مجدي ابراهيمليس من الحكمة في شيء أن يسلك الإنسان سلوكاً في الحياة يجيءُ على النقيض ممّا يعتقد. وليس من الحكمة في شيء أن يعتقد الرجل بلسانه ثم يفعل الفعل فيخالف فعله اعتقاده؛ فهذا مع كونه تدليساً يؤدي بالضرورة إلى النكوص الأخلاقي فهو أيضاً من جانب آخر يعدُّ سفاهة عارمة بالفوضى السلوكية والتخبط المعرفي وعدم الانضباط الخلقي والبعد عن الدين. إنّما الحكمة تقتضي أن يكون الإنسان على الدوام عالماً بما يعتقد سالكاً لهذا الاعتقاد. وعليه؛ فالعلم وحده لا يكفي، والمعرفة المُرَادفة للعلم وحدها لا تنهض دليلاً على إنسانية الإنسان؛ فلا يكفي مثلاً أن أعلم نظراً عن الشيء أنه كذلك، بغير أن يكون لديَّ الخبرة الكافية التي تؤهلني لإدراكه ذوقاً فضلاً عن العلم به؛ لكأنما الخبرة والتجربة شيءُ، والعلم بالشيء كما هو عليه شيءٌ آخر. أعني أن التجربة المُعاشة هى الفيصل في جميع الخبرات التي يُراد لنا معرفتها؛ فنحن لا نكون جديرين بالمعرفة ما لم نكن في أنفسنا أهلاً لهذه الخبرة التي من شأنها أن تجيء كما لو كانت متلبّسَة بها.

إدراك الشيء بالعلم وحده لا يكفي، ودرجة العلم مع أهميتها الضرورية في الحياة ضعيفة جداً. وعلمك عن الشيء كما هو ليس هو حقيقته؛ فَهَبْ أن أمامك الآن كوباً من الماء، وكوباً من شراب آخر لا يختلف عن لون الماء، وكوباً ثالثاً لا يغاير ما هو ممتلئُ به من حيث اللون الكوبين الأولين؛ فمن أين لك بمعرفة ما في تلك الأكواب الثلاثة لو أنك قصرت النظر فقط على إدراك الحاسّة البصريّة الظاهرة؟ تبقى بعد ذلك الخبرة التي تطلعك ذوقاً بمقدار ما في الأكواب الثلاثة من "حقائق"، ومن ثمّ نستطيع التمييز بينها. والخبرة التي نعنيها هنا هى "التذوق"، بالذوق تُفَرِّق طعم الماء من طعم الزيت من طعم الخمر مثلاً، لو نقلت العلم إلى ميدان التذوق.

وكما أن ها هنا تذوقاً حسياً، فهنالك أيضاً تذوق معنوي روحي؛ فالخبرة إنما هى التذوق. بينما العلم هو علمك بالشيء قبل أن تجري عليه اختبار التذوق، أي قبل أن تختبر طعم الماء وتميزه عن غيره من طعوم ومشروبات.

وعلى هذا؛ تصبح تجربة التذوق غير تجربة العلم، وكذلك ذوق طعم العسل مثلاً غير العلم به وصفاً عن طريق الغير؛ فلو أن أحداً قال لك إن هذا كوباً ملئ نصفه عسل وأن طعمه حلو المذاق، فلا يفيدك وصفه علماً بطبيعة العسل إلا حين تتذوّقه، فالعلم الذي أخذته عن الغير شيء، وذوق طعم العسل شيء آخر. في مثل هذا الذوق تحوَّل العلم إلى إدراك. وكذلك تجربة الإحراق بالنار؛ فإنّ ذوقها غير العلم بها عن طريق الغير. فهذه وتلك أمثلة هى من الفوارق الضروريّة التي تطلعنا على مدى الصحة التي يتوخَّاها العارفون في التفرقة بين "الذوق" و"العلم".

فالذين يندرجون تحت ما يسمى بأرباب الأحوال وأصحاب المواجيد والأذواق هم يخبرون الأشياء بخبرات روحيّة ويتعاملون معها، وهم في الحق يتعاملون مع حقائق علويّة يدركونها إدراكاً ذوقياً يحتاج بداهة إلى ممارسة واختبار؛ فلا يغني العلم بها فتيلاً ما لم تخضعه للمعايشة والسلوك والحياة لحكم الحال.

ثم يصفون هذه الخبرات وصفاً صادقاً من طريق "الذوق" أيضاً لا من طريق "العلم"؛ فإذا هذه التجارب الناتجة عن الممارسة تتميز بذاتها عن العلم. فالفرقُ هاهنا واضح بين من يعلم عن الشيء طبائعه من خارج، وبين من ينفذ إلى أسراره وحقائقه حين يخوض عباب التجربة، فيدرك ذوقاً حقيقة ما رأى وحقيقة ما شاهد، أي يدرك حقيقة هذا الشيء من العمق والفحوى والمضمون. وليس نصيبنا نحن من الفهم ما نعلم أننا نفهمه بل نحن نفهم أشياء شتى بالبديهة والخيال ولا نعلم بها، وهى تعمل عملها في الإحساس والتفكير.

من هذه الفوارق البسيطة تتميز حكمة العارفين الذوقيّة عن حكمة النُّظار من الفلاسفة والعلماء والمتكلمين : الأولى لا شك تخضع لسلطان الحال، وتجرى في الحياة الروحيّة مجرى التذوق والمعايشة والحياة عن طريق الفعل والعمل والتطبيق : تطبيق الفكرة على الواقع العملي، والاعتقاد على السلوك الفعلي.

والثانية : تدور حول العلم لا حول الإدراك، ولا تعترف بشيء غير ما يعطيها النّظر المجرّد عن لواحق العمل والتنفيذ، ولو كانت في ذاتها ضد التذوق في الأصل والمصدر. حكمة العارفين هى التي قال فيها سيد الخلق رسول الله صلوات الله وسلامه عليه :"إذا رأيتم الرجل قد أعطى زهداً في الدنيا، وقلة منطق (أي صمت) فاقتربوا منه؛ فإنه يُلَقَّن الحكمة".

فليس من الحكمة في شيء مثل هذا التكالب المسعور على زخرف الدنيا في غير مرضاة الله. وليس منها كذلك في شيء مثل هاته الثرثرة الفارغة من الوعي والعقل ودلالة العمل الكريم. وقد قيل إن آفة العلم والعلماء هى الخوض في الباطل، في الثرثرة : الثرثرة في الونسات وفي الصحف وفي الفضائيات، وفي اللقاءات، وفي المؤتمرات وفي الندوات، وفي الجرائد والمجلات؛ وفي سيرة الناس، والخوض في أعراض خلق الله بالباطل، وتشويه سمعتهم ونعتهم بما ليس فيهم.

هذه ضروب من الثرثرة وأدناها الثرثرة في الحديث بالعلم.

وأكثر الناس إشارة إلى الله أبعدهم عنه، "وما دُمْتَ تُشيرَ فلَسْتَ بموحِّد"، وما دُمْتَ تثرثر بالحديث عن العلم المعزول عن دنيا العمل الفعلي؛ فأنت أبعدُ ما تكون عن الأخلاق، وعن العلم، وعن الدين؛ لأن العالم الحق لا يحدّث الناس كثيراً بالثرثرة التي لا فائدة منها. العالم الحق يدرك أنه مُقَاربٌ من الحضرة الإلهيّة، وحضرة المعرفة كما صَوَّرها العارفون بالله إنّما هى حضرة بُهْت وسكون لا حضرة ثرثرة وصياح.

*    *     *

الله في عون العبد ما دام العبد في عون نفسه على طريق الله. ومن عون نفس العبد على طريق الله أن يفهم كلامه، وأن يتقرب إليه به، وأن يراقب نفسه من خلاله، وأن يكون بالقرآن خلوصاً في القصد والتبعة، وأن يعقل من حكمة هذا الكلام بمقدار ما يفهم، ولا عقل له ولا فهم وهو بعيد من حيث يظن القرب؛ لأنه بعيدٌ عن فهم القرآن، وقد تَرَادَفَ فهم القرآن مع الحكمة فقيل في حقه إنّه الحكمة بعينها، وما الحكمة إلا فهم لطائف القرآن ووجوهه ومعانيه كما حكى عن الإمام على بن أبي طالب رضوان الله عليه أنه قال :"لو شئت أن أوقر سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب؛ لفعلت".

بالقرآن تتوارد على قلوب العارفين نفائس الحكمة ولطائف العرفان. وبالقرآن ينظرون ويفكرون ويتأملون ويعيشون أخلد الحيوات. ومن أجل ذلك؛ فهم يخرّجونَ من القرآن على منهج الذوق لطائف ومعان قلَّ أن تجد لها مثيلاً في تخريجات المفسرين وتفسيرات العلماء والحكماء والمؤولين. من ذلك أنهم قالوا : ما من آية من في القرآن إلّا ولها سبع معان : ظاهر، وباطن، وإشارات، وإمارات، ولطائف، ودقائق، وحقائق. هذه سبعة ألفاظ لسبع معان، لسبع طوائف يفهمون القرآن على نحو لا يفهمه به سواهم؛ فالظاهر للعوام، والباطن للخواص، والإشارات لخواص الخواص، والإمارات للأولياء، واللطائف للصديقين، والدقائق للمحبين، والحقائق للنبيين. ثم قالوا : تحت كل كلمة، بل تحت كل حرف بحرُ حِكَم عجاج ذو قعر مواج؛ فإذا قرأه الشاهد من العارفين والصادق من الخائفين أعطى بكل حرف ذهن، ولكل ذهن ألف فهم، ولكل فهم ألف فطنة، ولكل فطنة ألف عبرة، والعبرة لا تقوم بها السموات والأرض؛ فذلك قوله تعالى :"ومن يؤتَ الحكمة فقد أُوتىَ خيراً كثيراً"، يعني فهم القرآن ومعانيه" (أ. هـ).

ولربما قُوبِلتْ هذه العبارات بالسخرية والتهكم والمناكرة من أناس لا ترتفع عقولهم ولا أرواحهم فوق النعال التي يدوسون بها قُرَاب الأرض؛ فينكرون أن يكون لهذه الحقائق وجودٌ على الحقيقة في الواقع ملموس. وإنما هى فيما يرون مجرد تخيّلات أو أشبه بالتخيّلات لا وجود لها إلا في أوهام قائليها! فهم معذورون؛ لأن أرواحهم في عزلة عن هذه المعاني؛ ولأن عقولهم المحدودة بحدود ما تفكر فيه لا تدرك غير ما تدركه السائمة، إنْ صح للسوائم أن تدرك ما يدركه إنسان! على أن إدراك السوائم والحشرات قد يكون فيه النفع لجنسه أكثر من إدراك الآدمي الذي حمل تبعة الأمانة وهو ظالم لنفسه جهول.

هم معذورون؛ لأنهم يلهون ويقودهم اللهو إلى السّهو بعيداً عن حظيرة الإيمان. ولا شرط لفقه القرآن إلا شرط البقاء دوماً على الإيمان، وعلى معدنه الأصيل الذوقي في طوايا الكرماء الأصلاء من بني الإنسان. قال الفضيل بن عياض :"حاملُ القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، ولا يكون له إلى مخلوق حاجة، حتى الخلفاء فمن دونهم ينبغي أن يكونوا محتاجين إليه". وعن ابن عباس رضوان الله عليه إنه قال :"من قرأ القرآن من قبل أن يحتلم فهو ممّن أُوُتىَ الحكمة صبياً". وعن النبي صلوات الله وسلامه عليه قال :"من أُوتِىَ القرآن فقد أدرجتْ النُّبُوّة في جنبيه إلا إنّه لم يوح إليه". وقال عليه السلام :"الماهرُ بالقرآن مع السَّفرة الكرام". وأقلُ ما يُقال فيمن يطالع هذا الكلام أن يدعو الله بصدق ليقول : اللّهم اجعلنا ممّن أطلعتهم بفضلك على حكمة القرآن.

وأقلُ ما يُقال كذلك أن ينظر الناظر إلى الآية الكريمة في سورة الفرقان (آية 63) حين تصف عباد الرحمن :"وَعِبَادُ الرَّحْمَن الذّينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأرض هَوْنَاً وإذا خَاطَبَهُم الجَاهِلُونَ قَالوا سَلَامَاً "؛ ليطالع أدب القرآن مع المنكرين والمستخفين من جهة، ويطالع من جهة أخرى أدب القرآن فيمن يتحلىَ بأدبه ويعيش حياته على هداه.

فالقارئ مرجوُّ أن يلاحظ معي ظاهر المعنى في كلمة "هوناً" أي : مشياً هيناً ليّناً ذا سكينة ووقار. والقارئ مرجوُّ كذلك أن يقلِّب في ذهنه معنى كلمة "هوناً" ليحدّدها كما أحددها أنا تحديداً يخرجها أو يكاد عن مرادها القاموسي إلى حيث الاستهانة.

وهو مرجوُّ مرة ثالثة أن يقرأ الآية مراراً ليرى فيها مثل هذه الاستهانة بعد التحديد على ضربين :

(1) استهانة اتصال.

(2) استهانة انفصال.

فأمّا استهانة الاتصال؛ فلأن عباد الرحمن الموصوفين في الآية الكريمة، نظراً لاتصال قلوبهم بالحق، لم يشهدوا غيره ولم يبصروا سواه، هانت عليهم خِلاق العبيد لا لشيء إلا لأنهم عباد على الحقيقة، قد نظروا إلى الحق باعتبار كونهم عباداً لا عبيداً؛ فاكتملت رؤيتهم للحق في القلوب والسرائر؛ فلم يشهدوا غيره أصلاً؛ فإذا خاطبهم الجاهلون خطاب الغفلة والسَّفَه والطيش والفجور الذي هم به محجوبون، كان شهودهم للحق يدعوهم إلى البقاء في معيّته لا في معيّة الخلق؛ فهم على الدوام في معيّة الرحمن، وهم بتلك المعيّة محجوبون عن رؤية الخطاب أو سماعه من أولئك الذين تسفّهوا عليهم بطيش الخطاب.

هذه هى استهانة اتصال يكون فيها عباد الرحمن على صلة قوية بالله يستهينون فيها بسواه، ولو كانوا فجّاراً جبابرة. أمّا استهانة الانفصال؛ فلأنهم عباد الله على الحقيقة، ما كان يمكن لهم أن يعترضوا على الجاهلين في سفه الخطاب، وهم يرون أفضال الله تعالى مسبوغة على خلقه، ومن بينهم أولئك الذين يعصونه ولا يطيعونه. وفي الحق ما عصوا إلا أنفسهم، وما أضافوا إليها إلا الصّغار والموات والعدم والفناء.

ففي الطاعة لا شك حياة، وفي العصيان دمار وموات؛ ولأنهم عباد الرحمن على الحقيقة؛ فقد عرفوا من هذه العبودية أن الله تعالى ما كان عطاؤه مقصوراً على عباده وكفى، ولكنه أيضاً عطاء مشمول لعبيده؛ فاحترموا قضاء الله المبرم على عبيده حتى إذا ما صَدَرَ عن العبيد خطاب فيه من الطيش والفجور ومن السّفه والضلالة ما من شأنه أن يؤذي عباده على الحقيقة، كان استقبال العباد لهذا الخطاب، عينه أو مثله، ضرباً من ضروب العبودية؛ لأنه ضرب من التسليم المطلق بقضاء الله على عبيده والرضا به من خلف حجاب السبب، ولو كانوا من الجاهلين.

تلك كانت ولا ريب استهانة انفصال : انفصال السّر عن رؤية شرور العبيد، واتصال من جهة أخرى برؤية أقدار الله فيهم. ولكونه منفصلاً من تلك الجهة لا جَرَمَ كان السّر متصلاً بالجهة العلويّة؛ فهؤلاء العباد الموصوفون في الآية الكريمة بأنهم "عباد الرحمن"، متصلون من جهة، منفصلون من جهة أخرى. متصلون بجهة الحق فهم يستهينون بأفعال الخلق الذين هم من طائفة العبيد. ومنفصلون عن جهة الخلق فهم يستهينون بأفعال الخلق لا من أجل الخلق في ذواتهم بل من أجل مراعاة أقدار الله في خلقه وفي عبيده.

ومن أجل أنهم يفهمون دلالة هذه الأقدار فيراعونها مع الاحترام مراعاة اللطف والشفقة بالعبيد فهماً عن الله، فهم إنما يمشون على الأرض هوناً محفوفاً بالسكينة والوقار، وهو في الوقت نفسه محفوف بالاستهانة بأفعال العبيد وبأخلاق العبيد؛ لا لشيء إلا لأنهم (العبيد) يجهلون أقدار الله فيهم، في حين يعلم العباد من هذه الأقدار ما من شأنه أن يجعلهم قادرين على تحملها، وتحمل ما يصدر عنهم من أعبائها ولسان حالهم يقول : سلامُ سلام، لكنه سلام مُتَاركة وتجنُّب لا سلام تحية واتصال. وهو، من بعدُ، سلام انفصال مع احترام قدر الله المشهود فيهم من خلف حجاب الأسباب والأفعال، وهو شهود لا من أجل العبيد، ولكن من أجل الله وكفى. والله، الله، على ألطاف الله بعباده في كل حال.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

محمد بنيعيشأولا: البنية النفسية وجدلية الحقيقة عند الغزالي 

ليس الموضوع مجرد نبش في التراث وسرد ما فات وكأننا لا نعيش ونعاني مما ما نحن فيه من الآفات،ولكن الأمر يتعلق هنا بوصل الفكر الإسلامي بالإنساني العالمي بعضه ببعض على مستوى المشترك النفسي والمنهجي المؤدي إلى فهم الواقع والتفاعل معه،وذلك من أجل ضمان الاستمرارية والمواكبة،وإلا فسنبقى بدون هذا الربط وبهذه القطيعة معلقين بين الماضي والحاضر ولا مستقبل لنا ولا مرجعية ولا قدرة على المنافسة.

وأبو حامد الغزالي كما لا يخفى على الباحثين يعد من بين جهابذة الفكر العالمي الإنساني والإسلامي خصوصا. وهو خريج مدرسة نظامية وليست عشوائية ومذهبية تراثية ضيقة، أي أنه كان أكاديميا بكل ما تحمل الكلمة من معنى. كما أنه قد كان من رواد الدراسات المستقبلية والتوقعات الفكرية والذهنية المبنية على الواقع وامتداداته وتولداته.

ومن بين أقواله الرائعة في هذا الباب ما عبر عنه في كتابه جواهر القرآن: " بل أقول ظهر لنا بالبصيرة الواضحة التي لا يتمارى فيها أن في الإمكان والقوة أصنافا من العلوم بعد لم تخرج من الوجود وإن كان في قوة الآدمي الوصول إليها وعلوم كانت قد خرجت إلى الوجود واندرست الآن فلن يوجد في هذه الأعصار على بسيط الأرض من يعرفها،وعلوم أخر ليس في قوة البشر أصلا إدراكها والإحاطة بها ويحظى بها بعض الملائكة المقربين فإن الإمكان في حق الآدمي محدود والإمكان في حق الملك محدود إلى غاية في الكمال بالإضافة كما أنه في حق البهيمة محدود إلى غاية في النقصان وإنما الله سبحانه هو الذي لا يتناهى العلم في حقه، ويفارق علمنا علم الحق تبارك وتعالى في شيئين: أحدهما انتفاء النهاية عنه والآخر أن العلوم ليست في حقه بالقوة والإمكان الذي ينتظر خروجه بالوجود، بل هو بالوجود والحضور،فكل ممكن في حقه من الكمال فهو حاضر موجود.."

 يقول عبد الغافر - وهو أحد معاصريه- يصفه: "لم تر العيون مثله لسانا وبيانا ونطقا وخاطرا وذكاء وطبعا". ويقول السبكي: "وكان رضي الله عنه شديد الذكاء سديد النظر عجيب الفطرة مفرط الإدراك قوي الحافظة بعيد الغور غواصا على المعاني الدقيقة "[1].

 فيكاد هذا الوصف أن يقع عليه اتفاق كافة المؤرخين للتكوين النفسي عنده،كما قد صدر عن محبيه وعن المعتدلين في الموقف منه،بل حتى من المتشددين نوعا ما في الحكم عليه،وأذكر منهم ابن تيمية كمعارض له في بعض أفكاره، حيث يقر له بصفة الذكاء والشغف العلمي كما يقول في بعض نصوصه:

". . . وسبب ذلك أنه -أي الغزالي- كان قد علم بذكائه وصدق طلبه ما في طريقة المتكلمين والمتفلسفة من الاضطراب ء وآتاه الله إيمانا مجملا كما أخبر به نفسه . . . ".

 ويقول أيضا مفيضا في وصفه بالذكاء والفطنة ما: " وهذا أبو حامد الغزالي مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلم والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف . . . "[2].

 ولقد وصلت قوة الذكاء عند الغزالي لدرجة أن اعتبرت طريقته في الاستنباطات من باب الحدسيات نظرا لموافقتها الصواب حتى إن الجويني كان يقول عن تلامذته إذا تناظروا: "التحقيق للحوافي والحدسيات للغزالي، والبيان للكيا"[3].

 إن صاحب هذا الذكاء المفرط،قد انتابته نوبة الشك فيما لديه من علوم كان قد ورثها عن أهله وأساتذة بلده،يحكيها لنا بصدق في كتابه المنقذ من الضلال: ". . . فتحرك باطني إلى حقيقة الفطرة الأصلية وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات وأوائلها تلقينات وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات،فقلت في نفسي: إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي![4].

هذا الشك الذي وصف حالته لم يكن شكا عارضا ولا اختلالا في أسلوب التفكير أو المزاج،ولم يكن شكا حقيقيا مطلقا كما هو الشأن لدى الهلنستيين؛ كبيرون مثلا[5]، كما أنه لم يكن شكا سوفسطائيا كالذي تصدى لنقضه أرسطو[6]،وإن كان قد صرح بأنه قد مر بمرحلة سوفسطائية إلا أنها كانت حالا وليست مقالا.

 كذلك لم يكن شكه أيضا ما يعرف بالشك المنهجي[7] الذي يفرضه صاحبه على نفسه بإرادته رغبة منه في امتحان معلوماته واختبارها دون التأثر بأية أفكار مسبقة،أو بالمعنى الأوضح: الشك المنهجي الذي يجعل الباحث ينطلق من الصفر بغية معرفة الحقيقة،وإن كان هناك نوع تشابه بين هذا الأخير والشك الذي أعلن عنه الغزالي إلا أن القضية لديه تختلف اختلافا جوهريا من حيث المنطلق .

 بحيث إنه كان مؤمنا بالإسلام ابتداء[8]،لكنه غير مطمئن إلى المذاهب المختلفة التي نشأت عنه ؟ فأراد استجلاء الحق عند كل منها حتى يطمئن إلى مذهب معين يكون مرتكزه في حياته العقدية واتجاهه الفكري و مسلكه السليم إلى الآخرة.

وبهذا فقد يختلف منهجه في الشك عن الشك المنهجي المعروف عند الفلاسفة في نظرية المعرفة،لأن شكه قد انطلق من قاعدة للبحث في الفروع،بينما الشك المنهجي لا قاعدة له في الانطلاق.

ثانيا: النفسية الغزالية بين إشكالية الشك والتطلع المعرفي

 ولقد كثر اللغط كما كثر الغلط حول مسألة شكه هل كان قصة مخترعة والحقيقة أنه لم يشك أبدا؟ أم كان شكا في الدين دون الحواس والعقل؟ أم أنه شك في كل شيء؟ أم أن شكه كان في العقل من أجل الدين؟.

 فهذه كلها آراء متضاربة يلطم بعضها بعضا وتتميز بإسقاطات سافرة[9] لا يسمح المجال بالخوض في مناقشتها وإنما أضرب عنها صفحا، لأن مقصودي من إثارة مسألة الشك عنده ليس فقط إلا إبراز حالة من أحواله النفسية التي قد أجعل منها ممهدا للخوض في دراسة ما خلفه من أفكار وما ساهمت به في تكوينه النفسي .

 هذا الشك الذي ألقى بكلكله وثقله على صاحبنا قد اعتبره مرضا وليس مرحلة عادية،وكان تعليله بأنه ابتداء قد أصاب أدوات المعرفة وهي: الحواس والعقل، وقد دام كما يحكيه عن نفسه:

 " قريبا من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم النطق والمقال حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال،ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين،ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام،بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف.

 فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة"[10].

 على هذا فإني أنفي أن يكون شكه في البداية شكا منهجيا حتى ولم يكن قد صرح بأن ما انتابه مرض، لكن منهجيته في الشك تجلت بعد الخروج من الاضطراب الذي عانى منه وذلك حين حصر أصناف الطالبين للحق حيث يقول:

"ولما شفاني الله تعالى من هذا المرض بفضله وسعة جوده انحصرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق:

1- المتكلمون: وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر.

2-الباطنية: وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم والمخصوصون بالاقتباس من الإمام المعصوم .

3- الفلاسفة وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان .

4- الصوفية: وهم يدعون أنهم خواص الحضرة وأهل المشاهدة والمكاشفة .

 فقلت في نفسي: الحق لا يعدو عن هذه الأصناف الأربعة،فهم السالكون سبل الحق فإن شذ الحق عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته . . . "[11].

 يمكن إذن القول بعد استعراض هذه النصوص المكثفة حول شك الغزالي أنه ينقسم إلى قسمين: أصطلح عليهما كالتالي:

أ- شك وهمي: مرضي لا إرادة له فيه وهو شك بالذات في الذات .

ب-شك عقلي،صحي: يمتاز بوعي كامل بالمسئولية والأبعاد التي يهدف من ورائها،وهو شك مقعد وليس بطليق ؛وينصب على الوسيلة وليس على الغاية .

 بهذا التقسيم يتسنى لي القول بأنه لولا الشك الوهمي المرضى والمزعج لاستقراره النفسي لما كانت له منهجية في بحثه و بعد فكري كالذي وصل إليه، كما أن رجة المرض واضطراباته كانت من بين العوامل في توسعة أفق فكره.

 ولكي تتحقق هذه النتيجة تلزم حلقة وصل بين الشكين: الوهمي والعقلي،ألا وهي الاستشفاء من الوهمي واسترجاع أطيافه في مرحلة الشك العقلي.

 إذ بدون حلقة الشفاء فلن تكون للشك الوهمي أية أبعاد سليمة أبدا، لأن استمرارية المرض و زمانته لن تؤدي إلا إلى الهلاك، سواء على صعيد الصحة النفسية أو الصحة الجسدية،وهذا كلام تؤيده الدراسات الحديثة المتخصصة في علم النفس أو الطب النفسي الحديث بل حتى العصبي.

 فمن بين الشروط التي تشترط لنجاح الطبيب في مهنته العلاجية بخصوص الأمراض النفسية أن يكون قد مر بأنواع منها وعانى مرارتها، مما سيولد له فهما سريعا ودقيقا للأحوال النفسية للمريض وخفاياها وإيماءاتها[12].

فهذا ما لوحظ على الغزالي في تدقيقاته العلمية وتفهمه للأحوال النفسية وتعرضه لها بغزارة تأليف، كما صرح بنظريته المعرفية في هذا المجال حيث قال: "وكم فرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما وبين أن يكون صحيحا وشبعان ".

 مما تنبغي الإشارة إليه هو أن بحثه في أصناف الطالبين لم يكن من أجل الاستيقان من الحق ولكن سعيا من أجل التحقق من الاستيقان أي تعميق الرؤية والاستيعاب وتفادي الأحكام الجاهزة والإسقاطية،ودليله على ذلك أنه أعلن في النهاية ثقته بالضروريات العقلية وأنها قد عادت إلى وضعها السليم، وأنه توصل إلى ذلك بنور قذفه الله في صدره وانشرح لذلك، وهذا يعني أن مسألة الشك لم يعد لها أثر عنده وإنما هو الآن منصب على أي المنهج الأسلم للعروج على سلم المعرفة وتحقيق المصالح العليا للأمة .

 فلقد انتهى به المطاف كما هو معلوم إلى تبني المنهج الصوفي الذي رأى فيه الباب الوحيد والمفتوح للزيادة من المعارف وتوظيف الحدسيات على مصراعيها، وخاصة فيما يتعلق بالمعارف النفسية والروحية كما صرح به قائلا:

 "والقدر الذي أذكره لينتفع به أني علمت يقينا أن الصوفية هم السابقون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق"[13].

 بهذا فيكون قد سلك طريق التصوف عن وعي واستقرار نفسي و ليس عن هروب من حيرة الشك والرمي بنفسه في أحضانه كالمنهوك[14]مثلما يحلو للبعض أن يرشقوا بالألفاظ حيث اتفق !.

كما أن اعتماد العنصر الروحي في التنوير الفكري قد يعد الأكثر نتاجا والأدق رؤية في تحليل ما يجري حولنا من أمور وتحولات سياسية ودولية لا نستطيع فهمها ولا تحليلها بمجرد التحليل العادي والاستنباطي الناقص. فلربما قد يمد القلب الصادق والمصقول العقلَ السليم والذكيَ بما يلزم حتى لا يأثم. . .

فما أحوج الأمة في عصرنا الحالي إلى هذا النوع من الذكاء التنويري الحاد الذي يقرأ الخطاب والنوايا والخلفيات بشفافية وعمق،كما ما أحوجها إلى عقول مشككة منهجيا في المعلومة والخبر حتى تتبين الصدق من الكذب والقصد السليم من الاستدراج،وما أكثر ما دمرت دول وأسقطت حكومات وحضارات بسبب الجزم النفسي بالعلم والاندفاع الغوغائي التقليدي، وبمجرد الإشاعة، فكانت العواقب وخيمة ترى بالعين المجردة الرمداء وتمرض بها القلوب،والأعراب على الباب كما يقول المثل !!!. . .

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.........................

[1] السبكي: طبقات ج4ص107

[2] ابن تيمية: مجموع فتاوى ج4 كتاب مفصل الاعتقاد ص64

[3] السبكي: طبقات ج4ص106

[4] الغزالي: المنقذ من الضلال ص76

[5] توفيق الطويل: أسس الفلسفة ط6-1976ص304

[6] نفس ص318

[7] نفس ص313

[8] الغزالي: المنقذ من الضلال ص45

[9] حسام الألوسي: دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي،المؤسسة العربية للدراسات والنشرط1-1400هـ1980مص271-274

[10] الغزالي: المنقذ من الضلال ص11

[11] نفس ص12-13

[12] الدكتور أمين رويحة: التداوي بالإيحاء الروحي،دار الأندلس بيروت ط1-1969ص20

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال ص44

[14] الألوسي: دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي ص275

 

 

ميثم الجنابيتبرهن تجارب الثقافات عموما على حقيقة جلية تقول، بأن تقييم النفس والآخرين هو جزء من صراعها الذاتي. وأن كيفية تبلوره في المقدمات المرجعية الفكرية عادة ما يؤدي إلى تنوع الاختلاف وتشعبه، خصوصا حالما لا يقر "بإجماع" مقبول من جانب الوعي النظري العام على تقييم التاريخ المنصرم.

وقد كانت تلك وما تزال إحدى النواقص الديناميكية في التاريخ الإسلامي، والتي لم يستطع التحرر منها الوعي الثقافي العربي بشكل عام والسياسي بشكل خاص. وهذا بدوره ليس إلا النتيجة المرافقة لعدم انتقال الكينونة العربية إلى مصاف المرحلة الأعلى التي تذلل بقايا المرحلة الدينية ووعيها اللاهوتي.

وقد ارتبطت هذه الحالة الحرجة والفاعلة في الوقت نفسه بالنسبة لتنشيط الوعي الباحث والناقد في تاريخ الإسلام بما يسمى بالفتنة الكبرى ولواحقها. فقد كانت هذه الفتنة الفعل والنتيجة التي جزأت الصراع وطورته في اتجاه ظهور الفرق السياسية الدينية الكبرى في تاريخ الخلافة ووعيها التقييمي. آنذاك بدأت عفوية الأحكام الأولية تفسح المجال أمام العقائدية المؤدلجة، التي كانت تتضمن في أعماقها استمرار تقاليد الهجاء والذم (الجاهلية). غير أنها شكلت المقدمة الضرورية لتطوير محتوى الاتهام برفعه إلى مصاف الضرورة المقدرة. وقد ظل الوعي التقييمي اللاحق أسير هذه الازدواجية المرهقة للفكر ورجاله. لكنهما في الأغلب تقبلاها إما بفعل تقليدية الوعي أو بفعل تقليدية التسمية. وفي كلتا الحالتين وضعتا قواعد تشذيب الأحكام أو ابتذالها حسب "عالم تقييمها الروحي" للظواهر. إذ لم تبرز المعارك الأولية المرتبطة بقضية التحكيم، سوى تسمية المحكمة، التي كانت تتضمن رفض التحكيم. ذلك يعني أن تقييم الاتجاهات، ظل إلى جانب تسميات الخوارج يحتوي على تقيم ما معين. بينما سيعطى لمعنى الخوارج مضمون المعارضة الباطلة في وقت لاحق. في حين ظل الخوارج يجدون فيه تعبيرا إيجابيا عنهم. ومن الطريف هنا الإشارة إلى التحديد الذي قدمه ابن قتيبة للجديد في الشعر، في مقدمة كتابه (الشعر والشعراء) عندما كتب يقول، بأن "كل شريف خارجيا في أوله"[1]. والشيء نفسه يمكن ملاحظته لاحقا في ظاهرة تطور التقييم الذاتي للاتجاهات والمدارس الفكرية والسياسية. وينطبق هذا أيضا على كافة الاتجاهات الأخرى.

فتسمية الروافض التي ألصقت بالفرق الشيعية الأولى كانت تتضمن تقيما سياسيا وعقائديا لها، كما كانت تحتوي على أبعاد سياسية وعقائدية في مواقفها تجاه مختلف القضايا. ولم يكن ذلك وليد الصدفة. فقد احتوى هذا التقييم على عناصر إدراك عميق للفكرة الشيعية بشكل عام وأولوية العنصر السياسي فيها. والشيء نفسه يمكن قوله عن المعتزلة وغيرها من فرق الإسلام الكبرى. فهي تسميات تضمنت على الفعل الخارجي ومظاهره. ولكن حالما تصبح هذه العناصر "الخارجية" و"الظاهرية" الناشئة في الأغلب من تأثير الأفعال العفوية والمصادفة أسلوبا للتقييم العام، فإنها تصبح مع مجرى تطور الوعي التجريدي والصراع الفكري والسياسي، أما جزءا من عناصر الممارسة العلمية والعملية، أو يافطة خارجية مثقوبة لا نرى فيها غير فضاء الخلفية الأكثر بروزا وجاذبية. وفي كلتا الحالتين أدى ذلك إلى اغتناء التقييم الفكري في مجرى احتكاكه بالاتجاهات المعارضة. لذا لم تعد الخوارج خوارجا وحرورية ومحكمة، بل ومارقة وشراة. كما لم تعد هذه الأسماء ألقابا ظاهرية، بل أصبحت مكونات أساسية لعناصر التقييم الفكري نفسه.

كما لم يجد وعي "أهل السنّة والجماعة" حرجا من أن يبتدع لنفسه "البدع"، التي اتهم بها المخالفين له والمعارضين، من خلال وضع الأحاديث الكاذبة على لسان النبي محمد ومختلف "الآثار" من أقوال السلف الصالح وأفعالهم. حيث يظهر الحديث المنسوب للنبي محمد "سيخرج من ضئضئي هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". وكذلك الحديث الموضوع، الذي حاول إبراز "الزيف" في ورع الخوارج وانعدام الإيمان الخالص عندهم بكلمات "تحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم وصوم أحدكم في جنب صومهم ولكن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم". بل ونرى "الإجماع" عليها في مختلف كتب التاريخ والأدب والسير والمِلَل والنِّحل. فنرى ذو الخويصرة، الأب الروحي "للمروق" الديني يظهر مرة بوصفه رجلا أسودا شديد بياض الثياب، وفي حالة أخرى يظهر بهيئة رجل مضطرب الخلق، غائر العينين ناتئ الجبين. ومن هنا "تناسب" كلماته مع مظهره. ففي الحديث الأول يطلق عليه النبي كلمات "سيكون له ولأصحابه نبأ" وفي الثاني كلمات "سيخرج من ضئضئي هذا الرجل". بينما نعثر في صيغة ثالثة لشخصية ذي الخويصرة على صورة رجل مدافع عن قسمة الحق، متهم النبي محمد بعدم العدل، بحيث يصدر النبي بحقه حكم الموت، الذي لم ينفذه الصحابة الكبار مثل أبو بكر وعمر، لما شاهداه من ركوعه وسجوده. وعلى خلفية هذه الصورة تظهر الإضافة الجدية للحديث الموضوع نفسه بكلمات "لو قتل هذا ما اختلف اثنان في دين الله".

وتظهر هذه "الحادثة التاريخية" المفتعلة قضايا غاية في التشعب من حيث إشارتها إلى مراحل وأساليب وأشكال إدراك ومعاملة الاختلاف الفكري والاجتماعي والسياسي. وبالتالي المواقف العملية والتقييم الفكري والعقائدي. حيث نعثر فيها على تعايش المواقف الإيجابية والسلبية، كما هو الحال على سبيل المثال، في الموقف من أغلب الحركات. إذ نرى في الخوارج أيضا قوة جريئة وحازمة تدعو للعدل، وفي نفس الوقت هي مصدر الخطر اللاحق في تأجيج الخلاف والفتنة. وهي تقييمات تكشف عن وجهها العقائدي والأيديولوجي. من هنا عدم اهتمامها بالسبب، أو على الأقل إنها لا تعير اهتماما له، لأن الفاعلية فيها ولها تعود للغة الإدانة والاتهام. وأدى هذا بدوره إلى إثارة رد الفعل المضاد لها بهيئة الدفاع عن النفس وإعادة تقييمها استنادا إلى وعيها الذاتي والى حقيقة ما تسعى إليه وتريده. ولعل تقييم الخوارج لأنفسهم بالشراة من بين أشدها وضوحا وقوة. فهو تقييم يعكس فاعلية ما أشرت إليه قبل قليل. إذ لم يستند الخوارج إلى ممارسة أساليب الوضع والاختلاق "للحديث" و"الآثار"، بل استندوا إلى الواقع والمثال، على الأقل بالصيغة التي استوعبوها هم، التي تطابقت مع أفعالهم واستجابت لها. حيث حاولوا البرهنة على إنهم الشراة الذين أشار لهم القرآن بقوله "ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضاة الله"[2]. وهو برهان استمد قوته من قدرة الخيال الهائلة على التأويل، التي تحول المثال إلى نموذج مستعد على التجسد الفعلي بمعايير لا تتحكم به مقولات الزمان والمكان. وأدى ذلك إلى أن يتداعى النص القرآني ليتحول من "كلام الله القديم" إلى نص قابل للتأويل السياسي المعاصر. وجعل ذلك الخوارج قادرين على أن يطلقوا على أنفسهم ما يشاءوا من أسماء وصفات "قديمة" مازالت أفعالهم تستجيب لحقائقها وتسعى لتمثلها أخلاقيا. ولعل مواقفهم من تعظيم ابن ملجم، قاتل علي بن أبي طالب، نموذجا لذلك. إذ جعلوا من الآية التي تتكلم عمن اشتروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، التي تشير مصادر التفسير وكتب التاريخ الإسلامي إلى أنها "نزلت" حول صهيب، "نزولا" على ابن ملجم أيضا.

وهي ظاهرة مرتبطة بواقع كون الوعي التقييمي عادة ما يتجاهل ويتناسى ويتغافل حيثيات التاريخ الملموسة في مجرى صراعه التاريخي الملموس. من هنا سعيه لنقل المتسامي والمقدس إلى ميدان الجميل والقبيح. وهو وعي يعاني من مفارقة الوعي نفسه، لأنه وعي مهموم بالصراع والمواجهة ومنهمك أيضا في تمثيل المادة التاريخية بكل حيثياتها الممكنة، دون أن يعي ملموس أفعاله الخاصة. وهي عملية عادة ما يتداخل فيها الماضي والمستقبل في الحاضر، والمطلق والنسبي في الوعي، والمثال والواقع في العمل. وهي حالة تشبه حال من لا يدرك قيمة الحركة في يديه عندما يكون منهمكا في استرقاق السمع لضرباتها.

وتبرز هذه الصفة المميزة لحركات الخوارج أيضا في استعدادها السريع للمعركة وبحثها الدائم عنها، بحث سعوا لحرق كل انسيابية الأهداف الدافئة في مراجلها. وهو أمر يفسر لنا سر الإنسانية "الهمجية" للخوارج، كما نعثر عليه في أسماء الشراة والمارقة. وهي أسماء تحتوي على تقييم مزدوج، ظلت فعاليته مؤثرة على امتداد زمن طويل. وقد حصلت الشيعة (الروافض) والخوارج على قسطهما الأكبر منه، مما يشير بدوره إلى الأبعاد الاجتماعية والسياسية والعقائدية في مواقفهم وتقييم الآخرين لهم.

وقد ميز هذا التقييم الحاد والشامل مراحل وجودهما الأول. بينما ساهم استمرار صراعهما مع السلطة والهزائم، التي تعرضوا لها إلى توليد أسلوب التعامل غير المباشر مع قضاياهم المباشرة، مما أدى إلى نشوء وتكون عناصر في تركيبتهما الداخلية فسحت المجال لاحقا أمام انعطاف الوعي الذاتي والتقييم أيضا. فقد كسرت ممارسة التقية سورة التحدي وحولته إلى قناة التأمل الذاتي. ذلك يعني أن الممارسة السياسية، التي صنعت في البداية وهذبت إفرازات الواقع وبالأخص وحدة وصراع العناصر الاجتماعية والسياسية والعقائدية، أخذت بإخماد العاطفة المتآكلة بسبب الهزائم "الجسدية" لممثليها. وترتب على ذلك سريان الهدوء التاريخي للعناصر السياسية في السياسة، مما أدى إلى ظهور الإقرار بالاختلاف في فهم العقيدة واستيعابها. ولا يعني ذلك سوى أن عالم السياسة مازال مستمرا ولكن في عالم الفكر. أما النتيجة الطبيعة لذلك فهو ظهور بوادر التقييم العقائدي والفكري.

ولم تكن هذه البوادر معزولة عن الصراع. غير أن الصورة الجديدة، التي لم تخمد فيها بعد حماسة الماضي أخذت تتأطر بملامح الدفاع عن المبادئ ومحاولات فهمها النظري. وشكلت هذه العملية المزدوجة من تيارات التبرير والتنظير المقدمة الضرورية للتصنيف العلمي اللاحق. لكن العملية المزدوجة هذه لم تظهر بصورة خاطفة. إذ تورد المؤلفات والمصادر التاريخية جملة من الروايات والأحداث والمفاهيم والممارسات والتقييمات والمواقف عن مختلف أطراف الصراع الاجتماعي والسياسي والعقائدي. وإذا كان ذلك جليا في ميدان السياسة، فلأنها الميدان التي تتضح فيه الأقوال والأفعال بسرعة بالغة. لأن النتائج تحكي ما كان مضمرا. وهو واقع صوره الأشعري بدقة عندما كتب عن سلوك عمرو بن العاص في رفعه المصاحف على الرماح، قائلا "كأنه ينظر إلى الغيب من وراء حجاب رقيق"[3]. بمعنى تبين المغزى الفعلي لبلوغ مأربه السياسي عبر استعمال الدهاء والمخادعة. أما في عوالم المثال الأخلاقي، فإن الفعل السياسي كثيرا ما يؤدي إلى نتائج معاكسة. وذلك لأن استشراف المستقبل يجري على الدوام من خلال يقين الماضي والتمسك به. وهي عملية صراع عادة ما تذوب في الحاضر، وبالتالي يصعب عليها رؤية حقيقة ما يجري فيه، بفعل استحواذ فكرة المستقبل، التي تطابق بين الحقيقة والسلطة والمثال، التي تغيب الماضي والمستقبل في لحظة الحاضر، بوصفها ترديد جديد لما في الأزل!! ومن هذا المنطلق يمكن فهم البروز المتصاعد لقضايا القضاء والقدر والإيمان في مراحل الخمود الأولي للصراع السياسي. حيث نرى القائد الخارجي شبيب بن يزيد الشيباني (ت - 77) يردد في اللحظات الأخيرة قبيل موته وهو على جسر الدجيل بعد أن قطعت حباله كلمات "ذلك تقدير العزيز العليم"[4].

كل ذلك يشير إلى أن تقييم النفس هو تقييم شخصي، لأنه يجري في صراع، غير أن ذلك لا يعني خلوه من الصدق والاقتراب من تصوير الوقائع التاريخية كما هي. من هنا أثره اللاحق في إثراء الفكر عند الأتباع والأعداء. فقد أبدع سلوك الخوارج المستند إلى مبدأ وحدة الإيمان والعمل في تقييم النفس والآخرين موقف التكفير، الذي أصبح بدوره عنصرا جوهريا في التقييم. غير أن التكفير لم يتحول إلى مبدأ شامل لجميع فرق الخوارج، كما هو الحال عند النجدية. والشيء نفسه يمكن قوله على الفرق الكبرى الأخرى، التي كان التكفير فيها ضعيفا كما هو الحال عند المعتزلة أو مستحيلا كما هو الحال عند المتصوفة والفلاسفة. ومع ذلك سرت عدواه، وإن بمستويات متباينة، إلى أغلب الاتجاهات السياسية والفكرية، وخصوصا الشيعة الرافضة وأهل السّنة والجماعة، بينما ضعف عند الاتجاهات الأخرى كالمرجئة والمعتزلة وتلاشى عند المتصوفة والفلاسفة.

فإذا كان التكفير عند الخوارج مبني على مبدأ علمي - عملي، فإنه مبني عند الشيعة الرافضة على فكرة "النص الإلهي". مما يعني هيمنة العقائدية الجارفة في تقييم النفس والآخرين. لكنها شأن كل عقائدية "رعناء" في العلم والعمل عرضة للخضوع المفاجئ أمام الحركة الدائمة. وهو واقع يمكن ملاحظته في التثليم البطيء والمتناقض لحدة الاتهام العقائدي، كما هو الحال عند الفرقة السليمانية ـ الجريرية، التي ثلمت شوكة التكفير الأولية، دون أن تكسرها كليا. إذ أبقت عليه في موقفها من الماضي وشخصياته، كما هو الحال في مواقفها من عثمان بن عفان. وسوف تدفع الزيدية الصالحية، اتباع الحسن بن صالح بن حي (ت – 168) والابترية، اتباع الابتر وكثير النوى (ت- حوالي عام 169) هذه الممارسة إلى نهايتها المنطقية وذلك بالتوقف عن ذم ومدح الأعداء[5].

لم تكن هذه المواقف معزولة عن حدة الصراع الاجتماعي وأسلوب القهر الجسدي والروحي والسياسي والفكري الذي مارسته السلطة الأموية ضد معارضيها. فقد أدى هذا القهر إلى إفراز ممارسة التقية الاجتماعية والسياسية والروحية كما هو الحال عند الشيعة وجزئيا عند الخوارج (الفرقة النجدية)، كما افرز مبدأ الإرجاء، الذي احتوى في أعماقه على حرية الفكر والجبن السياسي، دون أن يعطي لأي منهما أولوية مطلقة. أما التأويل المعاصر لها، الذي حاول أن يجعل من الإرجاء تمثيلا لحرية الفكر، ومن المرجئة ممثلين للفكر الحر الحقيقي، فإنه لا يعدو كونه صيغة مقلوبة لرفع الجبن السياسي إلى مصاف التسامح الحقيقي. إذ من الصعب الحديث هنا عن تسامح حقيقي في وقت لم تتبلور فيه بعد "المذاهب الرسمية" وصراعاتها المتشنجة. حينذاك فقط تصبح فكرة الإيمان الباطني والدعوة إليها تجسيدا للتسامح الشامل. وهي فكرة لم يجسدها حينذاك بصورة متجانسة سوى الفلاسفة والمتصوفة. وذلك لأن قضية التسامح لم تتعلق بوعي المرجئة أنفسهم ولا ببواعث أفكارهم ومقالاتهم، بقدر ما تعلقت بالواقع التاريخي وصراع قواه السياسية وكيفية استيعاب المرجئة له. إذ لا تعطي لنا المعلومات المتوفرة في كتب التاريخ والمِلَل والنِّحل إمكانية الحديث عن حرية فكر حقيقية عند المرجئة، بقدر ما أنها تشير إلى ما يمكن دعوته بالمساومة الحرة في سلوكها. فالمساومة يمكنها أن تكون خيرا وشرا، أما الحرية فإنها إبداع اللامتناه في الكينونة التاريخية للأمم والثقافة. وقد كانت المرجئة حصيلة هذا التناقض ومحصورة فيه أيضا. وجعلها ذلك تقر بالظلم في حين وتنتفض ضده في حين آخر. فحرية الإرادة ليست قادرة على أن تكون عند بعض من يدعي تمثليها سلاح المعركة الدائم، كما أن القضاء والقدر (الجبر) لا يعيقا على الدوام إمكانية إدارة الصراع.

وبغض النظر عن التأويلات الممكنة هنا، فإن المهمة لا تقوم في دراسة المرجئة بشكل عام وخصوصية آرائها وتأثيرها اللاحق على جدل الفرق وصراعها الفكري والسياسي، بل الإشارة إلى مساومة المرجئة الحرة. إذ استطاعت إبداع أسلوب جديد في تقييم الاتباع والأعداء، عبر نقله إلى ميدان الروح. بهذا تكون قد ثلمت جزئيا أحرف التكفير الناتئ في خاتم القهر الفكري والاتهام العقائدي. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1] ابن قتيبة: كتاب الشعر والشعراء، ص4.  

[2] القرآن: سورة البقرة، الآية (207).

[3] الإشعري: مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين، ص4.

[4] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص77، الشهرستاني: الملل والنحل، ج1، ص128.

[5] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص23.

 

 

مقدمة: لا ريب أن ضروب الظلم التي حاقت بالمرأة كانت كثيرة ومتعددة وبعضها كان من أفظع أنواع الظلم وأقدمها في التاريخ الإنساني، وهو ما يحتم على العقلاء وطلاب العدالة في المبادرة بمعالجة هذا الموضوع بالوساذل العلمية المنطقية، دون مراعاة إلا للحقيقة، ولتحقيق العدالة.

لأن معالجة هذا الموضوع له تبعات جديرة بالاهتمام، وغاية في الأهمية خاصة أنها تتعلق بإنصاف المرأة وأعادتها إلى أحضان دورها المتوازن، بعد أن جرها الظلم الذي وقع عليها للارتماء في أحضان كل صيحة ترفع شعار حقوقها وتحريرها، دون أدنى نظر منها في حقيقة تلك الشعارات ومنشأها وحاضنتها، ومآلاتها على شخصيتها وكينونتها وأسرتها ومجتمعها ووظيفتها ككل. فليس كل من يطالب بإنصاف المرأة هو من دعاة الأنثوية، وليس كل من ينتقد الأنثوية هو من مناوئي حقوق المرأة، بل القضية قضية معرفة وبحث عن واقع الأمر وعن الحقيقة التي تحقق العدالة والإنصاف للجميع.

فحقيقة الإنسان تكمن في أصالة الروح وفرعية البدن، إذ لو كان لهذا الجسد أو للجنس مدخلية في إنسانية الإنسان، لكان يدفعنا ذلك إلى الحديث عن المذكر والمؤنث، ولكنا سلطنا الضوء على أن هل المذكر والمؤنث متساويان أم متفاوتان؟ ولكن الحقيقة هي أصالة الروح في إنسانية الإنسان وأداتية الجسد للتعبير عن هذه الأصالة في واقع الحياة والدنيا، حيث يصبح الجسد الأداة التي من الممكن أن تكون أنثى أو ذكرا.

"إن القرآن الكريم اعتبر أن حقيقة كل إنسان روحه، والبدن أداتها، وهذا لا يتنافى مع أن يكون للإنسان بدن في النشأة الدنيا والبرزخ والقيامة، وكما أن لديه بدنا في الدنيا، والبدن هو فرع – وليس أصلا أو جزءا من الأصل – كذلك أيضا في البرزخ والقيامة. حيث أن الله تعالى ينسب البدن الذي هو فرع إلى الطبيعة والتراب والطين ويسند الروح التي هي الأصل إليه إذ يقول في سورة الإسراء آية 85 (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)"[1]

وحينما تكون أصالة الروح هي الأساس في إنسانية الإنسان وليس الجسد، إذا تكون الخلافة الإلهية متعلقة بمقام الإنسانية وليست متعلقة بشخص أو جنس. ولكن ما هو معنى الخلافة الإلهية؟

معنى أن يخلف الله سبحانه وتعالى أحدٌ في أرضه.. يعني تنفيذ المقاصد الإلهيّة وتطبيق أوامره سبحانه وتعالى في الأرض. وليس معنى الخلافة الإلهيّة على الأرض مجرد وجود إنسان عاقل مريد ومختار يريد ويفعل، فمجرد وجود الإرادة والاختيار لا يعني جعله خليفة، بل انطباق إرادته واختياره مع إرادة الخالق في تنفيذ أوامره ونواهيه. وبالتأكيد هذا الانطباق هو الميزة هي التي جعلت من الإنسان خليفة لله سبحانه وتعالى.

فالميزة التي جعلت من الإنسان خليفة لله سبحانه وتعالى إضافة إلى كونه إنساناً مختاراً يريد فيفعل، هو أنه يريد ما يريده الله سبحانه وتعالى، وهي ذات الميزة التي أهّلت آدم وجعلته خليفة لله على الأرض.

ونخلص إلى أن متعلق الخلافة هو الإنسانية التي تطبق إرادة المستخلف عنه وتقيم أوامره وتنهى عن نواهيه في ساحة الاستخلاف. وبما أن القرآن جعل الميزان في التمايز التقوى حيث قال عز شأنه:"وجعلناكم شعوبا قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" إذا المسألة تتعلق بالإنسانية وليس بالجنس الإنساني والتمايز قائم على أساس تقوى الإنسان بما هو إنسان وليس بما هو جسد وبدن، فلا وجود إذا للجنس ذكرا أو أنثى في مسألة الخلافة على الأرض فكليهما كإنسان معنيان بالخلافة وإقامة حدود الله تعالى كما أرادها المستخلف، ومن لم يطبق ذلك من ذكر أو أنثى خرج من سنة الاستخلاف واستبدل بغيره.

فلسفة التنوع (الجنس وتنوع الوظائف):

حينما جعل الإنسان هو محور الخلافة الإلهية بماهيته لا بجنسه فإن ذلك لدليل على أصالة الإنسانية في المسيرة التكاملية نحو الله تعالى. إلا أن ممارسة هذه الوظيفة والهدف العظيم في الدنيا انتقل بهذا الإنسان ليتلبس لباس الجسد فيعطى صفة الذكر وصفة الأنثى لا على أساس التناقض والمقابلة وإنما على أساس تكامل الأدوار ووحدة الهدف. وقد انقسمت الآراء حول طبيعة الأدوار وتوزيعها بين كل من المرأة والرجل، فبعضهم ذهب إلى أن الأدوار وظائف وزعت وفق مقتضيات الطبيعة البيولوجية كل من المرأة والرجل، وبعض رفض هذه النظرية القائلة بتلاؤم الوظائف مع النظام الطبيعي للخلقة. حيث اعتمد أصحاب الرأي الأول على أن الأٍسرة هي الاساس في المنظومة الاجتماعية والتي توزع فيها الأدوار وفي النظام الطبيعي أو نظام الخلقة، واعتبروا أن الرجل هو صانع الحضارات ومدير المجتمع وتقع على عاتقه تقدم وتطور الحضارة والفكر الإنسانيين، أما المرأة فوظيفتها القيام بالأعمال التي تقع في دائرة تحصين المقومات التي تساعد الرجل في القيام بهذه المهمات العظيمة الملقاة على عاتقه. فأنصار النظام الطبيعي تبنوا نظرية ثبات الأنواع التي تتبنى ثبات الاختلافات الجسدية والنفسية بين المرأة والرجل في كل زمان ومكان، ما أصحاب النظرة الثانية أو أنصار القراءة التاريخية للاختلافات النفسية والجسدية بين المرأة والرجل فقد تبنوا نظرية التكامل التاريخي التي لا ترى ثبات لهذه الاختلافات الجسدية والنفسية وأنه يمكن للموجودات أن يكون لها ألف نوع وشكل. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل المراة التي كانت موجودة منذ آلاف السنين هي نفسها جسديا ونفسيا في عصرنا هذا؟ وهل الوظائف التي كانت تؤديها المرأة في السابق هي نفسها الوظائف التي تؤديها الآن؟ وهل بقيت المرأة في أدوارها محصورة ضمن حدود وأطر الأسرة فقط؟ وهل الظروف الاقتصادية التي كانت تعيش فيها المرأة هي ذاتها الأن؟

موضوعة المرأة من الموضوعات القلقة التي لم تخل أي ساحة تاريخية من طرح إشكالياتها، خاصة في القرون الأخيرة التي اختلطت فيها كثير من العادات والتقاليد مع الأديان، ولعل أصل الموضوع ليس في اختلاف الجنس بين المرأة والرجل، بقدر ما هو الكشف عن منظومة الحقوق والواجبات، ومحاولة استرجاع الحقوق المسلوبة، أو سلب حقوق ليست ذات صلة بالجهة المطالبة، ولكن هناك تجاهل أو تغافل عن أمر ذا أهمية قصوى، وهو عدم التطرق للمنظومة القيمية الفردية والاجتماعية وعلاقتها بمنظومة الحقوق والواجبات، وأيهما يقدم في حال التزاحم؟

وطالما كان موضوعنا عن الأنثوية، فأجد من الضرورة عمل إطلالة سريعة إلى الأسباب التي أدت إلى ظهور هذه الحركة، والتي في واقع الأمر نشأت كرد فعل إما على ظلم المرأة وسلبها حقوق واقعية لها، أو نتيجة الانحلال التدريجي لمنظومة القيم الفردية والاجتماعية، وقيام بنية فلسفية مغايرة اتخذت فيما بعد كقاعدة معرفية، لازمها كبناء فوقي كثير من اللوازم المعرفية والأفكار التي رسمت معالم العلاقات الفردية والاجتماعية ومنظومة القيم والحقوق والواجيات على ضوء تلك القاعدة الفلسفية.

وقفة مع المفهوم " الاستلاب":

اكتسب مفهوم الاستلاب حق الوجود الفكري الراسخ منذ أواخر القرن الثامن عشر.. ورغم أن المفهوم يرجع في بداياته المعروفة الأولى ؤلى اللاهوت البروتستانتي، أي بدايات القرن السادس عشر، فإن اساتخداماته تشعبت وتنوعت على مدى قرنين من تطور الفكر الفلسفي والاجتماعي الأوروبي، ابتداء من توماس هوبز وجون لوك، مرورا بجان جاك روسو، ويوهان غوتليب فيخته وفريدريك شيلنع، وصولا إلي هيجل الذي يحتل الاستلاب موقعا مركزيا في فلسفته.[2]

الاستلاب عند هيجل هو لحظة ديناميكية، نتيجة وسبب، فهو نتيجة للانسلاب أي النشاط الخالق الذي تقوم به الروح إذ تجسد فكرتها خارج نفسها في موضوع (تشيؤ في موضوع، في آخر)، وتصير بذلك غريبة أو في حالة استلاب/ اغتراب عن نفسها، مما يستفز أو يحث على رفع الاستلاب/ الاغتراب، نقضه، إلغائه، تجاوزه، نفيه.

يعبر هيجل، بلغة تجريدية، عن حالة الاستلاب/الاغتراب بتحليل:

تشيؤ النشاط الروحي (تجسده في شيء، أي موضوع).

تحول الموضوع إلى آخر.

فقدان الطابع الكلي.

إذا هو التشيؤ في الموضوع، والتحول إلي موضوع آخر، التخارج، فقدان الطابع الكلي.[3]

وهنا نحن بصدد الحديث عن استلاب هوية المرأة، وتشيء وجودها، لتتحول إلي وجود آخر، وشخصية أخرى، ترسم معالمها الأنثوية خاصة الراديكالية منها، وتسلبها روحها ووجودها الحقيقي، حيث تفصل بين التكوين الطبيعي البيولويجي، وتكوينها الروحي الإنساني، في حالة من الفردانية التي هيمنت على الفهم الغربي العام، وركزت على أصالة الفرد في قبال أصالة المجتمع التي تبناها الفكر الاشتراكي.

وهنا يدفعنا مفهوم الفردانية لعمل إطلالة سريعة، لدور مفهوم أصالة الفرد في تسييل الأنثوية كمفوم مقبول في المجتمعات الغربية، بعد أن فككت علاقات الفرد بمحيطه وفككت بعده الاجتماعي بالتالي بعده ودوره الأسري.

الفرادة والفردانية :

اليوم كثير من العناوين التي تطرحها ما يسمى بدورات التنمية البشرية، والتي تركز على الأنا والذات الأنانية وتكرسها كأصيل وأولوية مطلقة قد تكون في عرض الأسرة والمجتمع، هي عناوين خرجت من رحم مفهوم أصالة الفرد، وهي دعوة صريحة للفردانية.

يقول الدكتور علي وطفة في محاولته لتعريف الفردانية:

ترمز الفردانية إلى واقع اجتماعي وثقافي يستطيع فيه الناس، بوصفهم أفرادا، اختيار طريقة حياتهم وسلوكهم وممارسة عقائدهم، كما ترمز إلى مجتمع يضمن فيه النظام الاجتماعي والقضائي حماية حقوق الناس بوصفهم أفرادا غير مكرهين علي التضحية أو التنازل عن شيء يعتقدون به.

هناك فرق بين الفردانية والفرادة يتجلى في أن الأولى تدعو لأصالة الفرد في قبال المجتمع والدولة والجماعة يكون فيها الفرد هو محور الكون بطريقة تهدم فيها العلاقات المحيطة به، فلا يجد أن لأحد عليه حق، ولا عليه واجب اتجاه أحد غير ما يفرضه القانون عليه، بينما الثانية (الفرادة) تعتني بالفرد في بعده الحقوقي، ولكنها في ذات الوقت لا تنفي علاقاته وما يترتب على هذه العلاقات من واجبات وحقوق، كعلاقته بالمجتمع وعلاقته بالدولة وعلاقته بالأسرة والمجتمع، لكنها تحترم وجوده وشخصيته الذاتية، ويكون له الحق في التشخيص المستقل عن الجامعة والمجتمع، والتحليل واتخاذ المواقف التي تتوافق وشخصيته بحيث لا تؤثر علي مجتمعه ولا تضر بالمصالح العامة.

والفردانية هي موقف أخلاقي وفلسفة سياسية، ونظرة اجتماعية تؤكد على القيمة المعنوية للفرد. وتدعو إلى ممارسة أهداف الفرد ورغباته لتكون قيمه مستقلة ومعتمدا على نفسه، وتعتبر الفردانية أن الدفاع عن مصالح الفرد مسألة جذرية يجب أن تتحقق فوق اعتبارات الدولة والجماعات، في حين يعارضون أي تدخل خارجي على مصلحة الفرد من قبل المجتمع أو المؤسسات مثل الحكومة. وغالبا ما تتناقض الفردانية والديكتاتورية أو الجماعية. .

مثلا دعوات تقديم النفس على كل شيء، والاعتناء بها فوق كل شيء، والتركيز على سعادتها قبل أي شيء، ككوني أنت، وأنا الأول وغيرها من العناوين التي تدور في فلك الأنا والذات وتقدم مفاهيم مادية تشخص حاجات هذه الأنا، هي من ذات ذلك الأصل " أصالة الفرد"..

هذا فضلا عن التركيز على حقوق الفرد دون التأسيس لمنظومة حقوق وواجبات تأخذ بالحسبان شبكة العلاقات الوظيفية والتفاعلية المتعلقة في الفرد، سواء نلك الطبيعية الفطرية أو الاعتبارية النظمية.

ومثال ذلك الحرية كحق أصيل للفرد، وهي فضلا عن كونها حق طبيعي فطري تكويني، إلا أننا لا نستطيع فصلها كحق فردي عن دائرة المجتمع، وعن دائرة النظم والقانون.

فالفرد يولد وله بعدين حقيقي وحقوقي، فالأول متعلق به كذات وكشخصية حقيقية لها مجموعة حقوق وعليها مجموعة واجبات، كون لا يخلو حق من واجب متلازم معه، والثاني عبارة عن مجموعة العلاقات والارتباطات التي يرتبط فيها بعد ولادته بشكل حقيقي أو كفرد من أفراد المجتمع بشكل اعتباري، ويترتب عليها مجموعة حقوق له ومجموعة واجبات عليه.

هذا التوازن بين الحق والواجب وبين الحقوق الفردية والاجتماعية لا يلغي الفرد لكنه يرسم له شبكة علاقاته وحدودها الحقوقية والقانونية التي تعتبر حاجة ضرورية للنظم والتطوير، بل حاجة لازمة لخلق جو تفاعلي يرتكز على التنافس التصاعدي المتوازي لا التنافس التصادمي المتقاطع، فالأول يفجر طاقات الفرد والمجتمع، والثاني يدخلها في صراعات قاتلة وهدامة.

فالتوازن هو بين بناء الذات والاهتمام بها من حيث النوع والكم والمعنى والمادة، مع ضرورة إهمال الأنا الفرعونية بل محاربتها، وبين الاندماج بالمجتمع والتفاعل والانفعال معه في التغيير والتطوير وخدمة الإنسانية.

فهو توازن بين ضرورة بناء الذات في كافة أبعادها، وبناء المجتمع في كافة احتياجاته.

لكن هل ذلك يتنافى مع الفرادة؟ وهل الفرادة تعني انقلاب على الذات وعلى الأصيل الثابت؟

وما الفرق بين الفرادة والفردانية؟

رفض الأنا كأصيل فرعوني، لا يعني رفض الفرادة، كون الفرادة تكمن في التميز والابداع الذي يفترض أن يطور من المجتمع ويدفع باتجاه تحضّره، . كون تمييز التميز والابداع لا يكون إلا من خلال التفاعل الاجتماعي ضمن المجتمع، فلا فرادة يمكن وصفها بذلك إلا من خلال مقارنة عمل مع آخر، وإبداع مع آخر. وهذا لا يكون إلا بإعطاء الفرد حقه في العلم وتنمية الذات والتعبير عن مهاراته وخصوصيته وإبداعاته ومن ثم ترجمتها في واقعه المعاش، وهذا يشترط أن تكون منظومة المعايير والقيم قائمة على أساس أصالة الفرد والمجتمع، بحيث لا تتعدى حقوق الفرد على المجتمع ولا العكس.

والفرادة لا تعني الانقلاب على الأصل، بل تعني تطويره وتبييئه، أي مواكبة هذا الأصل للواقع الزماني والمكاني، الفرادة تعني امتلاك قدرة على التميز في تطوير الواقع وتنضيجه، في سوق قابليات الناس لتقبل الحقيقة، في امتلاك المهارة لذلك والقدرة على إصلاح الواقع بفكر حضاري غير متصادم، الفرادة ليس كما تطرحها الحداثة في تحقيق إنجازات كمية ونجاحات متراكمة لا تصب إلا في صالح الأنا، الفرادة تكمن في تحقيق نجاح نوعي ينعكس على الواقع الاجتماعي وينهض به، حتى لو لم يقدم للشخص أي قيمة مادية، وحتى لو لم يحقق هذا الشخص الشهرة، فالأصل في الفرادة هو النوع لا الكم، ولكن لو انضم النوع إلى الكم فهو نور على نور.

و تتحقق الفرادة وتشتد قوة حينما تترجم في واقع اجتماعي وتحدث تغيير نوعي يدفع بالمجتمع للدول المتحضرة نوعيا وكميا. وهذا لا يتم إلا بالنقد البناء، ورفض التنميط بكافة أشكاله، ومحاولة القراءة الابتكارية للواقع، وامتلاك قدرة للخروج من الصناديق كافة مذهبية أو اجتماعية أو عصبوية، والتفكير الحر الذي لا يخضع لحسابات البيدر والميدان، كالحزبية والقبلية، أو الارتباط بمصالح مالية أو سياسية أو سلطوية. هي تحرر في الفكرة خارج المألوف والإجماع.

هي حالة نقد مستديم إيجابي للواقع، ومحاولة النهوض به حتى لو كان فهم في عكس التيارات كافة.

الفرادة في خصومة مع التقليد النمطي، وفي اندماج مع النظر والتأمل والخيال، الفرادة لا تتحقق مع المسلمات الكثيرة النمطية القائمة على التقليد، ولا مع اليقينيات المطلقة دون بحث وتنقيب ودليل.

تتحقق الفرادة لا بعنوان التقليد ولا الإخضاع والإذلال، وإنما بفعل التفكير والنظر والإقناع والتأثير، الفرادة لا تعني الأنا ولا فقط الذات، بل تعني النهوض بهذه الذات في سياق نهضة المجتمع والأمة.

أن تحقق الفرادة هي أن تقدم شيئا جديدا عجز أقرانك عن تقديمه، شيئا يحدث التغيير خاصة في واقعك الاجتماعي، وخاصة على مستوى الإدراك والقابليات ومنظومة القيم والمعايير.

نعم لنهتم بذواتنا في تطويرها وتنميتها ماديا ومعنويا، لكن لا ننسى أنتا كأفراد لنا حقوق وعلينا واجبات، فالفرد له أبعاد ولكل بعد ارتباط بالحق والواجب.

فبعد حقيقي هو ذاته التي لها عليه حق في العلم والاخلاق والمعرفة، وبعد حقوقي مرتبط بمنظومته العلائقية. كعلاقته بالله والوالدين والأخوة والأسرة المتكونة من الزوج والزوجة والأبناء والمجتمع والأصدقاء وإلخ.

فله عليها حقوق، وعليه اتجاهها واجبات، فلا يمكن أن ينفصل عنها ولا تنفصل عنه خاصة العلاقات الحقيقية التي لا تنفك.

والالتفات لعملية التفكيك البطيء لمنظومتنا المعرفية بعد العولمة، يحتاج إلى وعي وإدراك لكل بنية الحداثة الغربية وبنية الإسلام، لمعرفة الفروقات الجوهرية في البنى الفلسفية لكلا الحضارتين ومن ثم التمييز بينهما تمييزا مجهريا دقيقا، لنتمكن من الاستفادة من كل التجارب البشرية بطريقة تلاقحية لا تبدل الأصيل الثابت، لكن تطور سياقاتنا المعرفية وأدواتها، وتنهض بفهمنا وإدراكنا بما ينعكس بشكل إيجابي على سعينا نحو التطوير والنهضة في مساراتهما المعرفية السليمة، بعيدا عن التمييع والتركيب المصطنع.

يرى دوركهايم أنّ تبني مقاربة فردانية للمعرفة، أي الاعتقاد أنّ المعرفة تنطلق من التجربة الفردية، يثير بالضرورة مشكلات يستحيل حلها. ذلك أنّ الأشياء التي يجربها الأفراد تتغير من يوم لآخر ومن لحظة لأخرى. فلا شيء يعيد إنتاج نفسه بصورة متطابقة، كما أنّ مجرى التجربة في حالة ما إذا كان الأفراد لم يكتسبوا بعد مقولات الفكر العامة (يخضع لعملية تطور دائم وتمايز مستمر ) بما أنه في تدفق لا يتوقف فضلاً عن ذلك، فحتى وإن كان من الممكن الاعتراف بأنّ التجارب الفردية الخاصة صادقة تجريبياً، فإنّ كل محاولة للتعميم انطلاقاً منها تبقى غير صادقة إذا لم يكن ما أُضِيفَ أثناء عملية التعميم هذه خاصيةً أوليّةً للتجارب الخاصة. لكن ما الذي يميّز في هذه الحالة مقولة عامة عن تجربة مواضيع وأحداث خاصة؟ إذا كانت المقولات العامة شيئاً لا يوجد في التجارب الخاصة المأخوذة كُلّ واحدة على حدة، أي إذا كانت شيئاً أضافه العقل إلى مجموع الكيانات الخاصة، فإنّ الأفكار العامة تخلو من كلّ صدق تجريبي.

إن التفكيك بين الفرد والجماعة وبينه وبين المجتمع هو تعطيل جزئي للعقل وحصره في دائرة الأنا التي تتصف بالمحدودية، وهو دفع للتضارب لا التنافس بين الآراء وتلاقحها، هذا فضلا عن قتل كثير من القيم والمعايير التي لا تتفاعل إلا في بيئة جماعية اجتماعية وتعطيل لها، وهو ما ينعكس سلبا على المدى البعيد على السلوك الفردي والاجتماعي أخلاقيا ومعنويا، ويخلق بعد أناني يقتل روح التفكير بالآخر وروح التعاون، ويخلق حالة من التسابق الأنوي للكسب والشهرة وتحقيق مادي للذات فقط.

ولا ننكر أن المغالاة في العمل الجماعي وتكريس أصالة المجتمع على حساب الفرد، هو قتل للفرادة بحجة الخوف من الفردانية وتضخم الأنا الفرعونية، وتكريس العقل الجمعي والتنميط وتعليب الفكرة بصندوق خاص يكرس من ثقافة القطيع والجنود لحساب الجماعة.

إن ما نصبو إليه هو تحقيق ميزان الاعتدال بين الفرد والمجتمع، وتحقيق الفرادة التي تنهض بالأمة ولا تنهض الأمة إلا بنهوض أفرادها، ولا ينهض الأفراد إلا بتحقيق التعاون على كافة الأصعدة وبكافة المراتب.

فمن يشتغل بحقل الأفكار ويحقق الفرادة في هذا الميدان لا يمكن لفرادته أن تحقق النهضة إلا بالتعاون مع آخرين قادرين على ترجمة فرادته الفكرية في الواقع الاجتماعي لتحدث انزياحات حقيقية في الوعي، وهذا لا يتحقق إلا من خلال ترجمة هذه الأفكار بطريقة تناسب الزمان والمكان وتحاكي الواقع وتعالج إشكالياته.. ومن وجهة نظري أن الفردانية الغربية التي اعتمدت أصالة الفرد كانت سببا غير مباشرا في تطرف الفكرة الأنثوية وسببا غير مباشرا في نشوئها، بعد أن فصلت المرأة كما الرجل عن المحيط الأسري والاجتماعي، وجعلت لها حقوقا منفصلة عن مجموعة الحقوق العلائقية المرتبطة في الأسرة والمجتمع، فحقوقها منفصلة باتت عن واجباتها من جهة، وعن اتصالها العضوي بالأسرة، سواء كونها ابنة، أو زوجة وأم.

بين النسوية والأنثوية:

المرأة في العصور الوسطى:

"شاركت المرأة في القرون الوسطى الرجل أشغاله في الحقل، والعناية بالحيوانات، بالإضافة إلى أشغال المنزل، ومع التنمية العمرانية، وظهور أشكال جديدة من العمل، ساعدت المرأة زوجها في مهن وفنون إلى أن وصلت إلى النيابة عنه وتعويضه حسب الحالات. وكان الأب يلقن فنه لأولاده الذكور منهم والإناث على السواء. وفي القرن الثالث عشر، أصبحت المرأة لا تمارس فقط حرف الحياكة والنسيج، وإنما أيضا أصبحت تقوم بأعمال الدباغة ومعالجة الجلد والمعادن. وبشكل عام فإن الأجور التي كانت تتقاضاها النساء، كانت منخفضة عن تلك التي كان يتقاضاها الرجال، الأمر الذي أدى إلى إسهام المرأة في الحركات الثورية التي عرف المدن في القرون الوسطى وحدث في القرن الخامس عشر أن اتهم عمل المرأة بكونه السبب في البطالة التي يواجهها الرجال، وقد نتج عن ذلك أن منعت مختلف التشريعات الأوربية ممارسة النساء لأية مهنة. وهكذا مع نهاية القرن السادس عشر وحلول السابع عشر، كانت المرأة قد أقصيت نهائيا من الحياة المهنية. وفي الجملة، إن عصر "المركنتيلية" (التجارية) كان يعني موت المرأة ككيان نشيط. فلما حل القرن الذهبي، وجد المرأة محبوسة في المنزل، وقد اقتصر دورها على تنشئة الأولاد، والقيام بأعمال البيت، ورعاية شؤون الزوج. أما على المستوى الفكري والثقافي، فقد حدث خلاف ما قد يتبادر إلى الذهن من إقصاء المرأة، حيث إنها في القرون الوسطى تمتعت بمساواة نسبية مع الرجل في المجال الثقافي، فعلى مستوى الطبقات الدنيا كان هناك غياب عام للتعليم بالنسبة للرجل كما للمرأة على حد سواء. أما في المستويات الاجتماعية العليا، فقد عرفت تحركات اجتماعية نسائية انطلاقا من القرن السادس عشر طلبا بالحق في التعليم الذي كان مقصورا على الرجل، مثل ما حدث في "بوركوس" و "بلنثيا". في القرن الثامن عشر، وضع حد للتمييز بين الرجل والمرأة في الحق في التعليم. في هذا القرن الثامن عشر، مع التطور الذي عرفته الحياة العمرانية، أنشئت مدرسة للفتيات مثل الفتيان على الرغم من أن عدد الفتيات كان أقل من عدد الذكور. وأما بالنسبة للجامعات، فقد منعن من الالتحاق بها، باستثناء المدرسة الحرة"بسلونو" في إيطاليا، التي كانت تمنح شهادات في الطب النسائي منذ القرن العاشر. ولن يحدث هذا في المدن الأوروبية الكبرى إلا في نهاية القرن الثالث عشر، حيث سمح للمرأة بممارسة الجراحة وطب الأنف والحنجرة وأمراض النساء. وقد اشتهرت القرون الوسطى بأساطير، سواء تعلقت بملاحقة الساحرات من طرف محاكم التفتيش، وكانت العقوبات التي كن يتعرضن لها خلال القرن السابع وإلى حدود القرن الثالث عشر، تتلخص في استتابتهن أو فرض غرامات مادية عليهن"[4]

وحول وضع المرأة في القرون الوسطى شرح الكاتب الدانمركي Wieth Kordsten اتجاه الكنيسة الكاثوليكية نحو المرأة بقوله: خلال العصور الوسطى كانت العناية بالمرأة الأوربية محدودة جدا تبعا لاتجاه المذهب الكاثوليكي الذي كان يعد المرأة مخلوقا في المرتبة الثانية.

وفي فرنسا عقد اجتماع عام 586م يبحث شأن المرأة وما إذا كانت تعد إنسانا أو لا تعد إنسانا؟ وبعد النقاش قرر المجتمعون أن المرأة إنسان، ولكنها مخلوقة لخدمة الرجل. وقد نصت المادة السابعة عشرة بعد المائتين من القانون الفرنسي على ما يلي:

المرأة المتزوجة حتى لو كان زواجها قائما على أساس الفصل بين ملكيتها وملكية زوجها لا يجوز لها:

أن تهب، ولا أن تنقل ملكيتها ولا أن ترهن، ولا أن تملك بعوض أو بغير عوض بدون اشتراك زوجها في العقد أو موافقته عليه موافقة كتابية.

وفي إنجلترا حرم هنري الثامن على المرأة الإنجليزية قراءة الكتاب المقدس وظلت النساء حتى عام 1850م غير معدودات من المواطنين، وظللن حتى عام 1882م ليس لهن حقوق شخصية.

يقول المؤرخ فردريك هير: إنه لم يكن للمرأة في الغرب الأوروبي في العصور الوسطى أي حق في أي شيء، فالقانون كان خاص بالرجال، وحدهم، والرجل هو صاحب السلطة الوحيد في العائلة وفي المجتمع وفي الدولة، بل إن إحدى القواعد الثابتة في العصور الوسطى كانت woman”s voice is not to be heard in public. هذا باستثناء حق واحد فقط هو الميراث، فقد كان من حقها أن ترث والدها أو زوجها. على أن المؤرخة بور توضح أن القانون الإنجليزي كان يعتبر المرأة النبيلة غير المتزوجة أو التي توفى عنها زوجها، شخصية متميزة عن العامة، فكان يهتم بحقوقها وواجباتها لدرجة المساواة بالرجل، فمن حقها حيازة الأرض الزراعية، وتحرير وصية أو عقد، ولها أن تقيم دعوى أمام القضاء أو ترفع عليها الدعاوى، لكن بمجرد زواجها فإن هذه الحقوق كلها تنسل من يديها ليستحوذ عليها الزوج.

وإذا كانت سيدة نبيلة كبيرة السن دون زوج فإنها تمنح نفوذًا وسلطة واسعة، وتصبح شخصية هامة ذات شأن كبير في المحيط الذي تعيش فيه.أما فيما يتعلق بحقوقها في الزواج، فإنه لم يكن للفتاة من الطبقة العليا في المجتمع أي رأي في اختيار شريك حياتها، إذ كانت المصالح المادية هي صاحبة الرأي الأول والأخير في هذا الأمر، وكان زواج المصلحة أمرًا شائعًا ومألوفًا في العصور الوسطى، ومثل هذه الزيجات كثيرًا ما أملتها المصالح التي تتعلق بالأرض، وكانت عبارة "لا أدري أية عوائق تحول دون الزواج بين أصحاب الاقطاعات الكبيرة" هي العبارة التي استرشد بها كبار السادة الإقطاعيين للموافقة على زواج بناتهم، أو (قاصر) تحت وصاية أحدهم.

وكانت النظرة للمرأة في أوروبا القرون الوسطى كما لخصها ترتوليان أحد قادة الفكر الأوروبي في القرون الأوروبية الوسطى "أنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، وأنها ناقضة لقانون الله، مشوهة لصورة الله. وبالتالي نرى أن المرأة في تلك العصور وقع عليها ظلما في النظر إليها كإنسانة حتى وصل الأمر إلى إقرار عدم أهليتها وقدرتها على اختيار الزوج والذي يعتبر شريك حياتها وكانت المسألة متعلقة بالبعد المادي لدى الطبقات البرجوازية وبالرغم من أن المرأة كانت في فترة من الفترات تشارك الرجل في أعمال تعتبر شاقة لها مقارنة مع تركيبتها الجسدية إلا أنه حتى هذا النذر اليسير سلب منها فيما بعد وحرمت الاستقلالية المادية لتعود بكل ما تملك لزوجها ومن قبله لأبيها، بل حرمت حتى من الميراث حتى تبقى تحت السلطة الأبوية التي كانت تعدها إنسانة من الدرجة الثانية وغير مؤهلة لحكم نفسها. فإن كانت الكنيسة لا ترى لها في القرون الوسطى أهليه على تدبير شئونها الخاصة فبالطبع هي لا تراها أصلا مؤهلة للدخول في عالم السياسة والمشاركة في أي مستوى من مستويات صنع واتخاذ القرار، أو أي مجال من مجالات العمل والحياة الاجتماعية. ونحن هنا لا ننكر أبدا نضال المرأة الأوروبية في تلك الفترة لكي تستطيع أن تخرج من هذه السلطة البابوية والأبوية ولكن ما حصل هو خروجها من هذه السلطة ودخولها في سلطة أخرى أضاعت شخصيتها الإنسانية، وجعلتها أسيرة النظام العلماني الرأسمالي وهذا ما سنتطرق له في البند التالي.

المرأة الأوروبية في العصر الحديث:

وفي العصر الحديث عندما قامت الثورة الفرنسية التي ينظر إليها الأوروبيون على أنها أم الثورات، وأم الحريات؛ حتى أصبحت محل فخر الدول الأوروبية المسيحية، فإنها اعتبرت المرأة إنسانًا قاصرًا لا تستغل بشؤونها إلى أن عدلت تلك القوانين لصالح المرأة وأخذت بعض الحقوق. عقد في فرنسا اجتماع سنة 1586 م ليبحث شأن المرأة، وما إذا كانت تُعدُّ إنساناً أو لا تُعدُّ إنساناً. وبعد النقاش قرر المجتمعون أن المرأة إنسان ولكنها مخلوقة لخدمة الرجل. وفي شباط عام 1938 م، صدر قانون يلغي القوانين التي كانت تمنع المرأة الفرنسية من بعض التصرفات المالية، وجاز لها ولأول مرة – في تاريخ المرأة الفرنسية – أن تفتح حساباً جارياً باسمها في المصارف. وفي إنكلترا بقيت النساء حتى السنة 1850م غير معدودات من المواطنين، وظلت المرأة حتى سنة 1882م وليس لها حقوق شخصية، فلا حق لها بالتملك. ولم تُسَوِّ جامعة أكسفورد بين الطالبات والطلاب في الحقوق (في الأندية واتحاد الطلبة) إلا بقرار صدر في 26 تموز 1964م.

"إن قضية المساواة بين الرجل والمرأة لم تأت عقب الثورة الصناعية وحاجة المصانع إلي أيدي عاملة من الجنسين وإنما ترجع بجذورها إلي الثورة الفرنسية 1789 في ظل أجواء تبنتها الثورة عن الحرية والمساواة والإخاء.. حيث شعرت المرأة أنها تعيش في ظلم حقيقي رسمت ملامحه الثقافة السائدة وطبيعة القوانين الجائرة، فطالبت بحقها في توسيع فرص التعليم للمرأة وتحسينها والمساواة في ذلك، والمساواة القانونية في العمل وتولى الوظائف الحكومية ورفعت عدة شعارات منها" إذا كان يحق للمرأة أن ترتقي منصة الإعدام فمن حقها أيضا أن ترتقي المنبر"[5]

وبمثل هذه الشعارات التي اجتاحت دول أوروبا وأمريكا في القرن الثامن عشر، انطلقت الحركة النسائية في أوروبا تطالب بعد أن نزلت إلي ميدان العمل وما صاحبه من تغيرات بتوفير دور للحضانة ورعاية الأطفال والحق في الأجر المتساوي وفي تشريعات تحمي النساء العاملات، وحق الملكية، الطلاق، وحق التعليم العالي وممارسة المهن الطبية وحق الانتخاب والترشيح.

وفي أمريكا عام 1848 عقد في "سينيكا فولز" أول مؤتمر للنساء أعلنت فيه النساء المشاركات عن رغبتهن في تنظيم جهودهن كحركة مجتمعية تسعى للإصلاح الاجتماعي.

وشكلت المطالب الاجتماعية للمرأة أهم ملامح هذه المرحلة ومع هذا استمرت أوضاع المرأة على ما هي عليه وتعنتت الأنظمة الحكومية في الرد علي المطالب الأنثوية حتى ولو كانت عادلة وحقه، حتى بدايات القرن العشرين خاصة مع الحرب العالمية الأولى التي أدت إلى زيادة حجم التواجد النسائي وبدأت كفة الحركات النسائية في الرجحان لصالحها .ومن هنا نجد أن المرأة الأوروبية أظهرت حراكا سياسيا واضحا وكان لها وجودا مؤثرا تجلى في الحربين الكونيتين الأولى والثانية ومارست مصداقا واضحا للمشاركة السياسية من خلال الضغط الشعبي لتحصيل حقوقها وبالتالي أحدثت تغييرا في مسيرتها، وإن كانت هذا التغيير سار بشكل بطيء إلا أنها استطاعت أن تحقق لها مكاسب ما كانت لتحلم بها بعد الظلم الذي مورس عليها في ظل الحكم الكنسي، ولكن أين وصلت المرأة الأوروبية بعد إعلائها شعار التحرر ومطالبتها بحقوقها والمساواة بين الجنسين

الأنثوية:

قبل تعريف المصطلح ومنطلقاته الفلسفية والمادية علينا أن نعي تماما أن هناك فرقا واضحا بين المطالبات الحثيثة في رفع الغبن الذي لحق بالمرأة العربية والمسلمة وإعطاءها حقوقها الطبيعية على ضوء الفهم الأقرب للشريعة الإسلامية وبين الحركات الأنثوية (Feminism) التي ترفع شعارات مماثلة ألا وهي التحرير والحقوق إلا أنها ترمي إلى مقاصد وتحقيق أهداف من هذه الشعارات غاية في الخطورة في كثير من تياراتها ودعواتها، وتكمن خطورة الشعار وخطورة الحركات الأنثوية في أنها تنشط في ساحاتنا التي امتلأت غبنا للمرأة وسلبا لحقوقها تحت شعارات دينية والدين منها براء. فهي تحاول أن توجه الضربة القاضية للدين الإسلامي من خلال توجيه التهم المباشرة والعميقة والأسئلة الحرجة على مسامع النساء الناشطات في الساحة العربية والإسلامية واستغلالهن ليكن الأدوات الفاعلة في نشر ثقافة الأنثوية وإحلالها كبديل للدين والقيم والاخلاق. ويأتي الدكتور عبد الوهاب المسيري إلى مصطلح Feminism والفرق بينه وبين المصطلح القديم للحركة النسوية Women’s Liberation Movement، ويقول: "ظهر منذ عدة سنوات مصطلح آخر هو Feminism وحل محل المصطلح الأول (حركة تحرير المرأة والدفاع عن حقوقها) وكأنهما مترادفان أو كأن المصطلح الأخير أكثر شمولاً من المصطلح الأول، ولكننا لو دققنا النظر في المصطلح الأخير لوجدنا أنه يشير في واقع الأمر إلى مدلولين مختلفين تمام الاختلاف: (حركة تحرير المرأة) و (حركة التمركز حول الأنثى)، وهما حركتان في تصورنا مختلفتان، بل متناقضتان، فحركة تحرير المرأة هي حركة اجتماعية، بمعنى أنها تدرك المرأة باعتبارها جزءًا من المجتمع، ومن ثم تحاول أن تدافع عن حقوقها داخل المجتمع وهي واحدة من حركات التحرر القديمة التي تدور في إطار إنساني يؤمن بفكرة مركزية الإنسان في الكون، ولفكرة الإنسانية المشتركة التي تشمل كل الأجناس والألوان وتشمل الرجال والنساء، وبفكرة الإنسان الاجتماعي الذي يستمد إنسانيته من انتمائه الحضاري والاجتماعي. والإنسان من منظور حركة تحرير المرأة كيان حضاري مستقل عن عالم الطبيعة/ المادة لا يمكنه أن يوجد إلا داخل المجتمع، ولذا لا يمكن تسويته بالظواهر الطبيعية / المادية. ومن ثم تحاول هذه الحركة أن تدافع عن حقوق المرأة داخل حدود المجتمع وخارج الأطر البرجوازية الصراعية الطبيعية/ المادية الداروينية التي ترى المجتمع باعتباره ذرات متصارعة. والمرأة من ثم، في تصور هذه الحركة، كائن اجتماعي يضطلع بوظيفة اجتماعية ودور اجتماعي، ولذا فهي حركة تهدف إلى تحقيق قدر من العدالة الحقيقية داخل المجتمع (لا تحقيق مساواة مستحيلة خارجه) بحيث تنال المرأة ما يطمح إليه أي إنسان (رجلا كان أم امرأة) من تحقيق لذاته إلى الحصول على مكافأة عادلة (مادية أو معنوية) لما يقدم من عمل... لذا تأخذ حركة تحرير المرأة بكثير من المفاهيم الإنسانية المستقرة الخاصة بأدوار المرأة في المجتمع، وأهمها، بطبيعة الحال، دورها كأم. ورغم أن هذه الحركة علمانية -ـ في رأينا ـ في رؤيتها، تستند إلى فكرة العقد الاجتماعي والإنسان الطبيعي والإنسان الاقتصادي إلا أن مثلها الأعلى يحوي داخله أبعادًا إنسانية واجتماعية لعلها بقايا رؤى المجتمع التقليدي الديني الغربي، ومع تصاعد معدلات العلمنة، بدأت هذه البقايا في التبخر، وتراجع البعد الاجتماعي، وتم إدراك الأنثى خارج أي إطار اجتماعي، كأنها كائن قائم بذاته، وظهرت نظريات تتحدث عن ذكورة وأنوثة اللغة، والفهم الأنثوي للتاريخ، والجانب الذكوري أو الأنثوي في رؤية الإنسان للإله، أي أننا هنا لسنا أمام قضية حقوق المرأة الاجتماعية والاقتصادية أو حتى الثقافية، وإنما أمام رؤية معرفية متكاملة، نابعة من الإيمان بأن الأنثى كيان منفصل عن الذكر، متمركزة حول ذاتها، بل وفي حالة صراع كوني تاريخي معه، الأمر الذي أدى إلى تزايد هيمنة القيم البرانية المادية مثل الكفاءة في العمل في الحياة العامة مع إهمال الحياة الخاصة ـ الاهتمام بدور العاملة (البرانية) مع إهمال دور المرأة الأم (الجوانية) ـ الاهتمام بالانتاجية على حساب القيم الأخلاقية والاجتماعية الأساسية ( مثل تماسك الأسرة وضرورة توفير الطمأنينة للأطفال) -ـ اقتحام الدولة ووسائل الإعلام وقطع اللذة لمجال الحياة الخاصةـ إسقاط أهمية الإحساس بالأمن النفسي الداخلي ـ إسقاط أهمية فكرة المعنى باعتبارها فكرة ليست كمية أو مادية.. الخ. ومن هنا ما تطرحه لا يهدف إلى تغيير القوانين، أو السياق الاجتماعي للحفاظ على إنسانية المرأة باعتبارها أمًّا وزوجة وابنة وعضوًا في المجتمع، وإنما تهدف إلى تغيير اللغة الإنسانية، ومسار التاريخ والطبيعة البشرية ذاتها حتى يتم اختلاط الأدوار تمامًا وحتى يتحسن أداء المرأة في إدارة الصراع مع الرجل، وقد نتفق أو نختلف في هذا الوصف للحركتين، ولكن المهم أنهما حركتان مختلفتان، تستخدم كلمة واحدة للإشارة لهما في اللغات الأوربية، وقد بدأنا نحن أيضًا في اتباع هذا الأسلوب، ونشير إلى كل من حركات تحرير المرأة والتمركز حول الأنثى بأنها حركات تحرير المرأة، وفي هذا خلل أيما خلل، وهو تغييب لمجموعة من الفروق الجوهرية بين الحركتين"[6]

تعريف الانثوية

هي "حركة فكرية سياسية اجتماعية متعددة الأفكار والتيارات، ظهرت في أواخر الستينات، تسعى للتغيير الاجتماعي والثقافي وتغيير بنى العلاقات بين الجنسين، وصولاً إلى المساواة المطلقة كهدف استراتيجي، وتختلف نظرياتها وأهدافها وتحليلاتها تبعًا للمنطلقات المعرفية التى تتبناها، وتتسم أفكارها بالتطرف والشذوذ، وتتبنى صراع الجنسين وعداءهما، وتهدف إلى تقديم قراءات جديدة عن الدين واللغة والتاريخ والثقافة وعلاقات الجنسين".[7]

وقد مال الأستاذ مثنى إلى جعل الحركة النسوية الراديكالية المقياس في التعريف للأنثوية.

ومصطلح الأنثوية أو "الفيمينيسم" هو مصطلح فرنسي، يعني الدفاع عن حقوق المرأة عن طريق تحقيق المساواة المطلقة، وإزالة كل أنواع التمييز بين المرأة والرجل دون النظر إلى الفروقات الطبيعية، بل إعطاء الحق المطلق للإنسان لتحديد جنسه، بعنوان حق الإختيار الحر.

ويفند المفكر مثنى أمين هذا التعريف إلى عدة مفاهيم فكرية وسياسية واجتماعية يشرح من خلالها أهداف ومنطلقات هذه الحركة فيقول:

" يمكن شرح مفردات هذا التعريف التقريبي على النحو التالي:

حركة فكرية: بمعنى أنها تمتلك أفكارًا وثقافة خاصة وعندها نظريات لتفسير القضايا ذات الصلة بميدانها. حركة سياسية: بمعنى أنها تلتمس لتحقيق أهدافها نوعًا من ممارسة العمل السياسي عبر منظمات جماهيرية وجماعات ضغط ومؤسسات المجتمع المدني، والتى هي قناة من قنوات ممارسة العمل السياسي، سواء كانت هذه المنظمات تابعة للأحزاب التى تكون موجودة أم تكون مستقلة، بل إنها الآن تمارس العمل السياسي على مستوى العالم عبر ضغط على مؤسسات الأمم المتحدة، وبالذات عبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي وصناديق السكان والطفل، ولجنة المرأة ومؤتمراتها المختلفة، واتفاقياتها المتعددة، وسوف نتطرق لهذا في مجال خاص من هذا البحث.

حركة اجتماعية: لأنها تمس الأسرة وبنى العلاقات فيها ودور المرأة في المجتمع. وهي متعددة الأفكار والتيارات: وهذه إشارة إلى تعدد الخلفيات الفكرية والإيديولوجية التى تستند إليها هذه الحركة. وفي قولنا: "تسعى للتغيير الاجتماعي والثقافي" إشارة إلى أن هذه الحركة لا تتبنى إصدار بعض القوانين الشكلية لتحسين أوضاع المرأة، وإنما تريد تغيير الثقافة والنظرة والعلاقات وصناعة أعراف وقيم جديدة... إلخ، فوضع المرأة القانوني لا يتحسن إلا بوجود إدارة سياسية، وهي لا تتوفر إلا بتوفر وعي ثقافي جديد، وهذا لا يمكن إلا بتغييرات لابد من حصولها في نظرة الناس وكيفية تناولهم للأمور وهلم جرا."[8]

فكانت الحراكات النسوية في أغلبها تتولد ضمن سياق فعل اجتماعي ديني، أوقع ظلما كبيرا على المرأة، وجاءت هذه الحراكات كردود فعل عكسية ومتطرفة في أغلبها، وتحاول أن تدفع في مسارات حقوق المرأة إلى أقصى اتجاه، لدرجة أنها أخرجت نفسها من استبداد إلى استلاب، فالأول سلبها جل حقوقها بما فيها الطبيعية، والثاني سلبها وجودها وكينونتها وهويتها حتى الطبيعية منها. رغم أن هناك تمايز واضح بين حركات تحرير المرأة التي انطلقت لإنصاف المرأة ضمن إطارها الإنساني، إلا أن توغل الغرب في التنميط المادي للمجتمع، وتطوير النزعة الاستهلاكية المادية على حساب النزعة الإنسانية القيمية، وتحويل الشأن الحقوقي من شأن قيمي إنساني إلى مادة تخاصمية صراعية يغيب فيها البعد الأخلاقي لحساب البعد المادي الفرداني الذي يخرج المرأة من شخصيتها وكينونتها ضمن المنظومة الإنسانية ككل، إلى شخصية تتمحور حول ذاتها في بعدها الجسدي المادي لا بعدها الإنساني الذي يحقق كينونتها ضمن شخصيتها الحقيقية والحقوقية المرتبطة بذاتها من جهة كإنسانة، وبمحيطها الذي يشكل بعدها الاجتماعي كأم وزوجة وإبنه.

ويقول الكاتب والمفكر مروة أحمد إبراهيم عن وضع المرأة في الغرب الحديث "ويكفي أن نشير إلى أن إحدى السيدات الأمريكيات في 1986 م قد ألفت كتابا أسمته (حياة مهانة: أسطورة تحرير المرأة) واعتمدت في كتابها على إحصائيات دقيقة، حيث أكدت أن الأجر (الراتب الشهري) للمرأة في أمريكا لا يزيد على نسبة 64% من أجر الرجل عن العمل المؤدى نفسه، وفي السويد لا تبلغ النسبة إلا 81% فقط، أما عن حوادث الاغتصاب التي نتجت عن حرية المرأة المزعومة، فقد سجلت التقارير أن نسبة إمكان اغتصاب الأنثى في أمريكا من 1: 5، والتقديرات المحافظة من 1: 7، أي أنه على أفضل تقدير فإن واحدة من كل سبع نساء يتعرضن للاغتصاب في أمريكا.

وفي إحصائيات أخرى كان عدد المغتصبات اللاتي سجلن حوادث اغتصاب في الشرطة في عام 1996 م هو 90430 حالة، أما اللاتي لم يسجلن فيقدرن بحوالي 310000 حالة، وسبب عدم الشكوى هو اليأس من إمكان الشرطة أن تساعد أو تعرف، وعدم جدوى التقرير. وفي كندا سجلت 20530 حالة اغتصاب، وليس هناك إحصاء لغير المسجلين، ويوجد في كندا 150 مركزا لمساعدة المغتصبات، وفي استراليا 75 مركزا، وفي نيوزلندا 66 مركزا، وفي إسرائيل سبعة مراكز.

أما عن قتل النساء في الولايات المتحدة؛ فإنه يقتل كل يوم عشر نساء من قبل الزوج أو الصديق، من هذه الحالات 75% يتم القتل بعد أن تترك المرأة صديقها، فينتقم منها بالقتل، أو تطلب الطلاق من زوجها أو تعصيه، وفي روسيا عام 1995 م كانت نصف حالات القتل ضد النساء من قبل أزواجهن أو أصدقائهن، وفي 1993م كان عدد القتلى (14000)، وجرح(54000) جراحات شديدة.

أما عن الملاجئ التي خصصت للنساء المضروبات أو الهاربات من أزواجهن، وهن اللاتي لا يجدن ملجأً عند أهل أو أقارب؛ فيوجد في الولايات المتحدة ( 1400) ملجأ، وفي كندا (400)، وفي ألمانيا (325)، وفي بريطانيا (300)، وفي استراليا (270)، وفي نيوزيلندا (53)، وفي هولندا (40)، وفي أيرلندا (10)، وفي اليابان (5). كما أن دعارة النساء تمثل جانبا كبير الأهمية في اقتصاد بعض الدول ودخلها القومي مثل روسيا، وكوبا... وغيرهما.

وسيلة للضغط السياسي:

وقد كان للحديث عن حقوق المرأة أبعاداً في غاية الخطورة؛ حيث جرى التعامل مع هذه الحقوق على أنها مادة خام يمكن تصنيعها وتحويلها إلى أدوات تتجاوز وظيفتها التقليدية (الدفاع عن المرأة وحريتها) إلى أدوات شديدة الفاعلية في ممارسة الدول الكبرى للإكراه السياسي والاقتصادي على الدول الأخرى؛ وذلك لحمل هذه الدول على قبول شروطها في إدارة سياساتها الخارجية والداخلية، أو في الدعاية الرخيصة ضد ثقافة المجتمعات التي لا تروق للدول أو المنظمات والأحزاب المحتضنة لثقافات مغايرة، ومن تحول جسد المرأة من الاستثمار الاقتصادي إلى الاستثمار السياسي".

وحول تجاوز المهام المركزية للمرأة، ودورها الحقيقي في البناء الحضاري السليم، وما وقعت فيه أوروبا الحديثة من أخطاء بسبب مبالغتها في تجاوز وظيفة المرأة في الحياة الإنسانية يقول غورباتشوف في البيريسترويكا ما يلي: "لقد قضت الدولة السوفييتية بحزم وبلا هوادة على كل تمييز بحق المرأة مما كان يميز روسيا القيصرية. وهي قد ساوت بينها وبين الرجل من الناحية الاجتماعية وضمنت هذه المساواة بالقانون. نحن نعتز بما قدمته السلطة السوفييتية للنساء: الحق المتساوي مع الرجل في العمل ولا وجود لأية فوارق في الأجور والحماية الاجتماعية. وحصلت المرأة على كل الإمكانيات للحصول على التعليم والترقية والمشاركة في النشاط الاجتماعي والسياسي. ولولا المساهمة النشيطة للمرأة وتفانيها ما كان بإمكانها بناء المجتمع الجديد ولا الصمود في الحرب ضد الفاشية. وببساطة لم يعد للمرأة العاملة في البناء والإنتاج ومجال الخدمات وفي العلوم ولدى تلك الغارقة في العمل الإبداعي، الوقت الكافي للشؤون الأكثر حيوية وهي شؤون الأسرة، وتبين أن مصائب كثيرة،سواء في مجال تصرف الأطفال والشبيبة أو في مسائل الأخلاق الاجتماعية والتهذيب حتى في الإنتاج مرتبطة بضعف الأواصر العائلية وهبوط مستوى الواجب الأسري. هذه هي المفارقة التي حدثت رغما عن أنه كان لدينا طموح مخلص تم التأكيد على صحته سياسيا بتساوي المرأة مع الرجل في كل شيء.ولكن بدأنا تصحيح هذا التقصير الذي كما لو كان قد أصبح من أفضليات المجتمع، في مسار البيريسترويكا. ولذا تناقش عندنا الآن بحدة ونشاط في الصحافة والمنظمات الاجتماعية بل حتى في كل مكان، في العمل والمنزل، مسألة كيفية استعادة المرأة لوضعها الحقيقي كامرأة".

وهنا يتضح لنا أن التقدم الذي أنجزته المرأة الغربية في أوروبا الحديثة هو تقدم موهوم في كثير من نواحيه خاصة الإنسانية منها والتي أبعدت المرأة عن دورها الحقيقي وأدخلتها في عالم المساواة مع الرجل بدل أن تحقق لها العدالة المنشودة التي تنصفها كدور ووظيفة، والذي تختلف عنه في تركيبتها السيكولوجية والبيولوجية كما أثبتت الدراسات الحديثة حيث أن الأساس في العلاقة بين الرجل والمرأة هو العدالة. ولكن لماذا فشلت المرأة الغربية رغم أنها تحررت من الحكم الأبوي والتسلطي وأصبحت شريكة حقيقية في الدخل القومي الذي يؤثر بشكل إيجابي وكبير على السياسة العامة للدولة.

وبإطلالة على الإيديولوجية الغربية والرؤية الكونية التي تعتمدها في نظرية المعرفة والتي هي الأساس في الفروقات والجدل الفكري العام في العالم ككل.

فنظرية المعرفة التي تعبر عن منظومة الفكر الغربي تعتمد على الحس والتجربة كمصادر رئيسية منفردة للمعرفة، فالحس هو المصدر الرئيسي للمعرفة الإنسانية على مستوى التصور والتجربة على مستوى التصديق، وانطلقت نحو رسم مشروعها الفكري والسياسي ورؤيتها الكونية لتنتهي إلى إيديولوجيا اعتمدتها في منظومتها السياسية ضمن ثالوت (الديمقراطية-الليبرالية-الرأسمالية) مثل الأول نظام الحكم والثاني اعتمد الفرد كأساس للمجتمع أي آمن بأصالة الفرد والثالث النظام الاقتصادي. ولعل ما حرك المجتمع الإنساني نحو التفكير في وضع نظام معرفي ينطلق منه ليحدد إيديولوجيته في هذه الحياة المترامية الأطراف هو السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو النظام الذي يصلح للإنسانية وتسعد به في حياتها الاجتماعية؟

وتصدى الغرب للإجابة عن هذا السؤال بعد مروره في تجربة الحكم الكنسي الذي حكم باسم الدين فقمع الحريات وأنشأ محاكم التفتيش التي تعتبر وصمة عار في جبين العصور الوسطى، لذلك كانت هناك ثورة غربية على كل ما هو ديني وكانت الثورة نتاج ردة فعل لما مارسته الكنيسة على المجتمع الغربي فانطلقت الثورة وتبنت إيديولوجية أطاحت بلون من الظلم في الحياة الاقتصادية وبالحكم الديكتاتوري في الحياة السياسية وبجمود الكنيسة وما إليها في الحياة الفكرية وهيأ مقاليد الحكم والنفوذ لفئة حاكمة جديدة حلت محل السابقين وقامت بنفس دورهم الاجتماعي في أسلوب جديد.

وكان النظام الجديد هو النظام الديمقراطي الرأسمالي والذي قام- على الإيمان بالفرد إيمانا لا حد له، وبأن مصالحه الخاصة بنفسها تكفل- بصورة طبيعية - مصلحة المجتمع في مختلف الميادين.. وأن فكرة الدولة إنما تستهدف حماية الأفراد ومصالحهم الخاصة، فلا يجوز لها أن تتعدى حدود هذا الهدف في نشاطها ومجالات عملها. إلا أن الواقع هو التخلص من تغول الكنيسة والانتقال إلى تغول الدولة الحديثة، وكأنها سلطة انتقلت من جهة إلى جهة، مع اختلاف الشعارات وتشابه الممارسات وإن بشكل غير مباشر.

ويتلخص النظام الديمقراطي الرأسمالي: في إعلان الحريات الأربع: السياسية، والاقتصادية، والفكرية والشخصية.

ومن وجهة نظري أرى أن العالم اتجه نحو الرأسمالية الاقتصادية والتي نعتبرها البوابة التي من خلالها سيطرت القوى الكبرى على العالم وأصبحت الحريات الأخرى فروع لا أصالة لها في المنظومة الغربية الجديدة. لذلك قامت هذه القوى بتسخير كل الطاقات البشرية من الرجال والنساء في عملية الإنتاج.

ولعل الاطلاع على ما يحدث حاليا في الغرب من حراك سياسي- حقوقي- اجتماعي نسائي يدلل على مدى معاناة المرأة الغربية وعدم وصولها إلى الكمال الذي حلمت به بعد الثورة الغربية على الكنيسة وبعد عزل كل ما هو ديني عن الحياة العامة للإنسان الغربي، "فالروائية الإنجليزية فرجينيا وولف (1941) والأديبة الفرنسية سيمون دي بوفوار (1986) ـ وكانت الأخيرة من أهم وأشهر فلاسفة النسوية على الإطلاق ـ عالجتا قضايا المرأة وهمومها، وعاشتا مع آلامها وتطلعاتها، وتحدثتا عن إيجاد الطرق الكفيلة بمعالجة الضمير الإنساني ومشكلات الزواج، والسعي نحو الحط من الآخر، والدعوة بشكل صريح إلى المساواة بين المرأة والرجل، فضلا عن إتاحة الخيارات المناسبة والرئيسة للمرأة والتي يجب أن تتصف – حسب دعوتهما- بالخيارات نفسها المتاحة للرجل، وبشكل مستقل عن التحيز الجنسي أو العرقي، وقد أكدت دي بوفوار- في إطار دعوتها إلى تحرير المرأة ومساواتها بالرجل- على إلغاء الدعوة إلى (الأنوثة السرمدية Eternal Feminine) التي تشير إلى المعنى المتوارث عن المرأة.[9]

والحقيقة العلمية تؤكد على موضوعية أطروحات وولف ودي بوفوار القاضية بمنح الفرصة للمرأة كي تثبت وجودها وإتاحة المجال لبناء الحضارة بوساطة المشاركة الفاعلة بين الرجل والمرأة، من دون الجنوح إلى فنتازيا تقر بوجود مجتمع رجولي بلا أنثى، أو وجود مجتمع أنثوي بلا رجل. لذلك فالعلاقة الضرورية الواجب توفرها هي علاقة تفاعلية تكاملية وليست علاقة هيمنة أو اتحاد مفتعل"[10]

"ونشرت دوبوفوار عام ١٩٤٩م كتاب " الجنس الثاني"، وحللت فيه العلاقة بين المرأة والرجل على أسس وجودية ـ ماركسية. وبما أن الوجودية تؤكد على قضية حرية الإنسان لماهيته، تدعي دوبوفوار أن الإنسان يختار جنسه بإرادته أيضا، وتؤمن أن علم الحياة يستخف بنا معشر البشر، حيث إنه حرر الإنسان الذكر من قيود توليد المثل بينما لم يعط هذه الحرية للمرأة، ولذلك فإنها تعتقد بأن الأنوثة تمثل سدًّا في وجه التحول إلى إنسان حقيقي. [11]

ومن ضمن النقود التي وجهت لدويفوار من قبل النسويين المتأخرين كانت أنها تحقر جسد المرأة، بل رأوا أنها تريد ترجيلها، ومع ذلك اعترفوا أنها طرحت أفكار كان لها أثرا بالغ الأهمية على الكتابات النسوية اللاحقة وأهمها تمييزها بين الجنس والجنوسة. (sex / gender)

هذا وقد أشار برنادشو إلى أن وطأة النظام الرأسمالي كانت أشد وأقسى على المرأة منها على الرجل في بعض النواحي، لا سيما الاجتماعية والسياسية.[12]

وقد ذكر الرويلي أن المتتبع للفكر الغربي يدرك أنه فكر استعبد الأنثى وبنى على ذلك مسيرة المعرفة القائمة على الذكور، المؤهلة للقيام بالمسالك المعرفية من دون تأثير عاطفي غير موضوعي، وقد تسنى لتلك المسيرة الكبيرة الخلط بين مفهوم الجنوسة وبين مفهوم التكوين الجنسي للإنسان فالمفهوم الأول يقابل (Gender) وهو مفهوم اجتماعي نفسي، والمفهوم الثاني يقابل (Sex) وهو مفهوم وجودي بيولوجي، وأدى هذا الخلط إلى الاشتباك مع القضايا السياسية وقضايا البناء الاجتماعي، ومفاهيم اجتماعية أخرى وقد قصدت مباحث الجنوسة لإزاحة الأسباب الكامنة وراء الخلط السابق"[13]

ورغم قيام ثورة المثقف الغربي وما ادعاه الرجل المثقف الغربي عن إيمانه بضرورة تحرير المرأة الغربية من استبداد الكنيسة وإعطائها حقوقها ومساواتها بالرجل إلا أن كلمات بعض المفكرين الغربيين بعد الثورة لا تدل أبدا على حقيقة هذا الإيمان أو حتى العمل بهذا الشعار وأن تحرير المرأة ظل شعارا ومازال شعارا لم ينزل إلى الآن إلى مستوى التطبيق الفعلي والعملي.

فعلى سبيل المثال لا الحصر يعتبر "رامان سلدن" أن الرجل هو الأحق في تمثيل الإنسان وليس المرأة وحدد خمسة بؤر للاختلاف الجنسي: (علم الحياة، البيولوجي، الخبرة، الخطاب اللاوعي، الظروف الاجتماعية والاقتصادية) وقد حققت الرجولة هيمنة كاملة على خط سير هذه البؤر على حد قول سلدن."[14]

لذلك نجد أن الحضارة الغربية رغم تقدمها المادي إلا أنها لم تقدم شيئا جديدا للمرأة على المستوى الإنساني بل بالعكس فالممارسات التعسفية الناتجة عن التمييز الجنسي وعدم الأخذ بمقياس الكفاءة والإبداع كمعايير أولية للتعامل مع الإنسان لا لكونه ذكرا أو أنثى بل لكونه إنسانا يتميز بإبداعات وكفاءة عالية أهلته للتميز فإن ذلك أدى إلى ظهور حركات نسائية ذات فاعلية كبيرة تحت عنوان النقد النسوي (Feminism (Criticism وهو من وجهة نظري رد فعل معاكس للممارسات العنصرية ضد المرأة في المجتمع الغربي، وكان الإفراط سمة واضحة في هذا الحراك والذي أدى أيضا إلى ترسيخ فكرة النظر إلى المرأة كجسد وإعطاء هذا الجسد كل الصلاحيات في الممارسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها وبالتالي سقوط المرأة الغربية من جديد في فخ أغرقت فيه نفسها ولم تستطع إيجاد الحل المناسب لتخرج بذاتها الإنسانية وترتقي بها كإنسانة وليس كوجود جسدي.

وبدأت في الآونة الأخيرة تتصاعد الحركة النسوية " الأنثوية " في الغرب وبعد العولمة باتت الفكرة أكثر انتشارا، خاصة في العالم العربي والإسلامي، الذي لا نستطيع أن ننكر فيه التمييز الواقع بحق المرأة، وما تعانيه النساء من تضييق باسم الدين أو لتحكم العادات والتقاليد في المجتمعات، فأصبحن أرضية خصبة لأي بذر يرفع شعار حقوقهن وتحريرهن من القيود كافة بما فيها الضوابط الصحيحة. إلا أن مراجعة التجربة النسوية الغربية مراجعة فاحصة دقيقة ستكون كفيلة في دفع الناشطات للتأني قبل قبول هذه الحركات بكلها كما هي، والعودة لفهم جذور هذا الحراك ومآلاته، والفروق الجوهرية بين حال المرأة الغربية والانتقالات القاعدية التي تعرض لها الغرب، وحال المرأة العربية والمسلمة وكيفية الانتقال الآمن الذي يضمن لها حقوقها من جهة، ويحفظ لها كينونتها الإنسانية والطبيعية، فلا رضوخ للظلم، ولا استسلام لظلم من نوع آخر يتم فيه استلاب المرأة هويتها ووجودها الإنساني، ويهدم فيه نواة المجتمع وهي الأسرة، ويشوه العلاقات الطبيعية بين المرأة والرجل.ويكون مبدأ الانطلاق في الدفاع عن الحقوق المستلبة هو مبدأ التكافؤ وليس التماثل، فالأول يشحذ طاقات الجنسين من دون مبالغة أو غلو، ويتمم قاعدة التكامل في الأدوار والطاقات، بينما الثاني يدخلنا في صراع تنافسي سلبي تنافري، يستنزف الطاقات في صراعات غير تقدمية ولا تحقق أي إنجاز يذكر.

المرأة في النموذج الحضاري الإسلامي

جاء الإسلام ليخاطب إنسانية الإنسان لا جنسه ونوعه وتجلى ذلك واضحا في قول الله تعالى " إني جاعل في الأرض خليفة" فكان الاستخلاف له دلالات عديدة من ضمنها أن هذه الوظيفة الإلهية أنيطت بالإنسان كإنسان وليس كرجل أو امرأة كما أن الأمانة الإلهية التي عرضت على الجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان بإنسانيته دون النظر لجنسه.

فنرى الإسلام جاء ليخاطب المرأة كخطابه للرجل بل قال أكثر من ذلك، بعد أن كانت ليس لها ملكية ولا حكم على نفسها فقال تعالى: " للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن"، رفع الإسلام هذا المخلوق المضطهد على مر العصور مكانتها وجعلها عزيزة كريمة ساوى بينها وبين الرجال في الأبعاد الإنسانية ولكن حينما تلبست هذه الإنسانية في أجساد مختلفة في البعد المادي والتركيب الظاهري استدعى ذلك الاختلاف في القوالب اختلافا في الأحكام والوظائف والواجبات تتناسب وأبعاد كل جنس المادية وبما يتلاءم مع هذا القالب.

وهكذا أخذت المرأة تحتل مكانتها الطبيعية في المجتمع الإسلامي ولقد قال العلامة الطباطبائي في ذلك  بتصرف: أما الإسلام فلقد أبدع في حقها أمرا ما كانت تعرفه الدنيا منذ قطنها قاطنوها، وخالفهم جميعا في بناء بنية فطرية عليها كانت الدنيا هدمتها من أول يوم وأعفت آثارها، وألغى ما كانت تعتقده الدنيا في هويتها اعتقادا وما كانت تسير فيها سيرتها عملا . [15]

ولقد قال تعالى في مقياس التفاضل بين الناس جميعا " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم". فجعل ميزان التفاضل التقوى لا الجنس، ولقد روي الإمام الصادق (ع) أنه قال ": المرأة الصالحة خير من ألف رجل غير صالح" (وبذلك أشار الإمام أن الإنسانية في نظر الإسلام لها قيمة وميزان واحد للكرامة بغض النظر عن الجنس والصفات الطبيعية وهذا الميزان هو التقوى وأفضلية العمل الصالح . فمتى ما توفرت التقوى والصلاح كانت الإنسانية أفضل وأكمل فلا المرأة بما هي امرأة تفصل الرجل ولا الرجل بما هو رجل يفضل المرأة.)[16]

" ولقد ساوى الإسلام بينها وبين الرجل من حيث تدبير شئون الحياة بالإرادة والعمل فإنهما متساويان من حيث تعلق الإرادة بما يحتاج إليه البنية الإنسانية في الأكل والشرب وغيرهما من لازم البقاء، فلها أن تستقل بالإرادة ولها أن تستقل بالعمل وتمتلك نتاجها كما للرجل ذلك من غير فرق (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) أما التمايز في بعض الأحكام أو الوظائف بينها وبين الرجل فهي ليست من باب الأفضلية فلقد قال تعالى (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم من بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما) يريد أن الأعمال التي يهديها كل من الفريقين إلى المجتمع هي الملاك لما اختص به الفضل وأن هذا الفضل ما تعين لحوقه بالبعض دون البعض كفضل الرجل على المرأة في سهم الإرث وفضل المرأة على الرجل في وضع النفقة عنها، فلا ينبغي أن يتمناه متمن ومنه ما لم يتعين إلا بعمل عامل كائنا من كان كفضل الإيمان والعلم والعقل والتقوى وسائر الفضائل التي يستحسنا الدين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء”[17]

فالإسلام جعل للمرأة مكانة لم تكن لها من قبل في العصور السابقة له وكما تشير إلى ذلك الشهيدة بنت الهدى" أنه جعلها مهد الحضارات والثقافات فهي المدرسة الأولى في الحياة وهي أحد العنصرين الأساسيين في تكوين المجموعة البشرية فهي مربية الأجيال وهي نقطة انطلاقة المجموعة البشرية وهي المهد الفطري للوليد وصدرها واهب الحياة للجيل لذلك أولاها الإسلام أهمية في شريعته وأحكامه ".

المرأة في نظر الفقهاء

لعل السبب في سياق العنوان بهذا الشكل هو غيبة الإمام المعصوم عليه السلام والذي يعتبر لسان الشريعة الناطق بحقائقها الواقعية كما يريدها الله وتصدي فقهاؤنا لهذه العملية التي تعتمد على استنباط الفقيه للأحكام وفق أسس علمية ومنهجية وأصولية ووفق فهمه للنص وقبل الخوض في هذا الموضوع لا بد من مقدمة صغيرة:

" فالشريعة الإسلامية عبارة عن مجموعة من الأركان والأصول والفروع المنزلة على النبي (ص) إضافة إلى سير الأولياء وسننهم، أما المعرفة الدينية فهي فهم الناس المنهجي والمضبوط للشريعة، ولها كما لغيرها من المعارف في مقام التحقق هوية جمعية وجارية فالمعرفة  الدينية كالمعارف الأخرى يمكن ملاحظتها في مقامين:

مقام يجب أو مقام التعريف، ومقام يوجد أي مقام التحقق.

في مقام التعريف: المعرفة كاملة وخاصة وصادقة، أي ما يجب أن تكون عليه، أما في مقام التحقق فهي ما أنتجه العلماء وأعلنوا عنه، وهي موضوع التعلم والتعليم وهي ناقصة حتما وكثيرة الأخطاء. فالمعرفة الدينية هي جهد إنساني لفهم الشريعة، مضبوط ومنهجي وجمعي ومتحرك..... فالمعرفة الدينية على الرغم من أنها مبنية على الدين ومرآة له، ولكنها ليست الدين نفسه، فالدين بنظر المؤمنين به، لا تناقض فيه ولا اختلاف أما المعرفة الدينية فتتضمن تناقضا واختلافا، أي أن آراء علماء الدين وفهم المفكرين للنصوص الدينية الكثير من التناقض والاختلاف : في الفقه أو في علم الكلام أ،و التفسير أو علم الأخلاق وغير ذلك و فالدين في نظر المؤمنين به حق كله أما المعرفة الدينية فمزيج من الحق والباطل"[18]

.إلا أننا نختلف مع هذه النظرية في إطلاقها للمعرفة الدينية وعدم تخصيصها بمعنى أن فهم الفقهاء في الأحكام الشرعية الفقهية والاصولية وخاصة في الأدلة الظنية هو المعني بقضية فهم الدين وفق خلفية الفقيه البيئية والفكرية.. أي أن فهم النص الشرعي يعتمد على عاملي الزمان والمكان وهما الوعاءان اللذان يحتويان المجتمعات الإنسانية، وهما عبارة عن مجموع الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والطبيعية ومجموع العادات والتقاليد والأعراف البيئية المحيطة بالنص. إذا ففهم أهل الدين الذي هو محل بحثنا ليس كما أطلقه سروش وإنما محدد في علوم الفقه وأبحاثها.

ومن يقرأ الأحكام الخاصة بالنساء قد يخرج بتصور يشعره بنوع من الغبن في بعض الأحكام إذا ما قارن وضع المرأة في العصر الحالي وقد يثير ذلك تساؤل مفاده هل الإسلام واقعا صرح بذلك أم أن بعض هذه الأحكام هي خلاصة جهد الفقيه لفهمه واستنباطه؟ وهل تأثر فهم الفقيه بالظروف الاجتماعية المحيطة به؟

"إن الفقهاء لا يزعمون أبدا أن الفقه هو نفس الكتاب والسنة والحقيقة أن هناك إفراطا وتفريطا في كل واحدة من هاتين الرؤيتين، سواء القائلة بأن الفقه هو نفس الكتاب والسنة أو القائلة بالفصل التام بينهما. وهاتان الرؤيتان كلتاهما خاطئتان، وإنما نحن نقول بأن الفقه يستند للكتاب والسنة وهو ليس عينهما والفقيه يؤدي عمله في هذا الإطار... وصحيح أن الظروف الاجتماعية تؤثر في طريقة فهم الفقيه للأمور هذا فيما إذا كان المرء ينظر إلى الفقه من الخارج ولكننا لو سألنا الفقيه ماذا تفعل لقال إنني أبين أحكام كتاب الله وسنة الرسول أي أنه لا يرى لنفسه هوية غير الهوية التي رسمها له الدين " ويضيف " إن صور العادات والتقاليد قد تسربت إلى الفقه بالإضافة إلى أن المعرفة الفقهية المنتجة في قضايا المرأة لا تساهم في إنتاجها الأنثى في الغالب، وإنما تصدر عادة عن الرجل، والرجل بطبيعته لا يستطيع أن يتحسس بعمق آلام وآمال النساء وعواطف المرأة مثلما تعيشها المرأة نفسها، كذلك لا يمكن الجزم بعدم انحياز الرجل إلى قضاياه وهمومه سواء كان واعيا لذلك أم لا"[19]

ويذكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين بهذا الصدد قائلا " فقد جرى كثير من الفقهاء في فقه المرأة على العمل بما روي من النصوص، من دون احتراز عن الأحاديث الضعيفة، ومن دون محاكمة لمتون الأحاديث المعتبرة، وقد اعتبروا العرف مرجعا في فهم كثير من النصوص وهو عرف لم يثبت أنه بجميع تفاصيله سائدا في عهد النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع)) ليصلح مرجعا في فهم النصوص، بل من المعلوم إجمالا في بعض الحالات وتفصيلا في بعض الحالات، أن بعض عناصر هذا العرف تكون من العادات والأعراف الدخيلة المستحدثة التي لم يضعها الشرع وإنما أنتجها الإرث الثقافي الذي تأثرت به المجتمعات الإسلامية نتيجة لتفاعلها مع أهل الأديان والثقافات الأخرى، وهذا النوع من الأعراف لا يصلح مرجعا لفهم النص الشرعي" انتهى

ومثالا على ما قاله الشيخ محمد مهدي شمس الدين نذكر ما ذكره الشهيد مطهري في كتابه الحجاب " إن ستر الوجه واليدين إلى الرسغ غير واجب على المرأة، وأضاف أن ظاهرة ستر الوجه التي انتشرت في العهود الأخيرة استحدثت في الفقه، ولم تكن موجودة من قبل وهي من التقاليد الإيرانية التي تسربت إلى الفقه".

ولكننا لا نستطيع أن نعزي انفصال المرأة عن المجتمع وعزلتها إلى الآراء الفقهية، فالعزلة هي نتاج موروث ثقافي وعادات وتقاليد فرضت في المجتمعات باسم الدين ولا يوجد ما يثبت أن السبب الرئيسي في عزلة المرأة هو أحكام المرأة الفقهية، قد تكون سببا غير مباشر في ذلك،" لأن بعض المسائل لها حيثيات زمانية ومكانية فبحث الزمان والمكان الذي طرحه الإمام الخميني يحمل بعدين : بعد يتعلق بمن يريد استنباط الحكم وآخر يتعلق بزمن صدور الحديث وأكد بعض الفقهاء كالمرحوم آية الله بروجردي على أننا يجب أن نعرف زمن صدور الحديث لنفقهه بشكل أفضل"[20]

وللأسف استسلمت المرأة المسلمة لهذا الوضع دون محاولة منها للتغيير والنهوض بمستواها الفكري والديني لتفرض ما يريده الله لا ما تريده العادات والتقاليد التي يرفضها الدين

بمعنى أن هناك آراء فقهية تخص المرأة يجب إعادة النظر فيها وما يقصد من إعادة النظر كما يقول الشيخ مهدي مهريزي هو أحد أمور ثلاثة:

أن يقدم الفقيه لقوله تبريرا معقولا يمكن الدفاع عنه فيكون كلامه مبنيا على قاعدة رصينة، فبالأمس كان إصدار الحكم وحده يكفي أما اليوم فلا بد من بيان فلسفته.

أن يتمكن الفقيه من تفنيد الشبهات التي تثار بخصوص المسألة .

أن تتغير نتيجة الاستنباط كليا فمثلا إلى الأمس كانوا يقولون أن بلوغ الفتاة بتمام السنة التاسعة واليوم قد يقولون لا، الملاك هو الحيض أو سن الثالثة عشر، أو أن المرأة يمكن أن تصبح قاضية بعدما كان يقال بأن المرأة لا يمكن أن تصبح قاضية.

وبهذا نرى أن الرأي الفقهي ليس هو عين الكتاب والسنة بل هو رأي مستند إلى الكتاب والسنة وبذلك اشتهر الفقه الشيعي بالاجتهاد وأثبت هذا الفقه أن الدين صالح لكل زمان ومكان.

وما الهجمة الشرسة على الدين ووجود صدى لهذه الهجمة بين صفوف المسلمات باسم المساواة ورفض الاضطهاد الديني كما يقولون هو نتاج بعدنا عن الدين وعن أحكام فقهائنا وعدم معرفتنا لواقع الفقه، وعدم اعتناء النساء بفقههن وأحكامهن وبعدهن عن الساحة الفقهية التي قد تكون نتاج التزمت والتشدد باسم الدين.

وما نحتاج له في أحكام المرأة كما يقول الشيخ مهدي مهريزي هو :

أن يقوم الفقهاء بعملية نقد لمضمون الحديث أي يعرض الحديث على القرآن والسنة القطعية والواقع الخارجي والعقل القطعي.

أن تدرس الأحاديث والسيرة بمجموعها

بالإضافة إلى وجوب ملاحظة زمان ومكان صدور الأحاديث والأفعال عن الأئمة عليهم السلام.

ما هو النموذج الحضاري في الإسلام وخاصة حول شخصية المرأة

هناك عنصران يعتبران من لوازم الاعتقاد بخاتمية الإسلام وخلوده هما الأصالة والخلود. فالأول يؤكد على الحفاظ على الثوابت والقيم وأصالة التشريع، والثاني يؤكد على ضرورة طرح الإسلام طرحا آخذا في الحسبان عنصري الزمان والمكان ليحافظ على خلود الإسلام بتشريعاته الأصيلة لكل أمة وجيل وزمن.

ومن الموضوعات الجدلية في القرون الاخيرة وخاصة القرون الوسطى بعد ثورة التنويريين الغربيين ضد اللاهوت المسيحي المتمثل بالكنيسة ورجالاتها، بعد أن مارسوا كل أنواع التعسف والاضطهاد والديكتاتورية باسم الدين هي موضوعة المرأة لأنها العنصر الأكثر فعالية في واقع الحياة، والأكثر تضررا واضطهادا وظلما.

وقد نكون إلى الآن في معزل عن تلك الجدليات في مجتمعنا لأننا مازلنا تحت تأثير الرؤية التقليدية الدينية الممتزجة بمجوعة كبيرة من العادات والتقاليد، من جهة وبسطوة الرؤية التقليدية للمرأة من جهة أخرى. إلا أنني أرى أن مس الحركات النسوية المتطرفة طال المجتمعات كافة، ولم يصبح اليوم ـ بعد العولمة ـ والثورة التكنلوجية بمعزل عن هذا المس، وهذه الأفكار، ولا أنكر أن التدافع الفكري والثقافي بين الثقافات المختلفة، وإن أحدث لغطا وخللا في الظواهر الاجتماعية والعادات والتقاليد، إلا أن هذا اللغط والغيوم المعرفية التي تصاحبه يمكنها أن تتحول إلى أمطار خير تنبت معارف جديدة لكنها تحافظ على جذورها في أرضها الخصبة، في حال تصدى أهل المعرفة والتخصص لتفنيد الغث من السمين، وإعادة النظر في المسلمات المضطربة اجتماعيا، والمختلطة بالعادات والتقاليد، وإجالة النظر في الفقه مجددا لإعادة بناء رؤية منتظمة رصينة حول شخصية المرأة في الإسلام.

ولعل المفارقة هنا أن ثقافة التحضر والتمدن ارتبطت قهرا نتيجة العولمة السلبية بتحرر المرأة بطريقة سلبية، أيضا ونظر إلى مسألة التحرر والحرية بالنسبة للمرأة من جانبه المادي البحت مركزا في ذلك على تحرر الجسد من كل معوقاته المادية، وأصبحت الحضارة والمدنية في ذهنية الكثيرين ومنهم مثقفين وعلماء مرتبطة بالتحلل من القيم والأخلاق والعفة .

إلا أننا في هذه الإطلالة السريعة نود أن نسلط الضوء على موضوع غاية في الأهمية وهو محور بحث جدي في الحوزة العلمية في قم بين العلماء والمثقفين فيما يتعلق بموضوعة المرأة، وهو الرؤية الحضارية الإسلامية للمرأة وشخصيتها، وهي رؤية معتدلة نزعت عنها ثوب التقليديين والتجديديين، لأن النظرة التقليدية ضحت بخلود الإسلام في سبيل الحفاظ على الأصالة فيه، بينما يقوم الاتجاه التجديدي بالتخلي عن أصالة التشريع واستمرارها حفاظا على خلود الإسلام.

ولكن كيف ينظر التقليديون لشخصية المرأة وكيف ينظر لها التجديدين وما هي الاسس القائمة عليها رؤية كل جهة؟

١- الاتجاه التقليدي الإسلامي

وهم مجموعة من العلماء والمتدينين المسلمين الذين عاشوا في القرنين الأخيرين، وحصروا اهتمامهم فقط برفض الثقافة والحضارة الغربية ومحاربتها، وذلك بدافع من غيرتهم على الدين وتمسكهم بالمعارف والأحكام الدينية.[21]

وهم ينظرون لموضوعة المرأة بنظرة جزئية فردية فاقدة لرؤية جامعة ونظرة شمولية منفصلة عن المنظومة الاجتماعية، بل ينظرون للمرأة من وجهة نظر حقوقية تكليفية فردية

٢- الاتجاه التجديدي الإسلامي

وهم التنويرين الدينيين المطلعين على الحضارة الغربية، فلم يجدوا في ثقافتنا الإسلامية الشائعة في مجتمعاتنا والمختلطة بالعادات والتقاليد ما يستحق القياس والمقارنة مع ذلك الانتاج الغربي العلمي والفني والاجتماعي. والمرأة وفق نظرتهم مشبهة للرجل وأنها في مجال الحياة الأسرية والاجتماعية مفعمة بالرغبات الشخصية، ويستجيب للميول الطبيعية، وتعرف بأنها ذات غاية تنتهي إلى الرفاهية وحقوق المواطنة المتساوية.[22]

ومن الاتجاهين السابقين نلحظ النهج الإفراطي والتفريطي بينهما في رؤية الإسلام للمرأة.

٣- الاتجاه الحضاري الإسلامي

هذا الاتجاه يستطيع الحفاظ على عنصري الاعتقاد بخاتمية الإسلام وهما الخلود والأصالة. فهم يعتقدون بأن الطريق الوحيد للخروج من الاشكالية الحالية في المجتمعات الإسلامية، يكمن في التحرك في سبيل إيجاد حضارة حديثة، بحيث تعتمد برامج التنمية والتطوير فيها تعتمد على القيم الإسلامية وتهتدي بهداها.[23]

ومن خلال هذا العرض السريع للأفكار الأساسية لكل مدرسة نستطيع أن نشخص بذور وجذور الفكر المنتج لشخصية المرأة في مجتمعنا، وهي بذور عائدة غلى المدرسة التقليدية التي تنظر للمرأة في إطار الاحكام التكليفية والحقوقية الصرفة والمنحصرة في ازمنة سابقة لا تتناسب وزماننا ومكاننا، بل نستطيع القول أن كثير من الرؤية المرسومة للمرأة هنا تختلط بالعادات والتقاليد البعيدة عن روح الشريعة.

ولعل أبرز الأسئلة التي شكلت جدلية واسعة في الدائرة الاجتماعية في الآونة الأخيرة هي قضية خروج المرأة والعمل، وإلى أي مدى تكون هناك مقبولية اجتماعية لتواجد المرأة خارج منزلها؟ وهل الأساس هو خروج المرأة أم جلوسها في المنزل؟

ولو نظرنا إلى واقع المرأة المسلمة وجدنا أن الأسئلة المطروحة تعكس المدى الفكري الضيق الذي تعيش فيه المرأة في مجتمعنا إذا ما قارناها بوضع المرأة في دول أخرى مجاورة تخطت فيه المرأة عتبة هذه الأسئلة وجعلت لها بصمة قوية على واقع الحياة أثبتت فيه جدارتها في تأدية دورها الاستخلافي على الأرض.

فالمرأة وجود إنساني أي لها كينونة إنسانية وهذه الكينونة لها دور استخلافي هادف على الأرض، وهذا الدور يهدف إلى بناء صرح اجتماعي قائم على العدالة والقيم والمبادئ الأخلاقية التي تحفظ مسيرة المجتمع التكاملية.

إذا هي إنسانة لها وظيفة استحلافيه هادفة وتشخصت هذه الوظيفة أكثر حينما تمايزت في نوعها الجنسي إلى امرأة فحددت لها الشريعة مجموعة من الوظائف الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وتركت تشخيص الوظائف الاخرى لظروف المكان والزمان لها كمكلفة قادرة على تشخيص دورها في مجتعمها والنهوض به وفق قابلياتها واستعداداتها.

فلا نستطيع القول أن المرأة يقتصر دورها فقط على الاسرة ولا نستطيع أيضا أن نقول أن المرأة يجب أن تخرج للعمل الاجتماعي والسياسي.

فالواجب العيني المؤكد هو دورها الأسري الذي إن نهضت به بشكل متكامل بنت مجتمعها بشكل سليم وقدمت له جيلا مؤهلا من الناحية النفسية والاجتماعية والقيمية وهنا يجب عليها أن تمتلك من الادوات ما يؤهلها لهذه الوظيفة الشرعية العظيمة كالعلم والثقافة والمعرفة والخلق والاطلاع الواسع على آخر النظريات التربوية والاجتماعية من اجل أن تعكس ذلك على سلوكها التربوي مع عائلتها لأنها المدرسة التي يتخرج من أحضانها الأجيال،،أي أن دورها البيتي لا يسقط عنها ضرورة العلم والتعلم والمعرفة بل هو واجب في هذا العصر من أجل ان تقوم بشكل سليم بواجبها العيني الذي ستسال عنه يوم القيامة.

أما الخروج من المنزل والنهوض بمتطلبات المجتمع وسد الثغرات التي يعاني منها مجتمعها فهي واجب كفائي، فليس كل إمرأة مؤهلة للخروج وممارسة انشطة سياسية واجتماعية واقتصادية، بل الخروج هنا يكون للمؤهلات اللواتي يمتلكن القابلية العلمية والثقافية والدينية من أجل ممارسة دور الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي مؤهلات تكون كافية لها لكي تشخص حاجة المجتمع وضرورة تواجدها فيه. ولكن هذا لا يعني أبدا أن تجلس المرأة في البيت وتقول أنا غير مؤهلة هروبا منها من تأدية واجبها في الخلافة الإلهية، كما أنه ليس كل إمرأة تستطيع أن تقول أنني مؤهلة للخروج فتخرج ويكون ذلك على حساب بيتها واسرتها. إن المرأة القادرة على الخروج هي المرأة التي تستطيع أن تناغم وتوائم بين عملها وواجبها الاسري وبين واجبها الاجتماعي، وأعتقد أن شخصية الزهراء عليها السلام نموذج يحتذى فيه إذ أنها عاشت التوازن في شخصيتها فكانت الام والزوجة الصالحة وكانت في علاقتها مع الله كاملة وكانت نعم المعين في نصرة الاسلام ومواجهتها للفساد وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر. فكل إمرأة قادرة على أن تعيش هذا التوازن وقادرة على أن تنظم وقتها لتنهض بكل مسؤولياتها على أكمل وجه خاصة

في عصرنا هذا الذي بتنا فيه أحوج ما يكون لكل جهد بشري إنساني مخلص لمواجهة رياح العولمة السلبية التي بدأت تفتك بأجيالنا ومجتمعاتنا، وتعيش فيه أغلب المجتمعات صراع البقاء ولاوجود سواء على مستوى الهوية ومحاولات إعادة تشكيلها وفق أسس تسلبها أصالتها وبعدها التاريخي، أو صراع بقاءها على قيد الحياة نتيجة الفقر والحروب، أو بقاءها في بعدها الإنساني الذي يحتم عليها أداء وظيفة ودور في مجتمعاتها، في ظل أنظمة لا تعطي أي أهمية للإبداع والتنمية البشرية، وتعطل كثير من الطاقات والعقول.

والملاحظ في مجتمعنا أن المرأة تحت ذريعة الجلوس في المنزل، لا تقبل على العلم والتعلم وإن أقبلت أصبحت في خانة التفريط أو الإفراط، وابتعدت عن الاعتدال والعدالة النفسية، أو أنها اهتمت بالماديات والمظاهر تحت ذريعة حسن التبعل للهروب من مسؤولياتها الاستخلافية في مجتمع بدأ يئن تحت سياط الثقافة الغربية والانحلال القيمي والاخلاقي.

وأعتقد جازمة أن المرأة هي محور الإصلاح في الأسرة وفي المجتمع معا فإن هي صلحت وعفت صلح وعف مجتمعها وأسرتها والعكس بالعكس.

ومن هنا علينا أن نقدم نموذج حضاري لشخصية المرأة ودورها في المجتمع من أجل النهوض بمشروع حضاري قادر على أن يواجه الثقافة الانثوية الغربية، التي تريد أن تذهب بالمرأة إلى دور وهمي يفسد مجتمعها واسرتها. وأعتقد أن المرأة اليوم معنية في مواجهة التقليديين والتجديديين من خلال مثابرتها في إثبات دورها الحضاري الإسلامي في النهوض بالمجتمع وعدم رضاها بوضعها الحالي الذي اختلطت به العادات والتقاليد بالدين اختلاطا وامتزاجا شوها حقيقة شخصية المرأة في الإسلام.

 

النموذج الحضاري لشخصية المرأة في الإسلام” رؤية مقترحة “

من واقع الميدان هناك اختراق حقيقي للمرأة وتمييع لهويتها وشخصيتها انعكس كثيرا على البناء الأسري القائم، أو على كيفية تشكيل الأسرة وحدود دور المرأة فيها، هذا فضلا عن الارتفاع الملحوظ لنسب الطلاق في الوطن العربي والإسلامي، وما فعلته العولمة والحداثة من فعلها في العقول وأنماط التفكير خاصة عند المرأة، وما روجت له النسوية العالمية من مفهوم للحرية مغلوط، ومن حقوق للمرأة خرجت عن جادة العدالة تحت ضربات وصرخات المساواة بين المرأة والرجل.

وكان التأثير الثقافي كبيرا جدا، بسبب حالة الإفراط التي تعيشها كثير من المجتمعات وخاصة الخليجية منها، حيث هناك فهم مغلوط لشخصية المرأة ودورها، وهناك طرح فقهي تجزيئي فردي بات اليوم بعيدا إلى حد كبير عن الواقع، بل لا يغطي المرحلة الزمنية ومتطلباتها، وباتت الشبهات كثيرة عجز أمام ضرباتها كثير من العلماء عن تغطيتها نتيجة القراءات القديمة لفقه المرأة وشخصيتها. وهو ما يجعل الساحة مفتوحة أمام كل نظريات الحداثة والنسوية والعولمة وأمام أساليبها التي اخترقت كل البيوت.

لذلك ارتأينا وضع تصور أولي يحاول تصحيح المسار والنهوض بنموذج حضاري إسلامي حول شخصية المرأة، يواكب العصر ولا يتخلى عن الثوابت، وهو ما يتطلب تضافر جهود العلماء حول هذا المشروع والنهوض به.

الرؤية المقترحة:

* المرحلة الاولى:

١- تفكيك البني التحتية في حياة الأئمة وكيفية تعاملهم مع محيطهم النسوي وانتزاع المنهج واعادة بنائه، وجمع الروايات الخاصة بالمرأة ودراسة السند والمتن وعرضها على القرآن، كون كثير من متون الروايات وإن صح سندها فمتنها مخالف لصريح القرآن وقواعده.

٢- استقراء الجزئيات الفقهية الخاصة بالمرأة كموضوع مستقل واستخراج النظرية الفقهية الخاصة بها ليصبح لدينا نظرية فقهية حول المرأة، وليس فقط مجموعة أحكام تنظر للبعد الفردي، هذه النظرية تأخذ بالحسبان الزمان والمكان ومقاصد الشريعة. ثم استقراء المنهج القرآني في موضوع المرأة، بعد ذلك يمكننا الخروج بهيكل عام يوضح شخصية المرأة والنظر للتعارض في هذا الهيكل يساعدنا استكشاف الخلل. لذلك نحن نحتاج متخصصين في الفقه والقرآن والاستقراء ومفكرين.

ـ اي نتيجة علمية مكينة نخرج بها نحتاج العمل عليها على مستوى الفتوى في كل من النجف وقم.

* المرحلة الثانية:

ـ رسم الهيكل العام بعد انتهاء الاستقراءات والخروج بشكل الهيكل الأخير للنموذج الاسلامي الحضاري لشخصية المرأة في الاسلام.

* المرحلة الثالثة:

-ـ دراسة الهيكل وبناه ومتعارضاته واكتشاف الخلل والنقص.

* المرحلة الرابعة:

- ـ تشكيل الرؤية الكاملة لشخصية المرأة في النظرية الاسلامية من نواحي عدة اهمها:

١- هي كذات وكشخصية حقيقية: حقوقها وواجباتها وعلاقتها مع الله ووظيفتها المناطة بها من الله

٢- شخصية حقوقية

ـ كزوجة

- كأم

- كأسرة

- وظيفتها في المجتمع:

١- سياسيا

٢- اقتصاديا

٣- اجتماعيا

٣- حدود ولاية الرجل عليها كفرد وكزوجة وكأم وكناشطة في المجتمع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. أي الولاية وفق منظور فقهي اجتماعي وأسري وليس فردي، يحاكي الزمان والمكان.

٤- القيمومة حدودها، ملابساتها، فق نفس الشرط السابق في رقم (٣)

٥- الضرب حقيقته وحدوده ضمن منظومة الأسرة الكاملة حقوقيا وليس كمفردة من المفردات.

* المرحلة الخامسة:

- تشكيل غرف فكرية في الخليج والدول العربية لمعرفة خصوصيات كل مجتمع على حدة واشكالياته، وهذا يمكن من خلال مجموعة العلماء المنتشرين والمثقفين والمفكرين النخب.

* المرحلة السادسة:

ـ الخروج بالنظرية كاملة.

* المرحلة السابعة:

ـ عرضها على المرجعيات الدينية والفكرية لتنضيجها.

ـ المرحلة الثامنة:

ورش عمل متنقلة للتعريف والتوعية أو نشرها كمرجعية مستقلة حول المرأة.

قد تتطلب الخطة للتنفيذ من ٥-١٠ سنوات 

وهذه الأمور بالطبع بدأت تطرح بين الفقهاء وستكون محور بحث في السنين المقبلة للنهوض بالفقه نهوضا يتناسب مع ما أراده الله في كتابه وسنة نبيه (ص)، وكل ما نأمله أن نرى في المستقبل مجتهدات في أحكام النساء في كل مكان ولا يقتصر الأمر على وجودهن في إيران .

نداء وخاتمة:

وسأختم بنداء وجهته الشهيدة بنت الهدى منذ عقدين من الزمن قائلة: وإلى المتزمتين أوجه خطابي: لماذا فرضوا على المرأة قيودا وحدودا لم ينزل الله بها من قرآن؟ فالضغط يولد الانفجار والتزمت يدعو إلى النقمة على جميع الأمور حتى الشرعية الضرورية، وقد ينأى بالمرأة عن تعاليم الإسلام الحقيقية لا سيما إذا كانت ناشئة فتية، وفي هذا ما فيه من أخطار تواجه فتياتنا المسلمات. اسمع يا أخي المسلم ولا تتحكم مع ميولك ولا تندفع وراء أهواءك تحت ستار من الدعوة إلى تطبيق الإسلام فالإسلام سمح وسهل لا يرد للمرأة إلا العزة والكرامة والمكانة اللائقة.

وأوجه ندائي تأكيدا على نداء الشهيدة : إن انحراف فتياتنا وأخواتنا وانبهارهن بالحضارة الغربية وشعاراتها البراقة الكاذبة ما هو إلا نتاج فكر متشدد قامت أسسه على الموروثات والعادات والتقاليد وظهر باسم الدين فانظروا أخوتي ما يريده الله والدين لا ما يريده الناس والعادات والتقاليد البعيدة عن روح الإسلام فرضا الله هو الغاية فإن رضي الناس والله عليك ساخط فهي خسارة الدارين الدنيا والآخرة فإن الله يغضب لاثنين للمرأة والأطفال والمرأة أسيرة الرجل فأحسنوا لأسراكم وكما قال تعالى" وعاشروهن بمعروف أو سرحوهن بإحسان"، وقال " ومن يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب". .

ومن هنا أدعو إلى:

1- تفعيل العمل في الساحات الإسلامية وتشبيك العلاقات مع الناشطات والفاعلات في هذا المجال، والتأسيس لنشاط فاعل ضمن لجان نسوية من الفاعلات والناشطات في الساحة الإسلامية لبلورة مشروع بديل لمواجهة سلبيات النسوية.

2- تشكيل لجنة دائمة تضم فعاليات من كل الدول العربية والإسلامية تضم كل المكونات العلمية من حوزويات وأكاديميات وناشطات وحقوقيات وإلخ.. تقوم بمهام يتم تحديدها وفق متطلبات كل مجتمع ودولة من قبل المشاركات وتصاغ في أطر قانونية ومؤسساتية تكون فيها المرجعية للشريعة الإسلامية لينطلق منها الجميع في مجتمعاتهم لمواجهة النسوية الغربية بنسوية إسلامية قادرة على فرض هويتها وصياغة مشروعها في أوساط الجماهير لإعادة التموضع النسوي في المجتمعات بشكل يتناسب والعصر وبطريقة تحفظ الثوابت المتجذرة في هويتنا الإسلامية وخاصة القيم والأخلاق التي تصون كرامة وعفة وحياء المرأة فنصون معها المجتمعات ككل.

3- وأقترح المشاركة في كافة الانشطة الدولية الرسمية والغير رسمية التي تشارك بها الحركات النسوية لتؤثر ليكون لنا صوتنا ومشروعنا ولنفرض وجودنا ليس فرضا عنيفا وإنما فرض عقلائي يقوم على الحجة والدليل الإنساني على قاعدة الحسن والقبح العقليين ويفرض ثوابت وقيم أخلاقية تلامس فطرة الإنسان وتحاكي عقله،ولا أرى أننا يجب أن نقاطع هذه الجهات بل علينا أن نتواصل معها ونرفدها بما لدينا لأن بعض التيارات النسوية غير مغالية في نظرتها النسوية ونستطيع أن نتحاور ونتواصل معها وأن يكون لنا مشاريع مشتركة قادرة على فرض وجودها في ساحات المؤسسات الدولية والقوانين الخاصة بالمرأة.

4- رفع وتيرة الانشطة الإعلامية التي تبث الوعي بين الجماهير حول خطورة هذه الحركات وكيفية مواجهتها لأن الإعلام يلعب دورا هاما في نشر مبادئ النسوية السلبية، وطرح البديل الناجح الذي يعيد فعالية المرأة في المجتمع ويعزز من وجودها الأسري، ولا يعيق تقدمها الحضاري، ويحافظ على عفتها.

5- العمل على رفع مستوى المرأة المعيشي خاصة في الدول الفقيرة من خلال مشاريع خيرية تكافلية تعتمد على أموال الخمس والزكاة، إضافة إلى ضرورة الارتقاء بمستواها التعليمي وثقافتها الدينية المعتدلة لأثر ذلك في استيعاب ووعي خطورة هذه الحركات على سحق الهوية ومحو الثقافة الدينية.

6- المطالبة في إعادة النظر في أحكام المرأة وإعادة صياغة المشروع الإسلامي ونظرته للمرأة لإيجاد البديل الصالح وسد الثغرات التي تنسل منها الحركات النسوية لضرب صورة الدين.

7- تأسيس منتدى نسوي يعتني بالفئات الشابة فكريا وثقافيا، ويطرح القضايا المستجدة بطريقة علمية أكاديمية، يفسح فيها المجال للنساء من كافة الأعمار والتوجهات، لطرح التساؤلات والإشكاليات ومناقشتها، وعمل ورش عمل حول موضوع النسوية، وتقديم البدائل الناجحة.

 

إيمان شمس الدين

...........................

[1] الإسراء ٨٥

[2] الاستلاب / هوبز، لوك، روسو، هيجل، فويرباخ، ماركس / فالح عبد الجبار/ ص ١١/ دار الفارابي/٢٠١٨

[3] مصدر سابق ص ٧٣

La mujer en la Edad Media [4]

موقع الهيئة العامة للاستعلامات المصرية[5]

[6] قضية المرأة بيت التحرير والتمركز حول الأنثى/ د.عبد الوهاب المسيري/نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع/ ط ٢/ اغسطس ٢٠١٠

[7] مثنى أمين / بحث حركات تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر[7]

[8] المصدر السابق

[9] (الموسوعة البريطانية

[10] د. محمد سالم سعد الله/ الأسس الفلسفية لنقد ما بعد البنيوية

[11] المرأة وقضاياها ـ دراسة مقارنة بين النزعة النسوية والرؤية الإسلامية ـ الإسلام في مواجهة النسوية تقابل في الرؤية والأهداف ـ محمد لغنهاوزن ـ مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي ـ ص ٧٠

[12] دليل المرأة الذكية إلى الاشتراكية والرأسمالية والسوفييتية والفاشية، ت: عمر مكاري ص 16،352

[13] Al- Ruwaili، A life: journal of comparative Peotics، No 8،1988: 98-99

[14] النظرية الأدبية المعاصرة ص 189- 190- 191).

[15] ( تفسير الميزان ج 2 ص 273 ).

[16] المرأة مع النبي للشهيدة بنت الهدى.

[17] تفسير الميزان ج2 ص 276.

[18] القبض والبسط في الشريعة للدكتور عبد الكريم سروش

[19] الشيخ مهدي مهريزي نحو فقه للمرأة يواكب الحياة

[20] الشيخ مهدي مهريزي نحو فقه للمرأة يواكب الحياة

[21] شخصية المرأة: دراسة في النموذج الحضاري الإسلامي لمحمد تقي سبحاني.

[22] مصدر سابق

[23] مصدر سابق

 

فرضية البحث: عند اطلاعي على مقدمة كتاب (المباني لنظم المعاني) ساورتني الشكوك بصحتها. الذي حققه  المستشرق آرثر جفري، ونشره سنة 1954 ضمن كتاب: (مقدمتان في علوم القرآن). والذي أثار جدلا واسعا بين الدارسين المختصين والمحققين، ولم يهتدوا الى صاحب مقدمة كتاب المباني الى يومنا على الرغم من التنقيب والبحث، وفي ضوء تقدم التحقيق ونشر التراث وتقدم وسائل الاتصال وفهرست التراث العربي المخطوط في العالم.

لذلك افترضت الفرضية الآتية: إنّ مقدمة كتاب المباني من وضع المستشرق آرثر جفري نفسه أو بالتعاون مع مستشرقين آخرين ولا سيما المستشرق تيو دور نولدكة صاحب كتاب تاريخ القرآن الذي اعتمد نسخة مخطوط الكتاب في تأليفه الكتاب، وقد زيفت هذه المقدمة للطعن بالقران الكريم من حيث المباني والمعاني لسلبها الاعجاز القرآني. اذ تشير دلائل كثيرة على ذلك وعلى تلفيق المقدمة من كتب عدة، ويبدو ان الكتاب جمع روايات للمستشرقين الذين حاولوا الطعن في القران الكريم من التراث الإسلامي ويؤكد ذلك ان المستشرقين الثلاثة وتلاميذهم الذين اعتمدوا على المخطوط ممن  طعنوا باعجاز القرآن الكريم.

فهي مقدمة عني بها المستشرقون عناية كبيرة وبذلوا جهودا كبيرة لنشرها بهذه الطريقة الملفقة، وكانت من أهم مصادرهم في كتبهم على الرغم من انها مجهولة المؤلف، وقد بنوا عليها حقائق ونتائج وهو عمل ينافي أصول البحث والتحقيق العلمي الرصين الذي يجب الالتزام به وأعني تحقيق جزء من مخطوط فريدة مجهولة المؤلف والناسخ خالية من تاريخ النسخ  ليثير الشكوك في عنايتهم هذه، ذلك لأنها نسخة ينافي تحقيقها شروطه التحقيق العلمي.

التعريف بالكتاب والدراسات السابقة:

كتاب (مقدمتان في علوم القرآن) بتحقيق المستشرق الاسترالي آرثر جيفري، ضمّ مقدمتين لتفسيرين هما: (كتاب المباني لنظم المعاني) لمؤلف مجهول ومقدمة تفسير ابن عطية المعروف.  ثم قام الأستاذ: عبد الله إسماعيل الصاوي بتصحيح الطبعة الثانية (وقوّم نصها وألحق بها استدراكات وتصويبات للطبعة الأولى). نشرته مكتبة الخانجي سنة: 1954م.

وقد شرع مؤلف كتاب المباني في تأليفه "يوم الأحد غرة شعبان 425 هـ"(3) أي 3 شعبان 425 هـ/ 23 يونيو 1034 م. وقد وصلَنا في نسخة وحيدة، ومؤلفه غير معروف لدينا لأن الصفحة الأولى من المخطوطة مفقودة.

وكان هذه المخطوط مركز عناية المستشرقين وكان من أهم مصادرهم في مؤلفاتهم التي شككت في القران الكريم. قال كلود جيلو مقدمة بحثه: لتيودور نولدكه (1836-1930)، ثم فريدريك شواللي (1863-1919) وكوتثلف برجستراسر (1886- 1933) السبق في الاطلاع على المؤلف ولفت الانتباه إلى أهميته.

وتفسير المباني هذا يوجد قطعة منه في مكتبة الدولة ببرلين تبدأ من سورة الفاتحة إلى سورة الحجر برقم 1031 كما في الفهرس الشامل الصادر من مؤسسة آل البيت بالأردن قسم التفسير 919 . وصورة هذه المقدمة محفوظة بمركز الملك فيصل تحت علوم القرآن برقم (2679-2-ف) .

وكان (نولدكه) أول من نبه إلى المقدمة، ثم قام جيفري بتحقيق مقدمة التفسير، وضم إليها مقدمة تفسير ابن عطية (ت543هـ) وتولت دار الخانجي في القاهرة نشر المقدمتين سنة 1954م بعنوان (مقدمتان في علوم القرآن) ثم أعادت نشره سنة 1972م بتصحيح عبد الله إسماعيل الصاوي..

أدلة تزييف الكتاب والأسباب:

-  التوافق بين مقدمة المباني وكتاب زين الفتى وغيره:

مرّ بنا اضطراب أقوال الدارسين وخلافاتهم في نسبة كتاب المباني بين العاصمي مؤلف كتاب زين الفتى، وابن بسطام، وكل منهم جمع أدلة واضحة لكنها سرعان ما يبدو التانقض فيها، وما هذا الا بسبب التلاعب بالمخطوط وتزيفه وتلفيقه من كتب عدة أثارت جدلا بين الدارسين كل فريق ينقض أدلة الفريق الآخر بأدلة أخرى. مما دفع بعضهم الى القول: (الخوف أن يكون هناك كتابان باسم " المباني " لكل من العاصمي والطخري ! والله أعلم)[1].

وقال الباحث جنيد الله  ان حامد هو مؤلف الكتابين واما العاصمي فوهم من ناسخ نسخة زين الفتى وهي نسخة غير معتمدة لتاخرها وذلك لصراحة ذكر الأندارابي لاسم حامد عندما ينقل نفس النصوص الموجودة في الايضاح والمباني حرفا حرفا ومن كتاب الانماري أيضا.

فضلا عن اتفاق [2] نسخة كتاب زين الفتى مع نسخة كتاب " المباني " في أنهما قد سقط من أولهما جزء من المقدمة ، إلا أن السقط من الثانية قد أذهب باسم المؤلف، بخلاف الأولى ؛ حيث كان السقط من أولها قليلاً[3]. وقال مهذب كتاب الزين: (وقد سقط من النسخة الوحيدة المعتمدة في التحقيق بعض المقدمة، وتتمة الفصل السادس، ومعها الفصول الأربعة الأخيرة)[4].

يتبين كيف لفق جيفري وغيره بين الكتابين بذكاء حيث اخذوا نصوصا من عدة كتب ليصعب على الباحثين والمحققين الاهتداء اليه ولم يقطعوا برأي جازم.

اللغة والأسلوب:

رجح جفيري ان مؤلف المباني من أهل المغرب، قال: (ويظهر لنا من لغته -مؤلف (المباني)- وأسانيده أنه من علماء المغرب، وكثيراً ما نجد أنَّ ما يدلي به يجلو الأمور الغامضة في كتب أبي عمرو عثمان الداني القرطبي المنتشرة بيننا...)([5]). لكن أكد جميع الدارسين والمحققين المهتمين بالكتاب على أن المؤلف من المشرق الاسلامي وليس من علماء المغرب لذكره شيوخه من الكرامية وأنه كرّامي المعتقد والمذهب. ويبدو ما ذهب اليه جيفري مقصود لاخفاء الحقيقة وابعاد الشكوك عن الكتاب.

وأكد جاويد[6] بان المؤلف مشرقي كرامي من خراسان كلود جيلو  ردا على جفري بانه مغربي – وقال وأظهر ف. سيزكين بعض شيوخ مؤلف كتاب المباني، وأعلن بأنه "في الغالب فارسي أو عاش في فارس" . وقال: إن عمل فان إس أتاح لآرون زيزو من جامعة واشنطن إعادة الدراسة عن قرب لكتاب المباني وإظهار الأصل الكرامي وأيضا في الغالب خراسانية هذا المؤلَّف ومؤلفه.

مؤلفات صاحب المباني:

ومن الغريب أيضا أن مؤلف كتاب المباني المجهول كثير التصانيف كما يبدو من احالاته الكثيرة على سائر مؤلفاته.  وعلى الرغم من أهميتها وكثرتها التي أشار اليها لم يهتد الباحثون اليه ولا الى شيوخه وتلاميذه ومصادره التي ذكرها في كتابه المباني فقد ذكر أنه ألف أربعة كتب هي :  الإبانة والإعراب([7]). والدرر في ترفيع السور([8])، وكتاب الغرر في أسامي السور([9]). والزينة في سؤالات القرآن (لم يتمه، على الأقل آنذاك) ([10]). وغيرها. كلام للمؤلف عن كثرة مؤلفاته التي وعد فيها بتأليف كتاب يخدم فيه كتاب الله، وقول صاحب المقدمة 7  (و لكل فصل من هذه الفصول كتب ومقالات اختصرناها في كتابنا هذا ومن أراد الإبلاغ فيها فعليه بكتبنا المؤلفة في كل باب منها)  والمفهوم ان له كتبا في كل فصل من المقدمة والمقدمة اختصارات لها.

وعقب د عبد الرحمن الشهري : احتمال أن يكون العاصمي هذا هو ابن بسطام نفسه، لكن هذا يحتاج إلى تتبع ترجمة العاصمي هذا في موارد كثيرة للكشف عن حقيقته، وقد حاولت ذلك في قاعدة (خزانة التراث) التي أصدرها مركز الملك فيصل مشتملةً على فهارس المخطوطات في العالم ، ولم أجد له ذكراً. .. والغريب أنني بحثت عن هذا الاسم في خزانة التراث فلم أظفر له بكتاب ، مع إنه يظهر من مقدمة المباني أنه مكثر من التأليف .

ومن الأدلة المهمة التي تسند ما ذهبت اليه: هي ان كتاب الغرر في أسامي السور: الذي أحال صاحب كتاب المباني عليه في أثناء حديثه عن فضائل القرآن.... ذكره ابن الجزري في كتابه: (غاية  النهاية) وقد حقق برجستراسر كتاب غاية النهاية هذا وقد خبر كتاب المباني فكيف لم ينتبه اليه وهو المحقق العالم، ولكن يدل خيوط الوضع من هنا والتلفيق لدى المستشرقين[11].

الغموض والاضطراب في دلائل الكتاب:

اظطراب الدارسون في نسبة الكتاب مثل: محمد كاظم رحمتي الذي رجح أن يكون مؤلف كتاب (المباني في نذظم المعاني) هو أبو محمد أحمد بن محمد بن علي العاصمي (425هـ) مؤلف زين الفتى نفسه وذلك لورود اسم كتاب المباني في أثناء كتاب زين الفتى وكذلك ورود أسماء مصنفات أخرى مشتركة للمؤلف في كلا الكتابين والاشتراك في النقل عن ابن الهيصم بالنص حرفا حرفا، فضلا عن النقل المشترك عن كتاب أبي سهل الأنماري فيه ما فيه

والدكتور غانم قدوري الحمد ومن تبعه الذي رجح نسبة الكتاب الى ابن بسطام. وقال تستوقف المتابع للموضوع قضية غاية في الأهمية ، وهي أننا إذا قلنا إن العاصمي هو مؤلف كتاب المباني فلماذا لم يرد له ذكر في كتاب الأندرابي ، بحسب متابعتي للكتاب ، وهو ينقل أقوال محمد بن الهيصم وأبي سهل الأنماري عن طريق كتاب المباني " .

والدكتور عبد الرحمن الشهري قال: احتمال أن يكون العاصمي هذا هو ابن بسطام نفسه، وقد حاول البحث عنه في قاعدة (خزانة التراث) التي أصدرها مركز الملك فيصل مشتملةً على فهارس المخطوطات في العالم ، ولم يجد له ذكراً.

وقال أيضا: الغريب أنني بحثت عن هذا الاسم (أبي محمد أحمد بن محمد بن علي العاصمي) في خزانة التراث فلم أظفر له بكتاب ، مع إنه يظهر من مقدمة المباني أنه مكثر من التأليف.

وكذلك الشك في ان يكون مؤلف زين الفتى هو العاصمي وهو مؤلف المباني

وسبب ذلك هو اختلاف عقيدة المؤلفين فمؤلف زين الفتى واضح انه شيعي اما مؤلف المباني فسني المذهب من خلال عباراته...

وغير ذلك من الاحتمالات والافتراضات. وقد وجدت أن هناك عاصميا اخر اهتم بتناسب السور ونظم آيات القرآن وسوره وثمة مشتركات بينه وبين صاحب كتاب المباني وقد ورد في سلسلة نسبه اسم جعفر، وهو متأخر عنه توفي سنة 708 هـ  وهو مغربي كما احتمل جفري، هو ابن الزبير بن جعفر الثقفي العاصمي الغرناطي. ربما هو لكن لم يذكر المؤلفات التي ذكرها صاحب المباني ولا يستبعد أن أصل التفسير من تأليف ابن زبير وأما المقدمة فمن صنيع وتلفيق واضع المخطوط أصل الكتاب.

وكان على صاحب المباني – في الأقل - ان يشير الى الغرناطي والى تفسيره أو العكس لأن الكتابين في موضوع واحد في تناسب السور وقد يكون له التفسير لكن لم يذكر في قائمة كتبه ولا سيما أن عصر ابن الزبير الغرناطي يتناسب مع سخرية مؤلف المباني من احدى فرق الشيعة الذين ينتظرون امامهم الغائب منذ أربعمائة سنة وهذا التأريخ يتناسب مع عصر الغرناطي ذلك ان المؤلف توفي في حدود 700 هـ فضلا عن ان الغرناطي كان يهاجم المذهب الشيعي كثيرافي كتبه كذلك وان له اقولا ضد الروافض. ومع ذلك لا أجزم بهذا الاحتمال ولا ادعي انه هو لكن هناك تشابه وتساؤلات  تحتاج الى مزيد من البحث[12].ومن قوله يدل ان المؤلف في القرن السادس الهـجري.

مجهولية الاحالات والاسانيد:

وأما من حيث أسانيد كتاب المباني وشيوخه المباشرين الذين روى عنهم فهم غير معروفين ولم أجد لهم ذكراً في المصادر المتوفرة ما عدا شيخيه ابن الهيصم والفارسي الذين لا شك أنهما مشرقيان وليسا مغربيين[13].  وقال كاظم رحمتي: وبالنسبة للأنماري [14]وكتابه التفسيري فيه ما فيه، فإننا عدا ما نقله العاصمي وبعض المنقولات الأخرى، لا نملك أيّ معلومات إضافية ...  ويتجلى الغموض أكثر لدى المستشرق كلود جيلو الذي درس اسانيد الكتاب دراسات مستفيظة وتتبع شيوخه وتلامذته وكتبه وحلل الكتاب تحليلا تأريخيا لكنه لم يصل الى مؤلفه الحقيقي وهذه ليست مصادفة عفوية. فقد درس المستشرق الفرنسي كلود جليو[15] في بحثه[16] مصادر الأحاديث المنقولة في كتاب المباني مع تراجم للرجال الذين يتضمنهم وعني به نتتبع سيرة مؤلفه وشيوخه ومصادره بدراسة جميع أسانيد الرواة والإشارات الى الأشخاص والمؤلفات وحتى الاستشهادات التي تضمنتها.. وعقد مبحثا خاصا عن أبي سهل الأنماري ـ المصدر الأساسي الذي اعتمد عليه مؤلف كتاب المباني في تصنيفه. ولم ينته الباحث الفرنسي إلى قول جازم في تحديد مؤلف كتاب المباني وقال جيلو في خلاصة: ولكن الشيء الأكيد أنّ المؤلف خراساني أو نيسابوري ومتكلم كرامي. وقال :يعترض البحث في أسانيد الرواة الذين يتضمنه كتاب المباني عائقان: في الواقع وقبل كل شيء، فالعديد من الأشخاص القريبين من المؤلف ومصدره يصعب بل يستحيل التحقق من هويتهم مع حدود معلوماتنا. أما العائق الثاني فهو متواجد بكثرة في المؤلفات العربية القديمة. إن مؤلفنا لديه مصدر أساسي -نتحدث عنه لاحقا- ويذكره كثيرا. وبخصوص أسانيد الرواة كما هي فإن المؤلف غالبا ما يقوم بالإسناد إلى شيوخه، ولكن مع الاستشهادات يكون من الصعب في الغالب أن نقرر إن كان هذا السند أو ذاك له أو لأحد شيوخه[17].

أما أبو سهل الأنماري، المصدر الرئيس لمؤلف كتاب المباني فيظهر مؤلف المصدر الرئيس لكتاب المباني - في الغالب- بكنية أبي سهل (كتاب المباني ص: 13: قال أبو سهل (ثلاث مرات) أو قال الشيخ أبو سهل؛ ص: 16)، أو أبي سهل الأنماري(- كتاب المباني ص: 10، 12، 20). ولكن في مستهل الكتاب ظهر اسمه أكثر إتماما: الشيخ أبو سهل محمد بن محمد الطالقاني الأنماري(كتاب المباني ص: 8، 1. 7-8). وأحيانا يتبع المؤلف -أو مصدره- اسمه بدعاء:  ([18]).

صور من المخطوط:

من خلال تفحص أصل مخطوط الكتاب (المباني لنظم المعاني) على [19] النسخة الفريدة والورقة الأولى منها ساقطة، وفي الورقة الثانية. نلاحظ ثمة أدلة على ما نذهب اليه كبير يبدو المقدمة مع التفسير 275 ص فضلا عن الصفحات البيضاء في أول المخطوط 6 وما بعدها ، ومجموع الصور مع الوجه والظهر كما نشر 565 صفحة.

وهناك بتر في آخر مخطوط الكتاب على حجمه الكبير فهو ينتهي الى سورة الحجر ويقع في حدود 500 ورقة لكن جيفري حقق 89  ص منه وهو الجزء المتضمن  ولم لم يحقق الكتاب كله لان مادة الكتاب تتحدث عن النظم العالي المعجز وليس بالمطاعن، ناهيك عن ان بداية الكتاب ملبسة وخاتمته لم يشر الى نفس الصفحة الأولى كأنها ليس من المخطوط وانما من كتاب آخر ذلك انه لا يدل على المضمون فضلا عن اختلاف الخط، ونلاحظ هناك اصلاح للنسخة بورق آخر ولا تحتوي على أسماء أو تواريخ كالعادة وكذلك الصفحة الأخيرة:

1320  مخطوط 1

 الورقة قبل الأخيرة من المخطوط

1320  مخطوط 2

الورقة الأخيرة من المقدمة

1320  مخطوط 3

مستهل المخطوط رقة  رقم 2 وجه

1320  مخطوط 4

سورة البقرة وما بعدها. وسورة الحجر اخر المخطوط وما بعدها

نقلنا هذه الصور من المخطوط  للاطلاع على طريقة الكتاب في التفسير واختلاف المضمون عن المقدمة، فضلا عن شكل المخطوط الذي لم نستطع أن نتفحصه جيدا وأن نتحقق من نوع الورق وعصره لاعتمادنا على النسخة الالكترونية.

الخاتمة والتوصيات:

أثار كتاب المباني جدلا بين الدارسين والمحققين وحتى المستشرقين مثل المحقق الفرنسي كلود جاويد وغيره.  وكان هذا أحد أسباب الشك لديّ في حقيقة مقدمة كتاب المباني.  فضلا عن أسباب أخرى ذكرتها في ثنايا البحث. وقد سقت أدلة كثيرة تدل على أن مخطوط كتاب المباني من صنيعة بعض المستشرقين ولا سيما المستشرق آرثر جفيري ناشر الكتاب ومحققه. محاولة منهم للطعن  في القرآن الكريم وسلبه الاعجاز.

لذلك أدعو الباحثين  الى تحقيق التفسير  كله لمعرفة المزيد من أدلة التزييف. كما أحذرهم من الاستناد الى مقدمة كتاب المباني واعتمادها في دراساتهم القرآنية. لانها لمؤلف مجهول في الأقل أو لأنها مما زيفه جفيري أيضا  ناهيكم عن احتواء المقدمة على روايات لا يجوز الاطلاع عليها لأنها تسيئ الى القرآن الكريم، وتدعي الزيادة والنقص والتحريف وغير ذلك في القرآن  بأسلوب محكم ذكي اذ ورد الطعن في معرض الدفاع عن القرآن الكريم  بطيقة الطعن ثم الدفاع وهي طريق ذكية لنشرها هذه الروايات لتؤدي الى التشكيك.

والحمد لله رب العالمين

 

أ.د. حسن منديل حسن العكيلي

كلية التربية للبنات/ جامعة بغداد/ العراق

...................................

فهرس المصادر والمراجع:

القرا الكريم

إنباه الرواة على انباه النحاة، الوزير جمال الدين القفطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار الكتب المصرية القاهرة 1955.

الإيضاح في القراءات: للأندرابي (مخطوط) مصورة من مركز الملك فيصل بالرياض.

البرهان في تناسب سور القرآن احمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي 708 هـ تحقيق د سعيد الفلاح مطابع جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية1988.

تاج العروس شرح القاموس: للمرتضى الزبيدي، تحقيق إبراهيم الترزي، دار إحياء التراث العربي، 1395هـ.

تاريخ القرآن تيودور نولدكة تعديل فريديريش شفالي ترجمة وتحقيق جورج تامر، دار جورج ألمز نيويورك 2000 ط 1 بيروت 2000

سير أعلام النبلاء: للحافظ الذهبي، تحقيق الجماعة، مؤسسة الرسالة، ط: السابعة، 1410هـ.

شرح نهج البلاغة: لابن أبي الحديد، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الجيل، بيروت، ط: الأولى، 1407هـ.

طبقات الشافعية الكبرى: تاج الدين السبكي، تحقيق محمود الطناحي والنجار، دار الحلبي.

العسل المصفى من تهذيب زين الفَتى في شرح سورة هل أتى " ، هذبه وعلق عليه الشيخ/ محمد باقر المحمودي ،ونشره مجمع إحياء البحوث الإسلامية في مدينة قم الإيرانية ، وصدرت الطبعة الأولى سنة 1418 هـ ز (علوم القرآن عند كرامية خراسان: كتاب المباني) للمستشرق كلود جيليو ترجمة الدكتورة أم عاصم. والترجمة منشورة في موقع ملتقى أهل التفسير

غاية النهاية: للحافظ ابن الجزري، تحقيق المستشرق براجستراسر، دار الكتب العلمية، بيروت.

فتح الباري: للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، محب الدين الخطيب، دار المعرفة بيروت، 1379هـ.

(كتاب المباني لنظم المعاني لمْ يَعُدْ مجهول المؤلِّف) إعداد د/السالم محمد محمود أحمد الشنقيطي، في جامعة طيبة بالمدينة المنورة 1426هـ

لسان الميزان: لابن حجر العسقلاني، نشر مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.

المباني لنظم المعاني، (مطبوع تحت عنوان: مقدمتان في علوم القرآن).

المستشرقون نجيب العقيقي ، الطبعة الرابعة، دار المعارف بمصرز

مفتاح كنوز السنة، د.فنسنك ترجمة محمد فؤاد عبد الباقي دار القلم بيروت لبنان

ملاك التأويل احمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي 708 هـ تحقيق د سعيد الفلاح ط 1 دار الغرب الإسلامي  بيروت لبنان  1983

معجم الأدباء: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، 1413هـ-1993م.

ملاحظات حول النسختين الكراميتين -  كاظم رحمتي، البحث منشور مترجم الى العربية في موقع اسمه رحمتي

 http://rahmati.kateban.com/print/1604

ومنشور بمجلة الكتب الاسلامية العدد السادس  http://www.i-b-q.com/ara/06/article/02.htm

الملل والنحل: محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت.

المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور: إبراهيم بن محمد الصريفيني، تحقيق خالد حيدر، دار الفكر، 1414هـ.

(مؤلف التفسير المسمى : كتاب المباني لنظم المعاني)، بحث الدكتور غانم قدوري، مجلة الرسالة الإسلامية (1) ببغداد، في عددين متتاليين هما العدد رقم 164 والعدد 165 عام 1404هـ . (ص 243- 255).

المواقع الالكترونية:

موقع : ملتقى اهل التفسير

 http://vb.tafsir.net/tafsir4905/#.VuF2m5V3vIU

موقع مخطوطات برلين

Digitale Sammlungen der Staatsbibliothek zu Berlin: Werkansicht

الهوامش

[1] -  (كتاب المباني لنظم المعاني لمْ يَعُدْ مجهول المؤلِّف) 16.

[2] -  المصدر نفسه: رأي الأستاذ  كفراوي

[3] -  المصدر نفسه.

[4] -  كتاب " زين الفتى في شرح سورة هل أتى " ، الذي هذبه وعلق عليه الشيخ/ محمد باقر المحمودي ، وسمى التهذيب : " العسل المصفى من تهذيب زين الفَتى في شرح سورة هل أتى " ، ونشره مجمع إحياء البحوث الإسلامية في مدينة قم الإيرانية ، وصدرت الطبعة الأولى سنة 1418 هـ

[5] - مقدمتان في علوم القرآن 3

[6] -  كتاب المباني ص: 6  كتاب المباني ص: 2 من الترجمة الإنجليزية؛

[7]- وقدمة كتاب المباني: 116.

[8]- المصدر السابق: 172.

[9]- مقدمة كتاب  المباني: 64.

[10]- المصدر السابق: 116.

[11] - ينظر بحث الأستاذ السالم  الشنقسطي 14.

[12] - ينظر كتابي:  البرهان في تناسب سور القران – الامام الحافظ أبو العباس احمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي العاصمي 708 هـ رحمه الله كما ورد في مستهل الكتاب تح د سعيد الفلّاح الجامعة الزيتونية مطابع جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية   1988 . وملاك التأويل القاطع بذوي الالحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل  للمؤلف نفسه والمحقق، أطروحة دكتوراه ، طبعت بدار الغرب الإسلامي   ط 1  بيروت  لبنان

[13] - الشنقيطي

[14] - المباني ص17

[15] -  أستاذ بجامعة بروفانس، قسم اللغة العربية والدراسات الاسلامية، 29 شارع روبرت شومان 13621 اكس ان بروفانس، سيديكس1. مستشرق فرنسي مهتم بتراث المسلمين ـ في علوم القرآن وعلم الكلام خاصة ـ في بلدان وسط أسيا

[16] -  (علوم القرآن عند كرامية خراسان: كتاب المباني) ترجمة الدكتورة أم عاصم.

[17] -  أرفق في مداخلته بحث كتبه ـ كلود جليو[17]ـ (علوم القرآن عند كرامية خراسان: كتاب المباني) ترجمة الدكتورة أم عاصم. وكلود جيليو*  مستشرق فرنسي مهتم بتراث المسلمين ـ في علوم القرآن وعلم الكلام خاصة ـ في بلدان وسط أسيا.

[18] -  كتاب المباني ص: 20. يفترض أنه مات 325/937، غالبا بالاعتماد على أسانيد الرواة التي يظهر فيها.

[19] -  موقع مخطوطات برلين

Digitale Sammlungen der Staatsbibliothek zu Berlin: Werkansicht

 

جعفر الحكيمالعهد الجديد هو الكتاب المقدس لدى الاخوة المسيحيين (فقط) والذي يعتبر لديهم الجزء الثاني من الكتاب المقدس، بالاضافة الى الجزء الاول (التناخ اليهودي)، الذي يشترك المسيحيون مع اليهود بالاعتقاد بقدسيته، ويطلق عليه المسيحيون تسمية (العهد القديم)

ويتكون العهد الجديد من 27 سفراً وهي:

 الأناجيل الأربعة: إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا وتسمى الأناجيل القانونية

 بالإضافة إلى أعمال الرسل وسفر الرؤيا

وأربعة عشر رسالة لبولس وسبع رسائل لرسل وتلاميذ آخرين (بطرس ويعقوب ويوحنا ويهوذا) والرسالة الى العبرانيين.

يتفق معظم العلماء والمتخصصين في مجال دراسات العهد الجديد على ان أجزاء هذا الكتاب، كتبت على فترات زمنية مختلفة ومن قبل أشخاص متعددين، ربما يصل عددهم الى حوالي اربعين شخصا.

وقد شغل الجدل حول هوية الأشخاص الذين كتبوا العهد الجديد حيزا واسعا في فضاء الدراسات التاريخية لهذا الكتاب المهم جدا

واستمر هذا الجدل لفترات زمنية طويلة، والى يومنا هذا، لازال الجدل قائما، في الأوساط العلمية والاكاديمية المتخصصة،ولم يتم حسم النقاش حول الشخصيات الحقيقية التي كتبت كل جزء من أجزاء هذا الكتاب.

ويبدو ان المسيحيين الأوائل قد تأخروا في جمع وحفظ النصوص التي يعتقدون بقدسيتها، ضمن كتاب واحد حتى منتصف القرن الميلادي الثاني، وربما يكون سبب ذلك،هو اعتقاد المجاميع المسيحية المبكرة بقرب عودة المسيح ومجيئه الثاني لكي يدين خصومه ويقيم مملكة الرب، فلم يكن - والحال هذه- هناك دافع لديهم لجمع وتأليف كتاب مقدس!

ومع طول الانتظار وتأخر العودة المرتقبة، وانقضاء الجيل الأول وربما الثاني من المسيحيين، أصبح حفظ النصوص وجمعها في كتاب واحد ضرورة ملحة.

لذلك شرع آباء الكنيسة بعد منتصف القرن الميلادي الثاني بهذه المهمة، وتم خلال فترات زمنية لاحقة انتخاب الأناجيل القانونية من بين اناجيل كثيرة تم اعتبارها منحولة وغير قانونية، وهذه الاناجيل القانونية الاربعة، ورغم القرار الكنسي بنسبتها الى الأشخاص الذين تم (لاحقا) اضافة اسمائهم الى عناوين تلك الاناجيل، لكن تبقى هذه التسمية وهذه النسبة هي مجرد رأي او اعتقاد ديني، يفتقر الى الادلة التاريخية المعتبرة، وليس حقيقة تاريخية موثوقة.

أما بالنسبة لبقية أجزاء العهد الجديد، فقد كان هناك أيضا جدلا داخل الكنيسة المسيحية حول قانونية الكثير منها، مثل بعض الرسائل (رسالة يوحنا الثانية والثالثة ورسالة بطرس الثانية ورسالة يهوذا) وكذلك استمر الجدل حول قانونية أجزاء اخرى لوقت طويل قبل ان يتم حسمه لاحقا باضافة تلك الأجزاء لتكون نصوص مقدسة ذات أصل سماوي كما هو الحال مع الرسالة الى العبرانيين وسفر الرؤيا !

ويجب الاعتراف بأن مهمة تحديد الأشخاص الذين كتبوا جميع نصوص العهد الجديد، هي مهمة عسيرة جدا، وتحتاج الى جهود جبارة، ومعرفة معمقة، وخبرات طويلة في مجالات عديدة لا تنحصر فقط بالمعلومات التاريخية، وانما تتسع لتشمل الاحاطة بعلوم المخطوطات وأساليب الكتابة اليونانية القديمة،هذا بالإضافة الى الإلمام الشامل بتلك اللغة ومفرداتها.

ونحن هنا،عندما نتناول هكذا موضوع مهم، لابد لنا للرجوع الى آراء شخصيات علمية اكاديمية، لها باع طويل في هذا المجال، وتعتبر مرجعيات علمية مشهود لها في الاوساط الاكاديمية العالمية بشكل لا يقبل التشكيك او النقاش.

ومن بين أهم هذه الشخصيات العلمية، تعتبر الأوساط الأكاديمية البروفيسور (بارت ايرمان) أحد اهم الأساتذة المتخصصين في دراسات العهد الجديد وتاريخ المسيحية المبكر، ومن أبرزهم وأكثرهم نشاطا وتأليفا، مع احرازه سمعة علمية راقية جدا لا يختلف حولها حتى أشد المخالفين له .

والبروفيسور (بارت ايرمان) هو رئيس قسم الدراسات الدينية في جامعة كارولينا الشمالية في تشابل هيل، وأستاذ دراسات العهد الجديد وتاريخ المسيحية المبكر، و يعتبر قامة علمية سامقة، له خبرة في مجال تخصصه الأكاديمي لمدة تزيد على الثلاثين عاما، وقد تخرج من تحت يديه عشرات الطلاب برسائل الدكتوراه.

وهو أستاذ امريكي من عائلة مسيحية، كان ينتمي الى طائفة المسيحيين الإنجيليين الاصولية، وبعد تخصصه، قرر لقناعات شخصية، ترك الإيمان المسيحي، وأصبح لا ديني

وقد قام بتأليف العديد من الكتب المهمة جدا والتي تعتبر مراجع علمية وتاريخية، وسوف اضع اسماء بعض الكتب مع ترجمة أوسع لهذا البروفيسور في خاتمة هذا المقال .

لقد تناول البروفيسور (ايرمان) موضوع تحديد هوية الأشخاص الذين كتبوا العهد الجديد،في العديد من مؤلفاته المهمة

ويستطيع ان يرجع لها الراغبون في التفصيل والبحث المعمق.

لكنني سأضع في هذا المقال، خلاصة رأي هذا المرجع الأكاديمي البارز، حول الموضوع، بشكل مختصر، لكي اوفر للقارئ زبدة القول حول هذا الأمر الذي أثار الجدل والنقاشات الطويلة وتم تأليف عشرات الكتب حوله!

وقبل ان اعرض رأي البروفيسور (ايرمان) سوف اضع بعض التعريفات المختصرة لقسم من التوصيفات او العناوين التي يستخدمها المتخصصون في مجال تحديد درجة ونوع الموثوقية التاريخية للنصوص او الكتب، ومنها:

- كتابات مجهولة (انو نيمس) وهي النصوص التي لم يكشف لنا كاتبها عن هويته، والتي لاتزال مجهولة لنا

- كتابات متشابهة(هومو نيمس)وهي نصوص مكتوبة من قبل أشخاص يحملون أسماء مشابهة لأسماء شخصيات شهيرة.

- كتابات مزورة (فورجد) وهي نصوص تعمد كاتبها إخفاء هويته، ونسبة تلك النصوص الى شخصيات اخرى.

- كتابات معروفة المصدر: وهي نصوص نسبها كاتبها الى اسمه الصريح .

بعد هذا التبيان المختصر للمصطلحات، نذهب لاستطلاع رأي البروفيسور (ايرمان) حول هوية كتبة العهد الجديد

وهي كالتالي:

- كتابات مجهولة: ويقع تحت هذا التصنيف الأناجيل القانونية الاربعة بالاضافة الى سفر اعمال الرسل والرسالة الى العبرانيين وكذلك رسائل يوحنا الأولى والثانية والثالثة.

- كتابات متجانسة (هومونيموس): سفر الرؤيا، حيث يعتقد ان كاتب هذا السفر اسمه (يوحنا) ولكن تم لاحقا نسبة هذا السفر الى (يوحنا التلميذ) وهو شخص اخر، غير شخص الكاتب الحقيقي!

- كتابات مزورة: رسائل يعقوب وبطرس ويهوذا، وكذلك الرسالة الثانية الى تسالونيكي، الرسالة إلى أفسس، وتيموثاوس الأولى والثانية بالاضافة الى الرسالة الى تيطس

- وهنا ايضا يضع البروفيسور (ايرمان) سفر أعمال الرسل ضمن هذا التصنيف من باب الاحتمالية.

- رسائل معروفة المصدر: وهي رسائل بولس السبعة: الرسالة الى رومية، كورنثوس الاولى والثانية، فيلبي، الرسالة الى فيلمون، بالاضافة الى تسالونيكي الاولى والرسالة الى أهل غلاطية.

وخلاصة القول: فإن غالبية أجزاء العهد الجديد كتبها أشخاص مجهولون بالنسبة لنا - حسب رأي البروفيسور (ايرمان) وتتوزع تصنيفات هوية مؤلفي غالبية أقسام العهد الجديد على الشكل التالي:

نصوص مزورة: 10 -13 جزء

نصوص متشابهة المصدر: 1

نصوص معلومة المصدر: 7 أجزاء

ترجمة البروفيسور بارت ايرمان:

هو أستاذ دراسات العهد الجديد وتطور المسيحية المبكرة في جامعة نورث كارولينا ويعتبر من أهم علماء دراسات العهد الجديد و الدراسات النقدية الكتابية وخبير في تاريخ بدايات المسيحية.

حصل على شهادة الدكتوراة والماجستير في اللاهوت من مدرسة برينستون اللاهوتية حيث درس تحت إشراف البروفيسور الشهير (بروس متزجر).

 يعمل الآن رئيس قسم الدراسات الدينية في جامعة كارولينا الشمالية في تشابل هيل، وكان رئيس المنطقة الجنوبية الشرقية لجمعية الأدب الكتابي وعمل محررا لعدد من مطبوعات الجمعية

قام بتأليف 30 كتابًا، بما في ذلك ثلاثة كتب مدرسية. كما قام بتأليف ستة من أكثر الكتب مبيعًا لصحيفة نيويورك تايمز

من أهم مؤلفاته

كيف أصبح يسوع إلها ؟

إساءة اقتباس يسوع

مقاطعة يسوع

مشكلة الرب

ازدهار المسيحية

يسوع قبل الأناجيل

وغيرها من الكتب العديدة المهمة، بالاضافة الى المئات من البحوث المنشورة، والمحاضرات على اليوتيوب وكذلك العشرات من المناظرات الرائعة والماتعة مع أساتذة متخصصين ورجال دين مسيحيين .

 

د. جعفر الحكيم

..........................

المصدر

https://ehrmanblog.org/how-many-books-in-the-new-testament-were-forged/

 

مجدي ابراهيمفي المقال الذي توقفنا عنده "الإشارات والأحوال"، ذكرنا أن المتصوفة إذا كانوا يؤسسون لعلم الإشارة يقوم لديهم على شرعة الحبّ والذوق والتحقيق، ويعتبرون هذا العلم (سرّاً) لا يناله مطلقاً ما ليس من أهله؛ فإنهم إنما يفعلون ذلك، لأن الأسرار مُعتّقة عن رقِّ الأغيار من الآثار والأطلال - حسب عبارة القشيري - وانتهينا إذ ّذاك بتوضيح اصطلاح السّر؛ إذ يطلقونه على ما يكون مكتوماً مصوناً بين العبد والحق سبحانه تحت غشاوة الأحوال. فقد تكشف الإشارة عن حال صاحبها؛ عن تجربته، وقد يتبيّن منها أذواقه العالية فيما عساه يعانيه، وقد لا يتبين منها سوى المواجيد التي يصعب التعبير عنها بلفظ أو بمقولة كما قال النّفَريّ : "المواجيد بالمقولات كفرٌ على حكم التعريف"، ولم يكن قول النفريّ هذا ببعيد عن سلطان "الحال"، لأن الحال هنا لا يحوي التعبير بالمقولة، والمقولة محدودة بحدود القوليّة، والحال محض وجد لا يكيف بلغة عادية إذْ اللغة العادية مجال المعتاد ممّا يكتب أو يفهم في حدود الفكر والنظر لا في مجال المواجد التي تتعامل مع اللامتناهي واللا محدود واللا مرئي.

وإذا كانت الإشارة في ذاتها تقترب من الغموض؛ فلأنها تتصل بالحال وتصدر عنه. والحال وجد يفيض بالمنازلة ويباشر العلاقة مع الله مباشرة؛ فليس من لغة وليس من بيان بل تضيق العبارة لاتساع الشهود، وتحل الإشارة لأن المقام مشهود. ولم يكن من حرف لأن الحرف عاجزٌ عن الإخبار، ليس في الشهود تعبير بحرف، قد يخبر الحرف عن نفسه ولكن للشهود عيان مباشر وتحقيق.

وكما تكون الإشارات صادرة عن تجربة الأحوال، تكون هنالك الصلة الوثقى بين الأسرار والأوقات؛ فالسرّ والوقت والحال اصطلاحات دالة على بطن التجربة الصوفية، مرتبط بعضها مع البعض الآخر في رباط شديد، وليست الفروق بينها قائمة سوى من جهة اعتباريه فقط؛ فالسر له بالوقت وثيق الصلة، والوقت له بمراقبة الأنفاس شديد العلاقة، ويجمع كل سرّ ونَفَس ووقت وحال فيض عارم من التجربة الروحية تتأسس على الإخلاص وتشملها حزمة من الأنوار؛ فالأسرار أنوار تصدر عن الأحوال، والأحوال تجارب تتوارد من عين الجود أفضالاً ومواهب وعطايا ربانيّة، ليس بها من دعوى بل يقين عظيم في جهاد شريف.

ولو إنَّا رسمنا دائرة التصوف الإسلامي بين سُنّي وفلسفي، لوجدنا كلمة "السر" تحتل المركز منها، وتتصدَّر نقطة الانطلاق لهذا العلم على التحقيق، بل إن كلمة (Mysticism) الإنجليزية التي تطلق على التصوف، تترجم إلى السّريَّة على معنى التكتم والخفاء؛ لأن التصوف في مجموعه حسب تعريف سيد الطائفة أبي القاسم الجنيد واصفاً إيّاه إنْ هو إلا :" لحُوق السّر بالحق، ولا ينال ذلك إلا بفناء النفس عن الأسباب لقوة الروح والقيام مع الحق "، وهو بذلك يضع التصوف في موضع المراقبة "للوقت" بمقدار ما يضعه في مواجهة السّر؛ لأن  التصوف كما قال إنْ هو إلا "حفظ الأوقات".

وحفظ الأوقات رعايةً للسر ومراقبةً للسريرة الباطنة في آن واحد، لكن الجنيد مع ذلك يصيب كبد الحقيقة فَيُعْطي إشارة لافتة مُلْغزة فيروح فيقول مبيِّناً معنى حفظ الأوقات هذا بقوله : " وهو أن لا يطالع (العبد) غير حَدِّه، ولا يوافق غير ربه، ولا يقارن غير وقته ".

وربما كانت هذه المرتبة التي أشار إليها الجنيد بقوله إن التصوف إنْ هو إلا "حفظ الأوقات" هى نفسها المرحلة التي سماها الشيخ الرئيس ابن سينا (ت 428 هـ) في مراحل تطور المعرفة الصوفية بمرحلة الحدِّ أو الوقت، لأن المطلوب فيها حفظ الوقت أثناء تلقي العارف أنوار فيوضات القربة؛ فهنالك يطلع الصوفي فيما يشبه الخلسات اللوامع من إطلاع نور الحق عليه، لكن هذه المرتبة تسبقها مراتب من الإرادة والرياضة، وتعقبها مرتبة أخيرة هى مرتبة الوصول؛ فالصوفي في عرفان ابن سينا إذا بلغت به الإرادة والرياضة حداً ما، عَنَتْ له خَلَسَات من اطلاع نور الحق عليه، يصفها ابن سينا بأنها : "لذيذة كأنها برُوق تومض إليه ثم تخمد عنه؛ وهو المسمى عندهم أوْقَاتاً".

ثم لك أن تلاحظ إشارة الجنيد هذه حيث يقول:" ليس شيء أشدَّ على أولياء الله من حفظ الأوقات عند الأنفاس"؛ وتُقَارن بينها وبين قول ابن سينا: "وكل وقت يكتنفه وجدان : وَجْد إليه ووَجْد عليه، ثم إنه لتكثر عليه هذه الغواشي إذا أمْعَنَ في الارتياض "؛ تجد أن أحوال العارفين -  على حد وصف الشيخ الرئيس - الذين يعبدون الله حَق عبادته، فيحبونه حباً روحياً؛ منصرفين إليه بفكرهم، لا يبتغون بذلك غير ذات الحق، لا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً، ويمتازون على ما عَاداهم بأن أرواحهم قد انطلقت من القيود؛ هم هم عُبَّاد الوقت على الحقيقة؛ لأنهم تنزّهوا عمّا يشغل أسرارهم عن الحق، فكانت عبادتهم مسالمة للسر الباطن حين ما يستجلي الحق، إذْ تخلص أسرارهم إلى الشروق الساطع، فيصير ذلك ملكة مستقرة، كلما شاء السّر أطلع العارف على نور الحق، فيكون منخرطاً بكليته في سلك القدس.

فإذا العارف هاهنا واقعٌ لا محالة تحت حكم الوقت، مشاهدٌ بالسر لما يبدو عليه من بوادي الأنوار الإلهية؛ فكأنما الوقت حالَ غَشيان الأنوار هو كما وصف الجنيد من الشدة على العارفين بحيث قد يتعذر معه ضبط الأنفاس أو هو كما قال أبو العباس بن عطاء :" ليس شيءُ أشدَّ على أولياء الله من حفظ الأنفاس عند الأوقات ".

فهاهنا يكون الوقت تجلياً من تجليات النور الإلهي الذي لا يضبطه في الغالب نَفَس الولي؛ فيجد في تجلياته سطوة وفي غشيانه شدة. فهذه الأوقات هى من أسرار الله في أهل خصوصيته، ترتبط بمراقبة الأنفاس, بمقدار ما تتصل مباشرة بحكم "الحال" في حكم "الوقت".

من ذلك ترى؛ أن هذه الروحانية القوية القائمة مع الحق إذا هى تَجَرَّدَتْ في صاحبها فَفَنَتْ نفسه عن الأسباب واتصلت بالحق تعالى نالت من فورها لحوق السّر به فيما لو صدقت طريق المعرفة وسَارَرَتْ مَعْرُوفها بدوام المناجاة.

وعليه؛ يجيء معنى التصوف من حيث كونه "لحوق السر بالله" مصروفاً إلى أن الصوفي الحق لا يلتفت إلى شيء سوى الله، ومتى ألتفت إلى حظ نفسه أو أسبابها دَلَّ ذلك على انفصال سره لا اتصاله؛ حتى إذا ما كان سر الصوفي ملحوقاً بالله على الحقيقة دَلَّ هذا أيضاً على فناء نفسه عن الحظوظ والأسباب.

ولكن هذا الفناء نفسه هو أعلى ما يمكن تحققه في مبنى التصوف ومعناه؛ ينطلق مع المجاهدة خُلقاً وفضيلة من القاعدة؛ ليندرج في القمة معرفةً؛ هو ذروة الأمر كله. تترتب هذه الذروة على قواعد أدرجها الجنيد في شَذْرَة له لما أن وضح معنى التصوف فقال في قواعده وأركانه هو:" تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد الصفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسانية، واستعمال ما هو أولى مع الأبدية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله على الحقيقة، وإتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في الشريعة".

فتلك خصائص تبدو من الوهلة الأولى تتلون بلون المجاهدة في الله؛ من المؤكد تفضي لا محالة فيما لو أحسن العبد القيام بها على أكمل وجه إلى لحوق السر بالله.

ومن المؤكد كذلك أنها لخصائص تجعل التصوف بعلومه وموضوعاته ورياضاته وأسراره وإشاراته، علماً مستقلاً عن أي مؤثر آخر، ينفرد بين سائر العلوم بخصائصه المعروفة، تميزه عن سواه ولا تلحقه إنْ في بناء الشكل وإنْ في بناء المضمون بعلم آخر أو بفن سواه، حتى ولو تشابهت في الظاهر بعض ألفاظ وكلمات من هنا أو من هناك يستخدمها أقطابه؛ بألفاظ وكلمات يستعملها سواهم ممَّن دونهم ولكن لا ينتمون إلى ميدانهم لا من قريب أو من بعيد.

ومن تلك النقطة؛ يفترق الرمز في اللغة الصوفية عن الرمز في اللغة العادية، يفترق ويتباين ويختلف؛ فلغة الإشارة ليست كلغة العبارة. الإشارة - كما قلنا فيما تقدَّم - ألطفُ من العبارة :" لأنها إيماءٌ إلى السِّر وتلويح إليه لا تصريح، وهى التي يستعملها أهل الطريق - رضى الله عنهم - فيما بينهم عند ذكرهم لما يفتح الله به عليهم من الأسرار التوحيدية، والعلوم اللَّدُنيَّة، والمواجيد والأذواق ".

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

بدر الدين شيخ رشيدمقاربات بين رؤيتي الباقلاني والشريف المرتضى:

«كل خلاف وقع بين المسلمين- سواء في الفقه، أو في التفسير للقرآن، أو في فهم السنة النبوية الشريفة- منشؤه وسببه الخلافة».محمد التيجاني السّماوي التونسيّ[1]. 

 إن خلاف الإمامة بين الأشاعرة والإماميّة يدور بين «النص» و«الإختيار»، حيث إن النص يقصد عند الإمامية، أن تعْيِيْن الإمام يكون إما من الرسول أو من الإمام الذى قبله. وأن مفهوم إختيار الإمام عند الأشاعرة، يعنى أنه مفوض إلى أهل«الإجماع».

 وبناء على هذه الجدليّة حول إشكالية النص والإختيار، نفت الأشاعرة أدلة الإماميّة التي إستدلت بها على إمامة علي بن أبى طالب بعد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إعتبرتها أدلة ظنية لا تفيد اليقين والقطع من ناحية الدلالة. بينما إعتبرتها الإماميّة نصوصا تدل على إمامة علي رضي الله عنه.

 فالتحقيق في هذه الجدلية بين الأشاعرة والإمامية سوف نلقى الضوء على بيان ضوابط التفرقة بين مفهوم الدليل اليقينىّ وبين مفهوم الدليل الظنىّ عند بعض متكلمي الأشاعرة والإماميّة؛ لأن جدليّة النص عندهما تدور مدى إفادة تلك الأثار التى تستدل بها الإماميّة، على إمامة علي بن أبي طالب بعد النبي صلى الله عليه وسلم اليقين أو الظن.

 إن مناقشة تلك الجدليّة سوف نختار رؤية إمامين من أئمة الأشاعرة والإماميّة وهما الإمام الباقلاني[ت:403ھ1012م]، من الأشاعرة والإمام شريف المرتضى[ت:436ھ/1044م]، من الإمامية.

 إن كلمة «اليقين» تأخذ معنى «الصدق والحقيقة»، وهي تفيد قطعية الدلالة في النص عند الأصوليين، حيث يقابله ظنيّ الدلالة الذي يأخذ معني الشك، وإن كان بينهما (الظن والشك) فرق عند أهل الأصول إذ إن الظن يدخل في دائرة «التصديق» غير أنه تصديق غير جازم. فالتصديق غير الجازم، إذا كان راجحا هو: الظن، والمرجوح هو:الوهم، والمساوي هو: الشك[2].

 هذا وقد حدد الشيخ السبحاني أصول اليقين في كتابه: «المدخل إلى العلم والفلسفة والإلهيات، نظرية المعرفة»، حيث قال:« إن التَعَرُفَ على ما وراء الحسّ يحصل في ظل البرهان، وهو مركب من اليقينيات، وأصولها ست: الأوليّات، والمشهدات، والتجريبيات، والحدسيات، والمتواترات، والفطريات»[3]. 

 مفهوم الخبر عند الباقلاني[ت:403ھ/1012م].

 تعريف الخبر :

 عرفّ الإمام الباقلاني الخبر بأنه:« ما يصح أن يدخله الصدق أو الكذب»، أى ما أحتمل الصدق والكذب بإعتبار قائله، وذلك:« متى أمكن دخول الصدق أو الكذب فيه، كان خبرا، ومتى لم يكن فيه، خرج عن أن يكون خبرا، وبهذا الإختصاص، فارق الخبرُ، ما ليس بخبر من الكلام، وسائر الذوات التى ليست بخبر»[4].

 أقسام الخبر عند الإمام الباقلانى:

 قسم الإمام الباقلاني الخبر إلى ثلاثة أقسام:

خبر «الضرورات»، وهوما يعرف «بالأوّليات»، وهو كل خبر ثابت، إقتضت ثبوته بضرورات العقول، وإدراك الحواس، حيث قامت الأدلة على ذلك من أمره؛ مثل: الخبر عن وجود ما ندركه ونشاهده بحواسنا. والخبر عن إمتناع الضدين، وكون الجسم في مكانين معا.....وما جرى مجرى ذلك من كل أمر ثبت العلم بصحته إستدلالا ونظرا. وهذا الخبر لا يقع إلا صدقا من قديم ومحدث، ومؤمن وكافر، وعدل وفاسق، وجماعة وآحاد، لثبوت مخبره وصحته[5].

 الخبر عن محال ممتنع، إما بقضية الحواس والضرورات، أو بما قام عليه من الحجج والدلالات؛ مثل الخبر عن عدم ما نشاهده، وكونه على خلاف صفة ما ندركه عليه، وكذلك الخبر عن قيام الأموات، وقلب العصا حيات، وإنقلاب دجلة ذهبا، والخبر عن وجود ضدين في محل واحد، وكذلك كون الجسم في مكانين. وكل ماجرى مجرى ذلك فهومعلوم ببطلانه وإستحلالته، بقضايا الحواس، وموضوع العادات، وأوائل العقول والضرورات[6].

الأخبار عن الإمكانيات في العقل، نحو الإخبار عن مجيء المطر، بالبلد الفلاني، وموت رئيسهم ورخص سعرهم، والأخبار عن المتعبدات، نحو الإخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم، على إمام بعده، وعلى الحج والصلوات والعبادات، وغيرها من التعبدات في الشريعة. فهذا القسم يمكن أن يكون صدقا ويمكن أن يكون كذبا. ويميز حال الصدق من الكذب، حسب ما يوجب الدليل من أمره. فإن قام الدليل على أنه صدق قطع به، وإلا قطع ببطلانه وكذب ناقله. وإن عُدِمَ دليل صحته ودليل فساده وجب الوقف في أمره، وتجويز كونه صدقا و كونه كذبا. أما إذا وقع الخبر على الممكن، ككونه من الله أومن الرسول، أو ممن أخْبِرَ عنه، أنه لا يكذب في خبره، أومن جماعة أسندوا ما أخبروا عنه إلى مشاهدتهم، ليثبت التواتر بمثلهم، قطع بصدقهم. وكذلك كل خبر عن جائز قام الدليل على صدق نقلته[7].

 خبر التواتر وإستحالة كذبه عند الباقلاني:

 يستحيل العادة بالتواطؤء على الكذب بالعدد الذى يثبت بهم التواتر. وذلك، أن العادة لم تجر إجتماع قوم يبلغ حد التواتر، ثم تواطؤوا بنقل الكذب عن مشاهدة، ولا عن كتمان ما هم عالمون به من غير ظهور الحديث به بينهم والإقرار، إذا خلوا بأنهم كتموا وتشاعروا لعلة دعتهم إلى ذلك؛ لأنه لايجوز أن يستمر بهم ترك ذلك والخوض فيه والحديث به زمانا طويلا، أو الأبد حتى لا يعلم في حالهم، أنهم قد إفتعلوا وإن جاز ذلك على الواحد والإثنين منهم[8].

 صفات أهل التواتر عند الباقلانى:

 ذكر الإمام أبى بكر الباقلاني صفات أهل التواتر، حيث إعتبرها أربع صفات:

أن يكونوا عالمين بما ينقلونه علم ضرورة، واقعا عن مشاهدة أو سماع، أو مخترع في النفس من غير نظر ولا استدلال، وإلا لم يقع العلم بخبرهم.

أن يكونوا عددا يزيدون على الواحد والإثنين والثلاثة والأربعة.

أن يكون العدد الناقل في الخبر متساويا بالكثرة في كل طبقة، حيث يقع العلم بخبرهم ضرورة.

 إذا كان النقل خلفاء عن سلف، ولسلفهم سَلَفٌ، لابد أن يكون أول خبرهم كآخره، ووسط ناقليه كطرفيه فى أنهم قوم يثبت بهم التواتر، ويقع العلم بصدقهم، إذا نقلوا عن مشاعدة[9].

 مفهوم الخبر عند السيد المرتضى[ت:436ھ/1044م]:

يرى السيد شريف المرتضى أن مفهوم الخبر الذي يفيد العلم هو: ما توافر الشروط التالية:

أن ينتهي في الكثرة إلي حد لا يصح معه أن يتفق الكذب على المخبر الواحد منها. وهذه الكثرة تشمل جمبع الطبقات.

أن يعلم أنه لم يجمعها على الكذب جامع من تواطؤء وما يقوم مقامه.

أن يكون اللبس والشبهة زائلين عما أُخْبِرَ عنه[10].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم:

 ...............................

[1] السماوي، د/ محمد التيجاني السّماوي التونسيّ، لأكون مع الصديقين، المؤسسة الجامعية للدرايات الإسلامية، (بدون رقم الطبعة والتاريخ)، ص60.

[2] - الرازي، معالم أصول الدين، تحقيق، طه عبد الرؤوف سعد، دار الكتاب العربي، لبنان بيروت، (دون رقم الطبعة والتاريخ) ص22.

[3] - السبحانى، المدخل إلى العلم والفلسفة والإلهيات، نظرية المعرفة، بقلم، حسن محمد مكى العاملى، المركز العالمى للدراسات الإسلامية‘ط1/1411ھ ص251.

[4] - الباقلانى، التمهيد، تحقيق محمد الحصرى، ومحمد عبد الهادى، دار الفكر العربي، بيروت لبنان، (بدون رقم الطبعة والتاريخ) ص160.

[5] - المصدر السابق، ص 160-161.

[6] - المصدر السابق، ص 160-161.

[7] - المصدر السابق، ص 160-161.

[8] - المصدر السابق، ص162.

[9] - المصدر السابق، ص163-154.

[10] - الشريف المرتضى، علي بن الحسين الموسوي، الشافي في الإمامة، تحقيق، السيد عبد الزهراء، الحسيني الخطيب، وبمراجعه، السيد فاضل الميلاني، ط2/1407ھ/1986م، ج2/68.

 

ميثم الجنابي"الأنبياء أطباء أمراض القلوب"

(الغزالي)

النبوة مصدر الاخلاص التام في العمل 

كان مفهوم الرؤية وحقيقة النبوة عند الغزالي، المقدمة المناسبة لفكرة الإمداد والاستمداد النبوية. فبما أن النبي هو المثال الملموس للحقيقة النبوية، من هنا اضمحلال الفرق بالنسبة للأنبياء حول ما إذا كانوا في دار الدنيا أو الآخرة[1]. بمعنى بقاء المثال المحسوس والمجِّسد للحقيقة النبوية، باعتبارها الواسطة المعقولة بين التاريخ الدائم والعابر. الأمر الذي يحدد مصدريته الدائمة لاستمداد العارف. وذلك لأن "تقرّب الملائكة بروحه المقدسة بعد موته ازيد في تقربهم به في حال حياته"[2]. ولا تعني هذه الصياغة في منظومته عن النبوة سوى الإمكانية غير المتناهية لمقامات النبوة المكتسبة، والتي تشكل الحقيقة النبوية مصدرها المشع للعارفين بعد موت النبي. وبهذا المعنى تصبح الملائكة، باعتبارها جواهر المعرفة الصوفية، وسيلة الاتصال بالحقيقة النبوية[3].

وبهذا يكون الغزالي قد فسح المجال أمام إمكانية النبوة المكتسبة، التي صاغت التقاليد الصوفية السابقة له أغلب عناصرها، وبالأخص فكرتها القائلة، بأن كرامات الأولياء هي بدايات الأنبياء[4]. وحاول أن يجد لهذه الفكرة تمثيلها المناسب في شخصية محمد ما قبل النبوة وبعدها. فقد اعتبره في بداية أمره، أو في أول حاله، حسب عبارات الصوفية، ولياً. وهي الحالة التي كان يمثلها سلوكه ما قبل البعث عندما كان يقبل على جبل حراء ليخلو فيه بربه ويتعبده حتى قالت العرب: أن محمدا عشق ربه[5]. وسوف يشرح ابن عربي هذه الفكرة بما اسماه بذوق الإنزال في التنزيل، بمعنى إتباع الولي النبي في فهم حقائق التنزيل. لأن التنزيل (والشرع الجديد المطلق) مغلق بينما باب التنّزل بالعلم (المعرفة) أو باب النزول الروحاني بالعلم ليكون على بصيرة في دعائه (مفتوح). وبالتالي لا يعني "لا نبي بعدى" سوى استحالة وجود نبي على شرع يخالف شرعي. فالنبي الحقيقي هو من يكون على شريعة محمد (شريعة التوحيد الخالص). مما يعني عدم انقطاع مقام النبوة. وسوف يدقق الغزالي مضمون هذه الفكرة وعباراتها في (الإملاء على مشكل الإحياء)، في معرض دفاعه عن فكرة سهل التسترى القائلة، بأن "للنبوات سرّ لو انكشف لبطل العلم". حيث فسر فكرته هذه بمعنى انه لا يعرف النبوة بالحقيقة إلا النبي. وحالما ينكشف سرّها للعارف، آنذاك "يبطل العلم في حقه بارتفاع المحنة له بالأمر المتوجه عليه بطلبه والبحث عنه والتفكر فيه[6]. آنذاك يكون العارف "كالنبي إذ سئل عن شيء. ولو وقعت له واقعة لم يحتج إلى النظر فيها، ولا إلى البحث عنها، بل ينتظر ما تعود؟ من كشف الحقائق بإخبار ملك أو ضرب مثل يفهم عنه أو اطلاع على اللوح المحفوظ، أو القاء في روع"[7].

ذلك يعني، إن بلوغ العارف هذه الدرجة يحوله إلى التجسيد الشخصي الواقعي للنبوة الفاعلة. وهي الدرجة التي لا يجري نيلها عن طريق البحث أو التعلم أو الطلب، بل هي الصيغة المتنوعة للمنح الإلهية. أنها الدرجة أو المقام الذي يلازم سلوك الصوفي في معراجه الروحي. وهذا بدوره ليس إلا الطريق الذي يبلغ به العارف أو يستمد منحه على قدر تذليله منازل الطريق ومقاماته. وبالتالي لا يعني بلوغ الغاية دون طلب أو تعلم أو بحث سوى غياب الحوافز العندية واضمحلالها في بواطن المساعي الخالصة نحو المطلق. من هنا فكرة الغزالي الرادعة لطلب المقام الأعلى باللسان. بمعنى دعوته إلى ضرورة الرجوع عن مقام النبوة بصيغة "لا تتخطوا رقاب الصديقين"، أي عدم وجود مقام فاصل بين الصديقية والنبوة والذي أطلق عليه ابن عربي  عبارة "مقام النبوة المطلقة". بينما اطلق عليها الغزالي عبارة "مقام القربة". غير انه ترك الباب مشرعا، رغم اغلاقه إياه بعبارة "النبوة باب مغلق". لقد رفض هو بلوغ مقام النبوة بطلب اللسان ولهذا كرر مطلب عدم تخطي رقاب الصديقين. وأكد على إمكانية بلوغ أعلى المراتب بوحي الجنان. من هنا قوله أن المراتب هي مواهب يكرّم الله بها من يشاء، أي كل ما يتطابق مع حقيقة الصوفي ومساعيه العملية. فهي "مراتب الصدق في العلم، وبركات الإخلاص في العمل"[8]. ومن هنا استنتاجه القائل، بأن من "لم يرث من علمه وعمله المفترض عليه فطلبه والعمل به شتان من هذه المعاني، فليس في شيء من الحقيقة وإن كان حقا. غير أن حاله معلول. أما مفتون بدنياه أو محجوب بهواه"[9].

شكلت هذه الأفكار المقدمة الكبرى في ممارسة الغزالي العملية. إذ لم تعد النبوة فعلا متقطعا مازال مصدرها الحق الدائم مرتبطاً بالحقيقة النبوية. وبما أن  هذه الحقيقة في منظومته الفكرية هي وسيلة تجلي  وتطبيق الخير المطلق وإدراك حقيقة الوجود في تجلياته غير المتناهية، لهذا اتخذت صيغة الأداة الفاعلة للتغيير والإصلاح. الأمر الذي حدد تأسيسه الفكرى لما يمكن دعوته بإعادة الاعتبار الفاعل لحقيقتها، وكل ما يمكنه أن يكون مقدمة الفعل الصالح. بمعنى محاولة ربط الكينونة التاريخية للنبوة بمثالها الصوفي من خلال إعادة النظر بما اسماه بفتور الاعتقادات في أصل النبوة وحقيقتها والعمل بما شرحته النبوة نفسها. واستمد إدراكه لأسباب فتور الاعتقاد بالنبوة من تجربته الفكرية الخاصة. وبهذا يكون قد ظل أمينا في تجانسه لرؤية الأمور انطلاقا من تجربته العلمية والعملية (النظرية والأخلاقية)، التي عكست بدورها إدراكه الخاص لواقع الخلافة التاريخي وآفاقه. لهذا نظر إلى أسباب الفتور بها كأعراض متفرعة عن خوض الخائضين في علم الفلسفة وطريق التصوف والباطنية والمتكلمين والفقهاء. فالفلاسفة ومن اتبعهم ادعوا إدراكهم لحقيقة النبوة من علم الفلسفة. فقد وضع الفلاسفة في دحضهم للتقليد مطابقة الحكمة والمصلحة  وحقيقة النبوة. بمعنى أنها نظرت إلى النبوة نظرتها إلى وسيلة ترتيب الامور الحياتية والأمن بوضع حدود النظام الاجتماعي بما يكفل ضبط العوام. في حين أن الإدراك العقلي الخاص قادر بحد ذاته على وضع "حجر التكليف" وإتباع الحكمة كما هي. وقد وجد في هذه الآراء أحكاما خادعة زاد من قوتها ضعف اعتراضات مخالفيهم ضد علوم الفلسفة الدقيقة في المنطق والعلوم الطبيعية. بينما انخدع القسم الآخر بضلالات بعض المتصوفة القائلين بالإباحية وترك تكاليف الشريعة. في حين قيدت الباطنية حرية العقول انطلاقا من مقدماتها الصحيحة بحد ذاتها عن واقعية اختلاف الناس في الفكر، واستنتاجاتها الخاطئة عن عدم الثقة بالرأي. إذ وجد في هذه الفكرة المتشككة استنتاجا لا حجة له ولا دليلاً مقنعاً. اذ كيف يمكن أن يدعي المرء اليقين بالشك؟ أما "الموسومون بالعلم" من الفقهاء والعلماء، فإن أعمالهم من أكل أموال اليتامى والتهافت على القضاء والخضوع للسلطان وأخذ الرشوة قد أفسدت هيبتهم في أوساط العوام والخواص.

ووجد في إنكار الفلاسفة أصل النبوة أفكارا تستند إلى براهينهم التقليدية في الطبيعيات والإلهيات. وهي براهين مبنية، كما يقول في (المنقذ من الضلال) على أساس "تصورهم الأمور على قدر ما وجدوه وعقلوه، وما لم يألفوه قدّروا استحالته"[10]. فهم يقرون بلسانهم النبوة ويطابقون أوضاع الشرع على الحكمة (الفلسفة). انهم يجحدون النبوة بالعقل رغم إيمانهم الظاهرى بها. في حين إن الإيمان بالنبوة كما يقول الغزالي، هو الإقرار بطور ما وراء العقل، وإن الإنسان يستطيع به رؤية ما لا يستطيع العقل بحد ذاته أن يراه، تماما كما لا يستطيع البصر إدراك الصوت والسمع واللون والحواس والمعقولات. بينما رد على الإباحية في (إحياء علوم الدين) و(كيمياء السعادة) وعلى التعليمية الباطنية في (القسطاس المستقيم). في حين تناول في ردوده على الفقهاء والمتكلمين قضية الإصلاح الأشمل للجميع بفعل إدراجهم في أوساط الاتجاهات الأخرى، تماما بالقدر الذي يشكل الفلاسفة والباطنية والمتكلمون فقهاء وعلماء. لقد أراد القول بأن خطأ العلماء في أفعالهم لا يمكنه أن يكون أساسا ملزما لخطأ فكرة النبوة، بما في ذلك في حالة دفاعهم عنها. وسعى في الوقت نفسه إلى إعلاء شأنهم من خلال تحديد مهمتهم الحقيقية في العلم والمعرفة، باعتبارهما مقدمة للعمل. حيث وضع في هذه الوحدة العلمية العملية حوافز الإصلاح الشامل، بفعل إدراكه قيمة العلماء وأهميتهم باعتبارهم ورثة الأنبياء. لاسيما وأن معرفة العالم حجة عليه في خطئه وصوابه، حسنه وقبحه[11]. وذلك لأن العالِم الحقيقي، بنظر الغزالي، لا يقترف معصية إلا هفوة، ولا يصرّ عليها. فالعالِم الحقيقي يدرك حقيقة المعصية باعتبارها سما مهلكا. وذلك لأن العلم الحقيقي هو الذي يزيد صاحبه خشية وخوفا ورجاء. فالمؤمن هو ليس من لا يخطئ. أنه ممن لا ينفك عنه البشر. ولا يدل في الوقت نفسه على ضعف الإيمان. وأن المؤمن "مفتنن توّاب، بعيد عن الإصرار والإكباب"[12].

لقد أدرك  الغزالي موقفه الحقيقي باعتباره داعية ومفكرا متجردا عن مآثر السياسة والسلطة. غير أن تجرده المباشر عن مهمات السياسة المباشرة وتركيزه على قضايا الفكر، لا يعني ابتعاده عن الواقع الاجتماعي المعاصر له. على العكس! لقد أراد أن يثير شعلة الفكر من جديد بما في ذلك من خلال إعادة  النظر بقيم النبوة وفاعليتها الكامنة، باعتبارها المصدر المافوق اجتماعي وسياسي، والكيان الخاطف للحقيقة المطلقة والمتجردة عن تطرف المصالح العابرة. ولم يعن ذلك في الواقع سوى صياغة فكرة الرجوع إلى وحدة المبدأ لا تنوع المصالح. ولهذا السبب يمكن فهم سرّ استعماله لمفاهيم أسباب الفتور والعلاج باعتباره جوهر النبوة العملية. انه وضع أمام نفسه مهمة الإصلاح الشامل. أما النبوة فقد كانت وسيلتها الاجتماعية الروحية الحقيقية. ونعثر على كل ذلك في تصويره الشيق لمعاناته الفكرية الروحية في (المنقذ من الضلال)، عندما اشار إلى ما اسماه بملاحظته ومتابعته في خلوته عن ضعف إيمان الخلق. ووجد نفسه في هذه الحالة مشغولا بمهمة الكشف عن أسبابها وإزالة الشبهات عنها. لاسيما وأن تجربته النظرية، كما يقول عن نفسه، قد اهّلته بالشكل الذي لم يجد معه صعوبة في خوض الجدل الفكري مع الجميع من فلاسفة وباطنية وفقهاء وصوفية. فقد كان هذا الجدل بالنسبة له "أيسر من شربة ماء"[13].

إن التأمل العميق في الشبهات والأسباب القائمة وراء فتور الإيمان بالنبوة والانشداد إلى قضايا الأمة في دينها ودنياها هو الذي أدى، كما يقول في (المنقذ من الضلال)، إلى أن تنقدح في أعماقه رغبة الإعلان المباشرة عن شخصه الإصلاحي. وأن يجد فيه مصيره المحتوم. فقد كانت أعماقه تخاطبه بعباراتها الصريحة قائلة "أتغنيك الخلوة والعزلة وقد عمّ الداء ومرض الأطباء وأشرف الخلق على الهلاك؟ ثم قلت في نفسي متى تشتغل أنت بكشف هذه الغمة ومصادقة هذه الظلمة والزمان زمان الفترة والدور دور الباطل. ولو اشتغلت بدعوة الخلق عن طرقهم إلى الحق لعاداك أهل الزمان بأجمعهم، وأنى تقاومهم فكيف تعايشهم"[14]. لقد كان الغزالي يدرك حقيقة التضحية وقيمتها، وأن خوض الصراع يستلزم تضافر القوة والمناسبة. وهو ما عبّر عنه بالكلمات التي خاطب بها نفسه قائلا "لا يتم ذلك إلا بزمان مساعد وسلطان متدين قاهر"[15]. أما تردده الأولي فقد كان مرهونا بضعف الحجة لحالها. ويعكس هذا الإدراك حالة المفكر الكبير في أطوار "الزمن السيء" وأحواله، وكل ما أدى إلى نقل أفكاره وتفكيره إلى ميدان المعاناة الذاتية. غير انه سرعان ما استحلها إلحاح السلطة وسلطانها "المتدين القاهر" ابتداء بالتدريس وإنتهاء بالدعوة الشاملة للإحياء. وهي المهمة التي استجابت لبواعث قناعاته الذاتية. بحيث لم يجد في طلب السلطان وإلحاحه سوى حركة "قدّرها الله".

فالقدر الذي أوصله إلى تحريك "يد القدر الالهية" في ذاته والسلطان، لم يعن تاريخيا سوى الالتقاء الأكثر مناسبة لوعي قيمة المآثر الفاعلة في قوة الفكر والسياسة. فقد كانت هذه القيمة في إصلاحيتها. وجرى وعي هذا التضافر في تقاليد الثقافة الإسلامية وقرونها الخمسة السالفة. إذ لم ذلك مجرد تكرار لما مضى، بل  والاستعادة الحية لما في مبدأ الوجود الإسلامي الإصلاحي من طاقة لا تنفد، والتي سجلها الحديث الموضوع  القائل، بأن الله وعد بإحياء دينه على رأس كل مائة سنة. من هنا، لم يكن تطابق واعزه الداخلي مع إرادة السلطان مجرد ألعوبة بيد القدر العمياء، أو رغبة الأموات العابرة، بل الفعل الدائم لوعي الحقيقة النبوية ووحيها التاريخي. تماما كما كان الحال بالنسبة لنموذجها الأرقى:محمد! فهو الذي أدى به إلى أن  لا يجد مبررا للخلوة مازالت القناعة واليقين قد بلغا درجة لا معنى معه للانعزال والخلوة. ووجد في ذلك اختيارا واختبارا جديدا له. إذ لا معنى لطلب عزّ النفس وصونها من الأذى مع إدراك استحالة تحقيق الحق  والحقيقة دون تضحية وشقاء. وجعل هذا الإدراك من التجربة النبوية لمحمد مثال استمدادها الحقيقي المعاصر. فقد خاطب القرآن النبي بعبارات "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟ ولقد فتنا  الذين من قبلهم"، و"لقد كذّبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا. ولا مبدّل لكلمات الله". و"إنما ننذر من أتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب". لقد واجه الغزالي "الخطاب الإلهي" في تطويعه الإصلاحي. فهو لم يبحث فيه عن ملاقاة الأزل بالمعاصرة، بل عن وحدة التاريخ الفاعلة في إدراك مصلحتها. فهو الوارث الحق لحقيقة النبوة، أو نبي عصره. وذلك لأن وارث النبي، كما يقول في (الإملاء على مشكل الإحياء) إنما "ورث العلم ليتحمل بعمله ويحل فيه كلمة. والنبي لا ينطق عن الهوى. وحكم الوارث فيما ورث حكم الموروث فيما ورث عنه. فما عرف فيه الحكم من فعل الموروث عنه امتثله، وما لم يصل إليه فيه شيء كان له اجتهاده"[16].

لقد لازم هذا الإدراك انهماكه الفعلي في حركة الإصلاح والتجديد على رأس المائة الخامسة للهجرة. وفعله لم يعد نتيجة لرغباته الفردية ولا توظيفا لنوازع وجوده الشخصي، بل التجسيد الحق لحقيقة النبوة. بمعنى استمداده حقائق المبدأ المطلق لا المصالح العابرة. وقد حلّت هذه الحالة في ذاته مبادئ الكل الإسلامي للدرجة التي كان بإمكانه أن يتلوع فيها كما لو انه "قلب بين أصابع الرحمن". بحيث أدى به  للقول "اني  لم اتحرك ولكنه حركني. واني لم أعمل ولكنه يريني الباطل باطلا ويرزقني اجتنابه"[17]. وبهذا يكون قد ألغى النبوة من طوفانها على ألسنة الدعاة والمتكلمين، والوعاظ والأدباء، وأبقى عليها في حقيقتها باعتبارها منهلا للفعل الحق. انه كبّل حريته بالحق، مما أعطى لأفعاله حرية استمدادها الدائم من حقائق النبوة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

..............................

[1] الغزالي: المضنون به على غير أهله، ص124.

[2] الغزالي: المضنون به على غير أهله، ص152.

[3] للملائكة موقعها المتميز في منظومة الدين الماورائية والعملية. وهو موقع يحدده في الأغلب ثقل المضامين الرمزية المميزة لها في الثقافة. وعموما يمكننا القول، بأن لكل ثقافة ملائكتها الخاصة، باعتبارها المكونات المثالية الدائرة في فلك مبادئها الكبرى. وبهذا المعنى كانت ملائكة الثقافة الإسلامية هي الاجزاء الكبرى المكونة لروحها الماورائي والعملي. أما تعددها أو ثقلها الرمزي في وعيها الاجتماعي فهي الصفة الملازمة لثقل الميتافيزيقيا والأخلاق. من هنا تباين قدرتها وندرتها في منظومات الفكر الإسلامي ونظمه الأخلاقية. وعندما تطرق إليها الغزالي باعتبارها جواهر قائمة بحد ذاتها، فلأنها مثلت في منظومته القوى المثالية للمثال أيضا. فهو يتكلم عنها في (إحياء علوم الدين) باعتبارها قوى حيوية وذهنية ومادية كامنة في الأفعال الحيوية والذهنية والمادية للإنسان والكون. انه طابقها مع الصلات أو الروابط أو الذرات الفاعلة وراء كل ما هو موجود. وقدم في (إحياء علوم الدين) مثالا لذلك على علاقة البدن بالغذاء، قائلا:"إن معنى الغذاء أن يقوم جزء من الغذاء مقام جزء. وذلك الغذاء يصير دما في آخر الأمر ثم يصير لحما وعظما. وإذا صار لحما وعظما تم اغتذاءوك. والدم واللحم اجسام ليس لها قدرة ومعرفة واختيار. فهي لا تتحرك بأنفسها ولا تتغير بأنفسها. ومجرد الطبع لا يكفي في ترددها في أطوارها، كما أن البرّ لا يصير طحينا، فكذلك الدم لا يصير لحما وعظما إلا بصنّاع. والصناع في الباطن هم الملائكة، كما إن الصناع في الخارج هم أهل البلد".  (الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص120.)

[4] لا يغير من ذلك شيئا ذكره في كتاب (الإملاء عن إشكالات الإحياء) ورفضه لآراء أولئك الذين "زل بهم الأمر" فقالوا بإمكانية اكتساب النبوة. وذلك لأن رده هنا كان موجها ضد آراء المعارضة المستهزئة. وإذا كان الغزالي لا يقول صراحة بالنبوة المكتسبة، فإنه فسح المجال أمامها من خلال تأسيس عناصرها الأساسية. إضافة لذلك، إن حديثه عن زلل القائلين بها هو التأسيس الأكثر صرامة لمتطلباتها في منطق الطريق الصوفي.

[5] الغلزالي: المنقذ من الضلال ص142.

[6] الغزالي: الإملاء عن إشكالات الإحياء،ص40.

[7] الغزالي: الإملاء عن إشكالات الإحياء،ص40.

[8] الغزالي: الإملاء عن إشكالات الإحياء،ص40.

[9] الغزالي: الإملاء عن إشكالات الإحياء،ص40.

[10] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص162-163.

[11] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص168.

[12] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص169.

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص157.

[14] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص157-158.

[15] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص158.

[16] الغزالي: الإملاء عن إشكالات الإحياء،ص40.

[17] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص160.

 

محمود محمد علييعد "الفارابي" من أوائل الفلاسفة العرب الذين أدركوا قيمة اللغة وضرورة الإحاطة بها لامتلاك ناصية العلوم المختلفة. وعرف الباحثون والمهتمون بالفكر الفلسفي الإسلامي "الفارابي"، وأدركوا مكانته وأثره في علم الخالدين من أسلافنا بما ترك لنا من مآثر في التراث الفلسفي العربي في مجالاته ومناحيه من فلسفة إلهية، وطبيعية وسياسية وأخلاقية ومنطقية، لكنهم لم يعرفوه كعالم لغوي استطاع أن يطوع اللغة لسائر الأغراض المنطقية والفلسفية والعلمية .

ارتحل "الفارابي" من موطنه إلى بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، عندما بلغ الأربعين من عمره عام 300 هجرية، وكانت بغداد آنذاك مركزاً للحضارة العربية، فعكف على دراسة الطب والموسيقى والفلك والرياضيات وتعلم اللغة العربية وتبحر في النحو والبلاغة وتتلمذ على يد "ابن السراج "، المعروف بتوفيقـه بين مدرستي الكوفة والبصرة في النحو واتصل بالأدباء واللغويين في عصره كالتوحيدي والسجستاني، وأتاح له ذلك ثقافة لغوية عميقة انعكست آثارها على ما تركه لنا من مؤلفات طوع فيها العربية لأنماط مختلفة من المعرفة، بحيث باتت مفرداتها لا يستعصي عليها معنى من المعاني في علوم عصره ومعارفه .

كما تلقى الفلسفة والمنطق على يد جهابذة هذا العصر أمثال "يوحنا بن جيلان"، و"متـي بن يونـس"، اللذين ترجما أكثر كتب التراث اليوناني، حتى تمخضت حياته في عاصمة الخلافة عن نشاط فكري لامع في حقول التأليف والشرح والترجمة في شتى فروع الحكمة والمنطق والسياسة والأخلاق، ليس هذا فحسب، بل إن مصنفاته الفلسفية والمنطقية يبدو فيها الأثر الواضح للعلم اللغوي ككتاب "الألفاظ المستعملة في المنطق"، و كتاب "التنبيه على السعادة "، وكتاب "أيساغوجي"، وكتاب "القياس الصغير"، ثم كتاب "الحروف"، الذي يعد موسوعة لغوية عميقة المعنى .

حاول الفارابي أن يقوم بدور المصلح ما بين المناطقة والنحاة، فقد سمع بالجدل الذي دار بين "متي بن يونس" و" أبو سعيد السيرافي"، عن الادعاءات الكونية التي أفصح عنها مؤيدوا المنطق حينما أعطوا للنحو مكانة ثانوية، حيث كان في بغداد في ذلك الوقت، وكان يعرف مناصري ذلك الجدل: وقد درس معه "يحي بن عدي" تلميذ "متي"، وكانت تربطه علاقة علمية وثيقة مع شيخ "أبو سعيد السيرافي" وهو " أبو بكر بن السراج "، حيث كما ذكرنا من قبل أن الفارابي "كان يتلقى عليه النحو، وأنهما اتفقا علي ضرورة الاستفادة من قواعد المنطق في خدمة النحو " ، قال ابن أبي أصيبعة:" وفي التاريخ أن الفارابي كان يجتمع بأبي بكر بن السراج فيقرأ عليه صناعة النحو وابن السراج يقرأ عليه المنطق ..". وحسب أحد المصادر أخطأ ابن السراج في جمهرة من النحويين وعنفه صاحبه بشدة: " فقال قد ضربتني يا أبا اسحق وأدبتني وأنا تارك ما قد درست مذ قرأت هذا الكتاب يعني كتاب سيبويه، لأني تشاغلت عنه بالمنطق والموسيقي، والآن أنا أعاود" .

ومهما يكن صدق هذه الرواية، فليس من شك في أن النحويين كانوا ينظرون للمنطق والنحو علي أنهما متضادان، بينما حاول الفارابي أن يؤسس العلاقة بين العلمين، وقد ساعده علي ذلك معرفته الواسعة باللغة العربية واطلاعه علي اللغة الإغريقية جعله يعي الفروق بين اللغات، وقد اشتغل فعلاً بمقارنتها مع بعضها من وجهة نظر عالم المنطق، حيث إن المعاني التي تعبر عنها اللغات المتنوعة كونية، بيد أن الطريقة التي تعبر لغة معينة عن هذه المعاني تكون مختلفة .

علاوة علي أن مصاحبته لابن السراج النحوي كانت تمثل جزءاً أساسياً من برنامجه، الذي كان يهدف إلي عقد المصالحة بين العلمين وتجنب الأخطاء التي اقترفها "متي بن يونس" في جدله مع " أبي سعيد بن السيرافي"، وعندما سأل "أبو سعيد " "متي بن يونس"، عن معاني حرف الجر " في " في اللغة العربية، فإن جهله بالعبارات المتنوعة التي يستخدم فيها الحرف "في" في اللغة العربية قد أبطل ادعاءاته بالمصداقية الكونية للمنطق .

وكان الفارابي يود أن يبين أن ادعاءات الفلاسفة له ما يسوغه طالما أن نفاذ بصيرتهم إلي قواعد العبارات، ربما أسهم في دراسة اللغة العربية . ولكي يؤسس لهذا الادعاء وهو ملائمة المنطق لدراسة النحو، فقد طور نظرية أصل اللغة من وجهة نظر عالم المنطق، وقد كشف فيها عن إدراكه للفروقات ذات العلاقة بين اللغات بوجه عام، وبين اللغة الإغريقية واللغة العربية بوجه خاص . وبخلاف " متي بن يونس"، الذي كان يرغب في الاستحواذ علي الحقل المعرفي الجديد ذي الأصول الإغريقية، كان هدف الفارابي أن يدمج الحقلين ببعضهما بمستوي أعلي . وترتبط هذه السمة في تفكير الفارابي من غير شك بمبدأ الكونية لديه وقناعته بأن المنطق لا بد أن يتعامل مع شئ ما يتخطي مجال أية لغة معينة ويكون مشتركاً بين جميع اللغات.

ومن بين الأسئلة اللغوية التي كانت تشغل بال الفارابي، كما كانت تشد اهتمام مفكري عصره، تلك الأسئلة التي عكستها المناظرة التي كانت بين "أبي سعيد" و"متي بن يونس ". ولم تكن هذه المناظرة التي انتصر فيها "أبو سعيد " علي "متي" مناسبة لبلوغ الصراع أشده بين البيان منهجاً ورؤية وبين المنطق الوافد علي الثقافة العربية الإسلامية، منهجاً ورؤية . إنها كانت إعلاناً عن بلوغ الصراع أوجه بين منطق البيان ومنطق البرهان . لقد كان لا بد إذاً من بناء تصور شامل يتم في إطاره، وبالاستناد إليه ترتيب العلاقة بين المنهجين والرؤيتين: بين النحو والمنطق من جهة، وبين الفلسفة والملة من جهة أخري، وتلك هي المهمة المضاعفة التي اجتهد الفارابي في القيام بها .

وهنا راح الفارابي  يجيب في العديد من مؤلفاته علي الأسئلة التي لم يتمكن "متي  بن يونس" من الإجابة عنها أو أجاب عنها إجابة غير مقنعة، لذلك وجدنا "أبو نصر"، يثير في أكثر من مناسبة علاقة النحو بالمنطق، ويتعرض في كتاب (الحروف) لمعاني الحروف ومواقعها، وأصل اللغة ونشأتها، وعلاقتها بالفلسفة والملة، ونشأة علوم اللسان والصنائع العملية والقياسية، ومسألة الترجمة ونقل المعاني من لغة إلي أخري، واختلاف اصطلاحات اللغات ومواضعاتها، ودلالة الألفاظ علي المعاني، وعلاقة الشكل اللفظي بالمعني العقلي يدحض بكل ذلك ما ادعاه "أبو سعيد" من أن المنطقيين لا يصرفون عنايتهم إلي اللغة التي يتحاورون بها ويدارسون أصحابها بمفهوم أهلها .

ونجد أكثر المعالجات انتظاماً للعلاقة بين المنطق والنحو في كتاب آخر للفارابي وهو " إحصاء العلوم"، حيث يضع الفارابي النحو ضمن منظومة العلوم . وحسب رأيه فإن للنحو دوراً مهماً يؤديه، وربما ليس من قبيل المصادفة أن نجد في تصنيفه للعلوم أن يحتل النحو الموقع الأول، ثم يتبعه المنطق، وعلي الرغم من أنه لا يخفي أفكاره المتعلقة بكونية المنطق مقارنة بخصوص النحو، إلا أن الفارابي لا يقع في الخطأ نفسه الذي وقع فيه "متي بن يونس "، عندما قلل من شأن النحو والنحاة، بل إن للعلمين مكانتهما الخاصة التي لا يمكن إنكارها .

ومن هنا أخذ الفارابي يولي الألفاظ بالأسبقية على المعاني، فيقول:" إن صناعة النحو التي تشتمل على أصناف الألفاظ الدالة لابد أن تكون مقدمةً أو مدخلاً في الوقوف والتنبيه على أوائل هذه الصناعة (المنطق)، بل وينبغي على المنطقي أن يتولى بحسن تعديد أصناف الألفاظ التي من عادة أهل اللسان الذي به يدل على ما تشتمل عليه هذه الصناعة، إذا اتفق إن لم يكن لأهل ذلك اللسان صناعة تعدد فيها أصناف الألفاظ التي هي لغتهم" .

ولم يكتف بذلك، بل يصرح أن اللغة أسبق من الفكر، فيقول: "إن علم اللغة يعتبر مدخلاً أساسياً حتى لعلم المنطق ذاته "، ومن ثمَّ يضع علم اللغة أول العلوم، وقد سماه "علم اللسان"، ثمَّ يليه علم المنطق، ثمَّ باقي العلوم الأخرى". ويُعد الفارابي بشهادة بعض الباحثين "أول من رأي أهمية علم اللغة لدراسة المنطق، وهو يشير إلى علم اللغة بفروعه المختلفة من نحو، وصرف، وكتابة، وقراءة، ويعطي مبحثًا في أنواع الألفاظ، وقواعد كل نوع ".

ولذلك خصص الفارابي القسم الأول من كتابه " إحصاء العلوم" لتعريف علم اللسان فيقول:" علم اللسان في الجملة ضربان: أحدهما حفظ الألفاظ الدالة عند أمة ما وعلم عليه شئ منها، والثاني علم قوانين تلك الألفاظ، وعلم اللسان عند كل أمة ينقسم سبعة أجزاء عظمي: علم الألفاظ المفردة، وعلم الألفاظ المركبة، وعلم قوانين الألفاظ عندما تكون مفردة، وقوانين الألفاظ عندما تركب، وقوانين تصحيح الكتابة، وعلم قوانين تصحيح القراءة، وقوانين الإشعار " .

ما يهمنا من هذا التعريف أنه كان النواة التي انطلق منها الفارابي ليبين التناسب القائم ما بين صناعة المنطق وصناعة النحو، فهو يشير في التعريف إلي (الألفاظ) و( القوانين)، وإن العلاقة بينهما بما فيها من تلازم وتكامل تمثل العلاقة بين صناعة النحو وصناعة المنطق التي تعتمد علي التداخل وتبتعد عن التعاند والتنافر، يقول:" فصناعة المنطق تعطي بالجملة القوانين التي من شأنها أن تقوم العقل وتسدد الإنسان نحو طريق الصواب ونحو الحق في كل ما يمكن أن يغلط فيه من المعقولات . وهذه الصناعة تناسب صناعة النحو، ذلك أن نسبة صناعة المنطق إلي العقل والمعقولات كنسبة صناعة النحو إلي اللسان والألفاظ، فكل ما يعطينا علم النحو من القوانين في الألفاظ، فإن علم المنطق يعطينا نظائرها في المعقولات، وتناسب علم العروض، فإن نسبة علم المنطق إلي المعقولات، كنسبة العروض إلي أوزان الشعر" .

والنتيجة أن النحو ضروري في ميدانه كما أن المنطق ضروري في ميدانه، يقول الفارابي:" قول من زعم أن المنطق فضل لا يحتاج إليه إذا كان يمكن أن يوجد في وقت ما إنسان كامل القريحة لا يخطئ الحق أصلاً من غير أن يكون قد علم شيئاً من قوانين المنطق كقول من زعم أن النحو فضل إذ قد يوجد من الناس من لا يلحن أصلاً من غير أن يكون قد علم شيئاً من قوانين النحو، فإن الجواب في القولين جميعاً واحد " .

إن هذا الكلام هو رد مباشر علي ما ادعاه "أبو سعيد السيرافي" في مناظرته مع "متي بن يونس"، من أن المنطق لا حاجة إليه، وأن المعرفة باللغة العربية ونحوها تغني عنه . لذلك رأي الفارابي أن حل هذه المشكلة يكمن أولاً في ترتيب العلاقة بين النحو والمنطق من حيث علاقة كل منهما باللفظ والمعني، وهذا الترتيب سيؤدي إلي حسم النـزاع، وقد لجأ الفارابي إلي معالجة المسألة من زاوية الخصوص والعموم . فالنحو خاص لأنه يتعلق باللغة، واللغات عديدة مختلفة، وبالتالي فإن لكل لغة نحوها . أما المنطق فهو عام لأنه يتعلق بالعقل، والعقل واحد لدي الناس جميعاً، يقول: " المنطق يشارك النحو بعض المشاركة بما يعطي من قوانين الألفاظ، ويفارقه في أن علم النحو إنما يعطي قوانين تخص ألفاظ أمة ما، وعلم المنطق إنما يعطي قوانين مشتركة تعم ألفاظ الأمم كلها ".

ويبرر الفارابي ذلك بأنه " توجد في ألفاظ الأمم أحوال مشتركة من جهة أن الألفاظ منها مفردة ومنها مركبة، ومنها موزونة وغير موزونة .أما ما يخص كل لسان فمثاله أن الفاعل في العربية مرفوع وأن المضاف إليه لا يدخل فيه ألف ولام التعريف، وهكذا نجد في كل لغة ما يميزها من غيرها من اللغات ".

علاوة علي أن النحو والمنطق يشتركان في ناحية الموضوعات: فالمنطق موضوعه المعقولات من حيث تدل عليها الألفاظ، أما النحو فموضوعه الألفاظ من حيث هي دالة علي المعقولات، لذلك فعندما يتعرض المنطق للألفاظ فإنه يبحث في أحوالها العامة ويترك الأحوال الخاصة لعلم النحو . ويؤكد الفارابي هذا التشابه بين العلمين في كتابه " التنبيه علي سبيل السعادة "، حيث يقول: " وبين صناعة النحو وصناعة المنطق تشابه ما  وهو أن صناعة النحو تفيد العلم بصواب ما يلفظ به والقوة علي الصواب منه بحسب عادة أهل لسان ما، وصناعة المنطق تفيد العلم صواب ما يعقل والقدرة علي اقتناء الصواب فيما يعقل، وكما أن صناعة النحو تقوم اللسان حتي لا يلفظ إلا بصواب ما جرت به عادة أهل لسان ما، كذلك صناعة المنطق تقوم الذهن حتي لا يعقل إلا الصواب من كل شئ " .

هذا عن التشابه بين العلمين، وإذا وجد في النحو شئ من العناية بالأحوال العامة فذلك عائد إلي طبيعة اللغة التي يبحث النحو قوانينها:" فعلم النحو في كل لسان إنما ينظر فيما يخص لسان تلك الأمة وفيما هو مشترك له ولغيره لا من حيث هو مشترك، لكن من حيث هو موجود في لسانهم خاصة ، فهذا هو الفرق بين نظر أهل النحو في الألفاظ وبين نظر أهل المنطق فيها:... [لأن] المنطق فيما يعطي من قوانين تشترك فيها ألفاظ الأمم ويأخذها من حيث هي مشتركة، ولا ينظر في شئ بما يخص ألفاظ أمة ما، بل يوصي أن يؤخذ ما يحتاج إليه من ذلك عن أهل العلم بذلك اللسان " .

ويوضح الفارابي ذلك بنص يفيد أن النحويين العرب قد قسموا الكلام في العربية إلي اسم وفعل وحرف، أما أهل النحو في اليونان فقد قسموا أجزاء القول إلي اسم وكلمة وأداة، فهذا الاشتراك في التقسيم موجود في اللغة العربية واليونانية وربما في غيرها من الألسنة، فأهل النحو العربي يدرسونه علي أنه في لغتهم، واليونانيون يدرسونه علي أنه في اليونانية ، وفي هذا يقول الفارابي:" وما وقع في علم النحو من أشياء مشتركة لألفاظ الأمم كلها، فإنّما أخذه أهل النحو من حيث هو موجود في ذلك اللسان الذي عمل النحو له، كقول النحويين من العرب: إنَّ أقسام الكلام في العربية اسم وفعل وحرف. وكقول نحويي اليونانيين: أجزاء القول في اليونانية اسم وكلم وأداة. وهذه القسمة ليست توجد في العربية فقط، أو في اليونانية فقط، بل في جميع الألسنة. وقد أخذها نحويو العرب على أنها في العربية، ونحويو اليونانيين على أنها في اليونانية " .

إنَّ نظرية الفارابي هذه في أصالة علم العربية، في ألفاظها ونحوها وصرفها ونثرها وموزونها لا تنفي مطلقاً استخدام اللغويين والنحاة علم المنطق من حيث هو أداة التفكير الصحيح، شأنهم في ذلك شأن العلماء الآخرين في شتى مجالات المعرفة. فقد استخدم النحاة المتأخرون المنطق كما استخدمه الفقهاء والمتكلمون والعلماء الآخرون في بحوثهم العلمية والجدلية ..... دون أنْ يمسّ ذلك موضوع أصالة تلك العلوم .

علاوة علي أن الفارابي قد أرسي دعامة العلاقة العضوية بين الفكر واللغة، وجعل منها جزءاً أساسياً من نظرته الكلية لعلم اللسان. فالمنطق، على حدّ تعبيره، مشتق من النطق. وهذه اللفظة تقال عند القدماء على ثلاثة معانٍ: أحدها القول الخارج بالصوت، وهو الذي به تكون عبارة اللسان عما في الضمير. والثاني: القول المركوز في النفس، وهو المعقولات التي تدل على الألفاظ. والثالث: القوة النفسانية المفطورة في الإنسان، التي بها يميز التمييز الخاص بالإنسان دون ما سواه من الحيوان. وهي التي بها يَحْصَل للإنسان المعقولات والعلوم والصنائع، وبها تكون الروية. وبها يميّز بين الجميل والقبيح من الأفعال. وهي توجد لكل إنسان حتى في الأطفال، لكنها نزرة لم تبلغ بعد أن تفعل فعلها .

ومن هنا نجد أن الفارابي ما فتئ يؤكد العلاقة الحميمة بين المنطق بمفهومه العقلي وبين النطق والقول، ويذهب في ذلك إلى البحث في الجذور التاريخية لمعاني هذه المصطلحات. ويعود إلى هذه الفكرة في أماكن متعددة من مؤلفاته في "إحصاء العلوم"، وفي رسالته "التنبيه على سبيل السعادة" وغيرها ، ويمكننا أن نستبين معالم فلسفته العقلية في نظرته إلى علم اللسان، لا سيما في مجال النطق الذي اشتهر به، إذ يقول:" وأما موضوعات المنطق، وهي التي فيها تُعطى القوانين، فهي المعقولات من حيث تدل عليها الألفاظ، والألفاظ من حيث هي دالة على المعقولات. وذلك أن الرأي إنَّما نصححّه عند أنفسنا بأن نفكر ونروِّي ونقيِّم في أنفسنا أموراً ومعقولات شأنها أن تصحح ذلك الرأي". ثم يواصل حديثه حيث يقول: " ..... بل نحتاج في كلّ رأي نلتمس تصحيحه إلى أمور ومعقولات محدودة، وإلى أن تكون بعددٍ ما معلوم، وعلى أحوال وتركيب وترتيب معلوم. وتلك ينبغي أن تكون حالها وألفاظها التي بها تكون العبارة عنها، عند تصحيحها لدى غيرنا. فلذلك نضطر إلى قوانين تحوطنا في المعقولات وفي العبارة عنها، وتحرسنا من الغلط فيها. وكلتا هاتين أعني المعقولات والأقاويل التي بها تكون العبارة عنها يسميها القدماء "النطق والقول". فيسمون المعقولات القول، والنطق الداخل المركوز في النفس والذي يعبّر به عنها القول.

ويعود الفارابي إلى هذه الفكرة الأساسية في نظريته اللغوية فيقول في رسالته "التنبيه على سبيل السعادة": "فاسم العقل قد يقع على إدراك الإنسان الشئ بذهنه، وقد يقع على الشئ الذي به يكون إدراك الإنسان. وهذه الصناعة تفيد الخير والسعادة بهدين الأمرين جميعاً، وبها يتقومان. والأمر الذي به يكون إدراك الإنسان – وهو أحد الأمرين اللذين يقع عليهما اسم العقل. – قد جرت العادة من القدماء أن يسموه النطق. واسم النطق قد يقع أيضاً على التكلم والعبارة باللسان. وعلى هذا المعنى يدل اسم "النطق" عند الجمهور وهو المشهور من معنى الاسم .

وأما القدماء من أهل هذا العلم، فإنَّ هذا الاسم يقع عندهم على المعنيين جميعاً. والإنسان قد يصدق عليه أنه ناطق بالمعنيين جميعاً، أعني من طريق أنه مُعبِّر، وأنَّ له الشئ الذي به يدرك، غير أن القدماء يعنون بقولهم في الإنسان إنّه ناطق أنّ له الشيء الذي به يدرك ما قصد تعرفه .

ويعزو الفارابي اللبس في فهم العلاقة بين المنطق وعلم اللسان بعامة وعلم النحو بخاصة، إلى عدم تحديد مفهوم هذه المصطلحات في مسيرتها التاريخية، وأن مفاهيمها قد اختلفت، لا سيما فيما يتعلق بدلالات "النطق" و"المنطق" و"القول" و"الأقاويل" ... إذ يقول:"ولما كان اسم النطق والمنطق، قد يقع على العبارة باللسان، ظن كثير من الناس أن هذه الصناعة قصدها أن تفيد الإنسان المعرفة بصواب العبارة عن الشئ، والقوة على صواب العبارة. وليس ذلك كذلك. بل الصناعة التي تفيد العلم بصواب العبارة والقدرة عليه هي صناعة النحو. وسبب الغلط في ذلك هو مشاركة المقصود بصناعة النحو المقصود بهذه الصناعة في الاسم فقط، فإنَّ كليهما يسمى باسم المنطق، غير أن المقصود في هذه الصناعة من المعنيين اللذين يدل عليهما اسم المنطق هو أحدهما دون الآخر .

ثم يعود الفارابي إلى توضيح العلاقة بين النحو والمنطق بمفهومه العقلي الذي وضع تعاليمه ونهَّج مسالكه وقرّب موارده إلى المتعلمين. وهو في ذلك لا يخرج عن القواعد التي أصَّلها في فهم علم النحو. يقول أبو نصر الفيلسوف: "... لكن بين صناعة النحو وبين صناعة المنطق تشابه ما، وهو أن صناعة النحو تفيد العلم بصواب ما ننطق به، والقوة على الصواب منه بحسب عادة أهل لسان ما، وصناعة المنطق تفيد العلم بصواب ما يُعْقَل والقدرة على اقتناء الصواب فيما يعقل. وكما أنّ صناعة النحو تقوّم اللسان حتى لا يلفظ إلا بصواب ما جرت به عادة أهل لسان ما، كذلك صناعة المنطق، تقوّم الذهن حتى لا يعقل إلا الصواب من كلّ شئ. وبالجملة فإن نسبة صناعة النحو إلى الألفاظ هي كنسبة صناعة المنطق إلى المعقولات .

والخلاصة، فإننا نجد أنفسنا أمام نظرية لغوية متكاملة وضع الفارابي الخطوط الرئيسة لبنيتها الأساسية. فقد تحدث عن "علم اللسان" العام وعن أصوله العلمية التي تشترك فيه ألسنة الأمم المختلفة. ونظر إلى اللغة نظرة كلية ومتكاملة. وإن هذه العمومية التي رآها في بنية علم اللسان العام قد وجدت طريقها في منهجه العلمي عندما تحدث عن الأجزاء السبعة العظمى التي رأى أن علم اللسان ينقسم إليها. وتوقف وقفة متأنية وعميقة عند "علم النحو"، سواء ما كان منه عاماً ومشتركاً بين ألسنة الأمم المختلفة أم ما كان نحو لسان من الألسنة لأمة من الأمم. وكان تأكيده العلاقة العضوية بين اللغة والفكر وبين الألفاظ ومدلولاتها سمة مميزة لنظريته اللغوية، وربما لا نعدو الصواب إذا قلنا: إننا نلمس عنده أصول النظرية الحديثة التي مؤداها أن الإنسان يفكر من خلال اللغة وأن وضوح اللغة دليل على وضوح الفكرة وبالتالي فإن سلامة اللغة ودقة التعبير ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بسلامة التفكير. وكان الفارابي في كل ذلك يبحث عن أمثلته في اللغة العربية، ويشير أيضاً إلى نظائرها في اللغة اليونانية، من أجل توضيح الفكرة وتقريبها إلى أذهان المتعلمين .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

بشار الزبيديبقلم: شتيفان بومر

ترجمة عن الألمانية: بشار الزبيدي


كما يحدث مع أي شخصية عظيمة، تعرضَ مُحي الدين بن عربي (1165-1240) للكثير من النقدِ والاتهامات بسبب أفكارهِ إلا أن هذا الأمر قد يعكس واقعية الرؤى التي كان يتمتع بها ابن عربي ؛ فمن علمهِ إستقى الآخرين وصنعوا لأنفسهم مكانة. وهكذا فإن العديد من القُصصِ والأساطيرِ التي تتحدث عن ابن عربي هي شاهد على إتقانهِ المُطلق لوظيفةِ المُعلم والقائد الروحي. وحتى اليوم ما زال يُطلق عليه الكثيرون "الشيخ الأكبر".

ولد محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي الشهير ب مُحيي الدين بن عربي  في مدينةِ مُرسية الإسبانية لعائلةٍ مرموقة أجبرتها أحداث الحرب عام 1172 على الانتقال إلى مدينة إشبيلية، حيث أمضى ابن عربي شبابه هناك. ثم قام برحلاتٍ كثيرة إلى الأندلُسِ وإفريقيا والشرق الأوسط ومكنه هذا الأمر من الدخول مُبكرًا في تواصلٍ شخصي مع أهمِ الصوفيين والكهنةِ والفلاسفةِ في عصرهِ. وظلَ لفترةٍ طويلةٍ في مصرِ والعِراقِ وسوريا وتركيا. وفي عام 1223 استقر به المقام في دمشق حيث مكثَ هُناك مع مجموعةٍ من التلاميذِ حتى وفاته فيها.

على الرغم من أنه صنع العديد من الأعداءِ لنفسهِ باعتبارهِ ناقدًا صريحًا للعقيدة الدينية والفلسفية إلا أنه ما فتئ يحظى باحترامٍ عالٍ على اعتباره أحد أكابر الصوفيين في جميع العُصُور وكمُدرسٍ لحالةٍ لا مثيل لها. ألقاب مثل "الشيخ الأكبر" و "قطب المعرفة" و "دكتور ماكسيموس" شاهد على احترام الشرق والغرب له. دَرَسَ ابن عربي  بصفته أول مُمثل للصوفية وبوضوحٍ كبير في الرؤيةِ الوحدة المُطلقة للوجود ومسارات الكشف الذاتي وهي رسالة تنطوي على إمكاناتٍ لا تُقدر بثمنٍ للتفاهمِ بين الثقافات وخاصة في أوقاتِ التعصُبِ الديني الشرس والوهم الأصولي.

بفضلِ كتاباته العديدة المحفوظة بعناية فإن سيرة ابن عربي الأدبية موثقة بشكلٍ جيد. قضى ابن عربي كُل حياته في الدراسةِ ككاتبٍ ومُعلم روحي. وفي الوقتِ نفسه انغمسَ في بيئتهِ الاجتماعية وفي السياسةِ ما جعله مُستشارًا لبعضِ المُلُوك. كان عمله واسع النطاق ومعرفتهِ ومُنجزاته الأدبية وفقًا لأحدث الأبحاث تقدر بما لا يقل عن 350 وهي جزأ من أعمالهِ الموسوعية. ولذلك ليس محض صدفة أن يُكنى ابن عربي ب "قُطب المعرفة" في بعضِ التقاليدِ الإسلامية.

كان الوقت الذي عمل فيه ابن عربي مُضطرب ومُتغير روحانيًا أيضاً بالنسبةِ لليهودِ والمسيحيين. كان ذلك في وقت كانت فيه المُجتمعات الدينية الإبراهيمية الثلاث على اتصال قوي ومباشر مع بعضها البعض. ما تزال أعمال ابن عربي الأدبية لها تأثير تصالحي فجميع الديانات الإبراهيمية الثلاث تعبد إله واحد تحت سقفٍ واحد. ويجد المرء مثلاً هذا التصالح في إحدى قصائده:

“قد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي .. إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقد صارَ قلبي قابلاً كلَ صُورةٍ ..... فمرعىً لغزلانٍ ودَيرٌ لرُهبانِ

وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ ......... وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ

أدينُ بدينِ الحبِ أنّى توجّهتْ ...... ركائبهُ، فالحبُّ ديني وإيمَاني”

عبقرية فريدة في التربية الصوفية

ابن عربي هو عبقري فريد من نوعه في عالم التربية الصوفية. حتى القرن العشرين لم يكن معروفًا نسبيًا في الغرب، كان مُبجل من قبلِ الصوفيون لأنه اقتحم" العالم الإسلامي في مطلع القرن الثالث عشر.

كتب أكثر من 350 كتابًا ومقالًا. وكانت أعماله في أعلى مستويات الجودة وتستحق الاعتراف بها ككلاسيكيات للروحانية الغربية. أعماله تتعامل مع كل جانب من جوانب التعليم الروحي وتشرح ليس فقط جميع العلوم الإسلامية التقليدية للقرآن والأحاديث النبوية الشريفة، وإنما أيضًا كُل التقاليد النبوية الكاملة للغرب. إنه يقدم هذا التقليد وفقًا لمعناه الداخلي ويعرضه ضمن كيان مُتماسك. ويقدم أيضًا تعليقًا على التقليدِ الروحي الذي نشأ في الإسلامِ لنحوِ مائة عام ؛ لقد وضع ابن عربي كل العقائد والأشكال المختلفة للمعرفة الصوفية في السياق الأوسع للروحانية الإنسانية.

أن الميزة الأبرز لهذه الكتابات هي شموليتها واتساعها، إلى جانب اختراق مُذهل للمواضيعِ المركزية للتجربةِ الإنسانية. وقليل من الناسِ يستطيعون الادعاء بأنهم قرأوا أكثر من جزء من هذه الأعمال وعدد أقل ممن يجرؤون القول بأنهم فهموها. إنها تُمثل كنزًا لا يُضاهى لجميعِ باحثي الحقيقة الحقيقيين وتصوغ أو تتنبأ برؤى تعزو بشكل عام إلى شخصيات لاحقة. وهكذا فإن مفهوم التطور البشري  قبل عدة قرون من ظهوره في الغرب، ظهر في واحدة من قصائدهِ.

من الواضح أيضًا أن أعماله لها قوة ملحوظة تستطيع تغيير حالة وعقلية القُراء. لطالما أثار ابن عربي مشاعر قوية ولم تُعتبر كتاباته "سهلة" إطلاقاً. وبينما كان يُعتبر بالنسبة للبعضِ نموذجٍ للقداسةِ والإدراكِ الحقيقي الروحي، رآه آخرين شخصية إلحادية مُثيرة للجدلِ إلى حدً ما. يبدو أن كل هذا يعكس أو يعبر عن أحكامِ مُسبقة وأفكار عقائدية في عقول وقلوب قُرائه أكثر مما يُعطي صورة واضحة عن موعظتهِ. وكما هو الحال مع جميعِ العباقرة العُظماء، فإن الهوية والمبادئ الإنسانية الحقيقية غالبًا ما كانت محجوبة بسببِ الجدل الأيديولوجي أو سوء الفهم الشعبي.

تاريخيا، يُعد ابن عربي حد فاصل يوحد بين الروايات الشفوية السابقة والتوليفات التحريرية،ليمثل بذلك تتويجاً على مدار خمسة قرون ونصف من الروحانيةِ الإسلامية وبعد مرور ثمانية عشر عاماً على وفاتهِ، زعزعت الغزوات المغولية لمنطقةِ الهلال الخصيب الجزء الأكبر من الحضارة الإسلامية في الشرق وغيرت وجه الشرق الأوسط إلى الأبد. ومع تعافي الثقافة الإسلامية من هذه الكارثة الملحوظة،اخترقت تعاليم ابن عربي العالم الإسلامي،خاصة تركيا وإيران. وأصبحت مُصطلحاته أساسًا للتعاليم الصوفية اللاحقة،وكانت أعماله تمثل أهم اتجاه لجميع الرِهَابٌ العظيمة مثل، القادرية  والمولوية و النقشبندية.

لا أحد يستطيع أن يدعي بأنه كان ذو تأثير في العالمِ الإسلامي مثل المعلم الروحي محي الدين بن عربي. النقش فوق باب قبره في دمشق هو بيت شهير كتبه بنفسه. وعلى الرغم من أن البعض يعتبره مُباهاة وغرور، إلا أن البيت الشعري يُظهر وعيًا رائعًا بمركزهِ على اعتبارهِ مُعلماً روحيًا:

 " لكل عصرٍ واحدٌ يسمو به وأنا لهذا العصرِ ذاك الأوحدُ "

أساس العقيدة الإسلامية هو عقيدة التوحيد (تأكيد وحدة الله) ومحققات التوحيد تكمن في صميم شخص ابن عربي وعلمهِ. وبينما رأته الأجيال اللاحقة ككاتب عظيم، كان يُنظر إليه في حياتهِ كصوفي استثنائي، وشخص لديه نظرة ثاقبة عن الطبيعة البشرية وله فهم عميق قادراً على التدريسِ بالكلمةِ والعملِ. لقد كان أحد الأشخاص الذين أدركوا طبيعتهم الحقيقية من خلالِ التجربة وحالة الوعي بدلاً من التفكير الذهني. ومع ذلك وفي الوقت نفسه، كان قادرًا على التعبيرِ عن رؤيته شفهياً بالكلماتِ.

يجب أن تُحسب حياة ابن عربي ضمن السير الذاتية الاستثنائية للإنسانية. أي شخص يأتي من بعده لا يُمكنه إلا أن يكون مُمتنًا لثروةِ الأفكار التي كتبها وكتبها معاصريه عن تجربته. وفي الحقيقة يعود الفضل أساساً في إننا نعرف الكثير عن حياة ابن عربي الباطنية والظاهرية إلى أوصافهِ وكتاباتهِ الخاصة. كتب أحد معاصريه وهو صفي الدين بن أبي المنصور، الذي قابله في دمشق خلال الفترة الأخيرة من حياته، عنه ما يلي:

"كان مُحْيِي الدين بن عربي من أكبر علماء الطريق، جمع بين سائر العلوم الكَسْبِيَّة، وما قرأ من العلوم الوهبية.و شهرته عظيمة، وتصانيفه كثيرة. وكان غلب عليه التوحيد علما وخلقا. لا يكترث الوجود مقبلا كان أو مُعرضًا، وله أتباع علماء، أرباب مواجيد، وتصانيف".

كتب ابن عربي كما ذكرنا سلفاً ما لا يقل عن 350 عملاً، بدءاً من كتاب الفتوحات المكية، التي تملأ آلاف الصفحات باللغة العربية وصولاً إلى عدد لا يحصى من المقالات. يتكون الاختيار الذي سنقدمه من كُتُبهِ التي يُمكن أن تُصنف كأعمال رئيسية له وقد تعطي للشخص العادي نظرة عامة عن كتاباتهِ. تم اختيارها بسبب الإشارات المتكررة لها في كتاباته الخاصة وتوفرها كمطبوعات، ولكن يجب أن نذكر أن هذه القائمة ليست شاملة بأي حال من الأحوال.

كان تصنيف أستاذ الدراسات الصوفية عثمان يحيى، المكون من مجلدين عام 1964 "مؤلفات ابن عربي تاريخها وتصنيفها"  هي المحاولة الأولى والوحيدة لفهم نطاق أعمال ابن عربي. سيتم ترتيب الاختيار الحالي بشكلٍ تقريبي وفقًا للعناوين القصيرة ترتيبًا زمنيًا، على الرغم من أن إكمال بعض الأعمال استغرق سنوات عديدة وتمت إعادة كتابة بعضها.

من أعمال ابن عربي الشهيرة:

مشاهد الأسرار القدسية، التدبيرات الإلهية، الإسراء إلى المقام الأسرى، مواقع النجوم، عنقاء مغرب، إنشاء الدوائر، مشكاة الأنوار، حلية الابدال، روح القدس،التنازلات الموصلية،الجلال والجمال، ﻛﻨﻪ ﻣﺎ ﻻ ﺑﺪ ﻟﻠﻤﺮﻳﺪ ﻣﻨﻪ، إشارات القرآن في عالم الإنسان، رسالة الأنوار، كتاب الألف، أيام الشأن، الفناء في المشاهدة، ترجمان الأشواق،اصطلاحات الصوفية،  كتاب الأسفار، العبادلة، فصوص الحكم، فهرست المؤلفات، إجازة للملك المظفر، نسب الخرقاء، أوراد الأسبوع، الديوان الكبير، الفتوحات المكية.

 

 

ميثم الجنابي "الأنبياء أطباء أمراض القلوب"

(الغزالي)

النبوة ودرجات اليقين المعرفي: إن رفع النبوة فوق مصاف العقل الكلامي لم يعن رفعها في أفلاك اللاعقلانية وأسرارها المسحورة بافتنانها الخيالي، بل إدراجها في مدار ما وراء العقل. وهذا بدوره ليس إلا مدار إدراك العقل لبعض خواصها لا حقيقتها الكلية. لهذا أكد في (المنقذ من الضلال) على أن حقيقة النبوة لا تدرك إلا بالذوق الصوفي. وفي حال عدم قدرة المرء بلوغ ذلك فإن من الممكن تيقنها بالتجربة والتسامع في مصاحبة الصوفية بحيث يستطيع رؤية ذلك وملاحظته "بقرائن الأحوال". وإن لم تتوفر له فرصة مصاحبة الصوفية، فإنه يستطيع أن يتيقن ذلك بشواهد البرهان[1]. فالإيمان هو الدرجة الأولى والبسيطة، والبرهان هو الدرجة الأرقى والأرفع. أما البرهان الذي تكلم حوله الغزالي فهو مقرون بحقيقة القلب الإنساني، وما يتميز به عن الموجودات الأخرى، وبالأخص تميزه بالعلم و الإرادة، بمعنى وحدة الوجود الطبيعي بالرقي المعرفي الأخلاقي. وذلك لأن المعرفة الإنسانية لا يمكنها أن تتعدى، بما في ذلك عند النبي، حدود التجربة العملية والفكرية. فالتجارب العملية والفكرية هما رصيد وخزانة المعرفة المرهونة بإرادة الإنسان، تماما كما هو الحال بالنسبة للكاتب الحاذق، يقال له كاتب مع انه لم يكتب. غير أن وجود قدرته هي الرصيد أو الخزانة الدائمة. وفي هذا تتفاوت قدرات الناس رغم كونها غاية الإنسانية ودرجتها[2].

فالجميع يمتلك القدر الضروري من العلم والقدرة. لكنهم مع ذلك يتباينون تباينا يصعب حصره سواء ما يتعلق منه بكمية المعلومات ونوعيتها، ودرجاتها وطرق تحصيلها. هناك من يحصل عليها بإلهام على سبيل المبادأة والمكاشفة، وهناك من يحصل عليها بطريق التعلم والاكتساب. أما اختلاف السرعة والبطء في الحصول على المعرفة فهو الذي يؤدي إلى تباين منازل العلماء والحكماء والأنبياء والأولياء. وذلك لأن درجات الترقي غير محصورة بسبب عدم تناهي معلومات الله، والتي تشكل رتبة النبي فيها أعلى المراتب من حيث "تتكشف له كل الحقائق أو أكثر من غير اكتساب وتكلف بكشف إلهي في أسرع وقت"[3]. فهو الأسلوب الذي تشاطر المتصوفة به الأنبياء، رغم انفتاحه للعلماء (المتكلمين) والحكماء (الفلاسفة). فالمنازل لا حصر لها. والمترقي يعرف ما يتجاوزه لا ما بين يديه، تماما كما "إنا نؤمن بالنبوة والنبي ونصدق بوجوده ولكن لا يعرف حقيقة النبوة إلا النبي، كما لا يعرف الجنين حال الطفل، ولا الطفل حال المميز… فكذلك لا يعرف العاقل ما افتتح الله على أوليائه وأنبيائه من مزايا لطفه ورحمته"[4]. فهي المعرفة التي لا يمكن بلوغها خارج سلوك التصوف، وتطهير القلب تطهيرا كليا. وذلك لأنه لا طريق في بلوغ حقيقة المعرفة النبوية والأولياء مازالت القلوب محجوبة بحجاب المادة. فالقلوب كالأواني. فما دامت ممتلئة بالماء لا يدخلها الهواء. فالقلوب المشغولة بغير الله لا تدخلها المعرفة بجلال الله[5]. بمعنى مساعي التحلي بالصفة الربانية واستقرار "العلم والحكمة واليقين والإحاطة بحقائق الأشياء ومعرفة الأمور على ما هي عليه"[6]. فهي العملية التي تشذب أعماق الإنسان وترفعها إلى مصاف الشبه بالملائكة. آنذاك سيكون بإمكانه إدراك حقيقة النبوة من خلال معرفة السر القائم فيها بالإلهام، باعتباره علاقة بين الله والعالم. إذ ليس الإلهام هنا سوى الاستمرارية الفردية لروح النبوة، أو وحيها التاريخي. فهي المعرفة الحاصلة بالمشاهدة ونور اليقين، أو هي ذاتها الذوق، حسب عبارة الغزالي، أو ثمرات التجلي أو نتائج الكشوفات وبوادر الواردات، حسب عبارة الصوفية. وقد وصف الغزالي بعض جوانب هذه العملية حالما تناول قضايا الخلاف والاختلاف بين الإلهام والتعلم، أو بين ما اسماه بطرق الصوفية وطرق النظار في محاولته البرهنة على أن تمايزهما هو نتاج تمايز طرقهما في الوصول إلى الحقيقة. إذ لا يعني طريق الصوفية في هذا المجال سوى طريق الأنبياء، مما كان يتضمن أيضا النفي المبطن لطرق النظار (المتكلمين والفلاسفة) بالصيغة التي استوعب في ذاتها ما استوعبوه، إضافة إلى خصوصية طريقهم[7].

تتوافق هذه الصياغة مع ما وضعه في مؤلفاته ما بعد (إحياء علوم الدين). الأمر الذي يعني أن آراءه هنا هي الاستيعاب الحقيقي لتجاربه الفكرية. فقد تحولت آراؤه الكلامية الأولى الواضحة والجلية والمباشرة عن النبوة في مرحلة التصوف إلى كيان خفي باطن ومعقد. بمعنى تحولها إلى الصيغة التي أصبحت فيها النبوة عصية على غيرهم، أو حسب عبارته لا يعرف حقيقة النبوة إلا النبي. غير أن تجاربه اللاحقة أسست لإمكانية ما اسماه بالمعرفة الممكنة لحقيقة النبوة. فهو يشير في (المنقذ من الضلال) إلى الكيفية التي بان له فيها بالضرورة من ممارسة طريق التصوف حقيقة النبوة وخاصيتها[8]. وتتوافق هذه الفكرة من حيث اتجاهها العام مع ما اورده في (إحياء علوم الدين). أما تباينهما فينحصر أساسا حول تشديده في توكيده. فما كان مجهولا في(إحياء علوم الدين) عن حقيقة النبوة يصبح معروفا، أما ما كان محدودا من خصائص النبوة في (إحياء علوم الدين) فانه يصبح لا متناهيا. وليس هنا من تناقض في آرائه. فقد اشار في (المنقذ من الضلال) إلى أن الأصول الثلاثة التي آمن بها إيمانا يقينيا استنادا إلى دراساته الشرعية والعقلية قد رسخت في نفسه "لا بدليل معين محرر، بل بأسباب وقرائن لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها"[9]. ووجدت هذه الدلائل والأسباب والقرائن انعكاسها المباشر وغير المباشر في براهينه عن النبوة. وليست هذه البراهين في جوهرها سوى براهين ارتقائه الفكرى النظري والعملي. وفيما لو اجرينا مقارنة بيانية سريعة بين نظراته عن الحقيقة واليقين، وبين نظراته عن حقيقة النبوة، كما اوردها في (المنقذ من الضلال)، فإننا سنرى تطابقهما شبه الكلي.

ففي استعراضه المكثف لتجربته الفكرية في بحثها عن الحقيقة واليقين يشير إلى ما اسماه بملاحظته المبكرة للتقليد، والتي يشترك فيها بقدر متساو وفي آن واحد ممثلو وأتباع الأديان جميعا. مما جعله يبحث عن "حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليدات الوالدين والاستاذين"[10]. كل ذلك من أجل تميز الحق عن الباطل. وبما انه لا يمكن تمييزها في هذه التلقينات دون طلب حقيقة العلم، من هنا أصبح البحث عن العلم اليقيني مهمته الأساسية. بمعنى الكشف عن الحقيقة كما هي. بحيث يكون اليقين مجردا يها عن كل طارئ خارجي بما في ذلك المعجزة، مثل أن يعلم بأن العشرة أكثر من ثلاثة. فمن يقلب العصا حية يثير فيه التعجب دون الشك في حقيقة العلم. ومن هذه المقدمة اخذ يبحث في معطيات الحس. وبعد التجربة تبين له بأنها لا تمثل بحد ذاتها درجة اليقين. فالعقل يكذبها. وإذا كان الأمر كذلك فما هو يا ترى اليقين القائم في العقل ومعطياته؟ وبغض النظر عن رجوعه إلى الإقرار بما اسماه بالضرورات العقلية، إلا انه تكلم أيضا عن إمكانية "ما وراء العقل" باعتبارها الدرجة المعرفية، التي يفترضها منطق الشك العقلي نفسه. وأشار إلى ذلك بعبارة "ما هو الأمان من أن يكون كل ما يعتقده المرء في يقظته هو كنسبة ما في النوم إلى اليقظة؟ ومعطيات اليقظة الحسية والعقلية شبيهة بمعطيات النوم وحقائقه مقارنة بما نكتشفه عنها في اليقظة. وهي ذاتها الدرجات المعرفية التي نعثر عليها في صياغته العامة للبرهنة على النبوة. فهو ينطلق من أن جوهر الإنسان في أصل الفطرة خاليا من العلوم[11]. وإن الحصول على أخبار عن العلم يكون بواسطة الإدراك. وأن لكل إدراك واسطة مختصة بعالم من عوالم الموجودات. فاللمس لإدراك الحرارة والبرودة والبصر لإدراك الألوان والأشكال، والسمع للأصوات. وحالما يتجاوز المرء المحسوسات فإنه يأخذ بالتمييز. أما بوادر العقل فهو الطور الذي يدرك به الإنسان ويميز الواجبات والجائزات والمستحيلات وأمورا لا توجد في الأطوار التي قبله (الفطرة والحس). والعقل هو ليس الطور النهائي. فما وراءه طور آخر تنفتح فيه، حسب عبارة الغزالي، "عين أخرى يبصر بها الغيب"[12]. ويختلف هذا الطور تماما في إدراكه عن الدرجات السابقة (الحس والعقل).         

إن هذه المقارنة الشكلية في استعراضها لتجربته الفكرية في بحثها عن العلم اليقيني، وصياغتها العامة لما يمكنه أن يكون دليلا على إمكانية النبوة، تكشف في درجاتها عن التطابق الجوهري بينهما. إن نظرته إلى النبوة تتحول في آن واحد إلى جزء من نظريته المعرفية. وبهذا يمكن القول، بأنه حاول أن يؤسس للنبوة معرفيا مستندا بذلك أيضا إلى تجربته الفكرية في الشك العقلي والبحث عن اليقين، بالصيغة التي حول فيها النبوة إلى كيان مطابق "لمشكاة" الحقائق الصوفية.

لقد وضع نتائج بحثه عن اليقين المعرفي في أساس نظريته عن النبوة. من هنا رده على أولئك الذين انكروا النبوة، من أن إنكارهم هو مجرد نتيجة لعدم إدراكهم حقيقتها، أي بلوغ طورها المعرفي (ما وراء العقل). وبهذا يكون قد جعل النبوة درجة من درجات المعرفة. وبالتالي، فإن دحضها هو انعكاس لعدم بلوغها المعرفي، تماما بالقدر الذي يكون البقاء في حيز الاحساس والعقل المجرد عجزا عن بلوغ حقيقتها. وتشبه هذه الحالة حالة الأعمى فيما لو حدثناه عن الألوان والأشكال في حالة عدم معرفته ذلك بالتعلم. بمعنى استغرابه قولنا أو إنكاره إياه. غير أن ما ينقذ المرء هنا هو امتلاكه، حسبما يقول الغزالي، حالة مشابهة في بعض خواصها للنبوة، وهي حالة النوم. فالنائم يدرك أمورا في نومه أما بصورة صريحة أو على شكل مثال يمكن حل إشكالاته ومضامينه استنادا إلى "تعبير الرؤيا"[13]. لاسيما وأن الإنسان يمكنه الاقتناع بذلك بفعل تجاربه الدائمة. فلو افترضتا وجود انسان لم يجرب "إدراك الغيب" وقلنا له بأن هناك من الناس من يسقط مغشيا عليه كالميت ويزول عنه احساسه وسمعه وبصره فيدرك الغيب لأنكره، ولأعتبر ذلك شيئاً مخالفاً للعقل والمنطق. ولسعى للبرهنة على استحالته من خلال استعماله للقياس المنطقي القائل، بأن القوى الحساسة هي أسباب الإدراك. فمن لا يدرك الأشياء مع وجودها وحضورها، فإن عدم إدراكه لها مع ركودها أولى وأحق. ووجد في هذه الأحكام نوعا من القياس يكذبه الوجود والمشاهدة[14]. ولهذا قدم حالة النوم مثالا، لأنه سعى من خلاله الكشف عن أن الإنسان يفقد فيه احساسه المباشر بالعالم، ولكنه يدرك في الوقت نفسه، من خلال أحلامه ورؤيته الصريحة والقابلة للتأويل، مجريات أحداثه المقبلة. ومن خلال هذه المقدمة حاول الوصول إلى استنتاجه القائل بضرورة الإقرار بطور ما وراء العقل، باعتباره درجة في درجات الإدراك. بالقدر الذي يدرك العقل امورا يعجز الحس عن إدراكها، فإن النبوة هي الأخرى طور يجرى بها إدراك ما لا يدركه العقل. وأنها "طور يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها الغيب وأمور لا يدركها العقل"[15]. فالمراد بالنبوة اذن هو طريق إدراك الأمور التي لا تدرك بالعقل المباشر. لكن الغزالي لم يحصر خاصية النبوة في هذا الجانب بقدر ما انه أراد الكشف من خلالها عن خاصية النبوة المعرفية وأحد تجلياتها المعقولة للجميع.  لهذا اكد على انه إذا كان بإمكان كل إنسان أن يتحسس بتجربته الفردية هذه الخاصية المميزة للنبوة، فإنه لا يمكن إدراك خواصها الأخرى "إلا بالذوق من سلوك طريق التصرف"[16].

ولم يكتف بالبرهنة على حقيقة النبوة، بل تعداها إلى البرهنة على إمكانية وجودها. انه يسير في الاتجاه القائل بإمكانية النبوة لا ضرورتها. فهو ينطلق من أن المعارف في العالم ما لا يمكن تصور العقل أن ينالها كلها. وهناك ما لا يمكن أن ينال بالعقل مثل استنتاجات علوم الطب والنجوم. إذ أن الباحث فيها يدرك أهمية "الإلهام الإلهي"، مما لا سبيل إليه بالتجربة. وذلك لأن في أحكام علم النجوم، على سبيل المثال، ما لا يقع إلا في كل ألف سنة مرة واحدة. وينطبق هذا بالقدر ذاته على خواص الأدوية والعقاقير مما يبرهن، بنظره، على وجود طريق آخر في الإدراك يتطابق مع وحي الأنبياء وإلهام الأولياء. غير أن الغزالي لم يطابق ولم يضع في براهينه طور ما وراء العقل مع معارضة العقل أو بالضد منه في إدراك حقائق الأشياء، ولم يقيد النبوة في الوقت نفسه بهذا المعيار فقط. أما تركيزه عليه فإنه يشير إلى أهميته الجوهرية في منظومته الفكرية عن النبوة.

فهو لم يرفض في ردوده على الشكوك المتوارثة بصدد النبوة، الشك ومنهجيته الضرورية. على العكس!انه جعل منه المقدمة الضرورية لليقين. وبما انه لا يمكن بلوغ اليقين دون المعرفة الحقة، لهذا حوّلها إلى وسيلة إدراك حقيقة النبوة الملموسة. وبهذا المعنى لا يحصر هذه القضية في ميدان الإيمان التقليدي، بل يذللها من خلال تأسيسه للمعرفة المبنية على المقارنة والتجربة الملموسة. إذ لا يمكن بلوغ اليقين بهذا الشيء أو ذاك، حسب نظره، دون معرفة أحواله أما بالمشاهدة أو بالتواتر وبالتسامع. تماما كما أن من يعرف الطب والفقه يمكنه معرفة الأطباء والفقهاء من خلال مشاهدة أحوالهم وسماع أقوالهم، وإن لم يرهم[17]. وذلك لأنه ليس صعبا بالنسبة لمن عرف الفقه معرفة أن الشافعي فقيه وجالينوس طبيب بالحقيقة لا بالتقليد[18]. وهو الأسلوب الذي يمكن تطبيقه على معرفة الأنبياء، بمعنى أن معرفة معنى النبوة هو وسيلة معرفة حقيقتها وحقيقة الأنبياء. وسعى لتطبيق هذا الأسلوب على قضية النبوة  بالانطلاق من المجرد إلى الملموس بعد دراسة عناصره وتحليلها. ويمكننا العثور على ذلك بوضوح على مثال تحليله لخواص النبوة كما وضعها في (إحياء علوم الدين) وعمّقها في كتاباته اللاحقة، وبالأخص في (المنقذ من الضلال). حيث قدم مثال النبوة المحمدية من خلال تأمل القرآن والنظر فيه وفي اخباره تماما. كما يمكننا معرفة حقيقة الشافعي وجالينوس وغيرهم من خلال النظر في إبداعهم. فقد اعتبر تأمل ما في القرآن والأخبار وربطه بالتجربة الخاصة في العبادات وأثرها في تصفية القلوب أسلوبا للحصول على العلم الضروري أو اليقيني بالنبوة[19]. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

...........................

[1] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص142. لقد تضمنت هذه الفكرة في ذاتها النفي المعرفي والأخلاقي لإدراك النبوة العقلي. ولا يعني هذا في الواقع سوى عقل المتكلمين الجدلي، والذي يمكن تطويعه من اجل إثبات مذهبية الرؤية أو تدجين آراء الخصم. بينما يستلزم التصوف تحسس النبوة في أذواقها. بمعنى التحلي بصفاتها. وهو طريق سوف يضعه الغزالي في فكرة تقول بأنه لا يعرف حقيقة النبوة إلا النبي، تماما كما لا يعرف حقيقة الله إلا الله. ولم يقصد بذلك رفع شعار الرؤية العندية إلى مصاف المطلق، بل للتأكيد على أن إدراك حقيقة النبي يقوم في استبطانه الكامل، أي الاستبطان الكامل للمطلق في المظاهر. وإلا فإن المعرفة سوف تبقى نسبية ظاهرية، أسلوبها المقارنة وغايتها الوصف أو التبرير. ووضع هذا "العجز" المعرفي في وسيلة المعرفة الحقة. من هنا فكرة التحلي بصفات الحق أو النبوة كوسيلة لإدراك حقائقهما.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص8.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص8.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص8-9.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص9.

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص11.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص18-26.

[8] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص143.

[9] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص143.

[10] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص81.

[11] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص144.

[12] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص144-145.

[13] المقصود بذلك تفسير الأحلام، والذي احتل موقعه الخاص والمتميز في ثقافة الخلافة آنذاك. ولم يكن ذلك معزولا عما في الأحلام من قوة تستجيب للذوق المجذوب بنماذجه المثلى. فقد لعب تفسير الأحلام أو تفسير الرؤيا دورا يصعب حصر آثاره ومآثره بالنسبة للثقافات القديمة. وإذا كان هذا الفن محصورا في الأغلب في مجال التعبير الرمزي، أي محاولة استدراك "حقائق المستقبل" أو "سرّ الغيب" في الرموز المتعارف عليها عن أحداث المنام، فإن بقاياه "النظرية" تقوم في استقلال العناصر القائمة في رؤية المستقبل. وبالتالي، فإن الفرضية القائلة باحتواء الأحلام على حقائق المستقبل هي التي تقف وراء أثر تعبير الرؤيا أو "رؤية الغيب" في مختلف ميادين الحياة الاجتماعية ومستوياتها الفردية والسياسية والنفسية والأخلاقية. لهذا كان بإمكانها أيضا أن تخدم مثال النبوة وتفسير "واقعيتها".  

[14] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص146.

[15] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص146.

[16] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص147.

[17] لقد كانت فكرة الغزالي هذه شكلا من أشكال التصدي لانتشار ظاهرة النبوات الكاذبة. فهو يشير في كتاب (المستظهري أو فضايح الباطنية) إلى حالات إدعاء البعض للنبوة. غير أن هذا التصدي لم يعد في المرحلة الصوفية جزء من احتراب الفِرق، بل أسلوبا متعاليا في تأسيس إمكانيته الحقة، باعتبارها دراسة لصفاتها الحقة، بما في ذلك إدراك حقيقة النبوة وتذوقها بالشكل الذي يجعل منها بؤرة وحيه المتجدد أو إلهامه الدائم. وإذا كانت آراءه هذه تقترب في ظاهرها من الصيغة السنّية الشائعة، فإنها تمثل من حيث مضمونها في تآلفه الفكري الصيغة الأولية لبلورة العناصر المعقولة للحقيقة المحمدية (المجردة)، كما نعثر عليها لاحقا عند ابن عربي. وليس مصادفة أن ينتقد ابن عربي آراء الغزالي بصدد موقفه من النبي والولي.  

[18] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص148-149.

[19] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص149.

 

ميثم الجنابي"الأنبياء أطباء أمراض القلوب"

(الغزالي)

الاستمداد الأمثل لمبادئ الإصلاح الحق

لقد لازم وجود الخلافة رجوعها المتكرر إلى بداياتها الأولى. ولم يكن ذلك بسبب استعادتها المتجددة لوعي خلافتها للرسول، بقدر ما كان ذلك رجوعا تحدده بين الحين والآخر كوامن الوعي اللاهوتي في احتكامه أمام مرجعياته الأساسية في الإلوهية والربوبية وخطابها القرآني في مواجهة معضلات الوجود المختلفة. مما كان يعني وقوفها بين الحين والآخر أمام مبادئ شخصيتها التاريخية ورمزيتها المثلى في النبوة. فقد احتوت النبوة على مستوياتها وتوجهاتها المتباينة في آراء ومواقف المتكلمين والفلاسفة والصوفية، واختلافاتها في مدارسهم وفرقهم. إذ كان بإمكانها الظهور في الآراء والمواقف السياسية والعقلية، كما كان بإمكانها استبطان حوافز الفكر الأخلاقي ومساعيه العملية. وأن تبقى مع ذلك موضوعا قائما بحد ذاته. مما يعكس وحدة الأرضية الثقافية للفرق واتجاهاتها الكبرى من جهة، واشتراكها في هموم الرؤية ومشتقاتها الجدلية والبرهانية من جهة خرى. مما يعني تحول النبوة إلى إحدى البؤر الموحدة لواحدية الثقافة الإسلامية، ومصدر من مصادر تثويرها الداخلي. وارتبط مسار اتجاهها اللاحق بكيفية تفسيرها وتأويلها وتوظيفها في منظومات الفكر وحلولها العملية لقضايا الأمة ووجودها الاجتماعي[1]. لهذا ظلت قضية النبوة وشخصيتها المركزية تشغل حيز الفكر الاجتماعي في مختلف ميادينه، دون أن تفرض عليه في الوقت نفسه اولويتها. مما يعني ذوبانها في الكينونة السارية لثقافة الخلافة ككل، واللاهوتية منها بالأخص.

فالميدان اللاهوتي (الكلامي) لم يعد حقلا لتجريب الآراء في مستواها المباشر، بل وأسلوب التدليل والبرهنة المناسب للوعي الديني في خروجه صوب الأفق الاجتماعي السياسي والأخلاقي لقضايا المجتمع. لهذا كان بإمكان الفرق الكلامية أن تشترك في همومها الموحدة حول قضايا النبوة، وأن تتعارض آراؤها ومواقفها وتتناقض في مواقفها النظرية والعملية، كما نراه، على سبيل المثال، في آراء المعتزلة عن النبوة في عناصر تهشيمها النسبي للغائية اللاهوتية، ودعوتها بالتالي للاختيار في الفعل باعتباره ميدان تجلي الحكمة وإدراكها الحق. في حين جعلت الشيعة بمدارسها المختلفة من قضية النبوة مقدمة إدراكها الخاص لدراما الحق الأزلية في تجلياتها الفردية وتفاؤلها المغري في خيال الخلاص الممكن. بينما دفعت الإسماعيلية هذه الأفكار باتجاه هيكلها النموذجي والمتناسق، باعتباره البناء المناسب لجدارة الخيال الفلسفي في تأملاته الحية عن المثال المطلق في الفرد، دون ان تفقده في الوقت نفسه أبعاده السياسية المباشرة. من هنا يمكننا رؤية ما في الثقافة السابقة للغزالي من إشكالات عديدة في تأسيسها وحلولها لقضايا النبوة، كما نعثر في إشكالاتها هذه على نماذج معبرة عن الخير الأسمى في السياسة والأخلاق على مستوى الفرد والجماعة والأمة.

 إن الأثر الهائل للتراث الإسلامي وشخصية النبي محمد المركزية ظل على الدوام يفعل بما في ذلك في اشد الصيغ تجريدا. مما جعل من النبوة قضية متعددة الكوامن الاجتماعية السياسية والأخلاقية. واشتركت الاتجاهات المتباينة بهذا الصدد، بمعنى أن خلافاتها واختلافاتها جرت من خلال تركيز كل منها على هذا الجانب أو ذاك من جوانب النبوة. وبالتالي إبراز جوهرية أو أولوية هذا الجانب أو ذاك باعتباره الجانب المعّبر عن حقيقة النبوة وخصوصيتها. فالاتجاهات المعتزلية ولحد ما الاشعرية سارت باتجاه ابراز الطابع الإنساني في النبوة. وبالتالي تحريرها من نزوع الغائية اللاهوتية عبر مطابقتها مع حقيقة الحكمة الإلهية المعقولة أو الإلهي مع الإنساني في نماذجه الرفيعة من خلال بناء صرح الأخلاق العقلية. بينما ركزت الاتجاهات الشيعية على ربط النبوة بالإمامة. وقد مهّد ذلك لآرائها ومواقفها السياسية في هرميتها المعقدة نسبيا، والتي صاغت في غياهب خيالها الفلسفي المثال المطلق للإنسان، دون أن تفقده إمكانية الانتفاض الواقعي. وبهذا تكون قد شاركت مساعي الاتجاهات الكبرى من خلال إبراز أولوية تنقية النفس وتهذيبها من جل بلوغ الكمال، ولكن من خلال ربطها بالممارسة العملية في الإمام الحق. ووجدت هذه الفكرة تعبيرها عند إخوان الصفا في مهمة النبوة الأساسية باعتبارها المثال الحي لمعالجة النفوس المريضة. فالأنبياء، حسب نظر إخوان الصفا، هم أطباء النفوس. بينما اتخذت نبوة الفلاسفة صيغة النبوة العقلية المعرفية.

وبهذا تكون المدارس والاتجاهات الكبرى قد قدمت نماذج متنوعة لرؤية النبوة في حقائقها وأفعالها وصفاتها، والتي لم يكن بإمكان الغزالي تجاهلها، أو لم يكن بإمكانها ألا تؤثر فيه. فعندما واجه للمرة الأولى مهمة تأملها المستقل، فإنه نظر إليها نظرته إلى قضية فكرية دينية، وجزئيا إلى قضية معرفية. لهذا اتخذت صيغة الموضوع الجدلي في ردوده اللاهوتية الفلسفية في (تهافت الفلاسفة) على آراء الفارابي وابن سينا. فقد ناقش هذه القضية هنا بصورة عابرة. وليس مصادفة أن يضع جدله مع الفلاسفة المسلمين في (تهافت الفلاسفة) بصدد قضايا النبوة في مستوى الجدل الكلامي اللاهوتي. انه لا يبحث في آرائهم بهذا الصدد، بقدر ما يشدد على أن تأويلات الفلاسفة وآراءهم هنا يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى نفي المعجزات والنبوة. ولا يغير من ذلك شيئا كون الغزالي لا يشير إلى النبوة باسمها. فقد كانت مهمته في (تهافت الفلاسفة) تقوم اساسا في "فضح" آراء الفلاسفة وكشف "تهافتهم" المنطقي، بالصيغة التي برز فيها تعارض آرائهم مع التصورات الدينية وأحكامها. فقد حاول الفلاسفة تفسير المعجزات النبوية على اساس تأويلها المادي المعقول، مثل اعتبار إحياء الموتى هو إزالة موت الجهل بحياة العلم[2]. وبهذا لم تعد المعجزة إحالة أعيان الموجودات وذاتها لمنافاتها العقل. فالمعجزة ينبغي أن تكون بنظرهم مطابقة لصفات الطبيعة، أي تجسيد الرغبة الملحة والمتحدية في ما هو طبيعي بذاته كالأمطار والزلازل والرياح والصواعق وما شابه ذلك من غير حضور سبب طبيعي ظاهر[3]. فقد ارتبط هذا الاستنتاج بالتعميمات الفلسفية عن النفس والعقل، أو القوة المتخيلة التي يطلع بها الأنبياء على اللوح المحفوظ في اليقظة، والناس العاديين في المنام والأحلام، والقوى النظرية العقلية والنفسية العملية، والتي بإمكانها أن تسّخر الطبيعة لإحداث المعجزة. وهي الأفكار التي سيدمجها في آرائه عن النبوة وحقيقتها. بمعنى انه لم ينظر إلى هذه القوى نظرته إلى كيانات مستقلة في كيان أخلاقي موحد ومعقول، بقدر ما انه حوّلها إلى نماذج محسوسة ومعقولة في إدراك حقائق النبوة وإمكاناتها. ففي الوقت الذي استنفد مفاهيم الفلسفة الأخلاقية العقلية، فإنه وجهها وجهة أخرى دون أن ينفي إمكاناتها المستقلة في منظومة الفكر الأخلاقي وموضوعاتها الجدلية. ومن الممكن العثور على لمعان هذه البقايا الخاطفة في عبارته الوجيزة التي علّق بها على الباطنية عن النبوة عندما قال بأن آراءهم فيها تقترب من آراء الفلاسفة مع بعض "التغيير والتأويل الذي لا ينكر"[4].

غير أن آراء الغزالي ظلت حتى هذه المرحلة تسبح في فضاء الجدل الكلامي الفلسفي، خارج توجهات ما اسماه لاحقا بالبحث عن حقائق الأشياء كما هي. وبقدر ما ينطبق ذلك على القضايا الفكرية العديدة ينطبق أيضا على مسألة النبوة وإشكالاتها. فالغزالي لم يتناول النبوة كقضية قائمة بحد ذاتها، بما في ذلك في (المنقذ من الضلال). فقد أفرد لها فيه صفحات وأدخلها في صلب "المنظومة" العامة لأفكاره عنها. لكنها لم تتخذ مع ذلك صيغة المسألة المنفردة في أبوابها وفصولها. أما في كتاباته السابقة  فإننا لا نعثر إلا على اشارات وأحكام متناثرة لها مقدماتها في تحولاته وانقلاباته وخصوصية انتقاله للتصوف. اذ لم يتناول ما اسماه بحقيقة النبوة إلا في مرحلته الصوفية. وما قبل ذلك لا نعثر على مفاهيم مشابهة. ففي (إحياء علوم الدين) تظهر بوضوح وللمرة الأولى، اشاراته إلى مفهوم النبوة وخصائصها.فالنبوة بالنسبة له هي "عما يختص به النبي ويفارق به غيره"[5]. أما اختصاصه عن الآخرين فيقوم في أربع خواص جوهرية، الأولى منها هي معرفته بحقائق الأمور المتعلقة بالله وصفاته والملائكة والدار الآخرة لا كما يعلم غيره، بل مخالفا له بكثرة المعلومات وبزيادة اليقين والتحقيق والكشف. أما الثانية فتقوم في أن له في نفسه صفة بها تتم اللإفعال الخارقة للعادات مثلما للناس العاديين صفة بها تتم الحركات المقرونة بالإرادة والاختيار. رغم أن القدرة والمقدور جميعا من فعل الله. أما الصفة الثالثة فتقوم في أن له صفة بها يبصر الملائكة ويشاهدهم كما أن للبصير صفة يفارق بها الأعمى. وأخيرا أن له صفة يدرك بها ما سيكون في الغيب أما باليقظة أو في المنام[6]. في حين يشير في (المظنون به على غير أهله) الى ان أهم خواص النبوة هو "التمثيل الخيالي" بمعنى رؤية اليقظة[7]. وهي الفكرة التي تتفق مع ما في آرائه المعروضة في (المنقذ من الضلال).

تمتلك النبوة من حيث واقعيتها الصفات المميزة للذات العارفة، بما  في ذلك إعجازها، والتي صاغت اتجاهات الكلام والفلسفة والباطنية أغلب عناصرها. ومع ذلك فإن الخلاف بقي كبيرا، وبالأخص ما يتعلق منه بإدراك حقيقة النبوة. وهو خلاف لم تحدده مناورات الفكر السياسية، رغم فاعلية جوانبها المخفية في تقاليد صراعه القديم مع الباطنية التعليمية والفلاسفة، بل تجانس آراءه النظرية في مواقفه من الطابع التخميني للمعرفة العقلية في إدراكها لخواص النبوة. مع ما فيها من تأسيس لطابع المعرفة التقريبي عنها. مما يعني أيضا إزالة وهم العصمة والضرورة في الأحكام السائدة عنها في مختلف المدارس والاتجاهات. ووضع هذا الاستنتاج لاحقا في فكرته القائلة بأنه لا يدرك حقيقة النبوة إلا النبي. وهو تحديد يستند إلى تراث متعمق في تحليل "عناصر" النبوة المتناثرة في صراع المدارس ومنظوماتها الفكرية. لقد حاول الغزالي أن يرفع قدر النبوة وشأنها عن أن تكون موضوعا محترفا في ضيقه، وضيقا في احترافه للمعرفة النخبوية، التي اعطت لها بعض  الاتجاهات والفرق صيغ المشاريع المقننة. ولم يعن ذلك معارضته للتقنين بقدر ما انه سار هنا في اتجاه مخالف للفلاسفة والباطنية وإخوان الصفا، من خلال فسحه المجال أمام ما يمكن دعوته بالتقنين غير المتناهي أو التقنين الذي يفترض في مساره تذليل الهوة السحيقة من اجل بلوغ علياء النبوة في مشكاتها الخالدة. ووفرت هذه الصيغة إمكانية تذليل الهيمنة اللاهوتية المقننة للنبوة من خلال إدراجها في وحدة المسار المعرفي الأخلاقي. مما كان يعني أيضا الإقرار الضمني بالنبوة المعرفية الأخلاقية غير التشريعية. ولم يكن ذلك معزولا عن إدراكه الجديد لحقيقة النبوة، والمرتبط بالطريق الصوفي، أي المراحل التي يسلكها الصوفي في معراجه العلمي العملي، باعتباره طريق سلوك حقيقة النبوة، ورؤية الملائكة وأرواح الأنبياء وسماع أصواتهم واقتباس الفوائد منهم[8]. فهي العملية التي تؤدي في مجرى مشاهداتها في الصور والأمثال إلى صعوبة التعبير عنها[9]. كما في شعر ابن المعتز القائل:

وكان ما كان مما لست أذكره    فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر

فهي الحالة التي لا يمكن إدراك حقيقتها دون تذوقها. وذلك لأنه أسلوب إدراكها الفعلي. وبدون ذلك لا يمكن إدراك سوى اسم النبوة لا حقيقتها[10]. وبهذا يكون قد فسح المجال أمام مستويات متنوعة في معرفة النبوة، بفعل حقيقتها غير المتناهية. أما الصفات المعينة لها، والتي حددتها تقاليد الإسلام بست وأربعين صفة فهي مجرد صفات تخمينية في كميتها (عددها)، لانهائية في قرائن تجلياتها. ومع ذلك نراه يدقق في (المنقذ من الضلال) خواصها العامة المعروضة في (إحياء علوم الدين)، بعد أن صاغ فكرتها المبدئية في (المضنون) و(المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) عندما تناول مفهوم الاسم الإلهي (الباعث)، فإنه لم يتطرق له بمعناه الوجودى (الإيجادي) المادي استنادا إلى انه لا يمكن فهم حقيقة معنى الباعث واستنفاده بحدود قضايا البعث والنشر. فالموت ليس عدما، والبعث ليس إيجادا كالإيجاد الاول. إذ ليس البعث سوى إنشاء آخر لا يناسب الإنشاء الأول أصلا. تماما كما إن للإنسان نشئآت عديدة في مجرى تكونه، حيث يعاد خلقه على مستويات يصوغها في ما يمكن دعوته بالبعث المادي والروحي والفكري. فخلق الجسد درجة في درجات الإنشاء، وخلق الروح درجة أخرى، وظهور خاصية الولاية درجة ثالثة، وظهور خاصية النبوة درجة رابعة[11]. فالنبوة تظهر كما لو أنها درجة في الإنشاء الإلهي، والتي لا يمكن إدراكها ويستحيل  الإحاطة بها عقلا، وذلك لأن العقل ما هو إلا درجة في درجات الإدراك والفهم. وإن موقع العقل هذا هو الذي حدد فكرة الغزالي عن استحالة الإدراك العقلي لحقيقة الولاية والنبوة إدراكا كاملا[12].

ولم يعن ذلك في الوقت نفسه استحالة معرفتها. أما التناقض القائم من حيث ظاهره في هذه الأحكام، فما هو إلا رد الفعل المباشر على تجربته الكلامية السابقة، التي جعلته يدور في فلك البراهين النفسية وأحكامها الجدلية. بمعنى استحالة إدراك الحقائق بالضرورة لأن أسلوبها عادة ما يحدده تقاليد الجدل الكلامي. (يتبع...)

 

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

...................................

[1] إن مختلف جوانب هذه القضية، وبالأخص ما يتعلق منها بكسر مسار الوحدة المتناقضة، هو الجزء الملازم لواحدية الثقافة في عصر ازدهار الخلافة. بينما تحولت قضية النبوة في مراحل الانحطاط  الى جزء من هيمنة السطوة المقدسة والهيبة المفتعلة للجهل الهالك في خياله المسحور. بمعنى بقاءها ضمن الاطار المغلق للولع اللاهوتي. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة المباشرة لحالة الجمود والانحطاط. بمعنى تحول النبوة ومختلف قضاياها الى موضوع قائم بذاته وتدور في افلاكه العنكبوتية مختلف الاحلام الشاردة والخيال المذعور بالزيف الأخلاقي والعبودية المتلذذة بأسقامها وأوهامها. في حين كانت تمثل في عصر الازدهار الثقافي وكينونة الدولة الموحدة معنى المرجعية الضرورة للاجتهاد. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة التي يفرضها الاجتهاد الحر بالقدر الممكن ضمن تاريخ الاراء والمواقف وبما يستجيب لمقدماته الاجتماعية والنفسية ورمزية رؤيته الواقعية.

[2] وهو الأسلوب الذي اتبعه الغزالي لاحقا، كما نراه في اختزاله لعناصر التأويل المعقولة في تقاليد الفكر الفلسفي، التي شقت لنفسها طريقها الخاص في التصوف أيضا. فعندما تطرق، على سبيل المثال، في كتاب (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) إلى الاسم الإلهي (الباعث) وتجليه في حظ الإنسان منه، فإنه ينظر إلى البعث باعتباره رديفا لإحياء الموتى، لكنه طابقه مع موازاة الجهل باعتباره موتا، والعلم باعتباره حياة. من هنا استنتاجه القائل، بأن "من أحيا قلب الجاهل انشأه نشأة أخرى". ووجد فيها الصفة التي تميز الانبياء والعلماء العارفين عن غيرهم. (الغزالي: المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)، ص126).

[3] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص238.

[4] الغزالي: المستظهري أو فضائح الباطنية، ص27.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين ج4، ص194.

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين ج4، ص194.

[7] الغزالي: المضنون به على غير أهله، ص94-95. 

[8] ارتبطت هذه الفكرة في منظومة الغزالي بصعود الروح الصوفي إلى مصاف إدراكه المعقول في قيم الثقافة وروابط وجودها المادية. لهذا لا تعني وحدة المعرفة الأخلاقية في منظومة الشريعة السائدة سوى كسر هيبة التقديس المزيفة عن بقايا الوحدة الصلدة للشريعة الفقهية. فالنبوة غير التشريعية (بلا رسالة) هنا هي نبوة المرجعية الملازمة لنموذج الشخصية المتسامية في إنسانها الكامل. وهو موضوع أقرب إلى معرفة الخاصة وتقاليد الروح الصوفي. غير أن انبساطها المعنوي في آرائه قد الزمها بالضرورة اتخاذ صيغة الكلّ الإصلاحي، كما بلور ملامحه الكبرى في (إحياء علوم الدين). إذ لا تعني النبوة غير التشريعية انتفاء قدرتها على تنشيط القانون والحق. إنها تعمل ضمن التقاليد المفروضة بهيبة التقديس. لكنها تتعامل معها بروح المعرفة الأخلاقية. مما يعني تنشيطها الداخلي عبر إدراج تجديدها الممكن في مسار البدائل الأكثر لإنسانية وتساميا. لكنها مع ذلك لا تتعدى في تأثيرها المباشر حدود "القيم المقدسة". لكنها تخترق في تأويلاتها جمود هيبتها المفتعلة. وإذا كانت هذه العملية متناقضة من حيث إمكانيتها المساهمة في مد تقليدية النفس بنفس التقليد، فإنها لا تجعل من هذه المفارقة قانونا ملزما لأنبيائها.

[9] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص140.

[10] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص141-142.

[11] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص124.

[12] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص124-126.

 

بدر الدين شيخ رشيدتنبني جدلية ولاية الفقيه بين الإطلا ق والتقيد، هل ولاية الفقيه ولاية طولية  أم ولاية عرضية؟ ومعنى طولية هي ولاية مسلسلة تمتد  من الله مرورا بالنبي ثم الي الائمة الاثني عشر ثم الي الفقيه  المسوفي الشروط.

أما مفهوم ولاية الفقيه العرضرية فهي ولاية  شوروية بين الفقهاء فيما بينهم بنسبة للحكومة بناء على إنتهاء عصر الائمة.

فمناقشة إشكال حول  ولاية  الفقيه هل مطلقة أم مقيدة بالشوري،  تجد أن أكثر علماء الشيعة الذين جاءوا بعد أحمد النراقي أكدوا على تحديد ولاية الفقيه ما عدا الخميني ، وحسن نصر الله، والإمام علي الخامنئي، وعددا آخرين من رجال الدين، وينبغي أن نشير إلى أن أكثر علماء الشيعة بعد الخميني، والمعاصرين يعتقدون بالولاية المقيّدة.

فعبد الخالق حسين وهو كاتب عراقي أشار إشكالية سلطة الفقيه بين الإطلاق والتقييد في مقال له:«نظرية حكم ولاية الفقيه»، فبيّن أن معظم علماء الشيعة عارضوا فكرة ولاية الفقيه المطلقة ومن بينهم نائبه آية الله حسين علي منتظري(ت:2009م) الذي من المفترض أن يخلفه عن الإمام الخميني، لكنه، عند ما عارض تلك الفكرة عزله الخميني، وبالتالي  عيّن علي الخامنئى المرشد الحالي، والذي لم يصل إلى درجه آية الله 1.

ولهذا، يرى الدكتور مصطفى اللباد انتهاء نظرية ولاية الفقيه بموت الخميني ، معلا ذلك حصول الانفصال بين السلطة السياسية والمرجعية؛ لأن من شرط المرجعية أن يكون المرجع من  أعلم الناس وأفضلهم،كشرط من شروط الإمامة عند الشيعة، إلا أنه لما مات الخميني  عدّل هذا الشرط  ليلائم درجة علي الخامنئي العلمية، والتي لم تصل إلى درجة الاجتهاد، مع العلم بوجود مراجع أرفع منه في المرتبة الدينية، وهكذا ،تم الفصل بين مقام المرشد ومقام المرجعية الدينيّة في عام (1989م)، وبهذا، انتهت نظرية ولاية الفقيه، بحيث لم تعد قائمة بالشكل التى كانت عليه في عصر الإمام الخميني2 .

فإذا طرحنا مثلا عيّنة من عينات حجج  الفريقين حول جدلية ولاية الفقيه بين الإطلاق والتقييد، نجد  أن الذين  يرون إطلاق الولاية يستدلون بالعقل وبعض الروايات  من أئمة الشيعة، ومن جهة أخرى، فالذين يرون تقييدها أيضا يستدلون بأن الولاية المطلقة ثابتة لله ولرسوله وللأئمة، أما الفقهاء، فلا تثبت لهم، وذلك لعدم العصمة لهم.

فالشيخ عبد المنعم المهنا وهو من العلماء الذين يرون الولاية المطلقة، ناقش بها في كتابه:« الدولة الإسلامية بحث في ولاية الفقيه»، وأكد ولاية الفقيه المطلقة، مستدلا بذلك من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ومن أهم ما أستدل به هو القياس وهو مبني على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمارس شؤون القضاء لكونه حاكما لا لكونه معصوما، بناء على هذا، فالفقيه يشترك مع الرسول صلى الله عليه وسلم  في تلك  الخصلة، وعلى هذا الأساس، فكل فقيه مجتهد له ولاية مطلقة مثل ولاية الرسول صلى  الله عليه وسلم3 .

ويبدو لي أن الولاية المقيدة أنسب لنظرية السياسية في ولاية الفقيه  عند الشيعة، وذلك؛ لأن شرط العصمة في الإمام هو أهم شرط فارقت الشيعة عن أهل السنة في شروط الإمام؛ لأنه لو لم يقيد سلطة الفقيه  يمكن  أن تتحول  سلطته إلى استبدادية، مثل السلطات الاستبدادية الأخرى. وقد أفاد هذه النقطة  المحقق   محمد حسين النائيني في كتابه: «تنبيه الأمة وتنزيه الملة»، حيث سوى بين  الاستبداد الدينيّ  وغيره، مشيرا  إلى أن كلا منهما غاصب في حق الأمة وفي حق الله، و من ثم طرح المحقق محمد حسين النائيني تقييد سلطة الحاكم بوسيلتين: الأولى: وضع الدستور المفصل للسلطات. الثانية: تكوين هيئة المراقبة للاشراف على الدستور 4.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

..........................

- عبد الخالق حسين، نظرية  حكم ولاية الفقيه ( الحوار الممتد، العدد: 3238 ، تاريخ النشر،  6  -1-2011م)،  أنظر الرابط:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=240811

- د. مصطفي  اللباد، حدائق الأحزان، إيران وولاية الفقيه، دار الشروق، القاهرة، مصر، (بدون تاريخ الطبع)، ص200.

- الشيخ عبد المنعم المهنا، الدولة الإسلامية بحوث في ولاية الفقيه،  (PDF)،(بدون تاريخ الطبع والناشر)،ص10.

- المحقق محمد حسين النائيني، تنبيه الأمة وتنزيه الملة،(PDF) (بدون تاريخ الطبع والناشر)،ص19.

 

عدنان عويدتعتبر قضية تدوين الحديث قضية إشكالية كبيرة، وعلى أساسها ظهرت خلافات فكرية وفقهية وسياسية لم تزل قائمة حتى اليوم. فهناك من يقول بأن الرسول قد سمح بكتابة الحديث، بناء على روايات مؤيدة للتدوين، حيث جاء في المستدرك عن الصحيحين عن عبد الله بن عمرو، أنه سأل النبي أن يكتب ما يسمعه منه في كل أحواله، فأجاب النبي (نعم، إنه لا ينبغي لي أن أقول إلا حقاً.). أو اعتمادهم على الآية القرآنية التي تقول: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى - النجم ). (النجم 3-4).

هذا في الوقت الذي نجد فيه أحاديث وروايات للرسول والخلفاء الراشدين وللصحابة تنفي دعوة الرسول لكتابة الحديث. ولكثرة هذه الروايات المتعلقة بآراء الرسول والخلفاء والصحابة يجعلنا نقف على مدى صحة روايات من قالوا بأن الرسول أمر بتدوينه.

لا شك أن الرسول ميز بين ما يقوله هو كبشر، وبين ما يوحى إليه من عند الله. إذ هو في نهاية المطاف بشر شأنه شأن الآخرين.

وهناك في الحقيقة أدلة كثيرة تؤكد لنا أولاً بشرية الرسول. كما في قول الآية: ( قل سبحان ربي، هل كنت إلا بشراً رسولاً). الإسراء .(الآية 93). وقول الآية:  (وقل إنما أنا بشر مثلكم.). الكهف – الآية – 110).

ونجد أيضاً من الحوادث التاريخية المعروفة والمشهورة في حياة الرسول ما يؤكد بشريته حيث كان يقول: (إنما أنا بشر مثلكم إذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر). رواه مسلم والنسائي. وكذلك في حديث له رواه مسلم. (إن ظننت ظناً فلا تأخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل.). وكذلكً قول الرسول في حجة الوداع: (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقضي له قطعة من نار.).(1). وهذا ما يؤكد بأن ليس كل ما يقوله الرسول هو وحي يوحى، أي إن هذه النصوص تؤكد بلا شك أن ما لله في وحيه لله، وما للرسول من قول خاص به فله، وهذه الآيات والروايات تضع الحدود بين كلام الله وكلام الرسول. وبالتالي فإن مضمون الآية المتعلقة بما ينطق عن الهوى، هي خاصة بنصوص القرآن التي كانت توحى للرسول ، وهذا ما سوف نعرج عليه تالياً.

موقف الرسول من كتابة الحديث:

أما موقف الرسول من كتابة أو تدوين الحديث فهناك الكثير من الأحاديث التي تبين رفضه لكتابة الحديث.

ففي حديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي، وأحمد والدرامي عن أبي سعيد ألخدري قال: ( قال رسول الله (ص) لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فاليمحه".).

وعن أبي هريرة  يقول: ( خرج علينا رسول الله (ص) ونحن نكتب الأحاديث، فقال: " ما هذا الذي تكتبون ؟. قلنا أحاديث نسمعها منك . قال: كتاب غير كتاب الله ؟. أتدرون؟. ما ضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى).

إذن إن الرسول كان يعرف دوره في هذه المسألة التبشيرية. فهو ليس أكثر من مبشر وداع لهذا الدين بما يأمره الله.

موقف الخلفاء من كتابة الحديث:

أما موقف ابي بكر فقد قال: (إنكم تحدثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها. والناس بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه.).(2) .

ولقد روت عائشة، حسبما جاء في "تذكرة الحفاظ" للإمام الذهبي، أن أبا بكر جمع عن النبي خمسمئة حديث، ثم بات ليلته يتقلب، ولما أصبح قال لعائشة: أي بنية لمي الأحاديث التي عندك، فجئته بها فدعا بنا فحرقها فقلت: لم أحرقتها؟ قال: خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت، ولم يكن كما حدثني فأكون قد نقلت ذاك).

أما موقف عمر فقد قال: (إني كنت أريد أن اكتب السنتين، وإني ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً.) . وله قول آخر أيضاً: (أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما يعمل.).(3).

لقد كان عمر بن الخطاب أشد رفضاً من أبي بكر لرواية الأحاديث وتناقُلها على ألسنة الناس. حيث جاء في "تقييد العلم" للخطيب، أن ابن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار فيها أصحاب رسول الله، فأشار عليه عامتهم بذلك، وبعد شهر قال: (إن أناساً من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبِس كتاب الله بشيء أبداً.) وترك كتابة السنن.

هذا ولم يكتفِ عمر بما اهتدى إليه من عدم كتابة السنن، بل أحرق الكتب التي جُمعت فيها الأحاديث. جاء في "تقييد العلم" للخطيب أن عمر بن الخطاب، بلغه أنه قد ظهر في أيدي الناس كتب فاستنكرها وكرهها، وطلب من الناس رؤيتها، فظنوا أنه يريد أن ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار، ثم قال: (أمنية كأمنية أهل الكتاب.). كما منع عمر الرواة من تناقل الأحاديث. وجاء في "مختصر تاريخ دمشق" لابن منظور و"البداية والنهاية" لابن كثير أن عمر بن الخطاب قال لأبي هريرة: (لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس! وقال لكعب: لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة.) وجاء في "تذكرة الحفاظ" للإمام الذهبي أن عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري؛ فقال: (لقد أكثرتم الحديث عن رسول الله.) وجاء في كتاب الإرشاد لأبي يعلى الخليلي أن عمر بن الخطاب حبس جماعة منهم أبو هريرة وقال: (أقلوا الرواية عن رسول الله، وكانوا في حبسه إلى أن مات).

وهذا الخليفة عثمان بن عفان له الموقف من الحديث ذاته: حيث جاء في "الطبقات الكبرى" لابن سعد أن: عثمان بن عفان وقف على منبر وقال: (لا يحل لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر، فإنه لم يمنعني أن أحدث عن رسول الله ألا أكون من أوعى أصحابه عنه، ألا إني سمعته يقول: مَن قال عليّ ما لم أقل فقد تبوأ مقعده من النار.).

ملاك القول:

لا شك أن للسياسة دوراً كبيراً في اعتماها على الحديث، وخاصة زمن الخلافة الأموية بسبب حاجة الخلفاء الأمويين ومن جاء بعدهم للحديث من أجل تثبيت حكمهم وشرعنته بعد أن حوله معاوية إلى ملك عضوض، فبعد وفاة الرسول ووقوف الوحي، وبعد جمع القرآن، لم يعد هناك مجال للاعتماد على النص القرآني في تبرير أو شرعنة ما جاء من أحداث تخللتها المصالح السياسية والاقتصادية من جهة، ثم توسع حياة المجتمع والدولة وحاجتها لتشريعات تتناسب مع هذا التوسع من جهة ثانية، لذلك راح الحديث يتصدر المشهد السياسي والفقهي من قبل المعارضة والموالاة معاً حتى وصل عدد إلى (130000) الف حديث، معتمدين في تبرير نسبه إلى الرسول بشكل أساس على الآية القرآنية القائلة: (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوي). (سورة النجم. 1-5). من خلال تفسيرهم لهذه الآية على أنها تعني كل ما قاله الرسول في حياته وعمله. الأمر الذي جعل مروان بن الحكم الذي لمس سيولة غير مسبوقة من الأحاديث على لسان المعارضين للحكم الأموي، أن يتخذ موقفاً من الأحاديث التي كانت تروى عن الرسول ضد بني أمية وظلمهم، فراح يخاطب أهل المدينة قائلاً: ( يا أهل المدينة إن أحق الناس أن يلزم الأمر الأول لا أنتم. وقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق لا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن. فالزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم عليه الإمام المظلوم رحمه الله، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم). (4). وهذا دليل على عدم الركون إلى الأخذ في الحديث وتقديسه.

على العوم : تذكر المصادر التاريخية أن أول من دون الحديث عند السنة تدويناً رسمياً هو (محمد بن مسلم بن شهاب). المتوفى سنة 124 هـ بأمر من عمر بن عبد العزيز، حيث نقل عنه  قوله: (لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني). (5). إلى أن جاءت محنة البرامكة زمن هارون الرشيد، ودورهم في الترويج لفكر البيت العلوي، الأمر الذي دفع الخليفة هارون أن يعتمد على الشافعي في العمل على مواجهة موقف البرامكة، بموقف ما سمي بأهل السنة والجماعة، فقام  الشافعي بوضع أصول الفقه السني، وحدد المصادر الأساسية للتشريع فيه وهي القرآن والحديث والاجماع والقياس. فمع الشافعي راح الحديث يأخذ مكانته العلمية والتشريعية وحتى وضعه المقدس بعد القرآن، على أساس أنه كلام موحى به من عند الله للرسول كما جاء في تفسيرهم للآية (وما ينطق عن الهوى...)، ويكون الشافعي بعمله السياسي هذا قد اغلق العقل تماماً على ما يريده أهل السنة والجماعة كما سموا أنفسهم، إلى أن جاء الانقلاب الفقهي والكلامي للمأمون الذي حارب النقل (الخطاب السني) واتخذ من العقل وحرية الإرادة وسيلة للوصول إلى الحقيقة، فكانت محنة ابن حنبل، التي أفرج عنها الخليفة المتوكل سنة 232هـ، بإصداره الفرمان المخالف  لفرمان المأمون، أي محاربة من يعتمد على العقل وضرورة العودة إلى النقل، أي العودة إلى التمسك بأصول الفقه التي حددها الشافعي ومشروعه السياسي السني، وشكلت محاكم التفتيش ضد كل من يقول بالعقل وحرية الإرادة.

فمع إصدار المتوكل فرمانه الموالي للسنة، مكّن فيه أهل الحديث (النقل) ووفر لهم الجو من التفرد بكتابة الحديث أو تدوينه. أي كتابة تصورهم المفهومي الخاص للإسلام وتشريعه الملزم، ومحاربة كل من يخالفهم واتهامه بالكفر والزنقة، كون الحديث أخذ يشكل مع الشافعي أحد القوانين التشريعية الرئيسة بعد القرآن في ضبط حركة المجتمع ومصالح الناس. ففي غضون الفترة المباشرة التالية للانقلاب السني مع بيان المتوكل، فرغ أهل الحديث من تفعيل النص النهائي للسنة سنداً ومتناً، فظهرت كتب الحديث الستة الشهيرة وهي : (صحيح البخاري المتوفى سنة 256 هـ. وصحيح مسلم . المتوفى سنة 262هـ . وكتاب الحديث لإبن ماجة المتوفى سنة 273هـ. وسنن أبي داوود المتوفى سنة 275هـ. وكتاب الترمذي المتوفى سنة 279هـ. وكتاب النسائي المتوفى سنة 303). وقد اكتسبت كتب الحديث هذه وخاصة مسلم والبخاري صفة المصداقية المطلقة في كل ما ورد فيها من حديث،. (6)

منذ ذلك التاريخ أي منذ منتصف القرن الثالث للهجرة ومحاكم التفتيش السنية السلفية تقف بالمرصاد لكل من ينتقد الحديث ويقول بالرأي، فهذا ابن حنبل يقول : الحدبث الضعيف عندي أهم من الرأي). وعلى هذا الرأي قدس الحديث ورواته وجامعية، جتى نالهم التقديس شأنهم شأن القرآن ذاته. بل راح بعضهم ينسخ القرآن بالحديث نفسه.

ملاحظة: ظهر المذهب الجعفري مع نهاية الدولة الأموية  وبداية بناء الدولة العباسية، مع بداية ظهور المذاهب السنية. فعندما أقيمت الخلافة العباسية انشغلت  بتطهير الأرض من بني أمية والقضاء على الفتن الصغيرة وتوطيد دعائم الدولة الجديدة، وكانت بحاجة إلى وقت لتثبيت حكمها وتشييد أركان نظامها، ولذلك لم تعنَ كثيراً بالحركات الدينية والثقافية، مما أتاح للإمام  جعفر الصادق (80هـ 148هـ) نشر مذهب وفقه أهل البيت، وتربية عدد كبير من العلماء الفقهاء والمفسرين والمتكلمين. وقد ورد من الأحاديث والروايات عن الإمام الصادق ما لم يرد عن غيره من الأئمة المعصومين، خصوصاً في الفقه الإسلامي. فإن المذهب الشيعي ازدهر في ذلك العصر فعُرف منذ ذلك العصر بالمذهب الجعفري.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

..........................................

الهوامش:

1-  فجر الإسلام – احمد أمين ص 234

2-  الذهبي – تذكرة الحفاظ- 1333هـ ج1 – ص3. طبعة الهند.

3-  ابن عبد البر – جامع العلم وفضله- المطبعة المنيرية- ج1- ص64-65.

4-  ابن سعد – الطبقات- دار صادر بيروت- ج5- ص233

5- نقلاً عن كتاب نشأة الشيعة والتشيع – للإمام محمد باقر الصدر 6– 2- السلطة في الإسلام – عبد الجواد ياسين- مصدر سابق-  ص 153-154  تحقيق وتعليق الدكتور عبد الجبار شرارة – بيروت 1996 –

 

ميثم الجنابيمن نقد الفكر إلى نقد الواقع: تبرز الصيغة النقدية الكبرى وطابعها الإصلاحي العملي عند مطهري من خلال نقد الفكر الديني التقليدي. وقد شكلت قضايا النبوة والإمامة والفقه من بينها أكثرها إلحاحا وشيوعا في مؤلفاته بسبب أهميتها الجوهرية بالنسبة لقضية العمل. من هنا نقده المسهب للتصورات والأحكام المنتشرة عن الله والنبوة والوحي. وانطلق من تقرير الفكرة القائلة، بأن حقيقة المعرفة بالله أوسع وأعمق وأعقد مما يجري تصويره للمبتدئين. بينما اعتبر الفكرة القائلة بأنه لا دور للأفراد في المعجزة وأنها صنيعة إلهية، فكرة ليست دقيقة. وذلك لأن العلاقة بين النبوة والمعجزة هي علاقة الوسائط الضرورية. فالله يعمل من خلال الوسائط. وبالتالي، فإن المعجزة مرتبطة بالأذن الإلهي، ولكن بوصفه إعطاء الفرد إمكانية الكمال. فالمعجزة تجري من خلال الإنسان الكامل. والأخير هو جهد وجهاد فردي. ووضع هذه الحصيلة النظرية في اساس انتقاده الفلسفي للآراء التي قال بها محمد إقبال حول ماهية الوحي بوصفه مرحلة تاريخية ثقافية وطبيعية ترتبط بالقدرة على التكيف مع الطبيعة. ومن ثم، فان حقيقة الوحي متأتي من الحياة نفسها عبر تذليل الغريزة وهيمنة العقل. وان الوحي المحمدي يحتوي على الصيغة الأولية والثانية. بمعنى انه وحي بالمعنى القديم، ووحي بالمعنى الحديث، الذي توج بهيمنة العقل والدعوة إلى التفكر والتعقل بالتاريخ والطبيعة. وهنا ينتهي دور الوحي والرسالة وتنتهي مرحلة الطفولة. وبالتالي، فان الإسلام هو بيان العقل البرهاني والاستقرائي.

وقد انتقد مطهري هذه النتيجة التي وجد فيها صيغة من الصيغ التي تسعى للبرهنة على انتهاء الدين وليس النبوة والوحي والرسالة. كما أنها تتعارض مع الفكرة الجوهرية لمحمد إقبال نفسه حول التوحيد الإسلامي وعلاقة الثابت(الله) بالمتغير (الوجود). وبالضد منها وضع مطهري أفكاره القائلة، بان الوحي أوسع وأعمق من العقل التجريبي. وكل أيديولوجية مبنية على معطيات العقل التجريبي عادة ما تؤدي إلى الضلال، بينما الأيديولوجية الحقيقية هي التي تنطلق من الوحي وتستند عليه. إن عدم إدراك هذه الحقيقة ليس نتيجة ضعف ذهني عند محمد إقبال، بل هي نتاج تأثره بالأيديولوجيات الغربية واغترابه أمامها. فذهنية وفكر إقبال عميقة وعظيمة لكنها متناقضة في تدليلها وأسلوبها رغم وجدانه الذائب بصورة تامة في الإسلام، والسبب هو أن مصادر ثقافته غربية وليست إسلامية. اذ أن معرفته بالثقافة الإسلامية سطحية وبالأخص في مجال الفقه والتصوف والفلسفة. لهذا اعتبر من الخطأ مقارنته بالأفغاني. فالأخير أكثر نبوغا وأوسع ثقافة، إضافة إلى أن أصول معرفته إسلامية ، أما الثقافة الغربية فثانوية.

أما ما يخص فكرة الإمامة، فانه انطلق من أنها فكرة دينية من حيث الأصل وليست سياسية. فالإمامة ليست الحكومة. أنها مثل إمامة النبي محمد، التي كان الأساس الديني فيها مصدر وقوة السياسة. وهي الفكرة التي ينبغي وضعها في التعامل مع التاريخ السياسي الاسلامي والبدائل. من هنا فكرته عن ضرورة نقد التاريخ بالشكل الذي يجعله جزء من الوعي النقدي والرؤية السليمة للمستقبل. فالتركيز على السلبيات سلب. تماما كما أن التركيز على الايجابيات فقط سلب أيضا. والعدل في النقد هو الاعتدال، أي النقد السليم لتجارب الأسلاف. إذ لا يخلو تاريخ دين وأمة من السلبيات والإيجابيات. وتاريخ الإسلام هو من بين أكثرها امتلاء بالايجابيات والفضائل والأقل في السلبيات والرذائل.

وطبق هذا الموقف على القضية الأكثر جوهرية بالنسبة للتاريخ الشيعي وفكرته السياسية، ألا وهي فكرة الإمامة الشيعية و"أهل البيت" النبوي. وتوصل في مجرى تتبعه وتحليله لهذا التاريخ إلى أن تاريخ العلاقة بهم (أئمة الشيعة) يكشف عن تحولهم إلى قوة مخدرة عوضا عن الاتعاظ بها وجعلها قدوة في العمل. بحيث نراه يتكلم عما يمكن دعوته بتصنيم الأئمة وترك العمل. فالاختلاف بين الشيعي وغيره، كما يقول مطهري، يقوم في العمل فقط، اي انه يختلف فقط حالما يجعل عمله شبيها بعمل الأئمة. ومن خلال تناول ونقد الكثير من الشخصيات والأحداث والوقائع التي جرى تحويلها إلى أساطير، توصل إلى استنتاج يقول، بان الإسلام لا يقول بالعقيدة بل يقول بفكرة الجهاد من اجل الحق.

فيما يخص الفقه فانه سعى لتحديد أهميته المعاصرة من خلال تناول أهمية العلم والعلوم، وفكرة الواجب والكفاية فيها. فالكفاية ضرورية في كل علم. من هنا رفضه لفكرة العلوم الضارة. اذ لا ضرر في العلوم جميعا. وبالتالي لا ضرر بالاستفادة من الإنتاج العلمي في كل مكان لأنه جزء من تاريخ المعرفة والكمال الإنساني. لاسيما وان التفاعل بين الثقافات والحضارات أمر طبيعي. فالتفاعل لا يعني التقليد وانعدام الأصالة، على العكس. فأصالة الإبداع لا تتعارض مع التفاعل، بل تستوجبها. وذلك لان الأصالة تعمل بمعايير التمثل وليس الإتباع. فالتمثل الثقافي شبيه بعمل النحلة التي تتمتع بمختلف نماذج الوجود وتصنع عسلها الخاص. وفيما يخص الثقافة الإسلامية، فان خليتها الأولى نشأت في المدينة. وقد كانت منذ البدء ثقافة فقهية، بمعنى الفهم والإدراك وبمعنى أولوية وجوهرية القضايا العملية لوجود المجتمع وحل مشاكله. لهذا أنتجت الثقافة الإسلامية إعدادا كبيرة من الفقهاء العظام. إضافة لذلك أن ما يميز تقاليد الفقه الاسلامي هو ديمومتها واستمرارها وعدم انقطاعها مقارنة بغيره من العلوم.

وفيما يخص فقهاء الشيعة فقد جرى تجاهل التطرّق إليهم ضمن سياق ومسار التاريخ الاسلامي، رغم إبداعهم الهائل. وإذا كان الفقه الشيعي قبل الغيبة محكوما بنشاط الأئمة، بمعنى تصدرهم للإفتاء، فما بعدها، أي منذ القرن الرابع الهجري، فقد اتجه صوب الظهور المتعدد لشخصياته الكبرى مثل علي بن بابويه القمي وابنه الشيخ الصدوق، والشيخ المفيد، والمرتضى، وأبو جعفر الطوسي شيخ الطائفة ومؤسس الحوزة العلمية في النجف، وأبو القاسم الحلي المحقق، والحسن بن يوسف العلامة الحلي، ومحمد بن مكي الشهيد الأول، والسيد مهدي بحر العلوم، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، وميرزا حسين النائيني وعشرات غيرهم. كل ذلك يكشف عن جغرافيا الإبداع النظري الشيعي في مجال الفقه، والتي انتشرت مراكزها حسب التسلسل الزمني من بغداد إلى النجف والحلة  (بابل) ومن ثم إلى جبل عامل ثم حلب وبعدها إلى إيران زمن الصفوية، والتي وضع تقاليد الفقه الشيعي فها فقهاء جبل عامل مثل المحقق الكركي والشيخ البهائي.

غير أن هذا الكم الهائل والإبداع النظري العظيم للفقه تعرض شأن غيره من العلوم إلى جمود وانغلاق مكتفي بذاته وبإشكالاته وقضاياه التقليدية. ولعل اشد نواقصه تقوم فيما اسماه مطهري بالابتعاد عن فقه العمل. وإذا كان تاريخ الفقه الشيعي يعرف حالات فردية تتسم برؤية نقدية حادة ودعوة للإصلاح، فأنها سرعان ما كنت تندثر وذلك لأسباب عديدة لعل أهمها أنها حالات فردية، وثانيا أنها لم تنح منحى عمليا إصلاحيا شاملا مرتبطا بالحياة وحاجاتها. لقد أراد القول، بان محاربة الفقه أو الفقهاء لن يغير شيئا. فهم في هذه الحالة أشبه بالجراد زمن القحط، القضاء على بعض منهم يزيدهم قوة. بينما المهمة تقوم في إبداع منظومة فقه العمل. فالفقيه حسب تصور الفقه الاسلامي ليس قائدا، كما يقول مطهري. إن القائد هو الإمام. وبالتالي، فان مهمة انتقاد تقاليد التحجر والجمود والتقليد والنقل في الفقه هو شكل من أشكال إحياءه الفعلي، أي إرجاعه إلى أصوله بوصفه فهما وإدراكا للحياة والعمل بمعايير الواقعية والإصلاح. من هنا دعوته إلى ما اسماه بالتخصص والتنوع والاستشارة والرجوع إلى المتخصصين كما هو الحال في العلوم المعاصرة. واقترح تشكيل مجلس علمي استشاري بهذا الصدد كما هو الحال بالنسبة للعلوم الدقيقة.

وطبق هذا الموقف تجاه كافة القضايا التي تناولها في كتبه العديدة مثل موقفه من الشعائر الدينية، والأخلاق، والقيم، والشك واليقين، والتوكل، وأصول الإسلام وغيرها. ففي موقفه من شعائر الدين قال بأنها ضرورية، لكن الدين هو ليس الشعائر. واعتبر الأخلاق ثابتة من حيث أصولها متغيرة بفروعها، وان الشك ضروري لليقين، كما أن التشاؤم يتعارض مع حقيقة التوحيد، وان الإسلام هو دين العمل وكل ما يتعارض مع ذلك هو سبب من أسباب الخراب الكبرى في الموقف منه. ووضع هذه الأفكار في اساس موقفه الإصلاحي في تحديد ماهية ووظيفة المفاهيم المفصلية في التراث الاسلامي مثل التقية والتوكل والقضاء والقدر وما شابه ذلك. اذ نراه ينتقد بشدة التفسير السائد عن التقية باعتبارها خضوعا واستسلاما، والتوكل باعتباره تخاذلا، والزهد بوصفه تخليا عن الحياة والعزلة، كما عارض فكرة فصل الحياة إلى دنيا وآخرة ومعارضة إحداهما بالأخرى، كما رفض الإفراط بالعبادات. بينما نراه يركز على مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، باعتباره احد المبادئ الجوهرية للعمل. فقد  اضمحل هذا المبدأ، كما يقول مطهري، للدرجة التي أصبح فيها مجرد عبارة أخلاقية لا تتعدى حدود النطق أو اللسان. بينما جعل منه المعتزلة أصلا من أصول الدين الخمس، لكنه تعرض عندهم أيضا مع مرور الزمن إلى الاضمحلال والتلاشي. في حين اعتبره الشيعة فرعا، بل نراهم يحذفوه مع مرور الزمن من التناول في قضايا الفقه. في حين أن حقيقته ترتقي إلى مصاف المبدأ الدائم بالنسبة للإسلام، شأن الصلاة والصوم وأمثالها.

لقد شكل انتقاد الفكر مقدمة نقد الواقع. حيث نعثر في مؤلفاته العديدة على نقد موضوعي ومتجانس تجاه مختلف القضايا الحساسية بالنسبة للوعي الاسلامي الحديث. من هنا دخول القضايا الاجتماعية والقيم الحياتية والسلوك الاجتماعي وقضايا المرأة وغيرها في فلك اهتمامه النظري والعملي.

فقد انتقد مختلف مظاهر السلوك الاجتماع، والتي أدرج فيها ما اسماه بالروح الانهزامية حيث وجد فيها شيئا يتعارض مع حقيقة التوحيد الاسلامي. وانتقد مختلف مظاهر الاستلاب الثقافي لأنه وجد فيها تدميرا للقوة الذاتية المبدعة. كما أنتقد مظاهر الخنوع بلا عمل، والعمل بلا فرائض، حيث وجد فيهما ضمورا للروح والعقل وعبثا لا معنى له. كما انتقد غياب الروح الإصلاحي مع أن احد مبادئ الإسلام الكبرى هو العمل بالمعروف والنهي عن المنكر. كما انتقد ضعف الخدمة الاجتماعية، بينما هي حالة ضرورية للفرد والجماعة والدولة، انطلاقا من أن أعظم العلماء والفلاسفة وغيرهم لم يكونوا مصلحين لكنهم قدموا خدمات جليلة للمجتمع. كما انتقد مظاهر الفكرة القائلة، بان الأغلبية صائبة على الدوام. واعتبر أن الأغلبية ليست صائبة على الدوام. كما وجه نقده اللاذع لمختلف قضايا البدع والخرافات وغيرها من المظاهر السلبية السائدة في العرف لإسلامي.

وشكلت قضية المرأة إحدى أهم القضايا التي توسع في تناولها في عدد من كتب وأبحاثه ومحاضراته. وانطلق في موقفه من هذه القضية من المبدأ العام القائل، بأنه ليس في الإسلام رؤية تحقير تجاه المرأة بوصفها مصدر الخطيئة، وأنها صنعت من ضلع الرجل وما شابه ذلك من مواقف وأساطير. وفي موقفه من الحجاب الاسلامي شدد على انه على خلاف غيره لا يحجّر نشاط المرأة  بل على العكس انه يفجر طاقاتها. فهي تمتلك المواهب كالرجل. وان معنى الحجاب الاسلامي هو ما يؤدي إلى تنويع وتوسيع نطاق عملها المنتج والمثمر وليس تحويلها إلى مجرد كتلة من الرغبات الجنسية للرجل. من هنا انتقاده لمختلف الموروثات عن المرأة والموقف منها من اجل بلورة روية معتدلة تستدل بالتاريخ والفكرة الإسلامية السليمة والحاجة المعاصرة من دون إفراط وتفريط. وتوصل إلى استنتاج نقدي عام يقول، بان العالم الاسلامي قد أهمل حقوق المرأة المهمة. وبالتالي، فان المهمة تقوم بإرجاع حقوقها التي كفلها الإسلام أولا، لا أن يجري إضافة مشاكل لها بمعايير الروية الغربية. فلإسلام لم يقرر حقوقا متشابهة للرجل والمرأة في كافة الحالات كما تختلف واجباتهم والعقوبات أيضا.

لقد تناول مطهري مختلف جوانب قضية المرأة  بطريقة معهودة في كتابات الإسلاميين الحديثة، لكن ما يميز موقفه هو إدخال الجدل العقلي والفلسفي والثقافي فيها، وتقديم مختلف المقارنات والحجج  المستقاة من تجارب الغرب والشرق والعالم الإسلامي. وفيما يخص القضية الشائعة عن تعدد الزوجات، فقد كانت مواقفه الشخصية وميوله تقوم في الدفاع عن النموذج المعتدل للرؤية الإسلامية، بمعنى بقاءه ضمن سياق الحاجة والضرورة وأفضلية الزوجة الواحدة.

إن الصورة العامة لرؤيته النقدية وغاياتها يمكن حصرها في فكرة عامة تقول، بان نقده يتسم بروح السعي الإصلاحي والبديل المتفائل من جهة، والعمل بما يتناسب مع إدراك المعاصرة والعمل الجماعي للبدائل من جهة أخرى. اذ نراه يشدد على ما اسماه بضرورة إدراك المعاصرة، انطلاقا من أن الذي يعرف عالمه الحاضر لا تلتبس عليه الأمور. أما ضرورة العمل الجماعي، فتنطلق من أن الفكرة البديلة ينبغي أن تكون على الدوام عملية واجتماعية. من هنا موقفه العام عما اسماه بضرورة توحيد الجهود الإسلامية وليس توحيد المذاهب. بمعنى فسح المجال أمام التنوع والتعدد في الاجتهاد مع الإبقاء على مرجعية العمل المشترك.

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

بدر الدين شيخ رشيدخاض سيد قطب صراعا أدبيا فكريا مع عدد من رجال الأدب، ويمكن أن نتساءل ما الدوافع للنقد الأدبي بين سيد وغيره من الأدباء المفكرين؟ هل هو مجرد دوافع شخصية ذاتية  تخضع لذوق الأديب مع اختلاف ذوق الآخر في الرؤيا؟  أم أن هناك دوافع أخرى: فكرية وأيدلوجية تخلق هذا الصراع الفكري الأدبي؟

يبدو أن الصراع الأدبي بين سيد قطب وخصومه، كان صراعا فكريا تابعا لاختلاف الفكر والأيدلوجيات، مما يتعلق بالتفسير الأديب وعلاقته مع الدين والوطن والتاريخ الإسلاميّ،  فسيد قطب كان أدبه قريبا إلى الأدب الإسلامي الذي لا ينفتح على الثقافة الغربية وحضارتها وذلك بسبب أصوليته الشديدة للفكر الإسلامي الأصوليّ،  ولهذا، نجد أن أول صراع أدبي دخله، يلتمس فيه أنه كان صراعا بين  مدرستي الإصلاحيين والمحافظين في الفكر، فسيد فطب كان محافظا فيما يبدو بالمقارنة إلى مجموعة أبي لو، والتي يترأسها الدكتور أحمد زكي، بحيث يظهر أنها كانت  إصلاحية منفتحة.

ويدل على ذلك نقد الدكتور أحمد زكي التراث الإسلامي، وهذه هي سمة النقاد الاصلاحيين، كما تدل معركته مع عبد المنعم خلاف، عام(1944م)، حيث انتقد عبد المنعم خلاف على سيد قطب في قضية: الصلة بين القرآن والإيمان والعقل والوجدان، واتهم عبد المنعم خلاف على سيد  قطب بأنه لم يجعل موطن العقيدة والإيمان هو الوجدان، وبالتالي أنه يقصي الذهن والعقل ويلغي دورهما في التعامل مع الإيمان[1].

من جانب آخر، رغم أن الصراع الأدبي بين سيد قطب وخصومه له طابع الصراع الأصولي والإصلاحي، إلا أنه لايخلو في بعض الأحيان، كونه صراعا  ذاتيا وليس موضوعيا، كما ستلاحظ من خلال عرضنا لنماذج من ذلك الصراع الأدبي.

نماذج من الصّراع الأدبيّ عند سيد قطب:

سنعرض نماذج من الصراع الأدبي عند سيد قطب وخصومه، ومن أشهرها:معركة المنبر الحر، عام ( 1934م) ، معركته مع الرافعيين،عام (1938م)، معركته مع الدكتور محمد مندور، حول الأدب المهموس، عام (1943م)، معركته مع عبد المنعم خلاف حول التصوير الفني في القرآن، عام ( 1944م)، معركته مع دريني خشبة، عام (1943م)، معركته مع صلاح ذهني، عام ( 1944م)، معركته مع إسماعيل مظهر، عام (1956م)، وإليك عدة نماذج:

معركة المنبر الحر عام ( 1934 م):

خاض سيد قطب هذه المعركة من على المنبر الحر «مجلة الأسبوع»  في صيف عام (  1934م)، فكات المجلة قد أسمت صفحة النقد فيها  المبنر الحر وفتحت المجال لسيد، ليشن الحرب على الأدباء الآخرين، كما فتحت المجال لردود الآخرين عليه، وكان عنيفا في معركته، وكانوا أيضا عنيفين في ردودهم، ونشر في زاوية المنبر ست مقالات نقدية متسلسلة تحت عنوان:« معركة النقد الأدبي ودوافعها الأصلية »، فذكر في المقالة الأولى قولا عن الدوافع الخفية لمعارك النقد الأدبي في ذلك  الوقت  فقال:« لعل من الخير ألانغالط أنفسنا في الحق؛ لأنه مرّ، ولا نشيح بوجوهنا عن الواقع؛ لأنه مؤلم، ولعل من الخير إذن أن نقول  :إن كثيرا من بواعث المعارك النقدية لم يكن كريما،كما أن كثيرا من أسلحتها لم تكن شريفا، وإنه لخير أن نقول هذه الكلمة قبل أن يقولها التاريخ، وقبل أن تأتي أجيال بعدنا تنظر إلينا نظرة التقزز والاشمئزاز وترى في بعضنا خبثا وفي البعض الآخر غفلة»[2].

صراعه مع الرافعيين عام (1938م):

لما توفي الرافعي عام (1937م)، كتب تلميذه محمد سعيد العريان مقالات  في مجلة «الرسالة» يشيد فيها بالرافعي، ثم بدأ سيد قطب ينقد في مقالاته  العريان، فنشر مقالته الأولى في العدد 251، من مجلة «الرسالة» الصادرة بتاريخ 25 أبريل (1938م)، وجعل عنوانه بين العقاد والرافعي، فقارن فيه بينهما، حيث قال:«  وبعد: فما يمكن أن يتفق العقاد والرافعي في شىء فلكل منهما نهج لا يلتقي مع الآخر في شىء، فالعقاد أديب الطبع القوي والفطرة السليمة، والرافعي أديب الذهن الوضاء، والذكاء اللماع، والعقاد متفتح النفس ريّان القلب والرافعي مغلق من هذه الناحية، متفتّحُ العقل وحدَه للّفتات والومضات، والطاقة العامة لكل منهما في ناحيته متفاوتة بعد ذلك، فطاقة العقاد النفسية أقوى من طاقة الرافعي الذهنية، وعالَم العقاد والحياة في نظره أشمل وأرحب بكثير من العالم الذي يعيش فيه الرافعي ويبصر الدنيا على ضوئه، وإذا لم تكن كلمة اليوم تتسع لضرب الأمثال، فستتسع الكلمات المقبلة للمثال بعد المثال»[3].

ويمكن لنا أن نفهم من نقد سيد قطب على الرافعي ودفاعه عن العقاد من حيث الاختلاف في التوجه الفكري، فالعقاد كان من رواد الفكر السياسيّ الإسلامي الذين دافعوا عن الحضارة الإسلامية وزيفوا  الحضارة الغربية، فيما نجد أن الرافعي كان يغلب عليه الطابع الأبي، ولذا كان  دفاعه منصبا حول التراث الأدبي العربي  والإسلامي، ولم يكن كالعقاد في الدفاع عن الفكر الإسلامي السياسي المعاصر.

صراعه مع دريني خشبة عام ( 1943م):

كانت  صراع سيد مع دريني خشبة قصيرة وسببها رد دريني خشبة على مقال لسيد في نقد وتحليل كتاب: «أحلام شهرزاد»  لطه حسين، حيث كتب خشبة في مجلة الرسالة واعتبر ثناء سيد قطب على القصة أمرا  يدل على عدم اهتمامه بالأخلاق؛ لأن القصة تتنافى مع الأخلاق، ثم ردّ سيد قطب عليه، ولكن خشبة لم يسكت بل فنّد كلام سيد في رد آخر عليه.

هذا، ولما دارت معركة بين سيد والدكتور محمد مندور فيما بعد، تدخّل دريني خشبة ضد زميله سيد قطب، فما كان من الأخير إلا أن ردّ عليه، ودارت بينهما معركة  ثالثة عند ما هاجم أحدُ شيوخ الأدب الذي رمز اسمه بالحرفين: أ.ع. الشعراء الشباب، فرد عليه دريني خشبة ودافع عن الشعراء الشباب، وذكر  في دفاعه اسم سيد ضمن مجموعة من الشعراء الشباب وكان هذا كافيا لأن يهاجم سيد قطب بعنف، معتبرا إياه قاصدا ذمه وانتقاصه، فما كان من خشبة إلا أن ردّ على العنف بعنف أشد ودار بينهما جدال صاخب[4].

صراعه مع الدكتور محمد مندور عام(1943م):

سبب نشوب المعركة بينهما كانت عدة مقالات كتبها الدكتور محمد مندور في مجلة «الثقافة» عام ( 1943م)، تحدث فيها عن الأدب والشعر، وفضل فيها شعراء المهجر على غيرهم من الشعراء العرب، وسبب ذلك، ما في شعرهم من همس، والهمس ترجمة معنوية لمصطلح أدبي فرنسي  ترجمته الحرفية «نصف الملفوظ»، فاعتبر سيد قطب الأدب المهموس هو الأدب الحنين واعتبره دليلا على المزاج الخاص المريض، وبذلك انتقل سيد من الأدب والنقد إلى الإساءة لشخصية خصمه مندور[5].

صراعه مع صلاح ذهني عام ( 1944م):

كان صلاح ذهني يهدي كتبه وقصصه لسيد قطب وقال في إهداء واحد منها:« إلى أخي الناقد البارع الأستاذ سيد قطب مع وافر التقدير» وكان يهدف من ذلك أن يتناول سيد نتاجه بالنقد، بل كان جوابه أن قال: «ومع هذا فلم أكتب عنه شيئا لأني لم أجد أنه يستحق  شيئا فجاملته بالسكوت»[6].

وذات مرة، وسيد قطب يتكلم عن أدب وقصص محمود تيمور، لم يعجب صلاح كلام سيد عن أستاذه محمود تيمور، فهاجم سيدا في مقال، فما كان من سيد إلا أن هاجمه بعنف[7].

صراعه مع عبد المنعم خلاف عام(1945م):

في شهر أبريل عام ( 1945م)، نشر سيد قطب في كتابه الإسلامي الأول «التصوير الفني في القرآن»واستقبله جمهور الأدباء استقبالا طيبا، وكان ممن مدحه صديقه عبد المنعم خلاف، إلا أنه أخذ عليه بعض المآحذ منها:

أن التصوير الفني ليس هو القاعدة العامة للتعبير القرآني كما قرر سيد قطب  في الكتاب بل هو أداة واحدة من أدوات التعبير القرآني الكثيرة.

ذهب سيد قطب إلى أنه باكتشافه التصوير الفني قاعدة أساسية للتعبير القرآني  قد أدرك سر الإعجاز في التعبير القرآني، فخالف عبد المنعم خلاف، وصرح بأن سرّ الإعجاز لا يدرك.

خالف  عبد المنعم  سيدا في الصلة بين القرآن والإيمان والعقل والوجدان، واتهم سيدا بأنه لم يجعل موطن العقيدة والإيمان هو الوجدان، وأنه يقصي الذهن والعقل ويلغي دورهما في التعامل مع الإيمان، إلا أن سيد قطب رد على ملاحظات عبد المنعم خلاف الثلاث، وعلى  مؤخذاته على الكتاب، ثم رد خلاف على سيد قطب[8].

صراعه مع إسماعيل مظهر  عام( 1946م):

وسبب  صراع  سيد مع إسماعيل مظهر أن الأخير كان يترأس مجلة «المقتطف» المعروفة، فعند ما أصدر عبد الله القصيمي كتاب «هذي هي الأغلال» أيده الكُتّاب الملحدون وأعداء الإسلام، وممن أثنى على هذا الكتاب إسماعيل مظهر في مجلة«المقتطف»،في مقال يشيّد في الكتاب واعتبره يساوي وزنه ذهبا، كما اعتبر مؤلفه مفكرا حرا يرتفع على جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ، وقد ردّ سيد قطب كلا من عبد الله القصيمي وإسماعيل مظهر، حيث ذكر في مقال له«أن هذه الضجة وذلك الإنزلاق فضيحة أدبية لمصر وقد تؤخذ دليلا على غفلة النقد فيها إلى حد مخجل»[9].

صراعه  مع شيوخ الأدباء عام ( 1947م):

ختم سيد قطب  بصراعه الأدبية بمعركة عنيفة شنها على شيوخ الأدباء والكتّاب في مصر، ومنهم شيخه السابق العقاد، والدكتور طه حسين، وتوفيق الحكيم، ومحمد حسين هيكل، وأحمد أمين وغيرهم[10].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

.......................

[1] - صلاح عبد الفتاح الخالدي،  سيد قطب من القرية إلى الاستشهاد، دار القلم، دمشق، سوريا، ط2/1994م، ص177.

[2] - المصدر السابق، ص169.

[3] - المصدر السابق، ص171.

[4] - المصدر السابق، ص174.

[5] - المصدر السابق، ص175.

[6] - المصدر السابق، ص176.

[7] - المصدر السابق، ص176.

[8] - المصدر السابق، ص177-178.

[9] - المصدر السابق، ص179-180.

[10] - المصدر السابق، ص 182.

 

عدنان عويدأو: هل الإنسان مخير أم مسير؟

مفهومان.. بل موقفان فكريان ابتدأ الاشتغال عليهما منذ أن بدأ الإنسان يفكر ويبحث عن سر وجوده، وقد راح هذان المفهومان يتبلوران أكثر فأكثر مع ظهور الفكر الديني والاتكاء عليه بحثاً عن سر وجود هذا الإنسان ومآله وماهي القوى التي تتحكم في آلية حركته وتحقيق مصيره.

فهناك من قرر بأن الإنسان مسير وليس له من أمره شيئاً، وهناك من قال لا، إن الإنسان مخير وهو سيد نفسه وقراره وصنع تاريخ حياته. وهذان الموقفان نجدهما قد ظهرها بشكل واضح وعميق مع الفكر الإسلامي بالنسبة لنا، وفي النص المقدس بالتحديد، ولم يزالا قائمين حتى اليوم، وعلى أساسهما حدثت صراعات فكرية عقدية ودموية طويلة أدت إلى انقسام المسلمين في تاريخ الخلافة الإسلامية بين القدرية الذين قالوا بحرية الإنسان (كجعد بن درهم، وغيلان الدمشقي، والمعتزلة فيما بعد، وبين الجهمية (نسبة إلى جهم بن صفوان) الذين قالوا بعدم حرية الإنسان وجبرية أعماله وحتى أفكاره. ثم راح هذا الصراع يأخذ بعداً سياسياً أكثر عمقاً بين الذين يوالون السلطان ممن يقولون بالجبر لتبرير أعمال الحاكم والتغطية على مفاسده تحت مظلة الدين، كونه لا يحاسب عليها كما يقول كالجهمية. وبين من عبروا عن مصالح الرعية وقالوا بالقدرية، أي أن السلطان مسؤول عن أفعاله، وبالتالي يجب أن يحاسب عليها،  كا قال المعتزلة. هذا في الوقت الذي ظهر فيه تيار آخر قال بنظرية الكسب كالأشاعرة، الذين حاولوا الخروج من التيارين على اعتبار أن الإنسان وأفعاله مخلوقة لله، ولكن أفعال الإنسان مكتسبة بالعمل وعلى هذا الاكتساب تتم محاسبته على أفعاله يوم الحساب، ولكن الأشاعرة في الحقيقة يقعون في تناقض صارخ عندما يقولون بأن الإنسان وأفعاله مخلوقة لله.. أي إن كل ما يقوم به الإنسان هو من عند الله. وبين قولهم إن الإنسان يكسب أفعاله من عنده.!!.

على العموم حتى لا نتجنى على أحد ونقف إلى جانب تيار دون الآخر دعونا نعود إلى النص المقدس لنرى كيف تجلى كل من الموقفين معاً ببعض من الآيات التي تدل على الموقفين:

أولاً الجبر:

هذه آيات قرآنية تدل عليه كما ورد في الآيات التالية:

1- (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ). ﴿٥٩ الأنعام﴾

2- {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (القمر:49)،

3- {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} (النساء:87).

4- {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله} (النساء:78

ثانياً القدر:

1- ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 134]،

2- (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾. [لقمان: 15].

3- ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 6].

4- {قل هو من عند أنفسكم} (آل عمران:165).

5= (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10]،

من خلال هذه المعطيات التي جئنا عليها أعلاه في هذه المسألة الاشكالية، نقول: كم نحن اليوم بحاجة ماسة لا عادة قراءة التاريخ والنص الديني بناءً على ما حققه العلم من  تقدم في كافة مجالات  المعارف الإنسانية، وبخاصة علم اللسانيات التي ستسمح لنا في فهم مقاصد النص الديني الأساسية، كون هذا الدين يأمرنا بالمعرفة وتشغيل العقل لفتح دلالات النص الديني على مقاصده، والنظر في الآيات البينات (المحكمات)، والآيات المتشابهات التي حذرنا الله من الاقتراب منها، مثلما حذرنا من الذين في قلوبهم زيغ، هؤلاء الذين يشتغلون عليها ابتغاء الفتنة أو تأويله لمصالح أنانية ضيقة وخاصة من قبل مشايخ السلطان.

دعونا نرى ما هو موقف الرسول من قضية الجبر، أو القضاء والقدر، وهو القائل: (سيأتي زمان على أُمتيُ يُؤولون  المعاصي بالقضاء، أولئك بريئون مني، وأنا منهم براء) (1) الصراط المستقيم، ص 32. (2) بحار الأنوار، ج 5،

ودعونا أيضاً نتمعن بهذه المقولة لعلي بن أبي طالب بالقضاء والقدر التي وردت في مناظرته مع رجال له دعاهم للسير معه إلى بلاد الشام لمقاتلة معاوية، فعندما سأله أحدهم عن مسيرهم نحو بلاد الشام (صفين) بقوله: (أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام، أكان بقضاء من الله وقدر أم من عندك؟). فرد عليه عليّ قائلاً:

(لعلك ظننت قضاءً لازماً وقدراً حتماً، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، والاَمر من الله عز وجل والنهي منه، وما كان المحسن أولى بثواب الاِحسان من المسيء، ولا المسيء أولى بعقوبة المذنب من المحسن، تلك مقالة عبدة الاَوثان وحزب الشيطان وخصماء الرحمن وشهداء الزور وقدرية هذه الاُمّة ومجوسها، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلَّف يسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُطع مكرهاً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يكلف عسيراً، ولم يرسل الاَنبياء لعباً، ولم ينزل الكتب على العباد عبثاً).

إذن، الجبر في نظر الرسول، وعلي بن ابي طالب والمعتزلة وعلماني اليوم، ليس من أصول العقيدة الإسلامية، والإسلام منه براء كما ذكر الرسول، وهو عند عليّ من آراء عبدة الأوثان، وحزب الشيطان، وخصماء الرحمن، وشهداء الزور، وقدرية هذه الأمة ومجوسها. والقدرية كما كانت تفهم قبل المعتزلة، هي القول بالجبر، او ما يسمى بالقضاء والقدر.

يظل السؤال المشروع يطرح نفسه علينا وهو:

لماذا نجد اليوم من يحارب العقل وحرية الإرادة الإنسانية ويعمل على إقصائهما من حياة الإنسان؟!.. من أجل ماذا؟!. إن كان تنفيذا لأوامر الله، فالله كرم الإنسان بالعقل وجعله خليفة على الأرض، فكيف يرضى الله أن يكون خليفته جاهل لا يملك من أمره شيئاً.؟!. أما إذا كان الهدف هو تجهيل الإنسان وترك قوى سياسية ودينية محددة تعمل على هذا المشروع التجهيلي من أجل مصالحها؟، فهذا ينافي كل القيم الإنسانية وشرائع الحياة الدينية والوضعية معاً. السؤال برسم الإنسان نفسه.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

عصمت نصارتتفق معظم الدراسات المعاصرة على أن الأيدولوجية الجنسية كان لها عظيم الأثر في ظهور العديد من التيارات والجماعات والنَّزَعات والديانات الإباحية، وتنطلق جميعها من أقاصيص وأساطير يونانية وتلمودية وفارسية، وتتلخَّص عُقدتُها، ومحورُ أفكارها الرئيسة في أن عِلَّة شقاء الإنسان تتمثَّل في رغبته الجنسية، التي لم يرضَ الربُّ عنها؛ لذا طرد آدم وحواء من جنته، غير عابئ بالأخطار التي سوف يتعرضا لها وذريتهما على الأرض، في حين أن الشيطان كان مدرِكًا لتأثير هذه الرغبة على بني البشر، الذين لم يكن لديهم سبيلٌ للخلود والسعادة على الأرض إلا بالجنس، وما يصحبه من متعة، وما يتبعه من حمل وإنجاب، أي أنه كان أرحم بالإنسان من الإله الخالق؛ الأمر الذي دفع جُل المؤسسين للديانات الجانحة إلى اتخاذهم من الجنس نقطة الانطلاق في برنامجهم الدعوي، ثم تأسيس المعتقدات وابتداع الطقوس، بنِسَب متفاوتة تبعًا للثقافة والعصر الذي طُرِحتْ فيه تلك الدعواتُ.

أما الهدف الذي كانت تسعى إليه تلك الديانات يمكن إيجازه في:

- الحط من قدر الرب الخالق والإعلاء في الوقت نفسه من قَدْر الشيطان، وأنبيائه الذين يرسلهم إلى البشر في هيئة مخلِّصين وناسخين للشرائع التي تنزَّلت على الرُّسل من قِبَل الرب الذي طرد الشيطان لمساعدته البشر وحنوِّه عليهم.

- الكفر بكل الشرائع (اليهودية - المسيحية - الإسلام) والتأكيد على أن ما جاءت به يخالف الطبيعة الإنسانية ويحرم البشر من لذائذ الحياة بحجة أن الرب سوف يعيد المؤمنين به والطائعين لتعاليمه إلى الجنة التي طُرِدوا منها.

- إن الشيطان أو المخلِّص الذي جاء بتعاليمه أكثر حكمة وقوة من جميع الأرباب، وليس أدلُّ على ذلك من كثرة أتباعه ومؤيديه على مَرِّ العصور.

- إن الجنس هو الطقس الذي يجب الحفاظ عليه؛ لأنه هو أفضل الوسائل للرد على الأرباب الذين حرَّموه، والشرائع التي فرضت عليه القيود، ومن ثمَّ يجب ممارسته بعد تمزيق كل الكتب التي توصَف بالمقدسة، ومخالفة كل ما جاء فيها من تعاليم.

وقد وجَّهت الصهيونية هذه الأفكار لإفساد الشباب ونشر الإلحاد والترويج للإباحية والعنف ذلك فضلاً عن الإتجار بالمخدرات بكل أنواعها.

وتعد فرقة يهود الدونمة التي تأسست على يد "سبتاي زيفي" (1626م – 1675م) في القرن السابع عشر في تركيا من أوائل الديانات الحديثة التي اتخذت من هدْم القِيَم سبيلا لإفساد المجتمع الإسلامي من الداخل وذلك عن طريق نشْر ثقافة العُري، والترويج للفلسفات الإلحادية الوضعية بين الشباب والدعوة للسفور وإباحة البغاء.

وقد مكَّنهم من ذلك تكوينهم العَقَدي الباطني؛ فهم في الأصل جماعات سِرِّيَّة تظاهرت باعتناق الإسلام واتخذ أتباعُها أسماءَ مسلِمةً واحتفظوا في الباطن بأسمائهم اليهودية وهى العقيدة التي ظلوا مخلصين لها بعد تعديلها والإضافة إلى تعاليمها، وذلك تبعاً لما جاء به مؤسِّسُها الذي كان يُعَدُّ عندهم مخلِّص آخر الزمان الذي جاء ليحقق أحلام اليهود في السيطرة على العالم واستعباد كل الأجناس التي جحدت عقيدتهم الصهيونية.

وقد نجح الدونامييون في غزو الباب العالي (أي قصر الخلافة) والوزراء ورجالات الدولة عن طريق العاهرات والبغايا المحترفات اللواتي أصبحن بعد ذلك صاحبات الأمر والنهي في الدولة العثمانية حتى سقطت الخلافة على يد أحد أبناء الطائفة وهو "كمال أتاتورك" (1881م - 1938م) عام 1923م ومازال الدونمييون يلعبون الدور الأكبر في تسييس تركيا؛ الأمر الذي يفسر سرّ الوفاق بين سياسة الأتراك المعاصرين والصهيونية العالمية من جهة ويكشف في الوقت نفسه عن عِلَّة حمْلتهم على مصر وتآمرهم عليها من جهة أخرى.

وقد ذاع في الأيام الأخيرة العديدُ من الأخبار عن انتماء "رجب طيب أردوغان" وكذا "آل ثاني" في قطر إلى هذه الطائفة إذ لم يكن بالانتماء العَقَدي فبالانضواء الأيديولوجي وذلك بحسب ما أورده الكاتب التركي " Ergün Poyraz"  في كتابه (أبناء موسى)، وتصريحات للكاتب التركي " Y. Küçük " في الكثير من المواقع الإلكترونية، وغيرهم من الذين أكَّدوا أن أصول أردوغان تُرَدُّ إلى طوائف يهودية. أمّا أصول آل ثاني القطريين فتكشف الوثائق المحفوظة في مكتبة استنبول أنهم من نسل جارية يهودية تُدْعَى "هيلينا مكارت" وحصين (حسين) آل خليفة الذي اعتنق اليهودية بعد افتتانه بها وافتراشها له قبل الزواج وأقام معها في بيت أبيها الحاخام ببولاندا وأنجبت منه أربعة أولاد.

والجدير بالذِّكر في هذا السياق أن المدافعين عن أسرة "آل ثاني" من القطريين لم يستطيعوا القطع بكذب هذه الوثيقة، وانتهت دفوعهم إلى أنه لا يعيب حكام قطر انحدارهم من نسل يهودي.

أما عن أثر الأيدولوجية الجنسية في بنية هذه الديانة فتبدو في:

ممارستهم التي لا تخلو من المجون والعبث والإباحية مثل تبادل الزوجات وإلغاء الوصايا العشر التوراتية، وجعلوا الزنا من المكرهات - بين الدونميين - وليس من المحرمات، ذلك فضلا عن عيد (الحَمَل أو الخروف) الذي يُقام في ليلة 22 مارس من كل عام، وفي تلك الليلة تُطفَأ الأنوارُ ويمارَس الجنس بشكل جماعي، ويعتقدون أن مواليد تلك الليلة مباركون، ويكتسبون نوعًاً من القدسية بين أفراد الدونمة.

ويمكننا أن نلاحظ من البنية العَقَدية ليهود الدونمة ثلاثة عناصر رئيسة هى (مخلِّص ناسخ للشريعة - هدْم كل القيم المقدَّسة - إفساد الأغيار) ناهيك عن النزعة العنصرية الحاقدة والمدمِّرة.

وإذا انتقلنا إلى ديانة أخرى وهى البابية؛ فإننا سوف نجدها تنطلق أيضًا من عقيدة المخلِّص المنتظَر الناسخ للشريعة والراغب في إسعاد الشباب وإنقاذهم من الهمِّ واليأس والخوف وغير ذلك من المشاعر التي تولَّدت من سلطة الفقهاء ورجالات الدين في الأديان السماوية؛ أي أن دعوة هذه الديانة دعوة عالمية لكل البشر بغَضِّ النظر عن معتقداتهم وجنسياتهم السابقة على إيمانهم بتعاليم الباب أو المخلِّص.

وقد أسسها "علي محمد رضا الشيرازي" (1819م - 1850م) الذي لقَّب نفسه "بباب الله" ومن أهم العوامل التي أدَّت إلى انتشار دعوته في إيران تلك الغواني التي جمعتهن الحسناء "فاطمة زرين تاج البرغاني" (نحو 1815 – 1851م) وهي من أولَى المؤمنات بدعوته، وقد لُقِّبتْ (بالطاهرة قرة عين) وقد استطاعت عن طريق الحلقات التي كانت تعقدها لشرح وتفسير شرعة الباب في كتابه (البيان) من اجتذاب الشباب والمراهقين الذين سقطوا في حبائل وغرام الفاتنات من الحِسان المدَرَّبات.

وتتشابه الواقعات بين طرائق يهود الدونمة في اجتذاب الأنصار وطرائق البابية، وقد أكَّدت العديد من الوثائق علاقة الباب بدوائر الاستشراق الصهيوني الإنجليزي والأمريكي، ووضحت كذلك أن الغاية الرئيسة من دعوة الباب هو إفساد شباب المسلمين ودعوتهم إلى الماسونية حيث وحدة الأديان والتحرُّر من قيود الشرائع اليهودية والمسيحية والإسلامية، وأن دَفْنَ الباب في حيفا خير دليل على صلة هذه العقيدة بالنِّحَل الصهيونية، وكذا الفِرَق التي انبثقت عنها، وعلى رأسها البهائية التي اتخذت من عكا قِبلة لها.

فروي عن "قرة عين" أنها أفتَتْ بزواج المرأة من تسعة رجال في آن واحد رغبة منها في المساواة الكاملة بين الجنسين، وصرَّحت بأن عقيدة الباب قد ألغت الحجاب ونسخت كل الشرائع وأحلَّت النساء وحررتهن من الحجاب والنقاب ومن أقوالها "لا أمْر اليوم ولا تكليف، ولا نهْي ولا تعنيف، وإنَّا نحن الآن في زمن الفترة، فاخرجوا من الوحدة إلى الكثرة، ومزِّقوا هذا الحجابَ الحاجز بينكم وبين نسائكم بأن تشاركوهن الأعمال وتقاسموهن الأفعال، وواصلوهن بعد السلوى، وأخرجوهن من الخلوة إلى الجلوة، فما هي إلا زهرة الحياة الدنيا، وإن الزهرة لابد من قطفها وشمها لأنها خلقت للضم والشم، ولا ينبغي أن يُعَدَّ ولا يُحَدَّ شامُّوها بالكيف والكَم، فالزهرة تجنَى وتقطَف، وللأحباب تهدَى وتتحَف".

كما أحلَّت تبادُل الزوجات بين البابيين حتى تزيل الأحقاد والغيرة بين الرجل والنساء.

واكتفى البهاء بتغريم الزناه وكراهة المثلية الجنسية وتجويز (وإجازة) نكاح المحارم ما عدا زوجة الأب وزوج الأم ما دام البهائيون قلة ومستضعَفين. وقد استهوت هذه التعاليم - بطبيعة الحال - معظم المراهقين والماجنين من الجنسَين.

وتجدر بنا الإشارة إلى أن المواقع البهائية المعاصرة تنكر هذه التعاليمَ وتزعم أنها منحولة على كتبهم. والذي يعنينا في هذا السياق هو ذلك الدَّربُ من الإباحية الذي أضحى آلية للإضلال وهدْم الدِّين.

وإذا كانت عقيدة يهود الدونمة والبابية قد اتخذت من الرغبة الجنسية عاملاً مساعدًا للدعوة وجعلت تعاليم الشيطان مضمَرة أو كامنة أو مستتِرة خلف شرائعها؛ فإن ديانة باخوس أو عبدة الشيطان أو الإيمو قد اتخذت من الجنس صُلب عقيدتها ومن الشيطان الأساس والمرشِد والمرجِع.

فإننا نجد حول تاريخ نشأة فرقة عبدة الشيطان كتاباتٍ متباينةً؛ إذ ردَّها البعض إلى العقيدة الغنوصية الإيرانية فأهرمان أو الشيطان هو الذي يمثِّل قوى الظُّلمة في المثيولوجيات الفارسية القديمة؛ إذ ظلمه الإله الخالق وحرمه من التربُّع على مملكة العالم، وذلك لقُبح وجهه وفضَّل عليه أخاه النوراني لجماله وطِيْب ريحه؛ الأمر الذي جعل بعض الفارسين يعبدون الشيطان ويعظِّمونه؛ لأنه أحق بالتبجيل والاحترام فهو الملك الحقيقي الذي ظُلِم. وقد تطوَّر هذا المفهوم عند فِرقة "البوليصيين" الذين أكَّدوا على أن إبليس هو الإله الحقيقي لهذا العالم، وانتقل المعتقَد إلى بعض الجماعات المسيحية (1118م)  عند أتباع (جاك ديمولي) وهو أحد فرسان الهيكل.

أما في المجتمعات الإسلامية؛ فيخلط الكثير من الباحثين بين "الأيزيدية" و"عبدة الشيطان"، ويرجع ذلك الخلط إلى أن المعتقد الأيزيدي يجمع في تعاليمه بين الأساطير الفارسية حيث الإله الخالق (ئيزيدان) والإله الحامي كبير الأرواح السبعة (الملك طاووس).

ولمّا كانت الأيزيدية من الديانات السرية لم يعثر المؤرخون على كتابات تنظر لمقدَّساتهم وعباداتهم وشرائعهم الأمر الذي فتح الباب على مصراعَيه للانتحال والتلفيق.

فتنزع بعض الدراسات إلى رد الأيزيدية إلى "عدي بن مسافر" الذي توفي في عام 1162م، ويتلخص معتقدها في أن "يزيد بن معاوية" قد ظلم وأتباعه من بعده ذلك على الرغم من صلاحه وأحقيته في الخلافة. فقد شعر الأمويون بعد انهيار دولتهم على يد العباسيين بمرارة الاضطهاد فجعلوا من يزيدَ مهديًاً منتظَرًاً ومخلِّصَ آخر الزمان، كما ربط اليزيديون بين اللعنات التي مازالت تلاحق إبليس ظلمًا، فالشيطان قد أبَى أن يسجد لآدم إمعانًا في الوحدانية وتنزيهًا لله عن أن يسجد لسواه من جهة، وبين اللعنات التي كانت تنصَبُّ على يزيد بن معاوية، ولا سيما بعد كربلاء ومقتل الحسين، وذلك لأن يزيدَ أيضًا بريئٌ ممّا حاق به من لعنات؛ لأنه لم يُقدِم على محاربة الحسين إلا لحماية الأمة من الفُرقة والشِّرك الذي كان يبدو في تقديس العوام لأسباط النبي من جهة أخرى.

بَيْدَ أن بعض الدراسات تشير إلى وجود أثر واضح لديانة (ديونسيوس) الإغريقية في معتقدات عبدة الشيطان ولاسيما في الطقوس التي تصاحب الحفلات الماجنة حيث العري والإباحية وممارسة الجنس الجماعي.

أما عن ممارساتهم الشاذة فتبدو في ليلة (شفرشك) أو الليلة السوداء التي يمارسون فيها الجنس جماعيا، دون التقيُّد بقيود الأعراف أو الشرائع، ذلك بالإضافة إلى طرائقهم في الزواج؛ وتتمثَّل في قيام الرجل بمطاردة من يريدها، ويخطتفها ويضاجعها، ثم يقوم بتسوية الأمر مع أهلها بعد ذلك.

وتنتشر هذه العبادة في تركيا والعراق وسوريا وروسيا وبلجيكا وألمانيا.

ويحدِّثنا (بنثورن هيوز) عن الاحتفالات الصاخبة التي كان يعقدها المراهقون في أوروبا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، وكانت لا تخلو من الممارسات غير المألوفة بداية من الموسيقى، ومرورا بالممارسات السحرية والشذوذ الجنسي، ونهاية بالرقص الذي لا يخلو من الإثارة بين الجنسَين، بالإضافة إلى تمزيق النصوص المقدَّسة، وكسْر الصليب، والتهكُّم على طقوس القدَّاس المسيحي، وأطلقوا على هذه الاحتفالات اسم القدَّاس الأسود؛ وهو السبت الذي يُعبَد فيه الشيطان عوضًا عن المسيح المصلوب.

ولم تظهر لهم جمعيات منظَّمة إلا في القرن العشرين، في أوروبا وأمريكا، أما أول كنيسة لهم فقد شيَّدها "أنطون لايفي" عام 1966م صاحب كتاب "إنجيل الشيطان"، الذي بيَّنَ فيه أن جماعته لا تعبد شيطان الأساطير أو الكتب المقدَّسة، بل تعبد الرغبة الحُرَّة الكامنة بداخل كل شخص منهم، وهي بطبيعة الحال لا ترضي المجتمعَ ولا أعرافه وتقاليده، ومن ثَمَّ يصبح شعار (الشيطان يريدك) هو الدعوة الصريحة التي تطلقها الأنا الحرة من داخلك.

وتتلخَّص طقوسهم في الإطاحة بكل المقدَّسات والشرائع السماوية، والانغماس في اللذات بكل أنواعها، وعلى رأسها بطبيعة الحال ممارسة الجنس بكل أشكاله، بما في ذلك زنا المحارم ومضاجعة الحيوانات، وتفضيل العري على ارتداء الملابس، بالإضافة إلى تعاطي المخدرات ومن مقولاتهم المقدَّسة: (أطلِق العنانَ لأهوائك وانغمِسْ في اللذة، واتَّبِع الشيطان؛ فهو لن يأمرك إلا بما يؤكِّد ذاتَك ويجعل وجودَك وجودًا حيويًّا).

أما الإيموز فهي جماعة من عازفي ومتذوِّقي الموسيقى الصاخبة، تتراوح أعمار أعضائها من (12 - 17)، واشتُق اسمُها من كلمة emotion، وتعني التعبير الانفعالي، وكان أول ظهورها في أوروبا وأمريكا عام  1984، وقد لوحظ على المنتمين إليها الإحساس بالكآبة والتمرُّد، والرغبة في الثورة، وانتقاد كل ما هو مألوف وموروث، وقد انعكس ذلك على ملابسهم السوداء، وأحيانا يُضاف إليها مربعات بيضاءُ، ونظَّاراتهم السوداء، والكثير من الأساور والحِلْقان، وكذا الوَشم الذي يرسمونه على أجسادهم.

ولا تختلف ممارساتهم الجنسية الجماعية عن عَبَدَة الشيطان، وتعاطيهم المخدرات، ويرجع ذلك لتحرُّرِهم التام من كل الآداب والتعاليم، والأخلاق والقِيَم التي تحول بينهم وبين التصرُّف بحُرِّيَّة تبعًا لأهوائهم ورغباتهم وأذواقهم الخاصة. أما طقوسهم؛ فهى لا تختلف أيضاً عن عَبَدَة الشيطان، من حيث ارتشاف الدم، وإقامة الحفلات الصاخبة في الأماكن المهجورة أو بين المقابر، والرقص الماجن حول أجساد الموتى، وذبْح القطط، والتلطُّخ بدمائها.

وللإيمو جماعات تكوَّنت عبْر مواقع التواصل الاجتماعي في مصر والعالم العربي.

تلك كانت قراءات سريعة، غير متعجِّلة لفلسفة الجنس في سياقها التطبيقي، وقد أردنا ممّا أوردناه لَفْتَ أنظار الباحثين إلى ضرورة دراسة هذا المبحث؛ لأنه قد أضحى مؤثرًا قويًا في جُلِّ جوانب حياتنا الثقافية والتربوية والعَقَديّة والاقتصادية والسياسية، وسوف أحاول في المقالة التالية توضيح الفارق بين نظرة الفلاسفة للجنس في إطاره الأخلاقي، الذي لا يخلو من نظرة متعالية مفعَمة بثقافة الفلاسفة وبيئاتهم، التي انطلقوا منها.

وحقيقٌ بي أن أؤكد على أن فلسفة الجنس مازالت من المباحث الفلسفية المعاصرة التي تحتاج إلى أقلام ثائرة وواعية وناقدة؛ للتنقيب عنها بين كتابات الباحثين بداية من فلاسفة الشرق إلى الفلاسفة المعاصرين.

 

بقلم د. عصمت نصار

 

 

عامر عبدزيد الوائليالمقدمة: تعد الترجمة الجسر الذي يمكّن الشعوب من التقارب، إذ تؤدي دوراً بارزاً في نقل الأفكار والآراء والثقافات. ومن ثم فان الترجمة كحقل معرفي ومجال للدراسة فهي قد اصابها تحول مهم نقلها من كونها كانت تدرس في سياق عمليّة تعليم اللغة داخل حقل الأدب المقارن، الا أنها أصبحت جزءاً فعالاً من مقررات اللسانيات المقارنة، جامعة بين الجوانب النظريّة والعمليّة، فالنظريّة بالمعنى العام هي نوع من التفسير لشرح كيفيّة حدوث ظاهرة طبيعيّة ما، بشرط تحقق حدوث هذه الظاهرة وعدم وجود نزاع في حدوثها، ويتزايد التأكد من صحة النظريّة عندما تقدِم تنبؤات بشأن ظواهر غير مثبتة ثم يثبت صحتها بعد ذلك.

رهانات الترجمة عربياً: نجد أن الترجمة قد طرحت مدلولات متباينة بين دعاة الاختلاف والتحديث من ناحية ودعاة الهويّة الذين عدّوا الترجمة وسيلةً من وسائل التغريب والتثاقف مع الآخر .

وقد تسابقت الحضارات في نقل ما وصل إليه الآخرون في شتى المجالات عن طريق ترجمة الكتب في جميع الميادين، وللترجمة الفضل في تواصل اللغة على أساس كونها تستوجب مصطلحات جديدة وصيغاً مبتكرةً وكلمات مستحدثة، فهي تسهم بدرجة كبيرة في إثراء اللغات، والحفاظ عليها على أساس أنّ اللغة كائن حيّ يولد وينمو ويموت.

الا أنّ رهانات الترجمة لها حضورها في كثير من المناقشات الفكريّة ونحن سوف نقف بأزاء هذا الجدل بين " دعاة الاختلاف ودعاة الهويّة " في هذا البحث .

ومن هنا تأتي أهميّة مقاربة هذا الأمر خصوصاً ونحن نرى دور الترجمة وحضورها في تنميّة الثقافة وتواصلها مع هذا العصر التداولي الرقمي الذي أصبحت فيه الترجمة أمراً ضرورياً بل حقلاً معرفياً مهماً وهو ما نود أن نبدأ به هذا البحث أي بدراسة الترجمة كموضوع للبحث وتقنيّة للتواصل وما هي التحولات التي دارت حولها وبها . لكن الترجمة أيضاً كانت وما تزال على تواصل مع العامل الديني سواء كانت مع التوراة التي ناقشت هذا الأمر كحقيقة متعاليّة عندما بلبل الله لسان أهل بابل كعقاب على رفضهم ومعاندتهم له . وكانت من نتائج تلك الحادثة أن اصبحت هناك كثير من اللغات التي جعلت التواصل من دون ترجمة أمراً متعذراً فضلاُ عن دور الترجمة في الدعوة الى المسيحيّة والى آخر...الخ، كل هذه الحوادث تؤكد ضرورة الترجمة والحاجة اليها .

لكن هناك من وجد بأنّ الترجمة ليست وسيلة للاتصال تخلو من التأثير بل ظهر في النقود المعاصر " إن كل لغة لا تقدم وسائل الاتصال لمتحدثيها فحسب، بل تفرض عليهم رؤيّة مختلفة عن العالم. (1) وبالآتي فإن الدراسات الثقافيّة اهتمت بالترجمة بوصفها تحويلاً ثقافياً وعلى تلاقح الترجمة مع مناهج نامية أخرى من ضمن الدراسات الثقافيّة.

ولعل هذا كله كان حاضراً في الدراسات المعاصرة وخصوصاً في اتجاه ما بعد الاستعماريّة، وهو اتجاه يمثله كل من: (شبيفاك Spivak ونيرانجانا Niranjana وينير نيرانجانا) (2) على وجه الخصوص علاقات القوة في ترجمة الشعوب المستعمرة ويمضي بالترجمة ليسائل انحيازها الفلسفي والأيديولوجي الغربي.رغم كل هذا النقد في تفكيك التاريخ، الا ان بين الثقافات قد يكون خاضع إلى يقين تاريخي يقوم على التعامل مع كل التفسيرات في إعادة بناء الماضي او بناء بصورة قريبة من الحقيقة للحصول على المعرفة التاريخية ..(3)، وهذا ما سوف نتطرق إليه في المبحث الاول فيما جاء المبحث الثاني تأكيداً على رهانات الترجمة بين الاختلاف والهويّة .

المبحث الأول: الترجمة والأصول

إنّ الترجمة واحدة من القنوات المهمة في الحوار والفهم والتواصل بين الشعوب فهي أسهمت وتسهم في الحوار وأيضاً بالتثاقف، اي بالتأثير الذي يتركه المترجم في الفكر المنقول له سلباً او ايجابا، لهذا نجد الترجمة طرحت مدلولات متباينة بين دعاة الاختلاف والتحديث من ناحية ودعاة الهويّة الذين عدوا الترجمة وسيلةً من وسائل التغريب والتثاقف مع الآخر .

لكن على الرغم من كل هذا النقاش الذي سوف نقف عنده في هذا البحث تبقى الترجمة حقلاً معرفياً مهماً وهو ما نود أن نبدأ به هذا البحث أي بدراسة الترجمة كموضوع للبحث وتقنيّة للتواصل وما هي التحولات التي دارت حولها وبها .

يبدو أن الترجمة كانت لها جذور فكريّة دينيّة وبهذا فهي تختلف عن الفلسفة بهذه السمة كما يؤكد على ذلك (طه عبد الرحمن) ويمكن أن ننظر الى هذا النقد من زاوية تأصيليّة فنجد أن للخطاب الديني اثراً في ظهور خطاب الترجمة فأول جانب هو تأكيد التوراة على اختلاف الألسن بأمر متعالٍ بحسب قصة التوراة "قصة برج بابل " ويرى طه عبد الرحمن بأن هناك وجهين لهذا الاعتبار المستخلص من القصة الأول: يؤكد على أنّ الحقيقة لم تعد وقفاً على لغةٍ واحدة تنقل عقلاً واحداً وتجمع بين افراد مجتمع واحد .بل صارت ملكاً مشاعاً بين اللغات متباينة تحمل مدارك متفاوتة. وهذا يجعل الترجمة أمراً طبيعياً .أما الأمر الثاني، " التفاهم البعيد "لما انقسمت الأمّة على شعوب مختلفة باختلاف لسانها الواحد إلى ألسن متعددة، فقد صارت حاجة هذه الشعوب ماسّة إلى التفاهم فيما بينها وإن كان هذا التفاهم المطلوب لا يضاهي التفاهم بين أفراد الشعب الواحد . فهذا تفاهم قريب يسره الاجتماع بين اللغات مشتركة، وذلك تفاهم بعيد يعترضه الاختلاف بين اللغات المتباينة في مبانيها ومعانيها .البعيدة إلا بسلوك طريق الترجمة التي سوف تتولى تهذيب الفروق وتذليل الأخطاء في المعاني .(4)

اما الدافع الديني الثاني الذي شكّل محفزاً الى نمو الترجمة وتوسعها هو " ترجمة الانجيل " يذكر بعض المؤرخين أن اللغة التي تكلّم بها رسول الله عيسى (عليه السلام)، هي اللغة الآراميّة في حين نصوص الإنجيل الأربعة المشهورة والمنسوبة إلى (متى) و(يوحنا) و(مرقس) و(لوقا)، وردت باللغة اليونانيّة لكن هذه النقول الأربعة أقيمت مقام الأصل الآرامي المنزل . (ليس لدینا اليوم حرف واحد في العهد الجدید، كتاب المسيحيّة المقدّس، إلا باللغة اليونانيّة - أصل لكلّ الترجمات المتداولة الآن . وما یُحكى عن نصّ أصلي بلغة غير یونانيّة لمتى أو غيره، یظلّ - ما دام غير مؤیّد بالدليل العلمي - مجرّد كلام وتكهّنات.) (5)

وبالآتي اجتمعت في تأسيس "علم الترجمة" الحديث كانت من إنشاء أولئك الذين اسندت إليهم الرئاسة في ترجمة الأناجيل بناءاً على هذا التصور الديني للترجمة يستنتج طه عبد الرحمن افتراضين هما: الأوّل ممارسة الدعوة: تنزل ممارسة الترجمة في هذا التصور منزلة ممارسة الدعوة .ذلك أن الترجمة الاناجيل اقترنت بإرادة الكنيسة في نشر تعاليم المسيحيّة بين الشعوب .

والثاني القيام بالوساطة:ينزل المترجم في هذا التصور منزلة "الوسيط " وواجب الوسيط في مجال الديني –كما شأن النبي – أن يبلغ ما يحمله تبليغا امينا لا تبديل فيه ولا تحريف .

ولعل الكنيسة في اول الامر احتكرت المعنى فأصبحت هي الوسيط، لان المجتمعات الغربيّة لا تجيد اللاتينيّة، ومن هنا جاء للاصلاح الديني وكانت اول مطالبة ترجمة الاناجيل الى اللغات المعاصرة من اكسر احتكار الكنيسة للمعنى وقاد هذا الى حروب دينيّة .(6)، ثم اننا نجد ثنائيّة اخرى غير النظريّة والتطبيق هي الترجمة الحرفيّة Word for Word والترجمة الحرة Sense for Sense، فهذه الثنائيّة كانت حاضرة بعمق التراث الغربي من خلال ترجمة الكتاب المقدس إلى اللاتينيّة مع القديس جيروم Saint Jerome اذ (كلفه البابا بإنجاز ترجمة للأناجيل من اليونانيّة والعبريّة إلى اللاتينيّة، فحضر إلى بيت لحم، وأخذ جيروم يعمل بدأب لإنجاز ترجمته..) (7) ويكمن عمل جيروم الرئيسي في إعادة ترجمة الكتاب المقدس من اللغة العبريّة إلى اللاتينيّة. هذا لأن الترجمات اللاتينيّة التي كانت شائعة آنذاك كانت قد اتّخذت الترجمة اليونانيّة السبعينيّة مرجعاً لها، فجاءت ذات إنشاء ركيك وحرفي. لقد حظيَ هذا العمل بموافقة البابا داماسيوس إلا أنهُ لم يخلُ من الصعوبات وخصوصاً في ما يتعلّق بتلك النصوص التي كانت تستخدم بشكل متواتر في الليترجيا اللاتينيّة، فعلى سبيل المثال لم يستطع جيروم أن يدخل ترجمة جديدة لكتاب المزامير، فكل ما فعلهُ هو إعادة تصحيح بعض الأمور فيهِ. إلى جانب هذا العمل الضخم كانت هناك أعمال أخرى لا تقل أهميّة منها قاموس الأسماء الكتابيّة والأصول اللغويّة وتفسيرات كتابيّة اعتمد فيها بشكل كبير على أوريجانوس على الرغم من كونهُ وقف ضدّه في الأمور العقائديّة. كتب جيروم أيضاً سيرة بعض القديسين المتوحّدين وبعض الكتب الدفاعيّة ضدّ من كان ينقد حياة التوحُّد. إضافة إلى هذا ترك لنا جيروم 150 رسالة) .(8)

فالترجمة على وفق هذه المعطيات هي وساطة وتخدم غرض دعوي يهدف الى نشر المسيحيّة الرسميّة في روما مثلما ترجمت الأناجيل الى اللغات الحيّة والتي أسهمت هي الأخرى في كسر الاحتكار الكنسي للحقيقة وأدّت الى تحول النص الى قناة تواصل بين الله والمؤمنين من دون الحاجة الى وساطة وهذا ما حدث مع كنائس الاصلاح الديني، الا انه ولد ترابطاً بين الترجمة والتأويل من أجل فهم الوحي الالهي مع ظهور اللاهوت الليبرالي إذ جاء كردة فعل على تراكم التجارب في (الترجمة والتلقي والتأويل) وهذا ما ظهر بأشكال متنوعة وصولا الى شلايرماخر Schleiermacher .فالارتباط بين الترجمة والتأويل، اذ أصبح التأويل مكونًا أساسيًّا من ضمن هذه الأخيرة، لفهم فكر الآخر وثقافته، ما دامت العلاقة بين الذات والآخر المختلف عنها، مشروطة بالفهم والتفاهم وإلا فقدت معناها. ولعل هذا يسهم الى حد كبير الى بلورة الترجمة الحرة التي سوف نقف عندها فيما بعد وهي ترتكز على اطروحة أخرى يقدمها جورج غادامر H. G. Gadamer قوامها بأن وظيفة التأويل تتمركز بالأساس على إيجاد تلك اللغة المشتركة القابلة على تحقيق الفهم والتواصل فالمشترك بين التأويل والترجمة هو المعنى، مما يجعل الفهم مطلباً مشتركاً لديهما .وهذه عودة من جديد إلى لشلايرماخر Schleiermacher إذ أقرّ بهذا الأمر في عمله الموسوم بـ "الطرق المختلفة للترجمة" (9)

وبالآتي العودة الى ما بعد بابل في التصور التوراتي وما هو قائم من تنوع وتعدد نفعي في اللغات تصبح الترجمة أمراً مفروغاً منه، ويأتي التأويل بالانفتاح على الحريّة في فهم النصوص من خلال الحوار المثمر بين الإنسان والعالم وتأكيدًا على حريّة هذا الإنسان وفعاليته. (10)

انطلاقا من تلك الاشكاليّة في الترجمة وبين الحرفيّة والحريّة يمكن تأصيلها من خلال:

"نظريّة الترجمة" التي ظهرت في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، إذ اثيرت الكثير من المسائل في هذه الحقبة عبر مبحث اللسانيات الذي شهد تطوراً ملحوظ فإن النظريّة اللسانيّة نظرت الى الترجمة بوصفها " عمليّة لغويّة متخصصة واسعة الانتشار، ثم هي اداة مبدعة لما في اللغة من فكر، ومن هنا فإن هذه الدراسة جاءت لتهتم بالتأسيس الفلسفي وعلاقته بالترجمة، فقد تجاهلوا كون الترجمة كظاهرة أاو مشكلة خاصة باللغة، لكن يبقى لكل تيار من المدرسة اللسانيّة له نظريّة خاصة .

فان الترجمة كحقل معرفي ومجال للدراسة فهي قد اصابها تحول مهم نقلها من كونها كانت تدرس في سياق عمليّة تعليم اللغة داخل حقل الأدب المقارن الا أنها اصبحت جزءاً من مقررات اللسانيات المقارنة، جامعةً بين الجوانب النظريّة والعمليّة،فالنظريّة بمعناها العام هي نوع من التفسير لشرح كيفيّة حدوث ظاهرة الطبيعيّة، بشرط تحقق حدوث هذه الظاهرة وعدم وجود نزاع في حدوثها، فالنظريّة تشرح آليّة حدوث الظواهر، وتكون بشكل عام عرضة للصواب والخطأ، ويدعم النظريّة ما تظهره من التماسك المنطقي والرياضي والقابليّة للتجربة، ويتزايد التأكد من صحة النظريّة عندما تقدم تنبؤات بشأن ظواهر غير مثبتة ثم يثبت صحتها بعد ذلك، وبشكل عام يقصد بكلمة نظريّة (رأي) أو (فرضيّة)،وفي هذا المجال لا يتوجب بأن تكون النظريّة مبنيّة على حقائق، أما الاستعمال العلمي فيشير إلى أن النظريّة هي أنموذج مقترح لشرح ظاهرة، أو ظواهر معينة بإمكانها التنبؤ بأحداث مستقبليّة، ويمكن نقدها، ومن ثم فإن النظريّة هي بمثابة فرض أو مجموعة فروض مرّت بمرحلة التحقيق عن طريق التجريب، ويمكن تطبيقها على عدد من الظواهر المتصلة.

ومن ثم فان حقيقة الترجمة هي مزيج بين الحقلين او الرأيين، لكونها علم بأسسها النظريّة، الى جانب الممارسة والتطبيق والاختبار .وبهذا فقد أسهم مجال البحث الحديث في ردم الهوّة التي اتسعت بين نظريّة الترجمة وممارستها. ومن هنا يمكن الولوج الى "نظريّة الترجمة " ذ اقترح "كانفوردايج – J.Cainguistic" انواع من الترجمة وهي: (الصوتيّة والكتابيّة، والنحويّة، والمعجميّة) . وقد وظف اللغة في اختيار موضوعات نصوص الترجمة الا أن جوهر عمل الترجمة متصل بالمعنى الثقافي وظروف الاتصال .

اما نظريّة "فيدروف – Andre Fedorov "في كتابه" مقدمة في الترجمة " اكد على امر مهم وهو أن نظريات الترجمة لا تحقق الجمع بين الجوانب النظريّة والتطبيق العملي وهو الأساس في الترجمة، سواء على مستوى التعليمي او على المستوى تحديد المشاكل التي يواجهها المترجمون وايجاد لمصطلحات جديدة تستعصي على الفهم، تجعلها صعبة التوظيف، الى جانب إن نظريّة الترجمة تقع بين نطاق النظري والعملي ونتائج البحث اللغوي في المؤسسات الجامعيّة .

اما نظريّة السوسيو ثقافيّة "لبيترنيومارك" وهي التي تصل إلى المعنى بالرجوع إلى المرجعيات الثقافيّة . فاللغة هي الثقافة، وما الترجمة الا تعبير عنها مستنده إلى فرضيّة (نسبيّة اللغات) لسابيرووورف .

فهذه الفرضيّة تقول: "ان كل لغة لا تقدم وسائل الاتصال لمتحدثيها فحسب، بل تفرض عليهم رؤيّة مختلفة عن العالم .(11) وبالآتي فإن الدراسات الثقافيّة اهتمت بالترجمة بوصفها تحويلاً ثقافياً وعلى تلاقح الترجمة مع مناهج نامية أخرى من ضمن الدراسات الثقافيّة.

الترجمة بوصفها عمليّة لإعادة الكتابة، وهو اتجاه تطور عن نظريات النُظم وكان رائده اندريه لوفيفر Lefevere، تتم فيه دراسة إيديولوجيات علاقات القوة الموجودة في رعايّة وبوطيقا الأنظمة الأدبيّة والثقافيّة التي تتداخل مع الترجمة الأدبيّة.

الترجمة والجندر، وهو اتجاه يتمثل بمشروع الترجمة الأنثوي الكندي الذي وصفته شيري سايمون Sherry Simon جاعلاً من المرأة حاضرة في الترجمة.

الترجمة وما بعد الاستعماريّة، وهو اتجاه يمثله كل من شبيفاك Spivak ونيرانجانا Niranjana وكرونن Cronin تتم فيه مقارنة "زحزحة النصوص" والمترجمين العاملين في المستعمرات السابقة للقوى الأوربيّة أو بلغاتهم.

و ينير نيرانجانا على وجه الخصوص علاقات القوة في ترجمة الشعوب المستعمرة ويمضي بالترجمة ليساءل انحيازها الفلسفي والأيديولوجي الغربي. وأخيراً، تستعمل الوحوشيّة البرازيليّة Brazilian Cannibalism، مثلما يمثلها دو كامبوس de Campos وفييرا Vieira، استعارة التهام المستعمر لتنشيط التراث البرازيلي المحلي.

أما نظريّات الترجمة الفلسفيّة:

يفيد شتاينر George Steiner من التراث الهرمنيوطيقي الألماني في كتابه الموسوم "ما بعد بابل" الصادر في عام 1975م، وهو عبارة عن وصف هائل للترجمة الأدبيّة، والذي جعل الترجمة في حينه محط اهتمام العديد من غير المختصين. وتتفحص "حركته الهرمنيوطيقيّة" تفسير المعنى . وتؤكد ترجمات عزرا باوند Ezra Pound ونقوده الطريقة التي تستطيع بها اللغة أن تنشط نص ما من خلال الترجمة، (اعتبر اشتاينر في كتابه المذكور، وتحديدًا في الفصل الخامس وعنوانه: "الحركة الهرمينوتيقيّة" (وهو للإشارة فصل من 152 صفحة)، أنّ هناك أربع لحظات مميزة لمسار الترجمة، يتم من خلالها انبثاق معنى النص المترجم. وتبدأ هذه الحركة الهرمينوتيقيّة mouvement herméneutique بحسب تعبيره، بلحظة الثقة التي يتم فيها الاعتراف بأهميّة العمل الأصلي وبجديته نصًّا قابلاً للفهم وللترجمة. فكل فهم، خصوصًا إذا ما تم في إطار الترجمة، ينطلق من حماسة الثقة التي تتميز بكونها معقدة ومباشرة في الوقت نفسه. إنّها عبارة عن تعاقد إجرائي منبثق من تسلسل الفرضيات الفينومينولوجيّة حول تماسك العالم ووجود الدلالة داخل مختلف الأنساق. ويتجلى سخاء المترجم générosité du traducteur في اعترافه المسبق بضرورة وجود شيء ما ينبغي فهمه، وفي ثقته بصيغة القول "الأخرى"، على الرغم من أنّها لم تكتشف بعد ولم تخضع للتقييم) .(12)

بينما تتحدث دراسة وولتر بنجامن Walter Benjamin الموسومة "مهمة المترجم" "The Task of the Translator" بكثافة وشاعريّة حول إطلاق لغة "نقيّة" من خلال الترجمة "الحرفيّة". وأخيرا "يقوض" دريدا Derrida بعض يقينيات الترجمة بما فيها التعارض بين لغة المصدر ولغة الهدف وثبوتيّة العلامة اللغويّة. ويثير هذا التدقيق لمبادئ نظريّة الترجمة اللغويّة قضايا تتعلق بنظام جديد لدراسات الترجمة. (13)

يبدو ان مقاربة دريدا النقديّة لهذا المفهوم وكشف ملابساته الميتافيزيقيّة كما جاء في كتابه "أبراج بابل" اذ يحاول التمييز في الاسم بين المعنى القارة في لغة البابليين وما يمنحه من معنى وبين التوصيف الذي تسقطه التوراة بلغتها ويمنحه معنى اخر " ينطلق دريدا من إمكانيّة اعتبار الاسم لا ينتمي بنفس الصفة التي في الكلمات الأخرى، إلى اللغة وإلى نظام اللغة سواء كانت مترجِمة أو مُترجَمة. ويشير إلى إمكانيّة اعتبار بابل حدثا ضمن لغة واحدة، يظهر فيها استجابة لتشكيل نص محدد له، ويشير كذلك إلى إمكانيّة أن تفهم لفظة بابل هذه في إحدى اللغات بمعنى البلبلة، ويجد أنه استنادا إلى ذلك، ولأن بابل ستغدو اسم علم واسم جنس، تصبح البلبلة بدورها اسم علم واسم جنس، وذلك بوجود رابطة تناغم ومرادفة بينهما، وليست رابطة تطابق لكون الوضع بعيدا عن الخلط بين قيمهما." (14)

وبهذا يميز بين دلالتين دلالة اليّة ودلاله اسقطتها التوراة على الاسم حتى يوافق مراميها الاقصائيّة الرمزيّة للمدينة التي حولتها الى مدينة ملعونة بحسب قصتها المفتعلة من معنى الاسم وهو امر يظهر بوضوح اذا ما قارنا المعنى ودلالة البرج نجد ثمة علاقة صراعيّة بين التوراة وهي تسلط اللعنة السرديّة التي تحاول أن تدين بابل العظيمة يوم كانت لها سطوتها المدنيّة في الشرق الاوسط القديم جاءت التوراة تحاول بكل بداوتها ان تنال من تلك الحاضرة المدنيّة .

جاء التصوير المثيلوجي" لبرج "بابل وما ارتبط به من حدث غير مستساغ من قبل مدينة أسست عميقا لآليات ثقافة دينيّة وشريعة قوانين وأشكال راقية من العلاقة الروحيّة إذ تجده في تراتيل متنوعة ومنها المعذب البابلي "ايوب " وحواره الفلسفي والعقائدي مع المؤسسة الدينيّة ومفهوم العدل الالهي وغيره الكثير من المنجزات الروحيّة العميقة التي ترسم علاقة معنويّة تظهر الفكر الديني الذي يتسم بالعذوبة .

الا ان حكايّة اعراب التوراة كانت تروي سرديّة اخرى عن علاقتهم في بابل وسلوكها الديني وهو في جوهرة مجرد تعليل خارجي لما اقامه البابليون من زقورات بوصفها معابد يعبد بها الله ولا يحارب ومجال من اجل التقرب اليه وليس محاربته .

الا ان التوراة تقول بأن أهل بابل أقاموا الزقورة من أجل محاربة الله ولهذا جاء الغضب الالهي بان بلبل ألسنتهم وجعلهم غير قادرين على التفاهم والتواصل قيما بينهم وكان من نتيجة هذه اللعنة غياب التفاهم وانتشار البلبلة واعتقد بأن الامر مجرد توظيف اسطوري يجمع بين ظاهرة "الزقورة" ومعنى كلمة بابل فأصبحت تعني اللاتفاهم ومن خلال الاسطورة ظهرت هذا القصة كدليل على الترجمة والحاجة اليها هناك على الرغم من أن بابل تتعامل مع السومريين والعيلاميين ولكل منهم لغته الخاصة .

وكان تأويل التوراة يشكل التأمل الغربي حول الترجمة وهو موضوع بحثنا اذ يبدو أن الترجمة كانت لها جذور فكريّة دينيّة وبهذا فهي تختلف عن الفلسفة بهذه السمة كما يؤكد على ذلك (طه عبد الرحمن) ويمكن ان ننظر الى هذا النقد من زاوية تأصيلية فنجد أن للخطاب الديني أثراً في ظهور خطاب الترجمة:

فأول جانب هو تأكيد التوراة على اختلاف الألسن بأمر متعالٍ بحسب قصة التوراة "قصة برج بابل " ويرى طه عبد الرحمن بأن هناك وجهين لهذا الاعتبار المستخلص من القصة الأول يؤكد على كون الحقيقة لم تعد وقفاً على لغةٍ واحدة وتنقل عقلا واحدا وتجمع بين افراد مجتمع واحد .بل صارت ملكاً مشاعاً بين لغات متباينة تحمل مدارك متفاوتة . وهذا يجعل الترجمة امراً طبيعياً .

اما الامر الثاني، " التفاهم البعيد "لما انقسمت الأمة إلى شعوب مختلفة باختلاف لسانها الواحد إلى ألسن متعددة، فقد صارت حاجة هذه الشعوب إلى ماسة إلى التفاهم فيما بينها وإن كان هذا التفاهم المطلوب لا يضاهي التفاهم بين أفراد الشعب الواحد . فهذا تفاهم قريب يسره الاجتماع بين الغات مشتركة، وذلك تفاهم بعيد يعترضه الاختلاف بين الغات متباينة في مبانيها ومعانيها .البعيدة إلا بسلوك طريق الترجمة التي سوف تتولى تهذيب الفروق وتذليل الخطاء في المعاني .(15)

وإذا ماعدنا الى النقد الذي يقدمه " دريدا " لهذا التصور الاسطوري، " يعتقد أنه حين تهجّي مفردة بابل يكون هناك شعور باستحالة التقرير إذا كان هذا الاسم ينتمي بشكل خاص وبسيط إلى لغة معينة. ويعتبر أن هذه اللاتقريريّة تقوم بتأجيج الصراع من أجل اسم العلم داخل مشهد المديونيّة السلاليّة. ويشير إلى أن الساميين وهم يحاولون أن يهبوا اسما لهم، ويقوموا بتأسيس لغة كونيّة وانتساب واحد في الوقت نفسه، أرادوا أن يخضعوا العالم لمنطقهم. ويجد أن هذا المنطق يمكن أن يعني في آن واحد عنفا استعماريا وشفافيّة سلميّة بالنسبة إلى الجماعة الإنسانيّة."(16)

فادريدا يدرك مراد التوراة من السرد عن الحدث ويرجعه الى معنى اخر هو بمثابة موقف من سيطرة قوى يحاول ان تفرض وجودها فكان لابد من مقاومة ميتافيزيقيّة تحاول وقف هذا النفوذ اذ يرى، وأنه عندما فرض الإله اسمه عليهم وأقره كذلك، أعاق الشفافيّة العقلانيّة، ولكنه أوقف أيضا العنف الاستعماري أو الإمبرياليّة اللسانيّة، إذ أنه وجههم صوب الترجمة وطوعهم لقانون الترجمة الضروريّة والمستحيلة، وانطلاقا من اسمه الخاص القابل للترجمة وغير القابل لها في آن معا فهو سيحرر ما لا يخضع لهيمنة أيّ أمة محددة. ويعتقد أن الترجمة تصبح هي القانون، الواجب، والدَّيْن، ولكنه الدّين الذي يمكن سداده.

يحضر توصيف الترجمة على أنها تكون مثل التماس، هذا لا يلمس الدائرة إلا عرضيا وفي نقطة واحدة، إذ أن هذا التماس لا النقطة، هو الذي يحدد السير على خط مستقيم للقانون الذي بموجبه يستمر إلى ما لا نهايّة. ويجد كذلك أن الترجمة هذه تمس الأصل بطريقة عابرة وفي نقطة معنى تكون لا متناهيّة الصغر، وذلك لاتباع خط سيرها الخاص تبعا لقانون الأمانة ضمن الحركة اللغويّة.

يعتقد دريدا أن مهمة المترجم شاقة وشائقة في الوقت نفسه، وإن ما لا يُستطاع مسّه في عمله ولا يُستطاع الإحساس به، وما لا يُستطاع لمسه، هو الذي يسحر ويوجد عمل المترجم، إذ أنه هو الذي يريد لمس ما لا يُستطاع لمسه، أي ما يَفيض عن النص عندما يتمّ تبليغ ما لا يُستطاع تبليغه أو تعليمه.

يذكر دريدا أن ما لا يكفّ عن السيطرة هو الدين والمهمة والتعيين كنداء للترجمة، إذ ثمة ما يقبل الترجمة باستمرار، سوى أنه جراء عدم التمييز بين المعنى والحرفيّة، يكون غير القابل للترجمة بصورة محضة، في وارد الإعلان عن ذاته، ويعطي ويعرض في أن يترجَم لأنه لم يترجَم. ويعتقد أنه بدءا من هذا الحدّ الداخلي والخارجي، يتلقى المترجم عموم إشارات الابتعاد التي تقوده في مساره الذي لا ينتهي على حرف الهوة والجنون والصمت..(17)

في اشارات دريدا السابقة الى المقاومة فانه ايضاً يمارسها في الفكر الغربي المعاصر فهو " يبدأ طرح دريدا النقدي للأنطولوجيّة بعمليّة تـفكيك جادَّة لتاريخ تطوُّر الميتافيزيقيا في الغرب. هدف دريدا الأساسي من تـفكيك تاريخ الميتافيزيقيا هو تحدي مفهوم "الكلانيّة" (totality) الذي يفترض وجود مبادئ قاعديّة كلانيّة يمكن وصفها بالحقائق المرجعيّة الكونيّة التي تقاس على أساسها أيّة معرفة عقليّة أو أيّ اختبار وجودي." (18) اذ إن عمل التفكيك في قراءة ومقاربة النصوص عند دريدا لم يضع في أهدافه اكتشاف أو اقتفاء أثر حقيقة معينة بالمعنى الذي كانت ترمي إليه البنيويّة مثلا من أن النص يمتلك معنى ما، فالنص وتبعا لدريدا لا يمتلك إلاّ آثارا فهو متواليّة لا نهائيّة من الاختلافات التي تنسجها العلامات الخطيّة، " فالاختلاف هو الطريقة أو الأسلوب الذي يتم فيه إطلاق طاقة النص على صنع المعنى"(19)

يقوم عمل التفكيك الدريدي على تحرير وتفجير طاقة الدال والعلامة الخطيّة، بتخصيب مستمر للمدلول من خلال الانفتاح على النص كفضاء للمكن وليس كبنيّة مغلة تخضع لرغبة ما ينوي قوله كاتب النص، فالنص مع دريدا أصبح لا أصل له لأنه مجموعة نصوص متداخلة ومتقاطعة بخلاف نظرة الاتجاه البنيوي للنص كهيئة مغلقة أو ذو معنى تام، واقعة بذلك البنيويّة في فخ الوصفيّة والتبسيطيّة معتمة ومهددة – حسب دريدا – بإسكات القوة، أي قوة الاختلاف تحت مطيّة الاحتفاظ بالشكل والبنيّة.

هكذا، فالأمر لا يخرج عن كونه مجرد حضور للعلامات في اختلافيتها وصيرورة إنتاجها للمعنى لأننا حسب دريدا لا نفكر إلا بالعلامات التي تفتح مجالا للتعدد والاختلاف في المعاني، وبالآتي تصبح اللغة مدارا لآفاق ذات دلالات كثيرة، وينفتح القارئ على رغبة اللغة ويبدأ البحث عما هو مغيب فيها في أفق سيميائيّة عامة تفتح المجال لعلم تيولوجيا أو أنماط العلامات الذي يبحث في تنويعات التواصل الممكنة. (20)

المبحث الثاني: رهانات الترجمة بين الاختلاف والهويّة

ثمت اشكاليتين (21) عل الصعيد العربي حكمت الترجمة هما لماذا تأخر المسلمون بينما تقدم غيرهم؟ وهو اسؤال اشكالي نقدي حكم مشروع النهضة العربيّة والتيارات التي جاءت حاولت ان تقدم له جواب او تعليل عبر نقد الذات او نقد الاخر، اما الاشكاليّة الاخرى التي كانت حاضرة وان كانت اصغر من الاولى في تأثيرها او في رهانها انها اشكاليّة ارتبطت بين الحداثة والهويّة، بين رهانات الحداثة وما تعنيه من خطاب التنوير او التقدم الى ان وصلت الى تحديث مؤسساتي خارجي من دون تغير عميق في بنيّة المجتمع وفكرة ومؤسساته القارة .كما حصل مع دولة محمد على او الدولة العثمانيّة وما هو حاصل باشكال وصيغ ي واقعنا المعاصر .

الا ان هذه الاشكاليّة في صراعها بين الهويّة والحداثة اعتمدت هي الاخرى على مبررات تراثيّة في ماضي الترجمة التي كانت لها جذور في انفتاحها على الاخر فهي بالإضافة الى قيامها بالترجمة كانت ايضا تمثل مستوى الممارسة التأويليّة والنقديّة في قراءة المسلمون للتراث القديم على تنوعه واعطائهم موقف نقدي منه . لكن تبقى تلك الترجمة التي جاءت بمشروع سياسي قام به بيت الحكمة العباسي من اجل حاجات داخليّة بسبب الصراعات الدينيّة بين الفرق والمذاهب فترجمة التراث اليوناني كان بمثابة حل وسط .لكن بقى هذا التراث المترجم من فلسفة ومنطق وغيره تراث غريب عن الواقع الثقافي من قبل التيارات السلفيّة التي مارست النفي والتكفير بحق تلك العلوم والعاملين بها .

وهنا ظهر تيارين الاول يقوم على التمركز حول العلوم المترجمة ويحاول انطلاقا منها التوفيق بينها وبين التراث الاسلامي المحلي اي النظر الى تراث الاسلام بعيون اليونان كما جاءت به الفلسفة والمنطق .اما الموقف المضاد الذي يرفض التوفيق وينطلق من موقف يتمركز حول العلوم الاسلاميّة كمركز ويحاول تقريب العلوم الوافدة من حاجاتها الشرعيّة والإشكاليّة كما فعل الغزالي مع المنطق عندما جعله علم خادم للشريعة .

حاول انصار الحداثة والمعاصرة والعلمنة الانفتاح على الغرب واستثمار منجزاته وإعادة نقل اشكالياته وجعلها مجال النظر على الرغم من كونها مغتربة عن الواقع العربي الذي كان يعيش رهانات وأفكار العصر الوسيط .بمقابل ذلك كان التيار السلفي الداعي الى الهويّة يعيش إشكالات الماضي ورهاناته التي هي الأخرى عادة ما تنتمي الى الواقع وتحدياته والتي تحتاج من المفكرين إعادة تجديد مناهجهم الفكريّة التي مازالت رهينة العصر الوسيط على صعيد الرؤيّة والمنهج في علوم (الفقه والنحو والعقيدة) .

فالواقع العربي سواء كان حداثي فهو يعيش إشكالات الآخر والسلفي يعيش إشكالات التراث بين الاثنين على الرغم من اختلافهما الا انهما يبقيان سلفيان يعيشان رهانات لم تعد تلبي حاجات الواقع وتحدياته وأطاريحه التي تختلف عن التراث مثلما تختلف عن الآخر الغربي .

نحاول هنا أن نستعرض موقفين لهما حضورهما في الساحة العربيّة في جدليّة الترجمة ورهاناتها في الواقع الثقافي والحضاري العربي (طه عبد الرحمن وعبد السلام بن عبد العالي) من أجل مقاربة معاصرة للترجمة وارتباط هذا في مقولات " الآخر والهويّة " بين مقاربات الحداثة والتجديد، وبين الاثنين تباين عميق جعل من الأولى ترتبط بإشكاليّة المغايرة ومن أهم مقوماتها القطيعة والتجاوز، فيما ارتبطت الأخرى بإشكاليّة الأصالة ورهان الإحياء للهويّة على وفق ثوابتها من خلال التواصل، فالتجديد إحياء القديم وإعادة الروح له والسير على وفق رهاناته التي تتّصف بالكليّة، إذ لا تقبل التجاوز بل التواصل والإحياء. وبين الإثنيّة اختلاف في الاطروحة:

فالأولى: تحرض على الاختلاف والمغايرة وتستثمر منجزات الحداثة وما بعدها وتسمى اشكاليّة الاختلاف، وتعتمد اليّة التوفيق اي التوفيق بين الحداثة والتراث عبر التمركز حول الحداثة .

فيما الثاني تحرض على الهويّة وتعارض الانفتاح على الاخر وتؤكد على انه تغريب وتؤكد على الهويّة ولهذا فهي تمثل اشكاليّة الهويّة وتتخذ اليّة التقريب اي انها تعتمد التمركز حول الذات والفضاء التداول له وتحاول تقريب الاخر مع ثوابت الذات .وهذا يتمثل بالقراءات الأصوليّة التي تمثل قراءة انتقائيّة في تشكل رؤيتها للماضي، فبإمكان جماعة من الجماعات - في إطار علاقتها بالماضي- أن تكون انتقائيّة دائما، و(أن تؤسس هويتها على ذاكرة تاريخيّة تغذيها ذكريات ماض مهيب، ولكنه ماض يجذِّرها على الغالب في ضرب من "إناء الدموع " أو في ذاكرة العذاب المشترك. فالهويّة التي تضفي عليها الصفة التاريخيّة تبنى في جزء كبير منها بالاستناد إلى ذاكرة المآسي الجمعيّة) (22) فهذه الذاكرة التي تستحضر الجانب المأساوي من علاقتنا بالآخر المختلف الذي يمكن توصيفه بمقولات الإسلام السياسي (الصليبي) أو (الاستكبار العالمي)

بالمقابل فان اشكاليّة الاختلاف تمثل تيار آخر في عالمنا العربي بعامة والعراق بخاصّة يحاول أن يجد نقاط تواصل وتعايش عبر استثمار التجارب الغربيّة وغيرها من التجارب العالميّة سواء تمثلت في الحداثة والتنوير أو ما بعد الحداثة وما تقدمه من تنوع عرقي وثقافي ما يعرف بالهُجنة الثقافيّة .

الاشكاليّة الاولى:

ويميّز طه عبد الرحمن بين ثلاثة أنماط متتاليّة من الترجمة، تتدرج في الجودة من الأسوأ إلى المتوسط إلى الأفضل.

وهذا ما اشار اليه في كتابه "فقه الفلسفة" (23) "وضعنا نموذجًا نظريًّا في ترجمة الفلسفة يتألف من مراتب ثلاث متفاوتة فيما بينها؛ أولاها: الترجمة التحصيليّة، وتقع في التعارض الكلي بين الفلسفة والترجمة وتتولى نقل كل ما في النصوص الأصليّة من غير تمييز ولا تقويم، وتعمل جاهدة على محاكاة الصور التعبيريّة لهذه النصوص، ألفاظًا وتراكيب، فيكون مآلها تطويل العبارة بما يرهق الفكر ويزهق الوقت.

والثانيّة: الترجمة التوصيليّة، وتبقي على تعارض جزئي بين الفلسفة والترجمة، قد تشتد قوته أو تضعف، وذلك بحسب درجة التمسك بالصفات التقليديّة للفلسفة، كما أنها تنقل كل ما لا يبدو فيه إخلال ظاهر بالقواعد المقررة للغة وبالأركان الأساسيّة للعقيدة، وتبذل غايّة الجهد في نقل كل ما يحتمل الانتساب إلى حقل المعرفة من غير كبير تفريق ولا دقيق تقدير.

والثالثة: الترجمة التأصيليّة، وترفع التعارض بين الفلسفة والترجمة، وتجتهد في نقل ما تثبت لديها موافقته لضوابط المجال التداولي المنقول إليه "اللغويّة والعقديّة والمعرفيّة" متوسلة في ذلك بأنجع أدوات التمييز والتقويم؛ لأن العبرة هنا ليست بالحكايّة عن الغير، وإنما بتمكين الذات من الممارسة الفكريّة ".(24)

ويمكننا أن نتتبع خطوات طه عبد الرحمن في تطبيق نظريته في الترجمة، كما يلي، عندما يصل إلى ص 409 من كتابه، إذ يكتب: "وحتى نبين صحة نموذجنا النظري في الترجمة ذي المراتب النقليّة الثلاث (التحصيل والتوصيل والتأصيل) نختار "الكوجيطو" وعبارته الفرنسيّة: Je pense, donc, je suis "

ثم يتناول بالنقد أنماط ترجمتها كما يلي، فيكتب في ص 436: "وخلاصة القول في الترجمة التحصيليّة للكوجيطو التي أتينا عليها بمثال ترجمة محمود محمد الخضيري "أنا أفكر، إذن فأنا موجود" أن الصيغة التحصيليّة للكوجيطو دخل عليها من التكلف ما جعل تركيبها غير قصير وفهمها غير قريب، فيتعين صرفها وطلب غيرها مما لا تطول عبارته ولا يبعد إدراكه". بعد ذلك ينتقل طه عبد الرحمن إلى الترجمة "التوصيليّة" للكوجيطو، وهي ترجمة "نجيب بلدي" التي تقول: "أفكر، إذن فأنا موجود" فيكتب في ص 437: "تمتاز الترجمة التوصيليّة عن الترجمة التحصيليّة، بكونها تحذف بعض العناصر التي يمكن أن تطول العبارة الناقلة، لكنها تقع في تهويل بعض المعاني والحقائق التي يتضمنها المنقول، إنها تقع في تهويلين اثنين؛ تهويل لفظ الـ"موجود" وتهويل لفظ "إذن" (وغيرهما)، وهكذا فإن الترجمة التوصيليّة، وإن اجتهدت في اجتناب الأخطاء اللغويّة للترجمة التحصيليّة، فإنّها وقعت في أخطاء معرفيّة صريحة".

فيما الاشكاليّة الثانيّة: يمكن ان نتلمس بعض التوصيفات عن هذا الاتجاه الذي عرضنا في اعلاه سماته يمكن وضع بعض التوصيفات ضمن هذا الاتجاه منها ما يرى " ان الثقافة ليس محايدة أبدأ في ما تختار أن تضمه في كنفها مما هو لدى الآخرين ومما من ثقافات الآخرين أن تضمه في كنفها وكما يقول لورنس فينتوني بقوله ان الترجمة لا يمكن ان تكون مجرد تواصل بين ندين، لأنها في جوهرها لا تنفصم عن الثقافة التي تنبع منها ." (25) وان كان يرجع الانكماش على الذات او الانفتاح على الاخر مرتبط بما تعيشه الثقافة من حالات قوة او ضعف فعندما تكون الثقافة في حالة أزمة فانها تلجأ يائسة للدفاع عن نفسها بوسائل شتى تتخذ احيانا شكل إحراق الكتب، او حبس المفكرين، او نفيهم، او اتهامهم بالكفر أو بالجنون .(26) الا اننا نستطيع ان نقدم توصيف اكثر تجذير في الهويّة من خلال القراءة التي يقدم طه عبد الرحمن ما يعتبره ترجمة "تأصيليّة" للكوجيطو، فيقرر إن لفظ "أنا" لا يصلح للعربيّة، وأن لفظ "التفكر" غير مناسب لنقل الكوجيطو لأسباب عقديّة ولغويّة ومعرفيّة، فهو يرى أن لفظ "النظر" يمتاز على لفظ "الفكر" نتيجة لشهرة استعماله، ومناسبة مضمونه، فيكتب في ص 491: "تصبح صيغة الكوجيطو: انظر تجد (وهي بالذات الصيغة التأصيليّة للكوجيطو) ونحن لا نجانب الصواب إن قلنا بأنّ (الترجمة التأصيليّة) هي أكثر مراعاة لأسباب الضبط والتعليل في النقل من الترجمة التحصيليّة والترجمة التوصيليّة". (27) وهكذا يكون تبرير ترجمة طه عبد الرحمن التحصيليّة قد تطلب حوالي مائة صفحة من 409 - 506 لترجمة خمس كلمات من الفرنسيّة إلى كلمتين بالعربيّة.

فترجمة طه عبد الرحمن لا تتقيد بالألفاظ ولا بالمضامين الموجودة في النص الأصلي؛ لأنه يرى أن نقل المفاهيم الفلسفيّة من مجال تداولي "غربي" إلى مجال تداولي آخر "شرقي" يبيح للمترجم التصرف بالتأويل والتحويل والحذف والتغطيّة على النص المراد ترجمته، من دون تقيد باعتبارات الترجمة الحرفيّة إذا كانت لا تلائم الأصول "العقديّة والمعرفيّة واللغويّة" في الثقافة الناقلة.ولما كان المترجم التأصيلي لا يحذف إلا بعض الأصول الفلسفيّة التي يتأكد أنها تضرّ بالعقيدة أو بلغة المتلقي، وينقل ما سواها من حقائق فلسفيّة لا تظهر ظهورًا صريحًا مصادمتها لمحددات وموجهات المجال التداولي المنقول إليه، فإن نقله يأتي على أكثر الحقائق التي يتضمنها النص الفلسفي الأًصلي". (28)

من المشروع هنا، أن تثور اعتراضات حول ممارسة طه عبد الرحمن للوصايّة "العقديّة واللغويّة والمعرفيّة" على القارئ؛ فهذه الوصايا الموجهة للمترجم التأصيلي فيها مصادرة على عقل القارئ، وفيها تعامل مع القارئ وكأنه فاقد لأهليّة تلقي الأفكار من دون وصايّة، إذ يتوجب على ممارِس الوصايّة أن يبيح لنفسه حذف مضامين النص الأصلي وتغطيته، خوفًا على عقل القارئ وحمايّة له من التعرض لصدمة معرفيّة ولعقديّة ولغويّة. وظهر في سياق هذا الموقف انه هو بالذات لم يكن يخلو من وجود مشاكل تجعل رؤيته النقديّة " تعاني من مشكلات مع المعايير الثلاثة التي وضعتها لنفسها، بل إننا لو أضفنا إليها معيارًا رابعًا مما اعتاده المترجمون، والمتعلق بأمانة الترجمة، لوجدنا أن طه عبد الرحمن مستعدّ للرد على هذا المعيار بالرفض والتشاكل معه، إذ يكتب في: القول بمراعاة الأمانة قول لا يسلم من القوادح عند عرضه على التحقيق، إذا يقصد بالأمانة (أداء المنقول على ما هو عليه في أصله) فهذا المعنى المطلق للأمانة يكاد أن يكون وهمًا لا نفع معه، بل أسطورة لا حق فيها، وبيان ذلك من الوجوه الآتيّة: أن الأمانة التبليغيّة تتميز عن الأمانة الأخلاقيّة، على خلاف ما ذهب إليه البعض، فالأمانة الأخلاقيّة تقتضي وجود وديعة يجب تسليمها لصاحبها، ولا وديعة ولا تسليم في الأمانة التبليغيّة، فلم يستودع صاحب النص المترجم صور ألفاظه ولا معانيها، ولم يأتمنه عليها، ولا كان المترجم، بنقله لهذه الصور والمعاني، مسلّمًا لها إلى صاحبها، بل على العكس من ذلك، يكون من واجبه أن يسلمها إلى غيره، مع عدم وجود وصيّة منه بتسليمها إليه، وعلى هذا، فلا يصح الكلام عن الأمانة التبليغيّة من الوجهة الأخلاقيّة، ولا يكون استعمال لفظ الأمانة بصدد التبليغ إلا من باب التجوز في الكلام أو تكون الأمانة لفظًا مشتركًا يدل على معنيين متباينين، حدًّا وحقيقة". (29)

الاشكاليّة الثانيّة: الترجمة وإشكاليات التفلسف

لا بد في البدايّة أن نشير أن هذه الحركة جاءت لتصحح "أخطاء" مرحلة سابقة قد يرى فيها البعض أنها لم تكن إلا مرحلة طبعتها عقليّة "البريكولاج"، واقتصر فيها المترجمون على تناول ما " تحت أيديهم " من مؤلفات، وتوظيف ما يستعملونه من لغات، واستخدام ما يتوفرون عليه من إمكانيات. لذا فما يبدو منطلقات أساسيّة لحركة الترجمة البديلة هاته هو إسنادها الترجمة الى أهل الاختصاص، وحرصها الشديد على ألا تتم الترجمة الا عن اللغة الأم، وأن تبدأ أساسا بأمهات الكتب وعيون المصادر. والظاهر أن ما " تراكم " حتى الآن لخير دليل على التزام الساهرين على هذه الترجمات بكل تلك المبادئ. ويكفي على سبيل المثال أن نلقي نظرة سريعة على منجزات " المنظمة العربيّة للترجمة " في مجال الفلسفة حتى نتأكد من صحة ما أشرنا اليه. فقد استطاعت تلك المنظمة أن توفر للقارئ العربي عناوين أساسيّة في تاريخ الفلسفة على اختلاف مدارسه واتجاهاته. (30)

بما لا يرجع الأمر هنا فحسب الى الطابع المؤسسي الذي أخذ يسم الترجمة في عالمنا العربي، وإنما الى مفهوم الترجمة ذاته الذي تفترضه هذه الممارسة. ذلك أن الترجمة تطرح هنا بمعزل عن مخاض فكري، وتفهم أساسا على أنها نوع من التهيؤ للنصوص الكبرى كي تغدو متيسرة للقارئ العربي الذي ينوي الاشتغال بالفلسفة والذي يعتزم إعمال الفكر في تراثها. الترجمة هنا عمليّة تمهيديّة. إنها مثل التحقيق تسعى لتوفير النص لمن يعتزم إعمال الفكر فيه. وهي تسعى أن تضع " بين يدي " القارئ العربي أمهات النصوص. فهي اذن لحظة سابقة ممهدة لكل تفلسف. ما تهدف اليه هو إيجاد النص في لغة عربيّة، حتى وان تطلب الأمر أن يقبع في قاعة انتظار إلى أن يحين وقت استخدامه، والاشتغال به وعليه.

لكن ماذا لو كانت نصف عمليّة التفلسف تكمن في فعل الترجمة ذاته ؟ اذا كانت الفلسفة حوارا فهي بالأولى حوار بين نصوص وبين لغات. بهذا المعنى لا يمكن الفصل بين لحظتين: لحظة إعداد النص وترجمته، ثم لحظة استخدامه والتفكير فيه. اذا كان معظم الفلاسفة المعاصرين مترجمين، فليس ذلك سعيا منهم الى توفير نصوص وانما وعيا منهم أن ترجمة النصوص الفلسفيّة واعادة ترجمتها من صميم الممارسة الفلسفيّة. لا أعني بذلك فحسب أن هايدغر وفوكو وآلتوسير ولاكان ودريدا وريكور، لا أعني فحسب أن كل واحد من هؤلاء يرتبط اسمه بمصنف نقله الى لغته، وانما بأن كلا منهم لم يفتأ يعدل ترجمات النصوص التي كان يستثمرها. ان كلا من هؤلاء كان يعيد النظر في ترجمة النص عندما كان يعيد قراءته. أو لنقل بالأولى انه كان يعيد قراءته بإعادة ترجمته.(31)

تتمخض عن ذلك نتيجتان: أولاهما أن الترجمة ليست مسألة مؤسسة فحسب. لا يمكن للترجمة، وترجمة الأمهات الفلسفيّة أن تسند فقط إلى منظمات وقطاعات وزاريّة و" بيوت حكمة " تراكم النصوص الكبرى في رفوف المكتبات. " بيوت الحكمة " هنا هي، أولا وقبل كل شيء، الممارسة اليوميّة لمن يشتغل بالفلسفة ومن يشغل باله بها. الترجمة الفلسفيّة، مثل الفلسفة، همّ فكري ومعاناة من " يفلح " النصوص ويعشق اللغة ويرعى صقلها وصفاءها. ربما لا يمكنها أن تستغني ماديا عن المؤسسات والمنظمات، الا أنها لا يمكن البتة أن تتم خارج " مختبرات " الفكر، وبعيدا عن قاعات الدرس وفضاءات "الانتاج " الفلسفي.

النتيجة الثانيّة تتجاوز مسألة الترجمة كي تطال قضيّة الفلسفة ذاتها وشكل ممارستها في عالمنا العربي. فما دامت علائقنا بالنصوص الكبرى علائق لا تتعدى الفضول المعرفي، فإننا سنظل نتوهم أن تملّك تلك النصوص يتحقق بمجرد نقلها إلى لغتنا من دون بذل جهد متواصل لانفصالنا عنها، وإذكاء حده التوتر بيننا وبينها. (32)

لكن على الرغم من الاختلاف بين التيارين يجب أن يكون مُحرِّكُنا الأساس متمثِّلا بالفائدة التي تنعكس على حياة الناس، وتُسهم في تغيير أفكارهم وتطوير الأفكار تخليقا وإبداعا؛ لهذا فإن معالجة هذه الثنائيّة يجب أن ننظر لها من زاويّة ترى أن كل فكر يسهم في تقدم البشريّة، يجب أن يجذب اهتمامنا سواء أكان ذلك الفكر داخل ثقافتنا أو في ثقافة أخرى، وهذا يجب أن يحفزنا إلى التواصل معه عبر التعريب والترجمة التي تجعلنا أمام سؤال ضروري هو: أي ترجمة للثقافة نريد؟ بمعنى: أي نوع من الثقافة نحن اليوم بأمسّ الحاجة إليها؟ من أجل خلق اشتراطات جديدة لوجودنا وصيرورة حياتنا، فهنا ثقافات متنوعة، وهنا يبقى السؤال عن ماهيّة الثقافة التي بإمكانها أن تقدم لنا الزاد الثقافي الذي بإمكانه أن يكون له أثرٌ محمود على واقعنا ومن ثمّ على مستقبلنا؛ لأن هناك ثقافات متنوعة فمنها ما يصدر عن ثراء، ومنها ما يعبّر عن فقره، ومنها ما يحدث صدمة ويخلق تحولاً في ثقافتنا عندما ندرك واقع ثقافتنا بالمقارنة مع الثقافة المعاصرة، وما فيها من عمق وجِدة وإضافة جديدة .

لكن هذا يقودنا إلى سؤال آخر هو أي ثقافة ترجمة نحن بحاجه لها؟ سؤال حيوي ومهم يفترض وجود رؤيّة عميقة مؤسساتيّة تعمل عليها المؤسسة والمثقفون في البلد، بمعنى أن الإجابة تفترض صياغة مُحكَمة إلى إستراتيجيّة جديدة للترجمة تنقل العمل من نطاق العمل الفردي الذي غالبا ما يكون محكومًا وفق رغبات الفرد وما يرغب به أو يجده مفيدًا على أساس المردود المادي .

فالإجابة تفترض فتح حوار واسع بين المؤسسات الثقافيّة والجامعيّة والسياسيّة والمثقفين وأساتذة الجامعات، من أجل صياغة أجوبة تتسم بالشموليّة وتأخذ بعدا مؤسساتيًّا.

إذا افترضنا ضرورة الترجمة بمعنى ضرورة الحوار بين الثقافات، لكن الحوار يفترض النِدّيّة بعيدا عن المركزيات الثقافيّة التي تنطلق من كونها ثقافة مركزيّة مقابل الثقافة الأخرى الموصوفة بالهامشيّة، أو مجرد ثقافة أطراف عليها إن تتلقى الثقافة المركزيّة وتعيد استثمار رهاناتها وإن كانت مغتربة عن واقعها وكأنها تعيش إشكالات هي لم تصل لها ولم تعيشها ومن ثمّ تحول إلى ثقافة متلقّيّة سلبيّة همُّها التقليد، وليس لها رهانات ترتبط بمشاكلها، بل تعيش وهم الآخر ومشاكله التي تفارق واقعها، هذا على صعيد الثقافة المقلدة إما الثقافة المركزيّة فهي ترفض اختلاف الآخر ولا تباين حاجات ولا طبيعة الحلول التي تتوافق مع حاجاته بل لا ترى في الآخر إلا إعادة تكرار الظروف التي مر بها المركز. ولعل هذا يعبر عن ذهنيّة الاضطهاد التي تتواجد اليوم، إذ يعتقد البشر أنهم أحرار منفتحون على العالميّة. وبسبب صفة التفاضل التي تميزهم فإنهم يعيشون أضيق المجالات الثقافيّة من الداخل كما لو كانت معينا لا ينضب وكل ما يتعارض مع هذه الفكرة الوهميّة يصيبنا بالذعر ويثير في نفوسنا اتجاها قديما نحو الاضطهاد) (33) وبالمحصّلة تقوم نظرة الثقافة المركزيّة للآخر على إعادة تكراره بصيغة التبعيّة والخضوع لها. لكن اليوم بات الغرب المهيمن ينظر إلى الآخر (الإسلام) الذي كان مقموعا سابقا بات اليوم (يمثل في أيامنا الإيديولوجيّة الوحيدة، الكفيلة بتغذيّة رفض جذري للهيمنة الغربيّة، من دون أن تستعير أسلحتها الفكريّة من الغرب) (34) هكذا يتصور الغرب الشرق بكل تنوعه السياسي والعِرقي فقط في الخطاب الإسلامي بوصفه ضدًّا نوعيًّا لا يمكن التعايش معه على الرغم من توظيف مقولة الاختلاف والتعدد؛ إلا أنه يحاول أن يمارس التمركز حول ذاته واختلاق عدوٍ وهميٍّ مُتخيّلٍ على الرغم من أنَّ هذا العدو لم يرتكب عُنفًا بحق الغرب مثلما فعل الغرب بحق نفسه أو بحق الآخر.

لكن هذا النقد للتمركز الغربي يجعلنا أكثر تمسكًا بضرورة الترجمة، لكن أيضا تجعلنا بأزاء تلك الرهانات التي توجب علينا أن نراعيها في إعادة مشروع ترجمة لها أثرها في الانفتاح على الآخر من ناحيّة ومن ناحيّة أخرى ضرورة انفتاح الهويّة لكن حدود ما يجعلها تنفتح على التعدد الذي يمنحها التجدد والاختلاف والتعدد من دون أن يلغي تمايزها واستقلالها عن الآخر، وهذا الأمر يستدعي تجدد آليات الرؤيّة ومن ثمّ تشذيبها من دون تشويه، بل يمنحها حياةً جديدةً أكثر تاريخيّة عندما تكون منفتحة على الحوار من ناحيّة، وعلى الواقع ومشاكله من ناحيّة أخرى يجعل أمام الذات تراثًا من الخبرة المتنوعة التي تضيف بصمة التميز عليها عبر إيجاد حلول للمشاكل التي يعاني منها البلد، ومن هنا نستشعر أهميّة تبيئة الأفكار والمفاهيم عبر الترجمة أو التعريب على الرغم من أنهما متباينان إلا كونهما من آليات الانتفاع بخبرات الآخر وتراثه.

ومن هنا يمكن أن نتلمس أثر الترجمة في تطوير حقول الثقافة ومنها اللغة التي تتسع بالترجمة والتواصل، وتزداد آفاقها في حقول الأدب وحقول العلم التي أوجدت عوالم جماليّة وفنيّة تظهر تجارب اجتماعيّة وجماليّة إبداعيّة أو تزداد بآفاق العلوم والتجارب العلميّة والفلسفيّة التي أوجدت عوالم تقنيّة أو فكريّة جديد تركت آثارها في اللغة، فالجديد يعمّق التجارب القديمة، فمثلاً تُجسّد اللغة خزينًا من تجارب الكائن البشري التي تتسع بالانفتاح إلا أنها تعبر عن الذاكرة التي تتعمق بالتواصل بين الماضي والحاضر، إذ تنصهر الآفاق عبر الفهم والتأويل والقراءات للذات أو لدى الآخر عبر الترجمة فتتوسع اللغة ويتعمق فضاء المتخيل والمفكر به أو غير المفكر به .

إذا كان النص يمثّل انعكاسًا وجوديًّا يشتمل على التجربة التي عاشها أو تخيّلها المبدع، وعبرها يحاول التعبير عنها من خلال اللغة بكل ما تختزنه تلك اللغة من إمكانات جماليّة وذاكرة جمعيّة تركت آثارها بأنماط وأشكال تعبّر عن محاولة المبدع صياغة تلك التجربة من خلال التصورات الوجوديّة التي تتسم بارتباطها بالزمان والمكان، وهذا يتجلى من خلال النص. لكن بعد اكتمال النص يغدو مستقلاًّ عن المبدع يتعرض إلى القراءة والتلقي والترجمة، وهنا تظهر ممكنات أخرى للتلقي يضعها الكثير من الباحثين على مقاربتين:

الأولى: تقدم القارئ على النص وتمنحه سلطة في أن يسقط على النص أحكامه المسبقة التي هي في جزء كبير منها تصوراته التي تنتمي إلى الثقافة والتكوين الاجتماعي والنفسي الذي يكوّن تصوراته وأحكامه المسبقة، وهي رهينة بتجربة التلقي التي هي أيضًا رهينة لحظة الإدراك لمعنى النص الذي تكون لدى المتلقي المحكوم بتلقي أوّليٍّ بريءٍ من الأحكام من ناحيّة ولحظة الإدراك من ناحيّة أخرى ومن ثمّ تتحول تلك إلى ترجمة .

لكن هذا أيضا لا يمكن تقبله بوصفه تصورًا صحيحًا للترجمة؛ لبُعده عن النص وما يختزنه من عوالم وأنساق. وهنا لابد من أن تستثير القارئ كيان النص (الذي تجسده اللغة مما يحتم زيادة على الإحاطة باللغة تفهما وتفاعلا مع معاني الألفاظ والمواقف المنتجة للدلالات المختلفة للأثر المترجم) (35)

وحتى تتحقق لحظة الانصهار بين أفق النص وأُفُق المتلقي يجب أن يكون المتلقي محيطًا بلغة النص التي ينقل منها كذلك باللغة التي يترجم لها .

الخاتمة

تعد الترجمة الجسر الذي يمكّن الشعوب من التقارب، إذ تؤدي دوراً بارزاً في نقل الأفكار والآراء والثقافات وحضورها في تنميّة الثقافة وتواصلها مع هذا العصر التداولي الرقمي الذي أصبحت فيه الترجمة أمراً ضرورياً بل حقلاً معرفياً مهماً.

أن الترجمة قد طرحت مدلولات متباينة بين دعاة الاختلاف والتحديث من ناحية ودعاة الهويّة الذين عدّوا الترجمة وسيلةً من وسائل التغريب والتثاقف مع الآخر .

أنّ الترجمة ليست وسيلة للاتصال تخلو من التأثير بل ظهر في النقود المعاصر، إن كل لغة لا تقدم وسائل الاتصال لمتحدثيها فحسب، بل تفرض عليهم رؤيّة مختلفة عن العالم .

ان الترجمة تنشد التفاهم البعيد، لما انقسمت الأمّة على شعوب مختلفة باختلاف لسانها الواحد إلى ألسن متعددة، فقد صارت حاجة هذه الشعوب ماسّة إلى التفاهم فيما بينها وإن كان هذا التفاهم المطلوب لا يضاهي التفاهم بين أفراد الشعب الواحد . فهذا تفاهم قريب يسره الاجتماع بين اللغات مشتركة، وذلك تفاهم بعيد يعترضه الاختلاف بين اللغات المتباينة في مبانيها ومعانيها .البعيدة إلا بسلوك طريق الترجمة التي سوف تتولى تهذيب الفروق وتذليل الأخطاء في المعاني.

شكل العامل الديني الدافع الذي شكّل محفزاً الى نمو الترجمة وتوسعها هو ترجمة الانجيل " يذكر بعض المؤرخين أن اللغة التي تكلّم بها رسول الله عيسى (عليه السلام)، هي اللغة الآراميّة في حين نصوص الإنجيل الأربعة المشهورة والمنسوبة إلى (متى) و(يوحنا) و(مرقس) و(لوقا)، وردت باللغة اليونانيّة لكن هذه النقول الأربعة أقيمت مقام الأصل الآرامي المنزل .

أن الترجمة هذه تمس الأصل بطريقة عابرة وفي نقطة معنى تكون لا متناهيّة الصغر، وذلك لاتباع خط سيرها الخاص تبعا لقانون الأمانة ضمن الحركة اللغويّة.

اذا كان معظم الفلاسفة المعاصرين مترجمين، فليس ذلك سعيا منهم الى توفير نصوص وانما وعيا منهم أن ترجمة النصوص الفلسفيّة واعادة ترجمتها من صميم الممارسة الفلسفيّة.

أن الترجمة ليست مسألة مؤسسة فحسب. لا يمكن للترجمة، وترجمة الأمهات الفلسفيّة أن تسند فقط إلى منظمات وقطاعات وزاريّة و" بيوت حكمة " تراكم النصوص الكبرى في رفوف المكتبات. ربما لا يمكنها أن تستغني ماديا عن المؤسسات والمنظمات، الا أنها لا يمكن البتة أن تتم خارج " مختبرات " الفكر، وبعيدا عن قاعات الدرس وفضاءات "الانتاج " الفلسفي.

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

رئيس مركز التفكير النقدي

..........................

(1) انظر:سعيدة كحيل، نظريات الترجمة بحث في الماهية والممارسة، pdf، على شبكة الانترنيت ص 46،48، 51.وانظر بواسطتها: بيتر نيومارك، اتجاهات في الترجمة، ترجمة محمد إسماعيل صيني، دار المريخ للنشر، الرياض،1986م،ص 20-21-23.

(2)

(3) ألون مونسلو، دراسة تفكيكية للتاريخ، ترجمة:قاسم عبده قاسم، المركز القومي للترجمة، ط1، القاهرة، 2015، ص 59.

(4) انظر: طه عبد الرحمن، الفلسفة والترجمة،ج1، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، 1995م، ص62-63.

(5) نبيل فياض، ماهو الإسلام ؟ موقع كتابات .

(6) انظر:عامر عبد زيد، الإصلاح الديني قراءة المفهوم في التجربة الغربية، المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية العتبة العباسية المقدسة، ط1، 2018 م،لنجف .

(7) انظر: الحرية - مجلة التقدميين العرب على الانترنت.

(8) انظر: الموسوعة العربية المسيحية: نؤمن بإله واحد، القديس جيروم .اذ قام القديس جيروم بترجمة العهد القديم عن العبرية مباشرة والعهد الجديد عن اليونانية مباشرة واتسمت ترجمته (بالفولجاتا) يعنى العامة والتي بقت الترجمة المعتمدة للكنيسة الكاثوليكية على فترة 10 قرون. ويرى العلماء اللاهوتيين والإنجيليين أن الترجمة اللاتينية هذة لها أهمية خاصة فى تحقيق نص العهد الجديد لأنها ترجع لمنتصف القرن الثاني الميلادي وايضا بتقدم صورة مبكرة للنص اليونانى الذي اترجمت عنه، خصوصا إنها كانت أكثر حرفية . امضى القديس جيروم سنوات طويلة من عمره فى المغارات والأقبية تحت كنيسة المهد معتكف على كتبه، ليقدم اول ترجمة شاملة للكتاب المقدس بمنهجيّة واضحة، ومازال مسيحيو العالم يعتمدون على ترجمته لليوم.

(9) انظر: عز الدين الخطابي،الهرمينوتيقا والترجمة أو سؤال الحوار والتفاهم بين الذات والآخر: http://www.mominoun.com/articles

(10) انظر: ماريان لورد ورير – دانيكا سيليسكو فيتش، التاويل سبيلا إلى الترجمة، ترجمة: فايزة القاسم، المنظمة العربية للترجمة، ط1، بيروت،2009 ص7-10.

(11) انظر:سعيدة كحيل، نظريات الترجمة بحث في الماهية والممارسة، pdf، على شبكة الانترنيت ص 46،48، 51.وانظر بواسطتها: بيتر نيومارك، اتجاهات في الترجمة، ترجمة محمد إسماعيل صيني، دار المريخ للنشر، الرياض،1986م،ص(20-21-23) .

(12) عز الدين الخطابي،الهرمينوتيقا والترجمة أو سؤال الحوار والتفاهم بين الذات والآخر: http://www.mominoun.com/articles

(13) جيريمي مندي، ملخص نظرية الترجمة، ترجمة وإعداد: ا.د. كاظم العلي، موقع النور،http://www.alnoor.se/article.asp?id=54582

(14) هيثم حسين، جاك دريدا يكتب "أبراج بابل" باحثا عن فلسفة الترجمة، https://alarab.co.uk

انظر: جاك دريدا، أبراج بابل، ترجمة مصطفى دقوري، دار حوار، دمشق

(15) انظر: طه عبد الرحمن، الفلسفة والترجمة،ج1، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، 1995م، ص62-63.

16) هيثم حسين، جاك دريدا يكتب "أبراج بابل" باحثا عن فلسفة الترجمة، https://alarab.co.uk

(17) هيثم حسين، جاك دريدا يكتب "أبراج بابل" باحثا عن فلسفة الترجمة، https://alarab.co.uk

انظر: جاك دريدا، أبراج بابل، ترجمة مصطفى دقوري، دار حوار، دمشق .

(18) بقلم نجيب جورج عوض، ما بين الأنطولوجية والنص: جاك دريدا وتفكيك الخطاب اللَّاهوتي، http://www.mominoun.com/articles

(19) صبري حافظ، الشعر والتحدي وإشكالية المنهج، مجلة الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء القومي، بيروت، العدد 38، آذار، 1986، ص 79.

(20) انظر:النص ودلالة الغياب في تفكيكية جاك دريدا، نزوى وانظر بواسطته: Rey, Alain, théories du signe et du sens, lecture I, édit: Klincksieck, paris, 1973, p 227

(21) انظر: صالح مصباح، الترجمة وتجديد الفلسفة في العربية، مجلة تبين، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، العدد 6، خريف،2013م.

(22) جويل كاندو، الذاكرة والهوية،ت: وجيه أسعد، وزارة الثقافة –دمشق 2009،ص199.

(23) طه عبدالرحمن، فقه الفلسفة، 1، الفلسفة والترجمة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1995

(24) أمير الغندور،حول نظرية الترجمة عند طه عبد الرحمن، موقع مؤمنون بلا حدود، قسم: الفلسفة والعلوم الإنسانية منشور في تاريخ: 17ديسمبر 2016 .

(25) محمد عصفور، دراسات في الترجمة ونقدها، دار الفارس،ط1، 209،ص 57.

(26) المصدر نفسه، ص 51.

(27) طه عبدالرحمن، فقه الفلسفة، 1، الفلسفة والترجمة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1995م، ص 370.

(28) أمير الغندور،حول نظرية الترجمة عند طه عبد الرحمن، موقع مؤمنون بلا حدود، قسم: الفلسفة والعلوم الإنسانية منشور في تاريخ: 17ديسمبر 2016م

(29) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

(30) عبد السلام بن عبد العالي، الترجمة والفلسفة في العالم العربي، مجلة نزوى،1 يناير,2010م

(31) عبد السلام بن عبد العالي، الترجمة والفلسفة في العالم العربي.

(32) عبد السلام بن عبد العالي، الترجمة والفلسفة في العالم العربي .

(33) رينيه جيرار، كبش الفداء، ت: منار رشدي أنور، دار شرقيات للنشر والتوزيع، ط1، القاهرة، 1998م، ص 28.

(34) تييري هنتش، الشرق المتخيل رؤية الغرب إلى الشرق المتوسطي، دار الفارابي، ط1، بيروت، 2004م، ص 298.

(35) جمال حضري، أي رهان لترجمة، الأدب في ظل العولمة، جريدة: الأديب 11من تشرين الأول،بغداد،2006.ص5.