ali jabaralfatlawiلماذا اسم (التبيان) ودوافع التأليف؟

التبيان في اللغة من التبيين يقول الجوهري: (الإيضاح أو الوضوح، والتبيان مصدر وهو شاذ لأن المصادر إنما تجيء على التَفعال بفتح التاء مثل التذكار والتكرار، ولم يجئ بالكسر إلّا حرفان، وهما التبيان والتلقاء).

وإذا أخذنا المعنى اللغوي للتبيان يتضح لنا سبب تسمية تفسير الشيخ الطوسي بهذا الإسم، فمن الواضح أن الشيخ الطوسي يعني أن تفسيره سيهتم بمعاني الآيات القرآنية بصورة جامعة بحيث يصل إلى المعنى المطلوب بصورة واضحة وكاملة، يؤدي الغرض من التفسير وهو بيان معاني ومقاصد الآيات القرآنية، وقد أشار الشيخ الطوسي في مقدمة تفسيره إلى الدافع الذي دفعه لتفسير القرآن (فإن الذي حملني على الشروع في عمل هذا الكتاب إني لم أجد أحدا من أصحابنا – قديما وحديثا – من عمل كتابا يحتوي على تفسير جميع القرآن، ويشتمل على فنون معانيه).

ونستوحي من كلام الشيخ الطوسي أنه لا يوجد تفسير للقرآن جامع يفي بالغرض لغاية عصر الشيخ الطوسي، وهو قد ألّف تفسيره ليتجاوز الثغرات في التفاسير الموجودة وليسد النقص في هذا الباب، فألف تفسيره (التبيان) ليكون جامعا متجاوزا لثغرات من سبقه، وعدد اسماء السابقين له في هذا الباب، فشخص عيوب مؤلفاتهم، ذكرالطبري وعدّه من المطيلين في شرح المعاني، وذكر آخرين عدّهم مقصرّين في شرح المعاني إذ اهتموا بالغريب من الالفاظ، وقال في مقدمة تفسيره (التبيان):

(وسلك الباقون المتوسطون في ذلك مسلك ما قويت فيه مُنتهم – قوتهم – وتركوا ما لا معرفة لهم به).

وذكر الطوسي أمثلة لبعض الاسماء التي سلكت هذا المسلك الوسط، لكنهم أخلوا جميعا في الجوانب المهة الأخرى، ذكر الزجّاج والفراء من النحويين إذ اهتما بالاعراب والتصريف على حساب الجوانب الأخرى، وذكر مفضل بن سلمة إذ إستكثر من علم اللغة، واشتقاق الالفاظ، وذكر من المتكلمين كأبي علي الجبائي الذي اهتم بالمعاني الكلامية، وذكر البلخي الذي أضاف من علومه الخاصة، وعدّ ذلك مما يعاب على من سلك هذا المسلك، لأنه يخل بالجوانب التي يفترض أن يهتم بها المفسر، لا أن تدخل علوما وفنونا لا علاقة لها بالتفسير، لكنه لم يغمط حقّ من سلك مسلكا سليما في التفسير، وذكر مثالاعلى ذلك أبا مسلم الاصفهاني، وعلي بن موسى الرماني،(فإن كتابيهما أصلح ما صنف في هذا المعنى، غير أنهما أطالا الخطب فيه، وأوردا فيه كثيرا مما لا يحتاج).

ذكر الشيخ الطوسي في مقدمة تفسيره (التبيان في تفسير القرآن) كل هذه النماذج والأمثلة، كي يمهد لرؤيته عن التفسيرالجامع للشرائط الصحيحة، ومتجاوزا للسلبيات التي وقع فيها من سبقه من المفسرين، وقد تجسدت رؤيته التفسيرية الجامعة هذه في تفسيره (التبيان)، إذ اهتم الشيخ الطوسي بجميع الجوانب التي يفترض أن يهتم بها كل مفسر مع مراعاة الجوانب الفنية والعلمية حتى يؤدي التفسيرالغرض المطلوب ويحقق الهدف، يقول الشيخ الطوسي وهو يتكلم عن الدافع الذي دفعه لتفسير القرآن: (سمعت جماعة من أصحابنا قديما وحديثا، يرغبون في كتاب مقتصد يجتمع على جميع فنون علم القرآن، من القراءة، والمعاني والإعراب، والكلام على المتشابه، والجواب عن مطاعن الملحدين فيه، وأنواع المبطلين، كالمجبرة، والمشبّهة والمجسّمة وغيرهم، وذكر ما يختص أصحابنا به من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحة مذاهبهم في أصول الديانات وفروعها).

وتعهد الشيخ الطوسي بأن يفي تفسيره بكل هذه المطالب، وهذا عهد من الشيخ الطوسي أن يكون تفسير التبيان تفسيرا جامعا، وسنذكر أمثلة على هذه المطالب في الصفحات القادمة، وتفسير التبيان من خلال استعراضنا لصفحاته، نرى أنه تفسير جامع إضافة لتوفر عنصر الاجتهاد فيه من خلال السير بالمنهج العقلي في التفسير، وقد أفرد الشيخ الطوسي فصلا تحدث فيه عن المبادئ التي يُفترض بالمفسر أن يلتزم بها، سنعرض نماذج منها في محور آخر.

وصف صاحب (الموسوعة الحرة) تفسير التبيان وصفا منصفا أرى من المناسب أن نقتطف فقرات من هذا الوصف:

(هو تفسير حافل جامع، شيعي معتدل، أقرب لأهل السنة، وشامل لمختلف ابعاد الكلام حول القرآن، لغة وأدبا قراءة ونحوا، تفسيرا وتأويلا، فقها وكلاما بحيث لم يترك جانبا من جوانب هذا الكلام الإلهي الخالد، إلا وبحث عنه بحثا وافيا).

ويستدل صاحب الموسوعة على أن تفسير (التبيان) قد ألفه الشيخ الطوسي في السنوات الأخيرة من عمره، بدليل أن الطوسي يحيل بعض المسائل في التفسير إلى كتبه المؤلفة سابقا، في الفقه والأصول والكلام، وهذا يدلل:

(أنه كتب التفسير متأخرا عن سائر كتبه في سائر العلوم، ومن ثمّ فإن هذا الكتاب يحظى بقوة ومتانة وقدرة علمية فائقة، شأن أي كتاب جاء تأليفه في سنين عالية من حياة المؤلف ... هذا التفسير حاز قصب السبق من بين سائر التفاسير التي كانت دارجة لحد ذلك الوقت، والتي كانت أكثر مختصرات تعالج جانبا من التفسير دون جميع جوانبه، مما أوجب أن يكون هذا التفسير جامعا لكل ما ذكره المفسرون من قبل، وحاويا لجميع ما بحثه السابقون عليه).

إنّ تفسير (التبيان) للشيخ الطوسي يعد من التفاسير الجامعة، بمعنى أنه استخدم جميع إتجهات التفسير التي تحقق الهدف من التفسير وهو بيان وتوضيح معاني ومقاصد الآيات القرآنية، بطريقة الاستفادة من اتجاه أو أكثر حسب سياق وحاجة فهم الآية أوالآيات، وليس بالضرورة استخدام جميع الإتجاهات، وقد راعي الشيخ الطوسي أن يكون تفسيره جامعا من خلال التزامه بجملة من المبادئ العامة التي ذكرها هو في كتابه (التبيان)، وهي في الواقع مبادئ يحتاج إليها كل مفسر يطمح أن يكون تفسره جامعا واضحا يؤدي الغرض ويحقق الغاية، الشيخ الطوسي استبعد البحث في بعض الابواب كونها محسوبة على علوم أخرى، فهو لم يتركها نهائيا، كما أنه لم يسهب فيها حتى لا يخرج عن الهدف من التفسير، مثلا الكلام عن الاعجاز في القرآن، يرى الشيخ الطوسي أنه لا يدخل ضمن موضوعات التفسير (الكلام في إعجازه، وجهة إعجازه، واختلاف الناس فيه، لا يليق بهذا الكتاب، لأنه يتعلق بالكلام في الأصول).

كذلك من منهج الشيخ الطوسي استبعاد البحث في النقصان أو الزيادة في القرآن الكريم، وعد الكلام في هذا الباب مما لا يليق بكتاب الله العزيز، وكل كلام في النقيصة أو الزيادة لا يؤخذ به، فإن القرآن هو الموجود بين الدفتين المنقول نقلا متواترا، والمسلمون مجمعون على ذلك، أما الشواذ منهم فلا يؤخذ بكلامهم، لأنهم يعتمدون على أخبار آحاد، يقول الشيخ الطوسي عن أقوال هؤلاء: (طريقها الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، والأولى الإعراض عنها، وترك التشاغل بها).

ويورد الشيخ الطوسي حديث الثقلين كرد على القائلين بالنقص أو الزيادة: (إني مخلف فيكم الثقلين، ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)، يقول الشيخ الطوسي مدللا بالحديث السابق على سلامة القرآن الكريم من زيادة أو نقصان، (وهذا يدلّ على أنه موجود في كل عصر لأنه لا يجوز أن يأمر بالتمسك بما لا نقدر على التمسك به. كما أن أهل البيت، ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت. وإذا كان الموجود بيننا مجمعا على صحته، فينبغي أن نتشاغل بتفسيره، وبيان معانيه ونترك ما سواه).

تحدث الشيخ الطوسي عن آرائه التي التزم بها في تفسيره، وهي مبادئ عامة يفترض بكل مفسر أن يأخذ بها، مع مراعاة التطوارات في الفهم حسب الزمان والمكان، لأننا لا يمكن أن نثبت على فهم واحد مع التطور في مختلف العلوم، ولكن كمبادئ للمنهج العام في التفسير لا يمكن أن يتجاهل المفسر آراء الشيخ الطوسي في هذا الباب،   طرح الشيخ الطوسي، تأكيده على تفسير القرآن بالأثر الصحيح المنقول عن النبي (ص) والأئمة الأطهار(ع)، وفند القول بالرأي في القرآن ولا يجيزه، والتفسير بالأثر قسّمه سماحة العلامة (معرفة) إلى تفسيرالقرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة، وتفسير القرآن بأقوال الصحابة، وتفسير القرآن بأقوال التابعين .

أرى أن الشيخ الطوسي لا يجيز الأخذ بالأثر إلا بشرط رجوع هذا الأثر إلى النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع)، وبشرط آخرعلى أن لا يتقاطع الأثر مع ظاهر القرآن، ويوجب الشيخ الطوسي الأخذ بظاهر القرآن ويتساءل (كيف يجوز أن يصفه – (الله تعالى) – بأنه عربي مبين، وأنه بلسان قومه، وأنه بيان للناس، ولا يفهم بظاهره شيء؟)

ويضيف الشيخ الطوسي أن الأثر إذا تقاطع مع ظاهر القرآن لا يؤخذ به، والدليل قول الرسول (ص):(إذا جاءكم عني حديث، فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فاقبلوه، وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط)، وروي مثل ذلك عن الأئمة(ع)، وهنا يؤكد الشيخ الطوسي أنه لا يمكن العرض على كتاب الله ما لم يكن ظاهر القرآن مفهوما، ويتساءل (كيف يمكن العرض على كتاب الله، وهو لا يفهم به شيء؟ وكل ذلك يدل على أن ظاهر هذه الأخبار متروك).

نعم يترك الأثر مع التعارض مع ظاهر القرآن، هذا هو رأي الشيخ الطوسي وأعلام الشيعة قديما وحديثا، مع العلم في الإمكان تأويل الخبر إن كان صحيحا، وإن كان متقاطعا فلابد من وجود خلل في متن الخبر أو سلسلة الرواة، وهذا أمر وارد، لأن دعوة النبي (ص) إلى عرض الحديث على القرآن، نستوحي منها أن النبي (ص) عارف أن هناك أناس سيحرّفون ويزورون أحاديثه، وكذلك الأئمة الأطهار (ع) .

 

علي جابر الفتلاوي

 

abdullah badrhskandarيرى بعض الناس أن تكرار القصص في القرآن الكريم لا ينطلق من أسلوب الترادف المؤدي إلى وحدة المعاني في سياق الألفاظ، ولذلك عمد هؤلاء إلى التفريق بين الكلام النازل من الله تعالى وبين ما هو دون ذلك من النثر أو الشعر، لأجل التخلص من اشكالية المقاربة بين الكلامين، وهذا ما جعل بعض الباحثين يتجه إلى خلق الأعذار التي لا ترقى أن تكون بمنزلة المناصر لكتاب الله تعالى، ظناً منهم أن اختلاف السياق القرآني يجب أن يسير بطرق متوازنة في نهج مستقيم بعيداً عن الطبيعة النثرية التي نجدها في الأدب القصصي أو الأسلوب السردي الظاهر في الخيالات البشرية وما ينطوي تحتها من قيم مماثلة وصولاً إلى الشعر وقوانينه وما يترتب على ذلك من توفيق بين الحادثة التي يريد الشاعر الكشف عنها وبين الواقع الذي يعيشه، وهذا الاتجاه قد يكون مستحسناً لدى كثير من المحققين الذين كان همهم إخراج القرآن الكريم عن هذه القياسات، ولذلك ذهب جمع منهم إلى ربط الأحداث التي مرت بها الأمة بأحداث أخرى عاشها بنو إسرائيل في مواجهة فرعون من جهة وما جرى لهم بعد ذلك في التيه من جهة أخرى، ولهذا قيل إن التكرار يعالج الأحداث بطرق متباينة نظراً لما تمر به الأمة في مراحلها المختلفة وما يتفرع عنها من تبعات تدعو للإصلاح الذي يتناسب مع المواقف الآنية التي يعيشها المسلمون، وكما تعلم فإن هذا الواقع وإن كان يحمل شيئاً من الصحة إلا أن تحجيم القرآن بهذه الأسباب والموارد لا يمكن أن يحقق الغرض المرجو منه، ولأجل الوصول إلى هذا المعنى فمن الضروري أن تُستنطق المفاهيم القرآنية العامة حتى يتم الخروج بمصاديقها على الوجه الأمثل الذي يستوجب التكرار.

وبناءً على ما تقدم نفهم أن مصدر الكمال القرآني يتطلب ملاحقة الأحداث وإخراجها بصيغ متشابهة من أجل عدم تشتت الأفكار أو الذهاب بالمتلقي إلى ما لا يتناسب مع الطبيعة البشرية، أضف إلى ذلك أن القرآن الكريم وإن كان فوق المستوى البشري في البيان إلا أن فيه مراعاة لمقتضى الحال، ومن هنا كان التكرار حقاً ملازماً للنهج القرآني، وذلك لأن التوجيه المباشر لا يمكن أن يستقر في نفس المخاطب إلا بتصريف الكلام والكشف عن مدلوله اللفظي من خلال السياق القرآني، وقد بين الحق سبحانه هذه الحقيقة في قوله: (ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفوراً) الإسراء 41. أي لقد كررنا في هذا القرآن من كل الشواهد المؤدية إلى تبيان العقيدة الإيمانية من أجل تذكير الإنسان، وهذا التذكير لا يستقر في النفس إلا بتصوير المراحل الزمنية بأشكال مترابطة، وليس من السهل إحضار تلك المراحل إلا بذكر الأحداث مرة بعد أخرى وإظهارها بأساليب متشابهة ولذلك نلاحظ تفرق الوقائع في السياق تارة واجتماعها تارة أخرى باعتبار أن الغرض من إيصال المنهج الإيماني لا يمكن أن يتم إلا باللجوء إلى التكرار، ولهذا وبخ الحق سبحانه بعض الناس الذين يعرضون عن النهج السليم لدعوة الحق على الرغم من إظهار المعاني وتصريفها بطرق متشابهة، وذلك في قوله: (انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون) الأنعام 46. أي انظر كيف نكرر الآيات ونبينها بأساليب متقاربة لأجل أن تصل إلى أفهامهم إلا أنهم يصدفون عنها أي يعرضون، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفوراً) الإسراء 89.

من بعد هذه المقدمة نستطيع القول إن القرآن الكريم قد صرف الأحداث التي مر بها بنو إسرائيل وبينها بطرق مختلفة تكاد تكون متقاربة لكي تلامس الواقع الذي يعيشه المسلمون في عصر التنزيل، وسيمر عليك هذا المعنى في تفسير آيتي البحث، أما من يذهب إلى نفي الترادف أو أن يأتي بمبررات واهية للتكرار فهذا وإن كان قوله صادراً عن نية حسنة واعتقاد صحيح، إلا أن مثله كمثل الذين أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه عن سلطانه فتأمل.

تفسير آيتي البحث:

قوله تعالى: (ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون) البقرة 92. كرر الله تعالى في هذه الآية ما ذكره في قوله: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون) البقرة 51. وكما بينا في بحثنا أن سبب التكرار يأتي للتذكير وفي الآية إزالة لأعذارهم، أي لا عذر لكم في دعواكم الإيمان بما أنزل عليكم وأن قلوبكم غلف، وقد مر عليك هذا الادعاء من خلال تفسيرنا للآيات التي سبقت هذا البحث، وفي هذا السياق ذكرهم سبحانه بمجيء موسى بالبينات أي أن الحجة قائمة عليكم من بعد هذا المجيء، والقصد من ذلك إبطال دعواهم بالحجج التي تنفي إيمانهم نفياً قاطعاً لأنهم كانوا يزعمون أن إيمانهم لا يتعدى إلى أكثر مما جاء به موسى، ومن هنا ذكر الحق سبحانه هذه التوطئة لأجل أن يبين لهم أن مجيء موسى بالبينات لم يغير شيئاً في إيمانهم.

فإن قيل: لا يذم الإنسان لمجرد اتخاذ العجل فلمَ وبخهم الله على ذلك؟ أقول: اتخاذ العجل للأغراض الشرعية من الأفعال الجائزة إلا أن الذي يذم عليه الإنسان هو اتخاذ العجل معبوداً من دون الله تعالى، وفي الآية حذف تقديره.. ثم اتخذتم العجل معبوداً.. ولم يأت الحق سبحانه بالمعنى كاملاً باعتبار أن الفعل الصادر عنهم لا يحتاج إلى شاهد، لأنه أصبح معلوماً لدى جميع الناس وعلى مر التأريخ فهو أكبر من أن يعرّف.

فإن قيل: ما هي البينات التي جاء بها موسى؟ أقول: البينات هي المعجزات الدالة على صدق نبوته، كالعصا وضم اليد إلى الجناح وفلق البحر وانفجار العيون وما إلى ذلك.

قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين) البقرة 93. ورد السياق ههنا مكرراً، كما في قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) البقرة 63. أي خذوا ما آتيناكم باهتمام، أما معنى قوله: (واشربوا في قلوبهم العجل) من سياق البحث. أي أشربوا في قلوبهم حب العجل، وعبر تعالى عن حب العجل بالشرب دون الأكل لأن الشرب يصل إلى جميع أعضاء البدن ويتغلغل فيها، ولهذا كان التشبيه.

فإن قيل: ما المراد من قوله تعالى: (قالوا سمعنا وعصينا) من سياق البحث؟ أقول: يتضمن السمع معنى الامتثال، أي قالوا امتثلنا للأمر الموجه إلينا، أما العصيان فلم يصدر منهم قولاً وإنما أفعالهم دلت عليه ولهذا المعنى نظائر كثيرة في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر) التوبة 17. أي أن أعمالهم تشهد على كفرهم. وكذا قوله: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين) فصلت 11. وقوله تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) يس 82. وههنا أطلق تعالى القول وأراد منه القصد فتأمل.

أما قوله تعالى: (قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين) من سياق البحث. فالمراد منه اسناد الأمر للإيمان وإضافته إليهم تهكماً، كما في قوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) الدخان 49. وكذا قوله: (أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا) هود 87. وقوله: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) الزخرف 81. وكما ترى فإن المعنى وارد على سبيل التمثيل لغرض المبالغة في نفي الولد عن الحق جل شأنه، وهذا نظير قوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) الأنبياء 22.

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

 

   عبدالله بدر اسكندر  

في بحثنا السابق كنا قد تحدثنا عن - إشكالية المفهوم والدلالة - بين السُنة والشيعة، وبيّنا الفوارق اللفظية والمعنوية بينهما، وماهو الصحيح من جهة الإستخدام والمطابقة، وقلنا هناك: إن السُنة هي الطريقة وهي القانون، ولا يجوز إعتبار السُنة مجموعة الرجال من الناس، وأما الشيعة: فهم الناس وهم التابعين أو الأتباع، وقلنا هناك إيضاً: إنه لا يصح أبداً أن تتسمى جماعة ما بأنهم - أهل السُنة -، معتبرين إن الصواب من جهة اللفظ والمعنى يكون أكثر إنطباقاً على - الشيعة -، كتعبير عن الجماعة التابعة أو الجماعة الموالية .

وفي بحثنا هذا سنحاول تسليط الضوء على مفهوم جدل اللفظ والمعنى بين - الإسلام أو الشيعة - أو قل في بيان العلاقة بين - الإسلام والتشيع - كما دلت على ذلك لغة العرب وإستخدامات الكتاب المجيد لهذه اللفظة على الصعيد التداولي، أو قل على الصعيد الإجرائي في دلالة معنى - المسلمين على إنهم الشيعة حصراً -، وذلك بلحاظ الإستخدام، وفي النتيجة يكون لدينا: إن كل مسلم فهو شيعي، وكذا يكون كل شيعي فهو مسلم وهذه النتيجة يمكن فهمها بالمنظور الإبراهيمي لمعنى الشيعي، كما ويمكن إعتبار هذه النتيجة بيان للعلاقة الحيوية التي تربط بين لفظ الإسلام ومعناه ولفظ الشيعة ومعناه، وهذه العلاقة هي التي يتأسس عليها كل شيء في حياة المسلمين .

ومن أجل إثبات المطلوب هذا، سنستهل بحثنا هنا في الوقوف مع ما تعنيه كلمة - الشيعة - كما وردت في النص التالي بقوله تعالى: - وإن من شيعته لإبراهيم - الصافات 83، ونتسائل: - لماذا أستخدم النص لفظ - شيعته - في بيان تابعية إبراهيم وموالاته لنوح النبي؟، ونعلم إن هذه التابعية وهذه الموالاة تجري في سياق العلاقة مع الله، أي التابعية لنوح من حيث إنه مرتبط بالله وبتعاليمه، والتابعية في كيفية الإيمان بالله كذلك، فالنص قد صب هذه العلاقة في معنى هذا الوصف وهذه الدلالة، ولذلك جاء باللفظ الدال عليه، وفي ذلك إيضاً تتأكد مقولتنا عن الألفاظ وبأنها في الكتاب المجيد إنما وضعت لمعاني محددة ومطلوبة دون سوآها، ولو تأملنا سياق النص هذا نعلم إنه إنما كان يتحدث عن إبراهيم لا بصفته الشخصية الإعتبارية، بل بصفته الإيمانية العملية والسلوكية، وإعلان ذلك في النص هو بمثابة التوثيق لصحة علاقته بالله وصحة دعوتة إلى الله، فهو إذن، أي النص هو توصيف للحال أو بيان للحال، وفي كليهما يكون بمثابة الإجراء والممارسة التي تؤثر في السامع أو المُتلقي أو هي نوع من ذلك، وبما إن إبراهيم النبي يتحدث عن الله وعن الوحي وعلاقته به لذلك تطلب الأمر منه ليقول لنا: بأن ما أدعوا له وما أعيشه إنما يجري في نفس السياق الذي سار عليه ودعا له ومارسه نوح، - والفضل لإبراهيم في ذلك إنه أعلنه وأظهره ككيان وكتيار مستقل و ذي ملامح محددة خاصة، وهذا الكيان هو الذي سماه - الإسلام - كما يظهر ذلك في قوله (هو سماكم المسلمين من قبل) -، وجملة هو سماكم لا تعني هو أبداً معنى المبتدئ لهذه التسمية أو هو أول من أطلقها، بل تعني إنه هو أول من أعلنها بصورتها المحددة ذات السمات الخاصة، وهو في ذلك المعنى تابع لنوح أوإنه معه، وهذا ما تدل عليه لفظة - من شيعته -، والأمر في تلك التابعية يدور في الكيفية والطريقية التي أتبعها أو وظفها إبراهيم النبي في خطابه للتخفيف من حدة الصدمة نظراً للرافضين لفكرة نبوته، هذا من الناحية الموضوعية، خاصةً إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار مفهوم و شرط المتابعة أو المشايعة، ككونه الإلتزام بالقيم نفسها والتي كان عليها من شايعه .

وقد عرفنا الكتاب المجيد على أن نوحاً كان من المسلمين بدليل قوله تعالى: - فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين - 72 يونس، ودلالة اللفظ في جملة - وأمرت أن أكون من المسلمين - تعني إن نوحاً كان مأموراً من قبل الله، ليكون مع تلك الجماعة أو مع ذلك الكيان الذي كان يتشكل ويتبلور تحت منظومة قيم محددة في - الإيمان بالله والإيمان باليوم الأخر والعمل الصالح -، فهو إذن مامور ليكون مع هذه الجماعة مع قيمها ومع إيمانها، وهي موضوعياً تشير إلى كيفية تبلور هذا التيار وتكونه، وما هي العلامات الفارقة التي تجمعه ؟، وتربط ذلك بالتطور الذهني والمعرفي لدى نوح، ولدى الجماعة التي آمنت بتلك القيم، ومن هنا يمكننا أن نعرف: إن إبراهيم في إعلانه - هو سماكم المسلمين من قبل -، أي هو الذي اعلن عن شكل الدين في صورته النهائية بعدما تبلورت وتطورت معالمه عبر الزمن، وهو في هذه المنظومة - أول المسلمين -، أي الذين أسلموا أو الذين أعلنوا إسلامهم في هذه المرحلة، وصيغة - أول المسلمين - المسبوقة بلفظ - أنا - هي صيغة تعريفية عن الإعلان المباشر في الإنظمام لهذه الحركة وليس بمعنى الأول الرقمي أو العددي - وهذا اللفظ جار في لغة العرب وقد عبر عنه حمزة عم النبي حين قال وأنا على دين محمد - هي صيغة من صيغ الإعلان الرسمي والإنتماء، وقد وردت هذه الصيغة في التعريف في أكثر من موضع من الكتاب المجيد، وهي توكيد لنوع الإنتماء والولاء، وهي صيغة تعريفية أو إعلانية عامة يلتقي عليها الجميع دون النظر إلى الجوانب المرحلية ولا تعني الدقة الحصرية في معنى - أول - بل هي تدخل في معنى أول من جهة الزمان هي ظرف لا يلغي السابق ولا اللاحق .

وأما عبارة - أن أكون من المسلمين - التي قالها نوح فهي إشارة لما كان بالفعل أو عن التشكيل الحركي الذي كانت تتوضح معالمه وترسم، ضمن أو من خلال الإشتقاق المتعلق بلفظ الإسلام والذي هو:

1 - الإيمان بالله الواحد الأحد .

2 - الإيمان باليوم الأخر .

3 - والعمل الصالح .

فإن تكون مسلماً يعني أن مؤمناً بهذه القيم الثلاثة وتعمل بها، وهذه القيم هي الإسلام الذي عليه نوحا وجميع الأنبياء وعامتهم، وهذا يعني إن كل من آمن بهذه الثلاثية وأعتقد بها فهو مسلماً أو هو من المسلمين، وقد دل على ذلك كتاب الله المجيد في قوله تعالى: -

(إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 62 البقرة ) .

وفي سورة المائدة يأتي اللفظ عينه، كما يأتي في سورة هود مضافاً إليه المجوس، وفي كل تلك النصوص يكون المسلم بحسب ما تُعرفه لنا: - هو من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً - هذا هو المحدد لمعنى الإسلام، ولم ينظر النص إلى من ينتمي وإلى من يتبع من الأنبياء والرسل، ذلك لأن النص إنما يتحرك ضمن مفهوم - إن الدين عند الله الإسلام -، أي إن كل نبي وكل رسول يدعوا لهذه القيم ويؤمن بها فهو من المسلمين، وهذا الذي نقوله هو الإسلام، وأما الأفعال والممارسات والطقوس العبادية وغيرها، فتخضع للإيمان الخاص بالرسالة والنبوة المرحلية الزمنية ونتيجة لطبيعة الإيمان هذا فهي ليست سواء لدى الجميع، ولتوضيح الفكرة نقول: - إن ما يفعله أتباع كل نبي من ممارسات وعبادات وأعمال ووظايف، وحسب تعاليم ذلك النبي والرسول فهي صحيحة ومبرئة للذمة، ومعلوم إن مقياس الصحة في البراءة الشرعية ليس مطلقاً بل هو نسبي، ولنسبيته تلك فلا يجوز تحديد صحة البراءة الشرعية بناءاً على ما نفهمه نحن من عنوان الصحة، ولهذا لا يجوز إعتبار أعمال العباد باطلة بحسب ما نفعله نحن من الأعمال، كذلك لا يصح قياس ذلك بناءاً على مايفعله غيرنا المُغاير لهم .

ذلك لأن الإيمان بالنبوات والرسالات بحسب مفهوم الكتاب لازمه ومقتضاه عدم الخروج عن تلك الثلاثية التي أشرنا إليها، وما عدآها من الإعتبارات فيحكمه الواقع الموضوعي، أعني بذلك كلاً حسب فهمه وإدراكه وما توصل إليه ولا ضير في ذلك، وهذا ما أشار إليه البيان التالي: - قل كل يعمل على شاكلته -، ومادآم الأمر كذلك وهو كذلك يكون لدينا في إثبات المطلب: - إن كل ما يقوم به أتباع موسى من أفعال وممارسات سلوكية وعبادية صحيح إن إلتزموا بشروط ثلاثية القيم تلك، وهذا هو الشرط الموضوعي اللازم لصحة الفعل وما يؤسس بناءاً على الواقع، والحال عينه يصح كذلك بالنسبة لأتباع عيسى حين يتحقق لديهم الشرط الموضوعي في هذه القيم الثلاث المتقدمة، ونفس الشيء نقوله بالنسبة لأتباع محمد، إذ إن شرط صحة العمل وشرط صحة السلوك مرتبط بصحة الإلتزام بالقيم الثلاث تلك من جهة التابعين، وشرط الصحة في كل ذلك: هو الإيمان والعمل بهذه المنظومة القيمية - والتي أشرنا إليها في معنى الإسلام أو التي تعني الإسلام، وأما نفس العمل فليس شرطاً في صحة العمل، بدليل قوله - لا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن أتقى -، و بناءاً عليه يكون شرط الصحة في العمل مرتبط بشرط الصحة في الإيمان، ذلك لأن كل فعل تحكمه شروطه الخاصة به، وهي تتعلق بتلك الثلاثية من جهة المصدر، ومن جهة الإيمان بها الداعي لتنزيه العمل مع الإستطاعة، والعمل هو أمر ونهي وهذا تحدده ضوابط المصلحة والقصد، ونعلم جيداً إن المصلحة والقصد هي مفاهيم نسبية بحسب كل ظرف ووعي وإدراك، وإرتباط الأمر والنهي بمفهوم النسبية يجعل منه بحسب الرتبة ثانوي وذلك بحسب المتعلق به .

وإذا كان نوحاً قد طرح مفهوم كونه - من المسلمين - للتداول، فإنه قد طرح ذلك في التعبير عن نفسه وعن الجماعة التي أنتمى إليها والتي بدأت تتشكل تبعاً لمفهوم تطور الفكرة ذاتها في عهده وما قبل عهده، هذه الجماعة بدأت تتبلور عندها قضية الإيمان بالله واليوم الآخر في الصورة هذه، وهذا هو السقف الذي حدد مفهوم الإسلام والذي سيجري عليه ويتبعه كل الموحدين، إذن فهو قد بين لمن حوله معنى كونه من المسلمين .

ونعود لنقول: إذا كان إبراهيم المُشايع والتابع لنوح في كونه من المسلمين، يكون إبراهيم النبي صاحب مشروع الإعلان الرسمي لهذا التيار ولهذا الدين، ضمن هذه المحددات وهذه الأوصاف وقد عبر النص عن ذلك بقوله: - كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ - آل عمران 3،

وكأن النص في هذا الوصف يريد القول: - إن نوحاً الذي كان من المسلمين قد تابعه وشايعه إبراهيم ضمن هذه المبادئ وتلك القيم، وإبراهيم كان حنيفاً مسلماً، أي كان مستقيماً في علاقته مع تلك القيم، وهذه الكينونة الحنيفية مفهومة بالتضمن والخطاب توكيد على الإستقامة وعدم الإنحراف، لأن الشرك كمفهوم هو إنحراف عن الحنيفية .

والإسلام في قيمه ومبادئه هو كذلك، ولما كان إبراهيم الحنيف المسلم من شيعة نوح، فهذا دليل مضاف على أن التشيع الذي تبناه وطرحه هو الإسلام الحنيف من جهة المضمون ومن جهة الدلالة .

ويعني ذلك إن الإسلام هو التشيع في صيغته الإبراهيمية والتي لازمها الإستقامة وعدم الشرك وعدم الخلط في العبادة وفي الإلوهية، والشيعي في التعريف القرآني: هو هذا الكائن الإنساني من جهة الطبع والطباع، ولذا فقد تتحكم به السلطات المحلية والبيئية التي ينتمي إليها يتأثر بها وتؤثر فيه، كما وتتحكم فيه درجة الوعي والجو الثقافي والفكري المحيط والعوامل الإجتماعية والسياسية والإقتصادية، وهذه عوامل بطبيعتها ضاغطة في تكوين شخصية الإنسان وما يؤمن به، و بما إن الشيعي هو هذا الفرد أو هو هذا الكائن الإنساني فهو يخضع بالضرورة لذلك الواقع وبدرجات متفاوتة صعوداً ونزولاً .

ولكي نُبين درجة ونوعية هذا التأثير، سنستعرض بعضاً من نصوص الكتاب المجيد، وذلك من أجل تعميم الفائدة، وهذه النصوص على هذا النحو، قال تعالى في سورة مريم 69: - ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا -، وواضح إن لفظ - شيعة - في النص تؤكد على المعنى الذي ذهبنا له، في أن الشيعة هم الناس التابعين أو الموالين لفكر ما أو لمجموعة ما أو لزعيم ما، ولا يهم هنا في نوع الموالات سواء أكانت في الدين أو في السياسة أو حتى القبيلة والعشيرة، وفي سورة الأنعام 65: - أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض - يحدثنا النص على أن الشيعية هنا هي الإذلال في صيغة النزاع والتقاتل، كما يحدث اليوم بين فئات المسلمين وتحت نفس الشعار ونفس الخطاب، وفي نفس سورة الأنعام 159، وصف الشيعية كسلوك سيء، حينما لا تتبع الكلمة السواء كما في قوله: - إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء -، والتفريق في الدين من جهة الجماعة هو تفكيك للدين ولوحدة القيم فيه، وطبيعي إن هذه الصيغة السلبية للمعنى هي صيغة أو صفة مشتقة من طبيعة العمل وليس من اللفظ، إنما دلالة اللفظ لا تتعدى المعنى في كونهم جماعة من البشر، ومقتضى الوصف في النص للجماعة البشرية التابعة والتي تعمل الفساد وليس لمعنى التسمية فقط، ويحدثنا الله عن فرعون كيف أستطاع من خلال إستغلال سلطته ليفرق بين الناس، ويزرع بينهم العداوة والبغضاء من خلال تفريقهم وتقسيمهم لكي يسهل عليه حكمهم وهذه سياسة قديمة جديدة، نقرأ هذا المعنى في سورة القصص 4 قوله تعالى: - إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً ....- ولفظ المضاف والمضاف إليه يدلنا على المعنى الذي ذهبنا إليه، وللتأكيد على إن الشيعة لفظة دالة على عموم معنى المتابع والموالي، نقرأ ذلك في سورة القصص 15 قوله تعالى: - فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه -، والنص يبين لنا بأن الشيعة هم التابعين أوالموالين من جهة الفكر أو القومية أو الطائفة وهكذا كان صاحب موسى، المهم إنها لفظة دالة على معنى الكائن البشري ثم يأتي القيد في نوع التابعية وطبيعتها، وتبقى مسألة الصحة في المتابعة والولاء رهن بالعمل فهو الدليل الدال عليها سلباً أو إيجاباً، كما نفهم الشيعي الصالح من مطابقة عمله على منظومة القيم التي أسسها الله، وعن مفهومه لمعنى الإسلام الذي يدعوا له ويبشر به، والذي على ضوئه أعتبر كل نبي وكل رسول هو مسلم وهو من المسلمين، ما دامه يدعوا إلى الله والحق، وعلى هذا الإعتبار فالشيعة أو التشيع حين يكون أو تكون وفقاً للصيغة الإبراهيمية فهو يعني أو تعني عندنا الإسلام ونفس الشيء قرره الكتاب المجيد على تفصيل، وفي نفس السياق يكون من باب المخالفة: كل ما عدى ذلك المفهوم الإبراهيمي يكون ليس مسلماً وليس شيعياً، أو كما عبر النص في موضع هو الشرك بلحاط مفهوم المخالفة .

وخلاصة البحث وما يمكننا إستقراءه من كل مما مضى: يكون معنى الشيعة هي الجماعة التي توالي فكراً ما أو ديناً ما أو رجلاً ما، وهي لفظ صحيح دال على معنىاه هذا في الموالات والمتابعة، وأما السُنة: فهي لفظ له وظيفة محددة تعني القوانين والأنظمة والتشريعات، ولا يصح وصف الناس بها كما لا يصح القول - أهل السُنة والجماعة - من هذا الإعتبار، ودليلنا إن السُنة في الكتاب المجيد وفي لغة العرب هي القوانين والشرايع وليس الناس والتابعين، وأما الشيعة فهي اللفظ الصحيح الدال على هذا المعنى في هذا المجال، وللمقاربة والأستئناس نذكركم بقول الإمام الحسين يوم عاشوراء وهو قول مشهور، حينما خاطب الجماعة الأخرى التي كانت تقاتله، بقوله: - يا شيعة آل أبي سفيان - ولم يقل لهم يا سُنة آل أبي سفيان، ذلك لأنه أستخدم اللفظ في معناه الصحيح الذي وضع له، وأما ما يتسالم عليه الناس من تسميات ومصطلحات في هذا المجال فهي خارج البحث لأنها لا تستقيم والمعنى الذي أسسه الكتاب المجيد وسارت عليه لغة العرب ....

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

abdullah badrhskandarالأصول العقائدية وما يندرج تحتها من أحكام عملية لا يمكن تغييرها أو التفريق بين مصاديقها إلا من جهة التشريع الجزئي الذي تراعى بموجبه خصوصيات الأقوام الذين أرسل الله تعالى إليهم الأنبياء وجعل لكل قوم منهم شريعة مستقلة ومنهاجاً يشتمل على تفصيل الأحكام المتفرعة من تلك الشريعة، وهذا ما يفهم من قوله سبحانه: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) المائدة 48. والآية صريحة في تبيان الاختلاف بين الشرائع من حيث التطبيقات العملية دون العقيدة الثابتة التي لا يطرأ عليها النسخ أو التبديل، وبناءً على هذا نعلم أن ليس هناك ما يدعو إلى اختلاف الناس في جوهر العقيدة وما يرتبط بها من أصول إيمانية أو ما تتضمنه من مفاهيم عامة، وأنت خبير بأن السبيل القويم المتبع لدى جميع الأقوام المرسل إليهم لا يخرج عن تلك المفاهيم، أما إذا اتخذ الإنسان ما يخالف هذا النهج فمن الطبيعي أن يحدث لديه تباعداً في طرق الكمال التي ينتهجها ومن هنا نراه يميل إلى تعدد السبل التي يسلكها، ولهذا نهى الله تعالى عن اتباع السبل التي تكون سبباً في تفرق الناس عن سبيله جل شأنه، وقد أشار إلى هذا المعنى بقوله: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) الأنعام 153.

فإن قيل: إذا كان سبيل الله واحداً فلماذا ذكر أن له أكثر من سبيل في قوله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) العنكبوت 69. ألا يوحي هذا المعنى بالتعارض بين الآيتين؟ أقول: اختلاف طرق الجهاد التي أمر الله تعالى بها متعددة ابتداءً من جهاد النفس وانتهاءً بالجهاد الذي هو على بابه، فهذه الطرق جميعها تدعو الإنسان إلى التخلص من الموبقات التي تلاحقه، ولذلك نرى أن تعدد السبل اختلف من حيث المصاديق المؤدية إلى السلام دون المفهوم العام للسبيل الذي يكدح إليه الإنسان، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين... يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) المائدة 15- 16.

وبناءً على ما تقدم يظهر أن السبيل المدعو إليه من قبل الحق سبحانه لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق إرسال الرسل وإنزال الكتب لأجل تبيانه للناس كافة، وإرشادهم إلى المعارف المتعلقة بالتشريع، وما يؤول إليه السلوك البشري وصولاً إلى تعريف المجريات الحقيقية المتفرعة على المعاد، ولذلك اقتضت حكمته سبحانه أن تكون جميع المعارف مرتبطة بأصل واحد بحيث لا ينفك أحد أجزائها عن الآخر، ومن هنا وجب الإيمان بجميع ما أنزل الله تعالى من غير استثناء، أما في حال الإيمان ببعض ما أنزل ونبذ بعض فهذا لا يعد إلا كفراً بجميع ما أنزل الله سبحانه، وقد بين تعالى ذلك بقوله: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً) النساء 136.

وعند تأمل منطوق الآية آنفة الذكر وكذا ما يؤول إليه مفهومها يظهر أنها توصي بضرورة الإيمان والإقرار بجميع الأنبياء وبما أنزل عليهم من كتب تدعو إلى نهج واحد لا يجانب الحق، وذلك لأن رسالتهم واحدة مع ملاحظة أن لكل نبي منهم شرعة خاصة، وإن اجتمعوا في النهج المؤدي إلى تكامل الدين الذي ينادون به باعتبار أن كل نبي لا حق هو امتداد لنبي سابق، ولهذا فلا معنى للتفريق بينهم أو قبول رسالة بعض منهم دون بعض لأن حقيقتهم واحدة لا تقبل التجزئة، أما إذا حدث العكس واتخذ قوم من الأقوام المرسل إليهم ما يخالف هذا النهج فلا جرم أن سبب ذلك يرجع إلى العصبيات القومية البعيدة عن شرع الله تعالى، ومن هنا كانت دعوة القرآن الكريم إلى المؤمنين بأن يعتقدوا بجميع الأنبياء وما أنزل عليهم من كتب مبينة لنهج الله تعالى، وكذا الاعتقاد بالملائكة واليوم الآخر وكل ما يرتبط بدعوة الحق جل شأنه، ولهذا فقد سجل الله تعالى على بني إسرائيل تخلفهم عن هذا النهج الذي ألزم به الناس كافة دون تمييز باللون أو العرق أو ما إلى ذلك، وسيمر عليك هذا المعنى من خلال تفسير آية البحث.

وقفة مع آية البحث:

قوله تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) البقرة 91. تشير الآية إلى أن الإيمان بالتوراة يستلزم الإيمان بالقرآن لأنه يصدق ما ورد فيها من تعاليم، فكأن الله تعالى قد بين في هذا الخطاب زيف أقوالهم التي لا تستند إلى دليل، ولهذا احتج عليهم بمجموعة من الحجج أهمها ما ذكر في ذيل آية البحث، أي إن كنتم تؤمنون بالتوراة حقاً فلم تقتلون أنبياء الله من قبل باعتبار أنها تنهاكم عن هذا الفعل إلا أنكم خالفتم ما جاء فيها من تعاليم، ولهذا سلكتم الطريق الذي أدى بكم إلى الكفر بما وراء التوراة، لأن تكذيب الإنجيل أو القرآن هو تكذيب للتوراة النازلة عليكم من باب أولى، ومن هنا نفهم أنهم لم يؤمنوا بالإنجيل ولا بالقرآن بسبب القومية التي تجعلهم في المرتبة العليا المخالفة لأصل الرسالة التي تدعوهم إلى توحيد الله تعالى، ولا يخفى على المتلقي بأن هدف التوحيد هو القضاء على جميع الدعوات الذاتية والقومية والتوجه إلى عبادة الله تعالى عبادة خالصة بعيدة عن الانتماءات العرقية، وهذا ما نلمسه من خلال السياق الذي لا يشير إلى شخص بعينه وإنما جعل الدعوة مجردة عن اسم النبي ولهذا لم يقل في هذا الموضع آمنوا بما أنزل الله على محمد وإنما قال آمنوا بما أنزل الله، ولذلك نجد أن هناك فرقاً بين الحديث الوارد في آية البحث وبين حديثه جل شأنه عن المؤمنين عند الإشارة إلى شخص النبي (ص) في قوله: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم) القتال 2. علماً أن التعبير قد اختلف عن المعنى المقابل الذي بينه في قوله: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم) القتال 1. ولم يقل كفروا بمحمد أو صدوا عن سبيله فتأمل.

فإن قيل: لمَ أسند الله تعالى فعل السلف للخلف في الخطاب؟ أقول: يرجع السبب في ذلك إلى ما ارتضاه الأخلاف من الأفعال التي قام بها أسلافهم من تكذيب الأنبياء وقتلهم، وما يتفرع على ذلك من الأعمال السيئة التي ساروا على نهجها دون التخلف عنها.

فإن قيل: لمَ قال تعالى: (ويكفرون بما وراءه) من سياق البحث. علماً أن الكفر واقع منهم قبل نزول الآية؟ أقول: أراد تعالى من الوراء في هذا الموضع معنى (السوى) أي يكفرون بما سواه، وذهب بعض المفسرين إلى أن الوراء من الألفاظ المتضادة فهو يطلق على الأمام كما يطلق على الخلف، ودليلهم في ذلك قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً) الكهف 79. أي كان أمامهم ملك، واستدلوا كذلك بقول لبيد:

أليس ورائي إن تراخت منيتي... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

 

   عبدالله بدر اسكندر  

abdullah badrhskandarالأصول التي تقوم عليها العقيدة الإيمانية لا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بشخص النبي أو نسبه أو ما يلحق تلك التعريفات من مميزات خارجة عن المقتضيات المصاحبة للمعارف اليقينية التي يتوجب على الناس الأخذ بها، وأنت خبير بأن هذه القياسات لا تعدو كونها اجتهادات تقليدية لا يمكن الركون إليها أو الاطمئنان بها وهذا ما جعل الصفات السلبية لدى أهل الكتاب وكفار قريش تنحو بنفس الاتجاه، والدليل على ذلك هو اعتقادهم المشترك في إظهار أهمية وعظمة الشخص المرسَل إليه بغض النظر عن الاختيار الإلهي وما يترتب عليه من حكمة لا يعلمها إلا هو جل شأنه ولذلك نرى أن المشركين كانوا أقرب إلى هذا الاعتقاد، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى حكاية عنهم بقوله: (وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) الزخرف 31. ولا يخفى على ذوي البصائر أن قولهم هذا يدل على إخلادهم إلى الأرض ومغرياتها وما يلحق ذلك من اهتمام بشخص النبي وما يتمتع به من مزايا دنيوية كالمال والجاه وما إلى ذلك من المقامات الرفيعة التي يظنون أنها الطريق الأسلم لإيجاد الكمال سواء في الدنيا أو الآخرة، أما إذا كان النبي لا يملك المقومات المشار إليها فإنه لا يستحق القيام بمهمة الوحي، ولهذا عقب الله تعالى على ما كانوا يعتقدون بقوله: (أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون) الزخرف 32. أي إن كانوا لا يستطيعون تقسيم المعيشة بينهم فكيف يريدون أن يقسموا ما هو أعلى منزلة منها وهو اختيار النبي الذي يعد من آثار رحمته سبحانه.

فإن قيل: كيف ينسب الله تعالى تقسيم المعيشة إليه ونحن نعلم أن ذلك يرجع إلى جهد الإنسان وسعيه؟ أقول: يظهر من اختلاف الأرزاق أن الأصل في التقسيم عائد إلى حكمة الله تعالى، وما سعي الإنسان وجهده إلا أحد الأسباب المؤدية إلى الحصول على الرزق دون العلة الكاملة التي يريد تعالى من خلالها جلب المنفعة للناس وهذا ما يفهم من الآية آنفة الذكر التي بينت أن هناك فروقات معيشية ترفع بعض الناس فوق بعض لأجل أن يكون بعضهم مسخراً لبعض، وإلا لم تستقم الحياة على الصورة المرادة منها، ومن هنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير) الشورى 27. وختام الآية فيه إشارة إلى أمر مطلق يدلل على وضع الشيء في موضعه، وكما تعلم فإن الرسالة هي إحدى مصاديق هذا المفهوم العظيم ويعضد هذا المعنى بقوله: (وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى) طه 13. وكذا قوله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون) القصص 68. ويظهر من آية سورة القصص أن تدخل الإنسان في الاختيار الإلهي يعد من الشرك ولذلك نزه تعالى نفسه عن اختيارهم باعتبار أن هذا الاختيار التكويني ترجع أسبابه إليه سبحانه إلا أن الإنسان يجهل كثيراً من متعلقاته، وهذا المعنى ينطبق تمام الانطباق على بني إسرائيل الذين أرادوا أن يكون اختيار شخص النبي موافقاً لرغباتهم الزائلة ما جعل حسدهم يكبر ويأخذ بعداً واسعاً وذلك بسبب تفكيرهم الذي لا يتناسب مع القيم الإنسانية أو الأحكام الموحى بها من السماء.

من هنا يظهر أن الله تعالى قد سجل عليهم هذه النزعات وبين لهم الطريق الموصل للإيمان والذي لا يرتبط بشخص النبي أو قوميته وإنما يرجع الأمر في ذلك إليه سبحانه، وهذا ما يفهم من قوله تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا) البقرة 91. وكما ترى فإن الغرض المراد من الآية يتعلق بالوحي دون الموحى إليه، وبناءً على ما تقدم نعلم أن تقييد الوحي وخضوعه للانتماء الشخصي لا يعد إلا تحكماً بأمر الله تعالى، وهذا يجعلنا على يقين بأن مقام النبي يسمو بالوحي دون شخصه، مع ملاحظة أن الاختيار الإلهي لم يكن عبثياً "وقد أشرنا إلى ذلك أكثر من مرة في كتابنا هذا" وكما أسلفنا فإن قياسات أهل الكتاب لا تثبت أمام الحقائق التي بينها تعالى لهم وألزمهم بها، وسيمر عليك هذا المعنى في تفسير آية البحث.

وقفة مع آية البحث:

قوله تعالى: (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغياً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين) البقرة 90. (بئس) من الأفعال الجامدة كأختها (نعم) والأولى تدل على الذم والثانية على المدح والأصل فيهما المبالغة، وبناءً على هذا يكون المعنى بئس الشيء الذي باعوا به أنفسهم لأن الشراء والاشتراء بمعنى البيع، وإن فرق بعضهم في دلالة كل لفظ منهما إلا أن المعنى لا يخرج عن العوض سواء بالمال أو بغيره، ثم فسر تعالى ذلك الشيء الذي باعوا به أنفسهم بالكفر بما أنزل سبحانه أي القرآن الكريم. وقوله تعالى: (بغياً) معناه طلباً وفسر بالحسد أي حسداً لما أنزل الله تعالى على نبي ليس من قومهم، ولذلك ختم تعالى الآية بقوله: (فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين) وهذه الخاتمة كالنتيجة لما صدر عنهم من فعل أدى بهم إلى بيع أنفسهم ليأخذوا عوضاً يؤول بهم إلى الهلاك.

وللمفسرين في معنى قوله تعالى: (غضب على غضب) آراء كثيرة تكاد تكون متقاربة أذكر منها:

أولاً: الغضب الأول: حين قالوا: (يد الله مغلولة) المائدة 64. والثاني: تكذيبهم النبي والقرآن.

ثانياً: الغضب الأول: لاتخاذهم العجل، والثاني: لكفرهم بالنبي (ص) وما جاء به من عند الله تعالى.

ثالثاً: الغضب الأول: تكذيبهم رسول الله، والثاني: عداوتهم لجبريل.

رابعاً: الغضب الأول: تكذيبهم عيسى والإنجيل، والثاني: تكذيبهم محمد والقرآن.

خامساً: الغضب الأول: بسبب الكفر والحسد، والثاني: كفرهم بمحمد وعيسى.

سادساً: الغضب الأول: تبديلهم التوراة وتحريفها، والثاني: تكذيبهم الأنبياء وقتلهم.

وعندي: أن معنى قوله تعالى: (فباؤوا بغضب على غضب) من آية البحث. لا يراد منه ما ذكر في الآراء الآنفة وإنما يراد منه المبالغة في الغضب، كما في قوله تعالى: (وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) البقرة 61. وكما ترى فإن الآية جامعة لكثير من صفاتهم، من الكفر بآيات الله وقتل النبيين بغير الحق إضافة إلى العصيان الصادر منهم وما لحق به من اعتداء بغير تقييد، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم... صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فاتحة الكتاب 6- 7. وذهب الجمهور إلى أن المغضوب عليهم هم اليهود.

ودليلنا على المبالغة في الغضب يرجع إلى ما يقابله من المبالغة التي ذكرها سبحانه في إشارته للنور، وذلك في قوله: (نور على نور) النور 35. أي مبالغة في عظمة النور، وكذا قوله تعالى: (ظلمات بعضها فوق بعض) النور 40. أي مبالغة في الظلمات.

ومنه قول أبي الطيب المتنبي:

أرق على أرق ومثلي يأرق... وجوًى يزيد وعبرة تترقرق

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

   عبدالله بدر اسكندر  

abdullah badrhskandarالرسالة التي نزل بها القرآن الكريم لم تأت للقضاء على الرسالات السابقة أو نسخها بالكامل وإنما جاءت لتكون مكملة لها وهذه سنة متوارثة لدى الأنبياء لا سيما أصحاب الرسالات المؤيدة بالكتب كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (عليهم السلام) وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) الشورى 13. وهذا يدل على أن شريعة النبي محمد (ص) هي مجموع وصايا الله تعالى للأنبياء الذين ورد ذكرهم في الآية، وهذه السنة لا يمكن أن يتم لها البقاء والاستمرار إلا بتصديق اللاحق للسابق وبشارة السابق باللاحق، وهذا الأمر لا يقتصر على أولي العزم بل يتعدى إلى جميع الأنبياء وإن تدارس بسبب طول الأمد، ولذلك اقتضت حكمة الله تعالى أن يرسل الأنبياء إلى جميع أنحاء الأرض وبكثرة عددية حتى وصفهم بعض المحققين بأنهم جم غفير لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

ومما تقدم يظهر أن الهدف من مجيء الرسل يتمثل في البشارة والإنذار لكي يتم نشر دين التوحيد في الأرض، فإذا طال الأمد بعد فترة إرسال النبي فمن الطبيعي أن يسلك الناس سلوكاً آخر لا يتفق مع الأهداف التي بعث من أجلها الأنبياء، مما يجعل الفساد يعم الأرض مرة أخرى والعبادة تأخذ منحى آخر وتتشعب إلى طرق مختلفة، وبهذا يتلاشى الإنذار ويذهب أثر الوعظ والإرشاد وتحرف الكتب إلى تأويلات باطلة لا تمت لدين الله بصلة.

فإن قيل: هل تسقط الحجة عن الناس في هذه الفترة؟ أقول: هذه المرحلة لا تكون خالية من النذير ولكن ينتابها الضعف باعتبار أن النذير لا يحمل نفس التعاليم المراد نشرها بين الأمم كما هو الحال في بعثة الأنبياء مع ملاحظة إتمام الحجة على الناس، وهذا يدل على أن الأمم التي يرسل الله تعالى إليهم أنبياء أكثر من غيرهم لا بد أن يكون القابل عندهم ضعيفاً ما يباعد بينهم وبين التسليم لأمر الله تعالى، وهذا ما حدث بالفعل لبني إسرائيل الذين كانوا يزعمون أن تفضيلهم ناتج عن كثرة ما أرسل إليهم من أنبياء وأنت خبير بأن العكس هو الصحيح.

فإن قيل: ما سبب إطناب القرآن الكريم في ذكر الوقائع والأحداث التي مر بها بنو إسرائيل؟ أقول: الوقائع المختلفة التي مرت على بني إسرائيل لم تذكر في القرآن الكريم جزافاً وكذا لا يمكن تصنيفها ضمن الأحداث التأريخية التي لا طائل من وراء سرد مجرياتها، وإنما ذكرت لغاية أسمى باعتبارها من المناهج التي لا تمحى آثارها ولا تخلق على مر الدهر مهما اختلفت المراحل التي تمر بها البشرية أو اتخذت ما تشاء من الأهواء والفتن، ومن هنا كان التطرق إلى ذكر تفاصيل حياتهم قد أخذ مساحة واسعة في القرآن الكريم، ولا يخفى على المتأمل بأن هذا النهج قد مهد للمسلمين الأخذ بأسباب التمسك بشريعتهم والرجوع إلى الحق الثابت الذي يكفل لهم تصحيح مسيرتهم بعيداً عن الخط المنحرف الذي انتهجه أهل الكتاب في تعاملهم مع الأنبياء من خلال رحلتهم الشاقة التي أثرت فيهم الأثر السلبي حتى وصل بهم الأمر إلى الاعتراف بعدم تلبية نداء الحق وذلك في قولهم قلوبنا غلف كما سيمر في تفسير آيات البحث، ولذلك حذرنا القرآن الكريم عن عدم المساس بالمصلحين والهداة كما كان يفعل بنو إسرائيل في تكذيب الأنبياء أو قتلهم، ولهذه الأسباب نرى أن الحق سبحانه قد أرسل رسله تترا يقفو بعضهم إثر بعض نتيجة لانحراف اليهود عن المنهج الذي كلفوا به من جهة وبسبب الأمراض الخلقية التي لا تكاد تفارقهم من جهة أخرى، وسيمر عليك هذا المعنى من خلال البحث.

وقفة مع آيات البحث:

قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون) البقرة 87. الكتاب المشار إليه هو التوراة الذي توارثه جمع من الأنبياء، وقفينا أي أتبعنا ونظير هذه الآية قوله تعالى: (ثم أرسلنا رسلنا تترا كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضاً وجعلناهم أحاديث فبعداً لقوم لا يؤمنون) المؤمنون 44. وفي هذا دليل على تواتر الرسل ومجيء بعضهم في إثر بعض على نهج واحد مأخوذ من التوراة، حتى وصل الأمر إلى بعثة عيسى الذي اختصه الله تعالى وأيده بروح القدس، وقيل في معنى روح القدس مجموعة من الأقوال أهمها:

أولاً: هو القوة الغيبية التي أيدت عيسى فكان بواسطتها يحيي الموتى ويشفي الأكمه والأبرص.

ثانياً: هو جبرائيل وإضافة الروح إليه فيها إشارة إلى طهارته وقداسته.

ثالثاً: قال بعضهم هو الإنجيل، والأول أقرب لاختصاص عيسى بما ذكرنا.

فإن قيل: لمَ خص الله تعالى عيسى بالذكر دون سائر الأنبياء؟ أقول: السبب في ذلك يرجع إلى توبيخ اليهود وتقريعهم لأنهم كانوا يكذبونه ويكفرون به لذا ناسب ذكره في هذا المقام علماً أنه لم يأت بشرع جديد أو رسالة مخالفة لما في التوراة، والمراد من التأييد إشارة إلى تقويته وهذا اللفظ مشتق من اليد لأن فيها معنى القوة، كما في قوله تعالى: (واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب) ص 17. أي صاحب القوة والمراد من القوة هنا قوة معنوية وهي قوة الرسالة، أما البينات فهي المعجزات التي أيد الله تعالى بها عيسى ومعنى بما لا تهوى أنفسكم أي بما لا يتفق مع اتجاهاتكم، ولهذا فرع على هوى أنفسهم ذكر استكبارهم أي استكبرتم عن الإجابة احتقاراً للرسل، وههنا إشارة للأنبياء الذين كذبوهم ومنهم عيسى ومحمد (ص) وفي الوقت نفسه تطرق سبحانه إلى الأنبياء الذين قتلوهم ومنهم زكريا ويحيى.

قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون) البقرة 88. ههنا صدر ادعاء منهم بأن قلوبهم مغلفة أي لا يدخلها شيء من الإنذار أو الهداية، ونظير هذا المعنى قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون) فصلت 5. والدليل على أن هذا ادعاء منهم هو رده تعالى عليهم بقوله: (بل لعنهم الله بكفرهم) من سياق البحث. أي ليس الأمر كذلك وإنما هذا الادعاء كان سبباً في لعنهم وطردهم من رحمته سبحانه وذلك بسبب جحودهم بالله تعالى وبرسله.

قوله تعالى: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) البقرة 89. الآية تشير إلى أن اليهود كانوا يستفتحون على كفار العرب أي يطلبون الفتح عليهم ببعثة النبي، إلا أن الأمر اختلف اختلافاً كلياً عند بعثة النبي (ص) وذلك بسبب استكبارهم الذي نتج عنه كفرهم، وذكر في أسباب النزول أنهم هاجروا إلى يثرب من أجل انتظار النبي الذي بشرت به التوراة كما كانوا ينتظرون الفتح والنصر على الذين كفروا إلا أنهم سرعان ما أعرضوا عن تأييد الرسالة علماً أن تعاليمها تتطابق مع نهجهم وتصدق ما في كتابهم، ولهذا ذيل تعالى السياق بلعنهم المتفرع على كفرهم بما عرفوا من الحق.

فإن قيل: ما المقصود من قوله تعالى: (فقليلاً ما يؤمنون) الذي ورد في سياق البحث؟ أقول: في هذا التعبير إشارة إلى أن إيمانهم كان في الجملة لا بالجملة فتأمل.

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

 

     عبدالله بدر اسكندر  

abdullah badrhskandarلا تتأثر الأسس التشريعية بالمتغيرات الطارئة التي هي من صنع الإنسان وذلك لعدم اختلاف الأحكام التي نزلت بها الكتب السماوية، أما ما نشاهده من ملابسات عرضية فهذه وإن كانت توحي بأنها أحد أجزاء الدين إلا أن أسباب نشوئها ترجع إلى النزوات والرغبات التي يحدثها الإنسان الذي يريد أن يباعد بين المنهج الحقيقي وبين الأحكام الدخيلة التي لا تنسجم مع المنطق الإنساني الموحد الذي جاء به الرسل، ومن هنا نلاحظ أن الالتزام بشرع الله تعالى لا يكتب له البقاء إلا إذا ابتعد الإنسان عن التذبذب في المواقف، أما بخلاف ذلك فسوف تكون الأبواب مفتحة على مصارعها والأجواء مهيأة لانتشار الفساد في المجتمعات الدينية وبصورة أكبر من تلك التي نشاهدها في المجتمعات الأخرى، ولو تأملنا الأسباب المؤدية إلى هذا السلوك لوجدنا أن أهمها يكمن في التعامل الذي يخضع للأهواء الشخصية ولا يستند إلى المطالب التي ينادي بها الشرع، وهذا يعد من أهم الأسباب السلبية التي جعلت للتذبذب رواجاً لا مثيل له لدى المجتمعات الدينية ولهذا ترى أن ما يطبقه الحكام وأتباعهم من الدين لا يعتمد على التشريع الحقيقي الذي أنزله الحق سبحانه بل يتعدى إلى ما تمليه عليهم المصالح الآنية الخاصة التي لها اليد الطولى في ممارسة السلوك المتأرجح بين الحق والباطل، وأنت خبير بأن هذه الصورة السيئة لا يتحكم بها الجهل كما يظن كثير من الناس، وإنما يكون الدافع لإثارتها قد حصل نتيجة لسوء التقدير والميل عن الأخذ بالمقررات الشرعية ولذلك أصبح لأصحاب الشأن أحكام نافذة في تسيير الأمور على الشكل الذي يرتضونه، كما هو الحال في ممارسة العقوبات بعيداً عن التشريع، وإن شئت فقل إن تطبيقهم لنهج الله تعالى لا يعتمد على المفاهيم الدينية بل يتعدى إلى رغباتهم وميولهم كما أسلفنا.

فإن قيل: ما هي الأسباب التي تدعوهم إلى هذا الفعل؟ أقول: هناك أسباب كثيرة تدعوهم إلى هذا الفعل ولكن أهمها يقيد في المصالح الخاصة بهم والتي تجعل العالم مسيراً بأمر الحاكم مما يؤمن للأخير البقاء الوهمي في السلطة التي لا يرى طريقاً آخر للحفاظ عليها إلا باتباع هذا النهج، ولذلك ترى أن الاختلافات السافرة بين الرعية قد أخذت تشق طريقها إلى تفريق المناهج العلمية الموثقة التي يمكن أن تجانب تلك الأفعال مما يمهد الطريق لأولئك الناس في نشر الجهل وإبعاد الإنسان الذي يخالفهم الرأي عن أصل الإيمان، مع حفاظهم على التمسك بالدين على طريقتهم الشكلية التي لا تغني ولا تسمن من جوع، ومن هنا فقد وضع القرآن الكريم قاعدة عامة لجلب انتباه الناس لهذه الأفعال، وقد ورد ذلك في قوله تعالى: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) البقرة 85. وفي الآية توبيخ شامل لجميع الفئات الدينية التي تعمل على إيجاد المفارقات في التشريع، ولا يختص بمجموعة دون أخرى، إلا أن آيات البحث الذي نحن بصدده فيها نص قاطع وإشارة لا تقبل اللبس إلى ما كان يفعله بنو إسرائيل في تقويم هذا النهج المخالف لشرع الله تعالى، كما سيمر عليك من خلال تفسير آيات البحث.

وقفة مع آيات البحث:

قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون) البقرة 84. الآية تخاطب الأخلاف وتبين لهم ما كان يفعله الأسلاف، ولهذا أنزل سبحانه الكلام منزلة الخبر وليس الأمر، ولو كان في الآية ما يوحي بالأمر لقال لا تسفكوا بدلاً من لا تسفكون على النهي، والمعنى أنا قد بينا الأحكام لأسلافكم وأقروا بها، فإن كنتم تسيرون على نهجهم في نقض الميثاق فسوف تلاقون نفس النتيجة، وكما ترى فإن الكلام موجهاً إليهم بصورة تقريعية جامعة لأفعالهم وأفعال أسلافهم في آن واحد والمقصود من سفك الدماء، أي لا يسفك بعضكم دم بعض ويلحق بنفس المعنى إخراج أنفسهم من ديارهم حيث جعلهم كالجسد الواحد وذلك قياساً إلى الروابط النسبية التي تجمعهم، كما في قوله تعالى: (فاقتلوا أنفسكم) البقرة 54. وقد مر عليك معنى النفس الواحدة في تفسير الآية مثبتاً بالشواهد، وهناك وجه آخر ذكره المفسرون يقضي بعدم التعرض لقتال من يريد قتلهم والوجه ما قدمنا. والمقصود من إخراج أنفسهم أي لا يخرج بعضكم بعضاً من ديارهم وهو خبر بمعنى الأمر كما في لا تعبدون ولا تسفكون، ولهذا ذكر إقرارهم بهذا الشأن فقال عز من قائل: (ثم أقررتم وأنتم تشهدون) من سياق البحث. أي أقررتم بالميثاق وشهدتم على أنفسكم بذلك، وفيه إشارة إلى إقرار أسلافهم بالميثاق، ولهذا أنزل الأخلاف منزلة الشهداء على ما كان يفعل أسلافهم.

قوله تعالى: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) البقرة 85. الآية فيها نقلة نوعية من بيان فعل الأسلاف إلى فعل أخلافهم، أي بعد إقرار أولئك بالميثاق ونقضهم له، لم نجد منكم اعتذاراً لفعل أسلافكم ولكن وجدناكم تسيرون بنفس الاتجاه من قتل بعضكم بعضاً وإخراج فريقاً منكم من ديارهم، وهذا مخالف للميثاق المتخذ عليهم إلا أن المفارقة في ذلك أنهم يفادون من يقع في أيديهم من الأسرى سواء كان ذلك عن طريق تبادل الأسرى أو أخذ الفدية.

وروي أنهم كانوا فريقين فريق يقاتل مع الخزرج وآخر يقاتل مع الأوس، ولهذا حصل بينهم سفك الدماء وهو محرم عليهم في التوراة، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم تصديقاً لما أنزل عليهم في التوراة، ولهذا وبخهم الحق سبحانه بقوله: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) من سياق البحث. أي يفادي بعضكم بعضاً بحكم التوراة التي تحرم القتال فيما بينكم والإخراج من الديار، فكيف يحق لكم التفريق في الحكم، وهذا الفعل يقضي إلى الإيمان بالكتاب والكفر به في آن واحد.

قوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) البقرة 86. أي أولئك الذين آثروا حب الحياة الدنيا وأعرضوا عن نعيم الآخرة، فلا يخفف عنهم العذاب في الآخرة أو مطلق العذاب في الدنيا والآخرة ولذا توعدهم سبحانه بعدم النصر فتأمل.

 

خلاصة البحث:

البحث يشير إلى تناقض بني إسرائيل في مواقفهم حيث إذا استضعف قوم قوماً سفكوا دماءهم وأخرجوهم من ديارهم دون مراعاة للميثاق المأخوذ عليهم، إلا أنهم كانوا يؤمنون بالفداء نظراً إلى ما تقتضيه مصالحهم الخاصة، وهذا لا يعني أنهم يريدون تطبيق بند من بنود الميثاق أو فقرة من فقراته، وروي في أسباب النزول أن قريضة والنضير كانا أخوين فافترقوا فذهبت قريضة للقتال بجانب الأوس أما النضير فكانوا مع الخزرج علماً أن الأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان دون الاعتراف بالجنة أو النار، ولهذا خاطب الله تعالى اليهود بهذا الخطاب المتضمن للتوبيخ، فكأن الحق سبحانه يقول لهم كيف تقاتلون مع هؤلاء الكفار وتفترقون من أجلهم وأنتم أهل كتاب، ألا يوحي هذا الفعل بنوع من التذبذب.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

     عبدالله بدر اسكندر  

هذا البحث حيادي بإمتياز، ولا دخل له بما هو سائد من تدافع في سوق السياسة من مفاهيم ومصطلحات، والتي يقف عندها جماعة المسلمين يتنازعون ويتقاتلون، بل هو بحث موضوعي في مادة - اللفظ والمعنى -، آملين أن يتناول هذا البحث بالدرس والتحليل المفهوم اللساني والدلالي للفظي - السُنة والشيعة -، وهنا لا بد من القول: بأننا سنسير في بحثنا هذا حسب نصوص الكتاب المجيد، محاولين قدر المُستطاع التعرف على البنية المعرفية للنص من جهة اللفظ ومن جهة المعنى، وسنحاول في هذا الشأن توخي الحيطة والحذر لكي لا نحيد عن الحقيقة المعرفية في هذا الشأن وكذلك لكي لا نستعجل في الحكم، ودالتنا في ذلك كما هو معلوم كتاب الله المجيد ولغة العرب، وما يحكم به العقل الصريح وما يستنبطه من معاني ودلالات من الكتاب ومن الأدلة الفرعية، ولأن عنوان البحث يُراد منه تفكيك للجدلية الشائكة في - اللفظ والمعنى -، كان لا بد لنا من مراعاة للسياقات اللفظية والدلالية كما وردت في الكتاب المجيد، وكما تستخدم في لغة العرب ولسانهم، وللتذكير بموقفنا الدائم من قضيتي اللفظ والمعنى .

نقول: إننا نرفض فكرة - الترادف - ومقولتها الرائجة في الشعر والأدب، وترويج ذلك عنوة في المباحث الأصولية والفقهية من عهد الإمام الشافعي ومن تبعه في ذلك، ورفضنا لفكرة - الترادف - هو رفض للكيفية التي وضعت فيها المعاني وتبعثرت، والشعراء يقولون: الألفاظ هي معاني مركونة في - قلب الشاعر - وذلك حين يجيبون عن المعنى المُراد، لكن هذا القول: ممنوع في كتاب الله، لأن كتاب الله لا تتبعثر فيه المعاني وتضيع، بل تكون واضحة ومنسجمة مع طبيعة اللفظ وشكله ورسمه وما يُشار إليه بشكل جلي، وهذا هو إعتقادنا بكلمات الله ففيها الحقيقة واحدة غير مجزئة أو مضمرة أو مُبهمة أو قلقة، ولذلك جاء فيها قوله تعالى: - أفلا يتدبرون القرآن -، وصيغة التدبر هذه مقصودة ومُعينة و ليست رجراجة أو سائبة أو متروكة للأفهام، ولذلك لا يصح فيها - أن تقول ويقولون - كما لا يصح فيها - إن القرآن حمال أوجه -، هذا القول الباهت الغير مفهوم، ونسبته لعلي بن أبي طالب نسبة غير صحيحة تماماً، وذلك لأن القرآن له وجه واحد وليس وجوهاً عدة، ولهذا دعانا لتدبره والتمسك به، ومن هنا نحن نرفض دعوى الشافعي وقوله بالترادف، ونرفض جميع المقولات التي تحاول ليَّ المعاني تبعاً لتلك المقولة - .

ومن يقرأ كتاب الله المجيد و يتدبر آياته يجد البون شاسعاً، بين ما قال به أولئك البعض وبين ما أستخدمه الله في كتابه المجيد من إلفاظ ومعاني، ومن هذه الألفاظ والمعاني التي اَضطرب توظيفها وأستخدامها ودلالتها بين العامة، هو مصطلح لفظ - السُنة والشيعة -، والذي تقاتل بسببه الناس وأُريقت من أجله الدماء وأُنتهكت الأعراض، ولكي نوضح هذا الإلتباس سنحاول تقريب المعنى إلى ذهن القارئ العزيز .

ونقول إن: السُنة في لغة العرب تعني اللفظ الدال على الطريق وعلى المنهاج وعلى القانون، وهي في الإصطلاح الديني تدل على - الشريعة -، ويعني ذلك إنها ليست لفظاً دالاً على الأفراد أو الجماعات على النحو الخاص مطلقاً، ويعني هذا إنها: كمفهوم وكدلالة تعني الطريقة التي يتبعها أو يسير عليها جماعة من الناس، و سواء أكانت هذه الطريقة صحيحة أو خاطئة، وبحسب هذا المعنى لا يصح إطلاق لفظ السُنة على الأفراد والجماعات و الأتباع لا وصفاً ولا توصيفاً - فلا تكون هي جماعة أو مجموعة أفراد - ويكون معنى - أهل السُنة والجماعة - من هذه الجنبة لا معنى له مطلقاً بل ولا يصح، وقد أعتبرها الأصولي دالة على:

- قول المعصوم وفعله وتقريره -، وهذ ا الإعتبار بالضبط هو إضافة فيها الكثير من الوهن بلحاظ الصحة والتوثيق والدقة وجهة الصدور، ولهذا فهي عندنا محل نظر، وقد ناقشناها هناك وبتفصيل ما في مباحثنا الأصولية، ولمن أراد مزيد بيان نُحيله إلى هناك إلى موقعنا .

وأما السُنة في كتاب الله المجيد: - فقد وردت بمعنا واحد ألاَّ وهو - القانون أو النظام -: نقرأ ذلك في سورة الأحزاب: - سُنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسُنة الله تبديلا -، ونقرأه كذلك في سورة الإسراء: - سُنة من قد أرسلنا قبلك من رُسلنا ولا تجد لسُنتنا تحويلا - 77، فقد ورد اللفظ دالاً على القانون الإلهي الثابت الممتنع على التغيير والتبديل، ومن هذا اللفظ ومعناه نفهم: إن سُنة الله ليست أشخاصاً تابعين، بل هي نظاماً من القوانين يجب مراعاته والعمل بموجبه، هذا النظام يعمل به الأفراد بعد الإيمان به، والوصف هنا في شأنية العمل وصف بالتبعية للقانون، ولا يكون الأشخاص جزءاً منه مهما بلغوا .

وسُنة الله: - هي ليست سُنة النبي أو المعصوم، ولذلك لا يجوز أن يشترك في صناعتها و تكوينها، بدليل إن المطلوب من الجميع بما فيهم الأنبياء إتباع هذه السُنة والسير وفق متطلباتها، ويعني هذا: إن سُنة الله: دالة على قانونه وشريعته وعلى طريقته ونهجه في الحياة، وقد دلت النصوص على ثبوت هذه السُنة وعدم التبديل فيها أو التحويل من قبل الإنسان، وبما إنها أرتبطت بالله لذلك أستحال تبدلها وتغيرها، والكلام عن - الثابت والمتغير - كلاماً يصح فقط فيما يُنسب إلى الإنسان من قوانين وأنظمة يصوغها، وهذه الجدلية ترتبط بموضوعة الإيمان نفسه، والذي هو يقين يستقر في القلب والعقل، ولا يصح الإيمان من غير وعي ودراية وفهم، وذلك لأن الإيمان المرتبط به الثواب والعقاب لا يكون إلآَّ بالعمل .

وفي جانب أخر نقرأ في الكتاب المجيد قوله تعالى: - للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهُم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سُنة الأولين - الأنفال 38، و

النص كما هو واضح يركز هنا على القانون، ولا شأنية للأفراد فيه، بدليل إن معنى اللفظ في - سُنة الأولين - في السياق حكاية عن قانون الأولين أو نهجهم أو طريقهم، ولم يركز النص على الأولين من حيث بشريتهم، بل ركز على طريقتهم وعلى نهجهم، وذلك واضح في التركيز والإشارة على سنتهم وفعلهم دون شخوصهم، ولا يخفى ما بين ذلك من تفاوت بين لفظ - سُنة الأولين - و- الأولين -، فالأول مقصود والثاني متروك بحسب سياق النص والدلالة .

وللتدليل على ذلك أستخدم النص لفظ - سُنة الأولين - في مجال الإيمان كما في قوله تعالى: - لا يؤمنون به وقد خلت سُنة الأولين - الحج 13، كما أستخدمها هناك في ساحة الكفر، وفي كليهما دلالة اللفظ واحدة أو قل معناهما واحد، ولكنه في سورة الكهف يُبين إن المعرفة في صيغة الإيمان والمعرفة في صيغة الإستغفار مرتبطة بما تقدمه المعرفة المسبقة من خلال قانون الأولين أو - سُنة الأولين -، قال تعالى: - وما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ قُبُلًا - الكهف: 55، ولم نرى فيما مضى من اللفظ ودلالته على أن - سُنة الأولين - هم الرجال الأولين أو الناس الأولين بل إن اللفظ دال على القانون الذي سار عليه الأولين أو جرى عليهم، و

في سورة الأحزاب وفي سورة غافر تحدث النص عن القانون في صيغة - سُنة الله -، التي سادت وجرت على الناس من قبل كما في قوله تعالى: - ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سُنة الله في الذين خلوا من قبل -، ولو تأملنا النص فلا يخرج الكلام فيه عن القانون وعن النظام الذي جرى على النبي مثله في ذلك مثل بقية الخلق هي سُنة الله في الذين خلوا من قبل

، - فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ - غافر: 85

ا، وأكاد

أجزم أن ليس في الكتاب المجيد ولا نص واحد يدل أو يشير إلى إن المُراد أو المعني من كلمة - سُنة - هم فئة من الناس أو جماعة من الناس، بل الكلام في الكتاب المجيد في هذا اللفظ وبمختلف السياقات التي جاء بها، يتكلم عن القانون سواء في صيغته الإلهية أو القانون الذي ساد بين البشر، ومعلوم بالضرورة إن القانون شيء والناس شيء أخر، وفي ذلك يتبين عدم صحة إطلاق وصف القانون أو السُنة على جماعة من الناس، ومن تسموا بذلك من باب التسامح فهي تسمية مغلوطة لا تنسجم مع طبيعة اللفظ ودلالته وأنساقه .

وهنا نقول: أن تصف جماعة من الناس بأنها هي: - السُنة -، على نحو من الإستخدام والتوظيف والتسمية والإطلاق، فهو شيء خاطئ ومجافي للمُراد من المعنى والتركيب في الكتاب المجيد، وكما قلنا فالتسامح اللفظي هنا يمنعه المعنى المُراد منه، إذ لا ينسجم ذلك مع مُراد النص في الكتاب ولا ينسجم مع ما جاء من معنا صحيح في لغة العرب التي تمنع ذلك، ولا تجعل من القانون تابعاً ومتبوعاً في نفس الوقت، فنقول هذه الجماعة هي السُنة - أي هي القانون - وبنفس الدرجة هي تتبع السُنة بمعنى تتبع ا

لقانون - هي القانون وهي تتبع القانون - وكما ترون طبيعة هذا التركيب وضحالته، وتعالوا نتلوا بعض ما ورد في كتاب الله وكيف استخدم هذا اللفظ ووظفه، قال تعالى: - قد خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ - آل عمران: 137، وقال تعالى: - إستكباراً

 

فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّت الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّت اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّت اللهِ تَحْوِيلًا - فاطر: 43

2 6قال تعالى: -

يًريدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - النسا ء

 

والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان ألاَّ وهو: إن لم يصح إطلاق - السُنة - على الأفراد والتابعين، فمن أين جاء القول بمصطلح - أهل السُنة والجماعة - ؟ .

والجواب: إن إطلاق لفظ السنة على الأفراد غير صحيح لغةً وهو غير صحيح بحسب ما ورد من نصوص في الكتاب المجيد، وهذا الذي بيناه ولكن إضافة لفظ - أهل .... والجماعة - إلى السُنة، ليست ذات معنا مفيد، ثم إنها إضافة تاريخية تحكي عن ذلك الصراع الذي كان بين أهل العقل وبين أهل الحديث، فتسموا أهل الحديث بأنهم أهل السُنة، والمُراد بهذه التسمية في حينها أي التابعين للسُنة وليس هم السُنة، ثم تفنن اللاحقين لأولئك بجعل هذه التسمية في مقابل الرافضين لهم من أهل الفرق الأخرى، فهي عندهم ضد الشيعة وضد الأباضية وضد المعتزلة والماتريدية والظاهرية، وجعلوا من هذا التشكيل كفرقة معينة على خلاف باقي الفرق، بل تطرف البعض منهم ليدعي إنه الفرقة الناجية وصيغة في هذا الإتجاه جملة من الأخبار المنسوبة كذباً إلى رسول الله - ص -، وهذا التطرف هو من أسس لاحقاً هذا التطرف الذي يعيشه العالم، وهو من أنتج لنا هذه المنظمات التي تخرب نظام الحياة وتكتم على المسلمين أنفاسهم تحت بند قولهم: - إنهم أهل السنة والجماعة، ذلك المصطلح الذي وظفته السياسة في عصر المتوكل العباسي ليكون أسماً لمسمى فرقةً من المسلمين، وعنها وفي سبيلها قالوا: إنها الفرقة الناجية أو الفرقة المنصورة، وقد حاول المُنتجين لهذا المصطلح أو اللاحقين بهم قد جعلوا هذا المصطلح في مقابل مصطلح الشيعة أو التشيع، وهذه مُغالطة إصطلاحية ولغوية ومبنائية، وقد حمل البعض هذا المنتج من الأقوال ما لا يحتمل، وقد زاد البعض في الإمعان من خلال نسبة ذلك القول منهم لعبدالله بن عباس، مع ظننا القوي إن هذه النسبة غير صحيحة، كما إن دفع الألفاظ لتصب في غير محلها أو تحميلها ما لا تحتمل دفع غير محمود، وهذا التحميل الزائد قال به أبن كثير في تفسيره لقوله تعالى: - يوم تبيض وجوه وتسود وجوه - آل عمران 106، مع إن دلالة النص تتحدث عن خواتيم عمل الناس في المطلق وعن مطلق الفعل، وذلك في إشارة لمن يفعل الخير ومن يفعل الشر، وهذا هو ظاهر الكلام وأما معناه فمعلوم، وهو يندك في مضمون قوله - فمن يعمل مثقال ذرة شر يره ومن يعمل مثقال ذرة خير يره -، ولو طبقنا مقياس الألباني في ذلك وغيره من شيوخ الحديث، لأصبح عندنا معنى جماعة أهل الحديث أو التابعين لهم مطلقاً ليسوا هم أهل - السثنة - لا صفة ولا موصوفاً، بدليل إن السُنة شيء والتابع لها شيء أخر، والتابعين أو الأتباع من جهة التركيب هو لفظ دال على معنى الشيعة أو التشيع، ودليلنا إلى ذلك كتاب الله المجيد وأستعمالاته ولغة العرب وأستخدامات ألفاظها، ثم إن تلبيس لفظ ما معناً أخر مغاير له هو من البدع المنهي عنها حسب ماورد في صحيح الخبر .

 

 

وأما الشيعة: فهي لفظ عام ودلالته تكون على جماعة المسلمين وعامتهم، فهم التابعين أو الأتباع بالفعل لدين الله وسُنة نبيه، والإتباع المقصود: هنا هو ذلك الذي يكون على النحو العام بالإعتبار والتبعية، و على هذا تكون - الشيعة - ليست فرقة من الناس بالمفهوم المتعارف في مقابل الفرق الأخرى، و هذا ما يدُل عليه اللسان العربي حين يُعرفها بقوله إنها: أسم جامع يصح أطلاقه على الواحد و على الاثنين وعلى الجمع و المذكر و المؤنث وبلفظ واحد و معنى واحد، و هي في الإصطلاح: ذلك الأسم الذي غلب أستعماله على جماعة من الناس، توالي علياً وتتبع وتعتقد بآراءه وأفكاره !!، وتغليب هذا الأستعمال على الأصل إنما جاء بفعل تأثير العامل السياسي، ولكن الأصل في اللفظ وفي معناه تكون دلالته دالة على العموم وعلى كل من أتبع النبي ورسالته، وقد دل الكتاب المجيد على ذلك، بقوله تعالى: - وإن من شيعته لإبراهيم - الصافات 83، أي إن من التابعين والموالين له - إبراهيم -، أي إن النص يتحدث عن تابعيته لنوح فيما دعا له وفيما سار عليه، وإبراهيم هنا هو الفرد الواحد التابع لسنة وطريقة نوح في عبادته وفي سلوكه في الحياة، والواحد من الأتباع يصح إطلاق لفظ الشيعة عليه إعتباراً، والشيعة في الأصل تعني الوحدة في الولاء للدين والوحدة في الإعتقاد، وأما التعدد فيها فهو تعدد في الولاء وفي التابعية وقد أعتبره الله تفريقاً وعَّده ممنوعاً، كما يظهر بقوله تعالى: - إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم .. - الأنعام 159، والخطاب في النص واضح في تضمنه لمفهوم الوحدة، ولكن وبما الأتباع هم بشر يجري عليه القانون العام في معنى قوله - وكذلك جعلهم -، أي جعل فيهم قابلية الإختلاف وهذه القابلية في المطلق ممكنة بل هي ظاهرة وجودية تتعلق بالطباع والأمزجة والعقول وحتى في التكوين، وكذلك تكون في الدين نفسه حينما يحوله الأتباع إلى مذاهب كما هو ظاهر النص في سورة الأنعام، ويكون من جهة الملة والقومية كما نقرأ ذلك في قصة موسى قال تعالى: - فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه ... - القصص 15 .

وخلاصة القول: فكل من تابع أحد أو وآلاه فهو من شيعته، وعلى هذا الإعتبار فكل من تابع أو أخذ من سيرة الشيخين فهو شيعي وتابع لهم وهكذا، وأما من يدعي بإن الشيعة هي بدعة !!، فهذا قول مردود والشيعة ليست رفضاً، كما لا يصح إعتبار الرافضين لخلافة أبي بكر هم الشيعة، لأن ذلك التصنيف سياسي بإمتياز وهو قول ركيك ولا يستند إلى منطق علمي غير التنابز والتنازع الممنوعين، وفي المطلق لا يجوز إخراج لفظ الشيعة مما وضع له في الأساس، وبأنهم الأتباع مطلق الأتباع، ولهذا تكون دلالته على من تبع النبي محمد - ص - وسار على نهجه فهو الشيعي - دلالة ومفهوم - .

إن تفكيك الإشكالية المُصطنعة لمفهوم - السُنة والشيعة - يكون من الأولويات خاصة في ظل هذا التهريج والإدعاء والتقاتل، أعني إنه ليس ترفاً أدبياً إنما هو حرص عقلي وأمانة علمية تهدف لترتيب الأوراق و تسمية الأشياء بمسمياته، وتلك غاية بحد ذاتها، وكلامنا هذا نمارسه هنا لنتعلم كيف يجب ان نبدأ ؟، وكما قلنا في المقدمة إن هذا البحث حيادي وموضوعي، ونسعى فيه لتوجيه أنظار الشُعب المسلمة لتدارك أخطائها وخطاباتها في الأسماء والمسميات، كما نطلب من القراء الأعزاء: أن ينظروا لهذا البحث بعيداً عن المطبات السياسية والمنعرجات التاريخية والتراثية، ويجعلوه في محله الذي كُتب من أجله، وأُهيب بالمشتغلين الإبتعاد ما أمكن عن السائد من خطابات التنابز والتكفير والتفسيق التي يكون الفاعل فيها والمُريد سياسي دائماً وبإمتياز .

وخاتمة الكلام: إن الشيعة هم الأتباع وهم الناس، وأما السُنة فهي الطريق وهي النظام وهي القانون، وبين التابع والطريق جدُ فارق لا يخفى على المُتتبع في كتاب الله ولغة العرب، وعليه يكون كل المسلمين شيعة وإن لم يتسموا، وأما إطلاق لفظ - السُنة - على جماعة من البشر فهذه من البدع المنهي عنها، والعكس صحيح ...

abdullah badrhskandarيخضع الإنسان لمجموعة من العوامل المؤثرة في سلوكه سلباً أو إيجاباً ولذلك فهو يتأرجح بين الصبر والجزع، فإن صبر على ضر مسه وأظهر خلاف ما يبطن كان من الذين يجزون على هذا الفعل لأن الله تعالى لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا في حالات خاصة، كالظلم الواقع على النفس عند نفاد صبرها، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بقوله: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعاً عليماً) النساء 148. وكما هو ظاهر فإن الآية مسوقة لتعليم الإنسان مدى صبره على كتمان الأقوال السيئة التي يواجه الآخرين بها، إلا أن الاستثناء الوارد في قوله تعالى: (إلا من ظلم) النساء 148. هو استثناء منقطع أي أن هناك رخصة للإنسان بأن يجهر بالسوء من القول بحق من ظلمه دون الاعتداء السافر، وفي الآية ما يبيح حق إظهار الظلم وإن كان العفو هو الملاك، ولذلك عقب سبحانه بعد هذه الآية بقوله: (إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفواً قديراً) النساء 149. وفي منطوق الآيتين تأكيد على سمو الصفات الحميدة والتي من أهمها العفو عند المقدرة، ولهذا وضع تعالى السبب موضع المسبب في قوله: (فإن الله كان عفواً قديراً) النساء 149.

وبناءً على ما تقدم يظهر أن حق الإنسان في الكلام لا يمكن أن يلازمه في جميع أحواله وتصرفاته، أو أن يتلفظ بما يشاء من القول لأن ذلك يفسد الروابط الاجتماعية بين الناس وبالتالي تحل الصفات الذميمة محل الصفات الحميدة، ومن هنا نستطيع معرفة السبب الذي من أجله أشار القرآن الكريم إلى اجتناب الظن أو التجسس والاغتياب، ووصف هذه الأفعال بأجزل بيان وذلك في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم) الحجرات 12. ولهذا نرى أن القرآن الكريم يجمع بين الإحسان الفعلي وبين ما يرادفه من الإحسان القولي، فإن كان الأول يشق على الإنسان وجب عليه التستر في القول وإظهار ما يسر الآخرين، لأن التعامل بين الناس يعتمد على الظاهر في أغلب الحالات، وقد ورد عن النبي ما يبين هذا المعنى وذلك في قوله (ص) "لو تكاشفتم ما تدافنتم" وهذا يؤكد أن هناك مواقفاً كثيرة قد تسوء الإنسان في علاقاته مع الآخرين إلا أن اتخاذه الأسلوب الحسن في التعامل يجعله في المنزلة الرفيعة، أو بعبارة أخرى يمكن القول إذا تعذر عليه الفعل فمن المناسب أن يظهر الإحسان بالقول، وقد ورد هذا المعنى عن أبي الطيب المتنبي في قوله:

لا خيل عندك تهديها ولا مال... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال

وروي إن لم تسعد الحال لأن الحال يذكر ويؤنث، ويشهد لتأنيثه قول عمر بن أبي ربيعة:

فبتنا بتلك الحال إذ صاح ناطق... وبين معروف الصباح فصدقا

من هنا نعلم أن الميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل كان متضمناً للإرشادات الفعلية والقولية في آن واحد كما سيمر عليك في تفسير آية البحث.

وقفة مع آية البحث:

قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسناً وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون) البقرة 83. فصل القرآن الكريم الميثاق مع بني إسرائيل وبينه بطريقة أشمل بعد أن تطرق إليه في الآيات السابقة بصورة مختصرة، وقد علمت من خلال كتابنا هذا أن الميثاق يتضمن القواعد الثابتة للدين وهي نفس القواعد التي نزل بها القرآن الكريم إلا أنهم تنكروا لها وتركوها وراء ظهورهم، ولو تأملت تلك القواعد ستجد أنها لا تخرج عن النداء الإيماني الذي يدعو إلى توحيد الله تعالى وما يترتب على ذلك التوحيد من استقرار المبادئ الإنسانية المشتملة على العلاقات والمعاملات بين أبناء البشر على اختلاف مللهم ونحلهم وهذا ما أقره الدين وبنى عليه الروابط الاجتماعية، ومن هنا نرى أن الحق سبحانه قد فرع هذه الروابط على عبادته، ولذلك وجه الأمر الإرشادي إلى بني إسرائيل بطريقة أكثر تفصيلا كما هو ظاهر في التعاليم التي ذكرت في الميثاق والمتضمنة للإحسان بالوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين وصولاً إلى خطاب الناس بالقول الحسن المترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بعد ذلك أشار إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة باعتبارهما المقوم الأهم في الجمع بين الخضوع والتسليم لله تعالى.

من هنا يظهر أن بني إسرائيل لم يراعوا هذا الميثاق حق رعايته ولهذا وجه الحق سبحانه الخطاب إلى المؤمنين وذلك بسبب الإعراض الصادر عنهم ولم يلتفت إليهم إلا في الحالات التي تحتاج إلى التوبيخ والتقريع، كما في قوله: (ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون) من آية البحث.

فإن قيل: إذا كان إيجاد الولد لا يعتمد على علة فعلية وإنما يحصل ذلك بسبب مجموعة من الدوافع التي تنشأ من الوالدين وأغلب تلك الدوافع لا تخضع لإرادتهما كالشهوة الجنسية، إضافة إلى أن هناك من لا يرغب بالإنجاب إلا أنه يحدث لديه دون إرادته فكيف يأمر الله تعالى الأولاد بالإحسان للوالدين؟ أقول: السبب الرئيس الذي يقضي بوجوب الطاعة للوالدين يعتمد على إبقاء الرابطة الأسرية على تمامها دون الميل إلى ما يعكر صفوها، ولما كان الوالدان هما السبب المباشر في تربية الأولاد بعد إيجادهم وفي حالة ضعفهم وكذا المراحل الأخرى التي لا يملكون فيها القدرة على رعاية أنفسهم فمن الطبيعي أن يوجه الأمر بالإحسان إليهم، ولا يخفى عليك بأن هذه الأسباب كفيلة برد الجميل إلى أهله بغض النظر عن الرابطة الدموية فتأمل.

فإن قيل: وماذا عن الحنان الفطري المتبادل بين الآباء والأبناء وما يلحق بهما؟ أقول: ما نشاهده من الحنان المتبادل بين الآباء والأبناء أو بين الإخوة نزولاً أو صعوداً يخضع للتسخير الطبيعي الذي أودعه الله تعالى في الفطرة التي أنشأها وذلك لأجل استمرار الحياة دون إفراط أو تفريط، علماً أن هذا الحنان لا يقتصر على الإنسان بل يمتد ليشمل جميع الكائنات الأخرى، ولما كان هذا الحب الفطري طاغياً أكثر لدى الآباء نجد أن الأمر الإلهي بالإحسان لم يوجه إليهم لأنه تحصيل للحاصل وإنما وجه للأبناء، وهذا ظاهر من ارتقاء النص مباشرة من الوالدين إلى ذي القربى واليتامى والمساكين دون الإشارة إلى الأولاد.

فإن قيل: لمَ جمع الله تعالى بين توليهم وإعراضهم ألا يوحي هذا السياق بالتكرار باعتبار أن من يتولى عن أمر معين يكون معرضاً عنه؟ أقول: قد يتولى الإنسان عن شيء ما مع الأخذ بالاحتياط في حالات خاصة إلا أن المشار إليهم في سياق البحث لم يكونوا بهذا المستوى الذي يؤهلهم للرجوع عن الإعراض بعد توليهم ولذلك جمعوا بين الأمرين دون التمكن من الرجعة الاختيارية، ولهذا السبب كان توبيخهم فتأمل ذلك بلطف.

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

 

     عبدالله بدر اسكندر  

 

abdullah badrhskandarالأسباب الداعية إلى إنزال الكلام منزلة المقدس ترجع إلى الحجج التي تثار من قبل أصحاب الشأن الذين وجدوا أنفسهم في المكانة الرفيعة دون وجه شرعي أو استحقاق فعلي لما هم فيه من خصوصيات بعيدة عن الأحكام المشرعة من الحق سبحانه أو القانون الوضعي، ولذلك فقد تظهر النتائج أو العوامل المساعدة لاستمرار هؤلاء في نهجهم على غير المألوف، ومن هنا فقد تصاب المجتمعات بالغفلة تلو الأخرى إذا ما قيست تلك النتائج إلى ما يملى على ضعاف الناس من قوانين حافظة لحقوقهم، وأنت خبير بأن فقرات هذه القوانين لا تخرج عن كونها بيانات عرضية لا يطالها التطبيق وذلك نظراً لوجود الأرضية المناسبة التي كان يطمح إليها أولئك العلماء أو الطغاة الذين أصبح لديهم نفوذاً لا مثيل له وقدرة لا حدود لها في تجريد الناس من جميع مستحقاتهم مع نسبة ذلك إلى الله تعالى دون مراعاة لحرماته، ولهذا تجد لأفعالهم الحظ الوافر في التصديق عند بثها في نفوس العامة من الناس الذين لا يسعهم التحقق من صحة ما عرض عليهم جراء البيان اللفظي الذي لا يستند إلى دليل من الواقع المعاش أو الكلام الذي يجدونه مكتوباً بطريقة لا تقبل اللبس الذي اعتاد عليه المتسلطون على رقاب الناس.

فإن قيل: ما هو الدافع المساعد لاستمرار هذا الفعل؟ أقول: الدافع الأقوى لهذا الفعل لا يتعدى إلى أكثر من إحدى الحالات التي يرى الطغاة أو العلماء من خلالها أن لهم حقاً تأريخياً أو دينياً يجعلهم في المكانة الرفيعة التي تهيئ لهم أسباب التحكم بمصير الناس أو الحصول على عرض زائل أو مطمع من مطامع الحياة الدنيا كالسيادة أو الجاه، ومن هنا كانت لديهم بعض الحجج التي تنسب إلى ما يتوافق مع نهجهم أو إلقاء عبء أفعالهم على عاتق التشريع الذي لا يكون للضعاف نصيب في فهم مقرراته، ولذلك كان اتخاذهم لفن التحريف هو المنقذ الأكبر لما هم فيه من التسلط حتى وصل بهم الأمر إلى قولهم إن هذا الفعل هو من عند الله، وهذه الكتابة الحافظة لحقوق الآخرين لا يمكن أن يكون مصدرها إلا من السماء، وهذه هي الطريقة المثلى التي اتبعوها في خداع عامة الناس، ولا يخفى على المتأمل بأن هذا الاتجاه سوف يضفي على أفعالهم صفة الشرعية التي ليس لها ما يبررها إلا التسليم الأعمى من قبل المغفلين من الناس، وهذه المنزلة تعد من المنازل التي لا تفوقها منزلة في الكذب على الله سبحانه، ولهذا كان الوعيد من سنخ أعمالهم التي قدموها للآخرين وذلك بسبب ما كتبت أيديهم وبسبب ما كسبوا من تلك الكتابة التي نسبوها للحق جل شأنه.

وهذا المثال لا ينطبق على أمة بعينها ولا على فئة خاصة بل يتعدى إلى جميع المكونات البشرية في كل وقت ومكان، وما تطرق إليه القرآن الكريم من وصفٍ لظاهرة من ظواهر أهل الكتاب ما هو إلا مصداقاً لهذا الفعل الذي تطرقنا إلى بيان تفاصيله، علماً أن لهذا المصداق خصوصية تجعله في قمة الأفعال البغيضة التي تجنى أصحابها على أحكام الله تعالى، وذلك بسبب إخفاء صفات النبي الخاتم (ص) وإيهام الناس بإظهار صفات أخرى بعيدة عن صفاته الحقيقية، وهذا ما يفهم من الوعيد الذي توعدهم به الحق سبحانه وتعالى كما سيمر عليك من خلال تفسير آيات البحث.

وقفة مع آيات البحث:

قوله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) البقرة 79. الآية الكريمة فيها إشارة إلى قسم آخر من بني إسرائيل فبعد أن كان الحديث عن الأميين الذين كان همهم نشر الفتن والأكاذيب بين الناس دون دراية أو فهم لما يتلقونه من علمائهم، انتقل السياق إلى هؤلاء الذين يقومون بنفس الفعل الذي كان يفعله الأمييون إلا أن أفعالهم لم تأت عن عدم فهم لما ينشرونه، ولذا فهم يكتبون ما يحرفون من الحق إلى الباطل بأيديهم ثم ينسبون ذلك إلى الله تعالى، ولذا توعدهم سبحانه بتكرار الويل، وكما ترى فإن سبب هذا الفعل يرجع إلى حصولهم على الثمن الذي وصفه القرآن الكريم بأنه ثمن قليل وذلك لتحقير شأنه قياساً إلى ما عند الله تعالى من الثمن الذي وعد به عباده المؤمنين.

فإن قيل: الكتابة لا تكون إلا باليد فلمَ هذا التكرار؟ أقول: أنزل الكلام منزلة التأكيد، وهذا كثير في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: (يقولون بأفواههم) آل عمران 167. وكذا قوله: (ولا طائر يطير بجناحيه) الأنعام 38.

قوله تعالى: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون) البقرة 80. جمع الله تعالى في هذه الآية غرورهم الذي هو سبب انحرافهم ثم رد عليهم بما يناسب أقوالهم التي يرجع سببها إلى ما كانوا يدعونه من التفوق على جميع الأجناس البشرية ولهذا السبب كان اعتقادهم بأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة لأنهم شعب الله المختار، ولذلك أمر الله تعالى نبيه (ص) بأن يخاطبهم كما في سياق الآية أي هل كان بينكم وبين الله عهد ينقذكم من النار، أم تقولون على الله أقوالاً لا تستند إلى علم، فالآية تريد أن تبين لهم عدم صدق أقوال أسلافهم، ولذا عقب سبحانه بنتيجة هذا الفعل وذلك في قوله: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) البقرة 81. وكما ترى فإن منطوق الآية يدل على إبطال قولهم السابق بأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة، والسيئة المشار إليها في الآية فيها تخصيص يناسب أقوالهم ولذلك عطف عليها إحاطة الخطيئة، وكأن الخطيئة قد أحاطت بأفعالهم فلن تترك لهم مجالاً في الرجوع إلى قول الحق، والآية نظير قوله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون) الجاثية 23.

قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) البقرة 82. هذا التذييل يفيد تعقيب الإنذار بالبشارة، وهو ما دأب عليه القرآن الكريم في ذكر التحلية بعد التخلية.

فإن قيل: ما معنى الويل الذي ذكر في سياق البحث؟ أقول: ذكر المفسرون أن للويل عدة معاني منها:

أولاً: إنه جبل من نار.

ثانياً: إن الويل واد يجري بفناء جهنم ويتكون من صديد أهل النار.

ثالثاً: الويل باب من أبواب جهنم.

رابعاً: يقصد من الويل شدة الشر.

خامساً: المشقة بسبب العذاب.

سادساً: الويل يعني الحزن.

سابعاً: دعاء يقال عند الإشراف على الهلاك.

وعندي أن الويل إذا كان من الله تعالى فهو تهديد ووعيد، وإذا كان من الإنسان فهو أقرب إلى الدعاء الذي يقال عند الشدة والكرب.

ويشهد للأول قوله تعالى: (ويل لكل أفاك أثيم) الجاثية 7. وكذا قوله: (ويل يومئذ للمكذبين) المرسلات 15. سورة المطففين 10. وقوله تعالى: (ويل للمطففين) سورة المطففين 1. وكذلك قوله: (ويل لكل همزة لمزة) الهمزة 1. وقوله: (فويل للمصلين) الماعون 4.

ويشهد للثاني قوله تعالى: (ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) الكهف 49. وكذا قوله: (قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين) الأنبياء 14. وقريب منه الأنبياء 46. القلم 31. وقوله تعالى: (فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا) الأنبياء 97. وقوله: (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) يس 52. وكذلك قوله تعالى: (وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين) الصافات 20. وكذا قوله: (قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب) المائدة 31. وقوله تعالى: (قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً) هود 72.

ومنه قول امرئ القيس:

ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة... فقالت لك الويلات إنك مرجلي

وله أيضاً:

له الويل إن أمسى ولا أم هاشم... قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا  

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

     عبدالله بدر اسكندر  

abdullah badrhskandarالمقدمات الإجمالية لمعرفة الدلالات العلمية تعتمد على شقين أحدهما يرجع في تكوينه وبيان نتائج أعماله الملموسة إلى الفطرة التي ليس بوسعها التخلف عن الاستقلال الذاتي المصاحب للإنسان، وثانيهما يتمثل في التقليد والرجوع إلى أصحاب الخبرة في الأعمال الخارجة عن فهم الإنسان سواء كانت مادية أو معنوية وهذا من الأسرار الكامنة في العقل البدائي، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال الأسئلة الكثيرة التي يوجهها الطفل إلى الآخرين وهو على يقين من حصول الإجابة منهم وغالباً ما يتحقق له ذلك نظراً إلى بداهة الأسئلة التي يعرضها والتي لا تحتاج إلى تجربة أو دراسة عملية وإن شئت فقل هي أقرب إلى العلم الحضوري لدى من يوجه إليه السؤال، وهذا المثال يقودنا إلى ما هو أكثر بعداً عن تفاصيل الحالات المتقاربة مع المعاني التي أشرنا إليها، وذلك يدلل ومن غير لبس على أن الإنسان قد جبل على أخذ العلم الحصولي من أصحاب الخبرة في كل شأن من شؤون حياته وفي جميع القضايا الخارجة عن مداركه العلمية أو فهمه القاصر، ولا يجحد هذا الأمر إلا أصحاب التفكير السطحي الساذج مع ملاحظة الفرق بين المسلمات الخارجة عن بحثنا وبين ما نحن فيه، علماً أن التقليد أو اتباع الآباء لا يستقيم الركون إليه في جميع الحالات فتأمل.

من هنا نعلم أن الاعتماد على العقل لا يمكن أن يكون دليلاً على معرفة الأحكام التشريعية الموحى بها من الله تعالى، وربما تكون العلل مخالفة للحكمة في كثير من الأوامر الإلهية ولذلك يجب ملاحظة مدى تفرع تلك الأوامر على إيجاد السبيل الأقوم لكي يصل الإنسان إلى النتائج المرادة من الأحكام، ولا يخفى على المتلقي أن معرفة عدد ركعات الصلاة وتعيين أوقاتها وكذا الأحكام الأخرى ليس في معرفة أسبابها كثير فائدة، ومن الجهل الذي لا مثيل له نرى أن بعض الدخلاء على العلم يريد أن يجعل للصيام مجموعة من الفوائد فنجده بين فترة وأخرى يوجه الدعوة للناس لأجل أن يبين لهم الحكمة من هذا الفرض ومدى تعلق تلك الفوائد بصحة الإنسان، علما أن الله تعالى لم يبين إلا علة واحدة وهي التقوى المرادة من جميع الأعمال التي يقوم بها المكلف بغض النظر عن علمه بالحكمة من عمله أو خلافه، ولو كان الأمر كما يدعي الدخلاء الذين أشرنا إليهم لقسّم الناس إلى مجموعات لا حصر لها وفي هذه الحالة يكون نصيب كل قسم منهم مخالف لنصيب القسم الآخر في التشريعات، وهذا الفعل يكاد يتقارب مع من يحدد علة النكاح بالإنجاب، ولو سلمنا بصحة ذلك لحرم زواج العقيم فتأمل.

من بعد هذه المقدمة نصل إلى أن بني إسرائيل أرادوا معرفة العلة الكامنة في نوع البقرة التي أمروا بذبحها، ولذلك شددوا في طلب صفاتها ولونها فشدد الله تعالى عليهم، ولو سلموا بقبول الأمر الموجه إليهم من الوهلة الأولى لقضي الأمر في مدة قصيرة ودون جهد، وللمفسرين مسالك متعددة في أسباب اختيار البقرة المعهودة من أرادها فليراجع المطولات، وكما هو ظاهر فإن هذه هي القصة البارزة في هذه السورة ولذلك سميت سورة البقرة بهذا الاسم.

فإن قيل: هل أسماء السور توقيفية أم أنها مما تواضع عليه الصحابة عند الجمع؟ أقول: أسماء السور غير توقيفية على الرغم من أن هناك روايات تنسب تسميتها للنبي (ص) كما ورد عنه من أمر كتّاب الوحي أن يضعوا كذا آية في السورة التي ذكرت فيها البقرة أو التي ذكر فيها الرعد وهكذا، إلا أن هذا لا يثبت أن الأسماء توقيفية، ولو كانت كذلك لما ورد لبعض السور أكثر من اسم، كما هو الحال في التوبة التي تذكر في بعض المصاحف باسم براءة، أو غافر التي من أسمائها المؤمن، وكذا يطلق على سورة محمد سورة القتال، وهذا يبعد الشك من أن هذه الأسماء توقيف من الله تعالى لأن ما ينزل به الوحي لا يحتمل أكثر من وجه فتأمل.

ملخص القصة:

هذا هو الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي ذكرت فيه هذه القصة، ويظهر فيها وبلا مراء مدى العناد المتلبس في بني إسرائيل وكيفية تعاملهم مع الأنبياء وتكذيبهم لما يصدر منهم، وفي القصة دليل على الإحياء بعد الإماتة وهذا أهم ما في الحادثة، وملخصها أن هناك حالة قتل حصلت لرجل من بني إسرائيل دون أن يعرف القاتل مما أدى إلى نزاع بين القبائل أي إن كل قبيلة تتهم الأخرى بالقتل، ولهذا كان توجههم إلى موسى من أجل أن يقضي بينهم وذلك لعدم توفر الأدلة الموصلة إلى معرفة القاتل، وكما لا يخفى على أحد من عدم علم الأنبياء بالغيب فقد لجأ موسى إلى الله تعالى لكي يبين له من هو القاتل، وهذا يعد السبب المباشر في أمرهم بذبح البقرة دون الحكمة الخافية عليهم والتي أشرنا إليها وهي إمكانية إحياء الموتى، ولو استجاب هؤلاء وذبحوا بقرة من سائر البقر دون تعيين لما مكثوا فترة من الزمن دون الوصول إلى معرفة القاتل، ولكنهم شددوا فشدد الله تعالى عليهم كما سيتضح من السياق.

وقفة مع آيات البحث:

قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) البقرة 67. كان الخطاب في الآيات السابقة مع بني إسرائيل إلا أن الحق سبحانه لمّا شرع في قصة البقرة انتقل إلى خطاب النبي (ص) ثم انتقل إليهم في آخر القصة أي في الفصل الذي ختمت فيه، وكأن التوبيخ ظاهر في نتيجة الفعل الذي صدر عن أسلافهم، وهذا النوع من الانتقال يسمى بالالتفات سواء كان من الخطاب إلى الغيبة أو العكس، كما في قوله تعالى: (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) يونس 22. ولم يقل وجرين بكم وذلك بسبب الالتفات إلى النبي (ص) في إكمال الكلام لعدم فهمهم لمجرياته وكذا عدم استحقاقهم للخطاب، ويقابل هذا المعنى قوله تعالى: (عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهوراً) الإنسان 21. ثم انتقل إلى خطابهم بقوله: (إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً) الإنسان 22. وأنت خبير بأن الالتفات إليهم يبين مدى علو شأنهم ومنزلتهم فتأمل.

وبالرجوع إلى موضوع البحث نرى أن موسى (عليه السلام) يعوذ بالله أن يكون من الجاهلين، لأن ما يأمرهم به ليس من باب الاستهزاء وإنما هو أمر الله تعالى، ولذلك قال تعالى حكاية عنهم: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) البقرة 68. فأجابهم موسى كما في قوله: (قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون) البقرة 68. ولا يزالون في ريب من أمرهم ولذا قالوا (ربك) ولم يقولوا ربنا، ومن هنا بين لهم موسى صفات أخرى للبقرة فقال إنها بقرة لا كبيرة ولا صغيرة وإنما عوان أي متوسطة بين الصفتين، والعوان هي التي تأتي بالمرحلة الثانية، ولذلك يطلق العرب على الحرب الثانية حرب عوان، ولم يكتف هؤلاء بالصفات المذكورة فأرادوا معرفة لونها، كما في قوله تعالى: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها) البقرة 69. فأجابهم موسى نقلاً عن قول الحق سبحانه: (قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين) البقرة 69. أي إنها حسنة الصفرة لا يشوبها لون آخر، وليس في الآية دليل على أن اللون الأصفر يسر الناظرين في كل وقت وعلى أي شيء وجد كما يدعي بعضهم وإنما الإشارة إلى هذه البقرة التي أصبحت معهودة بعد أن شددوا في أمرها، ثم بعد ذلك أرادوا البحث عن صفات أخرى للبقرة فقالوا كما في قوله تعالى: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون) البقرة 70. فأجابهم موسى نقلاً عنه سبحانه: (قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها) البقرة 71. وأخيراً قال تعالى نقلاً عنهم: (قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون) البقرة 71. والمقصود أنها بقرة غير مذللة لحرث الأرض أو سقيها وخالية من العيوب. وكما هو ظاهر فإن قولهم الآن جئت بالحق يدلل على مدى عجزهم عن مجاراة القصة ولذا شرعوا في قبول ما عرض عليهم، علماً أن ذلك لم يكن في رغبتهم بدليل قوله تعالى: (فذبحوها وما كادوا يفعلون) البقرة 71.

وبعد أن عثر بنو إسرائيل على البقرة لخص الله تعالى الحادثة في آيتين، وذلك في قوله: (وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون... فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون) البقرة 72- 73. ثم بين تعالى صفاتهم وقسوة قلوبهم من بعد هذه الحادثة في قوله: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون) البقرة 74. وكما هو مبيّن فإن الله تعالى قد جمع في هذه الحادثة أمر إظهار القاتل، وكذلك بيّن لهم القدرة على إحياء الموتى الذي لا يتناسب موضوعه مع أفكارهم بل مع أفكار كل من يجحد هذا الأمر، ولهذا وصفهم سبحانه بقساوة الحجارة ثم ترقى في الوصف إلى ما هو أشد من ذلك مبيناً إن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله، ولكن قلوبهم لا يمكن أن تمر بهذه المراحل فتأمل.

فإن قيل: لمَ أشار تعالى بـ (ذلك) إلى المتعدد في قوله: (عوان بين ذلك) البقرة 68. علماً أن ذلك يستعمل للمفرد؟ أقول: استعمال الإشارة والضمير للمفرد بمعنى الجمع أمر شائع في لسان العرب، كما في قوله تعالى: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سؤاتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير... ثم قال... ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون) الأعراف 26. وقريب منه الكهف 17.

ومنه قول الشاعر:

فيها خطوط من سواد وبلق... كأنه في الجلد توليع البهق

ولم يقل كأنها فتأمل.

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

 

   عبدالله بدر اسكندر    

رهانات الأصل والمآل، الصدفة والنظام، اللانهاية والحدود، النسبية والإطلاق، الزمان والمكان اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر.

 

1 ــ

منذ أن ظهر الوعي وملكة التفكير والتأمل، التي ميزت الإنسان عن غيره من الكائنات، والبشر يفكرون ويطلقون العنان لمخيلتهم، ويعبرون عنها فلسفياً ودينياً وعلمياً. تبلورت التساؤلات الوجودية حول أربع مفردات جوهرية هي: كيف ولماذا وأين ومتى؟ . وهي ترتبط بالوجود وما فيه من موجودات، مادية وغير مادية، ظاهرة وخفية، واقعية ووهمية، حقيقية ومتخيلة.

لماذا نحن موجودون وما الغاية من وجودنا؟ ما علة وجود الكون الذي نعيش فيه وهل هناك شيء ما وراءه؟هذا في حالة كونه محدود ونهائي. ولكن هل له أصل وبداية ومصير ونهاية؟ أم هو أزلي وأبدي أو سرمدي؟ هل هو مخلوق أم موجود بلا بداية ولا نهاية؟ هل للصدفة وجود فاعل ومؤثر أم كل شيء خاضع لنظام دقيق للغاية؟ هل سيفنى الوجود أم هو خالد؟ لماذا يوجد شيء ما بدلا من لاشيء؟ ولماذا يكون الكون على ما هو عليه وكما يبدو لنا ظاهرياً وليس على نحو مختلف؟ من أين جاء الكون وكيف ومتى ولماذا؟

هناك إجابات نسبية، وأخرى تدعي الإطلاق. وهناك نظريات وفرضيات علمية عديدة، ومعتقدات ثيولوجية وخرافات وأساطير، مشاهدات وحقائق نسبية وأوهام كثيرة, وهناك قوانين علمية كونية جوهرية وأديان ومعتقدات مختلفة، تصدت كلها لتقديم إجابات على هذه التساؤلات التي أقلقت مضجع البشرية على الأرض، وربما أيضاً مخلوقات ذكية وعاقلة أخرى تجوب الفضاء الكوني تبحث هي الأخرى عن سر وجودها وربما سبر أغوار سر الوجود نفسه.   وها هو الانسان أمام معضلة اللانهاية الكونية وعليه أن يقرأ ويفهم ويفك طلاسم ما يمكن أن نسميه "الأسس الجوهرية للمقاربة الكونية عند العامة من البشر كما عند العلماء والمتخصصين".

منذ فجر الإنسانية وتشكل المجتمعات، سواء البدائية منها أو المتحضرة، نجد فيها وفي الأديان التي حكمتها أموراً وقصصاً وحكايات ونصوص تتعلق بالكون. وفي الماضي السحيق كان الموضوع مرتبط بالسلطة الكهنوتية والوحي الذي تمليه وترسله الآلهة أو الإله الواحد، فالسماء في حقب تاريخية كثيرة كانت في نظر البشر مليئة بالآلهة والأبطال الأسطوريين المنحدرين من تلك الآلهة ومعهم كم هائل من العفاريت والوحوش الهائلة والكائنات الخارقة وبالتالي أعتقد البشر آنذاك أن العالم والكون وطريقة سيره ما هو إلا نتيجة مباشرة لقوى خارقة للطبيعة. فكانت بعض الشعوب في الصين على سبيل المثال يؤمنون بوجود وحش كبير ومرعب يبتلع الشمس ليفسروا عملية الكسوف وكانوا يقيمون احتفالات ويحثون ضوضاء كبيرة وضجة عالية لإرعاب الوحش وإخافته كي لا يبتلع الشمس إلى الأبد وعندما تشرق الشمس ثانية يعتقدون أنهم نجحوا في طقسهم هذا ولم يكن معروفا لديهم بالطبع أن الكسوف مرتبط بدوران القمر حول الأرض ودوران الإثنين حول الشمس. وكان أكثر ما يثير حيرة البشر وخوفهم على مر العصور هو المجهول والموت وما بعد الموت والحياة وسرها والأصل والمصير واللانهاية.

 

ما هي اللانهاية؟

قال الفيلسوف والشاعر الألماني العظيم غوته : "يجب أن نحلم بالمستحيل لتحقيق كل ما هو ممكن".أما غاليلو غاليله فقد قال: إن كتاب الطبيعة مكتوب بلغة الرياضيات ويقصد بالطبيعة هنا الفيزياء الكونية.

بين الأعوام 1623 و1662 عاش الفيلسوف الفرنسي باسكال وقال جملته الشهيرة:" إن الصمت الأبدي لهذه الفضاءات الممتدة إلى اللانهاية يرعبني".

فالإنسان ضائع بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر. فأصغر جسيم في الكون هو الوتر وهو أصغر بكثير من الكوارك وقياسه هو 10-33 من الملليمتر أي إن الإنسان في هذا الكون المرئي هو بمثابة اللاشيء أو هو أقرب إلى العدم منه إلى الوجود، فما بالك لو قارنته بالكون المطلق الحي اللانهائي الأبعاد، الذي يعتبر كوننا المرئي، بما يحتويه من مئات آلاف المليارات من المجرات والحشود المجرية والنجوم والكواكب والغازات والسدم والعناقيد المجرية، ليس أكبر من مجرد جسيم صغير غير مرئي هو أقرب إلى اللاشيء منه إلى الكينونة. في هذا الإطار وحده يمكننا أن نتحدث عن اللانهاية المتعددة الوجوه .

بين الأعوام 1878 و1955 التي عاش فيها عالم الرياضيات إدوارد كسنر، زار مدرسة إبن أخيه الابتدائية وكتب على السبورة رقم واحد ويليه مائة صفر ملأت السبورة وطلب من التلاميذ إعطاء إسم لهذا الرقم فلم يتردد الطفل ذو التسعة أعوام أن يقول إنه الغوغول، وهو الإسم الذي استوحاه مصممو محرك البحث الشهير غوغل للدلالة على لا نهائية المعلومات التي يمكنه أن يختزنها في الشبكة العنكبوتية. ثم ابتكر عالم الرياضيات نفسه رقما مهولاً آخر هو عشرة أس عشرة أس مائة 10100 10، ولو وضعنا في كل نصف سنتمتر صفر أمام الواحد فسوف نحتاج إلى مسافة تفوق نصف قطر الكون المرئي وسماه العالم الغوغولبليكس Googlplex، وهذه المسافة بالمقاييس الفيزيائية هي ما يعادل الــ 47 مليار سنة ضوئية، أي ما يقطعه الضوء بسرعة 300000 كلم في الثانية الواحدة خلال 47 سنة وهناك ما هو أكبر من هذا العدد بكثير يستمر إلى اللانهاية لذلك يقول علماء الرياضيات أن المجموع: 1+2+3+4+... "يتباعد" حتى اللانهاية. ولو وضعناها في كلمات فضفاضة أكثر، نقول أن هذا المجموع للأرقام المتتالية "يساوي" اللانهاية.

ومن هنا يمكننا القول أن اللانهاية هي كينونة رياضية لايمكن للبشر تصورها أو إدراكها أو استيعاب حقيقتها. ولقد دخل مفهوم اللانهاية الرياضياتية إلى الوعي البشري بفضل الفلاسفة الإغريق في القرن السادس قبل الميلاد، وتجدر الإشارة إلى أن التفكير الرياضي كان موجوداً قبل ذلك بزمن طويل في الحضارات الهندية والصينية والبابلية والمصرية، حيث كانوا يستخدمون الرياضيات لغايات عملية تطبيقية وحسابات نفعية كما كان الحال في إنشاء الإهرامات على سبيل المثال. لكنهم لم يتطرقوا من قبل لهذا المفهوم التجريدي، أي اللانهاية. ومن البديهي القول أن مفهوم اللانهاية ينطوي على الكثير من المفارقات التي أشار إليها الفيلسوف الإغريقي زينون في الأعوام 495 و435 ما قبل الميلاد وهو تلميذ الفيلسوف الإغريقي الفذ بارمينيدس الذي عاش في الأعوام 495 و440 قبل الميلاد الذي كان ينادي بفلسفة الديمومة ويرفض مفهوم التطور، فالعالم من وجهة نظره موجود منذ الأزل وسيبقى إلى الأبد وهو لا نهائي فلا بداية له ولا نهاية وأي تغيير يحدث ما هو إلا وهم.

الكون المرئي هو المكان الأنصع الذي يتجلى فيه مفهوم اللانهاية . فلو كان الكون لانهائياً في مساحته وأبعاده سوف نواجه معضلة العودة السرمدية حيث لكل واحد منا على وجه الوجود سيكون له عدد لامتناهي من النسخ أو الأشباه وفق مبدأ التكرار الدائم وحسب أطروحة تعدد الأكوان والأكوان المتوازية. وكان التقدم التكنولوجي والعلمي الذي تحقق في العقود الأخيرة قد أضفى معنى جديد على مفردة اللانهاية فلم يعد الأمر يقتصر على كون واحد هو كوننا المرئي الذي نعيش فيه ونعرفه، بل على عدد لامتناهي من الأكوان المتوازية والمتداخلة والمتجاورة والتي تتواجد في حيز لامحدود ومذهل هو الكون المطلق السرمدي الأزلي والأبدي الذي لابداية له ولا نهاية، الكون الحي الدائم التطور. فالتفاعل الحاصل بين النهائي واللانهائي يفرز حتماً، نظرياً ورياضياً على الأقل، تناسخ الموجودات، لاسيما عندما نجهل الشكل الهندسي للكون المرئي الذي يبدو مسطحاً وممتداً غلى اللانهاية في حين تقول لنا نظرية النسبية لآينشتين أن الكون محدب أو منحني وبالتالي لانعرف هل لهذا الكون المرئي أو المنظور أطراف وحدود ونهايات معلومة. للخروج من هذا المأزق التنظيري اقترح العلماء أن يكون كوننا المرئي محدوداً كروي الشكل كأنه فقاعة وسط عدد لامتناهي من الفقاعات ــ الأكوان أو الفقاعات الكونية تتداخل وتتفاعل وتتجاور فيما بينها داخل حيز كوني مطلق لامتناهي ومن تصادمات تلك الفقاعات تنشأ باستمرار أكوان جديدة وانفجارات عظيمة جديدة ومتكررة على غرار الانفجار العظيم البغ بانغ الذي أولد كوننا المرئي أو المنظور، كما تخبرنا بذلك مباديء الفيزياء الجوهرية وقوانين الفيزياء الكمومية أو الكوانتية والفيزياء النسبوية اللتان تتعاطيان مع اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر. وهناك محاولات علمية محمومة للتوفيق والتوحيد بين النظريتين، الكمومية والنسبية، للوصول إلى النظرية الموحدة الشاملة .

 

الصدفة أم التنظيم الفائق؟:

أما الصدفة فهي مفهوم مجرد وذو معاني متعددة. فهي موجودة في حياتنا اليومية ونعزو لها الكثير من الأحداث، ولكن هل للصدفة وجود حقيقي في هذا السيناريو الكبير لكوننا المرئي بعد مرور 13.825 مليار سنة من الانفجار العظيم وما زلنا نطرح هذا السؤال؟.

من الذرة وما دونها إلى النجوم وما فوقها، نجد أن الواقع الذي يحوطنا ما هو إلا لغز مهول كما قال ذلك آينشتين سنة 1954 لصديقه العالم بيسو. والحال أن هذا الكون المرئي يقوم بكل ما في وسعه لكي يدفع جزء من مكوناته العاقلة والذكية الحية، أي البشرية، لكي تفهمه وتفك طلاسمه عبر كم من الرسائل المشفرة والألغاز والأحاجي والقوانين الظاهرة والمضمرة والثوابت الكونية الدقيقة، وكل ما تمكن منه الإنسان هو أن يتساءل : هل كل ما هو موجود يعتمد على الصدفة المحضة أم يخضع لنظام دقيق وعميق لا نعرف كنهه لحد الآن؟ . هناك بالفعل تناسق وتصميم عظيم ومذهل وشامل وهارمونية مدهشة تتجلى في تصميم الإنسان نفسه من أصغر خلية فيه إلى أعقد جزء من تركيبته ألا وهو الدماغ مما يدل على نظام غاية في الدقة والتحكم، وهذه هي الذريعة التي يتمسك بها أتباع نظرية الخلق الإلهي المباشر les créationnistes لا سيما في الأديان السماوية الثلاث الرئيسية. هناك الصدفة العادية التي نصادفها في حياتنا في كل يوم وهذه لاتحدث أي تأثير على مجريات الكون المرئي ولا تغير شيئاً في مجراه ومصيره أو ديمومته. فالصدفة النسبية قد تؤثر وقد لا تؤثر في حياة الإنسان . فلو عثر أحدكم صدفة على قطعة نقد بقيمة يورو فسوف لن تحدث تأثيرا عميقاً على مصيره إلا في حالات استثنائية جداً وكل مايمكنه أن يفعله بها هو شراء رغيف خبز إذا كان جائعاً ولكن لو عثر على علبة تحتوي على مليون يور فبالتأكيد سيكون لذلك المبلغ الكبير شأن مهم ومؤثر على قادم الأيام بالنسبة للشخص الذي يعثر عليه وسيغير حياته ومشاريعه كلياً. أما الصدفة على المستوى الكوني فلا وجود لها وإن وجدت ظاهرياً فهي في حقيقة الأمر نتاج لعملية معقد من الحسابات والقوانين المتضافرة التي أدت إلى حدوثها على نحو حتمي في مكان وزمان معينين. بمعنى آخر أن الكون المرئي والكون المطلق والوجود برمته لم يوجدوا بمحض الصدفة.

 

معضلة الزمن:

كان العلماء، ولغاية بداية القرن العشرين وظهور نظرية النسبية لاينشتين، يعتقدون أن الزمن كينونة مستقلة ومكون جوهري للوجود مستقل ولا يؤثر عليه شيء. وبقي لغزاً محيراً لاسيما فيما يتعلق بمجراه وصيرورته، فهو ينطلق باتجاه واحد لا يمكن عكسه كما كانوا يعتقدون. إلا أن النسبية أوضحت لنا ماهية أخرى للزمن وتفاعله في وحدة كونية واحدة أسماها آينشتين " الزمكان" ما يعني أنهما شيء واحد بطبيعتين متميزتين يمكن أن يتحول أحدهما للآخر فيما لو توفرت شروط معينة . وإن اتجاه الزمن لايظهر أو يبدو واضحاً للإدراك إلا بتواجد الحرارة. فالحرارة ماهي إلا ترددات إحصائية لشيء ما بما في ذلك " الزمكان الآينشتيني" في حين نجد أنه لاوجود للزمن في النظرية الثقالية الكمومية أو الكوانتية الحلقية أو التعاقبية la gravité quantique à boucles .. وبالتالي يطرح التساؤل ذاته عبر العصور، ماهو الزمن وما هو مجراه؟

كانت هذه الإشكالية مطروحة في الفيزياء الكلاسيكية وتعاطت معها الفلسفات والأديان خاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين، وأصبحت مسألة عويصة وحادة في الفيزياء المعاصرة في القرن الواحد والعشرين. فالفيزياء تصف العالم بطريقة الصيغ الرياضية والمعادلات التي تقول لنا كيف تتنوع الأشياء وفق تنوع عامل الزمن . وبالإمكان كتابة صيغ تصف تنوعات الأشياء حسب تنوع موقعها أو تنوعات الذوق والطعم. لماذا يبدو الزمن بالنسبة لنا وكأنه يجري بمعزل عنا وبالرغم منا؟ وبالتالي ماذا يعني " الحاضر " بالنسبة لنا والماضي والمستقبل كذلك؟

لا يوجد في الفيزياء شيء يتعلق بفكرة " الآن" . ولنقارن " الآن" بــ " هنا" فهذه الأخيرة أي الــ " هنا" تصف مكان أو موضع يتواجد فيه المتكلم . وبالنسبة لشخصين مختلفين فإن كلمة " هنا" تشير إلى مكانين مختلفين . لهذا فإن مفردة " هنا" يعتمد معناها على الموقع الذي تلفظ فيه حيث يتواجد من ينطقها. أما مفردة " الآن" فتشير للزمن الذي يتواجد فيه من يتكلم، بمعنى آخر بالنسبة لحالتين مختلفتين فإن " الآن" تشير إلى زمنين مختلفين، ومن هناك نعتقد أن التشابه بين " الآن" و" هنا " كبير. ولكن نحن نقول أن الأشياء الموجود هي تلك التي توجد " هنا" لأننا نراها ونلمسها وندرك وجودها بحواسنا. فماضيها لم يعد موجوداً من الناحية المادية ومستقبلها لم يحن بعد، في حين لايوجد من يقول أن الأشياء " هنا" موجودة والأشياء التي ليست " هنا" غير موجودة. ففي مدينة بوردو لايوجد برج إيفل وهذا لايعني أننا يمكن أن نستنتج أن البرج غير موجود. لماذا إذن يحق لنا أن نقول أن الأشياء التي هي " الآن" موجودة وليس غيرها؟ فهل الحاضر أمر موضوعي، أو شيء يجري، ويجعل الأشياء موجودة الواحدة بعد الأخرى، أم هو فقط أمر ذاتي مثل الــ " هنا" ؟

الفيزياء الحديثة تناولت هذه الإشكالية بجدية لأنها باتت ملحة لأن نظرية النسبية أثبتت لنا أن مفهوم " الحاضر" مفهوم ذاتي هو الآخر . فعلماء الفيزياء والفلاسفة المعاصرون توصلوا إلى استنتاج أن فكرة " حاضر معلوم في كل الكون" ما هي إلا وهم، وإن الجريان العام للزمن هو تعميم تعسفي. ولقد كتب آينشتين في تأبين أحد أصدقائه المقربين وهو ميشيل بيسو قائلاً " لقد غادر ميشيل هذا العالم الغريب قليلاً قبلي. وهذا لا يعني شيئاً، فالناس العاديين الذين يعتقدون بصحة الفيزياء والعلم يعلمون أن التمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس شيء آخر سوى وهم متأصل فينا". وبالرغم من هذا التشخيص من قبل هذا العقل العبقري فلايوجد ما يوضح أو يشرح لنا حقيقة أن الزمن بالنسبة لنا نحن الناس العاديين " يجري" أو " يمضي" وهو أمر بديهي بالنسبة للشخص فأفكارنا وأقوالنا موجودة في الزمن وبنية لغتنا تنطوي على جوهرية عامل الزمن وضرورته فالشيء بالنسبة لنا إما " كان" أو هو " كائن الآن " أو " سيكون" . يمكننا تخيل عالم بدون ألوان أو بدون مادة بل وربما بدون مكان ولكن من الصعب جداً تخيل عالم بدون زمن. ولقد أشار الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر إلى أننا " نسكن الزمن" . هل يمكن أن يكون جريان الزمن الذي قصده هيدغر وقدمه كأولوية، يكون غائباً في الوصف الجوهري للعالم؟ بعض الفلاسفة، ومنهم أتباع هيدغر، استنتجوا أن الفيزياء عاجزة عن وصف الجوانب والملامح الأكثر جوهرية للواقع وجردوها من هذه القابلية، بصفتها طريقة معرفة خادعة. ولكن مع مرور الوقت أدركنا أن توقعاتنا الآنية وحدسنا كانا غير دقيقين ولو بقينا معتمدين عليهما لبقينا إلى اليوم نعتقد أن الأرض مسطحة وأن الشمس هي التي تدور حولها . فحدسنا ناجم عن تجربتنا المحدودة . ولو نظرنا إلى أبعد قليلاً لاكتشفنا أن العالم ليس هو كما يبدو لنا ظاهرياً . فالأرض كروية وأن الناس التي تعيش في استراليا أقدامها إلى الأعلى ورؤوسها إلى الأسفل بالنسبة لنا، وهم لايشعرون بذلك . فليس من الحكمة الركون للحدس الآني أكثر من النتائج الناجمة عن الاختبار الجماعي والعقلاني الدقيق والذكي . فمن أين جاءنا هذا الإحساس بمرور وجريان الزمن؟ قدم لنا العلم بداية لتقفي الأثر بغية التوصل لإجابات علمية مقنعة وذلك عن طريق الربط بين " الزمن والحرارة" حيث لا يحدث اختلاف وتميز بين الماضي والمستقبل إلا في حالة وجود تدفق حراري، وذلك بسبب أن الحرارة مرتبطة بالاحتمالات في الفيزياء وهذه مرتبطة هي الأخرى بدورها بحقيقة أن تفاعلاتنا مع باقي مكونات العالم لا تميز التفاصيل الدقيقة للواقع، الذي هو أعقد بكثير مما يبدو لنا في الظاهر.

فجريان الزمن أمر فيزيائي ولكن ليس في إطار الوصف الدقيق لحالة الأشياء، بل في الإطار الإحصائي والترموديناميك، أي الديناميك الحراري. وبالتالي فإن الترموديناميك هو المفتاح للغز الزمن. فالحاضر لا يوجد على نحو موضوعي بقدر عدم وجود " هنا" موضوعي. فالتفاعلات، على المستوى الميكروسكوبي، للعالم تؤدي إلى انبثاق ظواهر زمنية لنظام ما " نحن على سبيل المثال"، لا تتفاعل إلا مع" ربوات" أومع كم من المتغيرات.

فذاكرتنا ووعينا يتم تطويرهما على هذه الظواهر الإحصائية. وبالنسبة لذهنية متقدة تنظر عميقاً وترى مجمل الأحداث والظواهر، لا يوجد زمن " يجري" وإن الكون ليس سوى كتلة واحدة من الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد. ولكن هذه النظرة الثاقبة التي ترى كل شيء في نفس الوقت هل هي ممنوعة،كما يعلمنا الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، حيث ليس عبر التفاعلات تتجلى الأشياء؟ فنحن الكائنات الذكية الواعية والمفكرة نسكن الزمن لأننا نرى فقط صورة ملطفة للعالم. ومن ضبابية رؤيتنا للعالم يأتي إحساسنا بمرور وجريان الزمن ليس إلا. وماذا بعد؟ لم تتضح الفكرة كما ينبغي.

قام العالم الفيزيائي البريطاني الفذ ستيفن هاوكينغ بحسابات مضنية وصعبة ومعقدة في هذا المجال مستنداً إلى معطيات ومعادلات ورياضيات الميكانيك الكمومي أو الكوانتي ونجح في أن يظهر يثبت لنا أن الثقوب السوداء دائماً " ساخنة" وتبث حرارة على غرار مدفأة البيت الحرارية هذا هو المؤشر الأول للمكان أو الفضاء الساخن رغم أنه لايوجد شخص راقب أو رصد هذه الحرارة لأنها ضعيفة جداً في الثقوب السوداء الحقيقية التي نرصدها في الفضاء بيد أن حسابات هاوكينغ مقنعة جداً، وتمت مراجعتها وتدقيقها عدة مرات وبمختلف السبل حتى صارت حرارة الثقوب السوداء حقيقة علمية معترف بها من قبل العلماء. والحال أن حرارة الثقوب السوداء ما هي إلا تأثير كمومي أو كوانتي effet quantique على شيء أو على الثقب الأسود الذي هو ذو طبيعة ثقالية . إن الكمومات أو الكوانتات الفردية للفضاء، أي الحبيبات الأولية للمكان أو الفضاء اللامتناهية في الصغر، أو " ذرات الفضاء أو المكان" التي، بترددها، تقوم بتسخين واجهة الثقب الأسود. وهذه الظاهرة تتضمن في آن واحد الميكانيك الساكن الإحصائي والنسبية العامة وعلم الحرارة. وإذا بدأنا نفهم شيئاً ما بخصوص الثقالة الكمومية أو الكوانتية التي تجمع بين عدة قطع من اللغز فإننا لا نمتلك بعد أية مسودة لنظرية قادرة على الربط بين القطع الثلاث لمعرفتنا الجوهرية عن العالم ألا وهي الكم أو الكوانتا، والثقالة أو الجاذبية، والترموديناميك، ومازلنا لا نفهم كيف ولماذا تحدث هذه الظاهرة . فحرارة الثقب الأسود قد تكون حجر الأساس لصياغة نهائية من ثلاث مكونات كونية جوهرية وهي: الكونتا أو الكم والجاذبية أو الثقالة والترموديناميك بانتظار فك شفرتها أو ترميزها لكي تخبرنا عن حقيقة جريان الزمن وكيف ولماذا.

بعد هذه المقدمة يتعين علينا الآن إلقاء نظرة أولية عن حقيقة الكون المرئي ومفهوم تعدد الأكوان:

بنيت المقاربة البشرية للوجود على الهرم المعرفي الذي يستند على ثلاث دعامات منذ ظهور الوعي البشري إلى يوم الناس هذا. وهذه الدعامات هي العلم والفلسفة والثيولوجيا، ولكل منها تفرعاتها. فالفلسفة هي التأمل والتساؤل حول المسائل الوجودية والغوص في المطارحات الفكرية على مر التاريخ ولها رجالاتها وتاريخها ومدارسها الفلسفية للوصول إلى حقيقة ما، والثيولوجيا نعني بها كافة الأديان السماوية والوضعية والمعتقدات الواقعية والماورائية أو الغيبية، وهي الأخرى لها تاريخها وأساطيرها وأبطالها وأنبياءها ورسلها ومؤسساتها التي حكمت وما تزال تحكم البشرية وتدعي أنها وحدها التي تملك الحقيقة المطلقة، وتمتلك سر الحياة والموت وما بعد الموت، لأنها مرتبطة بالسماء وبالخالق الأعظم، أما العلم فله فروعه المتعددة، كالرياضيات والبيولوجيا والكيمياء والفيزياء، وهذا الأخير، أي علم الفيزياء هو الذي سنركز عليه لأنه هو الأداة التي تعاطت مع المقاربة الكونية لدى البشر ودخلت في صراعات عنيفة مع الدعامتين الأخريين المشار إليهما أعلاه أي الفلسفة والثيولوجيا فيما يتعلق بمفهوم الوجود والكون.

 

فما هو الكون؟

تعني مفردة "الكون" (univers) كل ما هو موجود، فهي تشمل المكان والزمان الماديين، وهذا الأمر يفرض علينا سؤالًا مضمونه هل هناك شيء ما خارج الكون؟ أي هل يمكن أن يكون هناك أكثر من كون؟. من المؤكد أن كل كون آخر يجب أن يكون جزءًا من كل ما هو موجود أي جزء من كينونة مطلقة، وبالتالي، لا بد أن ينتمي إلى "الكون الأشمل أو المطلق.

 

الكون الذي نعيش فيه هو الكون المرئي:

في البداية، لنلق نظرة على ما نعتبره "كوننا" وهو الكون المرئي الذي نعيش فيه وندرسه ونتعامل مع قوانينه المادية الجوهرية. يعتقد العلماء وباختصار شديد أن بداية كوننا المرئي كانت في "الانفجار العظيم" (Big Bang) وذلك قبل حوالي 13.8 مليار سنة. في ذلك الوقت، كان الكون يتمتع بدرجة حرارة وكثافة مرتفعتين للغاية، وعندما بدأ الكون يبرد بعد الانفجار العظيم، بدأت المادة بالتشكل، وانتهى بها المطاف أن تتجمع مكونةً الكواكب، والنجوم، والمجرات التي نراها اليوم.

لا يمكننا رؤية الكون المنظور والمرصود كله، وذلك لأن الضوء يستغرق وقتاً في سفره عبر الفضاء قادماً من المجرات أو النجوم البعيدة، بسرعة ثابتة هي 300000 كلم في الثانية، حتى إن بعض هذا الضوء لم يتسن له الوقت الكافي ليصل إلينا بعد. يتكوّن "الكون المرئي" من جميع مناطق الكون التي يمكن للضوء أن يصل منها، وذلك منذ حدوث الانفجار العظيم حتى اليوم. وهذا هو الجزء من الكون الذي يمكننا رؤيته بشكل أساسي إذا كانت لدينا المُعدّات المثالية اللازمة لرصد ذلك الضوء.

تبلغ المسافة بيننا وبين حافة الكون المرئي في هذه اللحظة حوالي 41.4 مليار سنة ضوئية. قد يبدو الأمر غريباً في البداية، فإذا كان عمر الكون 13.8 مليار سنة ضوئية، فيجب أن تكون المسافة الممتدة حتى حافة الكون المرئي هي نفسها المسافة التي يستطيع الضوء أن يقطعها خلال 13.8 مليار سنة (والتي تبلغ بالطبع 13.8 مليار سنة ضوئية). ولكن الحقيقة هي أن الكون في توسع، حيث تتحرك النجوم والمجرات مبتعدة عن بعضها البعض، وقد كان إدوين هابل (Edwin Hubble) أول من لاحظ هذا التوسع في عشرينيات القرن الماضي، كما أظهرت الأرصاد التي أجريت في تسعينيات القرن العشرين أن المعدل الذي يتوسع به الكون في تسارع، وبسبب هذا التوسع، فإن المسافة القصوى التي يمكن للضوء أن يكون قد قطعها منذ الانفجار العظيم تتجاوز 13.8 مليار سنة ضوئية، قدرتها الحسابات الفلكية بــ 41.4 مليار سنة ضوئية تقريباً.

ما الذي يوجد وراء حافة الكون المرئي؟ وماذا حدث قبل الانفجار العظيم؟. من المحتمل أن الكون كان موجوداً قبل الانفجار العظيم، وربما كان في حالة انكماش وقتئذٍ، بدلاً من حالة التوسع. كما أننا لا نعلم ما هو الشكل الكلي للكون.

قد يكون امتداد الكون غير نهائي، كما أنه قد يكون منتهياً، ولا تعني الحالة الأخيرة هذه أن للكون حافةً، فهذا سيكون غريباً؛ ﻷنه لو كانت هناك حافة، فيتوجب أن يوجد مكانٌ ما بعد هذه الحافة، وهذا المكان يجب أن يكون بالتأكيد جزءاً من الكون، لكن الأمر المحتمل هو إمكانية أن يكون الكون المرئي منتهي الامتداد دون أن تكون له حافة، ويشبه ذلك سطح الكرة الذي يمتلك مساحةً منتهيةً (يمكنك طلاؤها بكمية منتهية من الطلاء)، ولكنك لن تقع أبداً عن حافةٍ ما بينما تتجول على هذا السطح.

 

أكوان أخرى:

ماذا نعني إذاً بالأكوان "الأخرى"؟ هناك فكرتان رئيسيتان يجدر ذكرهما هنا. أولهما هي عن "الأكوان المتعددة" (multivers). ﻷسباب مختلفة، فإن من المنطقي أن نعتبر الكون مؤلفًا من مناطقَ مختلفة كلٌ منها معزول عن الآخر، ولكن تحكمها قوانين فيزيائية مختلفة، وفي هذه الحالة، يكون كوننا مجرد منطقة واحدة من هذه المناطق، وهو يكبر كما تكبر فقاعة في حوضٍ من فقاعات الصابون.

أما الفكرة الأخرى فهي عن "الأكوان المتوازية" (univers parallèle)، وهي مستوحاة من نظرية ميكانيكا الكم. وتقترح هذه النظرية ببساطة أن الأشياء قد تكون في حالتين وفي مكانين أو أكثر في نفس الوقت، فعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون الإلكترون في أماكن متعددة في نفس الوقت، ويمكن أن تكون الذرة المشعّة متخامدة وغير متخامدة في نفس الوقت. والسؤال المطروح في هذه الحالة، لماذا لا نرى هذه التراكب في حياتنا أبدًا؟

قد يكون من الممكن الإجابة على هذا السؤال بالشكل الآتي: كلما تم رصد واحدة من هذه المنظومات الكونية المتراكبة على بعضها البعض من قبل شخصٍ ما، أو ربما أداة رصد ما، فإن الكون ينقسم إلى فروع متعددة. تكون المنظومة الكونية الموجودةُ في كل فرع موجودةً في إحدى الحالات التي كانت متواجدةً مع بعضها بشكل متزامن. ويحتوي كل فرع منها على الواقع كاملًا، ويمكن اعتباره بشكلٍ ما على أنه كون مستقل بذاته. وهو أمر يصعب إدراكه

 

كيف سيعرف البشر إن كانوا يعيشون في أكوانٍ متعددة؟

يدّعي بعض الفيزيائيين النظريين بوجود فكرة الأكوان المتعددة، التي تفترض وجود نسخ متطابقة تقريباً عن الكون المعروف والموجود. لكن إذا كانت مثل هذه الأكوان المتعددة موجودة، فكيف سيعرف البشر بوجودها، وماذا ستعني لنا وللإنسانية؟

وفقاً لـلعالم Brian Greene، وهو فيزيائي نظري ومؤلف من جامعة كولومبيا في نيويورك، فقد يكون هناك طريقة من أجل معرفة إن كان الكون المرئي هو واحدا من أكوان متعددة.

يقول Greene في إحدى مقابلاته الصحفية ‘‘إن افتراض صحة بعض النسخ من الأكوان المتعددة قد تكون صحيحة وأكثر عرضةً للتأكيد‘‘. ويواصل حديثه قائلاً من الممكن مستقبلاً اكتشاف كون متعدد كما أنه من الممكن أن يُوجد الكون المرئي فوق غشاءٍ عملاق ثلاثي الأبعاد، بينما تقول نظرية الأوتار بأنّ الكون مؤلف في مكوناته الأولية، من أوتار أحادية البعد، وهي النظرية التي اُقترحت فكرة الأكوان المتعددة بالاعتماد عليها.

يقول Greene عن عالم كهذا: ‘‘إذا كان الكون هندسياً على شكل رغيف خبز، فإنَّ كل شيء نعرفه عنه يقع في جانبٍ واحد‘‘. فوفقاً لـ Greene، فإنه يمكن تصور أن حطاما ناتجا عن تصادمات أدى إلى هجرة جانبنا إلى كونٍ أوسع ليترك ورائه بصمات طاقة مفقودة، يمكن لمسرعات الجسيمات مثل المصادم الهادروني الكبير في سيرن أن يكون قادراً على كشفها.

تقترح بعض نظريات التضخم-و هي الفكرة التي تقول بأن الكون توسع بشكلٍ سريع جداً خلال الأجزاء الأولى من الثانية التي تلت الانفجار العظيم- نوعاً آخر من الأكوان المتعددة. إذ يُمكن أن يكون الانفجار العظيم واحداً من بين العديد من الانفجارات العظيمة، التي أدى كل منها إلى ولادة كونه الخاص –أي أن كوننا مجرد فقاعة كونية ضمن بحرٍ من فقاعاتٍ أخرى، كما ذكرت قبل قليل.

في مثل هذا السيناريو، قد يتصادم الكون المعروف مع كونٍ آخر، مما يمكن أن يترك وراءه بصمةً في الخلفية الكونية الميكروية، وهي الإشارة الأولى التي تركها خلفه الانفجار العظيم وفقاً لـ Greene.

يؤكد Greene بأنّ كل هذه الأفكار تستمر بالتضارب بشكلٍ كبير، ويقول: ‘‘إن لهذه هذه الأفكار ما يدعمها مما يجعلنا نفكر فيها بجدية، إلا أنها بعيدة عن الحقيقة العلمية المثبتة الآن‘‘.

يقول Greene بأنه إذا وُجدت الأكوان المتعددة، فإنه يمكن أن تؤدي إلى بعض العواقب الغريبة. فعالم مكون من عدد لانهائي من الأكوان سيؤكد افتراضياً أن الشروط الموجودة في كونٍ ما ستتكرر في آخر. وبصيغة أخرى، فإنه في الغالب سيكون هناك نسخة أخرى منك تقوم بحضور هذه المحاضرة التي يلقيها نسخة أخرى مني!

في مثل هذه الأكوان المتعددة، قد تقرر قراءة كتاب في كون ولا تقرأه في آخر. فماذا سيعني هذا الأمر بالنسبة للإرادة الحرة؟

ربما هي نقطة خلافية. إذ يعتقد Greene:‘‘ أن الإرادة الحرة تحطمت قبل نظرية الأكوان المتعددة بكثير‘‘.

وفقاً لـ Greene تصف المعادلات العلمية الجسيمات التي تُكون المادة، بما في ذلك الإنسان. في الوقت الذي تظهر فيه بنى معقدة أكثر، ولا تمتلك علاقة بجسيم مفرد –على سبيل المثال: درجة الحرارة – فإن كل شيء لا يزال يتمتع بـ "دعم فيزيائي ميكروي أساسي".

 

رحلة الكون المرئي من الفرادة الأساسية إلى حجمه الحالي:

اتضح للعلماء من خلال دراسة وتحليل وتطبيق معادلات النسبية العامة أن الكون في حالة اتساع وإن قياس أو حساب هذا التوسع يتم من خلال تجربة بسيطة تتلخص في مراقبة طيف الضوء الذي تبثه النجوم وغازات المجرات البعيدة. فلقد لاحظ العلماء أن طول الموجة المرصودة للضوء أكبر من طول موجة الضوء المبثوث عند انطلاقه من المصدر، أي النجوم والمجرات، وهو ينزاح نحو اللون الأحمر بسبب التوسع وهو ما يعرف فيزيائيا بــ redshift   أو تأثير دوبلر ويرمز له بــ (z) وإن هذا الاختلاف في أطوال الموجات الذي يعطيه المعيار أو الثابت (z) هو الذي يعلمنا بالعلاقة بين معدل أو ثابت المستوى   paramètre d’échelle   للكون المرئي الآن وماكان عليه الكون في لحظة انطلاق الضوء منه.

وما نشاهده ما هو إلا تفاعل الفوتونات الضوئية التي تبثها المجرة مع حقل أو مجال الثقالة أو الجاذبية الكونية. فلو كان الــ redshift أو (z) صغيراً يمكننا القول أن المقصود هنا هو تأثير دوبلر effet Doppler المألوف في حياتنا اليومية من خلال تلقينا لنوعية الأصوات الصادرة عن القطارات أو السيارات في حالة اقترابها منا أو ابتعادها عنا وهي الظاهرة التي تحدث مع كل أنواع الموجات الصوتية منها أو الضوئية، فكل مجرة أو أي كائن فيها، يرى أن باقي المجرات تبتعد عنه أو تقترب منه حسب الطيف الضوئي الذي يتلقاه منها. فنحن لسنا في مركز الكون بل احد المراكز التي لا تعد ولا تحصى للكون المرئي لأن كل نقطة فيه تبدو كما لو كانت هي المركز للتوسع.

كان العالم هابل Hubble هو الذي اكتشف التوسع الكوني ووضع له قانوناً مع العالم Humason   هيوماسون في نهاية سنة 1920 والذي تختصره المعادلة التالية v=Ho.D   وبموجبه تحدد قياسات المسافات والسرعات وبالتالي بموجبه فإن كل نقطة هي مركز للتوسع. وبتطبيق معادلات فريدمان ـ لوميتر بهذا الخصوص والمتعلقة بتطبيقات معادلات آينشتين ذاتها يثبت لنا أن المادة تكبح توسع الكون بينما الطاقة السوداء أو الداكنة أو المعتمة هي التي تسهم في توسعه.

كشفت لنا الكوسمولوجيا الحديثة العلاقة العضوية المترابطة بين الزمان والمكان والتي حددها آينشتين بمفهوم الزمكان، أن الضوء يسير بسرعة محددة وثابتة هي 300000 كلم في الثانية وهي أقصى سرعة يمكن إن تبلغها المادة في تنقلها وترحالها مما يعني أننا كلما نظرنا في البعد العميق للكون المرئي كلما رأينا ماضي هذا الكون. إن محدودية سرعة الضوء تمنعنا من الوصول إلى الفضاءات البعيدة للكون المرئي في حين تسمح لنا بمعرفة الماضي السحيق للكون المرئي وهي مفارقة جميلة فلو سار الضوء بسرعة لا متناهية فسوف لن يكون بوسعنا أن نشاهد على نحو مباشر ماضي الكون، إلى جانب ما يمكن أن تقوم به السرعة اللامتناهية للضوء من تأثيرات وتبعات وعواقب على باقي قوانين الفيزياء.

وبفضل هذه الهندسة المكانية للكون المرئي، فإننا كلما نظرنا للمجرات البعيدة جداً والواقعة على تخوم الكون المرئي، كلما اقتربنا من ماضي الكون وعلى نحو أدق، كلما اتجهنا نحو لحظة الفرادة الأولية الأساسية أو التأسيسية singularité initiale في اللحظة صفر t=0 وهذا الحد هو المعروف فيزيائيا بالأفق الكوني L’horizon cosmique، كلما اقتربنا من لغز الأصل، الذي لم يفك رموزه أحد بعد. ومن المؤكد أن ما وراء هذا الأفق الكوني هناك مجرات لامتناهية العدد لكنها عصية على المشاهدة والرصد لأن الضوء الصدر عنها ليس لديه الوقت الكافي لكي يصل إلينا، بل وربما توجد أكوان أخرى على غرار كوننا المرئي أو تختلف عنه. وفي كل الأحوال مهما توغلنا في الماضي الكوني فلن نصل أبداً مع الإشعاعات الكهرومغناطيسية لكي نشاهد اللحظة صفر t=0 لأننا سنصطدم بالحاجز الذي يفصل بين اللحظة التي أصبح فيها الكون شفافاً واللحظة التي كان فيها معتما وغاية في الكثافة والسخونة والعماء أو الشواش بحيث لايمكن لأي ضوء أن ينفذ منه.

وهكذا نستطيع القول أن الكون محدود بالنسبة لنا وإن حدوده لا تتعدى الخمسة عشر مليار سنة وهي التي تضعه في إطار وصف هندسي مكاني وكذلك في ظرف تاريخي محصور بين نقطتين هما: الأولى وتتعلق بأصله في لحظة الصفر t=0 المعروفة بالفرادة الكونية singularité cosmologique   والثانية وتتعلق بمصيره ومستقبله . وهناك بالطبع ماقبل الفرادة أي قبل البغ بانغ أي الانفجار العظيم، وما بعد الحد النهائي للمستقبل المفترض للكون وهي مفاهيم تعالجها الفيزياء الحديثة الثورية التي تتجاوز نسبية آينشتين وميكانيك الكموم الكوانتوم، ويسميها بعض العلماء بالميتافيزيقيا العلمية. ولكي نصف الكون في حالته البدئية لا بد من اللجوء إلى قوانين نيوتن وآينشتين في الثقالة أو الجاذبية الكونية والحال أنها تغدو معطلة، هي وباقي القوانين الفيزيائية الجوهرية الثلاثة الأخرى، في لحظة الصفر أو الفرادة، وبالتالي سنحتاج لنظرية جديدة في الثقالة الكمومية أو نظرية كوانتية أو كمومية للجاذبية أو الثقالة théorie quantique de la gravitation والتي لم نتوصل إليها بعد.

تبدأ معلوماتنا العلمية الدقيقة عن الكون المرئي بعد زمن بلانك وهو 10-43 من الثانية بعد لحظة الفرادة الأولية والأساسية والتي تدور حولها تساؤلات عويصة وعلامات استفهام كثيرة. ثم يجري الزمن وتأتي لحظة التضخم المفاجيء في 10 -35 من الثانية بعد البغ بانغ، الانفجار العظيم، وفي الدقيقة الثالثة من عمر الكون المرئي تنتج التفاعلات النووية الأولية ويتكون الدوتريوم والهليوم 3 والهليوم 4 والليثيوم 7 وذلك من بروتونات ونيوترونات موجود في ذلك الحساء الساخن. وفي الــ 3000 الثلاثة آلاف سنة التالية لم تعد الإشعاعات هي الطاغية على كثافة طاقة الكون بل المادة التي تتحرك بسرعة أقل بكثير من سرعة الضوء. وفي الــ 300000 الثلاثمائة سنة التالية من عمر الكون أصبح الكون شفافاً بعد أن كان معتماً. وكان شعاع الخلفية الكونية الماكروية المنتشر le fond diffus cosmique هو آخر ضوء غير مرئي يبثه الكون بعد ولادته مباشرة بعد ان اجتزنا مرحلة يسميها العلماء العمر المعتم أو الداكن للكون بدون أية إشعاعات أو نور أو ضوء، وبعدها تحدث عملية القدح للكون عند انهيار الغاز الكوني على نفسه مؤدياً إلى ولادة أول النجوم بعد بضعة عشرات الملايين من السنين من حدوث الانفجار العظيم البغ بانغ. ومن ثم تشكلت المجرات من تجمعات النجوم والكوازارات أو السدم أو حشود المجرات والحشود الفائقة من المجرات amas et super-amas des galaxies حتى وقتنا الحاضر.

علماء الفيزياء النظرية بحاجة لفرضية التضخم لتفسير حالة الاتساق والتناسب أو التجانس القصوى homogénéité وحالة تساوي الخواص في جميع الجهات isotropie وشبه التسطح في شكل الكون. ولقد اعتقد العلماء أننا نعيش في كون منظم ومنتظم نسبياً والتي قادت بعض التخلخلات واللاانتظام فيه إلى ولادة مجرات يمكننا رصدها. واقترض العلماء أن أي قطعة من الكون، لا على التحديد، متصلة سببياً بالكون البدئي الأولي Univers primordiale   حيث تكون كل الجسيمات الأولية فيها قد تبادلت المعلومات فيما بينها ومن ثم دخلت في حالة توسع مفاجيء وسريع هائل سمي بالتضخم حيث تمدد الكون بنسبة 1030، أي مائة مليار المليار المليار مرة في جزء من مليار من الثانية.

وكانت الانتفاخة الناجمة عن التضخم متجانسة لأن كل المناطق متصلة سببياً منذ البداية أما التخلخلات الميكروسكوبية في الكثافة الناتجة بفعل الظواهر الفيزيائية الكوانتية أو الكمومية المسماة التقلبات الكوانتية fluctuations quantiques، فقد تمددت إلى أحجام ماكروسكوبية وانهارت على نفسها تحت وطأة ثقالتها مؤدية إلى ولادة المجرات . فالتضخم يتيح في آن واحد، تفسير الانتظام الشامل للكون والخلل واللاانتظام الموضعي. ومن ثم أعقب التضخم حالة من التوسع المنتظم وغير المتسارع. بقي أن نعرف ما هي الآلية المسؤولة عن هذا التضخم الهائل والمفاجيء للكون البدئي. علماء الفلك وعلماء الكونيات وعلماء فيزياء الجسيمات يتحدثون عن ظاهرة سميت بــ " الفراغ الزائف faux vide " ناجمة عن وجود حقل مادي خاص جداً، من خصائصه أن لديه ضغط سلبي، فالمكان يدفع المكان وكلما دفع المكان المكان كلما تكون مكان أكبر أو المزيد من المكان لذلك كان التضخم. وبعد التضخم حصل فراغ حقيقي حيث كان الضغط إيجابياً لكنه مهمل وتم كبح التضخم بفعل تواجد المادة. لذلك أعتبر التضخم inflation مفهوم قبل أن يكون نظرية متكاملة ومتينة ولقد تم اختبار صحة هذا المفهوم بفضل المشاهدات الفلكية بواسطة التلسكوبات الفضائية المتقدمة من نوعية تلسكوب بلانك .

إن التساؤلات بشأن الألغاز الكونية لا تنتهي، فالعلماء يركزون على الــ " الكيف" ويتفادون الخوص في الــ " لماذا" . فمن أين جاء الحساء الكوني الأولي ولماذا كان موجوداً؟ لا أحد يعرف. من الممكن افتراضياً أن الكون قبل التضخم نتج عن ترجرج أو تقلب الفراغ الكمومي أو الكوانتي fluctuations du vide quantique حيث أن نظرية الكموم أو الكوانتا تقوم على نظرية المصفوفات التي جوهرها الاحتمال وليس اليقين، ولكن يبقى السؤال من الذي أحدث هذا التقلب والترجرج الكوانتي ولماذا؟ في مستوى بلانك، حيث مازلنا نحتاج ونبحث عن نظرية كمومية أو كوانتية للثقالة أو الجاذبية، يدار الكون البدئي وفق قوانين الميكانيك الكمومي، ويمكن وصف تلك الحالة بأنها بمثابة رغوة أو مجاج للزمكان قبل تشكله المادي المعروف، وبفعل الظواهر الكمومية أو الكوانتية، تظهر أكوان طفولية حديثة الولادة تسمى البي بي أكوان bébé-Univers تنبثق من هذا المجاج وتبدأ مرحلة التوسع ومن ثم، بسبب غامض لدينا، يحدث لها تضخم مذهل ومفاجيء وفي لمح البصر. تساءل الفيلسوف الألماني الكبير لابنيزLeibniz :" لماذا يوجد شيء ما بدلاً من لا شيء؟" لم يتمكن أحد من الإجابة على سؤاله لأن اللاشيء غير قابل للتفكير ولا معنى له في حين إن الفراغ الكمومي أو الكوانتي ليس اللاشيء ولا العدم بل هو كينونة تسيرها القوانين الكمومية أو الكوانتية ويمكن تصوره أو التفكير فيه وهو غير مستقر ويمكن أن يؤدي إلى ولادة أكوان طفولية تواصل تطورها كأي كائن حي. من هنا أعتقد بعض العلماء أن ماضي وحاضر ومستقبل الكون المرئي ثبتت من خلال معرفة المعايير والثوابت الكوسمولوجية ولم يبق أمام علماء الفلك والكونيات سوى اكتشاف وقياس أو حساب تلك المعايير والثوابت والضوابط paramètres وبفضلها بوسعنا أن نعرف معلومات عامة عن محتوى الكون المرئي على مستوى اللامتناهي في الكبر. الحسابات الحديثة عن الكون تطرح علينا ثلاث تساؤلات أساسية: 1- أين هي البايرونات المادية الداكنة أو المعتمة أو السوداء، أو بعبارة أخرى المادة السوداء، إذ توجد كميات من المادة العادية أو الطبيعية المعروفة أكثر بكثير مما يوجد من نجوم منظورة ومرصودة من خلال ما تبثه لنا من ضوء؟ ماهي طبيعة أو ماهية المادة السوداء غير البايرونية حيث تبلغ النسبة الكلية 30% من الكثافة في حين أن المادة العادية لا تسهم سوى بنسبة 3% ؟ ربما المقصود بذلك ان هناك نوع من الجسيمات توقعتها أو تكهنت بها نظريات توحيد المادة، أي نوع من الجسيمات الأولية التي ظلت على شكل حفريات أو شاهد على المراحل الأولى من عمر الكون المرئي، والتي تشكل حالياً المادة الطاغية في الكون، وهناك حسابات أخرى تتعلق بالثابت الكوني الذي تخلى عنه آينشتين في بدايات القرن الماضي وأظهرت الحسابات الرياضية ضرورة وجوده لمعالجة معضلة التوسع الكوني حيث يعمل بطريقة الضغط السالب المعاكس للجاذبية أو الثقالة أي قوة نابذة وطاردة لا أحد يعرف مصدرها ولا طبيعتها أو ماهيتها أو خصائصها إلى جانب مشكلة حقيقة هيكيلية وهندسة وشكل الكون المرئي، ولماذا توجد أشكال محدودة جداً للمجرات مما يستوجب العودة إلى الوراء، إلى فترة تشكل المجرات وما قبلها.   فالعلماء يسبرون بشكل أعمق الحالة الغريبة للكون عند ولادته وتمكنوا، عن طريق جمع البيانات المأخوذة من اثنين من مسرعات الطاقة العالية، من استخلاص قياسات لخاصية استثنائية لأحد المراحل الغريبة في نشأة كوننا المرئي تعرف باسم البلازما (كوارك - غلوون) quark-gluon plasma. ولقد أظهرت النتائج سمات جديدة لهذا "السائل المثالي" فائق الحرارة، والذي سيوضح لنا حالة الكون المرئي المبكرة بعد حدوث الانفجار العظيم مباشرة عندما كان عمره جزء من مليون من الثانية فقط. ورد ذلك في مقال علمي بهذا الخصوص بعنوان   المادة الغريبة: نظرة عن قرب للسائل المثالي تلقي الضوء على ما حدث في جزء من مليون من الثانية من عمر الكون بعد الانفجار العظيم Matière exotique: Le regard profond sur la fluide parfait jette la lumière sur ce qui s'est passé en un fragment de seconde après le Big Bang. وسيظل العلماء يبحثون ويضعون الفرضيات والنظريات ويقومون بالمشاهدات وعمليات الرصد والتجارب المختبرية خاصة في مصادمات الجسيمات التي تحتاج إلى طاقات هائلة، للاقتراب من الظروف التي كانت سائدة عند لحظة الفرادة الكونية وقبل الولادة المفترضة للكون المرئي.

 

د. جواد بشارة

 

إن اختلاف الباحثين في دراسة القرآن الكريم نابع بصورة اساسية من اختلاف المناهج في مصادر المعرفة، فمنهج الشك بابه مفتوح على دراسة القرآن خصوصاً المستشرقين الذين اعتمدوا على عملية الانتقاء بما يخدم اهدافهم، فشككوا في النص القرآني، وأمانة نقله، وسلامة تبليغه، وجمعه، وترتيبه...، مستندين الى قاعدة وضعوها مفادها: الشك في نص يوجب الشك في آخر. وأهم هؤلاء المستشرقين (آرثر جفري) الذي كتب كتابين لهذا الغرض هما: (مصادر تاريخ القرآن) ، و(الكلمات الدخيلة في القرآن) .

وهناك منهج آخر مهم في دراستنا هذه وهو ما يصطلح عليه منهج (الاثر والتأثر) الذي اعتمد عليه بعض كبار المستشرقين القدامى، اذ يعد المستشرق اليهودي (أبراهام غايغر) أول من اسس لهذا المنهج في كتابه (ماذا اخذ القرآن عن اليهودية) ، فكانت البذرة الام لكثير من الدراسات الاستشراقية. الأمر الذي حدا بالبعض من المستشرقين أن يكون همه الشاغل البحث عن التشابه بين التوراة والانجيل من جهة وبين القرآن من جهة اخرى، ونسبة مافيه اليهما خصوصاً (القصص القرآني) ، محاولة منهم لهدم المصدر الرباني للقرآن الكريم.

كما يهمنا ايضا المنهج (الاسقاطي) الذي مارسه المستشرقون على القرآن، فانطلقوا في فهمه من خلال الخلفيات العقدية والموروثات الثقافية الراسخة لديهم .. لزلزلة الركن الاساسي الذي يقوم عليه القرآن وهو أنه كتاب حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وراحوا يحاولون ضرب قداسته وفصله عن السماء، وحده بتاريخ نزوله، هذا ما اوقع بعض الباحثين في الشرق، فراقهم زبرج الافكار الغربية، ورونقها، لم ينشئ هذا من الصدفة، وإنما بسبب الانفتاح على الغرب ومنجزاته المادية والفكرية خصوصاً في القرنين التاسع عشر والعشرين، فاعتمد بعض المفكرين على الادوات الغربية في التعاطي مع القرآن، هذا مع اختلاف النوايا والاهداف.

يقول طه حسين: (ليس على حياتنا الدينية بأس من الاخذ القوي بأسباب الحضارة الأوربية) ، ومن قبله رفاعة الطهطاوي الذي كان يرى أن (من الضروري أن تكيف الشريعة وفاقاً لمتطلبات الحياة الجديدة، ويعلن أن لا فرق كبير بين مبادئ الشرع الاسلامي ومبادئ القانون الطبيعي) (1) .

التكييف في نفسه امر محمود لكن ينبغي أن يكون وفق الثابت والمتغير في الشريعة الاسلامية، أو ما اصطلح عليه السيد الشهيد بمنطقة الفراغ في التشريع الاسلامي، كي يتحرك من خلالها الفقهاء، لردم الهوة بين النص الديني والواقع المجتمعي المتغير.

ومانريد أن نلمح إليه في هذه المقدمة هو التالي:

1- إن الكثير من الاشكاليات المطروحة في القصص القرآني ناتجة من التأثر الكبير بالدراسات الاستشراقية.

2- من الخطأ الكبير الحكم على القرآن الكريم من خلال الرواسب العقدية والمعرفية والموروثات الثقافية.

3- إن الانفتاح على العالم الغربي امر جيد لكن لا على حساب الشخصية الاسلامية، وثوابت الشريعة المقدسة.

 

القسم الأول: القصة القرآنية

القصة لغةً: مأخوذة من الجذر الثلاثي (ق صَ صَ) الذي انتظمت اشتقاقاته في عدة معان، ففي القرآن الكريم ورد بمعنى الاقتفاء وتتبع الأثر(2) ، كما في قوله تعالى: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}(3) ، وقوله تعالى: {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا }(4) ، ومن هنا سمي الذي يقص القصص قصَّاصاً؛ لأنه يتتبع أحداث القصة خبراً خبرا، بل ومنه اشتقاق القِصاص في الجراح، كما يذكر ابن فارس(5) .

وجاءت بمعنى الخبر والحكاية والأمر والشأن، يقال ما قصتَك، أي ما شأنك، وقصصت الرؤيا على فلان إذا اخبرته بها، والجمع قِصَص وقَصَص(6) .

القصة اصطلاحاً: ذكر الرازي في تفسيره القصة على أنها: (مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي الى الدين ويرشد إلى الحق ويأمر بطلب النجاة) (7) ، لكن ليس كل ما يهدي الى الدين ويرشد الى الحق فهو قصة، فهناك الخطب الدينية، والمواعظ، والاحاديث والروايات، وكل كلام آخر يهدف للهدى والرشاد.

وعرف الشيخ محمد هادي معرفة قصص القرآن: (أخباره – القرآن- عن احوال الماضين، من أمم وانبياء سالفين، وعن حوادث واقعة في سوالف الايام، مما فيه العبر والاعتبار للباقين) (8) .

 

أغراض القصة القرآنية:

لما كان القرآن كتاب هداية لتأهيل الإنسان لاجتياز المنعطفات الضيقة، والدهاليز المظلمة، والوصول به الى مواطن النور، استخدم لهذا الغرض عدة ادوات، وإحدى اهم الادوات في عملية التغير الاجتماعي نحو الهداية هي (القصة القرآنية) ، (وبهذا الصدد نجد القصة القرآنية تكاد تستوعب في مضمونها وهدفها جميع الاغراض الرئيسية التي جاء من اجلها القرآن الكريم) (9) . فشملت اغراض القصة القرآنية:

1- إثبات الوحي والرسالة من خلال الإخبار عن الانبياء السابقين والامم الماضية بدقة متناهية وتفاصيل غير معهودة، فورودها في القرآن اتخذ دليلاً على وحي يوحى. ونص القرآن على هذا الغرض في مقدمات القصص أو في أعقابها:

ففي أول سورة يوسف: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}

وقبل عرض القرآن قصة موسى في سورة القصص جاء: { نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} وبعد انتهائها {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) }(10) .

2- بيان أن الدين كله من عند الله، من عهد نوح إلى عهد النبي الخاتم (صلى الله عليه واله) . وأن المؤمنين كلهم أمة واحدة، والله الواحد رب الجميع، وكثيراً ما وردت قصص عدد من الأنبياء مجتمعة في صورة واحدة، معروضة بطريقة خاصة، لتؤيد هذه الحقيقة.

ولما كان هذا غرضاً أساسياً في الدعوة، وفي بناء التصور الإسلامي فقد تكرر مجيء هذه القصص، على هذا النحو، مع اختلاف في التعبير، لتثبيت هذه الحقيقية وتوكيدها في النفوس. نضرب لذلك مثلاً ما جاء في سورة "الأنبياء: { وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50) وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِي}

3- بيان أن وسائل الأنبياء في الدعوة موحدة؛ وأن استقبال قومهم لهم متشابه _ فضلاً على أن الدين من عند إله واحد، وأنه قائم على أساس واحد _ وتبعاً لهذا كانت ترد قصص كثير من الأنبياء مجتمعة أيضاً، مكررة فيها طريقة الدعوة. على نحو ما جاء في سورة هود: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} إلى أن يقول: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) }

4- بيان أن الله ينصر أنبياءه في النهاية ويهلك المكذبين، وذلك تثبيتاً لرسول الله، وتأثيراً في نفوس من يدعوهم إلى الإيمان : "{وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ }. وتبعاً لهذا الغرض كانت ترد قصص الأنبياء مجتمعة، مختومة بمصارع من كذبوهم. ويتكرر بهذا عرض القصص كما جاء في سورة "العنكبوت": {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (15) وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) } الى قوله تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) }

وكذلك كان للقصص القرآني اغراض كثيرة أخرى، كبيان نعم الله على انبياءه واوليائه، وتنبيه اولاد آدم الى غواية الشيطان وكيده، وبيان أن العاقبة للمتقين، وبيان قدرة الله تعالى على الخوارق، كقصة طيور إبراهيم، وصاحب القرية الخاوية، ومولد عيسى..الخ

 

خصائص القصص القرآني:

تهدف القصة القرآنية إلى غرض محدد ومشخص؛ لهذا نجدها جاءت متناغمة مع الغرض القرآني وهو الهداية والتغيير والرقي بالمجتمع، فلم يأت القرآن بالقصة من أجل أخبار الماضي، ولا لأجل التسلية والمتعة، وإنما القصة القرآنية من اهم الأساليب البيانية التي استخدمها القرآن الكريم هذا الغرض، لذا لا ترد القصة في القرآن بتمامها دفعة واحدة، بل تقتصر على الجزء الذي يناسب الغرض الذي سيقت لأجله القصة، ففي قصة إبراهيم(عليه السلام) ، التي وردت في عشرين موضعاً، ثم آخر ما وردت فيه هو سورة الحج في قوله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}، وبهذا تحقق الربط بين هذه الآيات وبين موضوع السورة، فلم تأتي قصة طيور ابراهيم، وإنما جاءت هذه القصة التي منسجمة مع غرض نفس السورة. وكذلك حقق لنا هذا المشهد التوافق بين شعائر إبراهيم وشعائر النبي الخاتم(صلى الله عليه واله) في الحج.

يتميز القصص القرآني بالتسلسل التاريخي عند الحديث عن أخبار الماضين، وهذا ما لا نجده في القصص الأخرى، فمن بين القصص التي اتخذت خطاً بيانيا في سرد الأحداث بتسلسل تاريخي منتظم هي سورة هود، حيث تدور بمجملها على محور واحد وهو (التوحيد) ، وتشكل هذه القضية المحور الرئيسي لهذه السورة، فصورت انموذجاً واقعياً في الدعوة إلى التوحيد، وحذرت من العواقب الوخيمة لعدم الانقياد لتعاليم الأنبياء بقالب قصصي يأسر القلوب. يقول سيد قطب: (ويتبع القصص في هذه السورة خط سير التاريخ، فيبدأ بنوح ثم هود ثم صالح ويلمّ بإبراهيم في الطريق إلى لوط، ثم شعيب ثم اشارة إلى موسى، لأنه يذكر التالين بمصير السالفين على التوالي بهذا الترتيب) (11) .

ونشاهد نفس العرض القرآني في سورة الأعراف، عدا مشهد إبراهيم حيث أحجمت الآيات الكريمة في هذه السورة عن التعرض لسيرة إبراهيم، والسبب في ذلك (لأنه في معرض مصارع المكذبين، وقوم إبراهيم لم يهلكوا لأن إبراهيم لم يطلب من ربه هلاكهم، بل اعتزلهم وما يدعون من دون الله، إنما تجيء قصة قوم لوط ابن اخي ابراهيم ومعاصره بما فيها من انذار وتكذيب وإهلاك، يتماشى مع ظل السياق) (12) .

كذلك يتميز القصص القرآني بحذف الجزئيات والتركيز على الدور الرئيسي المخصص للقصص القرآني، وهو الهداية وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وفي ضوء ذلك تخلو بعض المشاهد القرآنية من التفاصيل المطولة، واما سبب إحجام القرآن عن الجزئيات وعدم التعرض لها، ذلك لأنه (كتاب دعوة وهداية لا يتخطى عن صراطه ولو خطوة، وليس كتاب تاريخ ولا قصة وليست مهمته مهمة الدراسة التاريخية ولا مسلك الفن القصصي، وليس فيه هوى ذكر الأنساب ولا مقدرات الزمان والمكان، ولا مشخصات أخر لا غنى للدرس التاريخي أو القصة التخييلية عن إحصائها وتمثيلها.فأي فائدة دينية في أن ينسب إبراهيم أنه إبراهيم بن تارخ بن ناخور بن سروج بن رعو بن فالج بن عابر بن شالح بن أرفكشاذ بن سام بن نوح؟ أو أن يقال: إنه ولد في أور الكلدانيين حدود سنة ألفين تقريبا قبل الميلاد في عهد فلان الملك الذي ولد في كذا وملك كذا مدة ومات سنة كذا) (13) .

اذاَ التحديد التاريخي ليس من أهداف القصة القرآنية ولا يزيد في دلالتها شيئا، فالزمان والمكان ليس لهما دور مهم في القصص القرآني، وهذا هو السر في خلود القرآن الكريم الذي يتحرك خارج اطار الزمان والمكان، ولم يجعل القصة حكراً على قوم دون آخر، وعليه فلابد للجميع أن يغرف منها – القصة- باعتبارها معين لا ينضب.

كذلك نرى من أهم خصائص القصة القرآنية والقرآن بصورة عامة تركه مساحة للاستنباط، فاللذة العجيبة والاسلوب الأخاذ في القصص القرآني عبارة عن فرصة للقارئ أن يكتشف اسراره بنفسه، وإلا لو كانت القصص مادة علمية بحته لاختلفت عن سير الآيات القرآنية ولصارت حكرا على جماعة دون أخرى، ولا يعني هذا إلا ان يغترف كل بقدره، وإلا فإن القلوب أوعية خيرها اوعاها(14) .

فحذف الجزئيات في القصص القرآني يمكن للقارئ اطلاق سراح ذهنه والجولان في القصة ليستنبط تفاصيلها ويرسم صورتها، ففي الآية (50) من سورة يوسف، يقول(عليه السلام) للرسول الذي جاءه من عزيز مصر: { ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ }، وفي الآية التالية يستفسر الملك من النسوة عن حقيقة ماجرى بقوله: { مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ }، فمتى جاءت النساء؟ وكيف ذهب عمال الملك اليهن؟ وكيف حضرن؟ كل هذه الاسئلة عبارة عن حلقات مختزلة أعرض عنها القرآن (فمتن القصة راعى هنا مبدأ الاقتصاد الفني الذي يعد ذا أهمية قصوى في الفن القصصي) (15) ، وبهذا الصدد يقول الروائي الشهير(لوي تولستوي) : (بسبب خلو القصص القرآني من التعقيد بما يتضمنه من احاسيس متكافئة ومفهومة بالنسبة لمختلف انواع الناس حضريّهم وبدويّهم وقرويّهم سواء في اسيا او افريقيا صغاراً وكباراً كلهم قادرون على فهمها.. والمؤلف لقصة يوسف وخلافاً لما هو المألوف في عصرنا لم يجد ضرورة للتطرق إلى الجزئيات كوصف قميص يوسف الملطخ بالدم، أو مسكن يعقوب وملبسه، وشكل زليخا وثيابها، وكيف شدّت على عضده الايسر وقالت: {هيت لك}، وغيرها من التفاصيل، وذلك أن محتوى الاحساس في هذه القصة هو من القوة بحيث أن اي تفصيل زائد عن الأمور الأساسية سيكون اضافياً وحائلاً دون تحريك العواطف.

ومن هنا كانت قصة يوسف مفهومة لدى جميع الناس، وتنفذ إلى قلوبهم بغض النظر عن انتماءاتهم الطبقية والاممية والعمرية إلى يومنا هذا، وسوف تبقى خالدة لآلاف السنين) (16) .

كما أن إمساك القرآن وسكوته عن الجزئيات لم يكن شاملاً لجميع الموارد، بل ثمة موارد يهتم فيها القرآن بالجزئيات كما نشهد ذلك في قصة بلقيس مع سليمان عندما دخلت صرح سليمان وتصورته ماء فترفع ثيابها لئلا تبتل { قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ }، وبالتالي فإن حجم الاهتمام بالجزئيات أو الكليات خاضع لمدى دخلها في ايصال الهدف للقارئ. وهذه احدى اهم خصائص القصص القرآني.

ايضاً من خصائص القصص القرآني تضمين القصة في قصة أخرى، ففي طائفة من القصص، يلجأ القرآن الى إيراد قصة داخل قصة أخرى، وبهذه الطريقة يربط القارئ به، ويدعوه لمتابعة القصة الثانية ضمن متابعته للأولى، وبنفس الوقت يوفر للقارئ فرصة (ابحث) عن العلاقة بين القصتين وكيف تداخلتا ولماذا، وهذا من اسرار التشويق القرآني.

نلاحظ ذلك في سورة آل عمران حيث تتكفل القصة ببيان ولادات ثلاثة: ولادة مريم، وولادة يحيى، وولادة عيسى. (صور القرآن الكريم قصة زكريا، بعد قصة امرأة عمران وفي بداية قصة مريم، وبعبارة اخرى انه تعرض لقصة زكريا ضمن بيانه لقصة مريم وفي مطلع القصة حيث كانت مشغولة في العبادة بالمحراب، وهكذا يقطع القرآن تسلسل وقائع قصة مريم ويعود إليها بعد الاشارة الى قصة زكريا) (17) ، ونجد ذلك ايضا في سورة هود وفي سورة غافر.

من الخصائص المهمة في القصة القرآنية ظاهرة تكرار القصة الواحدة في مواضع مختلفة من القرآن، فالتكرار في القصص القرآني ظاهرة واضحة ملفتة للنظر وداعية لكثير من التساؤلات والبحث. فقد وجد أصحاب الأهواء وأعداء الإسلام مدخلا ملتويا يدخلون منه للطعن في القرآن والنيل من بلاغته وإعجازه ويشنعون على ذلك بحجج واهية وأدلة باطلة وهي أن التكرار في القرآن قد أدخل الاضطراب على أسلوبه وجعله ثقيلا على اللسان والسمع، يبعث على الملل والسآمة. وهم بذلك يخلصون إلى نتيجة وهي أن أسلوب القرآن ليس على المستوى البلاغي الرفيع الذي يجعل القرآن معجزا وأنه من السماء (18)

فهم قد رأوا أن التكرار عجزاً بيانياً وقصوراً فنياً، بل ادعى بعضهم أنها هلوسة أو اثر من آثار الأمراض النفسية التي كانت تنتاب محمدًا – حاشاه، صلى الله عليه واله- في بعض الأحيان فتخرجه عن صوابه وتجعله يردد كلمات ومقاطع قد ذكرها مرة قبل هذا، ويعيد ويزيد كما يفعل عادة المحموم المصروع (19)

ثم إن كانت القصص هي لتثبيت فؤاد النبي (صلى الله عليه واله) { وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ }، فإنه يثبت بأول مرة ترد في القصة؟ وإن كانت لإعلامه (صلى الله عليه واله) ، او لإعلام قومه { تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ }، فقد علموها من اول مرة فعلام التكرار؟

المشكلةُ عندما حاول بعض المفكرين حل هذه الإشكالية وقع في مأزق كبير، إذ يقول الدكتور محمد خلف الله: (فليس يعنيه من عناصر القصة أن تكون قائمة على أساس الحق والواقع بقدر ما يعنيه أن تكون هذه العناصر مما يستهوي النفوس ويأخذ بمجامع القلوب ويسيطر علي الأفئدة والألباب) (20) .هذه الإشكالية وإشكاليات أخرى هي التي سنقف معها مطولاً

ليس كل تكرار مذموماً، فالتكرار الوارد في القرآن يعتبر من تصريف البيان، وسحر البلاغة ومحاسن الفصاحة، كما أنه أبلغ من التأكيد، وله عدة فوائد:

1- التقرير، فالكلام إذا تكرر تقرر.

2- التأكيد، لزيادة التنبيه ونفي التهمة.

3- تجديد الكلام وإبرازه خشية تناسي الاول.

4- التعظيم والتهويل في مقام الموعظة

5- لتعدد المتعلق، فالمكرر متعلق بغير ما تعلق به الأول ويسمى (الترديد) .

والذي يهمنا هو التكرار في القصة القرآنية، ومن المعلوم أن القصص القرآني مسوق لغرضين رئيسيين:

الاول: تسلية الرسول(صلى الله عليه واله) ، وتثبيت فؤاده.

الثاني: تهديد وزجر المخالفين. وبيان مصير أمثالهم لعلهم يرتدعون ويقعلون عن غيهم.

وبما أن الرسول (صلى الله عليه واله) لم يكف عن الدعوة إلى الإسلام، وكذلك لم يكف الكفار عن الإعراض والمخالفة، استدعى مجموع هذين الامرين تكرار القصة في أكثر من موضع، وهذا التكرار يمثل بنفسه ظاهرة فنية، ودعامة تربوية لترسيخ العقائد والمبادئ الإسلامية السامية، يقول كوستاف لوبون: (التكرار يحول المكرر الى معتقد) (21) .

مع ذلك لم يكن التكرار على نمط واحد، بل هناك فروقٌ بين موضع وآخر، في الصياغة وفي المعنى وفي الاسلوب، واختلاف في الطول والقصر، وطريقة عرض الاحداث والمشاهد، فلا سبيل للسآمة والملل كما يزعم المغرضون، بل تجد في الآيات المكررة التجديد المستمر والطرافة واللذة مما يحفظ ديمومتها.

ويرى الزركشي أن سبب التكرار هو أن العرب إذا اهتمت بشيء ارادت تحقيقه وقرب وقوعه او قصدت الدعاء اليه كررته توكيداً وكأنها تقيم تكراره مقام المقسم عليه أو الاجتهاد في الدعاء بحيث تقصد الدعاء، والقرآن نزل بلسانهم فكانت مخاطباته فيما بين بعضهم وبعض، وبهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن المعارضة(22) .

لكن مجرد التوافق في الاسلوب القرآني واسلوب العرب كون كل منهما يحتوي التكرار غير كاف على الحكم بجودة التكرار القرآني، وبيان فوائده وخصائصه.

أما الزمخشري فيقول (إن في التكرار تقريراً للمعاني في الأنفس، وتثبيتاً لها في الصدور ألا ترى أنه لا طريق إلى حفظ العلوم إلا ترديد ما يرام حفظه منها، وكلما زاد ترديده كان أمكن له في القلوب، وأرسخ له في الفهم، وأثبت للذكر، وأبعد للنسيان) (23) .

فحاجتنا الى التكرار هي لتأكيد المعاني، وإبراز العِبر، وتبشير النبي(صلى الله عليه واله) بأن الغلبة لله ولرسله كما قال تعالى: { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}، وإنذار المكذبين وبيان أحوال من سبقهم.

فسبب التكرار يرجع إلى تعدد الاغراض في مجال الهداية والتغير، ففي كل مرة تذكر بلحاظ بما يناسب الحال والمقام الذي وردت لأجله. وأهم ما يجب ملاحظته هو فرق التكرار بين السور المكية والسور المدنية، فالتكرار في الاول كان لمعالجة جذرية تتعلق بحوادث مختلفة واجهت النبي والمسلمين، ومشاكلهم مع المشركين، فكثر في القصة القرآنية الحديث عن علائق الانبياء مع الجبارين، لأن هذا النوع من العلاقات مكرر فالتاريخ يعيد نفسه، فلزم سوق هذه النماذج والأحداث لتثبيت فؤاد النبي(صلى الله عليه واله) . وكذلك القصة في المدينة المنورة، التي تتحدث بما يناسب الطور الجديد للدعوة الاسلامية.

 

القسم الثاني: القصة القرآنية في دراسات المستشرقين والحداثويين العرب

تنوعت الاهتمامات الاستشراقية بالدراسات الاسلامية عامة، وبالدراسات القرآنية خاصة، واتخذت عدة مسارات أهمها: حفظ المخطوطات الاسلامية، وتصنيفها، إذ يذكر فؤاد سزكين[24] عدداً من المخطوطات المتعلقة بعلوم القرآن والتفسير المحفوظة في المكتبات الاوربية، كذلك اتجهت الاهتمامات الاستشراقية الى ترجمة ونشر وتحقيق كتب التفسير وعلوم القرآن، كتحقيق المستشرق الالماني (فراستاج) لاسرار التأويل للبيضاوي، وحقق المستشرق الانجليزي (ناسوليز) كشاف الزمخشري، وحقق المستشرق الالماني(برجشترسر) كتاب القراءات الشاذة في القرآن لابن خالويه. وركزوا في اهتماماتهم على إبراز الروايات الشاذة كما فعلوا في كتاب الإتقان للسيوطي، وكتاب المصاحف لابن ابي داود.وقد بيَّن عدد من المؤلفين والعلماء الأهداف المشبوهة للمستشرقين في تحقيق ونشر الكتب الإسلامية(25) .

وأهم الكتب التي كتبها المستشرقون في القصص القرآني التي تركز – على حد زعمهم – ربانية كتاب الله تعالى، وترديد مزاعمهم بالأثر اليهودي في القصص القرآني، هي:

- مصادر القصص الإسلامية في القرآن وقصص الأنبياء، لسايدر سكاي، باريس، 1932م.

- القصص الكتابي في القرآن، لسباير جريفنا، 1939م.

- قصة أهل الكهف، عام 1907م(26) .

- قصص القرآن، للمستشرق المجري بيرناتهيللر (1857 – 1943م) ، مجلة عالم الإسلام، 1994م(27) .

- ونجد مؤلفات المستشرقين في هذا المجال منثورة في المعاجم والكتب المهتمة بحصر التراث العربي والإسلامي(28) .

وقلد الحداثويون العرب المستشرقين كثيراً وإليك قائمة بأهم ما كتب عن القرآن الكريم والقصص القرآني:

- الطيب تيزيني (النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة)

- محمد عابد الجابري (التراث والحداثة)

- هاشم صالح (القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني)

- علي حرب (نقد النص) ، (نقد الحقيقة)

- نصر حامد ابو زيد (الخطاب والتأويل) ، (مفهوم النص)

- أدونيس (الثابت والمتحول)

- رشيد الخيون (جدل التنزيل)

- رمضان بن رمضان (خصائص التعامل مع التراث)

- محمد احمد خلف الله (الفن القصصي في القرآن)

- محمد شحرور (الكتاب والقرآن قراءة معاصرة) ، (قصص القرآن)

- صادق جلال العظم (نقد الفكر الديني)

- حسن حنفي (دراسات اسلامية) ، (مفهوم النص)

- ابو القاسم حاج حمد (العالمية الاسلامية الثانية) ، (منهجية القرآن المعرفية)

- محمد اركون (مجموعة كتب)

 

شبهات المستشرقين واجترار الشرقيين

إن أهم الشبهات التي ركز عليها المستشرقون فيما يتعلق بالقصة القرآنية هي: التشابه والتكرار، والسرقة والتقليد للكتب السماوية الأخرى وهذا ما قام به: جولدتسيهر، شفالي، مرجوليوث.

فالمكرر القرآن كما يقول محمد خلف الله (قصص آدم ونوح ولوط وصالح وشعيب، وغيرهم من الرسل والانبياء؟ مع أن الوقوف على تاريخ كل واحد من هؤلاء قد يكفي فيه إيراد القصة الواحدة في الموطن الواحد، وليس يلزم أن تكرر القصة في أكثر من موطن من مواطن القرآن؟ فتكرار القصة وبخاصة حين تكون الاحداث القصصية واحدة والمواد التاريخية متشابهة والمواقف متفقة امر يحتاج إلى تعليل وإلى بيان وإلى إيضاح؟) (29) ، ثم لماذا اختلف إيراد القصة الواحدة في موطن عنه في آخر؟

وهذا ما أوقع (محمد خلف الله) في شبهة، رمزية القصص واسطوريتها، فقاس القصة القرآنية على القصة الادبية. كما سيأتي.

يرى خلف الله أن مقياس صدق القصص القرآني والضابطة الرئيسية هي اليهود والأحبار، (إن لليهود ضابطة في معرفة الصادق عن الكاذب وممن يدعون النبوة ويذكرون للناس أن الوحي ينزل عليهم من السماء فلقد كان من مقاييس هؤلاء في التفرقة بين النبي والمتنبي، من ان النبي يعلم الغيب، وأن من علوم الغيب معرفة أخبار السابقين من الرسل والأنبياء، ومن خفيت على الناس امورهم) (30) ثم يذكر حادثة النضر بن الحارث التي يذكرها النيسابوري في اسباب النزول، فيقول: (على أن القرآن نفسه أعتمد على هذا المقياس في الإيحاء بنبوة محمد عليه السلام، وصدق رسالته حين ختم بعض الاقاصيص القرآنية بآيات يستفاد منها أن الأخبار الواردة في هذه الأقاصيص من أنباء الغيب وأنها قد أوحيت الى النبي عليه السلام. قال تعالى: { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}. وقال تعالى عقب قصة يوسف: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ}...والظاهرة التي يحسن الالتفات إليها في هذا المقام هي أن القرآن حين جعل هذه الأخبار من آيات النبوة وعلامات الرسالة جعلها ايضاً مطابقة لما في الكتب السابقة أو لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار حتى ليخيَّل إلينا أن مقياس صدقها وصحتها من الوجهة التاريخية ومن وجهة دلالتها على النبوة والرسالة أن تكون مطابقة لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار قال تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }(31) .

لسنا في صدد التفسير، إنما الذي ينبغي ملاحظته، أن خلف الله، جعل مواطن الاختبار لمعرفة النبي (صلى الله عليه واله) ، وصدق رسالته ما يعرفه العرب من أهل الكتاب عن التاريخ، لا ما هو الحق والواقع، فلما كان كثير من العرب يعتقدون بكبار اليهود والنصارى ويسمعون قولهم، جاء الخطاب تحدياً لهم كي يعرضوا ما شكّوا فيه على من يقرؤون الكتاب ويعرفونه،والوجه الآخر للخطاب اطمئنان للنبي (صلى الله عليه واله) ، من أن الله أيّدك بالحق، وهو الذي سيظهره على الدين كله.

ثم أن قصص الانبياء التي كان يتحدث عنها اليهود واحبارهم اصابها التحريف، والتدنيس الكبير لمقام الانبياء، مما سبب انحرافات كبيرة في الأصول والفروع، جاءت القصة القرآنية لتغير كل ذلك وتكشف عن الحقائق والوقائع بما يحفظ مقام الانبياء وجهودهم في نشر التوحيد. يقول السيد العلامة في تفسيره لقصة زكريا (عليه السلام) : (وأما ما يوجد من ذلك– القصص- عند أهل الكتاب فلا عبرة به لعدم سلامته من تحريف المحرفين كما أن كثيرا من الخصوصيات المقتصة في قصص زكريا غير موجودة في كتب العهدين على ما وصفه الله في القرآن.) (32)

ويذهب خلف الله إلى أن قصص بعض الانبياء كانت معروفة ومشهورة في الجزيرة العربية، بل منقولة بالتواتر مستشهداً بكلام الرازي في تفسيره لآية: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ }، من أن (اطلاق الرؤية ههنا على العلم، وذلك لأن أخبار عاد وثمود وفرعون كانت منقولة بالتواتر..) (33) .

وهذا كما ترى معارض بآية: { تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا}، فإن النبي (صلى الله عليه واله) ، وقومه لم يكونوا عالمين بهذه القصص من قبل، ولم يخالطوا أهل الكتاب، ولم يقرءوها في الكتب، إلا بمقدار بسيط.

أما الإشارات التاريخية في القصة فهي كما يقول:(أمر بين أمرين إما أن القرآن تعمد إبهام هذه المقومات لأن المعاصرين للنبي عليه السلام ولنزوله، كانوا يعرفون ما وراء هذا الإبهام من ثقافة تاريخية، أو الى تنحية التاريخ عن ميدان القصة القرآنية ليتجه العقل البشري منذ اللحظة الأولى الى ما هو المقصود من أقاصيص القرآن من عظة وعبرة وإرشاد وهداية وإنذار وبشارة. ويقول في مورد آخر: إن القصة التاريخية في هذا اللون – بعد أن كان يتكلم عن قصة اهل الكهف- قصة ادبية مافي ذلك شك او جدال) (34)

ثم يذكر عدة امور على ان صنيع القرآن في قصصه التاريخي ليس إلا الصنيع الأدبي، من قبيل إنطاق الاشخاص بما لم ينطقوا قال تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ}، مستشهداً بما جوزه الزمخشري من أن الله تعالى يضع الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى عما كانوا يذكرونه به وتعظيماً لما أرادوه. فاستبدل الله تعالى كلامهم القبيح في عيسى بالذكر الحسن له. وكذلك إسناد الأحداث لأشخاص بأعيانهم في موطن ثم اسناده الأحداث نفسها لغير الأشخاص في موطن آخر كما في سورة الاعراف: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ}، أما في سورة الشعراء: {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ}، ففي سورة الاعراف، أن الملا من قوم فرعون هم الذين قالوا إن موسى ساحر عليم، بينما في سورة الشعراء، إن فرعون هو القائل، وهذا نجده كما يقول خلف الله بوضوح في قصة إبراهيم، إذ نلحظ أن البشرى بالغلام والحوار مع الملائكة والعجب من الولادة وابراهيم شيخ وإمرأته عجوز، كانت في سورة هود مع امرأة ابراهيم، وفي سورة الحجر مع إبراهيم نفسه، أما في الذاريات أن البشرى بالغلام كانت لإبراهيم، وأن الحوار مع الملائكة كان مع زوجته.

وكل هذه الظواهر تدل دلالة قاطعة على أن القرآن يعرض عن الأساليب التاريخية، وأنه يعتمد كل الاعتماد على الأساليب الأدبية، والوسائل الفنية أو البلاغية.

فاختيار القرآن من الأحداث التاريخية بعضها دون بعض إشارة الى السكوت عن اشخاص القصة، فإبهام الزمان والمكان، أحس من خلاله المفسرون بأن الفهم التاريخي للقصص القرآني لا يستقيم حتى يذهب الغموض، وحتى يذهب ما قصد إليه القرآن من إبهام للتاريخ، فلجأ المفسرون الى الإسرائيليات والفروض النظرية لعلها تنفع لرفع الغموض التاريخي الذي يلف القصص القرآني.

يسترسل خلف الله في حديثه ويسوق الأمثلة التي يفسرها بما يخدم غرضه، فحين يتحدث عن آية {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}، وتخلي القرآن عن التفصيلات مسرعاً إلى وصف العذاب، اشارة الى انه يريد أن يثبت في نفوس المعاصرين للنبي (صلى الله عليه واله) الخوف من العذاب، ويريد أن يريهم من الصور ما يجعل الخوف في نفوسهم قاراً، فإن قصص هذه السورة لم تزل إلا للإنذار وللتخويف من العذاب.

يحاول خلف الله ان يفصل بين مقاصد القصص والحدث التاريخي، ويؤكد على قضية أن القران ليس كتابا تاريخيا هدفه عرض التاريخ، وإنما غرضه امر آخر أبعد من ذلك، (إن اسلوب القران في عرض المواد القصصية الجزئية كان اسلوباً ادبياً يخضع لمنطق العاطفة والوجدان) ، وبمكان آخر يقول: (إن المسألة في القصة القرآنية هي بعينها مسائل الصور البيانية من مجاز وتشبيه وإستعارة، وكناية..الخ. وأنها من هنا لا توصف بتصديق ولا بتكذيب، وإنما هي العرض الأدبي الذي يهز العاطفة ويستثير الوجدان.) (35) ، وكل ذلك بدليل اختلاف القصص القرآنية التي تدور حول شخصية واحدة بالبناء والتركيب وطريقة العرض باختلاف القصد والغرض وظروف البيئة وتقلبات الزمن.

نعم، أن القرآن الكريم ليس كتاباً تاريخيا ولا هدفه التاريخ، لكن القصص الواردة فيه تتحدث عن احوال السابقين، فهي إما توصف بالصدق والحق وإما توصف بالكذب والاسطورة، وما يؤكد عليه خلف الله الثاني إذ يقول:(إن القرآن يجري في فنه الادبي البياني على أساس ماكانت العرب تعتقد وتتخيل، لا على ما هو الحقيقة العقلية، ولا على ما هو الواقع العملي) (36) . وهذا ما أكد عليه محقق الكتاب (خليل عبد الكريم) بقوله: (فإذا بالمؤلف ينحو منحى مغايراً ويقول بوجهها الفني–القصة القرآنية- وأنه قصد بها تحقيق أغراض، وترتيب نتائج، وأنها لا تعني بحال من الأحوال المعاني التاريخية) (37)

وفي القصة التمثيلية بين المصنف، أن القصص الفنية ليست بالضرورة أن يكون وراءها حق وواقع، بل يمكن إقامة القصة على العرف والخيال، إذ إن أهم ما يعتمد عليه الفن القصصي هو جمال الاسلوب، وترابط الافكار، وتفسير المفسرين للقصة القرآنية يشعرنا بأنهم يعرفون عنها أنها من القصص الفني، لربطهم بينها وبين الفن القصصي بأكثر من رباط، ليعلن وبجرأة: (إنا لا نتحرج من القول بأن القرآن أساطير) (38) .

هنا لا بد أن نضع قاعدة نسير عليها في نقدنا لهذا الاتجاه القائل بأسطورية القصص القرآني، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}، وقال تعالى: { تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ}، وقال تعالى: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ}.

اذاً القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإنه كتاب حق من الله الحكيم الحميد، والقرآن هو الفرقان بين الحق والباطل {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}، وهو الهدى، والذكر الحكيم، يقول السيد العلامة: (فذكر تعالى أن القرآن من حيث هو ذكر لا يغلبه باطل ولا يدخل فيه حالا ولا في مستقبل الزمان لا بإبطال ولا بنسخ ولا بتغيير أو تحريف يوجب زوال ذكريته عنه) (39) ، بل إن نفس القصة القرآنية نص القرآن على حقانيتها{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ}، وقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ}، وقوله تعالى: {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} فكيف تكون قصصهم حقاً، وليس وراءها واقع كما يدعي خلف الله؟ وكيف يكون القرآن أكمل وهو يقص التخيلات وينسج الاوهام؟ ومن قال إن الرسم القرآني الادبي للقصة القرآنية يعني بالضرورة عدم ملاحظة الجانب التاريخي؟ بل هناك مزاوجة بين التاريخ والادب وليس مجرد فن التمثيل.

ففن التمثيل القرآني غايته التأثير بالنفوس في حبكه للعبارات وصياغاته للمفردات وتراكيبه للجمل، متجنباً الوهم والخيال، ولو وقع ذلك لكان نقص في القرآن، لأنه مهمها صيغت المفردة القرآنية يبقى تأثيرها مجرد وهم وفرض لا واقع له، فتبقى حينئذ القصة القرآنية الفاظاً أدبية فارغة، والفراغ لا يساهم في التغير مهما وضع في قوالب مزينة.

ثم ما هو الداعي الذي لا يمكن أن تكون القصص القرآنية فناً أدبياً وتاريخاً واقعاً مع وفرة التجارب، وطول الزمن؟ يقول الدكتور بلتاجي: (إن الله تعالى -وهو القادر الحق - أعظم من أن يلجأ في كتابه المنزل -الذي أنزله لهداية الخلق جميعا - لاستخدام الباطل والأكاذيب ليجتذب بها العرب من معاصري نزوله إلى الإيمان ، وهو يعلم أن هذا الكتاب سيؤمن به غيرهم في أزمنة وأمكنة أخرى ، فما هي نسبة العرب الذين عاصروا نزول القرآن -وأتى بما عندهم من أساطير وأوهام كما زعموا- إلى من أسلم ويسلم في كل عصر ومكان حتى يرث الله الأرض ومن عليها ،و هل يصح مثل هذا القول إلا بناء على عقيدة ترى أن الإسلام (دين محلي) ، نزل إلى شبه الجزيرة في القرن السابع الميلادي ، واجتذبهم إلى الإيمان بموافقته لما كان عندهم من أوهام وخيالات وأباطيل تخالف التاريخ الحق ؟ وهل يعقل أن الله تعالى لم يعلم حال من سيؤمن بالقرآن من غير هؤلاء ، ممن تتكشف لهم حقيقة هذه (الأوهام) - كما زعم أصحاب النظرية ؟! وألا يقودنا القول بذلك إلى سؤال بالغ الأهمية هو : كيف يلجأ الخالق - جل وعلا عما يقولون - إلى موافقة خيالات وأوهام العرب الجاهلين وقت نزوله ، وهو القادر - بطريق القطع - على أن يصوغ كتابه المنزل من الحقائق المتفقة مع الواقع والتاريخ، التي تحدث أثرها من الموعظة والعبرة في نفس الوقت ؟ وألا يشبه هذا الزعم الذي تتضمنه هذه النظرية أن يكون حيلة بشرية يلجأ إليها البشر الضعاف المحدودو القدرة والعلم في سبيل اجتذاب الناس إلى دعواتهم ؟ أما أن يكون هذا أسلوباً إلهياً في تنزيل آخر الكتب المنزلة، فهذا ما لا يمكن أن تتصوره العقول من كل وجه) (40)

وأين هي المادة التاريخية التي حفظت لنا التاريخ بأمانة ومن غير تحريف؟ كي تكون هي الضابطة، هل ثبوتها في المدوونات التاريخية–مثلاً- ؟ ام تخزينها في ذاكرة الشعوب؟ أم ورودها في التوراة والانجيل؟ كيف، والتحريف قد أصاب كل الكتب السابقة للقرآن حتى السماوية منها. وأما الشعوب فلم تحفظ أسماء المدن والقرى المجاورة لقراها ومدنها، فكيف تحفظ تاريخ عمره آلاف السنين من غير زيادة ونقصان؟

اذاً لا يوجد تاريخ محفوظ قبل القرآن الكريم، وإنما كان الموجود عبارة عن اقاصيص تنسى نهاية النهار، ليس لها أي دور في المجتمع، ولم تساهم إلا سلباً في تكوين عقلية خيالية تؤمن بالأساطير والخرافات. ولو وجد فقد أصابه التحريف ومسخت حقيقته بما يناسب الحكومات الجائرة.

من هنا جاءت القصة القرآنية لتبين لنا مراحل التطور البشري، وتفاعله مع الرسالات السماوية، التي بها يعلم الله الجاهل، ويعمل العاقل. وينتبه الساهي، ويتذكر اللاهي، ويتعظ اللبيب، ويعتبر الحكيم. جاءت القصة القرآنية مطوية بأسرار التاريخ، ومفاتيح العلوم، التي بها يتكامل الإنسان نحو الغاية العظمى التي من أجلها خلق، وفضل على الملائكة، وصار خليفة الله في ارضه.

سبق طه حسين في كتابه (الشعر الجاهلي) خلف الله إذ يقول: (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل.. وللقرآن أن يحدثنا ايضاً.. ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة وبالقرآن لا يكفي للإثبات وجودهما التاريخي) ، وكذلك علي عبد الرزاق في كتابه (الاسلام واصول الحكم) . ومع التتبع نجد أن هؤلاء عيال على المستشرقين وما تلقفوه منهم ليعيدوا صياغته من جديد، فالمستشرق الالماني (هوروفيتش) صاحب الشبهات المعروف، والمستشرق الفرنسي (كازنوفا) ، أحد أهم اللبنات في تأسيس هذا الفكر المصدر.

 

محمد شحرور والقصص القرآني:

شكك شحرور في كثير من المسلمات القرآنية، ودعا الى عصرنتها، فشكك بالحدود الشرعية، ودعا الى استبدالها بما يناسب مزاجه، وأعترض على تعدد الزوجات، وأن الزواج لا يجوز إلا بالأرملة ذات الأيتام، وأباح ظهور المرأة عارية أمام محارمها، وأنكر الحجاب الشرعي، ودعا لتنصيف أرث الزوجة ..الخ

ويرى أن سنة النبي الخاتم (صلى الله عليه واله) ما هي الا اجتهاد النبي لتطبيق حدود الإسلام ضمن بيئته في الجزيرة العربية، وبالتالي فإن السنة غير ملزمة لنا بشيء.

لاشك أنّ نسبية الحقيقة هي الناظم الذي يشمل كل تلك الاطروحات بدءاً من تشكيك طه حسين في الوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) ، وفي واقعة بنائهما الكعبة، ومروراً بربط الدكتور حسين أحمد أمين لحد السرقة بظاهرة الأملاك المنقولة، وباعتبار الدكتور نصر حامد أبو زيد السحر والحسد والجن والشياطين ألفاظاً ذات دلالات تاريخية، وانتهاءً باعتبار الدكتور محمد شحرور جواز تأرجح الحدّ بين اجتهادين أعلى وأدنى. ولأن بحثنا في القصص القرآني فإننا نتتبع ما قاله شحرور في هذا الخصوص، لكن الذي يجب التأكيد عليه أن شحرور اخضع كل الالفاظ القرآنية للتحليل اللغوي، ولم يعتبر بالحقيقة الشرعية، ولا بالمنقولات. لهذا يرى أن شرط قراءة القصص قراءة معاصرة وواعية هي في رفع الايدلوجية عن النص، بتتبع من سار على الارض ونقب واكتشف. وبهذا الشرط يشرع شحرور من دراسته للقصة القرآنية بعدما اسس قناعاته الخاصة في فهم النص.

يقول: (إن للقصص القرآني دور كبير في إعادة تشكيل العقل الإسلامي وفق اسس علمية ومعرفية تجديدية مضموناً، ومنهجاً، وإعادة وضع القصص في موضعه الصحيح تتطلب قبل كل شيء عملية نقد لدوره السابق في المنظومة المعرفية الموروثة بغية الكشف عن البنية التفسيرية للتاريخ التي تعامل في إطارها العقل العربي مع التنزيل، وفسره وفقاً لمنهجيته وبنيته المعرفيتين.) (41) ، فأهم ما يركز عليه شحرور هو فصل السنة عن النص، بل إن أي دعوى لتجديد الفهم الديني مع الحفاظ على النظم المعرفية الموروثة والقديمة هي دعوى مضللة، لا تعد كونها اجتهاداً محكوماً بما ادعت المنظومة السلفية أنه من ثوابت الدين المعلومة منه بالضرورة، وثوابت الدين هذه لا تعد كونها إلا جسماً هلامياً من اختراع جيل التنصيص والتقعيد خارج ما نص عليه منطوق النص القرآني(42)

ويقول في موضع آخر: (فإننا نرى أنه لايمكن اعتبار القصص جزءاً من الرسالة التي بعثها الله وحياً وقصداً من عنده والتي تضمنت وصايا الله للإنسان، فحوت وصايا بتشريع معين تفاعلت مع إنسان ذلك العصر. وتبقى وظيفة القصص مقتصرة على تبيان هذا التفاعل وعلى تحقيق تصديق لهذه الرسالة أي مظنة للعبرة والادّكار الناتجين عن قراءة واعية لجدل العلاقة بين مضمون الرسالة وبين الواقع التاريخي الذي كانت فيه) (43) ، فشحرور يطوق القصص القرآني بأصحابها واشخاصها التي تدور حولهم الاحداث، وبتاريخها الذي تتحدث عنه، ولا يمكن ان تكون مصدراً للتشريع لضيق وظيفتها المناطة بها، ومنشئ هذه الشبهة مسألة تاريخية القرآن وما طرحه المستشرق تيودور نولدكه، ومحمد اركون، وعبد الكريم سروش، في الشرق.

وأهم ما يطرحه من شبهة هي: (أن القصص القرآني لا ينشئ احكاماً شرعية ملزمة على وجه التعيين تضبط السلوك الإنساني في مجال العقل العملي، وهذا ما قادنا – كما يقول- الى اخطر الاسئلة التي اعترضت وما زالت تعترض الفكر الإسلامي خلال تاريخه، وخصوصا الفترات التي نعيشها الآن، وهي: هل قوانين الشريعة وأحكامها من السنن الإلهية الثابتة؟ أم تخضع لسنن التاريخ وتطوره؟ وهل تخضع سنن التاريخ وتطوره لقوانين الشريعة؟ أم العكس هو الصحيح؟) (44)

من خلال تشكيكه بالثوابت الالهية يستطيع شحرور الدعوة إلى فكرة التجديد والتحديث في كل الثوابت، كالصلاة، والحج، والصيام، وولاية النبي وأهل بيته، والحدود، والمواريث، ليضع فهمه الخاص عليها، هذا كله مع اهمال السنة، وبالتالي ستكون النتيجة نسبية المعرفة حتماً، فكلاً يستطيع ان يضع رداءه على النص.

ومن القصة القرآنية يحاول أن يقرب فكرة مفادها من مقدمتين:

المقدمة الاولى: تحدثنا القصص عن مراحل التطور الإنساني، وتقدمه نحو التكامل في سيرورة انتقاله من الإدراك المشخص إلى الوعي المجرد. مع مساهمة الوحي في عملية التسريع.

المقدمة الثانية: تطور التشريعات الالهية من الصرامة والحدية، إلى الوعي القيمي بالضوابط الحدودية العامة، مع تنوع الشعائر وطقوسها ضمن اطار واحد عام هو الصلة بالله تعالى.

والنتيجة التي نظهر بها ويؤكد هو عليها، أن القصص القرآني ينبهنا الى مرحلة ما بعد الرسالات التي جاءت لتفعيل وإبراز العقل، وكبداية لمرحلة الرشد الانساني، التي من خلالها نُعمل العقل ونستغني عن كل شيء ما عدا النص القرآني الذي ينبغي تجديد فهمه وضرورة تحديث تفسيره بما يقوله العقل السليم، فإن مدرسة الرواية سيجت نص التنزيل بنصوص بشرية ليست من نوعه ولا بنيته ولا على منواله، ناهيك عن اختلافها عنه في المصدر والموثوقية التاريخية(45) . فلا مصدر كالقرآن. ولو سلمنا فكل مصدر غيره يحتاج الى وثوق تاريخي. ثم دعنا نتسائل ما هو الداعي بالرجوع بالتاريخ الى الوراء؟ لماذا نعطل العقل، ونرحل إلى عالم الاموات؟

أين محمد شحرور عن آية {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}، فما دامت الآية تأمرنا بالأخذ من رسول الله (صلى الله عليه واله) ، فهذا مصدر معتمد من القرآن الكريم نفسه، أما مسألة الوثاقة، فقد وضع علماء علم الرجال، وعلم الدراية قواعداً لتميز الصحيح والسقيم من الروايات، والاعراض عن السنة إعراضاً عن القرآن نفسه، فدعوة شحرور بالدقة هي فصل بين النبي بوصفه المبين والمفصح عن القرآن وبين القرآن نفسه، وهي الوجه الآخر لنظرية: حسبنا كتاب الله.

 

محمد ابو القاسم حاج حمد والقصص القرآني:

لا يختلف حاج حمد كثيراً مع محمد شحرور فهو يعلن ايضاً رفضه المطلق للسنة النبوية بكونها مختلقة وموضوعة، ويدعو للاكتفاء بالقرآن وحده، ويعتقد أن النبي (صلى الله عليه واله) نهى عن تدوين الحديث، ولا يوجد سبب لكتابة الحديث إلا لتقليد المسلمين لليهود كي يكون لهم تلمود في مقابل التلمود اليهودي(46) . لهذا انكر حاج حمد الكثير من المسلمات، وفسرها بما يناسب مزاجه، فرفض الحجاب، وانكر كل معجزات النبي (صلى الله عليه واله) ، الا القرآن. كما يعتبر تعدد القراءات من كشكشات العرب(47) .

ذهب حاج حمد في تفسيراته لقصص القرآن الى صحراء البيوضة(48) ليتيه مع الالفاظ التي البسها رداءً لايسترها، وثوباً من الغرب لا على قياسها في فهمه لألفاظ القرآن، فوقع في حيص وبيص مع معنى الخلق والجعل في قصة آدم، ونفى أن يكون لنوح (عليه السلام) ذرية، وأن ابن نوح الذي ناده بخطاب (يابني) ، ليس ابنه بل هو ابن الخطيئة من زوجته التي نص القرآن على ضلالها، بالتالي حرم التبني، وبين مساوئه، وذكر قصة يوسف فإن زليخا التي كانت قد تبنته راودته عن نفسه وهمَّا ببعضهما. وهذا ما تبناه شحرور ايضا.

أما إبراهيم (عليه السلام) ، فإن الطبيعة العقلية لإبراهيم، والتركيب الذهني له هي التي اوهمته أن الله تعالى يريد منه ذبح ولده، لما لعقليته من تعامل مباشر مع صور الاشياء، وليس مع رمزيتها، وهذا نجده واضحاً في الآيات التي تحدث بها عن الشمس والقمر وبزوغهما، فلما اعتراها النقص تخلى عنها ليكتشف الاله الواحد.

اذا يرى حاج حمد أن التراكم المعرفي لإبراهيم هو الذي اوقعه في دوامة من الشبهات، فإن رؤياه كانت منامية، والوحي لايكون الا يقظة، وهكذا حلى لحمد أن يخط عن الانبياء واحداً تلو الآخر بلا وعي ولا علم، وإنما من باب خالف تعرف.

وكي نرد على حاج حمد لابد من بيان عدة أمور:

1- رفضه السنة النبوية، اوقعه في مزالق لاتحمد عقباها.

2- عدم هضم مطالب علم الكلام وقع في القول بعدم عصمة الانبياء(عليهم السلام) .

3- جهله او تعمد الجهل بكثير من مطالب علوم القرآن، وأهم تلك المطلب هي (كيفيات الوحي) ، و(المعجزة)

الجوهر الاساسي في نقد حاج حمد هي ما بدأنا به مع شحرور وقوله تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}، فهذه الآية هي التي اعطت السنة النبوية الحجة الكبرى في قبولها والاخذ منها، فلا يمكن أن يكتفى بالقرآن وحده، لأن العقل قاصر على بيان آياته وتفسيرها. وبعد هذه الكبرى نرجع مع حاج حمد لنراه ينص بوضوح على عدم فهم عصمة الانبياء خصوصا عند كلامه عن يوسف (عليه السلام) ، لما روادتهامرأة العزيز عن نفسه، فاستعصم،فقصة يوسف من قصص الحب والغرام التي تعرض لها القرآن الكريم على نحو الستر البالغ، مع دقة الوصف، وعفة البيان. تبتدأ القصة بالمشهد التالي: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}، ولفظة (راود) تستعمل في اللسان العربي للتعبير عن الحاجة المشفوعة بإصرار شديد، وزوجة العزيز كانت مصرة على تلبية يوسف لدعوتها، لكن كيف كان هذا الاصرار؟ وما حال امرأة العزيز في ذلك اليوم؟ كل هذا وغيره أعرض عنه القرآن مراعاة لعفة البيان. ثم أن تعبير القرآن (التي هو في بيتها) كاشف عن مدى سلطة امرأة العزيز، فغلقت الابواب، واختلت بيوسف، حتى دعته لنفسها بقولها: (هيت لك) ، وهذا المشهد في قمة المشاهد العاطفية بعبارة اختصرت الكثير، وببيان طوى مشاهد الملكة الفاتنة التي سلمت نفسها ليوسف، تعالوا للنظر كيف صور السيد العلامة هذا المشهد: (كان يوسف (عليه السلام) رجلا ومن غريزة الرجال الميل إلى النساء، وكان شابا بالغا أشده وذلك أوان غليان الشهوة وثوران الشبق، وكان ذا جمال بديع يدهش العقول ويسلب الألباب والجمال والملاحة يدعو إلى الهوى والترح، وكان مستغرقا في النعمة وهنيء العيش محبورا بمثوى كريم وذلك من أقوى أسباب التهوس والإتراف، وكانت الملكة فتاة فائقة الجمال وكذلك تكون حرم الملوك والعظماء.

وكانت لا محالة متزينة بما يأخذ بمجامع كل قلب، وهي عزيزة مصر وهي عاشقة والهة تتوق إليها النفوس وتتوق نفسها إليه، وكانت لها سوابق الإكرام والإحسان والإنعام ليوسف وذلك كله مما يقطع اللسان ويصمت الإنسان، وقد تعرضت له ودعته إلى نفسها والصبر مع التعرض أصعب، وقد راودته هذه الفتانة وأتت فيها بما في مقدرتها من الغنج والدلال، وقد ألحت عليه فجذبته إلى نفسها حتى قدت قميصه والصبر معها أصعب وأشق، وكانت عزيزة لا يرد أمرها ولا يثنى رأيها، وهي ربته خصه بها العزيز، وكانا في قصر زاه من قصور الملوك ذي المناظر الرائقة التي تبهر العيون وتدعو إلى كل عيش هنيء.

وكانا في خلوة وقد غلقت الأبواب وأرخت الستور، وكان لا يأمن الشر مع الامتناع، وكان في أمن من ظهور الأمر وانهتاك الستر لأنها كانت عزيزة بيدها أسباب الستر والتعمية، ولم تكن هذه المخالطة فائتة لمرة بل كان مفتاحا لعيش هنيء طويل، وكان يمكن ليوسف أن يجعل هذه المخالطة والمعاشقة وسيلة يتوسل بها إلى كثير من آمال الحياة وأمانيها كالملك والعزة والمال.

فهذه أسباب وأمور هائلة لو توجهت إلى جبل لهدته أو أقبلت على صخرة صماءلأذابتها ولم يكن هناك مما يتوهم مانعا إلا الخوف من ظهور الأمر أو مناعة نسب يوسف أو قبح الخيانة للعزيز.

أما الخوف من ظهور الأمر فقد مر أنه كان في أمن منه.

ولو كان بدأ من ذلك شيء لكان في وسع العزيزة أن تؤوله تأويلا كما فعلت فيما ظهر من أمر مراودتها فكادت حتى أرضت نفس العزيز إرضاء فلم يؤاخذها بشيء وقلبت العقوبة ليوسف حتى سجن.

و أما مناعة النسب فلو كانت مانعة لمنعت إخوة يوسف عما هو أعظم من الزنا وأشد إثما فإنهم كانوا أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب أمثال يوسف فلم تمنعهم.

شرافة النسب من أن يهموا بقتله ويلقوه في غيابت الجب ويبيعوه من السيارة بيع العبيد ويثكلوا فيه أباهم يعقوب النبي (عليه السلام) فبكى حتى ابيضت عيناه.

وأما قبح الخيانة وحرمتها فهو من القوانين الاجتماعية والقوانين الاجتماعية إنما تؤثر أثرها بما تستتبعه من التبعة على تقدير المخالفة، وذلك إنما يتم فيما إذا كان الإنسان تحت سلطة القوة المجرية والحكومة العادلة، وأما لو أغفلت القوة المجرية أو فسقت فأهملت أو خفي الجرم عن نظرها أو خرج من سلطانها فلا تأثير حينئذ لشيء من هذه القوانين كما سنتكلم فيه عن قريب.

فلم يكن عند يوسف (عليه السلام) ما يدفع به عن نفسه ويظهر به على هذه الأسباب القوية التي كانت لها عليه إلا أصل التوحيد وهو الإيمان بالله.

وإن شئت فقل المحبة الإلهية التي ملأت وجوده وشغلت قلبه فلم تترك لغيرها محلا ولا موضع إصبع) ، هذا هو يوسف، وهؤلاء هم الانبياء، الذين امتلئت قلوبهم بعشق الله عز وجل، فلا مكان الا له، وهذا بحق هو قمة التوحيد. أما يحلو لبعض المفسرين، وبعض من يعيش الفراغ العلمي الذين راحوا يتخيلون أنفسهم ويكتبون عن الانبياء الذين اصطفاهم الله تعالى، وطهرهم ونزههم.

 

تقي الحسني

.............................

(1) حنا الفافوري، الجامع في تاريخ الادب العربي، الادب الحديث: 75

(2) لسان العرب، مادة: قصص

(3) القصص: 11

(4) الكهف: 64

(5) معجم مقاييس اللغة، مادة: قص

(6) لسان العرب: مصدر سابق

(7) مفاتيح الغيب،74:8

(8) التمهيد في علوم القرآن:444،7

(9) محمد باقر الحكيم، علوم القرآن: 374

(10) شكك البعض في هذا الغرض للقصص القرآني، وأن القصة القرآنية قاصرة على اثبات الوحي، وأنها ليست من الاعجاز بشيء، كما سيأتي.

(11) في ظلال القرآن: 33،13

(12) المصدر السابق:130،8

(13) تفسير الميزان: 91،7

(14) ميزان الحكمة: 313،8

(15) في ظلال القرآن: مصدر سابق

(16) لوي تولستوي، الدور الديني للفن، ترجمة، عزت الله فولادوند، فصيلة(هنر) ، العدد 26، خريف1991، 33،32. بتصرف

(17) محمود البستاني، اسلوب القصة:163،2

(18) انظر الإعجاز في دراسات السابقين: 394 . عبد الكريم الخطيب، القصص القرآني: 230

(19) د. محمد محمود حجازي، الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم: 319.

(20) الفن القصصي في القرآن: 248

(21) روح الاجتماع: 22

(22) البرهان في علوم القرآن: 9،3

(23) الكشاف: 385،3. بتصرف

(24) برفيسور تركي، وباحث في التاريخ العربي والاسلامي.

(25) ينظر: عبد العظيم الديب، المستشرقون والتراث، مكتبة ابن تيمية، المحرق، البحرين، ط1، 1406 – 1986م، ص26.

وينظر: عبد الستار الحلوجي، جهود المستشرقين في مجال التكشيف الإسلامي، مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية، العدد 6، 1396/ 1976م، ص728 – 730. ومالك بن نبي، إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، طبعة الرشاد، بيروت، 1969م. وعائشة عبد الرحمن، تراثنا بين ماض وحاضر، دار المعارف، مصر.

(26) ينظر: محمد حسين علي الصغير، المستشرقون والدراسات القرآنية، ص74 – 75.

(27) ينظر: محمد حسين علي الصغير، المستشرقون والدراسات القرآنية، ص75.

(28) ينظر: عبدالجبار عبدالرحمن، ذخائر التراث العربي الإسلامي، وصلاح الدين المنجد، معجم المخطوطات العربية، وكارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي.

(29) الفن القصصي في القرآن الكريم: ط4، 62

(30) المصدر السابق: 51

(31) المصدر السابق: 53،52

(32) تفسير الميزان: 106،3

(33) الفن القصصي في القران:69

(34) المصدر السابق: 178

(35) المصدر السابق: 169

(36) المصدر السابق: 87

(37) الفن القصصي في القرآن الكريم: 365،2.

(38) المصدر السابق: 209

(39) تفسير الميزان: 53،12

(40) مدخل إلى علم التفسير: 188

(41) القصص القرآني، قراءة معاصرة: 19

(42) القصص القرآني، قراءة معاصرة: 19. بتصرف

(43) القصص القرآني قراءة معاصرة: 22

(44) المصدر السابق.

(45) المصدر السابق: 24

(46) أبستمولوجيا المعرفة الكونية: 99

(47) منهجية القرآن المعرفية: 69

(48) وهي صحراء تقع شمال الخرطوم السودانية، نسبة الى مسقط رأسه.

abdullah badrhskandarالمفاهيم الكبرى المبيِنة للأحكام المنزلة على أهل الكتاب لا تخرج عن أخذ الميثاق وما يتفرع عليه من المصاديق العملية المتعلقة في تنظيم ما تنص عليه الأوامر التشريعية، باعتبار أن الكتب السماوية كفيلة بتبيان المنهج الإلهي مضافاً إليه ما يستجد من الجوانب التي تحتاج إلى ترسيخ أعمق لأجل أن تحيط بجميع الأبعاد المصاحبة للتشريعات، وكذا ما يرجع إليها من المصاديق الثانوية المتصلة بالتقسيمات المعدة سلفاً والتي يمكن التوصل إليها بواسطة التفاصيل المشار إليها في جل الكتب المنزلة على الأنبياء ومن هنا كان الأمر الموجه إلى بني إسرائيل بأن يأخذوا ما في التوراة بقوة، والقوة كما هو ظاهر في سياق البحث الذي سيمر عليك بيانه فيها نوع من العموم، فهي لا تقتصر على القوة البدنية أو المعنوية وإنما هي جامعة للأمرين معاً لكي يتم استيعاب المفاهيم العامة التي ينادي بها الأنبياء، والتي نزلت على ضوئها الكتب حاملة للتشريع.

وبناءً على ما تقدم يظهر أن الأوامر الموجهة إلى بني إسرائيل لا تبتعد كثيراً عن المعنى الحرفي عند إرادة تطبيقها ومدى تعلق ذلك التطبيق بإطاعة الأوامر واجتناب النواهي، وتعليلاً لكثرة الأخطاء الواردة في مسيرتهم العملية نلاحظ أن نتائج العقاب الذي حل بهم كان بسبب اعتمادهم على الخداع والالتفاف على الأحكام الشرعية دون وجه حق، ولذا تراهم قد ابتدعوا ما يسمى بالحيل الشرعية في مسألة اصطياد الحيتان وسيمر عليك ذلك من خلال تفسير الآيات التي نحن بصددها، وعند تأمل هذا الأمر نلاحظ أنه يكاد يتقارب مع ما يذهب إليه ضعاف الإيمان في هذه الأمة الذين لا يزالون يتمسكون بحرفية التشريع دون النظر إلى الغايات، ولهذا فهم يعمدون إلى الحيل الشرعية ظناً منهم أنها من المباحات أو الرخص التي أقرها الشرع، ولهذا السبب نرى أن هناك مجموعة من الطاعات أو الالتزامات العملية قد أخذت جانباً آخر لدى بعض الناس الذين يعتقدون أن عملهم هذا مطابقاً للتشريع الإلهي، وهذا ما يجعل أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً.

من هنا نعلم أن الحق سبحانه قد أشار إلى هذا السنخ من الناس بقوله: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً... الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) الكهف 103- 104. وكذا قوله تعالى: (وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) الزخرف 37. ومن الأمثلة على ذلك:

أولاً: ما يرفع من أعلام كتب عليها واعتصموا بحبل أهل البيت جميعاً ولا تفرقوا ونحن نعلم أن الاعتصام بحبل أهل البيت من الأشياء العظيمة، إلا أن وضعه في سياق كهذا يعد تحريفاً لكتاب الله تعالى وما أقبحها من حسن نية.

ثانياً: ما يرفع من أعلام كتب عليها انتخبوا القوي الأمين... ولا تعليق.

ثالثاً: ما يتصدر بعض المقالات من عناوين تبدأ بقوله تعالى: (ويسألونك) ولكن تكملة هذا اللفظ تنسب إلى أغراض متدنية لا يراد منها إلا الجهل الذي مني به أصحاب تلك المقالات.

وقفة مع آيات البحث:

قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) البقرة 63. الطور هو الجبل، ويظهر بيان ذلك بصورة أكثر تجلياً إذا أضفنا إلى هذه الآية قوله تعالى: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) الأعراف 171.

وفي الميثاق ثلاثة أقوال:

الأول: أمرهم الله تعالى بأن يعملوا بالأحكام الواردة في التوراة فكرهوا ذلك فرفع فوقهم الطور.

الثاني: الميثاق المأخوذ على بني آدم وهم من أكبر مصاديقه وذلك لكثرة ما أرسل إليهم من أنبياء.

الثالث: ما أخذه الله تعالى على الرسل وأتباعهم من الإيمان بالنبي الخاتم (ص) ولهذا السبب كان امتناعهم. وعندي أن الرأي الأول هو الأرجح.

أما تسمية الجبل بالطور فقد ذكر المفسرون لها عدة أسباب أهمها:

أولاً: معنى الطور الجبل بالسريانية.

ثانياً: ما أنبت من الجبال فهو طور، وما لم ينبت فليس بطور.

أما المراد بالقوة فقد ذكروا لها مجموعة من الأقوال:

أولها: الجد والاجتهاد.

ثانيها: الطاعة.

ثالثها: العمل بالأحكام الواردة بالتوراة. والأخير هو الأقرب.

أما الذكر ففيه قولان:

الأول: ذكر الثواب والعقاب.

الثاني: دراسة ما فيه.

وقوله تعالى: (لعلكم تتقون) أي تتقون العقوبة عند تخلفكم عن اتباع الأحكام التي ذكرت فيها الأوامر والنواهي.

قوله تعالى: (ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين) البقرة 64. أي أعرضتم عن العمل بما في التوراة وكذا عن الميثاق والوفاء به، ومن مصاديق ذلك:

أولاً: تحريفهم للتوراة وترك العمل بها.

ثانياً: قتل الأنبياء والكفر بتعاليمهم.

قوله تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) البقرة 65. الآية تشير إلى قوم كانوا في زمن داود كما قيل وكانوا يسكنون على ساحل البحر، وهم الذين ذكرهم تعالى بقوله: (وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون) الأعراف 163. وكما هو ظاهر من السياق فقد نهاهم الله تعالى عن صيد الحيتان في اليوم المذكور ابتلاءً لهم واختباراً لإيمانهم وإثبات الحجة عليهم، وهذه السنة جارية في جميع خلقه سبحانه، كما ذكر ذلك في قوله: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون... ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) العنكبوت 2- 3. وبالرجوع إلى بني إسرائيل نجد أنهم لم يجتازوا الاختبار، وبدأ الضعف يدب فيهم عند رؤيتهم للحيتان أي الأسماك وهي تملأ البحر بطريقة لم يألفوها من قبل، ولهذا أخذوا بالاحتيال على الأمر الإلهي فشرعوا في حفر الأحواض الكبيرة التي تدخلها الحيتان دون أن تخرج منها وذلك بعد فصلها عن البحر، فإذا جاء يوم الأحد استخرجوها من الأحواض بكل يسر، وهذا هو الاعتداء الذي أشار إليه تعالى في موضوع البحث وكذا في آية الأعراف.

فإن قيل: ما الغرض من ذكر هذه الواقعة في القرآن الكريم؟ أقول: ذكرت هذه الواقعة في القرآن الكريم لأجل إظهار معجزة النبي محمد (ص) لأن الخطاب كان موجهاً لليهود الذين عاصروه، وهذا يدل على أن إخباره لهم بما علموا خير دليل على صدق رسالته، ولذلك صدر تعالى الآية بقوله: (ولقد علمتم) هذا من جهة، ومن جهة أخرى يظهر أن في الآية تحذير من إنزال العذاب عليهم كما أنزله على أسلافهم وذلك بسبب تمردهم في هذه الحادثة، إضافة إلى أن في الواقعة عبرة لمن يحاول الالتفاف على نهج الله تعالى وتشريعه كما قدمنا في معرض حديثنا، ولهذا كانت العقوبة التي عاجلهم الله تعالى بها فيها نوع من المسخ والخسوء في آن واحد.

فإن قيل: هل كان المسخ مادياً أم معنوياً؟ أقول: ذكرنا في كتابنا هذا أن كلا الأمرين جائز في المسخ، وقد ذكر مكارم في تفسير الأمثل: أن المسخ هو تغيير الشكل الإنساني إلى الصورة الحيوانية، ومن المسلم أنه حدث على خلاف العادة والطبيعة، على أنه قد شوهدت حالات جزئية من (موتاسيون) والقفزة وتغيير الشكل في الحيوانات إلى أشكال أخرى، وقد شكلت فرضية التكامل في العلوم الطبيعية الحاضرة. ولكن الموارد التي شوهدت فيها الموتاسيون والقفزة إنما هي صفات الحيوانات الجزئية، لا الصفات الكلية يعني أنه لم يشاهد إلى الآن نوعاً من أنواع الحيوان تغير على أثر الموتاسيون إلى نوع آخر، بل يمكن أن تتغير خصوصيات معينة من الحيوانات، إضافة إلى أن هذه التغييرات إنما تظهر في الأجيال التي توجد في المستقبل، لا أن يحصل هذا التغيير في تولد الحيوان من أمه.

ويضيف مكارم: وعلى هذا الأساس يكون تغيير صورة إنسان أو حيوان إلى صورة نوع آخر أمراً خارقاً للعادة، ولكن يذكر أن هناك أموراً تحدث على خلاف العادة والطبيعة، وهذه الأمور ربما تقع في صورة المعاجز التي يأتي بها الأنبياء، وأحياناً تكون في صورة الأعمال الخارقة للعادة التي تصدر عن بعض الأشخاص، وإن لم يكونوا أنبياء وهي تختلف عن معاجز الأنبياء طبعاً. وبناءً على هذا وبعد القبول بإمكان وقوع المعاجز وخوارق العادات، لا مانع من مسخ صورة إنسان إلى إنسان آخر، ولا يكون ذلك مستحيلاً تأباه العقول، ووجود مثل هذه الخوارق للعادة لا هو استثناء وخرق لقانون العلية، ولا هو خلاف العقل، بل هو مجرد كسر قضية عادية طبيعية. وبناءً على هذا لا مانع من قبول المسخ على ما هو عليه في معناه الظاهري الوارد في الآية.

وأضاف في الأمثل: من أن بعض المفسرين وهم الأقلية قالوا إن المسخ هو المسخ الروحاني والانقلاب في الصفات الأخلاقية، بمعنى ظهور صفات مثل صفات القرود أو الخنازير في الطغاة والمتعنتين، مثل الإقبال على التقليد الأعمى والتوجه الشديد إلى البطنة والشهوة، التي هي صفات بارزة لهذين الحيوانين. انتهى بتصرف يسير منا.

قوله تعالى: (فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين) البقرة 66. اختلف المفسرون في إرجاع الضمير إلى عدة وجوه:

الأول: إلى حالة المسخ، أي جعلنا مسخهم قردة نكالاً لمن عاصرهم وكذا من جاء بعدهم.

الثاني: إلى القرية أي جعلنا قرية أصحاب السبت نكالاً لما بين يديها وما خلفها.

الثالث: إلى هذه الأمة، أي جعلنا هذه الأمة نكالاً لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين. والنكال هو العقوبة الشديدة أو العبرة.

والذي أميل إليه هو الرأي الأول وذلك للمذكور المتقدم فتأمل.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

   عبدالله بدر اسكندر  

 

 

abdullah badrhskandarالأدلة العقلية والبراهين اليقينية الموصلة إلى معرفة الاعتقاد الملازم للمنهج السليم لا تتقارب كلياً مع القيم المجانبة للسلوك الفطري وإن كانت الأخيرة لا تبتعد كثيراً عن الصورة الواقعة تحت الروابط العملية بجميع مكوناتها، ويمكن استنتاج هذا المعنى قياساً إلى تخلف أتباع الشرائع الأخرى لا سيما في عهد التنزيل عن القيد التابع للموازين الإلهية، وعلى ضوء هذا البيان نعلم أن الشروط العامة لسلامة الناس يوم القيامة لا يمكن أن تخضع للمسميات الشرعية بما هي مسميات، وإنما يجب أن يقرر عن طريقها معرفة التفاصيل الشاملة المتعلقة بالمنهج المنزل من عند الحق سبحانه والمفروض على الناس من خلال إرسال الرسل وإنزال الكتب، ومن هنا فقد يظهر الأمر جلياً في الارتباط السببي بين قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) البقرة 62. وبين الآيات السابقة التي تحدثت عن بني إسرائيل بطريقة تقريعية.

وبناءً على ما تقدم من بيان نلاحظ أن السياق يضع حداً بين فترتين لا تفاضل لإحداهما على الأخرى إن لم يكن الإيمان المصاحب للعمل الصالح هو المقياس الفاعل في تعريف الاتجاهات المعتمدة لدى أصحاب الشرائع المذكورة على اختلاف طرق ومشارب التفكير السائدة عندهم، أو النظرة العامة التي تربطهم بالعقيدة الصحيحة إذا ما كان إيمانهم آخذاً بالاستقرار على الثابت الديني سواء في الفترة التي مرت عليهم قبل عهد النبي (ص) أو عند معاصرتهم إياه مع الحفاظ على البشارات السابقة التي تلقوها عن أنبيائهم والتي تبيّن صفاته (ص) بأتم بيان، وهذا ما يجعل تمسكهم بالتوراة سبباً للدخول في الدين الجديد وعند ذلك سوف تتطابق الرؤى الإيمانية بينهم وبين أتباع القرآن الكريم، ويمكن معرفة ذلك من خلال تصدر الآية بقوله تعالى: (إن الذين آمنوا) وصولاً إلى قوله: (من آمن بالله واليوم الآخر)... فكأن الآية تشير إلى أن المؤمنين برسالة النبي (ص) سواء منهم أتباعه أو أتباع غيره من الأنبياء، فهؤلاء وإن اختلفت شرائعهم إلا أن الأصل الملازم لهم لا يخرج عن الاقتداء به (ص) والسير على هداه، وعند ذلك سوف تتلاشى المسميات التي جعلت أقرب إلى الصفات الخاصة بكل شريعة دون أن يكون هناك أثراً مسوغاً لهذا الاختلاف، ومن هنا أراد الحق سبحانه إزالة هذا الإبهام الذي هو من صنع الناس أنفسهم.

فإن قيل: كيف أدخل الله تعالى المؤمنين في الآية، ثم قال: (من آمن بالله واليوم الآخر)... أليس هذا من باب تحصيل الحاصل؟ أقول: أراد سبحانه المؤمنين الذين استقر الإيمان في قلوبهم بحيث أصبحت أقوالهم لا تناقض أفعالهم، ولذلك ترى أن القرآن الكريم قد أخرجهم عن فئة المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ومن هنا نستطيع إثبات الشرط اللازم لهذه التسمية، وهذا المعنى نظير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً) النساء 136. وأنت خبير بأن في الآية بيان للشروط الداعية إلى الإيمان بجميع ما أنزله الله تعالى على لسان رسله، وهذا يجري في المسلمين وفي غيرهم من أصحاب الشرائع الأخرى، وقياساً إلى ذلك نجد أن التفاصيل اللاحقة لقضية الإيمان قد أنزلت بطريقة مسلّمة يرتبط كل وجه منها بالوجه السابق من جهة، ومن جهة ثانية يتصل بالوجه اللاحق وإذا ما دخلنا أكثر إلى عمق السياق سوف نصل إلى أن الإيمان بحقيقة واحدة من الحقائق المذكورة لا تكتب له الاستقامة إلا بالإيمان بجميع المستلزمات المشار إليها.

من هنا نعلم أن سياق البحث قد بين الصورة المعبرة عن الموقف الشامل للطوائف المذكورة بغض النظر عن الفرق الظاهر بين طائفة وأخرى شريطة الالتزام الموافق للمناهج الخاصة التي جاء بها الرسل، مع مراعاة الكيفية التي يتم بواسطتها الانتقال من منهج إلى آخر. فإن قيل: ماذا تعني أسماء الفرق التي ورد ذكرها في آية البحث؟ أقول: أشرنا إلى معنى الذين آمنوا من خلال البحث، إلا أن هناك وجوهاً أخرى تطرق المفسرون إليها أذكر منها:

أولاً: المقصود من الذين آمنوا أي آمنوا برسالة النبي (ص) في الماضي بغض النظر عن الفرقة التي ينتمون إليها، وبهذا يكون قوله تعالى: (من آمن بالله) من آية البحث. فيه إشارة إلى المستقبل، وقد يؤيد هذا الوجه بقول الحق سبحانه: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم) القتال 2. والنكتة ظاهرة في تكرار قوله: (آمنوا) الذي يتقارب مع موضوع البحث.

ثانياً: المراد من الذين آمنوا أي الذين يؤمنون بألسنتهم دون قلوبهم وهم المنافقون، وبهذا يكون السياق آخذاً بالترقي من المنافقين ثم اليهود والنصارى وصولاً إلى الصابئين.

ثالثاً: الذين آمنوا قبل البعثة وأقروا بالبراءة من الطرق المتخذة من قبل اليهود والنصارى.

أما قوله تعالى: (والذين هادوا) فقد اختلف المفسرون فيه على عدة آراء:

الرأي الأول: أطلق عليهم هذا الاسم لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة.

الرأي الثاني: اشتقت هذه التسمية من يهوذا وهو أكبر أبناء يعقوب، ولهذا عرب الاسم عند انتقاله إلى العرب الذين من عادتهم تعريب الأسماء مع ما يناسب لسانهم.

الرأي الثالث: إن الاسم مشتق من قوله تعالى: (إنا هدنا إليك) الأعراف 156. أي تبنا إليك.

أما النصارى فقد ذكر المفسرون لتسميتهم مجموعة من الآراء أهمها:

أولاً: نسبة إلى قرية الناصرة وهي القرية التي نزلها المسيح.

ثانياً: أطلق عليهم هذا الاسم وذلك لتناصرهم فيما بينهم.

ثالثاً: السبب المباشر في هذه التسمية يرجع إلى قول عيسى للحواريين من أنصاري إلى الله، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله: (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله) آل عمران 52. وقريب منه الصف 14.

أما الصابئة فقد أخذت تسميتهم من صبا وتعني خروج الإنسان عن دينه والدخول في دين آخر، ولذلك أطلق العرب على النبي (ص) هذا الاسم لأنه أظهر ديناً آخر، وكذا قولهم صبأت النجوم إذا خرجت من مطلعها، وللمفسرين فيهم مجموعة من الأقوال:

الأول: هم قوم كالمجوس.

الثاني: هم صنف من النصارى.

الثالث: هم فرقة من أهل الكتاب.

الرابع: هم السائحون المحلقة رؤوسهم.

الخامس: هم قوم بين اليهود والنصارى.

السادس: هم قوم بين المجوس والنصارى ليس لهم دين.

السابع: هم قوم يصلون إلى القبلة، ويعبدون الملائكة.

الثامن: هم قوم يقولون لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي.

التاسع: هم قوم دينهم شبيه بدين النصارى، ويزعمون أنهم على دين نوح.

العاشر: هم أهل دين يسكنون في العراق ويقولون لا إله إلا الله، ويزعمون أن نبيهم هو يحيى بن زكريا.

فإن قيل: هل يصح القول إن آية البحث منسوخة بقوله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) آل عمران 85. كما ذكر ذلك غير واحد من المفسرين؟ أقول: ليس في الآيتين ناسخ ومنسوخ بل هناك تماثل بينهما من وجه، لأن الإسلام المشار إليه في أية آل عمران أو الذي يفهم من آية البحث لا يراد منه الإسلام المتعارف عليه، وإنما فيهما إشارة إلى الإسلام الشامل الذي أرسل الله تعالى به جميع رسله وأنزل فيه كتبه، فهو لا يقتصر على فئة دون أخرى، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله) المائدة 44. وقد يعضد هذا المعنى بقوله تعالى: (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين... ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) البقرة 131- 132. وبهذا يظهر أن آية البحث قد حملت هذا المعنى في مفهومها الذي تلتقي عليه جميع الفرق، شريطة الإيمان بالرسالة اللاحقة من قبل أتباع كل شريعة من الشرائع السابقة وصولاً إلى المعنى المصطلح للإسلام فتأمل ذلك بلطف.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

   عبدالله بدر اسكندر  

 

abdullah badrhskandarإذا ما أردنا المقارنة بين الأشياء المعنوية وما يقابلها من الماديات فلا جرم أن النتائج سوف تفقد الامتياز المقرر لها إن لم تكن متطابقة مع المعطيات اليقينية المرتبطة بالنهج السليم الذي ارتضاه الحق سبحانه وأنت خبير بأن اتباع النهج الرباني يقتضي أن يجعل للتفوق الإيماني ظهوراً طاغياً على جميع الأشكال المادية مما يجعلها تنحسر أمام أهون الأسباب دون أن تراعى فيها القيم المعتادة لدى الناس، ومن الأمثلة على ذلك ما نشاهده من نبذ الإنسان لأهم متطلباته المادية وإيثار المعنويات عليها وصولاً إلى الرقي المتكامل الذي يحقق له المحافظة على القدر اللازم لمعرفة السبيل القويم، وبهذا يكون أمامه مجموعة من الخيارات تشترك جميعها في إبقائه على ما هو عليه من العهد الذي قطعه في التسليم لله تعالى أو إخراجه من هذا العنوان ليصبح كالأنعام بل هو أضل، وبالتالي يحدث التباعد بينه وبين المستلزمات المعنوية التي أقرها الشرع وجعلها في منأى عن الاتجاه المادي السقيم الذي لا يكتب له الثبات أمام المغريات.

من هنا نرى أن القرآن الكريم قد بين مجموعة من الصور التي يرتقي الإنسان بواسطتها إلى المكانة التي يجب أن يكون عليها نابذاً كل الاهتمامات التي يجعلها بعض الناس ضمن أولويات حياتهم، ولذلك نلاحظ أن الإيثار قد ظهر بأبهى صوره لدى أصحاب الكهف عند تفضيلهم للطعام الطاهر على الرغم من حاجتهم الماسة لأي نوع من أنواعه ولهذا كان اتفاقهم على أزكى أنواع الطعام دون المذاق الحاصل منه، وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى حكاية عنهم بقوله: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً) الكهف 19. والإشارة بالزكاة إلى الطعام تقيد حليته على الرغم من الجوع الحاصل لديهم بسبب انقطاعهم عن الأكل مدة طويلة، وهذا المعنى يجعلنا نصل إلى موقف آخر يتمثل في إيثار أولياء الله تعالى للطعام وهم بأمس الحاجة إليه، وقد بين تعالى ذلك في قوله: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً... إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً) الإنسان 8- 9.

وإذا ما تأملنا هذه الصور المعنوية نجد أن هناك ما يقابلها من الصور المادية التي تنحدر بأصحابها إلى أسفل دركات الأرض، وعلى رأس هذه الصور تلك الصورة السيئة لبني إسرائيل الذين تفضل الله تعالى عليهم بأرقى أنواع الطعام إلا أنهم أرادوا استبدال ذلك الطعام بما هو أدنى منه، ولهذا رسم القرآن الكريم هذه الصورة بأسمى بيان وذلك في قوله تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) البقرة 61.

فإن قيل: الرغبة إلى اختيار الطعام من متطلبات الحياة التي اعتاد الإنسان عليها، وهو بطبيعته لا يستطيع الإبقاء أو الصبر على نوع واحد من الطعام وهذا يبين أن طلباتهم كانت مشروعة فلماذا قرعهم الله تعالى؟ أقول: قد يمر الإنسان في مرحلة من المراحل لم يكن أمامه إلا الاختيار الأصعب إذا ما حصل تزاحم بين الأهم والمهم، ولهذا كان لزاماً على بني إسرائيل أن يصبروا على الطعام الذي أنزله الله تعالى عليهم وذلك تزامناً مع المرحلة التي مروا بها حيث لم يكن أمامهم إلا التضحية بالطعام المعتاد لديهم وذلك لأجل إنجاح المهمة التي كلفوا بها أما خلاف ذلك فإن الرغبة إلى اختيار نوع الطعام غير مذمومة ولهذا السبب كان تقريعهم.

فإن قيل: الذائقة في الطعام تختلف بين إنسان وآخر فقد نرى بعض الناس يميل إلى البصل دون العسل إضافة إلى ذلك لو أردنا تبيان القيمة الغذائية للطعام الذي ذكروه في معرض حديثهم مع موسى قبال ما أنزل عليهم، نجد أن ما ذكر على لسانهم يحتوي على كثير من الفوائد التي لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنها خلافاً لما كان يقدم إليهم، فلماذا وصف الله تعالى ما أرادوه من الطعام بأنه أدنى من المن والسلوى في قوله: (اتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) من آية البحث؟ أقول: الإشارة إلى خيرية الطعام لا ترجع للقيمة الغذائية المتعارف عليها، وإنما ذكر التفاضل في هذا الموضع لأجل إظهار الفرق بين الرزق النازل عليهم من الله تعالى دون توسط الأسباب الطبيعية وبين الرزق الذي تتدخل فيه الأسباب ولهذا تعتبر الأرزاق المباشرة أهم وأرقى وذلك نظراً للإعجاز الظاهر فيها، وهذا الأمر يكاد يتقارب مع الرزق الذي كانت تتلقاه مريم بطريقة غير مألوفة مما جعل زكريا يتساءل عن مصدر ذلك الرزق المنزل إليها، وقد صور الحق سبحانه هذه الواقعة بقوله: (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) آل عمران 37.

فإن قيل: هل كانت حاجتهم لاستبدال الطعام هي الداعي لهذا الطلب أم أن هناك أشياء أخرى مجهولة؟ أقول: لم يكن الطلب المشار إليه هو الجوهر الذي تسبب في اعتراضهم على نوع الطعام المنزل إليهم وإنما يرجع السبب في ذلك إلى استخفافهم بالأوامر الملقاة على عاتقهم، وذلك لتمكن حب المادة في نفوسهم حتى أصبحوا لا ينظرون إلى الأشياء الخارقة إلا من طرف خفي، وهذا الطلب يكاد يتقارب مع طلب رؤيتهم الله تعالى جهرة، كما في قوله سبحانه: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) البقرة 55. ولذلك أراد هؤلاء أن يكون الطعام الذي يسد حاجتهم فيه بعض المشقة التي دأبوا عليها في طريقة عيشهم منذ أن كانوا في مصر ولغاية إخراجهم منها، ومن هنا كان اعتقادهم أن كل ما يحدث أمامهم فيه شيء من الخديعة من قبل موسى، ظانين أن هذه الأفعال قد تقودهم إلى مصير مجهول يؤدي إلى نهايتهم ولذلك تراهم في عناد مستمر إزاء كل الأوامر التي تصدر إليهم، حتى وصل بهم الأمر إلى عدم الامتثال إلا إلى اقتراحاتهم اللا معقولة فتأمل.

فإن قيل: هل المقصود من مصر التي أمروا بالهبوط إليها هي مصر فرعون؟ أقول: للمفسرين في هذا الباب مجموعة من الآراء أهمها:

أولاً: مصر فرعون وإن شئت فقل البلد المعروف بهذا الاسم، وهذا يدل على أن في إجابتهم نوع من التقريع، أي اهبطوا إلى أدنى المستويات وارجعوا إلى ما كنتم عليه من الذل والاستعباد وبالتالي يتوفر لكم ما سألتم من الطعام الأدنى.

ثانياً: أمرهم الله تعالى بالهبوط إلى الأرض المقدسة، وبهذا تكون محاربتهم لأعدائهم ثمناً للحصول على نوع الطعام الذي سألوه.

ثالثاً: أمر الله تعالى موسى بأن يبين لهم أن ما أرادوه من الطعام لا يمكن الحصول عليه في الصحراء ولكن قد يتوفر لهم في المدن، وبهذا يكون معنى قوله تعالى: (اهبطوا مصراً) من آية البحث. فيه دلالة على إرادة المفهوم العام للمدينة دون مصر المعهودة.

وعندي أن الرأي الأخير هو الصواب وذلك بسبب عدم منعها من الصرف في آية البحث، بخلاف المواضع الأخرى التي أشارت إلى مصر ممنوعة من الصرف، كما في قوله تعالى: (وقال الذي اشتراه من مصر) يوسف 21. وكذا قوله: (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) يوسف 99. وقوله: (ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر) الزخرف 51. وكذلك قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً) يونس 87.

فإن قيل: إذا كان قتل الأنبياء بغير الحق أمر لا ريب فيه فما معنى الزيادة الحاصلة في السياق؟ أقول: قيامهم بهذا الفعل يدل على علمهم ببطلانه ولهذا كان تصرفهم أقرب إلى الجحود مع الاستيقان، أو أن هذا من باب التأكيد والكلام البليغ لا يخلو من ذلك، كما في قوله تعالى: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) الحج 46. وكذا قوله: (ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به) المؤمنون 117. وقوله: (قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون) الأنبياء 112. وكما ترى فإن المعنى قد ظهر في الكبرى بصورة أكثر جلاءً فتأمل.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

   عبدالله بدر اسكندر  

abdullah badrhskandarالدعوات العرضية الصادرة عن أناس لا يربطهم الواقع العملي بالأسباب الإيجابية لا يمكن أن تكون وسيلة لاستخلاص المؤشرات التأريخية من ناحية ومن ناحية أخرى لا تجد السبيل الذي يقارب بين الحالات المعاشية المشهودة من قبل الحاضر، ولهذا نرى أن أصحاب تلك الدعوات لم يقفوا على دليل علمي يمكنهم الوصول من خلاله إلى التسليم المطلق بالتأريخ وكيفية التعامل معه، ولذلك أراد هؤلاء أن يضعوا حداً فاصلاً بين الحياة المعاصرة وبين الالتزامات الجزافية التي ارتضوها، وبناءً على هذا البيان يصعب على الباحث تبرئة الأخلاف من الأعمال السيئة التي قام بها أسلافهم في فترة من فترات التأريخ ولهذا كان من الضروري أن يلتحق الأحفاد بالأجداد وكذا تلتحق المسيرة الحاضرة بالتي سبقتها دون أن يكون هناك تفاضلاً في فعل كل طرف من الأطراف، ومن هنا نعلم أن كل مجتمع من المجتمعات إذا كان فاقداً للقدرة على فك الارتباط بأسلافه فهو لا بد أن يكون قد اشترك معهم في نفس الإثم الناتج عن ممارساتهم السلبية المتفرعة على الظلم والاضطهاد بحق الآخرين.

من ذلك نفهم أن للتأريخ سيادة مباشرة على ربط الأفكار بعضها ببعض على مر العصور ما لم يظهر هناك من يعمل على تصحيحها ومحاربتها والخروج بنتائج مستحدثة لا تمت للواقع الأليم بأي صلة، أما إذا استمر الحال على نفس التكرار السيء فإن العقاب الإلهي سوف لا يرحم اللاحق وإن كان بعيداً عن الأجواء التي عاصرها من سبقه وذلك بسبب القبول الصادر منه، وهذا ما حصل بالفعل لبني إسرائيل الذين كانوا في عهد النبي (ص) ومن هنا خاطبهم الحق سبحانه مذكراً إياهم بما كان يفعل أجدادهم، وذلك في قوله: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين... فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون) البقرة 58- 59.

والظاهر من سياق االآيتين أن الله تعالى قد أنعم عليهم من طريقين:

الأول: الطريق المتمثل بالنعم الدنيوية والذي من مصاديقه تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى.

الثاني: الطريق المتعلق بالدين والذي يكفل لهم مغفرة ذنوبهم، وهذا ما يستشف من قوله تعالى: (وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين) البقرة 58.

وكما هو مبين في السياق فإن التكليف فيه نوع من المشقة الكبيرة وذلك بسبب الجمع بين دخول الباب وبين السجود، وكما ترى فإن الأمر يخلو من الإباحة دون الفعل الإلزامي الصادر إليهم من الله تعالى وإن كان ثقيلاً، وهذا ناتج جرّاء الأعمال التي قاموا بها، ويؤيد هذا الوجه بقوله سبحانه: (ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم) المائدة 21. والأرض المقدسة هي بيت المقدس كما قيل. واختلف المفسرون في الباب على وجهين:

الأول: يدعى باب حطة من بيت المقدس.

الثاني: جهة من جهات القرية ومدخلاً منها.

وعندي أن الرأي الثاني هو الأقرب، لأن الباب يطلق على الجهة الموصلة إلى المبتغى، كما في قوله تعالى حكاية عن يعقوب: (وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة) يوسف 67. وكذا قوله: (وإن جهنم لموعدهم أجمعين... لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) الحجر 43- 44. ويمكن الاستدلال بالكبرى وذلك في قوله تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء) الأنعام 44.

فإن قيل: ما المقصود من دخول الباب سجداً؟ أقول: اختلف المفسرون في هذا المعنى على وجهين:

الأول: السجود المتعارف عليه أي وضع الجبهة على الأرض.

الثاني: المراد من السجود في هذا الأمر الموجه إليهم هو الركوع.

والوجه الثاني هو الأقرب، لأن الدخول يتحقق مع الركوع دون السجود. فإن قيل: لماذا قال سجداً ولم يقل ركعاً؟ أقول: هذا من باب تسمية الشيء باسم لازمه، وذلك لأن التواضع يظهر في السجود أكثر من الركوع، وقد يفهم هذا المعنى من قوله تعالى: (وقولوا حطة) الذي اختلف المفسرون فيه على أقوال:

الأول: أحطط عنا ذنوبنا وخطايانا.

الثاني: أي قولوا شيئاً يؤدي إلى الحط من ذنوبكم وخطاياكم.

الثالث: أمروا أن يقولوا لا إله إلا الله.

الرابع: أمروا أن يتعبدوا بهذا اللفظ ليحط عنهم أوزارهم.

وأقوى الآراء أولها: أي أحطط عنا ذنوبنا وخطايانا، وإن كانت الآراء الأخرى فيها إشارة ضمنية لهذا المعنى، ولهذا بدل الذين ظلموا هذا القول إلى قول آخر، ومن هنا فقد أنزل الله تعالى عليهم الرجز من السماء، كما هو ظاهر في قوله: (فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء) من سياق البحث.

قوله تعالى: (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين) البقرة 60. الاستسقاء: طلب السقيا "لأن السين للطلب" وهذا عادة ما يكون عند حبس المطر، ويظهر من السياق أن هذا الأمر قد حصل في التيه، فأمر موسى بضرب الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، أي لكل سبط عين يشربون منها، ويمكن الاستدلال من هذه المعجزة العظيمة على شيئين مهمين:

الأول: النفع الحاصل لهم في الدنيا والكيفية التي تم بواسطتها إزالة الحاجة إلى الماء.

الثاني: دلالة هذا الفعل على وجود الله تعالى مما يزيل أعذارهم عن عدم تصديق موسى.

وبهذا يكون المعنى الموجه للذين عاصروا النبي (ص) منهم فيه دلالة على ذكر النعم التي تفضل بها الله تعالى على أسلافهم، فكأنه قال: يا بني إسرائيل اذكروا تلك المرحلة العصيبة التي مر بها من كان قبلكم وقت التيه، وكيف أن الله تعالى قد من عليهم وذلك بسبب طلب السقيا الذي قام به موسى، معللاً ذلك على إنكارهم لتلك النعم، وذلك في قوله: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) البقرة 60.

فإن قيل: يظهر من سياق الآية أن الاستسقاء حصل في التيه، وهذا يباعد بينه وبين الآيات السابقة؟ أقول: لا يحمل السياق القرآني على أنه سرد للأحداث التأريخية، وإنما تراعى فيه العبر بغض النظر عن الأوقات التي يتكلم عنها الحق سبحانه فتأمل.

فإن قيل: قال الله تعالى في سياق البحث: (فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا) وقال في سياق آخر: (فانبجست منه اثنتا عشرة عينا) الأعراف 160. فكيف الجمع بين الآيتين؟ أقول: ذكر المفسرون لهذا المعنى مجموعة من الوجوه منها:

أولاً: الانبجاس والانفجار بمعنى.

ثانياً: العملية الأولى للضرب تسمى الانبجاس ثم تحدث العملية الثانية التي يطلق عليها الانفجار.

ثالثاً: الانبجاس خروج الماء من الحجر الصلب والانفجار خروجه من اللين.

رابعاً: التعبير الوارد في سورة الأعراف فيه إشارة إلى طلبهم السقيا من موسى وهذا ظاهر من قوله: (إذ استسقاه قومه) الأعراف 160. ولهذا أتى بالانبجاس الذي يدل على خروج الماء بقلة أما في سياق البحث فالمعنى ظاهر في طلب موسى السقيا من ربه بطريقة مباشرة، ولهذا اختلف التعبير في الموضعين.

ومن هنا يظهر أن الماء كان ينبجس في بعض االأحيان ثم ينفجر في أحيان أخرى وذلك حسب الحاجة إليه فتأمل.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

   عبدالله بدر اسكندر  

mohamad thamerهناك خط بياني متصاعد باتجاه عد التعصب الديني تحريضا على العنف أي العنف المستند الى الدين وقد عمل مجلس حقوق الانسان على الحد من هذا الحظ البياني المتصاعد لذلك أعرب في قراره 14 / 11 في 23 حزيران 2010 عن القلق ازاء استمرار حالات التعصب الديني التي تشكل تحريضا على العنف [1].

فتشير الاحصائيات الى أن هناك حوالي 70 % من سكان العالم أي ما يشكل 8 / 6 بليون نسمة يعيشون في دول تفرض قيود صارمة على الحرية الدينية وان هذه القيود الصارمة تأخذ شكلين الشكل الأول مضايقات رسمية على العقيدة والشكل الثاني مشاعر العداد ضد أتباع الديانات المختلفة .[2] وغالبا ما تكون هذه الديانات التي يمارس عليها العنف لا تشكل ديانات الأغلبية .

وتشير تقارير أخرى الى انه ومع تطور تكنولوجيا الانترنيت زاد عدد مواقع الكراهية المتفرقة وزادت درجة تطورها التكنولوجي فمنذ عام 1995 وهو العام الذي تبين فيه وجود أول موقع شكلي للكراهية المتطرقة زاد عدد تلك المواقع السلفية وغيرها من المواقع الموجودة على الانترنت الى 8000 كان المحتوي على الانترنت المتعلق بالعنصرية والكراهية العنصرية بشكل أكبر منها .[3]

وكان للجنة الأمم المتحدة دورها أيضا في الحد من التعصب الديني الذي يشكل تحريضا على العنف فاقترحت عوامل لاختيار وانيات جريمة التحريض على العنف المستند الى الدين والمعتقد وهي:

1ـ قدرة وهدف المتحدث أو الكاتب على التحريض بالعنف أو أثارة الفتنه أو تعزيز مشاعر الكراهية ضد أشخاص معنيين استنادا الى معتقدهم أو دينهم .

2 ـ مدى تقبل الجمهور للرسالة أو الخطبة .

3 ـ الخطوة العالية للرسالة أو الخطبة بما تشكله من خطر جماعة بعينها .[4]

وكذلك الحال مع الجمعية العامة التي أيدت قرارها 56 / 266 في 27 آذار 2002 أيدت اعلان وبرنامج عمل ديربان وعادت الجمعية العامة في قرارها 57 /195 في 18 كانون الأول 2002 تستند لمؤسسات الأمم المتحدة ذات الصلة مسئوليات ضمان التنفيذ الفعال لاعلان برنامج عمل يربان على المستوى الدولي ثم أصدرت الجمعية العامة الاعلان السياسي الصادر عن الاجتماع الرفيع المستوى بشأن الاحتفال بالذكرى السنوية العاشرة لاعتماد اعلان وبرنامج عمل ديربان في 22 أيلول 2011 .

وتؤكد التقارير الصادرة عن المقررين الخاصين الى عد التعصب الديني من قبيل التحريض على العنف ينبغي حظره مع الاقرار باختلاف مستويات هذا التحريض فقد شدد المقرر الخاص للتسامح الديني في تقرير لعام 1997 شد الانتباه الى غياب الاعتقاد أوالناس الغير معتنقي أي ديانة في استراليا فقد لاحظ أن التعداد العام للسكان لعام 1988 و 1991 كشف أن هناك 9 / 12 من نسبة السكان وصفوا نفسهم بأنهم غير معتقدين (( non – beIievers )) هذه الظاهرة تتفشى في الديانات المسيحية وأن هذه النسبة أخذة في الازدياد وأن أغلبية السكان لا يمارسون أي ممارسات دينية بل أن القطاع الرئيسي الذي يمارس هذه الممارسات الدينية حتى في حالة ممارستها فأنهم يمارسونها بلا مبالاة .[5]

ويذكر المقرر الخاص في تقرير أخر أن هناك اتجاهان رئيسيان يمنحان الشرعية للتعصب الديني هما الاستغلال السياسي للعنصرية وكره الأجانب وتبريره الفكري . ففيما يتعلق بالاتجاه الأول فالأحزاب الديمقراطية ويزعم مكافحة الارهاب والدفاع عن الهوية الوطنية والمصلحة الوطنية وتعزيز الأفضلية ومكافحة الهجرة أخذت تتبنى مواقف قائمة على كره الأجانب والعنصرية في برامجها السياسية مما أدى الى قبول جماعي يمثل هذا الخطاب ويزداد الأمر سوء أذ تسمى مثل هؤلاء تسلم مناصب تنفيذية عليا في دولهم كالأمن والعدالة والهجرة واللجوء حيث تباشر هذه الجماعات نشاطها بتفسير انتقائي لحقوق الانسان وتبرر أفعالها وحتى العنف مستندة الى حرية التغيير وهو الأمر الذي أتضح من أن صحته العنف ليسوا دائما عرب أو مسلمين أو يهود أو ايسوين بل عند أيضا الى المدافعين عن حقوق الانسان وبما يؤكد أن هناك تهديد حقيقي للديمقراطية أما بالنسبة للتبرير الفكري للعنصرية والتعصب الديني حيث يقوم هذا التبرير على أساس أطلاق صفات الدونية الثقافية والبشاعة الدينية واللانسانية الطبيعية على أعراق وجماعات أثنية ومجتمعات وشعوب بأسرها .[6] ولذلك يساور المستشار الخاص أداما ويسينغ قلق عميق ازاء تزايد استخدام الخطاب المحرض من قبل قادة سياسيين ودينين في عدد من البلدان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، في سياق النزاع الدائر في جمهورية العربية السورية فقد دأب بعض القادة الدينين في تصرفاتهم الأخيرة على تصوير النزاع في سوريا بأنه نزاع ديني واساؤوا الى معتقدات الأطراف في النزاع والى حلقاتهم ورأي المستشار الخاص أذا ما ديينغ أن (التاريخ أثبت أن استغلال حالات المؤتمر الديني في سياق نضال سياسي أو كفاح مسلح قد يحرض على العنف ويمكن أن يؤدي الى ارتكاب فضائح واسعة النطاق) وأضاف أن (هذا الخطاب المقرض عندما يشكل تحريضا على العنف القائم على أساس ديني يمكن أن يزيد من تفاقم العنف الذي بلغ أصلا مستويات كارثية في سورية وأن يؤدي الى ارتقاب مزيدا من جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية . وان لجميع القادة ـ دينين أو سياسيين والعسكريين مسؤولية وروا حيويا في أن يناهضوا علنا أي خطاب يدعو الى الكراهية ويشجع على التعصب أو على القولية النمطية التمييزية أو يحرض على العنف وبموجب القانون الدولي لا يمكن تبرير الاعتداءات على المدنيين في أي ظرف كان.[7]

ورحب الممثل السامي لتحالف الحضارات جورج ساممبايو بخطة عمل الرباط التي تقدم مجموعة توصيات عملية الى الدول ومنظومة الأمم المتحدة والقيادات السياسية والدينية والمجتمع المدني ووسائط الأعلام وشدد على الدور الرئيسي الذي يجب أن يؤدي التعليم في تغيير عقليات السلطات الوطنية والمحلية يمكنها أن تفاقم حدة الخطاب)[8]

وتدعم تقارير الأمم المتحدة الترابط بين التعصب الديني والتحريض على العنف في مجلة من التقارير التي درستها وزارة الخارجية الأمريكية عن مناطق التوتر والصراع في العالم 2013 فقد انتهت تملك الدراسة الى نتيجتين هي:

1 ـ هناك ترابط بين التعصب الديني والتفسير عن حرية الدين والمعتقد .

2 ـ أن أطلاق حرية الدين والمعتقد غير كاف لوقف التعصب فقد ازدادت الأعمال العدائية الاجتماعية في الاتحاد الأوربي بمعدل تجاوز 10 % بين عامي 2007 و 2012 . على الرغم مما تقره تلك الدول من ضمانات لحرية الدين والمعتقد .

والحل الأمثل وفقا لرأي الخبراء ـ يكمن في أن تتبنى الدول مزيجا من التدابير المختلفة في سياساتها على النحو المنصوص علية في القرار 18 / 16 [9]

أن تحديد أي من الأفعال يدخل في نطاق الفقرة 2 من المادة 20 من (ICCPR ) يبقى صعب فماذا تعني كلمة المناصرة أو الدفاع وكيف تصل المناصرة والدفاع الى حد الكراهية وكيف للعقل أن يشكل تحريضا على العنف أو الكراهية وكيف يمكن أن ترسم خطا فاصلا بين النقد مهما كان جارحا وكلام الكراهية . من وجهة نظر حاتوثيه فان كل هذه الحقائق يجب أن تقيم أو تنمي من قبل قاضي أو جهة حيادية تأخذ في الحسبان الظروف المحيطة وسياق النص [10]

وتدعم اليونسكو أساليب محددة لمواجهة التعصب الديني بوصفه تحريض على العنف وقد طرحت خمسة أساليب في هذا العدد هي:

 

1 ـ مكافحة التعصب تستدعي قانونا

حيث أن كل حكومة مسئولة عن انقاذ القوانين المتعلقة بحقوق الانسان والمعاقبة على انتهاكها كما يجب على الدولة أن تضمن المساواة أمام القضاء لتجاوز تسوية الخلافات بالعنف أو احقاق العدالة من قبل الأفراد أنفسهم .

 

2 ـ مكافحة التعصب تستدعي التعليم .

لأن التعصب يقوم أما على الخوف من المجهول أو الغرور الشديد لذلك لابد من تعليم الأطفال التسامح وحقوق الانسان وسيل العشب الأخرى ويجب تشجيع الأطفال سواء في المدرسة أو في البيت لأن التعليم تجربة تستمر مدى الحياة من المنزل الى المدرسة الى مكان العمل الى مجال تطبيق القانون والتدريب القانوني وحتى ميادين التسلية .

 

3 ـ مكافحة التعصب تستدعي النفاذ الى المعلومات

يصبح التعصب خطرا عندما يتم استغلاله لتحقيق طموحات سياسية أو طموحات على الارض حيث يتلاعب هؤلاء بالاحصائيات وبالرأي العام من خلال نشر معلومات خاطئة وأحكام مسبقة وكذلك فالوسيلة الانجح هي الحد من نفوذ هؤلاء المحرضين عن طريق توليد سياسات تولد حرية الصحافة وتدعمها وتعددها .

 

4 ـ مكافحة التعصب تستدعي الوعي الفردي

لأن التعصب الموجود في المجتمع ما هو ألا حصيلة التعصب المتفشي في الأفراد ويعد التزمت والتنميط والوصم وحتى الدعابات العنصرية حيز أمثلة على التعابير الفردية على التعصب الذي يتعرض له الأفراد يوميا يجب على كل فرد أن يسأل نفسه هل أنا متسامح؟ هل أميل الى تمشيط الأشخاص؟ هل انبذ الأشخاص المختلفين عني؟ هل الومهم على المشاكل التي أوجهها؟

 

5 ـ مكافحة التعصب تستدعي الحلول المحلية

أن الحلول للمشاكل العالمية تبدأ بشكل أساسي على الصعيد المحلي لا بل الفردي فعلى المجتمع عندما يواجه تصعيدا في التعصب الديني عدم الوقوف مكتوفي الأيدي بانتظار الحكومات والمؤسسات لتتحرك بمفردها فالمجتمع جزءا من الحل ويجب أن لا يشعر المجتمع بالعجز لان الفرد والمجتمع يملكون قوة تفوق ما تملكه تلك المؤسسات .[11]

وفي مجال تعزيز حقوق الانسان وثقافة السلام بلغ عدد المدارس المبنية لليوسكو في المملكة الأردنية الهاشمية 102 مدرسة خلال عام 2010 وشمل البرنامج مؤسسات تشريعية وقضائية أبرزها مجلس النواب الأردني .[12]

 

.......................

[1]ـ عددت الفقرة السادسة تلك الحالات وهي : ـ

أ ـ حالات التعصب والعنف أفراد العديد من الاقليات الدينية وغيرها من الطوائف في أماكن مختلفة من العالم .

ب ـ موادت الكراهية الدينية والتمييز والتعصب والعنف التي قد تتجلى في استهداف الأشخاص بموافق مسبقة ومهنية وتنميطهم سلبيا ووصفهم على أساس الدين والمعتقد .

ج ـ الهجمات على الأماكن والمواقع والمزارات والأماكن الدينية انتهاكا للقانون الدولي لاسيما قانون حقوق الانسان والقانون الدولي الانساني لما تكتسبه من أهمية تتجاوز الطابع المادي لها بالنسبة الى كرامة وحياة أفراد الطوائف التي لها معتقدات روحية أو دينية .

 

ء ـ الحالات التي تشكل على صعيد كل من القانون والمحاسبة انتهاكات للحق الأساسي في حرية الدين والمعتقد بما في ذلك حق الفرد في الجهر لمعتقداته الروحية والدينية مع مراعاة المواد ذات الصلة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وغيره من الصكوك الدولية الأخرى .

ه ـ النظم الدستورية والتشريعية التي لا تقدم ضمانات كافية وفعالة للجميع دون تمييز من أجل ممارسة حرية الفكر والضمير والدين والمعتقد .

[2]- paul Babie and Neville Rochow , protectiny religious freedom under biIIs of rights : AustraIia as Mi crocosm . freedom of xeIigion under biIIS of rights , univevsity of Adelaide press , AustvaIia , 2012 , P1

[3]- A / 67 / 326 6 2012 , P8 .

[4]- Unted Nations Committee 5PCt , P60

[5]- other human rights and reIigious intoIerance , p123 .

متاح على . . 21 / 9 / 2015

[6]ـ تقرير المقررة الخاصة المعنية بحرية الدين ، مصدر سبق ذكره ، ص6 .

[7]ـ الأمم المتحدة ، نشرة صحافية ، بيان من السيد أداما ديينغ ، المستشار الخاص للأمم المتحدة المعني بمنع الابادة بشأن الوضع في سوريا ، 8 تموز 2013 ، ص1 .

متا على الموقع التالي .

http : // www . un. Org / en / prevent genocide / advisev .

[8]ـ المفوضية السامية لحقوق الانسان ، بين حرية الكلام ، مصدر سبق ذكره .

[9]- U . S . Department of state , international ReIiqious Freedom report for 2013 .

متاح على الموقع التالي

www . state govl

أنظر أيضا

Marc Limon , opcit , .

[10]- OHCHR , oPCit , p14 .

[11]ـ منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ، تعزيز التسامح . منشور على الموقع التالي . أخر زيارة للموقع 4 / 7 / 2015

منشور على الموقع التالي . أخر زيارة للموقع 4 / 7 / 2015

www. Unesco . org / new / ar / social and human sciences .

[12]- contribution to the end of decade report on the International decade for cIuture of peace and non – vioIance for the chiIdren of the world {2001 – 2010} Jordan , p2 .