 ثقافة صحية

المجتمع وجودة حياة الفرد

هل أنت معافى تماماً من الأمراض الجسدية والعقلية؟ هل دخلك المادي كافي بالنسبة لك ولعائلتك في العصر الحديث؟ هل تتمتع بالآمان و بالاحترام من قبل المجتمع؟ هل أنت حر في قراراتك وعقائدك الدينية؟ هذه الأسئلة سواء أجبت بنعم أو لا هي التي تحدد ما يسمى جودة حياتك (حسب تعاريف المقبولة) وهو مصطلح يستخدم لقياس صحة، الراحة، وسعادة النفسية للشخص لأغراض تنمية الأقتصادية وقياس مدى سعادة رقع سكانية معينة أو يستخدم لأغراض طبية نفسية لمعرفة مدى تأقلم و تغير عقلية المريض مع الأمراض غير أعتيادية (النفسية والمزمنة بدلاً من بدنية حادة) أو لإغراض تجارية حيث يحاول الشركات بمنح جودة حياة جيدة لموظفيها، ويعتبر مصطلح جودة حياة أمر شخصي لا يقبل المقارنة من شخص إلى شخص آخر (مجدداً حسب المتعارف عليه)، يمكن للشخص معاق أن يمتلك جودة حياة عالية بينما يمكن أن يملك شخص عادي جودة حياة سيئة.

لكن أهتمامي في هذا المقال ليس لأسباب التنمية وإنما أريد أن أعرف السبب النفسي (سايكولوجي) لهذه الظواهر ذاتية. كيف يقيم الشخص حالته شخصية والمادية وكيف يقارنه مع أعضاء آخرين من المجتمع؟ كيف يساهم هذا التقييم في شعور الفرد بمشاعر أيجابية أو سلبية؟ ما هي التصرفات الذي يقوم به الشخص نتيجة جودة حياته ومن أجل تغييره؟ وقبل الإجابة ينبغي علي تنبيه القارئ أن هذه الأسئلة يوجد لها تفسيرات معيوبة في مجتمع العلمي، ولغرض ذلك نتطرق هنا إلى مواضيع خارجة آملاً مع الأمثلة أن يعطي معنى أكثر للقراء.

يبدو لي أن جودة حياة الشخص مرتبطة مع الرغبات وتطورات المجتمع القياسية حيث يقيس الفرد جودة حياته مقارنة مع جودة حياة الآخرين وذلك ما يملكه هو أو هي مقارنة بما يملكه أعضاء المجتمع الذي ينتمي إليه. إذا المقياس جودة الحياة الجيدة هو أن تكون في المساواة نسبية مع آخرين في المجموعة وذلك من عدة زوايا مختلفة نتطرق إليه هنا:

من زاوية المشاعرية أولاَ: يجب على الفرد أن يكون تقريباَ خالياَ من الشعور بمشاعر السيئة، ونعني هنا بالمشاعر السيئة هي أن يكون خالياَ من مشاعر أو أن تكون هذا المشاعر في أنسجام مع مشاعر الآخرين. مثلاَ الشعور الفرد بالخوف معظم أوقات اليوم مقارنة مع أفراد الآخرين الذين لا يشعرون بالخوف طوال الوقت، عندئذ يمكن القول بأن هذا الفرد يعاني من جودة حياة رديئة، أما من طرف الثاني، إذا كان المجتمع ككل في حالة خوف من مصدر معين والمجتمع بأكمله يشعر بالخوف وإذا كان الفرد يشعر بالخوف فلا يمكننا القول أن هذا الشخص يعاني من جودة حياة سيئة، بل لا يمكن القول أيضاً أن المجتمع بأكمله تعاني من جودة حياة سيئة من دون النظر إليه من منظور مجتمع آخر وهو مترف مقارنة للمجتمع معاني. يمكن أخذ مثال مشاعري آخر هنا، يمكن للفرد أن يشعر بالغضب أنفرادياَ طوال الوقت أو حتى معظم أوقات أو حتى للحظة مقارنة بعدم شعور المجتمع بنفس الشعور السيء فعندئذ يمكننا القول بأن هذا الشخص يواجه جودة حياة سيئة، وهكذا لبقية المشاعر السيئة.

من زاوية المادية ثانياَ: يمكن للشخص أن يعاني من جودة حياة رديئة إذا كان لا يملك ما يملكه أفراد مجتمعه من سلع غذائية ومصادر مادية بنائية أو أنظمة تكنلوجية معاصرة لمجتمعه. هذه النظرة هو أكبر قوة من السابق، لإنها تظهر مؤشراً حقيقياً لمقارنة به مع افراد الاخرين أما السابق فقد كان فقط شعوراً داخلياً. لا داعي هنا لذكر أمثلة المادية مثل المال أو المؤى الذي يتمتع به أشخاص حوله دونه، ولكن يمكننا أن نشرح أفتقار الفرد لأنظمة التكنلوجيا المعاصرة فلنقل مثلاً هاتف النقال أو الحاسوب أو حتى تكنلوجيات البسيطة مثلاً أدواة الكهربائية كسخان الماء. هذه الأدوات المتطورة الذي يملكه المجتمع ويفتقره الفرد يمكن أن ينزل من جودة حياة الفرد ويؤدي إلى تقييم الشخص نفسه (وكذلك تقييم آخرين له) في المستوى الادنى من طبقات المجتمع بالرغم من أن هذه التكنلوجيات الحديثة لم تكن مملوكة من قبل الجيل السابق للمجتمع (الهواتف النقالة لم تكن موجودة في أوائل القرن العشرين). كذلك بالنسبة للأغذية المأكولة من قبل أفراد المجتمع، الفرد في هذا العصر الذي يشمل لقمة يومه البيض والخبز والماء يعتبر فقيراً وذو الجودة رديئة مقارنةً بمعايير المجتمع المعاصر ولكن قبل عدة عصور (نتكلم عن عصور ما قبل ظهور الحضارات) كانت هذه الحياة مترفاً وطبيعيا للفرد العادي. فنحن كبشر بمجرد أكتشافنا لملابس وكيفية صناعتها، أصبح البرد والبلل من المطر حالة فقر يرثى لها، مع علم أنها كانت طبيعية في العصور الأنسانية السابقة.

من الزاوية الصحية ثالثاً: هذا المنظور هو المقياس الشائع لقياس جودة الحياة ويستخدم من قبل عدة باحثيين الطبيين لمحاولة فهم معيشة المرضى المصابين بأمراض جسدية (المزمنة منها والمعاقة وغيره) والعقلية (الكآبة وأضطرابات القلق وغيره). من دون الدخول إلى دراسات طبية محددة وكيفية قياسهم لجودة الحياة لهؤلاء المرضى، يمكننا القول أن فقدان شيء جسدي غالباً يمكن أن يضع الفرد في جودة حياة رديئة إذا كان حواليه هم أشخاص عاديون. يمكننا أن نرى ذلك في مرضى المصابين بسكتات الدماغية الذي يتركهم المرض مع ضعف وإعاقة في عدة أماكن من الجسم ومنها عدم القدرة على حركة الساقين مما يجعلهم غير قادرين على الحركة ويتركهم مع كرسي متحرك. هؤلاء المرضى أثبتوا أحصائياً بأنهم يعانون من جودة حياة رديئة بسبب صحتهم وكذلك قد يعانون من الكآبة بسببه وبسبب نظرة الناس إليهم. بالتأكيد يمكننا أن نتوقع هذا مع عدم قدرة الشخص بالقيام بمهام نشطة و عدم قدرته على العمل أشياء كان يحبه مثل السفر أو لعب رياضة يتطلب حركة القدم، ولكن يمكننا أيضاً أن نستنتج أن فقدان هذه القدرة فردياً يجعل ذات الشخصية يشعر برداءة حياته مقارنة بحياة الاشخاص حوله، أما إذا كان هناك مثلاً فالنقل ردهة أو مؤسسة لأشخاص كلهم مصابين بشلل في الساقين، عندئذ الفرد المصاب يلاحظ أن جودة حياته ليست سيئة كالمتوقع مقارنة لأناس حوله والأفضل من ذلك، هو لو أصبح جميع سكان العالم مصابين بالشلل، عندها يفقد الشخص المتوسط لقياس جودة حياته فيه ويصبح الأمر طبيعياً بالكامل لذلك الفرد المصاب.

يساهم تقييم سيء لحياة الشخص إلى شعور المرء بكراهية الذات وأعضاء الآخرين الموجودين في نفس المجتمع-يؤدي هذا حتماً إلى كآبة نفسية- وكذلك تؤدي إلى الغضب والحسد للآخرين في مستويات أعلى منه من المجتمع. نعرف أن هذه المشاعر قد تكون خطرة وهي تحفز الفرد إلى أرتكاب الجرائم بأنواعه بحق نفسه و مجتمعه. ينعكس هذه المشاعر السيئة ويكون تصرفات فيزيائية يقوم به الشخص على الرد والتصدي، أما لذاته، يلجأ الفرد فيه إلى الهروب من مجتمعه والعزلة منه أو أنفصال تماماً ولجوء إلى مجتمعات آخرى، أو يلجأ الشخص إلى إلهاء نفسه بأمور آخرى جيدة به أو يبدأ بتعاطي الكحول والمخدرات لنسيان هذه المشاعر. وكذلك يلجأ الآخرون إلى معتقدات دينية أو فلسفية لراحة من هذه المشاعر.

أو يعكس الفرد هذه المشاعر إلى مجتمعه (نتيجة عدم شعوره بالمساواة)، وذلك بمحاولة تغيير معايير ونظام المجتمع بأكمله، كالقيام بثورات وأنقلابات على الحكومات والأنظمة القائمة، أو القيام بالسرقة من مصادر المجتمع أو الأذي أشخاص يظن بأنهم يعيشون أعلى جودة منه.

بينما الأشخاص الذين يعيشون جودة حياة جيدة (وهي أن لم تكن نادرة الوجود فهي في أغلب موجودة لفترة قصيرة) يحاولون بقدر الإمكان بالحفاظ على مكانتهم في المجتمع. يقومون عادة بإعكاس سلوكيات دفاعية للأشخاص الذين يهددون مواردهم.

قبل نهاية المقال، نذكر هنا فقرة قصيرة عن أثر الأنترنت وأتصالات العامة (الراديو والتلفاز وغيره) على جودة حياة الفرد في المجتمع. أعلم بأن هذا موضوع يستحق مقال خاص به، نذكره هنا لتذكير القارئ بأرتباط هذه الموضوع مع جودة الحياة الفرد في المجتمع. نعلم أن قبل ظهور الأنترنت وأتصالات العامة أنه كان لجودة حياة الفرد في مجتمع منعزل عالية بالمقارنة ما بعد أستكشافه، لماذا؟ لأنه كما قلنا بأن الفرد يحاول أن يكون أفضل من غيره في المجتمع وهذا ما يعطيه جودة حياة جيدة (أمتلاك الفرد لشيء معين سواء كان شعوراً أو مادة لا يملكه أعضاء مجتمعه هو ما يجعله يشعر بالتميز والسعادة). قبل ظهور الانترنت على سبيل المثال كان المقارنة المرء لجودة حياته مع مجتمعه محلية ونسبية وكذلك سهلة التحويل من السيء إلى الجيد بمقارنة ما بعد ظهور الانترنت. الشخص الغني كان سعيداً في مجتمعه المحلي لأنه كان أغنى رجل في ذلك المجتمع لذلك كان يتمتع بجودة حياة عالية وكذلك الأمر بالنسبة للشخص الذكي حيث كان ذكاءه عالياً بالنسبة إلى مجتمع المقيم به، ولكن أدى ظهور الانترنت وأتصالات العامة إلى مقارنة هؤلاء أشخاص مهارتهم و ممتلكاتهم مع المجتمع بشري عالمي مما أدى بهم الأمر إلى تجربة جودة حياة سيئة. الأمر نفسه ينطبق على مواقع تواصل الأجتماعي وقيام الشخص بمقارنة جودة حياته مع عدة أشخاص خارج إطار مجتمعه ويتمتعون بجودة حياة عالية بالنسبة إلى جودة حياته (أو على أقل يتظاهرون بذلك).

بالخلاصة، يمكننا أن نجمع هذه الفرضيات تحت جملة واحدة: فقدان الفرد أو نقصانه أي شيء مادياً كان أم شعورياً أو صحياً (جسدياً أو عقلياً) بينما يتمتع أعضاء مجتمعه بذلك شيء يؤدي به إلى تجربة جودة حياة رديئة ويمكن لذلك الفرد أن يقيسه بنفسه عن طريق المقارنة ويمكن أيضاً للأعضاء آخرين أدراك معانته. يعود بعض اللوم (أن سمح لي القارئ) على نظام أقتصادي رأس مالي وبما يمنحه لبعض أفراد المجتمع بعض الأفضلية لغيره (لا داع للأنتقاد والتطرق).

في ظل هذا التعريف، نرى أنه لايوجد أحد فينا من يتمتع بجودة حياة جيدة في كثير من أوقات، حتى أفراد أغنياء عادة يعانون من جودة حياة سيئة لكونهم يفتقدون المال الكافي نسبة إلى أعضاء طبقاتهم، وحتى أفراد أكثر صحة عادة يفتقرون جاذبية جسدية نسبة إلى معايير مجتمعهم، ما نراه في آخرين كجودة حياة جيدة هو مقياس نسبة إلى مجتمعنا وهي الوحدة الخاطئة لقياس جودة حياة الشخص. أتترككم في هذا المقال بالطريقة للخروج من هذه الزوبعة: يمكن للشخص تغيير مجتمعه عن طريق الهجرة أو ترك المجتمع الذي يشعر بالفقر فيه إلى مجتمع أفقر حيث يعطي له الحس بالكمال المادي أو الصحي أو النفسي مقياساً لذلك المجتمع. واحد من جودة حياة العالية هو أنتقال من مجتمع عالي يكون فيه الفرد مفتقراً إلى مجتمع واطئ من حواليه ليشعر بالاكتمال، ولكن هذا النصيحة له عاقبة عكسية، أي أنتقال الفرد من مجتمع الواطئ إلى المجتمع العالي يعتبر فيه الفرد في أدنى مستويات معايير ذاك المجتمع يؤدي به إلى تجربة جودة حياة رديئة (هههه). يذكرني هذا بقانون الغازات حيث ينتقل الرياح من ضغط العالي إلى الضغط الواطئ والعكس يكون صعباً جدا، أي أنتقال الغاز من ضغط الواطئ الى ضغط عالي. "

 

محمد كريم إبراهيم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4834 المصادف: 2019-11-30 01:23:20