الحياة عفوا إلى مستوى من الشعور بحيث نشترك مع العناية في تعيين مصيرنا، ونشترك ونحن أحرار"[17].

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

................

[1] وضع الارسوزي أفكاره في مؤلفاته الأساسية والتأسيسية وبالأخص منها (العبقرية العربية في لسانها)(1943) و(الأخلاق والفلسفة)(1948)، و(والمدنية والثقافة)(1954) و(الأمة العربية)(1955) و(مشاكلنا القومية)(1955-1958) و(صوت العرب في لواء الاسكندرونة)(1961) و(بعث الأمة العربية – اللسان العربي)(1963) و(الجمهورية المثلى) (1964). وغيرها من الكتب، وبالأخص ما يتعلق منها بالفلسفة مثل (رسالة عن النفس)(1953) و(رسالة عن الفلسفة)(1954) و(متى يكون الحكم ديمقراطيا)(1961) وغيرها مما جرى جمعه ونشره في (المؤلفات الكاملة) (أربعة أجزاء) في دمشق عام 1972.

[2] الارسوزي يفرق هنا بين فكرة اللسان واللغة. ويضع هذا الفرق في صلب فكرته عما يدعوه باصالة اللغة العربية ودوها التاريخي. فهي لسان لانها منهج، بينما اللغات الاخرى متأتية من اللغو، اي انها كلمات لا تتوحد في معناه ومخارجها وحدة الطبيعي والماوراطبيعي.

[3] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، دمشق، 1972، ج1، ص54.

[4] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص47.

[5] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص53.

[6] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص62.

[7] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص62.

[8] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص64.

[9] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص233.

[10] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص235.

[11] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص238.

[12] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص238.

[13] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص51.

[14] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص51.

[15] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص54.

[16] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص297.

[17] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص266.

 

 ميثم الجنابي"لا تلتفت إلى ما مال إليه البعض من لا يعرف

 وجوه التأويل ولا يعقل كلام أولي الحكمة"

(الغزالي) 

ان بلوغ الفكر وحدته النموذجية في الكلّ يعكس مخاض الروح التوليفي، بوصفه النفي الواعي لانجازات الأسلاف. وفيها يمكن رؤية الاستعادة التي تستضيء على الدوام بمبدأ وجودها التاريخي. فالكلّ الروحي هو الصيغة المثلى للمبدأ الأول. وإذا كان الغزالي قد توصل في مجرى تجربته النظرية والعملية إلى أن القرآن هو القطب الروحي للكل ّالإسلامي، بفعل تضمنه في ذاته نموذج المساعي الحقيقية صوب الكلّ في التوحيد، فإن توليفة الكلّ الروحي كان لابد لها من أن تؤسس لنفسها في رؤية مكوناته وحقائق صيرورته التاريخية. وهي الصيرورة التي لازمت في ثقافة الإسلام أسلوب الرؤية الظاهرية والباطنية ووحدة التاريخ والروح.

فالقرآن هو مبدأ الوجود التاريخي للروح الإسلامي، تماما بالقدر الذي كان على الدوام ممثل الروح الإسلامي في كلّه. ومن هنا لم تعن وحدة الظاهر والباطن أو تعايشهما سوى الصيغة الإسلامية المناسبة لوحدة التاريخي والروحي، أو الحرية في مساعيها نحو الوحدة الحقة. وقد استلزمت هذه العملية على الدوام شحذ الهمّة النقدية في تأمل ماضيها وحاضرها، ووضع انجازات الماضي على محك التجربة النقدية للتقليد. وهي الصيغة غير المباشرة و"المقلوبة" للاهتمام الكبير والعميق بتجربة السلف. فالأسلاف ليسوا صنم العبودية الإسلامية، بل أثر هيبتها الحرة. بمعنى انهم لا يلزموا بشيء غير تجاربهم العملية. وفيها كانت تتجلى على الدوام العناصر الحية في الذكرى التاريخية أكثر من حيثياتها الواقعية. أما تشذيبها النظري فكان من الممكن أن يحصل على تعبيره المناسب في كل الميادين التي أبدعتها الثقافة الإسلامية بما في ذلك في مواقف الظاهر والباطن المستقلة والمتعايشة، والمتنافسة والمتضادة. باختصار في "الكلّ" الذي حاول الغزالي إرجاعه إلىالقرآ، باعتباره قطب الوجود الأول لتنوع الوحدة الاسلامية. وهي النتيجة التي تفرض نفسها بالضرورة على كل تطور توليفي أصيل باعتباره استظهارا لتجاربها التاريخية الروحية.

ففي هذا الاستظهار الجديد للكلّ الإسلامي كانت تكمن محاولات إظهار باطنه، تماما بالقدر الذي يشكل استبطان مظاهره محاولة توليفه الجديد في الوعي الاجتماعي. وقد حددت هذه النتيجة أيضا أسلوب الرؤية الجديدة للقرآن. فإذا كان مفهوم الكلّ الإسلامي هو النتيجة التي وضعها الغزالي في نظرته عن مركزية القرآن الروحية، فإن ذلك يكون قد حدد أيضا أسلوب تعامله مع النص "المقدس" بالمعنى الذي بلورته تقاليد الكلام والتصوف الإسلامية. بمعنى إدراج الصفة في فلك الذات ودورانها في ما وصفه الغزالي بفكرة اللانهاية في المعنى، أي وضع أسس الحرية الدائمة في التعامل مع الكلّ الروحي في القرآن. وهي الأسس التي أذابتها المتصوفة في آدابها وطريقها لتكتشف في مقاماتها نماذج تجليها المتعالية. وبما انه لا يمكن حدّ هذه النماذج بصورة نهائية بفعل حركتها الدائمة، بوصفها التجلي الإنساني الصوفي "للخلق الدائم"، من هنا تطابقها النسبي مع تجارب السياحة في عالم الحرية الصوفية، أو التقيّد بقيود العبودية للمطلق. وهي ذات الحالة في أوجهها المتنوعة. وبما أن هذه الأوجه تتضمن، إن أمكن القول، تعابير الوحدة الخفية للظاهر والباطن، فإن شكل تجليها في المنظومات الفكرية يعكس أولا قبل كل شيء كيفية تطابق العقل النظري والعملي للشخصية الصوفية[1]. أما في حالة الغزالي فإنها أدت إلى صياغة مواقف متميزة لها جذورها العميقة في تراث الظاهر والباطن ونفيهما في تآلفه الجديد. مما اعطى لها مضمونها الاجتماعي السياسي والأخلاقي المتميز في منظومته الفكرية.

فقد تناول هذه القضية للمرة الأولى في (إحياء علوم الدين). وما قبل ذلك لا نعثر على أي اهتمام جدي بها. والإستثناء الوحيد لظهورها الجزئي نعثر عليه في جدله مع التعليمية في(المستظهري أو فضايح الباطنية) ولكن في ظهورها "السلبي".وهذا بدوره كان نتاجا لتناوله إياها في مجرى الجدل الفكري (الكلامي) ضد الصيغة الأيديولوجية السياسية لآراء الباطنية التعليمية. وبما أن صراعه مع الباطنية التعليمية قد جرى تحت ثقل وأثر العقلانية النقدية الحادة في نزوعها الكلامي، فإنه أدى إلى إبداع عناصر التوليف الخفي في مواقفه من الباطنية وقضية الباطن. فبالقدر الذي فتت في وقت لاحق نزوعه الكلامي الضيق في الانتصار للمذاهب والسلطة، وبالتالي شحذ الروح الاخلاقي بعناصر العقلانية القائمة في نقديته الحادة، فإنه كشف أيضا عن قيمة الباطن في الباطنية من خلال إفناء البنية المتعالية للأيديولوجية الباطنية في تعاملها مع النص في تجربته الصوفية. ولاحقا بالإبقاء عليها في استمرار العقلانية الباحثة عن "حد وسط" بين ظاهر الظاهرية وباطن الباطنية. وهو النفي الذي كان ينبغي له تجاوزهما كلاهما في ما هو ارفع منهما شأنا وغاية، وتأصيلا ودراية.

وتضمن ذلك على غربلة عقلانية الكلام الفلسفية نفسها. فعندما يبدأ بتصنيف أبواب كتابه (إحياء علوم الدين) فإنه ليس مصادفة أن يضع قضايا العلم والتعليم والمعلم في بدايتها، باعتبارها قضايا المدخل العام لمشروعه الفكري الجديد. وبغض النظر عن التباين الواسع بين آرائه وآراء الاسماعيلية بصدد هذه القضايا، إلا انه لا يمكن إغفال جوهريتها بالنسبة لهما كليهما. ففي تعارض آرائهما تكمن وحدتهما الخفية في حوافز إدراكها لضرورة المعلم والتعليم والعلم، أي الوحدة المتناقضة في إدراك أهمية البديل العملي في مشاريع "العلم" والعلماء.

وقد شكلت قضية العلم إحدى القضايا الجوهرية بالنسبة للوعي والثقافة الإسلامية ككل. إذ أحتلت في القرآن مرتبة الوحي الإلهي. ومن الممكن افتراض صداها غير الواعي في صيرورة جوهريتها الثقافية، باعتبارها الخطاب "الأزلي" الأول في "مشروع" تكوينها التاريخي. فقد طالب خطاب الوحي المحمدي نفسه بالتعليم والقراءة. وفي ما بينهما إدراك حقائق المجهول والمعلوم (علّم الإنسان ما لم يعلم). وهو الصدى الذي تجمّع رنينه في تناسق الاهتمام الواسع بعلوم القرآن أولا ثم علوم الأوائل والأواخر. من هنا الأهمية التي اختزنتها الثقافة الإسلامية في وعيها ولا وعيها التاريخي تجاه العلم والتعليم والعلماء. ونعثر على تجليات هذه الأهمية في المخاض العام الأول للسيطرة الإسلامية خارج موطنها "الطبيعي". حيث أصبح الحصول على العلم الحافز الأعظم لتوكيد إسلاميتها. وسوف يحصل هذا الحافز في تقاليد علم الكلام وجدله على مكانه المناسب بصدد قضايا العلم الالهي وصفة العالمِية الإلهية. وكذلك في ثنائية علم فرض العين وفرض الواجب، أي كل ما سيحصل على نماذجه الارفع في التيارات الباطنية بشكل عام والشيعية الإسماعيلية بشكل خاص. حيث تحول العلم الإلهي والنبوي إلى سلسلة الوحدة المعرفية الظاهرية والباطنية في الأئمة الظاهرين والمستورين، الجسمانيين والروحانيين. الأمر الذي أعطى لمهمة تعليمها قيمة عملية سياسية. وقد أدرك الغزالي قيمتها العملية الفعالة الكبرى. من هنا وضعه إياها في مقدمة (إحياء علوم الدين) كمدخل لمشروعه العملي الأخلاقي الإصلاحي. بمعنى نفيه حوافز الإسماعيلية في بديله التوليفي الجديد. 

لكن إذا كانت الإسماعيلية قد صاغت ذلك في مجرى تكونها التاريخي ومنظوماتها الفلسفية، فإن الغزالي حاول إبداعه من خلال التنظيم التوليفي لمكونات التاريخ الإسلامينفسه. وهو الخلاف الذي يمكن رؤية ملامحه في أكثر القضايا اشتراكا في ما بينهما حول بواطن الباطن وتأويلها. لهذا يمكننا رؤية التناغم الخفي بين آراءه ومواقفه من المعرفة والحقيقة (العقل) والهوى (والوجدان)،باعتباره الركون إلى النفس وسكونها الى ما يوافقها. وما يوازيها من آراء ومواقف الاسماعيلية عن تعليمية الإمام. وكذلك آراؤه عن الوحي والإلهام باعتبارهما سماعا مجردا للأنبياء والأولياء أو مشاهدة باطنية للأنبياء كما هو الحال بالنسبة لآراء الاسماعيلية بهذا الصدد. وكذلك فكرته عن السماع المباشر للحديث من النبي، بل وفي جملة من ارائه ومواقفه من النبوة والولاية وغيرها من القضايا التي تلتقي في كثير من جوانبها مع آراء الباطنية الإسماعيلية.

ان لهذا التشابه الجزئي بين آراء الغزالي والباطنية الإسماعيلية مقدماته التاريخية في المجرى العام للتطور الثقافي والفكري الإسلامي. فالاتجاهات الكبرى للفكر الإسلامي هي أيضا كيانات مستقلة. وإلا لاستحال الجدل إلى عراك لا معنى له، أو لأدى ذلك إلى صعوبة تصور خلافها وتوافقها. أما الغزالي فلم يكن بإمكانه تجاهل تراث الإسماعيلية الهائل. وهو أمر لم يتوقف عليه بفعل الصيرورة التاريخية للكلّ الإسلامي في  فرقه وصراعها فيما بينها. وفي الحالة المعنية بين باطنية الإسماعيلية والتصوف. غير أنهما لم يتشابها فتشاكل الأمر! فقد أبدع كل منهما بطريقته الخاصة تأويله الباطني، مستنداً بذلك الى تباين طرقهما في بلوغ حقائق الباطن والظاهر.

ومن الممكن الحديث عن كلّ باطني في الإسلام. لكنه يبقى كلاّ معنويا مرتبطا بالمكانة التي أحتلها القرآن في مركزية الوعي الاجتماعي والسياسي والأخلاقي والشرعي. وقد بلورت هذه المركزية على مثالها واحدية الثقافة الإسلامية بوصفها نموذجها التاريخي الخاص. الأمر الذي أعطى للروح الباطني إمكانية تجوله في ميدان الظاهر. فقد افترضت مركزية القرآن طابعه الأصولي في العلم والعمل. وقد جعله ذلك أكثر مرونة أمام المستجدات وتأويلاتها المحتملة. وكان من الصعب حصر هذه الإمكانات والتأويلات بسبب تباين المدارك والمعارف، والمشارب والغايات القائمة وراء أفعال وأفكار الأفراد والجماعات. وحدد هذا بدوره كثرة وتنوع ثقافة الياطن و"بواطن الثقافة" نفسها. ومن ثم إمكاناتها العديدة. وفي هذه الإمكانات كانت تختمر رؤية البدائل الاجتماعية والسياسية والأخلاقية. أما التأسيس الفكري لهذه البدائل فقد ارتبط بالصيغة التي تبلورت فيها إشكاليات الباطن العقائدية والسياسية والفكرية. وهي الإشكاليات التي حددت تعارض وتناقض المشروع الغزالي مع قرينه الإسماعيلي.   

فقد صاغ كل منهما في غضون قرون عديدة (قبل الغزالي) أساليبه ورموزه وأمثلته الهائلة. لهذا لم يكن بإمكان الغزالي التخلي، على الأقل حتى تأليف (إحياء علوم الدين) عما بدا له منفرا في الفكر الباطني الإسماعيلي رغم استمراره في نقده إياه حتى آخر مؤلفاته كما نعثر عليه في (القسطاس المستقيم) و(مشكاة النبوة) و(المنقذ من الضلال). بحيث يمكننا الحديث عن تداخل ثقافي للباطنية الصوفية والإسماعيلية كما هو جلي ومستتر في امتزاج أسلوب الصوفية وأمثلة الإسماعيلية. إذ بإمكاننا القول بأن الغزالي استطاع أن يدمج في كلّ توليفي جديد أسلوب المعرفة القلبية الصوفي ونماذج التأويل الاسماعيلي. وهو أمر يمكن رؤيته في ذوبان "مادة" الإسماعيلية ونماذجها التأويلية للآيات والأحاديث في أساليب الكشف الصوفية عن معانيها. إذ ليس معنى إن "الله يحول بين المرء وقلبه" سوى منعه عن مشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته وكيفية تقلبه بين أصابع الرحمن[2]. وليس معنى "نسوا الله فأنساهم أنفسهم" سوى أن معرفة النفس تساوي معرفة الله. وليس معنى "وما يعلم جنود ربك إلا هو" سوى  جنود القلب الظاهرة والباطنة[3]. وليس معنى "تفضيل المجاهدين على القاعدين" سوى تفضيل الجهاد الأكبر على الجهاد الأصغر. وليس معنى "الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" سوى صقل القلب بمجاهدة النفس في الوصول إلى حقيقة الحق[4]. وليس معنى "ومن كل شيء خلقنا زوجه" سوى كون الموجودات كلها متقابلة مزدوجة إلا الله فإنه فرد[5].

غير أن تباين أسلوب الغزالي عن الباطنية الإسماعيلية لا ينحصر في ما سبق وإن جرت الإشارة إليه، بل وفي طبيعة اختياره للآيات والأحاديث التي تستعملها الإسماعيلية نفسها. غير أنه من الخطأ تقرير تعارض آرائه مع آرائها على طول الخط. فقد كان بينهما من القواسم المشتركة ما لا يمكن ربطه بإرادة أي منهما. بمعنى وحدة "الرصيد الإسلامي" باعتباره المادة "الخام" للكلّ الروحي الذي سعى الغزالي لإعادة بنائه في مشروعه الإصلاحي. فالخلاف الجوهري بينه وبين الإسماعيلية لم يكن في التأويل والباطن، بل في المنهج والغاية. وهو  خلاف حدد في الأغلب ما سبق وإن أسميته بالكيفية التي تبلورت فيها إشكاليات الباطن العقائدية والسياسية والفكرية لكليهما. فقد كان انتقاد الغزالي للباطنية هو انتقاد نموذجها المتطرف أو صيغتها الغالية وليس رفضه إمكانية استعمال الأسلوب الباطني ومادته. وذلك لأن المادة القرآنية المستبطنة في باطنية الإسماعيلية لم تكن كلية التجانس في "براهينها".  ولم يكن بإمكانها أن تكون  "هجينة" عن لغة الإسلام ونفسيته الثقافية وذلك لأنها استمدت خصائصها من خصائص الانعطافات الحادة في التاريخ الإسلامي نفسه، أي أن "تكامل" الإسماعيلية في مظاهرها لا ينفي تباين باطنياتها في باطنها بفعل الاختلافات الداخلية في ما بين اتجاهاتها وأحزابها.

فالغزالي لم يقف عن حدود انتقاده الباطنية التعليمية بصدد قضايا الظاهر والباطن. ولا يغير من ذلك شيئاً بقاؤها العميق، بما في ذلك في هواجس نقده اللاذع لها بهذا الصدد. فقد حاول اتمام نقده هنا من خلال إبراز هفوات ونواقص الاتجاهات المضادة لها. وبالتالي الكشف عما في الوسط والاعتدال من قيم كبرى بالنسبة لفهم حقائق وحدة الظاهر والباطن. فهو ينتقد من أسرف وأبخل، أي كل من أولئك الذين رفعوا الظواهر كلياً بحيث انتهوا إلى تغيير جميع الظواهر و"حملوا كل القرآن بلسان الحال" كغلاة الصوفية والباطنية التعليمية، وكذلك أولئك الذين "منعوا التأويل كلياً كأصحاب الحديث والحشوية"[6]. أما الاشعرية والمعتزلة والفلاسفة فقد ساروا في مدارج التسلسل الأقرب لحدود الاعتدال في الموقف من وحدة الظاهر والباطن. فقد فتحت الأشعرية باب التأويل في كل ما يتعلق بصفات الله وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها ونفوا التأويل فيها. أما المعتزلة فأّولوا من صفات الله الرؤية والسمع والبصر، وكذلك المعراج وعذاب القبر والميزان والصراط، إلا انهم اقرّوا بحشر الأجساد واللذات الجسدية في الجنة. في حين زاد الفلاسفة في التأويل على من سبق من المتكلمين بحيث تأّولوا كل ما ورد بصدد الآخرة وردوه إلى آلام ولذّات عقلية وروحانية، وأنكروا حشر الأجساد وقالوا ببقاء النفوس فقط[7].

لقد شكلت الاتجاهات الخمسة المذكرة أعلاه في مواقفها من علاقة الظاهر والباطن بنظر الغزالي، درجات متباينة في إدراكها طبيعة هذه العلاقة. ولم يضع الغزالي هذا "الترتيب" من أجل الدفاع عن "عقيدة السنّة"، بقدر ما انه أراد رفعها إلى مصاف الوسيطة المعقولة. وهو  اعتدال كان يتطابق فكريا مع مساعيه التوليفية باعتبارها نتاجا للإدراك المستجد في أتون الإصلاحية الأخلاقية العقلانية. وليس مصادفة أن تؤدي هذه العملية في مسارها المجرد إلى اقتراب أسلوبه وآرائه في ميدان الظاهر والباطن من توليف اتجاهية الباطنية والفلاسفة واختزال تقاليد الكلام الاشعري والمعتزلي في انجازاته العقلية. مما جعل من وحدة آرائه نموذجا للإسلامية المتسامية عن تحجر وضيق المذاهب وصراعات فرقها الكلامية والفقهية. من هنا دفاعه عن أخلاقية أحمد بن حنبل ومعارضة مواقفه من التأويل، أي أن دفاعه عن أحمد بن حنبل هو دفاع عما في "اقتصاده" التأويلي من دعوة إلى "رعاية صلاح الخلق"، لا تأييدا "لبخله" في التأويل. بمعنى أنه يأخذ عناصر الأخلاقية الحنبلية ويرفض جمودها الفكري. على عكس مواقفه من الاتجاهات الأخرى. بمعنى اخذه ما هو مناسب من أساليب فكرها التأويلي ورفض "مناقبها" السلبية الممكنة في الأخلاق والوجود السياسي للأمة، أي كل ما وضعه في دعوته لضرورة حدّ الاقتصاد بين أغلال أهل التأويل وجمود الحنابلة[8].

فالغزالي يدرك الفرق الدقيق القائم بين طرفي التناقض. وعبّر عنه بفكرة السرّ الذي لا يمكن كشفه دون ضياء النور الإلهي. وقد كان ذلك يعني أيضا انتقاد ولع المتكلمين والفقهاء في فرق الإسلام التقليدية من إدراك حقائقه بالسماع. ولم يقصد بالنور الإلهي هنا سوى نور اليقين، والوحي الذاتي للتجربة الصوفية في مستواها العقلي، أي الوحدة المتآلفة للأخلاقية الصوفية وعقلانية الوسط الفلسفية. من هنا حكمه القائل بأن ما "وافق مشاهدته بنور اليقين للعقل يجري إقراره وما خالف يؤول"[9]. لقد حاول صياغة النظرية العامة لعلاقة الباطن والظاهر استنادا إلى ثنائية الحس والعقل، والمُلك والملكوت. فهو ينطلق من أن للحواس حقائقها، إلا أنها تتسم مع ذلك بنقصان. فالبصر، على سبيل المثال، يبصر غيره ولا يبصر نفسه. وهو يبصر المتناهي ولا يبصر  غير المتناهي، ويبصر الظاهر ولا يبصر الباطن. على عكس العقل الذي يدرك غيره ويدرك نفسه. ويتساوى أمامه القريب والبعيد ويدرك الظاهر والباطن، بل كلّ ما في الوجود في مجاله. فهو يتصرف كما يقول الغزالي، في جميعها ويحكم عليها حكما يقينيا صادقا. فالأسرار الباطنة عنده ظاهرة والمعاني الخفية عنده جلية[10]. وهو الاستنتاج الذي يمتلك رصيده الفكري في تاريخ التصوف الأدبي والذوقي.(يتبع....). 

 

ا. د. ميثم الجنانبي

.............................

[1] ليس من مهمة هذا البحث تناول القضايا المتعلقة بدراسة وتحليل إشكاليات وخصوصية الظاهر والباطن في الفكر الصوفي. وذلك لأن لها تنوع في المستويات وخصوصية في تجليات المعرفة الصوفية. إن ما هو مهم بالنسبة لهذا البحث يقوم في الكشف عما في وحدة المعاني غير المتناهية، باعتباره النموذج الممكن للصوفي في تذليل النفس وقهرها، وتصفية القلب من وحدة الظاهر والباطن. وهو الاسلوب الذي اتبعه الغزالي في التحليل، والصيغة التي سلكها بفعل تطابقها مع مستلزمات "قواعد الطريق" نفسه. أما صياغتها النظرية، فإنها تتباين بأثر تباين مقدمات "الوعي النظري". لهذا كان لابد لها في حالة الغزالي، من أن تتبلور تحت ثقل النفي الصوفي لعقلانيته النقدية في علم الكلام والفلسفة والفقه.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص2.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص5.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص13.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص13

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص203.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص104.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص 104.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص104.

[10] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص52-53.

 

علاء اللامييمتد العصر البرونزي الوسيط بين (2000 – 1550 ق.م).وقد شهد النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد سيطرة حكم الهكسوس على فلسطين خلال القرون (18 وحتى 16ق.م). وفي هذا العصر (حوالي 1900ق.م)، تزعم الرواية التوراتية أن النبي إبراهيم ظهر مع ابن أخيه لوط في فلسطين، مهاجرا إليها من أور الكلدانية جنوب العراق. وفي فلسطين، ولد له ابناه إسماعيل وإسحاق وابنه يعقوب الذي لقب لاحقا بـ "إسرائيل". والحقيقة التي يتفق عليها جميع المتخصصين في الآثار التاريخية القديمة هي انعدام أي أثر أركيولوجي مكتوب أو غير مكتوب، في فلسطين وفي محيطها المصري والعراقي والشامي القديم، يؤكد حصول هذه الهجرة بأي معنى من المعاني.

تبدأ الرواية التوراتية بذكر فلسطين مع ولادة النبي إبراهيم في أور الكلدانية في سنة 1900 ق.م، فيما تتراوح ترجيحات ولادته في مصادر دينية غير تأريخية أخرى بين سنتي 2324 و1850 ق.م، وهجرته إليها حين كان في الخامسة والستين من عمره كما يقول سفر التكوين.

يمكن رسم خط هجرات إبراهيم التوراتية كما يأتي: من أور ← بابل ← حاران ← شكيم "نابلس" ← بيت إيل ← مصر ← بيت إيل ← حبرون "الخليل"← دمشق ← حبرون "الخليل" ← جرار ← بئر السبع ← مريا ← بئر السبع ← حبرون "الخليل".

إن قصة إبراهيم التوراتية بسيطة، وليس فيها ما هو مثير ومهم. إنها ليست سوى رحلات لأسرة صغيرة متوسطة الحال من رعاة الماشية الذين تعج بهم سهول الشرق الجزيري. فقد رحل إبراهيم مع زوجته سارة إلى أرض كنعان، ومعهم ابن أخيه لوط وزوجته، وأقام لفترة قصيرة في مدينة شكيم - نابلس، وبنى مذبحاً للرب. ثم تضيف التوراة أنه اتجه جنوباً بعد ذلك إلى بلدة "بيت إيل" الكنعانية والتي تحمل اسم كبير الإلهة الكنعانية إيل،[1] ووصل إلى النقب في طريقه إلى مصر بعد حدوث مجاعة. وبعد ذلك عاد من مصر إلى جنوب فلسطين، وفي بيت إيل ذاتها انفصل إبراهيم ولوط بسبب امتلاكهما قطعانا كبيرة من الماشية ووجود مراع قليلة ضاقت بها وعليها. وتزعم التوراة أن الرب وعد إبراهيم بأن تكون الأرض الواقعة بين الفرات والنيل له ولنسله. وقد استقر إبراهيم في حبرون "الخليل" حيث اشترى مغارة هناك، وتنقَّل في مناطق كنعان القريبة من الخليل "حبرون" مثل مدينة "جرار" الواقعة جنوب شرقي غزة، وكذلك "مريا" القريبة من القدس في الشمال. وبعد ذلك عاد إلى جنوب فلسطين، وعاد ليستقر في الخليل "حبرون" ليتوفى بها بعد عمر طويل يصل في أقصر الروايات إلى 175 عاما، ويدفن في المغارة التي اشتراها والتي تدعى اليوم "مغارة المكفيلة" الواقعة داخل المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل الفلسطينية.

إن كل هذه المعطيات والمعلومات لم ترد إلا في المصدر التوراتي، ولم يتم العثور على أثر أركيولوجي واحد يعتد به يؤكد وجود النبي إبراهيم وجودا تاريخيا كما أسلفنا. أما ما قيل عن وجود أثر يحمل اسم "إبراهيم" في "ألواح إيبلا" التي قرأها العالم الإيطالي جوفاني بيتيناتو، والمنسوبة الى القرن الخامس عشر ق.م، وزعم أنه عثر فيها على ذكر أسماء الأنبياء التوراتيين ابراهيم واسماعيل وداود، فهذه الألواح لم تحظ بتأكيد أو تأييد علمي رصين، والضجة التي أثارتها في السنوات الأولى لاكتشافها أواسط السبعينات من القرن الماضي بين أوساط المؤيدين لتاريخية التوراة وخصوصا سفر التكوين فيه انطفأت تماما، ولم يعد يهتم بها حتى التوراتيون الباحثون بلهفة عن أي أثر حاسم من هذا النوع.

وكان الباحث بيتر كريغ قد ناقش في كتابه "أوغاريت والعهد القديم" ادعاءات بيتيناتو ونقدها بعمق ودراية وأظهر تناقضها وعدم جديتها فكتب (في سياق عمله على هذه المجموعة الهائلة من النصوص - الإيبلائية - تبين لبيتيناتو أن 80% من هذه النصوص مكتوب باللغة سومرية، و20% مكتوب باللغة الجديدة التي دعاها الكنعانية المبكرة، وهي تشكل أكثر من ثلاثة آلاف رقيم منقوش بالخط المسماري المعروف له في منطقة سومر وأكد "..." ومع قيام بيتيناتو بدراسة محتويات الرُقُم الإيبلائية ، أخذ يطرح العديد من الادعاءات في تصريحاته ومقالاته)[2]. وبعد أن يعرض كريغ ادعاءات بيتيناتو، يركز على ادعائه وجود أسماء علم سامية وردت في التوراة كداود، واسم أحد ملوك إيبلا هو "إيبروم"، المتصل صوتا ولغويا بسلف العبرانيين المدعو "عابر"، إضافة إلى وجود المدن الخمس الواردة في سفر التكوين، سدوم وعمورة وأدمة وصبوئيم وبالع، وبأسماء بعض المدن الفلسطينية كمجدو وأورشليم وأشدود، يلاحظ كريغ أن إبرام قد ارتبط بمدينة حران، وأنه عاش بعد عدة قرون من عصر ازدهار إيبلا.

إنَّ هذه الحقيقية تعني انقطاع الصلة التاريخية والمضمونية بين المسمى إيبروم الإيبلائي وإبراهيم التوراتي! ثم هل كانت التوراة ستسكت لو كانت هناك أية علاقة بين إيبرام اللإيبلائي وإبراهيم التوراتي؟

إن قضية وجود أسماء جزيرية "سامية" من قبيل إبراهيم ويوسف ويعقوب وغيرهم، على آثار من الحضارات القديمة، تتكئ على تفسير أو تحليل وحيد هو التفسير اللفظي، القائم على التقارب الصوتي بين الأسماء كملفوظات صوتية، وليس على أي شيء آخر ذي علاقة بالسياقات التاريخية المعنية بذوي الأسماء وتلك الآثار. وممن سبق أن وقعوا في هذا المطب اللفظي اللاتاريخي المؤرخ فيليب حتي حين ذكر في كتابه "تاريخ سورية ولبنان. ص 160"، وفي معرض كلامه عن رجل من الهكسوس يدعى "يعقوب هار"، (ويعقوب هذا هو حتما يعقوب المعروف في التوراة). ويعلق يوسف سامي اليوسف ساخر على هذا الاستنتاج قائلا (ولماذا "حتما" هذه؟ هل من المحال أن يكون في الدنيا رجلان اسم كل منهما يعقوب؟)[3].

 كما خرج أسد أشقر في استنتاج مشابه حين كتب في كتابه "تاريخ سوريا" (ويبدو ان اليهود، بقيادة يعقوب، قد دخلوا مصر في تلك الحقبة. ص155). وكان الأجدى بأشقر، كما يعلق اليوسف (أن يطرح هذا السؤال: هل كان ثمة يهود على الأرض في أيام الهكسوس؟). واليوسف محق هنا تماما، فالهكسوس ظهروا في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وسيطروا على مصر بعد غزو وتسلل دام خمسين عاما في القرن السابع عشر، وفي تلك الحقبة لم يكن لليهود أو من يزعمون أنهم أسلافهم كالعابيرو والخابيرو أي وجود أو ذكر، حتى ورد ذكرهم للمرة الأولى بعد أربعة قرون تقريبا في إحدى رسائل تل العمارنة حيث أشير الى احتلال الخابيرو لمدينة شكيم الكنعانية سنة 1360 ق.م والتي سيطروا عليها لنصف قرن فقط.

ومن هذا القبيل، أخيرا، ما ذكره الباحث العراقي أحمد سوسة في كتابه " العرب واليهود في التاريخ"، حين كتب ما معناه أن المنقيبين عن الآثار اكتشفوا مكانا يسمى يوسف بعل. وإن يوسف بعل اسم كنعاني ولا يعني سوى أن الساميين قد اجتاحوا مصر وحكموها خلال العصر الذي سمي عصر الهكسوس)[4] وما يقوله سوسة هنا مجرد ترجيح ضعيف، فأصل الهكسوس ما يزال غامضا، وموضوع نقاش وعدم اتفاق بين الباحثين المتخصصين حتى اليوم!

 نعود لما تكتبه كريغ فهو يقول بهذا الصدد إن عددا من الباحثين (رأى في مكتشفات إيبلا وقراءة بيتيناتو المتعجلة لها مجموعة جديدة من المعلومات التي يمكن أن تسوي الجدل الدائر حول تاريخية أو لا تاريخية النبي التوراتي إبراهيم. وللوهلة الأولى بدا أن هذا الاكتشاف يرجح كفة القائلين بتاريخية سفر التكوين، من الإصحاح 12 إلى الإصحاح 50، ولكن المسألة لم تكن على هذه الدرجة من الوضوح "..." وبين عامي 1975 و1980 قامت دعاوى عديدة صدرت عن أناس لم يروا رقُم إيبلا ولا يعرفون قراءة نصوصها أو ترجمة لغتها ولم يضعوا قدما في سورية. وإذا كنا نغفر لبيتيناتو الادعاءات المتسرعة التي تقدم بها بداعي حماسته للاكتشاف الجديد، فإننا لا يمكن ان نغفر لمن سار على خطاه، مثل أحد الباحثين الاستراليين الذي سارع عقب قراءة بيتيناتو إلى طباعة كتيب يدعي فيه أن مدينة إيبلا قدمت أخيرا الدليل القاطع على أن الكتاب المقدس على حق دوما).

ثم ينصح كريغ في كتابه فيقول (إن علينا أن نكون حذرين قبل إصدار أية دعاوى بهذا الخصوص، وقبل أن يمر زمن طويل تصبح فيه هذه المكتشفات معروفة ومقروءة جيدا من قبل الباحثين). ويختم كلامه بطريقة ساخرة فيقول (إنه لمن الخطأ أن نركب أية عربة تذيع الموسيقى وترفع يافطة كتب عليها "إيبلا تؤيد الكتاب المقدس"، وذلك لسببين: الأول هو أن الادعاء بصحة وثيقة ما، اعتمادا على بينة لم تُعاين شخصيا، ولم تدرس بما فيه الكفاية، هو أمر على جانب كبير من الخطورة، وهو كارثي من ناحية أكاديمية، وهو غير مسؤول من المنظار اللاهوتي والديني. أما السبب الثاني فهو أن هذه الدعاوى تتخذ طابع التضليل، وهي تنتمي في جزء منها إلى اتجاه يسود العالم المسيحي المعاصر، ويسعى لوضع اليد على أي شاهد ظاهري شكلي من شأنه دعم الإيمان المسيحي، سواء كان أخشاب سفينة نوح أو رقم مدينة إيبلا أو كفن تورينو. ص 146)[5]. وبعد مرور عقدين من السنوات على كلام كريغ هذا لم يخرج باحث رصين أو مؤسسة علمية مهمة وذات صدقية بأي تأكيد أو تأييد لادعاءات بيتيناتو تلك وتم إهمالها حتى من الباحثين التوراتيين أو المتدينين المسيحيين المتلهفين لأية أدلة كهذه.

 ويشير تقرير صحافي مقتضب، نشر قبل سنوات قليلة، إلى أن بعض تلك المكتشفات الإيبلائية (قد ترجمت من قبل اختصاصيين دوليين قاموا بنشر نتائج قراءاتهم وأبحاثهم في مجلة "دراسات إيبلائية" وفي مجلة "حوليات إيبلا"، وقدموا دراسات مهمة، ردت علمياً، على تلك الادعاءات، عن علاقة إيبلا بالتوراة، ومدن السهل الخمس، وكانت حصيلة الدراسات أن لا علاقة لإيبلا، من قريب ولا من بعيد، لا من حيث الشكل أو المضمون، بالعبرانيين أو التوراة)[6].

وتستمر الرواية التوراتية الدينية في روايتها حتى تبلغ عصر النبي موسى الذي -بحسب رواية التوراة نفسها - قاد بني إسرائيل باتجاه الأرض المقدسة في النصف الأخير من القرن 13 ق.م؛ أي قرب نهايات العصر البرونزي المتأخر، الذي شهد هو، وبداية العصر الحديدي، قيام مملكة داود وسليمان 1004 – 923 ق.م.

وبهدف الاختصار، سأدرج فقرات قليلة من مخطط تزميني "كرونولوجي" طويل جدا وذي طابع رسمي حول تاريخ مزعوم للعبرانيين، اليهود، بني إسرائيل في فلسطين، وقد تعمدت أن أقتبس هذا المخطط الكرونولوجي كما هو - مع بعض التصحيحات اللغوية والاختصار- من موقع وزارة الخارجية "الإسرائيلية"، ليكون أكثر "رسمية" في التعبير عن وجهة نظر الحركة الصهيونية الحديثة ودولتها القائمة اليوم، ثم سنبين تفصيلا كيف دحضت المكتشفات الآثارية العلمية الصلبة والمقنعة هذا المخطط الكرونولوجي الصهيوني الخرافي:

*حوالي 1700ق.م: بداية ״فترة الأجداد״ (المرحلة البطريركية) التي عاش فيها إبراهيم وسارة وهاجر في الجيل الأول، وإسماعيل وإسحاق ورفقة في الجيل الثاني، يعقوب، راحيل، ليئة وعيسـو في الجيل الثالث، يستقدم يوسف أباه وإخوته أواخر هذه الفترة للعيش في مصر بمباركة فرعون (سفر التكوين).

*حوالي 1250 ق.م: الفترة التقريبية للخروج التوراتي أو النزوح من مصر إلى صحراء سيناء، حيث عاش هناك بنو إسرائيل أربعين سنة (سفر الخروج والعدد).

*حوالي 1210 - التأريخ التقريبي ״لغزو״ بني إسرائيل أرض كنعان (سفر يشوع).

715 – يقوم الملك حزقيا بتقوية النظام الديني وتوحيد مملكة يهودا الناجية.

721-586 – تنجح يهودا في البقاء مملكة مستقلة، ومن حين إلى آخر تدفع الجزية للإمبراطوريتين البابلية والمصرية.

587-586 – تفتتح بابل أورشليم وتدمر الهيكل، وتصبح يهودا محافظة بابلية.

إن الأخطاء الفظيعة في هذا المخطط الكرونولوجي لوزارة الخارجية الإسرائيلية كثيرة، ولا تستحق الوقوف عندها لأنها لا تمت بصلة لأي علم من العلوم القديمة أو الحديثة، بل تمت بكل الصلات إلى البروباغندا السياسية والدينية. ولعل من أبرز تلك الأخطاء، أن كاتب التزمين أطلق اسم "أرض إسرائيل" وحذف اسم البلاد الصحيح والمتفق عليه بين الباحثين، وهو "بلاد كنعان"، في فترة تسميها التوراة "حكم القضاة" بين القرن الثاني عشر والحادي عشر ق.م!

كما جمع الكاتب أطلال السامرة الموجودة في قرية سبسطية على بعد 12 كم شمال غرب نابلس، مع أطلال شكيم الموجودة في قرية بلاطة البلد على بعد كيلو متر واحد في الطرف الشرقي لمدينة نابلس الحالية، جمعهما في مدينة واحدة هي السامرة وجعلها عاصمة لمملكة منشقة تدعى إسرائيل.

يمكننا أن نستخلص من المخطط التزميني التوراتي الذي استنسخته الخارجية الإسرائيلية عن التوراة مباشرة، الخلاصات التالية:

*قبل القرن السابع عشر قبل الميلاد، لم يكن للعبرانيين أو اليهود أي وجود في فلسطين التاريخية، التي كانت عامرة بالمدن والتجمعات السكانية الكنعانية آنذاك، وفي القرن الثامن عشر ق.م مرت أسرة النبي إبراهيم بفلسطين في طريقها الى مصر.

*يبدأ الغزو العبراني وفق رواية التوراة لبلاد كنعان في القرن الثاني عشر قبل الميلاد بعد "الخروج من مصر" بأربعين عاما، هي فترة التيه في سيناء، وينتهي عهد "الاتحاد الكونفدرالي غير المتين لاثنتي عشـرة قبيلة" تعيش في مناطق قبلية منفصلة داخل "أرض إسرائيل"!

نلحظ هنا جذور الكذبة التاريخية، فقد أصبحت "أرض كنعان" أو فلسطين التاريخية في الرواية التوراتية والصهيونية المعاصرة فجأة "أرض إسرائيل"، لمجرد أن عدة قبائل، أو ربما أفخاذ من قبيلة مهاجرة، استولت على جزء من تلك الأرض. وقطعا، لا وجود لأي دليل أثري واحد من فلسطين أو مصر أو العراق أو الشام يؤكد أي تفصيل من هذه التفاصيل. أما التوراة نفسها فتعترف - ضمن تناقضاتها التي لا حصر لها - بأن سيطرة "بني بنيامين العبرانيين" على القدس قد تمت، كما يفهم، عن طريق التسلل التدريجي، وليس عن طريق الحرب والغزو، إذْ يقول  سفر القضاة 1: 21، (وَبَنُو بَنْيَامِينَ لَمْ يَطْرُدُوا الْيَبُوسِيِّينَ سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ، فَسَكَنَ الْيَبُوسِيُّونَ مَعَ بَنِي بَنْيَامِينَ فِي أُورُشَلِيمَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ)[7]، بعد أن قالت في صفحة أخرى من السفر نفسه إنها أخذت من الكنعانيين بحد السيف (سفر القضاة 1: 8) وَحَارَبَ بَنُو يَهُوذَا أُورُشَلِيمَ وَأَخَذُوهَا وَضَرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ، وَأَشْعَلُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ[8]، وبنيامين ويهوذا أخَوان من الأسرة ذاتها، فهما ابنان ليعقوب بحسب التوراة.

*بين تتويج شاؤول سنة 1020 ق.م، وسقوط دويلة يهوذا سنة 586 ق.م، لا يزيد عمر الدولتين العبرانيتين المزعومتين إسرائيل ويهوذا على ثلاثة قرون وسبعين عاما تقريبا، تتخللها حروب ضارية ضد الفلسطينيين وتنتهي بهزيمتهما العسكرية وتدميرهما من قبل الرافدينيين الجزيريين، الآشوريين فالكلدانيين. وهناك الكثير من الأدلة على أن هاتين الدولتين لم تكونا يهوديتين أو عبرانيتين في القرون الأولى، بل كانتا دولتين كنعانيتين، تهودت إحداهما في القرون الأخيرة من تاريخها، وهي يهوذا "الجنوبية"، وبقيت الدولة الشمالية "إسرائيل" كنعانية وثنية - كما يدل اسمها الحاوي على اسم أكبر آلهة كنعان إيل - منذ بدايتها وحتى سقوطها.

هذا بخصوص النبي إبراهيم التوراتي فماذا بخصوص مقولة "شعب إسرائيل القديم" وكيف فككها العلماء والباحثون المتخصصون وفي طليعتهم توماس.ل. تومسن؟ هذا ما سيكون موضوعا لمقالتنا القادمة. 

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

..............................

**هذه المقالة جزء من دراسة مطولة حول الموضوع ستصدر لاحقا في كتاب "نقد الجغرافيا التوراتية ودراسات أخرى".

[1] - صادر الصهاينة في دولة "إسرائيل" هذا الاسم " بيت إيل"  واعتبروه عبرياً ويهودياً، وأطلقوه على مستوطنة أقاموها على أراض فلسطينية مصادرة هي الأخرى شمال شرقي مدينة البيرة.

[2] -  بيتر كريغ  - أوغاريت والعهد القديم – ص 142 و 144 – ترجمة فراس السواح – دار ممدوح عدوان للنشر – ط1 – دمشق 2016.

[3] - يوسف سامي اليوسف – تاريخ فلسطين عبر العصور – ص38 – دار الأهالي – ط1  – دمشق 2000.

[4] - اقتبسه اليوسف – المصدر السابق – ص 38.

[5] - المصدر السابق - ص 147 .

[6] - تقرير إخباري بعنوان " ألواح إيبلا" نشر بتاريخ 27 نيسان 2015 في موقع شبكة الأخبار السورية المتحدة.

[7] - (سفر القضاة 1: 21) وَبَنُو بَنْيَامِينَ لَمْ يَطْرُدُوا الْيَبُوسِيِّينَ سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ، فَسَكَنَ الْيَبُوسِيُّونَ مَعَ بَنِي بَنْيَامِينَ فِي أُورُشَلِيمَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ.

[8] - (سفر القضاة 1: 8) وَحَارَبَ بَنُو يَهُوذَا أُورُشَلِيمَ وَأَخَذُوهَا وَضَرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ، وَأَشْعَلُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ.

 

رحيم الساعديبقلم الباحث اليوناني: إيليني لينارداكي

 موقع linke اليوناني

ترجمة: د. رحيم الشياع الساعدي

***

يُعرف معظم المسيحيين - لا سيما من خلال القراءات النبوية التي تُسمع في المعابد الأرثوذكسية وأيضًا من خلال دراساتنا الخاصة - العديد من نبوءات العهد القديم، التي أصبحت أحداثًا في العهد الجديد والتي تثبت كدليل لا يمكن دحضه، ليس فقط في أصولهم الملهمة، ولكن أيضًا في الحقيقة المطلقة عن حياة وتعاليم يسوع المسيح.

على سبيل المثال، فإن قلة من المسيحيين هم الذين لا يعرفون نبوة إشعيا في الفصل 53 من ثمانية قرون قبل وفاء المحدد لتلك النبوءات بوصفها من العاطفة الإلهية، ولكن ما هو غير معروف على نطاق واسع هو أن العديد من الكتاب اليونانيين القدماء تركوا نبوءات مروعة عن يسوع المسيح الذي كان سيأتي إلى العالم ويعاني من أجل خلاصنا.

هذه شظايا نبوية أطلق عليها آباء كنيستنا "خطابًا مألوفًا" وتوجد في جميع الشعوب، يتم نشر البعض منها اليوم أدناه، كرد فعل على أولئك الذين يشككون في مسيحية المسيح، وكذلك تقوية إيماننا جميعًا من قبل المسيحيين الأرثوذكس.

 ويتبين من دراسة مقارنة لتقاليد شعوب العالم المختلفة، ان البشرية جمعاء قبل الميلاد كانت تنتظر مجيء المخلص الذي سيخلص البشرية من الموت وقد تنبأ العالم القديم، بطرق مختلفة، وسوف نشير إلى بعض من شهدوا في المخطوطات والأعمال القديمة.

فسقراط قال في دفاعه: (يا أهل أثينا، في كل حياتكم وأنت نائمون أنتم تدنون من الموت، وقد تمكنت من إيقاظكم من نوم الظلام.  سوف تنامون حتى يأسف الله ويرسل إليكم الشخص الذي سيوقظكم حقًا)

-أفلاطون، اعتذار سقراط -

وأفلاطون كان قد كتب في كتابه القانون (الصديق الذي ظلموا وجلدوا، وضربوا في نهاية المطاف سوف يصلب "كما تحتوي "دولة" أفلاطون على نبوءة تساوي نبوءات أنبياء العهد القديم: فهو يقول (سيتم تجريده من كل شيء ما عدا العدالة، لأنه كان معارضًا بطبيعته ومن دون إدانة أي شخص، سوف يتعرض للخديعة إلى حد كبير ويوصف بانه غير عادل ويتعذب من أجل العدالة، وسوف يمتلئ بالدموع، سوف يكون مشوه الجلد، ومن بين الجروح الكثيرة التي تظهر على وجهه، سوف يستحم، وفي النهاية، بعد كل شر، سيُسم على خشب عالٍ.

والعرافات، أيضا، اللواتي كن من المتنبئات من العصور القديمة اللواتي لديهن القدرة على يتنبأن بالمستقبل ينظر (سقراط في عمل أفلاطون "فيدروس").

في جبل آثوس، توجد أيضًا مخطوطات تحافظ على نبوءات سيبيلوس لمجيء المسيح، على سبيل المثال، في مخطوطة تحت عنوان "النصب التذكاري للرسول المقدس فيليبس" المحفوظة في دير Dochiarios يرد  ما يلي:

(بعد مرور فترة طويلة، سيأتي الانسان إلى هذه الأرض الهادئة ويولد بتضحيات غير محدودة مع حدود إلهية لا تنضب، سوف يستبدل الإنسان وسوف يحسده الناس غير المؤمنين به ويعلقونه ليموت)

وتقول العرافة أيضا (من يفعل كل شيء عن طريق السبب وسوف يشفي كل إنسان، وسوف يكسر الرياح بكلمته، وسوف يطمئن البحر المرتجف، بعد أن مشى بسلام وإيمان وسيقدم الخدين والظهر المطهر بالسياط. بينما هم يصفعونه، سوف يصمت، حتى لا يمكن أن يفهموا من هو، ما هو (الابن)، من أين أتى ليتحدث إلى الموتى، وسوف يرتدي تاج الشوك)

والعرافة ودلفي في هذا العمل الافلاطوني (فيدروس) تتنبأ بالابن العظيم، الذي أظهر المجد  الذي لم يولد، من زوجين اثنين بسبب الجسد، وظهر واستحم في تيارات نهر الأردن)

وتنبأت العرافة في كتاب أفلاطون "Faidos " بالقول (انت لم تتعرف على إلهك، الذي سكب في مجرى الأردن، وطار روحًا لفترة طويلة، هو الذي كان قبل الأرض وكانت نجوم السماء الكاملة مهيمنة بكلمة الأب والروح الطاهرة، ورغم أنه كان قوياً في الجسد، فقد طار سريعًا إلى منزل والده)

 وقد أخرجت الشعوب القديمة الأخرى مثل هذه النبوءات دون أن تقترب بأي حال من الأحوال من دقة نبوءات العهد القديم لتقتصر فقط على الإشارة إلى مجيء المنقذ الذي سوف يسترد العالم.

ومع ذلك، فإن نبوءات الإغريق القدماء تقدم معلومات مفصلة للغاية عن المسيح (مولده من قبل العذراء مريم، طبيعته الإلهية، عجائبه، الصلب، النزول إلى الجحيم وقيامته).  

هذا هو بالضبط ما يعترف به كاتبنا الكنسي العظيم كليمنت الإسكندري (القرن الثاني بعد الميلاد)، والذي صرح صراحة في ستروماتيس (المتفرقات) (٥: ١٣) بوضوح: "أنا مع الإغريق بشكل واضح احتجاجًا على منقذنا"

 

 ................................

الآراء الواردة تمثل وجهة نظر صاحب المقال – د. رحيم الساعدي-