بهجت عباسمفردات مفيد معرفتها في قراءة المقال

البكتريا The Bacteria

هي كائنات مجهريّة ذات خلية واحدة لا ترى بالعين المجردة لصغرها حيث لا يزيد طولها أو قطرها (إذا كانت دائرية الشكل) على بضعة مايكرونات (المتر يساوي مليون مايكرون) وهي منتشرة في كل مكان حتى في جسم الإنسان، داخله وخارجه، بعضها مفيد وبعضها ضار يسبب الأمراض . تتكون من جدار خلية عادة وليس لازماً، وسايتوبلازم تسبح فيه جزيئات عدة وكروموسوم واحد .

الكروموسوم

هو سلسلة طويلة تتألف من وحدات نتروجينية (قواعد) ذات تعاقب أو تسلسل معين تتراوح بين 160 ألف إلى 12 مليون قاعدة مزدوجة (في البكتريا) . هذه القاعدة يُرمز لها بالـ (حرف) في علم الجينات، وهي أربع قواعد فقط ؛ أدنين A و ثايمين T و كوانين G وسايتوسين C . تتكرر ألوف المرات أو الملايين . هذه السلسلة تسمى دي. أن. أي. (دنا DNA). فالكروموسوم هو سلسلة طويلة جداً من الدنا (مع بروتين) وكل كرموسوم يحمل مئات أو ألوف الجينات . والجين هو قطعة من الدنا ولكن ليس كل دنا جيناً .

الكودون The Codon

هو مركّب من ثلاث قواعد نتروجينية يختص بحامض أميني واحد وقد تكون عدة كودونات مختصة بحامض أميني معين .

الشفرة الجينية Genetic Code

تتكون من 64 كودوناً، 61 منها تدوِّن الحوامض الأمينية العشرين في عملية تكوين البروتين، وثلاثة لا تدون أيَّ حامض أميني .

الجينوم The Genome

مجموعة الجينات والدنا والرنا أيْ كلّ المواد الجينية في الخلية. وهو اسم أطلقه عالم النبات الألماني هانز فينكلر Hans Winklerعام 1920 مشتقاً من الحروف الثلاثة الأولى لـ Gen(e) والأخيرة من  Chromos(ome).

جرثومة المايكوبلازما Mycoplasma

هي نوع من البكتريا لا تحتوي على جدار خلية، لذا لا تتأثر بعقار البنسلين أو أيّ عقار آخر يعمل على جدار الخلية. لذا تكون (مُحصَّنة) من تأثيره . وهي عائلة لعدة جراثيم منها جرثومة M. pneumonia (الالتهاب الرئوي) و genitalium M. التي تُصيب المجاري البولية بالالتهاب و جرثومة  M. mycoides التي تسبب التهاب الضرع في الماعـز mastitis، والتي هي موضوع المقال هذا.  

الأشنات / الطحالب Algae

هذه مجاميع متنوعة من كائنات تعيش في الماء والنبات والمواد الغذائية وتستطيع أن تنتج مركبات عضوية وغير عضوية .

الفطريّات Fungi

تشمل الجراثيم مثل الخميرة yeast والعفن moulds وكذلك الفطر mushroom الذي يؤكل .

 تصنيع الخلية

بعد أن حقق مشروع الجينوم البشري الذي بدأ العمل به عام 1990 وانتهى في عام 2003 أهدافه من تفكيك الشفرة الجينية وكشف الجينات التي تبيّن عددها ما يقرب من 25 ألف جين بعد أن كان الاعتقاد السائد أنها بحدود المئة ألف، تسارع الباحثون للكشف عن أسرارها والتلاعب بها ومعالجة الأمراض التي تسببها. ومن هؤلاء الباحثين كان الدكتور كريك فنتر المساهم الرئيس في مشروع الجينوم البشري . فكان، منذ عام 1995  أثناء عمله في المشروع، يحلم أن يكوِّنَ جينوماً مُصنَّـعاً من مواد كيمائية ويستخدمه في إنتاج كائن حيّ، فتحقق له ما حلم به في يوم الخميس المصادف في 20 مايس سنة  2010، ولكن بأي ثمن ؟ كانت الكلفة 40 مليون دولار و جهود 20 باحثاً، من ضمنهم البروفيسور هاميلتون سميث الحائز على جائزة نوبل عام 2002، وعملاً متواصلاً دام أكثر من عشر سنين . وقبل هذا في عام 1995 ترأس فنتر فريقاً فشفّـروا جينوم جرثومة M. genitalium، وهو أصغر جينوم، حيث يتكوّن من حواليْ 600 ألف قاعدة زوجية و500 جين، فوجدوا أنهم يستطيعون محو 100 جين دون تأثير على حياة وتكاثر هذه الجرثومة، ففكروا في تصنيع كروموسوم لها ولكنَّ بطء تكاثرها جعلهم يتراجعون عن مهمتهم . عند هذا اختاروا جرثومة M. mycoides سريعة التكاثر، فانتزعوا كروموسومها (المتكوَّن من مليون وثمانين ألف قاعدة زوجية) في العام الماضي (2009) ووضعوه في خلية الخميرة yeast وحوّروه وزرعوه في جرثومة M. capricolum (من نفس الفصيلة ولكنها تصيب الماعز والبقـر على السّواء) بعد أن تخلصوا من جينومها، فنجحت التجربة، حيث تحوَّلت هذه الجرثومة الأخيرة إلى جرثومة M. mycoides . لذا دفعهم نجاح هذه التجربة إلى القيام بصنع جينوم يماثل الجينوم الأصلي لهذه الجرثومة. وهذا يختلف عن الهندسة الجينية التي تعتمد على إدخال جين / جينات أو قِطَعٍ جينيّـةً من خليّـة معيّـنة إلى خليّـة أخرى . ولكن كريك فنتر سنة 2007 خطا أكثر من هذا، حيث نقل جينوماً طبيعياً كاملاً من جرثومة إلى أخرى نزع منها جينومها فقط مع الاحتفاظ بسايتوبلازمها والجزيئات الأخرى فيها، وأخذ يرقب سيطرة هذا الجينوم على فعالية أو تصرف الخلية المنقول إليها هذا الجينوم فوجدها تحولت إلى الجرثومة الأولى المانحة الجينوم . وهذا يختلف أيضاً عن الهندسة الجينيّة كونها مبنيّـةً على إعادة برمجة "Reprogramming" الكائن كله. يقول فنتر "هذا يحوّل نوعاً أو جنساً آخـرَ بتغييـر ما هو مُبَـرمَـج سابقاً (فتح الميم الثانية) بإدخال مجموعة برامج software" .  اشترى كريك فنتـر ورفاقه هذه القواعد المزدوجة من شركات أمريكية وألمانية بكمية تكفي لصنع كروموسوم يتكون من حواليْ مليون قاعدة زوجية تقريباً يماثل الكروموسوم الأصلي  في جرثومة M. mycoides . سلاسل الدنا المشتراة حملتْ أربع عشرة علامة خاصة مظلّلة غير شفافة من دنا غير فعالة لتميّزها عن الكروموسوم الطبيعي الموجود في الجرثومة . استعملوا الخميرة لـ(تجميع) سلاسل الدنا المُصنَّـعة هذه على مراحل . فقام الباحثون بـ(تخييط/ لصق) 10 آلاف قاعدة معاً ثم 100 ألف قاعدة وهكذا إلى أن اكتمل الجينوم أو الكروموسوم المليوني . وهنا نزعوا كروموسوم الجرثومة M. capricolum منها وزرعوا الجينوم المُصَنـّع فيها، فلم يحدث أيُّ شيء! وبعد اختبار وتدقيق وجدوا قاعدة واحدة فقط أُدخِلتْ خطأً من مليون قاعدة أثَّـرتْ على عمل الجينوم فجعلته (خاملاً) . صلّحوا هذا الخطأ وأدخلوا الجينوم (المُصحّح) مرة أخرى في الخلية، فأخذت تتكاثـر بسرعة وصل عددها بليون (مليار) خلية وتنتج بروتينات كتلك التي تنتجها الجرثومة مانحة الجينوم M. mycoides، وبعبارة أخرى فقدت الجرثومة M. capricolum المنزوع منها الجينوم خواصها وتحوّلت إلى الجرثومة M. mycoides بعد استلامها الجينوم المُصَنّـع . يصرّح فنتر  لجريدة الفاينانشيال تايمز اللندنية : " مررنا خلال حدود نفسيّة حرجة غيّرتْ تفكيري علميّـاً وفلسفيّـاً حول الحياة، وكيف تعمل . هذه هي الخليّة المُصنَّعة الأولى، نسمّيها (مُصنَّعة) لأنها انحدرتْ من أربع قنان من الموادّ الكيميائية على مُصَنَّـع كيميائي مبتدئاً بمعلومات من كمبيوتـر. استُعمِلتْ لتبني جينات خلية جرثوميّـة. " شركة الجينومات الصناعية التي ساهمت بتمويل هذا المشروع كان غايتها تصميم أشنات / طحالب تستعمل ثاني أوكسيد الكاربون من الهواء لتحوّله إلى وقود عضويّ . كما إنَّ شركة أكسون موبايل، التي يعمل فـينـتـر لها، تحاول تحويل الطحالب إلى وقود . الهدف الصَّعب الذي يريد فنتـر تحقيقه هو تصميم كائنات تعمل ضدَّ ما خصّصتـه الطبيعة لها لاستعمالات واسعة . " سيكون وقت طويل  يستحق الانتظار . إنّه حدث هام له استخدامات عملية جبارة." يقول البروفيسور جورج تشيرش من Harvard Med. School of Genetics . أما البروفيسور أليسون واندرلاند  فتقول : " نحن الآن قادرون على أخذ كروموسوماتنا المُصَنَّعة وزرعها في خلية كائن آخـر تتقبلها، وحال وصول هذه البضاعة المُـبَـرمَـجة (الكروموسوم) إلى الخلية، تبدأ هذه بقراءتها وتحوّلها إلى نوع  / جنس مذكور في تلك الشفرة الجينيّـة." وهذا ما ذهب إليه أيضاً فرانسيس أرنولد، بيولوجي تصنيعي من معهد كاليفورنيا التكنولوجي : " خلق وإدخال كروموسوم مصنَّع طوله مليون قاعدة زوجية هو حدث هام . نستطيع الآن كتابة أيِّ شيء نريد والمشكلة لا ندري ماذا نكتب."

 لكن الدكتور أنتوني فورستر من جامعة فاندرهل – ناشفيا – تنيسي رغم قوله "هذا إنجاز مدهش." وآخرون يؤكدون على أنَّ هذا العمل لم يُنـتِجْ حياة مُصنوعة حقيقية، لأنّ الجينوم المُصَنَّع وُضِعَ في خلية موجودة أصلاً.  ويعلّق الدكتور كنيث أوي Keneth Oye عالم الاجتماع من معهد مساشوسيتس التكنولوجي في كامبردج " على المدى البعيد ستُستَعملُ هذه الوسيلة لتصنيع جينومات مُصمَّمة غريبة." مستطرداً "في الوقت الحاضر نرمي في الظلام إلى أيِّ نفع على المدى البعيد وأيِّ خطر على المدى البعيد أيضاً." أما إيكارد وايمـر من جامعة ستوني بروك – نيويورك الذي قاد أول فريق لتخليق فايروس في عام 2002 فيرى احتمال استغلاله بصورة سيِّئة . وهكذا تتضارب الآراء والأفكار في هذا التصنيع المثيـر. فهل هي حياة مُصَـنَّـعة حقاً؟ أم أنّها (إعادة ) حياة أو (بعث) إلى خلية موجودة فعلاً غير أنّ الجينوم الذي يمدّها بالحياة والفعاليّة والتكاثـر قد  (سُلب) منها . لذا هل نستطيع أن نسمّيها خلقاً جديداً أم أنه تلاعب بـ(خلقتها؟) هذا إذا عرفنا أن الخلق يبدأ من نقطة الصفـر. ومع هذا فهي (خطوة طفل) كما يقول فنتر أما كونها (خطوة عملاق أيضاً) كما صرّح، فقد تكون في المستقبل وليس الآن . وقد أطلق على الخلية اسم سينثيا Synthia .

وخلاصة القول ؛ إنَّ صنعَ نسخةٍ مماثلة تماماً لكروموسوم موجود أصلاً في بكتريا معينة، هذا الكروموسوم البسيط الذي يتكون من مليون قاعدة مزدوجة تقريباً وإدخاله في بكتريا أخرى منزوعة الكروموسوم، أيْ فاقدة (الروح)، وجعلها تحيا وتتكاثـر وتنتج ذات البروتين  الذي كانت تنتجه الخلية الأولى (مانحة) الكروموسوم، عمل جبار سيغيّـر مفاهيم كثيرة . ولكن هذه العملية تتطلّب سنين كثيرة لصنع كميات هائلة من اللقاح أو الوقود من ثاني أكسيد الكاربون، ولكنها " تمثّل حدثاً هاماً تكنولوجيّاً في مجال التقنية الجينيّة الجديدة " كما يقول د. جيف بوك من جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور. كما " إنها تحدٍّ كبيـرٌ أمامنا قبل أن يتمكن المهندسون الجينيّـون من تصميم كامل لجينومات كائنات من نقطة الصفـر." كما يقول د. باول كايم، عالم الجينات الجزيئـيـة في أريزونا الشمالية.

 

د. بهجت عباس

26 مايس 2010

 

محمد كريم ابراهيممن المفترض لهذا المرهم أن يعالج الحروق والجروح الموجودة في جسدك، بالإضافة الى أي تشققات جلدية موجودة في أسفل كعبك وفي حلمتك. تشير الأبحاث الصينية والعربية إلى فعالية المرهم في التسريع من عملية التئام الجروح، ومنع الالتهابات، وتجميل مكان الجرح! باختصار، هو علاج عشبي مأخوذ من طب تقليدي صيني، كمثل أغلبية تلك العلاجات العشبية يوعد بالكثير ويوفي بالقليل، أو بلا شيء على الاطلاق.

مرهم ميبو متوفر بشكل واسع في العراق وهو مستورد من شركة جلفار الإماراتية الشهيرة، ويتم استعماله يوميا من قبل آلاف المرضى المحروقين والمجروحين سواء بجروح بسيطة او بالغة أو الذين عملوا عمليات جراحية. وذلك بسبب نصيحة عشرات من الأطباء إن لم نقُل المئات الذين يوصفون المرهم فور ما ينتهون من مقابلة المريض أو بعد اجراء عمليات لهم.

لكن هل يا ترى يَعلمُ هؤلاء الأطباء والجراحين بأن المرهم الذي يقدسونه قد لا يكون فعالاً على الاطلاق، على الأقل ليس فعال كالعلاجات القديمة مثل الايودين والنيوسبورين. وذلك لان مكوناتها محل الشك في قدرتها على التأثير على الجرح.

جاء الى انتباهي هذا الأمر عندما لاحظت إن المكون الفعال في المرهم ميبو هو بيتا-سيتوستيرول: المركب الذي يُستخدم لمعالجة الكوليسترول عالي وتضخم البروستات ناتج عن ورم حميد. وجدتُ بإن المركب موجودٌ في زيت السمسم والتي من المرجح استخدموه في المرهم. بذلك بدأ شكي بالازدياد، كون الزيوت والبذور يدخل من صنف العلاج بالأعشاب.

بدأتُ بالبحث عن أبحاث اكاديمية ووثائق تثبت فعالية الدواء لكني وجدت بأن الباحثين والجامعات الممولة للبحث حوله كانت متحيزة بشدة. وتلك الأبحاث بدت عليها علامات الدعاية من البداية، حيث تقرأ فقرات طويلة عن نجاح الدواء في العلاج وعن تقارير التي تطبل بوجود استخدامات عديدة للمركب. كيف عرفتُ بأن الأبحاث متحيزة؟ الحيلة تكمن في النظر الى آخر ورقة في تلك الأبحاث التي توجد فيها المصادر. هذه المصادر جميعها أما كانت صينية أو عربية (المستفيدتان من المرهم)، وبالتالي غير موثوقة للبحث عن احتمالية فعالية الدواء.

أما الأبحاث من دول أخرى فقليلة جداً، وبين مؤيد له ومعارض. إلا إن هناك تقرير مفصل من وزارة الصحة الماليزية تنتقد فيه الأبحاث الداعمة للدواء بأنها مصممة بشكل سيء ومجربة على عدد قليل من المرضى المشتركين في البحوث. فينصح التقرير بإجراء أبحاث إضافية بشكل أفضل وذات عدد كبير من المرضى. مع وجود دراسة مصرية واحدة من جامعة القاهرة تقارن ميبو مع ضمادة اكواسيل بنتيجة مفضلة اكواسيل على ميبو.

وهذا هو حقيقة الأمر، المرهم ميبو لم يثبت فعاليته بشكل حسمي و نزيه علميًا لكي يوصفهُ الأطباء للمرضى بكل ثقة. أي أنه قائم على مبدأ (أنت وحظك) سواء يعالجك أم لا، وهذا كفيلٌ على ترك الطبيب المحترم له وبدأ المحتال بتأييده.

المرهم ميبو آمن باستخدامه على الجسد، لكن يبقى المشكلة الفعلية في تفريق طريق العلاج للمريض ومنعه من استعمال ادوية وعلاجات مثبتة علميًا بدلًا عن هذا المرهم. بالضبط مثل العلاجات العشبية الأخرى، والتي تكون عادةً اخطر من ميبو، والتي تمنع مريض السكري والكلى والسرطان وغيره أن يأخذوا العلاج اللازم بدلاً من الخزعبلات لكي يتعالجوا بما يوصيه العِلم الرصين.

الشركات المنتجة والدول المستفيدة والصيدليات التي تبيعه وتستفيد منه لا تهمها كثيراً مصلحة المريض ما دامت تجني ما يُعيّشها ويستمر بقاءها لبيع المزيد. يكمن الحل بيد وزارات الصحة للدول ولجان الصحة لمنع ادوية اعشاب الطبية الخطيرة وغير النافعة من البيع في الصيدليات ومراكز بيع الأعشاب، ويوعوا أبناء شعبهم بعدم فعالية تلك الأعشاب في علاج الامراض، ويحذروا الأطباء من وصف ادوية لم يثبت العِلم فائدتها.

 

محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

 

عامر هشام الصفارفايروسات الكورنا.. واللقاحات الفعالة

من المعروف ان وباء الكورونا المتسبب عن فايروس الكوفيد 19 أنما أعلن وباءا من قبل منظمة الصحة العالمية وذلك في شهر آذار من عام 2020.. وقد تسارعت جهود العلم والعلماء من أجل وضع حد لأنتشار الوباء من خلال أجراءات الصحة العامة المعروفة ومن خلال جهود المختبرات المتخصصة للتوصل الى اللقاح الأمين والفعال ضد الفايروس المسبب للمرض.

وقد سعت دول العالم ومنذ بداية الوباء الى أجراءات الصحة العامة التي يفترض العمل بها أولا للسيطرة على أنتشار المرض، فكان أن أغلقت الحدود بين الدول في بعض المناطق من العالم :أستراليا ونيوزيلندا، وكان أن سعى البعض الآخر الى أغلاقات جزئية في البلاد والحد من نشاطات المواطنين لمنع الفايروس من الأنتشار بينهم، كما جرى عليه الحال في دول أوروبا وبريطانيا وأميركا. وقد دعت العديد من هذه الدول موظفيها للعمل من البيوت مع توفير الدعم المالي لأصحاب المشاريع من الذين تأثرت مشاريعهم بسبب الوباء وأنتشاره. وقد أستمر هذا الحال حتى تم تخفيف أجراءاته بعد الأعلان عن التوصل الى مجموعة من اللقاحات التي أثبتت فعاليتها ضد فايروس الكورونا أو الكوفيد19 وذلك في شهر كانون أول الماضي.

اللقاحات.. أنواع وتقنيات

وقد سعت الشركات الدوائية العالمية من خلال علمائها ودعم مالي كبير من دول العالم الغنية الى وضع الخطط العلمية المناسبة لأنتاج ملايين الجرعات من اللقاحات، حتى يتم تلقيح أكبر عدد من سكان الأرض البالغ 7 بلايين من البشر وبالسرعة الممكنة.. ولكن البداية كانت من مواطني الدول الغنية نفسها.. فكانت لقاحات شركة فايزر/ بايونتك وشركة أسترازينيكا/أكسفورد، وشركة جونسون آند جومنسون والشركات الصينية والروسية وشركة موديرنا الأميركية..حيث بدأ التنافس العلمي والتجاري بين هذه الشركات ومن خلال أستعمالها لتقنيات مختبرية مختلفة في أنتاج اللقاحات.. وهكذا تمكنت بريطانيا مثلا من تلقيح ما يقرب من نصف شعبها بجرعتين من اللقاحات المضادة للكورونا، في حين تمكنت أميركا من تلقيح ما يقرب من 70% من مواطنيها وبجرعة أولى من اللقاح. ومن المعروف فأن هذه اللقاحات أنما تؤخذ بجرعتين على أن يكون الفارق الزمني بينهما لا يقل عن 3-4 أسابيع..

وقد أثبتت اللقاحات بتقنياتها المختلفة فائدتها الكبيرة في الحد من مضاعفات الفايروس المسبب للمرض، وبالتالي في الحد من وصول المصابين الى المستشفيات، أضافة الى التقليل من نسب الوفيات..وكما أعلن مؤخرا وبعد ما يقرب من 7 اشهر على حملة التلقيح الجارية عالميا فأن 95% من المرضى بالكورونا اليوم في أميركا أنما هم من غير الملقحين. ولا يمكن القول من أن اللقاحات المضادة لفايروس الكوفيد19 قد تمنع كليا الأصابة بالمرض أو تحد من أنتشاره بين الناس ولكنها أي اللقاحات تبقى فعالة في منع تطور المرض والتسبب بمضاعفات خطيرة على صحة الأنسان.

الفايروس.. سلالات وتحورات

لابد من أن أشير أولا الى أن عدد الأصابات بالكورونا في أنحاء العالم قد وصل الى ما يقرب من 195 مليون أنسان في حين زاد عدد الوفيات على الأربعة ملايين شخصا. فكان لابد للفايروس من أن يتحور ويتغير بين هذه الأعداد الهائلة من الأصابات.. حيث من المعروف علميا أن الفايروسات المسببة للأمراض أنما تتحور وتتغير بتركيبها الوراثي كجزء من طبيعتها الحياتية.. ثم أن هذه الفايروسات لا يمكن لها أن تعيش الاّ أذا وجدت الخلية الحية (الأنسان في هذه الحالة) والتي يمكن أن تزودها بما يديم حياتها.. فكان للتحورات والمتغيرات حدوثها المؤكد في فايروس الكوفيد19. ولعل أول هذه المتغيرات هو ذلك الذي كشفت عنه بريطانيا وعبر مختبرها الضخم لرسم الخارطة الجينية للفايروس، فكان المتغير ألفا الناتج في مدينة كنت الأنكليزية هو أول المتحورات أو قل السلالات المعروفة في العالم.. ثم جاءت بيتا ودلتا (الهند) ولامبدا (بيرو وتشيلي).. وهكذا.. وما نقصده في التحور الفايروسي هو وجود تغيرات جزيئية في التركيبة الوراثية في البروتين الشوكي لفايروس الكورونا، مما يجعله أكثر شراسة من خلال القدرة على الأنتقال الأسرع بين البشر وأصابة الآلاف منهم اضافة الى القدرة على أصابة المريض مرة ثانية ولو بعد 6 أشهر كما أثبتت دراسة بريطانية ذلك مؤخرا.

وعليه فالطريق الوحيد الذي سيمكّن العلماء من الحد من تغيرات الفايروس المؤذية ومن تحوراته وطفراته الوراثية هذه انما هو طريق الحد من أنتقال المرض بين مجاميع البشر..وعليه تأتي أهمية اللقاحات، وتأتي أهمية أجراءات الصحة العامة المعروفة من الألتزام بأرتداء الكمامات وخاصة في الأماكن المغلقة ذات التهوية الرديئة أضافة الى التباعد الأجتماعي والعمل بأسس النظافة الشخصية.

توقعات المستقبل

ويبقى المواطن يسأل عما يمكن أن يحصل في المستقبل؟ وكيف لهذا الفايروس أن يختفي وتعود الحياة لطبيعتها المعتادة؟..

يشير العلماء وخاصة منهم مَنْ هم على علاقة مباشرة بالبحوث الجارية عالميا في مجال الفايروسات وأمراضها، من أن فايروس الكورونا المستجد الكوفيد19 انما سيكون معنا على وجه الأرض لفترة طويلة.. وعليه فلابد للأنسان من أن يتعلم ويتكيف للعيش مع هذا الفايروس من خلال أيجاد التوازن بين الألتزام بشروط الصحة العامة، وكلما أمكن ذلك، أضافة الى التلقيح الدوري مما يمكن أن يحصل كل عام، حتى يتم التوصل الى المناعة المجتمعية (مناعة القطيع) والتي تحول دون أنتقال الفايروس بين الناس في المكان الواحد.. وعليه فلا يمكن للعالم الغني أن يلقح ناسه فقط فيكون آمنا من الفايروس دون أن يتم تلقيح سكان الأرض جميعهم ضد هذا الفايروس الذي سبّب وباءا عالميا راح ضحيته الملايين من البشر. وقد أحسنت منظمة الصحة العالمية في دعوتها الى العدالة في توزيع اللقاحات حول العالم، وأطلاق أجازة الملكية الفكرية للقاحات، حتى يتمكن مَنْ يتمكن من تصنيع اللقاحات محليا وزيادة أنتاجها ليتوفر عدد الجرعات اللازم منها. وهكذا فلابد للبشرية من أن تنجح في تحدي المرض هذا من خلال حملات التوعة الصحية الأجتماعية ومن خلال التركيز على التعامل محليا مع الوباء الذي توطن في بلدان العالم..

 

د. عامر هشام الصفار

 

 

بهجت عباسوهذا يعني إحداث تغيير في الجينوم (المواد الجينيّة في الخليّة) باستعمال CRISPR* (تقنية كتابة الجين) تقتضي (اقتطاع) جزء معيّن من الدنا لتصليح خطأ جينيّ فيها يغيّر طبيعة عملها. هذه التقنية لا تزال في أوائلها ولكنّها تتقدم بسرعة. كانت رائدتها جينيفر داودنا التي نالت وزميلتها إيمانوئيلا شاربنتيـر جائوة نوبل عام 2020 . وهذه المقالة تشرح بإيجاز طبيعة هذه العملية ووصفاً لبعض التطورات فيها.

الشَّفرة الجينية Genetic code

تتكوّن الدنا  DNA من أربع قواعد نتروجينيّة متكررة يُرمز لها كحروف هي A T C  G - أدنين، ثايمين، سايتوزين وگوانين. أمّا الشَّفرة الجينيّة فتتكوّن من ثلاثة حروف فقط. تختص كل شَفرة بحامض أميني واحد وإنّ البروتين هو سلسلة الحوامض الأمينية. هذه الشّفرات تكون مرتبطة ببعضها وإنّ أيّ تغيرّ في قواعدها النتروجينة، مثلاً، إحلال قاعدة محل أخرى قد يؤثّر على الجين ومن ثَمَّ على البروتين المنتَج. توجد 64 شفرة جينيّة في الخليّة، 61 منها تدوّن الحوامض الأمينية العشرين  وثلاثة تسمّى بالكودونات المُوقِـفة التي تُنهي تكوين سلسلة البروتين.  ففي الخليّة توجد الدنا التي تُستنسَخ إلى الرنا الرسول mRNA (ولكن بدلاً من الثايمين T في الدنا يكون يوراسيل U في الرنا) والشفرات (الكودونات) الأربع والستّون الموجودة فيها تُحلّ رموزها (تُفكّك) إلى ترجمة البروتين الذي سيتكوّن من 20 حامضاً أمينيّاً طبيعيّاً، يعني دنا – رنا – بروتين. وهذا هو المبدأ الرئيس للبيولوجي الجزيئي.

إعادة برمجة (كتابة) الشّفرة الجينيّة

هناك ما يُعرف بالإضافة أو الزيادة Redundancy ، ذلك أنّ عدة شفرات جينيّة (كودونات) تشفّـر نوعاً واحداً من الحوامض الأمينية، مثلاً هذه الكودونات الأربعة TCG, TCA, AGC و AGT تدوّن الحامض الأميني سيرين serine))  ولكنْ ماذا سيحدث لو (تلاعبنا) بتغيير هذه الحروف أي أننا بدلاً من G وضعنا C في هذا الكودون، فهل سينتج هذا الكودون الجديد (المتغيّر) حامضاً أمينيّاً جديدا وهذا سيكوّن بروتيناً (جديداً) بدلاً من البروتين العادي، مما يؤدي إلى تغيّر الفعالية ومن ثمّ تأثير هذا التغيير على الجسم ؟ وهذا يعني أن كودونات جديدة أخرى ستتكوّن. قد يكون هذا التغيير جميلاً ولكنه ليس سهلاً. وبالرغم من هذا فقد بدأ فريق من جامعة كمبريدج – إنجلترا برئاسة البروفيسور جيسون چِـنْ بتبديل كل كودون في الخليّة لإعادة برمجته. وبعد سنوات من عملهم أظهروا بأنّ هذا العمل ممكن في جرثومة )إي. كولاي   E. coli) وفي الوقت ذاته قاموا بقفزة عالية جداً حيث صنعوا جينوم هذه الجرثومة من الصفر! كما وغيّروا تركيب الكودونات، مثلاً أزاحوا الكودونات TCGs ووضعوا AGCs مكانها وحتّى بهذا التغيير أخذت الخلية تتكاثر بسهولة! وهذا كمن يبدل كلمة من كتاب ويضع رديفاً لها فلا يتغير المعنى. قام هذا الفريق بعملية (إعادة كتابة الجينوم) باستعمال CRISPR (تتكوّن من رنا وإنزيم تقطع الدنا) فقصّوا (أزاحوا) قطعة كبيرة من جينوم جرثومة )إي. كولاي E. coli ) تتكوّن من 18,000 كودون (زائد) يشفّـر الحامض الأميني سيرين وأحلوا بدلاً عنها كودونات (مترادفة) فأخذت الخليّة (البكتريا) تتكاثر كالعادة وتشفّـر السيرين دون حاجة إلى تلك الكودونات الزائدة التي كانت تحتوي عليها. وقام الفريق أيضاً بـ(هندسة) الرنا الناقلة tRNA ( تنقل الحامض الأميني إلى موضع تكوين البروتين) لـ(تقرأ) الكودونات الجديدة فأخذت هذه البكتريا (المُهندَسة جينيّاً) تتكاثر بسرعة، وصارت عصيّة على الفيروسات، فهذه الأخيرة  لم تستطع النفاذ إليها لأنّها لم تجد (مقبض) الباب لتفتح الخليّة وتصيبها، فالشفرة الجينيّة تغيّرت! وهنا يعلّق د. جيسون چِـنْ قائلاً " هذه البكتريا قد تتحوّل إلى مصانع جديدة مُبرمجة تنتج جزيئات جديدة بخواصّ جديدة فتكون ذات فائدة في التقنية البيولوجية والطب، حيث تنتج عقاقير جديدة ومُضادت حيويّة جديدة " يتساءل الدكتور جيسون چِـنْ " هل تستطيع أن تختزل عدد الكودونات التي تشفّـر حامضاً أمينياً معيّنا لتخلق كودونات طليقة تشفّـر حوامض أمينيّة أخرى؟ " مثلاً ، (إذا كان الكودون TCG لحامض السيرين ، لماذا لا "نحرر" TCA و وAGC و AGT لأغراض أخرى؟) يقول د. جيسون چَـن " هذا ممكن، قد يكون ممكناً أيضاً أن نعيد (كتابة) الحياة بصورة عامة، حيث تعمل الخلايا بنفس الوتيرة البيولوجية بتغيير الشفرة الجينيّة لصنع حوامض أمينيّة أخرى ومن ثمّ بروتين مصنّع" ومن هذا المنطلق يعمل الباحثون على الكائنات متعددة الخلايا وخصوصاً اللبونة منها، إن كان ثمة سبيل إلى تطبيقها كما طُبِّقت على البكتريا، وحيدة الخلية.

 

د. بهجت عباس

........................

* لمعرفة المزيد عن هذه التقنية يرجى النقر على الرابط

بهجت عباس: تحرير الجينوم.. جراحة جينيّة لأمراض عصيّة https://www.almothaqaf.com/a/b7/955723

 

محمود محمد عليبينما يتصارع العالم حول مصدر جائحة "كورونا".. يقف الإنسان عاجزاً أمام أعراض مرض "الفطر الأسود"، فهناك حالة من الهلع والرعب سيطرت علي العالم بأكمله خلال الأيام الأخيرة، حيث توالت الأخبار عن "الفطر الأسود"، حتى أن الحديث عنه تصدر مواقع التواصل الاجتماعي في السعودية ومصر ودول عربية أخرى. وانتشرت عبر التدوينات شائعات ومبالغات بشأن "الفطر الأسود"؛ وذلك بعد إعلان السلطات الصحية في الهند عن ظهور مرض" الفطر الأسود " مؤكدة أن عدد الأشخاص الذين يموتون من الفطريات السوداء يتزايد بشكل كبير، كما انتشر الخوف بين المصريين بعد إعلان شقيق الفنان المصري سمير غانم عن إصابته بالفطر الأسود قبل وفاته، فهل خرج مرض الفطر الأسود من موطنه الأصلي الهند وانتقل لدول أخري، ووصل إلي مصر .

سؤال انتشر بشكل وافر خلال الأيام الماضية والساعات الأخيرة،وتصدر محركات البحث مؤخراً، خصة بعد تضارب الأقوال حول بداية ظهور حالات في مصر منها الفنان الراحل كما قلنا سمير غانم، فهل وصل المرض الجديد إلي مصر ؟ .. والسؤال الأهم : ما هو الفطر الأسود بالضبط وعراضه؟

وهنا نقول كثر الحديث في الآونة الاخيرة عما يسمى بالفطر الاسود واسمه العلمي، Mucormycosis ، وذلك في كل أنحاء العالم مع ملاحظة زيادة حدوثه تزامنا مع استمرار موجات الكورونا المتتالية، وحقيقة الأمر أن ما اطلق عليه بالفطر الأسود ليس أسود اللون ولكن اطلق عليه هذا الاسم نظرا لأنه يتسبب في تحول الأنسجة التي يصيبها إلى اللون الأسود، وهو من أسوأ أنواع فطريات الأنف والجيوب الأنفية فهو نوع متغلغل يتسبب في تجلطات الأوعية الدموية، وبالتالي غرغرينا بالأنسجة وتحول الجلد أو العظام أو الغشاء المخاطي أو الأعضاء إلى اللون الأسود مع الرائحة الكريهة جدا التي يشعر بها المخالطين للمريض وليس المريض نفسه

والفطر الأسود هو نوع من الفطريات الذي ينمو في الأماكن الرطبة، وهو يمكن أن يظهر علي أرض بها رطوبة أو مبللة، ويمكن أن موجود علي السماد، والفواكه والخضروات خاصة المتعفنة، ولذلك الفطر الأسود شبيه بالعفن الذي يظهر علي الخضروات والفاكهة، وهو عدوى نادرة جدا، تكون نتيجة للتعرض لعفن يوجد عادة في التربة والسماد الطبيعي والنباتات والفواكه والخضراوات المتحللة.

ولذلك الفطر الأسود هو عبارة فطريات نادرة، توفر بشكل أساسية علي من تكون مناعته ضعيفة، وتعيش عددا في التربة والمواد العضوية المتحللة، وهي تصيب عادة الإنسان كأثر جانبي لتدهور مستوي الجهاز المناعي immunocompromised، ولكنها نادرة الحدوث، وتصيب عادة الأغشية المخاطية المبطنة للجيوب الأنفية، أو العينيين، أو الأنف، أو الفم، أو الأسنان، أو عظام الوجه، وقد تمتد إلي الرئتين، أو الجهاز الهضمي، أو حتي الأوعية الدموية، كما يمكن أن تحدث أيضاً علي الجلد عند حدوث جروح، أو حروق، أو أي نوع آخر من إصابات الجلد، والسؤول عن حدوث المرض هي كما قلنا بعض الفطريات التي تنتمي إلي عائلة العفنيات والتي تعيش في البيئات الرطبة، مثل التربة، أو المواد العضوية المتحللة، مثل الأوراق، أو أكوام السماد، أو الخشب .

وهذه الفطريات تسمي الفطريات المخاطية mucormycetes منها : أنواع Rhizopus وأنواع Mucor، وأنواع Rhizomucor، وأنواع Syncephalastrum، وأنواع Cunninghamella bertholletiae، وأنواع Apophysomyces، وأنواع Lichtheimia (Absidia)، وكذلك من هذه الفطريات نوع يسمي mucor mould موجود في التربة والنباتات والسماد والفواكه والخضروات المتحللة والبيئات الرطبة.

وأما عن طرق انتقال عدوي الفطر الأسود، فقد أخبرتنا الدراسات المعاصرة أنه مرض غير معدي من الإنسان أو الحيوان، ولكن ينتقل عن طريق : استنشاق الجراثيم الفطرية من الهواء الملوث من التربة الرطبة، أو البيئات العفنة، أو من تلوث جروح، أو حروق الجلد بالعفن الموجود في التربة، أو علي الفواكه، أو الخضروات المتحللة، وتناول الفواكه أو الأطعمة الموثة بالفطر.

ووفقًا لمدير AIIMS والخبير الطبي الشهير، الدكتور رانديب جولريا فإن العدوى الفطرية السوداء على الرغم من أنها تحمل معدل وفيات عالية، إلا أنها ليست معدية للجميع، وهي أكثر إصابة للأشخاص الذين يعانون من مرض السكري الشديد أو غير المنضبط، أو أولئك الذين يستخدمون العلاج بالستيرويد لفترة طويلة، حيث يمكن قمع مناعتهم؛ وتؤثر عدوى الفطريات أيضًا بشكل أساسي على الأشخاص الذين يعانون من أمراض مصاحبة شديدة أو يستهلكون بشكل روتيني الأدوية التي تثبط مناعة الجسم لمحاربة العدوى. علاوة على ذلك، يمكن تشخيص عدوى الفطريات السوداء واكتشافها عن طريق استخراج عينة سائلة من ممر الجيوب الأنفية وتصوير الأنسجة والتاريخ الطبي السابق.

ويسمي الفطر الأسود بالمرض الـ" انتهازي" لكونه يهاجم الفك والعين ويهدد بالوفاة، وسمي انتهازي لأنه يعيش في جسم الإنسان، وينتهز فرصة قلة المناعة، ويبدأ نشاطه، ويهاجم الجسم، ويسبب مرضاً خطيراً ومميتاً في بعض الأحيان، فبحسب الدراسات أن الفطر الأسود مرض ليس وليد اللحظة، ولكن كثر الكلام عليه لظهوره في نسبة من الحالات التي أصيبت بـ"كوفيد-19"، وما له من تأثير على جهاز المناعة.

وبحسب الدراسات فإن الفطر الأسود مرض موجود منذ عام 1885، حيث وجدت دراسة فى عام 2005 تؤكد أن معدل الوفيات بالفطر الأسود بلغ 54%، وصرح الدكتور هيمانت ثاكر، الطبيب الاستشارى وأخصائى القلب فى مستشفى براش كاندى، فى مومباى، أن الفطر الأسود يفرغ الدورة الدموية حتي آخر عضو في الجسم، كما ينتج عنه موت الأنسجة والتي تصبح سوداء اللون بعد ذلك، وهذا هو سبب تسميته بالفطر الأسود، وهو من نوع من الفطريات نادرة للغاية تصيب الجيوب الأنفية وتشق طريقها إلي داخل الجمجمة، فقد يموت 50 % إلي 80 % من المرضي.

وأما عن أعراض الإصابة بالفطر الأسود، فمن المحتمل أن تؤثر هذه الفطريات علي أجزاء مختلفة من الجسم، ويظهر مجموعات مختلفة من الأعراض، خاصة إذا تكونت العدوي في الجيوب الأنفية والدماغ، وبحسب بعض الدراسات الطبية الحالية علي المرض تكون الأعراض كما يلي: الحمي وتكون من خلال تورم الوجه من جانب واحد، والصداع، واحتقان الأنف أو الجيوب الأنفية، وآلام في الصدر، وضيق في التنفس .

وعندما يتسرب الفطر الأسود في مهاجمة الجهاز الهضمي، فقد تظهر بعض الأعراض الأخرى، مثل آلام في البطن، وغثيان وقيئ، وحدوث نزيف في الجهاز الهضمي، وهنا قد يتساءل البعض قائلاً : ما العلاقة بين الفطر الأسود وفيروس كورونا؟

وحسب ما أكده الأطباء ووزارة الصحة الهندية أنه ليس هناك علاقة بين الفطر الأسود وفيروس كورونا، ولكن وباء كورونا يتسبب في قلة المناعة، ومن ثم يتعرض المصاب بمرض الفطر الأسود كمضاعفات كورونا، ولذلك فإن الأشخاص الذين يعانون من نقص المناعة هو أكثر عرضة بالفطر الأسود، ولكن الأكثر عرضة هو مرضي السكري، ومن يتناولون المنشطات وأصحاب الأمراض المزمنة، ومن ثم فإن الفطر الأسود ليس له ارتباط مباشر بالإصابة بفيروس كورونا المستجد، ولا يجب أن يتخوف منه المواطنون، ولا يجب إثارة الذعر بين المرضى، كما أن الفطر الأسود موجود في الطبيعة والبيئة، ومن الممكن أن يصيب بعض مرضى انخفاض المناعة أو الذين يحصلون على أدوية مضادات حيوية وكورتيزون.

بشكل عام، فإن العلاج لفترات طويلة باستخدام المضادات الحيوية تهيئ الجسم لنمو الفطريات عموما، وكذلك الكورتيزون الذي يؤثر سلباً على جهاز المناعة، مما يُمكّن الجراثيم الفطرية من الجسم، وكذلك الإصابة بالفطر الأسود؛ علاوة علي أن الإصابة الشديدة بفيروس كورونا، تكون مصاحبة للحالات التي لديها عوامل خطورة مثل الأورام والأمراض المزمنة، وخصوصاً مرض السكر الذي يعتبر من العوامل التي تساعد على الإصابة بالفطر الأسود.

لكن الجزء المطمئن فى هذا "المرض الانتهازى"، كما تؤكد بعض الدراسات الطبية الحالية، أن "الفطر الأسود" ليس بمرض معدٍ، ومن ثم لا يمكن أن ينتقل بين البشر والحيوانات، ويصاب الأفراد بهذه العدوى عن طريق التعرض للفطريات في البيئة إذا تم استنشاقها، يمكن أن تصيب الفطريات الرئتين أو الجيوب الأنفية.

وعلاج هذا المرض متوفر وسهل، ولكن نظرا لفقر الهند، كان القرار باستئصال العين أسهل وأرخص من العلاج، ولهذا يجب ألا نستمع لما يتم نشره بطرق مغلوطة، فلا يوجد شىء اسمه وباء العفن الأسود، ووارد أن يحدث إصابات، لكن علاجه وتحجيم الحالات سهل، إضافة إلى أنه غير معدٍ أو ضار في معظم الأحيان، غير أنه يسبب التهابات خطيرة لمن يعانون من ضعف الجهاز المناعى، فأغلب المصابين به في الهند هم المصابون أو المتعافون من فيروس كورونا، ممن ضعفت مناعتهم أو يعانون من أمراض كامنة مثل مرض السكرى، الذي يعد من أعلى معدلات الانتشار في العالم بالهند.

ويشترك في علاج مرضي الفطر الاسود مجموعة من التخصصات تشمل اطباء المناعة والأنف والجيوب الانفية والعيون وجراحة المخ والأعصاب والباطنية وآخرين، ويعتمد علاج الفطر الأسود أساسا على سرعة استعادة وتحسين المناعة أولا بعلاج المسببات مع تعاطي عقاقير ضد الفطريات بالوريد تحت رعاية طبية دقيقة وموضعية بالأنف في محاوله لتحديد انتشاره، وبعد ذلك يمكن استئصال كل أماكن الغرغرينا السوداء المصابة بالفطر بالأنف والجيوب الانفية وما حوله

وحسب الدراسات الطبية المعاصرة فهناك عدة نصائح لعدم التعرض لعدوى الفطر الأسود، وهى :

1- عدم استخدام الكورتيزون لمرضى كورونا من الحالات الشديدة إلا بإشراف طبى في المستشفيات.

2- التوجه إلى الطوارئ في أي مستشفى إذا شعر بالأعراض السابقة أي مصاب أو متعاف من كورونا مؤخرا، أو مريض سكرى غير منتظم أو تعاطى أدوية مثبطة للمناعة مثل الكورتيزون أو الكيماوى، وإذا كنت طبيبًا وتتعامل مع أحد المرضى السابق ذكرهم برجاء عدم أخذ الأعراض باستهانة وطلب الأشعة المقطعية لاستبعاد العدوى بالفطر والمتابعة على فترات قريبة.

3- علاج مرضى الفطر الأسود يحتاج إلى إشراف مجموعة تخصصات: أنف وأذن، وأعصاب ورمد وتجميل وأشعة، ولهذا يجب التوجه إلى المستشفيات التخصصية وليس المراكز والعيادات، ويتمثل العلاج في مضاد للفطريات بالوريد مع جراحة لإزالة الأنسجة الميتة من الوجه ومحجر العين (وأحيانًا للأسف تكون إزالة العين هي الحل الوحيد ولكن في حالات بسيطة) مع رفع مناعة المريض، الذي يحتاج عادة إلى الدخول للرعاية المركزة، حفاظًا على حياته.

4- تحويل حالات الفطر الأسود عند التشخيص لمراكز تخصصية لأخذ فرصة العلاج القصوى لإنقاذ الحياة ثم إنقاذ الأنسجة المتبقية.

5- بما أن الفطر الأسود يهاجم مرضى نقص المناعة والسكرى وكورونا المعالجين بجرعات كورتيزون عند نقص المناعة، فيجب منع حقن "فيلر" الوجه والشفاه، وحقن كورتيزون الجلد إلا للضرورة العلاجية الملحة، وتحت إشراف طبى، وعدم أخذ كورتيزون بدون داع، وضبط السكر، وعدم تناول أطعمة مخزنة بالثلاجات لمدة طويلة، والابتعاد عن المعلبات والمواد الحافظة، والحرص على تناول الأطعمة الطازجة.

6- تنظيم حملات لرش مبيدات الفطر الأسود "«تيرازول وبنتاكلور ونيتروبنزين PCNB"، مع ضرورة توفير بروتوكول الفطر الأسود بجميع الصيدليات ويشمل حقن أمبيزوم، وشراب نوكسافيل ٤٠ مجم، ومراهم أمفوتريسين "ب"، لأن الفطر ينتشر في البيئة الزراعية حيث إنها بيئة خصبة لنمو الفطريات ولا ينتقل من إنسان لآخر، أو عن طريق الحيوانات، والطريقة الوحيدة للعدوى به هي استخدام أدوات ملوثة بالفطر الأسود، من مريض بضعف المناعة لآخر مصاب بالضعف المناعة أيضًا.

ونحمد الله أن البلاد التي نجحت في تطعيم نسبة كبيرة من موطنيها يقل فيها ظهور مثل هذه المضاعفات الخطيرة لمرض الكورونا، فالمعلوم ان التطعيم قد لا يمنع العدوى تماما لكل الناس ولكنه أثبت فعاليته بالفعل في عدم تطور المرض إلى مراحل متقدمة وظهور مثل هذه المضاعفات الخطيرة وبالتالي نجح في انخفاض نسبة الوفيات بدرجة ملحوظة.

تخيل؛ شعب منفلت ومتسيب يرفض أخذ المصل كما تقول الأستاذة سحر الجعار في مقالها الفطر الأسود الانتهازي، ويزور مرضى كورونا «تعاطفاً»، ويشك فى بروتوكول العلاج ومصل كورونا والكورتيزون (يدخل أحياناً ضمن علاج كورونا).. أى إنه يهيئ البيئة الحاضنة للفطر الأسود ثم يستغيث منه.. لا عقوبات ولا حظر ولا منع شيشة نافع لأن الناس أصلاً تستهين بالحياة بقدر ما تقدس الموت!.

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

بهجت عباستحرير الجينوم Genome Editing أو تصحيحه هو تقنية بواسطتها يستطيع العلماء أن يغيّروا الدنا DNA، ذلك بإضافة مادة جينية أو إزالتها أو تحويرها من مناطق معيّنة من الجينوم. وهنا تُستعمل الخمائر / إنزيمات نيوكلييس Nucleases المحورة هندسياً لتستهدف تسلسل دنا معيّن حيث (تقطع) شريط الدنا فَـتُـزيل قِطعة منها . وفي هذا استعمل العلماء تسلسل الدنا المتكرر CRISPR فما هذا التسلسل وكيف توصّل العلماء إليه؟

البكتريا أسّ الاكتشاف

لاحظ د. فرانسيسكو ماجيكا أثناء عمله على البكتريا في عام 1993 قِطَعاً من الدنا في البكتريا مُكرّرةً عدّة مرّات مع مسافات (فجوات) بينها. فأخذ يركّز على هذا التكرار في عمله فوجد بعد عشر سنوات، 2003، أنّ هذه القِطَع المتكرّرة تماثل قِطعاً من دنا الفيروسات التي هاجمت البكتريا ودخلت فيها . هذه القِطَع الجينيّة  تماثل تسلسل الفيروس الموجود فيها، وهذا يعني أن البكتريا استنسخته من الفيروس المصابة به فامترج بها. أمّا كيف تمّ هذا، فهو أنّ البكتريا استقطعت بعض جينوم الفيروس الداخل فيها واحتفظت به لتقي ذاتها من الفيروس الذي سيهاجمها في المستقبل، أي استعملته كمناعة، وذلك بإنتاج قطع صغيرة من الرنا وإنزيم تدعى Cas تقطّع الفيروس المهاجم إلى قِطَع صغيرة وتُبطل عمله. وعلى هذ1الأساس  نشأت فكرة

الـ CRIPSR (Clustered Regularly Interspaced Short Palindromic Repeats) وتحرير الجينوم أو تصحيحه إن كان ثمّة خلل فيه، وكان روّادها د. جنيفـر دودنا و إيمانوئيل شاربنتير ورفاقهما في العشر سنوات التي تلت،  يعني في عام 2012 ، وكانت تُجرى  حينذاك على البكتريا. ولكنّ د. فينغ زانغ استعملها على الخلية العصبية عام 2013. ومن ثمّ قام الباحثون بتطويرها ووضعها قيد الاستعمال وهي التقنية التي بواسطتها يستطيع العلماء تغيير الدنا بإضافة مواد جينية أو إزالتها أو تحويرها من موقع معيّن على الجينوم. وفي عام 2018 تمّت موافقة منظمة الدواء والغذاء الأمريكية FDA على إجرائها على مرضى بيتا ثلاسيميا (قلّة وجود الهيموغلوبين) فإن نجحت فسيكون حدثاً هاماً للتخلّص من هذا المرض المميت.

الأمراض الجينيّة وعلاجها

ليست كل الأمراض جينية، بل قد تكون جرثومية، فيروسية، فيزيولوجية وغير ذلك. ولكن ثمة ما يزيد عن ستة لآف مرض نتيجة انحراف الجينات أو الكروموسومات. ومن هنا حاول الباحثون منذ الثمانينات من القرن العشرين ولا يزالون علاج هذه الأمراض جينياً ولكنّ النجاح لم يكن حليفهم إلا في بعض الحالات القليلة جداّ. ورُغم كلّ هذا لم يزالوا مستمرين في أعمالهم. ولأول مرة كانت محاولة لـتحرير الجنين البشري عام 2015. وهنا أخذ بعض الباحثين يتسابق لكتابة الجنين بصورة مضبوطة ومن دون خلل. ولكنّ هذه العملية تتطلّب موافقة منظّمة الدواء والغذاء FDA قبل القيام بها، لإنّ عمليّة (تحوير) الجنين ممنوعة في الولايات المتحدة الأمريكية إلا إذا كانت للأبحاث فقط، أيّ دون نموّ الجنين إلى فرد متكامل. غير أنّ هذه الأبحاث وإجراء تقنيات (التحوير)على الحيوان مسموح ومعمول بها منذ عام 1981. وبالرغم من كل هذا فإنّ منظمة الدواء والغذاء أجازت هذه التجربة لعلاج بيتا ثلاسيميا ومرض خلية الدم المنجلية، فإن أصابها النجاح فسيكون استعمال CRISPR وارداً للقضاء على هذين المرضين المميتين.

آلـيّـة العمل

تتألّف CRIPSR من رنا وإنزيم تقطع الدنا، عادة تُستعمل إنزيم Cas9 . وهنا صمّم الباحثون رنا RNA سمّوها (الرنا الدليل أو القائد) التي تقود الإنزيم Cas9 إلى أو تدلّها على موقع الجين المستهدف في الدنا لتزيله من الدنا أو بالأحرى تقطع الدنا وتُزيل بعض قواعدها النايتروجينيّة، فهي تستطيع أن تُزيل أيّ قطعة من الجينوم البشري الذي يتكون من ثلاثة بلايين قاعدة مزدوجة بدقّة تامة. ومن حسنات (كتابة) الجين باستعمال CRISPR Cas9 أنّ بضع مئات من الرنا (القائد) تُستعمل في الوقت ذاته لتشخيص أو لعلاج مئات بل ألوف الجينات في الوقت ذاته. ولكنّ تحرير الجين بهذه الطريقة، رُغْمَ فوائدها، تسبب كسراً في شريط الدنا يُصّلّحُ بواسطة الخلية ذاتها وقد لا يُصَلّح وهذا ما يسبّب عدم السَيطرة و إحداث تغييرات غير مرغوبة. ولكنّ فريقاً مشتركاً من الباحثين من معهد مساشوسيت للتقنية  وجامعة كاليفورنيا – سان فرانسيسكو صمّموا طريقة بديلة تغـيّرُ (إفصاح) الجين من دون حدوث أيّ تغيّر في الدنا. استعمل هولاء الباحثون هذه الطريقة التي أسموها (غلق) و(فتح) CRISPRoff و CRIPSPRon لحث الخلايا الأولية (الجذعية) أن تتحول إلى خلايا أعصاب Neurons وفي الوقت ذاته منعوا الجين الذي يصنع البروتين تاو Tau المتورط في مرض الألزهايمر (هذا البروتين يسبّب عُـقَـداً متشابكة في الدماغ تؤدّي إلى فقدان الذاكرة)  وشرحوا تجربتهم هذه في مجلة Journal Cell. هؤلاء الباحثون أحدثوا ماكنة بروتين ورنا صغيرة تقود هذا البروتين إلى (نقاط) معيّنة في شريط الدنا. هذه الماكنة تضع مجموعات المثيل CH3 على الجينات لتغلق إفصاحها، يعني تمنعها من تخليق البروتين تاو، والتقنية ذاتها تعكس هذه العمليّة، ذلك بإزاحة مجموعات المثيل لتعود الجينات إلى عملها بإنتاج البروتين أي تفتحها. ولأجل السيطرة على هذه العملية لئلا تذهب إلى أبعد ما يكون ابتدع الباحثون في جامعة كاليفورنيا- بيركلي – برئاسة الدكتورة جينيفر دودنا أنواعاً عدّة من الإنزيم Cas9 تنشّط CRIPSR في الخلايا المستهدفة فقط لتحرير الجين. وفي عام 2018 صمّم الدكتور وايزمان ، من جامعة كاليفورنيا – سان فرانسيسكو – تقنية دُعيت بـ CRISPRa وذلك بـ(تضاعف) أو تكرار نسخ  الجين الذي يدعم / يزيد الشعور بالاكتفاء من الطعام لئلا يأكل الشخص أكثر مما يجب وذلك في علاج السّمنة. ومع ذلك فإنّ الدكتور وايزمان يتساءل في حالة استعمال هذه التقنية في مرض الألزهايمر " كيف نوصل هذا إلى الفرد وهل تكفي حقّاً لتؤثّـر على الألزهايمر؟" ولكنّ هذه الطريقة تستعمل بطريقة واسعة في الأبحاث الجينية حيث " باستطاعتنا الآن أنْ نُلجم أي جزء من الجينوم أنّى نريد، إنّها لآلة جبّارة  لاكتشاف فعّاليّة الجينوم" يقول وايزمان.

من هذه التقنية CRISPR استفاد باحثون من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو من تطوير جهاز احساس جيني سمّوه (صائد المُستَنسَخ CopyCatcher ) ليكتشفوا الحالة أو اللحظة التي ُتستَنسَخ المادة الجينية فيها تماماً من كروموسوم لآخر خلال خلايا ذبابة الفاكهة. وهذا يعني أنّه باستعمال هذا النظام وفي حال تطبيقه على الانسان يمكننا أن نعرف كم من النسخ (المضبوطة) تقع في خلايا الانسان المتعددة والنسخ المتغيّرة (المشوّهة) لجين سليم ومعالجة هذا الخلل وخصوصاً الموروث بواسطة تحرير الجين في حالة وجود جين مغلق وجب أن يكون مفتوحاً والعكس صحيح أيضاً.

ولكنّ الباحثين في معهد ويس للهندسة البيولوجية بالاشتراك مع كلية الطبّ، وهما في جامعة هارفارد، استحدثوا آلة تحرير جين جديدة أسموها Retron Library Recombineering أو اختصاراّ RLR  وهذه تمكّن ملايين التجارب الجينية من أن تُجرى في الوقت ذاته. إنّ عملية CRISPR-Cas9 هي أنْ تجد مناطق معيّنة من الدنا فتقطعها وتُزيلها ولكنّ جَعْـلَ الدنا أن تكتب (تستحدث) التغيّرات المنشودة البديلة يحتاج إلى (خداع) الخلية لاستعمال قِطعة جديدة من الدنا لتصلّح هذا الكسْر. وهنا قد يكون الخطر على الخليّة، حيث أنّ الإنزيم Cas9 قد تقطع بصورة عفوية من دون قصد مناطق أخرى غير مستهدفة. ولكنّ RLR يسهّل هذه المهمّة، حيث أنّه يُحدث ملايين التغيّرات ويضع علامات على الخلايا المشوّهة فبهذا تُصبح المنطقة بأكملها واضحة المعالم فيسهل تحليل البيانات. كانت الريترونات معروفة قبل عقود ولكنّ فعالياتها لم تكن معروفة حتّى حزيران 2020 .

عمليّات أجريتْ

مرض الخلية المنجلية

هذا المرض وراثي ناتج عن تشوّه في جين سلسلة الغلوبين بيتا يؤدّي إلى إحلال الحامض الأميني (فالين) محل الحامض الأميني (گلوتاميك) في المركز السادس من السلسلة ، فبهذا يتغيّر شكل خلية الدم الحمراء من (الكرويّة) إلى (المنجلية إو الهلاليّة) وهذا يقصّر من عمر الخلية إلى عشرة أيام أو أكثر بقليل (عمر خلية الدم الحمراء 120 يوماً) إضافة إلى عدم نقلها الاوكسجين الكافي إلى الأنسجة وإعاقتها الدورة الدمويّة فتكون الوفاة المبكرة. ليس لهذا المرض من علاج، لذا اتّجه الدكتور حيدر فرانغول من ناشفيل – ولاية تنيسي إلى تجربة جهاز الـ CRISPR-Cas9  لعلّه ينجح في علاجه، فكانت السيّدة فيكتوريا گراي (34 سنة) من ولاية مسيسیپي المصابة به هي أول من أجريت لها هذه العملية الجينية قبل عام تقريباً فنجحت وهي تتمتع بصحة جيدة طبيعية حتّى الآن. تتلخص هذه العملية بغلق جين يُدعى BCL11A . وكما يقول الدكتور حيدر فرانغول الذي أجرى العمليّة " إنّ هذا الجين يُفتح بعد ولادة الطفل بثلاثة أو أربعة أشهر . يقول هذا الجين للخلية أن تتوقف عن إنتاج الهيموعلوبين الطفولي وأن تبدأ بإنتاج هيموغلوبين البالغين." ويتابع الدكتور فرانغول "بأنّنا وجّهنا CRIPSR-Cas9 أن تذهب إلى هذا الجين وتغلقه. وعندما تتكوّن كميّة كبيرة من الهيموغلوبين الطفولي فهذه تمنع الخلية الحمراء (الكروية) أن تتحول إلى (منجلية) الشكل."

انحلال الشبكيّة

في معهد كيسي للعيون في مدينة بورتلاند – أوريغون – غيّر العلماء الدنا في الانسان. ففي عملية سريرية بارعة ، كما أُطلق عليها، صمّمت العملية لتصليح تشوّهات في جين تُسبِّب ضمور أو انحلال شبكية العين التي لا علاج لها. ففي هذا المعهد " أجرِيَت أول عملية جراحيّة في كتابة الجين في الانسان لتفادي العمى نتيجة تشوّه جينيّ معلوم." يقول د. مارك فرومر أخصائي العيون في مستشفى.لينوكس هِل في نيويورك. مستطرداً " فقد أزيلتْ الدنا المشوّهة من خلية مع التشوّه الحاصل. وهذا قد يمنح البصر لأناس بعمى لا علاج له."

إذا حدث أنّ أحدى القواعد أو بعضها قد (تغيّرت) في أحد جينات العين فيجب أنْ (تُصلّح) وإلا فستكون العاقبة وخيمة. ويتمّ إصلاح هذا الخلل بواسطة تحرير الجين، أي إزالة تلك القاعدة الغلط وإضافة القاعدة الصحيحة.  وفي التجربة السريرية البارعة استطاع الباحثون أن يقطعوا (يقصّوا) الدنا الشاذّة من الخلايا  التي سبّبت هذا النوع من انحلال الشبكيّة، وهذا لا يعني أنّهم غيّروا الكود الجيني  للشخص المعنيّ بل غيّروا الدنا في موقع معيّن من الشبكيّة. تختلف طريقة العلاج هذه عن علاج مرض الخلية المنجلية التي أجريت خارج الجسم، حيث استُخلصت الخلايا وعولجتْ وبعدها أُعيدتْ إلى الجسم مرة أخرى. أما في حال معالجة انحلال الشبكية فقد أجريت العملية داخل عين المريض نفسه.

 

د. بهجت عباس

 

 

جمعة عبد اللهوماهي نسبة المناعة لكل لقاح؟

ترجمة: جمعة عبد الله


مواصفات جرعات كل لقاح:

1 - لقاح : Pfizer  / فايزر .

يعطى هذا اللقاح ضد وباء كورونا COVID 19 على شكل جرعتين خلال المدة المقررة، وهي ثلاثة اسابيع بين الجرعة الاولى والثانية . ففي الاسبوع الاول من اخذ الجرعة الاولى من اللقاح تصل نسبة المناعة المكتسبة ضد الوباء تصل بنسبة 52% .

وفي خلال 14 يوماً من اخذ الجرعة الاولى تصل نسبة المناعة الى نسبة  89% ضد الوباء

وفي خلال اخذ الجرعة الثانية من اللقاح في الاسبوع الثالث . تصل المناعة ضد الوباء كورونا بنسبة  95.3% .

2 - لقاح: Astrazance / أسترازينيكا

يأخذ هذا اللقاح على شكل جرعتين الفرق بينهما مدة 8 أسابيع .

تصل المناعة المكتسبة ضد وباء كورونا COVID19 . من اخذ الجرعة الاولى وخلال 14 يوماً تصل المناعة المكتسبة الى نسبة  70% .

وفي اخذ الجرعة الثانية من اللقاح،  قد تصل المناعة المكتسبة  في بعض الاحيان الى نسبة  100%

2429 كوفيد3 - لقاح : Moderna  .

يعطى هذا اللقاح ضد وباء كورونا COVID19 . على شكل جرعتين . الفرق بينهما مدة 3 أسابيع .

في الجرعة الاولى من هذا اللقاح . تصل المناعة المكتسبة ضد الوباء خلال 14 يوماً الى نسبة 92% .

وفي اخذ الجرعة الثانية تصل المناعة المكتسبة الى نسبة  95% .

ومن خلال تصريح ( Ματινα Παγωνη / ماتينا باغوني) رئيسة جمعيات الاطباء في اليونان والمشرفة من قبل وزارة الصحة على المكافحة  من وباء كورونا COVID19 . قالت: تحدث مضاعفات بسيطة بعد اخذ اللقاح خلال مدة 24 ساعة وحسب عمر الشخص، بأن تحدث مضاعفات صداع في الرأس وارتفاع درجة حرارة الجسم خلال مدة 24 ساعة، وحسب مواصفات كل لقاح .

ففي اخذ جرعة من لقاح Pfizer  : تحث مضاعفات خلال 24 ساعة من اخذ اللقاح، صداع في الرأس وارتفاع درجة حرارة الجسم الى 37.5 % .وحسب العمر ورد الفعل لاعضاء الجسم .

وفي حالة أخذ لقاح : Astranece . تحدث مضاعفات بسيطة خلال 24 ساعة . صداع في الرأس وارتفاع درجة حرارة الجسم 38.5 % وتكون خلال يومين . وحسب العمر ورد الفعل لاعضاء الجسم .

 وفي كلا الحالتين من اخذ هذه اللقاحات، تعود الامور الى شكلها الطبيعي مع اكتساب مناعة ضد وباء كورونا . في ان يكتسب الجسم مناعة قوية ضد هذا  الوباء .

 والجدول يوضح ذلك:

 

 

بهجت عباسالأبحاث الحديثة الجارية  في موضوع الدنا DNA ومن ضمنها الجينات تسير سراعاً وتكتشف كلّ يوم تقريباً ما قد يجعل الإنسان يفهم كنهه بيولوجيّاً ويتفادى ما يضرّه وربّما يستطيع علاج بعض الأمراض التي تنتابه دون الرجوع إلى الطبيب أو استعمال الأدوية التي يفتك معظمها في الجسم لأضرارها الجانبيّة، وخصوصاً أدوية مرض السكّر الذي باستطاعة المرء التعامل معه بالغذاء وممارسة التمارين البدنية فقط. ولكنّ بعض ما يجري داخل الخليّة، وهي وحدة البناء لجسم الإنسان، يُمكن تداركه إلا إذا كان التغيير في الخليّة تلقائيّاً (لا إراديّاً) وهذا الأخير يعتمد على الحظّ! وإنّي هنا أحبّ أن أستعرض (عواقب) جزأين (جذريْن) من مادتين كيميائتين تتحكّمان في مصير الإنسان لتداخلهما في دنا الخلية التي تكون مفيدة جدّاً في نشوء الإنسان واستمرار حياته من ناحية، وقد تكونان وبالاً عليه من ناحية أخرى تبعاً للظروف التي تجابهه. سأستعرض هذه الأمور بإيجاز وبطريقة مبسّطة أرجو أن لا يعسر فهمها بالرغم من بعض المصطلحات العلمية التي وجدت ذكرها أمراً لازباً. فالجينات ليست كلّ شيْ كما يُعتـَقَـدُ أو كان يُعتَـقَـدُ، بل هي أسيرة التأثيرات التي تطرأ عليها فتغيّر عملها خيراً أو شرّاً هي ما يُطلَق عليه اسم Epigenetics ، وهنا تلعب مادّتان أو جذران )من مادّتين كيميائيّـتـيْن في الذنا التي هي مركز حياة الخلية أو الإنسان أو الحيوان أو النبات . فما هو  هذا التغيير؟

Epigenetics

كلمة Epigenetics تعني ما فوق الجينيّ ، حيث (Epi ) تعني فوق أو على، أيْ أنَّ لها السيطرة على الجينات سواءٌ كان ذلك تلقائيّاً (طبيعيّاً) أو بيئيّاً، فهي دراسة التغيّرات التي تطرأ على الدنا DNA ومن ثمَّ على الجينات، فتغيّر مسارها أو عملها فتسبّب فتحَها أو غلقَها دون المساس بتسلسل قواعدها . فـفي بعض الحالات توقف عمل بعض الجينات (تعطّلها عن عملها) أو تفتحها (تجعلها فعّالة) تبعاً للظروف. هذه الظروف موجودة في كلّ مكان تصاحب الفرد (إنساناً أو أيّ كائن حيّ متعدّد الخلايا) كالغذاء، النوم، تعاطي الأدوية، الإشعاعات ، التمارين البدنيّة، النوم أو التقدّم في العمر (الشيخوخة) كلّ هذه الأمور تسبّب تحويراً كيميائيّاً في الدنا تؤدّي إلى فتح الجينات أو غلقها. كما إنّها في بعض الأمراض، كالسّرطان مثلاً، تجعل الجينات تسير عكس اتجاهها، فهي تفتح أو تُغلق على عكس طبيعتها أو ما يُرادُ لها . هذه الآليّة تجعل الإنسان فريداً أيضاً في تصرّفاته أو أحواله، كأنْ تجعله يكره طعم بعض الأغذية بينما غيره يتلذذ بتذوّقها أو تجعله اجتماعيّاً أكثر من غيره ، فليس كلّ الأفراد متساوين في الاستجابة لظروف البيئة . وكلّ هذه الأمور تتمّ نتيجة ارتباط مجموعتين كيميائيّتـيْن هما المثيل (CH3) الذي يُضاف إلى شريط الدنا ذاتها حيث يرتبط بالقاعدة سايتوسين (نيوكليوتايد) القريبة من القاعدة گوانين .(تتكوّن الدنا من أربع قواعد نتروجينيّة متكرّرة (نيوكليوتايدات) هي أدنين، گوانین، ثايمين وسايتوسين) وإنّ إضافة مجموعة المثيل (CH3) إلى شريط الدنا عملية تغيير هامّة، حيث تتمّ السيطرة على الجين بهذا التحوير. وتقوم الخميرة (إنزايم) مثيل ترانسفريس Methyltransferase  بهذه الاضافة. 

والمجموعة الأخرى هي الأستيل (CH3CO) الذي يضاف إلى الحامض الأميني لآيزين Lysine الموجود في الهستون (سيأتي شرحه بعد قليل) والذي هو وشريط النيوكليوتايد الملتف عليه وحدة الكروماتين Chromatin . فما هو الكروماتين؟

الكروماتين

في كل خليّة تحتوي على نواة Eukaryote تكون الدنا DNA معبّأة مع رنا RNA وبروتين لمساعدتها في وظيفتها التي لا تتمّ بدونهما . هذه المجموعة تسمّى كروماتين Chromatin  الذي هو المادّة الصِّبغية الذي يُمثّل الدنا والذي تتفرّع منه الكروموسومات. يتألف الكروماتين من وحدات صغيرة، تتكوّن كلّ منها من 8 جزيئات بروتين يُسمّى هِستون Histone  يلتف عليه شريط من الدنا بطول 147  قاعدة نتروجينيّة  مزدوجة Nucleotide ، فيكوّن ما يسمّى بـ (نيوكليوسوم )Nucleosome أو الجسم النووي. ولكنّ هذا البروتين لا يبقى نقيّاً دون أن تتناوله عوامل البيئة بالتحريف، حيث درجة الحرارة ونوع الغذاء والكآبة واستعمال الأدوية وغيرها تلعب دوراً كبيراً في هذا المضمار. فهي تسبّب تحوير الخمائر (الإنزيمات) للكروماتين فتكون النتيجةُ التأثيرَ على إفصاح/إنتاج الجينات من البروتينات، فتقلّ أو تكثر أو لا تُنتَج. هذه التغيّرات الطارئة، إنْ كانت في الخليّة الجسميّة، تغيّر صفات الفرد نفسه، وقد يُورثُها أو لا يُورثُها أطفالَه، ، وإنْ تكنْ في الخليّة الجنسيّة يكُـنْ إيراثها وارداً، حيث يكتسب الطفل هذه الصِّفاتِ حتى لو خلت البيئة بعد ذلك من هذه العوامل المغيِّرة. هذه الأمور اعتبرها العالم الفرنسي لآ مارك عام 1809 نموذجاً لتطوّر الإنسان.

فالنيوكليوسوم هو ذلك التركيب الذي بواسطته تلعب البيئة دورها في تغيير الجينوم.  والجينوم هو مجموعة المواد الجينية في الخلية الذي يبلغ تعدادها 3 بلايين (مليارات) قاعدة مزدوجة (نيوكليوتايد) ويوجد جينومان في كلّ خلية جسميّة، ذكري وانثوي، بينما الخلية الجنسية، حيمن أو بيضة، تحتوي على جينوم واحد، ذكري أو أنثوي ومتى اتّحدا تتكون البيضة المخصّبة (زايكوت) بجينوميْن.

تلعب عوامل البيئة  دوراً كبيراً في ديمومة سلامة أو خلخلة الجينوم. فعادةً تساعد على ضمان سلامة الخليتين الناتجتين من انفسام الخلية دون تشوه في محتوياتها وخصوصاً الكروموسومات. يتكون جسم الإنسان، حسب التخمينات، من أكثر من 37 تريليون خلية حيث يوجد في كل خليّة حواليْ 20500 جين ينتج البروتين. ويكون أمراً ضرورياً أن يُستنسَخَ الجينوم بامانة ودقّة تامّتيْن في الخلية الجسميّة وإلاّ فالمرض والعاهة وربّما الموت. أمّا إذا حدث تغيير في استنساخ جينوم الخلية الجنسيّة فالمصيبة أعظم، حيث ينتقل هذا التشوّه وراثياً إلى الأجيال القادمة. ولكنْ في كلّ الحالات يبقى تسلسل أو تعاقب القواعد النتروجينية في الدنا ثابتاً لا يتغيّر. كما وتلعب التغييرات (المثيل مثلاً) الدور في ابطال فعالية أحد كروموسومَيْ X في الأنثى ليكون ثمّة كروموسوم X واحد فعّال يعادل الكروموسوم X الوحيد في الذكر. كذلك تلعب دوراً فيما يُسمّى بالدمْغ Imprinting حيث يكون أحد الأليلين (الجينين) عاطلاً، سواءٌ أكان موروثاً من الأب أم الأم والأخر فعّالاً، فيكتسب الطفل صفة ذلك الجين، كأن يكون لون عينيه (أزرق) موروثاً من الأم أو شعره أسود موروثاً من الأب فقط. وقد وُجد أيضاً أنّ الرنا RNA الطويلة التي لا تدوّن أيّ بروتين تلعب دوراً كبيراً في ابطال أحد الكروموسومين X في الأنثى. وعمل آخر هامّ تقوم به هذه العوامل فوق الجينيّة هوحماية الكروموسومات وخصوصاً نهاياتها المسمّاة بالتلوميرات Telomeres التي بدونها تلتصق نهايات هذه الكروموسومات ببعضها البعض مما يؤدّي إلى تشوّه الخلية أو موتها.

المواد الجينيّة المتنقّلة Transposable Elements

هي قطع من الدنا تستطيع مضاعفة ذاتها وتنتقل بين الجينات ولا تنتج البروتين. ولما كان عدد الجينات التي تنتج البروتين حواليْ 20500 جين في الجينوم والذي يشكل 1% فقط من الجينوم، تشكّل تعاقبات أو تسلسلات الدنا المضاعفة ذاتها معظم الجينوم والتي يأتي معظمها من المواد الجينيّة المتنقلة التي تشكّل خطراً على الفرد لغرز هذه القطع الجديدة الناتجة في جينوم الفرد مما تسبب اضطراباً في الوظائف والفعاليّات، وهنا يأتي دور العوامل فوق الجينيّة لتحمي هذا الجينوم من هذه الأخطار.

هذه القطع الصغيرة من الدنا والمسمّاة ترانسبوزونات Transposons لها قابليّة تضاعف ذاتها وتغرز النُسَخَ التي تنتجها في الكروموسوم بطريقة عشوائيّة. وبهذا تغيّر التركيب البنيوي للفرد. ولكيْ تقوم بهذه العمليّة تحتاج إلى تعاقبات متحركة، وهنا يأتي دور التنازع على البقاء حيث يقوم الكائن الحيّ متعدّد الخلايا كالإنسان مثلاً بإبطال هذه الحركة الضرورية للترانسبوزونات للقيام بعملها، بتحوير تركيب الكروماتين ليكوّن  كروماتيناً غير فعّال ((هيتروكروماتين) على الترانسبوزونات، فيمنع تعاقبات الترانسبوزونات المتحركة من الوصول إلى (ماكنة) الاستنساخ. وهذا الهيتروكروماتين يغلق عملية الاستنساخ وحركة الترانسبوزونات.

الشيخوخة والعوامل فوق الجينية

في الشيخوخة أو تقدم العمرتزيد اضطرابات الجينوم أو تخلخله وذلك بسبب التشوّه الجيني المتزايد، كأنْ تكون الخلايا بعدد أقل من الكروموسومات، فقدان الهيتروكروماتين الذي يسدّ أبواب تنافذ الترانسبوسونات فتنفذ وتحدث تشويهات. فمثلاً تقل سرعة انقسام الخلايا حيث تزيد سرعة خلل توزيع أو انفصال الكروموسومات والتي تكون الخليتان الناتجتان من انقسام الخلية غير متماثلتين، مثلاَ أن تحويَ إحدى الخليتين كروموسوماً زائداً والأخرى كروموسوماً ناقصاً. والغريب أنّ هذا الأمر يقع في الذكر أكثر منه في الأنثى. كما إنّ عملية سدّ المنافذ أمام الترانسبوزونات تكون ضعيفة لقلّة تكوين الهيتروكروماتين . وبهذا يزيد تضاعف الترانسبوزونات ومنْ ثًمَّ تخلخلُ الجينوم.

تكوين الهيتروكروماتين يعتمد على إدخال مجموعة المثيل، ففي متقدّمي العمر يضعف/ يقلّ  إدخال مجموعة المثيل إلى الكروماتين كما أنّ المتكوّن منه يتحطم فيسهل تخلخل الجينوم. لذا يلعب المثيل دوراً كبيراً في (تثبيت) الجينوم وفي انفصال أو توزيع الكروموسومات بطريقة منظًّمة حيث تستلم كلّ خلية ناتجة من الانقسام حصًّتها من الكروموسومات دون زيادة أو نقصان.

المنظِّمات فوق الجينيّة تغيّر إمكانية وصول قِطَع الدنا إلى آليّة (ماكنة)الاستنساخ بتحوير (تغيير) الدنا والهستون كيميائياً ليجعل الكروماتين يتّخذ شكلاً آخر مغايراً. فبهذا تعمل المنظِّمات فوق الجينية في تناسق، تغلق هذا الجين وتفتح ذاك الجين دون أن تتلاعب بتعاقب الدنا، فلا يتغيّر تركيب الجينات من ناحية تسلسل قواعدها النتروجينية. وبمعنى آخر إنّ عمل هذا الجين يتغيّر، فقد ينتج بروتيناً (إنزايم، هورمون أو بروتيناً فعّالاً) بأكثر مما ينتجه .

إنَّ إضافة مجموعة المثيل إلى أو إزاحتها من القاعدة سايتوسين الهستون يؤثّر على إفصاح الجينات من حيث غلقها وفتحها. إنّ اكتشاف الإنزايم دي مثيليس Demethylase التي تزيح (المثيل) دلّ على أنّ ارتباط المثيل بالهستون قد يزول.

الهستون هو أحد مكوّنات الكروماتين، وله نهاية بارزة (ذيل) من النيوكليوسوم، وهذا (الذيل) هو الذي يرتبط بمجموعة المثيل ممّا يؤدّي إلى تغيير يؤثّر على تنظيم عمل الجين.

أمّا الأستيليشن أو إضافة مجموعة الأستيل إلى الهيستون فيتمّ بارتباطها بالحامض الأميني لايزين الموجود في نهاية الهستون والذي تقوم به خميرة (إنزايم) هستون أستيل تراىسفيريس وعند هذا يكون الكروماتين (فعّالاً) ويُسمّى (يوكروماتين)  على أنّ هذا الارتباط قد يزول أيضاً ، فقد يُزاح من قبل الإنزايم دي أستيل ترانسفريس  فيصبح غير فعّال، وهو ما يُسمّى بـ(الـهِيتروكروماتين)

الضرر والنفع

أضرار المثيليشين هي عندما يضاف المثيل إلى إلى الجينات قامعة الورم  Tumour-Suppressor Genes يمنعها من القيام  بمهمتها أيْ يُبطل فعاليتها، وقد وُجد أنّ جينوم الخليّة السرطانية يحتوي على مقدار كبير من مجموعة المثيل. ومقارنة بالخلية العادية السليمة وجد الباحثون أن الخلية السرطانية تحتوي على عدد قليل من مجموعة المثيل ولكنّ الجينات قامعة الورم الموجودة فيها تحتوي على المزيد منه. إنّ إدخال المثيل إلى الدنا يعتمد على ظروف البيئة (داخل الجسم) أو خارجه وهو ما يتلقاه الإنسان من طعام أو حرارة طقس أو إشعاعات أو أدوية وغير ذلك. فمن الفائدة إدخال المثيل في الجين الذي يجب (غلقه)، وإلا سيأخذ بإنتاج ما يكون في  ضرر الإنسان. وعكس ذلك (فتح) الجين إذا كان إنتاجه ذا فائدة. أمّا الأستلة فهي تجعل الكروماتين فعّالا (يوكروماتين) بينما إزاحة الأستيل منه تجعله خاملاً (هيتروكروماتين)

ولإعطاء صورة مبسّطة نذكر ألية التنظيم بإيجاز في هذه العملية:

الدنا كبيرة جدّاً، ولتكون في نواة الخليّة دون أن تتكسّر، وجب أن تكون ملفوفة ومرصوصة/ مكدّسة حتّى تحتويها النواة سالمة، وأنْ تلتفّ بشدّة حول البروتين (هِستون) الضروري لحفظها وسلامتها وفعّاليتها. ولما كانتْ الدنا ملتفّة بشدّة، تكون الجينات فيها مضغوطة. وإذا كانت الجينات مضغوطة، فلا تستطيع أنْ تعمل دون رفع الضغط عنها، وكذلك لا تستطيع الدنا أن تُضاعف ذاتها في هذه الحال. وإذا استمرّ الحال على هذا المنوال فستتوقف الحياة. لذا وجب أن تكون ثمّة وسيلة لرفع هذا الضغط لإدامة العمل في سبيل البقاء. وللنفاذ إلى مناطق الدنا وجب أنْ تكون إحدى مناطق الهستون (متحوّرة) وهنا يأتي دور مجموعة الأستيل Acetyl group  التي ترتبط بالحامض الأميني لآيزين الموجود في ذيل الهستون البارز بواسطة الخميرة (إنزايم) هِستون أسيتليس Histone acetylase بما يُسمّى أسيتيليشن (إضافة مجموعة الأستيل) أو نستطيع تسميتها (أستلة) للتبسيط. هذه العملية تدفع الدنا بعيداً عن الهستـون لتتمكّن من التضاعف. ولعكس هذه العملية تأتي خميرة أخرى تسمّى هستون دي أستيليس Histone deacetylase لتُـزيح الأستيل من الهستون فتغلق النفاذ إلى الدنا. وتتكرّر هاتان العمليتان دوماً في الحال الطبيعية. في الحالة الأولى، الأستلة، يُصبح الكروماتين فعّالاً ويُسمّى يو كروماتين Euchromatin . وفي الحالة الثانية يكون الكروماتين (خاملاً) ويُسمّى

هيتروكروماتين Heterochromatin . والأخير له فائدة منع الترانسبوزونات من النفاذ إلى ماكنة استنساخ الدنا وغرسها نسخها المتضاعفة مما يؤدّي إلى التداخل في وظائف الدنا. أمّا إذا كان ثمّة خطأ في بقاء أو ديمومة الأستلة أو في عدم إزاحتها، فسيكون التشوّه والعاهات والمرض وربّما الموت.

أمّا المثيليشن (إضافة مجموعة المثيل) فيكون على الهيستون الذي لم تنله الأستلة، حيث ترتبط هذه المجموعة بالقاعدة سايتوسين القريبة من القاعدة گوانين فتثبّط ذلك الجين عن عمله، وهذا جيّد بحدّ ذاته إنْ لم نكن بحاجة إلى إفصاح ذلك الجين في ذلك العضو (حيث تتخصّص الخلايا) ولكن سيكون أمراً سيّئاً جدّا إذا ارتبط المثيل بالجينات قامعة الورم، حيث يمنعها من القيام بمهمّتها فيكون السّرطان، أو جينات الدوبامين (هورمون المسرّة والفرح) فستكون الكآبة، أو جينات الناقل الكيميائي سيروتونين فسيسبّب الكآبة والمزاج المتقلب في سلوك الفرد اجتماعيّاً. 2415 بهجت عباس

اضافة الأستيل إلى الحامض الأميني لايزين وإزاحته منه.

 

د. بهجت عباس

 

 

بهجت عباس(إلى الدكتور علي القاسمي)

مقدّمة لا بدّ منها

يُلقي العراقيّون بصورة خاصّة والعرب بصورة عامّة اللوم على الجينات فيما يُصيبهم من حظّ عاثر في حياتهم ، وخصوصاً إذا ابتُلوا بقادة جهلة وأنانيين وفاسدين، ولكنهم لا يدرون أنّ الجينات لا ذنب لها في مآسيهم وعذابهم، فكيف تلوم الطائر على عدم التحليق وهو مُوثّقُ الجناحين!؟ لذا هناك عوامل تؤثّر على عمل الجينات، فتغلقها أو تفتحها، تقلل من فعاليتها أو تزيدها، ولا قدرة للجينات على مقاومتها . ولكننا قبل أن أدخل في تفاصيل هذا الموضوع أحبّ أن أذكر بعض المعلومات بصورة موجزة جداً عن الجين ، تكوينه وعمله. ففي داخل خلية الكائن متعدد الخلايا توجد نواة بغلاف. يوجد داخل النواة جزيئة عملاقة تتكون من سلسلة طويلة من قواعد نووية تسمّى دنا DNA . كلّ قاعدة نووية تتكونّ من سكّر خماسي (رايبوز) فاقد ذرة أوكسيجين، لذا يُسمّى دي أوكسي رايبوز، ومجموعة فوسفات وقواعد نتروجينيّة أربع متكرّرة ، هي أدنين ، سايتوسين، كوانين وثايمين.  فالدنا هي لغة بحروف أربعة تمثل القواعد النتروجينيّة. الدنا هي حامض نووي، وثمة حامض نووي آخر يدعي رنا RNA يوجد قليل منه في النواة ومعظمه في سايتوبلازم الخليّة.

ولتبسيط الأمر ولتبيان العلاقة بين الجين والكروموسوم والبروتين يجب أن نعرف أنّ في نواة خليتنا يكمن الجينوم الذي يشمل كل المواد الجينية بضمنها الكروموسومات. في الإنسان يوجد 46 كروموسوم. وهذا الأخير يتكون من سلسلة طويلة جداً من وحدات صغيرة تسمّى بالأجسام النووية Nucleosomes (تتكون من 200 قاعدة نتروجينية وبروتين يدعى هيستون. تلتف الدنا DNA بدورتين اثنتين على ثماني جزيئات من الهيستون ، فتشكل ما يشبه الأسطوانة.) فالكروموسوم إذاً يتكون من دنا DNA وبروتين ورنا RNA ويكون معبّأً داخل تركيب يُدعى بالكروماتين الذي يتكون أيضاً من سلسلة طويلة من الأجسام النووية.

أمّا الجين فهو قطعة من دنا DNA يقع على الكروموسوم. والدنا في خلايانا ليست نقية، إذ تلتحق بها أو تُضاف إليها مواد كيميائية. هذه المواد الكيميائية لا تغيّر الشفرة الجينية ولكن تغيّر (إفصاح) الجين، أي إنتاجه أو توسطه في الإنتاج ، وهذا بدوره يؤثّر على طبيعة وفعّالية الخلية.

آلاف الفعاليات والعمليات في الخلية لا تقوم بها الدنا ، بل أنواع معينة من البروتينات. ولكن الدنا هي الكود (الشفرة) لهذه البروتينات. أمّا كيف يتمّ إنتاج البروتين، فهو حسب القاعدة المعروفة : (دنا – رنا - بروتين.) حيث تستنسخ الدنا الرنا الرسول messenger RNA التي تكون قاعدة لتكوين البروتين من الحوامض النووية.

ولكنْ هل ينتج الجين البروتين بكمية متساوية وفعّالية واحدة في كلّ الأفراد الذين يحملون الجينات ذاتها، مع بعض الفوارق البسيطة، أم أنّ ثمة تفاوتاً في الإنتاج؟ هذا ما تُجيبنا عليه القصة الهولندية التالية المقتبسة من كتاب د. نيسّا كيري (Epigenetic Revolution 2013 ) وكتاب د. ريشارد فرانسيز (Epigenetics 2011 )

هولندا والحصار الألماني

عندما حاصر الألمان غرب هولندا في الأشهر الأخيرة نوفمبر 1944- مايس 1945 من الحرب العالمية الثانية كانت هناك مجاعة ، حيث حاول الهولنديون البقاء على الحياة بسعرات حرارية هي 30% من السعرات العادية اليومية أكل فيها الناس الحشائش وأزهار التوليب. مات أكثر من 20 ألفاً منهم. فأخذ العلماء يدرسون تأثير هذه المجاعة على الأطفال (الأجنّة) الذين كانوا في أرحام أمهاتهم. فماذا وجدوا؟ إذا كانت الأم في تغذية صحيحة في فترة الإخصاب ولكن عانت المجاعة في الأشهر الأخيرة من الحمل ولدت طفلاً صغير الحجم، وهذا الطفل بقي صغير الحجم طوال عمره مهما كانت تغذيته جيدة في السنين التي تلت مع نحافة بدنية. أمّا الأم التي عانت المجاعة في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، ولكنها كانت في تغذية جيدة في الأشهر الباقية من الحمل، ولدت أطفالاً ذوي حجم طبيعي أو طوال القامة مع بدانة غير طبيعية. والغريب أنّ أطفال هؤلاء الأخيرين اكتسبوا البدانة أيضاً. وعندما درس العلماء نفسيّة هؤلاء الذين ولدتهم أمهاتهم اللواتي عانـيْـن المجاعة قبل ولادتهم، وجدوهم أكثر عرضة للإصابة بأمراض نفسيّة وخصوصاً مرض الشيزوفرينيا والكآبة وضغط الدم العالي ومرض السكّر وأمراض القلب وتصرّفات غير عادية في علاقتهم بمجتمعهم. ولكنّ نوع المرض المصاب به هؤلاء الأطفال يعتمد على فترة المجاعة أثناء الحمل، فيما إذا كانت في الشهر الأول أو الرابع أو التاسع مثلاً. كما أنّ المرأة الحامل في المجاعة معرّضة للأمراض، فمثلاً إذا كانت في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل وتعرّضت للمجاعة تكون عرضة لمرض القلب التاجي وسرطان الثدي، وفي الأشهر الثلاثة الثانية من الحمل تكون عرضة لأمراض الرئة والكلى ، والأشهر الأخيرة فمرض السكر يكون في انتظارها.

كيف يكون التغيير؟

يعني أنّ بيئتنا تؤثر على فعّالية جيناتنا ولكنها لا تؤثر على تركيب الجينات أو تسلسل قواعدها النتروجينية، ولكنّ التأثير يؤثر على الخلية التي تحتوي على هذه الجينات وليس كل الخلايا تتأثر بهذه التغييرات . ومن هنا يأتي التفاوت في الأمراض التي تصيب الجسم نتيجة تغيّـر ظروف البيئة. فما هي آلية هذا التغيّـر؟ هنا يأتي ما يُسمّى بالتغييرات فوق الجينية Epigenetics . فالمقطع Epi يعني في الأغريقية (فوق) أو (على). يمكننا تعريف هذه الكلمة بـ (مجموعة التحويرات أو التغييرات التي تطرأ على المواد الجينيّة فتغيّـر عمليّة فتح الجين أو إغلاقه)، وعملية فتح الجين تعني عمل الجين لإنتاج البروتين الذي تحتاجه الخلية للقيام بوظيفتها، وغلق الجين هو تثبيط القيام بهذه الوظيفة.

أما خلايا الإنسان فعلى أنواع تزيد على المئتين ويختلف بعضها عن بعض. فخلية الجلد السطحية epidermis مثلاً تعيش 5 أسابيع تقريباً وتحل محلها خلية جديدة تتولد من الخلايا الأولية (الجذعية ٍStem cell الموجودة في الطبقة العميقة من نسيج الجلد ، بينما الخلية العصبية Neuron باقية مدى حياة الإنسان لا تستبدل، ومعنى هذا إن أصابها حادث فماتت، فلا تحلّ خلية عصبية أخرى كبديل لها.

التحويرات التي تطرأ على الدنا لا تغير طبيعة هذه القواعد أيْ أنّ تركيبها الكيميائي يبقى ثابتاً كما كان قبل التحوير. إنّ أهم تحوير في الجين هو ارتباط مجموعة المثيل CH3 بأحد القواعد وهو السايتوسين، فيسمى (مثيل سايتوسين.) إنّ استنساخ الرنا من الجين لا يتأثر بوجود مجموعة المثيل المرتبطة، فتكون الرنا غير متحورة ، سواء ارتبطت مجموعة المثيل بالجين أو لم ترتبط، أو بمعنى آخر يبقى البروتين الناتج دون تغيير. ويمكن القول أيضاً بأنّ الكروموسوم المُتولّد من تضاعف الدنا (الأم) أثناء انقسام الخلية يحتفظ بتسلسل القواعد الأربع دون تغيير في هذا التسلسل بغضّ النظر عن وجود أو عدم وجود مجموعة المثيل.. ولكن الجين المرتبط به المثيل يتأثر في إفصاحه فيما إذا أنتج بروتيناً أقلّ أو أكثر من المعتاد أو لا ينتج مطلقاً. هذا الجين يكون مُتوارَثاً، فالأبوان يُـورِثانـه طفلهما.

وإذا عرفنا أنَّ معدّل الوزن الجزيئي للقاعدة النتروجينية هو 600 دالتون، ومجموعة (المثيل) هي 15 دالتون، نرى أنّها  تشكّل 2.5% من القاعدة. وهذه النسبة المئوية الضئيلة هي التي تغيّر ميزان القوى! فبارتباطها بالقاعدة (سايتوسين) تجعل الجين أقلّ إفصاحاً أو تغلقه فلا ينتج الرنا. وكلما كثرت مجموعات المثيل، قلّ افصاح الجين وقلّ استنساخ الرنا أو عدمه ، وهذا طبعاً يؤدّي إلى عدم انتاج البروتين، بما فيه الإنزيمات وبعض الهرمونات. وعند هذا تتغيّر فعالية الخلية كوحدة بناءة ويتغيّر النسيج أو العضو الذي يحتويها ومن ثمّ تتغيّر فعالية الجسم ككلّ..أمّا كيف يتمّ هذا؟ أو ما هي آليّة التغيير التي تؤّدي إلى غلق الجين وقدرته على الإنتاج فنلخّصها ما يلي:

آليّـة التغييـر

الحاثّ / المثير / المحرّض/ المؤسّس (سمّه ما شئت) Promoter هو جزء من الجين ترتبط به الإنزيم المسمّاة رنا بوليميريس – DNA-dependent RNA Polymerase لتستنسخ الرنا RNA التي تكوّن البروتين من الحوامض الأمينية. (العملية مذكورة بالتفصيل في كتابيَّ –عالَم الجينات 1999 و الجينات والعنف والأمراض 2007.)

أمّا إذا كان هذه الجزء (المحرّض) من الجين يحمل مجموعة المثيل، فهذه المجموعة تمنع ارتبط الإنزيم بالجين فلا يتمّ استنساخ الرنا، ومن ثمّ فلا يتم تكوين البروتين. وقد وجد البروفيسور أدريان بيرد Adrian Bird، المتخصّص في مثيل الدنا ، بروتينا سمّاه MeCP2، يرتبط بالدنا التي تحمل مجموعة المثيل وينبّه الخلية إلى هذا الارتباط أو(يغري) بروتينات أخرى لتغلق الجين ، فلا يتمّ استنساخ الرنا الرسول mRNA المسؤولة عن تكوين البروتين من الحوامض الأمينية. وإذا كانت الدنا مرتبطة بكمية كبيرة من المثيل ، ينعدم تكوين الرنا الرسول تماماً، وعند هذا تتكوّر الدنا وتبطل وظيفتها، فلا يتم تكوين الخلايا. ولكن الغرابة أنّ جينات الخلية السرطانية تفقد مجموعة المثيل المرتبطة بها، فتستنسخ الرنا الرسول التي تكون البروتينات وتتضاعف الدنا وتنقسم الخلية إلى أخرى باستمرار ويتكوّن الورم (السرطان). ولمّا كانت الخلية السرطانية قادرة على إزاحة مجموعة المثيل بواسطة إنزيم في سبيل بقائها وتكاثرها، فقد يكون ممكناً، نظريّاً على الأقلّ،  (نزع) مجموعة المثيل هذه من الخلية الطبيعية وإعادة فعاليّتها التي كانت من قبل، لأنّ هذا المثيل لا يغيّر/ يحوّر تركيب الجين. وهنا يأتي دور الوراثة. فبعض الجينات التي يرثها الطفل من أمه يختلف عن مثيله الذي يرثه من أبيه والعكس وارد أيضاً، وذلك بفعل التغييرات فوق الجينيّة. فقد يكون هذا الجين (فعّالاً) إذا جاء من الأمّ وغير فعّال إن جاء من الأب، والعكس صحيح أيضاً. وبعض الجينات الذي أثّر عليها المثيل قد تورَثُ من أحد الجدّين. وعلى هذا الأساس لا يكون التوأمان المتماثلان متشابهين تماماً في تصرفهما أو تأثير الأمراض عليهما،  فيما إذا عاشا سواءٌ في بيئة واحدة (حيث التعرض للإشعاع والمواد الكيميائية الموجودة في الغذاء وتلوث البيئة وغير ذلك) أو في بيئتين مختلفتين تماماً، كأنْ يكون أحدهما في العراق والآخر في السويد. ليس المثيل الذي يلتصق بالجينات هو كلّ شيء في التغيير، بل هناك بروتين موجود في الكروموسوم متحد بالدنا، وهو الهيستون. هذا البروتين يتحد بجذر كيميائي آخر هو الأستيل CH3COO- الذي يتحد بالحامض الأميني لايسين Lysine الموجود في الهيستون، فيزيح الشحنة الموجبة، فبهذا يقلل من تجاذب الهيستون والدنا ، فيسهل اتصال الإنزيم رنا بوليميريس RNA polymerase وعوامل الاستنساخ بالمحرّض أو الحاثّ Promoter ، فيسرّع عملية استنساخ الرنا الرسول ومن ثمّ تكوين البروتين يكون سريعاً. أما إذا أزيح هذا الأستيل، فيتكثف ويتكور الهيستون ويكون الاستنساخ بطيئاً أو قد لا يكون.

فالمثيل يغلق الجين والأستيل يفتحه، وهنا يكون التنافس بينهما معتمداً على كمية كلّ منهما الموجودة في الخلية .

التوأمان المتماثلان ينشآن من خلية واحدة مخصبة عند مرحلة البلاستوسيست Blastocyst (الجنين الأولي المبكّر الذي يتكون من 100 خلية تقريباً) ، فنتيجة انقسام كتلة الخلايا داخله إلى قسمين متساويين يكون توأمان متشابهان (متماثلان). هذان التوأمان يكونان متشابهين تقريباً وليس تماماً في كمية مجموعة المثيل التي تطرأ على الدنا أثناء تطورهما داخل الرحم. ولكن بعد الولادة يكون الاختلاف في كمية المثيل أو الأستيل أو كليهما أكثر وضوحاً. وحينما يتقدمان في العمر، يكون الاختلاف أكثر.

 

د. بهجت عباس

 

عامر هشام الصفارقالوا: هل لنا أن نسأل عن تطورات وباء الكورونا في العراق؟.

قلت: ما زالت الأحصائيات العراقية حول الوباء شحيحة، حتى أن المسؤولين في وزارة الصحة قد أوقفوا كما يبدو عقد مؤتمرات صحفية حول الكورونا، ولو على المنصة الأفتراضية.. ومع هذا فأرقام الأصابات اليوم في مختلف مناطق العراق ما زالت عالية.. وتشير الأرقام الى ما لا يقل عن 7 آلاف حالة أصابة بالكورونا يوميا، حيث زاد عدد الأصابات على المليون عراقي في حين توفي ما يزيد على 15 ألف عراقي بسبب مضاعفات الكورونا ومنذ بدء الوباء.

قالوا: وماذا عن المتغيّرات والسلالات الجديدة من الفايروس؟.. أين العراق من هذه الطفرات الوراثية في الكورونا..؟

قلت: لابد أن نعلم أولا أن العراق النظيف من الكورونا هو مهم لباقي دول الجوار وللمنطقة ككل.. ولكن ما علمناه اليوم أن هناك شك في وجود حالات من الفايروس المتغيّر الهندي في بعض من مناطق العراق. وعلى الأغلب فأنها نتجت عن عودة المرضى العراقيين الذين كانوا في الهند في رحلة للعلاج من أمراض مختلفة.. وكنا قد سمعنا عن أن هناك عددا من المواطنين العراقيين كانوا قد علقوا في الهند بعد أن تقطعت بهم السبل، نتيجة أنتشار الوباء في مدن الهند المختلفة ومنها العاصمة دلهي. ومن المعروف فأن التحورات أو الطفرات الوراثية في الفايروس أنما تنتج عن أنتشار الفايروس بين الناس بشكل غير مسيطر عليه، وعدم الألتزام بضوابط الصحة العامة من أرتداء الكمامات، والتباعد الأجتماعي، والنظافة الشخصية، والتهوية الجيدة.. الى غير ذلك.. وعليه فقد منعت أغلب دول العالم السفر بينها والهند للحيلولة دون أنتشار الوباء والفايروس المتغير الجديد أليها...

ومن الضروري التأكيد على أنه لم تثبت لحد الآن تفاصيل شدة الأصابة بالمتغير الهندي في الهند نفسها، حيث أن الموضوع بحاجة الى المزيد من البحوث. أضافة الى ضرورة الأنتباه الى طبيعة تأثير المتغيّر الهندي على فعالية اللقاحات المضادة للكورونا ومستويات المناعة التي تتكون في جسم الشخص الملقح.

قالوا: وماذا عن التلقيح ضد الكورونا في العراق؟

قلت: مع الأسف.. لا يزال المسؤول الصحي العراقي غير قادر على أعطاء أرقام محددة لأعداد المواطنين الملقحين. وقد يكون ذلك لتفادي الأحراج بالأمر ذلك أن أعداد الملقحين ما زالت قليلة بالنسبة لعدد سكان العراق، وما زال الأقبال على التلقيح بطيئا بل ومعدوما في بعض المناطق.

قالوا: وما الحل أذن في هذا الموضوع، خاصة وأن دول العالم المتقدم تقول اليوم أن لا طريق للخلاص من وباء الكورونا الاّ بالتلقيح؟

قلت: بالتأكيد فأن التلقيح ضد فايروس الكورونا (الكوفيد19) هو الطريق الفعال الوحيد اليوم والذي يضمن سيطرة الأنسان على هذا الوباء، وبالتالي أستعادته لحريته التي سلبت منه خلال العام الماضي، بعد أن أصبحت الكورونا وباءا يصيب الملايين من البشر في عموم دول العالم. ولعل البحوث التي نشرت مؤخرا في بريطانيا والتي تثبت أن جرعة واحدة فقط من لقاح الكورونا (أي لقاح مجاز) أنما هي كافية لتوفير مناعة بنسبة تصل الى 60% ضد المرض، بل وتمنع أنتشار الوباء بين الناس.. فالبحث قد أثبت بما لا شك فيه أن اللقاح يمنع أنتقال الفايروس بين شخص وآخر بنسبة 50%... وهو مهم مما يجب أن يتم التثقيف به. كما أن الأمر يستوجب العمل على توفير اللقاحات وأقناع الشعب بضرورة التلقيح حماية للوطن من فواجع وكوارث مضاعفات الكورونا على الصحة، ووقاية الشعب من مرض له تبعاته الضارة مستقبليا أيضا. 

قالوا: وعودة الى المتغيّر الهندي من الفايروس.. كيف يمكن أن نحمي العراق منه بضوء ما ذكرته؟..

قلت: أولا يتوجب تشجيع الألتزام بقواعد الصحة العامة التي ذكرتها، وعدم التجمع للناس ومهما كانت الأسباب وراء هذه التجمعات، وخاصة خلال هذه الفترة من الزمن. كما قد يضطر صاحب القرار الى أغلاق المدن والمناطق التي ينتشر فيها المرض أكثر من غيرها، وذلك لمدة محددة قد لا تزيد على الأسبوعين، فأن ذلك بحد ذاته سيقلل من أحتمالية أنتشار الوباء ويقلل من عدد الأصابات، وأنتقال التغيّرات الفايروسية بين شخص وآخر.

وبالمناسبة فنحن نعلم أن هناك المتغيّر البريطاني من فايروس الكورونا في العراق، ولم يثبت لحد الآن وجود المتغيّر الهندي. وعليه لابد من الأنتباه الى المناطق التي ينتشر فيها الفايروس أكثر من غيرها، أو المناطق التي تكون الأصابات فيها شديدة خاصة بين الشباب، فأن ذلك مدعاة للشك بطبيعة الفايروس المسبب للمرض.

ومن المعروف فأن المتغير الهندي تكون طبيعة الأصابة به شديدة وسريعة الأنتقال بين الأشخاص. وعليه لابد من التعاون مع منظمة الصحة العالمية في التوصل الى سرعة التشخيص لطبيعة الأصابات بالكورونا في العراق، وطلب المساعدة في كشف الخارطة الجينية لفايروس الكورونا الذي يصيب المريض العراقي.  وهذا بدوره سيكون مدعاة لزيادة الأهتمام بضرورة تكثيف الفحوصات المختبرية الخاصة بالفايروس (فحص البي سي آر) وبالتالي العمل وبسرعة لعزل من تثبت أصابته بالكورونا، وعلاج من يحتاج الى العلاج بعد المعاناة من المضاعفات المرضية (نسبة 5% من المصابين) .

 

عامر هشام الصفّار

 

بقلم: ايرين جارسيا

ترجم وتحرير: بدر ثاني

تتزايد الأدلة على أن الاستجابة المناعية غير الشائعة هي السبب وراء حدوث جلطات دموية خطيرة، ولكنها نادرة بشكل لا يصدق، مرتبطة ببعض لقاحات (كوفيد19). لكن الخبر السار هو أن هناك اختبارًا يمكن للأطباء استخدامه لتحديده والحصول على الرعاية المناسبة للمرضى.

أصيب عدد قليل من الأشخاص من بين الملايين الذين تم تطعيمهم بلقاحات (كوفيد19) الخاصة بـ AstraZeneca أو Johnson & Johnson's بجلطات دموية شديدة، مثل تلك الموجودة في الجيوب الأنفية التي تستنزف الدم من الدماغ، حيث مات عدد منهم.

كما تشير الدراسات إلى أن بعض الأشخاص الملقحين يطورون استجابة مناعية تهاجم بروتينًا يسمى عامل الصفائح الدموية4(PF4)، مما يجعلها تشكل جلطات. وتُستهلك هذه الصفائح الدموية قبل أن يتمكن الجسم من إنتاج المزيد. لذلك ينتهي الأمر بهؤلاء المرضى مع الجلطات النادرة وانخفاض مستويات الصفائح الدموية.

بينما أفاد باحثون في 16 أبريل / نيسان في مجلة نيو إنجلاند الطبية، أنه من بين 23 مريضًا تلقوا لقاح AstraZeneca وظهرت عليهم أعراض جلطات أو انخفاض عدد الصفائح الدموية، تبين أن 21 مريضًا أظهروا أجسامًا مضادة لـ (PF4) من بين هؤلاء، أصيب 20 شخصًا بجلطات دموية. وتضاف النتائج إلى الدراسات السابقة التي وجدت نفس الأجسام المضادة في مرضى آخرين حصلوا على حقنة AstraZeneca، وكان لديهم جلطات خطيرة.

وخلال اجتماع اللجنة الاستشارية حول ممارسات التحصين قال مسؤولو الصحة في 14 أبريل / نيسان: إن خمس نساء من أصل ست مصابات بجلطات بعد تلقي حقنة Johnson & Johnson's في الولايات المتحدة كان لديهن أيضًا أجسام مضادة لـ (PF4). وتقوم تلك المجموعة الاستشارية للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها بتقييم ما يجب القيام به لرفع التوقف المؤقت عن إدارة جرعة اللقاح التي كانت مدفوعة بمخاوف تجلط الدم. وقالت شركة الأدوية خلال الاجتماع: إن رجلًا أصيب بجلطات في الجيوب الأنفية أثناء التجربة السريرية للقاح، وهناك حالة سابعة قيد التحقيق.

يقول جان كونورز، اختصاصي أمراض الدم السريري في كلية الطب بجامعة هارفارد ومستشفى بريجهام والنساء في بوسطن، والذي لم يشارك في الدراسات: "نظرًا لأننا ندرك هذه المتلازمة ... فنحن نعرف كيفية علاجها". وعلى عكس الأشخاص الذين اكتشفوا الجلطات قبل أن يحدد المسؤولون الرابط، "يمكننا تشخيصها بشكل أسرع ومعالجتها بشكل أكثر ملاءمة إذا حدث ذلك، بحيث تكون النتائج أفضل."

وذلك لأن الجلطات التي يسببها اللقاح تشبه حالة تسمى قلة الصفيحات التي يسببها الهيبارين (HIT). فالمرضى الذين يعانون من HIT يصابون بجلطات دموية عند علاجهم بعقار الهيبارين المضاد للتخثر الشائع الاستخدام. ويرتبط الهيبارين ببروتين (PF4)، كما يطور بعض الأشخاص استجابة مناعية تهاجم الجزيئين.

يقول كونورز: إن علاج المرضى الذين تم تلقيحهم والذين لديهم أجسام مضادة ل(PF4) بالهيبارين يشبه "إضافة الوقود إلى النار" وقد يتسبب في تطوير المزيد من الجلطات. في الولايات المتحدة على سبيل المثال، أربعة من أصل ست نساء أصبن بجلطات بعد الحصول على لقاح Johnson & Johnson's، تلقين الهيبارين، كما فعل مع الرجل في التجربة السريرية. فبينما تعافى الرجل وخرجت المرأة من المستشفى، كان ثلاثة منهم ما زالوا في المستشفى حتى 14 أبريل / نيسان.

وبينما يمكن للعاملين في مجال الرعاية الصحية اختبار (PF4)، يقول كونورز: إذا كانت نتيجة اختبار المريض إيجابية، فهناك العديد من مضادات التخثر الأخرى غير الهيبارين التي يمكن للأطباء استخدامها للعلاج.

 

.......................

رابط المقال:

People with post-COVID-19 vaccine clots share a rare immune response | Science News

 

 

عامر هشام الصفارترجمة: د. عامر هشام الصفار

لم يكن الأمر كذلك حتى حاول علي بيع عبوة غاز الطهي التي سرقها من موقد والديه فأدرك أن المخدرات كانت تستهلكه - وليس العكس. كان الشاب العراقي البالغ من العمر 27 عامًا قد باع بالفعل هاتفه المحمول، والكراسي،  والسرير، وحتى الوسادة ذاتها التي كان ينام عليها لشراء عدد قليل من الجرامات الإضافية من مادة الكريستال ميث المخدرة.

آخر شيء بقي هو هذه العلبة المحطمة، ولكن حتى هذا لن يجلب ما يكفي لتغطية تكلفة الإصلاح. كان محمومًا وينتقل إلى مضاعفات حالة الأنسحاب من المخدر، حيث تم إيقافه في النهاية عند نقطة تفتيش في أحد أحياء بغداد المتهدمة.

الشاب الضعيف ذو الجلد المشوه لا يتذكر بالضبط ما حدث بعد ذلك. وقال لصحيفة الإندبندنت من مركز شرطة القناة في شرق بغداد حيث يقضي أربعة أشهر: كنت في عالم آخر، كنا جميعًا نريد الهروب من حياتنا البائسة.

تلاشى تركيزه، وبدت عيون علي مثل الآبار. "لقد أثرت بشكل كبير على مجتمعي؛ لدينا الكثير من الأشخاص المفلسين والذين ماتوا من جراء ذلك. "لكن العيش صعب."

علي (أسم مستعار) هو واحد من آلاف مدمني الميثامفيتامين الكريستالي في العراق، البلد الذي حتى وقت قريب نسبيًا لم يكن يعاني من موجة إدمان المخدرات على مستوى البلاد، حتى في الوقت الذي أغرق فيه الأفيون والهيروين دولًا مثل إيران وأفغانستان.

بتمويل من المساهمات في برنامج الدعم الخاص بنا، تحدثت الإندبندنت إلى الممارسين الصحيين في العراق، ووصفت المد المتصاعد لتعاطي الكريستال ميثامفيتامين بأنه وباء خفي - وحذرت من أنه أصبح أكثر خطورة منذ وصول فيروس كورونا للبلاد.

قال قاسم ورش، كبير الممرضين في مستشفى أبن راشد، مركز إعادة التأهيل الرئيس بالعراق، إن "الميثامفيتامين تدمر أجهزة الدفاع عن الجسم، وتتسبب في حالات خطرة مثل فقدان الوزن، وتجعل المتعاطين لها عرضة لجميع الأمراض بما في ذلك، بالطبع، الكورونا أو الكوفيد -19".

"إنه يجعل الناس يتوقفون عن الأهتمام بأي شيء، وسيكونون أقل عرضة لممارسة أشياء مثل التباعد الاجتماعي."

لا مفر من الهروب

ويتجه عدد متزايد من العراقيين إلى الميثامفيتامين الكريستالي للهروب من الواقع الصعب المتمثل في أرتفاع معدلات البطالة والفساد الذي يجتاح الأقتصاد والبنية التحتية المتهالكة، لبلد أنتقل من صراع إلى صراع، منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003.

وبحسب تقرير نشره المجلس الأطلسي في شباط (فبراير)، فإن نحو 60 في المائة من سكان العراق تقل أعمارهم عن 25 سنة، في حين تقدر نسبة البطالة بين الشباب في العراق بـ 36 في المائة.

يقول مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إن المخدر الكريستالي أصبح المخدر الرئيس المثير للقلق في البلاد، وحذر في تقرير فبراير من أنه بينما تم تهريبه مرة واحدة فقط من إيران المجاورة، فأنه يتم الآن تصنيع المخدر سرًا في معامل داخل العراق.

ولا يزال المحور الرئيس لتعاطي المخدرات هو المحافظات الحدودية الجنوبية مثل البصرة وميسان. قال أحد السكان المحليين في البصرة، الذي لديه معرفة بالصناعة لكنه رفض الكشف عن هويته لدواعي أمنية، إن هناك عصابات قوية من التجار دأبت منذ فترة طويلة على تهريب هذه المادة إلى داخل البلاد.

وقال المصدر إن النساء كثيرا ما يستخدمن كبغال مخدرات لأن البحث عنهن أقل. يمكن بعد ذلك بيع مخبأ يتم شراءه مقابل 5000 دينار عراقي (2.50 جنيه إسترليني) للجرام بأربعة أو خمسة أضعاف السعر الأصلي، مما يمنح التجار ربحًا جيدًا.

ولم يعد العراق مجرد بلد عبور للمخدرات في طريقه إلى تركيا، بل أصبح وجهة في حد ذاته على مدى السنوات القليلة الماضية مع تصاعد العنف والفقر.

كانت البصرة هدفاً سهلاً أولًا، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي. فقد شهدت المدينة الجنوبية، التي كانت تُعرف سابقًا باسم "فينيسيا الشرق"، أرتفاعًا هائلاً في معدل البطالة على مدى السنوات القليلة الماضية، بينما ظلت تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك الوصول إلى المياه النظيفة.

"هنا في البصرة، لا توجد حدائق، ولا نوادي، ولا حتى سينما. قال أحد سكان البصرة "لا يوجد مكان يذهب إليه الشباب ولا شيء يفعلونه".

لقد عاش الشباب حروبًا متعددة. المدمنون الذين تحدثت إليهم يقولون إنه ليس لديهم عمل، ولا هوايات، ولا سبيل آخر للهروب ".

لقد أدى إدمان الميثامفيتامين إلى زيادة الضغط  على نظام العدالة الجنائية العراقي الذي يعاني بالفعل من المشاكل. وقالت فرق مكافحة المخدرات في سجن القناة، حيث يسجن علي، إن السجن كان بكامل طاقته الأستيعابية مع 217 مدمنًا على الكريستال ميثامفيتامين وتجارًا محتجزين، حيث حشر السجناء جنبًا إلى جنب في الزنزانات.

وقال الضباط إن الأرقام أرتفعت بشكل كبير منذ عام 2017 حيث أنخفض كل من أقتصاد البلاد وسعر الكريستال ميث. وقال الرائد جبار حيدر لصحيفة الإندبندنت: "في هذه المديرية، سجلنا زيادة بنسبة 40 في المائة في عدد المدمنين منذ عام 2017 وزيادة بنسبة 30 في المائة في تجار المخدرات، حيث أن زيادة توافر الكريستال ميث هو الذي يؤدي إلى أنخفاض الأسعار.

وقال إنه في عام 2017 كان الجرام الواحد يكلّف نحو 100 دولار، لكنه الآن يباع في بعض المناطق مقابل أقل من 20 ألف دينار عراقي - 10 جنيهات استرلينية فقط.

ويبقى الأنتشار الدقيق للدواء غير معروف بسبب نقص البيانات. لكن الرائد حيدر قال إنه تم اعتقال أكثر من 6000 شخص في جميع أنحاء البلاد العام الماضي، بتهم تتعلق بالمخدرات، بينما صادرت السلطات أكثر من 120 كيلوجرامًا من الكريستال ميث.

ومن جهة أخرى فأن الصفحة الرسمية على  الفيس بوك للمديرية العامة لمكافحة المخدرات في العراق تنشر تحديثات منتظمة حول عمليات ضبط المخدرات، وقد بدأت عددًا من حملات التوعية لتشجيع السكان على مشاركة أية معلومات حول التجار والصناعة.

وفي غضون ذلك، قالت وزارة الصحة العراقية إنه بعد تناول الكحول، كان الكريستال ميث هو أكثر العقاقير تعاطيًا. وأظهرت أحدث البيانات أن 813 مدمنًا يتعافون في مراكز إعادة التأهيل التي تديرها الحكومة، وهو ما يفوق بكثير أية مادة أخرى.

كلف الأمر حياتي

أحد هؤلاء المرضى هو أحمد ، 32 عامًا ، عامل عاطل عن العمل، دخل إلى مستشفى ابن راشد ببغداد بعد أن طردته أسرته في النهاية من المنزل.

ابن راشد هو واحد من مستشفيين للأمراض النفسية تديرهما الحكومة، يعملان على إعادة تأهيل المدمنين في العراق. وهي أيضًا الأكبر. حيث تم تخصيص 13 سريرًا لمرضى مثل أحمد يتعافون من إدمان المخدرات.

قال أحمد إن كلا من الرجال والنساء يتعاطون المخدر، على الرغم من قلة عدد النساء اللواتي تحدثن بسبب الوصمة. وقال إن تجار المخدرات يستخدمون طرقًا مبتكرة بشكل متزايد لجذب عملاء جدد.

فبدلاً من المخاطرة بالسجن عن طريق بيع بضائعهم في الشارع، بدأ التجار في تسليم كميات صغيرة من الكريستال ميث مجانًا لأولئك الذين يعيشون داخل المجتمعات الضعيفة. ثم ينتظر التجار حتى يتم ربط عملائهم الجدد ، فتأتي موجة جديدة من المدمنين تتوسل للمزيد.

وقال لصحيفة الإندبندنت من سريره في المستشفى: "عندما تشعر باليأس، سيخبرك بعض التجار أن تسرق أشياء مثل الدراجات النارية أو أي شيء آخر لدفع ثمن الأدوية".

- لقد أصبح المستخدمون على نحو متزايد من التجار ذوي المستوى المنخفض لتمويل عادتهم، وتستمر الدورة بتكلفة كبيرة. كنت سأتزوج مع عائلة وعمل لولا الكريستال ميث – لقد كلفني الأمر حياتي .

باع أحمد كل ما يملكه ووضع كل قرش من أرباحه الضئيلة في أدمانه، وسرعان ما ينفر نفسه من عائلته وأصدقائه الذين أخبروه أنه لا يمكنه العودة إلى المنزل حتى يتم علاجه.

قال الشاب في تلك اللحظة أنه كان يعاني من هلوسة مرعبة ويسمع أصواتًا. فقد تم تدمير جهازه الهضمي كما أن  ذاكرته قد تأثرت.

قال: مررت بما لا يقل عن ثلاثة أيام من أعراض الأنسحاب، كنت مثل رجل يبلغ من العمر 90 عامًا.

كان في العراق ذات مرة عقوبة الإعدام للمستخدمين والتجار، ولكنه تم أصدار تشريع في عام 2017 يمكن للقضاة بموجبه أن يأمروا بإعادة تأهيل المدمنين أو الحكم عليهم بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.

لقد كان أحمد محظوظا لكونه في مركز لإعادة التأهيل. ففي أجزاء من العراق حيث لا توجد مرافق متاحة، يتم سجن العديد من متعاطي المخدرات.

قال مسعفون في أبن راشد إن هناك حاجة إلى المزيد من الوحدات والمستشفيات المتخصصة والتي يتوجب أن يتم بناؤها في جميع أنحاء البلاد لأن عدد المدمنين يتزايد وأن حبسهم ليس حلاً.

قال الدكتور أرجان تقالي لصحيفة الإندبندنت: "نحتاج إلى آلاف الأسرّة في جميع أنحاء البلاد والتي لا نملكها". "خذ كركوك مثلا، هناك ثمانية أسرّة فقط متوفرة في جميع أنحاء المنطقة."

بالنسبة لعلي وأحمد ، المشكلة ليست فقط مسألة حياة أو موت بالنسبة لهما فقط ولكن لجيلهما بأكمله.

 

 

سارة طالب السهيلفي الثاني من شهر أبريل تحتفل العالم سنويا باليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد، وهو جهد انساني مشكور، يتطلب من جميع الشعوب التوعية به والعمل على انقاذضحاياه وتطوير قدراتهم الانسانية والعقلية والنفسية والاجتماعية،خاصة في ظل تزايداعداد المصابين بالتوحد في العالم .

يعرف هذا المرض بأنّه اضطراب عصبيّ يبدأ مبكراً في مرحلة الطفولة، ويستمر طوالحياة الإنسان ويؤثّر على مهارات التواصل والتعلّم وكيفيّة التصرّف والتفاعل معالآخرين، وتتجلى مظاهره في عدم قدرة الطفل على الاستجابة والرد على اسمه في السنةالأولى من عمره، وعدم الاهتمام باللعب مع الآخرين أو التحدث معهم، ورفض الاتصال .يتسم طفل التوحد بعدة خصائص منها: العجز عن بناء علاقات اجتماعية نتيجةاهتمامه بالاشياء اكثر من اهتمامه بالناس.

كذلك التأخر في اكتساب اللغة مقارنة بالأطفال العاديين، كما انهم يستخدمون اللغة المنطوقة بطريقة غير تواصلية بعد تطورها، ويتصفون ايضا بتكرار الكلام غيرالطبيعي من كلمات وجمل، ويعكسون الضمائر .اما لعبهم فيتم بطريقة نمطية تكراريةويخفقون في اكتساب مهارات اللعب التخيلي، وكذلك ينزعجون من التغيير في حياتهماليومية.

والضرورة فان العلم لا يقف عاجزا عن ايجاد مخرج لطفل التوحد لكي يكتسب مهاراتالحياة ويندمج ولو بشكل جزئي مع المجتمع، وان كانت العقاقير الطبية قد تقف عاجزةعن علاجهم، فالفنون والآدب وايضا مخلوقات الطبيعة قدمت حلولا عملية مقبولة فيدعم طفل التوحد، بل والاهم من ذلك كله وعي الاسرة وحنانها ورفقها وصبرها على هذاالطفل وتعليمه برفق مكتسبات الحياة العلمية والعملية .

فالفن يلعب دورا هاما ومؤثرا في تنمية وإثراء وعلاج عملية الاتصال لدى الأطفال الذينيعانون من اضطرابات في النمو أو اضطرابات في مهارات الاتصال . حيث تتيج لغة الفنفرصة للاطفال المصابين بالتوحد، للتعبير عما بداخلهم والاتصال بالآخرين .

فالأنشطة الفنية تقدم للأطفال التوحديين فرصة تنمية إدراكهم الحسي من خلال تنميةإدراكهم البصري عن طريق الإحساس باللون والخط والمسافة والبعد والحجم والإدراكباللمس. لذلك يعد الفن التشكيلي واحدا من الأساليب العلاجية المعترف بها عالميا.

قد يستخدم طفل التوحد فن الرسم بالوانه وادواته كلغة بديلة عن اللغة المنطوقة وكوسيلة للتواصل وللتعبير عن أحاسيسهم و مشاعرهم و تخيلاتهم، حيث يعود فن الرسم طفلالتوحد على التفكير عن طريق اللعب بالألوان و التعبير بالرسم . واثبتت الدراساتالعلمية الحديثة على دور العــلاج بالفــن في تنميــة الاتصــال لــدى الأطفــالالتوحدييــن، حيث يطلق الفن الشعور التعبيري والانفعالي لدى الطفل عبر تطورالتفاعل الإنساني بينه وبين العمل الفني والمعالجة.

كما يعمل على تنمية وعي الطفل بنفسه، وأنه قادر على إخراج عمل جميل،وأيضاً فيبداية إحساس الطفل بنفسه هي بداية منظمة لإحساسه بالبيئة من حوله.

أما العلاج بالموسيقى فيعمل على تحسين مهارات التواصل الاجتماعي لدى الأطفالالمصابين بالتوحد وحياتهم الأسرية ويحسن من شبكات الدماغ الرئيسية . وأفادتالدراسات الطبية، ان الطفل المصاب بالتوحد عندما يتمكن من العزف على البيانو أويغني أغنية فإن هذا يفيد وظائف المخ بصورة كبيرة. وقال الباحثون إن العلاجبالموسيقى زاد من التواصل في شبكات الدماغ الرئيسية. وايضا تحسنت مهاراتالتواصل الاجتماعي، ونوعية الحياة لأسرة المريض. وكشفت فحوص الدماغ أن الأطفالفي المجموعة الموسيقية زادوا من الاتصال بين المناطق السمعية والحركية في الدماغ .

وتعد القصص الاجتماعية، طريقة لتعليم المهارات الاجتماعية لأطفال التوحد، من خلالتقديم معلومات دقيقة عن المواقف الاجتماعية التي يجدها صعبة ومشتتة، وبما يفيدهفي حياته اليومية.

يمكن أيضا لاطفال التوحد معايشة الحيوانات الاليفة من قطة او كلب او عصافير الزينةفي البيت، أثبتت الأبحاث العلمية الحديثة، أن الحيوانات الأليفة أثبتت فعاليتهاونجاحها فى علاج اضطرابات السلوك لدى طفل التوحد شرط ان يكون اختيار نوعحيوان مناسب لحالة الطفل .

ففي برنامج علاجى بمساعدة الكلاب في مركز إيسكولا إيريس فى برشلونة بإسبانيا،تم استخدام الكلاب الأليفة وتطبيق التجربة بين الطب النفسى وأخصائى التربية والطبالبيطرى، وحققت نجاحا كبيرا، واستطاعت الكلاب تخليص الأطفال مصابى التوحد منحالة الانطواء بسبب مرضهم، وأثبتت ان مساعدة الكلب للطفل المريض كان أدق منالأجهزة .

في تجربة عملية عاشتها احدى صديقاتي مع ابنها الذي كان يعاني من مرض التوحددون ان تدرك انه مريض او سبب فرط حركته وعدم استجاباته وعدوانيته في المنزلوالحضانة الى درجة انه كان يحطم اي شئ معه وغير قادر علي التعلم، حيث جلبت لهاكبر المدرسين دون جدوى، لكنها كانت كثير ما تقابل عدوانيته بعنف من جانبها مما زادالطين بلة، وعندما يئست من حالته ادركت انه لا مفر امامها سوى ان تتعامل مع ابنهاعلى انه حالة مرضية تتطلب الحنان والرفق والصبر الجميل، وسرعان ما غيرت منطريقة تعاملها معه، وضعت لنفسها خطة عمل وهي ان تعمل على تعليمه بنفسها دونمساعدة احد وبنفس طويل وارتضت بنسب نجاح عشرة بالمئة فقط، وبالفعل نفذتخطتها التعيليمة، مع جلب عصافير زينة في البيت كانت تطلب من صغيرها ان يضعبنفسه الطعام والماء لهم . كما اخذت تصطحبه معها في زيارات لمساجد آل البيت ليستمعالى الابتهالات الدينية وبموسيقاها العذبة والمدائح النبوية التي تلقى على ايقاعاتالدفوف الموسيقية . وفي طريقها اخذت تعلمه عمليا اسماء الكائنات والطبيعة من سماءوارض وشجر وبحر وحيوانات وازهار ومساجد وكنائس وغيرها من حلولها وباللغاتالعربية والاجنبية، وفي غضون عام من هذه التجربة تقلصت عدوانية الطفل بنسبةكبيرة جدا واخذ يحصل مع امه الدروس صحيح في وقت أطول لكنه كان يستوعبها ولميمض عامان اصبحت قدرة الطفل على التعلم والكلام مقاربة للطفل العادي . وعندماشعرت الام بأن الطفل يحتاج الي مزيد من الثقة بالنفس فالحقته بتدريبات الكاراتيه .

هذا الطفل اليوم تجاوز بحكمة أم وصبرها وفهمها ووعيها كثيرا من ازمات التوحد، وانكانت قدراته على اقامة علاقات مع الناس اقل كثيرا من غيره لكنه لا ينزعج من الناسوهذا تقدم كبيرا جدا، ويكفي انه يتلقى تعليما عاديا وسط قرنائه الاصحاء،فالتجربةأصدق من الكتب .

 

سارة طالب السهيل

 

بهجت عباسألا وهي خميرة (انزيم) التلوميريس

مقدمة قصيرة

في دورة الماجستير في الباثولوجي والفارماكولوجي التجريبيين في مستشفى همرسميث – جامعة لندن عام 1977 عرّف البروفيسور واينبرين السّرطان بـ(التداخل في المواد الجينية)، وقبله بواحد عشرين عاماً وصف الأستاذ عبد الفتاح الملاح، مدير كلية الصيدلة والكيمياء الملكية – (حينذاك) وأستاذ الكيمياء العضويّة فيها، الدنا DNA  التي لم يمضِ على اكتشاف تركيبها الجزيئي غير ثلاث سنوات (1953) بأنها الربّان أو القبطان الذي يدير دفّة السّفينة (الخلية / الجسم)، وقولهما متطابق وصحيح آنذاك، فالتداخل في عمل القبطان قد يُؤدي إلى اضطراب السفينة وربما غرقها . وكذلك إذا كان الربّان سكرانَ أو تعبان أو مُسهّداً حيث لا يعمل أو لا يستطيع عمل ما يجب عليه فيفـقـد السّيطرة من حيث يدري ولا يدري . فإبدال جين جيد بجين عاطل أو معطوب أو رفع هذا الأخير أو تعطيله عن العمل أو تنشيط جين ضروري نائم أو كسول في عمله في عملية (علاج الجين) قد ينقذ الجسم من مرض خطير . فالعمليات التي تجري في الخلية البشرية أو الحيوانية أو النباتية منظمة جداً بواسطة الجينات المحمولة على الكروموسومات التي هي على شكل خيوط تتكون  من دنا وبروتينات، وأيّ طارئ يؤثر على هذه الجينات فيفقدها وظيفتها من حيث إنتاج البروتين الخاص بها، خميرة (إنزيم) كان أو هورموناً، يؤدي إلى أمراض وعاهات وربما موت . وعندما تنقسم الخلية إلى اثنتين، تنقسم الكروموسومات إلى قسمين متماثلين أيضاً حيث يتوزعان بتساوٍ في الخليتين الناتجتين حامليْـن الجينات معهما، وهذا ما يُسمى بتكاثر الخلايا التي ينمو الجسم من جرائها ويقف عند حدِّه في عمر معين . ولكن انقسام الخلايا يستمر بعدئذ مصحوباً بموت بعضها موتاً طبيعياً ليكون ثمة توازن . وقد يحدث أن تُصاب بعض الجينات، وخصوصاً تلك المسؤولة عن دورة (انقسام) الخلية أو المسيطرة عليها، بتشوه يُفقدها وظيفتها، فيستمر انقسام الخلية دون سيطرة فيكون ورم أو سرطان.

السّرطان

يمكن أنْ يُعرّف بأنَّه تكاثر الخلايا غير المُسيطَـر عليه نتيجة تشوّه جينات خاصة في الخلية تجعلها تفقد وظيفتها الأصلية مثل جينات كابحة / قامعة الأورام .  يكون سريعاً في بعض الحالات وبطيئاً في حالات أخرى، ولكن في كلتا الحالين لا تتوقف الخلايا عن الانقسام، ويسمّى في هذه الحال بالورم الخبيث Malignant  تمييزاً عما يُدعى بالورم الحميد Benign الذي تتوقف الخلايا بعد انقسام غير مُسَيطَر عليه كالشامة Mole مثلاً .

ينشأ السرطان من خلية واحدة، والخلايا الناشئة منها تتراكم على شكل بثرة صلبة Tumour وقد ينتشر بعض من خلايا هذا الورم في اللمف والدم فيسري مع جريانهما، حيث يأخذ بعض منها، وليس كلها (موطناً) في أجزاء أخرى من الجسم فيكوّن ورماً (ثانويّاً) في حالة تُدعي بـ(الانتشار Metastasis ) وهذا هو ما يودي بحياة الإنسان . يتم الانتشار بواسطة جينات خاصّة (تسمح) بانفصال خلايا الورم لتنطلق إلى أماكن أخرى، والحقيقة إن هذه الجينات في حالتها الطبيعية مسؤولة عن (التصاق) الخلايا العادية بعضها ببعض، ولكنها تكون مشوهة في الخلايا السرطانية فتفـقد وظيفتها، لذا تنفصل هذه الخلايا دون سيطرة من هذه الجينات . وثمة جينات أخرى، كما مر سابقاً، تُدعى بالجينات قامعة الورم مثل الجين P-53، ويسمى حارس الجينوم ( الجينوم هو مجموعة الجينات والمواد الجينية في الخلية) يقوم بتصليح العطب الحاصل في الجينات عند حدوثه، فيوقف دورة الخلية لحين إصلاحه، فإن لم يستطع إصلاحه، يأمر الجينات الأخرى بقتل الخلية ويقتل نفسه معها لينقذ الخلايا الأخرى، فلذا سُمِّيَ بالجين الانتحاري . أما إذا أصيب هذا الجين ذاته بعطب يفقده عمله، تُـفـقَـد السيطرة على انقسام الخلية فتتكاثر دون رقابة ويكون الورم . هذا ما يحدث بصورة عامة . ولكن إذا عرفنا أن عمر الخلية العادية (السليمة) محدود بانقسامها، وانقسامها ليس بلا نهاية، فما الذي يجعل الخلية السرطانية أبديّـة لا تموت إلا بموت الإنسان الذي يحملها ؟ السرّ يرجع إلى خميرة اكتشفت قبل ربع قرن تقريباً تسمّى بالتلوميرَيْس Telomerase التي تتوسط بصنع تعاقب مواد نووية تُدعى بالتلومير . وقبل أن نتكلم عن التلوميرَيْس يجب أن نعرف تركيب الكروموسوم والتلومير .

الكروموسوم والتلومير

يتكون كروموسوم الخلية البشرية من جزيئة واحدة من الدنا وبروتينات متعددة . تكون الدنا على شكل خيط ذي نهايتين (طرفين)، أما كروموسوم الخلية الجرثومية (البكتريا) فيكون على شكل حلقة، أي أنّ نهايتيه متصلتان، أو بالأحرى بلا نهاية. ترتبط في نهايتيْ هذه الدنا (كروموسوم الخلية البشرية) مواد نووية صغيرة تتكون من ستّ قواعد نتروجينية ذات تسلسل TTAGGG  ( ثايمين، أدنين وكوانين على التوالي وتسمّى نيوكليوتايد –حجر بناء الدنا) وتسمى تلومير Telomere ( أطلق هذا الاسم هرمان مولـر في الثلاثينات من القرن الماضي مشتقاً من كلمة "Telos" اليونانية التي تعني "نهاية" وكلمة "Meros" التي تعني "جزء")  ويتكرر هذا التسلسل 2000 مرة في نهاية كل كروموسوم، أيْ بنسق TTAGGG…TTAGGG..TTAGGG… ويعاد هذا التعاقب ألفيْ مرة في كل نهاية من نهايتيْ الكروموسوم . هذه التلوميرات تفصل الكروموسومات بعضها عن بعض، ولولاها (كما لاحظت بربارا ماكلينتوك في الثلاثين من القرن المنصرم) لالتصقت الكروموسومات المجاورة وسببت تشوهاً في الخلية يؤدي إلى الموت . ولكن عندما ينقسم الكروموسوم في دورة الخلية يفقد بعضاً من هذه التلوميرات التي لا تُعوّض فتتقلص سلسلة التلومير عند كل انقسام  حتى لا يبقى إلا قليل منها فلا ينقسم الكروموسوم ولا تنقسم الخلية فتموت ويتضاءل الجسم حجماً عند فقدانه الخلايا في مرحلة الشيخوخة والعمر المتقدم . فموت الخلية هنا هو طبيعي ويسمى (موت الخلية المُبَرمَج) . فخلايا الطفل تنقسم حواليْ مائة مرة قبل أن تموت، بينما خلايا الشخص ذي السبعين عاماً تنقسم بين 20 إلى 30 مرة قبل أن تموت . إن تقلص التلوميرات يقلّص عمر الإنسان . ولكن هذه التلوميرات قد تُعوَّض، أي تُضاف إلى الكروموسوم عند ما تكون ثمة خميرة في الخلية تسمى التلوميريس، التي  تنتج هذه التلوميرات، فتعيش الخلية مدة أطول ما دامت التلوميريس موجودة وقد تكون أبدية لا تموت كالخلية السرطانية .

التلوميرَيْس

عند بحثها في تعاقب التلوميرات في جرثومة تتراهايمينا Tetrahymena (وهي بكتريا ذات خلية واحدة تعيش في مياه الأحواض وغيرضارة في أكثر الأحايين) في أوائل الثمانينات من القرن الماضي وجدت إليزابيث بلاكبيرن أنّ تكرار التلوميرات قصير جداً، إذ لا يتجاوز السبعين تكراراً . ولكنَّها وكارول گرايدر عام 1984، عند مزجهما خلاصة هذه البكتريا مع تلومير مُصَنَّع، وجدتا أنَّ هذا التلومير المُصنَّع قد ازداد طولاً . فاكتشفتا أنَّ لهذه الخميرة اليدَ الطولى في تكوين التلوميرات وحفظ الخلية من الموت . وبعد بضع سنين من اكتشافهما، أخذ الباحثون يدرسون هذه الخميرة، وجودها، تركيبها، ماهية عملها ودورها في السّرطان واستغلالها في إطالة عمر الإنسان . التلوميرَيْس، كالخمائر الأخرى المعروفة التي تتكون من بروتين بصورة عامة، تتكون من بروتين ومن رنا RNA، وهذا الأخير هو المسؤول عن تكوين التلوميرات، حيث تضع هذا الخميرة الرنا على أحد خيطيْ الدنا للكروموسوم (يتكون من خيطين من الدنا ملتفين حول بعضهما ولكنهما ينفصلان عند التضاعف/التكرار في دورة الخلية)، فتضع الرنا عليه نيوكليوتايد من (دنا) واحدة بعد أخرى حتى يكتمل التلومير وبهذا تكون للكروموسوم نهاية (جديدة)، فتنسحب التلوميريس بعد هذا إلى هذه النهاية (الجديدة) لتكرّر ذات العمل وتصنع نهاية (جديدة) أخرى، وهكذا تطول سلسلة التلوميرات وتنقسم الخلية إلى الأبد مع احتفاظها بالتلوميرات في كروموسوماتها ما دامت التلوميريس موجودة فيها . وقد اكتشف كريك مورين عام 1989 أن الخلية السرطانية، عند زرعها، تعيش أجيالاً طويلة لاحتوائها على خميرة التلوميريس، عكس الخلية الطبيعية التي لا توجد فيها هذه الخميرة أو تكون موجودة ولكنها عاطلة، التي عاشت فترة محدودة  في نفس الظروف. ولما كانت البكتريا تملك هذه الخميرة، فهي تتكاثر بلا نهاية . فالتجارب التي أجراها ليانغ يو ورفاقه في مختبر بلاكبيرن عام 1990 بيّنت أنَّ تتراهايمينا مثلاً، تحتاج إلى هذه الخميرة لبقائها مدى الحياة، وعندما غُيِّر تركيبُها أخذ ت التلوميرات تتقلص وتنكمش أعقبها موت الخلية . فالكروموسومات الموجودة في الرجل المسن تكون أقصر مما هي عليها في الشاب، لتقلص التلوميرات فيها . لذا يكون إنتاج الخلايا الجديدة في الشيخوخة أقلّ، وهذا ما يجعل الجروح والأمراض تتطلب وقتاً أكثر للشفاء . إن (شيخوخة التضاعف)، أي بطء تكرار أو تولّد الكروموسوم، كما أطلق عليه ليونارد هاي فليك، تلعب دوراً، إن لم تكن الأهم، في شيخوخة الإنسان، لأنها الساعة التي تحدد العمر . هذا ينطبق على الخلايا الجسمية، كاليد والقلب والرئة وغير ذلك، ولكن ليس على خط الخلايا الجنسية (مصدر الحيامن والبيوض والخلايا الأولية Stem cells ) حيث يُعوّض فيها التلومير، لوجود الخميرة تلوميريس فيها أو ربما خميرة أو خمائر مجهولة لم تُكتَشفْ بعد . أما الخلايا السرطانية، فهي خلايا طبيعية تشوَّهت فيها الجينات لعوامل كيميائية، فيزيائية أو إشعاعية، فتخلصت من سيطرة الجينات عليها فأخذت تتكاثر دون رقيب . والغريب في الأمر أنها بعد تحوّلها إلى خلية سرطانية، تأخذ التلوميرَيْس بالعمل فيها لإدامة تكاثرها وبقائها، وإلاّ لقصرت التلوميرات وتلاشت الخلية . ففي عام 1994 برهن لفيف من العلماء بينهم هارلي (أحد مستنسخي الشاة دولي عام 1996) أنَّ هذه الخميرة موجودة في خلايا سرطان المبيض في المرأة . وبعدها وجد هارلي وجيري شاي أنها موجودة في 90% من حالات السرطان المختلفة التي فحصوها . وكانت ثمة تخمينات حول وجودها، منها أنها موجودة بصورة خاملة (غير فعالة) أو الجين الذي ينتجها (مطفأ) في الخلية الطبيعية، ولكنها تكون فعالة أو (يتقد) جينها عندما تتحول الخلية العادية إلى سرطانية بفعل التأثيرات التي أدت إلى هذا التحوّل . ومما يدعو إلى الاستغراب أن خط الخلايا الجنسية في الجنين (ينتج) التلوميريس إلى أن يكمل الجسم تماماً فيتوقف إنتاج التلوميريس في معظم الخلايا الجسمية فتأخذ الخلايا بالانقسام والتلوميرات بالتقلص إلى أن تنطلق إشارة تمنع الخلية من الانقسام وتكون السيطرة. أما إذا (حجبت) المادة المشوّهة هذه الإشارة أو جعلت الخلية لا تكترث لها، فالانقسام يستمر فيتكوّن الورم . وهناك احتمال آخر هو إنْ (فُقدت) التلوميرات بأكملها نتيجة المواد المشوّهة، فيكون التصاق الكروموسومات، كما سبق ذكره، وتكون الفوضى في الفعالية والإنتاج في الخلايا ويكون الورم . ولكنْ أيّاً كان السبب في حدوث السرطان، فإنّ التلوميريس موجودة في خلاياه . لذا يبحث العاملون في هذا المضمار على (تصميم) عقار يقضي على التلوميريس لعلاج السرطان. ولكن المشكلة أن بعض الخلايا العادية يوجد فيها التلوميريس وتحتاجها لفعاليتها، فسيتعارض هذا مع استعمال هذا العقار لأنه سيقضى على هذه الخلايا الطبيعية أيضاَ. وإذا كان نقصان التلوميريس يُسرّع في (شيخوخة التضاعف)، فهو أيضاً يُسرِّع في شيخوخة الأنسجة التي تعتمد على خلايا جديدة تكون التلوميريس عاملاً هاما في إدامتها وصحتها، لذا يكون إنتاج مثل هذا الدواء عبثاً. وعلى العكس يعمل علماء منذ أكثر من عشر سنوات على إطالة العمر بتنشيط التلوميريس في الخلايا الطبيعية بالسيطرة على الجين الذي يتوسط بإنتاجها، فيكون من السهل أن يعيش الإنسان مائة وثلاثين عاماً بصحة جيدة . ولكن المشكلة التي يجابهونها، هي إمكانية (الإفلات) من السيطرة على هذا الجين، فتستمر التلوميريس بالعمل ويستمر انقسام الخلية غير المُسَيطَر عليه ويكون السّرطان بديلاً . ومن هذه الناحية يمكن الاستنتاح أنّ سبب (قصر) عمر الانسان نتيجة  الغمّ أو الضغط النفسي المزمن الذي يسبب إفراز الكورتيزول الذي يثبّط إنتاج التلوميريس ومن ثمّ التلوميرات. فكثرة  وجود التلوميريس يطيل عمر الانسان (مصحوباً)، وليس دائماً، بالسرطان وقلّة وجودها تؤدّي إلى (تقليص) الخلايا العملاقة - تي T فبهذا تقوى الخلايا السرطانية من ناحية وتسبب (القلّة) مرض القلب التاجي وهشاشة العظام وغيرها من الأمراض من ناحية أخرى، فيقصر عمر الانسان. فقلّتها أوكثرتها قد تسبب السرطان.

وللتعامل مع هذه المشكلة وللحفاظ على التلوميرات أكثر ما يمكن، يجب التخلّص أوّلاً من الغمّ المُزمن أو الكآبة الدائمة بقدر المستطاع، لتجنّب إفراز الكورتيزول، بعلاج نفسي أو أيّ شيء آخر.  ثانياً ممارسة الرياضة البدنية المستمرة وثالثاً التغذية الصحيحة. أمّا ما هو هذا الغذاء؟ هناك قائمة طويلة ولكنّ ما يُنصَح به هو: الفواكه والخضروات، وخصوصاً الرمّان، العنب، التفاح، والبروكولي والقرنابيط والفطر والبقوليّات والمكسّرات بأنواعها وهذه كلّها تحوي موادّ قويّة ضدّ الأكسدة. فهي تطيل عمر التلوميرات وتصلّح الخليّة. أما الكحول والمواد الدّهنية واللحوم الحمراء والغذاء المصنّع بكلّ أنواعه، فتصبّ في (تقصير) التلوميرات ومن ثمّ الشيخوخة المبكّرة وموت الخليّة. وما يجدرذكره أنّ تلوميرات الخلايا الجذعيّة يزيد طولها خلال فترة الصوم عن الطعام ولكنّه يبقى ثابتاً إذا كانت فترة الصوم عن الطعام طويلة. والخلايا الجذعيّة هي الخلايا (الأوّليّة) التي تتحوّل إلى أيّ نوع من خلايا الجسم .

 

د. بهجت عباس

 

 

عادل رضاوسط الإرهاق الذهني والجسدي في التعامل مع الوباء المنتشر عالميا كنت سعيدا في نشاط الأكاديمي البحثي الذي قام به الزملاء الافاضل في سلطنة عمان د. على الريسي و د. حمد الريسي في عمل دراسة جيدة وسط كل هذا الضغط المتواصل للعمل واهميتها تكمن في ان مرض السكري أحد الامراض الشائعة المصاحبة لمرضى الكوفيد 19 المستجد وهي دراسة عن شرح الوصف الاكلينيكي والتبعات اللاحقة لمرضى " الحموضة الكيتونية السكرية" وارتباطهم مع الإصابة بكوفيد 19 المستجد وهي دراسة عربية عمانية ضمن نطاق منطقة صحار.

وأشارت الدراسة المنشورة الى ارتباط موجود بين مرضى الكوفيد 19 المستجد و"الحموضة الكيتونية السكرية" حيث يبقى المصابين فترة أطول بالمستشفى وتزداد الحاجة الى اقسام العناية المركزة والى اجهزة التنفس الميكانيكي مع ارتفاع نسب الوفاة بالمقارنة مع المرضى الاخرين.

طبعا فيروس الكوفيد 19 المستجد هو أحد الأسباب للإصابة المميتة لالتهابات الرئوية الفيروسية مع زيادة نسبة انتشار العدوى بين البشر، مع بداية الوباء في مدينة ووهان الصينية وانتشاره في مختلف دول العالم.

ويعتبر مرض السكري وبالأخص عند الأشخاص الغير مسيطرين على مستوياته بالدم فهؤلاء يكونون معرضين لاحتمال أكبر للإصابة بمرض الكوفيد 19 المستجد والدراسات السابقة التي تم اجرائها على التمحورات السابقة لفيروس الكورونا بالعام 2004 المعروفة باسم سارس SARS والعام 2012 المعروفة بالميرس MERS، فهذه الدراسات أظهرت زيادة عدد الوفيات والاصابات بين مرضى السكري والدراسات الحديثة كذلك أظهرت ان مرضى السكري يبقون فترة أطول بالمستشفيات عند مقارنتهم مع باقي المرضى وخصوصا كبار السن.

طبعا اوصت الدراسة العمانية العربية  بأعادة تحديث بروتوكولات العلاج العالمية الخاصة بالتعامل مع مرضى الحموضة الكيتونية السكرية المصابين بكوفيد 19 المستجد وكذلك عمل دراسات لاحقة ضمن عينة إحصائية عددية اكبر وايضا اوصت بالأهتمام بتنظيم مستويات السكر عند المرضى ضمن نطاق مراكز الرعاية الصحية الأولية.

 

د. عادل رضا

طبيب باطنية وغدد صماء وسكري

 

 

محمد مسلم الحسينيفي العقود الماضية شهد العالم ظاهرة واضحة في حركة الفايروسات وعملية تطورها وقابلية تحورها وعنف مهاجمتها للإنسان والحيوان على حد سواء وفي سائر بقاع العالم. ظهرت فايروسات جديدة مثيرة للإنتباه لم نكن نعرفها أو نسمع عنها من قبل تدعو للترقب والحذر، بدأت هذه الفايروسات معاركها مع الإنسان خلال هذه الحقبة الزمنية القصيرة نسبيا مبتدئة  بمتلازمة نقص المناعة المكتسبة المسمّاة بالـ " الإيدز" التي هاجم الفايروس فيها الجهاز المناعي للإنسان وأربكه. أعقب ذلك وباءات أخرى هاجمت الفايروسات فيها الجهاز التنفسي للإنسان، كما في وباء إنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير والمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة " سارس" ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية "ميرس" وأخيرا وليس آخرا ظهر فايروس كورونا الجديد "كوفيد19" الذي حاز على القدح المعلّى في الأذى والتدمير. لم يكتف كوفيد19 بفعله المباشر لوحده فحسب بل أنجب سلالات متحورة جديدة أخرى هاجمت الإنسان كان أهمها من حيث سرعة الإنتشار أو شدة المرض: السلالة المتحورة البريطانية والمتحورة البرازيلية وسلالة جنوب أفريقيا ومتحورة كاليفورنيا وأخيرا وليس آخرا سلالة "بريستول" البريطانية المتمردة الجديدة! كما ظهرت فايروسات أخرى من قبل في دول من العالم ضربت أجهزة أخرى في جسم الإنسان مثل فايروس " زيكا" الذي أدى الى إحداث تشوهات خلقية عند الأطفال بعد إصابة أمهاتهم أثناء الحمل بمرض الـ "زيكا"، وكذلك فايروس "إيبولا" الخطير الذي سبب مرض "إيبولا" القاتل عند البشر. هذا التسارع في خلق الفايروسات الجديدة  يجعلنا في وقفة تأمل وتساؤل وبحث حول ماهية هذا الخطر وماهية سبل التصدي له وكيفية التكيّف والتصرف إزاء هذه الأخطار التي أصبحت واقعا حيّا تعيشه البشرية جمعاء!.

منذ أن أعلن "كوفيد19" عن نفسه وعن حربه العالمية الثالثة على بلدان المعمورة ولحد هذه الساعة، تكشفت أمور وحقائق وتمخضت الدروس والعبر التي لا يمكن أن نغض النظرعنها أو نتناساها بأي حال من الأحوال. أمران هامان يجب الوقوف عندهما والتمحص في أهميتهما إذ يعتبران من أولويات الدروس المستنبطة من خبرة هذا الوباء العالمي الذي فاجأ عالمنا غير المتحسب له وهما : ماهيّة "الثقافة الصحية" في المجتمع المبنية على الأسس العلمية والإرشادات المعروفة والمخصصة للتصدي للوباءات، و"البنية الصحيّة" التخصصيّة المتوفرة المتمثلة بمراكز البحوث والمختبرات التي تواكب حركة الفايروسات وترصد نهجها من جهة وتعمل على إيجاد الوسائل الناجعة للتصدي لها والقضاء أو السيطرة عليها من جهة أخرى.

الثقافة الصحيّة الناجعة تعتبر محور التصدي الأول الرئيسي للوباءات الفايروسية بما تحمله من أصول في سبل الوقاية وطرق تجنب العدوى من المرض، لحين صنع وتوفر اللقاح المناسب للفايروس. يقع الجزء الأكبر من مهام نشر الثقافة الصحية الصحيحة على عاتق الدولة ومؤسساتها الصحية وعلى وسائل الإعلام بكل صنوفها المرئية والمسموعة والمقرية التي يتوجب عليها بث برامج التوعية الصحية للناس والتصدي للإفتراءات التي تشيع بينهم. المواطن بشكل عام يطمئن بوسائل إعلامه وبما تقوله وتنشره بشكل عام، فدورها مطلوب لكي لا تبقى وسائل التواصل الإجتماعي وحدها الناطق الرسمي في الساحة التي قد تربك رؤى الناس في دعايات مضلله تبث أخبارا غير صادقة عن حقيقة الوباء وحيثياته. منذ الإعلان عن الوباء الجديد " كوفيد19" ظهرت حملات إعلامية مضللة شككت في طبيعة هذا الفايروس وفي خصاله وخصائصه وطرق إنتقاله وسبل علاجه وكيفية تجنبه.  لم يقف بوجه هذه الضلالات في عالمنا العربي إلآّ القليل من المقالات غير الكافية التي نشرت هنا وهناك حاولت تصحيح أخطاء الدعايات المغرضة وغير الصحيحة وتفنيد ما جاء فيها. هذا الإعلام المضلل يشبه الى حد كبير الإعلامي الحربي المستخدم في الحروب والغرض منه تضليل العدو من أجل التشويش عليه وحرف إتجاه إنتباهه عن حقيقة سير العمليات لغرض إستخدام عنصر المفاجأة من أجل الفتك والتدمير. تماما بنفس هذه الصورة  وبنفس المسار حصلت المباغتة وأستشرى الوباء في بلداننا العربية وغيرها. على هذا الأساس ومن هذا المنطلق فأن من أهم الخطوات التي يجب إتخاذها منذ بداية تفشي الوباءات هو تحصين المجتمعات بالثقافة الصحيّة الصحيحة المبنية على فهم طبيعة الوباء وطرق تجنبه ومنع توارد الإفتراءات المضلله حوله من خلال دراسات متخصصة يطلع عليها المسؤولون الصحيون وتعمم من خلال إعلام مركز يبث المعلومة الصحيحة ويركز على تفنيد الضلالة والخبر الكاذب كي لا تتأثر أفكار المواطنين بدعايات مغرضة غرضها سيء وغير حميد.

الأوبئة الفايروسية ليست كالأوبئة الجرثومية، فالفايروسات لا تتأثر بالمضادات الحيوية كما تتأثر بها البكتريا كونها كائنات ميتة غير حيّة، وهكذا لا يتوفر علاج سحري للفايروسات يستطيع إزالتها من جسم الإنسان غير تجنبها ووقف العدوى الحاصلة بها من خلال الوقاية منها. تعتمد وسائل الوقاية المخصصة لتجنب العدوى بالفايروسات على طبيعة الفايروس وعلى وسائل إنتقاله، فمن الفايروسات ما ينتقل عن طريق التنفس ومنها ما ينتقل عن طريق اللمس والإحتكاك المباشر بالمصاب أوعن طريق التغذية أو الحقن وبسوائل الجسم وأثناء الحمل أو بالإتصال الجنسي أو غيرها. إتباع إجراءات التوقي من الوباء خصوصا في بداية مراحله مهمة جدا لمنع إنتشار الوباء لحين إكتشاف اللقاح المخصص له وإجراء التطعيم.  من هنا تنطلق أهمية الخطوة الأولى الهامة المعتمدة على التثقيف الصحي ونشر المعلومة الصحيحة وتشجيع  المجتمع على إتباع الوصايا الصحية المطلوبة. ضلالات كوفيد19 لم يقتصر نشرها بوسائل التواصل الإجتماعي فحسب، بل  وردت على ألسنة بعض قادة الدول وعلى لسان مسؤولي الصحة فيها، حيث وصفوا الوباء منذ البداية بأنه خدعة ! مما ضاعف في دور الإعلام لتغيير رؤى الناس ومفاهيمهم حول الحقيقة. شككوا في حقيقة أصل وجود الفايروس وشككوا في فعالية الكمامات وجدواها في منع إنتشار الوباء. وردت المغالطات أيضا في علاج هذا الوباء ومضاعفاته، فكم من الدول أعلنت إفتراءا على لسان مسؤوليها عن إكتشافها للدواء الناجع أو اللقاح الأكيد لهذا الوباء منذ البداية، ثم بثوا توصياتهم في علاجات غير مؤثرة بل مؤذية لصحة الإنسان كأدوية "الكلوروكوين والهايدروكسي كلوروكوين" وكذلك المضاد الحيوي المسمّى الـ " الأزيثرومايسين" الذي يعطيه معظم الأطباء المعالجين في بعض بلداننا العربية لمرضاهم جزافا!  دون الأخذ برأي أهل الإختصاص الذين ناقضوا ذلك مرارا. كم من الدعايات الكاذبة وقفت بوجه اللقاح الحقيقي والأكيد بعد إنتاجه والإعلان عنه فحذرت منه  ومن مخاطره الوهمية، مما خلق هذا الأمر شكوكا في نفوس البشر حيث أن حوالي نصف أبناء المعمورة متخوفون من التطعيم بل يرفضونه في بعض الأحيان بعد أن زرع الخوف في نفوسهم حينما زعموا أن هذه اللقاحات تؤدي الى تشويهات جينية وتحوي مواد تجسسية وعلى عناصر معدنية  وتؤدي الى مضاعفات وآثار جانبية مميته !.

الخطوة المهمة الثانية للتصدي لمحنة الوباءات الفايروسية هو الإسراع بنقل التقنية الكافية اللازمة لإجراء البحوث والدراسات التحضيرية وبناء المختبرات لتوفير متطلبات المرحلة المبنية على أدوات التشخيص وصناعة الأمصال والعلاجات التي تفي بالغرض المطلوب وبما تقتضيه المرحلة. لقد حان الوقت لبناء أسس وقواعد التصدي في بلداننا العربية تقينا شر هذه التقلبات الحاصلة في خصائص الفايروسات وطبائعها. يتوفر، على الأقل في بعض بلداننا العربية، الكادر المتخصص والقدرات المادية والتقنية، لبناء مركز متخصص ومختبر ضخم  للبحوث الفايروسية يفي بمتطلبات المرحلة ويستبق الزمن لينجز ما يجب إنجازه كي لا نبقى دائما تحت رحمة الآخرين وتفضلهم. في ظل المستجدات الواردة  التي بينت وجود تسارع ملحوظ في عملية تحورات فايروس كوفيد19 ونشوء سلالات جديدة تختلف في بنيتها الجينية عن الصيغة الجينية الأم، فهذا يأخذنا الى الحد الذي يجعلنا نتوقع أن هذه السلالات الجديدة إن أستمرت في النشوء فستفلت من قبضة اللقاحات المطروحة الآن.  طبقا لتوارد هذه الحقائق فإنه من المتوقع أن يبقى تهديد الفايروسات قائما طالما أستمرت عملية التحور الفايروسي مستمرة وقائمة، وهذا يعني أنه يجب التعايش مع هذه المرحلة الجديدة من التطورات التي تستوجب الأهبة والإستعداد في حراسة المجتمعات من عدو متربص يهاجم بأساليب وصور مختلفة. لا أعتقد "شخصيّا" أن وباء كوفيد19 وباء عابر أو زائر وسوف يلملم أمتعته للرحيل قريبا، بل إن إحتمال بقائه مقيما بيننا لأجل غير مسمّى وارد جدا ! طبقا لهذه الرؤية المخيفة فأنه يتوجب علينا التعامل المباشر مع المستجدات بأنفسنا وأن لا نبقى معتمدين على الغير بتزويدنا بما يتفضلون به علينا في آخر المطاف. حتى إن رحل كوفيد التاسع عشر وسلالاته المستجدة عنا اليوم، فمن يضمن الاّ يأتي غدا كوفيد  آخر برقم آخر وبوجه آخر !.

 

د. محمد مسلم الحسيني - بروكسل

أخصائي علم الأمراض

 

 

عامر هشام الصفاركان من أهم التطورات الطبية التي شهدها العام الماضي هو سرعة أستجابة العلماء لفايروس الكورونا الذي أصبح وباءا في الأرض، وذلك من خلال التوصل الى اللقاحات المضادة للفايروس للحد من خطورته على الأنسان. فقد أجازت بريطانيا مثلا ومن خلال دائرة الرقابة على الأدوية والمستلزمات الطبية ثلاثة لقاحات هي لقاح شركة فايزر/البايونتك، ولقاح جامعة أكسفورد/شركة أسترازينيكا ولقاح شركة موديرنا. وهي لقاحات رغم أختلافات تقنيات أنتاجها، الاّ أنها كلها قد أثبتت فعالية ضد الفايروس بنسبة تتجاوز 80% في الأشهر الثلاث الأولى من أعطائها للشخص وبما يتجاوز ذلك ليصل الى 95% فيما بعد.. وقد أجريت التجارب السريرية على اللقاحات ليكون التلقيح بجرعتين على أن تفصل فترة زمن تتراوح بين 3-4 أسابيع بين جرعة وأخرى..

وكانت المماحكة الأولى عندما قررت السلطات الصحية المختصة في بريطانيا من أعطاء الجرعتين من اللقاح بفارق زمني يبلغ 12 أسبوعا بدل 3 أسابيع (وهي المدة التي قررتها الشركة حسب تجربتها على اللقاح قبل أجازته)، حيث أعلن المستشار الطبي في مجلس الوزراء البريطاني عن خطة البلاد للتلقيح، وبررّها علميا وقال أن تأثير اللقاح بالفاصل الزمني ال 12 اسبوعا سوف لا يحّد من تأثير اللقاح نفسه أن لم يكن يعززه. ولم يعترض فريق منظمة الصحة العالمية على الأمر، وينتظر الجميع نتائج البحوث من داخل أروقة دوائر الصحة في بريطانيا لألقاء المزيد من الضوء على الموضوع.

 أما المماحكة الثانية فجاءت عندما رأت أوروبا أنها تخلفت عن بريطانيا في الحصول على كميات تكفيها من لقاح شركة استرازينيكا/أكسفورد.. فكان أن قررت من جانب واحد فرض قيود على أخراج اللقاحات المصنعّة في بلجيكا مثلا لتصل الى بريطانيا.. وما زالت النقاشات الحامية تدور في أروقة السياسيين في الأتحاد الأوروبي وفي بريطانيا التي خرجت من الأتحاد، لأيجاد حل لمشكلة النقص بجرعات اللقاحات..فحول هذا اللقاح بالذات تدخل رئيس فرنسا ماكرون، فقال أن لقاح أسترازينيكا/أكسفورد أنما تأثيره قليل في أعطاء المقاومة اللازمة للأنسان ضد الكورونا..في حين صرح بعض الأطباء في ألمانيا من أن هذا اللقاح سوف يكون في تأثيره على المسنين أقل من لقاحات أخرى..والمنطق العلمي يقول أنه في الحقيقة لقاح فعال وأمين ومفيد ورخيص في الثمن..ولكن للسياسة دورها فيما صرّح به رئيس فرنسا، وفيما قال به الأطباء الألمان. فهم في ألمانيا ينتجون لقاحهم الخاص بالتعاون مع شركة فايزر، وهو الأمر المعروف، مما يجعلنا ننتبه الى ما قاله البارحة المستشار الطبي في الأتحاد الأوروبي والذي أجاز لقاح استرازينيكا/ أكسفورد وقال بأن لا مانع لدى الأتحاد من أستعماله على سكان أوروبا بما فيهم أهل ألمانيا وفرنسا ولمن هم فوق ال 65 عاما عمرا.   

ثم جاءت المماحكة الأخرى حيث كان لشرقنا الأوسط فيها نصيب. فقد صرحت منظمة الصحة العالمية قبل أيام قلائل من أن للمنطقة كلها بعديد سكانها ما يبلغ ال 25 مليون جرعة فقط من لقاحات الكورونا ليس غير.. ولم يضع المسؤولون في المنظمة جدولا زمنيا لتوزيع لقاحاتهم القليلة هذه على الناس.. ثم أن رئيس منظمة الصحة العالمية نفسه قد دعى حكومات الدول الغنية الى عدم الأستئثار باللقاح، حيث وصف ذلك بالشأن الذي له آثاره الكارثية على الصحة وعلى أنتشار الوباء في العالم.. فمن الضروري تلقيح الجميع وبالسرعة الممكنة حتى نتمكن من السيطرة على الفايروس والحد من تأثيره على صحة الأنسان أينما كان.

ثم أن المسؤول في أميركا وهي الدولة الأولى في العالم من حيث عدد الوفيات جراء الكورونا (ما يقرب من نصف مليون حالة وفاة) ما زال يسعى لتلقيح ما يقرب من المليون أنسان في اليوم الواحد.. وهناك من يعترض على ذلك ويطالب بالمزيد.. 

ولا تنتهي المماحكات حول هذه اللقاحات، فها نحن نرى أن البعض من أفراد الأقليات العرقية في بريطانيا وأوروبا انما يمتنعون عن التلقيح رغم زيادة حالات الكورونا بينهم دون سبب واضح، مما حدا بالحكومة البريطانية الى القيام بحملة توعية صحية تستهدف الأقليات في البلاد للتشجيع على التلقيح وللحد من الأشاعات حول الموضوع.. ثم أن اللقاح ضد الكورونا سيظل حديث هذا العام حتى أستتباب الأمر وشروق شمس صباح جديد لن نسمع فيه أخبار فايروس عانت وما زالت تعاني منه الملايين من البشر. 

 

د. عامر هشام الصفار

 

عامر هشام الصفاريؤدي فايروس الكوفيد -19 في عدد من المرضى المصابين به إلى تأثيرات طويلة المدى يمكن أن يكون لها تبعات كبيرة على نمط الحياة. فوفقًا لمكتب الإحصاء الوطني البريطاني، تظهر على حوالي واحد من كل خمسة أشخاص مصابين بفيروس الكوفيد 19 أعراض قد تستمر لمدة خمسة أسابيع أو أكثر. وهذا بالتأكيد يمثل تحديا للتعامل الأفضل مع الوباء، وسبل رعاية المرضى المصابين والذين قد لا يحتاجون الدخول الى المستشفيات. ولا يوجد لحد الآن تعريف سريري متفق عليه لفيروس كوفيد -19 طويل الأمد، كما لا يوجد تعريف واضح لمسار العلاج. ولمساعدة الأطباء، قام المعهد الوطني البريطاني للتميز في الرعاية الصحية أو نايس، وشبكة الإرشادات الأسكتلندية المشتركة بين الكليات الطبية، والكلية الملكية لأطباء العائلة في نشر الدليل العلمي للتعامل السريع مع الآثار طويلة المدى من فايروس الكورونا.

ويقدم الدليل التعريف السريري لتأثيرات كوفيد – 19 على المرضى وفي أوقات مختلفة، كما يقدم المشورة بشأن التشخيص والعلاج بناءً على أفضل الأدلة المتاحة، ومعرفة وخبرة لجنة الخبراء. وسيخضع الدليل المشار أليه  لنهج "تفاعلي حي"، مما يعني أن المجالات المستهدفة من الدليل ستتم مراجعتها أسبوعياً وتحديثها، أستجابة للأدلة الناشئة، وتجربة الخبراء المتطورة. ونلخص هنا التوصيات الإرشادية المنشورة حديثا، مع التركيز بشكل خاص على الرعاية الأولية.

 يعرّف الدليل الإرشادي كوفيد -19 الحاد، وفيروس كوفيد -19 المستمر بأعراضه، ومتلازمة ما بعد كوفيد -19، وفقًا لمدة الأعراض المرضية التي تظهر على الشخص المصاب. ويقر الدليل الإرشادي بالأستخدام الشائع لعبارة الكورونا الطويلة المدى، أو

LONG COVID

تعريفات الكوفيد 19

العدوى الحادة: تعني المعاناة من علامات وأعراض مرضية لمدة تصل إلى أربعة أسابيع.

أستمرار ظهور أعراض مرض كوفيد19: يعني أستمرارية هذه الأعراض لمدة زمنية من أربعة أسابيع وحتى 12 أسبوعًا.

متلازمة ما بعد الحادة من الأصابة بالكوفيد 19: ويعنى بالعلامات والأعراض المرضية والتي تظهر أثناء أو بعد الإصابة الحادة المتوافقة مع الكورونا. وتستمر لأكثر من 12 أسبوعًا ولا تُعزى إلى التشخيصات البديلة الأخرى.

متلازمة ما بعد كوفيد -19

يقدم المبدأ التوجيهي توصيات لأخصائيي الرعاية الصحية من الذين يهتمون بالأشخاص الذين أشتبهوا في الإصابة بفيروس كوفيد -19 الحاد بغض النظر عما إذا كانوا في المستشفى أو خضعوا لفحص إيجابي أو سلبي (تفاعل البلمرة المتسلسل، مستضد، أو جسم مضاد). ويؤكد المبدأ التوجيهي على توفير المعلومات لتمكين الناس من فهم أعراضهم، ومعرفة متى يطلبون المساعدة.

ولابد من القول أن وقت الشفاء من الكورونا يختلف من شخص لآخر، ولكن بالنسبة للعديد من الأشخاص فلابد أن تختفي الأعراض بحلول 12 أسبوعًا. ولا يُعتقد أن أحتمالية الإصابة بأعراض الكورونا المستمرة أو متلازمة ما بعد الحادة، مرتبطة بشدة المرض الحاد نفسه. فإذا ظهرت أعراض جديدة أو مستمرة، فيمكن أن تتغير بشكل غير متوقع، مما يؤثر على الأشخاص بطرق مختلفة وفي أوقات مختلفة.

وبالنسبة للأشخاص الذين يشعرون بالقلق إزاء الأعراض الجديدة أو المستمرة بعد أربعة أسابيع أو أكثر من الإصابة بفيروس كوفيد -19 الحاد، فلابد من تقديم استشارة أولية، وأستعمال تقنية التحدث مع المريض عبر الفيديو أو الهاتف أو شخصيًا أذا كان ذلك ممكنا.

ولابد من التأكيد على ضرورة دعم الأشخاص في الفئات المحرومة أو الفقيرة في المجتمع للوصول إلى التقييم والرعاية عن طريق (على سبيل المثال) زيادة الوعي بالآثار طويلة المدى لفيروس كوفيد -19، وتوفير وقت إضافي أو دعم إضافي (مثل مترجم أو محامٍ) أثناء الأستشارات الطبية.

ومن نافلة القول أن لابد من تقييم الأشخاص الذين يعانون من أعراض جديدة أو مستمرة بعد الإصابة بفيروس كوفيد -19 الحاد.

أن أكثر الأعراض شيوعًا نتيجة الكورونا بعيدة المدى هي التعب وضيق التنفس.. وقد تكون الأعراض فردية أو متعددة أو ثابتة أو عابرة أو متقلبة، كما يمكن أن تتغير في طبيعتها بمرور الوقت. ويجب أن يشمل التقييم الأعراض الجسدية والمعرفية والنفسية، بالإضافة إلى القدرات الوظيفية للشخص المصاب نفسه.

الأعراض المحتملة بعد الإصابة بفيروس كوفيد -19 الحاد

اما الأعراض المرضية الأخرى فهي متغيرة للغاية وواسعة النطاق. وتشمل الأعراض الأكثر شيوعًا (على سبيل المثال لا الحصر):

أعراض عامة:

الحمى

الأعياء

أعراض الجهاز التنفسي:

ضيق التنفس

سعال

أعراض القلب والأوعية الدموية:

ضيق الصدر

ألم صدر

الخفقان 

الأعراض العصبية:

ضعف الإدراك ("ضباب الدماغ ،" فقدان التركيز أو مشاكل في الذاكرة)

صداع الرأس

أضطرابات النوم

أعراض أعتلال الأعصاب المحيطية (وخز وإبر وتنميل)

الدوخة

الهذيان (عند كبار السن)

أعراض الجهاز الهضمي:

وجع بطن

غثيان

إسهال

فقدان الشهية وانخفاض الشهية (عند كبار السن)

أعراض الجهاز العضلي الهيكلي:

ألم المفاصل

ألم عضلي

أعراض نفسية:

أعراض الأكتئاب

أعراض القلق

أعراض الأنف والأذن والحنجرة:

طنين الأذن

ألم الأذن

إلتهاب الحلق

فقدان حاسة التذوق و / أو الشم

الطفح الجلدي

ولابد بعد ذلك من الأهتمام بالتاريخ السريري الشامل للمريض حيث يشمل ذلك :

تاريخ الإصابة بفيروس كوفيد -19 الحاد المشتبه به أو المؤكد.

طبيعة وشدة الأعراض السابقة والحالية.

توقيت ومدة الأعراض منذ بداية كوفيد -19 الحاد.

وجود تاريخ من الحالات الصحية الأخرى.

 ولابد من مناقشة كيفية تأثر حياة الشخص وأنشطته، ومن ذلك عمله أو تعليمه وتنقله وأستقلاليته بأعتماده على نفسه، نتيجة أستمرار أعراض مرض كوفيد -19 أو متلازمة ما بعد كوفيد -19 المشتبه بها.

والأستماع لتجربة الشخص مع أعراضه المرضية كما لابد من السؤال عن أي شعور بالقلق أو الضيق، اضافة الى الأستماع والأنتباه إلى مخاوف المرضى بتعاطف وأعتراف بتأثير المرض على حياتهم ونشاطاتهم اليومية، ومشاعر العزلة الاجتماعية، أضافة الى تأثير المرض على العمل والتعليم.

كما لابد عند أجراء التقييم الطبي في الأسباب المحتملة للأنخفاض الوظيفي التدريجي، أو عدم القدرة على التكيّف، أو تفاقم الضعف أو الخرف، أو فقدان الأهتمام بتناول الطعام والشراب لدى كبار السن، على أن يضع الطبيب في الأعتبار أن هذا كله يمكن أن يكون دلالة على أستمرار أعراض كوفيد -19 أو متلازمة ما بعد كوفيد -19 المشتبه بها.

وقد يسبب الكوفيد 19 مضاعفات مثل ألتهاب عضلة القلب وأنخفاض ضغط الدم الوضعي مما يجدر بالأنتباه أليه.

ومن الفحوصات المختبرية الضرورية التي يشير اليها الدليل الطبي الخاص بالتعامل مع مرضى الكورونا الطويلة الأمد:

* أختبارات الدم، والتي قد تشمل تعداد الدم الكامل، ووظائف الكلى والكبد، والبروتين التفاعلي، والفيريتين، والببتيد الناتريوتريك من النوع بي ووظيفة الغدة الدرقية.

* أجراء الفحص الشعاعي للصدر في حالة أستمرار الشخص بالمعاناة من أعراض تنفسية مستمرة كضيق التنفس مثلا أو السعال الجاف.

* وإذا كان ذلك مناسبًا، فلابد من أختبار تحمّل التمارين بما يناسب قدرة الشخص (على سبيل المثال، أختبار الجلوس للوقوف لمدة دقيقة واحدة). ولابد أثناء اختبار التمرين من تسجيل مستوى ضيق التنفس، ومعدل ضربات القلب، وتشبع الأكسجين.

وبالنسبة للأشخاص الذين يعانون من أعراض تتعلق بوضعية الجسم، مثل الخفقان أو الدوخة عند الوقوف، فلابد من إجراء تسجيلات ضغط الدم أثناء الوقوف ومعدل ضربات القلب (أختبار الوقوف النشط لمدة 3 دقائق ، أو 10 دقائق إذا كنت تشك في متلازمة تسرع القلب الوضعي،  أو أشكال أخرى من الخلل الوظيفي اللاإرادي.

ولابد وبعد استبعاد المضاعفات الحادة أو التي تهدد حياة المريض وأستبعاد التشخيصات البديلة، من أن يضع الطبيب في أعتباره إحالة الأشخاص إلى خدمة العيادة الخارجية الخاصة بتقييم متكامل ومتعدد التخصصات (إن وجدت) في أي وقت ابتداءً من أربعة أسابيع بعد بدء الإصابة بفيروس كوفيد -19 الحاد.

أعادة التأهيل

وبعد هذا التقييم الشامل، لابد من المناقشة والأتفاق مع الشخص (وعائلته أو مقدمي الرعاية، إذا كان ذلك مناسبًا) بشأن الدعم وأتباع أسلوب إعادة التأهيل الذي يحتاج إليه وكيف سيتم توفير مستلزماته، حيث من المتوقع أن يشمل ذلك :

الدعم من الرعاية الأولية المتكاملة والمنسقة، والمجتمع، وإعادة التأهيل، وخدمات الصحة العقلية.

الإحالة إلى خدمة تقييم متكاملة متعددة التخصصات.

الإحالة إلى رعاية متخصصة لمضاعفات محددة.

وهنا لابد من التفكير في التأثير الكلي للأعراض المرضية على حياة المرضى أنفسهم، حتى لو كان كل عرض فردي وحده قد لا يستدعي الإحالة الطبية.

كما ينصح الدليل بالأنتباه إلى المسار العام لأعراض المرضى، مع الأخذ في الأعتبار أن الأعراض غالبًا ما تتغير وتتكرر، ولذلك قد يحتاج المرضى إلى مستويات مختلفة من الدعم في أوقات مختلفة.

العلاج

تقديم المشورة والمعلومات للمرضى حول القابلية على رعاية أنفسهم بأنفسهم، وخاصة للأشخاص الذين يعانون من أعراض مرض كوفيد -19 أو متلازمة ما بعد كوفيد -19، بدءًا من تقييمهم الأولي. على أن يشمل ذلك:

* طرق للتحكم الذاتي للمرضى في أعراضهم المرضية، مثل تحديد أهداف واقعية لما يمكن لهم أن يقوموا به يوميا.

* التوجيه بمن يمكن لهم أن يتصلوا إذا كانوا قلقين بشأن أعراضهم أو كانوا بحاجة إلى دعم في معالجة أنفسهم بما يستطيعون.

وأتفقت اللجنة المشرفة على الدليل الخاص بالتعامل مع حالات مرضى الكورونا الطويلة الأمد على أساس أن فرق إعادة التأهيل متعددة التخصصات يجب أن تعمل مع المرضى أنفسهم، لوضع خطة لإعادة تأهيلهم، بمجرد التأكد من عدم وجود ما قد تؤثر على سلامة إعادة التأهيل. كما يجب معالجة الجوانب الجسدية والنفسية لإعادة التأهيل، مما يعتبر ضرورويا للنجاح. حيث أظهرت الأدلة أن ضيق التنفس، والتعب، و"ضباب الدماغ" هي من بين الأعراض طويلة المدى الأكثر شيوعًا والمبلّغ عنها، لذا يجب أن يكون التعامل مع هذه الأعراض جزءًا من خطة إعادة تأهيل الشخص.

 

د. عامر هشام الصفار

 

محمد الربيعي يبدو ان قصة التطور بدأت تظهر معالمها وتنسج خيوطها ببراعة في ترويض فيروس الكورونا المستجد تماما كما شكل الانتقاء الطبيعي تطور البشر والحيوانات والنباتات وجميع الكائنات الحية على كوكبنا. وعلى الرغم من أن الفيروسات ليست بكائنات حية بالمعنى الحرفي لكونها تحتاج إلى كائن حي مضيف من أجل التكاثر الا انها تشمل بقوانين الانتقاء الطبيعي ولذا تخضع لضغوط تطورية داروينية.

ولفهم عملية تطور فيروس الكورونا المستجد وكيف تؤثر هذه العملية على شراسته في إصابة البشر وتأقلمه مع الخلايا التي يصيبها وما قد يؤدي ذلك في نهاية المطاف الى ضعف الوباء الفيروسي بشكل عام دعنا نلقي نظرة على العلاقة الحميمة بين الفيروس وجهاز المناعة.

يستخدم جهاز المناعة البشري عددا من التكتيكات لمحاربة مسببات الأمراض. وظيفة الفيروس هي التهرب من الجهاز المناعي، وتكوين المزيد من ذريته، و من ثم الانتشار إلى اجسام بشرية اخرى. غالبا ما يتم الاحتفاظ بالخصائص التي تساعد الفيروس على أداء وظيفته من جيل إلى آخر وفي نفس الوقت تفقد الخصائص التي تعيق انتشار الفيروس من مضيف إلى مضيف آخر.

خذ على سبيل المثال، فيروسا به طفرة تجعله مميتا بشكل خاص لمضيفه البشري ويقتل العائل في غضون ساعات قليلة من الإصابة. يحتاج هذا الفيروس الشرس إلى مضيف جديد لكي يعيش نسله فإذا قتل مضيفه قبل أن يصيب المضيف الآخر فستختفي هذه الطفرة والفيروس حاملها بسرعة. إذن مثل هذا التغيير ليس بصالح الفيروس!

إحدى الطرق التي يحمي بها المضيف نفسه من الفيروس هي تطوير أجسام مضادة له. تلتصق الأجسام المضادة ببروتينات السطح الخارجي للفيروس وتمنعه من دخول خلايا البشرية المضيفة. وللفيروس الذي يبدو مختلفا عن الفيروسات الأخرى التي أصابت المضيف (الفيروس صاحب الطفرة) ميزة وهي تكمن في ان المضيف ليس لديه مناعة موجودة مسبقا، في شكل أجسام مضادة، لهذا الفيروس المختلف. وهذه الظاهرة i ما نطلق عليها بالتكييف الفيروسي وغرضه ضمان بقاء الفيروس.

لنلقي نظرة على حالة خاصة في التطور الفيروسي: كيف يمكن ان يتطور فيروس الكرونا المستجد؟ وما أهمية هذا التطور؟ فيروس الكورونا من نوع الحامض النووي الريبوزي (رنا)، مما يعني أن مادته الوراثية مشفرة في رنا، وليس في الحامض النووي الديوكسي رايبوزي (دنا). وعلى عكس جزئ دنا يعتبر جزيء رنا جزيئة غير مستقرة، ولا تحتوي فيروسات رنا على خطوة لتدقيق الأخطاء اثناء عملية تكاثرها مثلما يحصل مع فيروسات دنا. تحدث هذه الأخطاء عند نسخ الحمض النووي الريبي (رنا) بصورة متكررة اثناء تكاثر الفيروس، ولا تصحح الخلية المضيفة هذه الأخطاء. نتائج هذه الأخطاء هي طفرات تتكرر باستمرار ويمكن أن يكون لها عواقب مهمة على البشر.

تؤدي الطفرات في رنا الفيروس ولربما إعادة تركيب رنا نتيجة تهجينه بمصادر مختلفة إلى تطور الفيروس. يمكن أن تتطور الفيروسات بطريقة تدريجية من خلال الطفرات في الجينات التي ترتبط ببروتينات سطح الفيروس. قد تتسبب هذه الطفرات في ظهور السطح الخارجي للفيروس بشكل مختلف عن مضيف مصاب سابقا بسلالة سلف هذا الفيروس. في مثل هذه الحالة، لا يمكن للأجسام المضادة التي تنتجها العدوى السابقة بسلالة السلف أن تقاوم بفعالية الفيروس المتحور ونتائج المرض.  ومع تراكم الطفرات في الأجيال القادمة من الفيروس، "ينجرف" الفيروس بعيدا عن سلالة سلفه. وهذا ما يحدث حقيقة مع فيروس الانفلونزا.

يعد هذا الانجراف أحد الأسباب التي تجعل لقاحات الإنفلونزا الجديدة بحاجة إلى ابتكار لكل موسم إنفلونزا جديد. يحاول العلماء التنبؤ بالتغييرات التي يحتمل حدوثها في فيروسات الإنفلونزا المنتشرة حاليا. إنهم يصنعون لقاحا مصمما لمحاربة الفيروس المتوقع. في بعض الأحيان يكون التنبؤ دقيقا، ويكون لقاح الإنفلونزا فعالًا. في أوقات أخرى، يخطئ التنبؤ الهدف، ولا يمنع اللقاح مرض الانفلونزا.

لكن ما سيحصل من ظهور الطفرات في فيروس الكرونا المستجد قد لا يكون مشابها لما حصل لفيروس الانفلونزا.  ونحن لا نعرف بالضبط ما هي الطفرات التي قد تزيد من سرعة انتشار الفيروس ولا نعرف ما هي التغيرات الضرورية لظهور "سلالة جديدة". ومن المستحيل تحديد الطفرات التي قد تجعل السارس كوف 2 أكثر فتكا أو قمعا. ان هذا غير مرجح لانه لا يمكن أن تسود سلالة جديدة ما لم توفر بعض المزايا لفيروس سارس كوف 2، ولم يتم الإبلاغ عن أي منها حتى الآن، ولذلك ليس هناك حاجة الى تغيير اللقاحات الحالية. في الوقت نفسه، من المهم أن نتذكر أن جميع الفيروسات الحالية من سارس كوف 2 متشابهة وراثيا للغاية مع بعضها البعض ومعظم الطفرات ليس لها تأثير كبير على قابلية انتقال الفيروس. وغالبا ما تكون الطفرات المسؤولة عن المتغيرات الجينية الجديدة محايدة ولها تأثير ضئيل على انتقال الفيروس وضراوته. ومع ذلك، ربط وزير الصحة البريطاني (مات هانكوك) اكتشاف طفرة في بروتين السنبلة للفيروس بزيادة القدرة على الانتقال او العدوى. في حين أن ذلك لم يتم التحقق منه بعد، وسيكون من دواعي القلق الشديد إذا ثبت بالفعل أن هذا هو الحال. فإن هذا المتغير لربما يسبب مرضا أكثر خطورة إذا انتشر بسهولة أكبر من النسخ الأخرى، مما سيؤدي إلى إصابة المزيد من الأشخاص، ويؤدي في النهاية إلى إلحاق أضرار أكبر بصحة الإنسان.

لكن هل المتغيرات الجديدة دائمًا أكثر ضراوة؟ لا، ليس دائمًا، ولكن كما ظهر في فيروسات كورونا القطط، يمكن أن يؤدي تغيير المضيف من خلال إصابة واحدة إلى تكوين فيروس جديد أكثر ضراوة. في فيروسات كورونا الأخرى، قد تتغير الفيروسات وتصبح أقل ضراوة، على سبيل المثال فيروسات كورونا الخنازير. وهذا ما يتوقعه بعض علماء الفيروسات في ان يصبح الفيروس أكثر اعتدالًا بمرور الوقت، باتباع مسار تطوري مثل تلك الذي سلكته فيروسات الكورونا الاخرى والتي لا تسبب اليوم سوى "نزلات البرد".

قد تؤدي بعض التغييرات إلى تحسين تكاثر الفيروسات وتجعل نمو السارس كوف 2 أسرع قليلاً. قد يتفوق مثل هذا المتغير الجيني على فيروسات أخرى في الفرد، وبالتالي من المرجح أن ينتشر إلى أشخاص آخرين. في وقت قصير، سوف يسود الفيروس الذي يحمل مثل هذا التغيير الجيني في السكان. هناك عدة فيروسات من سارس كوف 2 نشأت بخصائص نمو محسنة ولكن لا يوجد دليل على أن أيا منها يسبب مرضا أسوأ. ومع ذلك، قد يزداد عدد الفيروسات ذات الجينومات المتغيرة أيضا لمجرد أنها نشأت في شخص يعدي الكثير من الأشخاص الآخرين، ربما في تجمع مزدحم، وليس لأن الفيروس قد تغير خصائصه.

يعتقد احد العلماء أنه مع اصطدام الفيروس  بمزيد من المقاومة لدى البالغين، من الممكن أن يتغير الفيروس قليلاً ليحافظ على نفسه في الأطفال. وقد يتطور للهروب من المناعة من خلال قدرته على التكاثر بشكل أفضل في الأنف، وبالتالي يتحول إلى عدوى الجهاز التنفسي العلوي، مثل فيروسات كورونا المستوطنة الأخرى. إذا اتبع الفيروس هذا النمط، فمن المفترض أن يصبح أقل فتكا لكن الإصابة ستكرر بصورة اكثر، وعندما يُصاب الناس من جديد ستتولد ذاكرة مناعية كافية لمحاربة المرض لكون إعادة العدوى تعمل كمعزز للمناعة.

وبحسب بعض الخبراء، فإن اختلاط السكان بكثرة تضمن للفيروس فرصة أفضل للتكيف، مما يؤدي إلى انتقاله من شخص إلى آخر بشكل أفضل، وبحيث يبقى الفيروس في الأنف، ويصبح نزلة برد عادية. اما في حال تحول الفيروس الى مسار مرضي اكثر حدة بسبب تطوره واذا ظهرت الاعراض بشكل اسرع واكثر عنفا فسيعزل الناس انفسهم مبكرا مما يؤدي الى إنخفاض معدل الإصابات وبالتالي ضعف الوباء بشكل عام. 

اما بشأن ظهور سلالات مختلفة من فيروس كورونا بعد عام من قفز السارس لأول مرة إلى البشر فأنه يجب ان لا يسبب ذعرا فهو ليس أمرا غير متوقع. فهذه ظاهرة معروفة منذ سنوات عديدة لما يحصل لفيروسات كورونا. فإذا نظرنا إلى فيروسات كورونا التي تصيب الدواجن نجد أن هناك المئات من الأنواع المختلفة لهذا الفيروس وهناك أيضا العديد من المتغيرات المختلفة لفيروسات كورونا البشرية الموسمية نتيجة تراكم الطفرات تؤدي إلى متغيرات فيروسية جديدة يدفعها نظام المناعة لدينا للتغيير أو الفناء. لكن كما يبدو ففيروس الكرونا المستجد لا يتحور بنفس سرعة الفيروسات الأخرى خصوصا الإنفلونزا، ولذلك، على الأقل في الوقت الحاضر، لن يكون تحديث اللقاحات أمرا مهما كما هو بالنسبة للانفلونزا.

 

أ. د. محمد الربيعي

 

 

احمد سليمان العمرييُعتبر عيد الميلاد هذا العام في بريطانيا هو الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية. قبل أيام من نهاية الفترة الانتقالية لخروج الأخيرة من الإتحاد الأوروبي اندلعت الفوضى في بريطانيا بسبب انتشار السلالة الجديدة من كورونا والتي تحمل 17 طفرة تحت اسم «B.1.1.7» أو «VUI-2020/12/01» «كورونا المتحوّرة»، سريعة العدوى بنسبة تصل إلى ٧٠ ٪ من الفيروس المعروف لغاية الآن، وهي التي تجتاح بريطانيا وخارجة عن السيطرة.

أراء متضاربة بين جهات تعزو العترة الأخيرة من الفيروس أنّها السبب وراء تفشّيه في ألمانيا كون الطفرة منتشر في بريطانيا منذ ثلاثة أشهر مع استمرار البريطانيين آنذاك بالتنقل بحريّة داخل الدولة الفدرالية دون أي قيد، حتى نهاية سبتمبر/أيلول 2020م حين أتخذت ألمانيا قرار الإغلاق الثاني وما كان الأخير سوى سيناريو رعب بعيد المنال. استمرت الحياة طبيعية نسبياً، يرتدي الناس الكمامات، وبخلاف ذلك لم يتغيّر الكثير، المطاعم والمقاهي والمتاجر تعجّ بالزوار وتجوال في المدن وبينها ومشاركات في المناسبات، بالإضافة إلى السفر كون الحدود مفتوحة بين دول أوروبا ومعها بريطانيا طبعاَ والعالم.

ترخيص الإتحاد الأوروبي

في هذه الأثناء كانت الطفرة B.1.1.7 منتشرة بالفعل في بريطانيا ومع ذلك لم يُفرض الحجر الصحي على المسافرين القادمين من المملكة المتحدة إلّا بعد 24 أكتوبر/تشرين الأول، لذلك كان أمام الفيروس عدّة أسابيع للوصول إلى القارة الأوروبية دون أي عائق.

وهذا ما أكدّه رئيس معهد «روبرت كوخ» «لوثار فيلر» الثلاثاء 22 ديسمبر/كانون الأول بأنّ الفيروس موجود بالفعل في أوروبا، حيث هناك أدّلة على وجود إصابات في الدول المجاورة مثل هولندا والدنمارك. وفي ألمانيا ثبتت لغاية 31 ديسمبر/كانون الأول حالتين واحدة قدمت من بريطانيا في 20 ديسمبر/كانون الثاني، والحالة الثانية تم العثور عليها في نوفمبر/تشرين الثاني من خلال فحص لاحق لعينات أسرة من ثلاثة أفراد توفي الوالد منهم، ومع ذلك فإنّ احتمالية وجوده في ألمانيا حسب «فيلر» عالية جداً.

 بينما خبراء آخرون ينفون ذلك استناداً إلى الفحوصات التي تُجرى لغاية الآن على المصابين، وهي منحة هذه المحنة أنّه ليس هناك أي دليل واضح  قد يجعل اللقاح عديم الفعالية، غير أنّ التحليلات الأولية التي أجراها علماء بريطانيون تُظهر أنّ الطفرة الجديد تحتوي على عدد كبير وغير عادي من التغيّرات الجينية في «بروتين السنبلة»، وهو الأمر الذي قد يثير مخاوف، حيث أنّ لقاح «بيونتك» مع شريكه الأمريكي «فايزر» يولّد استجابة مناعية ضد هذا البروتين على وجه التحديد، لذلك يخشى بعض الباحثين أن يؤثّر ذلك على فعالية اللقاح.

ولقد استبقت بريطانيا الدول الأخرى وأعلنت الأربعاء 2 ديسمبر/كانون الأول عن استخدام اللقاح بترخيص طارئ قبل السماح من الإتحاد الأوروبي الذي صدر 21 ديسمبر/كانون الأول.

تسبّبت هذه السلالة الجديدة من الفيروس في ألمانيا في الأيام الأولى بتوقيف جزءاً كبيراً من الرحلات الجوية من وإلى بريطانيا، فقد أوقف مطار  «هانوفر» في 19 ديسمبر/كانون الأول دخول 63 راكباً على متن رحلة من لندن بسبب الخوف من إصابتهم بكورونا المتحوّرة، حيث أُجبر الركاب على البقاء في مبنى المطار لحين ظهور نتيجة فحص كورونا. ووفقاً للمعلومات الواردة من مطار هانوفر، تم حجر أحد مسافري الطائرة البريطانية بعدما تبيّن أصابته بالفيروس مع أسرتة وتحويله إلى شقة للحجر الصحي، وأعيد جميع المسافرين بعد مضيّ يومين إلى بريطانيا.

وقالت نائبة رئيس قسم الصحة العامّة في مدينة هانوفر «مارلين جراف» أنّه لا يمكن معرفة الفرق بين كورونا التقليدي والطفرة الجديدة إلّا من خلال المركز المرجعي في برلين، حيث سيتلقّى عالم الفيروسات ومدير معهد «شاريتيه» البروفيسور «كرستيان دروستن» العينة، وهو من سيجيب على السؤال. ولقد سبق وصرّح الأخير في مناسبة أخرى أنّه لا يتوقع أنّ سلالة الفيروس الجديدة ستجعل اللقاح أقل فعالية. ومع ذلك لم يتم توضيح هذه النقطة بشكل دقيق، فهناك حاجة لمزيد من الإختبارات للوصول إلى جواب يقين. ولكن بدا وزير الصحة الألماني «ينس شبان» ورئيس شركة بيونتك «أوغور شاهين» واثقين من أنّ اللقاح سيكون فعّالاً ضد الطفرة الجديدة واحتمالات تأثيره عالية جداً. حيث أُختبر اللقاح ضد حوالي 20 نوعاً مختلفاً من الفيروسات مع طفرات أخرى، وثبت أنّ الإستجابة المناعية التي أثارها اللقاح قد عطّلت في جميع المحاولات كلّ أشكال الفيروس.

جنوب إفريقيا

أغلقت ألمانيا بدءاً من منتصف ليلة 20 ديسمبر/كانون الأول جميع الحدود الجوية والبرية والبحرية مع بريطانيا، بالإضافة إلى العديد من الدول الأوروبية التي حذت حذو ألمانيا مثل فرنسا وبلجيكا، فقد أُغلق «نفق المانش» ويسمّى أيضاً «النفق الأوروبي»، وهو نفق سكة حديدية يربط من خلال القطار السريع «يوروستار» بريطانيا بفرنسا مروراً ببلجيكا لينتهي في هولندا، ويعتبر النفق أطول نفق مائي في العالم، بالإضافة إلى إغلاق «ميناء دوفر»، ويعد واحد من أكبر موانئ الركاب في أوروبا.

على الرغم من خطورة الطفرة إلّا أنّ مفوضية الإتحاد الأوروبي تعارض الحظر الشامل للرحلات الجوية من وإلى المملكة، رغم أهمية اتخاذ تدابير وقائية مؤقتة وبسرعة، ولكن المفوضية أوصت في نفس الوقت ضرورة السفر وإتاحة حركة البضائع.

‏في الوقت الذي وقّعت فيه رئيسة مفوضية الاتحاد الأوروبي «أورسولا فون دير لاين» ورئيس مجلس الاتحاد الأوروبي «تشارلز ميشيل» الإتفاقية التجارية التي تضمّنت 1250 صفحة بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا بسبب انسحاب الأخيرة من الإتحاد في 1 يناير/كانون الأول، يرى البريطانيون بفعل الأمر الواقع الذي فُرض عليهم جرّاء الطفرة الجديدة أنّهم معزولين لإنسحاب المملكة المتحدة من الإتحاد الأوروبي، حيث أتت هذه الإجراءات في وقت يعتري الرأي العام الإنجليزي حالة عدم اليقين بشأن نتيجة مفاوضات خروج بريطانيا من الإتحاد. فقد بدأت القارة الأوروبية بإغلاق نفسها أمامهم وفرض العديد من دول الإتحاد قيوداً على الحركة الجوية والبرية والبحرية بشكل متزايد نظراً للمتغيرات الأخيرة، بالإضافة إلى تشديد إجراءات كورونا الإحترازية في لندن ممّا أدّى من خلال هذه العوامل مجتمعة لإنخفاض الجنيه الإسترليني بنسبة 0.8٪.

مساء الجمعة 18 ديسمبر/كانون الأول أعلن وزير الصحة في جنوب إفريقيا «زويلي مخيزي» أنّ باحثين اكتشفوا سلالة جديدة من كورونا مماثلة كالتي في بريطانيا، تحمل إسم «501. VS»، ولقد صرّح خبير علم الفيروسات البروفيسور الألماني المقيم في جنوب إفريقيا «فولفغانغ برايزر» أنّ الفيروس الموجود في جنوب إفريقيا ليس ذاته كالمنتشر في بريطانيا، ومن الواضح أنهم نشأوا بشكل مستقلّ عن بعضهم البعض، وأنّه لا يُعرف حتى الآن مدى فعالية اللقاح ضد هذه الطفرة الجديدة.

أسئلة كثيرة تفتح المرتاج على مصراعيه لأصحاب نظرية المؤامرة بظهور 17 طفرة جديدة تزامنت مع تداول اللقاح في السوق والسماح بإستخدامه عالمياً. فهل هناك قوة تعمل في الخفاء وتسيطر على أصحاب القرار في العالم؟ أم أنّ التبعة الطبيعية لتطوّر الفيروس هي السبب وراء إرباك العالم دول ومؤسّسات وأفراد؟

علّ الأعوام القادمة - ولا اظنّها أشهر - كفيلة بولادة أجوبة كافية شافية للوضع الحالي، الذي يمثّل تحدّياً للعالم غير مسبوق. الأكثر بعداً عن الشّك وأقرب إلى اليقين هو بقاء كورونا حديث العامة والخاصّة في الأعوام القادمة، بين حديث مجالس وأخرى عمل دؤوب في البحوث العلمية لفيروس حقيقي يجتاح العالم أو مؤامرة سياسية وحرب بيولوجية مبكّرة خرجت عن السيطرة! أم علّه عقاب الله في الأرض كما يتبناه هذا أو ذاك. وبين هذا وذاك للحكيم أن يستثمر اللُّحمة في الأسرة ويبني ما ضعضعته الجائحة وتسبّبت به كثير قرارات الحكومات؛ بعضها بدأت بمهنية وضمير فأقالت أصحابها مؤسّسات هشّة وسخّرها جلّ المتنفّذين لنفسه وحاشيته فأذعن الإملاق والعوز بين الأسر.

 

دوسلدورف/أحمد سليمان العمري