دابت الجمهورية التونسية منذ الاستقلال على اصدار القوانين التي تعطي المراة حقها طبقا لما ذكر في القرآن حتى انها اعتبرت وبدون منازع رائدة عربيا في مجال حقوق المرأة.وها نحن نفاجأ مرة اخرى بتزكية حرية المراة التونسية في اختيار شريك حياتها وذلك باصدار قانون جديد يقف الى جانب المراة التونسية، وينصفها حقها في اختيار القرين، وقد جاء هذا على اثر الدعوة التي أطلقها الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في شهر اوت المنصرم بمناسبة عيد المرأة، من أجل إلغاء القيود القانونية التي "تمنع زواج المرأة التونسية من رجل أجنبي غير مسلم"، بعد ضغوط مارستها منظمات نسائية، وحقوقية طالبت بتمكين المرأة من حرية اختيار زوجها. وقد تم ذلك فعلا بعد ان وجه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسى إلى وزير العدل دعوة لإعادة النظر فى المنشور رقم 73 الذى يمنع زواج المرأة التونسية بأجنبى غير المسلم. وآتت دعوته اكلها حيث انه أعلن اخيرا ورسميا بان "للتونسية الحق في الزواج بالاجنبي غير المسلم" دون التنصيص على ذكر الديانة التي تنتمي اليها التونسية، وتونس ككل الدول فيها خليط من الاديان، خاصة بعد المصادقة على حرية الاديان بعد الثورة...حيث اننا نجد في تونس الديانات السماوية الثلاث لذا وجدت كلمة من الاجنبي غير المسلم. ففرحنا وقلنا مادام الامر هكذا فلا ضرر في ان تتزوج التونسية باجنبي غير مسلم ما دام هذا القانون لم ينص على ديانة التونسية ولم يأت على ذكر التونسية المسلمة ولم ينص عليها لا بين ظفرين ولا دون ذلك بل هو لم يذكرها مطلقا وهذا ان دل على شيئ انما دل على ان القانون التونسي عنى وبالدرجة الاولى الاقليات التونسية، لان تونس ككل دول العالـم فيها اغلبيـة واقلية، وكما يعلم جل التونسيين ان الشعب التونسي به تركيبة سكانيـة ذات اغلبيـة مسلمة واقليـة مسيحيـة واخرى يهودية، وربما هناك ديانات اخرى لم نسمع بها، او ربما لا وجود لها. وللتونسية المسلمة الحق في الزواج باجنبي مثلها مثل بقية النساء التونسيات لكن بشرط الزامي الا وهو ان يكون الاجنبي مسلما وذلك طبقا لتعاليم الدين الاسلامي الحنيف لان زواجها من غير مسلم يعتبر باطلا، وطالما هذا القرين الاجنبي يتدين بنفس الدين فلا حرج في ذلك لان الاسلام لم يحرم زواج المسلمة من اجنبي انما حرم زواج المسلمة من غير المسلم. وكما لا يخفى على احد ان الدين الاسلامي خاصة في السنوات الماضية انتشر انتشارا واسعا وبصفة كبيرة في جميع اصقاع العالم بصرف النظر عن الاجانب الذين اعتنقوا الدين الاسلامي منذ عدة قرون، منذ نشاة الاسلام الاولى وذلك عن طريق دروب التجارة القديمة، خاصة منها دروب تجارة الحرير، وذلك مثل الصين، والهند و

بورما او جمهورية اتحاد ميانمار، وبنغلاداش، ومنغوليا. واماريكا في القرن 16 عشر الميلادية، وفي القرن العشرين وما قبله دخل الاسلام كوريا وتايلندا وتايوان والفلبين وكمبوديا وفيتنام و...و...و...وكندا دون ان ننسى ان لنا جاليات عربية مسلمة مهاجرة تقريبا في كل اصقاع الدنيا. فالمسلم منهم الحامل لاحدى هذه الجنسيات يعتبر مسلما اجنبيا. اما الجدل الذي اثير نتيجة صدور قانون زواج التونسية باجنبي غير المسلم ارى انـه اما ان يكـون مفتعلا، والاصح انه ينم عن جهل بعض التونسيين والتونسيات مع كامل احترامي لهم ولهن بان تونس تحتضن ضمن شعبها المسلم 25.000 مسيحي ومسيحية مع 3000 يهودي ويهودية هل من المعقول ان تجبر الدولة ودار الافتاء التونسية التونسيات المسيحيات واليهوديات بالزواج باجنبي او تونسي مسلم غير ممكن لذلك وضع المشرع كلمة "اجنبي غير مسلم" وهذا خدمة للتونسيات غير المسلمات وهو يعتبر حقا عملا محمودا يذكر فيشكر عليه لا ان يثير ضجة كما يثير ضجة في غربال او زوبعة في فنجان.

الا اننا فوجئنا في بعض القنوات الاجنبية وغيرها ببث الخبر او الاعلان وترويجه ونشره بعد تحويره وتزييفه بصيغة مغايرة للحقيقة فاصبح (زواج التونسية المسلمة بالاجنبي غير مسلم) عوضا عن الاعلان الصحيح الا وهو للتونسية الحق في الزواج بالاجنبي غير المسلم، حتى ان دار الإفتاء التونسية، الإثنين 14 اوت، أعلنت تأييدها لمقترحات رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي التي طرحها خلال كلمته بمناسبة العيد الوطني للمرأة التونسية، ودعا السماح للتونسيات بالزواج من أجانب غير مسلمين.

بعد البحث والتثبت وجدت ان كلمة التونسية المسلمة لم ترد مطلقا ولم تذكر. ترى لماذا الاصرار على كلمة المراة التونسية المسلمة؟؟؟، وكاني باضافة كلمة مسلمة او صفة مسلمة الى كلمة التونسية الزواج باجنبي غير المسلم اضيفت لا عن سهـو ولا عن حسن نيـة انما اضيفت قصـدا وعمـدا بسابقيـة الاصـرار والترصد وذلك بغاية توظيفها لبث ونشر البلبلة بين الاقليات في تونس ولارباك الشباب، وهذا ما حدث فعلا حتى ان بعضا من الاقليات تساءلن هل لغير المسلمات الحق في الزواج من اجنبي غير المسلم؟ كيهودية مثلا ألها الحق في الزواج من غير يهودي؟...وهذا الاعلان الذي بث البلبلة روجته بعض وسائل الاعلام بهذه الصيغة المحرفة كمونت كارلو الدولية وFrance 24 والجزيرة نات وRT العربية مع ان القنوات التونسية ومن بينها قناة نسمة قالت رسمي: (للتونسية الحق في الزواج بالأجنبي غير المسلم) وذلك بعد ان أعلنت الناطقة الرسمية باسم رئاسة الجمهورية سعيدة قراش اليوم الخميس 14 سبتمبر 2017، عن إلغاء مرسوم 5 نوفمبر 1973 الذي يمنع ضباط الحالة المدنية وعدول الإشهاد من إبرام عقود زواج التونسيات من الأجانب غير المسلمين.وقالت ايضا السيدة سعيدة قراش معلنة في تدوينة لها نشرتها في حسابها الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك: "تم الغاء كل النصوص المتعلقة بمنع زواج التونسية بأجنبي يعني بعبارة أوضح منشور 1973 وكل النصوص المشابهة له. مبروك لنساء تونس في تكريس حق حرية اختيار القرين"."المصدر قناة نسمة" وكذلك قال موقع arabesque.tn وقد نزلت قائمة الوثائق المطلوبة للزواج وذلك يوم 16 سبتمبر 2017 تحت عنوان زواج التونسية بغير المسلم دون ذكر كلمة المسلمة.

لعلمنا بان المشرع التونسي يتمتع بحدة الذكاء وبالنظرة الثاقبة وواسع المعرفة الفقهية لا يمكن ان يقع في مازق يجلب عليه المشاكل والمصائب والويلات لذا حدد القانون بكلمة التونسية دون ربطها بكلمة المسلمة الا اننا فوجئنا باحدى السيدات في قناة France 24 الا وهي احدى نساء المجتمع التونسي ذات مركز محترم قالت في تصريـح لها لقناة ''فرانس 24''، ان القانـون يخص المـراة التونسيـة المسلمـة دون غيـرها واعتبرت في نفس التصريح لقناة ''فرانس 24''، أنّه ''لا يوجد أي نص ديني صريح يمنع زواج المسلمة من غير المسلمين" في حين ان الرئيس قال زواج المراة التونسية باجنبي غير المسلم وهي تقول المراة التونسية المسلمة. لماذا هذا التحوير؟؟؟ ولماذا اقحمت كلمة المسلمة؟؟؟. يبدو ان هناك شيئا ما وخلفية ما وراء كلامها الذي خصته بالمراة التونسية المسلمة دون غيرها. وهذا ما اثار حفيظة

كثير من التونسيين مع استغرابهم لجهلها او نسيانها اوتجاهلها وربما تناسيها لبعض الايات الصريحة في منع زواج المسلمة من غير المسلم. ان ما صرحت به السيدة لقناة France 24 ان لا وجود بالقران ما يمنع زواج المسلمة من غير المسلم.فهو كلام خاطئ وخطير للغاية، فيه مغالطة كبيرة وجسيمة للراي العام، وان لا اساس له من الصحة، ولتعلم هذه السيدة وكل منهن على شاكلتها ان زواج المسلمة من غير المسلم حرام لانه مخالف لشرع الله ولا علاقة له قانونيا بالشريعة الاسلامية والقرآن الكريم.

 ان قضية الزواج على علاقة بالحلال والحرام تتطلب نقاشا فقهيا. اما مسالة زواج المسلمة من غير المسلم لا اجتهاد فيها مع القرآن لأن زواج المسلمة من غير المسلم - مهما كانت ديانته- من الفواحش العظيمة التي نهى الله عنها وهو باطل لانه حرام؛ بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول وذلك تطبيقا لكلام الله سبحانه وتعالى (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (البقرة:221).صدق الله العظيم. ان السور القرآنية ليست بنصوص كما قالت السيدة فالنصوص معروفة كتبها البشر، والفها البشر ككتب القوانين وكتب البحوث والدراسات والفلسفة والكتب المستنبطة والروايات وكتب القصة ودواوين الشعر وما الى غير ذلك، اما القرآن فهو سور منزلة من الله سبحانه وتعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الانبياء والمرسلين عن طريق الوحي، ولم يؤلفها بشر لذا هي ليست نصوصا ولا يمكن ان نطلق عليها هذه التسمية بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ. ان الله سبحانه وتعالى اعتنى بالمراة احسن عناية وبين حقوقها احسن تبيين في الزواج والطلاق والرضاعة والارث وما الى غير ذلك. في القرآن الكريم ورد عديد الايات المحكمات خاصة بالمراة في سورة النساء والبقرة. وفيما يخص الزواج هناك عديد الآيات القرآنية المانعة لزواج المسلمة من غير المسلم - ايا كانت ديانته- لانه معصية كبرى وخطيئة من الخطايا العظمى التي نهى الله عنها وهو باطل؛ بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول. لانه مخالفة للشَّريعة الإلهيَّة لذا لا جدال فيه ولا نقاش.

ان الله سبحانه وتعالى نهى نهيا قاطعا في سورة البقرة الرجل المؤمن عن الزواج بغير مؤمنة ونهى المراة او الانثى المؤمنة عن الزواج بغير مؤمن وقد اجتمع فقهاء المسلمين على أنّ زواج المسلمة من غير المسلم بغض النّظر عن ديانته هو أمر محرّم في الشّريعة الإسلاميّة. قال شيخ المفسرين الإمام أبو جعفر الطبري : "إن الله قد حرَّم على المؤمنات أن ينكحن مشركاً كائناً من كان المشرك، ومن أيّ أصناف الشرك كان، فلا تنكحوهنَّ أيها المؤمنون منهم، فإنّ ذلك حرام عليكم، ولأن تزوجوهن من عبدٍ مؤمن مصدق بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، ولو شرُف نسبه وكرم أصله، وإن أعجبكم حسبه ونسبه"، وقال الإمام القرطبي: "أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك، وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام".وذلك لقوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة الآية (221) (وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ). صدق الله العظيم.

ان هذه الآية المرادً بها كل مشركة وكل مشرك من أيّ أصناف الشرك، غير مخصوص منها مشركةٌ دون مشركة،او مشرك دون مشرك وثنيةً كانت أو مجوسية أو كتابيةً،او وثنيا كان او مجوسيا او كتابيا.ولا نُسخ منها شيء. والمراد بنـزول هذه الاية هو تحريم نكاح كل مشركة على كل مسلم من أيّ أجناس الشرك، عابدة وثن كان، أو يهودية كانت أو نصرانية أو مجوسية أو من غيرهم من أصناف الشرك وتحريم نكاح كل مشرك على كل مسلمة من أيّ أجناس الشرك، عابد وثن كان، أو يهوديا كان أو نصرانيا أو مجوسيا أو من غيرهم من أصناف الشرك. وهذا تحريم صريح بين وجلي صادر من الله عز وجل انه على المؤمنين أن لا يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان او المجوس او النصارى او اليهود حتى يؤمن وعلى المؤمنات ان لا يتزوجن من عبدة الاوثان والمجوس والنصارى واليهود حتى يؤمنوا، ثم إن كان في العموم المراد به أنه يدخل فيها كل مشركة ومشرك من كتابية ووثنية وعبدة النار. قوله تعالى (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) هذا إجماع : لا يجوز للمسلمة أن تنكح المشرك (ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك) يعني المشركين (يدعون إلى النار) أي إلى الأعمال الموجبة للنار (والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه) أي بقضائه وإرادته (ويبين آياته للناس) أي أوامره ونواهيه (لعلهم يتذكرون) يتعظون .

 وكذلك لقوله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) صدق الله العظيم الآية (10) سورة الممتحنة.

وقال تعالى} فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَاهُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ{(الممتحنة:10) صدق الله العظيم فالتكرير في قوله تعالى:} لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَاهُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ{ بالتأكيد والمبالغة بالحرمة وقطع العلاقة بين المؤمنة والمشرك.

وقوله تعالى} وآتوهم ما أنفقوا { أمر أن يعطي الزوج الكافر ما أنفق على زوجته إذا أسلمت فلا يجمع عليه خسران الزوجية والمالية. وقال تعالى} وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا{]النساء [141. والزوج له ولاية وقوامة على زوجته، وهما ممتنعان من الكافر على المسلمة؛ اذا فالكافر لا ولاية له على مسلمةٍ باي حال, بإجماع أهل العلم.

اما قوله: (فَامْتَحِنُوهُنَّ) يعني: سلوهنّ ما جاء بهنّ فإن كان جاء بهنّ غضب على أزواجهنّ، أو سخطة، أو غيره، ولم يؤمنّ، فارجعوهنّ إلى أزواجهنّ. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يمتحن المؤمنات إلا بالآية، قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. (12) سورة الممتحنة صدق الله العظيم.وكان "امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله".

أن النبي صلى الله عليه وسلم فرَّق بين جميع المسلمات وأزواجهن الذين لم يسلموا، ومنهم ابنته زينب زوج أبي العاص بن الربيع، فلما وقع في الأسر يوم بدر أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يبعث ابنته إليه، فوفى له بذلك ثم أسلم بعدها فردَّها عليه.

وأخرج مالك في الموطأ وابن سعد في الطبقات عن ابن شهاب قال لم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله وإلى رسوله (أي اعتنقت الاسلام) وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها (أي اسلامها) بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها مهاجراً (أي مسلما) قبل أن تنقضي عدتها".

أما الإجماع: فقد انعقد إجماع العلماء على أن زواج الكافر بالمسلمة باطل لا ينعقد أصلاً؛ لمخالفته صريح القرآن الكريم.

فالمسلمة بحكم كونها زوجة يجب عليها الطاعة للكافر الذي تزوجته والخضوع له، بل هي عانية (أسيرة) عنده كما في الحديث الصحيح، وهو سيد عليها؛ كما نطق به القرآن الكريم في قوله تعالى} وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ{ صدق الله العظيم ولا يجوز بحال أن يُمكَّن الكافر من السيادة على المسلمة او على المسلمين.

- والكافر لا يحترم دينها، بل يذلها في دينها. ليضلَّها عن سبيل الله فيتخذه هزوا .قال الله تعالى (وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا) ﴿6 لقمان﴾) صدق الله العظيم اي يتخذ سبيل الله سخرية واستهزاء.

 - ثم إنه لا يُؤمَن على المرأة المسلمة

- والمراة بطبعها تميل إلى العاطفة أكثر من الرجل

 - يخشى عليها أن تتأثر بزوجها إذا دعاها لدينه، والرجل شديد التأثير على المراة. والنساء شقائق الرجال.

- وكما قيل: "المرأة على دين زوجها". ومخالطة ذلك الكافر تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة وهي جهنم وبئس المهاد.

- والزوج الكافر؛ لا يؤمن على الأولاد أن يتابعوا أباهم على كفره.

ارى ان استناد السيدة كان مبنيا على كلمة (مؤمن) او على الآية الكريمة في سورة البقرة (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) صدق الله العظيم. ان الله سبحانه وتعالى في هذه الاية وضح توضيحا ظاهرا وجليا وحدد تحديدا بينا في قوله تعالى في المؤمنين من هم قال سبحانه وتعالى (المؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله) صدق الله العظيم. وكل البشرية تعلم ان المسيحيين واليهود اهل الكتاب مؤمنون موحدون لكن ايمانهم ناقص ومبتور لانهم لا يؤمنون برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رسولا ولا يؤمنون بالمصحف الشريف (القرآن) كلام الله اذا هؤلاء ليسوا بمؤمنين اذا النتيجة محرمون على المسلمات والمسلمات محرم عليهن الزواج باحدهم.لا ننسوا ان هناك مسيحيون علاوة على ذلك لا يؤمنون بالمسيح عليه السلام رسولا انما يؤمنون به ابنا لله كما يؤمنون بثالث ثلاثة يعني انهم اصبحوا مشركين، قال الله تعالى (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون (116) بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (117) سورة البقرة صدق الله العظيم. اشتملت هذه الآية الكريمة، والتي تليها على الرد على النصارى ومن أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب، ممن جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم وقولهم : إن لله ولدا . فقال تعالى : (سبحانه) أي : تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا (بل له ما في السماوات والأرض) أي : ليس الأمر كما افتروا، وإنما له ملك السماوات والأرض، وهو المتصرف فيهم، وهو خالقهم ورازقهم، ومقدرهم ومسخرهم، ومسيرهم ومصرفهم، كما يشاء، والجميع عبيد له وملك له، فكيف يكون له ولد منهم، والولد إنما يكون متولدا من شيئين متناسبين، وهو تبارك وتعالى ليس له نظير، ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له، فكيف يكون له ولد ! كما قال تعالى) بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم) سورة الأنعام : الاية 101 صدق الله العظيم وقال تعالى) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (سورة مريم (الايتين 88 - 95)صدق الله العظيم وقال الله تعالى بسم الله الرحمان الرحيم (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) صدق الله العظيم سورة الإخلاص. وقال الله تعالى في سورة المائدة (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72) لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (74) مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (75)قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) صدق الله العظيم.

قال الله تعالى وقوله الحق (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) يعني فيه إضمار معناه : ثالث ثلاثة آلهة، لأنهم يقولون : الإلهية مشتركة بين الله تعالى ومريم وعيسى، وكل واحد من هؤلاء إله فهم ثلاثة آلهة، يبين هذا قوله عز وجل للمسيح (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) سورة المائدة، الاية (116) صدق الله العظيم ، فإن الله يقول (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (7) سورة المجادلة صدق الله العظيم.(ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) (سورة المجادلة،الاية 7) صدق الله العظيم، (إلا هو رابعهم) يسمع سرهم ونجواهم، لا يخفى عليه شيء من أسرارهم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه " ما ظنك باثنين الله ثالثهما " . ثم قال الله تعالى ردا على الكافرين في الاية (73) (وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم) صدق الله العظيم (أي ليصيبن الذين كفروا) خص الكافرين لعلمه أن بعضهم يؤمنون .

وهذا باختصار ما جاء في القرآن عن شرك اهل الكتاب قال الله تعالى:(وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30)اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) سورة التوبة صدق الله العظيم

نلاحظ في هذه الاية الكريمة قول اليهود (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ)، وقول النصارى(وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ).(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) أي إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا . وقال الله تعالى في سورة مريم (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72)) صدق الله العظيم.ثم في قصة خلق عيسى عليه السلام من مريم بدون رجل .. قال الله سبحانه وتعالى (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً(88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً(89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً(90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً(91) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً(92) إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً(93) سورة مريم . صدق الله العظيم

ان الشبهة التي جعلتهم يقولون ولد الله ولجوؤهم إلي هذا الافتراء حيث قال الله سبحانه وتعالى مخاطبا اهل الكتاب في شان عيسى بن مريم عليه السلام (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚإِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) سورة النساء صدق الله العظيم.

القول في تأويل قوله : (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) قال بعض المفسرين يعني بقوله : "وروح منه" إنه كان إنسانا بإحياء الله له بقوله : "كن" . قالوا : وإنما معنى قوله : "وروح منه"، وحياة منه، بمعنى إحياء الله إياه بتكوينه. والمقصود بكلمة الله هنا هى كلمة "كن" (انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون) صدق الله العظيم سورة يس وفي سورة آل عمران قال الله تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ(59) صدق الله العظيم. وقال آخرون : معنى قوله : "وروح منه"، ورحمة منه، كما قال جل ثناؤه في سورة المجادلة (وأيدهم بروح منه) الاية :]22["وكلمته ألقاها إلى مريم "، قال : هو قوله : "كن"، فكان.

يجب على المؤمن ان يكون مؤمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله لا يفرق بين احد من رسله، ومادام أي انسان كان لا يؤمن برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رسولا وخاتما الانبياء والمرسلين ولا يؤمن بالقرآن كتابا من الله عز وجل لا يعد مؤمنا لان ايمانه منقوص وزيادة على ذلك لا يعتبر مسلما لانه لايؤمن برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رسولا وخاتما الانبياء والمرسلين وبالقرآن كتابا ولا ينطق بالشهادتين ايمانا واحتسابا لذا فهو ليس بمؤمن ولا مسلم. ولا يزوّج كافر مسلمةً بحال، أمّا الكافر وهو المشرك فلا ولاية له على مسلمة بحال، وهذا بإجماع أهل العلم، منهم: "مالك، والشّافعي، وأبو عبيد"، استنادا لكلام الله وامره.وأصحاب الرّأي.

ولو ان النصراني (المسيحي) يزعم أنه يؤمن بالله وجميع الرسل، وذلك بمشاركته المسلمين اعيادهم الدينية، لا يصح زواجه من المسلمة؛ لأنه مازال متشبث بدينه، وذلك لانه لم ينطق بالشهادتين بنية الدخول في الإسلام، مع الإقرار بمقتضاهما، والعمل به وطالما انه لم يفعل ذلك، فهو كافر غير مسلم، وحكم زواجه من المسلمة في حكم الزنا، ويجب أن يفرق بينهما في الحال هذا اذا تزوجا. وفي حال كون المسيحيّ يؤمن ايمانا قاطعا بان عيسى عليه السلام رسول الله ولا يعتقد أنّ عيسى المسيح هو ابن الله، فإنّ ذلك لا يجعله مسلماً بأيّ حال وايمانه منقوص ما دام لا يؤمن بسيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا ولا بالقرآن منزل من الله، ولا يكون مسلماً إذا لم ينطق بالشّهادتين، مع نيّته أن يدخل في الإسلام، وذلك مع إقراره بمقتضاهما، وإذا لم يفعل ذلك يعتبر كافراً غير مسلم، ويحرم عليه الزّواج من مسلمة بأيّ حال. (1)

ومن تزوجت بمسيحي او يهودي او مشرك ايا كان وهي عالمة بحرمته مستحلة له، فقد ارتدت عن دين الإسلام، ويجب عليها المبادرة بمفارقة هذا الرجل الغير مسلم فوراً؛ لأن نكاحها له باطل، بل هو محض الزنا، قال الله تعالى (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) صدق الله العظيم والله تعالى نهى عن الزنا بكونه فاحشة وساء سبيلا. يقول تعالى ذكره : وقضى أيضا أن (لا تقربوا) أيها الناس (الزنا إنه كان فاحشة) يقول : إن الزنا كان فاحشة "أي معصية" (وساء سبيلا) يقول : "وساء طريق الزنا طريقا، لأنه طريق أهل معصية الله، والمخالفين أمره، فأسوئ به طريقا يورد صاحبه نار جهنم". لذا وجب عليها فراقه والتوبة إلى الله تعالى بالندم على ما صنعت والعزم على عدم العودة إليه أبداً، وان كانت فعلته من غير استحلال ولا جحود؛ فتكون عاصية ومرتكبة لكبيرة من الكبائر، وإن كانت جاهلة بالحكم؛ لنشأتها في غير بلاد المسلمين فلا إثم عليها حينئذ، ويكون نكاحها نكاح شبهة فلتفارقه وإن أسلم زوجها، فهو أحق بها ما دامت في العدة.

ان زواج المسلمة من غير المسلم ايا كان يعد فعلا منكرا عظيما ومعصية كبرى، لانه ليس زواجاً شرعياً، وإنما يعد علاقة محرَّمة آثمة، والواجب على المسلمة التي تزوجت غير مسلم ان تفارقه اولا، مع محاولة دعوته إلى الإسلام لعل الله يبعث النور في قلبه ويهديه الى الاسلام.

الحكمة من منع زواج المسلمة من غير مسلم (مشرك) او من مسيحي او يهودي والحكمة من تحريم زواج المسلمة من شخص غير مسلم (مشرك) أو كتابي، هو أنّ الإسلام دين يعلو ولا يُعلى عليه، وإنّ للزوج فيه قوامةً على زوجته، وهذا أمر ممنوع في حقّ من كان كافراً، وذلك لقوله سبحانه وتعالى: (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) سورة النساء، 141 صدق الله العظيم .وفي هذه الحالة فإنّه لا يؤمن على المرأة أن تميل إلى زوجها في حال دعاها إلى اعتناق ديانته، ولا يؤمّن على الأطفال أن يقوموا باتباع والدهم في ديانته، وأمّا في حال تزوّج المسلم بامرأة كتابيّة فإنّ هذه المفاسد لا تكون موجودةً، لأنّ القوامة تكون للزوج المسلم، ومن الممكن أن يؤثر هو على زوجته وبالتالي تسلم، والزّوج هو الكلف بأن ينشئ الأولاد تنشئةً إسلاميّةً تحميهم من متابعة الأمّ في دينها، وفي حال قصّر في هذا الأمر فإنّ حسابه يكون على الله عزّ وجلّ، وفي حال زواجه من امرأة كتابيّة فإنّه يكون مؤمناً بكتابها غير المحرّف وبنبيّها، وبالتالي يكون لديهما أساس للتفاهم ويمكن لحياتهما أن تستمرّ، وأمّا المشرك او الكتابي عند زواجه بالمسلمة فإنّه لا يؤمن بدينها ولا بنبيها، ولا يوجد بينهما أيّ طريقة للتفاهم والوئام، ولذلك منع المشرع هذا الزّواج ابتداءً. (2).

بعد كل هذه الاثبات القطعية كيف يمكن للمسلمة المؤمنة ان تتزوج بمسيحي او يهودي يشرك بالله لم اقل كلهم انما اغلبهم وحتى ان يكن بينهم فئة ضئيلة تؤمن بسيدنا عيسى نبيا ولكن وللاسف كلهم في جميع اصقاع العالم لا يؤمنون بالقرآن ولا يؤمنون برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا وخاتما الانبياء والمرسلين ولا ينطقون بالشهادتين هؤلاء رافضون رفضا قاطعا وباتا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورافضون للقرآن الكريم في حين ان الله سبحانه وتعالى اشترط والشرط واضح وجلي في هذه الاية الكريمة في قوله تعالى (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) سورة البقرة صدق الله العظيم. استنادا الى اواخر سورة البقرة لا يكون الانسان مؤمنا مادام لا يؤمن بجميع الرسل وبجميع الكتب السماوية... وقال الله تعالى في سورة المائدة الآية (5) (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) صدق الله العظيم. والخطاب هنا في النكاح او الزواج موجه للرجال دون النساء اذ قوله تعالى '' وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ " صدق الله العظيم وهنا المقصود والله اعلم الحرائر العفيفات المراد بالمحصنات : العفيفات عن الزنا، قال الله تعالى في الآية 25 في سورة النساء : وهذا جزءا منها (محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ) وقد تكرر ذكر كلمة "محصنات غير مسافحات ولا متخذات اخدان" ولم يقل المحصنين او المؤمنين وفي الطعام موجه للكل. ولكن اذا كان في الطعام خنزير فهو حرام طبعا لأن الانسان يجب ان يتبع كل القرآن وليس آية واحدة.

ان الدين والشرع والعقل والعادات والتقاليد والاعراف ترفض زواج المسلمة من غير المسلم ايا كانت جنسيته وبلده ااجنبيا كان او غير ذلك. ان زواج المسلمة بغير المسلم يجعل المسلمة العابدة لله الواحد الاحد والمؤمنة بالله وملائكته وكتبه ورسله ولا تفرق بين احد من رسله وهي مطيعة لله ومستغفرة لكن شهوتها للزواج او اعجابها بذاك الكتابي او السيخي او المشرك الوثني او الزرادشتي او البوذي او الهندوسي او عابد الشيطان او عابد الفرج واستمالها بهواه فاتبعت هوى نفسها والمعروف عن المراة انها عاطفية اكثر من الرجل وهذا لا يخفى على احد بإهدائها وردة واحدة او طبطبة صغيرة او هدية بسيطة ترضيها وتجعلها تركع مطيعة لزوجها في دينه ومعاشه وان لم تجد من يتصدى لها او يفهمها او يقنعها ارتدت خاصة اذا اقتنعت بان من سمح بزواج المسلمة من غير المسلم هو المشرع رجل الدين عالم باصول الفقه وبالحلال والحرام وبتاويل كلام الله وبالشريعة ومقاصدها فتزوجت منه وهي متاكدة ان زواجها حلال وليس باطل من يتحمل وزر ارتدادها عن دين الاسلام وكلنا نعرف مدى تاثير الرجل على المراة خاصة ان كانت محبة له وعاشقة او طامعة في ماله ومقتنعة به جملة وتفصيلا. وتتزوج برجل غير مسلم. هل فكرتم في الناشئة التي ستولد من اب مشرك وام مسلمة كيف سيكون دينها اسلاميا او مسيحيا او يهوديا او مشركا لا يؤمن بالله الواحد الاحد. والمعروف ان المراة تتبع دين زوجها وهذا لكونها عاطفية اذا ستكون هناك كثير من النساء المرتدات عن دينهن الاسلام.

لذا اجمع علماء الإسلام على ان الشرع الإسلامي يحرم زواج المسلمة بغير المسلم ايا كانت ديانته، تحريما قطعيا وذلك إستنادا إلى قول الله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون}. سورة البقرة: 221صدق الله العظيم. دلالة الآية الكريمة على تحريم زواج المسلمة بغير المسلم لا خلاف فيه بين المفسرين وعليه إجماع الفقهاء سلفا وخلفا، والمقصود بغير المسلم كل كافر أو مشرك سواء أكان من الوثنيين أو المجوس أو من أهل الكتاب، وفيما يلي أقوال بعض العلماء :

قال الإمام القرطبي: " أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام ". [الجامع لأحكام القرآن: ج: 3 ص: 72، وانظر: فتح القدير:ج1ص224].

قال الإمام الرازي: "فلا خلاف ها هنا أن المراد به الكل-أي جميع غير المسلمين- وأن المؤمنة لا يحل تزوجها من الكافر البتة على اختلاف أنواع الكفرة ". [التفسير الكبير:ج6،ص64، وانظر: تفسير ابن كثير:ج1ص258].

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " وإن كانت الآية نزلت في تحريم نساء المسلمين على المشركين من مشركي أهل الأوثان يعني قوله عز وجل: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} فالمسلمات محرمات على المشركين منهم بالقرآن بكل حال وعلى مشركي أهل الكتاب لقطع الولاية بين المسلمين والمشركين وما لم يختلف الناس فيما علمته ". [أحكام القرآن للشافعي ج: 1 ص: 189].

قال الإمام الكاساني: " فلا يجوز إنكاح المؤمنة الكافر لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} ولأن في إنكاح المؤمنة الكافر خوف وقوع المؤمنة في الكفر لأن الزوج يدعوها إلى دينه والنساء في العادات يتبعن الرجال فيما يؤثروا من الأفعال ويقلدونهم في الدين وإليه وقعت الإشارة في آخر الآية بقوله عز وجل: {أولئك يدعون إلى النار}. [سورة البقرة: 221]. لأنهم يدعون المؤمنات إلى الكفر والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار لأن الكفر يوجب النار فكان نكاح الكافر المسلمة سببا داعيا إلى الحرام فكان حراماً. والنص وإن ورد في المشركين لكن العلة وهي الدعاء إلى النار يعم الكفرة أجمع فيتعمم الحكم بعموم العلة فلا يجوز إنكاح المسلمة الكتابي كما لا يجوز إنكاحها الوثني والمجوسي لأن الشرع قطع ولاية الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا}. [سورة النساء: 141]. فلو جاز نكاح الكافر المؤمنة لثبت له عليها سبيل وهذا لا يجوز". [بدائع الصنائع ج: 2 ص: 271].

قال الإمام مالك: " ألا ترى أن المسلمة لا يجوز أن ينكحها النصراني أو اليهودي على حال وهي إذا كانت نصرانية تحت نصراني فأسلمت إن الزوج أملك بها ما كانت في عدتها ولو أن نصرانيا ابتدأ نكاح مسلمة كان النكاح باطلا ". [المدونة الكبرى ج: 4 ص: 301].

قال الإمام ابن جزي: " وإن نكاح كافرٌ مسلمة يحرم على الإطلاق بإجماع ". [القوانين الفقهية ج: 1 ص: 131].

قال الإمام الشافعي: " فإذا أسلمت المرأة أو ولدت على الإسلام أو أسلم أحد أبويها وهي صبية لم تبلغ حرم على كل مشرك كتابي ووثني نكاحها بكل حال ". [الأم ج: 5 ص: 7].

قال الإمام البهوتي : " ولا يحل لمسلمة نكاح كافر بحال حتى يسلم لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا}. [سورة البقرة: 221]، وقوله: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} . [سورة الممتحنة: 10]. [كشاف القناع ج: 5 ص: 84].

قال الإمام ابن مفلح: " إذ لا يجوز لكافر نكاح مسلمة قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم ولأن دينها اختلف فلم يجز استمراره كابتدائه وتعجلت الفرقة وكان ذلك فسخا". [المبدع ج: 7 ص: 117].

قال الإمام ابن قدامة: "إن أسلمت الكتابية قبله وقبل الدخول تعجلت الفرقة سواء كان زوجها كتابيا أو غير كتابي إذ لا يجوز لكافر نكاح مسلمة قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم ". [المغني ج: 7 ص: 129].

قال الإمام ابن حزم: "ولا يحل لمسلمة نكاح غير مسلم أصلا... برهان ذلك قول الله عز وجل: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا}. [سورة البقرة: 221]. [المحلى ج: 9 ص: 449].

وحكمة ذلك: أنّ المسلم يؤمن بكل الرسل بما فيهم موسى وعيسى عليهم السلام، وبكل الكتب بما فيها التوراة والإنجيل، بينما لا يؤمن أهل الكتاب إلا برسلهم وكتبهم.

 وبما ان المسيحيين يؤمنون بثالث ثلاثة فهم يعتبرون مشركين لانهم يعتبرون ايضا ان المسيح ابن الله ومنهم من يعتبر ان المسيح عليه السلام ممثل الله فوق الارض وهذا كفر ظاهر وبين وشرك بالله فالله واحد احد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد.

من خلال الايات الكريمة ومما تقدم يتضح وضوحا جليا لا لبس فيه ولاطمس أن زواج المسلمة من غير المسلم دون استثناء كتابي كان أو كافر(مشرك) فإنه حرام وهو زواج باطل شرعاً وقانوناً، لما تقدم من ذكر الايات المحكمات وأقوال العلماء والفقهاء قديماً وحديثاً، وإن وجد يجب فسخ هذا الزواج في الحال.

و لكن للاسف كثير يجهلون احكام القران والدين لهذا كثير من الناس يقعون في الخطأ. لذا اقول لا يمكن ان يضاف في اي تصريح لوسائل الاعلام الاجنبية او العربية او المحلية بان النص القانوني ملزم بالتونسيات المسلمات لان هذا يثير البلبلة في الاوساط التونسية والعربية والدول الشقيقة ونحن في غنى عنها وليكن في علم الجميع ان ضمن الشعب التونسي المسلم هناك تونسيات غير مسلمات وكذلك تونسيون غير مسلمين كما ذكرت آنفا 25.000 مسيحي ومسيحية و3000 يهودي ويهودية اننا نتساءل لماذا التاكيد على ان النص القانوني الجديد ملزم بالمراة التونسية المسلمة دون غيرها ولماذا اضيفت كلمة المراة التونسية المسلمة لواسائل الاعلام ولم يبق الاعلان على ذكر كلمة المراة التونسية بصفة عامة. يبدو للمستمع من الوهلة الاولى انها مقصودة لكون دينها الاسلام يحرم عليها الزواج من غير المسلم ايا كان اجنبيا او غير اجنبي. وقد يبدو كأن هناك تحريض نوعا ما للمراة التونسية المسلمة على الارتداد عن دينها. هل التونسيون كلهم مسلمون لا غير صحيح بعد الثورة ظهرت في تونس ديانات شتى ومختلفة وتبجحوا بها حتى ان منهم من ترك وصية الا وهي الامر بحرق جثمانه بعد موته اترى من يوصي بحرق جثمانه بعد موته مسلما لا اظن.

كان على المفتي او المشرع التونسي ان يصر بان يكون هناك قانونا خاصا بالمسلمين وينص فيه بوجوب منـع زواج المسلمـة من غيـر المسلم وكـان لزاما علـى المشـرع التونسـي ان يوجـد قانـونا يجبـر التونسـي والتونسية كليهما على التصريح بديانتهما وكتابتها في هوية كل منهما(بطاقة التعريف الوطنية) وان يجبر المراة بالتصريح بديانتها التي تنتمي اليها مع الاستظهار بما يثبت ذلك قانونيا عند كتابة عقد زواجها.

و لحسم النزاع وكفى الله المؤمنين شر القتال يجب فرض اضافة كلمة الدين الذي تنتمي اليه الزوجة والدين الذي ينتمي اليه الزوج في نص عقد الزواج ويكون هذا الشرط ضمن قائمة الوثائق المطلوبة في ابرام عقد الزواج. بعد صدورهذا القانون نتساءل اتصبح تونس متعددة الاديان مثل الهند بعد السماح للتونسية بالزواج من اجنبي غير مسلم حيث ان الابناء الاغلبية الساحقة منهم يعتنقون دين آباءهم ويتبنون سلوكهم وحتى تصرفاتهم وقلة منهم يعتنقون دين امهاتهم لذا منع الاسلام زواج المسلمة من غير المسلم ايا كان اجنبيا او عربيا.

فيما يلي: قائمة الوثائق المطلوبة لزواج التونسية بغير المسلم16 سبتمبر 2017 .(3)

اصدرت وزارة الشؤون المحلية والبيئة بلاغا نصت فيه انه وبعد الغاء القانون عدد 73 الذي يمنع التونسية من الزواج بغير المسلم

يجب على المعنيين ,عند إبرام العقود المذكوره ان تتوفر جملة من الشروط وهي .

- مضمون ولادة لكل من الزوجين (مدة صلوحياته 20 يوما) دون التقيد بمدة الصلوحية بالنسبة للأجانب, الشهادة الطبية لإتمام الزواج.

- نسخة من بطاقة التعريف الوطنية أو أي وثيقة رسمية أخرى تثبت هوية الزوجين ,إذن من المحكمة لمن هم دون السن القانوني.

- موافقة الولي والأم أو الأم بمفردها في صورة وفاة الأب بالنسبة الى القاصر الذي لا تتوفر فيه السن القانونية للزواج أو اذن بالزواج من المحكمة في صورة امتناع الولي أو الأم ,مضمون وفاة الزوج أو الزوجة بالنسبة للأرامل.

- نسخة من حكم الطلاق بالنسبة للمطلقين أو مضمون ولادة منصوص به على الطلاق.

- بينة من القنصلية أو البعثة الدبلوماسية تشهد بإمكانية عقد الزواج بالنسبة للأجانب.

- شهادة في عدم الارتباط بأي علاقة زوجية بالنسبة للأجانب.

- ترخيص من الادارة بالنسبة للمنتمين الى قوات الأمن الداخلي والديوانة (أعوان الأمن الوطني والشرطة الوطنية، وأعوان الحرس الوطني، وأعوان الحماية المدنية وأعوان الديوانة).

- الاستظهار ببطاقة التعريف بالنسبة للشاهدين (مع وجوب توفر الشروط القانونية لكلا الشاهدين).

- ترخيص من وزارة الدفاع الوطني بالنسبة للعسكريين.

- ترخيص من الادارة بالنسبة لأعوان السلك الدبلوماسي

 

 الكاتبة فوزية بن حورية

...................

المراجع:

 (1) بتصرّف عن فتوى رقم62835/ تحريم زواج المسلمة من غير المسلم مطلقاً/ مركز الفتوى

(2) بتصرّف عن فتوى رقم31025/ الحكمة من منع زواج المسلمة من كتابي/ مركز الفتوى

 [الجامع لأحكام القرآن: ج: 3 ص: 72، وانظر: فتح القدير:ج1ص224].

 [التفسير الكبير:ج6،ص64، وانظر: تفسير ابن كثير:ج1ص258].

 [أحكام القرآن للشافعي ج: 1 ص: 189].

 [بدائع الصنائع ج: 2 ص: 271].

 [المدونة الكبرى ج: 4 ص: 301].

 [القوانين الفقهية ج: 1 ص: 131].

 [الأم ج: 5 ص: 7].

 [كشاف القناع ج: 5 ص: 84]

 [المبدع ج: 7 ص: 117].

 [المغني ج: 7 ص: 129].

 [المحلى ج: 9 ص: 449].

 (3) الشروق

 

 

khadat jleedلا شك أن الحرب ظاهرة تاريخية ملازمة لوجود الإنسان منذ فجر التاريخ، حتى يمكن أن نقول أنّ تاريخ الإنسان هو تاريخ الحرب حيث لا يخلو مجتمع أو حضارة من هذه الظاهرة المرعبة التي تحصد الأرواح وتفسد العمران، ونظرا لأهمية هذه الظاهرة في التاريخ فقد تطرق إليها كل من إبن خلدون  وهيجل، كل من زاويته الخاصة وفي إطار ظروف العصر التي تحدد المرجعية الفكرية والموقف السياسي والإيديولوجي لكل واحد منهما، ولكنّ قبل أن نتطرق إلى هذا الموضوع عند هذين الفيلسوفين، فلا بأس أن نتطرق إلى الأسس النظرية والفكرية لظاهرة الحرب فنتساءل: هل للحرب بعد فكري؟ وهل لها مبررات نظرية وفلسفية؟ وهل يمكننا أن نتساءل عن وظائف إيجابية للحرب؟.

إذا كانت الحرب ظاهرة عدوانية وفعل عنيف فهل يمكننا أن نربط هذه الظاهرة بالطبيعة البشرية ( LA NATURE HUMAINE  )؟ وبمعنى آخر « هل العدوانية غريزة فطر عليها الإنسان أم هي ردّ فعل مكتسب؟ يمكننا أيضا طرح هذا السؤال على الشكل التالي: هل الإنسان عدواني بطبيعته؟ من الصعب جدا معرفة ذلك فليس ثمّة من شخصية تعيش في حالة الطبيعة الصرفة، أي بمنأى عن تأثير العوامل الثقافية » .

ولا شك أنّ الإنسان تتنازعه طبيعتان طبيعة الخير وطبيعة الشر كما يقول الحكماء وأنّ طبيعة الشر أقرب إلى الإنسان من طبيعة الخير، لذلك نجد أنّ الكثير من الفلاسفة أقاموا فلسفتهم السياسية على الطبيعة البشرية خاصة طبيعة الشر وهذا مما جعل الفيلسوف الإيطالي مكيافيلي يقول: « لا يفعل الناس الخير إلاّ مكرهين، ولكن ما إن يحصلوا على حرية الإختيار في ارتكاب الشر من دون عقاب حتى يزرعوا الشغب والفوضى في كل مكان وهذا ما دفع إلى القول أنّ الفقر والحاجة يجعلان الناس حاذقين وأنّ القوانين تخلق أناسا صالحين » .

كما نجد أيضا من الفلاسفة الذين ربطوا ظاهرة الحرب والنزعة العدوانية بالطبيعة البشرية الفيلسوف الإنجليزي هوبز (1588 – 1679 ) الذي كان يدعو إلى ضرورة الخروج من مأساة حالة الطبيعة والبحث عن السلم، لأنّ حالة الطبيعةعنده تعني شيئا واحدا وهو أنّ الإنسان ذئب لأخيه الإنسان ( L’homme est un loup pour l’homme  ) وبعبارة أخرى « إنّ سياسة هوبز تتأسس على أنّ الإنسان محدد برغبتين أساسيتين: الرغبة في السلطة والخوف من الموت العنيف الذي يتعرض له من طرف الآخر، فمنذ زمن بعيد والناس يعيشون بدون سلطة مشتركة تحكمهم في إطار الإحترام، إنّهم يعيشون في هذه الظروف التي نسميها الحرب، وهذه الحرب هي حرب كل واحد ضد الآخر » .

وإذا كان الخروج من حالة الطبيعة إلى حالة الثقافة يعني الخروج من حالة الحرب إلى حالة السلم والإنتقال من النزعات الطبيعية إلى القيّم الإجتماعية والسياسية المشتركة، فإنّه لا يمكننا ربط الحرب بالطبيعة البشرية وحدها لأنّ الإنسان أيضا كائن ثقافي واجتماعي وتاريخي ولأنه وعلى مسرح التاريخ وجدت ثقافات وحضارات تمجد الحروب وتقدس الأبطال الذين يخوضون هذه الحروب بكل فخر واعتزاز، وسواء كانت الحرب من أصل طبيعي أو ثقافي أو كليهما معا فإنّه     « تبقى أكثر عنفا وعشوائية وتقلبا بين جميع القوانين الإجتماعية، تبقى رفيق الدرب العظيم للتاريخ وهي بنفس الوقت رحمة القوي تسير مع الموت الفردي الطبيعي والطارئ الذي يعتبر أعلى مشكلة مطروحة في ساعتها بالنسبة لكل كائن بشري وترافق الكوارث الطبيعية التي تدفن مناطق بكاملها فهي الموت الجماعي الأعظم، بل هي المذبحة الكبرى للإنسان على يد الإنسان التي تعرض للخطر الدول والمجتمعات والحضارات بالإضافة لتهديدها للأشخاص والأسرة من جميع الأنواع »

وبالرغم من الطابع التدميري والعنيف للحرب، إلاّ أنّ هناك من يرى أنّها ضرورية وأنّها تؤدي وظيفة إيجابية وأنّها حالة إنسيابية لا يمكن توقيفها وإنّما هي موجودة على الدوام مثل الوجود الإنساني، وإنّما يمكن فقط التقليل من آثارها من خلال عقد الإتفاقيات والمعاهدات وتشجيع السلم وتمجيده بين الدول والشعوب « ومن هنا يأتي السؤال التالي: ألا يعني دوام وكلية وجود هذه الظاهرة المرعبة رغم كل الجهود والنوايا الحسنة التي بذلت لمحاربتها ألا تعني بأنّ الحرب تقوم في المجتمعات والحضارات بوظائف لا تزال ضرورية حتى الآن ولا يمكن الإستعاضة عنها؟ ولهذا أليس من الواجب أن تكرس جهود جميع المسؤولين في المجتمع الإنساني لتوجيه عدوانية الإنسان نحو مخارج أقل دموية وأقل تدميرا؟» .

وإذا ثبت تاريخيا أن الإنسان لم يستطع أن يمنع الحرب حتى ولو أراد ذلك لأنه مدفوع إليها دفعا فإننا نجد أيضا عبر التاريخ من يدافع عن الحرب من باب أنّ مصائب قوم عند قوم فوائد فالحرب عبر التاريخ تبرز المنتصر والمنهزم كما تبرز الحضارة المتقهقرة والمنتهية والحضارة الصاعدة والمتألقة لأنّ الحرب تقوم عادة في التاريخ « عند احتضار وموت الحضارات وهنا لابد من التفكير أيضا بأولئك الذين يستفيدون من هذه الخاتمة المدمرة ففي مثل هذه المناسبات يبرز على المسرح المناصرون للحرب والمدافعين عنها فهي بالنسبة إليهم امتحان للشعوب ومن وظائف الحرب كما يدعي هؤلاء إزالة الأشكال الإجتماعية والدول والأعراق والحكومات المنهكة المنحلة لتخلي المكان للقوى الغضة والأشكال من التفكير والتنظيمات الجديدة وهذا يعني في النهاية إعطاء الحرب دورا خارقا يتعدى حدود البشر حكم التاريخ أو حكم الإله حسب العبارة الهيجيلية التي اشتهرت في القرون الوسطى » .

وإذا كانت الحرب عبارة عن فوضى اجتماعية فإنّ ذلك في نظر بعض الفلاسفة مرحلة مؤقتة لأنه طبقا للمنطق الجدلي الهيجلي كل أطروحة تؤدي إلى نقيضها وكل فكرة تحمل في ذاتها بذور فنائها فالنظام وليد الفوضى والفوضى وليدة النظام، وفي هذا الإطار يقول أحد الفلاسفة « إنّ أكبر تأثير مألوف للثورات التي تعصف بالأمبراطوريات هو ذلك الذي يجعلها تمر من النظام إلى الفوضى ليعود بها فيما بعد إلى النظام ولم يكتب أبدا لما هو بشري أن يتوقف في نقطة ثابتة عندما يبلغ أقصى كمال ممكن، وعندما يعجز عن الإرتقاء أكثر فإنّه يسقط ولنفس السبب، فهو عندما يسقط في منتهى الفوضى ولا يتأتى له السقوط أكثر من ذلك فإنه يرتقي، وهكذا فإن كل ما هو بشري ينتقل بالتعاقب من الخير إلى الشر ومن الشر إلى الخير، الفضيلة تولد الراحة والراحة تولد الفراغ والعطالة  والعطالة تولد الفوضى والفوضى تؤدي إلى خراب الدول، ثمّ بعد قليل يولد من رحم خرابها النظام من جديد والنظام يولد الفضيلة ومن الفضيلة يولد المجد والرخاء، ومهما كان بالإمكان خلق أفضل أشكال الحكم التي يراد تكوينها فلن يمنعها ذلك من الزوال ذات يوم إذ أنّ كل شكل يحمل في أعشائه بذرة فنائه »

ومن هنا نستنتج أنّ هناك اختلاف بين المفكرين والفلاسفة في تقييم ظاهرة الحرب وتحديد وظيفتها الإجتماعية والتاريخية وهذا لا شك مرتبط بالظرف التاريخي والحضاري الذي كان يعيشه كل مفكر وفيلسوف في عصره، أي حسب منطق العصر وحسب الأطر الإجتماعية للمعرفة التي تكون شعوريا أو لا شعوريا المنهج العام الذي يرى من خلاله الفيلسوف العالم ويحدد علاقته به سواء على المستوى الإبستمولوجي أو الإيديولوجي وإذا كانت الحرب كظاهرة إنسانية شغلت الفلسفة والفلاسفة منذ القديم إلى اليوم فإنّ التساؤل المطروح هو: كيف ينظر كل من ابن خلدون وهيجل إلى هذه الظاهرة؟ وهل يمكننا أن نجد تقاطعات معرفية لتحديد هذه الظاهرة عند كليهما؟ وإذا كان إبن خلدون  متقدم على هيجل في الزمان والمكان فكيف ينظر إلى هذه الظاهرة؟ وهل رؤيته إلى هذه الظاهرة رؤية واقعية أم مثالية؟ وهل الحرب عنده تحمل في ذاتها قيمة سلبية أم إيجابية؟.

ينطلق إبن خلدون  من فكرة الطبيعة البشرية لتفسير ظاهرة العدوان والحرب، وهو بذلك سابق لكل من هوبز ولوك ومكيافيلي.

ويرى إبن خلدون  أنّ العدوان غريزة متأصلة في الإنسان وأنّها هي أصل الشرور وبالتالي الحروب، ولكبح هذه الغريزة العدوانية فلا بد من وجود وازع سياسي تكون له الغلبة والسلطان والقهر لردّ الظلم عن الناس فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعيش إلا في إطار جماعة وهذا ما معناه أنّ الإنسان حيوان إجتماعي، فلا بدّ من وجود سلطة فوقية لتحديد وتنظيم العلاقة بين أفراد الجماعة وإلاّ أصبحت الحياة الجماعية متعذرة، يقول إبن خلدون  « ثمّ إنّ هذا الإجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه وتمّ عمران العالم بهم فلا بدّ من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم وليست آلة السلاح التي جعلت دافعة لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية في دفع العدوان عنهم لأنّها موجودة لجميعهم فلا بدّ من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم فيكون ذلك الوازع واحدا منهم يكون عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتّى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان وهذا هو معناه الملك، وقد تبين لك بهذا أنّه خاصة للأنسان طبيعية ولا بد منها، وقد يوجد في بعض الحيوانات العجم على ما ذكره الحكماء كما في النحل والجراد لما استقرئ فيها من الحكم والإنقياد والإتباع لرئيس من أشخاصها متميز عنهم في خلقه وجثمانه، إلاّ أنّ ذلك موجود لغير الإنسان بمقتضى الفطرة والهداية لا بمقتضى الفكر والسياسة».

ويمكننا أن نستنتج من هذا النص الخلدوني أنّ غياب الملك واحتكام الإنسان إلى طبيعته العدوانية هو السبب الرئيسي للمنازعات والحروب، وإذا كانت الحروب قديما تحدث أكثر بين القبائل فلأنّ هذه القبائل لم تخضع لإطار سياسي مشترك ولسلطان غالب قاهر، ولأنّ هذه الحروب أيضا كانت تخضع للعصبية القبلية والعصبية فكرة طبيعية تقوم على الرابطة والدموية وليس على مبدأ أخلاقي واجتماعي وسياسي، أما فكرة الوازع السياسي فنجدها عندما تنتقل القبيلة من البداوة إلى الحضارة أي بعد تأسيس الدولة وإخضاع العصبيات إلى عصبية واحدة قاهرة تحمل مشروعا سياسيا وبالتالي كما يقول إبن خلدون  الإنتقال من الشظف إلى الترف ومن حالة الطبيعة إلى حالة الحضارة.

وإذا كان إبن خلدون  يربط العدوان بالطبيعة الإنسانية التي لم تخضع بعد لفكرة الوازع فكيف ينظر إبن خلدون  إلى ظاهرة الحرب في التاريخ؟.

يرى إبن خلدون  ومن منظور واقعي أنّ الحرب ظاهرة إنسانية تاريخية ملازمة للبشرية منذ فجر التاريخ وأنّها تقوم لغرض انتقام البعض من بعض الآخر، يقول إبن خلدون : « إعلم أنّ الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ برأها الله وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض ويتعصب لكل منها أهل عصبيته فإذا تذامروا  لذلك وتوافقت الطائفتان إحداهما تطلب الإنتقام والأخرى تدافع، كانت الحرب وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل » .

وإذا تأملنا هذه العبارة الأخيرة  لإبن خلدون ندرك حقيقة الحرب بالنسبة إليه وهو الذي حنكته التجارب بحيث يعتبر فكره خلاصة تجاربه، فهو يرى إذن أنّ الحرب أمر طبيعي وكل ما هو طبيعي واقع لا محالة ولا يمكننا أن نمنع وقوعه فلم يوجد ولن يوجد هناك أمة في التاريخ لم تعش الحروب أو تواجه أمما وأجيالا أخرى بها .

وإذا كانت الحرب أساسها الإنتقام عند إبن خلدون  فإنّه وبلغة الفيلسوف الذي يبحث عن الأسباب والعلل يقوم بعملية تفسير لهذه الظاهرة وهذا من خلال وقوفه على دوافعها ومنطلقاتها  يقول إبن خلدون : « وسبب هذا الإنتقام في الأكثر إمّا غيرة ومنافسة وإمّا عدوان وإمّا غضب لله ولدينه وإمّا غضب للملك وسعي في تمهيده فالأول أكثر ما يجري بين القبائل المتجاورة والعشائر المتناظرة والثاني وهو العدوان أكثر ما يكون من الأمم الوحشية الساكنين بالقفر كالعرب والترك والتركمان والأكراد وأشباههم لأنهم جعلوا أرزاقهم في رماحهم ومعاشهم فيما أيدي غيرهم ومن دافعهم عن متاعه آذوه بالحرب ولا بغية لهم فيما وراء ذلك رتبة ولا ملك وإنّما همهم ونصب أعينهم غلب الناس على ما في أيديهم والثالث هو المسمى في الشريعة بالجهاد والرابع هو حروب الدول مع الخارجين عليها والمانعين لطاعتها » .

ونستنتج من هذا النص أنّ أسباب الحروب أربعة عند إبن خلدون  أولها الغيرة والمنافسة وهذا يحدث بين القبائل وأساسه التنافس في المال والسلطان والجاه بحيث تريد كل قبيلة أن تظهر بمظهر القوي أمام القبائل الأخرى المجاورة وهذا ما تؤكده وقائع التاريخ البعيد منه أو القريب سواء عند العرب أو غيرهم من الشعوب الأخرى لأنّ نظام القبيلة هو نظام اجتماعي إنساني عرفته البشرية منذ مراحلها المتعاقبة عبر التاريخ ولا تزال شعوب إلى اليوم  تخضع إلى هذا النظام البدائي والشكل الإجتماعي، وثانيها العدوان وهو الذي يكون في الأمم الوحشية البعيدة عن الحضارة والمدنية والتي هدفها توفير أقواتها وأرزاقها ولا يكون ذلك إلاّ بالغزو والحروب واستعمال السلاح، وحرب العدوان هذه ليس لها هدف سياسي أو إجتماعي وإنّما هدفها طبيعي محض أي الصراع من أجل البقاء والحياة وهي حرب أشبه بصراع الحيوانات مع بعضها البعض لا يحركها شيء سوى إرادة الحياة، وثالثها حرب الجهاد وهي حرب دينية مقدسة الهدف منها نصرة دين الله والدفاع عن الأمّة الإسلامية وهذه الحرب تجسدت من الفتوح الإسلامية سواء في عصر الخلفاء الراشدين أو في عصر الدولة الأموية والعباسية، ورابعها حرب الملك، أي الحرب ضد أولئك الذين لا يعترفون بالسلطة المركزية والمناوئين لها ولا يسلمون بشرعيتها السياسية وهذه الحرب كانت معروفة في التاريخ الإسلامي سواء مع الدولة الأموية ضد مناوئيها أو مع الدولة العباسية ضد خصومها وحتّى في عصر إبن خلدون  في القرن الرابع والخامس عشر بحيث كانت تعيش تلك الدويلات في المغرب العربي إشكالية الشرعية السياسية، بحيث كانت دائما في حالة حرب ضد القبائل التي لم تدخل في طاعتها بعد.

وبعد أن يبرز ويحلل إبن خلدون  أسباب الحروب فإنّه يقوم بعد ذلك بتصنيفها حسب طبيعة كل واحدة منها مع تحديد أيضا أنواع القتال حسب الثقافة الحربية لكل أمّة في التاريخ، يقول إبن خلدون: « فهذه أربعة أصناف من الحروب: الصنفان الأولان منها حروب بغي وفتنة والصنفان الآخيران حروب جهاد وعدل، وصفة الحروب الواقع بين الخليقة منذ أول وجودهم على نوعين نوع بالزحف صفوفا ونوع بالكر والفر أمّا الذي بالزحف فهو قتال العجم كلهم على تعاقب أجيالهم وأمّا الذي بالكر والفر فهو قتال العرب والبربر من أهل المغرب » .

وما يمكننا إستنتاجه من هذا النص هو تصنيفه للحروب فالصنف الأول والثاني هي حروب بغي وعدوان في نظره ورغم أنّها تحمل في ذاتها قيمة أخلاقية سلبية إلاّ أنّها مسألة طبيعية في نظر إبن خلدون  لأنها تقع في إطار شروط إجتماعية وتاريخية معينة، أمّا الصنف الثالث والرابع فهي حروب جهاد وعدل وهنا يعطي إبن خلدون  المشروعية الأخلاقية لهذه الحرب مادامت مرتبطة بهدف أخلاقي وسياسي وهو العدل أو هدف ديني الذي يتمثل في نصرة دين الله، ومن هنا نستنتج الوظائف الإيجابية للحرب عند إبن خلدون  .

وإذا كان هذا بصورة مختصرة يعكس التصور الخلدوني للحرب في إطار نظرته التاريخية والإجتماعية والفكرية، فكيف يتصور هيجل الحرب؟ وما هي المنطلقات والمرتكزات النظرية والتاريخية التي ينطلق منها لمقاربة هذه الظاهرة الإنسانية والتاريخية؟ وهل ينطلق هيجل من نفس منطلقات إبن خلدون؟ وما هو الجديد الذي تحمله فلسفة هيجل في تفسير ظاهرة الحرب؟ وهل الحرب عنده ضرورية؟ وأخيرا وليس آخرا هل تؤدي وظيفة إيجابية وحضارية؟.

ينطلق هيجل من مبدأ سياسي جوهري في مقاربة علاقة الدولة بالحرب وهذا المبدأ الأساسي عنده هو السيادة، لأنّ الحرب من شأن الدول وليس الأفراد، فالدولة قد تضطر للحرب للمحافظة على سيادتها التي تحقق لها التمايز والإختلاف عن بقية الدول الأخرى وبالتالي التحقق الفعلي لماهية الدولة، يقول هيجل: « السيادة الداخلية هي هذه المثالية بمعنى أنّ لحظات الروح وتحققها الفعلي الذي هو الدولة، قد تطورت في ضرورتها وأصبحت لا توجد إلاّ بوصفها أعضاء في الدولة، غير أنّ الروح في حريتها هي علاقة سلبية بذاتها على نحو لا متناه ومن ثمّ فإنّ طابعها الجوهري من جهة نظرها الخاصة هو فردانيتها وهي فردانية تجمع في داخلها هذه الإختلافات وهي بالتالي وحدة لكنها وحدة مبعدة للوحدات الأخرى والدولة حين تتسم بهذه السمات إنّما تكون لها فردية والفردية من حيث ماهيتها عبارة عن فرد ومن حيث السيادة فرد مباشر متحقق بالفعل، الفردية هي إدراك المرء لوجوده كوحدة تتميز تمايزا حادا عن الأخرى وهي تتجلى هنا في حالة الدولة بوصفها علاقة الدولة بغيرها من الدول التي لكل منها استقلال ذاتي في مواجهة غيرها من الدول وهذا الإستقلال الذاتي يجسد الإدراك الفعلي للروح لذاتها بوصفها وحدة ومن ثمّ فهي الحرية الأساسية التي يمتلكها شعب ما كما أنّها أيضا أعلى كرامة يصل إليها» .

يرى هيجل إذن أنّ ما يربط أي دولة بأخرى هو السيادة والسيادة تتضمن الحرية، وعندما تلجأ الدولة للحرب قد تكون مدفوعة بهذا المبدأ السامي، كما يرى هيجل أيضا أنّه لا يجب أن ننظر إلى الحرب كشر مطلق أو مظهر خارجي عرضي، بل قد يعبر في نظره عن قوة الضرورة والطبيعة، يقول هيجل: « إنّ اللحظة الأخلاقية في الحرب متضمنة فيما سبق أن قلناه في هذه الفقرة إذ ينبغي ألاّ ينظر إلى الحرب على أنّها شر مطلق، على أنّها مجرد حادث خارجي عارض لها هي نفسها، ، أو باختصار هذا السبب أو ذاك من الأمور التي ما كان ينبغي لها أن توجد، فالأحداث العرضية إنّما تقع لما هو بطبيعته عرضي، وهكذا يكون القدر الذي تحدث به عبارة عن ضرورة وهنا، كما هي الحال في أي مكان آخر، تزول وجهة النظر التي تبدو منها الأمور أحداثا عارضة، تماما إذا ما نظرنا لهذه الأمور في ضوء الفلسفة والفكرة الشاملة، لأنّ الفلسفة تعرف أنّ العرضي هو مظهر وترى الضرورة في قلب ماهيته، فمن الضروري أن يوضع أن يوضع المتناهي، الملكية والحياة على نحو قاطع بوصفهما أمرين عارضين لأنّ العرضية هي فكرة المتناهي وتبدو هذه الضرورة من زاوية معينة في صورة قوة الطبيعة وأنّ كل شيء فان وعابر غير أنّ الدولة والطبيعة في الجوهر الأخلاقي تسلب هذه القوة وتمجد الضرورة على أنّها عمل الحرية وعلى أنّها شيء أخلاقي وسرعة زوال المتناهي يصبح زوالا مرادا وتصبح القابعة في أعماق المتناهي الفردية الجوهرية المناسبة للجوهر الأخلاقي » .

والفكرة التي يمكننا أن نستنتجها من هذا النص الهيجلي بصفة عامة هو أنّ الحرب مسألة طبيعية وأنّها قضية جوهرية ذات ماهية وليست بالشيء العرضي، بل إنّ هيجل يذهب إلى أكثر من ذلك وهذا عندما يؤكد أنّ الحرب ضرورية في حياة الدول والشعوب لأنّ الدول تستيقظ وعيها في حالة الحرب وبالتالي تصبح حالة نفسية باعثة على التجديد وحث الهمم على الفكر والفعل، يقول هيجل: « فللحرب ذلك المغزى الرفيع إذ بفاعليتها كما قلت في مكان آخر تحافظ الشعوب على صحتها الأخلاقية حيث تقف موقف لا مبالاة من المؤسسة المتناهية، تماما مثلما أنّ هبوب الرياح يحفظ البحر من التلوث الذي يوجد نتيجة لفترة طويلة من السكون، كذلك فإنّ فساد الأمم قد يوجد نتيجة لفترة طويلة من السكون، كذلك فإنّ فساد الأمم قد يوجد نتيجة لفترة طويلة من السلام دع عنك السلام الدائم، ولقد قيل أنّ تلك ليست سوى فكرة فلسفية أو إذا شئنا استخدام تعبير آخر شائع، هي تبرير للعناية الإلهية كما قيل أنّ الحروب التي حدثت بالفعل لازالت بحاجة إلى مبرر» .

ولا شك أن الحرب عند هيجل مرتبطة بالحركة والنشاط وأنّ السلم الدائم قد يخنق الإرادة ويمنع الفعل من التحقق، فالتراخي والتكاسل لا يمكنه أن يدفع الأمم إلى الأمام بل إلى القهقري والتراجع وفقدان السيادة والتبعية للآخر، ولا شك أنّ هذا النص الهيجلي الذي يعبر عن هذه الحقيقة يقابله نص خلدوني يقول تقريبا نفس الشيء، يقول إبن خلدون  في الفصل الرابع والعشرون من المقدمة والذي عنوانه: في أنّ الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء « والسبب في ذلك والله أعلم ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها عليها وصارت بالإستبعاد آلة لسواها وعالة عليهم فيقصر الأمل ويضعف التناسل والإعتمار إنّما هو عن جدة الأمل وما يحدث عنه من نشاط في القوة الحيوانية، فإذا ذهب الأمل بالتكاسل وذهب ما يدعو إليه من الأحوال وكانت العصبية ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم تناقص عمرانهم وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم وعجزوا عن المدافعة عن أنفسهم بما خضد الغلب من شوكتهم فأصبحوا مغلبين لكل متغلب وطعمة لكل آكل وسواء كانوا حصلوا على غايتهم من الملك أو لم يحصلوا » .

ولا شك أنّ هذا التقابل بين النصوص يشير إلى الإتفاق الفكري بين إبن خلدون  وهيجل فكلاهما يؤكد أنّ الدولة إذا جنحت للتكاسل والتراخي وهما نتيجتان للسلم، قد يؤدي هذا إلى فقدان السيادة والدخول في حكم الآخرين وبالتالي ينطبق عليها الفناء التاريخي بتعبير إبن خلدون ، وإذا اعتبر هيجل أنّ الحرب ضرورية في حياة الشعوب كما أسلفنا سابقا فإنّه يؤكد من جهة أخرى على وظائفها الإيجابية فالحرب في نظر هيجل من شأنها أن تقضي على الإضطرابات الداخلية وتحل الأزمات التي تمر بها الدولة، يقول هيجل « إنّ المثالية التي تبدو واضحة في الحرب، أعني تبدو بوصفها علاقة عرضية من الدولة لدولة أخرى، هي نفسها المثالية التي بناء عليها تكون القوى الداخلية في الدولة لحظات عضوية في كل واحد وتظهر هذه الحقيقة طول التاريخ في صور مختلفة فمثلا الحروب الناجحة تحول دون الإضطرابات الداخلية وتعزز السلطة المحلية للدولة وهناك ظواهر أخرى توضح نفس هذه النقطة فمثلا الشعوب التي تنفر من تحمل أعباء السيادة الداخلية أو تخشى أن تخضعها وتستعبدها شعوب أخرى خارجية وتكافح من أجل استقلالها بجد أقل ويقل نجاحها فيما كانت تفعله فيما سبق من تنظيم قوى الدولة في الشؤون الداخلية، لقد ماتت حريتهم بسبب خوفهم من الموت، أمّا الدول التي كان استقلالها مضمونا لا بواسطة قواتها المسلحة وإنّما بوسائل أخرى مثلا عن طريق كونها صغيرة جدا على نحو غير متكافئ بالنسبة لجيرانها فقد أمكنها الإستمرار في الوجود رغم تكوينها الذي لم يكن يضمن لها السلام في الشؤون الداخلية والخارجية » .

ومن هنا نستنتج تلك الوظائف الإيجابية للحرب في نظر هيجل ففي نظره أنّ الدولة المستعدة دائما للحرب هي التي تستطيع أن تضمن السلم لشعوبها لأنّ الصراع هو منطق التاريخ في نظر هيجل  ولكل فكرة لها ما يسلبها حسب فلسفته العامة وفي إطار تمجيد هيجل للحرب فإنّه يدعو الأفراد أو الموجودات الجزئية للتضحية من أجل الدولة وأنّ ذلك يعتبر قمّة الشجاعة والتعبير عن الحرية، يقول هيجل « تمثل التضحية في سبيل فردية الدولة الرابطة الأساسية بين الدولة وأعضائها وهي لهذا السبب واجب عام وما دامت هذه الرابطة جانب واحد من المثالية في مقابل واقعية الموجودات الجزئية فقد أصبحت في الوقت نفسه رابطة جزئية وأولئك الموجودين فيها يشكلون طبقة خاصة بهم تتسم بالشجاعة » .

وإذا كان هيجل يمجد الحرب من أجل سيادة الدولة وحريتها واستقلالها عن الدول الأخرى فإنّه من ناحية أخرى وهذا هو الأخطر في نظرته للحرب أنّه يدعو الدولة ذات القوة العسكرية والتي تعتدّ بشجعانها أن تنتقل من الدفاع الداخلي عن الدولة إلى غزو دول أخرى، يقول هيجل: « الأمر الذي يكون موضع نزاع بين الدول قد لا يكون إلاّ وجها جزئيا واحدا من علاقتها بعضها ببعض وسبب وجود أمثال هذه المنازعات فقد خصصت أساسا الطبقة الجزئية المكرسة للدفاع عن الدولة لكن إذا ما كانت الدولة بما هي كذلك، وإذا ما كان استقلالها الذاتي يحيط به الخطر وإذا كانت الدولة بكاملها في مثل هذه الظروف تحت السلاح وانتزعت نفسها من حياتها الداخلية للقتال في الخارج فإنّ حرب الدفاع في هذه الحالة تتحول إلى حرب من أجل الغزو والفتح » .

وما يمكننا أن نقوله في الآخير وبعد عرضنا للنصوص سواء نصوص إبن خلدون  أو هيجل في الحرب فإنّنا نؤكد أنهما يتفقان في مسألة أنّ الحرب ظاهرة طبيعية أي أنّها ملازمة للإنسان منذ وجوده على هذه الأرض كما أنّ كليهما يشرع للحرب ونجد هذا على سبيل المثال حروب الجهاد والملك عند إبن خلدون  وكذلك هيجل عندما يقول بضرورة الحرب كما أسلفنا سابقا فكل منهما يعتبر أنّ الحرب طبيعية وضرورية ومشروعة، غير أنّ إبن خلدون  ينفرد عن هيجل وهذا عندما يربط الحرب بالتحضر، فغزو المتحضر يختلف عن غزو المتخلف وبتعبير إبن خلدون  ومفاهيمه فإنّ حرب الحضري تختلف عن حرب البدوي ونجد هذا واضحا وجليا في الفصل السادس والعشرون من مقدمة إبن خلدون  هذا الفصل الذي عنوانه: في أنّ العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب، يقول إبن خلدون : « والسبب في ذلك أنهم أمّة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم خلق وجبلة وكان عندهم ملذوذا لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم وعدم الإنقياد للسياسة، وهذه الطبيعة منافية للعمران ومناقضة له، فغاية الأحوال العادية كلّها عندهم الرحلة والتغلب وذلك مناقض للسكون الذي به العمران ومناف له ».

غير أنّ ما يفهم من العرب هنا ليس بالمعنى العنصري، فلا يقصد إبن خلدون  العرب ولكن يقصد طريقة معينة في التفكير والعيش تنطبق على العربي وغيره، فهو يقصد ذلك النموذج من البشر الذي يعيش في البادية ويقتات من الضروري وهو في ترحال دائم للبحث عن معاشه وعادة ما لا يخضع لأي سلطة سياسية .

وبعد توضيح ذلك فإنّه لا يسعنا إلاّ أن نذكر بالتقارب الفكري الكبير بين إبن خلدون وهيجل في مقاربة ظاهرة الحرب، ومع ذلك فإنّه لا يسعنا إلاّ أن نتساءل: هل يمكننا أن نعتبر إبن خلدون  وهيجل فيلسوفان من فلاسفة الحرب

 

الدكتور قادة جليد

 

 

mutham aljanabiتشكل فلسفة "الاستغراب" التي حاول حسن حنفي تأسيسها، الاستمرار العجول لأخذ الراية التي رفعها ادوارد سعيد في نقد الاستشراق ودفعها إلى نهايتها المحببة أو "المنطقية. فإذا كان للاستشراق مقدماته التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية المتناغمة مع التطور الأوربي الهائل عبر نقل شعوب القارة من الطور الديني السياسي إلى الطور السياسي الاقتصادي، فان دفع فكرة "الاستغراب" تتسم بانفصام مادي ومعرفي فيما يتعلق بالموقف من الغرب وحضارته، كما أنها لا تخلو من تقليد مقلوب ومحكوم بمركزية إسلامية لم تنضج بعد ولا نعثر حتى على براعم الظهور الأولي لمرجعياتها النظرية والعملية.

بعبارة أخرى، ان البديل الحضاري هو بديل فعلي فقط، أو انه بديل تاريخي وواقعي أولا وقبل كل شيء. بينما الانهماك بقضايا "الاستشراق" و"استغراب" بالصيغة التي نعثر عليها في اغلب الكتابات العربية المعاصرة، باستثناء ادوارد سعيد، هو هرولة دون وعي وراء التقليد الغربي الذي يجري نقده، وانهماك دون وعي في فلك الاهتمام الأوربي الغربي وضياع في تأويله. بينما المواجهة الحقيقية للغرب (الكولونيالي) هي مواجهة النفس أولا وقبل كل شيء، أي صنع وعي الذات العربي أو الاسلامي بالمعنى الثقافي وليس الديني. فالأخير لا يحرر بل يقيد، وأفضله تسطيح وتخريف للوعي النقدي.

وفيما يخص حسن حنفي، فانه ينطلق بهذا الصدد من أن مواجهة التغريب (النزعة الغربية) ضرورية، وذلك لان التغريب مَس كل معالم الحياة والفكر، وشوّه كل شي بما في ذلك اللغة(1). فهناك مساحة كبيرة من ثقافتنا المعاصرة، كما يقول حسن حنفي، تحولت إلى وكالات حضارية للغرب، وأصبحت امتدادا لمذاهب غربية لكل ما هب ودب وفي مختلف المجالات(2). بحيث أصبح التقليد والتكلف فيه والمسابقة في التقليد من معالم الإبداع. أما النتيجة فهي  تحول التغريب الثقافي إلى موالاة سياسية للغرب(3). كل ذلك حدد الطابع الحاد والصارخ لقضية الهوية أو الأصالة. إذ وراءها، حسب تصور حنفي، تكمن "مشاكلنا الاجتماعية والسياسية لانها هي المشكلة الحضارية"(4). والسبب يقوم في أن معظم التيارات الفكرية العربية الحديثة اقرب إلى التغريب منها إلى الأصالة. إذ ليس التيارات الليبرالية والعقلانية فقط، بل وحتى حركات الإصلاح الديني ترى في الغرب نمطا للتحديث ونموذجا للتقدم(5).

حددت هذه الرؤية النقدية السليمة والعميقة أيضا حقيقة "الاستغراب" ومهماته النظرية والعملية. فحقيقة الاستغراب بنظر حسن حنفي تقوم في كونه "الوجه الآخر والمقابل بل والنقيض للاستشراق". ومن ثم فان مهمته الأساسية تقوم في "فك عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا بالآخر"(6). ذلك يعني أن "الاستغراب" لا ينوي بلورة تصور قومي للعلم أو نظرة قومية للحضارة، قدر ما انه يسعى لوعي بدء حضارتنا في مرحلتها الحالية، مرحلة الأحياء والتجديد والتطوير(7). وفي نهاية المطاف ليس "علم الاستغراب" سوى "الرد على المركزية الأوربية".

وقد حصر حسن حنفي "مهمات الاستغراب" في جملة قضايا أو اتجاهات عامة هي كل من القضاء على المركزية الأوربية عبر رد ثقافة الغرب إلى حدوده الطبيعية، والقضاء على أسطورة عالميتها، وان التراث الغربي ليس تراثا إنسانيا، بل فكر بيئي محض، وإعادة التوازن للثقافة الإنسانية، وتصحيح المفاهيم المستقرة عما يسمى بالحرب العالمية الأولى والثانية وما إلى ذلك لانها حرب أوروبية استعمارية، وإنهاء أسطورة كون الغرب ممثلا للإنسانية جمعاء وأنهم مركز الكون وقطبه(8).

إن النتيجة التي توصل إليها حسن حنفي بهذا الصدد تقوم في أن "الوعي الأوربي" قد قدم صور نمطية ومجحفة وعنصرية وخاطئة عمن غيره. فقد سعى إلى القضاء على الثقافات المحلية والنظر إلى التاريخ حسب رويته الخاصة فقط. وفي نهاية المطاف يكشف عن أن هموم هذا الوعي هو "نتيجة استلاب". والمهمة تقوم في تحرير النفس و"الوعي الأوربي" من هذا الاستلاب عبر صناعة ثقافة وطنية ناجحة. ومن الممكن بلوغ ذلك فقط في حال تحقيق السيطرة على الوعي الأوربي، اي احتواءه بداية ونهاية وبالتالي تقليل إرهابه، ودراسته على انه تاريخ وليس خارجه، وانه تجربة بشرية ومسار حضاري شأن غيره من التجارب، وردّ الغرب إلى حدوده الطبيعية، والقضاء على عالميته، والقضاء على عقدة النقص . حينذاك ستبدأ "بداية فلسفة جديدة للتاريخ من ريح الشرق". وهو مؤشر على "انتهاء الاستشراق وانتهاء كونه مادة أو موضوعا للبحث"(9).

إن "لعلم الاستغراب"، كما يقول حسن حنفي جذوره الخاصة. بمعنى انه ليس "علما جديدا". فهو قديم. وأول بداياته بالنسبة للعالم الاسلامي هو اللقاء بالتراث اليوناني. فاليونان جزء من الغرب جغرافيا وتاريخيا وحضاريا. وقد مرت هذه العلاقة به بحالة النقل الحرفي، ثم النقل المعنوي، ثم الشرح والتلخيص، ثم التأليف بالوافد بالعرض والأعمال، ثم التأليف بالوافد في موضوعاته وموضوعات الموروث، ثم نقد الوافد، وأخيرا رفض الوافد(10). أما في المرحلة الثانية التي رافقت الحروب الصليبية، فانا نقف أمام صورة نمطية يقوم فحواها في قوة العالم الاسلامي وعظمته، بينما تميز الغرب بالجهل والتعصب. أما المرحلة الثالثة  التي رافقت العصر الحديث فأنها تميزت بالتأثر  بالغرب وتقليده. وبلغ ذروته فيما يدعوه حسن حنفي بالاستغراب المقلوب، مثل السعي لبناء ماركسية عربية، ونزعات مادية، ووجودية عربية معاصرة وما شابه ذلك(11). بمعنى الموقف من التراث بمعايير التجارب الغربية ومناهجها(12).

كل ذلك يضع مهمة مواجهة الخطر الحضاري للغرب، باعتباره  أكثر الأخطار التي تهدد الشعوب الإسلامية. ومن ثم مهمة بلورة البديل الاسلامي. والمهمة الكبرى أو الغاية المباشرة لهذا البديل تقوم في "رد الحضارة الغربية داخل حدودها الطبيعية"(13)، و"القضاء على أسطورة عالمية الغرب بعد أن جعل نفسه مركز الثقل الحضاري في العالم". وآنذاك فقط "يمكن فك الحصار حول حضارات الشعوب غير الأوربية"(14). ولا يحقق هذه المهمة الكبرى غير "اليسار الإسلامي" بوصفه "تيارا فكريا حضاريا"(15). فاليسار الاسلامي "ليس مقولة سياسية، بل حضارية"، لأنه "يعنى بإبراز مواطن التقدم في التراث من عقلانية وطبيعية وحرية وديمقراطية" (16). وضمن هذا السياق "يمثل تحديا للحضارة الغربية وبديلا عنها "، وذلك لأنه "يدافع عن جماهير الأمة الإسلامية من داخلها"(17)، وبالتالي "تحجيم الغرب"، اي رده إلى حدوده الطبيعية والقضاء على أسطورة عالميته(18).

ذلك يعني، أن هذا اليسار الاسلامي الجديد هو حركة أصيلة "لا هي ماركسية جديدة، ولا هي ليبرالية ثورية، ولا هي حركات خوارج أو شيعية، ولا هي هرطقة قرامطة أو زنج"، كما يقول حسن حنفي.  وفي الوقت نفسه "انه لا يمثل حزبا سياسيا، ولا يمثل معارضة حزبية، ولا يتوجه ضد احد"، إنما يرى "السياسة في ثقافة الأمة". وبالتالي هو ليس موجها "ضد حكومات أو أنظمة، انه لا يمثل اتجاها واحدا". فإذا كانت "الأمة لدينا أمتان: حكام ومحكومين، قادة وشعوب، علية وسفلة" فان "اليسار الإسلامي يركز على الطرف الثاني ويعبر عن الأغلبية الصامتة المقهورة بين جماهير المسلمين"(19). وبهذا المعنى فهو يقترب من الإخوان المسلمين بوصفهم إخوة في الله، ومن الماركسيين بوصفهم إخوة في الوطن، ومن الناصريين بوصفهم إخوة في الثورة، ومن الليبراليين بوصفهم إخوة في الحرية(20). كما انه يسعى للاستفادة من تراث الإصلاحية الإسلامية القديمة التي وجدت انعكاسها في ميادين مختلفة، عند ابن رشد في الفلسفة، وعند المعتزلة في الكلام، وعند ابن خلدون في التاريخ، وعند ابن تيمية في الفقه. كما يمكن الاستفادة من تراث الإصلاحية الإسلامية المعاصرة عند كل من محمد عبده والكواكبي وإقبال وشريعتي، وفي الحركة السياسية عند كل من السنوسية وثورة عمر المختار في ليبيا والمهدية في السودان وعبد الحميد بن باديس في الجزائر وسيد قطب في مصر.

ذلك يعني أن هذا البديل الاسلامي اليساري ينبغي أن يقوم "بثورتين في آن واحد" كما يقول حسن حنفي. الأولى ومهمتها "تحويل الإصلاح الديني من الوعي الفردي إلى الوعي الاجتماعي"، والثانية "تحويل ثورة العقل إلى ثورة الواقع". وليس بإمكان أية قوى أخرى تحقيق هاتين الثورتين غير "اليسار الاسلامي"، بوصفه "مقولة ثقافية" تتمثل وتستمر بتقاليد "التراث التقدمي والثوري الإسلامي". والسبب يقومن في أن كل الاتجاهات الدينية وغير الدينية المعاصرة في العالم العربي لم تستطع تقديم البديل الحضاري الحقيقي للأنظمة القائمة. فحالما تستلم الأحزاب الدينية السلطة فأنها أما أن تحول الدين إلى مجرد شعار أو إلى "مسار يخفي مولاة الغرب والإقطاع العائلي ورأسمالية العشيرة"، ا وان يجري العمل بتقاليد ومفاهيم "التعصب وضيق الأفق وتكفير الاتجاهات التحديثية". أما بالنسبة للأحزاب والتيارات الغربية (الماركسية وأمثالها) والوطنية الثورية، فشلتا في تقديم البديل الحضاري. والنتيجة جلية في انقلاب الوطنية الثورية إلى ثورة مضادة، وعجز الماركسية الغربية عن تطوير التراث، رغم مساعيها لتجسيد نظام العدالة الاجتماعية. بينما وقعت التيارات الليبرالية في مستنقع الاستعمار الجديد.

كل ذلك يجعل من "اليسار الاسلامي" حامل البديل الحضاري الجديد. وهو بديل يدرك حقيقة الأهداف الكبرى وكيفية بلوغها. وقد حصرها حسن حنفي في خمس ألا وهي: "اشتراكية جماهير الأمة"، و"جعل القرآن أداة العمل الذي يفترض بدوره مهمة تفسيره الشعوري، اي جعل القرآن وصفا للإنسان وعلاقته بالآخرين ووضعه في العالم ومكانه في التاريخ، و"تحويل علم العقائد إلى أيديولوجية ثورية"، و"إيجاد الصلة بين الله والأرض والربط بين علم العقائد وثقافة الجماهير"، وأخيرا "إيجاد الصلة بين التوحيد ووحد الأمة"(21).

إن الخلل الجوهري في فكرة حسن حنفي عن الحضارة يقوم في فقدانها لأسس تاريخية أو فلسفية أو ثقافية، بمعنى أن فكرته الثقافية والحضارية هي مجرد "نقد" سياسي أكثر حتى مما هي نقد ثقافي. فهي ليست قائمة على أسس دقيقة ومتجانسة، بما في ذلك في تحديد المفاهيم. وفي اغلبها مجرد أحكام جاهزة مستقاة في الكثير من جوانبها ليس من تحليل ماهية الحضارة العربية الإسلامية و"الحضارة الغربية"، بل مما هو جاهز في الدراسات الغربية نفسها.  إذ إننا لا نعثر عنده على تحديد دقيق لماهية "الحضارة الغربية" و"الحضارة الأوربية" و"الوعي الأوربي" و"العقل الأوربي"وما شابه ذلك. إضافة لذلك، إن اغلب المصطلحات التي يستعملها ليست مدققة ولا محققة ومن ثم ليست دقيقة من حيث حدها وحقيقتها، كما هو الحال بالنسبة لمفاهيم الحضارة والثقافة، ومصادر الوعي الأوربي، ومصادر المعرفة الأوربية، وتجريب العقل الأوربي لكل شي، والحضارة الطرية، والابتعاد عن المركز. ليس هذا فحسب، بل وتتداخل هذه المفاهيم في مقارنات سطحية مع "الحضارة الإسلامية". بعبارة أخرى، إن هذه المقارنات ليست منهجية بحد ذاتها. فافتراض وجود "حضارة غربية" يستلزم مقارنتها بأخرى "شرقية"، أو وجود "حضارة إسلامية" يفترض مقارنتها بمقابل ديني آخر، وفي الحالة المعنية "الحضارة النصرانية". وذلك لان إدراج كل تراث القارة الأوربية في معارضتها "للإسلامية" يفترض القول "بحضارة أسيوية". وإذا كانت النصرانية جزء من الأولى، فان الإسلامية جزء من الثانية. وهذه كلها أحكام تميع خصوصية الحضارات بالمعنى التاريخي والثقافي والعقائدي. ذلك يعني أن حسن حنفي ليس دقيقا في تحديده لمفهوم الحضارة الأوربية، كما انه يخلط بين مكونات مختلفة وعديدة ومراحل تاريخية متباينة من حيث أصولها وجذورها ومرجعياتها الفكرية والمنهجية والعقائدية. ونفس الشيء يمكن قوله عن "العقل الأوربي" و"مادية الوعي الأوربي". ومع انه يتكلم عن مصادر مختلفة "للعقل الأوربي" ألا انه يرجعه إلى التقاليد الرومانية فقط. والرومانية بالنسبة له المادة والركض وراءها. ومن هذه الأحكام العامة يستنتج ما يدعوه "بمادية الوعي الأوربي". ومن هذه المقدمة يستنتج بان هذا العقل أدى بدوره إلى إلى الاقتتال، ومن ثم تحول حب المادة إلى استعمار خارجي. وبالتالي، فان "الكولونيالية والعنصرية الحضارية هي نتاج العقل الأوربي المادي".وهو تفسير أيديولوجي بسيط. إذ كيف يمكن تفسير الحروب الأخرى في كل مكان وعلى امتداد التاريخ؟ والتاريخ العربي الاسلامي والإسلامي العام؟ فهو أيضا توسع (فتح) وغزو واقتتال دموي شرس لم تخل منه مرحلة من مراحل المسار التاريخي للحضارة العربية الإسلامية. وفي الإطار العام يمكن القول بان حسن حنفي هنا يتبع بصورة غير نقدية بعض ما هو متداول في الأبحاث التاريخية المسطحة "الغربية والشرقية" على السواء من الحضارة الرومانية. وأين اليونانية بوصفها مصدرا؟ فهل كانت تتمتع بعقل مادي؟ والتراث الإغريقي كان على الدوام الأكثر تأثيرا بمختلف التيارات الفكرية بما في ذلك النصرانية. ثم أن تاريخ النصرانية هو تاريخ الروح الزهد الرهبنة واحتقار "العقل المادي". بل أن العلاقة بين عالم الإسلام والعالم النصراني وبالأخص منذ الحروب الصليبية كان يقدم مادة أخرى متناقضة ومعاكسة. فقد جرى تصوير الإسلام من جانب النصارى آنذاك على انه عالم اللذة والمادة وانعدام الروح الأخلاق المتسامية وما شابه ذلك. وبالعكس نظر المسلمون إلى النصارى آنذاك باعتبارهم نموذجا للتخلف المادي والعقلي والعلمي. ووجدوا في ذلك دليلا على ضعف الروح الأخلاقي المتسامي والعقل السليم. من هنا هيمنة الأفكار والأحاديث المتعلقة بنفي ونقد الرهبنة، وبالمقابل الدعوة للتلذذ بالحياة، وان الله يريد بالناس اليسر لا العسر، وان الحياة الدنيا طريق إلى الحياة الأخرى، وأن الإنسان ووجوده ليس خطيئة بل هبة إلهية عظمى. ومن يقرأ تاريخ الخلفاء بوصفهم "ظل الله في الأرض" سيرى حجم "العقل المادي" المرعب بما في ذلك بمعايير المعاصر وثرواتها الفاحشة.

والشيء نفسه ينطبق على ما اسماه "باكتمال الوعي الأوربي" في مراحله المتنوعة وانتهاءه بالكوجيتو، اي حالة الانتقال من "الأنا أفكر إلى الأنا موجود". أما في الواقع، فان هذه الصيغة وأمثالها لا تتعدى كونها مجرد تأثر بالترجمات والمنشورات المتعلقة بالثقافة الفرنسية التي غزت مصر والمغرب الكبير. بمعنى أنها لا تعكس ولا تعبير عن المسار المعقد للتاريخ الأوربي. وعموما إن إرجاع التطور الثقافي المعقد المميزة للقارة الأوربية على امتداد قرون عديدة لفكرة أو شخصية فلسفية أيا كان وزنها، يعكس النزعة المنهجية الضيقة أو التسطيح المترتب على إعجاب عابر أو تأثر شخصي. ولا تخرج الرؤية "الإسلامية" أيا كان شكلها ومحتواها عن هذا الإطار. بل أنها رؤية تطبع، بأشكال مختلفة ومتناقضة اغلب التصورات والأحكام العربية الفكرية المعاصرة عن الثقافة الأوربية. وبالتالي، فان ما وضعه حسن حنفي عن مراحل تطور "الوعي الأوربي" و"العقل الأوربي" و"اكتماله" هي صيغة شكلية وغير دقيقة ومبتسرة ومتناقضة ولا تفهم حقيقة ما جرى. أنها تؤرخ لرغبتها النقدية لا غير. فاعتبار العقل بؤرة الوعي الأوربي، ومن ثم التوصل إلى اكتماله وانغلاقه بسبب "تجريبه كل شيء"، هو تناقض لا يحله عقل، باستثناء "اللاهوتي". وهو ليس عقلا بالمعنى الدقيق للكلمة بل نفسية خطابية محكومة بمسلمات عقائدية مسبقة. وذلك لان من العبث الحديث عن نهاية للعقل، لأنه بلا نهاية. وليس مصادفة ألا نعثر عند حسن حنفي على أية إشارة أو تحليل لمفهوم وفكرة وفلسفات وعي الذات الأوربي (التاريخي والثقافي والقومي). إذ ضمن هذا السياق يمكن تذليل الأفكار المسطحة عن "نهاية" و"موت" الحضارة الأوربية والثقافة، كتلك التي يقول بها بعض الفلاسفة الأوربيون المحترفون بهذا المجال. وكما بقال فان الرجال بالحقيقة وليس بالعكس. إضافة لذلك، إن كل الأفكار بهذا الصدد، أيا كان حجم التدليل والتفسير والتأويل تبقى في نهاية المطاف جزء من منظومة وعي الذات الأوربي الثقافي والحضاري وليست حكما خارجيا أو مطلقا عنها.

إننا نقف أمام صيغة تحيل بعض أحكام المعاصرة المفهومة بطريقة أيديولوجية على كل "التاريخ الأوربي"، و"الحضارة الأوربية" و"الغربية".بينما يحتاج كل مفهوم هنا إلى تدقيق بمعايير التاريخ والثقافة والقومية. أما نقد "الحضارة الغربية والأوربية" بالصيغة التي يتبعها حسن حنفي، بما في ذلك فيما يسمى "بعلم الاستغراب"، فانه يعكس بدون وعي اثر "الحضارة الأوربية" و"غزوها الثقافي" وهمومهما الدفينة في فكره وتفكيره.بمعنى أنه لم يستطع الخروج من هموم واثر الثقافة الغربية التي يتناولها بالتأويل والنقد. وذلك لان كل يضعه بعبارات موت الحضارة الغربية واكتمالها وما شابه ذلك ليس جديدا ولا حتى عميقا مقارنة بما نعثر عليه في بعض مدارس الفلسفة الثقافية والحضارية. غير أنها هناك هي جزء من رؤية نقدية ومنهجية تتراوح ما بين فكرة الدورة التاريخية (ولادة وحياة وموت) وأصالة الحضارات التاريخية وطابعها الفريد. فالحديث عن "غروب" أوربا وأفولها وموتها ليست جديدة ضمن سياق الفكر الاسلامي الحديث، كما هو جلي عند حسن البنا عن دوران الحضارة، بوصفها حركة البدائل، و"العصر الذهبي للإسلام" وما شابه ذلك من أوهام الأحلام والخيال اللطيف التي ميزت بعض أمزجة التأمل الفلسفي منذ القدم.

 

 ...................

(1) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص22

(2) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص24

(3) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص24

(4) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص26

(5) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص26

(6) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص29

(7) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص33

(8) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص36-42.

(9) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص50-53

(10) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص58-59

(11) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص73

(12) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص74-75

(13) حسن حنفي: اليسار الإسلامي، ص21

(14) حسن حنفي: اليسار الإسلامي، ص21

(15) حسن حنفي: اليسار الإسلامي ص46

(16) حسن حنفي: الدين والثورة. اليسار الاسلامي والوحدة الوطنية، القاهرة، مكتبة مدبولي، ج8، ص29

(17) حسن حنفي: الدين والثورة. اليسار الاسلامي والوحدة الوطنية، ج8، ص29

(18) حسن حنفي: الدين والثورة. اليسار الاسلامي والوحدة الوطنية، ج8، ص30

(19) حسن حنفي: اليسار الإسلامي، ص5.

(20) حسن حنفي :اليسار الإسلامي، صص44-46.

(21) حسن حنفي: اليسار الإسلامي، ص18-19.

 

 

mutham aljanabiلقد استحكمت فكرة المبادئ وأولويتها في الموقف من الواقع والمستقبل، والمنبثقة بدورها من مهمة تأصيل "علم أصول الدين" الجديد في رؤية حسن حنفي للحضارة بشكل عام والغربية والإسلامية شكل خاص. وكما هو الحال في فكرته السياسية، فأننا لا نعثر عنده على منظومة فكرية بشكل عام وفلسفية بشكل خاص فيما يتعلق بالحضارة بشكل عام والإسلامية بشكل خاص. وبالتالي، فان حصيلة أفكاره ومواقفه وأحكامه بهذا الصدد تصب ضمن سياق التوظيف المعاصر لمهمات "علم أصول الدين" الذي سعى لتأسيسه. وهذا بدوره لم يخرج عن حدود التأويل السياسي المخلوط بمعلومات وأحكام أيديولوجية. وهو أمر جلي يمكن رؤيته في هيمنة "الهم الغربي" و"الأوربي" "الحضاري" على مواقفه وأحكامه ورؤيته للنفس والبدائل.

إننا لا نعثر عند حسن حنفي على تحديد لماهية الحضارة، ولا على فلسفتها، ولا تاريخها الملموس. لكننا نعثر عنده على تصنيف عام ليس معروفا أصوله ومقدماته، ومن ثم تأسيسه الفلسفي، يقول، بان هنا حضارتان اثنتان هما "حضارة مركزية" وأخرى "حضارة طردية". والمقصود بالأولى هي الحضارة التي تدور العلوم فيها حول مركز واحد"، والثانية هي الحضارة "التي تخرج منها العلوم كرد فعل على المركز ونفيا له". واعتبر الحضارة الإسلامية تجسيدا للأولى (المركزية) والأوربية تجسيدا للثانية (الطردية)(1).

إن خصوصية هذه "الطردية" تقوم في "طرد المركز ورفضه بعد اكتشاف عدم اتساقه مع العقل". كما تتميز بكون الإنسان هو بؤرة العقل والثقافة والحضارة نفسها. وأخيرا هي "نتاج تطور صرف دون بناء، لهذا يغلب عليها المنهج التاريخي"(2). وللحضارة الغربية الأوربية مصادرها الخاصة في الوعي، والتي يردد حسن حنفي ما هو معروف مشهور عنها في الفكر الأوربي نفسه، ألا وهي كل من المصدر اليوناني الروماني، واليهودي النصراني، والمصادر الخفية للشرق القديم والبيئة الأوربية(3) . وينحصر هذا الوعي بين بداية ونهاية زمنية ومنهجية. حيث يربط ما يدعوه ببداية الوعي الأوربي بعصر الإصلاح والنهضة (القرن الخامس عشر-السادس عشر)، ثم العقلانية (القرن السابع عشر) ثم التنوير والثورة (القرن الثامن عشر).أما نهايته (الوعي الأوربي) فقد ترافق مع حالة الانتقال من "الأنا أفكر إلى الأنا موجود"، بوصفها بداية النقد الذاتي لكل ما وضعه(4). وفي موقع آخر يتكلم عما يدعو باكتمال الوعي الأوربي في دورته الثالثة في العصر الحديث. معتبرا المرحلة الأولى هي "عصر آباء الكنيسة، والثانية هي "السكولائية"، والثالثة في "الكوجيتو من ديكارت إلى هوسرل"(5). وبغض النظر عن سطحية هذا التقسيم والتقييم وعدم اتساقه، إلا أن الفكرة الجوهرية التي يمكن التوصل إليها من خلال استعراض ونقد حسن حنفي لخصوصية الحضارة الأوربية ووعيها الثقافي تقوم في محاولته إبراز مصادر الوعي الأوربي وخصوصيته الثقافية والمعرفية والعملية المتوافقة مع خصوصية "العقل الأوربي". فهو يتكلم عما يدعوه "بالعقل الخاص" للحضارة الغربية، الذي يتطابق حسب تقييمه مع "مضمونه الروماني". والمقصود بالمضمون الروماني هو أساسا "الركض وراء المصالح المادية"!! وان الصفة الجوهرية "للعقل الأوربي" هو طابعه التجريبي الصرف. ومن ثم فهو "عقل حسي" ويتصف بطابع التجزئة. وحالما انتقل طابعه التجريبي، أي أولوية التجربة إلى نظرية الأخلاق، عندها أصبحت المادة مصدر القيم، ومن ثم أدت إلى "مادية الوعي الأوربي". وهذا بدوره قد إلى الاقتتال من اجلها، ومن ثم تحول حب المادة إلى استعمار خارجي. ذلك يعني، أن "الكولونيالية والعنصرية الحضارية هي نتاج العقل الأوربي المادي" (العقلانية المادية)

 وبما أن "للأسباب الفكرية الروحية اثر هائل في بلورة خصوصية الحضارات، كما يقول حسن حنفي، لهذا أدى ارتباط وانصهار اليهودية والمسيحية، الذي طمست فيه الأخيرة لصالح اليهودية، إلى "تحويل العنصرية اليهودية التاريخية إلى الوعي الأوربي"، ومن ثم "تغذية عنصريته الحضارية". أنها حضارة تتمتع بروح أنانية واندفاع وراء الملذات والقيم المادية. وضمن هذا السياق فّسر ونظر حسن حنفي إلى الامبريالية المعاصرة على أنها تحّضر دوما "لحروب صليبية جديدة" تسعى إلى تحويل الحضارة الإسلامية إلى "حضارة متحفية" تدّرس في "متاحف الانتروبولوجيا، ونصبح نحن جزء من تاريخ الإنسان"(6).

ووضع هذه الأحكام السياسية الأيديولوجية في صلب موقفه النقدي من ماهية ووظيفة الحضارة الأوربية (الغربية) وكيفية مواجهتها بالفكرة الإسلامية الحضارية. فقد كرر حسن حنفي واخذ بعض الآراء الأوربية النقدية تجاه المسار التاريخي والصيرورة الحضارية الأوربية على أنها حقائق مسلمة بها. إضافة لذلك انه فهمها بطريقة "إسلامية" و"شرقية" لا علاقة لها بتقاليد النقد الأوربي واستنتاجاته المترتبة على نوعية واختلاف المناهج التاريخية الفلسفية بشكل عام والثقافية الحضارية بشكل خاص. من هنا وضعه للاستنتاج القائل بنهاية الحضارة الأوربية وموتها وغروبها في أساس نقده الفكري والثقافي والسياسي. فهو ينطلق من يقين يقول بان "الدورة الحضارية للغرب الأوربي قد اكتملت. وهي في دورها إلى السقوط والانتهاء"(7). لكنه لم يحدد ماهية ونوعية هذه "الدورة"، وفيما إذا كانت مجرد ترديد لما هو متعارف عليه في الفلسفات الأوربية الحديثة عن التاريخ والحضارة، اي عن الدورة الحياتية للدولة والحضارة (ولادة ونمو وموت). لكنا نعثر عنده على تقييم مواز يجعل من "اكتمال الوعي" صنوا أو موازاة لفكرة الانتهاء والموت. فهو يتكلم عما يدعوه "باكتمال الوعي الأوربي في دورته الثالثة في العصر الحديث". ويتطابق هذا "الاكتمال" في الوعي مع "الدورة الثالثة" مع ما يدعوه "باكتمال الوعي الأوربي" في "الكوجيتو من ديكارت إلى هوسرل"(8). وما قبل ذلك "اكتمل" أولا في "عصر آباء الكنيسة" وثانيا في "العصر المدرسي" (السكولائي).

وفيما لو جرى إهمال هذا الفعل (اكتمل) الهلامي المعنى، فانه فيما يبدو يتطابق مع ما استنتجه بهذا الصدد عما اسماه بتجربة الوعي الأوربي لكل شي. وكتب بهذا الصدد يقول: "لقد جرب الوعي الأوربي كل شيء". الأمر الذي أدى به إلى "ضياع بؤرة التركيز". ومن ثم "أصبح غير قادر على توجيه نفسه نحو مركز يمكن من خلاله إبداع المذاهب والاتجاهات"(9). مما أدى به إلى نهاية محزنة هي الرفض والعدمية. إن "الوعي الأوربي يصل إلى نهايته" ليعلن "انهيار الغرب" و"انقلاب القيم" و"خواء الروح" و"إلوهية المادة" و"العدمية المطلقة" وأخيرا "اليأس والانتحار"(10). إننا نقف هنا أمام حكم اقل ما يقال فيه هو انه صورة مقلوبة عن الوجود والمعنى والواقع والفعل والتاريخ والمستقبل. وبالمقابل تندفع إلى الأمام ذهنية التأويل السياسي المباشر والحدي والسهل في تناول إشكاليات التاريخ والحضارة المعقدة. ووضع هذا التأويل في فكرة تقول، بان الغرب حالما اكتشف العالم الخارجي وأحس برياح الشرق، بعد أن حاول تشويهه وهو في إبان عنفوانه، فانه اخذ بإعادة النظر فيه بما في ذلك عبر تشويهه أو توظيفه أو تحويله إلى مادة للدراسة(11). بينما اخذ يشعر الآن بقوة اكبر "يقظة الإسلام بعد الثورة الإسلامية الكبرى في إيران". أما نتيجة كل هذا "الاكتمال" الذي أمات الحضارة الأوربية ووعيها النظري والثقافي، فانه اخذ يبرز بظهور وصعود "الشعوب غير الأوربي" التي أصبحت "حاملة أروع ما أنتجه الوعي الأوربي- فلسفة التنوير". بعبارة أخرى، إننا نقف أمام تحول وانقلاب تاريخي يقوم في اضمحلال وتلاشي وزوال الغرب الأوربي بحضارته التاريخية وصعود بدائل أخرى، لعل الإسلامية هي من بين أكثرها رصيدا. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "إذا كان للوعي الأوربي الريادة في القرون الخمسة الماضية، فقد تكون لنا الريادة في القرون القادمة. وكما بدأت الحضارة قديما في الشرق ثم انتقلت إلى اليونان والرومان وأوربا، فقد تعود في عصرنا إلى الشرق من جديد وتكتشف الحضارة الإسلامية رسالتها نحو الشرق"(12).

عموما إننا نقف أمام يقين محكوم "بقد تعود" لكنه مؤسس برؤية تستجيب له! ينطلق حسن حنفي في تطبيق أو تحقيق استنتاجه التأملي (الذي قال به الكثيرون، وبالأخص حسن البنا)، من ضرورة إعادة النظر بالتراث الغربي، أي كل ما وضعه فيما اسماه بنقد الفكر الغربي، ولاحقا في نظرية الاستغراب. ومن اجل بلوغ ذلك يستلزم، حسب رؤية حسن حنفي دراسة ونقد التراث الغربي، وبالتالي لا معنى لأخذ اي شي منه. ذلك يعني " دراسته كجزء من اجل تحليل واقعنا" و" كجزء من دراسة تراثنا القديم" و"كجزء من المساهمة في الدراسات الإنسانية العامة لإفادة الغربيين أنفسهم"(13). وجعل من نقد لياسبرز وأمثاله نموذجا لتطبيق تقييمه السياسي تجاه تاريخ الثقافة الأوربية وإبداعها الفلسفي. فقد هاجم ياسبرز بقوة من خلال إبراز كل الكوامن السيئة في فلسفته(14). إذ يجد فيه مبررا للاستعمار والنزعة الغربية، ومعاديا للعرب والحريّة، وممثلا للفكرة اليمينية والعنصرية. لقد وجد فيه نموذجا حيا "لفيلسوف الغرب بكل ما فيه من عنصرية ونازية واستعمار قديم وجديد"(15).

إن البديل الاسلامي الحضاري يستمد مقوماته من جوهر الاختلاف الثقافي. فالحضارة الأوربية ووعيها الثقافي هو نتاج مصادره اليونانية الرومانية، واليهودية النصرانية، والبيئة الأوربية الخاصة. وكلها مصادر بلورت الوعي الأوربي الخاص، وبالتالي لا علاقة لاستنتاجاتها بنا. فالمصدر اليوناني الروماني  هو صانع النمط الفكري للشعور الأوربي في بدايته. وبالتالي، فان أية محاولة لتقليد الغرب في نهضته هو خطا حضاري.الأمر الذي يستلزم "الرجوع إلى أصولنا". إذ ليس الديمقراطية الأثينية هي ما يناسبنا، بل بل الشورى الإسلامية. أما "المسار اليهودي النصراني للكتاب المقدس" فقد صنع سبيكة من نمط يختلف اختلافا هائلا عن مثيله الاسلامي. بينما تشكل "البيئة الأوربية" احد أهم مصادر الوعي الأوربي الذي ما زال غائبا عن رؤيتنا النقدية. ففي الفكر السياسي، على سبيل المثال، تعتبر الفكرة القومية تحررية من السيطرة الرومانية أو الجرمانية أو الانجلوسكسونية، بينما هي في تاريخ الإسلام فكرة شعوبية عنصرية(16). وكذلك الحال بالنسبة لأثر وقيمة التيار العقلي الديكارتي. فقيمته العالية في التاريخ الأوربي هي بسبب ظهوره في بيئة لم تعرف سلطان العقل(17)، بينما في التراث الاسلامي كان العقل جوهريا ويستغنى به عن الوحي كما هو الحال عند المعتزلة وابن رشد. إضافة لذلك أن العقل الديكارتي ليس عقلا خالصا. كل ذلك جعل حسن حنفي يتوصل إلى موقف نظري وعملي بقول بضرورة إعادة النظر في كل ما قاله وكتبه الأوربيون عن العالم وتراثه. وذلك لان كل ما قالوه وكتبوه يعبر عن العقلية الأوربية أكثر منها دراسات موضوعية(18). وهو الجانب الأكثر ضعفا في الثقافة الأوربية . ، كما قول حسن حنفي. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار كيفية تمييزهم بين أنفسهم والآخرين في كل شيء. فهو ينادون بالحرية لأوربا والعبودية لغيرها، والاستقلال لأنفسهم والاستعمار للآخرين، و التقدم لهم والتخلف لغيرهم(19).

إن هذا الخلاف العميق في الأسس الحضارية الثقافية يجعل من مواجهة الغزو الثقافي الغربي أمرا لا مفر منه. ولا يمكن مواجهته بأخذ فتات الثقافة الأوربية. فالثقافة العربية المعاصرة، كما يقيمها حسن حنفي، هي زيادة كمية بدون أفكار أساسية، أي أنها مجرد ترجمة وعرض(20). من هنا مهمة نقد مفاهيم ومناهج الغزو الثقافي، مثل ما جرى حديثا من  محاولات للبرهنة على انتحال الشعر العربي، وان القرآن هو تجميع وسوء فهم للنصوص اليهودية والنصرانية، ثم محاولات كتابة التاريخ والحضارة الإسلامية بروية يهودية وصهيونية كما هو الحال في دائرة المعارف اليهودية.(21)، وكذلك الحال بالنسبة لأثر اليهودية الصهيونية في الماسونية والاشتراكية عبر توظيف فكرة الإنسانية والحريّة والعدالة وإلغاء الدين(22)، والدفاع عن البهائية وأمثالها،والتطبيل لفكرة "العقل العربي" ومحاولة رسم صفاته المتخلفة، بحيث جرى تحويله الى فكرة فلسفية وسهولة استعماله من جانب بعض المفكرين المعاصرين  (محمد عابد الجابري وأمثاله)(23).

لقد أراد حسن حنفي القول، بان الغزو الثقافي هو تيار غربي عام، وليس الغزو الثقافي الصهيوني سوى جزء منه. فكلاهما نشأ في الغرب، الذي جعل من اليهودية الصهيونية إحدى الأيديولوجيات الغربية التي تعتمد على مبررات دينية لإحدى القوميات المنبوذة(24). وهناك أنماط عديدة للغزو الصهيوني للتراث الاسلامي تتوقف على طبيعة العلاقة بين التراث اليهودي وتراث الشعوب القديمة والحديثة(25). ففي السابق كان يجري عبر سرقة تراث الآخرين (الكلداني في فلسطين، والديانة المصرية في مصر، والحضارة الآشورية والبابلية في وادي الرافدين)(26)، والآن يجري عبر سرقة التراث الفلسطيني. كما أن هناك نمط آخر هو نمط الإسرائيليات في الدس. أما الآن فيجري تجريب وتشغيل ما يمكن دعوته بنمط التشويه المتعمد للثقافات عبر التغلغل إلى مراكز الأبحاث اللغوية والثقافية والحضارية من اجل الاستيلاء عليها عبر إرجاعها إلى الحضارة اليهودية(27). بمعنى يجري قلب الحقائق وتوظيفها الأيديولوجي. فمن المعلوم أن اغلب كتب (العهد القديم) هي سرقة لملاحم وادي الرافدين والشام وفلسطين مثل ملحمة جلجامش، وسفر التكوين البابلي، وشرائع حمورابي، وملحمة اغات وسفر دانيال(28). بينما جرى سابقا بطريقة مفارقة، مثل محاولات آباء الكنيسة الأوائل، الذين جعلوا بدون وعي منهم من النصرانية أداة تابعة لليهودية، رغم إنهم سعوا للعكس، اي جعل اليهودية دلالة على ظهور المسيح(29).

بينما كان الرد الوحيد الشامل والمتجانس بصدد هذا "الغزو الثقافي" لليهودية من جانب الإسلام. ففيه جرى تذليل اليهودية وإرغامها على تقليد التراث الاسلامي في كل شيء- الفلسفة والعقائد والتصوف(30). بينما قضى الإسلام العربي على اليهود واليهودية في الجزيرة، لكنهم دخلوا إليه عبر دس الإسرائيليات في التشبيه والحلول وغيرها(31) .

شكلت كل هذه المقدمات النظرية الجزئية والأفكار النقدية المعرفة لحد ما والمتناثرة في مؤلفات حسن حنفي الباعث الأهم العملي لتأسيس "علم الاستغراب" الذي يهدف أساسا إلى "نقد التغريب ونقد الوعي الأوربي". ومن ثم فهو الجزء النظري الفعال في إعادة تأسيس الفكرة الحضارية والثقافية الإسلامية استنادا إلى النفس. وهو بهذا المعنى وثيق الارتباط بالصحوة الإسلامية، ومعبرا عنها في الوقت نفسه(32).

 

ميثم الجنابي

..................

(1) حسن حنفي: اليسار الإسلامي، ص23.

(2) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، القاهرة، الدار الفنية، 1991، ص17

(3) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص18

(4) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص18

(5) حسن حنفي: الدين والثورة. اليسار الاسلامي والوحدة الوطنية، القاهرة، مكتبة مدبولي، ج8، ص42

(6) حسن حنفي: ماذا يعني اليسار الإسلامي، مجلة اليسار الإسلامي، العدد 1،القاهرة، 1981،ص32.

(7) حسن حنفي: اليسار الإسلامي، ص29.

(8) حسن حنفي: الدين والثورة. اليسار الاسلامي والوحدة الوطنية، ج8، ص42.

(9) حسن حنفي: الدين والثورة. اليسار الاسلامي والوحدة الوطنية، ج8، ص42.

(10) حسن حنفي: الدين والثورة. اليسار الاسلامي والوحدة الوطنية، ج8، ص43.

(11) حسن حنفي: الدين والثورة. اليسار الاسلامي والوحدة الوطنية، ج8، ص42.

(12) حسن حنفي:  اليسار الإسلامي، ص29.

(13) حسن حنفي: في الفكر الغربي المعاصر، القاهرة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1990، ص .32-33.

(14) حسن حنفي: في الفكر الغربي المعاصر، ص 335.

(15) حسن حنفي: في الفكر الغربي المعاصر، ص388.

(16) حسن حنفي: في الفكر الغربي المعاصر، ص21.

(17) حسن حنفي: في الفكر الغربي المعاصر، ص.22.

(18) حسن حنفي: في الفكر الغربي المعاصر، ص31.

(19) حسن حنفي: في الفكر الغربي المعاصر، ص31.

(20) حسن حنفي: في الفكر الغربي المعاصر، ص10 .

(21) حسن حنفي: الدين والثورة في مصر، الدين والنضال الوطني، مكتبة مدبولي، القاهرة، ج3، ص24-25.

(22) حسن حنفي: الدين والثورة في مصر، الدين والنضال الوطني ج3، ص25.

(23) حسن حنفي: الدين والثورة في مصر، ج3، ص27.

 (24)  حسن حنفي: الدين والثورة في مصر، ج3، ص5 .

(25)  حسن حنفي: الدين والثورة في مصر، ج3، ص6.

(26) حسن حنفي: الدين والثورة في مصر، ج3، ص6.

(27) حسن حنفي: الدين والثورة في مصر، ج3، ص6.

(28) حسن حنفي: الدين والثورة في مصر، الدين والنضال الوطني، ج3، ص8-9

(29) حسن حنفي: الدين والثورة في مصر، الدين والنضال الوطني، ج3، ص12

(30) حسن حنفي: الدين والثورة في مصر، الدين والنضال الوطني، ص12

(31) حسن حنفي: الدين والثورة في مصر، الدين والنضال الوطني، ج3، ص13-14

(32) حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، القاهرة، الدار الفنية، 1991، ص15.  

 

 

نشأة الدولة الرومانية: مصر لم تشهد بعد رحيل الهكسوس عنها استقراراً مقنعا، ولم تكن قادرة بعد هذا التاريخ على هضم عقيدة او سياسة مشتركة، لا سيما بين الشمال والجنوب، بين الدلتا والصعيد . ومنذ هذه الفترة الانتقالية بدأت ترتبك الأمة المصرية وتنهار عقيدة تقديس الفرعون والالتفاف حوله بصورة ملفتة، لذلك تناوبت على السلطة مجموعة من الأسر، وتخلل سلطتها تغيّر الوجه الديموغرافي لمصر .

لقد ظهرت مجاميع من القبائل الليبية تنتشر قريباً من الدلتا المصرية، كما كان الى جانبها مجاميع من اليهود واليونان، يضاف اليهم مجاميع من الأسر الرافدينية والشامية، رافقت وجود الهكسوس . وقد بدأ الصراع والانقسام واضحاً بين الجنوب الطيبي القائم على الديانة المصرية القديمة الفرعونية، وبين الشمال عند الدلتا الذي بدأ يشهد تغيّراً سكانياً وفكرياً . حتى وصل الامر الى استيلاء كهنة (آمون) على السلطة في الجنوب، وإقامة إمارة دينية في بلاد (النوبة)، التي تشكّل القسم الجنوبي من المملكة الفرعونية القديمة . وفي خضّم الصراع في الشمال وبداية تزايد نفوذ القبائل الليبية عسكرياً، والنفوذ الرافديني اليوناني فكرياً، يبدو انّ مجاميع من ( الملأ الفرعوني) القديم بدأت بالهجرة شمالاً او شمالاً غربياً، تحمل ثروتها الكبيرة معها، وتحاول الحفاظ على إرثها الفكري والمالي .

وهذا ما يفسّر لنا التزامن الغريب بين انشاء مدينة روما في حدود ٧٥٢ ق م، وبين انهيار الفرعونية القديمة في شمال مصر . حيث سيطرت القوات النوبية بقيادة (بخنعي) على مصر في هذه السنة تقريبا . وقد تمّ انشاء مدينة روما على يد مجموعة من المنفيين - بحدود ٣٠٠٠ عنصر - بقيادة (رومولس)، والذين كانوا غرباء كليًّا عن النواحي الإيطالية، كما انهم حملوا معهم مجموعة من القوانين الخاصة بهم، ومن ثم طوروها لتشمل جوارهم، ولاحقاً أضافوا عليها فقرات تتناول الممالك المرتبطة بهم، لكنهم اصروا على نشر صورة تحضّر الروماني وحده .

لم تكن رؤيتي هذه قائمة على السنة التي دخل فيها النوبيون شمال مصر، لكنها تأخذ في الحسبان تأريخ الصراع الذي ابتدأ منذ خروج الهكسوس، وتزايد الخلاف الفكري في شمال مصر، وكذلك الفترة التي وصلت فيها القبائل الليبية للحكم لأوّل مرة، لتؤسس الاسرة الثانية والعشرين ٩٤٥ - ٧١٥ ق م، وما حمله المنفيون الرومانيون من إمكانية حضارية، جعلتهم ينشئون حضارة امبراطورية في فترة قياسية، لا يمكن ان تكفي مجموعة مبتورة لإنشاء مملكة، لاسيما فيما يتعلّق بالقوانين، كما انّ اندماج الرومان بالمعتقدات اليونانية - الفرعونية يثير الباحث ويفتح الباب أمامه واسعاً عن حقيقة الارتباط الحضاري والتاريخي بين هذه الامم .

انّ روما حين تمّ بنائها فتحت ابوابها للمطاردين والمهاجرين، وصار كلّ الذين يهربون من العدالة والقانون في بلدانهم يلجأون اليها . ولعلّ الاغرب انّ ثلاثة من اهم ملوكها المؤسسين - رومولس وتركان الاول وسرفيوس تليوس - كانوا مجهولي الأصل ! . فيما قامت البلاد في توسعها وانتقال السلطة على المؤامرات والدسائس والقتل والغدر . وقد شهد اغلب ملوكها طعنة في ظهره، وعانى الكثيرون من سياسييها وأمرائها جرعة من سمّ .

انّ كلّ ذلك - بالاضافة لما سيأتي من حقائق - يدفعني للاعتقاد بأنّ روما قامت على تحالف متعدد الجنسيات، كان الملأ الفرعوني جزءاً مهماً منه، بالاضافة الى عناصر يونانية تعتقد بذات الاعتقادات الفرعونية، ومن أركانه أيضاً مجموعة من اليهود الذين هاجروا بسبب الحروب والصراعات والانهيارات التي اصابت مجتمعهم منذ الانقسام بحدود ٩١٣ ق م الى حوالي ٧٠٠ ق م، اي قبل السبي البابلي الذي قضى على تاريخهم تماما، وقد اندمج داخله مجاميع من العناصر الجديدة المنبهرة لقدرته التنظيمية .

وإذا كانت الامبراطورية الرومانية قامت بالمعنى الرسمي بحدود ٢٧ ق م فلقد كانت الفترة من ٧٥٢ ق م حتى هذا التاريخ ضرورية للوصول بالفكر الروماني للإمبريالية .

انّ الامبراطورية الرومانية هي الأصل الذي قامت عليه الأفكار الأوربية الحديثة، وهي كذلك احد الأسباب بل والفلسفات التي أنتجت العقل الأوربي القائم على الأسس التصنيفية للبشر .

لكنّنا لن نجد كبير عناء في توصيف تلك الامبراطورية القديمة باخرى مستنسخة عنها معاصرة، انها الإمبريالية الامريكية . فالشبه بين الدولتين كبير جداً جداً، الى الدرجة التي يمكننا القول معها أنهما ولدتا عن عقلية واحدة لا عن عقليتين اجتمعتا صدفة . لقد تشكّلت كلتا الدولتين على يد مهاجرين يملكون مالاً، هاربين من واقع ما، ثمّ فتحتا ابوابهما للمهاجرين المطاردين والمنبوذين تماما . وابتدأت تلك الدول حضارتها بخداع الشعوب الأصلية وقتلها، وكلنا يعرف ما فعله الأمريكيون بالهنود الحمر، السكان الأصليين للقارة الامريكية، لكن الباحث فقط من يعرف انّ الرومان قاموا بخداع (السابنيين)، السكان الأصليين لمنطقة روما، ومن ثمّ قتلوا رجالهم، واستولوا على بناتهم ونسائهم، قبل ان يدخل الطرفان في صلح قائم على المصلحة والامر الواقع . وانقسم المجتمع عند تأسيس الدولتين - واستمرّ تأثير ذلك لاحقاً - الى أشراف وعوام، أغنياء وفقراء، أثرياء رأسماليين واجراء وعبيد . ولم يكن فيهما قانون يحدد الحكم في شخص ما وعائلة تتوارث، وإنما كان بإمكان كل الذين يبرزون كقادة في الحروب، او اصحاب الثروات، او ذوي النفوذ، ان يصلوا الى حكم البلاد، لكنّ الامر في الدولتين ظلّ يدور على الدوام في عوائل ومؤسسات محددة، في آلية غريبة جدا، حيث يحكم شخص ما ثمّ بعد فترة من الزمن يعود فرد من أسرته للحكم، وقد يصل من هو خارج الاسرة لكنّه ضمن دائرة المال والنفوذ لها . امّا الصورة التي اختارتها كلتا الدولتين للحكم فكانت متطابقة، حيث الرئيس الأعلى، ومجلس الشيوخ، الذي هو قائم على مؤشرات اجتماعية خاصة، وكذلك مجلس النوّاب العموم، والخاضع لتأثير المال والنفوذ . انّ المجتمعين اختارا نظاماً هجيناً بين الديمقراطية والأرستقراطية، بمعنى للشعب حقّ الاختيار، لكن ضمن دائرة الاشراف واصحاب الأموال فقط . ومن الطريف انّ المجتمعين لم يجعلا الشرف والنبالة حكراً عائليا، بل اعتمدوا في هذا التوصيف على مقدار الثروة في زيادتها ونقصها، لذلك كان الاشراف وذوو النفوذ يتغيرون في الدولتين، مع بقاء العوائل المؤسسة ضمن هذه الدائرة . فيما قسّمت الدولتان العالم الى أقاليم، قريبة وبعيدة، بعضها يخضع لمجلس الشيوخ، وبعضها يخضع لاوامر الإمبراطور، وتبعاً لهذه القسمة كان يتم تصنيف الحقوق ايضا، فليس للأقاليم الخاضعة للإمبراطور - وهي الامم والشعوب الاخرى المختلفة - ذات الحقوق التي للرومان الذين يشرف عليهم مع الإمبراطور مجلس الشيوخ، وكذلك الحال ما تقوم به الولايات المتحدة اليوم . ولم يكن للامبراطوريتين من حدود حقيقية، وليس هناك تعريف واضح لنفوذهما، لذلك اعتمدوا تماماً على العسكرة، والتزموا تجييش شعبيهما بكل الوسائل والاليات، فكانت لهما فرق دائمية خارج الإطار الجغرافي للسلطان السياسي، كما كان لهما أسطول ضخم جدا . لقد تميّزت الإمبراطوريتان الامريكية والرومانية - عن سواهما - بوجود جيوش شبه مستقلة تنوب عن سلطتهما المباشرة في مختلف بقاع العالم، وقد غيّروا بذلك نظام الحاميات الصغيرة . وفيما يبدو الانتشار العسكري الامريكي اليوم واضحا، او شبه واضح، فالانتشار الروماني لم يكن اقل منه، فقد كانت الجيوش الرومانية تمتد ضمن العالم القديم بما يشبه الانتشار المعاصر، كانت هناك فرق في شمال شرق إيبيريا، والقطاع الغربي من افريقيا، امّا اهم الفرق الرومانية فكانت في مصر، وفي سوريا، وعلى الراين والدانوب الأعلى . فيما كان تجهيز الجيوش الأجنبية للقتال بالنيابة أمراً طبيعياً لدى الإمبراطوريتين .

اما النظام الاداري للأقاليم الرومانية فهو اقرب ما يكون الى نظام الامبراطورية البريطانية، حيث أقاليم وطنية، تتبع للسلطة المشتركة بين الإمبراطور ومجلسي الشيوخ والعموم، واقاليم تابعة شبه مستقلة، تخضع لإحدى سلطتين، نائب عن الإمبراطور، او ممثلين عن عموم الدولة، بحسب الأهمية الجيوسياسية للإقليم، حيث كانت مصر تأتي في المرتبة الاولى، وتخضع للسلطة الامبراطورية مباشرة، فيما أقاليم مثل الالب وموريتانيا فكانت خاضعة لسلطة الخيّالة العامَّة .

لقد كان الإمبراطور والقناصل والقضاة والحكّام هم الوجود الفعلي للدولة الرومانية، ولم تكن للدساتير - مثل دستور انطونين - من أهمية واقعية بالنسبة لمن هو خارج هذه الدائرة، كما لم يكن للمثل الانسانية المكتوبة من دور فعلي في حماية الأقاليم التابعة وسكّانها، وكأننا نعيش الخداع الكلامي المعاصر الذي يأتي من عالم الدول الكبرى، حيث يتم استغلال القيم الانسانية لسحق كرامة الانسان في العالم . فالدولة الرومانية لم تكن ديمقراطية أبداً، بل هي دولة أرستقراطية، إِلَّا انها أرستقراطية تمزج بين الأرستقراطية الملكية البريطانية المعاصرة والأرستقراطية الرأسمالية العسكرية الامريكية الحديثة . لذلك لم يكن من الصعب على طبقة من رجال الكهنوت المصري التغلغل الى عمق العقائد الشعبية، اذ هي أخضعت العوائل الحاكمة لسلطانها الباطني، بما يشبه الكهنوت الذي تمثّله المسيحية الجديدة في السياسية الامريكية، والممتزجة باللوبي اليهودي للكبّاليين، في عملية إذابة للعقل العام بانسيابية وبطئ، حيث احتكار المال والتشريع القانوني والسلطة العسكرية بيد مجموعة من العوائل . وقد كانت القوانين خاضعة في مجملها للسلطة الامبراطورية، وكذلك سلطة العوائل الكبرى، فيما يشبه الاتفاق القائم على المصالح المشتركة، وحتى حين صار للعموم مجلسهم كان خاضعاً لتأثير المال والإعلام الأرستقراطي، ومحتاجاً للأثر العسكري، لذلك لم تكن هناك من ديمقراطية حقيقية، لا على المستوى التشريعي، ولا على المستوى العملي، ورغم انّ القانون لا يحتكر الوجود الإمبراطوري في عائلة محددة الا انّ الوصول الى ذلك المنصب - ومنصب القنصل - كان خاضعاً للواقع الأرستقراطي والعسكري، وهذا شبيه بنسبة كبيرة للواقع الامريكي المعاصر عند تحليله .

انّ اكثر الخدع الحكومية الطويلة الامد شبهاً بين الإمبراطوريتين الامريكية والرومانية كانت ترتبط بالنقد والعملة، حيث اجبرت عسكرة المجتمع في الدولتين وتزايد ضخامة الإنفاق العسكري الحكومتين على توفير المزيد والمزيد من النقد . الا انّ النقد لم يكن لعبة عبثية، فقد كان ذهبيّاً، او مقوّماً بالذهب، ولاحقاً بالعين المملوكة، ولأنّ الدولتين لم تملكا موارداً توازي انفاقهما العسكري فقد اضطرتا الى خلق التضخم، حيث القيمة الوزنية للعملة لا تساوي قيمتها الاسمية، ولم يكن من داعم لوجود هذه العملة الا الكفالة السياسية، التي هي عرضة للانهيار . لقد كانت هذه السياسة النقدية واضحة في زمن (كاركلا)، الذي أوجد عملة (انطونينيانوس) الهزيلة، لسدّ نفقات الجنود التي زادت بنسبة ٢٥ ٪ عام ٢١٥ م . فيما حاول (اورليانوس) تحديد قيمة العملة اسميّاً بشكل تحكّمي . وهذا الامر الأخير بالضبط هو ما تفعله الامبراطورية الامريكية الحديثة منذ عشرينات القرن العشرين، حيث أسقطت الكفالة الذهبية والعينية عن عملتها الورقية، بعد التضخم العسكري والرغبة الاستعمارية الناشئة فيها، والتي تطورت كثيراً بعد الحرب العالمية الثانية، وصارت العملة مقوّمة بتوقيع البنك الفدرالي فقط، وهو بنك مملوك لافراد أرستقراطيين، وبالتالي فهي عملة ليس لها من قيمة فعلية . ولأنّ العملة الامريكية (الدولار) صارت مقوّماً للعملات الاخرى في اغلب الدول فالعالم اصبح في حقيقته خاضعاً لتلك العوائل الأرستقراطية المالكة، بسياستها ورغباتها، بل وعقائدها . وهنا تكمن خطورة النظام النقدي وبالتالي المالي العالمي المعاصر، الذي من الممكن ان ينهار في اي لحظة مجنونة .

امّا الرأسمالية المرابية في الدولتين فكانت هي الميزة الواضحة للمجتمع بكلّ طبقاته واعماله، ولانّ نظام البنوك المعاصر واضح في قيامه على الربا والإقراض ذي الفوائد المجحفة، حيث تتم اغلب المعاملات السوقية عبر نظام البطاقة الالكترونية ذات الرصيد المسبق، بقي ان نشير الى الوضع إبّان الدولة الرومانية، حيث كانت الطبقة الأرستقراطية تسترقّ الشعب وتستعبد الجماهير عبر الاقراض ذي الفوائد المتزايدة، مما استدعى قيام الجمهور الروماني بانتفاضة، كان من شأنها امتناعهم عن الالتحاق بالقوات الخارجة لمواجهة (تركان الخائن)، ما لم يتم إعفائهم من بعض تلك الديون الثقيلة القائمة على الفائدة المتزايدة أساسا، مما اضطرّ مجلس الشيوخ الى اعلان الحكومة الدكتاتورية لأشهر عديدة، وفرض التجنيد بالقوة، وفي عهد القنصل (كلاوديوس ابيوس) الثري المرابي زاد الضغط على الجمهور، الى الحد الذي جعلهم يمتنعون عن مواجهة قوات (الفولسك) الغازية . ومن ثمّ قام الأهالي بالثورة عدة مرات، واعتصموا عند (الجبل المقدس) وعند جبل (افانتان)، ودخل معهم مجلس الشيوخ في مماطلة وصراع لأكثر من قرنين، حتى صار لهم ممثلون في القنصلية . لكن الغريب انّ مجلس الشيوخ وعوائله الأرستقراطية كانت تقوم بضرب سمعة ممثلي الشعب وقادة ثورته اعلاميا، كما اليوم !، وبطريقة تجعل الشعب يتصارع مع قادته الثوريين، الذين تصوّرهم الماكنة الإعلامية كخونة للبلد، كما حدث مع (سبوريوس كاسيوس) .

وقد كانت الإمبراطوريتان الامريكية والرومانية ناجحتين جداً في استقطاب الشعوب المقاتلة عنهما بالنيابة . فامريكا من خلال حلف الناتو او غيره من الأحلاف، ومن خلال الجواسيس والحكّام والملوك المتعاملين معها، تشنّ حروباً كثيرة، كما هي الحال ايّام الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، وكحرب العراق مع ايران، وحرب القاعدة ضد القوات الروسية في أفغانستان، وحرب داعش ضد المسلمين المعادين لامريكا . امّا الرومان فقد استقطبوا مئات الآلاف من الشعوب المقاتلة تحت رايتهم ونيابة عن الإمبراطور، فكان هناك (الباتانيون) من جرمان الراين، الذين خدموا ضمن جيش (جرمانيكوس)، وهناك أيضاً (الفاندال) الذين أوكل اليهم الرومان امر استعادة النظام في بريطانيا، فيما يمكننا ان نقبل انّ الجيش الروماني قد تمت (جرمنته) من خلال القبائل والشعوب الجرمانية المستوطنة، لكن كان هناك أيضاً الآلاف من البربر، وايضاً ممالك عربية كبيرة وشرسة كالغساسنة، فيما أيضاً مجموعة كبيرة من الشعوب الأوربية المشاركة .

ليست الدولة الرومانية جامعة لجنس او دين، لكنها كالولايات المتحدة الامريكية تماما، دولة هجينة، شكّلتها أقلية عنيفة، جعلت من نفسها المحور الوطني، وانتشرت فيها مجاميع بشرية تختلف من حيث الجنس والدين . نعم كان هناك اليوناني الروماني والإسباني الروماني والغالي الروماني والجرماني الروماني واللاتيني الروماني، وغيرهم من الأجناس، فيما كانت الوثنية تستمد جذورها مرة من مصر، ومرة من اليونان، واُخرى محلية، حتى اليهودية كانت موجودة، وأخيراً ظهرت المسيحية والإسلام .

عقائد الدولة الرومانية الوثنية

من الواضح جداً - كما استعرضنا سابقا - انّ الديانة الرومانية كانت وثنية، لكنّها لم تكن صنمية ساذجة، بل كانت نسخة عن الديانة المصرية النجمية الفلكية، القائمة على أسس هندسية ورياضية، تتعلق بالأرواح والقوى في العوالم البُعدية الاخرى، المؤثرة في قوى العالم الطبيعي . وسيأتي لاحقاً كيف انّ الرومان حاولوا استنساخ الديانة المصرية الفرعونية، مع عصرنتها، ومع رومنتها، فابقوا على مضمون الآلهة، لكن مع تغيير المسميات في الغالب، لتتناسب والإقليم الأوربي، او لغرض عولمتها . لذلك تقبّل المصريون - وتواجد كهنتهم - المفاهيم الدينية الرومانية، كما تقبّلوا من قبل المفاهيم الدينية اليونانية، وساعدوا كليهما على النهوض والعولمة .

وقد اقتبس الرومان عن اليونانيين عبادة بعض الهتهم، كالاله الرئيسي (جوبيتر) او المشتري، الذي أقاموا لها معبداً في القدس مكان الهيكل في ١٣٥ م، بعد القضاء على الثورة اليهودية . وعنونوا لكلّ واحدة من قوى الطبيعة إلهاً، او باباً بصورة ادقّ، كما كان يفعل المصريون . وقد قدّسوا أيضاً المريخ والزهرة، وغيرها من الكواكب والأفلاك، فيما اعتمدوا على الطوالع الفلكية بصورة تكاد تكون ملازمة . وكانوا يحتقرون الديانات التوحيدية اليهودية والمسيحية ومن ثم الاسلام بصورة كبيرة، الى الدرجة العنفية الدموية الأقرب الى الإبادة، كما في حروبهم الكبيرة على اليهودية ٦٦ - ٧٠ م، حتى انهم نشروا معابد الآلهة في عموم الارض المقدسة، وفي محاولتهم إبادة المسيحيين في القرن الاول، بعد ان أرادوا - بالتعاون مع المنحرفين من اليهود - محاكمة المسيح ذاته وصلبه، وفي حروبهم الكبيرة ضد الدولة الاسلامية الناشئة، والتي استمرت لعقود طويلة .

فيما كان للعرافة والتنجيم وجودهما المحوري في الحياة السياسية والاجتماعية الرومانية، فعند فتح اساسات (الكابيتول) وحين عثر عمَّال البناء على رأس إنسان رأى المنجّمون انّ هذا يعني بأنّ (روما) سيكون لها شأن عظيم وستكون مقرّ السلطان العالمي . ولم يكن من المستغرب أنْ تظهر في عهد (تركان الثاني) ذلك الحاكم الظالم امرأة متكهنة، عرضت عليه تسعة من الكتب التنبئية، القائمة على العرافة والتنجيم او غيرها من فنون معرفة المستقبل، بسعر معيّن، وحين رفض احرقت ثلاثة منها، وعرضت الستة الباقية مرة اخرى وبسعر التسعة جميعا، لكنّه حين رفض أيضاً احرقت ثلاثة أخريات، وابقت على سعر اخر ثلاثة ذاته سعر التسعة، فاخذهنّ (تركان الثاني)، ووضعهنّ في خزانة خاصة تحت (الكابيتول)، وعيّن لحراستها اثنين من الاشراف . فيما أرسل هذا الملك ولديه الى اليونان ليسألا اكبر متكهناتها عمّن سيخلفه في الحكم، وكان يرافقهما (بروتوس) الذي فهم رسالتها وراح يقبّل الارض الامّ، ليكون خليفة لتركان الثاني، وكان ذلك فعلا . ولعلّ ذلك شبيه بما كان يفعله اليونانيون بنحو الاستمرارية والوراثة، كما في قصة (كرويسوس) وكاهنة (دلفي)، قبيل حربه مع ملك الفرس (قوروش) الهجين .

وقد كان الرومان يعتقدون انّ الهتهم تشاركهم في معاركهم الكبيرة، لذلك لم يكن النصر سوى اثر لذلك الوجود الماورائي، كما في رؤيتهما لحضور الإلهين (كستور) و(بولوكس)، الذين أقيم لهما معبد في الفورم .

امّا في زمن الامبراطورية فقد كان الرومان يعتقدون ما اعتقده المصريون في الفرعون، من حيث ارتباطه بعالم الآلهة، واعتباره الباب الذي يُفتح الى جهتها، وهو أيضاً الناطق والحاكم باسمها . وقد كان أيضاً الإمبراطور - او رئيس الدولة - هو الكاهن الأكبر .

وهنا يظهر انّ الرومان ورثوا رسمياً الخط البشري القابيلي، الذي يؤمن بما وراء الطبيعة، لكنّه لا يؤمن باسس الديانات التوحيدية، او لنقل بما يؤمن به الخط الآدمي الشيتي . لذلك اعتمد الرومان ذات الأسس الفرعونية في معرفة مراد الآلهة، فتورّطوا مع ما سمّته الأديان التوحيدية (عالم الشياطين) .

امّا الآلهة المصرية فقد دخلت روما منذ وقت مبكّر، طريقها المعلوم هو يونانيو جنوب إيطاليا، الذين تغلغلت اليهم بصورة واضحة حتى صارت معابدها تقام في كلّ مكان، امّا طريقها الاخر الذي أراه فكان على يد تلك الأسر التي بنت روما ذاتها، وقد جائت مهاجرة . ولم يكن ذلك التغلغل في العبادة إِلَّا الصورة الظاهرة لعقيدة باطنية تقوم على الأسس المشفّرة، للتواصل مع العوالم الاخرى . لذلك يمكننا القول انّ الآلهة الفرعونية المصرية - بطقوس التواصل معها - قد أضحت آلهة روما فعليا .

لم يكن الشعب الروماني يلتئم في المجامع الّا في الأيام التي تسمح له الآلهة فيها بذلك . وفي (روما) كان لابد قبل دخول جلسة مجلس الشيوخ من تأكيد المستخيرين انّ الآلهة راضية . وكان المجمع يبدأ بصلاة يتلوها المستخير ويكررها القنصل بعده . وكان المكان الذي يجتمع فيه مجلس الشيوخ هو احد المعابد دائما . وإذا عقدت جلسة في مكان اخر غير مقدس فإنّ القرارات المتخذة يلحقها البطلان . حيث لم تكن الآلهة حاضرة . وقبل كل مداولة يقدم الرئيس قرباناً ويتلو دعاءاً . وكان في القاعة مذبح يريق عليه كل شيخ السكائب عند دخوله ويدعو الآلهة . وهذا بالضبط يشبه ما يحدث في اجتماعات (المحافل الماسونية) اليوم .

ويوجز المؤرخ (شاف) حقيقة العبادة في روما بعبارته (كانت العبادة الوثنية تتداخل في كل مرافق الدولة الرومانية، كخيوط النسيج الواحد المغزولة معا . بل لقد جعلت من الدين اداة لسياستها) .

العلاقة بين مصر وروما

اذا كانت الامبراطورية في روما فلقد كانت الحكومة في مصر، هكذا باختصار هو حال الأمة الرومانية، وهكذا كانت العلاقة بين الاقليمين . ولأنْ كانت موارد الامبراطورية الاقتصادية قد اعتمدت على مصر بصورة محورية، فإنّ موارد الامبراطورية الدينية كذلك اعتمدت على مصر أيضاً - بشقّها اليوناني - .

أخذ الرومان عن الإغريق الكثير حضارياً ودينيا، كما أخذوا عن المصريين في ازمنة مختلفة . وكانت آلهة الفراعنة مثل (إيزيس) و(آمون) و(سرابيس) قد انتشرت في عموم الاراضي اليونانية، كما في (بيريوس) و(ديلوس) و(ميليتوس) و(هاليكارناسوس) و(اثينا) و(ايوبيا)، فيما ظهرت الآلهة (إيزيس) على العملة الأثينية عدة مرات، ورغم فقدان مصر لتأثيرها المباشر في عهد (بطليموس الثالث) إِلَّا انّ عقيدة الاله (سرابيس) التي ولدت في الاسكندرية لم تتوقف عن الانتشار في حواضر الجزر اليونانية، ومنها الحاضرة الرومانية الوارثة .

في عهد (سولا) كان للاله المصري الكبير (أوزوريس) كهنة في قلب روما، وتواجدت الآلهة المصرية الأشهر (إيزيس) في قلب الصراع العقائدي والسياسي الروماني .

لكن من الواضح جداً انّ هناك محاولات عديدة جرت لردع هذا التغلغل الباطني المصري الفرعوني، كما حدث بين عامي ٥٨ و٤٨ ق م، وكما في حملة (اجريبا) لتحريم عبادة الآلهة المصرية ضمن الف مرحلة من روما . لكنّ هذا الصراع الحضاري الديني سار باتجاه انتشار اكبر للعقائد الفرعونية المصرية .

في عهد (كاليجولا) تمّ بناء معبد لإيزيس قرب روما، وفي اثناء حكم (فيسبسيان) ظهر كل من (سرابيس) و(إيزيس) على العملة، فيما وسّع (دوميتيان) معبد (إيزيس)، التي بنى لها (كاراكالا) معبداً داخل المدينة، وهي الآلهة التي وصل هيكلها الى قلب (لندن) في ذلك العصر، وصار لها في روما عيد خاص في الخامس من مارس، حيث يوضع تمثالها في قارب تحمله عربة تسير في شوارع روما، في نسخة رومانية عن المسيرات الاحتفالية الفرعونية التي تحمل تماثيل الآلهة في الحواضر المصرية سابقا، حيث كان تمثال الآلهة يُحمل على اكتاف الكهنة المتطهّرين حينها . ويبدو انّ هناك شخصاً يُدعى (بلوتارخ) قد ولد في مدينة (خايرونيا) اليونانية عام ٤٦ م، قام بجهود كبيرة لزيادة رقعة الاعتقاد بقصة الآلهة (أوزوريس) و(إيزيس) في حدود الدولة الرومانية، حيث أثمرت جهوده تلك بناء عدّة معابد لها، وهو من التزم ان يكون مصدراً تفصيلياً لهذه العقيدة والقصة عند بداية التاريخ الميلادي، بنحو يزيد عن السرد المصري القديم .

وفي الوقت الذي يكتب (مينوكيوس فليكس) عند القرن الثاني الميلادي (انّ هذه الآلهة المختلفة - المصرية أصلا - أصبحت الان رومانية ايضا)، تشكّل كهنوت الآلهة في الامبراطورية المتأخرة من طبقة خبيرة، بعض أفرادها كانوا مصريين فعلا، كالمدعو (حرنوفيس)، الذي عمل مع مركز القيادة الرومانية العامة في (اكويليا)، ايّام الحروب (الماركومانية)، الى جانب كهنة رومانيين . فيما استبدل واحد من أشهر ملوك الرومان (يوليوس قيصر) الذي حكم في منتصف الاول قبل الميلاد التقويم القديم بالتقويم المصري .

ورغم انّ معبد الآلهة الفرعونية (حتحور) قد بناه (بطليموس التاسع) إِلَّا انّ الرومان هم من اتمّوه في عهد تراجان . وتحكي قصة هروب (بومبي) عدو (يوليوس قيصر) الى مصر تلك الرابطة العضوية بين الحضارتين، لا سيما عند إتمامها بقصة العلاقة بين (يوليوس) والملكة (كليوباترا)، التي كانت تحكم مصر باسم البطالمة اليونان حينها، حيث ساعدها على هزيمة اعدائها، وأخذها في زيارة لروما، مما يوحي بدائرة عضوية بين الأقاليم الثلاث . فيما تشير المكتشفات الاثرية انّ طقوس زيارة تمثال (ابو الهول) - التي كان يقوم بها الفراعنة المصريون - قد استمرت حتى نهاية العصر الروماني . وفي نهاية للصراع الذي نشب في عهود الاسرة المتأخرة في مصر - بما فيهم البطالمة - بين الكهّان والسلطة حول سلطان كل منهما قام الرومان بحصر الاشراف على الحياة الدينية عند احتلالهم مصر بيد كبير كهّان الاسكندرية، والذي كان يشرف على التحركات الكهنوتية والعسكرية .

لقد رأى المعتقدون بالديانة الفرعونية القديمة انّ الفرعون كان جزءاً من حظيرة الآلهة، وهو ظلّها على الارض، وهكذا كان يرى المعتقدون بالديانة الرومانية في الإمبراطور . حيث انّ العبادة الامبراطورية التي تقوم على تأليه القيصر كانت سارية في كل ارجاء المملكة . وقد كان ذلك واضحاً في كم التشريفات التي نالها (أوغسطس) في حياته وبعد مماته . فيما كان (دوميتيانوس) غيوراً جداً على القيم الإلهية التي أضفيت على سلطته . امّا (ديوكلتيانوس) فقد طالب باحترامه على نحو العبادة، باعتباره (الكاهن الأعظم)، وراح يدعو نفسه (رب = سيّد العالم)، وهذا نظير الخطاب الفرعوني [ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [الجزء: ٣٠ | النازعات (٧٩) | الآية: ٢٤]، وطلب الى زوّاره السجود بين يديه، ولم يكن يخطو دون اسرار الكهانة والعرافة . وقد يبدو ذلك غريبا، حيث كان الفراعنة يحكمون بالوراثة، لكنّ الاباطرة كانوا يصلون الى العرش الإمبراطوري عن طريق المؤامرة، كما في عمليات الاغتيال والسمّ، مثل عملية اغتيال (كاليجولا)، او بالقوة، كما في تنصيب (ڤاسبيان)، فلماذا كانوا يحظون بهذا التقديس ؟!، يبدو انّ جواب ذلك كان مرتبطاً بحقيقة ما عليه الديانة الرومانية من باطنية، حيث كان عموم من وصلوا للعرش قد مَرُّوا بمرحلة من الطقوس الباطنية اللازمة ليكونوا متحدثين باسم الآلهة، وكذلك هم يخضعون لذات الطقوس وأكثر بعد استلام العرش والتاج .

انّ الإمبراطور قد حمل سلطة ما فوق البشرية، لكنها ليست سلطة الآلهة، فهو المختار من قبل الآلهة، الذي باستطاعته توفير السلام الالهي للإمبراطورية، عن طريق التواصل مع العالم اللامرئي، الذي يكفل التواصل معه سلام الامبراطورية وراحة الشعب الروماني، وهذا بالضبط ما كان يعتقده شعب الفراعنة . غير انّ هذه السلطة ما فوق البشرية لم تكن ممكنة الادّعاء والسرقة، وهي لم تكن لتنتقل عن طريق الدم في الاسرة الواحدة، بل تخضع لقدرة المرشّح على ممارسة الطقوس المتعلقة بضرورة التواصل مع الآلهة، او القدرة على الصمود في قدس الأقداس . لذلك بعد وفاة (ليبيدوس) في ١٢ ق م لم يكن هناك معترض على حصر الزعامة الدينية الكبرى والتشريع الديني بيد الإمبراطور، بالاضافة لمهامّه كقائد اعلى للجيوش والسياسة، لكن ذلك لم يمنع ضرورة ان يكون للإمبراطور الكفاءة اللازمة لإدارة الحكم، والّا تعرّض للاغتيال او الخيانة .

لقد كانت روما في عهد قيصر ممتلئة بالآلهة المصرية، وهذا قد يكون وارداً في عالم اقتباس المعبودات، لكن ان تقام فيها أيضاً مجموعة من (المسلّات) المصرية التي ليست تُفهم - وثنياً - إِلَّا وفق معادلة التواصل الماورائي المصري، القائمة على أساس ميتافيزيائي، فذلك يثبت انّ الديانة الرومانية أخذت الكثير عن الفرعونية الباطنية .

ورغم تمتع الدولة الرومانية بنسبة استقرار هي الأكبر عالمياً حينذاك، إِلَّا انّ الغريب فعلاً هو المآل الذي وصل اليه أباطرتها، فطيباريوس خنقه جنده، وكاليجولا قتله حرسه، وكلوديوس مات مسموماً بفعل زوجته، ونيرون منتحرا، واخرون قتلهم جندهم، او ماتوا منتحرين، او تمّ إعدامهم من قبل الشعب . ومن الغريب حدوث ذلك في دولة أشبه ما تكون بدول حديثة كالولايات المتحدة الامريكية او المملكة المتحدة .

ولعلّ المشترك الأهم بين الديانتين الفرعونية والرومانية كان مبدأ (العرافة)، بمعنى التنبّأ بالمستقبل، ولم يكن بنحو ساذج كما هو الحال في بعض مدّعي ذلك اليوم، بل كان قائماً على قياسات فلكية وماورائية، احتاجت الى انشاء مدارس، كما خضع أصحابها لمراحل من التعلّم وادراك طرق التواصل مع الآلهة المفترضة .

المشترك الاخر بين الفراعنة والرومان كان ملفتاً للنظر، فهم رغم انتصاراتهم وقوتهم العسكرية - في أوجها - لم يحاولوا إقامة حاميات عسكرية دائمة في بلاد ما بين النهرين (العراق)، على عكس ما فعله الإسكندر المقدوني، الذي اختار بابل مركزاً لتحركه في اسيا، ثمّ اختار ان يموت فيها . والذي أراه انّ هذه العلاقات المختلفة بين الجانبين مع العراق كانت قائمة على أسس عقائدية تاريخية، تدخّل في إيجادها خضوع الإسكندر لأساتذة ينحدرون عن المدرسة الرافدينية علميا، مثل (أرسطو)، الذي استدعاه الملك المقدوني (فيليب الثاني) لتعليمه، فيما كان الرومان - تبعاً للفراعنة - يستشعرون العداء العقائدي مع الشعب العراقي، فضلاً عن العداء السياسي، الذي كان من الممكن معالجته بنحو ما تمّ في البلدان التي احتلتها هذه الدول لولا الرسوخ التوحيدي للعقيدة العراقية .

وقد وجدت التمائم الفرعونية السحرية مساحة كبيرة للانتشار في العصرين اليوناني والروماني . ومثال ذلك رواج (لوحات حورس)، التي هي لوحات صغيرة الحجم، زوّدت بحمالة في احد اطرافها، يتم عليها تصوير الاله الفرعوني (حورس) . وهي رغم وجودها منذ عهود قديمة، لا سيما في عهد الاسرة التاسعة عشر، إِلَّا انها لاقت رواجاً كبيراً في العهد الروماني، واستمرت حتى العهد القبطي . وكانت هذه اللوحات تُستخدم للحماية من المخلوقات الضارّة او المفترسة .

انّ الآلهة الفرعونية التي أخذت عند اليونانيين والرومان اسماءً جديدة، كما هي عادة هذين الشعبين في تغيير المسميات، ظلّت داخل مصر تحمل أسمائها الأصلية، مثل (حورس وابوللونيوس) و(باخوم وهيراكس)، او اسماءً هجينة للتوفيق بين الجانبين الشعبي والرسمي مثل (سيرابيس حابي) .

 

 

mutham aljanabiاستمدت الفكرة الحضارية عند مالك بن نبي مصادرها من فكرته السياسية، والعكس صحيح أيضا. بل يمكننا القول، بان كل منها يكمّل الآخر بصورة عضوية، وينطلقان من منهج واحد ورؤية موحدة. بمعنى أن الفكرة السياسية هي فكرة حضارية، والفكرة الحضارية هي فكرة سياسية. وكلاهما ينطلقان من الواقع التاريخي والتجربة التاريخية ويؤسسان لآفاقهما التاريخية. من هنا يمكن فهم الصيغة المفارقة لبحثه عن اثر الدين في أساس كل حضارة ومنشئها، وفي الوقت نفسه دعوته لكي يكون المبدأ الأخلاقي الايجابي في تأسيس البدائل الحضارية في العالم الافروآسيوي (والإسلامي والعربي جزء منه) ليس دينيا. ففي هذه الصيغة المفارقة تنعكس خصوصية الفكرة الإصلاحية الإسلامية عند مالك بن نبي وجوهرية الفكرة التاريخية فيها.

فقد اعتقد مالك بن نبي، بان الحضارة لا تنطلق إلا من مبادئ دينية. وقد تكون الحضارة النصرانية والإسلامية احد نماذجها الرفيعة. بمعنى تأثير وجوهرية الديانة النصرانية والإسلامية في تصنيع حضاريتيهما. وعمم موقفه هذا للدرجة التي جعلته يقول، بان "الحضارة لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية. وينبغي أن نبحث في أية حضارة من الحضارات عن أصلها الديني الذي بعثها. وينطبق هذا على اثر البوذية والبرهمية"(1). وانطلق في تعميمه هذا مما اسماه "بعناصر الحضارة الخالدة في الدين". وكتب بهذا الصدد يقول، بان "قوة التركيب لعناصر الحضارة خالدة في جوهر الدين، وليست ميزة بوقت ظهوره في التاريخ. فجوهر الدين مؤثر صالح في كل زمان ومكان"(2).

غير أن هذه الصيغة التاريخية اللاهوتية في الموقف من منشأ الحضارة واثر الدين فيها، تبقى ضمن إطار الرؤية التاريخية سواء فيما يتعلق بمسار الحضارة أو الموقف منها والبدائل المحتملة. فمسار الحضارة العام يتراوح ما بين الصعود والسقوط، في حين يكشف تاريخ الأمم والحضارات عن أن صعود بعضها ملازم لسقوط أخرى. ومن ثم فلكل منها دوره التاريخي. بينما نراه ينظر إلى علاقة النهضة الحضارية بالبدائل نظرته إلى قضية تاريخية وثقافية ملموسة. من هنا استنتاجه القائل، بان الحلول الفعلية للبدائل الحضارية لا يمكن أخذها من نماذج الشرق والغرب، انطلاقا من أن مشكلاتنا خاصة. ومن ثم فان النهضة ينبغي أن تكون بمستواها. من هنا استنتاجه المبدئي أو المنهجي عن أن ما يقوم بدراسته ليس "المشاكل التي تخص عام 1948، بل هي من المشاكل التي تخص عام 1367"(3).

بينما الاستناد إلى النفس وتاريخها الثقافي الذاتي ينبغي هو الآخر أن يكون تاريخيا واقعيا. فقد دخل في صيرورة الحضارة الإسلامية، كما يقول مالك بن نبي، عاملان أساسيان وهما كل من الفكرة الإسلامية والإنسان المسلم(4). وما صنعته الحضارة الإسلامية كان يتوافق مع روحها وروحانيتها. أما المهمة الحالية فتقوم في "أن نصنع رجالا يمشون في التاريخ، مستخدمين التراب والوقت والمواهب في بناء أهدافهم الكبرى"(5)، أو ما اسماه بالعناصر الثلاث الجوهرية في بناء الحضارة. ففي العالم الاسلامي أياد وعقول كافية. والمهمة تقوم في التوجيه، اي توجيه الإنسان صوب "دفعة دينية" بحيث "يكتسب بأثرها معنى الجماعة ومعنى الكفاح"(6). أما مضمون أو حقيقة هذه "الدفعة الدينية" فأنها تتطابق في فكر ومواقف مالك بن نبي مع "المبدأ الأخلاقي الايجابي"، اي الذي يتوافق مع مضمون الحضارة الإسلامية بوصفها حضارية مبنية على "أساس المبدأ الأخلاقي وليس الجمالي".  وضمن هذا السياق استنتاجه القائل، بان "الفكرة الافروآسيوية ينبغي أن تؤسس منهجها الأخلاقي على مبدأ ايجابي، وبحيث لا يكون في جوهره دينيا"(7).

تستند آراء ومواقف واستنتاجات مالك بن نبي بصدد القضية الحضارية إلى رؤية منهجية حددت أيضا فكرته السياسية. فهو ينطلق من فكرة عامة تقول، بان "كل تفكير في مشكلة الإنسان هو في النهاية تفكير في مشكلة الحضارة". وبالتالي، فان "مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته. ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها"(8). ويستند هذا الاستنتاج إلى رؤية فلسفية عن التاريخ واسعة الانتشار ومختلفة التفاسير ومتنوعة التأويلات. وضمن آراء ومواقف مالك بن نبي فأنها تهدف إلى إثارة العزيمة والإرادة السياسية الفاعلة استنادا إلى رؤية ثقافية وحضارية عن النفس مبنية على أساس التراث السابق، والواقع المعاصر، ورؤية الآفاق المستقبلية. ومن ثم تحتوي على قدر من التفاؤل العملي الواقعي المبني على أساس برنامج يناسبه في الرؤية المنهجية والتوظيف الفعلي. فهو ينطلق بهذا الصدد من أن "الشعوب تلعب أدوارها، وكل واحد منها يبعث ليكوّن حلقته في سلسلة الحضارات". احدها ينبعث وآخر يزول(9). ذلك يعني أن الحضارة الإنسانية العامة واحدة لها حلقاتها المرتبطة بالأدوار التاريخية التي تقوم بها الأمم المتنوعة. وبالتالي، فان المهمة الحضارية القائمة أمام العالم الاسلامي والعربي هي مهمة تاريخية وثقافية من نوع خاص. من هنا موقفه واستنتاجه العملي بهذا الصدد، والقائل، بان "الاستعمار ليس من عبث السياسيين ولا من أفعالهم، بل هو من النفس ذاتها، التي تقبل ذل الاستعمار". وبالتالي، فان "كابوس الاستعمار لا ينتهي بالكلمات الخطابية". فالسياسة التي تجهل قواعد الاجتماع وأسسه هي "دولة تقوم على العاطفة في تدبير شئونها، وتستعين بالكلمات الجوفاء في تأسيس سلطانها"(10).

ذلك يعني، أن البديل الحضاري ينبغي أن يربط في كل واحد نقد النفس ونقد العقل العملي للغرب الاستعماري، اي نقد فلسفته الحضرية الفعلية وأثرها بالنسبة للعالم الاسلامي والعربي (والافروآسيوي). فهو ينطلق من تفاؤل تاريخي واقعي يستند إلى فكرة قد لا تخلو من الطابع الخطابي لكنها دقيقة، تقول، بان طاقة الشعوب لا تنضب ولا يمكن الوقوف ضدها. ومفارقة الظاهرة بالنسبة للعالم الاسلامي والعربي (والافروآسيوي) تقوم في أن الغرب هو من ساعد على توسيعها رغم سعيه لصدها(11). فقد "برهنت الأحداث التاريخية على عجز الغرب الأوربي الأخلاقي عن أن يحتل مكان القيادة في العالم"(12). وذلك لان الفضائل الأوربية هي "فضائل داخلية أنانية لا إشعاع لها"، وان "العقل الأوربي هو نفسه ذاتي أناني من الوجهة الأخلاقية". وبالتالي، فان "الفضيلة الغربية لا وجود لها بالنسبة إلى العالم، لانها لا تشع على عالم الآخرين. والغربي لا يحمل فضائله خارج عالمه. فخارج الحدود الأوربية لا يكون إنسانا، بل أوربيا"(13). وترتب على ذلك استنتاجه العام القائل، بأنه ليس للحضارة الأوربية "ضوءا أخلاقيا ساميا يكشف لها جوانب المشكلات الإنسانية"، بل أنها "ردت هذه المشكلات إلى المنطق العقلي المجرد"(14). لهذا لا تظهر "المشكلات الإنسانية في العواصم الأوربية". والسبب يقوم في أن العقل الأوربي يعرّيها من بعدها الأخلاقي الإنساني. انه ينظر إليها بمعايير الكمية، أي المصالح الاقتصادية والإستراتيجية(15). ومع ذلك ينبغي النظر إلى هذه الحالة باعتبارها ظاهرة عابرة. وقد شبّه مالك بن نبي الاستعمار الأوربي الحديث "بعربة اليد التي كانت نافعة في أوربا القرن التاسع عشر". غير أن معضلة هذه الظاهرة تقوم في أن الأوربيون مازالوا متمسكين بها لا يريدون الاستغناء عنها(16). ومع ذلك فهي عرضة للزوال، وذلك لان الاستعمار حسب عبارة مالك بن نبي "مرحلة من مراحل التطور الإنساني"، ومن ثم فان "مصيره شبيه بمصير اختراع استنفذ أغراضه وتخلّف بفعل التقدم الإنساني المستمر".

غير أن هذه الإزالة مرتبط بالبدائل التي يبلورها العالم الافروآسيوي على المستوى الأخلاقي والعملي، اي على مستوى الرؤية المنهجية والبدائل المناسبة لها. ووضع ذلك في صورة بيانية قوامها أن من أقام المسارح والمنابر للمهرجين، ومن أشعل المصابيح الكاذبة، ومن جمّل الأصنام ليلحقوا الهوان بالفكرة، هؤلاء كلهم سوف يتهاون أمام "شمس المثالية" التي تعلن قريبا "انتصار الفكرة، وانهيار الأصنام، كما حدث يوم تحطّم هبل في الكعبة"(17). فمرحلة البطولة ودور الأبطال التي مر بها العالم الاسلامي في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين تشرف على نهاياتها. لاسيما وأنها كانت "مرحلة إغفال حل المشاكل التي مهدت للاستعمار وتغلغله". والمهمة المستقبلية تفترض بلورة وتحقيق منهج جديد للرؤية الحضارية. ومضمونه يقوم في أن "كل تفكير في مشكلة الإنسان هو في النهاية تفكير في مشكلة الحضارة". من هنا استنتاجه عن أن "مشكلة الإنسان الافروآسيوي هي في جوهرها مشكلة حضارة". وكما كان الاستعمار في القرن التاسع عشر عنصرا هاما في تعريف الحضارة الغربية، حيث كان يعد صفة مميزة لتوسع تلك الحضارة وأساسا لحركتها ونموها" كذلك تصبح "معاداة الاستعمار وتكمل مؤقتا تعريف الفكرة الافروآسيوية، باعتبارها حضارة"(18).

ولم يضع مالك بن نبي إشكاليات الحضارة البديلة ضمن سياق الصيغ الواسعة الانتشار آنذاك عن تعارض الشرق والغرب ولا ضمن مختلف النماذج الأخلاقية المجردة وما شابه ذلك، بل نظر إليها، كما يقول، باعتبارها "مشكلات عضوية" مرتبطة "بكيفية تشييد بناء قائم على الحقائق النفسية الاجتماعية في هذه البلاد، ومشكلات التوجه القائم على حقائق الوضع العالمي"(19). ذلك يعني أن مشكلة الحضارة بالنسبة للعالم العربي هي مشكلة ثقافية سياسية عملية. من هنا قوله، عن إن المقياس الذي تقاس بها ألوان النشاط الاجتماعي والسياسي هي الحضارة(20). والحضارة بالنسبة لمالك بن نبي هي "مرّكب ثقافي". فإذا كانت وحدة اللغة أو الجنس ضرورية لتكوين امة، فان هذا الشرط ليس محتوما لتكوين حضارة. فالغرب الأوربي على سبيل المثال ليس وحدة عنصرية أو لغوية بل مرّكب ثقافي. ووضع هذه النتيجة في أساس موقفه القائل، بأنه "لكي ترتفع الكتلة العربية الآسيوية من مستوى التلفيق والاصطناع السياسي إلى مستوى مفهوم الحضارة، يجب أن نأخذ بنظر الاعتبار عاملين، عامل الثقافة وإطاره الذي يحيط به"(21). وهذه بدورها هي ما اسماه بالحقائق النفسية الاجتماعية، ومشكلات التوجه القائم على حقائق الوضع العالمي.

من هنا أولوية وجوهرية الثقافة بالنسبة للبديل الحضاري. وانطلق مالك بن نبي من فكرة عامة تقول، بان "حل مشكلات الوجود الفعلية للعالم الافروآسيوي تفترض إلى جانب نموه الداخلي أن يصنع ثقافته الخاصة كيما يحل مشكلاته العضوية"(22). بمعنى أن حل ما اسماه بكيفية تشييد بناء قائم على الحقائق النفسية الاجتماعية، ومشكلات التوجه القائم على حقائق الوضع العالمي أو حامل الثقافة وإطاره الذي يحيط به، يفترض إرساء أسس ثقافة بديلة. ووضع في أساس هذه الثقافة البديلة ثلاثة مبادئ متوحدة هي كل من تصفية العادات والتقاليد البالية حتى يصفو الجو للعوامل الحية الداعية للحياة، وضرورة الفكر الجديد الذي يحطم الموروث عن مرحلة الانحطاط والتدهور، وأخيرا البحث عن وضع جديد للنهضة من خلال تحديد الأوضاع الملموسة. أما الصيغة العملية لبلوغ هذه الغاية فيفترض توحيد الموقف السلبي (النفي الشامل) من رواسب الماضي، والايجابي الذي يربطنا بمقتضيات المستقبل(23). واعتقد أن هذه الحالة قد جرت في أوربا من خلال ما قام به توما الاكويني من تنقية الثقافة الأوربية من الماضي، وما قام به ديكارت من إتيانه بالعناصر الايجابية. وبغض النظر عما في هذه الصيغة من ابتسار وتسطيح لإشكاليات الثقافة والحضارة الأوربية ومسارها التاريخي، إلا أنها تعكس مضمون الرؤية المنهجية والعملية لمالك بن نبي فيما يتعلق بفكرة البديل الحضاري، بوصفه بديلا ثقافيا عمليا وسياسيا محترفا ومتساميا لكي يؤدي مهمته التاريخية. من هنا مطالبته بان تكون الثقافة "حرفية اي من ذوي التخصص وليس للعيش". وذلك لان مهمة الثقافة تقوم في "بناء المرّكب الاجتماعي". وحدد أربعة عناصر فيها طابقها مع ما اسماه بمهمتها التربوية وهي كل من "عنصر الأخلاق لتكوين الصلات الاجتماعية"، و"عنصر الجمال لتكوين الذوق العام"، و"منطق عملي لتحديد أشكال النشاط العام" وأخيرا "الفن التطبيقي الموائم لكل نوع من أنواع المجتمع" والذي يعادل معنى الصناعة حسب تعبير ابن خلدون(24).

تشكل هذه العناصر الأربعة "منظومة" الفكرة المنهجية والعملية للبديل الحضاري. لقد استقاها مالك بن نبي وبلورها من خلال استقراء التجربة التاريخية للنهضة الإسلامية والعربية الحديثة ونتائجها الفعلية. فقد بدأت النهضة بالنسبة للعالم الاسلامي، كما يقول مالك بن نبي، مع تحسسه الأولي من غفلة وثقل السبات الطويل. وبالتالي فهي نتاج عمل دءوب، لكنها في الوقت نفسه "نتيجة خائبة" فيما يتعلق باشتراك الجميع في تحديد الأهداف والوسائل(25). والسبب الرئيسي لهذه النتيجة هو أن المشاريع المتعلقة بالنهضة كانت مبنية لا على أساس تأمل التجربة الذاتية من جهة، ومقترح البدائل المستقبلية من جهة أخرى. فقد كانت في اغلبها أما تقليدا للغرب أو مراوحة ضمن تقاليد بالية. بينما لا يمكن للنهضة الحقيقية الاعتماد على حلول ونماذج من الشرق والغرب، وذلك لان "مشكلاتنا خاصة". ومن ثم ينبغي للنهضة أن تكون بمستواها. من هنا استنتاجه المبدئي أو المنهجي عن أن ما يقوم بدراسته ليس "المشاكل التي تخص عام 1948، بل هي من المشاكل التي تخص عام 1367"(26). بمعنى ضرورة الابتداء بالنهضة الثقافية الحضارية من خلال الأرضية الصلبة للتطور الذاتي. من هنا فكرته عن أن الابتداء في البناء الحضاري أو النهضة يبدأ ليس بالعلوم والعلماء ولا بالإنتاج الصناعي، بل بالمبدأ الذي يكون أساسا لهذه المنتجات جميعا(27). وحصر هذا المبدأ في ثلاثية الإنسان والتراب والوقت، بوصفها أساس البديل الحضاري الفعلي(28). إذ لا يتاح لحضارة في بدء تطورها وإرساء أسسها الذاتية "إلا ذلك الرجل البسيط، والتراب الذي يمده بقوته الزهيد، والوقت اللازم لوصوله. وما عدا ذلك من طائرات وقصور وما شابه ذلك فهي مكتسبات، لا من العناصر الأولية"(29).

بعبارة أخرى، لقد حاول مالك بن نبي إرساء أسس منظومة متعلقة بالإنسان والجغرافيا والتاريخ الفعلي تعمل من خلال البنية الواعية والإرادة المدركة للمهمات الحالية والغايات المستقبلية، أو ما اسماه بالتحرر من بقايا المورث المعرقل للتطور والاتصال بالقضايا المستقبلية. أما وسائلها فهي التي وضعها ضمن فكرة "العناصر الأربعة" وهي كل من الأخلاق والجمال والمنطق العملي والفن التطبيقي. فالعالم العربي يقف أمام مرحلة مستقبلية هي مرحلة البناء الثقافي الحضاري وليس البقاء ضمن "المرحلة الحماسية" أو "المرحلة البطولية". وذلك لان نزعة محاربة الاستعمار لا تصلح أن تكون دافعا ساميا يحرك حضارة ويعطيها مثلها الأعلى، كما يقول مالك بن نبي. وان "القضية ليست أن ننتزع العالم من موجة احتقار الكبار لكي نسلمه إلى حقد الصغار"(30). إن هذه المقدمة الأخلاقية أو العنصر الأخلاقي ينبغي استكماله بالذوق الجمالي. وذلك لان "المقدرة الخلاقة مرتبطة دائما بالانفعال الجمالي"(31). بعد ذلك يأتي دور "العنصر الصناعي". وإن حصيلة هذا التلاقي فقط يمكنه أن يؤدي إلى إحداث نهضة قادرة على صنع حضارة(32). فميزانية التاريخ، كما يقول مالك بن نبي "ليست رصيدا من الكلام ومن عدد الكلمات، بل هي كتل من النشاط المادي، ومن الأفكار التي لها كثافة الواقع ووزنه. وهذه الميزانيات المكونة من صرف النشاط الايجابي هي ميزانيات من القيم الأخلاقية تقوم على فصول الثقافة الأربعة: منهجها الأخلاقي، وذوقها الجمالي، وفنها الصناعي، ومنطقها العملي"(33). وهناك طرق عديدة للوصول إلى هذه الغاية لكن المهم تجنب الطرق الطويلة(34).

شكلت فكرة الطرق الطويلة أو حرق المراحل القضية المركزية للاختيار العملي. بمعنى محاولة الربط بين الرؤية الواقعية والتجريبية العقلانية. فقد كانت محاولات العالم الاسلامي خاصة ومتفاوتة في عمقها بهذا الصدد، لانها لم تكن تستند على نظرية محددة للأهداف والوسائل، وعلى تخطيط للمراحل. من هنا انقسامهم إلى من يدعو إلى إعادة واسترجاع الماضي بالرجوع إليه، وآخر إلى قطع جميع الصلات بالماضي. وكلاهما على خطأ(35). وذلك لان لكل منهما نموذج جاهز(36). أنهم يعتقدون بأنهم ينشئون أساسا متينا للحضارة بكومة من الأشياء المستعارة التي لا تنفع(37). في حين أن "الحضارة ليست كومة من الأشياء المتخالفة في النوع، بل هي كلّ، اي مجموع منسجم من الأشياء والأفكار، بصلاتها ومنفعتها وألقابها الخاصة وأماكنها المحددة"(38). ويقف العالم الاسلامي والعربي أمام ثلاثة أنواع متحضرة يمكنها أن تقدم نماذج للتطور في القرن العشرين وهي: الفرنسي والانجليزي والياباني. بينما تكشف التجربة التاريخية للعالم الاسلامي والعربي بهذا الصدد، انعدام وجود صورة ناطقة واضحة عن أنهما اختارا بالفعل نموذجا. وكل ما جرى ويجري يبدو كما لو انه "ينمو تحت تأثير نموذج غامض فرض عليهما تلقائيا"(39)، بمعنى انعدام الاختيار الحر. فالعالم الاسلامي والعربي لا يمكنه ولا يجب عليه أن يتبع جميع الدروب والمتعرجات على طوال الطريق الذي سلكه الغرب، فليس لديه من القرون مثل ما كان لنموذجه، كما يقول مالك بن نبي. وعليه توصل إلى استنتاج نهائي بهذا الصدد يقول، بان العالم الاسلامي والعربي ملزم "باقتباس طرق التاريخ المختصرة التي لم تقتبسها الحضارة الغربية"(40). أما الصيغة العملية لبلوغ ذلك فأنها مختلف ومتنوعة ولكنها ينبغي أن تستند إلى ما اسماه بنظرية الإنسان والتراب والوقت وعناصر الارادة العقلانية الفعالة في كل من المنهج الأخلاقي والذوق الجمالي والفن الصناعي والمنطق العملي.

 

ميثم الجنابي

..................

(1) مالك بن نبي: شروط النهضة، دار الفكر، دمشق، 1986، ص50.

(2)  مالك بن نبي: شروط النهضة، ص58.

(3) مالك بن نبي: شروط النهضة، ص48.

(4)  مالك بن نبي: شروط النهضة، ص66.

(5)  مالك بن نبي: شروط النهضة، ص75.

(6)  مالك بن نبي: شروط النهضة، ص77.

(7)  مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، دار الفكر، دمشق، ط3 2001، ص146.

(8)  مالك بن نبي: شروط النهضة، ص19.

(9)  مالك بن نبي: شروط النهضة، ص20.

(10)  مالك بن نبي: شروط النهضة، ص31.

(11) مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص43.

(12) مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص43.

(13) مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص43.

(14) مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص45.

(15) مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص45.

(16) مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص50.

(17)  مالك بن نبي: شروط النهضة، ص18.

(18)  مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص138.

(19)  مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص130.

(20)  مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص130.

(21)  مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص131.

(22)  مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص131.

(23)  مالك بن نبي: شروط النهضة، ص80.

(24)  مالك بن نبي: شروط النهضة، ص87.

(25) مالك بن نبي: شروط النهضة، ص40.

(26) مالك بن نبي: شروط النهضة، ص48.

(27) مالك بن نبي: شروط النهضة، ص50.

(28)  مالك بن نبي: شروط النهضة، ص50.

(29)   مالك بن نبي: شروط النهضة، ص60.

(30)  مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص147.

(31)  مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص151.

(32)  مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص152.

(33)  مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص153.

(34)  مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص154.

(35)  مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ، ص83.

(36) مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص87.

(37) مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص84.

(38)  مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص84.

(39) مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص89.

(40) مالك بن نبي: الفكرة الأفريقية الآسيوية، ص89.

 

 

بنو إسرائيل: بنو اسرائيل هم الاسباط من ذرية يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم عليهم السلام جميعا . وهم اثنا عشرة سبط (يوسف او منسى – ابنه -، بنيامين، لاوي، روبين، يهودا، شمعون، زبولون، ياساكر، دان، نفتالي، جاد، عشير) .

ان مجتمع بني اسرائيل كان مجتمعا موحدا لله، خاضعا لتعاليم دين ابراهيم الخليل . لكن القرآن الكريم يكشف لنا ضعف النفس الانسانية في ذلك المجتمع – مع ايمانها -، وكان الداء الاول الذي تسبب في انهيار هذا المجتمع لاحقا هو (الانا) . حيث تنافس ابناء النبي يعقوب في التقرب الى ابيهم والحظوة عنده، فسوّلت لهم نفسهم قتل اخيهم النبي (يوسف الصدّيق) . وهذا الامر يثير فينا تساؤلا اكبر : كيف كان تعاملهم مع الاخرين من بني اسرائيل الذين لم يكونوا من ذرية يعقوب النبي ؟!، {اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ }يوسف9، {قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ }يوسف10، وكما هو واضح لم تكن نفوسهم خالية من الايمان ابداً، بل نراهم خلف هذه الآيات قوما مؤمنين تدغدغهم (الانا) .

ان (الانا) التي توّلدت في ذلك اليوم جعلت من بني اسرائيل مجتمعا (مغلقا) في الغالب، وهذا ما يتعارض مع مبدأ هجرة الهداية الابراهيمية . ومع ذلك كان ليوسف ان يصل الى مراتب دنيوية عالية بالاضافة لمقامه في الاولياء، وقد كاد الله له من خلال وصوله الى ارض مصر في زمن الهكسوس، (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

[الجزء: ١٢ | يوسف (١٢)| الآية: ٢١]، وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ

[الجزء: ١٣ | يوسف (١٢)| الآية: ٥٤]، قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ

[الجزء: ١٣ | يوسف (١٢)| الآية: ٥٥] .

لكن رغم ذلك كان لوجود اسحق ومن بعده يعقوب دورا هاما في التأثير الاخلاقي والسلوكي على المجتمعات المحيطة، التي رأت في المجتمع الاسرائيلي الاول مجتمعا صالحا، يختلف عمّا رأته من مهاجرين سابقين .

ان مساهمة اسحق في حفر الكثير من الآبار في الارض الكنعانية، وفتحها امام كل الاقوام اوجد تصورا آخر لدى الاقوام المحيطة بالمجتمع الابراهيمي، يقوم على اساس المقارنة بين الصالحين والطالحين من قادة الاقوام المتجاورة، وشكّل سهما مهما في نظرية تولي الصالحين للقيادة .

ان المجتمع الفرعوني المصري كان يشكل اخطر العقبات التي تواجه نشر العقيدة الايمانية الابراهيمية، لان ذلك المجتمع كان في الواقع يتعبد بالشريعة السحرية، ويمارس طقوس السحر الاسود، لذلك كان بحاجة (الهجرة الايمانية)، التي تزيل عنه الدنس وغبار الاوثان، وتوقظه من غفلة الجهل بالرب الحقيقي . لذلك كان على بني اسرائيل ان يهاجروا، وسنة الهجرة البلاء، فحدث القحط في كنعان، وتوجه اخوة يوسف الى ارض مصر كباقي الاقوام المحيطة، فعرفهم يوسف، وخطط لتنفيذ مهمة الرب، ونجح عبر استغلال (دين الملك) ان يثبت حقوقه التي صادرها القريب قبل البعيد، وتاب اخوته، فطلب الى الملك الهكسوسي ان يستقدم بني اسرائيل الى مصر، فرحب الملك باولياء الله من آل يعقوب، واسكنهم احسن ارضه، واكرم مثواهم .

كان يعقوب النبي يستشرف المستقبل ويدرك القادم، وهو يعلم مقدار تأثير سحر المعتقدات الفرعونية في حال انهار الهكسوس وعاد الفراعنة للحكم، لذلك جمع بنية واوصاهم وبيّن حقيقة الرب الخالق، لماذا ؟، فهي خطوة قلّما فعلها احد الانبياء، ذلك انه ادرك مقدار الشبهة التي سيوجدها مفهوم الرب الفرعوني على العقل الاسرائيلي .

{ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (القرآن الكريم : البقرة، 127 – 134)

لكن من الطبيعي ان يدفع المجتمع الاسرائيلي ضريبتين عند انتصار الفراعنة على الهكسوس، الاولى لأنهم كانوا موحدين يدينون بعقيدة تجرّم عقيدة الفراعنة، والثانية لأنهم كانوا جزءاً من المجتمع الهكسوسي ذاته .

كان الفراعنة هذه المرة اقوى لسببين انهم عرفوا العربة الحربية من الهكسوس وانهم اسقطوا اهم القوى المنافسة في المنطقة، فكان على بني اسرائيل (يعقوب) ان يدفعوا ثمن علاقتهم بالهكسوس،فاستعبدهم الفراعنة واذلوهم .

توفرت في بني اسرائيل صفتان مهمتان يحبهما الشيطان هما : (الانا) و (امراض الاستعباد النفسية)، فتأثروا كثيرا بالمجتمع الفرعوني المصري ووجد البعض فيه ضالتهم،وكذلك وجد الشيطان جنودا ورجالا كان يبحث بجهد عن مثلهم .

ان العالم الجديد الذي يخدم رغبات الشياطين هو القائم على تحالف الفرعون وهامان وقارون، وهو ثلاثي كان فيه فرعون هو السلطة المتواصلة مع العالم الآخر، وهامان هو الاداة التنفيذية والعلمية، وقارون هو الكيان المادي الشره للمال والثروة واللذات . لقد تم اختيار قارون لهذه المهمة لاسباب ذاتية وموضوعية، فهو يحمل خصائص (الانا) التي انحدرت بالمجتمع الاسرائيلي، كما انه عنصر داخل المجتمع الايماني المعادي للمجتمع الفرعوني، وهو ايضا قريب من العائلة الابرز والاهم في مجتمع بني اسرائيل الموحد، هو اذاً ابن المجتمع الديني والمرجعية الدينية لمجتمع بني اسرائيل .

قال تعالى : (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين (76) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77))

(فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون (80)) (القصص).

لقد كان قارون احد اهم الاسباب لاختراق المجتمع الايماني الاسرائيلي، وقد كان تملكه من قبل الشيطان هو الباب الذي خرج منه المئات بل الآف الذين يحملون صفة قارون في المجتمع اليهودي المعاصر، والذين يؤدون ذات الدور .

من لطيف الروايات التي تربط اساليب القارونيين قديما باساليبهم حديثا هي : (عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : لما أتى موسى قومه أمرهم بالزكاة، فجمعهم قارون فقال لهم : جاءكم بالصلاة وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، فتحملوا أن تعطوه أموالكم . فقالوا : لا نحتمل أن نعطيه أموالنا فما ترى ؟ فقال لهم : أرى أن أرسل إلى بغي بني إسرائيل فنرسلها إليه، فترميه بأنه أرادها على نفسها، فدعا الله موسى عليهم فأمر الله الأرض أن تطيعه، فقال موسى للأرض : خذيهم . فأخذتهم إلى أعقابهم، ...) (المستدرك على الصحيحين) .

وكانت الفترة بين نزول يعقوب مصر وظهور موسى عدة قرون، تغير خلال ذلك المجتمع الاسرائيلي بصورة كبيرة و انحرف، الا انهم لازال فيهم الكثير من المؤمنين، ولازالوا المجتمع الايماني الاكبر في العالم، فكان من الضروري ان يستنقذهم الله من براثن فرعون وهامان وجنودهما ويريهم ويري بني اسرائيل من آياته،فبعث فيهم موسى عليه السلام،الا ان مهمة موسى كانت صعبة ومضاعفة، لانه سيواجه فرعون ومن خلفه الشياطين، وكذلك عليه ان يبين لبني اسرائيل حقيقة ما يجري، لأنّ العقائد المصرية الفرعونية اقترنت بالسحر وكانت معقدة جدا، لذلك انبهر لها طائفة كبيرة من بني اسرائيل في ظلّ غياب الجو الاجتماعي المناسب .

كتب الباحث محمد حسن المبارك ما نصه : (لا شك أن بني اسرائيل خلال وجودهم في مصر تأثَّروا كثيرا بالثقافة الوثنية التي كانت سائدةً هنالك، إلاَّ أنهم و بعد خروجهم من مصر استرفدوا الكثير من المعطيات الوثنية لدى المصريين القدماء، محاولين بذلك إدخاله على دينهم اليهودي الذي اختلطت به وثنيات و أساطير كثيرة، فقد عرفوا تقاليد كابالا المصرية القديمة ونقلوها من جيل إلى جيل كتعاليم شفوية .

فالحضارة الفرعونية المصرية تعد من أقدم الحضارات الإنسانية، وكان الفراعنة على رأس السلطة،حيث يحكمونها بمطلق القسوة و الدكتاتورية، ثم يأتي فريقان مهمان كانا يحيطان بفرعون، وهذان الفريقان هما "الملأ" المذكور في القرآن الكريم . و هما:

ـ الجيش والذي يمثل القوة المادية لفرعون.

ـ السحرة أو الكهان، و الذين كانوا يمثلون الفكر والفلسفة التي يعتمد عليها فرعون، مع اشتغالهم بالسحر أيضاً و تأديتهم لطقوس سحرية معينة من السحر الأسود، بالإضافة إلى اشتغالهم ببعض العلوم الطبيعية كعلم الفلك والرياضيات والهندسة .

و قد تكونت خلال هذه الحضارة الطوطمائية قاعدة هائلة من الثقافة السحرية السوداء، وقد انتقلت تلك الثقافة تدريجياً الى بني اسرائيل من خلال إقامتهم عدة قرون في مصر، و تشكَّلت في تعاليم كهنوتية و فلسفية و سحرية عُرفت في التاريخ اليهودي فيما بعد بثقافة الكابالا، و التي قاموا من خلالها بنقل التراث الوثني لمصر القديمة إلى الأجيال الأخرى ...) .

لقد كانت بعثة موسى ضرورة تحتمها الحاجة الواقعية المركبّة، حيث الطغيان الفرعوني وشريعته المعقدة السحرية، وكذلك الانبهار الذي عاشه المجتمع الاسرائيلي امام هذه القدرات المادية الخارقة لهذه الشريعة . فالمجتمع الاسرائيلي عانى ضغطاً نفسياً وفاقة للمادة، بسبب الاستعباد والاستغلال الفرعوني، لذلك صار معيئاً في جزء واسع منه للدخول في عالم المادية الظلموتية .

بعث الله تعالى موسى كسفينة يركبها من يريد النجاة من بني اسرائيل، وكذلك كدليل يري فرعون وجنوده وملأه وشعبه انّ القدرات الخارقة لشريعة الفراعنة ليست حكراً عليهم، ولا تعني انّ المنتج لها اله، لكنها تلاعب بفيزياء الطبيعة، التي أوجدها الخالق الأكبر، وهو الله جلّ شأنه .

من هنا كان لموسى مهمة كبيرة، تدعمها المعجزات الكبرى، الموافقة لما عليه ذلك المجتمع من اعتقادات وممارسات، لكنها في الطرف الاخر الصالح . وقبل خروج موسى بشعب بني اسرائيل ومن معهم اظهر امام الملأ الحقيقة كاملة .

[ وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتابَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الجزء: ١ | البقرة (٢)| الآية: ٥٣]، [ ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتابَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِّكُلِّ شَىْء وَهُدى وَرَحْمَة لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [الجزء: ٨ | الأنعام (٦)| الآية: ١٥٤]، [ كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بآياتنا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ [الجزء: ٣ | آل عمران (٣)| الآية: ١١] .

وفي سورة يونس : (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِين) .

وفي سورة الاعراف : (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُون) .

وهذه الآيات من سورة الاعراف القرانية كاشفة عن عدة نقاط :

١ - جهل فرعون بحقيقة اله موسى، واختلاط اللاهوت في ذهنه، نتيجة للتلاعب التاريخي الكبير الذي اصاب عقيدة التوحيد والخلق في مصر .

٢ - إيمان المصريين بالسحر تماما، لذلك جعلوا كلّ أية خارقة يرونها فرعاً عن السحر، وبالتالي استخدموا لمواجهة موسى كبار السحرة في مجتمعهم .

٣ - انّ السحرة لم يكونوا يمارسون طقوسهم دجلا، بل كانوا يَرَوْن ما يفعلون جزءاً من شريعة صادقة تربطهم بالإله، لذلك آمنوا عند اللحظة الاولى التي اكتشفوا فيهم انهم كانوا مخدوعين، وحين عرفوا حقيقة وجود عوالم كانت تؤثر فيهم، وانّ الله الخالق اكبر من ذلك كله .

٤ - انّ المادية وحبّ الملك والدنيا طغت في نفس فرعون، ما جعله في هستيريا منعته من اتبّاع رأي المختصين - السحرة -، وصار يتوعد بالقتل والابادة .

٥ - انّ المنتفعين من ملأ فرعون واصحاب رأس المال والنفوذ كانوا يريدون إبادة كل الذي يتعلق بموسى قبل انهيار منظومتهم النفعية .

٦ - كان على المجتمع المؤمن ان يمرّ بابتلاءات وامتحانات متعددة، تستلزم الصبر والاستعانة بالله الخالق .

٧ - وهي نقطة مفصلية، حيث كشفت الآيات انهيار النفس الإسرائيلية في بعض جوانبها، نتيجة الضغط والمادية، وبالتالي تذمّرها، وبداية الانشقاق داخل المجتمع الإيماني التوحيدي . لذلك جائت الآيات اللاحقة من سورة الاعراف لتعرّفنا مدى المادية والتشوه الفكري والعقائدي الذي اصاب هذا المجتمع : (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِين) الأعراف .

ولسنا بحاجة الان لمعرفة حقيقة عقيدة (العجل) ومن أين جاء بها بنو اسرائيل، بعد ان عرفنا عمق هذه العقيدة في الديانة الفرعونية القديمة . ومن هنا وَمِمَّا سبق نعرف مدى تأثير الحضارتين السامية والفرعونية إحديهما في الاخرى، وبالاتجاه المعاكس .

لكن مع ذلك فالمجتمع الاسرائيلي تضعضع وانشقّ، لكنّه لم ينحرف بالكامل، بل ربما بقيت الأغلبية على ايمانها في الجملة . الا انّ الملاحظة المهمة هو انّ الانحراف دبَّ في الكهنوت الرجالي الاسرائيلي، حيث كان صاحب بدعة (العجل) احد مساعدي موسى ذاته، وهو (السامريّ)، (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ) كما في سورة طه . لكنّ موسى مع ذلك لم يكن شديداً في مخاطبة السامريّ، ربما لانه من اصحاب التاريخ الكبير في حركة بني اسرائيل (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) كما في نفس السورة السابقة .

المرحلة اليونانية

وحّد الإغريق بين الآلهة المصرية (نخبت) وآلهتهم (اليثيا) تحت اسم (اليثياسبوليس)، وهو الاسم الذي أطلقوه على مدينتها (نخب)، وكذلك كانت سجيتهم مع باقي الآلهة المصرية، حيث ورثوا تقريبا تلك الديانة، لكن بمسمّيات تناسب اللغة اليونانية . ويرى بعض الباحثين ان العصر اليوناني أراد الامتزاج بمصر القديمة، لا بمصر التي سبقته مباشرة، لذلك حاول تقليد الاولى في رسوماتها ونحتها وفي مقابرها . ولقد ولدت أشهر الملكات المصريات - مع حشبسوت - وهي (كليوباترا) في مقدونيا اليونانية، وتلقت تعليما رفيعا هناك، لكنّها حكمت مصر . انّ المثير في ذلك التداخل بين الإغريق والمصريين هو القبول اليوناني لعقائد المصريين الدينية، في مقابل انهيار الفلسفة الاخلاقية المشهورة لليونانيين . حيث انّ اليونان قبيل الميلاد لم تعد تحمل من سمات الفلاسفة الكبار الا الذكرى، حتى انها صارت مطمعاً للغاليين البرابرة . فيما أصبحت في فوضى سياسية ضخمة .

انّ تغلغل الديانة الفرعونية داخل الكيان البطليموسي اليوناني في مصر والذي ترافق مع التغلغل البطليموسي فكرياً في ارض اليونان خلق فيما يبدو جليًّا فوضى اجتماعية، ساعدت في نموها الفوضى المحيطة ببلاد اليونان ذاتها . لكنّ هذه المرحلة كانت المقدمة لميراث جديد هو الأمّة الرومانية .

انّ النفوذ والممازجة اليونانية لم تكن وليدة العهد البطلمي وحسب، بل ابتدأت من قرون اسبق، ربما كانت ابعد من القرن السابع قبل الميلاد، منذ عهد الاسرة السادسة والعشرين . حيث اعتمدت القيادات المصرية المتنافسة على الجنود المرتزقة، وكان اليونانيون من اهمهم .

فيما يرى (هيرودوت) انّ المصريين هم اوّل من استخدم اسماء الآلهة الاثني عشر الذين قدّسهم الإغريق، وهم اوّل من تنبّأ بطالع ميلاد الشخص كذلك، وأوّل من استحدث لقاءات ومسيرات احتفالية وعلَّم الإغريق إياها . وبذلك فهيرودوت يرى انّ كلّ مقدّس يوناني يرتبط بأصل مصري . ولا حاجة لبيان انّ تلك المقدسات المصرية ربما لم تكن في جذورها وثنية، كما انها لم تكن دائماً مصرية، وربما لم يعي هيرودوت انّ الكثير منها ربما دخل بلاد الإغريق من طريق اخر .

 

mutham aljanabiالفرضية التي أحاول البرهنة عليها تقوم في ان الاستعجال بما يسمى بالاستفتاء من اجل الانفصال عن العراق هو بأثر الخوف من الحساب المستقبلي الشديد للبرزاني والبرازانية والحركات القومية الكردية بشكل عام. وسوف تكشف الأحداث والوثائق والمحاكمات ما بعد القضاء التام على داعش الإرهاب والسياسة، وهو أمر حتمي ومحسوم، عن دور البرزاني والأكراد، إلى جانب قوى أخرى عالمية وإقليمية، في الغزو الداعشي للعراق، من اجل إدامة حالة الفوضى والتحلل فيه. وما ترتب عليه من "صيد ثمين" متمثلا بالاستيلاء على الأراضي العراقية الأخرى خارج "الإقليم"، شأن داعش. فقد عمل كلاهما على السرقة والابتزاز، اي بنفسية وذهنية العصابة.

ان سلوك البرزاني والقوى الكردية جميعا، كشف عن انعدام الوطنية العراقية، بل على العكس. نراه يعمل جهد الإمكان من اجل إضعاف الدولة والسلطة السياسية. وهنا ظهرت عبارة "حدود الدم". وما اخذ من الأراضي لن يجري إرجاعه إلى الدولة العراقية، اي إننا أمام قوى ليست عراقية ولا علاقة لها بالدولة العراقية، اي عصابات بكل ما للكلمة من معنى. الأمر الذي يترتب عليه معاملتها على هذا الأساس بعد القضاء النهائي على داعش. بمعنى معاملتها معاملة داعش، بل وأقسى واشد. لان داعش عدو علني، بينما هذا معك في الوطن والدولة والسلطة والثروة! وهذا معنى الخيانة.

ان هذه المقدمة تستخرج في اغلبها مما توصلت إليه في مجرى دراسة حالة الأكراد والحركات القومية الكردية من استنتاجات واقعية ودقيقة وهي

• ان الكرد شعب ليس عراقيا.

• ان أصولهم من المناطق الشمالية الغربية من إيران والمتاخمة لدول القوقاز.

• ان دخولهم الأراضي العراقية والعيش فيها جرى على شكل دفعات زمن السلطنة العثمانية في مجرى القرون الثلاثة الأخيرة.

• ان كافة الأراضي التي يطلق عليها اسم كردستان هي أراض عراقية أصيلة كان يقطنها الآشوريين، ليس داخل العراق الحالي بل وداخل تركيا الحالية أيضا. (وأنا أرى ضرورة العمل من اجل إرجاع الآشوريين إلى أراضيهم المسروقة من جانب الأكراد. ان رجوع الآشوريين إلى أراضيهم يعني الرجوع إلى عراقهم، فهم عراقيون بالأصل، بينما الأكراد ليسوا عراقيين، فالعراقي لا ينفصل عن عراقه، وهم يصرحون بذلك دوما).

• ان اسم كردستان ليس كرديا بل تركيا، أطلقه السلاجقة في القرن الثالث عشر على المنطقة التي تسمى اليوم أيضا كردستان في إيران

• ان اسم كردستان حديث في العراق، قبل عقود فقط، بأثر تلاحم أفكار "القوميين" الأكراد والشيوعيين العراقيين(أقرء أيضا الأكراد).

• ان احتلالهم التدريجي لبعض مناطق الشمال العراقي جرى بأثر تهجير الآشوريين والقضاء عليهم لأسباب سياسية وحربية ودينية من جانب الأتراك العثمانيين وبمعاول الارتزاق الكردي، إضافة إلى أسباب اجتماعية واقتصادية مثل الهروب من الأغوات والفقر المدقع والمجاعات شبه الدائمة.

• ليس للأكراد وجود في كركوك إلا بعد ثلاثينيات القرن العشرين، بأثر اكتشاف وأهمية النفط. بحيث تحولت كركوك إلى منطقة استقطاب "المساكين"(الأكراد) للعمل فيها في مجال الأعمال الرثة، بل ونرى انتقالهم إلى وسط العراق وجنوبه والاشتغال بالأعمال الرثة، اي التي لا تحتاج إلى تأهيل مهني مثل الحمالة والإسكافية.

• العراق هو الذي جعل من الأكراد قوما وشعبا لحد ما بالمعنى الحديث للكلمة، وإلا فأنهم معاشر قبلية.

• ليس للأكراد تاريخا قوميا ذاتيا ولا وعيا تاريخيا، من هنا فساد وهشاشة "الفكرة القومية".

• انعدام تاريخ الدولة، من هنا محاولة التشبث بكل قشة من اجل "إعلان الدولة". فالأكراد لم يعرفوا الدولة بالمعنى الدقيق للكلمة. وليس مصادفة على سبيل المثال ألا يعلن التركمان أية مطالب أو مساع عن الحكم الذاتي والدولة وما شابه ذلك في العراق رغم إنهم أقدم واعرق من الأكراد بأكثر من ألف سنة، ولهم فيه دويلات ومآثر، وذلك لان لهم مركزهم القومي والتاريخي والثقافي والسياسي(تركمانستان الحالية) بينما لا شيء عند الأكراد لا قديما ولا حديثا، شان الكثير من الأقوام. من هنا ترديدهم الفج والغبي عما يسمى بتشكيل بريطانيا للعراق الحديث وحدوده الدولية، التي كان يقول بها الشيوعيين بغبائهم المعروف بهذا الصدد. وهو قول صحيح ولكن ليس بالمعنى الذي تقصده ببغاوات الأحزاب وما يسمى بالقوى السياسية الكردية. ان جغرافيا العراق الحالية هي ليست جغرافيته التاريخية الثقافية السياسية، أنها اصغر ومقطوعة ولا وجود للأكراد فيها بالمعنى الاجتماعي والثقافي والسياسي. من هنا انعدام أثرهم الفعلي بالنسبة للعراق وسوريا. وليس تكالبهم العنيف الحالي المخلوط بالاستعداد للخيانة والعمل كمرتزقة تحت القيادة الأمريكية الحالية والمجاهرة بالتحالف مع إسرائيل سوى احد الأدلة الدامغة. الأمر الذي يجعل من الحركات الكردية حركات مخربة وتخريبية وخطرة.

• الأكراد قوة ضعيفة ذاتيا، من هنا استعدادهم للارتزاق، وهو أمر جلي يمكن رؤيته في تاريخ المنطقة ومفاصلها. وتأصله في سلوك "القيادات السياسية والقومية" الأمر الذي جعل منها مطيات للارتزاق والخدمة في مجرى صراعات الدول في المنطقة. وتبرز هذه "الخصال" في الحالات التي تتعرض فيها الدولة للضعف أو الانهيار بأثر أسباب داخلية أو خارجية، بينما القوى الوطنية ترمي بكل ثقلها في مثل هذه الظروف للحفاظ على وحدة المجتمع والدولة.

• أنهم أول من يهرع للاحتماء بأية قوة خارجية كانت حالما تحين الفرصة، والسبب هو ضعفهم الذاتي التاريخي والطابع البدائي للفكرة القومية وهيمنة النفسية العنصرية الجبلية والقبلية.

• كل ذلك يبرز في محاولاتهم "بناء دولة" بمساعدة الأجنبي (مهاباد في إيران بالدعم السوفيتي) والآن في العراق بأثر احتلال العراق والدعم اليهودي الصهيوني (وفِي كلتا الحالتين ستتعرضان إلى الفشل) إضافة إلى "دول" عابرة وسريعة في أذربيجان وغيرها. وهي على العموم ليست دولا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل إمارات جبلية، أي دولة قرية وليس مدينة..

كل ذلك يقدم الأساس للاستنتاج القائل، بانعدام معنى وجودهم في العراق، كما ان العراق ليس بحاجة إلى قضية كردية، بل وحتى إلى أكراد. ان قوما لا يريد العيش معك فلا معنى للعيش معه. ولا يمكن تصحيح هذا الخلاف. فقد أدخلت "القيادات السياسية" الكردية الأكراد في مضيق الفكرة القومية المزيفة. اذ ليس للأكراد فكرة قومية ولا يمكنها ان تكون. فاستتباب الفكرة القومية وتأسيسها يفترض في البداية الانتقال من حالة المعشر إلى القوم ومنه إلى الشعب وبعدها يمكن النضال من اجل القومية في ظل وجود دولة وجغرافية محددة. وهذا كله معدوم. فالعالم العربي له دوله وجغرافيته السياسية وتراثه العميق والعريق في صنع القومية والأمة والإمبراطوريات والثقافة الكونية، لكنه عاجز لحد الآن بعد تحلل مراكزه السياسية الثقافية عن إعادة اللحمة القومية بمعايير الدولة والمؤسسات. أما بالنسبة للأكراد فهذا اقرب إلى المستحيل، إلا من وجهة نظر الوجدان البسيط أو الغباء السياسي. وهي الصفة السائدة عند "السياسيين" الأكراد و"مثقفيهم".

والسؤال الواقعي حول كل هذه "الطبخة" السياسية والدعائية المفتعلة للبرازانية في الظروف الحالية التي يمر بها العراق، هو لماذا يصر البرازاني على الاستفتاء والانفصال؟

الجواب هو ان البرازانية على الدوام حركة انفصالية جبلية عائلية قبلية. ومن ثم تباع وتشترى ومستعدة للخيانة لانها ليست حركة اجتماعية سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة. وتاريخ العائلة وشخصية الأب ملا مصطفى البرزاني هو زمن مزيف ومفتعل لشخصية عادية جدا ولا تخلو من خفة وسفاهة. ويمكن الرجوع إلى ما كتبه بريماكوف في مذكراته بهذا الصدد. 

أما الوزن المفتعل للأكراد والبرزاني بعد الغزو الأمريكي فقد كان نتيجة احتلال وليس نتيجة حالة ذاتية. ونحن نعرف كل حيثيات هذه الظاهرة ما قبل الاحتلال وبعده. فقد قضت الدكتاتورية الصدامية على الحركة القومية الكردية المسلحة وتمردها بصورة نهائية في غضون أيام أو سويعات. وهكذا هو الأمر على الدوام في حال المواجهة العسكرية مع الدولة العراقية حالما تكتمل وتتكامل، أيا كان شكل نظامها السياسي.

فالأكراد قوة جبلية اطرافية تسعة بالمائة من عدد السكان، أي قوة صغيرة جدا بالنسبة للعراق، دون التقليل من نوعية البشر والأقوام. فالحديث يجري هنا عن صراع سياسي للدولة وليس عن تقييم الأقوام والشعوب.

فالسرقة الجائعة ما بعد الاحتلال أدى بالأكراد إلى الانتفاخ الهائل، الذي أعطى لهم وزنا يتجاوزهم وزنهم الحقيقي في العراق عشرات ان لم يكن مئات المرات. وهذه خطيئة ومجازفة ومغامرة بنفس الوقت. ولم يكن ذلك معزولا أساسا عن طبيعة النخبة السياسية العربية الضعيفة والهشة آنذاك ورذيلة الصراع السني الشيعي، وانحلال الدولة ومؤسساتها رغم طابعها الخرب. أما الآن فالصراع من اجل الدولة والأمة، وإعادة بناء القوة الذاتية سوف يجعل من القوى السياسية والعسكرية (الكارتونية) للأكراد لا شيء مقابل القوة العراقية.

فما قبل تدمير داعش العراقي، الذي هو صناعة برازانية أمريكية صهيونية سعودية قطرية، لم تكن هناك أية دعوة للاستفتاء والانفصال، لانها كانت مفيدة لسرقة الأرض. فالقوات العراقية والعراقيون مهتمون ومنهمكون بتحرير العراق من قوى التخلف والهمجية. بينما سيستعيد العراق الأراضي المسروقة، لأنه سوف يتعامل مع من سرقها كسارق لا غير، ومن ثم سيسحق الحركة الكردية وخونتها بصورة تامة هذه المرة. سوف لن يحولها إلى ورقة كما كانت على الدوام بل إلى وقود تحريك العراق والقضاء على كتلة الرذيلة والخيانة عند الجميع والكردية بشكل خاص والبرازانية بشكل اخص.

فحالما تنكشف مؤامرة البرازاني مع داعش، عندها سيتحول إلى مجرم متهم بخيانة الدولة وليس الوطنية، لأنه لا وطنية عراقية عند الأكراد، لأنهم ليس شعبا عراقيا ولهذا أيضا لا اندماج حقيقي لهم فيه وبه. وعندها سيجري حساب شديد له باسترجاع كل ما جرى نهبه إضافة إلى القضاء التاريخي الشامل على البرازانية ومختلف مظاهرها العلنية والمستترة في العراق. من هنا يمكن فهم هذا الإصرار الآن على استفتاء الانفصال، اي استباق الزمن من اجل الحفاظ على المسروق! وهذه حيلة كردية تعكس الدهاء الغبي والبليد للبرزاني. الأمر الذي يجعل من الضروري القول، بأنه لا ينبغي التفاوض مع الخونة. والمهمة الأولية بعد تنظيف العراق من داعش الإرهاب والسياسة، تقوم في تحرير أربيل والقضاء على التشكيلات العسكرية الكردية داخل الدولة. ونقل البرزاني وزبانيته ومن على نهجه إلى بغداد للمحاكمة، وتصفية أية مقاومة بصورة تامة. فالدولة بحاجة إلى الإفراط بالقوة أحيانا في بعض مفاصل تطورها حفاظا على أرواح الأغلبية المطلقة، والاستقرار السياسي، والتأسيس للمستقبل.

ان البرازانية وقياداتها وأتباعها ومن هو خاضع لها، قوى جبانة، والقضاء عليها وسحقها فضيلة بمعايير المستقبل، كما أنها مهمة ليست معقدة وليست صعبة بالنسبة للعراق الآن. فالقوى السياسية الكردية ليست سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة، بل حزبية وقبلية وعائلية وجبلية. والسياسة بالنسبة لها مراوغة ومؤامرة. الأمر الذي يجعلها أكثر واقعية أمام القوة. وهذه نفسية وذهنية أهل الجبل في كل مكان. ومن تتبع، على سبيل المثال، حالة الصراع بين الشيشان وروسيا يستطيع فهم هذه الحالة، مع الفارق الكبير بين الشيشان والأكراد، اي فارق الفروسية والارتزاق.

ان الكردي يعاني من إشكالية ثقافية نفسية فيما يتعلق بالأقوام التي يعيش معها أو بالقرب منها. ولا يمكن تذليل هذه العقدة ما لم يجر تذليل نفسية وذهنية الجبل. والكردي يقول بان لا صديق له غير الجبل. الأمر الذي يضع أمام العراق الحالي والمستقبلي مهمة إرجاع الأكراد إلى حاضنتهم التاريخية، أي إلى الجبل، بوصفه صديق الروح والجسد في حال استحالة تذليل هذه النفسية والذهنية. والمهمة الأولى تقوم بإرجاع القوات المرتزقة الحالية (البيشمركة) إلى حدود ما قبل الغزو الأمريكي ثم تفكيكها اللاحق باستعمال مختلف الأساليب الاقتصادية والسياسية والقانونية. وإذا استحال ذلك فعبر استعمال القوة. وهذه مهمة لا تحتاج إلى دعوات وطلبات وما شابه ذلك. أنهم يفهمون هذه اللغة على أنها دليل ضعف، لهذا من الضروري استعمال لغة الإنذار والقوة العسكرية المفرطة. بعدهما من الضروري إعادة إحكام السيطرة على الحدود والقضاء التام على أية حركة تمرد عسكري أيا كان مصدره وشكله ومستواه. وبدون ذلك سوف تنمو نفسية وذهنية الارتزاق ومن ثم الخيانة الدائمة، اذ لا صديق للكردي غير الجبل. بمعنى انه لا مجتمع ولا دولة ولا قيم حديثة تحكم سلوكه بوصفها مرجعيات جوهرية للبدائل. وتجربة العراق الحديثة دليل على ذلك. فقد كان القادة الأكراد مستعدين لتقبيل حذاء صدام بلا مقابل! بينما نرى سلوكهم المشين في السرقة والخيانة و"الاستعلاء" بعد ان ضمن لهم العراق (الشيعي) ما لم يكن يحلموا به. لقد كانت ميزانية الأكراد زمن صدام 11 مليون دولار، بينما يدفع العراق الحالي 11 مليار دولار غير السرقة المتنوعة والامتيازات التي يتمتع بها أكراد السلطة مثل رئاسة الدولة (وهو خزي بالنسبة لي لانها ليست مبنية على أساس انتخاب عراقي عام) ووزراء ونواب وسفراء ومدراء اغلبهم لا يستحق وظائف عادية جدا. وقد قالت المتصوفة، من باب الحكمة العقلية، بأننا لا نطعم الرضيع اللحم ليس بخلا وما شابه ذلك، بل لان اللبن انفع إليه. وهي حقيقة عملية ومفيدة ينبغي الاستفادة منها باختيار الطرق والسبل المناسبة والمفيدة بالنسبة للأقوام التي لم تنضج بعد، اي تلك التي مازالت في طور الطفولة.

وما هذه الأيام إلا صحائف لأحرفها، من كف كاتبها بشر

** *

 

ميثم الجنابي

 

العقدة العراقية الشرقية للدولة الفرعونية: لقد انتقلت العقيدة المصرية من التأثير الآدمي الشرقي الإدريسي الى الفرعونية الممتزجة بالسحر، وفيما حافظت على بعض العناوين مشتركة بين الديانتين الا انها اختطت قصصاً واحداثاً جديدة تماماً، ادخلت من خلالها تأثير العالم الذي تسميه الديانة الإبراهيمية عالم (الشياطين) . لذلك بدأت الأوراق بالاختلاط على المصري القديم، ثمّ ظهرت قوى السحر وتأثيراتها، وبدأ المصري ينتفع من وجودها بنحو ما، لا سيما الملوك - والنَّاس على دين ملوكها - ووجدت طبقة من الكهنة تحققت لها أرباح من خلال العالم السحري هذا، كما انّ الانتقال نحو هذا العالم الباطني الغريب تم تدريجيا وببطئ، واختلطت فيه الأحداث بمرور الزمن، وعلى مراحل .

لاحقاً تمّ سرقة العناوين الآدمية - التي سارت ضمن الديانات الإبراهيمية كما هي - من قبل الفكر الفرعوني الجديد، وتمّ افراغ العنوان من محتواه وملأه بشخصيات شيطانية بحتة، يمكن التعرّف عليها من خلال المكتشفات الآثارية المصرية، وكذلك من خلال الجماعات السرية المنتسبة للدين الفرعوني في العصر الحديث .

وفي خضّم المواجهة بين الحضارتين الشيتية والقابيلية كانت هناك مواجهة فكرية تسير نحو التعقيد أيضاً، حيث رأت الحضارة الآدمية الشيتية انّ سلوك أفراد الحضارة القابيلية السيء سيخضع لحساب الهي تفرضه الحياة الابدية في عالم الآخرة، فيما ابتكرت الديانة الفرعونية رؤية لاستنقاذ الحضارة القابيلية وأفرادها من ذلك المآل عبر افتراض مجمع الهي خاص هو من سيقود عملية محاسبة الموتى، وابتكرت مجموعة من الطقوس لحماية الموتى من اخطار العالم الابدي، بادعاء انها ستكون تحت حماية الآلهة .

وبدأت فلسفة اخرى تشرح حقيقة علاقة الانسان بالإله الخالق، تقوم على أساس الافتراض القائل انّ الانسان ابن الآلهة ويمكنه العودة للاندماج معها من خلال حلقة من الطقوس والمعارف . وبالتالي تمت ازاحة ذلك الفكر التوحيدي البسيط الذي اعتقدت به الحضارة الآدمية الشيتية وإيجاد فكر معقد غير مفهوم لا يقوم على البساطة في تفسير مفاهيم الآلهة والإنسان .

ويبدو انّ هذا التعقيد والانقلاب الفكري كان مستمراً في مواجهة الحضارة الآدمية خلال الدولة القديمة في مصر، الا انه بدا واضحا في فترة الانتقال الغامضة - كما يصفها الباحثون - التي سبقت الدولة الوسطى . ومن ثمّ خلال الدولة الوسطى كان مفهوم الآلهة قد أخذ بعداً اخر، يختلف تماماً في مؤداه عن الفكر الشيتي الآدمي الأوّل . يقول عالم المصريات (جاردنر) وهو يصف نظرة المصريين للأحياء والآلهة والموتى : (ثلاثة انواع من نفس الجنس البشري، تخضع لعين المتطلبات المادية، ولنفس العادات والرغبات) . وقد اعتقد المصري حينذاك انّ روح الميّت لها قدرة ال (با ba'a) التي تمنحها الشكل الذي تريد تقمصه، حتى وان كان حيواناً معيناً تختاره هي، باعتبارها (آخ ikh) بمعنى (روح مشعة)، رغم أني حين أدمج معنى الأخ كما تم استخدامه في العصور المتأخرة بمعنى (المارد / الشبح) اجد انّ هذا الفهم للروح وتشكّلها ومآلها هكذا مأخوذ فقط عن ظاهرة الآلهة المتشكّلة التي كانت تظهر للكهنة المصريين حين قدومها من عالم الشياطين .

ولعلّ النص التشاؤمي الذي تمت كتابته في عصر الانتقال الأوّل يبيّن لنا حقيقة ما جرى تلك الفترة، حيث ورد فيه (ليس ثمة ما هو حقّ، لقد انتقلت مقاليد العالم الى أيدي من يرتكبون الشرّ مقترفي الاثم) .

ورغم انّ فكرة الثواب والعقاب الأخروي كانت راسخة بفعل تعاليم آدم ومن ثمّ ادريس الا انّ الديانة المصرية الفرعونية غيّرت ملامح تلك الفكرة، وأصبحت هناك صورة معدّلة عنها، فمثلاً تمّ استبدال ملائكة الحساب في القبر - الذين يهتمون فقط لعمل الميّت - بفكرة القرين، والقرين كان له كهنة يخدمونه مقابل ان يساعد الميّت، رغم انّ الفكرة كلها ربما أتت من موضوع بذل الثواب الدنيوي لمساعدة روح ميّت ما، والتي لا تزال مقبولة في الديانات الإبراهيمية .

بل انّ العزل الذي يعتمد الواقع الذي آمنت به الديانات الإبراهيمية للتفريق بين الملائكة والشياطين لم يعد موجوداً في الديانة الفرعونية، والتي خلطت بين المفهومين، حيث اصبح للشياطين ذات التأثير المفترض للملائكة، ومن هنا تمّ التلاعب بجميع القصص التي تتناول فكرة ابليس ولعنته، وأصبح له لاحقاً مظهراً اخر .

انّ تقمّص مصر للديانة الفرعونية هذه جعلها تنسلخ عن دينها الآدمي الأوّل عمليا، رغم عدم احساس شعبها بذلك، حيث سرت الفرعونية ببطئ وعبر سرقة العناوين والتعديل عليها . ولمّا ظلّت الارض العراقية تحتضن النبوات ودينها التوحيدي الذي يظهر الأسماء والاحداث الحقيقية صارت المواجهة محتمة بين الحضارتين، اذ انّ التصوُّر لعالم الآلهة والاخرة وحتى الملائكة والشياطين بينهما صار متناقضا تماما، وصار القبول بعقيدة احدهما يعني تجريم العقيدة الاخرى . ولم يكن من السهل على الدولة الفرعونية التغلغل الى الارض العراقية، كما تغلغلت الى الارض اليونانية والأرض الرومانية، لامتلاك العراقيين عقلاً فلسفيا، صنعته الاثار التي أوجدها ادريس ومن ثمّ نوح، لتصل لاحقاً للحركة الإبراهيمية الكبرى .

وفيما ذهب الفراعنة بعيداً في مطاردة الهكسوس حتى دخلوا الحدود العراقية، رغم انهم لم يفعلوا ذلك مع حضارة اخرى، وأرادوا جاهدين ازالة الأثر الهكسوسي، إِلَّا انهم في عملية موازية تأثروا بالآلهة الخاصة بشعوب العراق والشام الوثنية . فنرى أنّهم احترموا تلك الآلهة الأجنبية حدّ التقديس، مثل (بعل، عشتارت، عنات، قادش، ارشوب، كسرت)، وتمّ ادخال الأسماء الرافدينية ضمن الاستخدام المحلي المصري . ولم يكن هذا الامر ظاهرة شعبية، بل كان قائماً على مستوى الملوك الفراعنة، فلقد صار (أمنحوتب الثاني محبوب ارشوب)، و (رمسيس الثاني رضيع عنات)، و (عنات وعشتارت دروع رمسيس الثالث)، و (تحوتمس الرابع الفارس القوي مثل عشتارت)، فيما يجلس (رمسيس الثاني) الى يمين (عنات) وهي تخاطبه (انني أنا أُمَّك) . فيما شيّد احد بنّائي (تحوتمس الثالث) المدعو (امينموبي) لوحة ل (ميكال سيد بيت شان)، وكما نعلم انّ (ميكال) قريب جداً من اللفظ الرافديني السامي للملاك (ميكائيل) .

ولا يمكن تفسير هذا التناقض في سلوك حضارة منغلقة اجتماعيا ودينيا الا بوجه واحد، هي انها كانت ترى في عقيدة الهكسوس الساميين خطرا مباشرا على ديانتها ووجودها، فيما كانت ترى تطابقا مع عقائد الأقوام الوثنية الباطنية من الساميين، ولا تختلف معها الا في تسمية الآلهة فقط .

وَمِمَّا يعضد انّ هناك عالماً دينياً مشتركاً اكبر من الحدود الدولية والشعور الوطني كان يجمع من يتعبّد بالديانة المصرية انّ الاثيوبيين الناباتيين حين احتلّوا مصر اعتبروا انّ ملوكها - من المصريين - قد انحرفوا عن الديانة القديمة ولم يعودوا مخلصين للاله (آمون)، الذي أقام له الإثيوبيون المعابد والطقوس وأخلصوا لديانته حين كوَّنوا الاسرة الخامسة والعشرين . فيما اعتبر اليونانيون انّ الاثيوبيين اكثر الشعوب تدريبا وحكمة، نتيجة اخلاصهم لآمون .

لكنّ العراق كان على الدوام مصدر قلق للديانة الفرعونية، وقد رأينا كيف أصبحت مصر مختلفة بعد حكم الهكسوس لها، وبالتالي كانت نهاية مدينة (آمون) طيبة تبدو منطقية على يد الملك الاشوري (اشوربانيبال)، عام ٦٦٣ ق م، بعد حروبهم مع (تانوت آمون) .

انّ ظهور النبوات التوحيدية - لا سيما الكبرى - من ارض الرافدين وكونها مركز ومحور الحركة التوحيدية جعل العراق مصدر قلق دائم للفرعونية المصرية، كما انّ المجتمع العراقي او الرافديني بتفرعاته عموماً كان على نقيض مع المجتمع الفرعوني السحري، حيث كانت السلسلة الآدمية الشيتية الاولى تسكن الارض العراقية، كما انّ ارض الكوفة ومدينة (شوروباك) خصوصاً المهد الاول لنوح، ومن رافقه من السومريين التوحيديين الأوائل، فقد جاء في (ثبت الملوك السومري) ما مضمونه (في (سيبار) حكم (اينميدورانا) ... ثم هُجرت سيبار ونقلت ملكيتها الى (شوروباك) . في (شوروباك) حكم (اوبارتوتو) ... كملك – ملك واحد ... (المجموع) خمس مدن، ثمانية ملوك حكموا  ... ثم اغرق (الطوفان) (البلاد)، وبعد ان اغرق الطوفان البلاد وهبطت الملكية من السماء (مرة ثانية) اصبحت (كيش) مقر الملكية . في كيش حكم (جا اور) ...، وحكم (جولا – نيدابا انا ياد) ....) .  وهذا الاعتقاد مترسخ في الوجدان العراقي، وقد اثبته الاسلام، حيث جاء في كتاب مفاتيح الجنان في زيارة أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (السلام على الشجرة النبوية، والدوحة الهاشمية المضيئة، المثمرة بالنبوة، المؤنقة بالإمامة، وعلى ضجيعيك آدم ونوح عليهما السلام ...) . لذلك كان من الطبيعي ان يتجه النبي (موسى) شرقاً في رحلته نحو الاكتمال .

حين كان للمصريين تأثيرهم في الفترة الكريتية لليونان كان للعراق وسوريا أثرهما المهم في الفترة المايسينية النقية لليونان، حيث ثبت وجود علاقات وتواصل بين الجزر اليونانية والمناطق الفراتية، على نحو أنتج مجموعة من الرؤى التي ساهمت في نمو العقلية الإغريقية للفترة ما بعد الدورية، اي في عهد الدولة المدينة .

العولمة المقدونية

تقع مقدونيا جنوب شرق أوربا في شبه جزيرة البلقان استطاعت أسرة ارجيد أن تتربع على عرش مقدونيا في القرن السابع قبل الميلاد، ثم أصبحت خاضعة للسيطرة الفارسية في القرن الخامس قبل الميلاد، وفي منتصف القرن الرابع قبل الميلاد تولى عرش مقدونيا الملك فيليب الثاني الذي استطاع أن يوحّد بلاد اليونان في وحدة سياسية واحدة .

استغل الملك فيليب الثاني المقومات الإقتصادية التي تمتلكها مقدونيا وموقعها الجغرافي في شمال بلاد اليونان والضعف الذي أصاب دويلات المدن اليونانية نتيجة الحروب الأهلية اليونانية ونجح في توسيع رقعة مملكة مقدونيا فاستولى على المدن اليونانية الواحدة تلو الأخرى، وتمكن في عام 338 ق.م . من هزيمة أثينا واسبرطة في موقعة تعرف بإسم (خايرونا) فتم بذلك سيطرته على كل بلاد اليونان وبذلك انتهى نظام دويلات المدن اليونانية فعليا في هذا التاريخ وتوحد اليونان في وحدة سياسية ودولة واحدة لأول مرة في تاريخهم الطويل هي مملكة مقدونيا وكانت هي حجر الأساس لإمبراطورية الاسكندر .

اغتيل الملك فيليب الثاني في صيف 336 ق.م، فخلفه على العرش ابنه الاسكندر المقدوني . ولد الإسكندر في صيف 356 ق.م، وفي الثالثة عشر من عمره استقدم له أبوه العالم والفيلسوف أرسطو الى مقدونيا ليتولى تعليم وتثقيف ولده الأمير الشاب الاسكندر وعاش أرسطو مدة ثلاث سنوات في تعليم الإسكندر في القصر الملكي فعلمه فنون الحكم والسياسة والجغرافية والفلسفة والأدب اليوناني وأشعار هوميروس وقد تأثر الاسكندر في سلوكه وثقافته وتشبع بأفكار معلمه أرسطو، كما تعلم فنون الحرب وأساليب القتال من والده الملك فيليب الثاني وخاض معه عدة معارك وهو في السادسة عشرة من عمره وعندما بلغ العشرين من عمره تولى عرش مقدونيا بعد مقتل والده .

توجه الاسكندر من آسيا الصغرى وسيطر على سوريه بعد معركة سهل (ايسوس) عام 333 ق.م . وهزيمة الفرس، فاتجه جنوباً نحو فينيقيا وسيطر على صيدا وصور بعد حصارها 6 أشهر حتى استسلمت مدينة صور ثم اتجه الى فلسطين وسقطت غزة في عام 332 ق.م. فأصبحت مفتوحة .

دخل الاسكندر المقدوني مصر وحرر مصر من الإحتلال الفارسي ورحب به المصريون وأعجب الإسكندر المقدوني بالحضارة المصرية وقضى فيها عدة شهور أسس فيها مدينة الإسكندرية ثم غادر مصر نحو بلاد الرافدين . كان أول صدام لجيش الاسكندر المقدوني في العراق مع الجيش الفارسي عن (سهل كاوكا ميلا) وانتهت بهزيمة للفرس في عام 331 ق.م. وفرّ الملك الفارسي دارا الثالث فلاحقه الاسكندر المقدوني باتجاه الجنوب وظل يحرز انتصاراته على الفرس حتى وصل الى مدينة بابل وسط العراق وكانت مشهورة بتحصيناتها وقلاعها وأسوارها ولكن استقبل بالترحيب فأحسن معاملته للبابليين، بعد ذلك اتجه نحو إيران واستولى على عاصمة الإمبراطورية الفارسية مدينة برسيبولس وفر الملك الفارسي الى إقليم بقطريا وهناك قتل الملك الفارسي دارا الثالث على يد حاكم بقطريا الفارسي عام 330 ق.م. فكانت نهاية الإمبراطورية الفارسية.

بعد أن حقق الاسكندر المقدوني هدفه من القضاء على الإمبراطورية الفارسية، استمر في حملته العسكرية نحو آسيا الوسطى والهند وأخضعها في عام 327 ق.م. ووصل أقصى ما وصل إليه نهر السند شرقاً قرر بعدها العودة وعاد عن طريق البر حتى وصل عائداً الى بابل في عام 323 ق.م. واستغرق في حملته العسكرية 12 عاماً.

توفي الاسكندر المقدوني في بابل عام 323 ق.م . بعد أن حكم 12عاماً وثمانية شهور ولم يتم الثالثة والثلاثين، وترك إمبراطورية تمتد في ثلاثة قارات من بلاد اليونان غرباً الى نهر السند شرقاً وما بين جبال القوقاز وبحر قزوين شمالاً حتى شمال الجزيرة العربية جنوباً بما فيها مصر وضمت إمبراطوريته شعوب وثقافات وحضارات مختلفة.

عقد قواد جيش الاسكندر المقدوني بعد وفاه مؤتمراً في مدينة بابل واتخذ المجتمعون القرارات التالية :

-  المحافظة على وحدة الإمبراطورية وتحت حكم أسرة فيليب الثاني .

-  تقسم الإمبراطورية الى 24 وحدة سياسية يتولى إدارتها قواده العسكريين .

-  يصبح القائد كراتيروس وصيا على العرش والقائد برديكاس قائداً عاماً للجيش.

لم تستقر الأمور حسب قرارات مؤتمر بابل فسرعان ما بدأت الصدامات العسكرية والصراع بين قواد الاسكندر المقدوني أدى إلى تقسم الإمبراطورية الى ثلاث دول يونانية هي:

أ- دولة البطالمة في مصر .

ب- الدولة السلوقية في سوريه وآسيا الصغرى والعراق وإيران والهند .

ج- دولة مقدونيا (الانتيجونية) في بلاد اليونان .

وبعد هذا السرد للحركة العسكرية والديموغرافية اليونانية المقدونية يمكننا ان نلاحظ :

- خضوع الإسكندر لأستاذ (موّحد) هو (أرسطو)، والذي كان احد ثمار الفلسفة الرافدينية .

- ترحيب البابليين بقدوم الإسكندر وتخليهم عن الفرس يذكّرنا بترحيبهم في المستقبل بالجيوش الموحدة الاسلامية وتخليهم عن الفرس .

- رغم ترحيب المصريين بالإسكندر الا انه فضّل انشاء مدينة جديدة يقيم فيها عسكره وحشوده، بعيداً عن الاختلاط بالجنوب المصري، الذي كان ربما لازال يخضع لتأثيرات الفكر الطيبي - النوبي الوثني .

- اختيار الإسكندر لبابل كمدينة مركزية - او ربما عاصمة - لإمبراطوريته الجديدة يكشف عن اثر واضح للفكر الأرسطي داخله، حتى انه توفي فيها .

- يبدو واضحاً انّ هناك اندماج فكري سمح بتقارب الإسكندر مع البابليين الذين سمحوا له بالتواجد بينهم كحاكم، رغم شراستهم وأنفتهم وتحسسهم للوجود الأجنبي، حتى انّ الفرس لم يستطيعوا لا في القرون الاولى ولا اللاحقة التواجد - كحكّام - الا خارج المدن البابلية .

- ويمكننا بوضوح ان نستشف مساهمة هذه الحركة المقدونية في عولمة الفكر التوحيدي، او على الأقل في إيجاد الأجواء المناسبة عالمياً للنقاش الديني الحرّ، او حتى الفكر الحر عموما .

الحلقة اليونانية

هناك من يقول انّ (سيكروبس) المصري هو اوّل من ادخل التمدّن لليونان، أعقبه الفينيقيون، فيما يرى المؤرخ (هيرودوت) انّ مجمل هويات الآلهة اليونانية وطقوسها مصرية، وانّ عقيدة تناسخ الأرواح كذلك، لكن من المؤكد ان العصر المبكر (الفترة الكريتية) شهد علاقات وصلات واضحة مع مصر . غير انّ امتزاج الحضارتين المصرية الفرعونية واليونانية الوثنية شكّل حلقة انتقال نحو الاخطبوط الوثني الروماني . حيث نلاحظ انّ الفن المصري حمل الأثر الإغريقي بعد فترة الاحتلال اليوناني لمصر، لكنّه ظلّ محتفظاً بشخوص الآلهة ذاتها . ففي معبد (بيتوزيرس) المقام من اجل (تحوت) كان للذائقة اليونانية اثر واضح، وفي المنازل الجنائزية اجتمعت أساطير (اجاممنون) و (اوديب) اليونانية مع أساطير (تحوت) و (حورس) الفرعونية . فيما قدّست المستعمرة اليونانية في (منف) الاله الهجين (أوزير - حابي) الذي يجمع بين (اوزيريس) والعجل (أبيس)، تحت اسم (اوزورابيس) . حيث استشار (بطليموس الاول) اللاهوتي الإغريقي (تيموثاوس) واللاهوتي الفرعوني (مانيتون) من اجل عقيدة مشتركة بين الشعبين، فكانت عقيدة (أوزورابيس) هي ما ارتضاه اللاهوتيان، وتمت تسميته الاله (سرابيس)، الذي كان مصريا في الأصل والاسم واغريقيا في المظهر . وتمّ انشاء معبد (السرابيوم) الكبير من اجل عبادته، والذي استبدل لاحقاً - في عهد بطليموس الثالث - بمعبد اكبر وأفخم . وتمّ فرض عبادته بارادة ملكية، لتبلغ (السرابيومات) بعد ذلك نحو أربعين .

وفي أصبحت لغة الخدمة الدينية هي اليونانية الا انّ المصريين استمروا في إطلاق الاسم القديم للاله الجديد (أوزير - حابي) . وصار الاله الجديد - حسب الباحثين - ذَا شعبية كبيرة في الجمهورين اليوناني والمصري .

وفيما كان اوزيريس حاكماً على عالم الموتى صار في العهد اليوناني حاكماً في عالم الأحياء ايضا، وهي انتقالة كبيرة في العقيدة واللاهوت، رافقت تلك الانتقالة في التسميات الخاصة بالاشخاص، التي صارت للمرة الاولى تضيف اسم اله الموتى اليها، مثل (بيتوزيرس) اي (عطية أوزوريس) . لكنّ هذه الانتقالات لم تكن باهمية اختزال الاله الأكبر (رع) في شخص (أوزوريس) منذ الاسرة العشرين، حيث لم يعد (رع) يُستخدم كثيرا، بل صار هو عينه (أوزوريس)، وصار يشار له بعين الشمس . وقد أكّد احد نصوص الاسرة الثامنة والعشرين ذلك بشكل صريح وواضح، حيث جاء فيه (أوزوريس ... الحاكم الذي احتلّ مقعد رع) .

فيما تقدمت الآلهة (إيزيس) كما تقدّم زوجها (أوزوريس) الى المقدمة، يرافقهما ابنهما حورس . وقد أصبحت (إيزيس) تُعبد في كل حواضر اليونان، ومنها اثينا وايوبيا، ولم تعد عبادتها وعبادة (سرابيس) وباقي الآلهة المصرية الفرعونية تُمارس سراً على يد الجماعات فقط، بل صارت عامّة وشعبية، كما انها رسمية ايضا .

ولم يكن انتشار هذه العبادة بصفة رسمية فقط، لكنها كانت تسري بفعل انتقال الموظفين اليونانيين، وبالتالي جلبهم تلك العقائد الى مدنهم، كما في ثيرا وكنيدوس . ولم يمنع فقدان البطالمة اليونانيين لجزر بحر ايجة وباقي بلاد اليونان من استمرار انتشار عبادة (سرابيس) و (إيزيس)، حتى انّ (إيزيس) بدأت تظهر على العملة المعدنية في اثينا . وقد وصلت هذه العقيدة الى ديونيسيوبوليس على البحر الأسود، والى صقلية في البحر المتوسط . بينما نرى اليونان قد مزجوا بين الاله المصري (تحوت) وبين ألههم (هرمس)، ومن هنا أطلقوا على واحدة من اهم المدن المصرية دينيا وهي مدينة (الاشمونين) اسم (هرموبوليس ماجنا) . وقد بقي الثالوث المصري المقدس (أوزوريس - إيزيس - حورس) في العهد اليوناني البطلمي معبوداً له طابع خاص، سوى انّ حورس قد تمّ تصويره كطفل بين يدي أمه .

ويبدو انّ المصريين كانت لهم هجرة تجارية او ادارية في زمن اليونان او قبله ساهمت في بداية انتشار العقائد المصرية الفرعونية . فنلاحظ انّ عقائد (إيزيس) و (آمون) تواجدت في (بيريوس) بين التجار المصريين، ومنذ (بطليموس الاول) و (بطليموس الثاني) بدأ انتشار المصريين في جزر اليونان وجزر بحر ايجة . وقد ساهم الموظفون المصريون الذين ارسلهم البطالمة لهذه الجزر في سرعة انتشار تلك العقائد، وقد بنيت ل (سرابيس) المعابد في (ميليتوس) و (هاليكارناسوس)، رغم انّ عبادته وصلت الى (ديلوس) في وقت اسبق . ومن خلال هذه الجزر اليونانية عبرت العقيدة المصرية - بثيابها الجديدة - حتى وصلت الى قلب (اثينا) .

ويرى الباحث (سلامة موسى) في كتابه (مصر أصل الحضارة) انّ الهجرات المصرية نحو اليونان وجزرها كانت على ثلاث مراحل، الاولى في عصر الدولة القديمة، والثانية في ايام الدولة الوسطى، والثالثة وهي الأهم ايام الاسرة السادسة والعشرين . وينقل سلامة موسى انّ أسطورة إغريقية تتحدث عن (أسرة ملوكية مصرية) كانت تحكم بلاد اليونان، أنشأها (دانوس)، لذلك هو يرى وجود أصل مشترك بين الشعبين . فيما ينقل انّ المصريين في الوقت الذي يرسمون أشكال الشعوب الاخرى مثل الزنوج والحيثيين بنحو من الاستهزاء فانهم كانوا يرسمون اليونان بالشكل الذي يتطابق مع هيئة المصريين . فيما تزوجت (كليوباترا) أخاها (بطليموس الثالث عشر)، في واحدة من الممارسات الخاصة بالعوائل الملكية الفرعونية .

وقد ورثت روما مجمل الحضارة اليونانية، بحكم الواقع او المخالطة او التأثر، وفيها ومن خلالها بدأ الانتشار المكثف للديانة الفرعونية الوثنية، حيث لعبت روما لاحقاً دوراً خطيراً في عولمة هذه العبادات والعقائد، وبفعلها صار للديانة الفرعونية طريق جديد، وتزاوجت لاحقاً مع الديانات الإبراهيمية التي تمت سرقتها، وهذا ما سيأتي لاحقاً باْذن الله .

فرغم انّ معابد الآلهة القديمة (حتحور) ترجع الى العصور الفرعونية الاولى الا انّ اهم معابدها الحديثة بناها (بطليموس التاسع) في نحو نهاية القرن الثاني قبل الميلاد، فيما استكمل بنائه خلفائه من البطالمة اليونان، ومن ثمّ الرومان في عهد تراجان عند القرن الاول الميلادي .

الإغريق مجموعة إنسانية اجتمعت تحت ظلّ الظروف الصعبة، وارتضت بعض المدن اجواء التمدن القريبة اليها، وتوفرت لها عوامل ثقافية رافدينية وفينيقية مناسبة، امتزجت برغبة في تطوير الذات الوطنية، وشيء من السلام، وطبيعة خلّابة وفَّرت السماء الصافية لعقلية متفتحة، فيما اختلطت فيها أيضاً مجموعة من التأثيرات المجاورة والوافدة المهاجرة .

ولم يكن الإغريق مناسبين لعولمة الديانة المصرية بقدر ما كان الرومان مناسبين لذلك، فالاغريق في مصر وحدها هم من اعتنق تلك الديانة وحاولوا نشرها في محيطهم اليوناني القريب، فيما كان باقي الإغريق ممتزجين بعقائد اخرى . انّ ارتباط تأسيس الحضارة العقلية اليونانية ببلاد الرافدين وسوريا جعلها أقلّ استقراراً امام العقائد الوثنية، لذلك جاء في نقش يوناني يعود للقرن الميلادي الاول ما نصه (انهم بنحتهم تماثيل لاوزيريس وإيزيس ولالهة ذات وجوه حيوانية او بشرية من مادة فانية فانهم يخاطبونهم جميعا كآلهة . انه لمن الغباء ان تخلقه هو ذلك الذي خلقك . وانه لمن المحال على مثّال ان يعبّر عن الجوهر غير المتجسد واللامدرك والذي لا تحيط به الابصار واللامادي . وفي الحقيقة انه بالعقل وليس بالايدي يمكن فقط ان يُحتفظ بالسرّ المقدس . وهناك معبد واحد للاله هو الملكوت بأسره) .

 

 

mutham aljanabiينطلق أنور الجندي من ان تاريخ الإسلام في مجال الثقافة كان مواجهة وتحديا لكل ما هو غيره. فعندما ظهر الإسلام وتوسع انتشاره، فانه واجه حالة مضطربة. وفي مجرى مواجهته لها كشف وبرهن على انه ليس مجرد دين للعبادة بل طريق في الحياة ومنهج كامل يربط الإنسان بالله والإنسان والمجتمع. ومن ثم فالإسلام كان منهجا متكاملا قبل ترجمة الفلسفة اليونانية. لقد ظهر الإسلام بعد المسيحية بقرون عديدة. وواجه آنذاك ثلاث فلسفات وهي الغنوصية الشرقية، والفلسفة الإغريقية، والفلسفة اليهودية المسيحية الغربية. وبوصفه منهجا للحياة واجه تراث الفرعونية الفارسية والهندية والرومانية . ذلك يعني أن الإسلام جاء بعد أن تشكلت للوثنية المادية فلسفة ومنهج وأيديولوجيا كاملة. ومنذ ذلك الحين ومهمة الإسلام تقوم في تحرير البشرية. فالفلسفة السياسية اليونانية عند أفلاطون وأرسطو هي فلسفة العبودية، بينما  تتسم أخلاق سقراط بالإباحية. كما رفض المسلمون التسليم بمنطق اليونان وأقاموا منهجا مستمدا من القران، كما قام به ابن تيمية. ثم أن الفكر الاسلامي فكر تجريبي. كما عارض التفكير الاسلامي قول الفلاسفة بقدم العالم والمادة. وكشف عن خطورة وخطأ الفلاسفة وتحويلهم العقل إلى ميزان شامل، بينما هو شطر من منهج المعرفة في الإسلام. وبالتالي فان التفسير الفلسفي والصوفي للإسلام ليس من الإسلام، وأنه ليس تفسيرا قرآنيا ربانيا. وعموما أن الفلسفة لم تصل إلى ما وصل إليه الإسلام في تحرير العقل. وذلك لان الإسلام يخاطب العقل والقلب. لقد مثل الإسلام الاتجاه القائل، بالاعتماد على القوى الغيبية كالقلب والبصيرة والروح والوجدان وليس المنهج الفلسفي الذي يعتمد على العقل وظواهر العلم ومقايسات المنطق . ذلك يعني أن خصوصية الإسلام بهذا الصدد تقوم في تقديمه "الحكمة وليس الفلسفة".  وان أهم أصول هذه الحكمة هي، أن الإنسان لم يحصل من العلم إلا قليلا، وضرورة التعلم من اجل المصلحة المادية والروحية، وان العلم لا يحصل إلا بالنظر بالموجودات، وأخيرا إقامة سلطان العقل والالتجاء إلى حكمه في كل خلاف والابتعاد عن الأهواء . 

لقد واجه الإسلام "دعوات مخربة" كانت قبله وبعده. وجددت القديمة نفسها بعد الإسلام واغلب مصادرها مجوسية شعوبية. ففي الإسلام ظهرت في فلسفة الحلاج وابن عربي والباطنية ، وفي الحركات السياسية لكل من القرامطة والزنج والحشاشين والمزدكية، وفي الأدب والشعر عند ابن المقفع، وصالح بن عبد القدوس، وبشار ابن برد، وأبي العتاهية. وفي العصور الأخيرة ظهرت في إيران والهند مثل البابية والبهائية والقاديانية. وجميعها ذات مصدر واحد هو اليهودي عبد الله بن سبأ، الذي كان مصدرا للفتنة الكبرى بين المسلمين . واستكملتها تقاليد الماسونية الحديثة. فالثورة الفرنسية هي "أول ثمار الماسونية" من حيث الفلسفة والتخطيط . وان كل عصر التنوير الأوربي كان مقدمة لسيطرة الفلسفة الماسونية .

وطبق هذه المواجهة "التاريخية" على مختلف القضايا والإسلام فأصاب في بعض منها، واخطأ في آخر، لكنها جميعا تسير وفق الرؤية الدينية العقائدية اللاهوتية الصرف. بمعنى الخارجة عن منطق التاريخ وتجاربه الحية والدرامية. ففي موقفه من اللغة العربية، حاول ربطها بالقران والإسلام  فقط. ومنه وصل إلى استنتاج يقول، بان اثر هذا الارتباط أدى إلى أن أصبحت لغة "لا ينطبق عليها ما ينطبق على غيرها" . وفي المواقف الاجتماعية يتميز الإسلام عن غيره في كونه يربط بين الفرد والجماعة والمجتمع والأمة. وجميعهم تابع للإسلام . وفي الموقف من الفن، حاول البرهنة على أن الفنون كلها من وجهة نظر الإسلام تتحرك في إطار التكامل، الذي يحول دون استعلاء الأدب أو الفن أو التربية أو غيرها باستقلاله عن الإطار الشامل للرؤية الإسلامية . وعندما خصص الموقف من العرب والثقافة العربية ورؤيتها بهذا الصدد، فانه توصل إلى استنتاج مفاده عدم صلاحية تطبيق الرؤية الغربية في كل شيء على العرب والتاريخ والثقافة العربية، بسبب تجوهر الإسلام فيها. فالعربي واقعي إنساني، بينما اليوناني خرافي وثني. والتعاطف العربي مع الطبيعة أعمق وأوسع لأنه يتسم برقة العاطفة وسمو الوجدان. وان العرب لم تؤمن بالجبرية كما هو الحال بالنسبة لليونان، وأخيرا أن فطرة العرب البساطة الطبيعية .

أما في مجال التاريخ، فان المقدمة العامة للمنهج الاسلامي تجاهه، كما يقول أنور الجندي، تقوم في الإنصاف، وإنكار الأهواء، والتجاوز على عوامل العنصرية، والغرور أيا كان شكله ومحتواه. ووضع هذه المقدمة في أساس نظرته عن موقف الإسلام من التاريخ وقوانين التاريخ والإرادة والجبر ومعنى الوجود التاريخي. وانطلق في نظرته هذه من أن الإسلام يقر بقوانين معينة في التاريخ بأثرها ترتقي أو تنهار الدول والحضارات، بوصفها "سنة الله في الوجود". ومن ثم فان "سنن الله في الأمم والحضارات لا يمكن تغييرها". ذلك يعني أن قدرة الزعماء والقادة على تغيير مجرى التاريخ ممكن، لكنه ليس معزولا عن عوامل أخرى طبيعية وجغرافية ومناخية وبشرية واقتصادية وغيرها. الأمر الذي يعني أن الإسلام لا يقرّ ولا يعترف بالجبرية في التاريخ. . فالتاريخ بالنسبة له هو نتاج عوامله الداخلية الفاعلة والمنفعلة. كما أن التاريخ ومجرياته ليست دون غاية. وذلك لان "القانون الثابت للتاريخ هو أن حياة البشرية في تغير مستمر، وان التاريخ هو صراع دائم بين الخير والشر ". والإنسان هو محور فلسفة التاريخ. والإسلام لا يعتبر الإنسان مجرد كائن حي، بل يضعه في منزلة الاستخلاف في الأرض. وبالتالي، فان الأرض ليست مكانا للعذاب كما أنها ليست مكانا للخلاص من الخطيئة. وذلك لان "الخطيئة الأولى" هي معصية أولية تعادل معنى ممارسة حرية الإرادة. كل ذلك حدد، من وجهة نظر أنور الجندي، ضرورة الفكرة القائلة، بان تاريخ الإسلام لا يمكن قياسه والنظر إليه بمقاييس الغرب. إذ لا مقدس في الإسلام وتاريخه غير العقيدة فقط. فهي الشيء الوحيد الذي فوق النقد لان حقيقتها خالدة . وبالتالي، فان التاريخ الاسلامي جزء من الإسلام، لأنه أولا وقبل كل شيء تاريخ عقيدة. ومن ثم، فان التاريخ بالنسبة له يمتد إلى ما بعد الموت .

أما في مجال الدين، فقد انطلق أنور الجندي من أن الإسلام تعرض إلى خمس مؤامرات كبرى منذ ظهوره وحتى الآن. والسبب يكمن في نوعيته الجديدة التي قدمتها بذاته وللعالم التاريخ والثقافة. وقد استشهد هنا بكلمات فارس الخوري القائل، بان الإسلام هو الحد الفاصل بين تاريخين، ما قبله وما بعده. من هنا كان الهجوم عليه مستمرا ولحد الآن. كما كانت إجاباته عليها بقدرها. فقد بدأ الصراع ضده من جانب أوربا النصرانية، واستمر في حروبها الصليبية ثم الاستعمارية الحديثة. ومعها وضمنها وبالاتفاق معها جرى الزحف المغولي، الذي كان امتدادا للصليبية ومتوافقا معها ، وأخيرا الدعوة إلى الطورانية، بوصفها المرحلة الخامسة والأخيرة .

وقد استطاع المسلمون تذليل قوة الروم والبيزنطيون، ثم هزموا الجحافل الصليبية وإخراجها من العالم العربي. كما ذللوا محاولات اليهود واليهودية والنصارى والنصرانية الدس في الإسلام، ثم كسروا شوكة الغزو المغولي وحماية الحضارة الإنسانية في معركة عين جالوت عام 658 للهجرة (1258)  . ومن ثم استطاع المسلمون الحفاظ على هويتهم وتقويتها في مواجه الغرب الأوربي وديانته وأفكاره. وقد أدت الدولة العثمانية على مدار ستة قرون من السيطرة الإسلامية هذه المهمة على أفضل وجه. ولعل فتحها للقسطنطينية قد أكمل استحكام السيطرة العالمية للإسلام. 

لقد أدرك الأوربيون الحقيقة القائلة، بأنه لا سبيل للقضاء على المسلمين إلا من خلال الكلمة . ووجدوا في القضاء على الإسلام سبيل السيطرة على آسيا وإفريقيا . وقد اتبعوا مختلف الأساليب من اجل بلوغ مآربهم هذه. ولعل أهمها هو تقطيع أوصال العالم الاسلامي من خلال "إثارة النعرة القومية"، و"استدراج المسلمين إلى حروب غير متكافئة"، و"إحياء مؤامرات القرامطة والزنج والمزدكية وتصويرها على أنها حركات عدل وحرية"، و"إثارة النزعات العنصرية عند العرب والأتراك والفرس" وغيرهم، و"مهاجمة المماليك والأيوبيين والعثمانيين لأنهم هم الذين حطموا أحلام القوى الغازية"،  و"الادعاء بان الحملة الفرنسية هي مبدأ اليقظة الإسلامية"، و"تمجيد أعداء الإسلام القدامى والمعاصرين مثل اكبر شاه وأتاتورك"، و"إثارة الشبهات حول بطولات صلاح الدين وبيبرس ومحمد الفاتح" وأمثالهم . وضمن هذا السياق كرر موقفه عن أن "دخول العرب في الدولة العثمانية منذ عام 1517" اقرب ما يكون إلى ضرورة تاريخية . وذلك لان هذا الدخول قد " أخّر سقوط العالم العربي في قبضة الاستعمار أربعة قرون" .

لقد وجد في كافة هذه الأساليب وغيرها أسلوبا محدثا وحلقة جديدة في سلسلة الحلقات المناهضة للإسلام على امتداد تاريخه. والسبب يكمن في إدراك الغرب لحقيقة الإسلام بوصفه "منقذا للجميع"، وانه "حامل لواء المعرفة الإنسانية في نواحي الحياة" ، إذ انه كان "حامل لواء أطول تاريخ معرفي في التاريخ " استمر لمدة احد عشر قرنا . إضافة لكل ذلك، أن "الإسلام صانع حضارة إنسانية من حيث المبادئ والقيم"، اشترك فيها مختلف الشعوب والأقوام. وكل ذلك يستمد أصوله من معنى وحقيقة الحضارة في الفكر والتاريخ الاسلامي.

فالبشرية لم تعرف قبل الإسلام دينا سماويا أو غير سماوي قد قام على حضارة بالمعنى الكامل لكلمة حضارة، كما يقول أنور الجندي. لقد كانت هناك ثقافات وليست حضارة. والفرق بينهما هو أن الثقافة محلية محدودة، بينما الحضارة واسعة شاملة . وخصوصية الإسلام هنا تقوم في انه عمد إلى تقديم مفهوم كامل للحضارة قوامه الحركة المادية والمعنوية في نفس الوقت وربط التقدم المادي بالأخلاق وتوجهه إلى صالح الإنسانية . ذلك يعني أن الإسلام قدم مفهوما جديدا عن التحضر الأصيل يستند إلى ثلاثة مبادئ كبرى وهي الانتقال من عبادة الأوثان والتعدد إلى عبادة الله الواحد الحق، والانتقال من عبادة أشخاص السلطة أيا كانت إلى عبادة الله الواحد الحق، ودفع البشرية إلى مرحلة الفكر والذكر والنظر في ملكوت السماوات والأرض . أما مقومات هذه الحضارة فهي كل من قيام مفهوم الإسلام على القرآن والاعتدال والتوفيق، وربط العلم بالدين والسياسة بالأخلاق، وان الإسلام عبادة ومعاملة، وانه حضارة جامعة وسطية لها أساس ثابت للمتغيرات . الأمر الذي حدد طبيعة الاختلاف الجذري بينها وبين "المفهوم الغربي" للحضارة. وان مضمون هذا الخلاف والاختلاف يقوم في أن ما يميز الحضارة الإسلامية هو "مفهوم الجمع بين المجتمعات وتحضير النفس الإنسانية بالضد من النظرة الانشطارية للغرب" . وبالتالي، فان آفاق ومصير الحضارة الإسلامية يرتبط بتأسيس أصول الفكر الاسلامي عبر الرجوع إلى أصوله الأساسية .

إننا نعثر في آراء ومواقف وأحكام واستنتاجات أنور الجندي فيما يخص إشكاليات الحضارة والبدائل المفترضة على صيغة نموذجية للرؤية الدينية اللاهوتية والموقف العقائدي. الأمر الذي جعلها تتراوح بين رؤية نقدية سليمة وعميقة أحيانا تجاه إشكاليات الحضارة والموقف من النفس، لكنها تحتكم في نهاية المطاف إلى أولوية وجوهرية الرؤية العقائدية. مما يجعل من هذا النقد ذو حدين متعارضين. الأول وهو شحذ الرؤية النقدية العقلية (المجردة) والثاني هو تشويه الرؤية التاريخية ومن ثم الأبعاد العملية للرؤية المستقبلية.

فمن بين المفاهيم الايجابية التي بلورها ودافع عنها أنور الجندي تجدر الإشارة إلى كل من فكرة الانتماء الثقافي والحضاري لعالم الإسلام وضرورة تأسيسها النظري والعملي، وإبراز الطابع الخاص والفريد لتجارب الإسلام الثقافية والحضارية، والتشديد على وحدة التاريخ العربي والإسلامي، والدفاع عن فكرة العروبة بمعايير الرؤية الإسلامية وليس العنصرية، والسعي لإرجاع المفاهيم إلى أصولها، ومن ثم إعادة النظر النقدية بالمفاهيم الأوربية وإبراز طابعها النسبي (التاريخي والثقافي)، والدعوة إلى التماهي المتجانس مع التجارب الثقافية الذاتية (الإسلامية). وهي استنتاجات متجانسة من الناحية المنهجية المجردة وعميقة من حيث مدلولها المنطقي والتاريخ والثقافي، لكنها تعاني بأثر الهيمنة شبه التام للمنهج العقائدي الديني اللاهوتي من ثغرات عميقة وخلل في موازينها ومقاييسها.مما يؤدي بها بالضرورة إلى نتاج مخربة للفكرة الثقافية نفسها. إضافة إلى ما فيها من آثار مبطنة لمختلف أنواع اللاعقلانية والغلو المتعنت في رؤيته للنفس والآخرين.

إن الحصيلة المتراكمة في هذا النوع من التفكر والمواقف محكومة بنفسية وذهنية حنبلية. وبالتالي لم تعن الأسلمة الجديدة وتأسيس رؤيتها المنهجية تجاه كل أصناف العلوم والحياة، سوى أحكام العقائد الحنبلية وتحكيمها في الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للإنسان والمجتمع والدولة. الأمر الذي أدى بها أيضا إلى ادلجة الموقف العقائدي من التاريخ ومجرياته وشخصياته وتياراته الفكرية والسياسية. ومن ثم عدم فهم التاريخ وتجاربه ووقائعه وحقائقه كما هي. من هنا تفسيره للمقدمات التاريخية المعقدة لظهور مختلف الفرق الإسلامية على أنها مجرد نتاج لمؤامرة يهودية قام بها عبد الله بن سبأ. إذ يصبح من غير المفهوم قيمة وعظمة الإسلام وكل شخصياتها الكثيرة العدد والهائلة التأثير أمام "نكرة" مجهولة في إعادة توجيه المسار الفعلي للتاريخ. إذ يصبح التاريخ مجرد ألعوبة صغيرة بأيدي شخصيات مغمورة، هي في اغلبها نتاج "الخيال المبدع" للسلطة وخدامها.

وقد ترتب على هذه الرؤية العقائدية الضيقة صناعة "جديدة" لمرجعيات نظرية وعملية عتيقة لعبت الدور الحاسم في تجميد وتمويت الروح الثقافي العقلي والعقلاني والإنساني في الثقافة والتاريخ الاسلامي. وبالتالي استحالة فهم المسار التاريخي على حقيقته. من هنا إعادة تمجيد الأموات في الشخصيات والدول والأفكار، مثل القول، بالأثر التاريخ الهائل للمماليك والأيوبيين والعثمانيين في تحطيم  أحلام القوى الغازية"، بينما تمثلوا هم رحيق الغزو الجاهلي بمعايير الإسلام الثقافي أو الثقافة الإسلامية الكبرى. وبالمقابل نرى تخوين وتجريم الشخصيات والتيارات الفكرية والسياسية التي صنعت الأنوار الفعلية للروح الثقافي الاسلامي، أي إعدام الثقافة العقلانية والإنسانية في تاريخ الإسلام وتمجيد الميت والمتخلف وتقاليد النقل والتحجر الفكري وقتل روح العقل النقدي وفكرة الحرية. وهو الأمر الذي نعثر عليه في التكرار المتشدد على عداوة التيارات الفكرية والسياسية الداعية للحرية والنزعة الإنسانية مثل الفلاسفة والتفلسف بمختلف تياراته وشخصياته، والعداء للروح الصوفي المتسامي، ومحاربة التيارات السياسية الداعية للحرية والمساواة والعدل من قرامطة وشيعة وثورات العبيد، بوصفها "مؤامرات" ضد الإسلام، ومحاربة رجال الحرية والإبداع الحر والنزعة الإنسانية في الأدب والشعر.

لقد أدت هذه الرؤية العقائدية المحكومة بأولية النص على العقل، وأولوية العقائد الإيمانية على العقل والتاريخ الفعلي والتجارب الثقافية الحية إلى تصوير كل ما له علاقة بتنوير العقل والضمير الحي والرؤية المستقبلية بوصفها فكرة الحرية على أنها "بدعة" ونتاج "لمؤامرة" أجنبية (يهودية أو نصرانية أو غربية أوربية وما شابه ذلك). بعبارة أخرى، إن هذه المنهجية عادة ما تؤدي إلى الخلط بين الموقف التاريخي السليم والرؤية العقائدية بالشكل الذي يتحول التاريخ فيه إلى ألعاب يمكن إعادة ترتيبها بالشكل الذي تبدو فيه وفية للإيمان الحنبلي. وليس مصادفة أن يتوصل أنور الجندي بهذا الصدد إلى استنتاج مفاده، أن "دخول العرب في الدولة العثمانية منذ عام 1517" اقرب ما يكون إلى  ضرورة تاريخية. وذلك لان هذا الدخول قد "أخّر سقوط العالم العربي في قبضة الاستعمار أربعة قرون". ذلك يعني أن سقوط العالم العربي أمر حتمي لابد منه. ومن غير المفهوم ما فائدة هذا التأخير بالنسبة للعالم العربي والإسلام. مجرد أربعة قرون معلبة للخروج بعدها إلى أحضان الكولونيالية الأوربية! إن هذا الرؤية العقائدية التي تمسخ معنى التاريخ الفعلي وتشوه مساره الواقعي، تحتوي على خطورة التأهيل الذهني للجبرية العقائدية والقبول بكل الخرافات الجليلة بعد أن يجري إضفاء طابع الإسلام الحنبلي عليها. من هنا ضعف التحديد النظري لفكرة الحضارة الإسلامية. فهي تتحول في أراء ومواقف أنور الجندي إلى مجرد مجموعة عقائد دينية لاهوتية لا فرادة فيها ولا إبداع ثقافي هائل كالذي ميز بالفعل الحضارة الإسلامية؟ وذلك لان إرجاع مضمون الحضارة الإسلامية وأصالتها إلى كونها قدمت "مفهوم كامل للحضارة قوامه الحركة المادية والمعنوية في نفس الوقت وربط التقدم المادي بالأخلاق وتوجهه إلى صالح الإنسانية" هي مجرد عبارة عامة، أي صيغة خطابية يمكن العثور عليها عند كل كاتب كسول من الدرجة العاشرة! والشيء نفسه ينطبق على فكرته القائلة، بان "الإسلام قدم مفهوما جديدا عن التحضر الأصيل يستند إلى مبادئ الانتقال من عبادة الأوثان وأشخاص السلطة إلى عبادة الله الواحد الحق، ودفع البشرية إلى مرحلة الفكر والذكر والنظر في ملكوت السماوات والأرض". فهو ليس مفهوما جديدا، كما انه لا علاقة له بماهية التحضر والمدنية. والشيء نفسه يقال عن التفكر بالوجود وليس بالسماوات والأرض فقط.

***

الوجه الآخر للآلهة: لقد اعتبرت الأسطورة المصرية انّ تل (السكينتين) هو المكان الذي ظهر عليه (آتوم)، وبالتالي هو المكان الأزلي، وهذا الاختيار لارض مرتفعة يظهر عليها المخلوق الاول يتطابق مع الرؤية الاسلامية الشيعية التي ترى انّ الظهور الاول لآدم كان على ارض هضبة النجف المرتفعة، او (جبل الكوفة) .

لكنّ الأسطورة المصرية لاحقاً يبدو انها أدمجت أحداثاً اخرى في هذه القصة، لتنتج مفاهيماً قابيلية ابليسية خاصة . فقد افترضت - حسب مصادر التاريخ الفرعوني - انّ هذا التل الأزلي يقع ضمن (جزيرة اللهب)، وإطلاق هذا الوصف على الجزيرة يستدعي صوراً فريدة عند دمجه بالمعتقدات الاخرى للفراعنة، حيث كان للمصريين تلالاً أزلية اخرى، منها تلّ عين شمس الذي يعلوه حجر مخروطي كان بداية ظاهرة المسلّات الغريبة في الحضارة الفرعونية، والتي تشترك فيها حضارات وثنية كثيرة حتى في اصقاع بعيدة جدا عن الارض الفرعونية، وتتشابه هذه الظاهرة في وجودها مع ظاهرة الاهرامات .

وفي حين كانت الرواية الإبراهيمية لظهور آدم بسيطة، كانت الرواية الفرعونية معقدة، وترى انه ظهر للمرة الاولى على شكل طائر (البنو Phoenix)، وهذه الصورة تذكّرنا بفكرة ظهور مخلوقات غريبة للسحرة والمتعاملين مع عوالم الجنّ . وَمِمَّا يلفت النظر انّ المصريين كان لهم مجموعة من التلال المشابهة في مجموعة من المدن، مما يثير تساؤلات مهمة حول حقيقة إيجادها اذا كان التل الأزلي واحداً مرتبطاً بالظهور الاول للبشر ! .

القصة الاخرى الملفتة والتي يمكن دمجها مع قصة (جزيرة اللهب) هي معركة الاله (رع حور اختي)، التي خاضها حين كان حاكماً على النوبة ضد مؤامرة حيكت ضده في مصر . انّ هذه المعركة لم تكن ضد البشر هذه المرة، بل ضد مخلوقات مختلفة تم توصيفها بما يعني الأرواح الشريرة او الآلهة الأقل رتبة، وهي بالمعنى الإبراهيمي تعني الجآن . وفيها استقلّ الملك (رع حور اختي) سفينته، يرافقه (حورس)، لكنّ حورس بعد الوصول لمصر اقلع طائراً من سفينة الملك باستخدام (قرص الشمس)، مهاجماً اعدائه من السماء، ملحقاً بهم الهزيمة حتى اضطروا الى الهروب . ثمّ يعود حورس الى سفينة الملك، حيث يمنحه (تحوت) لقب (حورس بحدتي) . ثم يتفقد (رع حور اختي) ارض المعركة برفقة الآلهة الآسيوية (عشتارت)، ولا نعلم سرّ وجود آلهة آسيوية في معركة عظيمة مفصلية في تاريخ الآلهة المصرية، لكن الذي افهمه انّ هناك تحالفاً كان بين المنطقتين لمواجهة خطر كبير تعرضت له المنطقة هدد وجودهما . وقد ظهر لاحقاً انّ حورس لم يقضِ على الأعداء تماماً، حيث عمد الفارّون منهم الى النزول الى الماء بشكل (تماسيح وأفراس نهر)، مهاجمين سفينة (رع حور اختي)، لكنّ معركة بالسلاح الأبيض نشبت بينهم، قادها حورس، انتهت بالقضاء عليهم، بعد تسللهم الى السفينة . ثم اقلع حورس باستخدام قرص الشمس مرة اخرى، ترافقه الآلهة (نخبت) التي تأخذ رمز النسر الحامي، والآلهة (وادجت) التي تأخذ رمز الأفعى، ليغيرا من جديد على الاراضي المصرية ويخضعاها لسلطة الملك (رع حور اختي) . لكن يتجدد القتال في (تحل) قرب الحدود الآسيوية، وقائد المتآمرين كان (ست)، الذي فرّ لاحقاً متخذاً شكل الثعبان، مما يكشف انه استخدم ذات تقنيات الآلهة (وادجت) . لكنّ حورس هزم الجميع، فقرر الملك مكافأته واتخاذ (قرص الشمس) كظاهرة مقدسة في جميع المعابد .

انني كإنسان معاصر أعيش تقنيات العصر الحديث سيتبادر الى ذهني عند قراءة احداث هذه المعركة تصوّر واحد لسفينة الاله الملك (رع حور اختي) و (قرص الشمس) للاله القائد (حورس) هو (حاملات الطائرات)، وربما ذلك ما يُفسر انّ الأسطورة لم يرد فيها ذكر البشر، حيث كانت الآلهة وَالْجِنُّ هما بطلاها حسب القصة المصرية القديمة .

انّ قصة معركة الطائرات هذه كان لها شبيه في عدة حضارات اخرى، مثل الحضارة الهندية حيث معركة الآلهة الكبرى (الفاميناس) في (حضارة راما) كانت سماوية او فضائية، وفي حضارة ألمايا القديمة كان هناك الاله او الملك (بكال) الذي استخدم ما يشبه الصاروخ لزيارة العالم الاخر، حيث يظهر وهو يمسك بيديه لوحة تحكم، فيما قدمه على كابس او شيء من هذا القبيل، فيما في نهاية النقش ما يشبه فوهة لخروج اللهب، والملفت للنظر انّ هذا الملك - الذي تقع حضارته في المكسيك اليوم - هو احد الذين بنوا هرماً شبيهاً لأهرام فراعنة مصر .

يرى بعض الباحثين في المصريات مثل (تشيرني) أصلاً حقيقياً لهذه الأساطير، بسبب الصراع بين اتباع حورس واتباع ست، وربما يكون ذلك مقبولاً الى حد ما، لكنّه يخالف تصوّرنا المعاصر عن بدائية العالم القديم، كما اننا لا نملك تفسيراً واضحاً لهذه الأساطير الضخمة، ولا يمكننا أيضاً ان ننفي حقيقة وجودها بعشوائية ومزاجية . لكنّ الامر الأهم هو وجود التقنيات القتالية الضخمة لدى تلك الحضارات، ودخول حضارات غير بشرية في القتال، ودموية تلك المعارك وشراستها، مما يكشف عن انهيار سكّاني واقتصادي رافق كل ذلك . وقد نقلت أسطورة اخرى هي أسطورة (دمار البشر) كيف انّ الآلهة غضبت على البشر بسبب أعمالهم السيئة، وارادت تدميرهم، لكنها لاحقاً عفت عنهم وحاولت استنقاذهم .

وقد كان المصريون يعتقدون بوجود عوالم اخرى، مثل عالم (دِت Det)، وأنّ هناك مخلوقات ترافق الآلهة وتحظى بقوى خارقة خاصة . لكنّ المصريين كانوا يعتقدون انّ الملك وحده هو من يستطيع التواصل مع الآلهة، باعتباره ابناً لها، لذلك كانت المنقوشات الاولى تظهره وحده من يبتهل الى الآلهة . ويبدو انّ سلسلة من الملوك احتفظوا بأسرار مهمة تتعلق بعلم التواصل مع العوالم الاخرى، استطاعوا من خلالها التأثير في الناس، وربما من خلال اتفاقيات سبقت هزيمة المخلوقات التي شاركت في المعارك الكبرى السابقة، تضمنت خضوعهم لارادة تلك الحضارات غير البشرية مقابل انتفاعهم بتقنيات خاصة تنتجها تلك الحضارات، اثبتت فاعليتها في خضمّ الصراع . وربما لم يكن جمهور الناس متقبّلاً لفكرة التعامل مع المخلوقات التي كانت تحارب ضد حورس وتحوت، لذلك احتفظ الملوك بأسرارهم، وحاولوا الظهور بصورة اكثر نفعاً للناس . لكن مع مرور الزمن ومع ازدياد الاضطراب الفكري تغلغلت عقائد هؤلاء الملوك في الناس، وبدأت تظهر قدرة عامة للتعامل مع تلك المخلوقات، التي أخذت صبغة وعنوان الآلهة، في فلسفة دينية جديدة مخترعة ومبتدعة . لذلك يظهر في المنقوشات الاثرية اللاحقة انّ العامة من الناس يبتهلون الى الآلهة، وليس الملوك وحدهم . ثمّ ظهرت رسومات الآلهة (القزمة)، التي هي مجموعة من الكائنات التي تتصف بصفات القزم (القزم ذو الوجه الكبير والظهر الطويل والعجز القصير) كما جاء في الأساطير اللاحقة، مثل الآلهة (بس) و (عحا) و (توريس)، لكنّ هذه الآلهة الاقزام كانت مع ذلك تستطيع ان تصل الى السماء ! . (يَٰبَنِى ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ ۗ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) .

وقد وردت رسومات (القرين) في الكثير من النقوش المصرية، وهي فكرة متكررة وثابتة في العقيدة المصرية، كما في منقوشة الاله (حكاو) والملك (أمنحوتب الثالث)، ولا نعرف المعنى الذي قصده المصريون من القرين، وهل هو ذاته المعنى الذي ذكره القران الكريم ( قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍۢ) و (قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌۭ) و (وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ) و (حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ)، حيث يبدو انّ للسلوك البشري حاكمية على هذا الاختيار للقرين كما في (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَٰنًۭا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌۭ) و (وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَٰنُ لَهُۥ قَرِينًۭا فَسَآءَ قَرِينًۭا) .

الأديان الإبراهيمية عموماً متفقة على وجود مخلوقات غير الانسان، لكنّها خفية (جآنّ) . فقد ورد في القران الكريم سورة كاملة باسمهم، ومنها يتضح انهم كائنات عاقلة مكلّفة، تعيش ذات التساؤلات التي نعيشها، وتهتم لقضايا كثيرة نهتم لها . لكن من هذه السورة التي فيها (بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌۭ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًۭا [الجزء: ٢٩ | الجن (٧٢)| الآية: ١]) نعرف انّ لهذه الكائنات القدرة على الاستماع لعالمنا، ومن خلالها نعرف انهم تواصلوا مع عالمنا باستمرار .

لكن مع ضرورة ان ندرك انّ هناك مخلوقات اخرى خلقها الله كما نصّت الأديان الإبراهيمية، وهم الملائكة، الذين هم غير الجنّ هيئة وتكليفا . حيث هم الذين جعلهم الله قوانين تتحكم في مجريات الكون، وربط وجودهم بالعرش، والعرش هو أصل كل شيء إنار بنور الله .

قال أمير المؤمنين عليه السلام: (إن العرش خلقه الله تعالى من أنوار أربعة: نور أحمر، منه احمرت الحمرة، ونور أخضر منه اخضرت الخضرة، ونور أصفر منه اصفرت الصفرة، ونور أبيض منه [ابيض] البياض، وهو العلم الذي حمله الله الحملة وذلك نور من عظمته، فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة، بالأعمال المختلفة والأديان المشتبهة، فكل محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته لا يستطيع لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، فكل شيء محمول والله تبارك وتعالى الممسك لهما أن تزولا والمحيط بهما من شيء، وهو حياة كل شيء ونور كل شيء، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً) .

والعرش هو المقترن بتدبير الامر، حيث يقول تعالى (ان ربكم الله الذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والارضَ في ستةِ ايامٍ ثمّ استوى على العرش يُدبّرُ الامرَ) . وقرن الله تعالى عمل الملائكة بتدبير الامر، وقد أشار جلّ جلاله الى ذلك حين قال (فالمقسمات أمرا)، حيث قال صاحب تفسير (الميزان ( وقوله : (فالمقسمات أمرا) عطف على ما سبقه وإقسام بالملائكة الذين يعملون بأمره فيقسمونه باختلاف مقاماتهم فان امر ذي العرش بالخلق والتدبير واحد فإذا حمله طائفة من الملائكة على اختلاف أعمالهم انشعب الامر وتقسم بتقسمهم ثم اذا حمله طائفة هي دون الطائفة الاولى تقسم ثانيا بتقسمهم وهكذا حتى ينتهي الى الملائكة المباشرين للحوادث الكونية الجزئية فينقسم بانقسامها ويتكثر بتكثرها) . ويمكن ادراج قوله تعالى (فالمدبرات أمرا) في هذا المعنى، حيث ذكر صاحب الميزان انها في الملائكة ايضا، (تَنَزَّل الملائكة والروح فيها باْذن ربهم من كلّ امر) .  وَمِمَّا يؤيد هذا الدور العملي في الخلق للملائكة ان الله تعالى جعل انقضاء الامر مقرونا بهم، حيث قال تعالى (ما نُنزّلُ الملائكةَ الا بالحقِّ وما كانوا إذاً مُنظَرين)، و قال ايضا جلّ شأنه (يوم يَرَوْن الملائكةَ لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا)، و (ويوم تشقق السماءُ بالغمام ونُزّلَ الملائكةُ تنزيلا)، و (هل ينظرون الا ان يأتيهم الله في ظُلَلٍ من الغمامِ والملائكةُ وقُضِيَ الامر والى الله تُرجعُ الأمور) .

ومن لطيف التعبير القراني عن عمل الملائكة هو قوله تعالى (له مُعقّبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من امر الله إِنّ اللَّهَ لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم وإذا أراد اللهُ بقومٍ سوءاً فلا مَردّ له وما لهم من دونه من وال)، حيث جمعت الآية ما نريد من كون الملائكة يعملون كقوانين تحفظ الانسان من الأوامر الكونية لله، طالما ارتبطت نفس الانسان بأولئك الملائكة، لكنه حين يقطع ارتباطه بهم - بمعاصيه وخروجه عن حقلهم الإيجابي - يخلّون بينه وبين تلك الأوامر الكونية .

وحين نعلم من اثار الباحثين - مثل احمد سوسة وجرجي زيدان والأستاذ كنغ والمؤرخ ماسبرو - انّ المصريين هم حصيلة لخليط من مجتمعين احدهما ساميّ هاجر الى مصر بحدود الألف الرابع قبل الميلاد يصبح القول بأصل توحيدي للعقائد المصرية أمراً منطقيا، وتكون هذه الأساطير وليدة الحضارة الآدمية العراقية بدرجة كبيرة من القبول . ويرى الأستاذ L.W.King  انّ الساميين الذين هاجروا بحدود الألف الرابع قبل الميلاد هم من نقل مصر الى العصر الحديدي، الذي عرفوا فيه الاَلات واستخداماتها .

السحر شفرة الفراعنة

يشير بعض الباحثين الى انّ مفردة (ديانة) لم تكن متميزة في المجتمع المصري، وانّ كلمة (حكا hike) التي تعني (القوى السحرية) هي الأقرب لهذا المفهوم في ذلك المجتمع . وكانت هذه القوى مقتصرة في الأدب المصري القديم على الآلهة والملك الحي، لكن نلاحظ انها في الدولة الوسطى أصبحت اكثر سرياناً في المجتمع العام، مما يعني انّ تعاليم الشفرات السحرية صارت متداولة ومتفشية ومقبولة، وذلك يستتبع انّ العقيدة التي تستند اليها انتشرت أيضاً كدين عام للدولة، من خلال ازاحة العقائد الأقرب للديانة العراقية .

لقد تضمنت نصوص الاهرامات في الدولة القديمة ونصوص الأموات في الدولة الوسطى وكتاب الموتى في الدولة الحديثة الكثير من التعاويذ والتراتيل السحرية، التي كان هدفها التواصل مع الآلهة لحماية الميّت في رحلته ضمن العالم الاخر، رغم انها كانت في الأصل مكتوبة لحماية ونفع الأحياء .

وقد اعتقد المصريون انّ الآلهة تمتلك قوى خارقة، يشاركها الملك في ذلك نتيجة لمعرفته بعالم الأسرار الماورائية . لكنّهم اعتقدوا لاحقاً انّ المتعلّمين لهذه العلوم يمكنهم تسخير قوى الآلهة لصالحهم حين يمتلكون قدرات معرفية اعلى من الآلهة المقصودة، لذلك رأوْا انّ الاله سوف يكون مسخّراً لخدمة الساحر الذي يمتلك تلك المعرفة الباطنية .

والمصريون اعتقدوا تماماً بوجود عالم اخر، غير منظور، وله وجود حقيقي، وهو فوق عالمنا الطبيعي في قدراته، ورأوا انّ التراتيل السحرية لها تأثير كبير في العالمين الطبيعي والماورائي . وآمنوا انّ (الكلمة) هو جوهر السحر، وأنها تؤثر فيما تُطلق عليه، لذلك كانوا يختارون الأسماء بعناية، ويحذرون من نطق الكلمات التي يعتقدون بأنها تجلب اللعنة .

لكن الملفت انهم في كثير من نقوشاتهم المهمة جمعوا بين (حكا) التي هي الشفرة السحرية وبين (ماعت) التي هي نواميس الكون وقوانينه، في إشارة مهمة جداً تدلّ على الترابط الوثيق بينهما، وهذا يعني - كما اعتقدتُ دائما - انّ السحر كان في نظر المصريين تصرّف بفيزياء الكون، لولوج العوالم الاخرى، والتأثير في مجريات الحوادث، وليس هوى ميتافيزيقيا أسطورية .

ورغم انّ السحر تحوّل الى طقس من طقوس العبادة في الديانة المصرية إِلَّا انّ ممارسته ومستويات تلك الممارسة تتفاوت، فالسحر لدى الملك في مستوى ارفع من السحر لدى العامة . وفي المعابد كانت التراتيل السحرية والتعامل مع الأرواح في العوالم الاخرى ترتبط بالكاهن المرتّل (xry hpt)، وهو كذلك يقوم بمعالجة الكثير من الحالات المرضية . حيث ارتبط السحر في مصر القديمة بالطب، وكان العامة يحملون التمائم الشافية او الواقية .

وقد حمل السحرة في الدولة المصرية لقب (حري تب)، بمعنى (من يقوم بالشعائر) او (الكاهن المرتل)، فيما حملوا في الفترة المتأخرة لقب (كتبة نصوص الآلهة)، مما يعني توّغل العقيدة السحرية في المجتمع الى الدرجة التي اُعتبرت فيها نصوصاً الهية .

وقد وردت اسماء العديد من السحرة الذين كانوا يلمّون بثقافة عامة ومعرفة كبيرة، مثل (ديدي) و (چاچا ام عنخ) و (مري رع)، فيما نقلت احدى البرديات شغف (واس ام عنخ) ابن (رعمسيس الثاني) بالسحر وبالأثار القديمة .

وكان الى جانب الكاهن المرتل كاهن اخر بعنوان (وعب wab)، والذي يقوم بمهام خاصة في بيت الحياة (pr-anx)، الى جانب كاتب نصوص الآلهة . وكان السحر بجزئين، احدهما شفهي، والآخر عملي . ويأخذ الاسم مركزاً محورياً في الممارسة السحرية، حيث يتمّ تدمير صاحبه من خلال تركيز الطقس على المعرفة بالاسم .

ومن الطبيعي ان تحفل أساطير حضارة تقوم على الشفرة الباطنية بالعديد من قصص السحر، وتسرد تلك الأفعال السحرية الخارقة للآلهة . ومن هذه الأساطير (إيزيس - رع) و (عقارب إيزيس) و (قصة الأخوين) .

ومن هذه القصص ما جاء في بردية (وستكار)، التي تتحدث عن مجموعة الروايات تمّ القائها بين يدي الملك (خوفو) باني الهرم الأكبر، والتي تدور حول قدرات (الكاهن المرتل) . حيث في احدى تلك الروايات تحدّث الراوي عن الساحر الكبير (چاچا ام عنخ) الذي شقّ البحيرة الى نصفين بارتفاع يصل الى عشرين ذراعاً لاستنقاذ احدى مجوهرات مرافقة الملك (سنفرو) احد ملوك الدولة القديمة . وهذه القصة تكشف حقيقة ما قام به النبي موسى عليه السلام من معجزة كانت جذورها ترتكز في العقل المصري للدلالة على الاعمال الإعجازية الكبيرة، ( وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًۭا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًۭا لَّا تَخَٰفُ دَرَكًۭا وَلَا تَخْشَىٰ [الجزء: ١٦ | طه (٢٠)| الآية: ٧٧])، (فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍۢ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ [الجزء: ١٩ | الشعراء (٢٦)| الآية: ٦٣])، (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ [الجزء: ١ | البقرة (٢)| الآية: ٥٠])، وهذه النصوص القرانية كاشفة عن ظاهرة خاصة في ذلك المجتمع الغريب عن واقعنا الحالي .

اما أسطورة (إيزيس - رع) فتكشف لنا عن أهمية معرفة اسم الحقيقي للآلهة - المفترضة -، ومن ثمّ نطقه للتمتع بمزايا خاصة يملكها ذلك الاله وحده، وقد استخدمت إيزيس ذكائها - حسب القصة - لخداع رع والاستحواذ على قدرات مشابهة لقدراته .

وفي أسطورة (عقارب إيزيس) يبدو التركيز على القدرات الشفائية للآلهة، وهي تلامس الوجدان الشعبي، وتحاول ربط الناس بالآلهة، عبر افهامهم ضرورة الاستجابة لها والاحسان اليها، ومن ثمّ الاستفادة من قدراتها وتمائمها الخاصة .

وقد ارتبطت الرسومات السحرية بديانة الشمس كثيراً كما الاثار المكتشفة، وبالتأكيد لم تكن هذه الديانة ترى في الشمس - بذاتها - إلهاً، لكنّ رمزية الشمس ربما كان لها دلالة اخرى تحتاج الى بحث، لأنّ المعتقدات المصرية كانت معقدة ولم تكن بدائية . حيث انّ ربط الأدوات والوسائل السحرية كان بربّ الشمس لا بالشمس ذاتها كما يبدو، اذ انّه في رحلته يتعرّض لمخاطر متجددة يوميا .

الامر الذي يثير التساؤل أيضاً هو ربط السحر في مصر القديمة بالرّبات الإناث، بصورة اكبر من الأرباب الذكور، كما هي الآلهات (إيزيس - نفتيس) والالهات (سخمت - حقات - سرقت - نيت) . ومع ذلك ارى انّ الترجمة التي اعتمدها الباحثون الغربيون - بفهمهم الذي يعاني إشكالاً فلسفيا - هي السبب في هذا التصوير، ففي حين كانت إيزيس ونفتيس آلهة بالمعنى الفلسفي المصري، لم تكن الآلهات (سخمت - حقات - سرقت - نيت) سوى قوى ووسائل او ظواهر فيزيائية حملت اللفظ المؤنث، وربما كانت (نيت) أيضاً لها أصل فلسفي كإيزيس .

قد يعتقد البعض – تساهلا – ان السحر لا يعدو الممارسات والصور الخادعة لاعين واذهان الناس , لكن هذا ليس هو الواقع بكل تأكيد . ان الوقائع والحوادث التي تسبب بها الممارسون للسحر على الارض تدحض كل الدعاوى الفقيرة لمن يعيشون ما تزقه عليهم دعوى التحضر والعصرنة . اما الاديان فقد اثبتت وجوده بكل تأكيد , دون استثناء , في اطار انتقاده واظهار مساوئ اللجوء اليه , وكذلك شرحت الشرائع سبل مقاومة آثاره  .

(قالَ ألقوا فلمّا ألقَوا سحَروا أعيُنَ الناسِ واسترهبوهم وجاءوا بسِحْرٍ عظيم)، وكما نلاحظ فالآية قسمت السحر الى انواع ومراتب ثلاث – وهي ذات المراتب التي اشار اليها الشهيد محمد محمد صادق الصدر في كتابه ما وراء الفقه - :

1 – سحر الاعين

2 – الاسترهاب

3 – السحر العظيم

وتتدرج المراتب تصاعديا , كما تتدرج معها تأثيراتها , فالاول ربما يكتفي بالخداع البصري , والثاني ينشأ في داخل الانسان الهدف شيئا من الخوف .

اما الثالث فهو تحكم فيزيائي بالكون , عن طريق مجموعة قواعد , كان القدماء من البشر يجهلون علتها , رغم انهم يعلمون استخدامها , لذلك ادخلوها ضمن العلوم الغريبة وسموها (السحر الاسود) , بينما اتخذتها اقوام اخرى كشرائع , فيما هي فيزياء وفق توصيفنا المعاصر , لكننا كاي طفل في الطبيعة لازلنا في بداية معارفنا . ولكن تم زق هذه القواعد الفيزيائية من قبل مخلوقات سبقتنا بحضارتها لآلاف السنين , وهي الجن .

لو عثر شخص ما في الالف الثالثة قبل الميلاد مثلا على جهاز هاتف يعمل بنظام الاندرويد ماذا ستكون ردة فعله , او انه حصل على كاميرا سوني ؟ , فهو سيدخل كل ما وجده ضمن منظومة السحر , فيما ندخلها نحن اليوم ضمن نطاق التقنية القائمة على الفيزياء , وكذلك قواعد السحر التي نجهل علتها اليوم , فربما تكون علما وتقنية في المستقبل .

ويمكننا الإحاطة ببعض أشكال وطقوس السحر إجمالاً، وهو في كثير من الأحيان اتفاق بين الساحر وشيطان، في معظم الحالات يتم تعيين ما يصل الى اتفاق بين الساحر والشيطان , والتي تتطلب من الأول ارتكاب بعض الطقوس الوثنية، سواء سرا أو علانية , والثاني يقوم بتوفير الخدمات التي يحتاجها الساحر أو إرسال شخص ما للقيام بهذه المهمة عادة . يتم تعيين اتفاق يصل بين الساحر وواحد من رؤساء قبيلة من الجن والشياطين .

ظلمات الكفر تغطي وجهه الساحر مثل سحابة سوداء. إذا كنت تتصل بالمقربين منه، سوف تكتشف أنه يعيش في البؤس النفسي مع زوجته وأولاده، وحتى مع نفسه. انه غير قادر على النوم بسلام في الليل بضمير مرتاح. يستيقظ في كثير من الأحيان حتى في حالة الهلع عدة مرات في الليل، وقد تقوم الشياطين بإيذائه شخصيا او عائلته .

لكن الملاحظ ان على الساحر دائما القيام بطقوس وثنية ولا اخلاقية او مخالفة للشرائع السماوية , مما يؤكد ان الهدف منها والذي ترتضيه الشياطين كثمن هو انحراف الانسان وتلبسه ثوب المعصية , فكثيرا ما يقوم ساحر بكتابة بعض الآيات القرآنية مع القذارة، وبعض الكتابة عليها باستخدام الحيض أداء بعض كتابتها تحت أقدامهم .

يؤكد الخبراء المختصون بالممارسات السحرية ان من أقواها السحر الفرعوني , ويليه أسهل نسبيا من الأول، ويمارس هذا في الهند على نحو مفرط. , وفي مثل هذا النوع تتم الدعوة إلى التضحية بالأشياء لآلهة مختلفة مثل bhuwani، chumari، luuna، bheron وغيرهم متفرقات. أيضا بواسطة الجواهر والإضاءة، ووضع عطور في أماكنهم .

وهناك انواع تتعلق بالسيطرة على ارواح معينة , لاهداف خاصة , سيما ما يتعلق بالارواح القوية , او يقوم السحرة احيانا بالتعاون مع الشياطين بالهجوم على بلدان محددة لاسباب دينية , كما اكد حدوث مثل ذلك بعض العارفين والروحانيين ضد العراق اليوم .

كما ان هناك انواعا سحرية تستخدم الشياطين من الجن لخلق الخمول في اشخاص معينين , ومن شأن الساحر ارسال الجن الى الشخص المستهدف، أوعز له ليستقر في دماغه وجعله منطويا على ذاته وحداني. والجن يبذل قصارى جهده لتنفيذ المهمة، وأعراض هذا السحر سوف تظهر، وفقا لنقاط القوة والضعف .

فيما هناك سحرا يستخدم الجن لغزو احلام الاشخاص , الساحر يرشد من الجن أن يظهر لشخص في كل من الحلم والواقع، في شكل حيوانات وحشية والهجوم عليه , او يسمع اصواتا لايسمعها القريبون منه . الأعراض وفقا للغاية القوة والضعف من السحر. فإنها قد تزيد إلى حد الوصول إلى الجنون، وربما يقلل أيضا إلى حد كونه مجرد الوسوسة. بعض أعراض هذا السحر الضحية تعاني كوابيس , والمريض يسمع أصواتا تتحدث اليه عندما يستيقظ، ولكن غير قادر على رؤية من أين هذه الأصوات قادمة . المريض يسمع همسا كثيرا .

وهناك سحر الفودو يأتي من القارة الافريقية وهو قاتل للغاية , يتم باستخدام الدمى والابر .

ان للسحر شرائعه وقواعده , وهي ترتبط بمنظومات الشياطين ومراتبها ومحافلها , وكل ذلك يستند ويعتمد على المسافة الحضارية الطويلة للجن وتقنياتهم العالية , والتي سبقت وجودنا بآلاف السنين , والنتيجة ان السحر علم , لكننا لازلنا نجهل الكثير من طرق الوصول اليه , ونحتاج الى عمر حضاري كعمر اقوام الجن .

ان الملفت في عالم السحر والحضارات التي تستخدمه ارتباطه بصورة الآلهة الحيوانية والرموز الهجينة، كما في حضارة مصر الفرعونية وحضارات الهند الباطنية . فيما نلاحظ انّ سحر (الفودو) الأفريقي الذي يستخدم الدمى والإبر والسكاكين للطعن هو ذاته الموجود في الرسومات المنقوشة على الاثار الفرعونية المصرية .

لقد اقرّ القران الكريم بصورة واضحة انّ القدرات الخاصة لكهنة الفراعنة كانت سحراً [ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [الجزء: ١١ | يونس (١٠)| الآية: ٨١] .

 

mutham aljanabiإن استقراء تاريخ العراق المعاصر يكشف عن أن "القضية الكردية" كانت إحدى قضاياه العضوية وقت السلم والحرب والصعود والهبوط. إلا أنها تستفحل مع كل انعطاف حاد وانقلاب مفاجئ في تاريخ الدولة والمجتمع. وهي ظاهرة تشير إلى أن القضية الكردية اقرب إلى "المرض" منها إلى قضية حيوية بالنسبة لتفعيل الدولة ومؤسساتها. غير أن ذلك لا يعني مسئولية الأكراد بحد ذاتهم بوصفهم شعب من شعوب المنطقة الذي جرى حشر بعض منه بصورة اصطناعية (واقصد بذلك الجزء الشرقي من شهرزور التاريخية، أي منطقة السليمانية) في بلد لا علاقة لهم به بالمعنى التاريخي والثقافي والقومي. لكن هذا الحشر الذي شكل بمعنى ما التعبير الطبيعي عن ضعف الأكراد التاريخي والقومي قد أدى إلى نتائج إيجابية كبرى بالنسبة لهم في مجال الحياة القومية والمدنية. بمعنى الاشتراك النشط نسبيا في الحياة المدنية، ومن ثم الانتقال من ثقافة الجبل إلى ثقافة السهل، ومن البداوة إلى المدينة. وهي نتائج يمكن مشاهدة مظاهرها العديدة في مختلف مجالات الحياة، بما في ذلك انتشارهم في المدن العراقية بما في ذلك أقصاها جنوبا، وارتقائهم في المهن من مهن الفئات الرثة إلى مختلف المهن الرفيعة ومراكز الدولة. وهو انتقال وتحول يعكس أولا وقبل كل شيء الاندماج التدريجي والصعب لسكان الجبل بالحياة المدنية المعاصرة. وقد كان الفضل التاريخي بهذا الصدد يعود أساسا للعراق كدولة وللعرب كقومية. وهو أمر جلي في حال إجراء المقارنة السريعة بين واقع الأكراد قبل "دخول" الدولة العراقية والآن، وبين حالهم في العراق من حيث مستوى الرقي الثقافي والمدني وتطور الوعي القومي مقارنة بمناطق سكنهم الأصلي في كل من تركيا وإيران.

وهو واقع لا يفترض بالضرورة مطالبة الأكراد بتعويض يقابله. انطلاقا من كل ما جرى في تاريخ العراق الحديث هو جزء من تاريخ الدولة، عانى منه الأكراد شأن بقية مكوناته. إلا أن هناك جملة من الوقائع المتكررة في هذا التاريخ توصلنا إلى ما يمكنه أن يكون حقيقة من حيث أبعادها السياسية، ألا وهي "انتفاض" و"مشاكسة" القوى القومية الكردية مع كل انعطاف أو ضعف في الدولة العراقية. ذلك يعني أن الأكراد لم يندمجوا في بنية الدولة العراقية. وهو تكرار يرتقي إلى مصاف الحقيقة. ولعل الأحداث التي لازمت انهيار التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، التي فسحت المجال للمرة الأولى في تاريخ العراق المعاصر لبناء أسس الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي بوصفهما الضمانة الكبرى لحل كافة المشاكل على أسس اجتماعية سياسية، تبرهن من جديد على طبيعة الخلل الوطني (العراقي) في الحركة القومية الكردية. وهو خلل يبرز بوضوح في سياسة المغامرة والمؤامرة والابتزاز، الذي بلغ ذروته في سيادة نفسية الغنيمة والاستيلاء على الأرض، مع أن مضمون الحركة الاجتماعية الديمقراطية يفترض الارتقاء إلى مصاف تأسيس فكرة الشرعية والمواطنة. فهي الفكرة التي تضمن للجميع حقوقا متساوية، باعتبارها الغاية النهائية من كل نضال حقيقي وإنساني.

لكننا نقف أمام ظاهرة بقاء الحركة القومية الكردية في العراق ضمن شروط تكونها التاريخي الضيق، الذي يدفعها أكثر فأكثر صوب التجوهر العرقي. وهو أمر يشير إلى قضيتين، الأولى هي سيادة البقايا العرقية في الفكرة القومية الكردية في العراق، والثانية هي ضعف الاندماج السياسي والثقافي والاجتماعي بالعراق. وقد تكون الأساليب التي جرى تجريبها في الانتخابات الأخيرة واستعمال نتائجها كما هو جلي في "قائمة المطالب" الكردية تعكس تفاعل هاتين القضيتين في "تكتيك" و"إستراتيجية" النخب القومية الكردية. فعوضا عن العمل بمعايير الدولة الشرعية الديمقراطية والمجتمع المدني، نرى "إنذار" المطالب "التي لا يمكن التنازل عنها" عن تقاسم الثروة والحصول إلى مدن عراقية وأراضي وما شابه ذلك، بمعنى بروز المضمون الفعلي والدفين لنفسية الغنيمة. وهي نفسية تشير إلى حقيقة سبق لهادي العلوي أن عّبر عنها بطريقة مباشرة، مع انه كان يسعى فيها لخدمة الأكراد، عندما كتب يقول بان "الأكراد ليسوا عربا ولا عراقيين، بل هم أبناء كردستان". وهي فكرة وضعها في تأييد مطالب الأكراد بالانفصال وتكوين دولتهم الخاصة بهم. من هنا قوله "أنا من الداعين إلى استقلال كردستان بأجزائها الثلاثة وإقامة الدولة الكردية"(يقصد تركيا وإيران والعراق ويستثني منها سوريا انطلاقا من أن ليس للأكراد أية حقوق تاريخية بها).

فالعراق من وجهة نظر هادي العلوي هو "جزء من الأمة العربية بقدر ما يخص العراق حسب حدوده الأصلية المرسومة من طرف الجغرافيين المسلمين في العصر العباسي". لكنه يضيف أيضا بان "العراق هو سلسلة من الموجات السامية بعد السومريين" التي مثلها كل من الاكديين بناة بابل، والعموريين من سوريا، والآشوريين والآراميين ثم العرب. ذلك يعني أن العراق "مع كل موجة يبدل هويته. بدأ سوريا ثم صار اكديا ثم آشوريا ثم كلدانيا ثم آراميا ثم عربيا". وهي فكرة يمكن أخذها على علاتها، والانطلاق منها من حيث كونها مقدمة، لكنها بحاجة إلى تدقيق جوهري يقوم فحواه في أن العراق لم يبدل مع كل موجة هويته، بل على العكس، انه يتقبلها ويذوبها ويصنع بالتالي منها حلقة جديدة في سلسلة تراكم وعيه الذاتي. وهو الشيء القائم في خصوصية العراق بوصفه كينونة تاريخية ثقافية وليست عرقية. ولعل العرب هم أكثر من تمثل ومثل هذه الحصيلة بالارتباط مع صعود الإسلام بوصفه العقيدة الكونية والثقافية التي صهرت مختلف مكوناته في بوتقة الانتماء إلى "الأمة". وفي هذا أيضا ينبغي البحث عن سر خرابه المعاصر عندما حاولت الأيديولوجية البعثية القومية العربية أن تحرف حقيقة مكوناته التاريخية الثقافية. فقد كانت الأيديولوجية البعثية اشد الأيديولوجيات عداء للعرب أولا وقبل كل شيء. والعرب العراقيون أكثر من دفع ثمن خرابها الهائل وتخريبها الهمجي.

وليس اندثارها السريع من الذاكرة والعقل والضمير العربي في العراق سوى الدليل العملي على هذه الحقيقة. لكن ذلك لا يعني اندثار القومية العربية. على العكس، إن سقوط الأيديولوجية البعثية والدكتاتورية الصدامية شكل أحد المصادر الكبرى لانبعاث القومية العربية في العراق بالشكل الذي يجعل منها قومية ثقافية. بمعنى يفسح المجال أمام إمكانية رجوعها إلى أصولها الأولى، ومن ثم تأسيس إمكانية تحرير القومية من مختلف أصناف الشذوذ عبر ترقيتها إلى مصاف الرؤية الثقافية والاجتماعية. وهو الاتجاه السائد حاليا سواء بصيغته الدينية (الشيعية) أو القومية (العربية والتركمانية والكلداآشورية) أو الوطنية أو الديمقراطية والاشتراكية والشيوعية. مع أن كل منها ما زال يعاني من ثقل التركة التوتاليتارية من جهة وثقل مكوناته الأيديولوجية السابقة من جهة أخرى. أما الاستثناء الوحيد فهو الذي تمثله الحركة القومية الكردية. وهو واقع يتكرر من جديد في تاريخ العراق الحديث مع كل انعطاف حاد أو ضعف في الدولة المركزية. مما يؤكد الحقيقة القائلة، بان الأكراد ليسوا عراقيين بالمعنى الوطني والاجتماعي والثقافي.

وهو واقع يضع أمام الحركة الاجتماعية والديمقراطية في العراق مهمة كبرى إلا وهي كيفية بلورة إجماع عراقي على إستراتيجية فصل العراق عن الأكراد. ذلك يعني أن الجوهري بالنسبة للحركة الديمقراطية والاجتماعية العراقية في الموقف من القضية الكردية لا ينبغي أن يترك إلى الحركة القومية الكردية، بل أن يأخذ العراقيون زمام المبادرة، كما أن الجوهري والأولوية في العراق هي له ككل وليس "كردستان" فيه أو خارجا عنه.

فالعراقيون والعراق هم الكينونة الفعلية وما عداها مجرد دعاوي ورغبات وأمزجة وأحلام. وفي مجال العلم السياسي لا يمكن جعل الرغبات أيا كانت معيارا للحكم والمواقف العلمية. أننا بحاجة إلى أن تكون كل كلمة قابلة للتجربة والاختبار. والكلمة الوحيدة القادرة للاختبار بالنسبة للحركة الديمقراطية والاجتماعية العراقية هي العراق ووادي الرافدين. وكل ما يخرج عنهما لا ينبغي أن يكون لنا به شأن! بعبارة أخرى إن مشكلة الأكراد بالنسبة للحركة الاجتماعية والديمقراطية العراقية لا ينبغي أن تكون مع العراق والعراقيين، بل مع أنفسهم ومع مناطق أصولهم العرقية، أي مع الأتراك والفرس والأرمن أو أي من يشاءون من "الأصدقاء"، وليس مع العراقيين من عرب وكلدااشوريين وتركمان وغيرهم. لاسيما وان السائد في الحركات القومية الكردية وخصوصا في "تثقيفهم" الذاتي والداخلي هو العداء الأعمى والعرقي والفج للعرب والقومية العربية. وهو أمر سوف يعمق من شرخ العداء ضد العراق. فالعداء للعرب في العراق هو عداء للعراق بالضرورة، كما أن العداء للأكراد في "كردستان" هو عداء "لكردستان" بالضرورة. كما لا يمكن للمرء أن يكره الروس ويحب روسيا، أو يكره الفرنسيين ويحب فرنسا. إلا أن هذا المزج يصبح ممكنا فقط بمعايير الرؤية السياسية المبتذلة، عندما يجري مطابقة التاريخ والأمة والثقافة مع سياسية النخب أو الأحزاب. وهي الرؤية السائدة في مواقف وسلوك ونفسية ومزاج الحركات القومية الكردية. غير أن لهذا الرؤية السائدة مقدماتها الخاصة في الحركة القومية الكردية نفسها، والتي يمكن إجمالها بمقدمتين، الأولى وهي الضعف البنيوي للأكراد من حيث الإمكانية والواقع، والثانية هي توسع وتغلغل الأبعاد العرقية في الفكرة القومية الكردية في العقود الثلاثة الأخيرة. وهو تغير لم يكن معزولا عن السياسة الهمجية التي اتبعتها الصدامية في الموقف من القضية الوطنية والقومية والاجتماعية والسياسية. إلا انه كان محكوما أولا وقبل كل شيء بما أسميته بالضعف البنيوي الجوهري للأكراد أنفسهم.

وهو ضعف حدد بدوره درجة انتماء الأكراد إلى العراق وبواعثه الموضوعية، بوصفها الدرجة الأبعد أو الأخيرة مقارنة بمكوناته الأخرى. إذ يمكن وضع درجات هذا الانتماء بالشكل التالي أولا: التيار الأكثر عضوية وامتزاجا به هو التيار القومي العربي والآشوري، ثانيا: الأكراد الفيليون والتركمان الشيعة، ثالثا: الأكراد في المناطق الشمالية منه والتركمان ذوي النزوع التركي. والمصدر الموضوعي لهذا الاختلاف في الانتماء يتحدد بعاملين جوهريين الأول هو مستوى التكامل القومي ونوابض اتجاهاته الداخلية، أي دوافع الاتجاه الدفين والفعلي للحركة القومية نفسها، والثاني، هو مستوى الاندماج الثقافي والروحي وانعكاسه في وعي الذات التاريخي.

وفيما يخص الأكراد، فان اندماجهم بالعراق اقل من الناحية الموضوعية، بفعل ضعف التكامل الذاتي للأكراد من جهة، وبفعل النوابض الداخلية للتوجه القومي الساعي إلى بناء قومية ودولة مستقلة. فهي النوابض المميزة والملازمة لكل حركة قومية. والحركات السياسية الكردية هي بلا استثناء حركات قومية. وهو أمر طبيعي ومشروع. من هنا فان النوابض الدفينة أو السحيقة الكامنة وراء بناء الرؤية القومية في مختلف الميادين يجري تخيله أو تصوره أو تأسيسه صوب التكامل الكردي (الكردستاني). أي أن حوافزه الداخلية ونياته وغاياته صوب تكامله الذاتي.

طبعا أن ذلك لا ينفي إمكانية تثويره الاجتماعي صوب إدراك قيمة التحول العالمي المعاصر فيما يخص واقع وآفاق القومية. وهو إدراك سبق وان وضعت أسسه الإستراتيجية العامة فيما أسميته "بالمثلث الإيجابي البناء" الهادف إلى تجميع القوة الكردية المحتملة ضمن تيار الاندماج المستقبلي بالشكل الذي يكفل اندماج الأكراد الذاتي وفي المنطقة على المدى البعيد. بمعنى تكامل القومية والمنطقة دون أن يخسر أي طرف من أطرافه المكونة أي شيء. على العكس انه برنامج التراكم والتكامل القومي والاقتصادي والسياسي والثقافي. وهو أمر يفترض اندماج الحركة القومية الكردية الناشئة في نسيج الحركة الديمقراطية والاجتماعية للدول التي ينتشرون فيها الآن. وهي فكرة تنطلق من واقع فعلي لبلوغ واقع مفترض.

فمن المعلوم أن وجود الأكراد بين قوى قومية ودولتية (فارسية وعربية وتركية) لها تاريخها السياسي والثقافي الكبير والمؤثر في المنطقة، هو أحد العوائق الكبرى التي حالت دون نشوء وتبلور الحركة القومية الكردية بطريقة تكفل لها إمكانية التعايش والاندماج في المنطقة بهيئة دولة وقومية مستقلة. وهي ملابسات أدى التدخل الكولونيالي الأوربي في القرن العشرين وتقسيم السلطنة العثمانية بأثر الحرب العالمية الأولى إلى غرسها بطريقة يصعب تغييرها. إذ أدى إلى تكريس وتعميق وتوسيع الضعف البنيوي التاريخي المميز للأكراد وحركاتهم السياسية المعاصرة. مما أعطى للضعف البنيوي المشار إليه أعلاه طابعا منظوميا. ويتكون هذا الضعف البنيوي المنظومي من ثلاثة أضلاع أساسية هي أولا: ضعف التكامل القومي، ثانيا: التجزئة الجغرافية السياسية، ثالثا: الاندماج المستلب في الإرث التاريخي والثقافي للمنطقة.

والمقصود بضعف التكامل القومي هو أنه ليس للأكراد دولة لها تاريخها الخاص المؤثر والفعال في بلورة تقاليد سياسية وثقافية مستقلة وطويلة الأمد على المستوى الإقليمي. وهو ضعف جلي على خلفية كون الأكراد من سكان المناطق الجبلية المحصورة حاليا بين إيران وتركيا والعراق (مع أن أصولهم وأصلهم من المناطق الشمالية الغربية الجبلية لإيران. وهو ضعف وجد انعكاسه أيضا في البنية الاجتماعية القبلية والجهوية الراسخة بما في ذلك في الوعي القومي والسياسي المعاصر. وهو ضعف حصل على امتداده في التجزئة السياسية للأكراد في دول عدة. مما أدى بدوره إلى الضعف الثالث المكمل ألا وهو استلابهم الثقافي تجاه ارثهم المشترك مع الفرس والأتراك والعرب.

ومن تأثير أضلاع هذا المثلث ظهرت مختلف أشكال ونماذج القضية الكردية وحركاتها الاجتماعية والسياسية. وقد حاصر هذا المثلث القضية الكردية قوميا وجغرافيا وسياسيا وثقافيا، بحيث يصعب حلها دون فك أضلاعه بطريقة لا تجعل "كردستان" فجوة لا مكان فيها للتكامل والتطور الطبيعي. وهو الأمر الذي يطرح مهمة حلها بطريقة يعيد للأكراد إمكانية التكامل في قومية سياسية ثقافية مندمجة في المنطقة. وهي فكرة بلورت معالمها ومبادئها ورؤيتها الإستراتيجية فيما أسميته "بإستراتيجية المثلث البناء" (أسست له وشرحته بإسهاب في كتابي فلسفة المستقبل العراقي في الجزء والأول والثاني والثالث منه)). وهو مشروع ينطلق من فاعلية وضرورة تحويل "الدولة الكردية" المفترضة من كيان تقليدي إلى كينونة ثقافية سياسية. وذلك من خلال بنائها على أسس فيدرالية ثقافية وسياسية تذلل جذر القومية العرقية. وهو مشروع يفترض عمل الحركات القومية الكردية على صياغة رؤية سياسية ذات مبادئ عامة وقواعد معقولة للعمل من جانبها في تحقيق "مناطق كردية ثقافية - سياسية" ومنها إلى "كردستان جيوسياسي ثقافي" متداخل عضويا في منطقة آخذة بالتكامل الاقتصادي والسياسي باعتباره ضمانة الفيدرالية الكردية. إنها ضمانة إزالة الفتيل وإمكانية الفتنة. كما أنه ضمانة ظهور قومية كردية قوية ومتطورة ومستقلة بوصفه رصيدا إضافيا لقوة المنطقة وتطورها واستقلالها. مع ما يترتب على ذلك من تأسيس إمكانية الحركة المتناسقة للتطور الذاتي ومعاصرة المستقبل بمعاييرها الخاصة وإمكاناتها الفعلية للمنطقة وشعوبها اجمع.

إلا أن تجربة السنتين الأخيرتين (من عام 2003 -2005) بعد سقوط التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، أي بعد أن توفرت للمرة الأولى في تاريخ العراق المعاصر إمكانية السير الواقعي والعقلاني في إستراتيجية "المثلث البناء" نقف أمام تحجر وتخلف سياسي هائل ورهيب للحركة القومية الكردية. بمعنى السير في اتجاه معاكس لمنطق الدولة العصرية وآفاق الاندماج السياسي الثقافي في العراق ومن خلاله تقديم نموذج يمكنه أن يشكل ضمانة تكامل المنطقة والأكراد. وهي مهمة يمكن أن ينجزها العراق في ظل ظروفه الحالية وآفاق تطوره الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. إلا أن السائد في أعماق الحركة القومية الكردية، كما تكشف عنه مجرى الأحداث السياسية وطبيعة مراوغتها بعد الثامن من نيسان عاد 2003 وحتى اليوم، يشير إلى بقاء بل وتعمق وترسخ ضعفها البنيوي، الذي لم، وفيما يبدو، ولن تستطيع التحرر منه. بمعنى أننا نقف أمام نفس "السياسة" المميزة للحركات القومية الكردية في مراحل ضعف الدولة واضطرابها الداخلي. فهي لا تفعل شأن القوى العراقية الوطنية على الدفاع عن الدولة، بل على العكس، نراها ترتمي في أحضان القوى الأجنبية أو تفتعل كل ما بوسعها من اجل تمزيق الصف الوطني تحت واجهات عديدة. ولا يعني ذلك في ظروف العراق الحالية سوى المساهمة الفعالة في عرقلة إمكانية إرساء أسس الديمقراطية الاجتماعية والشرعية. إذ لا معنى لأساليب الابتزاز والسرقة والغنيمة السائدة في سلوك ونفسية الحركات القومية الكردية في العراق غير ذلك. وهي نفسية تعكس مستوى التطور الاجتماعي وتقاليد الإقطاعيات المتخلفة والعائلات القبلية والأغوات. كما تعكس ضعف وتخلف البنية الاجتماعية والسياسية للحركة القومية الكردية عموما. وهو واقع يجعل منها عبئا ثقيلا على العراق وخطرا جديا على آفاق تطوره الحر. فإذا كان الجانب الخاص بالحركة القومية الكردية هو جزء من ذاتها القومية، ومن ثم تتحمل تبعات ما تقوم به، فان بقاءها في العراق يجعل منها طرفا في صراعاته الداخلية. ومن ثم نقل اغلب عناصر تخلفها القومي في ساحة الصراع السياسي العراقي.

فقد استطاع العراق التخلص بعد تجربة قرن من الزمن من ثقل ورذيلة الحركات القومية المتخلفة. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار مقدمات وإمكانيات الحركات القومية العربية التي تفوق مئات المرات مثيلاتها من الحركات القومية الكردية، فمن الممكن توقع مقدمات الخراب في إشراكها في العملية السياسية العراقية. بعبارة أخرى، أن العراق بحاجة إلى نوع من التكامل السياسي المبني على أسس الرؤية الاجتماعية والحقوقية. بمعنى تخليصه النهائي من ثقل الأيديولوجية القومية أيا كان شكلها وشخوصها. من هنا تصيح مهمة تحرير العراق من ثقل القضية الكردية مهمة وطنية كبرى. وهي مهمة تفترض إعادة النظر بالنفس أولا وقبل كل شيء. بمعنى الانطلاق من الفكرة القائلة، بان العراق هو كينونة رافيدينية عربية إسلامية، بمعنى انه كينونة ثقافية. أما الأكراد فأنهم أقلية دخيلة عليه. من هنا ضرورة إرجاعها إلى حدودها التاريخية. بمعنى ضرورة البحث عن فصل قومي من اجل ألا يتحول الصراع الآخذ في النمو، والذي جعلت منه الحركات القومية الكردية في غضون العقدين الأخيرين عنصرا جوهريا في تربيتها الذاتية، إلى صراع قومي مع العرب. وهو صراع فعلي قائم لم يرتق بعد إلى حد المواجهة لكن يحتوي على اغلب عناصرها. فإذا كان الصراع السابق عادة ما يدور بين القوى القومية الكردية والسلطة المركزية، فانه يتراكم الآن بمعايير وعناصر الصراع القومي. وهي إمكانية لم تتخلص منها اغلب القوميات في تاريخها المعاصر.

إن الصراع القادم في العراق هو صراع قومي بين العرب والأكراد ما لم يجر حسم القضية بصورة واقعية وعقلانية. وذلك لان مستوى الاغتراب بينهما قد بلغ درجة يصعب في اعتقادي حل عقدها. فالحركة القومية الكردية أصبحت أسيرة تربيتها العنصرية الضيقة. وهي حالة يمكن فهم اغلب مقدماتها ونوازعها اللاعقلانية. إلا أنها فيما يبدو الحالة التي ينبغي أن تمر بها القومية الكردية من اجل أن تحترق بإتونها لتدرك بعد عقود أو قرون من الزمن قيم الأوهام القومية. وهي حالة لا يمكن التدليل المنطقي عليها كما هو الحال بالنسبة للحب والكراهية. وهي حالة ملازمة لكل صعود قومي. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الأكراد هو الشعب الوحيد في المنطقة الذي لم يرتق بعد إلى مصاف القومية سواء بالمعنى التاريخي أو الثقافي أو الدولتي، من هنا سريالية الأوهام القومية الكردية التي لا يمكن مواجهتها بغير إعطاء الحرية لها لكي ترتطم بسواحل اليقين الذاتي. بعبارة أخرى إن الأكراد هم الوحيدون في المنطقة الذين لم يتذوقوا ملذات ومآسي القومية من اجل أن يعرفوا حقيقة الأبعاد الاجتماعية للدولة والأمة والثقافة.

إن الأكراد هم الوحيدون الذين لم يتمتعوا بالفكرة القومية في وقت لم يعد للقومية مذاقها وفاعليتها التاريخية. من هنا ضعفهم التاريخي وبقاءهم المحكوم بالنفسية العرقية التي تكمن فيها أيضا مأساة الأكراد التاريخية. وهي مأساة لا يمكن الخروج منها بالدخول في العراق بل بالخروج منه. فهو القدر الذي طبع ويطبع تاريخ الأكراد المعاصر. ومهمة العراق تقوم أساسا في تحريره الذاتي من ثقل هذا المأزق. وذلك لان التجربة التاريخية والسياسية للعراق المعاصر، وبالأخص في مجرى السنتين الأخيرتين (2003-2005) تبرهن على أن الحركة القومية لم ولن تدرك الأبعاد الاجتماعية في فكرة الدولة ما لم تمر بطريق الآلام. الأمر الذي جعل ويجعل منها في ظروف العراق الحالية والمستقبلية حركة خارج منطق التاريخ والقومية بالمعنى الدقيق للكلمة.

وهو واقع يجعل من "المشروع الكردي" في العراق مشروعا تخريبيا بالنسبة لبناء الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي الاجتماعي. وهي نتيجة مرتبط بنفسية وفعالية "الأقوام الصغيرة" التي لم تندمج في كينونة الدولة وثقافة الأمة الكبرى، والتي عادة ما تكشف عن نفسها زمن الانقلابات الحادة وضعف المركزية. ذلك يعني أن الشيء الوحيد الذي يمكن أن تفرزه الحركة القومية الكردية في ظروف العراق المعاصرة هو نفسية العرق، وذهنية الانفصال، وأيديولوجية الانعزال. وهي نفسية تخريبية بالمعنى السياسي والاجتماعي والقانوني، برزت وتعمقت وترسخت وتوسعت بعد انهيار الدكتاتورية الصدامية. فمن الناحية المنطقية كان ذلك يفترض الاشتراك الاجتماعي الفعال من جانب الأكراد بمعايير الرؤية الاجتماعية والوطنية، إلا أننا عوضا عن ذلك نرى استفحال نفسية الغنية والاستحواذ والتقوقع. بحيث تحول العراق بالنسبة لها إلى مجرد بقرة حلوب، لعل "مطالب" الحركات القومية الكردية الحالية بعد الانتخابات الأخيرة دليل قاطع عليها، أنها مجرد "كركوك + مناطق جغرافية + مناصفة الخزينة + زائد تعويضات + ميليشيات مدفوعة الأجر + قرار انعزالي بكل ما يمس فكرة سيادة الدولة"!!! وهي مطالب أما سخيفة أو مجافية لأبسط مقومات الرؤية العقلانية والواقعية. بل أخذنا نسمع من بعض القيادات الكردية كلاما عن فضيلة ومنة بقاءهم في العراق على العراق!

إن المرء العاقل يصاب بالدهشة من هذه الوحدة البليدة للمطالب والامتنان! ولكن في حال وضع هذه الانطباعات على جانب، فأنها تعكس من حيث المظهر "موقع القوة" المزيف، ونفسية الغنيمة المميزة لتقاليد الأغوات والإقطاعيات المتخلفة كما مثلها بصورة جلية البرزاني وأمثاله. أما من حيث باطنها فإنها تمثل المزاوجة الخفية لإستراتيجية "الأقوام الصغيرة" التي أكثر من يتمثلها ويمثلها في المنطقة الآن اليهودية الصهيونية. من هنا سبيكتها المخربة بالنسبة لإمكانية استتباب الوضع في العراق وآفاق تطوره الديمقراطي والحقوقي. وهي حقيقة يمكن النظر إليها في حال تتبع نوعية السياسة التي سلكتها القوى القومية الكردية قبل وبعد سقوط الدكتاتورية الصدامية. فقد تحول "رجوع" الأكراد إلى العراق بعد "الانفصال" رجوعا إلى الوراء. فعوضا عن الاندماج الفعلي في بنية الدولة الجديدة، نرى محاولات حثيثة لخرق مكوناتها الجديدة وبالتالي إضعافها من الداخل. بمعنى العمل على إضعاف أية إمكانية لإعادة بنائها والالتهام المفرط لمواردها. إن ذلك يعكس دون شك نفسية الغنيمة والأوهام "الكبرى" للحركة القومية الكردية. والقضية هنا ليست فقط في انه لم يكن هناك استقلالا فعليا عن العراق، بل ولخضوعه المباشر وغير المباشر للسلطة الصدامية والهيمنة الأمريكية. فقد كانت الباب مغلقة على العراق والنوافذ كلها مشرعة. كما أن حياة الأكراد الاقتصادية كانت ممولة من العراق والعراقيين بالعملة الصعبة والأوراق الصدامية!! وهي نفسية كانت وما تزال تحكم السلوك القومي الكردي تجاه العراق كما نراه في المواقف المتشنجة والخشنة وغير الأخلاقية منه كما لو انه بلد غريبا. وهي حالة معبرة عن اغتراب الحركات القومية الكردية والأكراد عموما عن العراق. من هنا ليست أيديولوجية وسياسة القوى القومية الكردية ومواقفها العملية من العراق سوى مجموعة "مطالب" تخريبية من وجهة النظر الوطنية والفيدرالية والديمقراطية والحقوق. أنها تسلك سلوكا ضيقا لا يعني استمراره بالنسبة للعراق سوى إعادة نفسية القومية العربية المتطرفة. وبهذا المعنى أتكلم عن الحركة القومية الكردية بوصفها أحد اشد العوامل تخريبية في العراق ومعاصرة المستقبل فيه. إذ أدى وسوف يؤدي سلوكها العملي بالضرورة إلى استثارة النزوع القومي العربي المتطرف في العراق. بينما المهمة التاريخية للقوى الاجتماعية والسياسة في العراق تقوم في تذليل هذا الرجوع.

فقد دفع العراق ثمنا باهظا للقومية المتخلفة، بينما تسعى الحركات القومية الكردية التي هي أكثر تخلفا بما لا يقاس من مثيلاتها العربية إلى جر العراق إلى مزبلة جديدة. من هنا تصبح الوقاية من هذا المرض الجديد قبل استفحاله مهمة وطنية كبرى بالنسبة للعراق. كما أنها سوف تعطي للعراق إمكانية التطور الديناميكي الطبيعي بمعايير الرؤية الاجتماعية والسياسية والحقوقية. بمعنى نقل الصراع الحالي، الدامي والشديد أيضا إلى صراع اجتماعي سياسي. وهو المطلوب! فهو الصراع الوحيد القادر على صنع الحرية والنظام.

العراق ليس بحاجة إلى صراع قومي. لاسيما وان التربية القومية الكردية تجاه العرب تتصف بنزعة عنصرية متطرفة. والاحتكاك بها سوف يؤدي بالضرورة إلى استفحال الرؤية العرقية في الفكرة القومية العربية الآخذة في الاستعادة. وهو أمر يتنافى مع حقيقة مكوناتها. بعبارة أخرى، إن القومية الكبرى لا ينبغي أن تكون ضحية السلوك الضيق "للأقوام الصغرى". الأمر الذي ينبغي أن يطرح أمام الحركة الديمقراطية الوطنية العراقية والقومية العربية فيما يتعلق بالأكراد أما الاندماج على أساس المواطنة والديمقراطية والحقوق المدنية، وأما الانفصال.

فالمقصود الضروري من الفيدرالية هو النظام السياسي والاجتماعي العام وليس "مصالح الأكراد" في العراق. إذ العراق ليس بحاجة إلى "فيدرالية كردية"، انه بحاجة إلى نظام فيدرالي ديمقراطي اجتماعي يقر بحقوق الجميع ومساواتهم المطلقة أمام القانون على أساس مبدأ المواطنة وحقوق الإنسان. أما الاعتبارات القومية والدينية والثقافية فهي مجرد جزء لا يتجزأ من حقوق المواطنة والإنسانية. من هنا ضرورة المبادرة العربية فيما يتعلق بالحل الواقعي والعقلاني والجذري للقضية الكردية في العراق من خلال بلورة ما يمكن دعوته بالمبادرة العربية بهذا الصدد.

إن العرب هم الذين ينبغي أن يقرروا فيما إذا كانوا يريدون العيش مع الأكراد أم لا وليس بالعكس. مع ضرورة التوكيد المسبق إلى أنهم إلى جانب حق الأكراد بالانفصال عن العراق. وبهذا يقدمون الصيغة المثلى "لحق الأمم في تقرير مصيرها". مما يفترض بدوره إقامة استفتاء عربي مشابه لما تفتعله الحركات القومية الكردية عن فك الارتباط. فالعراق ليس بحاجة إلى قضية كردية لا بالمعنى الاقتصادي ولا السياسي ولا الثقافي ولا الاجتماعي ولا الجغرافي ولا العلمي ولا في أي شيء! على العكس أن فك الارتباط هو الإنجاز التاريخي الأكبر للعراق في هذه الميادين جميعا. وذلك لان القضية الكردية ثقل باهظ الثمن ماديا ومعنويا بالنسبة للعراق، وفي نفس الوقت لا يستفاد منها على الإطلاق في أي شيء!

 

ميثم الجنابي

...................

ملاحظة: لقد كتبت ونشرت هذا المقال في بداية عام 2005.

 

 

عقائد الدولة الفرعونية: هيرودوت كتب (انّ المصريين اكثر تقوى من سائر البشر ... ويهتمّون كل الاهتمام بالشعائر المقدّسة ...)، ومع ذلك لم تكن عقائدهم هي ذاتها في كل زمان ومكان، بل تبدّلت في احيان كثيرة، ولا أقلّ من التغيّر الذي تكشفه جهة توجيه الميّت عند دفنه التي تكشفها مقابرهم خلال عصور متعددة، حيث كانت اجساد بعض الموتى المصريين باتجاه الغرب، والبعض الاخر بالاتجاه الشمالي او الشمالي الشرقي، مما يعني التبدّل في قناعاتهم في موضوع باهمية مصائر الموتى الذي يشغل الانسان دائما.  لكن يمكن لذلك ان يكون تنوّعا مناطقيا في العقائد ايضا، وليس زمانيا ربّما، حيث اختلفت اتجاهات الدفن باختلاف المقابر .

لقد تم العثور على مجموعة من الرسوم والنقوش التي تعود لعصور ما قبل التاريخ المصرية - السابقة على عصر الأسرات الأوّل - توّثق مجموعة من المعارك والحوادث التي تشارك فيها كائنات مثل العقرب وطائر أبيس والصقر وابن آوى، وهي التي نقل التاريخ المكتوب تقديسها وتأليهها في مجمل الحضارة المصرية اللاحقة . كما تضمّنت تلك المكتشفات وجوداً للاله (مين) .

انّ العقل المعاصر يقرأ تلك الرموز بنحو من الأسطورة الحاكية عن سذاجة تلك الشعوب الاولى، لكنّ هذه القراءة المتأخرة لا تكشف السبب الواقعي لتقديس تلك المظاهر الحيوانية لاحقا، وبتركيز ومواظبة، من قبل حضارة كبيرة ومتمدنة كالحضارة المصرية، كما انها لا تفسّر وجود هذه الكائنات في منقوشات هدم قلاع المدن واحتلالها، وربّما لم يُرِد الناقش للحجر الفهم المعاصر للباحثين الغربيين، بل أراد قول شيء آخر تماما .

كما حملت المنقوشات التي يُرجّح انها تنقل احداث توحيد مصر العليا ومصر السفلى على يد الملك (مينا) رسومات لابن آوى والصقور، وفيها ايضا الاله (خنسو)، احد أعمدة ثالوث طيبة . ومن غير المفهوم استمرار واصرار المصريين على توثيق وجود الآلهة - الحيوانية الوجوه في الغالب رغم بشرية بعضها - ضمن معاركهم وحوادثهم الكبرى، خصوصاً تلك المرتبطة بوجود الملك .

كانت الكثير من هذه الآلهة تفقد حجمها بمرور الزمن امام اله صاعد جديد، او ربما يتم دمج الهين في اله واحد، وأحياناً تكون هناك الآلهة الكبرى الحاكمة على مجموعة الأقاليم المصرية فيما تنتشر أيضاً مجاميع من الآلهة الصغيرة المساعدة، والملفت انها تعمل بانسيابية مثيرة ضمن المنظومة الكبرى للآلهة .

ربّما كان العجل الذي حمل اسم (أبيس) او (مرور) و (العجل الأبيض) و(العجل الأسود العظيم) من اهم الآلهة الواضحة التقديس في عصور الدولة المصرية القديمة، وكانت له مجموعة من الكهنة والخدم، فيما ارتبطت الآلهة (حتحور) بصورة البقرة، رغم بشريتها .

فيما كان الكبش من الصور الملفتة للآلهة الاولى للمصريين، وقد مُثّلت من خلاله الآلهة (آمون رع) و (حرشف) و (خنوم) . انّ العامل المشترك في الآلهة (الكبش) هو ارتباطها بعملية الخلق، حيث حملت بعضها لقب (خالق البشر) وبعضها (ابو الآلهة) .

كما كانت المسّلات - وهي أعمدة طويلة نسبيا - تحمل قدسية خاصة لدى قدامى المصريين، استمرت لاحقا، وقد وجدت مجموعة كبيرة منها مثل أعمدة (ايونو) و (بنبن) و (جد) . ورغم انّ الباحثين الآثاريين عاجزون عن تفسير أصل قداستها الا انّ المصريين ربطوها بشكل غامض بالآلهة ذاتها، كما في عمود مدينة القوصية الذي ارتبط بالآلهة (حتحور) . والذي أراه مناسباً انّ هذه الأعمدة لم تكن هي بذاتها مقدسة، بل كانت عبارة عن وسائل مفترضة للتواصل مع الآلهة، لذلك أخذت قدسيتها من قدسية علم الآلهة ذاته .

والصولجانات اليدوية كانت مشابهة لقدسيتها - كواسطة لعبور قوى الآلهة - بحال المسلّات، فكان هناك مثلاً الصولجان (سخم)، الذي يعني (القوة)، وكان يرمز للسلطة وقوة الآلهة . وقد كان للآلهة ذاتها صولجانات، لا نعرف مغزى واضح لحملها من قبلها مع كونها آلهة لا تحتاج في فعلها للصولجان، لكن يبدو انّ هناك تفسيراً مصرياً لم يصلنا حول حقيقة استخدامها في العالمين البشري والخارق . وقد ارتبط احد هذه الصولجانات بالإله الكبير (اوزيريس)، مما يعني عناية خاصة لهذا الصولجان .

لكن الامر الأكثر اثارة فهو ورود مصطلح (دواور) الذي ترجمه بعض الغربيين بمعنى (المنتمي العظيم للفجر)، لكنّه اليوم يُترجم - بكلّ بساطة ووضوح - الى كلمة (متنوّر)، ومنه طائفة (المتنوّرين) المنتشرة في عالمنا . وقد ارتبط المصطلح باحتفالات مقدّسة غامضة، كما في عصر الملك (جت)، كان المتنوّر فيها يضع (لحية) صناعية .

نظرية الخلق والآلهة المصرية

يبدو انّ المصريين القدماء كانوا يعتقدون بعقيدة التوحيد ذاتها التي اعتقد بها الانسان السومري الاول، حيث (نُون)، (القديم)، (اللانهائي)، (العمق العظيم)، والوصفان الأخيران ليسا الا بمعنى (السرمدي)، وهو ذات المعنى المستخدم لوصف الاله الإبراهيمي . وهنا من الغريب إدِّعاء باحث مثل (ياروسلاف تشيرني) انّ ذلك يعني إيمان قدماء المصريين بالفوضى ! .

و (آتوم) عنى به المصريون القدماء (الكامل، المطلق، الموجود بذاته، الأزلي، الأقدم، المتفرد، الأوحد)، وربما يكون هو ذاته المخلوق الاول ل (نُون)، لكن نجد انّ هذا التقريب بين المصطلحين يكون بعيداً عن ذهنية الباحث الغربي في الغالب، لافتقاده للخلفية الفلسفية الشرقية العميقة . ثمّ أوجد (أتوم) - بنفخة منه - (شو) و (وتفنوت)، وهما وصفان للطبيعة بحسب الباحثين، وان حملهما الباحثون الغربيون - كالعادة - على محمل الآلهة . وهذا الإشكال في الحمل الخاطئ قد عانت منه الترجمات الغربية للعقائد السومرية ايضا، كما صوّروا كلمة (دنجير) بمعنى الاله، فيما لم يقصد بها السومريون سوى القداسة . وهذا الاشكال ناتج عن الخلفية الوثنية او المادية للمجتمعات الغربية . لكن يبقى هناك احتمال كبير ان يكون (شو) أيضاً مظهراً آخراً ل (نُون) و (أتوم)، حيث هو اسم التجليّ من خلال الآيات الطبيعية، حين خلق السماوات والأرض وملأ ما بينهما بآياته، لا سيما ان اللاهوت المصري وصف (شو) باللامرئي وأنّ الابصار لا تدركه . ومن الغريب ايضا ان يحيل الباحثون هذه المعاني الى الرؤية اللاهوتية التثليثية الاقانيمية للمسيحية الرومانية، وجعلهما متطابقتين ! .

كانت هناك على الدوام في مصر آلهة رئيسة وآلهة ثانوية، وكانتا يشكّلان منظومة واحدة، وانا لا اذهب الى الفهم الذي نتج عن بعض الآثاريين لتفسير ظاهرة دمج الآلهة الثانوية بآلهة اكبر كنتيجة لصراع سياسي او مناطقي، لأنّ الكثير من تلك الآلهة الثانوية ظلت مقدسة ومحترمة حتى لدى المنتصر والغالب، إنَّما كان السلوك هذا لدى المصريين يقوم على أساس المعتقد المصري ذاته، الذي يؤمن بوجود عالم اخر، تسكنه كائنات خفيّة، مترتبة بصورة طبقية، لذلك كان فيها من هو ذو نفوذ في عالمه وبالتالي في عالمنا ايضا، وكان هناك من هو أقلّ شأناً، لكنّه كان قادرًا على التواصل مع مناطق محددة، لا تهدد نفوذ الكائن ذي النفوذ، وبالتالي ليس من الغريب ان يتم دمج هذه الآلهة والربط بينها .

ومن الطبيعي انّ الانحراف في الفكر الديني المصري بدأ ينتشر خلال فترات زمنية متباعدة، كما هو الحال مع الانحراف في المجتمعات التوحيدية العراقية، لكنّ شيئاً ظهر فجأ ذهب بالدِّين المصري بعيدا، فانغمس كليًّا في منهج الظلموت . والواضح من الاستعراض التاريخي للعقائد في مصر انّ هناك تعمّداً في دمج نظرية الخلق الاولى - التوحيدية ربما - مع قصص وأساطير اخرى، لخلط الأوراق وإشباع صور الشخصيات والحوادث فيها بألوان جديدة تناسب ذلك الظهور المفاجئ . وسيأتي لاحقاً بعض ملامح هذا الدمج، وسيتبين لماذا نعتقد بذلك .

انّ النتيجة المباشرة لهذا الخلط العقائدي الغريب وتشوّه الأفكار بمرور الزمن هي ظهور مفهوم الآلهة المادية، المرتبطة بالماورائيات، ذات القدرات الخارقة، يصحب ذلك الكثير من الطقوس والسلوكيات الناشئة عن تلك الاعتقادات، والتي تتطور مع الزمن بنحو اكثر تعقيدا .

يمكننا تقسيم الآلهة المصرية في فترة الظلموت - التي اعقبت الفترة الشبيهة بالتوحيدية - الى مستويين، آلهة رئيسة، وآلهة ثانوية او محلية . وربما اندمجت الآلهة المحلية مع الرئيسة في فترة من الفترات لإنتاج اله جديد رئيس .

يمكننا القول انّ واحداً من اقدم الآلهة المصرية التي تعود لعصر ما قبل الأسرات هو الاله (مين)، الذي يتم تصويره على شكل رجل منتصب يرتدي رداء ضيّقاً ويرفع احدى يديه بالسوط ويخفي الاخرى تحت ردائه .

من الآلهة الرئيسة (آمون) الخفي، ومعبود الدولة الحديثة، والذي يتم دمجه عادة بآلهة رئيسة اخرى، و (رع) وهو اهم الآلهة المصرية وأشهرها ورئيس مجمعها التاسوعي، والمسافر الدائم على مركب الآلهة، الذين اندمجا لاحقاً في الاله (آمون - رع) . وهناك أيضاً الاله (حورس) البعيد، الذي اشتهر في الأسطورة المصرية الكبرى (اوزيريس وست وإيزيس) كابن لاوزيريس وإيزيس، والمنتقم من عمه ست . والإله (اوزيريس) حاكم عالم الموتى، و الرمز الكبير لضحايا الحسد، والذي قتله اخوه ست، واراد أخذ زوجته (اختهما معا) . والإله (بتاح) رب الصناعات والفنون او خالقهما . والإله (ست) رمز الشر لانه قتل اخاه اوزيريس، لكنه المقدس ضمن التاسوع الالهي .

وربما كانت هذه الآلهة تظهر في مناطق متعددة، لتحمل عناوين متعددة، رغم وحدة الظهور، مثل ظهور (ست) بصورة (آشو) . وأحيانا يكون الاله هو ابن لأحد الآلهة الكبار، فيأخذ أهميته من ذلك البعد النسبي والقوة التي يملكها ايضا، كما هو الاله (أنوبيس) .

او انّ الآلهة تكون زوجة لأحد الآلهة، وهي ذاتها تكون مهمة ايضا، كالآلهة (إيزيس)، زوجة الاله (اوزيريس)، وأم الاله (حورس)، والتي انتشرت عبادتها في أوربا بصورة كبيرة في العهد اليوناني الروماني .

وهناك ما ارى انها عناوين لقوى مقدسة، لا انها اسماء لآلهة، وهذا ما تحويه الهالة التقديسية الخاصة بها كالعنوان (سخمت)، والعنوان (أبيس)، و (سرقت)، و (سكر/ سوكر)، و (يوسعاس)، ربما كانت وسائط عمل الآلهة بايّ صورة كانت، وربما هي مجموعة من الآلهة الفرعية العاملة تحت نظر الآلهة الكبرى . وهناك احتمال اخر أتبناه ان تكون هذه العناوين تشير الى وسائل تكنولوجية، أُستخدمت من قبل هذه الآلهة المفترضة، مما ابهر المصريين ونفعهم ايضا .

او تكون تلك الآلهة في الواقع ليست سوى بشر مقدّس لدى المصريين، كانت له إنجازات او خوارق، او ربما اخطأ الباحثون في ترجمة رؤية المصريين لقدسيته، كما هو الاله (إيمحتب)، الذي كان مهندساً معمارياً للملك (زوسر) . وعلى هذا الواقع يمكن احتمال وجود اله بشري اخر هو (ددون)، الشاب الصعيدي الذي يحمل البخور .

وبعض الآلهة كان يوصف بانه رسول الآلهة كالاله (تحوت)، مما يعني انه ليس إلهاً بالمعنى الفلسفي، ومع ذلك تم وصفه بانه رب الكتابة، وهذا ما يشير الى معنى اخر يرتبط بتكنولوجيا تواصل الآلهة مع المصريين، لا سيما انه ارتبط بالقمر، وبه ارتبطت الآلهة (سشات) آلهة المعرفة والكتابة . ويشبه (تحوت) اله اخر هو (خنسو)، او (الهائم على وجهه) كما ترجمه المتخصصون، والذي لا يعني اكثر من (المسافر) بلغتنا الحديثة، وعلاقته دائمة مع (آمون) وحركته، وتم ربطه بالقمر ايضا، مما يعني انّ الآلهة الرسولية او الناقلة كان يتم الإشارة اليها برمز القمر، او الشمس كما حدث مع الاله الكبير (رع) .

وأحيانا لم تكن تلك الآلهة المفترضة سوى وصف لحالة مكانية او زمانية، ارتبطت لدى المصريين بمعاني بُعدية محددة، كالاله (جب) اله الارض، والآلهة (نوت) آلهة السماء، الذين اعتبر الباحثون انّ المصريين قالوا بزواجهما، وهو امر مستبعد اذا فكّرنا بعقل المصري ذاته، لكن ربما كان المصريون يعتقدون بارتباط هاتين الحالتين بعلاقة ما، منتجة لعلاقات اخرى .

وقد نفهم بعض تلك الآلهة على نحو مخالف لما هو شائع، كالآلة (حتحور)، التي تعني (بيت / مقر حورس)، والتي اعتبرها بعض الباحثين زوجته، فيما ترجمة اسمها قد تعني وسيلة انتقاله، او مقر قيادته فقط، خصوصاً انها ذاتها تُسمى (عين رع)، وأنها القوة التي دمّرت اعدائه .

وبعض تلك الآلهة ليست الا مسميات لحالات تواصل الآلهة وأوامرها، كالآلهة (حكا) و (حو) و (سيا)، التي تصاحب مركب الاله، وتعبّر عن حالات مثل النطق والسحر، والأخير ربما ليس اكثر من وصف لتقنيات تلك الآلهة .

أمّا اله مثل (خنوم) فيبدو محيراً للباحث، حيث يعني اسمه (الخالق)، وفي ظلّ وجود آلهة خالقة ك (نُون) و (أتوم) و (شو) يكون وجوده مستقلّاً أمراً غير مستساغ و غير متوافق مع المنطق العقلي، لذلك يمكن ان يكون وصفاً آخراً لإله اخر . وعلى ذلك نحمل الثنائي الاخر في ثالوث (خنوم) المتمثل بالالهتين (ساتت) و (عنقت) .

فيما هناك آلهة مستوردة ووافدة من اسيا او غيرها، كالالهة (رشبو) و (بعل) و (سبد) و (عشتارت) و (عنات) و (قادش) . وآلهة اخرى ارتبطت بمعاني الزمن او المواسم، مثل الآلهة (رنبت) المرتبطة بالسنة، والآلهة (رننوت) المرتبطة بالقدر، ويشابهها الاله (شاي)، والآلهة (رننوتت) المرتبطة بالحصاد .

وكانت هناك أيضاً آلهة لوصف فلسفة النظام الكوني، وتثبيت العدالة والحق والنظام كمقدس حاكم على الوجود الكوني والتشريعي، مثل الآلهة (ماعت)، التي تصف الأساس الذي خُلق عليه العالم .

انّ ارتباط آلهة مثل (رع) وهو اله رئيس مسافر دائماً مع آلهة اخرى تجسيدية رمزية مثل (حكا) التي ترمز للسحر - او الفيزياء بالمصطلح الحديث - و (سيا) التي تشير للذكاء والمعرفة و (حو) التي تجسّد الأوامر الصوتية للاله يعطي معنى اخر لفهم حقيقة الآلهة الفرعونية، ويدفعنا بعيداً عن الفهم المُتكلَّف والساذج للباحثين الغربيين . فهنا يبدو واضحاً ان المصريين كانوا يتحدثون عن ظواهر ذكية ابهرتهم، ويصفون مظاهرها بمصطلحات عديدة .

وكانت هناك آلهة من نوع خاص، احتفظت بهيبة ناتجة عن خوف المصريين منها، مثل الاله (مونتو) اله الحرب وحامي الملك، والإله (نحب كاو) الذي يتم تصويره كثعبان برأسين وجسد بشري، يرافق الاله (رع) في قاربه كحارس له . وكذلك هناك الآلهة المرعبة (نيت)، وهي حامية للملك ايضا، واحدى بنات (رع) . ومن آلهات السحر (ورت حكاو) .

ولعلّ الملفت في تصوير النقوش المصرية للآلهة تعدد مظاهرها وغلبة الصفة الحيوانية عليها . لقد استخدم المصريون أشكال العجل والثعبان وابن اوى وطائر إبيس والصقر والاسد وغيرها كثير، وكذلك استخدموا الشمس والنجوم والقمر .

لكن الملفت هو ظهور الآلهة بصورة هجينة، تجمع بين رأس حيواني وجسد بشري، وليس من الواضح الحكمة من ذلك اذا اعتمدنا الفهم العام المتداول لتفسير اعتقادات وأساطير الشعوب، لكنّ الأخذ بما يُنقل عن ظهور كائنات بهذه الصورة الهجينة للعاملين بالسحر في عصرنا الحالي يعطي تفسيراً اكثر وضوحا .

وكذلك يلفّ الغموض انتشار رمزية (قرص الشمس) فوق رؤوس الآلهة، واستخدام القبعات الطويلة او ذات القرون من قبل اغلب الآلهة، فتلك التفسيرات الاحتمالية المتداولة - بحسب ما اطلعت عليه - ليست الا فهمًا معاصراً لسلوك قديم له فلسفته الخاصة .

الآلهة البشرية والحضارة القابيلية

اذا اعتبرنا اتفاقاً مع المنهج الفلسفي العقلي انّ الاله (نُون) هو الذي أفاض الحياة وكان وجوداً متفرداً، سيكون لزاماً علينا اعتبار (أتوم) هو المخلوق الاول، الذي ظهر على التل الأزلي (تاتنن) . ومن (أتوم) ظهرت باقي الآلهة او المخلوقات . انّ هذا المعنى يقابله في الخطّ الديني الرسولي العام المخلوق الاول (آدم) . وقد ربط بعض الباحثين بينهما فعلاً كما ذكر ياروسلاف تشيرني، باعتبار انّ (آتوم) هو لهجة مصرية عن (آدم)، وكذلك اسم (آتوم) في اللغة المصرية القديمة أخذ معنى (الكامل)، وربما هو ما يشير الى فكرة الاصطفاء التي جائت في القران الكريم لآدم واختياره (انّ اللَّهَ اصطفى آدم)، وهو كذلك يشير الى معنى وجود انواع اخرى من البشر أقلّ اكتمالا من آدم، لذلك تمّ اختياره دونهم لاصطفائه بالرسالة الإصلاحية واستعمار الارض، وتم زقّه بالعلوم والمعرفة، فكان هو مصدر الفيض المعلوماتي لبني الانسان، فربطته الأسطورة المصرية بالإله مباشرة .

وقد وصفت الادبيات المصرية القديمة (آتوم) بالاوحد والأقدم والذي أتى الى الوجود بنفسه، كذلك أطلقت عليه (سيد الجميع) . وفي تاسوع (هليوبولس - منف) كان (آتوم) هو اللسان والقلب، حيث كانت بداية الخلق من اللسان والقلب، ومظهر ذلك الخلق كان الإلهين (حورس) و (تحوت) . وأنّ (آتوم) كان هو من نطق الأسماء الاولى للاشياء . وهذا المعنى الأخير ورد في النص القراني كذلك (وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ) .

انّ (تحوت) الذي هو مظهر من مظاهر (آتوم) يقابله في الادبيات الإبراهيمية (إدريس) عليه السلام، حيث أعطت الأساطير المصرية له ذات الخصائص التي تم اعطائها لإدريس في العقيدة الإبراهيمية . لقد جاء في المصريات القديمة انّ (تحوت) كان اله (الحكمة والمعرفة) و (العارف) و (المتمرس بالمعرفة)، كما وصفته ب (سيد السحر) و (المجلل بالأسرار)، وهذان الوصفان الأخيران ربما كانا تلخيصاً للعلوم التي زقّها ادريس في عصره دون ان يكون لها سابق فاخذت معنى غامضا . كما وصفت الأسطورة المصرية (تحوت) بانه مخترع الكتابة وواضع القوانين وكذلك الناموس التقليدي للكتب المقدسة . انّ هذا الوصف لتحوت قابله في النص الإبراهيمي الوصف الخاص بإدريس، حيث جاء ما مضمونه (انّ ادريس اولّ مَن خطَّ بالقلم)، كما نقل صاحب بحار الأنوار، الذي أضاف انّ اليونان يسمونه (هرمس الحكيم)، وما يؤيد كلام صاحب البحار انّ الإغريق أطلقوا اسم ألههم على مدينة (الاشمونين) التي تمّ فيها تقديس (تحوت) فسمّوها (هرموبوليس) .  وقد وجدتُ شخصيا لهرمس كتاباً فيه حكمته وعقيدته وفلسفته، حيث أخذت أثراً من عقائد الماضين على مختلف اصقاعهم كما آورد صاحب كتاب (متون هرمس) . كما أشار صاحب بحار الأنوار - ومصادر اخرى - انّ اسم ادريس أيضاً (اخنوخ)، وقد وجدتُ لاخنوخ قصصا وأساطير في عقائد تاريخية عديدة . وينقل العلامة المجلسي عن السيد ابن طاووس انه قال : (وجدت في كتاب مفرد في وقف المشهد المسمى بالطاهر بالكوفة عليه مكتوب (سنن ادريس) عليه السلام وهو بخط عيسى نقله من السرياني الى العربي عن ابراهيم بن هلال الصابئ الكاتب ...) . وجاء ايضا (مسجد السهلة بيت ادريس عليه السلام الذي كان يخيط فيه) .

ومن ملاحظة هذه الإيرادات جميعا نستشف وجه تقديس ادريس عليه السلام - بمختلف مسمياته - لدى شعوب الارض، فهو من علّمهم الخط، وكذلك من زقّ المعرفة والعلوم . ويمكننا بعد ذلك حلّ الإشكال التاريخي بين مصر والعراق حول الذي كتب الحرف الاول، فكلا الشعبين يريان انّ (ادريس / تحوت / هرمس / اخنوخ) هو من فعل ذلك .

ومن قصة تحوت يمكننا ان نلج الى ما يدعم الرأي القائل بأنّ (آتوم) هو ذاته (آدم) حيث التشابه العجيب بين قصة ابني آدم التي أوردتها الأديان الإبراهيمية وبين أسطورة اوزيريس وست الإلهية المصرية . فقد ورد في القران الكريم (۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًۭا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ) . فيما جاء في أسطورة (اوزيريس وإيزيس) المصرية ما مضمونه (انّ اوزيريس كان يحكم في سالف الزمان على الارض، ونشر في أرجائها أعماله الخيرة، لكن شقيقه ست دبّر له مؤامرة واغتاله خلسة . وبعد ذلك جمعت اختاه إيزيس ونفتيس اشلائه من المواقع التي وجدت فيها، واستطاع ان يُمنح قوة التناسل بمفعول السحر الذي برعت فيه إيزيس . وكان من نتائج هذا السحر ان حملت منه إيزيس وانجبت له ابنهما الاله حورس، الذي هربت به خوفاً من عمه الاله ست وشروره . حتى كبر وأصبح قوياً كفاية، فانتقم لأبيه بمساعدة أمه، فحكم مكانه . وقد خاض حورس مع عمه معارك عنيفة جداً) .

انّ الأصل المشترك للقصتين يمكن فهمه من معرفة انّ الوسيط الذي أنهى هذا الصراع الكبير هو الاله (تحوت / ادريس)، بحكمته عمد الى تهدئة النزاع بين الإلهين المتقاتلين (حورس وست)، وهو كذلك من شافى عين حورس لتعود بارئة .

ولفهم اكبر يمكننا تلخيص مجمل القصة بالمعنى الذي أورده السيد سامي البدري - ذلك الباحث الفذ - عن نشوء الحضارة القابيلية قبالة الحضارة الآدمية الشيتية . حيث انّ (قابيل) و (شيت) في الموروث الإبراهيمي هما ابنا آدم ابي البشر، وقد كان قابيل (يقابل ست في الموروث المصري) قد قام بقتل أخيه هابيل (يقابل اوزيريس)، وكان شيت الابن الاخر لآدم، والذي يقابله في الأسطورة المصرية (حورس) . انّ قابيل بعد قتله لاخيه لم يعد له مكان في الجماعة الصالحة الآدمية، لذلك انتقل لتأسيس جماعة خاصة به، وهو على كونه ابناً لآدم وقد أخذ من علومه لكنّه حمل بذرة الانحراف بعد مقتل أخيه، الذي أنشئه الحسد والأنانية، فكان من المنطقي قيام حضارة قابيلية تجمع بين مظاهر التوحيد الآدمية وبين نتائج الانحراف النفسية لقابيل، فبدأت أولى الحضارات المنحرفة العقيدة . وقد كانت هذه الفرصة ذهبية لاختراق عالم الادميين من قبل حضارات وجماعات اخرى ظاهرة او خفية، متقدمة علمياً او بدائية، فبدأ قيام الحضارة الدينية العكسية، التي تجمع بين الموروث القابيلي والموروث البدائي والموروث غير البشري، فكان ما أنتجته خليطاً عجيباً وملوثاً، ومن الطبيعي ظهور الطقوس المبتدعة والصفات المغلوطة للاله . في المقابل كانت هناك الحضارة النقية الآدمية التي يقودها شيت، والتي ارادت دفع الحضارة القابيلية بعيداً للوقاية من شرورها، فنشأ الصراع الحضاري الكبير والعنيف بينهما، حيث ارادت الحضارة القابيلية أيضاً السيطرة وفرض معتقداتها، وطمس الجرح الكبير في مسيرة الادميين الذي أوجدته فعلة قابيل بقتل أخيه . وقد استمرّ الصراع كما يبدو طويلاً، وبصورة عنيفة، حتى ظهر (ادريس) وعمل على إيقافه وتهدئة قادته، من خلال حكمته، ولأنه كان يحمل هدفاً أسمى في توحيد البشرية وتهذيبها، لذلك تجاوز قساوة المجتمع القابيلي، رغم انه شخصياً كان جزءاً من المجتمع الشيتي الآدمي . وقد جاء في الأسطورة المصرية انّ تحوت كان كاتب الآلهة الذي يستشيرها في الحكم بين المتصارعين على العرش، لكنّه كان ينحاز دائماً الى جانب الحق حيث (حورس) . وَمِمَّا يؤيد هذا الاختيار انّ (الهكسوس) - وهم من أصل عراقي - وحّدوا بين (ست) وإلههم (سوتخ)، حيث أقاموا له المقابر في مدينة (اواريس)، وصاروا يستخدمون الاسمين للدلالة على مقصود واحد .

انّ الرؤية الدينية الإبراهيمية تثبت دائماً وجود مخلوقات بُعدية في عوالم اخرى خفية، لذلك حملت عنوان (الجآن) بمعنى المخفي او المراوغ، يقودها كائن ذو قدرات خاصة اسمه (ابليس)، ولقبه (الشيطان)، وهو اول أعداء آدم بعد اصطفائه، بسبب الانانية والحسد ايضا . لذلك كان من الطبيعي استغلال هذه المخلوقات للمجتمع القابيلي البدائي، وفتح الصراع من جديد مع المجتمع الآدمي، فكان هناك تبادل نفعي بين الحضارتين القابيلية والابليسية، حيث قابيل يفتقد الى الدعم الذي حظي به المجتمع الآدمي سماوياً بعد انشقاقه وانسلاخه .

لكن كان من الطبيعي جداً ان تسعى الحضارة القابيلية لتحسين الصورة السيئة لمؤسسها (قابيل) وجعله محترماً كبقية اخوته، لذلك تمّ ادخال (قابيل / ست) كاله في مجمع الآلهة المصرية، وكذلك في مجامع آلهة لشعوب مختلفة اخرى، بعد انتشار هذه الحضارة في عموم الارض، من هنا كانت أسطورة (اوزيريس وإيزيس وحورس وست) نسخة معدّلة عن قصة ابني آدم الإبراهيمية، لتحسين صورة (قابيل / ست) في الذاكرة البشرية .

انّ المجتمع المصري القديم ربما لا يشترك شكلاً مع المجتمع الآدمي العراقي - الملامح الشرق اوسطية -، حيث تظهر المومياوات جنساً يجمع الى حد كبير من حيث الهيئة بين الميديترانية المتوسطية وبين النوبية الجنوبية، قد أخذ المعرفة عن المجتمع الآدمي الشيتي، او انه اختلط بالمجتمع القابيلي .

mutham aljanabiوفيما لو تركنا الماضي وخلافاته، فان المهمة التي حاول أنور الجندي تنفيذها وبلوغ ما اسماه بأسلمة المناهج من اجل إعادة توحيد الذات الإسلامية بمفاهيمها وقيمها الخاص. من هنا اعتقاده القائل، بان "الرد على التغريب والشبهات جاءت في العصر الحديث على لسان الإمام حسن البنا". بل ونراه يستكملها فما اسماه بالمراحل الأساسية التي قطعتها "هذه اليقظة الإسلامية في تصحيح المفاهيم" من خلال "عودة المرأة المسلمة إلى البيت والحجاب:، و" ظهور المصارف الإسلامية"، و"تطبيق الشريعة الإسلامية في باكستان والسودان"، و"غلبة مفهوم الإسلام الجامع دين ودولة ونظام ومنهج في مطلع القرن الخامس عشر الهجري"(1). وبغض النظر عن هذه المراحل "الغبية" في تصوير النهضة الإسلامية الحديثة أو بعض مؤشراتها المهمة، إلا أن الشيء الأكثر جوهرية في مجال "الفكر النظري" هو ما وضعه من رؤية منهجية ومفاهيم نقدية.

ينطلق أنور الجندي من مقدمة عامة تقول باختلاف الرؤية والمنهج في التفكير الاسلامي والغربي وبالأخص في مجال الإنسانيات اختلافا عميقا. وما يميز المنهج الغربي بهذا الصدد هو انه يتعامل مع الإنسان وقضاياه تعامله مع قضايا الوجود المادي(2). إضافة لذلك، أن "منهج البحث الغربي خاص وليس عام، انه محلي وليس عالمي". فالمنهج الغربي، حسب عبارة أنور الجندي، لا يعتبر حاكما، لأنه لا يستطيع أن يقف موقف العدل المنصف في النظر بين وجهتي نظر مختلفتين ليقول أيهما اصدق واعدل وأكثر خيرا للبشرية في حاضرها ومستقبلها(3). من هنا حكمه القائل برفض "النظرية الغربية التي تقول أن المعرفة مادية وان الثقافة عالمية، وان الفلسفة تعطي الجواب لكل أحداث الحياة والفكر"(4). كما أن من الصعب القبول بالرؤية التاريخية للغرب. فمن الناحية المجردة من العسير إخضاع حرية الإرادة الإنسانية إلى قانون علمي ثابت . كما يتعذر إجراء التجارب في مجال العلوم الإنسانية. إضافة لذلك أن مقررات العلوم الإنسانية، على عكس الطبيعية، تاريخية وشخصية، ومن ثم لا تجرد في مواقف الباحث تجاه القضايا الإنسانية(5). وقد يكون نموذج الاستشراق دليلا حيا على ذلك. فقد كان وثيق الارتباط بالتبشير والكولونيالية(6). وتبرز ملامح هذه الرؤية الغربية بوضوح في مواقفها من التاريخ وكيفية تفسيره. فقد حاولوا تفسير التاريخ الاسلامي استنادا إلى فكرة "الغنيمة والكسب". كما اعتبروا "الدعوة الإسلامية دعوة أرضية وليست سماوية"، ومن ثم "إلغاء صفة الإلهية والربانية عن الإسلام" وبالتالي "تفسير تاريخ الإسلام على انه تاريخ العرب"(7). ووضع أنور الجندي هذه المقدمة الدينية اللاهوتية عن "الرؤية الغربية" و"المنهج الغربي" في أساس حكمه القاطع عما اسماه بوقوف "المنهج الاسلامي" بالضد منهما. انطلاقا من أن "المنهج الاسلامي" يعتقد اعتقادا جازما بان "الدين الحق هو الذي يعطي الإجابة الصحيحة لمفاهيم العقائد والغيبيات والمجتمع، وانه وحده الذي يستطيع أن يفسر وجود الله وخلق البشر وخلود الروح. أما الفلسفة فقد عجزت بعد أن عجز العلم"(8). ذلك يعني إنهما يتلفان اختلافا جوهريا(9).

وقد شكلت الآراء والأحكام السابقة مقدمة عامة لتأسيس فكرة البديل الحضاري الإسلامي عبر أسلمة المناهج والرؤية النظرية والعملية. وانطلق في توسيع مدى هذه الرؤية والموقف من فكرة عامة تقول، بان التجربة الغربية تتعارض مع طبيعة تكوين الأمة الإسلامية. وبالتالي، فان "المجتمع الاسلامي رفض ويرفض التجربة الغربية ليس في مجال النظام السياسي بل والاجتماعي والحضاري"(10). والسبب هو أن "الإسلام دين ديمقراطي" ويحتوي على فكرة المساواة بين البشر، وينص على مبدأ الشورى، وخضوع الحاكم للشرع(11). بعبارة أخرى، إن "الإسلام يجعل السيادة للشرع وليس للشعب. والحاكم في الإسلام نائب عن الأمة"(12). كما أن التاريخ الإسلامي لا يعرف التيوقراطية. وان توحيد السلطتين الدينية والدنيوية في الإسلام لا يؤدي إلى شيء من التضارب(13). الأمر الذي جعل من حكومة الإسلام في تطبيق مبادئه ليست إلهية بل بشرية تخضع للنقد وتقبل الشورى وتقبل رأي الإنسان واجتهاده(14) . ما حدد بدوره "رسالة الإسلام" باعتبارها أعمق حركات التحرر، وتحرير الإنسان من العبودية للإنسان، والوثنية، وما غير الله(15). وهذا بدوره ليس معزولا عن كون الإسلام كان ولا يزال غضا طريا(16). وكل ذلك مستق من الموقف الاسلامي مبني على أساس ثباته وأحقيته الدائمة والمطلقة. وبالتالي ليست هناك من ضرورة لان يسعى لملائمة قيمه وعقائده وأخلاقه مع متغيرات الحضارة والمجتمعات، بل على العكس، أن المجتمعات ينبغي أن تتواءم  مع قيم العقائد والأخلاق الثابتة(17). من هنا "لا خلاص إلا بالخلاص من تأثير الفكر الغربي". وهذا ممكن "عبر التفكير من الداخل"(18). بعبارة أخرى، إن المهمة تقوم في تحرير القيم(19). ذلك يعني أن المهمة تقوم في التماس ما أطلق عليه أنور الجندي عبارة "حركة الأصالة"، بوصفها المرحلة الأخيرة من حركة اليقظة العربية الإسلامية اعتمادا على منهج القران(20). وذا بدوره يفترض إعادة بناء الفكر الاسلامي، أي كل ما نعثر عليه في فكرته عن "أسلمة المناهج" بما يتطابق مع خصوصية الإسلام في الفكر والثقافة والتاريخ والدين.

ففي مجال الفكر يفترض ذلك أولا وقبل كل شيء "إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام". وقد بلوها أنور الجندي برؤية مفادها، أن الأثر الذي تركه الاستعمار عبر الصحافة والتعليم قد أدت إلى "حرف مسار العالم العربي والإسلامي عن الوجهة الصحيحة"(21). فقد "أخذت في اللمعان أسماء عديدة بأثر الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882 وبعده، أي في بداية القرن الرابع عشر الهجري. وقد بثوا "سمومهم التي تحولت إلى أفكار شبه مسلم بها". من هنا مهمة نقدها وإعادة تصحيح الوعي. فقد كانت هموم الصحافة إحياء ذكرى المغنين والراقصات والفنانين، بينما يغيب عنها رجال الفكر والأدب والصحافة(22). بحيث تحول تاريخ مصر في هذه الصحافة إلى كمية من الترهات والتفاهة المتعلقة بالبغايا والعربدة والانحطاط. وتحول الكتّاب الكبار إلى "قناطر للفكر الغربي". بحيث نرى طه حسين يدعو إلى فصل اللغة والأدب العربي عن الإسلام. والشيء نفسه يدعو إليه ساطع الحصري في مجال القومية. وكذلك يفعل علي عبد الرازق في دعوته إلى فصل الدين عن المجتمع. بينما يرّوج سلامة موسى لمفاهيم فرويد والجنس. ويدافع إسماعيل مظهر عن الدارونية. ويتوسع محمود عزمي في التطبيل لحضارة البحر المتوسط. وتنصب هموم عبد الرحمن بدوي في الدفاع والنشر عن الفلسفة الوجودية(23). كل ذلك يشير إلى أن آراءهم مستمدة من خليط ثقافي وبلا منهج عام. وهو نموذج للمدرسة العلمانية الغربية مع ضعف أو عدم دراية بوجهة النظر الإسلامية(24).

لكننا نراه بالمقابل يبحث عمن لم تتوفر له الشهرة بسبب أصالته الثقافية والإسلامية، أي كل أولئك الذين أسسوا للذات الإسلامية والعربية الإسلامية. وقد افرد لهم كتاب توسع فيه. كما افرد كتبا خاصة لبعض نماذجهم المتميزة مثل احمد زكي، وزكي مبارك. فقد أسهب في إبراز شخصية احمد زكي(شيخ العروبة). واعتبره من ابرز أعلام النهضة الفكرية العربية على امتداد قرن من الزمن (1840-1940). بحيث نراه يضعه في مصاف "نوابغ العرب المعاصرين أمثال محمد تيمور، وفريد وجدي، ومصطفى الغلاييني، وداود بركات، ورشيد رضا، وشبلي شميل، وأمين الرافعي، وعبد الحميد بن باديس، ومارون عبود، و نقولا حداد. 

إذ وجد في احمد زكي (1867-1934) "الرائد المصري الأول" لإحياء آداب العربية، والبحث عن ذخائر المخطوطات وجمعها، والعلامة الباحث الذي حقق عشرات القضايا والمواقف والمواقع والإعلام وأسماء البلدان وكلمات اللغة(25). فمن أبرز معالم حياته العمل من اجل إحياء الآداب العربية، ورحلاته وبالأخص للأندلس والشام، وتحقيقاته ومراجعاته في الأدب والتاريخ والجغرافيا، والكشف عن أمجاد العرب والإسلام، وأخيرا اهتمامه الأكبر بالأندلس. فهو صاحب عبارة "الأندلس الفردوس الاسلامي المفقود"(26). ذلك يعني أن حياته ارتبطت بإبداعه الأدبي. فقد "كان مفكرا مصريا عربيا". وهذا لم يكن معزولا عن تمثله للكل العربي بمشرقه ومغربه ووسطه. إذ هو مغربي الأصل، فلسطيني المنبت، مصري الأرومة. من ثم كان مستعدا استعدادا كاملا، كما يقول أنور الجندي، للدفاع عن مقومات الفكر العربي والأمة العربية(27). 

وقد تبلورت شخصيته بأثر التيارات العربية الأصيلة في الفكر والممارسة. إذ تأثر أولا بأعلام النهضة الأولى التي رفع رفاعة الطهطاوي لواءها في مجال الترجمة من الفرنسية ، وثانيا بالنهضة التي قادها الأفغاني(28)، وثالثا بالنهضة التي قام بها محمد عبده(29). وظهر ذلك بوضوح في مواقفه من التاريخ القومي والثقافة العربية الإسلامية. من هنا فهم احمد زكي للتراث وتحديده إياه بوصفه "البذرة الأولى ليقظة الشرق"، و"وسيلة البعث والبناء للأمة". وسعى في كل أبحاثه العميقة والدقيقة في التاريخ والتراث لكشف أمجاد العرب. وبرهن على أن العرب سبقوا الإفرنج إلى التفكير في كشف أمريكا، كما برهن على ذلك الإمام الأصفهاني الذي اثبت بطريق الاستنتاج المنطقي والدليل الجغرافي وجوب وجود أمريكا. كما كانوا السباقين في حل مسالة الطيران، وفي اختراع كتابة العميان ، كما هو جلي في كتاب صلاح الدين الصفدي (نكث الهميان في نكت العميان) (وزين الدين الآمدي) الذي كان أول من وضع فن الكتابة للعميان. كما إنهم أول من اخترع الشفرة. وكان أصلها من الكلمة العربية الصفر ولاحقا الحفر، وذلك لأنهم استعملوا الأرقام. والصفر تعني بالنسبة لهم الرقم. كما عرفوا كروية الأرض، واكتشفوا منابع النيل وما إلى ذلك من أمجاد علمية.

وقد حدد ذلك فكرته عما اسماه بوحدة حضارة المشرق العربي من أصولها. بل ونراه يعتبر حضارة البحرين القديمة هي نفسها في الشام وسواحل لبنان وفلسطين. من هنا مهاجمته لمختلف الدعوات التفتيتية للعرب من فرعونية وفينيقية وما شابه ذلك. لهذا نراه ينتقد ويدقق الأسماء العربية ويدعو للرجوع ألبها وبصفها وحدة ثقافية وجمالية ولغوية بآن واحد. فهو ينتقد أسماء بور سعيد وبور توفيق وبور فؤاد ويدعى إلى إتباع الطريقة الجميلة المميزة للعربية مثل العزيزية المنسوبة إلى العزيز الفاطمي، والجمالية إلى الأمير بدر الجمالي. بل نراه يعتبر الصيغة الأولى (الإفرنجية) مهانة مزدوجة للتاريخ واللغة. كما انتقد عدم الدقة في ترجمة الأسماء والمدن وما شابه ذلك عبر إرجاعها إلى أصولها العربية، مثل ضرورة القول الاطلطني وليس الأطلسي، وذلك لان كلمة الأطلسي تخلط وتجمع بين الاطلنط البحر والأطلس الجبل. لقد كان احمد زكي كان غيورا إلى ابعد حد تجاه التراث العربي الاسلامي. وحريص على تحقيق الروايات التي تؤكد وحدة الأمة العربية ، بما في ذلك مواقفه من مالطا والأندلس. وصور ذلك بعبارات تقول، بان وراء  مظاهرهم كينونة عربية في اللغة والثقافة.

كما عمل على اختصار حروف الطباعة وتدقيقها الفني كالنقطة والفارزة وما شابه ذلك. ووجد في الطريقة العربية القديمة التي أشار إليها السرنجاوي والشاطئ لا تختلف عن الطريقة الأوربية الحديثة إلا في جزيئات طفيفة. وسعى بكل طاقته للحصول على المخطوطات العربية بوصفها إرثه، وكذلك الحصول على نفائس الكتب العربية التي طبعها الأوربيون. وجمع إحدى اكبر المكتبات الشخصية آنذاك في مصر.

وقد حددت رؤيته التاريخية والثقافية مواقفه السياسية. ففي موقفه من الخلافة، عارض خديوي مصر الملك فؤاد للاستحواذ عليها. وبايع الشريف حسبن بن علي انطلاقا من رجوعها إلى قريش والعرب. ولكنه في الوقت نفسه اعتبر الخلافة شيئا رمزيا بعد أن خرجت من العرب منذ القرن التاسع. ودافع عن عروبة البحرين ضد مساعي إيران آنذاك للسيطرة عليها. كما كانت قضية فلسطين كانت بالنسبة له قضية جوهرية. وكتب بهذا الصدد يقول، بان فلسطين فرع ذكي من تلك الدوحة الشقيقة – الشام، والشام بقعة مباركة من جبال العلايا (طوروس) شمالا إلى شجرتي العريش جنوبا، ومن ضفاف الفرات إلى شطوط البحر الأبيض المتوسط. ولم يضع فكرة العروبة بالضد من مكونات العالم الاسلامي، بل على العكس. وقد تكون فكرته عن وحدة العالم العربي والفارسي والتركي من بن أكثرها دقة بهذا الصدد. فقد كان من المؤمنين بأهمية ووحدة هذه الأمم. واعتبر أن كل أمة ينبغي أن تعمل لنفسها ووحدتها وقوتها وعدم إعاقة الآخر، عندها يعود لهذا العالم ما كان له من الرجحان.

لقد كان احمد زكي، حسب عبارة أنور الجندي  من رواد "البناء على الأساس" أو المدرسة التأسيسية. ذلك يعني أن شخصيته الباطنة والحقيقية تراكمت بأثر التيار الأكثر أصالة في ميدان النهضة الأدبية والفكرية والسياسية والثقافية. من هنا يمكن فهم محددات دفاعه العميق والمتجانس عن مقدرات الأمة العربية وتراثها. الأمر الذي يشير، كما توصل أنور الجندي، إلى أن "النهضة الإسلامية كانت ذات توجه عربي" من حيث أصولها.

وطبق نفس موقفه هذا من "الملاكم الأدبي" زكي مبارك (1892-1952). كان رجلا صريحا سليم السريرة، بحيث نراه يقول "لو أن الناس كشفوا عن سرائرهم كما يكشف الشيطان، لأصبحوا ملائكة"(30). الأمر الذي طبع آراءه ومواقفه الحياتية بطابع التضارب متضاربة شأن الحياة. لكن الثابت فيها والدائم هو مواقفه الوطنية والقومية والعلمية المتجانسة. فقد بدأ اهتمامه بالأدب والشعر والخطابة وانتهى به. وفي مجرى حياته شارك في ثورة 1919، وتأثر بالتصوف ثم انتفض ضده ثم رجع إليه. وتجول في العالم العربي. وعشق العراق بحيث نراه يقول "ما ذقت طعم الحياة إلا في العراق"، و"لا رأيت صدق القلوب إلا في العراق"، و"ما عرفت جمال النيل إلا بعد أن رأيت لون ماءه في دجلة والفرات"(31). وهي صور تعكس تراكم شخصيته الوطنية والقومية العربية بأسلوب يتسم بالعاطفة والوجدان. كما كان شجاعا غيورا أبيا. بدأ أزهري التعليم ثم تمرد على تقاليد الحشو والتقليد. وخاض معارك أدبية وفكري عنيفة ضد "تيار التغريب" والتقليد والنزعات الوطنية الضيقة، كما هو الحال عند طه حسين واحمد أمين بوصفه بوقا لآراء طه حسين(32)، وسلامة موسى وشوقي وغيرهم من الشخصيات المرموقة آنذاك في مصر. وقد كان صراعه مع طه حسين عميقا ودقيقا يكشف فيه عن ضعف تكوينه النظري والفكري والعلمي والمعرفي. اعتماد على أن كل ما عنده وفيه سرقة وتقليد في زمن كان محكوما بتقاليد المجاملة وليس بمعايير النقد العلمي. كما حاول إبراز شخصية طه حسين، باعتبارها شخصية ضعيفة بالمعنى الفكري والأخلاقي(33).

فقد كان زكي مبارك، هو حسب عبارة أنور الجندي، "من اصدق الناس إيمانا بمصر والقومية العربية واللغة العربية"(34). وموقفه العام من القومية العربية يتناسب مع فكرة "لعربي من يتكلم العربية". أما تطبيقها العملي فيقوم في فكرة ضرورة النزول من الوجدان إلى اليقين فيما يخص الفكرة العربية. وان الإسلام والعروبة متداخلان. فالنبي محمد أول عربي رفع بالإسلام العرب إلى العلا(35). وانه لا خلاص "للأمم العربية" إلا باتحادها. وهذا يفترض في البدء ضرورة إحياء الذاكرة والأمجاد. من هنا انتقاده الشديد للتقليد الفج للتراث الأدبي والسياسي الأوربي. فقد انتقد بشدة الشخصية الأوربية (العلمية والسياسية) بوصفها شخصية مخادعة وغدارة. وفي الوقت نفسه يدعو إلى بلورة أدب عربي يتناول الشخصية العربية(36). لقد وجد أنور الجندي في زكي مبارك "مرآة للعصر" الحرة، اي التي لم تكن "صنيعة حزبية"، والتي عكست "جانبا قويا من تاريخ العرب الأدبي"(37).

كما تناول مختلف الشخصيات الأخرى "المغمورة" أو التي لم "ينصفها جيلها". وحاول من خلال الاستعراض المكثف لأبرز ملامحهم الشخصية وأفكارهم إبراز العناصر العليمة الثقافية الأصيلة في إبداعهم وآراءهم القومية العربية السليمة والمنفتحة وانتمائهم لعالم الثقافة الإسلامية بغض النظر عن أديانهم. وتطرق إلى شخصيات عديدة لم يفرد لهم كتبا مستقلة، حاول من خلال عناوين المقالات إبراز الصفة الرئيسية لإبداعه مثل محمد عبيد "شهيد التل الكبير"، وعبد السلام المويلحي "أول صوت ضد الاستبداد"، وعبد العزيز جاويش "القلم المر الذي قاوم الانجليز"، وعمر لطفي "رائد التعاون"، ومحمد عياد الطنطاوي "نقل اللغة العربية إلى روسيا"، واحمد كمال "الفراعنة من اصل عربي"، وعبد السلام ذهني "اللغة العربية في المحاكم المختلطة"، وحسن توفيق العدل "رائد تاريخ الأدب العربي"، ومحمد تيمور "أول مسرحية عربية"، ومحمود أبو العيون "الكاتب لجرئ الذي فضح الانجليز"، واحمد وفيق "أول مؤلف في علم الدولة"، واحمد محرم "شاعر عزف عن النفاق"، وفيليكس فارس "الإيمان بعظمة الأمة العربية"، وكامل كيلاني "رائد أدب الطفل"(38).

إن الحصيلة التي أراد أنور الجندي التوصل إليها بصدد الموقف الاسلامي البديل في مجال الفكر تقوم فيما اصطلح عليه بعبارة وفكرة الأسلمة، بوصفها الرد الجوهري على مفاهيم المعاصرين من ذوي التيارات غير الإسلامية.  من هنا انتقاده لما اسماه بالمواءمة، اي التوفيق بين الإسلام وغيره. واعتبر ذلك مجرد جهد لا اثر فعلي له كما انه مرفوض، انطلاقا من أن الإسلام مكتف بذاته. من هنا  لا معنى للمواءمة بين الشورى والديمقراطية. إذ ليس في الإسلام حكومة تيوقراطية. كما أن الإسلام ليس دينا روحيا وعبادة. انه عقيدة ومنهج حياة(39). كما لا تصلح كلمة الإصلاح الديني عليه، لانها عبارة غريبة ضالة لا تطابق مفهوم الإسلام. إذ لا توجد في الإسلام كلمة إصلاح كما لا توجد كلمة تطور التي كلف بها توفيق الحكيم وأمثاله(40). وينطبق هذا على فكرة العقلانية. بمعنى انه لا يمكن إرجاع الإسلام إلى مفاهيم من هذا القبيل. فالإسلام ليس عقلانية معتزلة، ولا فلسفة كلامية، ولا صوفية حدسية. وكل من يستقل بوجهة من هذه الوجهات لا يمثل الإسلام في مفهومه الأصيل الجامع، كما دعا إلى ذلك ابن تيمية(41). فالإسلام يقف من العقل موقف جعل منه مناط التكليف. لكن العقل مع ذلك هو مجرد مصباح يضيئه الوحي فلا يستطيع أن يهتدي بنفسه. والعقل على إطلاقه يعيش في محيطه. فإذا كان محيطه وثنيا كان عقلاً وثنيا، وان كان محيطه ماديا أو روحيا صار كذلك ماديا أو روحيا. وبالتالي، فهو "لا يصلح إلا إذا نشا وتشكل في إطار المفهوم الاسلامي الصحيح"(42) . وكل ذلك محكوم في نهاية المطاف بالمبدأ الأساسي القال، بان الإسلام "لا يقبل أن يشاركه شيء من أوراق الوثنية أو الديانات السابقة عليه"(43). وليس مصادفة أن يجري إطلاق مصطلح "المشائين" على الفلاسفة المسلمين، باعتبارهم حلقة من المشائين اليونان(44). ومن كل هذه التأويلات اللاهوتية والأيديولوجية توصل أنور الجندي إلى أن الانفتاح والاقتباس بالنسبة للإسلام ممكن في الوسائل، وغير ممكن في المنهج والأهداف(45) . لهذا فان الاستشهاد بأقوال ومواقف المصلحين الإسلاميين مثل محمد عبده وغيره لا تكفي. وذلك لان ما قالوه بهذا الصدد كان جزء من مرحلة ماضية، إضافة إلى أن الواقع تجاوز أقوالهم وآراءهم ومواقفهم فيما يتعلق بفكرة الأصالة والرجوع إلى الأصول(46).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 ..........................

(1) أنور الجندي:  أسلمة المناهج والعلوم. ص13.

(2) أنور الجندي: أخطار المنهج الغربي الوافد،  دار الكتاب اللبناني، ص14.

(3) أنور الجندي: أخطار المنهج الغربي الوافد، ص149.

(4) أنور الجندي: أخطار المنهج الغربي الوافد، ص126.

(5) أنور الجندي: أخطار المنهج الغربي الوافد، ص15.

(6) أنور الجندي: أخطار المنهج الغربي الوافد، ص32.

(7) أنور الجندي: أخطار المنهج الغربي الوافد، ص175-176.

(8) أنور الجندي: أخطار المنهج الغربي الوافد،ص126.

(9) أنور الجندي: أخطار المنهج الغربي الوافد، ص21.

(10) أنور الجندي: التجربة الغربية في بلاد المسلمين، دار الأنصار، ص5.

(11) أنور الجندي: التجربة الغربية في بلاد المسلمين، ص10.

(12) أنور الجندي: التجربة الغربية في بلاد المسلمين، ص14.

(13) أنور الجندي: التجربة الغربية في بلاد المسلمين، ص18.

(14) أنور الجندي التجربة الغربية في بلاد المسلمين، ص21.

(15) أنور الجندي التجربة الغربية في بلاد المسلمين، ص25.

(16) أنور الجندي: التجربة الغربية في بلاد المسلمين، ص25.

(17) أنور الجندي: شبهات التغريب، ص118.

(18) أنور الجندي: شبهات التغريب، ص125.

(19) أنور الجندي: شبهات التغريب، ص145.

(20) أنور الجندي: شبهات التغريب، ص151.

(21)  أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص5.

(22) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام،ص15.

(23) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص18.

(24) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص18.

(25) أنور الجندي: احمد زكي الملقب بشيخ العروبة، وزارة الثقافة والإرشاد القومي. سلسلة أعلام العرب. القاهرة، (ب.ت)، ص4.

(26) أنور الجندي: احمد زكي الملقب بشيخ العروبة،  ص4.

(27) أنور الجندي: احمد زكي الملقب بشيخ العروبة، ص12.

(28) أنور الجندي: احمد زكي الملقب بشيخ العروبة، ص20.

(29) أنور الجندي :احمد زكي الملقب بشيخ العروبة، ص20-21.

(30)  أنور الجندي: زكي مبارك. دراسة تحليلية لحياته وأدبه، (بلا مكان وتاريخ)، ص43.

(31)  أنور الجندي: زكي مبارك. دراسة تحليلية لحياته وأدبه،ص41.

(32)  أنور الجندي: زكي مبارك. دراسة تحليلية لحياته وأدبه، ص146-151.

(33)  أنور الجندي: زكي مبارك. دراسة تحليلية لحياته وأدبه، ص134-137.

(34)  أنور الجندي: زكي مبارك. دراسة تحليلية لحياته وأدبه، ص2-3.

(35)  أنور الجندي: زكي مبارك. دراسة تحليلية لحياته وأدبه،ص101.

(36)  أنور الجندي إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص108-109.

(37)  أنور الجندي إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص189.

(38)  أنور الجندي: أعلام لم ينصفهم جيلهم، الدار القومية للطباعة والنشر(ب.ت)، ص3-55.

(39)   أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام،  ص33.

(40) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام ، ص37.

(41) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص37.

(42) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص37.

(43) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص27.

(44) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص28.

(45) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص29.

(46) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص32.

 

 

mutham aljanabiإن للتغريب في آراء أنور الجندي التحليلية والنقدية مستويان، ظاهري وباطني. المستوى الظاهري مرتبط بظاهرة الاستعمار نفسه وأساليبه في تغيير ثقافات الأمم وإعادة ملئها بتصوراتها وأحكامها وقيمها؟ والباطني عبر أدواته ونماذجه الفكرية والثقافية والمنهجية والشخصية.

فالاستعمار بالنسبة لأنور الجندي هو ظاهرة حديثة ارتبطت بالحضارة الغربية(1). ومن ثم فهو يختلف تماماً عن الاستعمار الروماني والفارسي، وعن الوحدة الإسلامية العثمانية العربية، التي وصفت بالاستعمار بينما لم تكن أكثر من تصالح أجزاء من الأمة الإسلامية في كيان سياسي واحد(2). وما يميز هذا الاستعمار الغربي هو ارتباطه بالتبشير والاستشراق(3). كما قام بصنع إسرائيل في المنطقة من اجل إعاقة توحيد العالم العربي والإسلامي(4). وليس مصادفة أن تتوجه قوى الاستعمار بالأساس نحو محاربة الإسلام، بوصفه القوة الوحيدة التي أبدت في وجهه المقاومة الشاملة. وقد أدرك الاستعمار انه لا طريق أفضل لهيمنته غير تغيير عقول المسلمين وعقائدهم(5). وسعى لبلوغ غاياته هذه من خلال ثلاثة أساليب كبرى وهي نقض مفاهيم الإسلام، والطعن عليه، والحملة على اللغة العربية(6).

أما المستوى الباطني، فيبرز أساسا من خلال تصنيع الشخصيات الفكرية والثقافية المغتربة. وقد افرد لبعضها كتبا مستقلة كما هو الحال بالنسبة لطه حسين. بينما تناول الأغلبية الباقية ضمن كتاباته المتنوعة. وقد توسع في بحث ونقد التغريب في شخصيات مصر الثقافية والأدبية الكبرى مثل لويس عوض وتوفيق الحكيم وطه حسن والعقاد ولطفي السيد وعبد الرحمن بدوي وغيرهم.

وابتدأ من الناحية التاريخية بشخصية رفاعة الطهطاوي. إذ وجد في أعماله جوانب إيجابية وأخرى سلبية. واعتبر كتاباته المتعلق بالإسلام سطحية ولا تتسم بعمق المعرفة ولا بأصولها. كما انه ليس متعمقا في الفكر الأوربي نفسه(7). في حين اعتبر لطفي السيد نموذجا للتغريب.  وذلك لأنه حاول إقامة الفكرة الوطنية على أساس المنفعة والمصلحة، إضافة إلى تأييده الاتجاه البريطاني بتعليم العلوم بالانجليزية. أما أولئك الذين حاولوا التأسيس لفكرة مصر الفرعونية والشخصية الفرعونية المصرية أمثال لويس عوض والحكيم، فأنهما، حسب تقييم أنور الجندي، لم يفهما حقيقة الشخصية المصرية، وذلك لأنهما لم يفهما حقيقة بسيطة وهي أن شخصية مصر الفرعونية وثنية وخاضعة للغرب. بينما الإسلام هو الذي صنع الشخصية المصرية. وان المنطقة كلها كانت ولا تزال محكومة بروح الإسلام في كل شيء حضارة وحركات وطنية وتحررية(8) . وبالتالي، فان الذين يدعون إلى تحييد مصر، وجعلها فرعونية وما شابه ذلك مثل توفيق الحكيم وأمثاله، "يسعون إلى جعلها فندقا سياحيا عالميا يقدم للوافدين من كل مكان المتعة والترفيه"(9). لهذا نراه يجد في توفيق الحكيم نموذجا لما اسماه بكراهية العروبة والإسلام. فقد وصف توفيق الحكيم إسرائيل بأنها "دولة متحضرة"، بينما تنكر حسين فوزي ونجيب محفوظ لعروبتهم. وهذا كله نتاج التربية التي غرسها "زعيم التغريب طه حسين(10) .

لقد أطلق أنور الجندي على اسم طه حسين لقب "التغريبي الكبير". ولخص حصيلة "أفكاره السيئة" في كل من قوله بالتناقض بين نصوص الكتب الدينية، وإثارة الشبهات حول القرآن المكي والقرآن المدني، وتأييده للاتهام الغربي بحرق العرب المسلمين لمكتبة الإسكندرية، وإعادة طباعة رسائل إخوان الصفا، وترجمة القصص الفرنسي المكشوف،واعتبر القرن الثاني الهجري عصر الشكوك والمجون، وفصل الأدب العربي عن الفكر الاسلامي، وإعلاء شان الفرعونية وإنكار الروابط العربية الإسلامية، وإشاعة دعوة البحر المتوسط والقول بان المصريين أوربيو (غربيو) العقل والثقافة، وان أبو الطيب المتنبي لقيط، واتهام ابن خلدون بالسذاجة والقصور وفساد المنهج، وإعادة الإسرائيليات والأساطير إلى السيرة النبوية، ونظرته إلى الصفوة المسلمة الأولى  وتشبيههم بالسياسيين المحترفين في كتابه (الفتنة الكبرى)، وإثارة الشبهات حول أصالة الأدب العربي والفكر الاسلامي، وإنكار وجود إبراهيم وإسماعيل ورحلتهما إلى الجزيرة، وإعلاء شان الأدب اليوناني على الأدب العربي، والدعوة إلى الأخذ بالحضارة الغربية، ووصف الفتح الاسلامي لمصر بالاستعمار العربي، وإنكار شخصية عبد الله بن سبا اليهودية وتبرئته مما أورده الطبري والمؤرخين المسلمين من دوره في فتنة مقتل عثمان(11).

أما العقاد، حسب تقييم أنور الجندي، فلا يعتد بآرائه المتعلقة بالإسلام. وذلك لأنه درس الفكر الاسلامي أواخر حياته من خلال تأثره بالفكر الغربي. لهذا لم يفهم الفرق بين العبقرية والنبوة (إشارة إلى سلسلة الكتب التي وضعها تحت عنوان عام العبقرية). وفي كتابه (ديمقراطية الإسلام)  نقل جميع ملامح الفكرة الديمقراطية الغربية وحاول تطبقها على الإسلام(12). بينما وجد في شخصية عبد الرحمن بدوي داعية للفكر الخادع والفارغ، كما هو الحال في دفاعه عن الوجودية وسارتر. إذ لا يتعدى سارتر بالنلاحقا وتلاشيهدي أكثر من شخصية مخادعة، أما الوجودية فأنها خديعة للعقل العربي والشباب. من هنا تبخر كل ما فيه لاحقا  وتلاشيه باعتباره فكرا وشخصية لا قيمة لهما. وكتب بهذا الصدد، يقول، بان "بدوي طواه الزمن الوجودي!". أما لويس عوض، فانه نموذج للمؤامرة على الفصحى لغة القرآن ومحاولة تمصير اللغة العربية والتقليل من أهمية الفصحى. والداعية لمقاومة تعليم سواد الأمة، وكذلك معارضته للعروبة والوحدة الإسلامية (13). بينما نراه يحصر اهتمام وقيمة مصطفى أمين "برعاية الراقصات والممثلين وكرة القدم وما شابه ذلك" ولكل ما له علاقة بالدعابة والسخافة(14). أما مؤلفات إحسان عبد القدوس، فأنها "تشبه ببالونات المراقص المتواصلة أمام عينيك", وفي الحصيلة "تعكس تربيته بين وما وراء كواليس المسرح والأغاني"(15). ولا تختلف قيمة ما كتبه زكي نجيب محمود في قضايا التراث الاسلامي، ففي حصيلتها هي كتابات مسطحة وانتقائية(16)

كما تناول بالتحليل والنقد عدد من أولئك الذين أدرجهم ضمن قائمة أعوان التغريب في المشرق، وبالأخص من أطلق عيهم "الكتاب المارون" (النصارى) وممثلي التيار القومي العربي. فقد وجد في يعقوب صروف وفارس نمر وجرجي زيدان وفرح انطون وشبلي شميل الدفعة الأولى "لخريجي مدارس التبشير". الأمر الذي نعثر عليه في حملتهم العنيفة على الدولة العثمانية(17). وليس مصادفة أن يصورهم ممثل الاستعمار البريطاني في مصر اللورد كرومر بعبارة: "منحة من السماء، وخميرة البلاد". فاغلبهم كانوا من المدافعين الأشداء عن حق الإنجليز بمصر، ويصفون حسنات الاستعمار ويمتدحون أبطاله. ولم يكن هذا الدفاع عن الاستعمار معزولا، حسب اعتقاد أنور الجندي، عن حكم الولاء العقائدي(الديني). وذلك لان النصارى "المتعلمون مهيئون بكل قلوبهم لتبني حضارة أوربا الحديثة. إنهم مفكرون للغربيين ومبشرين لقيمهم"(18). إذ بينهم ظهرت وتوسعت فكرة "القومية العلمانية". وأدرج ضمن هذه اللائحة كل من  فارس نمر(19)، وفرح انطون وجبران خليل جبران، وجرجي زيدان. إذ نراه يعتبر فرح انطون الرائد الأول لتيارات الراديكالية، ومن ثم الشخصية المؤثرة والصانعة لنماذج سلامة موسى ولويس عوض وأمثالهم(20). أما جبران خليل جبران ومدرسته فهي نتاج للمدرسة التبشيرية الغربية النصرانية(21). وقد وجدت فيه "قوات التغريب وفي أسلوبه انتصارا للأسلوب التوراتي" الذي حاولت جماعة المغتربين أمثال ميخائيل نعيمة وأمين الريحاني إعادة إنتاجه، لكنها باءت بالفشل(22). بينما نراه يصور مضمون ما كتبه وسعى إليه جرجي زيدان بغاية "تحقير الأمة العربية"، لكن خوفه جعله يلبس الباطل بالحق. ليس ذلك فحسب، بل وحاول تصويره على انه عميلا للاستخبارات البريطانية استنادا إلى مرافقته الحملة النيلية إلى السودان بصفة مترجم في قلم الاستخبارات(23). وهذا بدوره معزولا عن تكوينه الثقافي والتعليمي ووقائع حياته، التي توحي جميعها، كما يقول أنور الجندي، بأنه عمل في دائرة الاستشراق والتبشير الغربي وفق مخطط دقيق ماكر. ولعل كتابه (تاريخ الماسونية) وما نشره في مجلة (الهلال) دليل على ذلك(24). أما ميخائيل نعيمة، فقد كانت مواقفه الأدبية والفكرية قائمة على  دعم وتأييد الأفكار الماسونية ونقلها إلى القصص والأدب العربي(25).

وضمن هذا السياق والرؤية النقدية والاتهام الديني تطرق إلى شخصيات الفكر القومي العربي الحديث. فقد نظر إلى ساطع الحصري  من خلال موشور "محاربته لفكرة الدين" بوصفه مقوما أساسيا للقومية . كما انتقد الكتب التاريخية لفيليب حتي. وانطلق في ذلك من أن فيليب حتي جعل من تاريخ الإسلام صراعا من اجل الغنائم، كما وقع في أحابيل القطرية السورية واللبنانية من خلال التطبيل للفينيقية. وإضافة إلى كل ذلك حاول التأسيس لفكرة فصل العروبة عن الجامعة الإسلامية. ومن أخطائه اعتقاده بان أهل لبنان من قام بالنهضة بعد قدومهم إلى مصر(26).

إننا نقف هنا أمام صيغة جامعة للنقد العلمي والتاريخي والثقافي الدقيق المخلوط بنزعة الاتهام والتعميم اللاهوتي. بمعنى إننا نعثر في نقده للاغتراب الثقافي المميز لأغلب التيارات والاتجاهات والشخصيات المبارزة لممثلي "النهضة العربية الحديثة" على رؤية فاحصة وعميقة، تكشف عن الخلل المنهجي في رؤيتهم التاريخية والثقافية. كما تكشف بعمق منهجي عن نزعة التقليد والتسطيح المميزة للبعض منهم. ومن ثم إبراز الخلل الثقافي الجوهري في هذه التيارات والشخصيات عموما التي لم تنطلق في رؤيتها النقدية للواقع ورؤية آفاق التطور العربي والفكرة القومية بمعايير التجربة الذاتية، بل بوحي الأثر الظاهري للإبداع الأوربي. إلا أن هذه الرؤية النقدية العميقة والسليمة لا تسير صوب استكمالها المنطقي، بل على العكس. أنها تتراجع صوب الرؤية التقليدية والتخلف الفكري بأثر الهيمنة العميقة للفكرة اللاهوتية والعقائد الدينية الضيقة. بمعنى أنها لا تنظر بعيونها النقدية لكل هذا "الخراب المعنوي" والتقليد الفاضح أحيانا في تيارات النهضة العربية الحديثة حتى بمعايير "الإسلام الثقافي"، بل بمقاييس السلفية الدينية واللاهوتية "المتنورة". الأمر الذي يتضح في تركيزه على سلبيات و"فواحش" الشخصيات وأفكارهم. بمعنى انه ينظر إليهم بعيون "الفرقة الناجية" والاتهام المذعور من شرور "النصارى" و"العملاء" و"المارقة" عن الدين. ومن ثم يرمي بكل معاناتهم التاريخية وانجازاتهم الفكرية والنظرية والثقافية وإبداعهم المخلص في سلة المهملات. ومن ثم ابخس أثرهم التاريخي والثقافي الهائل، رغم نواقصه الجدية، في بلورة الوعي النقدي والقومي العربي العلمي والثقافي، الذي يصعب تصور الرؤية النقدية لأنور الجندي نفسه وأمثاله بدونهم.

من هنا كانت ردوده النقدية والبدائل النظرية والمنهجية التي سعى من خلالها لتأسيس الفكرة الإسلامية الحضارية محصورة ضمن إطار الرؤية السلفية واللاهوتية.  ففي نقده العام "للتغريب" التاريخي والثقافي انطلق من أن تاريخ الإسلام يعرف الشبهات والرد عليها، ومن ثم فهو مليء بهذه العبر. وكما كان الحال في الماضي، فان الحاضر يكشف عن أن اغلب "الشبهات" ينقلها الأدباء والمؤرخون الذين يتأثرون ويحبذون كل غريب دون تحري الأخبار وتدقيقها. فقد صادف الإسلام، كما يقول أنور الجندي، العديد من المذاهب والدعوات التي حاولت أن تنحرف به عن مفاهيمه وقيمه. والآن يواجه النظريات الغربية الوافدة في مختلف المجالات. وقد أخذ الكثيرون بهذه الشبهات بما في ذلك من كان مخلصا، كما نراه على سبيل المثال في الموقف من السلطان عبد الحميد وما يسمى بالاستعمار العثماني. فقد اعتبر الحكم العثماني استمرار طبيعيا لخلافة العربية الإسلامية. ومن ثم فقيادة آل عثمان بالعرب علاقة إسلامية لا علاقة لها بالاحتلال والاستعمار(27). وليس مصادفة أن يخدع الاستعمار العرب في الحرب على العثمانية. والآن يقوم بنفس الشيء أما بهيئة فكر ديمقراطي غربي أو بهيئة فكر اشتراكي ماركسي. وكلاهما أشد تغريبا وتخريبا من فلسفات اليونان في مرحلة الترجمة والنقل في القرن الثالث الهجري(28). وفيما مضى رد على هذه النماذج الوافدة ابن تيمية على المناطقة، والغزالي على الباطنية، وابن حزم على الفرق، وابن القيم في كتاب تلبيس إبليس، وابن العربي في القواصم والعواصم، والأفغاني في الرد على الدهريين، ومحمد عبده في كتابه (الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية).

بعبارة أخرى، إننا نقف هنا أيضا أمام صيغة نموذجية للتعامل مع الفكر والتأثير الفكري وقضية الأصالة والإبداع ومسار التطور الفعلي للقيم والمفاهيم والنظريات ونوعية ارتباطها بذاتها أو تقليدها الأجوف. ففي واقف أنور الجندي نعثر على حاكمية الفكرة السلفية الحنبلية في الموقف من التاريخ والإبداع النظري. وهو أمر جلي في موقفه من "الوافد" و"الشبهات" وما شابه ذلك. إذ انه يعتبر اغلب الانجازات النظرية الإبداعية الكبرى للثقافة الإسلامية مجرد "شبهات شيطانية" و"تلبيسات إبليسية" بسبب نفيها ونقضها للفكرة السلفية المتحجرة. فالأخيرة بالنسبة له هي عروة الإيمان الاسلامي الصادق وما عداها زيغ وضلال. ذلك يعني انه ينظر إلى الثقافة والحضارة بمعايير الفكرة الدينية لصرف وعقائدها الجازمة وقواعدها اللاهوت المتراكمة في الحنبلية، بوصفها احد أنماط ونماذج الفرق الإسلامية الأكثر تحجرا وتخلفا بمعايير العقل والعقلانية والنزعة الإنسانية والانفتاح الحضاري. من هنا حصره "للشبهات" الوافدة في الثقافة الإسلامية بالفلسفة العقلانية وتقاليدها المنطقية، وتيارات التشيع الفلسفي والسياسي بشكل عام والإسماعيلية بشكل خاص. كما انه يخلط بين مراحل وقيم تاريخية مختلف ومتباينة من حيث قيمتها النظرية والعملية بالنسبة للتاريخ الثقافي الاسلامي وأثرها في المعاصرة. الأمر الذي جعله يضع أكثر النماذج تخريبا وتخريفا للعقل والعقلانية وإغلاق الأفق النظري الحر والنقدي في تاريخ الثقافية الإسلامية، في مصاف النماذج المثلى للردود الإسلامية على "التغريب". فالرد على المناطقة عند ابن تيمية هو نموذج لإعدام المنطق النظري والعملي والعلمي، وجعل الرؤية الدينية السلفية "منطق" الحق والحقيقة الوحيد. بينما لا منطق فيه بالمعنى الدقيق للكلمة، وذلك لأنه يستعيض بقواعد العقائد عنه بوصفها بديلا لما لا يغني! وكذلك الحال بالنسبة لكتاب (فضائح الباطنية) للغزالي. فهو كتاب أيديولوجي صرف مهمته دعم السلطان والسلطة بالضد من المعارضة. وقد تخلى الغزالي لاحقا عنه وبأثره، إلى جانب أسباب أخرى، عن مهمة الداعية المرتزق بالانتقال إلى طريق التصوف، بوصفه طريق الحق. وينطبق هذا على تصنيفات ابن حزم ونزعته التكفيرية الحادة فيما يتعلق بنقض الفرق، رغم نقديته الرفيعة. والشيء نفسه ينطبق على كتابات ابن القيم وابن العربي. فلا الأول أزال "تلبيس" العقل، ولا الثاني عصم الأمة وتاريخها الثقافي من قواصم "الروافض". على العكس، لقد أديا إلى توسيع أبالسة العقم الثقافي والسياسي وقصم ظهر الأمة وتجفيف روافد روحها الثقافي. لقد أدى هذا التشويه "المتذاكي" للثقافة الإسلامية وتاريخها عند أنور الجندي إلى نفس الخطأ والخطيئة التاريخية والثقافية والسياسية والقومية بالنسبة للعالم العربي عندما حاول أن يجعل من العثمانية نموذجا للفكرة الإسلامية السياسية ومن السلطان عبد الحميد نموذجا للخليفة المخلص. بينما نتائج التاريخ الفعلي ومعطياته الواقعية تشير إلى أشياء مناقضة تماما.

***

 

  ا. د. ميثم الجنابي

 ..........................

(1) أنور الجندي: الاستعمار والإسلام، دار الأنصار، ص3.

(2) أنور الجندي الاستعمار والإسلام،ص4. لقد انتقد أنور الجندي في جميع كتاباته المواقف السلبية العربية من الدولة العثمانية، واعتبرها تشويها لحقيقتها وحقيقة الإسلام. بمعنى انه ربط بين العثمانية كنظام سياسي وقومي وبين الإسلام ومبادئه. والسبب بالنسبة له هو أولوية الفكرة الدينية اللاهوتية التي لا تراعي مضمونها الواقعي. بمعنى انه لم يتوصل إلى حقيقة مفادها، أن الدولة العثمانية كانت من حيث الجوهر معادية للروح الاسلامي الثقافي. وبأثرها كان الانحلال الهائل للكيان العربي، بوصفه كينونة جوهرية في تاريخ الإسلام الديني والفكري والثقافي. من هنا يمكن فهمه المشوه بما في ذلك للتاريخ السياسي العثماني نفسه. فهو يكتب بهذا الصدد قائل، بان ليس من قبيل الصدفة أن يؤدي سقوط الدولة العثمانية إلى تمزق ميراثها(!) بين فرنسا وإنجلترا وقيام الكيان الصهيوني في فلسطين واستيلاء روسيا على تركستان والقوم. بمعنى انه لا يتناول سبب هذا الانهيار والنتائج السلبية الهائلة بالنسبة للعالم العربي والقومية العربية والكيان العربي الذي كان يشكل من حيث المساحة والسكان والثروة الأغلبية المطلقة فيها، والمعدوم الحقوق فيها. وقد كانت تلك إحدى أتعس وأرذل المراحل التي مر بها التاريخ العربي على مدار قرون. 

(3) أنور الجندي: الاستعمار والإسلام، ص5.

(4)  أنور الجندي: الاستعمار والإسلام، ص.9.

(5)  أنور الجندي: الاستعمار والإسلام، ص 18.

(6) أنور الجندي: الاستعمار والإسلام، ص.19

(7) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام،  دار الاعتصام، ص110.

(8) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص69.

(9) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام،  ص70.

(10) أنور الجندي إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص85.

(11) أنور الجندي إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص149-151.

(12) أنور الجندي إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص136.

(13) أنور الجندي إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص113.

(14) أنور الجندي إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص210.

(15) أنور الجندي إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص218.

(16) أنور الجندي إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص258.

(17)  أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام،ص156.

(18)  أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص157.

(19) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص158.

(20) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص159.

(21) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص166.

(22) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص166.

(23) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص169.

(24) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص170.

(25) أنور الجندي: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص317.

(26) أنور الجندي :إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص315-317

(27) أنور الجندي: العالم الاسلامي والاستعمار السياسي والاجتماعي والثقافي، دار الكتاب اللبناني 1983، ص23

(28) أنور الجندي: العالم الاسلامي والاستعمار السياسي والاجتماعي والثقافي، ص35

 

 

mutham aljanabiترتبط الفكرة الحضارية عند أنور الجندي بمنهجيته العامة بوصفها رؤية لاهوتية دينية، اتخذت في موقفه من إشكاليات الحضارة والبديل الاسلامي هيئة الترتيب والتنسيق المعقول بين كفتي نقد التغريب واسلمة التعريب. بمعنى أنها اتخذت الصيغة المنهجية لنقد مظاهر ومحددات التأثير الحضاري الغربي، ومن ثم تأسيس البديل الاسلامي في مجال الرؤية الثقافية ووعي الذات العربي. 

ينطلق أنور الجدي من أن المشكلة الجوهرية بالنسبة للوعي الاسلامي الثقافي والحضاري بشكل عام يقوم في كيفية تذليل التغريب. والمقصود بالتغريب عنده هو "حمل المسلمين على قبول ذهنية الغرب" مع ما يترتب عليه من "تدمير الشخصية المسلمة" عبر وضع المسلم أمام إشكالية الاختيار الحادة "بين الإسلام والعلمانية". وهذا بدوره محكوم بفكرة مبطنة قوامها أن "الإسلام لا يستطيع حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية" .

إن الهدف الأكبر والعام للتغريب، حسب تصور أنور الجندي، يقوم فيما اسماه "بهزيمة العقل الاسلامي بإذاعة الإلحاد والتعطيل"، و"تقويض المجتمع بنشر الإباحية والفساد" ، عبر التأسيس لفكرة "عبادة الحياة، إسقاط الأسرة" . وقد جرت وتجري محاولاته المتنوعة والمختلفة المستويات من اجل بلوغ هذه الأهداف من خلال القضاء على الوحدة الإسلامية والخلافة بإثارة النعرات القومية والعصبية، ونشر التعليم الغربي ونظامه الربوي عبر إسقاط الشريعة، وإنكار دور المسلمين الحضاري وهدم اللغة العربية، والقول بنظرية وحدة الحضارة العالمية، وإعادة كتابة التاريخ الاسلامي عبر الدفاع عن"الحركات الهدامة" من صوفية وباطنية وقرامطة، وفرض التجربة الليبرالية والماركسية، والتطبيل لنظرية دارون باعتبارها مقدمة ومدخل إلى الإلحاد، وكذلك نظرية فرويد عن الإنسان بوصفه حيوانا تحكمه الغرائز، وإنشاء دوائر معارف عن الإسلام مبنية على مناهج خاطئة . فهي الصيغة المكثفة للقضايا التي وضعها وتناولها بالنقد في مؤلفاته العديدة.

وترتبط هذه الحصيلة المتراكمة في الوعي الغربي (الأوربي) الذي يجري إدخاله في الوعي الاسلامي عبر ما اسماه أنور الجندي بروافد السموم الكبرى وهي كل من  الاستعمار والصهيونية والماركسية. وان لهذه الروافد جذورها في كل من المسيحية والكنيسة واليونان، أي يفي تراثها التاريخي الخاص، وكذلك بأثر هيمنة بفكرة الاستعلاء بالجنس واللون، إضافة إلى السيطرة الاقتصادية والاستعماري. إذ جرى توظيف كل ذلك من اجل احتواء العالم الاسلامي عبر مفاهيم اقتصادية وسياسية وتربوية . وقد كان للغرب بهذا الصدد أدواته التي يجملها أنور الجندي في كل من الفنون والعلوم (الاستشراق بشكل خاص) والايدولوجيا (مختلف المفاهيم والأفكار). وسعى لبلوغ مأربه بوسائل مباشر أو ظاهرية (الاستعمار المباشر) وأخرى غير مباشرة أو باطنية (تربية الشخصيات وأنماط الفكر).

فقد سعى عبر المسرح والسينما، على سبيل المثال، إلى اتهام العرب والمسلمين بالخلو من المسرح. كما سعوا إلى إحياء مختلف المظاهر البدائية من اجل تشويه الوعي الاجتماعي والتاريخي والثقافي وإضعاف اللغة العربية وإزالتها، كما هو جلي عبر ما اسماه الجندي بإحياء التراث الجاهلي والوثني والفولكلور.

بينما شكل الاستشراق الجزء المهم والأكبر في منظومة ومنهج التغريب، عبر محاولة "تغريب الإسلام وإخراجه من طبيعته الخاصة وجوهره الذاتي". وجرى استكمال كل ذلك بالصيغة الأكثر فاعلية في نشر التغريب وترسيخ جذره في الوعي، ألا وهو مناهج "التعليم والثقافة والتربية" التي أدت إلى "انحسار القران والسنة عن التعليم". وذلك لان "التعليم بالطريقة الغربية هو الخنجر المسموم للغرب" في جسد الأمة العربية والإسلامية . بحيث نراه يتوصل في بعض أحكامه بهذا الصدد إلى أن يجعل من الاستشراق إلى وسيلة تنفيذ مهمة "مسخ الشخصية الإسلامية" عبر ما يسمى بصنع الشخصية العالمية

 وقد وجد أنور الجندي في هذه "السموم" وأدواتها أساليب متنوعة ترمي إلى غاية واحدة، ألا وهي جعل التغريب منظومة متغلغلة ف يكل مسام الوجود العربي ومن ثم القضاء على هويته وذاته الإسلامية. فإذا كان للسينما والمسرح مقدماتهما الخاصة في الثقافة الغربية فانه لا معنى لهما عند المسلمين. فالمعروف عن المسلمين، كما يقول أنور الجندي، هو "طبيعتهم المعروفة بالوضوح والصراحة ومن ثم فهم ليسوا بحاجة إلى مسرح". وينطبق هذا على السينما. فهي أسلوب للترفيه والتسلية والإباحة والجنس والعنف. أما الغاية من وراء نشر التراث الشعبي (الفولكلور) فهو مجرد "سموم وغثيان وسذاجة" لبلوغ الأهداف الاستعمارية . وليس مصادفة أن يتشدد في نقده لدعوات إحياء التراث الشعبي (الفولكلور) بحيث نراه يعتبرها "من اخطر دعوات التغريب في مصر" . وذلك لانها ترمي إلى تغليب العامية والأساطير والأغاني الساذجة على الأدب البليغ والفن الرفيع والفكرة الإنسانية . أما محاولة تبرير ذلك بأنه أسلوب لمخاطبة الطبقات الشعبي، فوجد فيها مغالطة يراد بها الهبوط... إضافة إلى أنها "لا تمثل حقيقة ذوق الأمة ولا مزاجها" . بعبارة أخرى، أنها دعوة تسعى إلى وضع ما اسماه أنور الجندي "باللون المحدود من الأدب بالضد من الاسلامي" عبر تصويره على انه محافظ ورجعي وبعيد عن التقدم . ولعل محاولاتهم تقديم كتاب ألف ليلة وليلة، على انه يمثل حياة المجتمع المسلم هو مجرد خدعة لا قيمة لها، وذلك لان هذا الكتاب في اغلبه هو تلفيق وأكاذيب . بل أن الكتاب العرب فيما مضى اعتبروه كتابا غثا وباردا كما هو جلي عند المسعودي وابن النديم.

إن الغاية الفعلية من وراء الدعوة للعامية التي سعى إليها بعض الكتاب مثل لطفي السيد وقاسم أمين وسلامة موسى ولويس عوض وأمثالهم، فأنها كانت تهدف إلى إقصاء اللغة الفصحى والبلاغة والبيان العربي عن الأسلوب العام وصنع أسلوب عامي ساذج . مع ما يترتب عليه من إحياء العصبيات الجاهلية من فرعونية وفينيقية وبابلية ووضعها بالضد من الشخصية الإسلامية الجامعة بملامحها وأخلاقها . 

أما الاستشراق فقد جسد كل أساليب ونماذج التغريب فيما يتعلق بالتاريخ العربي والإسلامي. فهو نموذج لاستخدام العلم في خدمة السياسة، وان مادته في الأغلب نافعة لتغذية حركة التبشير، ومن ثم ليس مجرداً عن الهوى. كما انه من حيث وظيفته لم يكن موجها صوب العلم، وإلا لماذا يركز على الجوانب الضعيفة والروايات المدخلة والشبهات ويركز على الفلسفة والباطنية؟ . ووجد في ذلك أمرا ليس معزولا عن التقاليد الأوربية وتراثها الثقافي، الذي "هو مجموعة أساطير وخرافات". من هنا تشويههم، بأثر انزعاجهم من "هذا الكم الكبير والعظيم من العطاء العلمي والروحي والثقافي للإسلام" . من هنا دعواتهم وسعيهم للبحث فيما قبل الإسلام وإثارة الدعوة الفرعونية والفينيقية والبابلية وما إلى ذلك، وكذلك الحديث عن ثقافة مصرية وسورية وعراقية وسودانية. أو أن يجري الاهتمام المفرط" بما هو مخرب" كما هو الحال على سبيل المثال عند ماسنيون في عمله طوال حياته من اجل الحلاج. بينما يبث الآخر "سمومه" عن وحدة الوجود والحلول، وتشويه علاقة القرآن بالشعر الجاهلي، والخلط بين مفهوم التدوين والسنة، والعرف والشريعة وما إلى ذلك. وكذلك بالتركيز على شخصيات مثل ابن عربي وابن سبعين والسهروردي والحلاج وحركات الباطنية والإسماعيلية والقرامطة وإخوان الصفا .

إن هذه المواقف النقدية التي تلامس الحقيقة المجردة في الكثير من جوانبها، تتيه بين أدغال الرؤية اللاهوتية التي تنظر إلى الأحداث التاريخية بمعايير "الخير الإلهي" و"الشر الإنساني" بعد مطابقة ذلك على التوالي مع النفس والآخرين. ويصبح التاريخ وانجازاته الحضارية جزء من توليف المؤامرات والمغامرات. بعبارة أخرى، تصبح الرؤية الثقافية وانجازاتهم العلمية عند الغير كما لو أنها شرا خالصا حالما يجري تطبيقها على التراث والتاريخ الاسلامي. بينما يتحول الإبداع الاسلامي إلى فضيلة مطلقة بما في ذلك في الموقف من الآخرين. وهي نظرية تدعو إلى أصالة العلاج (عند النفس) بالضد من أصالة السموم (عند الآخرين). وهذا بدوره نتاج الرؤية الدينية اللاهوتية التي تجعل من العقائد الدينية الخاصة يقينا مطلقا وفضيلة مثلى، وما عداها أو غيرها ضلال وزيغ وسموم. من هنا يمكن فهم الصيغة التي نعثر عليها في مواقف أنور الجندي من التراث العربي الاسلامي نفسه. بمعنى تصنيفه وتقسيمه وتقييمه على أسس مذهبية ضيقة، تجعل من "الفرقة الناجية" مصدر الحق والأمان، وما عداها تخريب وتخريف. ومفارقة الظاهرة هي أن الواقع التاريخي يمثل ويتمثل العكس تماما. فقد حول أنور الجندي الكثير من الإبداع الثقافي العربي "العالمي" مثل ألف ليلة وليلة، وإبداع عظماء الفكر الصوفي كابن عربي وابن سبعين والحلاج، والحركات الاجتماعية والسياسية والفلسفية الإنسانية الكبرى كالإسماعيلية وإخوان الصفا والقرامطة وأمثالهم إلى قوى "مخربة"!

بعبارة أخرى، إننا نعثر عنده على خلط مشوه بين وقائع التاريخ وحقائق الإبداع وتاريخية الفكر وانجازات العلوم والعقائد الدينية الخشنة. لكنها محكومة في اغلبها بمنهج محدد من مناهج الرؤية الإسلامية اللاهوتية السلفية. ويبرز ذلك بوضوح في مواقفه من تحليل ونقد الأفكار والمفاهيم، كما هو الحال في موقفه من فكرة التغريب نفسها، والفلسفة والتصوف والمعتزلة، ومن مفاهيم الثورة الفرنسية وغزوة  نابليون، ومفاهيم الجهاد والتسامح والحرية، والأفكار المتعلقة بقضايا العقل العربي والعروبة والإسلام، ومفاهيم المعرفة والعقائد،والحضارة والثقافة وغيرها من القضايا الكبرى والجزئية.

إذ نراه ينظر إلى التغريب هنا باعتباره "قوة ضخمة تقف الصهيونية وراءها" . ليتعداها ذلك إلى البحث في نكبة عام 1948 ونكسة 1967 بوصفهما  ثمرات مخطط لها منذ البدء في مناهج التغريب . بحيث نراه يعثر في الترغيب ككل على نتاج "لمؤامرة يهودية". رغم أن التغريب بوصفها ثقافة الغرب (الأوربي) لا علاقة له باليهود واليهودية. وأنهما كلاهما كان يشكلان حالة طارئة وسيئة ولا قيمة لها بل ومحتقرة سواء بمعايير الدين أو الفكر أو الثقافة أو العرق. غير أن الوقائع التاريخية لا تعني بالنسبة للذهنية السلفية الدينية شيئا. على العكس أنها تشكل مصدر كل شيء، بما في ذلك يقين الأوهام والخرافات. من هنا نراه يدفع بهذه "المؤامرة اليهودية" إلى أقصى مدى ممكن لها في الموقف من الثقافة الإسلامية بحيث نراه يستند إلى حديث موضوع (كاذب) يقول "احذروا الأهواء المضلة، وشرها الرافضة، فأنهم يهود هذه الأمة.... يقول الرافضة لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي وكذلك قالت اليهود من قبل" . ووجد أدلته في دور أبي لؤلؤة الفارسي ومقتل عمر باعتبارها "مؤامرة يهودية مجوسية"، وفي عبد الله بن سبا وفكرة الحق الإلهي في الدولة وأبطال الشورى، وفي فكرة وممارسة التأويل في النصوص والقول بالظاهر والباطن، وفي صناعة البدع، وفي إذاعة الأساطير الإسرائيلية، وفي فلسفة الإشراق والاتحاد والحلول. وأخيرا في الإسرائيليات الجديدة لفرويد وقوله عن تطور الأخلاق، ومذهب دوركيم وفكره عن المسؤولية الجماعية ، والماركسية في فلسفة التفسير الاقتصادي للتاريخ . 

وفيما لو تركنا الحقيقة القائلة، بان السلفية السنية أكثر من لفق الأحاديث الكاذبة عن النبي محمد ثم رفعها إلى مصاف "السنة النبوية"، فان كلمة الرفض نفسها الملصوقة بالتشيع هي نقيض لما في هذا الاتهام. كما أن تاريخ التشيع بشكل عام هو تاريخ الدعوة للقتال والجهاد ضد السلطات الغاشمة. وهم من حمل فكرة المعارضة بمختلف أشكالها ومستوياتها على امتداد التاريخ الاسلامي وحتى الوقت المعاصر. وبينهم ظهرت أقوى وأكثر الشخصيات المبدعة بمعايير الروح الإنساني والنقدي الحر والتفكير الفلسفي والوجدان السياسي. فهو يتذكر أبو لؤلوة الفارسي وينسى سلمان الفارسي وقول النبي فيه "سلمان منا آل البيت". ولا علاقة للصورة المصنعة بمخيال التسنن السلطوي لشخصية وأفكار عبد الله بن سبأ. فحتى في حال افتراض قولهن بان عليا لم يمت، فقد قال قبله عمر بن الخطاب بان محمدا لم يمت وهدد بقتل من يقول بذلك! ثم لا علاقة بما ينسب له بإبطال الشورى، إذ لا وجود لها. فالشورى لم توجد بالأساس والفعل، سواء بهيئة منظومة أو حتى قواعد محددة. وفي شكلها التاريخي الجزئي والوحيد عند عمر بن الخطاب قبيل مماته، كانت اقرب منها إلى رغبة سياسية شخصية من أن تكون موقفا فكريا أو عقائديا.  أما التأويل والقول بالظاهر والباطن فأنها أجزاء وسائل في مناهج التيارات العقلية والعقلانية بشكل عام والمعتزلة بشكل خاص، التي طورها الفلاسفة ثم المتصوفة إلى أقصى مدى ممكن لها آنذاك. والتشيع كان يفعل حينذاك ضمن تقاليد الفلسفة والعرفان (التصوف). أما إدخال الإسرائيليات إلى الإسلام فان أكثر من قام به أوائل من أطلق عليهم لقب "أئمة أهل السنة والجماعة" من ذوي الأصول اليهودية، إضافة إلى الجهلة أو ضعيفي الرؤية النقدية وأصحاب الإيمان الساذج من الصحابة والتابعين. أما "البدعة"، فأنها من الإبداع. وحملتها في الأغلب هم من صنعوا الإرث الإنساني والعقلاني والجميل في ثقافة الإسلام وحضارته. بينما كانت محاربته تجري من قبل أكثر القوى تخلفا بمعايير العقل والإبداع والنزعة الإنسانية. وبالتالي، فان محاربتها فيما مضى والآن هي "بدعة" بمعايير التاريخ والارتقاء الثقافي والإنساني. وينطبق هذا على "الإسرائيليات الجديدة". فهو "تأويل" سياسي وأيديولوجي مسطح لا علاقة له بادراك حقيقة التطور العلمي والثقافي الأوربي الحديث. فالأصول القومية والدينية للمرء تتحكم في بعض جوانب رؤيته وسلوكه، إلا أنها لا تحدد مسار التطور والإبداع الثقافي الكبير. فللأخير تقاليده وسننه الخاصة. وماركس لم يكن يهوديا، بل عبرانيا بمعايير "الدم". بينما هو ألماني في كل شيء. ولا بأس بان تتعلم السلفية السنية الإسلامية من مثال نبيها القائل، بان العربي ليس بالدم بل باللغة. وكل ما في ماركس هو ألماني بمعايير القومية، وأوربي بمعايير الثقافة، وإنساني بمعايير النزعة النقدية الحرة. 

نقد التقليد الفكري للغرب

أما في موقفه من الفلسفة نراه يدعو إلى التفريق بينها وبين العلم. فالفلسفة بالنسبة له ليس علما. من هنا تقييمه موقف الغزالي النقدي من الفلسفة في كتبه المشهورة على انه "حين هاجم الفلسفة الإلهية الوثنية"، فانه كرّم في الوقت نفسه الفلسفة العلمية في مجال الرياضيات والطبيعيات. وبالتالي، فان "الفلسفات الأوربية الحديثة من ماركسية ووجودية ونفعية ليست علوما" وذلك لانها "قائمة على النظرة الخاصة المحدودة بحدود الزمن والبيئة". بينما نراه يعتبر التصوف "بدعة" حسنة. فإذا كان من حيث أصله زهدا فعلا مقبولا وحسنا لحد ما، فان اتصاله بالفلسفة اليونانية ومفاهيم التصوف الهندي والوثنية الفارسية والهيلينية، أدى به إلى "اضطراب كبير". الأمر الذي جعله يعتبر "النوع الفلسفي للتصوف ليس إسلاميا". أما المعتزلة، التي حاول ويحاول التغريب جعلهم ذروة العقلانية الإسلامية والممثلين الفعليين لحقيقة الإسلام العقلية،  فانه استنتاج يتناقض مع الواقع وحقيقة الإسلام. وبالتالي، فان "هزيمتهم" التاريخية لم تكن هزيمة للعقل والثقافة الإسلامية، بل على العكس، أنها أدت إلى هيمنة "الاعتدال الاسلامي" و"الوسطية". وعلى الرغم من أن أنور الجندي يبرز ما اسماه بالدور الايجابي الذي لعبه المعتزلة "في الدفاع عن عقائد الإسلام"، إلا أنهم "غالوا لاحقا بالعقل". ومن ثم فان "سبب هزيمتهم يكمن في غلوّهم العقلي" لما فيه من "تناقض مع اعتدال الفكرة الإسلامية".

إننا نقف هنا أمام صيغة نموذجية للاستقامة اللاهوتية العقلية في تناول أهم التيارات النظرية الكبرى في تاريخ الثقافة الإسلامية (الكلام والفلسفة والتصوف)، بل لا غيرها من حيث الجوهر، عبر إخراجها من حيز الثقافة الإسلامية "المعتدلة والوسطية"، بل واعتبارها مجرد غلوا (الكلام المعتزلي) وبدعة (التصوف) ولا علما (الفلسفة). إضافة إلى ما فيها من جهل بحقيقة الفكرة الفلسفية في الكلام المعتزلي والتصوف والفلسفة. وتكمن جذور هذه الرؤية في العداء التاريخي والثقافي والمنهجي للفلسفة بوصفها عما نظريا عقليا خالصا. على عكس كل تأملات العقل اللاهوتي، الذي يبقى حتى في اشد حالاته الاجتهادية إخلاصا "للعقل" خاضعا في أعمق أعماقه للنصوص "المقدسة" والإيمان.

والشيء نفسه نعثر عليه في مواقفه من الثورة الفرنسية و"حملة نابليون". بمعنى الخلط بين الغث والسمين، بين الرؤية النقدية السليمة وتوظيفها اللاهوتي. فقد كانت آراءه النقدية بهذا الصدد عميقة ودقيقة وسليمة مثل قوله، بان الثورة الفرنسية هي "حركة غربية مرتبطة بالمجتمع الأوربي لها وبواعثها الخاصة"، وأنها "رد فعل قوي على واقع سيئ. بل نراه يجد فيها من حيث أفكارها العامة نتاجا للفكر الاسلامي! بمعنى أنها تمثلت مفاهيم الإسلام الكبرى عن الحرية والعدل والإخاء والمساواة وما شابه ذلك. أما الحملة الفرنسية، التي يجري الترويج لها على أنها من وضعت مقدمات "اليقظة العربية"، فانه وجد فيه مفهوما خاطئا، ودعوى باطلة. إذ اعتقد، بان اليقظة العربية هي نتاج الحركة الوهابية الأولى بقيادة محمد بن عبد الوهاب. ونظر إلى هذه القضية من منطلق منهجي سليم يقول، بان "الأمم لا تتجدد من خارجها، وإنما من مصادر فكرها ومن أعماق روحها". أما شعارات الحرية والإخاء والمساواة، فأنها جميعا "مستمدة أساسا من الإسلام".

وطبق نفس هذا الموقف الأخير من مفاهيم الجهاد والتسامح والحرية، بمعنى انه حاول تدقيقها بمعايير الفكرة الإسلامية أو عبر إرجاع مضامينها إلى الفكرة الإسلامية الأولى. ومن ثم تحريرها من التأثير الغربي، باعتبارها نتاجا له ولثقافته. فالجهاد هو ليس ما يقدمه الغرب قي تعليقاته وفهمه بوصفه حربا وقتالا لاعقلانيا ومتعصبا ودينيا، بل هو فريضة إسلامية تعني حماية الفكرة والأمة من عدوان المعتدي والاستعداد المتصل بحماية النفس. أما الصيغة الأخرى التي حاول الاستعمار عبر دعايته تحويل فكرة الجهاد إلى جهاد قلبي (كما حاول الانجليز في الهند)، فانه كان يهدف إلى قتل الروح الجهادية من اجل الحق والاستقلال. أما قضية التسامح التي يعتبرها الغرب من صفاته ونتائج رؤيته وثقافته، فان أنور الجندي يعتقد بأنه ليس هناك فكرا في التاريخ الإنساني عرف معنى التسامح كما عرفه الفكر الاسلامي وخاصة في مجال العقائد المختلفة. وهو أمر جلي فيما بلغ فيه أرباب الديانات الأخرى من مكانة في الحضارة الإسلامية. وينطبق هذا على فكرة الحرية، التي يحاول الغرب مطابقتها مع نفسه، بينما هي ليست كلك. فالأمة التي تستعبد الآخرين ليست حرة. وليس هناك من شعوب استعبدت الآخرين في العصر الحديث أكثر من الغربيين. بينما كان الإسلام هو حامل فكرة الحرية وحقيقتها حسب معاييره وتصوراته. فالحرية حسب الإسلام هي القدرة على عمل كل شيء لا يضر بالغير، بما فيها الدفاع عن النفس أمام القضاء، والتفكير والحكم على الأشياء، والتعليم، والاعتقاد والقول، والتملك. أما الحرية السياسية، فأنها في الإسلام "قائمة على الشورى". وكل ذلك نابع من أن اصل فكرة ومبدأ الحرية في الإسلام هو أن الناس تولد أحراراً، وانه لا فضل لعربي على أعجمي أو ابيض على اسود إلا بالعمل النافع. وتاريخ الإسلام يكشف عن أن حرية الفكر في الإسلام كانت مضمونة ومكفولة ومدعومة. وانه لم يرهب الفكر ولم يضيق على الحرية. على العكس لقد جرى دعم العلوم واكتشافاتها. أما العقوبات التي نسمع عنها في التاريخ الاسلامي بهذا الصدد فقد كانت في اغلبها لأسباب ودواعي سياسية.

وضمن هذا السياق حاول إبراز خصوصية "العقل العربي" المنهجية والثقافية بمعايير اللاهوتية الإسلامية التأملية، التي وجدت فيه نموذجا "للتكامل والوسطية، الذي يجمع بين الدين والدنيا، والعقل والقلب والعلم والدين والروح والمادة". فهو "العقل الذي استطاع توحيد الأضداد في انسجام: المسجد والقصر، كما جمع بين العقل والطبيعة وبين الحكمة والشريعة". فالعقل" أساس ضخم لكنه وحده عاجز عن أن يصل إلى كل الصواب والمعرفة". أما العقل الاسلامي فهو" نور في القلب يعرف الحق من الباطل والخير من الشر". 

ووضع هذا الموقف أيضا في أساس رؤيته لعلاقة المعرفة بالعقيدة. إذ اعتبر  محاولات إحلال كلمة المعرفة عوضا عن العقيدة يؤدي إلى نتائج خطرة. فالعقائد تتصل بالأمة، وذلك لان العقائد تتشكل وتتراكم من خلال التراث والقيم والتاريخ والدين. وبما أن "الأمم الشرقية" ذات تراث الروحي يستمد مفاهيمه من آراء بوذا وكونفوشيوس والبرهمية وغيرها، من هنا إعلاءها لشأن الوجدان والقلب والبصيرة. بينما "الأمم الغربية" بتراثها اليوناني والروماني والنصراني، فأنها تتمثل عبادة القوة والجسد والعقل. أما الأمة الإسلامية ومنها العرب، فأنهم ذوي تراث توحيدي قائم على منهج تكامل العقل والبصيرة، والروح والمادة، والدنيا والآخرة، والعلم والدين. من هنا عدم صلاحية تطبيق الأحكام المتراكمة في الوعي الغربي عليهم. لهذا نراه يقول، بان مفهوم التطور والثبات السائد في اللغات الغربية لا يصلح لعالم الإسلام. وذلك، لان هذا المفهوم يستمد وجوده  في الفكر الاسلامي من قانون الاعتدال والتوازن.

وطبق موقفه النقدي هذا على علاقة العروبة والإسلام. فقد انطلق من فكرة مفادها، أن الإسلام والأمة العربية مترابطان. فقد حملت الأمة العربية لواء الإسلام إلى العالم كله. وارتبطت بها قيادة الدولة الإسلامية قرونا طويلة حتى سقوط بغداد عام 656  لهجرة. وأن الإسلام هو الدين القومي للأمة العربية  . بل ونراه يتوصل إلى استنتاج يقول، بان حركات النهضة العربية الحديثة كانت إسلامية من حيث جذورها. بمعنى أنها ظهرت من قلب الأمة مثل الوهابية والسنوية والمهدية وحركات الإصلاح عند الأفغاني ومحمد عبده والمدرسة السلفية في المغرب . لهذا نراه يجد في محاولات فصلهما أو إبعاد احدهما عن الآخر مجرد فكرة تغريبية. وذلك لان العلاقة بين الإسلام والعروبة حسب نظره هي علاقة عميقة الجذور. بل أن مقومات القومية العربية وثيقة الارتباط بالإسلام من حيث اللغة والتاريخ والتراث. الأمر الذي جعله يتوصل إلى أن مفهوم الوحدة العربية بحد ذاته هو إسلامي الجذور. وكما أن القوميات الأوربية لا تفصل نفسها عن النصرانية، كذلك لا معنى لفصل العرب عن الإسلام، لاسيما وان العلاقة بينهما أكثر جذرية وجوهرية. وعندما تناول قضية تحديد ماهية الحضارة الإسلامية، فانه شدد على أن الحضارة الإسلامية هي عربية وليست سامية". لان العرب ما قبل الإسلام في المشرق كانوا قبل أكثر من ألفي سنة" . وضمن هذا السياق أيضا نظر إلى فكرة الوحدة العربية على أنها ليست هدفا نهائيا، بل مرحلة نحو الوحدة الإسلامية .

من هنا تحذيره من الأفكار الواردة في كتاب (يقظة العرب) لجورج أنطونيوس، وكتاب (يقظة الأمة العربية) لنجيب عازوري، وبالأخص ما يتعلق منه بتاريخ العرب الحديث، والموقف من العثمانية، والفكرة القومية العربية. ولهذا السبب أيضا اعتبر أن من الخطأ اعتبار نصيف اليازجي وبطرس البستاني من رواد ومؤسسي اليقظة العربية الحديثة. بل ونراه يحلل وينتقد المفاهيم لمرات عديدة مثل الفينيقية، ووحدة الوجود، والفرعونية، وإخوان الصفا، والخلافة، والسلطان عبد الحميد، وحريق مكتبة الإسكندرية، والاستعمار التركي، وكتاب ألف ليلة وليلة، وكتاب الأغاني، وساطع الحصري، وكتاب الأخلاق عند الغزالي لزكي مبارك، وشخصيات المتنبي وعمر الخيام وغاندي وتولستوي وأديب إسحاق وابن المقفع وغيرهم من الشخصيات والقضايا التي يتكرر وجودها في اغلب إن لم يكن مؤلفاته.  

ووجد هذا المنهج النقدي تجسيده تجاه مفهوم الحضارة والثقافة. إذ وجد في العبارة الواسعة الانتشار في الثقافة الغربية وعلومها التاريخية والسياسية عن "وحدة الحضارة" مجرد عبارة خلابة المظهر، لكنها تخفي في أعماقها الاحتقار للثقافات غير الغربية. والشيء نفسه ينطبق على مفهوم الثقافة. إذ تعادل الثقافة عند أنور الجندي معنى الفكر القومي للأمم. وفكرة ومعنى القومية يقوم على اللغة والوطن والعنصر. فالفكر الاسلامي يمثل العالم الاسلامي لكنه ينقسم إلى ثقافات عربية وفارسية وتركية وهندية وغيرها. ولكل منها اصل في الإسلام وارتباط باللغة والوطن والأجناس. من هنا عدم دقة وخرافة مفهوم الثقافة العالمية. فالثقافة العربية مثلا تختلف عن الثقافة الغربية. العربية لها أصلها وجنسها وتاريخها، بينما الغربية اي كان نوعها القومي، فتستمد مصادرها من اليونان والرومان والنصرانية واللغة اللاتينية. إن الثقافة وطنية أو قومية دوما. من هنا قوله الفاصل عن أن العلم عالمي بينما الثقافة قومية ووطنية.

**

 

 

mutham aljanabiيمثل سيد قطب في مواقفه الفكرية تجاه إشكاليات الحضارة المعاصرة والبديل الاسلامي نموذجا كلاسيكيا لثلاثية "موت الحضارة الغربية" والتعارض التام بينهما وأفضلية البديل الاسلامي. فهو ينطلق من اعتقاد شخصي وأيديولوجي يرتقي إلى مصاف المسلمة القطعية عما يدعوه بمأساة ودمار الحضارة الغربية (الاوروامريكية)، ومن ثم موتها المحتوم. وينطلق في موقفه هذا مما يسميه بتدمير الإنسان والحياة الإنسانية في الغرب. وذلك لان الحضارة الغربية تدمر أولا وقبل كل شي "خصائص الإنسان الأساسية". وان أهم عناصر "هذه المأساة" هي كل من الجهل المطبق بالإنسان، والتخبط الملازم لهذا الجهل، وبالتالي قيام حضارة مادية لا تلائمه ولا تحترم خصائصه. أما النتيجة فهي انهماكها في الموقف الآلي من الإنسان.

إن للموقف الآلي أشكاله ومظاهره في كل شي. فهو ينظر إلى المرأة على أنها حيوان جنسي، والى متطلبات الإنسان على أنها مادية صرف. الأمر الذي يجعل من هذه الحضارة إبداعا لا يلائم حقيقة الإنسان وخصائصه.

ينظر سيد قطب إلى الوجود وإشكالاته بمعايير الرؤية الدينية السلفية المتزمتة، أي انه لا يراها، بل يرى ويتذوق الوجود بمعايير ومقاييس العقائد الموروثة، أي أنها بلا عقل نقدي ولا حس إنساني ولا معاناة حية لتجارب الأمم. من هنا رؤيته للمرأة كامرأة بمعايير التقاليد البدوية والدينية والتقليدية وليس بمعايير الرؤية الإنسانية. أما إقراره الجزئي بان الحضارة المادية هي من صنع الإنسان، وان الحضارة الغربية الحديثة هي حلقة من حلقات الحضارة الإنسانية غير منفصلة عنها في جذورها العميقة، إلا أن نقطة ضعفها الجوهرية هي أنها لا تمتلك "العلم بحقيقة هذا الإنسان وخصائصه"، مع ما يرافقه من انعدام "الرغبة في احترامه وتكريمه". بمعنى إننا نرى نموا في الحضارة المادية الأوربية ولكننا نرى فيها في الوقت نفسه بقاء واستمرار "الجهالة المطلقة بالإنسان".

إن سبب هذا الخلل من وجهة نظر سيد قطب، يقوم فيما يمكن دعوته بالاستعمال الجزئي والنفعي الضيق لحصيلة القيم العلمية للحضارة الإسلامية. فقد قامت الحضارة الأوربية، كما يقول سيد قطب، على "أسس الاتجاهات التجريبية العلمية" التي أبدعها الأندلس والشرق الإسلامي، ومن روح الإسلام الواقعية الإنسانية. لكن المشكلة أو العقدة القاطعة لإمكانية هذه الجوانب العلمية يقوم في أن انتقالها إلى أوربا لم يرافقه انتقال "جذورها الفلسفية" سوية معها! إضافة لذلك، إن هذا الانتقال قد صادف حالة وفكرة "الفصام النكد"، كما يصفه سيد قطب، بين الدين والنهضة الحضارية. وهنا، كما هو الحال في اغلب أحكامه المتعلقة بالتاريخ والثقافة وإشكالاتهما المعقدة، عادة ما لا يرى المقدمات الفعلية للمسار التاريخي، أو انه يتجاهل قيمتهما الذاتية بالنسبة لهذا المسار، ولا يدرك طابعهما الجوهري الملازم لتجارب الأمم في تذليل ما ادعوه بالمرحلة الدينية اللاهوتية في الوعي. من هنا يمكن فهم تفسيره للمسار التاريخي للحضارة الأوربية على أنها نتاج "للفصام النكد" بين الدين والدولة، عوضا عن أن يرى فيه حاملا للفكرة الإنسانية نفسها. فهو يرتد هنا ويتراجع إلى الوراء خطوات كبيرة مقارنة بأفكار ومواقف الإصلاحية الإسلامية الحديثة. لكنه يجعل من هذا التراجع تقويما للفكرة الإسلامية فيما يتعلق بالموقف من الحضارة الأوربية. لكنه تقويم لا يتعدى في الواقع حدود النظرة المبسطة والمبتسرة لإشكاليات الحضارة المعقدة، من خلال إرجاعها إلى فكرة "الفطرة" الإنسانية. بحيث نراه يحول فكرة الفطرة، أي المكونات الطبيعية للإنسان ووجوده التاريخي، إلى هالة مقدسة، رغم أصولها الطبيعية. ومن ثم يجهل طبيعة وحقيقة الثقافة والحضارة بوصفها تهذيبا للفطرة وليس خروجا عليها. فالأصول الطبيعية للإنسان وثقافته تبقى في النهاية المكون الطبيعي لارتقائه الماوراطبيعي، بوصفها الحلقة التاريخية من اجل الرجوع إليها ولكن بمعايير التجارب العقلية والنزعة الإنسانية. الأمر الذي يلازمه بالضرورة مختلف مظاهر الخطأ والخطيئة، باعتبارها الحالة التاريخية لوجوده الطبيعي والثقافي. أما سيد قطب فانه يرجع ما يعتقد انحطاطا في الحضارة الغربي إلى كمية من العبارات اللغوية والبلاغية مثل "لم يكن بد" من "انهيار الحضارة" بسبب شرود "الإنسان عن ربه ومنهجه وهداه"، بسبب "جهل الإنسان نفسه"، وبسبب "جعل الإنسان من المرأة حيوانا لطيفاً"، وبسبب تعطيله "لخصائصه الإنسانية وحصر طاقته في الإنتاج المادي"، وبسبب "أقامة نظامه على الربا". أما النتيجة فهي حلول "عقوبة الفطرة به". وهي عقوبة "فادحة قاصمة مدمرة"، لعل أهم مظاهرها هي التناقص في النسل الذي يهدد بالانقراض، والتناقص في الخصائص الإنسانية المؤدي إلى البربرية، والتناقص في الذكاء والمستوى العقلي الذي يهدد بانهيار العلم الذي قامت عليه الحضارة، وبانهيار الحضارة ذاتها في النهاية.

إننا نقف هنا أمام رؤية اقل ما يقال فيها، عمياء أو غبية فيما يتعلق بالمسار التاريخي والواقعي للرقي الحضاري المعاصر. فالبشرية عموما في ازدياد مفرط، والعلم في تطور وارتقاء مثير وليس له مثيل فيما مضى، بل لا يمكن مقارنتهما من حيث الديناميكية والاكتشافات والتحقيق والتصنيع، والشيء نفسه بالنسبة للتحرر الفعلي من "منظومة الفطرة" البدائية صوب صيغتها العقلية والعقلانية والإنسانية. وهي عملية صراع عنيف وقاس، لكي يتحرر الإنسان من أولوية وجوهرية الغرائز الكامنة في "الفطرة الطبيعية" نحو تهذيبها الثقافي. بينما يرى سيد قطب فيها سر انتكاسة وسقوط الحضارة الغربية وكل أمراضها! ومن اجل استكمال هذا اليقين اللاهوتي، يستند إلى ما قاله برتراند راسل عن انتهاء العصر الذي يسود فيه الرجل الأبيض. وبقاء تلك السيادة إلى الأبد ليس قانوناً من قوانين الطبيعة. بل نراه يعتبره ناقصا أيضا بسبب ما اسماه بسطحية المقدمات ومادية الأسباب الملازمة لذهنية المفكر الغربي "أيا كانت قيمة تحرره العقلي"، وذلك لأنه يبقى "أسير عقلية وبيئة وحضارة معينة، لا تسمح له بأن يفكر وراءها، ولا أن يخرج من إسارها ليرى الأمر كله جملة، ومن زاوية أخرى جديدة" . لقد وجد في هذه الفكرة حكما ناقصا. وانه كان ينبغي القول، بأنه قد "انتهى العصر الذي يسود فيه الرجل الأبيض، لأن حضارة الرجل الأبيض قد استنفدت أغراضها المحدودة القريبة، ولم يعد لديها ما تعطيه للبشرية من تصورات ومفاهيم ومبادئ وقيم تصلح لقيادة البشرية وتسمح لها بالنمو والترقي الحقيقيين"، أي "النمو والترقي للعنصر الإنساني وللقيم الإنسانية والحياة الإنسانية". فهي حضارة "أصيبت بالعقم أو كادت بعدما ولدته في (الماجنا كارتا) الإنجليزية. ومبادئ الثورة الفرنسية. ومبادئ الحرية الفردية التي سادت في ما يسمونه". مما أدى في نهاية المطاف إلى هيمنة عناصر الدمار والموت كما نراها في "الخواء الذي ينخر في روح الحضارة الغربية بمذاهبها جميعا وبأنظمتها جميعا"ـ و"الخواء الذي تختنق فيه روح الإنسان وقيمته، بينما تتكدس الأشياء وتعلو قيمتها، وتطغى على كل قيمة للإنسان". لهذا نراه "يشقى ويقلق ويتحير، ويعاني من القلق والحيرة والشقاء والتعاسة والأمراض العصبية والنفسية والشذوذ والعته والجنون والجريمة"، كما نراه "هاربا من نفسه ومن المخاوف والقلاقل التي تلفه بها الحضارة المادية"، ونراه "هائما على وجهه يقتل سآمته وملله بما يقتل به روحه وجسمه وأعصابه من المكيفات والخمور"، بل نراه "يبيع أولاده ليشتري بهم ثلاجات وغسالات كهربائية". الخلاصة إننا نقف أمام انهيار تام لهذه الحضارة. بعبارة أخرى، لقد "انتهى دور الرجل الأبيض" بغض النظر عما إذا كان روسيا أم أمريكيا، إنجليزيا أم فرنسيا أم سويسريا أم سويديا". والسبب يكمن في "ذلك الفصام النكد" المميز للتاريخ الأوروبي، وفي جميع المذاهب والمناهج والنظم والأوضاع التي تقوم في الغرب.

إننا نقف هنا أمام صورة مبسطة للغاية ومبتذلة من حيث مستوى تحليلها لمقدمات وخصائص "الحضارة الغربية" وانعكاسها في الإبداع الأوربي على مدار قرون وكذلك محددات الرؤية النقدية الذاتية التي أفرزت عبارة "انتهاء دور الرجل الأبيض". وهنا تجدر الإشارة إلى أن آراء وأحكام برتراند رسل في مجال الفلسفة، وفلسفة التاريخ، والتاريخ الثقافي ليست من العمق والهيبة العلمية التي يمكنها أن ترتقي إلى مصاف دوره العلمي. لكن اجتهاده يبقى فرديا وجزئيا للغاية، ومع ذلك فان مقصود كلامه لا يعني ما عناه سيد قطب. إذ لم يعن انتهاء "دور الرجل الأبيض" انتهاء أو موت الحضارة الأوربية. مع أن هناك من هو أكفئ منه وأعمق بما لا يقاس في هذا المجال من بين الأوربيين الذين قالوا بأفول الحضارة الأوربية. وهي رؤية لا علاقة لها بفكرة موت الحضارة الأوربية كما هي، بقدر ما أنها تعكس الفكرة المنهجية عن القيم الذاتية للحضارات وتكافؤ قيمتها التاريخية الثقافية. وان لكل منها تاريخه الخاص وخصائص ولادته وحياته وموته. وهذا ينطبق على الجميع دون استثناء. وبالتالي، فهي رؤية تعكس احد نماذج المواقف النقدية المتراكمة في فلسفة التاريخ والثقافة. ومن ثم لا يرتقي أيا منها، مهما كان نصيبها من التدليل والبرهنة، إلى مصاف الحقيقة المطلقة أو اليقين التام. وهو الاختلاف الذي يميز الفكرة العلمية والتاريخية الثقافية عن الفكرة الدينية بشكل عام والسلفية المتشدد بشكل خاص، التي تعتاش على فتات الثقافة العلمية وتزدريها. فالصورة التي يقدمها سيد قطب عن فضائح الحضارة الأوربية هي من حيث جانبها "النقدي" نتاج التأثر السطحي بالنقد التاريخي والثقافي الأوربي نفسه بشكل عام وصيغه الانجلوسكسونية بشكل خاص. كما أن الصورة التي يرسمها سيد قطب عن معالم انحطاط واحتضار الحضارة الغربية تنطبق على "العالم الاسلامي" أولا وقبل كل شي. فالإمراض التي يشير إليها هي الأوسع انتشارا في العالم الاسلامي الآن. وعلى العكس من ذلك تشكل قوة النموذج الغربي قوة في كل شي. كما أنها حضارته متكاملة بذاتها وأصيلة وعظيمة، لكنها لا تخل من خلل هو جزء من مراحل الانتقال الثقافي الملازم لتاريخ التطور الثقافي للأمم وليس بسبب غربيتها. لكنها تستجيب لما يدعوه سيد قطب "بالتصور الاعتقادي" السلفي المتشدد الذي ينظر إلى أن كل أمراض ومظاهر احتضار الحضارة الغربية هو بسبب "تصورها الاعتقادي"  الكامن في مذاهبها ومناهجها ونظمها وأوضاعها الحياتية.

إن "التصور الاعتقادي" البديل الذي يقدمه سيد قطب بهذا الصدد يوحي كما لو انه لم يبق على قيد الوجود من حيث الطاقة والبدائل غير سيد قطب وأتباعه! والأغرب ما فيه انه يتخذ صيغة اليقين الجازم. بمعنى انه يصل إلى نتيجة تأملية صرف بلاغية بصورة تامة عن أن الحضارة الغربية عاجزة عن القيام بمهمات جعل الإنسان إنسانا! بل على العكس، أنها تهوي به إلى مصاف البهيمة وتسلبه كل "خصائصه الإنسانية". والسبب الرئيسي وراء كل ذلك هو عدم إدراكها بان الإنسان بذاته "عاجز عن وضع نظام شامل مضبوط صالح مصلح لحياته". ومن ثم فان أي نظام يضعه الإنسان بذاته لذاته لابد و"أن يعرّض الإنسان نفسه وحياته للعطب والدمار". 

وقد وضع سيد قطب هذه المقدمة الدينية المتزمتة الصرف والمقلوبة والمعارضة لتيار الوجود الطبيعي للإنسان وتاريخه الإنساني، بما في ذلك الديني، في صلب "نصوره الاعتقادي" عن البديل الحضاري الاسلامي. ليس التصور الاعتقادي الديني سوى احد التصورات الإنسانية، أي البشرية في تعاملها مع إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي. إذ ليس "الإلهي" سوى البشري بعد أن يتطاير في سماء الأوهام الجليلة ووحيها التاريخي، كما هو جلي في تنوعها واختلافها وصراعها الدموي أيضا، قديما وحاضرا، ما لم يجر تذليل البنية التقليدية للأديان تذليلا نهائيا عبر تحريرها من ثقل أولوية وجوهرية النص والمقدسات الوهمية.

فالتصور الاعتقادي عن البديل الحضاري الاسلامي عند سيد قطب هو احد النماذج الكلاسيكية للنمط السلفي التقليدي المتزمت في تعامله مع هذه القضية. ومن ثم يعكس النموذج الأولي والبدائي عن التاريخ والوعي الثقافي والبدائل الإنسانية. فهو يسحق الأخيرة سحقا تاما ويجعل من "خصائص" رؤيته للإنسان "خصائص إنسانية" مطلقة. بعبارة أخرى، إن الصفة الملازمة للوعي الديني المتشدد، الذي يستغني بتجربته الخاصة عن كل تجارب الأمم التاريخ، ويرفعها إلى مصاف المطلق والمقدس، لا يدرك الحقيقة البسيطة القائلة، بان ما يدافع عنه هي مجرد تجربة ماضية، وان اندثارها هو مجرد حالة طبيعية لازمت وجودها التاريخي واستنفذت طاقتها وقوتها، بوصفها مرحلة من مراحل التطور الثقافي. وان "البديل الإلهي" هو بديل بشري لا غير محكوم بنفسية وذهنية الأحكام الجاهزة والنصوص المقدسة، أي المتحجرة والمحاصرة للعقل الإنساني وطاقته الحية في التعامل مع الوجود والتاريخ بوصفها وعيا ذاتيا. من هنا رفضه لكل الأيديولوجيات بوصفها "أفكار جزئية سطحية، وكلها محاولات مصطنعة لا جذور لها في الفطرة البشرية". أما البديل لكل هذه "الأيديولوجيات" فه "التصور الاسلامي"، أي أيديولوجي سيد قطب. فحين نتلفت من حولنا في الماضي والحاضر والمستقبل، كما يقول سيد قطب، "لا نجد الحل المقترح لتجنيب البشرية ذلك الدمار إلا في التصور الإسلامي، والمنهج الإسلامي، والحياة الإسلامية، والمجتمع الإسلامي". الأمر الذي يجعل من "قيام المجتمع الإسلامي ضرورة إنسانية، وحتمية فطرية". 

فالبديل الاسلامي بهذا الصدد يقوم في تقديمه تصورا اعتقادي خاصا لا مثيل له في موقفه من النظرة إلى الإنسان وحقيقة فطرته واستعداداته، والنظرة إلى المرأة وعلاقة الجنسين، ومسألة النظم الاقتصادية والاجتماعية. ففي الموقف من الإنسان وفطرته واستعداداته، يقوم التصور الاسلامي في أن الإنسان كائن فذ وشديد التعقيد في هذا الكون، وله خصائص، الأمر الذي يقتضي وجود منهج للحياة الإنسانية يرعى تلك الاعتبارات كلها. وان هذا "المنهج الوحيد الذي راعى هذه الاعتبارات كلها" هو المنهج الاسلامي، الذي "يحقق غاية وجوده ويحقق التوازن في أوجه نشاطه، ويحقق فرديته وجماعيته كذلك". فكل ما كان قبله وبعده هو مجرد محاولات منحرفة عن جادة الصواب. ففي الأساطير الإغريقية كان الإنسان نداً للآلهة، ينازعها السلطة والمعرفة. فلما جاء العهد الروماني، باعتباره "الأساس الحقيقي للحضارة الأوروبية القائمة" بهت ظل الآلهة وبقى الإنسان يعبد ذاته وشهواته. ولما سيطرت النصرانية، كما تصورتها الكنيسة، على الدولة الرومانية، وسم الإنسان بالخطيئة ونكس رأسه بالذل. إذ اعتبرت ميوله الفطرية رجساً ودنساً، وعلاقاته الجنسية قذراً ووسخاً، وشعوره بذاته إثماً وخطيئة.. ولما وقع رد الفعل، وثارت أوروبا على الكنيسة، وعلى التصورات الكنيسة، وعلى المفهومات الدينية كلها بالإجمال، جدت مع الثورة نظرة جديدة للإنسان. وبالذات إلى العقل في الإنسان. وأصبح هذا العقل إلهاً في عصر التنوير. ثم انتهى عصر التنوير في القرن التاسع عشر بضربة قاصمة لهذا العقل وللإنسان معه. إذ جاءت الفلسفة الوضعية تعلن أن المادة هي الإله. فتضاءل العقل، وتضاءل معه الإنسان. ثم جاء داروين بحيوانية الإنسان. ثم  تمت الضربة القاضية على يد فرويد من جانب، وكارل ماركس من الجانب الآخر. والنتيجة هي "أن أوروبا ظلت تتراوح بين الإفراط والتفريط،  بين الكبت والتهور". وظلت هذه الموجة العاتية، كما يقول سيد قطب، في مدها حتى اللحظة الحاضرة عبر انتشارها إلى أمريكا ثم العامل ككل، بوصفها عاصفة مدمرة.

 أما المرأة وعلاقات الجنسين، فان التخبط في النظر إليهما "لا يتسق مع فطرة ولا خلق". والشيء نفسه ينطبق على النظم الاجتماعية والاقتصادية. إذ كما وقع التخبط والتطرف والهزات العنيفة وعدم اعتدال الميزان في الوسط العادل المتناسق، كما وقع في النظرة إلى الإنسان وفطرته واستعداداته. أما النتيجة التي توصل إليها سيد قطب بعد هذه الرؤية البلاغية المجردة، أي المعزولة عن إدراك حقيقة التطور التاريخي والانقلاب الهائل في المسار الإنساني الذي ذلل بصورة أولية مركزية الإلهة بمركزية الإنسان والطبيعة، ومن ثم الارتقاء عبرها إلى وعي الذات الإنساني، فانه يجد فيه مجرد مسار إلى "هاوية الدمار الأكيد". وذلك لانها حضارة صناعية محكوم عليها بالإعدام، بوصفه نتاج طبيعيا لما فيها. وذلك لانها حضارة "لا تعلم حقيقة الخير والشر" كما لا تعرف ما تؤل إليه الأمور.

ويضع سيد قطب هذه النتيجة اللغوية الخالصة في رغبته الحالمة عما يمكن دعوته ببصيص الأمل القائم فيما اسماه سيد قطب بالإذن الإلهي في تسليم "القيادة يد غير تلك اليد الرعناء المجنونة الشاردة المحمومة".

إن هذه الأحكام الساذجة عن مسار التاريخ الفعل وتعقيداته الهائلة في العالم المعاصر والمستقبل تنطلق من تضافر الأحكام النفسية البسيطة المميزة للبنية التقليدية المتحجرة وتقاليد الرؤية الدينية اللاهوتية التي تعتقد بان من الممكن تغيير العالم بالوعظ والإرشاد، وليس بالعمل التاريخي لتأسيس مرجعيات كاملة ومنظومات حية ودينامكية علمية وعملية عصرية في مختلف نواحي الحياة. بعبارة أخرى، إن البدائل بالنسبة لسيد قطب هي مجرد تصنيف وترتيب الآيات والأحاديث (النصوص الميتة)، باعتبارها أسس الوجود الحق. ومن هذه المقدمات يمكن فهم الأسباب والمحددات القائم وراء وضع سيد قطب هذه الرغبات المميزة للأحلام الأطفال وخرافة العجائز فيما اسماه بكيفية الخلاص، أي البديل الاسلامي الشامل.

ففي الموقف من الإنسان يستلزم ذلك الابتداء "من نقطة تصحيح مركز الإنسان في هذا الوجود"، بأنه ليس إلها وليس حيوانا. عندها ستتلاشى كافة المشاكل التي تنتج بأثر الصناعة والحضارة الصناعية. لاسيما وأنها كانت نتاج التأثر بنظرة الإسلام إلى الكون والحياة والإنسان ودور الإنسان في هذه الأرض. ومن ثم ستتلاشى أيضا مختلف المشاكل الناتجة عن هذه الحضارة الصناعية ورؤيتها المادية المتراكمة في نظمها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.  فهو يعتقد بان الاستمتاع المعاصر لها من جانب الحضارة الرغبة يقوم في تحويل ثمارها إلى استمتاع حيواني! بينما المهمة تقوم في أن يجري الاستمتاع بها بطريقة إنسانية، أي على الطريقة الإسلامية! وهي طريقة مجهولة الهوية ومنافية لمعنى العلم والتصنيع والتكنولوجيا. إضافة لذلك أن هذه الأحكام التأملية الصرف ليس بالإمكان بلوغها وتنفيذها، وذلك لانها لا تعدو كونها مجرد رغبات باطلة وغبية ومحكومة بنفسية التعالي المميزة للتسكع العقلي والعلمي والعملي.

إن النقد الجدي والواقعي والحقيقي هو نقد الواقع، أي البدائل العملية الفعلية. وهذه بدورها عملية تاريخية كبرى ومعقدة وليست معزولة في العالم المعاصر عن مختلف المتغيرات البنيوية الكبرى على النطاق العالمي. كما أنها محكومة بالضرورة بمسار العلوم الطبيعية واكتشافاتها والتكنولوجيا وتطبيقاتها، وليس بولع اللاهوت الديني الغائر في ثنايا القيل والقال والرغبات السقيمة. إن الفكرة المنهجية النوعية التي يدخلها سيد قطب من اجل تغيير منحى ومعنى "الحضارة الصناعية" الغربية هي مجرد "الاستمتاع بطيباتها في حدود منهج الله، مع التوجه لله بالعبادة والشكر والاعتراف على ما سخره للإنسان من طاقات في نفسه ومن مدخرات في هذه الأرض". فهي "الفكرة النوعية الكبرى" التي تجعل من منهجه "الرباني" منهجا "يرفض أن يستمتع الإنسان بخيرات الأرض ونتناج الحضارة كما يستمتع الحيوان".

باختصار إن البديل الحضاري الاسلامي الذي يقدمه سيد قطب لا يتعدى من حيث الجوهر أكثر من عبارات بلاغية وشعارات جوفاء عادة ما تميز العقل الكسول والروح المطمئنة إلى التلذذ بجنة على الأرض أو ما بعد الموت ولكن دون البلاء بدروب الحرية والإبداع الحر، بل عبر تمجيد الرب الغفور! ووضع هذه "الفكرة" و"المنهج" فيما اسماه "بطريق الخلاص"، كما لو أن العالم الأكثر رقيا وتقدما وتطورا وإنسانية (بمعايير تجاربه الذاتية) يسير نحو الهاوية والموت، بينما من يعيش على فتات "الحضارة الصناعية" ويستمتع بها بعد إضافة عبارات "الشكر لله بالعبادة والاعتراف على ما سخره للإنسان" هو حامل البديل الفعلي.

يدرك سيد قطب، بان هذا الكلام الفارغ لا يغني شيئا. ويعترف بان من الضروري للإنسان ويقينه أن يرى نموذجا عمليا مجسدا. لكننا لا نعثر عنده على شيء باستثناء عبارات عامة وفارغة مثل أن "المجتمع الإسلامي هو طريق الخلاص الوحيد للبشرية المهددة بالدمار والبوار"، و"إنه الاستجابة الوحيدة لنداء الفطرة في ساعة العسرة"، و"إن حتمية قيام هذا المجتمع بوصفه ضرورة إنسانية لإنقاذ الإنسانية، وبوصفه الترجمة العملية للمنهج الإلهي الذي لابد غالب". لكن هذه "الحتمية ليس معناها أن الطريق إليه نزهة مريحة". انطلاقا من أن "حتمية الميلاد لا تغنى من آلام المخاض". ويضع سيد قطب هذا الاكتشاف المثير للعقل الوجدان فيما اسماه بان "الطريق إلى المجتمع الإسلامي طويل وشاق وملئ بالأشواك". وبالتالي، فان المهمة تقوم من اجل بلوغه هو يقوم المسلم برفع تصوراته وأفكاره وخلاقه وسلوكه، وبالتالي واقعه الحضاري المادي إلى مستوى الإسلام.

إن هذه الأحكام والتصورات الخيالية والساذجة عما يسمى بنقل الوجود إلى مستوى الفكرة المثلى، أي بالضد من منطق الحق والحقيقة والأشياء والتاريخ الفعلي، الذي يستلزم ظهور وتراكم وتهذب الأفكار والقيم والمرجعيات في مجرى الوحدة النموذجية لعلم والعمل، لا تعني بالنسبة لسيد قطب سوى رفع كل شيء في الوجود الاسلامي إلى مستوى تصوره الخاص عن الإسلام. من هنا الاستدارة "الحضارية" صوب فكرة الحاكمية.

وسعى سيد قطب لتأسيس هذه الفكرة النموذجية في كتبه (نحو مجتمع إسلامي) و (خصائص التصور الإسلامي ومقوماته). واعتبر أن كلاهما يكمل الآخر في هذا المجال. ومضمونها يدور حول قضية واحدة، ألا وهي أن كل ما في عالم الإسلام ينبغي أن يعترف بحاكمية الإسلام، ومن ثم عدم الاعتراف بحاكمية أي منهج آخر غيره. فهو المبدأ الجوهري وما عداه إضافات وأجزاء. فالأول يمكنه النمو بمعاييره ومقاييسه، أي كان اجتهاده. بينما ما عداه هو بالنسبة للإسلام مجتمع جاهلي لا علاقة له بالإسلام، مهما ادعى لنفسه صفة الإسلام! كل ذلك يحدد ما دعوه سيد قطب بمزاولة العقيدة والمنهج في الحياة العامة والخاصة للأمة.

إن الإسلام، حسب تصور سيد قطب، بعد أن ظهر ونما وقضى على الجاهلية الأولى، قد ظل موجودا بغض النظر عن استرداد الجاهلية لزمام القيادة. إذ وراء تراجعه "عن مكان الصدارة في الأرض" ظلت موجودة منه "خطوط عريضة ومبادئ ضخمة" استقرت في حياة البشرية وصارت مألوفة للناس. وبما أن الجاهلية قد استعادت وجودها فلا بد للإسلام من أن يستعيد وجوده الأول. وفي هذا تكمن المهمة الحضارية للإسلام الحالي والمستقبلي. فقد أوشكت "قيادة الرجل الغربي للبشرية على الزوال" وذلك "لأن النظام الغربي قد انتهى دوره". فهو لم يعد "يملك رصيدا من القيم تسمح له بالقيادة". وان القوة الوحيدة القادرة على القيام بذلك هو الإسلام. فهو القوة القادرة على قيادة وإبقاء وتنمية الحضارة المادية (الأوروبية) بعد تزويدها بقيم جديدة كاملة وبمنهج أصيل وإيجابي وواقعي في الوقت ذاته. والطريق الأمثل والواقعي لذلك يفترض "إعادة وجود هذه الأمة لكي يؤدي الإسلام دوره المرتقب في قيادة البشرية مرة أخرى". وإذا كانت هذه المهمة تبدو الآن صعبة ومعقدة وشبه مستحيلة للبعض، فأنها ممكنة بسبب امتلاك الأمة الإسلامية مؤهلات خاصة لقيادة البشرية غير الجانب المادي الذي تفوقت به الحضارة الروبية.

إن الأمة الإسلامية ينبغي أن لا تهمل الإبداع المادي، بوصفه ضرورة ذاتية لوجوده، لكن الأكثر جوهرية وضرورية في الظرف الحالي هو "مؤهل العقيدة و المنهج الذي يسمح للبشرية أن تحتفظ بنجاح العبقرية المادية تحت إشراف تصور آخر يلبّي حاجة الفطرة كما يلبيّها الإبداع المادي. وأن تتمثل العقيدة والمنهج في تجمع إنساني، أي في مجتمع مسلم".  وذلك الإسلام هو الحضارة. فهو لا يعرف إلا نوعين اثنين من المجتمعات، مجتمع إسلامي وآخر جاهلي. والمجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي يطبق فيه الإسلام بكافة مكوناته، أما المجتمع الجاهلي فهو الذي لا يطبق فيه الإسلام.

ووضع سيد قطب كل هذه الأحكام العقائدية والبلاغية الجازمة في استنتاجه القائل، بان قيام الحضارة الإسلامية المعاصرة لا يتوقف الآن على مستوى التقدم الصناعي والاقتصادي والعلمي، بل على بقاء أصولها الخاصة، التي تجعلها متميزة عن كل مجتمعات الجاهلية. وقد كان ذلك يعني بالنسبة له التمسك بمبدأ "العبودية المطلقة لله وحده"، بمعنى اتخاذه وحده إلهاً وعقيدة وعبادة وشريعة. وفي الحصيلة ضرورة اعتقداه التام والمطلق، بأنه لا حاكمية لأحد غيره. ومن ثم ينبغي تجسيد ذلك في الاعتقاد والتصور تجاه كل شيء. وفي الموقف من الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والأصول التي تقوم عليها يقوم في تمثل العبودية الكاملة لله وحده. وينطبق هذا على التشريعات القانونية وفي قواعد الأخلاق والسلوك وفي المعرفة أيضا. باختصار أن مضمون كل ذلك يقوم في الاسلمة التامة والشاملة لكل مناحي ومستويات الوجود الفردي والجماعي للأمة.

فهو العلاج الأول والأخير للمسلمين. ومن ثم فان الرجوع إلى مصادر الإسلام وحاكميته في كل شيء هو الأسلوب الوحيد للبديل والمستقبل. وكل ما عداه في عداء معه. وذلك لا أي من خارجه هو وبأي قدر كان يكفي لتسميم الينبوع الإسلامي الصافي.

وقد شكلت هذه الثنائية المتضادة مرجعية استنتاجه النهائي بهذا الصدد والقائلة، بان هناك دارا واحدة هي دار الإسلام، أي دار الدولة المسلمة والشريعة الإسلامية، وما عداها فهو دار حرب. علاقة المسلم بها إما القتال وإما المهادنة على عهد أمان. وبالتالي، لا ولاء بين أهلها وبين المسلمين. إذ لا إسلام في أرض لا يحكمها الإسلام ولا تقوم فيها شريعته، ولا دار إسلام إلا التي يهيمن عليها الإسلام بمنهجه وقانونه، وليس وراء الإيمان إلا الكفر، وليس دون الإسلام إلا الجاهلية، وليس بعد الحق إلا الضلال. 

وقد شكلت هذه الخاتمة الواضحة والدقيقة وضوح ودقة الفكرة الدينية المتشددة في موقفها من النفس والآخرين، بوصفها ثنائية الخلل والاغتراب المبطن. بمعنى أن الهمّ "الغربي" ظل متحكما فيها من حيث الرؤية والأسلوب والمنهج. والفرق الظاهري يقوم في مواجهة ما هو "غربي" بآخر إسلامي مناقض له ومبني على أساس النفي اللفظي المباشر أو القبول الجزئي بما فيه بعد صبغه بكلمات إسلامية. وفي نهاية المطاف كان البديل لا يخرج عن إطار الرؤية الدينية السياسية الراديكالية المتشددة تجاه النفس والآخرين. بمعنى أنها تستعيد ما هو "متكامل" في تقاليد الفرق الدينية المتزمتة، التي شكلت فكرة الحاكمية مصطلحها لا غير. ذلك يعني أنها بقيت ضمن سياق اللاهوت المتزمت وأسلوبه الخطابي. ومن ثم لا علاقة للفكرة الحضارية بفكرة الحضارة وتاريخها، والثقافة ومحدداتها، ومسارهما التاريخي. من هنا انعدام الرؤية التاريخية تجاه النفس والمستقبل، أي انعدام العناصر الضروري لتراك وعي الذات الثقافي والحضاري الاسلامي أيضا.

 

تبين لنا في  الجزء الأول من هذه الدراسة أن الحضارات القديمة، أنتجت أديانها الخاصة بها، ولهذه الحقيقة دلالة عميقة ومؤثرة على حياتنا لأن ثقل الماضي على الحاضر أمر لا مراء منه ولا جدال في أن الحاضر ما هو إلا تراكم للماضي، الذي  إن تمكنا من فك طلاسمه وأسراره وسبر أغواره وفتح شيفرته ورموزه، سيتكون عندنا سبيل مهم لتلمس طريق المعرفة، علماً بأن المنهجية المعرفية  الوحيدة المقبولة والمعترف بها هي تلك المبنية على التجربة والنقد والتقدم العلمي واستبعاد كل معرفة ماورائية غيبية مغلفة بالخرافة، كما ولا بد من التصدي  لكل من يقف حجر عثرة من المدعين بأنهم يدافعون عن المعرفة الإلهية  أو الحفاظ على المصدر الإلهي للمعرفة، لأن فضحهم سيكشف زيف وسطحية وسخافة المعطيات التي يتشبثون بها  والتي كانت تعتبر مقدسة كما كانوا يريدون إقناع شعوب الأرض بذلك، ولقد نجحوا في نشر جرثومة، أو فيروس التقديس في صلب الكثير من الشعوب والحضارات التي كانت متألقة ومقرونة بالقوة والعنف والجبروت رغم أنها كانت تستسلم بدعة إلى الخرافات والأساطير والقيم الفكرية القديمة المهيمنة آنذاك، و التي عفى عليها الزمن اليوم. فآفة البشرية هي التقديس والقداسة والمقدس للأشخاص والأحداث، وإن كل مظهر من مظاهر المقدس إن هو إلا محصلة، وكل طقس، وكل أسطورة، وكل معتقد إن هو إلا صورة إلهية ماورائية وغيبية تعكس تجربة المقدس كما أشار إلى ذلك عالم ومؤرخ الأديان الشهير إليا ميرساد  في كتابه الموسوعي" تأريخ المعتقدات والأفكار الدينية". وكان العديد من الفلاسفة قد سلكوا طريق الدين واللاهوت للوصول إلى الفلسفة كهيجل وفيورباخ وغيرهم، فكان الدين  دائماً وظيفة جوهرية وأبدية للروح الإنسانية. وكان فيورباخ، على سبيل المثال يقول في محاضراته عن جوهر الدين:" لقد كان شغلي دائماً وقبل كل شيء أن أنير المناطق المظلمة للدين بمصابيح العلم حتى يمكن للإنسان أن لا يقع ضحية للقوى المعادية التي تستفيد من غموض الدين لتقهر الجنس البشري" ويقصد بها هنا المؤسسات الدينية وطبقة الأكليروس ورجال الدين والكهنة التي تريد التحكم بــ، والسيطرة على، الجنس البشري وتسيره وفق أهدافها ومصالحها وأهواءها للحفاظ على سلطتها بإسم الدين. وكان السلاح بيد المفكرين والفلاسفة ورجال الدين المتنورين والمتمردين على المؤسسة الدينية وظلاميتها، هو الفلسفة في باديء الأمر والعلم فيما بعد، ابتداءاً من القرن السابع عشر. إذن كان الدين سلاحاً بيد القائمين عليه وحراسه الدنيويون لقهر الشعوب وتجهليها وإخضاعها بإسم الإرادة الربانية العليا. ولكن كيف نشأ التفكير والشعور الديني؟ وماهي الأديان الأولى  للبشرية البدائية؟ كيف ظهرت مفاهيم المقدس والقداسة والأضاحي والقرابين والخلاص والمخلص والتضحية والفادي والفداء والخطيئة والشعائر والطقوس والعبادات وطبقة رجال الدين؟ وكيف انتقلت البشرية الأولى من عبادة الآلهة المتعددة إلى عبادة الإله الواحد؟ ولماذا ارتبط العنف بالمقدس؟ ولماذا تعددت الأديان بدلاً من دين واحد إذا كان منبعها مصدراً واحداً هو الله؟ وماهي نقاط الاشتراك والتقارب ونقاط الاختلاف والتباعد بين الأديان ومؤسسيها. وأخيراً هل سيقع تصادم وصراع حضاري بين الأديان؟ سنحاول الإجابة على هذه التساؤلات في سياق هذه الدراسة مستندين في ذلك على كل ما يتوفر لدينا من معطيات ووثائق ومصادر علمية وتاريخية موثوقة. تخبرنا الاكتشافات الآركيويولجية الحديثة وعلماء الأنثروبولوجيا الكبار أن التجمعات البشرية البدائية  كانت تمارس نوعاً من العلاقة الغامضة مع قوى وأرواح خفية غير مرئية تخيلتها وهي تسيير وتتحكم بالطبيعة وتلاحقها بالموت لا سيما في مرحلة إنسان الكرومانيون Cro-Magnons، وحقبة الهوموسابيان أو الإنسان الواعيHomo sapiens،حيث كان البشر في تلك الفترة يعيشون تحت رحمة الطبيعة وتقلباتها المناخية وظواهرها الطبيعية الغامضة بالنسبة لهم وكانوا مرعوبين من لغز الموت وما بعد الموت ومأساة الفراق. وكانوا يدفنون مع موتاهم أدوات وأغذية لاعتقادهم أن موتاهم سيواصلون رحلة الحياة ولكن بطريقة أخرى بعد الموت،  وبالتالي كان ما في داخل تلك القبور التي يعود تاريخها إلى أكثر من مائة ألف سنة، أول مظاهر لحظات التدين لدى الإنسان البدائي قبل ظهور الأديان المنظمة والمبرمجة. وكانوا يرسمون عالمهم وما يحيط بهم من مخلوقات وحيوانات على جدران الكهوف التي تأويهم، لا سيما في عصر  الصيد والتقاط مايوجد في الطبيعة Chasseurs – Cueilleurs، وفيما بعد في العصر الحجري paléolithique حيث كان هناك مايشبه التدين العفوي  الفطري، يشبه طقوس الشامان والديانة الشامانية، وهي ديانة تقديس الطبيعة الحية المتطورة التي تمتلك القدرة والوعي وتتحكم بحياة الإنسان البدائي. وما تزال بقايا تلك الاعتقادات موجودة لدى الشعوب البدائية الأصلية في استراليا قبل دخول الإنسان العصري الأبيض إليها واستعمارها وكذلك في سبيريا وغابات الآمازون وأعماق أفريقيا. كان إنسان تلك الفترة يريد أن يضفي ملمحاً جوهرياً لعالم خفي غير مرئي ومجهول لا يعرف عنه شيئاً . كان هناك شعور مبهم لدى إنسان العصر الحجري لا يمكن اعتباره ديناً ذو طقوس وشعائر  وأساطير وخرافات ومعجزات كما نلمسه اليوم، بل مجرد معتقدات مبنية على مسلمة واحدة هي محاولة إنقاذ الروح ووجود أرواح للطبيعة يحاول ذلك الإنسان البدائي أن يتفاوض معها ويتقرب إليها باعتبارها المسبب الخارق، أو ما فوق- طبيعي، للأحداث الطبيعية وهذا ما نصفه علمياً أو أكاديمياً، بالديانة الشامانية le chamanisme. هناك أطروحة تقول أن الأصل الأفريقي هو الذي انحدرت منه كافة التشعبات والأعراق البشرية الأخرى ولذا فهي تتحلى بذاكرة جمعية نجمت عنها كافة  الميثولوجيات اللاحقة، فكل دين  موجود اليوم له جذر يعود لدين أولي بدائي انتشر بفعل الهجرة والتنقل الدائم بحثاً عن الماء والكلأ عندما كانت اليابسة متصلة، سيما في حقبة  الهومو هابيليس  Homo habilis أي الإنسان الماهر حيث تمكن بعد مليوني سنة من صقل الحجر والصوان وصناعة الأدوات والأسلحة البدائية التي تساعده في الصيد، أما موجة الهجرة الكبرى فقد حدثت في حقبة الإنسان المنتصب Homo erectus قبل ستمائة ألف سنة وعنه نشأ الإنسان الذي يعرف أو الإنسان الواعي  الذي انحدرنا نحن منه . وكان عالم اللغويات الألماني فلهيلم شميد Wilhelm Schmidt 1868-1954، قد أكد في كتابه المعنون" أصل فكرة الله L’origine de l’idée de Dieu" الصادر عام 1912، أن التوحيد هو الفكر الديني الأولي لدى الشعوب البدائية حيث استنتج ذلك من خلال معايشته لقبائل بدائية تعيش في جنوب شرقي آسيا لفترة طويلة وتعلم لغاتهم وعاداتهم وتراثهم الشفوي، لكنه رأي متحيز بقدر كونه قاطع، ولو بدون دليل علمي، إذ لم يكن سوى استنتاج مبني على الملاحظة والمعايشة اليومية لأنه كان مبشراً دينياً كاثوليكياً في نفس الوقت. إلا أن ذلك الإله الواحد، صار يبتعد تدريجياً مع مرور الوقت كما ابتعدت الآله’ آن An، أكبر الآلهة السومرية في حضارة وادي الرافدين كما تخبرنا أسطورة رافدينية قديمة بذلك. ومن ثم نشوء مفهوم المقدس الأصلي numineux الذي تطرق له عالم الأديان الشهير ميرسيا إلياد Mirciea Eliade في كتابه المقدس والمدنس Le Sacré et le Profane. لنعد  مرة أخرى للتسلسل التاريخي  ولما أخبرتنا به فرضية حضارة الأطلنتيك، حيث كان المصريون القدماء آخر معاقل الفكر  والتنظير الأطلنتيكي الحضاري ولقد احتفظت مصر الفرعونية بذكريات ومنجزات الشعوب الأطلنتيكية المندثرة عندما خضعت لسلطة الكهنة الفينيقيين وكانت متشبثة بتقليدين جوهريين الأول يأتيها من العرق الــعابد للآلهة الجنوبية sudéenne، والثاني من العرق الــعابد للآلهة الشمالية boréenne، واستلهمت منها طرق العبادة  والقوانين. حافظ المجمع المقدس المصري على تقاليد قديمة منحته شعوراً بالتفوق على الآخرين. فكهنة  طيبة Thèbes، يسخرون من إدعاءات الإغريق، بعد مرور  قرون عديدة، بأنهم أصليون ويتحدثون عن طوفانات محدودة ويعطونها باعتبارها  الطوفان الأكبر وشخصيات خرافية مثل  أوجيجيس Ogygès، و ديوكاليون Deucalion، باعتبارهم الأسلاف الأوائل للبشرية وللنوع الإنساني. ويتناسون أو يتجاهلون ما يدينون به لشعوب السيلت  والكلدانيين والفينيقيين وللمصريين أنفسهم الذين نهلوا من علومهم ووضعوا في كريت قبر زيوس الإله الحي وجعلوا ولادة ديونيسوس في قرية نائية من  الفيوتيا الــ Béotie، ذو الذكاء الإلهي وفي جزيرة صغيرة من الجزر الإغريقية وضعوا أبولو Appollon، الأب الكوني ما جعل الكاهن المصري يقول  لسولون Solon، :" أنتم أيها الإغريق مثل الأطفال الذين يضربون مرضعتهم، تعتقدون أنكم علماء وعارفون في حين أنكم لا تعرفون شيئاً من تاريخ العالم والبشر". وهكذا كانت مصر آخر محطة رست فيها قوارب الفكر الحضاري  الأطلنتيكي أو ما تبقى منه على أية حال. فشعوب السيلت التي هاجرت مناطقها وتحولت إلى قبائل تائهة وجوالة بلا وطن ثابت ولا مأوى مستقر وهم الذين عرفوا بإسم البدهون، ومنهم جاءت تسمية البدو الرحل، من هؤلاء انحدر الشعب العبري  العدو اللدود للكهنة القادمون من الهند كغزاة والذين أرغموا العبرانيين على الهرب في الصحراء لكي لا يقعوا عبيداً بأيدي الكهنة. لذا بوسعنا أن نؤكد أن العبرانيين ليسوا من بقايا الكهنة الفينيقيين كما أعتقد بذلك بعض الكتاب. فهذا الشعب نتج عن اختلاط فئة من الــ  sudéenne، و الــ boréenne في شبه الجزيرة العربية  . وإن معارضتهم للعقيدة الإيونية ionnienne، أجبرتهم على التخلي عن أرضهم، ولقد تعرضوا للإضطهاد في مصر وأثيوبيا ما جعلهم متعصبين ومتشددين واعتبروا بمثابة جماعات غير قابلة للتآلف وغير إجتماعيين وانعزاليين لا يمكن قهر العند  التي يميزهم وطردوا للصحراء باعتبارهم نوع من المنبوذين المشردين الأنجاس  والملوثين  أو المدنسين   impurs parias، وهؤلاء هم الذين وجدهم موسى في مصر كما تقول مصادر التاريخ الديني العبري والتوراتي. لا أحد يعرف على وجه التحديد ما هو أصل موسى وهل هو شخصية تاريخية حقيقية. تقول الرواية العبرية  الت ينقلها الإسلام بحرفيتها تقريباً، أن أمه وضعته في قفة  ورمته في النهر خوفاً عليه من القتل إثر إعلان الفرعون المصري قتل كل الأطفال الذكور عند العبريين لكنه أنقذ على يد إبنة الفرعون التي ربته كأنه إبنها، لكنه عندما كبر في البلاط الملكي وعلم بأصله  الوضيع باعتباره من العبرانيين ترك البلاط والتحق بشعبه. بينما تقول رواية أخرى أنه إبن حقيقي لإبنة الفرعون أي حفيد الملك الفرعون الحاكم أي هو من دم ملوكي ولكي تتفادى الأميرة إبنة الملك الفضيحة أختلقت هذه القصة المةسرحية والمخرجة باتقان لكي تحافظ على إبنها وتربيه دون أي اعتراض , وفي كلتا الحالتين  فإن موسى تربى في أحضان إبنة الفرعون وفي البلاط الملكي، وكان العلم آنذاك محتكراً من قبل كهنة المعابد وإن الملكية كانت دينية أكثر منها مدنية أي أن الفرعون هو رأس الهرم الدينين أي الإله على الأرض،  وبالتالي فإن موسى كان من المطلعين والمعدين إعداداً عقائدياً متقدماً ومتقناً للعقيدة الدينية المصرية ومطلعاً على الأسرار  العليا بسبب ذكاءه الحاد، لكنه لم يتمالك غضبه عندما رأى قائداً عسكرياً مصرياً يضرب عبداً عبرياً بقسوة  فقام بقتل الضابط المصري بيده ثم هرب خوفاً من غضب الملك  الفرعون. أمضى بعض الوقت في أثيوبيا وأطلع هناك أيضاً على مآثر وعقائد وتقاليد الأطلنتيكيين الأصلية خاصة فيما يتعلق بمسألة التوحيد  والوحدة الإلهية وعثر على بقايا التجمعات البشرية العربية التي طردها الكهنة الفينيقيون من اليمن ما يعني أنه استكمل تعليمه الديني الذي حصل عليه من الكهنة المصريين حراس  التقاليد الأطلنتيكية الأصيلة، ولكن هذه المرة على يد الكهنة الأثيوبيين. وهؤلاء العرب  هم نتاج اختلاط بقايا الأطلنتيكيين وأحفادهم مع السيلت البدهون أو البدو وكانوا يحقدون على أولئك الكهنة الذين كانوا يحملون إسم الفلستينيين philistins، وكانوا مشتتين في مصر وأثيوبيا وكانوا تعساء، وعاش موسى بينهم وكان رحالة متجولاً وراعي غنم عند جيثرو Jéthro وتزوج  من إبنة هذا الأخير وهي  زيفورا Zéphora، وكان جيثرو أحد  الكهنة من عرق العرب  المشردين بلا وطن ولكن  من الجزء المسمى العبرانيين وكانوا مطلعاً على أسرار الأسلاف وعلمها لموسى بدوره وربما كان يمتلك بعض المصادر أو الكتب والصحف الأطلنتيكية التي أعطاها لموسى ليطلع عليها ويتعلم منها مثل كتاب:" أجيال آدم Le Livre des Générations d’Adam، وكتاب حروب إيهوا les Guerres de Ihôa، وكتاب التنبؤات أو النبؤات Prophéties، التي ذكرها موسى كمصادر لمعلوماته ومعارفه الروحية  وادعى أنه تلقى في الصحراء أولى الإلهامات الربانية أو الإلهية باعتباره المختار من قبل إله أجداده والذي سماه إيهوا أو يهوه Ihôa أي الكائن  بذاته l'Etre-étant، مصدر الحياة والرفاه، ومجري النعم، والذي أسمعه صوته من خلال الدغل المحترق أو الشجرة المتوهجة buisson ardent. ثم تحمل  موسى مهمة نشر  أسطورة الإلوهيم Aelohim، كائن الكائنات جميعاً وموجدها، ورب  نوح الذي أنقذه من الطوفان وأبراهام  ــ إبراهيم ــ  الذي أنقذه من النار عندما أراد الملك  النمرود حرقه حياً، وهذا الأخير هو الجد العظيم المشترك للعرب والعبرانيين، وأخيراً موسى المنقذ من القتل وهو رضيع، ومنه إلى جوشوا Josué، الذي واصل رسالته ــ وليس هارون شقيقه كما يقول المسلمون  ــ  ومن  الطبيعي  الاستنتاج أن كل ما عرضه موسى كان مجازيا أو استعارياً فيما يخص أصله  وحكايته والأساطير المرتبطة به وهي موصولة بجذور كونية ضاربة في القدم تعود إلى حقب غائرة في الماضي العميق للوجود، حسب الطريقة التي ينتهجها الحكماء القدماء التي تعود أصولها إلى ما قبل حقبة الأطلنتيكيين  ومعطيات الكارثة التي أدت إلى اندثارهم بل وإلى ابعد من ذلك  ألا وهو المبدأ الأول للأشياء كما صاغته الحكمة  الخالدة التي احتفظ بها القباليون ــ الكابالا ــ العبرانيين عبر العصور كأسرار  ورموز تأتينا من حقب ما قبل موسى إلى يوم الناس هذا. وبين موسى وعيسى  أو يسوع المسيح يتمركز الفلاسفة الإغريق  الكبار الذين استنشقوا من نبع المعرفة البشري القديم جداً، من خلال تجوالهم واتصالاتهم بالحضارات  الرافدينية والمصرية القديمة، ومن هؤلاء فيثاغورس الذي ولد في  ساموس Samos، سنة 608، ويقال سنة 570،  قبل الميلاد وزار صور وهو شاب  لدراسة  علوم الفينيقيين  ثم زار مصر  وشبه جزيرة العرب  ومن ثم ذهب إلى بابل وأقام فيها إثني عشر عاماً ونهل من أسرارها وعلومها الكثير وأطلع على الديانة الزرادشتية عندما زار بلاد الفرس، وكان قد تعرف على أولياتها في بابل. ومن ثم عاد وأسس مدرسة فكرية وفلسفية وعلمية في كروتون في إيطاليا ولقد أثرت مدرسته وآثاره على مستقبل البشرية جمعاء. بفضل كتابات تلامذته وأتباعه ومريديه . وأخيراً  وليس آخراً، لا بد من أن نعرج ولو قليلاً لنتحدث عن مصدر آخر للتوحيد الأ وهو  الصابئة، وهي من الديانات القديمة جداً في بلاد الرافدين " والصابئة " يسمون في بعض الأحيان "المندائيين"ويشكلون مجموعة بشرية متميزة وقديمة جداً يتسمون بطابع الكتمان والإنزواء وعدم التدخل في شؤون الديانات الأخرى. عدهم البعض  من بقايا الديانات الآشورية والبابلية ونعتهم البعض خطئاً بأنهم وثنيون يكتمون إيمانهم، وهم من عبدة  الكواكب والنجوم وطقوسهم وشعائرهم تتصل بديانات بابل القديمة وهم قطعاً ليسوا مسيحيين لأنهم لا يؤمنون بالسيد المسيح ولا بإلوهيته وآخر نبي مقدس عندهم هو " يوحنا المعمدان أو يحيى بن زكريا"، فأعتبروه هو المخلص وهو النبي المجدد والمنقذ  أو المنتظر فأجلوه وعظموه لأنهم يعتقدون أنه هو النبي المرسل إليهم خصيصاً. ودمغهم آخرون بأنهم من عبدة الملائكة ولديهم كتاب مقدس هو " كنزا ربا" أو الكنز العظيم، وكتاب آخر هو " السيدرا"، وهم في واقع الأمر من أوائل الموحدين إن لم يكونوا أول الموحدين ولديهم تراث ديني وفلسفي وفكري وعلمي عريق بل ونظرية خاصة في الخلق والكون تضرب عميقاً في جذورها في العصور الغابرة، لذلك  فهي من أقدم الديانات التي عرفها البشر وطقوسهم ترتبط بالماء وبالطهارة  لذلك تراهم يتجمعون بالقرب من الأنهر، كما أنهم تأثروا فيما بعد بالفلسفة اليونانية واقتبسوا الكثير من مفاهيمها ومسائلها وأدخلوها إلى معتقداتهم. وهكذا فإن الدين الصابئي دين توحيدي يؤمن بإله واحد إنبعث من ذاته لم يخلقه أحد، وبالطبع يؤمنون بالثواب والعقاب وبيوم الحساب والآخرة. ويعتقدون أن الجسد فاني والروح أو النفس خالدة  وهي التي سيعاد بعثها من جديد وهي جزء من روح عليا جماعية موجودة في الملكوت الأعلى  ويمارسون التعميد في الماء الجاري كما فعل نبيهم يوحنا المعمدان حين عمد السيد المسيح يسوع  أو عيسى بن مريم. يتبع  .

 

د. جواد بشارة

يرى كثير من المفكرين الاوربيين المدفوعين بدوافع عنصرية بان الفلسفة انجاز يوناني خالص، وهو نتاج العبقرية اليونانية، وهو انجاز طاريء غير قابل للرد الى اصول اخرى سابقة عليه، خاصة الاصول الشرقية، والمصرية منها على نحو اخص . (1)

فيما عرف بنظرية "المعجزة اليونانية"، ومن المفكرين القائلين بالمعجزة اليونانية، فريدريك كوبلستون، الذي يرى ان الفلسفة اليونانية عبارة عن معجزة يونانية انفردت بلاد اليونان دون سائر الشعوب وكانها خلقت من العدم، ولكنه كبداية اولى يقرر ان اصل الفلسفة اليونانية، هو الاسطورة وتحديدا اساطير هوميروس وهزيود، وبسبب تاثير اساطير هذين الشاعرين على الفكر اليوناني لفترة طويلة من الزمن فقد تولد لدى بعض اليونانيين حسن الاطلاع والمعرفة والبحث عن جواهر الاشياء، ومبادئها اولى، مما مهد لظهور الفلسفة فيما بعد على نطاق واسع .(2)

يقول فريدريك كوبلستون في كتابه الضخم " تاريخ الفلسفة ":

" كان ميلاد الفلسفة اليونانية على شاطيء البحر في اسيا الصغرى، فقد كان فلاسفة اليونان الاوائل من ايونيا، اما اليونان فقد كانت في حالة نسبية من العماء والفوضى والبربرية نتيجة لغزوات الدوربين في القرن الحادي عشر قبل الميلاد " .(3)

ويضيف كوبلستون: " ان الفلسفة اليونانية هي في الواقع انجاز اليونان الخاص، وثمرة قوة ذهنهم ونضارته، تماما مثل انجازهم الخاص في الادب والفن . وينبغي ان لانسمح لرغبة حميدة جديرة بالثناء تريد منا ان نضع باعتبارنا امكان وجود مؤثرات غير يونانية ان تقودنا الى المبالغة في اهمية هذه المؤثرات فتجعلنا نقلل من اصالة العقل اليوناني " . (4)

وعلى نفس المنوال،، وبنفس الروح الاستعلائية، سار جون بيرت في تبنيه لنظرية المعجزة اليونانية، وكون الفلسفة نتاجا يونانيا خالصا . يقول جون بيرت في كتابه "فجر الفلسفة اليونانية ": " ان البحث فيما اذا كانت الافكار الفلسفية عند هذا الشعب او ذاك من الشعوب الشرقية قد وصلت الى اليونان ام لا؟ هو مجرد مضيعة للوقت من الناحية العملية، مالم نكن على يقين من البداية ان الشعب الذي نتحدث عنه كانت لديه اصلا فلسفة، والقول ان للمصريين فلسفة يمكن نقلها لم يثبت قط " . (5)

النظرة الاستعلائية تجاه مصر

وهذه النظرة الاستعلائية، والروح الاقصائية العنصرية، التي تنضح حقدا نجدها عند واليس بدج (wallis budge)، عالم المصريات الانكليزي الاشهر، فقد كتب عام 1904 م مايلي:

" ان المصريين وهم في الاصل شعب افريقي يتصفون بكل ماتتصف به اجناس الشمال الافريقي عامة من فضائل ورذائل ولاسبيل للظن ولو لبرهة بان اي شعب افريقي يمكن ان يصبح ميتافيزيقيا بالمعنى الحديث للكلمة . فما من لغة افريقية تتوائم مع التعبير عن التاملات اللاهوتية والفلسفية، وحتى الكاهن المصري حين يبلغ ارقى مدراج الفكر يظل عاجزا عن ترجمة مقالة لارسطو الى لغة يفهمها رفاقه من الكهنة دون تعلم، فبنية اللغة تجعل ذلك مستحيلا، ناهيك عن افكار الفيلسوف الاغريقي العظيم التي تنتمي الى مجال من الفكر والحضارة يعد غريبا تماما على المجال المصري" . (6)

وبنفس هذه النظرة الفوقية المتعالية، يتحدث عالم الانثروبولوجيا ويلز عام 1818 م، عن المصريين بقوله: " ان المصريين القدامى كانوا من السود وابيضت وجوههم مع تقدم حضارتهم ! فهناك علاقة للبياض ودرجة التحضر" . (7)

نقد الدكتور فؤاد زكريا لنظرية المعجزة اليونانية

وقد ناقش الدكتور فؤاد زكريا نظرية (المعجزة اليونانية)، ونقدها وابان عوارها وتهافتها في كتابه الرائع "التفكير العلمي" حيث يقول:

"ان الكلام عن معجزة يونانية ليس من العلم في شيء، فالقول ان اليونانيين قد ابدعوا فجاة، ودون سوابق او مؤثرات خارجية، حضارة عبقرية في مختلف الميادين، هو قول يتنافى مع المباديء العلمية التي تؤكد اتصال الحضارات، وتاثير بعضها ببعض، على حين ان لفظ المعجزة يبدو في ظاهره تفسير لظاهرة الانبثاق المفاجيء للحضارة اليونانية، فانه في واقع الامر ليس تفسيرا لاي شيء، بل تعبير غير مباشر عن العجز في التفسير " . (8)

الفلسفة بدات من الشرق

والراي الذي يقول بان الفلسفة بدات من الشرق، قال به كثير من المفكرين في وقت مبكر، فالمؤرخ ديوحنيس اللايرتي في القرن الثاني الميلادي يرى بان الشرقيين وخاصة المصريين، هم اول من تفلسف، وهو راي الكثير من المفكرين القدامى مثل فيلون اليهودي وكليمنت الكسكندري . (9)

الاصول الشرقية للحضارة اليونانية عند مفكري اوربا

ان جمهرة من مفكري اوربا، ردت الحضارة اليونانية الى اصول شرقية، وان اليونانيين عرفوا الحضارة بعد احتكاكهم بالشرق.

 فيرى مايز: " ان المدنية اليونانية لم تبدا بالرقي الحقيقي الا بعد ان احتكت بالشرق في ايوليا وايونيا باسيا الصغرى " .

وذهب دنكر الى الراي نفسه حين قرر انه لم يبق من شيء في مدينة اليونان لم يلحق به تاثير الشرق في اسيا الصغرى، ولايستثني من ذلك الدين اليوناني الذي اقتبس كثيرا من المعتقدات والافكار الشرقية .

اما روبرتسون فان يقول في الجزء الاول من كتابه (تاريخ حرية الفكر):

" اننا مهما قلبنا وجوه الراي وامعنا البحث، فلن نعثر على مدنية يونانية اصيلة بريئة من التاثر بالحضارات الشرقية، غير ان الاعجاب الشديد باليونانيين هو الذي جعل جمهرة من اصحاب الراي كما يلاحظ روبرتسون، تصر على انكار تاثر حضارة اليونان بحضارات الشرق " . (10)

التاثير المصري في الفلسفة اليونانية

مصر على راي كثرة من الباحثين هي مهد الحضارة، وهي الاصل لكل الحضارات وتركت بصماتها على كل الحضارات ومنها الحضارة اليونانية، يقول وليم ج بيري، في كتابه "نمو الحضارة ": (مصر هي البلد الذي تزكيه كل الحقائق موطنا للحضارة، وهي المصدر الاكبر للوحي المتجدد الذي الهم الحضارت المجاوزة خلال قرون طويلة) . (11)

اما على الصعيد الفلسفي فقد انتهت محاولات الفيلسوف اليوناني طاليس في بحثه عن المادة الاولى التي تكون منها العالم، الى اعتبار الماء هو هذه المادة، ولهذا السبب اعتبره ارسطو اول من تفلسف، وهذا ماوصل اليه المصريون قبله بالاف السنين بتاكيدهم انه في البدء لم يكن في الوجود سوى نون، وكان نون محيطا ازليا مظلما) . (12)

اما النزعة المثالية او التاملية، (والتي يعدونها خاصية يونانية)، فقد اقتبسها افلاطون "Plato" واقام عليها مثاليته، فتعود اصولها الى نزعات مثالية مصرية قديمة . (13)

وفضل المصريين على الحضارة، وسائر النشاطات الفكرية والروحية اقر به المؤرخ اليوناني (هيرودوت) معترفا بالدين الذي يدين به اليونانيون للمصريين في كثير من مظاهر نشاطهم الروحي والفكري خاصة في مجال الدين . (14)

موقع اليونان الجغرافي يؤهلها للتواصل

وموقع اليونان الجغرافي المتميز لكونه حلقة وصل بين الشرق والغرب، يؤهلها للتاثر بحضارات الاخرين والتفاعل معهم، يقول الدكتور جميل حمداوي: (عرفت اليونان نهضة كبرى في المجال الاقتصادي لكونها حلقة وصل بين الشرق والغرب، وكان لاثينا اسطول تجاري بحري يساعدها على الانفتاح والتبادل التجاري بين شعوب حوض البحر الابيض المتوسط) . (15)

الاصل المصري لحضارة اليونان لدى مدرسة الاسكندرية

اعلام مدرسة الاسكندرية، من مفكري الحضارة الهلنستية، يرجحون ان يكون المصدر المصري هو الاصل المباشر للفلسفة الاغريقية، وهذا مابينه واشار اليه العديد من المفكرين والباحثين، امثال، كليمنت السكندري، وفيلون اليهودي، وغيرهما . (16)

بيري والتفوق الثقافي المصري

يرى بيري ومعه مجموعة من الباحثين، التفوق الحضاري والثقافي المصري، على عكس فريق اخر من الباحثين الذي يرى تفوق حضارات وادي الرافدين، وخصوصا سومر، التي يعتبرها هذا الفريق اقدم الحضارات. يقول بيري:

"اننا في ضوء ماعرفت حتى الان، لابد من ان نسلم بان مصر في عصر ماقبل الاسرات كانت تتمتع بثراء ثقافي يفوق اي مجتمع من المجتمعات التي قامت حضاراتها على انتاج الطعام في اقدم العصور . فلسنا نجد في سوسا "susa" او سومر "sumer" او في اية بقعة اخرى مثلا لتلك الثروة " . (17)

هوميروس وتاثره بالاساطير المصرية والبابلية

هو ميروس هو شاعر اغريقي شهير، وكاتب لملحمتين عظيمتين هما " الالياذة والاوديسا "، قام بتخليد حرب طروادة شعرا بدقة متناهية، والتي يعتقد حدوثها عام 1250 قبل الميلاد، ولم يكتف بذلك حتى انجز ملحمة شعرية اخرى تروي مغامرات اوديسيوس وهو عائد لوطنه بعد سقوط طروادة في القرن الثالث عشر قبل الميلاد .

امتازت الالياذة بسلاسة واضحة، وبلاغة لغوية راقية، وكان دقة رسم الملامح من اهم خصائصها، الى جانب حسن استخدام التصوير والتشبيه، والتي احصيت بحسب المترجمين الى اكثر من 180 تشبيها تعكس الفعل الملحمي بدقة، ويختلف المؤرخون في تحديد الفترة الزمنية التي عاش فيها هوميروس، فمنهم من يقول انه عاصر حرب طروادة، وشارك فيها، اي انه عاش في القرن الثالث عشر قبل الميلاد .

اما ارجح الاقوال فتؤكد انه عاش في القرن الثامن او العاشرقبل الميلاد، اي انه لم يعاصر الحرب، ومما يدل على ذلك عدم ورود اسمه بين المحاربين المشاركين في الحرب . (18)

وتشير الدراسات الحديثة الى ان هوميروس كبير شعراء اليونان، قد تاثر في ملحمته الاوديسية تاثرا واضحا بملحمة جلجامش السومرية، وهذا لاينتقص من عظمته، ولامن اصالة الحضارة اليونانية . (19)

الاصل المصري لالهة الاغريق

وقد تشابهت اسماء الهة الاغريق مع اسماء الالهة المصرية، ولذلك رجح هيرودوت المؤرخ الاغريقي الشهير، ان تكون جاءت من مصر، يقول هيرودوت:

(في الواقع ان معظم اسماء الهة الاغريق جاءت بلاد الاغريق من مصر . ذلك انني عن طريق التحري تاكدت، ان هذه الاسماء جاءت من بلاد اجنبية، واني لاعتقد انها داءت بصفة اساسية من مصر) . (20)

اما بالنسبة للغة الاغريقية فهيرودوت يرجح الاصل الاغريقي لها، فيقول: (علم الفينيقيون الاغريق اشياء كثيرة من بينها، وفي مقدمتها الحروف)، ويضيف هيرودوت: (ان الفينيقيين كانوا يستوطنون بويوتيا وان الايونيين تعلموا منهم فن كتابة الحروف) . (21)

اللغة الاغريقية خليط من اصول سامية ومصرية وهندواوربية

يرى مارتن بال في كتابه المثير للجدل (اثينة السوداء)، ان اللغة الاغريقية خليط من من لغات عديدة ف25% منها من اصل سامي، و20-25% من اصل مصري، و 40-50% من اصل هندو اوربي، واورد قائمة طويلة بهذه الاشتقاقات . (22)

كيف انتقلت الحضارة المصرية الى اليونان والمناطق الاخرى

يرى الباحث المصري الدكتور حسن طلب بعد ان ناقش اسطورة " المعجزة اليونانية " وبين تهافتها، وعدم صمودها امام الادلة العلمية، ناقش مسالة انتقال الحضارة المصرية الى اليونان والمناطق الاخرى، وقدم عدة نظريات في تفسير انتقال الحضارة، واختار النظرية الانتشارية (Defusionism)، وهذه النظرية تقول بالاصل الواحد للحضارة، ومن هذه النظرية " الانتشارية "، نشا اتجاه اخر يعرف بالانتشارية المصرية، يفسر انتقال الحضارة المصرية الى اليونان والمناطق الاخرى، باعتبار الحضارة المصرية هي الاصل .

ويمثل الانتشارية المصرية كل من سميث وبيري، وريفرز (1864-1922)، وهذا الاتجاه اجمع على ان هناك موطن للحضارة انتشرت منه الى مراكز ثانية فثالثة، حتى غطت وجه الارض. (23)

هل اخذ اليهود عقيدة التوحيد من مصر؟

يدعي سيجموند فرويد، عالم النفس اليهودي النمساوي، وصاحب مدرسة التحليل النفسي (1856-1939 م)، في كتابه: (موسى والتوحيد) "Moses and Monotheism"، ان اليهود اخذوا عقيدة التوحيد من مصر وافادوا من العلوم والعادات المصرية طوال اقامتهم في مصر، ونقلوا عنها عادة الختان . (24)

ونحن لانوافق فرويد في دعواه بل نرى عكس ذلك، فبنوا اسرائيل الذي هم اولاد يعقوب (ع)، جاؤوا الى مصر، بعد ان اصبح النبي يوسف (ع) عزيزا لمصر، وهو الذي نشر التوحيد في ربوع مصر، بعد ان كانت مصر وثنية تتقاسمها الهة عديدة .

فابراهيم (ع) عرف مصر، ويعقوب واولاده الاسباط هم الذين نشروا التوحيد في مصر، وبعد سقوط الهكسوس، ومجيء الفراعنة ثانية، واظطهادهم لبني اسرائيل، نشات الوثنية عند الاسرائيلين وعبدوا العجل كما يحكي عنهم القران الكريم ذلك.

فبنوا اسرائيل هم من علم المصريين التوحيد، اما الشرك فقد اخذه الاسرائيليون من المصريين .

اما عادة الختان فنرجح ان المصريين تعلموها من الاسرائيليين، لان الختان من سنن الفطرة، ومن بقايا تعاليم النبي ابراهيم عليه السلام .

وايضا لانتفق مع فرويد في زعمه ان موسى (ع) مصريا، فموسى من انبياء بني اسرائيل الذي ارسله لخلاص الاسرائيليين من اضطهاد الفراعنة، ولايضير موسى اذا كان اهله قد سموه باسم مصري، وكما قيل ان اسمه كان عاموس، فهذا اجراء وقائي لحمايته لحمايته من ذبح فرعون الذي كان يذبح ابناء بني اسرائيل ويستحيي نساءهم .

التاثيرات العراقية في الحضارة اليونانية

يرى كثير من الباحثين ان بلاد مابين النهرين هي مهد الحضارة الاول، وان سومر هي الحضارة الاولى في تاريخ البشرية، وفي هذا يقول: هنري فرانكفورت في كتابه: "فجر الحضارة في الشرق الادنى ": " ان شعب بلاد مابين النهرين كان معلما العلوم للمصريين واليونانيين " (26)

وهنري فرانكفورت وجوردن شايلد يذهبان الى ابعد من ذلك ويؤكدان على تاثر مصر بالافكار السومرية، وينصان على انه كان يجري تلقيح بربرية النيل عن طريق الاحتكاك بحضارة سومر . (27)

ويؤكد كريمر سبق السومريين وتقدمهم في الحضارة بقوله:

" ولدينا من الاسباب المعقولة، مايحملنا على الاستنتاج، انه ظهر في غضون الالف الثالث قبل الميلاد طائفة من المفكرين والمعلمين السومريين، حاولوا ان يصلوا الى اجابات مرضية عن المسائل التي اثارتها تاملاتهم في الكون واصل الاشياء فكونوا اراء وعقائد في اصل الكون والالهيات، اتسمت بقدر عظيم من الاقناع العقلي، واصبحت اراؤهم ومعتقداتهم فيما بعد عقائد ومباديء اساسية لكثير من شعوب الشرق الادنى القديم " . (28)

السومريون اول من ابتدع الكتابة

بدا فجر الحضارة في العراق بحدود عام 5000 قبل الميلاد، وانتهى بالحقبة الزمنية التي ابتدع فيها ابناء الرافدين الكتابة لاول مرة في تاريخ الانسانية في الربع الاخير من الالف الرابع قبل الميلاد .(29)

هل كانت هنالك فلسفة في بلاد الرافدين؟

ترى الباحثة السورية بكلية الاداب والعلوم الانسانية بجامعة حلب، هزار ابرم، في قصة احيقار التي دونت في القرنين السابع والخامس قبل الميلاد، اهم عمل في ادب الحكمة كتب باللغة الارامية القديمة، وانها اقدم اثر في الفلسفة والحكمة .(30)

واحيقار كان كاتبا ووزيرا ومستشارا للملك الاشوري سنحاريب الذي حكم بين عامي 705 و 681 قبل الميلاد، واشتهر بالحكمة . (31)

ويقر المؤرخ البريطاني "ارنولد توينبي" بوجود فلسفة وحضارة مزدهرة في العراق القديم، فيقول: "ان بلاد مابين النهرين هي مهد الحضارات القديمة، وان الانسان وجد على هذه الارض منذ خلق الانسان، فقد دلت الحفريات الاثرية التي تمت على مدى مايقرب من مئة عام وجود مجتمع بشري متقدم ومتحضر على هذه الارض . وقد تمتع ذلك الانسان بفكر خلق اللغة والفلسفة وجميع العلوم التي قد نرى فيها تالقه في جميع مجالات الحياة الارضية والسماوية، واستطاع ان يتجاوز الذات الى دراسة كنه الاشياء والموجودات والعوالم والمجرات والنجوم وغيرها " . (32)

التاثير المصري البابلي على فيثاغورس

ان لبابل تاثيرا واسعا على الحضارة اليونانية خاصة في مجال الفلك والرياضيات . (33)

وان فيثاغورس الذي عاش مابين (580-497) قبل الميلاد، قد رحل الى مصر وعاش بها اثني عشر عاما، وبعدها سافر الى بابل وبقي فيها اثني عشر عاما ايضا، ومن البابليين تعلم العلوم الرياضية، لانهم كانوا متقدمين في التجريد الحسابي كجدول الضرب، وجداول التربيع والتكعيب وجداول عكسية الجذور التربيعية والتكعيبية والكسور والاوزان والمقاييس، وعلم الجبر والمعادلات الاولى والثانية والثالثة، هذه الثقافة البابلية والمصرية التي تعلمها فيثاغورس، كانت حجر الاساس لهذه العلوم في اليونان . (34)

والعلوم البابلية كثيرة ومتنوعة كعلم الفلك والرياضيات وعلم الادارة والقانون والعلوم العسكرية، وفن رسم الخرائط، وعلم الهندسة، ويعتبر رسم خريطة العالم في بابل من اقدم الخرائط في تاريخ الانسان . (35)

وفي الختام، لايستهدف هذا البحث معرفة الحضارة الاقدم والاسبق في تاريخ البشرية، هل هي حضارة مصر ووادي النيل ام حضارة بلاد مابين النهرين ؟ فذلك يحتاج الى دراسة معمقة ومتانية للوصول الى هكذا نتائج، ولكن البحث يهدف الى اثبات المؤثرات الشرقية في الحضارة والفلسفة اليونانية، وان نظرية المعجزة اليونانية، التي تشدقت بها الافواه المتعصبة، ماهي الا خرافة لاوجود لها الا في اذهان المتعصبين .

 

زعيم الخيرالله

........................

المراجع والمصادر

1- انظر الدكتور حسن طلب، اصل الفلسفة، الفصل الاول، المعجزة ودلائل الاعجاز .

2- احمد ارسلان، مقالة في منتديات الساخر .

3- نفس المصدر السابق.

4- فريدريك كوبلستون، تاريخ الفلسفة، ص 39-40، نقلا عن مقال احمد ارسلان في منتديات الساخر.

5- قصة ميلاد الفلسفة اليونانية، دراسة تحليلية، احمد ارسلان، منتديات الساخر.

6- اثينة السوداء، ج1، ص 26، مارتن برنال، مقدمة الكتاب .

7- نفس المصدر السابق، ج1، ص 27.

8- التفكير العلمي، فؤاد زكريا، ص 114-115 .

9- قصة ميلاد الفلسفة اليونانية -دراسة تحليلية - احمد ارسلان - منتديات الساخر.

10- اسماعيل مظهر، فلسفة اللذة والالم، ص 18 .

11- وليم بيري، نمو الحضارة، ص 64 .

12- هنري فرانكفورت، ماقبل الفلسفة، ص 66.

13- انظر فيلكوفسكي، اوديب واخناتون، ترجمة فاروق فريد، ص 60، نقلا عن " اصل الفلسفة "، الدكتور حسن طلب.

14- John Burnet , Early Greek Philosophy , 4th edit, London, 1975,p.8 نقلا عن " اصل الفلسفة "، الدكتور حسن طلب.

15- جميل حمداوي، مدارس الفلسفة اليونانية ومناهجها، نقلا عن موقع دروب.

16- انظر حسام محيي الدين، بواكير الفلسفة قبل طاليس، ص 14.

17- و.ج. بيري، نمو الحضارة، ص 52-53، نقلا عن كتاب اصل الفلسفة، الدكتور حسن طلب.

18- نقلا عن ويكيبيديا، الموسوعة الحرة .

19- الدور الغوالي في المسرح الاحتفالي، الدكتور رشيد ياسين، فصول في نظرية الدراما والنقد المسرحيين، من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000.

20- اثينة السوداء، ج1، ص 46، مارتن برنال.

21- نفس المصدر السابق، ج1، ص28.

22- نفس المصدر السابق، ونفس الجزء والصفحة .

23- جمال حمدان، شخصية مصر، دراسة في عبقرية المكان، ج2، ص 391 .

24- سيجموند فرويد، موسى والتوحيد، ص 73.

25- نفس المصدر السابق، ص 28-32 ز

26- مقالة " الفكر السياسية في بلاد مابين النهرين "، اسحق قومي، نقلا عن شبكة زهريرا الاخبارية .

27- انظر، هنري فرانكفورت، فجر الحضارة في الشرق الادنى، وانظر جوردن شايلد، ماذا حدث في التاريخ ؟، ص 115 .

28- احمد كمال زكي، الاساطير، دراسة حضارية مقارنة، ص 9، نقلا عن منتديات الوليد .

29- السومريون اوائل من كتبوا التاريخ في وادي الرافدين، توما شماني، مقالة في موقع " ديوان العرب" .

30- حكمة بلاد الرافدين عرابة الفلسفة في الشرق القديم، سعد القرش، ميدل ايست اون لاين، نقلا عن موقع " معا لدعم قضايا المراة " .

31- نفس المصدر السابق.

32- الفكر الفلسفي في بلاد مابين النهرين، اسحق فيومي، نقلا عن شبكة زهريرا الاخبارية .

33- انظر جورج سارتون، تاريخ العلم، ج1، ص 162- 214، وكذلك صموئيل كريمر، السومريون: تاريخهم وحضارتهم وخصائصهم، ترجمة فيصل الوائلي، ص 389، نقلا عن اصل الفلسفة للدكتور حسن طلب .

34- مقالة " الفكر الفلسفي في بلاد مابين النهرين "، اسحق فيومي، نقلا عن شبكة زهريرا الاخبارية .

35- بابل . باب الالهة. مهد العلم .. مملكة بابل التاريخية، ديار الهرمزي، مقالة في موقع: الحوار المتمدن، العدد: 3731، تاريخ، 7-8-2009.

mutham aljanabiالحضارة الإسلامية في الفكر الاسلامي المعاصر (3):  محمد باقر الصدر- فلسفة التصدي الحضاري

يكّمل محمد باقر الصدر ويتكامل مع آراء ومواقف علي شريعتي بصدد الموقف من الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، رغم اختلافهما الكبير من حيث المنهج والتحصيل العلمي والتجربة السياسية والثقافية. فكلاهما تعرضا إلى الحصار والمضايقة والسجن والقتل. وإذا كان موت شريعتي بطيئا وهو أشد أنواع العذاب من جانب النظام الشاهنشاهي، فان الصدر تعرض إلى قتل بشع من جانب الدكتاتورية الصدامية قل نظيره. وكلاهما واجه الموت بإرادة صلبة، بحيث يمكن النظر إلى مواجهة الصدر للموت وتحديه النظام برسالة هي الأعمق والأجمل في صور التحدي والإرادة الشجاعة. وقد أبرزت في الكلمة التي طلبت مني الجهات المعنية بمناسبة نصب تمثال الصدر في معهد العلاقات الدولية في موسكو قبل بضعة سنوات، على هذا الجانب أكثر من غيره في شخصية وإبداع محمد باقر الصدر. وهي كذاك بالفعل. ففي تحديه الدكتاتورية والموت كشف عن موت الدكتاتورية المحتوم وأثر ما كانت تدعوه الفكرة الإسلامية عن جوهرية الوحدة الدائمة للعلم والعمل، أو النظرية والتطبيق كما نقول اليوم.

ففي هذه الخاتمة تنعكس صيرورة الشخصية ومواقفها ونمط تفكيرها. فإذا كان شريعتي متسامحا إصلاحيا منفتحا جميل العبارة والمعنى متجانسا في الأقوال والأعمال، فان الصدر، وهو سليل العائلة الدينية والمتربي بتقاليد الحوزة الدينية (الشيعية) النجفية، يتميز باللين والقوة، وعمق التفكير وتقاليده الفقهية والفلسفية المميزة للمدارس الشيعية على امتداد تاريخها. من هنا أولوية الفكرة الأصولية عند الصدر، التي وجدت انعكاسها في توسعه وتعمقه في علوم أصول الدين واجتهاده الكبير والأصيل فيه. ووجد ذلك تعبيره المتميز والفريد من نوعه بتطويع حصيلة الفقه والفلسفة صوب القضايا الفكرية السياسية الملتهبة آنذاك. بمعنى جعل الحصيلة النظرية لعلم أصول الدين جزء من الفكرة العملية السياسية، كما كان الحال فيما مضى بالنسبة لتقاليد المعتزلة الكبار.

ونعثر على اثر التربية الفكرية الدينية وحصيلة الرؤية الفلسفية والسياسية في كتبه الأكثر شيوعا وشهرة وهما (فلسفتنا) و(اقتصادنا) وما كان يخطط له من كتاب (سياستنا) كما لو انه يحاكي مصادر الماركسية الثلاثة وأقسامها المكونة الثلاثة (الفلسفة، والاقتصاد السياسي، والنظرية الاشتراكية). وهي محاكاة واقعية وذلك لان مؤلفاته المذكورة أعلاه كانت موجهة أساسا لنقد الماركسية في مجال فلسفتها "المادية التاريخية والديالكتيكية"، "والاقتصاد السياسي"، والنظرية السياسية "للاشتراكية العلمية". وبغض النظر عن شهرة هذه المؤلفات وأثرها الكبير في بلورة الفكرة السياسية الإسلامية الحديثة، اذ بقي الصدر في إطار الفكرة النظرية اسلاميا بحتا لا علاقة له بالمذاهب، كما ظل شيعيا متجانسا في الموقف الوجداني والأخلاقي من التاريخ السياسي للإسلام، إلا أنها ظلت ضعيفة وباهتة من حيث مستواها النقدي للماركسية. وذلك لأنه، خلافا لشريعتي، لم يطلع على الأصول، بل على الكتابات العربية المترجمة والمؤلفة من جانب الشيوعيين العرب بشكل عام والعراقيين بشكل خاص. وهي أتعس وأسخف أنواع الماركسية من حيث تأصيلها وتأسيسها النظري. ولا غرابة في الأمر! فقد كان القادة الشيوعيين في العراق شبه أميين، اغلبهم لم ينهي المدرسة الابتدائية! و"قائده" الأخير ليس أميا فقط، بل وليس عربيا، ولم يكتب في مجرى قيادته للحزب على مدار عقود من الزمن، مقال واحد، بل ولا حتى خاطرة من ثلاثة اسطر!!

ضمن هذا السياق كان نقد الصدر "للماركسية" سليما، لكنه لا علاقة له بماركسية ماركس. انه نقد فكري وسياسي للفكرة الشيوعية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تسعى للبرهنة على أن أخذ الأفكار الأجنبية لا يمكنها أن تكون بديلا للموقف الذاتي من إشكاليات التاريخ والمصالح. وهي فكرة سليمة رغم سطحية النقد الصدري، بمعنى أنها تسعى لفك الحبل السري لطفولة الشيوعية العربية (العراقية) عن أمها الغربية، والتعامل بالتالي مع الواقع "بعقل إسلامي"، اي بمعايير المنهج الاسلامي والفكرة الإسلامية.

ووجدت هذه الفكرة المنهجية التي عمل عليها طويلا تطبيقها في الموقف الحاد من الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، بمعنى بلورة الموقف السياسي الثقافي وليس تحليلهما بمعايير الفكرة التاريخية أو الثقافية أو الفلسفية بما في ذلك التأملية. وقد وضع اغلب أفكاره في الكتاب الذي ظهر تحت عنوان (الإسلام يقود الحياة). من هنا موقفه القائل، بان "أي بناء حضاري جديد ملزم أن يدخل في الحساب مشاعر الأمة ونفسيتها وتركيبها العقائدي والتاريخي... فحركة الأمة كلها شرط أساسي لنجاح أي عملية بناء حضاري جديد واع ومعركة شاملة ضد التخلف، لان حركتها تعبير عن نموها ونمو إرادتها وانطلاق مواهبها الداخلية. وحيث لا تنمو الأمة لا يمكن لأي منهج أو صيغ محنطة أن تغير من الواقع شيئا". وهي فكرة سليمة من الناحية المجردة. وحالما يجري تطبيقها العملي، فإنها تتخذ الصيغة التالية:"إن الإنسان المسلم يتميز بتربية ثقافية وتاريخية وعقائدية خاصة تجعل منه كيانا مغلقا أمام كل التيارات الفكرية الغربية. وذلك لان الإسلام يشكل أهم عناصر هذه النفسية المصهورة في أعماقه. ولا يغير من هذه الحقيقة ضعف إيمانه الحالي ومستوى الانحراف فيه وفراغ الإسلام من محتواه الثوري"، وذلك لان الإسلام كان وما يزال يشكل "عاملا سلبيا تجاه أي إطار حضاري أو نظام اجتماعي لا ينبثق فكريا وأيديولوجيا من الإسلام". وبالتالي، فان المثال الإسلامي، هو الوحيد الذي بإمكانه أن يثير وينظم ويوجه قوى الجماهير نحو الإبداع. فجميع المذاهب من ديمقراطية واشتراكية ومادية وشيوعية وغيرها "قد مارسها الإنسان خارج العالم الإسلامي وتجسدت في أشكال مختلفة واتخذت صيغا متفاوتة، ولهذا فهي لا توحي إلى الفرد المسلم بصورة محددة واضحة المعالم، بل انه يجد اشد الحكومات تعسفا ودكتاتورية تحمل كلمة الديمقراطية كجزء من اسم الدولة، ويجد اشد الحكومات دورانا في الفلك الاشتراكي تعاني من تمايزات لا حد لها... إن كل هذا التنوع في مجال الممارسة لتلك المفاهيم والشعارات لا يساعد الفرد المسلم على أن يحدد في نفسه مثالا واضحا وصورة دقيقة لما يراد منه أن يساهم في بنائه". ففي كتاب (فلسفتنا) يشير إلى ما يلي: "طالما اقلق وما يزال يقلق الإنسانية هو الإجابة على السؤال التالي: ما هو النظام الذي يصلح للإنسانية وتسعد به في حياتها الاجتماعية؟ وفي إجابته على هذا السؤال قال "إن الإسلام سبق وان قدم مثالا واضحا للبناء الاجتماعي الحضاري". وانه قام "بتجربة من أروع النظم الاجتماعية وانجحها. ثم عصفت به العواصف بعد أن خلا الميدان من القادة المبدئيين أو كاد وبقيت التجربة في رحمة أناس لم ينضج الإسلام في نفوسهم ولم يملأ أرواحهم بروحه فعجزت من الصمود والبقاء. انقرض الكيان الإسلامي وبقي نظام الإسلام فكرة في ذهن الأمة الإسلامية، وعقيدة في قلوب المسلمين، وأملا يسعى لتحقيقه أبناء المجاهدين".

إن كل ذلك ليس معزولا، حسب تصور الصدر، عما اسماه بسلوك وسياسة الكولونيالية الغربية الأوربية تجاه العالم الإسلامي، الذي أدى إلى بلورة "شعور نفسي خاص تعيشه الأمة الإسلامية تجاه الاستعمار يتسم بالشك والاتهام ويخلق نوعا من الانكماش لديها من المعطيات التنظيمية للإنسان الأوربي". وتوصل بأثر هذه الرؤية التاريخية السياسية إلى مقارنة ثقافية متضادة بين الإنسان المسلم والإنسان الغربي الأوربي، تعيد وتستنسخ من حيث الجوهر الأفكار الغربية المتطرفة نفسها ولكن بغلاف إسلامي. فالإنسان الأوربي، كما يقول الصدر "ينظر إلى الأرض دائما لا إلى السماء. حتى المسيحية، بوصفها الدين الذي آمن به هذا الإنسان على مدار قرون من الزمن، لم تستطع أن تتغلب على النزعة الأرضية فيه. وبدلا من أن ترفع نظره إلى السماء استطاع أن ينزل اله المسيحية إلى الأرض ويجسده في كائن ارضي. ودفع هذه الفكرة صوب الغلو التأويلي المجرد عندما وجد في فكار داورن وماركس مجرد محاولات "لاستنزال الله إلى الأرض". وبالضد من ذلك نرى  الإنسان "الشرقي المسلم قد ربته رسالات السماء وعاشت في بلاده، ومر بتربية مديدة على يد الإسلام ينظر بطبيعته إلى السماء قبل أن ينظر إلى الأرض، ويؤخذ بعالم الغيب قبل أن يؤخذ بعالم المادة المحسوس"،  وان الإنسان المسلم بفعل "غيبيته العميقة" الراسخة في مزاجه أدى إلى "تحديد قوة إغراء المادة له وقابليتها على إثارته".

من كل ما سبق يبدو جليا منهج التضاد الشامل بين الشرق الاسلامي والغرب النصراني على مستوى الفكر والثقافة والعقائد والشخصية التاريخية والقيم الروحية والأخلاقية وحصيلة كل ذلك في تباين واختلاف وتضاد الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية. إنهما ليس فقط لم ولن يلتقيا، بل ولا ينفك الصراع الأبدي بينهما. وبالتالي، فان عناصر ومقدمات الحضارة الإسلامية لا يمكنها أن تكون إلا الإسلام بسبب خصوصية التربية السيكولوجية والتاريخية للمسلم. وان الأداة الرئيسية لتجسيد هذه الحضارة الآن هي الدولة الإسلامية بوصفها هدفا مطلقا ووسيلة "لتضع الله هدفا للمسيرة الإسلامية وتطرح صفات الله وأخلاقه كمعالم لهذا الهدف". إننا نقف هنا أمام حصيلة تعيد أفكار ومواقف سيد قطب التي وضعها في (معالم على الطريق) مع فارق اللغة والتأسيس، اي نوعية الخطاب الفكري لا غير وليس مضمونه الفعلي.

اذ نعثر عند الصدر على نقد واقعي ولكن بدون بديل واقعي. اذ تغلب عليه وفيه الصيغة المجردة والمثالية في النقد والبدائل كما في أقواله عن التجربة الإسلامية الفريدة وديمومتها الأبدية رغم فشلها السريع بمقاييس الإسلام المحمدي. كما تتضمن آراءه على أحكام ومواقف مجردة وجازمة وقاطعة ومثالية، رغم تعارضها الصريح مع كل معطيات الماضي والحاضر، كما في موقفه من "الإنسان المسلم" و"نظرته الدائمة للسماء"، و"ابتعاده عن المادة" وما شابه ذلك من أحكام تتعارض بصورة صارخة مع الواقع القديم والمعاصر.

فاغلب التأريخ المتعلق بسلوك الخلفاء والفقهاء وعلماء الدين وغيرهم منذ بدء الخلافة، بما في ذلك عند الراشدين كما هو الحال عند عثمان بن عفان، يشير على عكس الصورة التي يقدمها الصدر. فقد كان تاريخ منذ البدء لا يخلو من نفسية وذهنية الغنيمة. ولاحقا، في مجرى عقدين من الزمن تحولت إلى نمط عادي في الإمبراطوريات العادية. وأول ملامحها القوية ظهرت في مجرى الثأر لعثمان ودمه. بمعنى الثأر للدم وليس للعقيدة أو الفكرة المتسامية أو مبادئ الحق والعدالة. وهكذا إلى الآن. وفي مجرى كل قرن انحطاط اكبر. كما تحتوي هذه المواقف والأحكام على فكرة "خطرة" بالنسبة لماهية وحقيقة الإسلام ونظامه السياسي والاجتماعي. ففيها يبدو كل تاريخ الإسلام مجرد خروج على حقيقة الإسلام. أما التجارب الحديث فإنها لا تمثل استثناء بهذا الصدد. وتجربة العراق الحالية أيضا تصب بهذا الصدد. فأكثر الشخصيات خروجا على موقف الإسلام الحق، ونفسية السرقة وامتهان ابسط المواقف الأخلاقية والاجتماعية والوطنية هي من نصيب "الإسلاميين". ومن الناحية المجردة والدقيقة، لم يمثل حقيقة الإسلام بهذا الصدد سوى المتصوفة الكبار.

والحصيلة التي يمكن التوصل إليها فيما يتعلق بتضاد الإنسان المسلم والإنسان الغربي، والثقافة والحضارة الإسلامية مع الغربية تكشف عما يمكن دعوته بحسد التخلف. فقد كانت هذه النظرة أوربية نصرانية خالصة في موقفها من الإسلام، كما هو جلي في تصوراتهم إثناء وبعد الحروب الصليبية. بينما انقلبت في القرن التاسع عشر- العشرين. اذ أصبح الشرق مجرد زهد ودين وإيمان وميتافيزيقيا ولاهوت وتصوف وروح وسماء! والغرب بالعكس! عقل وحكمة وعلم ومعرفة وإنسانية ومادية. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام فكرة مقلوبة وأيديولوجية لما هو شائع في الفكر "الاستعماري". كما أنها تتعارض مع أفكاره التي روج لها في (فلسفتنا) و(اقتصادنا) عن "حب الذات" المميزة لفطرة الإنسان، التي لا يمكن القضاء عليها، بل يمكن تهذيبها عبر ربطها بقيم أخلاقية، وهي فكرة جامعة للأمم والديانات جميعا.

***