محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن قراءتنا النقدية لكتاب الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار للدكتور محمد البهي، وفي هذا نقول: ثم تطرق بعد الدكتور البهي للحديث عن الاصلاح الديني، ويُعنى به في مجال الإسلام محاولة رد الاعتبار للقيم الدينية، ورفع ما أثير حولها من شبه وشكوك، قصد التخفيف من وزنها في نفوس المسلمين ومحاولة السير بالمبادئ الإسلامية من نقطة الركود التي وقفت عندها في حياة المسلمين، إلى حياة المسلم المعاصر، حتى لا يقف مسلم اليوم موقف المتردد بين أمسه وحاضره عندما يصبح في غده. وبهذا المعنى فإن الإصلاح الديني في مجال الإسلام - حسب رأي الدكتور البهي - وثيق الصلة بالعصر الذي يتم فيه، وبالفكر الذي يقوم بمحاولته، وبظروف الحياة التي عاش فيها الفكر. كما أن الإصلاح الديني -بوصفه محاولة فكرية- يغاير -في نظر البهي- منهج وعمل الحركات الدينية التي تعتمد على تبسيط تعاليم الإسلام وتقريبها من العقلية العامة، ويغاير كذلك المحاولات التي تسير -حسب تصور البهي- في دائرة تفسير خاص لتعاليم الدين، أو تلتزم منهاج مدرسة خاصة من مدارس الفقه أو مذاهب الكلام في العقيدة. وما يخلص إليه البهي بعد هذا الموضوع والتحديد اعتبار أن الإصلاح الديني هو منهج وتفكير يقوم على نقد وبناء، ويسعى إلى اعتبار قيمة واحدة، هي قيمة الإسلام في التوجيه الإنساني. ثم يتحدث البهي عن شخصيتين إسلاميتين فكريتين ظهرتا في مسرح الإصلاح الديني، هما: الشيخ "محمد عبده"، والدكتور "محمد إقبال". وحين يقارن البهي ويوازن بينهما يرى أن كليهما عاش في القرن التاسع عشر وأدرك القرن العشرين، وكليهما حفظ القرآن، ووقف على حياة الشرق بسبب ميلاده وموطنه ووقف على حياة الغرب وحضارته بالارتحال إليه وبالإقامة في بلدانه، وكليهما مال إلى التصوف ورأى فيه رفعة النفس الإنسانية وصفاءها، وقوة احتمالها في مواجهة الأزمات والأحداث. إلا أن الشيخ محمد عبده في تقدير البهي كان يعي من الثقافة الإسلامية بقدر ما كان يعي محمد إقبال من الثقافة الغربية، ومارس الأول الفكر الإسلامي في دراسته وتدريسه وبحثه بقدر ما مارس الثاني دراسة الفكر الغربي وتدريسه وبحثه (26).

ثم انتقل الدكتور البهي بعد ذلك للحديث عن موضوع الإسلام غدا، وفيه ناقش قضية الجامعة والازهر، حيث يربط البهي فكرة التجديد بمؤسسة الجامعة، في حين يربط فكرة الإصلاح بمؤسسة الأزهر، ويعتبر أن الجامعة المصرية هي التي تولت زعامة حركة التجديد في الفكر الإسلامي الحديث في مصر، منذ أن دعا لهذه الحركة طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر". ولعل هذا يعني أن فكرتي التجديد والإصلاح تعكسان طبيعة النزاع بين مؤسستي الجامعة والأزهر في مصر، وما بينهما من تباين في بنية المكونات، وتفاوت في نسق التصورات، واختلاف في نوعية المسلكيات. فطه حسين الذي دافع عن مؤسسة الجامعة والانتصار لها، والإعلاء من شأنها، انتقد من جهة أخرى مؤسسة الأزهر وقلل من شأنها ومكانتها، وأوضح ذلك في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" الذي اعتبر فيه أن "الجامعة تمثل العقل العلمي، ومناهج البحث الحديث، وتتصل اتصالاً مستمراً بالحياة العلمية الأوروبية، وتسعى إلى إقرار مناهج التفكير الحديث شيئاً فشيئاً في هذا البلد".

في حين دافع الدكتور البهي عن مؤسسة الأزهر واعتبر أن مستقبل الإسلام يتأثر قوة وضعفاً بقوة الأزهر وضعفه، وفي نظره أن الأزهر وحده وليست الجامعات الحديثة، هو الذي يمثل مركز إشعاع الوعي الإسلامي، وينفرد بهذه الرسالة، ولا يوجد له مشارك قديم أو حديث في إطار الكتلة الثالثة. ومنذ قيام الأزهر -كما يضيف الدكتور البهي - وإلى اليوم، وهو مركز الرسالة الإسلامية، سواء ما يتعلق بدراسة تعاليمها المباشرة، أو ما يتعلق بدراسة الوسائل التي تصحح فهمها وتصورها، وهي اللغة العربية وما يتصل بها من دراسات. إلى جانب هذا الدفاع عن الأزهر والتبجيل الذي لا يخلو من مبالغة، وجَّه البهي نقداً لاذعاً ولافتاً للأزهر لما آلت إليه الأمور في عصره. وقيمة وحيوية هذا النقد أنه جاء من داخله، ومن أحد المنتمين لمؤسسته. كما كشف هذا النقد عن المنحى الإصلاحي الذي كان عليه البهي في داخل مؤسسة الأزهر، ويمثل هذا النقد والمنحى الإصلاحي امتداداً لمسلكيات واتجاهات الشيخ محمد عبده في إصلاح الأزهر، ولمن جاء بعده من علماء يعدون من ألمع شخصيات الأزهر (27).

4- الخاتمة:

بعد هذه الإطلالة على كتاب "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي" بقيت الإشارة يمكن القول بأن الدكتور البهي قد أراد من كتابه أن يكون وثيقة إدانة شاملة للاستشراق، باعتباره رأس حربة ثقافية موجهة ضد الإسلام، له تأثيراته في نشوء تيارات فكرية في الوطن العربي والعالم الإسلامي . فطاول نقده تلك المتأثرة به، جامعاً بين أصحاب التيار الليبرالي: طه حسين، وعلي عبد الرازق، وزكي نجيب محمود، والتيار المتأثر بالشيوعية، يقوده اعتقاد جازم بأن مستقبل الإسلام مرتبط بمواجهة الصليبية والماركسية، ووصل به الأمر إلي اتهام رجال الإصلاحية الإسلامية كتجليات للاستشراق، إذ يقول:" فحركة الإسلام التي ظهرت في الشرق الإسلامي منذ بداية القرن العشرين، تعتبر تقليدا للدراسات الإسلامية في تفكير المستشرقين  " (28).

ويري المؤلف أن الاستشراق حصيلة لروح الصليبية، أتي بإيحاء من الكنيسة، ومن  ورائها إرادة الدول الاستعمارية، فهو يقول: ودراسة المستشرقين للإسلام، قامت بها الكنيسة الكاثوليكية ، خاصة للانتقاص من تعاليم الإسلام .. حرصاً علي مذهب (الكثلكة) من جانب، وتعويضاً عن الهزائم  الصليبية في تحرير بيت المقدس من جانب آخر، ثم تبني هذ الدراسة في الجامعات الغربية نفسها، حتي يقوم القائمون بأمرها علي تصديرها إلي الشرق الإسلامي (29).

وألحق المؤلف التجديد العربي بأغراض الإستشراق، وخصص له فصلا  في كتابه، إذ يقول:" فالتجديد في رقعة  الشرق الأدنى منذ بداية القرن العشرين، هو محاولة  أخذ الطابع الغربي، والأسلوب الغربي في تفكير الغربيين (30).

وأشار المؤلف إلى تطور آخر في الدراسات الاستشراقية فقد تحولت إلى نشاط أكاديمي يقدم البحوث والكتب العلمية، ويستقطب الطلاب المسلمين لإعادة توجيههم ليعودوا يحملون راية الاستشراق في بلدانهم، فيرى أن الاستشراق نفذ إلى المسلمين، ووجد أعوانا له من أرباب الفكر والقلم والعلم والسياسة في الشعوب الإسلامية، وهو العامل الموجه لما يسميه: الفكر الإسلامي الممالئ للاستعمار الغربي (31).

ويتحدث المؤلف عن بعض وسائل المستشرقين في كتاباتهم عن الإسلام، فأشار إلى أن كتب الرحلات الي كتبها الرحالون النصارى المتجولون في الدير الإسلامية، كتبت "بأسلوب تهكمي، وروح قصصية اختراعية، تغذي خيال الشعوب المسيحية الغربية والأمريكية، ولها أثرها السلبي في تصوير الإسلام والمسلمين -وهو أثر قوي- على هذه الشعوب(32).

ويؤكد المؤلف على أن هناك دوافع أخرى فرعية لنشأة الاستشراق كالدوافع التجارية، والسياسية، كما ذكر دافعا قلما يشير إليه وهو الدوافع الشخصية "عند بعض الناس الذين تهيأ لهم الفراغ والمال واتخذوا الاستشراق وسيلة لإشباع رغباتهم الخاصة في السفر أو في الاضلاع على ثقافات العالم القديم، ويبدو أن فريقا من الناس دخلوا ميدان الاستشراق من باب البحث عن الرزق عندما ضاقت بهم سبل العيش العادية، أو دخلوه هاربين عندما قعدت بهم إمكانياتهم الفكرية عن الوصول إلى مستوى العلماء في العلوم الأخرى، أو دخلوه تَخَلصا من مسؤولياتهم الدينية المباشرة في مجتمعاتهم المسيحية. أقبل هؤلاء على الاستشراق تبرئة لذمتهم الدينية أمام إخوانهم في الدين، وتغطية لعجزهم الفكري، وأخيرا بحثا عن لقمة العيش إذ أن التنافس في هذا المجال أقل منه في غيره من  أبواب الرزق (33).

ويرى  المؤلف أن أهداف الاستشراق تركزت -مع تنوعها- في "خلق التخاذل الروحي، وإيجاد الشعور بالنقص في نفوس المسلمين والشرقيين عامة، وحملهم من هذا الط ريق على الرضا والخضوع للتوجيهات الغربية (34)؛  ويشير المؤلف إلى خطر عملاء المستشرقين ويصفهم بانهم عملاء الاستعمار، وقد دربوا على إنكار المقومات التاريخية والثقافية والروحية في ماضي هذه الأمة، وعلى التنديد والاستخفاف بها، وهم الذين وجههم كُتابُ الاستشراق إلى أن يصُوغُوا هذا الإنكار  والتنديد والاستخفاف في صورة البحث، وعلى أساس من أسلوب الجدل والنقاش في الكتابة أو الإلقاء عن ريق المحاضرة أو الإذاعة (35).

وفي النهاية وإن كنت أختلف في كل ما قاله الدكتور البهي، إلا أنني لا أملك إلا أن أقول في حقه، وهو الآن بين يدي الله بأن الرجل اجتهد فيما قال، وإن كان لم يجتهد فليغفر الله .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

الهوامش

26- د. محمد البهي: الفكر الإسلامي الحديث وصلتة بالاستعمار الغربي، من ص 393 إلي ص463.

27- المصدر نفسه، من ص 364 إلي ص477.

28-.شمس الدين الكيلاني: المرجع نفسه، ص 825.

29- المرجع نفسه، ص 826.

30- د. محمد البهي: المصدر نفسه، ص488.

31- المصدر نفسه، ص489.

32- المصدر نفسه، ص56..

33- المصدر نفسه، ص12.

34-  المصدر نفسه، ص 13.

35- المصدر نفسه، ص 15.

 

 

عز الدين عنايةشهد العالم خلال العقود الأخيرة، على إثر تفاقم مشاكل البيئة، نشاطًا مكثّفًا للداعين لاتّباع التقاليد الغذائية الصحيّة والعلاج الطبيعيّ، في ما يشبه ردّة فعل على ما شابَ السلوك البشري من إفراط وانتهاك لضوابط التعامل السليم مع المحيط. فقد بات التحذير من تنكّر الإنسان للمسلك السليم في العيش مدعاة للعديد من المبادرات، الباحثة عن تطوير أعراف جديدة في السلوك العام، تستند إلى ما هو طبيعي وتنأى عما هو مصطَنَع ومتَكلَّف. ومجال العناية بالصحّة هو من أكثر المجالات التي باتت تبحث عن هوية فاعلة في المجتمع، تستند إلى ما هو طبيعيّ وغير مصنَّع. فالاهتمام بالمنتوج الطبيعيّ، الرائج تحت مسمَّى البيولوجي، غير الملوَّث والصحّي، هو جيّدٌ للتناول ومفيد للتداوي أمام زحف ما بات يُعرَف بأمراض العصر.

ضمن هذا السياق العامّ صَدَر كتابٌ أخضر، في مداده وفي فحواه، ينتصر إلى إعادة ردّ الاعتبار إلى أساليب المداواة الطبيعية، بوصفها الطريقة الأمثل لمعالجة العاهات، لِما تسندها من خبرات تمتدّ على مئات السنين. فالكتاب كما هو وَصفٌ للعديد من سُبُل العلاج للمنغَّصات التي تعكّر صحّة الإنسان بأعشاب ونباتات ومستحضَرات طبيعية، هو أيضا دليل ثريٌّ يطفح بالعديد من الوصفات لتحقيق حسن المزاج، والحفاظ على النَّظَارة، وزيادة طول العمر، وفق تقاليد أديرة الرهبان والراهبات. ناهيك عمّا يتناوله الكتاب من شرح مدقّق في إعداد المساحيق والمشروبات الشفائية وأنواع البلسم ومقادير مكوناتها، وكذلك تقنيات تجميع الأعشاب ومواقيتها ومواسمها حتى تحافظ على خصائصها.

تُوزّع الباحثة آنّا ماريا فولي كتابَها إلى قسمين رئيسين: أحدهما يتعلّق بتطوّر فنّ المداواة في الأوساط الدينية إلى حين بلوغه مراتب العلم المعروف بعلم الصيدلة؛ وآخر يتعلّق بالوصفات العلاجيّة والوقائيّة، اِعتمادًا على مرويات أصحابها وممارِسيها، فضلا عمَّا تثري به الكتاب من معارف متوارَثة على مدى قرون في أوساط النسّاك. نذكر أنَّ المؤلِّفةَ هي باحثةٌ ورحّالة إيطالية معاصرة، مولعة بتقاليد الحياة الجَبَليّة وعاداتها، تابعت ولا زالت حياة الرهبان والراهبات من حيث تقاليدهم في الغذاء والتداوي، وقد أصدرت في الشأن جملة من الأبحاث القيّمة. كتاب "الصيدلية الإلهيّة" الذي نعرضه للقارئ، يضمّ بين دفّتيه خبرات ومعارف متأتّية من قرون بعيدة، في ما يتعلق بخصائص النباتات والتداوي الطبيعي، كما تمّ توارثها داخل الأدْيِرة المسيحية بالخصوص، منذ القرون الوسطى وإلى يوم الناس هذا. حيث تعرض صاحبته العديد من الأخلاط والوصفات والمكوّنات، المتداوَلة على نطاق ضيّق، أو غير المعروفة في أوساط العامّة، بَيْدَ أنّها بقيت حاضرة في أوساط المتديِّنين بالخصوص من الرهبان الفرنسيسكان، ممّن يعيشون بدورهم نوعًا من العزلة في مجتمعاتهم الغربية.

2829 الصيدليةتستهلّ الباحثة كتابها بحديثٍ مفصّلٍ عن تقاليد النسّاك في زراعة الأعشاب لغرض المداواة، فعلاوة على ما يميّز صوامع الرهبان والنساك من عزلة وانزواء، بوصفها أماكن للخلوة والتأمّل في العديد من التقاليد الدينية، وليس المسيحية وحدها، أَمْلت الحاجة أن تقوم بداخلها ما يشبه النقاط الصحية للعلاج والمساعدة العاجلة، أكان للمقيمين فيها أو الوافدين عليها، من الضيوف والعابرين. وليس من الصدفة أنّ عبارة مَشْفى في اللغات الأوروبية هي مستوحاة من كلمة "hospes" اللاتينية التي تعني "الضيف". فكان من الضروري أن يتكفّل شخص أو أشخاص داخل الأديرة، بتحضير مواد العلاج الطبيعية للوعكات والأسقام بمختلف أصنافها. وبحسب التقليد السائد في أحضان الأدْيِرة، عادة ما يتوارث القائمون بتلك المهمّة معرفة متأتّية من نسّاك سابقين، وفي الآن يسعى القائمون إلى تطوير تلك المعارف بالاطّلاع على الخبرات السابقة عبر المدوَّنات والنصوص المتوفّرة. إضافة إلى ما يُعِدّه سكان الدير أنفسهم من ترجمات لما يحتاجونه. ولعلّ أكثر الأعمال شهرة ضمن هذا التقليد أعمال أبقراط وجالينوس، فضلا عن مؤلفات ديسقوريدوس فيدانيوس وأودو ماغدينانسيس وهيراقليطس وسيلسوس. إذ يعود استعمال العلاج الطبيعي إلى 1500 سنة قبل الميلاد، فقد ثبت اِستعمال المصريين القدماء والآشوريين والقرطاجيين الأعشاب الطبيّة. وفي فترة لاحقة اِهتمّ الرومان أيضا بزراعة حقول لمختلف أنواع النباتات المخصّصة لأغراض طبيّة.

في مسعى للإحاطة بعوامل ارتباط علم الصيدلة بتقاليد الرهبنة ضمن التراث المسيحيّ الغربيّ، تعود الباحثة آنّا ماريا فولي إلى الأصول التي قامت عليها الرهبنة. فمن القواعد التي أرساها مؤسّس الرهبنة القديس بندكت النيرسيّ أن يكون في كلّ دير راهبٌ "إنفيرماريوس"، أي راهب قائم على التمريض، "مفعم بمحبة الله، يقظٌ ومسارع لمدّ يد العون" ينشغل برعاية إخوانه المرضى. فهو من يوزّع المشروبات والمنشّطات والأدوية، وغيرها من أنواع العلاج المتاح في ذلك العهد، وهو من يهتمّ بإيقاد النيران للتدفئة، ويتولّى إنارة الدير ليلا، ويسهر على خدمة رفاقه. كما يتكّفل "الإنفيرماريوس" بغرسِ النباتات الطبيّة في "المنبت الصحيّ" (hortus sanitatis) المجاور للدير. تذكر آنّا ماريا فولي أنّ إحدى البرديات التي تعود إلى القرون الوسطى، تصف مختلف النباتات التي تعمّر "المنبت الصحيّ"، ومن بينها نجد الكمّون والزنبق والمريمية والإكليل، وهي من العادات التي تحوّلت إلى قصور الأثرياء والنبلاء لاحقا. إذ تملي قاعدة القدّيس بندكت أن يحوي كلّ دير حيزًا أخضر يضمّ الأشجار المثمرة، ومنبتيْن أحدهما مخصّص للخضراوات ممّا يتناوله الرهبان والآخر للنباتات الطبيّة المخصَّصة للعلاج. وجرّاء ما اِكتسَبه الرهبان من شهرة في فنّ الطبابة بالأعشاب الطبيعية، كانوا يخرجون من أديرتهم لمداواة المرضى، غير أنّ المراسيم البابويّة، مثل مرسومَيْ 1227م و 1268م، ومقرّرات المجامع الكَنَسيّة مثل مجمع رانس (1131م) ألزمت الرهبان بعدم مغادَرة الدير. في ظل الحديث عن الصيدلة في أوساط الرهبنة، ينبغي ألا يفوتنا أنّ القوانين الكنسية تمنع اشتغال الإكليروس بمهنة الطبابة، بوجه عام، ولكن السماح بالاشتغال بالصيدلة يأتي للضرورة والحاجة.

خلال العصور الوسطى المبكرة، كان مقرّ الرهبنة البندكتيّة يضمّ محلّا للعقاقير والتوابل والبهارات في جنباته، ترتاده العامّة لاقتناء ما تحتاجه للتداوي والتوقّي من الأمراض والعاهات، ثمّ تبعت ذلك التقليد تنظيمات رهبنة أخرى، مثل الدومينيكان والفرنسيسكان والكابوتشيّين والكرمليّين واليسوعيّين. ونظرًا للثقة العالية التي حازها الرهبان في الإلمام بخبايا علاج الأمراض وطرق المداواة، أُوكِل إليهم أمر تسيير المشافي الواقعة خارج مقرات المؤسّسات الدينية. ولا ننسى أنّ اهتمامات الدارسين من رجال الدين بالمصادر التاريخية والتقاليد القديمة في مجال العلاج والطبابة، قد قادت إلى إنشاء مدرسة ساليرنو الطبيّة الشهيرة، التي حصلت على دعم سخيّ من الطبيب والراهب ألفانو مونتيكاسينو (1015/1020-1085).

وبالفعل تطوّرَ مفهوم الصيْدَلَة في التقليد المسيحيّ الغربيّ، وتحديدا في إيطاليا، داخل حيز الأديرة، حيث تثبت الوثائق العائدة إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، ترافق هذا التقليد مع نشأة محالّ لبيْع العقاقير والتوابل المشار إليها آنفا. ومع تطوّر تلك الصناعة بدأ يُوكل لشخص من خارج الدير شأن إعداد تلك الوصفات التي يحدّدها طبيب يصحبه كاهن، مع اشتراط أن تُوفَّر تلك الأدوية لقاطِني الدير بالمجان. وبخلاف ما ساد في إيطاليا، كان رجال الدين في فرنسا، إبان القرن السادس عشر الميلادي، واستنادًا إلى قرارٍ تشريعيٍّ، غير مسموح لهم بتعاطي مهنة بيع العقاقير ما لم يكونوا مسجَّلين في هيئة ترعى تلك المهنة. واستمرّ ذلك إلى قبيل تاريخ اندلاع الثورة (1789)، التي وضعت حدّا لكافة الصيدليات التي تشرف عليها الأديرة، وعرضتها في المزاد العلني للراغبين في امتهان تلك المهنة، فأصيبت تلك المهنة بنكسة. تبرز آنّا ماريا فولي أنّ عديد المنابت الموجَّه إنتاجها إلى أغراض طبية وعلاجيّة قد بقيت تابعة للأديرة الدينية، منذ تأسيسها في القرن السادس عشر وإلى غاية العام 1956، مثل المنبت التابع للرهبان الكابوتشيّين في مدينة البندقية الذي أنشئ خلال العام 1576م.

فقد شاعت تلك العادات المتعلّقة بالمنابت الصحية ومحالّ الأعشاب التابعة للأديرة في مختلف أماكن انتشار التنظيمات الدينية التابعة لكنيسة روما، في أوروبا وخارجها. فداخل أسوار مدينة دوبروفنيك العتيقة في كرواتيا، يمكن زيارة الصيدلية القديمة التابعة لدير الفرنسيسكان، والتي يعود تاريخ تأسيسها إلى العام 1317م، وهي صيدلية خاصّة في البداية بالرهبان ثم غدت مفتوحة لعامّة الناس. وقد كانت تضمّ مجموعة هامّة من المؤلّفات في عِلميْ الطبابة والصيدلة، إلى جانب سجلّات بآلاف الوصفات، ومجموعة كبيرة من الأدوات التي تعود إلى القرن الخامس عشر. ولا زالت هذه الصيدلية ناشطة وتوفّر مستخلَصات وفق الوصفات التقليدية القديمة.

من جانب آخر رافقت جماعات الرهبان الوافدين مع جحافل الحملات الصليبية نحو الأراضي المقدّسة في المشرق وبلاد الشام انشغالات بعلوم الصيدلة. إذ نجد العديد من رجالات "الرهبنة المسلَّحة"، ممن استقرّوا بفلسطين إبان الحروب الصليبية، يتقنون فنّ تحضير النباتات والأعشاب المستعمَلة لغرض المداواة. ومن بين الأديرة التي عُرِفت بالاشتغال بالصيدلة حينها صيدلية دير القديس سالفاتور بالقدس، بفضل ما كانت تجده من دعم من ممالك الفرنجة المساندة للحملات الصليبية، بوصف تلك القلاع نقاطا متقدّمة لاختراق صفوف "المحمّديّين" في المشرق. وقد كانت صيدلية دير القديس سالفاتور بمدينة القدس من أفضل الصيدليات بالمنطقة نظرا للدعم الفائق من جمهورية البندقية وجمهورية جنوة ودوقية ساباودو في ذلك العهد، لما تقدّمه من خدمة للحجيج المسيحيين القادمين من أوروبا.

تَواصَل تقليد إعداد المستخلصات في دير القديس سالفاتور في القدس إلى حدود العشرينيات من القرن الفائت، حيث اِستمرّ مدّ "السبيسيريةِ" (spezieria) -والمفردة تعني محلّا لبيع التوابل والعقاقير- رهبان الدير، فضلا عن المياتم والمدارس التابعة، ما يلزم من أدوية. وقد بلغت شهرة العاملين في صيدلية الدير أن استعان بهم أعيان العرب والباشوات الأتراك إبان فترات الأوبئة التي أصابت الشام في القرون الأخيرة. وقد كان الصيدلانيّ الراهب أنطونيو منزاني أحد مشاهير تلك الصيدلية، بفعل تصنيعه المرهم المعروف بـِ"بلسم القدس"، وهو مضادّ للتقرّحات والنزيف الخارجيّ والحروق، خضع استعماله لمقادير مضبوطة وأيّام معدودة. وقد جرى تطوير ذلك البلسم إلى سائل، وبات يُستَعمل في القروح التي تصيب المعدة وتقليص آلام الأسنان والسعال. وبفعل الشهرة التي أحاطت بـ"بلسم القدس" غدا مطلوبا في المدن المسيحية الأوروبية.

وتُعتَبر "سبيسيرية" سانتا ماريا نوفيللا بمدينة فلورانسا الصيدليةَ الأقدم في كافة أرجاء أوروبا. فخلال العام 1381م كان الرهبان الدومينيكان يبيعون "ماء الزهر" كدواء مطهّر مضادّ للأوبئة بما يماثل الكحول اليوم. وكانوا يتولون بأنفسهم زراعة النباتات الطبية في المنبت المجاور للدير، ثم يقومون باستخراج مستخلَصات الأعشاب والأزهار ويُعدّون منها العقاقير والمراهم والدهون وأنواع البلسم ويموّنون بها الصيدلية القريبة. ومن تلك المصنوعات الطبيعية ما يُصدَّر إلى أسواق بعيدة نحو الصين والهند. هذا وقد توسّع تقليد الصيدلة مع إنشاء أول صيدلية تابعة للرهبان الكابوتشيّين على أطراف كنيسة القديس أنطونيو، في كالياري في سردينيا، خلال العام 1705. ولم تكن "السبيسيرية" حكرًا على أديرة الذكور، بل أَنشَأت الراهبات أيضا داخل مقرّاتهن الخاصة محالّ مخصّصة للعناية الطبية والعلاج الطبيعي. ففي بادوفا على سبيل المثال، وخلال العام 1769، كانت المدينة تضمّ عشرين ديرًا للراهبات، ضمّت في جنباتها محالّ لصنع مستخلَصات العلاج. وكانت بعض الراهبات على دراية جيّدة بطرق التحضير وبأنواع النباتات والأعشاب، وهو ما يدعمه ثراء الأديرة بالمؤلفات والمخطوطات المتعلّقة بموضوعات الأمراض والمستحضرات والأدوية. وقد سجّل التاريخ العديد من أنواع المراهم والمستخلَصات والمساحيق المستعمَلة في علاج العاهات من ابتكار الراهبات.

لتتطوّر الأمور إلى تقديم دروس في علم الصيدلة داخل الأديرة، فقد كانت مجموعة من الرهبان الدومينيكان تقارب الستين، في مونبلييه، تلقي دروسًا في التداوي بالأعشاب لرهبان آخرين يفدون من أديرة أخرى. وفي فلاّمبروزا، جنب "السبيسيرية" المعروفة التي يعود تاريخها إلى العام 1689، أنشئت مدرسة نباتية ارتادها مشاهير مولَعون بالحفاظ على الطبيعة، من بينهم الراهب فرجيليو فالوجي (1626-1707) مؤلّف كتاب "علم النبات" ذائع الصيت.

ما تخلص إليه آنّا ماريا فولي عبر تطوافها بألوف التجارب، والتدقيق في ميئات الوصفات، أنه لا يمكن بلوغ الصحّة، وفق المنظور النباتي، مرة وإلى الأبد، بل من اللازم الترقّي لذلك المقام كل يوم، عبر ممارسات متتابعة تتضافر فيها الوحدة والانسجام بين العقل والجسد والروح. إذ يتسنى بلوغ الهناء من خلال مراعاة قواعد بسيطة تتمثّل في الغذاء السليم، والعيش المنضبط (المواعيد المتناسقة للنوم واليقظة)، والتناسق الأخلاقي، والالتجاء إلى القدرات الرعائية الكامنة في الطبيعة، بمعنى استعمال الأعشاب الطبية. وإلى جانب ما تورده من توصيفات لآثار النباتات الطبية وخاصياتها عند الاستعمال، تبيّن الباحثة اختلاف تأثيرها بين المرأة والرجل، وبحسب الحالات والأوضاع الملمّة بالفرد من صحّة ومرض، مبرزة أنّ كلّ تعكّر للروح أو الجسد يمكن تخطيه بنوع معين من الأعشاب، يكون فعلها مؤثّرا بفضل العناية واللطف الإلهيَيْن.

 

الكتاب: الصيدلية الإلهيّة.

تأليف: آنّا ماريا فولي.

الناشر: تيرّا سانتا (ميلانو-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2021.

عدد الصفحات: 263 ص

 

د. عزالدين عناية

أكاديمي تونسي مقيم في إيطاليا

 

 

محمود محمد عليهناك سؤال أود أن أسأله للأستاذ الدكتور محمد البهي: لماذا اختار لكتابه عنوان " الفكر الإسلامي الحديث وصلتة بالاستعمار الغربي "، ولم يختار له اسم “مشكلة الفكر الإسلامي في ضوء الاستعمار الغربي "، أو " أزمة الاستعمار الغربي في ضوء تحديات الفكر الإسلامي الحديث " أو ” الفكر الإسلامي الحديث والاستعمار الغربي بين المحنة والمنحة، أو " الفكر الإسلامي الحديث في مجابهة الاستعمار الغربي ".. الخ؟

وهنا يجيبنا الدكتور محمد البهي ضمن ملاحظة سجلها في مقدمة الطبعة الثامنة الصادرة عام ١٩٧٥ م بأنه حسب قوله كتاب "مواجهة مباشرة لتيارات فكرية مستترة، وراء عناوين خادعة، وهي في جوهرها محاولات عنيفة لفصل المسلمين عن دينهم، ووضعهم في مجالات التبعية لغيرهم... ويواجه تيار الماركسية الإلحادية، المتخفي وراء اسم العدالة الاجتماعية، وبهذا دخل الكتاب في طرح لا يهدأ مع الدافعين لهذا التيار أو ذاك، خارج المجتمعات الإسلامية أو داخلها (11).

والكتاب من خلال الطبعة الرابعة التي بين أيدينا يقع في (619) صفحة، وهذا الكتاب ليس رواية من نسيج الخيال، ولا سرد لأحداث تاريخية عن الفكر الإسلامي الحديث وصلتة بالاستعمار الغربي، وإنّما هو عبارة عن مراجعة لمئات المصادر والمراجع، فالمهمة الأولى لكتابه كما يقول: "أن يكشف عن قيم الإسلام، وعن صلاحية هذه القيم وحدها لتلافي مشاكل المادية في المجتمعات المعاصرة (12).

ولهذا، أكّد المؤلف بأن هذه الدراسة تهدف إلى الكشف عن التاريخ الفكري والثقافي لمصر والعالم العربي في العصر الحديث بعد اتصاله واحتكاكه بأوروبا والاستعمار الأوروبي. وإن كان يختلف عن بعض هذه المؤلفات والدراسات من حيث طبيعته الإيديولوجية، ومن كونه ينطلق من فكرة المواجهة، وينتصر للاتجاه الفكري والإصلاحي الذي قاوم الاستعمار الغربي. ومن هذه الناحية، ونتيجة لهذه الطبيعة فإن هذا الكتاب يصنف كذلك على نسق المؤلفات والدراسات التي توجهت بالنقد الثقافي والأخلاقي للغرب الاستعماري، والغرب الاستشراقي، والغرب المادي والإلحادي، وللتيارات والاتجاهات المتأثرة والتابعة لمرجعيات الفكر الأوروبي التي ظهرت في مجتمعات العالم العربي والإسلامي.

وينقسم الكتاب إلى موضوعات، حيث تحدث في فاتحة الكتاب عن الاستعمار الغربي وكيف تسلل إلى العالم الإسلامي (13)، والعالم الإسلامي في نظر الغربي المستعمر (14)، ووسائل الاستعمار في إضعاف المسلمين في إسلامهم (15).

ثم انتقل للحديث عن اتجاه حماية الاستعمار أو الاتجاه الفكري الممالئ (16)، كما تحدث عن حركة السيد " أحمد خان" وحركة "ميرزا غلام أحمد" في القرن التاسع عشر كحركتين ممالئتين للاستعمار الغربي (17)، كما ناقش قضية المستشرقون والاستعمار، وذلك من خلال النزعة الأولي : إضعاف القيم الإسلامية، والنزعة الثانية : تمجيد القيم الغربية المسيحية (18).

ثم انتقل المؤلف للحديث عن مقاومة الاستعمار العربي حيث أفرد لحركة السيد جمال الدين الأفغاني (19)، وحركة الشيخ محمد عبده (20) ؛ ثم انتقل بعد ذلك للحديث عن التجديد في الفكر الإسلامي في القرن العشرين والذي يصطلح بتحديد المفاهيم الدينية، حيث يري الدكتور البهي بأن التجديد في رقعة الشرق الأدنى مع بداية القرن العشرين هو معادلة أخذ الطابع الغربي والأسلوب الغربي في تفكير الغربيين، سواء في تعبيرهم عن الدين، أو في تحديدهم لمفاهيمه، ومفاهيم الحياة التي يعيشونها، أو في تقديرهم للثقافات الشرقية الدينية والإنسانية. ويستدل البهي على ذلك بكتاب طه حسين "مستقبل الثقافة في مصر" الصادر عام ١٩٣٨ م، ويبالغ في تأثيره، ويعتبره الكتاب الذي رسم خطة التجديد للفكر الإسلامي الُمغرَّب في مصر؛ وهذا الاتِّباع والتقليد للفكر الغربي في نظر البهي سار في اتجاهين: اتجاه التأثر بالفكر الغربي الاستشراقي في مجال الدراسات الإسلامية منذ بداية القرن العشرين. واتجاه التأثر بالفكر الوضعي العلمي، والمادي الماركسي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (21).

ثم يتطرق الدكتور البهي للحديث عن بشرية القرآن، وذلك ضمن نطاق التأثر بالفكر الغربي الاستشراقي، وحسب رأي البهي تتجسد في صورتين صورة أن القرآن هو انطباع في نفس النبي صلي الله عليه وسلم، نشأ عن تأثره ببيئته التي عاش فيها، بمكانها وزمانها ومظاهر حياتها المادية والروحية والاجتماعية؛ وصورة أن القرآن هو تعبير عن الحياة التي عاش فيها النبي، وهناك تلازم في نظر البهي بين هاتي المستشرق الإنجليزي هاملتون جيب، والذي يعده البهي مثالاً للاتزان من بين المستشرقين الغربيين، وقد ظهر هذا التأثر حسب اعتقاد البهي فيما ذهب إليه طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي " الصادر عام ١٩٢٦ م؛ وهو الكتاب الذي أحدث ضجة فكرية ودينية واسعة في قوته، باتت معروفة للمهتمين بالشأن الثقافي. والنتيجة التي يخلص إليها الدكتور البهي: أن هناك صلة وثيقة بين ما يسميه بنزعة التجديد في مسألة بشرية القرآن، وبين مصادر هذه المسألة في الفكر الغربي الاستشراقي؛ الأمر الذي يؤكد عنده أن التجديد في الفكر الإسلامي هو عبارة عن أخذ من الغرب في كل شيء، بطريقة عمياء ومن دون احتياط حسب وصفه (22).

ثم انتقل الدكتور البهي بعد ذلك للحديث عن موضوع مهم وهو الإسلام دين لا دولة، حيث يناقش هنا كتاب الشيخ علي عبد الرازق"الإسلام وأصول الحكم " الصادر عام ١٩٢٥ م، وهو الكتاب الذي أحدث ضجة فكرية أيضً ا في وقته، ويعتبره البهي من كتب التجديد في الفكر الإسلامي الحديث، ويعرض دعوي أن الإسلام دين لا دولة؛ وفي عرضه لهذه الدعوى، كما يضيف البهي، فإنه يأخذ ويستعير من الدراسات به المسيحية بين أتباعها أساسا في تقدير الإسلام كدين، على نحو ما صنع الغربيون في حكمهم عليه، ولهذا فهو كتاب يحكي عن الغرب أكثر مما يتحدث عن جوهر الإسلام. كما يعتبر البهي أن كتاب "الخلافة " الصادر عام ١٩٢٤ م، للمستشرق الإنجليزي "توماس أرنولد" الذي كتبه عقب الثورة الكمالية في تركيا، تمجيداً لهدم الخلافة وإبعاد الإسلام عن مجالات الحياة العامة هناك، هذا الكتاب يعد من المصادر الموجهة لكتاب "علي عبد الرازق" في تحديد طبيعة الإسلام كدين لا دولة (23).

بعد ذلك ينتقل الدكتور البهي للحديث عن قضية " الدين خرافة"، ويقصد هنا كتاب الدكتور "زكي نجيب محمود"، والذي يتضمن حسب رأي البهي خرافة الدين، وإنكار قيمته في التوجيه، وهي وليدة الفكر المادي السابق على ظهور الشيوعية. والنموذج الذي يشير إليه البهي لتسرب هذه المشكلة والتأثر بها في الفكر الإسلامي الحديث هو كتاب "خرافة الميتافيزيقا" الصادر عام 1953م، والذي يرى البهي أنه كتاب منقول من الفكر المادي الأوروبي (24).

ثم يتطرق الدكتور البهي بعد ذلك للحديث عن قضية الدين مخدر وهو شعار الشيوعية والماركسية. وتتضمن هذه المشكلة في نظر الدكتور البهي مطاردة الدين وإبعاده عن مجال الإنسان والجماعة. وفي هذا النطاق يعرض البهي ثلاثة نماذج اعتبرها متأثرة بهذا النهج وتابعه له، وهي كتاب خالد محمد خالد "من هنا نبدأ" الصادر عام 1950م، والذي تحدث فيه ناقداً من أسماه بالكهنة والسلطة الدينية. وكتاب رشدي صالح «رجز في القاهرة" الصادر عام 1957م، ويقصد به ابن خلدون ويتحدث فيه عن التغيير المادي والاقتصادي للتاريخ. وكتاب مصطفى محمود "الله والإنسان" الصادر عام 1958م ويتحدث فيه عن الصراع بين العمل ورأس المال . ويرى البهي أن رشدي صالح كان أكثر مهارة من المؤلفين الآخرين؛ لأنه أخذ حسب رأيه بالأفكار الماركسية، وأكَّد على تبعية القيم المعنوية والأخلاقية والعقلية للمادة والفكر المادي في جو الثقافة الإسلامية، ولكن في تعثر واضح حسب تقدير البهي نفسه. ويختم البهي حديثه في نهاية هذا الفصل عن التجديد في الفكر الإسلامي بهذه النتيجة التي يقول فيها: "ونرى أن المجددين في الفكر الإسلامي الحديث في الشرق، أتباع مرددون، وليسوا أصحاب حكم ونقد، تدفعهم رغبة الترديد، وسطحية الفهم، أو يدفعهم الاحترام إلى ترديد ما يرددون. وهم لأي واحد من هذه الأسباب ليسوا أصحاب فلسفة، ولا أتباع مدرسة فلسفية خاصة؛ لأنه تنقصهم الذاتية في بناء الفكر ونقده "(25)... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

....................

الهوامش

11- د. محمد البهي : الفكر الإسلامي الحديث وصلتة بالاستعمار الغربي، مكتبة وهبة، القاهرة، 1959، ص 4.

12-المصدر نفسه، ص 5.

13-المصدر نفسه، ص 17.

14-المصدر نفسه، ص 23.

15-المصدر نفسه، ص 25.

16-المصدر نفسه، ص 52.

17-المصدر نفسه، من ص 23-37

18-المصدر نفسه، من ص 39-52.

19-المصدر نفسه، من ص 61-103.

20- المصدر نفسه، من ص 61-103.

21- المصدر نفسه، من ص137 إلي ص201.

22- المصدر نفسه، من ص 202 إلي ص 223.

23- المصدر نفسه، من 227 إلي ص 264.

24- المصدر نفسه، من 269 إلي ص291.

25- المصدر نفسه، من 295إلي ص389.

 

 

عبد الرضا حمد جاسمتوقفتُ في السابقة عند تعليق الراحل الحكيم البابلي الصديق طلعت ميشو له الذكر العطر الدائم.

اليوم اناقش التعليق وما طرحة الأستاذ قاسم حسين صالح عن تلك المخطوطة

ملاحظات/ مناقشة:

أولاً: أعتقد ان تعليق الصديق الحكيم البابلي / طلعت ميشو له الراحة الأبدية والذكر العطر هو تعليق دقيق وواضح حيث طرح فيه الأسئلة التالية على الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح: 

1ـ ما لذي دعاك للصمت سنين قبل نشر مقابلة مهمة مع واحدة من أكثر الشخصيات العراقية التصاقاً بذهن ومحبة وإعجاب العراقيين بصورة عامة!؟ 

2ـ كيف يتسنى لنا أن نعرف بأن هذه المقابلة مع الراحل علي الوردي هي حقيقية؟ 

3ـ الم يكن من المستحسن ان تقدم لنا الدليل او الاثبات على وجود وحقيقة هكذا مقابلة قبل نشرها وبأي صورة من الصور المُقْنِعَة فمن حق أي قارئ أن يطلب ويتساءل عن الإثبات وهذه صورة قانونية مفهومة ضمناً في أي بلد متحضر وليس لها أي علاقة شخصية (شخصنة) بالكاتب أو الناشر، بل هي متأتية من مفهوم الحق العام؟ وهذه أسئلة ربما مرت على بال اخرين لكن لم يتجرؤوا على طرحها.

...................

كان رد الدكتور قاسم كما اُفسرهُ شخصياً غير كافي حيث في رده الأول يقول: [إن إجابات الحوار مكتوبة بخط يد الوردي].

وهنا يمكن أن تُطرح الأسئلة التالية على ما ورد بخصوص المخطوطة سواء من التعليق او الردود: 

1ـ كيف نتأكد عملياً وعلمياً من أن هذه الصفحات ال(59) بخط يد الراحل الدكتور علي الوردي؟ ...أنا وربما جيلي يثق بالدكتور قاسم حسين صالح لكن الجيل القادم كيف سيتحقق من دقة المخطوطة وقد ظهر من جيلنا مَنْ وضع علامة استفهام كبيرة وهو المرحوم الحكيم البابلي/طلعت ميشو؟

2ـ إذا كانت المخطوطة فقط تحمل الإجابة فأين صفحة/صفحات الأسئلة وكم عددها؟ لمقارنة خط السؤال وخط الإجابة لتأكيد المخطوطة؟

3ـ انت في بيت الوردي كصحفي وقد طرحت عليه الاسئلة وأجاب عليها كتابةً بخط يده... فهل كتب السؤال والجواب واعطاك الأوراق؟ شخصياً أثق بما تقول لكن ربما يرتفع سؤال كبير هنا هو: ...هل يُعقل هذا/ذلك؟ ... فما هو الجواب على هذا السؤال لطفاً؟

كما أتصور ان في مثل هذه الحالة/ اللقاء الصحفي ...يكون بالشكل التالي: 

 

1ـ يقوم الصحفي/ السائل وهنا الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح بطرح السؤال على الضيف وهنا الأستاذ الدكتور علي الوردي ويجيب الضيف ويقوم الصحفي/ السائل بكتابة الإجابة بدقة ومن ثم يعرضها على الضيف ليدققها أو يُعَّدِلْ فيها ويؤكدها.

2ـ أن يقوم الصحفي/ السائل بتسجيل الحوار على شريط بواسطة آلة تسجيل ثم يتم تفريغ الشريط على الورق ويُعرض على الضيف للتدقيق ومن ثم الاذن بالنشر. 

3ـ في حالة التسجيل تقتضي الأمانة ان يقوم الصحفي بتزود الضيف بنسخة من شريط التسجيل مهما كانت الثقة متبادلة بين الصحفي والضيف وبالذات في العراق وفي تلك السنة ومع الدكتور القلق علي الوردي له الرحمة... وهذا يحتاج الى وقت كثير وربما لأكثر من لقاء فهل الراحل الوردي بحالته في تلك السنة 1989 كان بمقدوره القيام بذلك؟

 وكان الرد الثاني ايضاً غير كافي كما أتصور للأسباب التالية:

1ـ لأن الصور التي أعلن الأستاذ الدكتور قاسم عن أرسالها للسيد رزكَار عقراوي/موقع الحوار المتمدن لم تُنشر وربما كما فهمت لم تصل للزميل رزكَار عقراوي. 

2ـ وحتى ان وصلت ونُشِرَتْ فهي لا تعطي أي إشارة على دقة الإجابة لأنها اكيد لا تحمل توقيع الدكتور علي الوردي واعتقد ايضاً ان لا أحد من متابعي الحوار المتمدن ومنهم صاحب التعليق ولا غيرهم من القراء والمتابعين يعرفون خط يد الوردي ولا حتى توقيعه. وربما حتى بعض افراد عائلة الوردي.

3ـ نحن نتكلم عن مخطوطة والمخطوطة حتى تُحفظ كمخطوطة تحتاج الى من يؤكدها/ يُحققها من ذوي الاختصاص بمقارنة الخط وفي العادة تكون جهة رسمية او مُصَرْح لها/ مُخَوَلَة بذلك وتقوم هذه الجهة بوضع ختمها الرسمي وتصديقها المعتمد علمياً وعملياً على كل صفحة من صفحات المخطوطة ال (59) ... فهل تم تصديق/ تحقيق كل صفحات المخطوطة من تلك الجهة/الجهات على كل صفحة من ال(59) صفحة؟ 

4ـ أو أن تكون كل صفحة تحمل توقيع الدكتور الوردي وهذا يحتاج أيضاً الى تصديق من جهة رسمية مخولة وأن يكون التوقيع على كل صفحة من ال(59) فهل كانت الصفحات ال (59) تحمل تواقيع الراحل الدكتور علي الوردي ومُصَّدَقْ على صحة التوقيع؟ 

5ـ أو أنَ هذه الصفحات ال (59) كانت قد نُشرت على زمان الوردي في إحدى كتبه أو صَّرَحَ بنشرها في كتاب لكاتب آخر.

 هذا حسب فهمي المتواضع.

ثانياً: يبدو من الصورة المرفقة مع اعلان الإهداء (كما ظهرت في الجزء السابق) التالي:

1ـ أن الصفحات ليست بالقياس الذي ورد في اعلان البيع في المزايدة العلنية أي ليس 21×16.4 سم انما اعتقد القياس هو 30×21سم أي أوراق أكبر...

2ـ ولم يظهر على الصفحات أي تغَّير بسبب تأثير الزمن (ربع قرن) وفي ظروف حفظ غير مطابقة لظروف حفظ المخطوطات. 

 

((مجرد تحليل للصورة وهو تحليل يحتمل الخطأ الكثير))

ثالثاً: في اعلان البيع ورد ان المخطوطة عبارة عن(59) صفحة بخط يد الوردي في حين ورد في الإهداء لمركز كلاويز (11) صفحة فقط هنا يمكن أن تُطرح الأسئلة التالية:

1ـ لطفاً لماذا تُهدى (11) صفحة من مخطوطة مترابطة المحتوى متكونه من (59) صفحة؟ 

أي لماذا لم يتم إهدائها كاملة ليطلع زوار المركز والباحثين والمهتمين عليها جميعها وعلى محتواها من أجوبة الحوار كما وصفت؟ 

2ـ أين بقية الصفحات التي هي (59-11=48) صفحة؟

3ـ لماذا الإهداء الى مركز كلاويز وليس الى الجهات العلمية التي وردت اسمائها في مقدمة اعلان عرضها للمزاد العلني والتي لم يكن بينها مركز كلاويز؟  

4ـ ويمكن ان يُطرح سؤال عن مصير المخطوطة وحالتها اليوم بعد هذه السنين الطويلة من عام 2013 الى 2021؟

.........................

يمكن أيضاً ان تُطرح الأسئلة التالية:

1ـ هل يُعقل أن الوردي له الرحمة وبذلك العمر والحلة الصحية كان قادر على كتابة (59) صفحة في جلسة واحدة تضمنت أمور كثيرة تخص المجتمع والتاريخ وبعض السياسة والتي تحتاج الى تفكير ودقة في الصياغة وحذر شديد أو هل له مزاج لذلك؟ 

2ـ كم  من الوقت استغرق الحوار؟ 

3ـ أن مثل هذه الإجابات ككتابة تحتاج الى وقت طويل وتنقيح وتدقيق وإعادة قراءة وربما مناقشة والرجل مريض وقَلِقْ وحذر من زلات اللسان وربما يتوقع وأكيد وضع هذا الموضوع بحسابه وهو ان تلك الإجابات ستعرض على لجنة تحرير او رئاسة تحرير جريدة الجامعة او الرقيب "اللبيب"...وهو ونحن نعرف وانت تعرف أيضاً ان لا كلام يصدر في أي صحيفة في تلك المرحلة بعد الحرب على إيران وقبل احتلال الكويت دون موافقة الرقيب وجنابك أشار الى ما يدل على ذلك كثيراً أي في كل مرة بقولك لم يُنشر الحوار كاملاً!!!

4ـ هنا يمكن أن يُطرح سؤال مهم وضروري وهو: في أي يوم من شهر نيسان 1989 تم الحوار في بيت الوردي هل تتفضل علينا بذكر ذلك حيث أكيد أنه مؤشر في صفحات المخطوطة؟ 

5ـ وفي أي عدد من جريدة الجامعة تم نشر الحوار وتاريخ يوم صدور العدد لطفاً؟

والاجابة على هذه الأسئلة مهمة لأنها ستكون وثيقة ساندة للمخطوطة لكن بخط المطبعة وليست بخط يد الوردي.

أقول هذا القول لأن هناك رسالة في أحد الكتب الصادرة حول الراحل الوردي من جمع وتأليف أحد المحبين اللصيقين المتابعين للراحل الكبير الوردي والمُتَهَمينْ كما يقول هو نفسه عن نفسه بسرقة مخطوطات الوردي حيث يقول هذا الشخص ان تلك الرسالة بخط يد الوردي وهي رسالة وجهها الوردي كما يذكر هذا الشخص الى رئيس جامعة بغداد في حينها الدكتور طه تايه النعيمي بتاريخ 14.09.1989 أي بعد حوالي خمسة اشهر من اللقاء الصحفي الذي اجراه الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح مع الراحل الوردي واطلق عليه وصف الحوار و قال عن صفحاته ال (59) انها بخط يد الراحل الوردي ، وكانت تلك الرسالة بخصوص رفع كرسي الاستاذية الخاص بالراحل الوردي من كلية الآداب...اليكم مقطع من تلك الرسالة: [كانت لي منضدة خاصة بي في قسم الاجتماع من كلية الآداب ثم رفعت اخيراً بحجة انهم محتاجين اليها في مكان آخر...الخ]...ثم ختمها الراحل الوردي بالتالي:

2828 مخطوطات الوردي

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

 

 

 

محمود محمد عليما زلت أقول وأقول بأن الدكتور البهي يعد في نظر البعض أحد المدافعين عن الفكر الإسلامي والنهج الإسلامي أمام التشكيكات والشبهات والإشكاليات التي ما فتئت تلك الإيديولوجيات المغايرة تثيرها، وتنفث بها في زمن سطوتها وشوكتها. وأحد الذين حاولوا أن يبرهنوا على بقاء وثبات وصلاحية القيم الإسلامية في كل زمان ومكان، وعلى قدرة الإسلام في حل ومواجهة مشكلات ومعضلات المجتمعات الإسلامية المعاصرة. فالمهمة الأولى لكتابه "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي" هو الكشف عن قيم الإسلام، وعن صلاحية هذه القيم وحدها لتلافي مشاكل المادية في المجتمعات المعاصرة" (6).

والدكتور البهي يعد المفكر الإسلامي والأكاديمي المصري ووزير الأوقاف السابق الأستاذ الدكتور محمد البهي (١٣٢٣ - ١٤٠٢ هـ) = (١٩٠٥ - ١٩٨٢ م)، أحد مفكري الإسلام في العصر الحديث، الذين دعوا إلى الإصلاح الديني بالعودة للأصول، وتتبعوا نشأة الفكر الإسلامي منذ بدايته حتى الوقت المعاصر مقارنا بينه وبين غيره من المذاهب الفكرية، ومتصديا للأفكار الهدامة وفاضحا الاستعمار ودوره في المجتمعات الإسلامية. وقد ترك البهي ثروة غنية من المؤلفات التي أثرت الفكر الإسلامي والمكتبة الإسلامية كان أكثرها أهمية كتابه «الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي» الذي كان له الفضل في التعريف به كمفكر إسلامي في الأوساط العربية والإسلامية.

كما يعد أيضا واحداً من أهم الشخصيات الفكرية التي أثرت في الحياة الثقافية في مصر والعالم الإسلامي، وإنتاجه العلمي يضعه كواحد من مجددي الفكر الإسلامي في العصر الحديث .

تميز الدكتور البهي بتنوع الثقافة، حيث جمع بين الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية، وعلي الرغم من ذلك لم تفتنه الثقافة الغربية، مثل غيره من المثقفين، بل علي العكس قام بنقد الثقافة الغربية، لتطرفها المادي وخوائها الروحي .

قال عنه أستاذنا الدكتور محمود حمدي زقزوق (رحمه الله) : "كان الأستاذ الدكتور محمد البهي، رحمه الله، يقدر الكفايات، وكان لا يجامل على حساب الحق، وكان يعطي كل ذي حق حقه، وينسى الإساءة، ويذكر للناس فضلهم وكفايتهم"، وقد تداول البعض أن البهي كان في بداياته منضمًا لمدرسة الكادر الشيوعية بالمنصورية، إلا أن ما ثبت أنه كان يحضرها ولم يكن مع أصحابها في الحركة المصرية للتحرر الوطني التي تلت مرحلة الكادر الشيوعية بالمنصورية مباشرة (7).

وقف البهي ضد تيار الفكر المادي التاريخي وأوضح مدى تخلف الفكر الماركسي اللينيني وفشله في تحقيق العدالة الاجتماعية، وتصدى للرد على رشدي صالح حين كتب عن ابن خلدون محاولا استلهام شخصيته وتطويع أفكاره من أجل الدعوة للماركسية. وفي الوقت نفسه وجه سهام النقد للفكر الغربي الاستعماري لرغبته في إبقاء المسلمين في موقع التخلف.

ويركز البهي على الحلول الإسلامية وليس المستوردة من الشرق أو الغرب ولكنه لا يدعو للانغلاق الفكري بل كان يدعو للتأني والقراءة النقدية للفكر الوافد. رفض البهي مفهوم التجديد الذي ساد في كتابات بعض المفكرين في القرن العشرين من أمثال علي عبد الرازق وطه حسين وغيرهم ممن تأثروا بالفكر الغربي، واعتبر هذا التجديد تقليدا للفكر الأوروبي، وتبنى في مقابل مفهوم التجديد مفهوم الإصلاح الديني الذي قصد به رد الاعتبار للقيم الدينية، ودحض ما أثير حولها من افتراءات وشبهات  (8).

ولد محمد البهي بقرية "أسمانية" التابعة لمركز شبراخيت بمحافظة البحيرة بمصر يوم ٢ من جمادى الآخرة ١٣٢٣هـ/٣ من أغسطس ١٩٠٥م. أتم حفظ القرآن الكريم وهو في العاشرة وأتم تجويده في دسوق في الحادية عشرة، ثم التحق بمعهد دسوق الديني عام ١٣٣٥هـ/١٩١٧م واستمر فيه ثلاث سنوات، انتقل بعدها لمعهد طنطا الديني، ثم إلى معهد الإسكندرية الديني؛ حيث حصل منه على الشهادة الثانوية الأزهرية وكان ترتيبه الأول على طلاب الإسكندرية. تابع البهي دراسته في الأزهر الشريف بالقاهرة، وحصل على شهادة العالمية النظامية بعد أن تقدم إلى الامتحان من الخارج مختصرا بذلك المدة الدراسية، وكان عدد المتقدمين للامتحان ٤٠٠ طالب لم ينجح سوى أربعة منهم وكان ترتيبه الأول عليهم، ثم التحق بقسم التخصص في البلاغة والأدب وأتم دراسته في هذا القسم وحصل على درجة التخصص في ربيع الآخر ١٣٥٣هـ/أغسطس ١٩٣١م بعد أن تقدم بأطروحته للحصول على هذه الدرجة بعنوان «أثر الفكر الإغريقي في الأدب العربي نثرا ونظما". في جمادى الأولى ١٣٥٣هـ/سبتمبر ١٩٣١م سافر إلى ألمانيا لدراسة الفلسفة مبعوثا من مجلس مديرية البحيرة إحياء لذكرى الشيخ محمد عبده، فحصل على دبلوم عال في اللغة الألمانية عام ١٣٥٦هـ/١٩٣٤م، كما حصل على الدكتوراه في الفلسفة والدراسات الإسلامية بتقدير امتياز من جامعة هامبورج عام ١٣٥٨هـ/١٩٣٦م وحملت أطروحته للدكتوراه عنوان "الشيخ محمد عبده والتربية القومية في مصر". [بين الأزهر والأوقاف] بعد عودته لمصر عام ١٣٦٠هـ/١٩٣٨م اشتغل البهي بتدريس الفلسفة الإسلامية والإغريقية في كلية أصول الدين، ثم نقل عام ١٣٦٩هـ/١٩٥٠م إلى كلية اللغة العربية أستاذا ورئيسا لقسم الفلسفة إلى جانب اشتغاله أستاذا زائرا بجامعة ماكجل بكندا وبجامعة الرباط الحديثة وجامعة قسنطينة الجزائرية وجامعة قطر وجامعة العين بالإمارات العربية. وعمل بجانب التدريس مديراً عاماً للثقافة الإسلامية بالأزهر فاهتم بنشر تراث الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق، ثم عين أول مدير لجامعة الأزهر بعد صدور قانون تطوير الأزهر عام ١٣٨١هـ/١٩٦١م  (9).

وكان الدكتور البهي قد أعرب عام ١٣٥٨هـ/١٩٣٦م عن رأيه في الدراسة بجامعة الأزهر بعدم اقتصار الدراسة على العلوم الدينية وحدها فتحقق ما أراده عام ١٣٨٢هـ/١٩٦٢م ؛حيث اشتملت الدراسة على دراسات علمية أخرى. وفي ربيع الآخر ١٣٨٢هـ/سبتمبر ١٩٦٢م عين وزيرا للأوقاف وشئون الأزهر وكان يتطلع لإنشاء شعبة خاصة في كلية البنات باسم شعبة الثقافة العامة مهمتها التنوير العام من نواحي تدبير المنزل ورعاية الأسرة، وذلك من خلال تنظيم محاضرات مفتوحة لكل ربة بيت، ولكنه لم يتمكن من تجسيد فكرته على أرض الواقع. وفي ذي القعدة ١٣٨٣هـ/مارس ١٩٦٤م عين مرة أخرى مديرا لجامعة الأزهر فاستقال وعين أستاذا للفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة القاهرة. كما شارك البهي في أعمال المجلس الأعلى للفنون والآداب، والمؤتمر الثقافي الأول لجامعة الدول العربية بالإسكندرية عام ١٣٦٩هـ/١٩٥٠م وفي الندوة الإسلامية العالمية بجامعة برنستون ومكتبة الكونجرس عام ١٣٧٢هـ/١٩٥٣م والندوة الإسلامية العالمية بلاهور ١٣٧٧هـ/١٩٥٨م، واختير عضوا بمجمع البحوث الإسلامية ومستشارا في المؤتمر الإسلامي بالقاهرة، كما زار الملايو وإندونسيا والفلبين في صحبة الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر. وعندما بلغ الستين من عمره ترك التدريس ورفض قرار مجلس الوزراء بمد خدمته خمس سنوات أخرى وآثر التفرغ للكتابة والتأليف إلى أن وافته المنية في ٢٢ من ذي القعدة ١٤٠٢هـ/١٠ من سبتمبر ١٩٨٢م عن عمر يناهز سبعة وسبعين عاما. وبعد وفاته منح اسمه وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى بمناسبة الاحتفال بالعيد الألف للأزهر. كما تبرعت أسرته بمكتبته لمسجد النور بالعباسية وتضم ٢٢٥٠ كتابا منها ٣٨ من مؤلفاته، بالإضافة لكتب بلغات مختلفة في الأدب العالمي والإسلاميات والتراجم وسجلات للمؤتمرات والندوات الإسلامية  (10).. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..................................

الهوامش

6- زكي الميلاد : المرجع نفسه، ص 17.

7- آمال سامي: في ذكرى ميلاد الشيخ محمد البهي وزير الأوقاف الأسبق.. وقصة صدامه مع "برلنتي" وعبدالحكيم عامر.. مقال منشور بمصراوي، 09:46 م الثلاثاء 03 أغسطس 2021.

8- الدكتور محمد البهي : ويكبيديا .

9- المرجع نفسه.

10- المرجع نفسه.

 

 

 

عبد الرضا حمد جاسممع ضياع مخطوطات الراحل الوردي كما يبدو لحد هذه اللحظة تلك التي قيل عنها الكثير، تطل علينا بارقة أمل بتنشيط البحث عنها تلك البارقة هي المعروضة اعلامياً امامنا و مصدرها  أستاذ معروف ومعلوم ومهتم بالراحل الوردي وما ترك وهو متابع له وصديقه و حسب ما يحمل فهو رجل عِلمْ وعمل يُقدر مثل هذه الأمور ذلك هو الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح وهذه المخطوطة كما سيأتي التفصيل عنها كان قد ذكرها وأكد عليها الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح (10) مرات من 13.04.2007الى 21.07.2021 بمقاطع أحياناً متطابقة لحد الحرف من مقالات واعلانات ولم يكتف بذلك انما عرضها للبيع بالمزاد العلني بعد أكثر من عام ونصف من اول إشارة لها في 13.04.2007أي بتاريخ 25.11.2008  في محاولة لاستثمار موردها في عمل ينصف الأستاذ الراحل الدكتور علي الوردي له الرحمة والذكر الطيب ويبدو انها لم تُثِرْ أحد في كل الجهات التي وُجِهَتْ لها الرسالة/ الإعلان وهي كثيرة محلية وعربية وعالمية ... وبعد حوالي سنتين أي في 07.12.2010 قام بنشر محتوى المخطوطة في المواقع الالكترونية والصحف الورقية على ثلاث حلقات وبعد ما يقرب من ثلاث سنوات أي بتاريخ 28.11.2013 قام بإهدائها الى مركز كلاويز الثقافي في محافظة السليمانية/ العراق!!!...كل هذا النشاط الذي قام به الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح بخصوص المخطوطة هو للتأكيد على أهميتها والحرص عليها وتأكيداً على صحتها واحتراماً للراحل الكبير الدكتور علي الوردي وإعلاءَ للعلم و اخلاق العلماء والدعوة الى الاقتداء بروح مثل هذه الأعمال والمبادرات و المواقف وإخلاصاً للعلاقة التي كرر وصفها الدكتور قاسم بالراحل الوردي في اغلب المقالات التي نشرها عن الراحل الوردي.

وفي زحمة القول عن مخطوطات الراحل المسكين الدكتور علي الوردي له الرحمة، نحتاج الى تثبيت أسس لقبول ما قد يظهر للعلن لاحقاً من مخطوطات سيُقال عنها انها مخطوطات الوردي فقد ظهرت هنا وهناك بين صفحات كُتُبْ منشورة... مع اعتقادي انه لم يتم لليوم التحقق من صحة هذه المخطوطات أو لا توجد أسس لقبول صحيحها ورد غير الصحيح منها حيث حتى افراد من عائلة الراحل الوردي أعلنوا عدم معرفتهم بحجم او عدد تلك المخطوطات او عناوينها او حتى وجودها ولم يشاهدها البعض منهم "حسب ما طرح بعض أصدقاء الراحل الوردي". وهذه نقطة يجب أن تُدرس وتؤشر معانيها مع الكثير من الأمور عندما يتصدى أحد الدارسين لدراسة شخصية الراحل الوردي الذي عاش "مسكين" ومات "مسكين" مع الأسف حيث ضَّيَعَ كل الطُرق للعيش العلمي والاجتماعي المفيد له وللمجتمع كما يبدو فهو كما بدا لي بعد رحلة القراءة لما كَتَبَ وما كُتِبَ عنه عانى ويعاني من عقد كثيرة سأحاول ان اُبدي رأياً في بعضها بصراحة على قدر ما أتمكن وحسب استنتاج فيه من الخطأ الكثير ربما وفيه كما أتمنى بعض الصحيح/الصح.

2826 مخطوطات الوردي

ولكون هذه المخطوطة هي الوحيدة التي كثُرَ الإعلان عنها وهي الموجودة بأوراقها وليس بصورها كما قال وأعلن الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح. فهي كما كل جديد ستثير استفسارات وتعليقات وشكوك بل أثارت كل ذلك...فأنا هنا اعرض ما تمكنت من جمعه عنها رغم محاولات اتصال ليست بالكثيرة وقَّلَبْتُ او أْعَدْتُ تقليب ما تحت يدي من مصادر...وسأعرض ايضاً مناقشتي لها وما ورد عليها وحولها وفيها راجياً من محبي الثقافة والتاريخ والحاضر وأرشيف المستقبل ان يساهموا في النظر الى هذه المخطوطة والتفاعل معها لتكون هي المحاولة الأساس او النواة في تجميع ما تبعثر من أرث الراحل الكبير الدكتور علي الوردي له الذكر الطيب والرحمة ان اعتُمِدَتْ أو رُفِضَتْ.

كانت اول إشارة اليها في مقالة أ. د. قاسم: [نظرية الوردي ...لم تعد صالحة] بتاريخ 13.04.2007 الرابط (غير منشورة في المثقف الغراء)

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=93693

حين كتب التالي: [وثمة معلومة شخصية لها دلالتها. فقد كنت التقيت الوردي في بيته عام 89 في لقاء صحفي حرصت أن يحتل كامل الصفحة الأخيرة التي كنت أحررها في جريدة (الجامعة)وتوطدت علاقتي به] انتهى

وآخر إشارة لها كانت في آخر مقالات أ.د. قاسم حسين صالح عن الراحل الوردي تلك مقالته: [علي الوردي...منسيا في ذكرى وفاته] بتاريخ 21.07.2021 الرابط

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=957030&catid=327&Itemid=1238

 

حيث كتبَ فيها التالي: [تعود علاقتي بالدكتور علي الوردي إلى عام " 1989 ". ففي تلك السنة كان على رأس وزارة التعليم العالي وزير مثقف بثقافة فرنسية محب للأدب والثقافة والفلسفة، هو الدكتور منذر الشاوي. وكان من نشاطاته الثقافية أن أصدر جريدة رصينة باسم " الجامعة "، وكنت انا مسؤول الصفحة الأخيرة فيها، فخططت لإجراء حوارات مع الرموز العلمية والثقافية لأعمل ارشيفا لمفكّري العراق ومبدعيه، فبدأت بأول وزيرة للتعليم العالي الدكتورة سعاد إسماعيل وزرتها في بيتها على نهر دجلة قريبا من الصليخ. وكان هدفي الثاني هو الوردي الذي زرته بداره الواقعة خلف إعدادية الحريري للبنات في الأعظمية، واجريت معه حوارا نشر المسموح به في حينه مع صورة كاريكاتيرية بريشة الفنان "علي المندلاوي] انتهى

.........................................

اجد من الواجب تأشير بعض الامور... حيث انها فرصة هنا للبحث والتدقيق عن ارث الوردي المفقود وهي فرصة كبيرة للمختصين للاطلاع على ملامح/ رسوم خط يد الراحل الدكتور علي الوردي لتكون هذه المخطوطة وهي التي طُرِحَتْ وقُدِمَتْ من قبل أحد أعلام/ عُلماء العراق وهو الاستاذ الدكتور قاسم حسين صالح لتكون هي الأساس الذي يُعتمد عليه ويَعتمد عليه المختصين والباحثين في تحقيق و تدقيق وتصديق مخطوطات الوردي وبذلك نؤسس لما يحفظ حق مبدعي العراق  في إرثهم و مُلكيتهم الفكرية وان تكون هذه المخطوطة هي اول أرشيف لمفكر او باحث او مختص عراقي و العراق زاخر بالعلماء المختصين بمثل هذه العلوم ولنا في آثارييَّ العراق البارزين ومدارسه بهذا الجانب ثقة كبيرة وامل في فتح هذه الصفحة مجدداً ليس عن تاريخ العراق القديم انما تاريخ العراق المعاصر ومنذ بداية القرن العشرين. عليه سَاُلِحْ واُدَقِقْ بعض الشيء في طرح هذه المخطوطة للنقاش حتى يكون اساسنا صحيح وحتى ينتبه كل من يعرض مثل هذه المخطوطات الى الأسئلة المحتملة التي سيتعرض لها أو تلك التي سَتُثارْ حول/ على المخطوطة وبالذات تلك المخطوطات التي قيل انها بخط يد الوردي له الرحمة والتي تضمنتها بعض الكتب واشارت اليها السيدة الفاضلة سيناء الوردي كما ورد في الجزء السابق.

والشيء الملفت حول هذه المخطوطة هو تكرار طرحها علناً من قبل الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح لأكثر من (10) مرات كما ورد اعلاه كأنه يريد تأكيدها فقد ذكرها في الستة مقالات التالية إضافة ما ورد كما اشرتُ أعلاه عن اول واخر مقالة له عن /على الراحل الوردي وكذلك سيأتي ذكرها في مقالة البيع بالمزاد العلني ومقالة الإهداء.... حيث ذكرها في:

1ـ مقالته: [ذكريات مع الدكتور علي الوردي] بتاريخ 16.01.2008

2ـ مقالته: [على الوردي ...أوراق لم تنشر.( الحلقة الأولى) بتاريخ 07.12.2010 + ( الحلقة الثانية) بتاريخ 14.12.2010 و (الحلقة الثالثة) بتاريخ 13.12.2021[ ثلاثة مقالات][اختلاف التاريخ هنا بسبب خطأ في النشر].

3ـ مقالته: [علي الوردي...الساخر الفكه] بتاريخ 18.07.2013 

4 ـ مقالته: [الطغاة زائلون والعلماء خالدون... علي الوردي إنموذجا] بتاريخ 13.07.2020

المجموع: (10) مرات.

قبل وبعد كل شيء الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح صاحب مبادرة رائعة وفريدة ومتميزة تلك التي تخص هذه المخطوطة حيث احْتَفَظَ بها لحوالي ربع قرن كما كرر ذلك. وقد أشَرْتُ اليها في مقالتي: [الراحل الوردي في ميزان (2-8): تراث مفقود] بتاريخ 17.08.2018 الرابط:

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=930126&catid=288&Itemid=601

حين كتبتُ التالي: [وهنا أقف باحترام وتقدير للدكتور الأستاذ قاسم حسين صالح الذي سبق البعض في الدعوة الى الاهتمام بتراث الراحل علي الوردي و كان مثالاً بأن قدم مخطوطة بخط يد الراحل الوردي كما عرفت من مقالته التي نشرها في موقع الحوار المتمدن بتاريخ 28/11/2013 تحت عنوان: [اهداء مخطوطة بيد الدكتور علي الوردي الى كلاويز] انتهى

ولمن فاته متابعة هذه الأمور وهم الأكثرية الساحقة من الكتاب والمثقفين والمختصين ومنهم احباب الوردي ومنتقديه، اُقدم التالي:

1ـ مقالة أ. د. قاسم حسين صالح حول بيع مخطوطة الوردي: [مخطوطة للدكتور علي الوردي معروضة للبيع] بتاريخ 25.11.2008 الرابط

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=154387

النص: [الى: وزارة الثقافة العراقية. لجنة الثقافة والاعلام بمجلس النواب العراقي .المؤسسات العلمية والثقافية العراقية .المؤسسات العلمية والثقافية العربية .منظمة اليونسكو في الأمم المتحدة .الأشخاص المهتمون بالثقافة .

تحية طيبة... توجد لديّ مخطوطة مكتوبة بخط المرحوم الدكتور علي الوردي ، على ورق أبيض مصّفر بطول 21سم وعرض 16.4سم وبعدد (59) صفحة تتضمن هذه المخطوطة حوارا كنت أجريته معه في نيسان 1989، يتحدث فيه عن طفولته وأيام كان يعمل صانعا في دكان عطار ، وموقفه من السياسة والمرأة ومنهجه في دراسة المجتمع وتفسيره لنزعة الاختلاف والتنازع في البشر و الديمقراطية وما حصل في عهد الخليفة عثمان، وموضوعات أخرى. انني أعرض هذه المخطوطة للبيع في مزاد علني عبر الصحف والمواقع الالكترونية، يستثمر ريعها في أثر أو منجز يحي ذكر الوردي، تشرف على التصّرف به لجنة تشكّل لهذا الغرض من ثلاثة أو خمسة أشخاص أكون أنا أحد أعضائها.

نسخة منه الى: الصحف العراقية: الصباح، المدى، الزمان، البيان، البرلمان. المواقع الألكترونية: الحوار المتمدن، الجيران، المثقف، النخلة والجيران، النور. 

الصحف العربية: الشرق الأوسط، الحياة، الاتحاد] انتهى.

2ـ نشر الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح محتوى تلك المخطوطة في ثلاث مقالات/ حلقات تحت عنوان: علي الوردي..أوراق لم تُنْشـــَرْ] الحلقة الاولى في الحوار المتمدن بتاريخ 07.12.2010 وفي المثقف الغراء بتاريخ 08.12.2010 الرابط/المثقف:

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=41133&catid=213&Itemid=620

ورد فيها: [في أدناه (الحلقة الأولى) من هذه الأوراق التي احتفظت بها (22) عاماً...وثيقة من عالم كبير...] انتهى

3ـ بادر الاُستاذ الدكتور قاسم حسين صالح الى إهداء تلك المخطوطة الى مركز كلاويز الثقافي/ السليمانية حيث نشر التالي: 

[اهداء مخطوطة بيد الدكتور علي الوردي الى كلاويز] بتاريخ 28.11.2013 الرابط:

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=81560&catid=201&Itemid=772

حيث ورد في الإهداء ما يأتي: [تسلم الأستاذ ملاّ بختيار والأستاذ نوزاد احمد رئيس مركز كلاويز الثقافي مخطوطة من (11) صفحة مكتوبة بيد الدكتور علي الوردي. وقد جاء في كلمة الاهداء التي اُلقيت من قبلنا امام المشاركين بمهرجان كلاويز بمدينة السليمانية في 23.11.2013 ان هذه المخطوطة هي من حوار صحفي اجريناه مع الوردي عام 1989 في داره الواقعة خلف اعدادية الحريري بمدينة الأعظمية]. وأكمل أ. د. قاسم حسين صالح: [لقد احتفظنا بهذه الاوراق ربع قرن وها نحن نهدي هذه الأمانة لمركز كلاويز الثقافي وكلنا ثقة انكم أهلّ لحمل هذه الامانة، راجين وضعها في مكان يعرّف جيل ما بعد الوردي بوصفه اول من درس طبيعة المجتمع العراقي بأسلوب علمي، وصاحب أشهر المؤلفات المعنية بتحليل المجتمع والجريئة في طرح الافكار بأسلوب السهل الممتنع. وقد تسلم المخطوطة الاستاذ ملاّ بختيار وسط تصفيق الحضور وتغطية اعلامية كوردية وعربية. *مرفق صورة توثق تسلم الاستاذ ملاّ بختيار اوراق المخطوطة] انتهى.

(ملاحظة مهمة:هناك صورة للتسليم إذا لم تظهر مع المقالة فهي في الرابط)

....................

وقد تَرَكْتُ على المقالة /الهدية في موقع الحوار المتمدن في حينها التعليق التالي: [تحية وتقدير واعتزاز: اكيد هذه وثيقة مهمة وكنتَ مؤتمناً عليها واوفيت ذلك حقاً وازدت حينما قدمتها لتكون في مكانها المناسب...الخ]

وعندما نُشرت (الحلقة الثانية) من محتوى هذه المخطوطة في موقع الحوار المتمدن: [علي الوردي..أوراق لم تُنْشَرْ] (الحلقة الثانية) بتاريخ 09.12.2010 الرابط

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=237678

ورد على تلك المقالة تعليق مهم ومثير ودقيق وعميق وصريح...اليكم عن التعليق: 

*صاحب التعليق الزميل والصديق [الحكيم البابلي/طلعت ميشو] ""الذي رحل عن هذه الدنيا قبل أيام في الولايات المتحدة الامريكية بسبب كورونا...له الذكر العطر ولذويه ومحبيه الصبر والسلامة"".

*عنوان التعليق وتاريخه: [تساؤل من باب الحق العام] 10.12.2010

*نص التعليق: [السيد د. قاسم حسين صالح. تحية: ما قُدم لحد الأن من هذه الحلقة عن الراحل (علي الوردي) كان ناجح ومفيد ورائع ولكن ورغم معرفتنا وافتخارنا بمصداقيتك ككاتب ومبدع عراقي، فأرجو عدم فهمي بصورة مغايرة لما أقصد بالضبط. كيف يتسنى لنا أن نعرف بأن هذه المقابلة مع الراحل علي الوردي هي حقيقية؟ الم يكن من المستحسن ان تقدم لنا الدليل او الاثبات على وجود وحقيقة هكذا مقابلة قبل نشرها وبأي صورة من الصور المقنعة فمن حق أي قارئ أن يطلب ويتساءل عن الإثبات وهذه صورة قانونية مفهومة ضمناً في أي بلد متحضر وليس لها أي علاقة شخصية (شخصنة) بالكاتب أو الناشر، بل هي متأتية من مفهوم الحق العام، وأول سؤال قد يتبادر للأذهان هو: ما لذي دعاك للصمت سنين قبل نشر مقابلة مهمة مع واحدة من أكثر الشخصيات العراقية التصاقاً بذهن ومحبة وإعجاب العراقيين بصورة عامة!؟ طلبي هذا ليس تشكيك بقدر ما هو تصحيح للطريقة المتبعة في مثل هذه الحالات، والتي تم استغلالها من قبل الكثير من الناس في مجتمعات مختلفة وهي صيانة للكاتب او الناشر قبل ان تكون صيانة لتمييز الحق من الباطل تحياتي مع الاعتذار] انتهى التعليق

وكان رد الدكتور قاسم حسين صالح مرتين بتاريخ 10.12.2010هما: 

الرد الأول هو: [معك حق. إجابات الحوار مكتوبة بخط الدكتور علي الوردي وسأرسل صورا لعدد منها راجياً من الأخ الفاضل رزكار استلامها عبر بريده الالكتروني لأنه لا يمكن ارسالها بالطريقة المعتمدة في بريد الحوار...آملا بالمزيد من تعليقات القراء الكرام وسأحرص على نشرها كما هي في كتاب يتضمن هذا الموضوع يصدر بداية العام المقبل...تحياتي واحتراماتي مع خالص محبتي للجميع]انتهى الرد 

الرد الثاني هو: [تم ارسال صورتين بخط الوردي على بريد الأخ رزكار مع ملاحظة تخص الموضوع سيتولى مشكورا إعلانها تحياتي]انتهى الرد

*أقول: 

1ـ بين الرد والعام القادم فقط21 يوم ...لا اعرف هل صدر الكتاب وهل كان ضمن الكتاب شيء عن هذه المخطوطة، صور مثلاً وما هو عنوان الكتاب حيث بين هذا الرد وآخر مقالة للأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح حول الوردي أكثر من عشرة أعوام نشر خلالها عدد من المقالات كرر فيها موضوع المخطوطة لكنه لم يُشِرْ الى تضمينها أحد الكتب التي أصدرها... أتمنى ان يشير الدكتور قاسم الى عنوان ذلك الكتاب لنطلع عليه؟

2ـ لليوم لم يتم نشر هذه الصور...واعتقد ان المُرْسَلْ اليه اما لم يستلمها او لم يتمكن من نشرها أتمنى على / من الأستاذ قاسم حسين صالح نشرها هنا في صحيفة المثقف الغراء او يتفضل بالطلب من مركز كلاويز الثقافي نشرها على صفحته على الفيسبوك.

يتبع لطفاً

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

نبيل عودةالكتاب: الخمس العجاف السمان

لوحات من حياة مدينة الناصرة للأديب: عفيف صلاح سالم

الكاتب عفيف سالم (ولد عام 1947 وتوفي عام 2011) بالنسبة لي، أكثر من مجرد زميل أو كاتب آخر، إذ تكونت رؤيتنا الثقافية والسياسية الشاملة بترابط وموازاة، منذ جيلنا المبكر، وعبر سنوات عديدة ممتدة وفاصلة في تكوين نظرة الإنسان لعالمه، بجوانبه المختلفة والمتشعبة. وأظن أن قدرتنا الإنشائية وعشقنا للأدب العربي، برزت في الصفوف الابتدائية، لنجد عبر ذلك ما يشدنا إلى هدف أدبي مشترك، وشاءت ضرورات الحياة وتكون وعينا الثقافي، أن نلتقي أيضاً تحت مظلة الفكر الماركسي في قترته الذهبية، ولتتحول السياسة إلى النصف الآخر من تكويننا الشخصي، وليس الأدبي فقط.

السنوات، التي مرت منذ بداياتنا السياسية والأدبية، أكسبتني ميزة، بأني حين أقرأ نصاً لعفيف، أكاد أعيش تفاصيل أكثر مما استطاع عفيف أن ينقله بالحبر الأسود للقارئ العادي، وهنا لا بد من ملاحظة اعتراضية، بأني أعني النصوص النثرية، وليس نصوصه الشعرية التي لي معها ومعه مشكلة أخرى، قد أعود إليها في مناسبة لاحقة.

هذه العلاقة الخاصة مع النص وصانعه جعلتني أتردد كثيراً في تناول عمله الأدبي (رواية "الخمس العجاف السمان")، وذلك خوفاً من الحماسة التي ستقودني للمبالغة، وهو أمر أرفضه كما لا شك لدي أن عفيف يرفضه أكثر مني، أو العكس الذهاب لاتجاه لم يرده عفيف، وتكون النتيجة نفس النتيجة رغم اختلاف الحال.

الكتابة عن أو "نقد" عمل لأديب لا أعرفه ولا تربطني به أواصر صداقة ووحدة فكر رغم وجهات النظر المختلفة (أحياناً) أسهل كثيراً، وتتيح لي الحرية المطلقة في التعبير عن رأيي، حتى بتسرع. أما الوقوف والتأمل ومحاولة فذلكة موقف، للتحايل على ترددي في تثبيت رأيي، فهو حالة سمجة لا تتلاءم مع طبيعتي المندفعة في أغلب الأحيان، وتكمن الصعوبة أيضاً بكون تجربة عفيف الأدبية، وخاصة ذاكرته الأدبية، تشكل بالنسبة لي نوسطالجيا، فهل أستطيع أن أتجرد من كل ما ذكرته لأكتب بموضوعية ؟! لأكتب بطريقة لا يشتم منها أني "آكل العنب وأقاتل الناطور"؟! إذا أعجبني العمل سيقول البعض: "لا أحد يقول عن زيته عكر"، وإذا لم يعجبني فقد "تورطت" ليس مع صديقي الكاتب فحسب، وإنما مع بعض المتربصين، مع أن أمرهم لا يعنيني كثيراً.

هذه هي أجوائي وأنا أقرأ روايته الأولى " الخمس العجاف السمان"، وهذه التسمية، حتى لو لم يكن إسم عفيف كدلالة عليها، كنت نسبتها بشكل من الأشكال لأجواء عفيف.

ما حسم أمري للكتابة أمران، أولاً غياب النقد أو صمته أمام هذا العمل، وأعمال كثيرة أخرى، مما يطرح إشكاليات غير نقدية وغير مهنية في ادبنا الفلسطيني داخل اسرائيل.

لكل الحق أن يقيم "الخمس العجاف السمان" حسب فهمة، وعلى رأسها سؤال (ربما هو استفزازي) عن المعايير الذاتية، وغير الأدبية إطلاقا في المعالجة النقدية لنص ما، وثانياً منذ ولجت هذا الباب لم أعد أستطيع التراجع، ولم يعد هناك أي منطق في الكتابة عن نصوص لأدباء لا أعرفهم، وتجاهل نصوص لأدباء تربطني بهم علاقات صداقة خاصة وأحياناً مميزة.

وهكذا أوكلت أمري للقلم.

رواية عفيف سالم "الخمس العجاف السمان"، لم تنتظم في ذهني في باب الرواية. رغم نصها القصصي. هذه الملاحظة لا علاقة لها بتعريف نوع العمل، وقدرة النص على إيصال الدلالات التي يبتغيها الكاتب.

وقفت حائراً أمام تصنيفها، ومتردداً في طرح وجهة نظري، وكما أقول دائماً، أنا لا أصدر حكماً نقدياً، إنما موقفاً ذاتياً، انطباعاً ذاتياً.

عفيف في روايته/ ذكرياته النصراوية وانطباعاته التي لم تغب عن ذاكرته رغم الزمن الطويل الذي يفصل صياغة النص عن الأحداث التي يستعيد سردها.  يستعرض، عبر خمس لوحات، جانباً من تاريخ الناصرة وأجوائها المميزة، بتآلفها الاجتماعي والوطني، وشخصياتها الشعبية الفولكلورية إذا صح هذا التعبير، وقد نجح بشدي إلى هذه الأجواء التي كادت تختفي من ذاكرتي، تحت ضغط الأحداث المختلفة التي شهدناها في السنوات الأخيرة. في نصه " الخمس العجاف..." أعادني عفيف ما يقارب خمسة عقود إلى الوراء. أعادني إلى "سدر هريسة أبي حافظ" و "ترمس فول أبي الياس" وغيرهما من الذين ذكرهم ومن الذين لم يذكرهم . وكنت أسمع مجدداً النداء الأوبرالي "ترمس فول" لأبي الياس، الذي يشد لبسطته الزبائن أكثر من ترمسه وفوله المميزين حقا. وأعادني لأجواء الفران القديم في السوق، وعماله وناسه وتآلفهم وأجواء أعيادهم. وعلاقاتهم وطرائفهم، من هنا نجح بجعلي أغرق مع نصه، وأغضب مع نهاية كل فصل، أو لوحة.... راغباً بالمزيد. المزيد من إحياء الذاكرة، من إحياء شوقي لأيام شبابنا الباكر، وقد بحثت عن نفسي داخل النص، فوجدتني في مواقع كثيرة، أحياناً مع الحدث، وأحياناً مع مسجل الحدث. كثيرة هي الأحداث التي كنا مساهمين في جعلها محطة تاريخية مميزة في سجل أيام الناصرة وأيامنا. دورنا يوم كنا طلابا ثانويين في تنظيم وقيادة مظاهرة الطلاب الجبارة التي بدأناها من مدرستنا، الثانوية البلدية (قرب العين وقتها) وصولاً لمدارس مفتان والأمريكان ثم التيراسانطة، متوجهين لمدرسة المطران الرابضة على قمة جبل من جبال الناصرة، محررين الطلاب من صفوفهم، بإضراب ومظاهرة طلابية صاخبة ضد مقتل الشباب العرب الخمسة، ثلاثة من حيفا وواحد من عرابة وآخر من ام الفحم، وليس خمسة من حيفا كما جاء خطأ في النص، وهذا يظهر أن الجريمة مخططة وليست وليدة الصدفة، ولا زالت صورهم المشوهة تزعجني حتى اليوم، وتصعب عليّ تصديق المستوى الحيواني للقتلة ولمخططي برامج القتل والتهجير ومصادرة الأرض والحكم العسكري، ولا زالت قصيدة محمود درويش في رثاء الشباب العرب الخمسة تهز مشاعري حتى اليوم، وكنت آمل لو أن عفيف ثبت مقطعها الأول في نصه، لأنها أضجت سجلا من تاريخنا المأساوي :

يحكون في بلادنا

يحكون في شجن

عن صاحبي الذي مضى

وعاد في كفن

كان اسمه..

لا تذكروا اسمه!

خلوه في قلوبنا...

لا تدعوا الكلمة

تضيع في الهواء، كالرماد...

خلوه جرحا راعفا... لا يعرف الضماد

طريقه إليه. ..

أخاف يا أحبتي... أخاف يا أيتام ...

أخاف أن ننساه بين زحمة الأسماء

أخاف أن يذوب في زوابع الشتاء!

أخاف أن تنام في قلوبنا

جراحنا ...

أخاف أن تنام !!

وكيف أنسى سحجة العذراء مريم (عيد البشارة الذي يعتبر عيدا لمدينة الناصرة حيث بشر الملاك جبرائيل العذراء مريم بأنها ستحمل وتضع ولدا هو المسيح ابن الله) تلك السحجة التي كانت تتحول الى عرس نصراوي، حيث تبدأ السحجة من كنيسة الروم، مع رقصة السيافين من عائلة مزاوي، وتدور زجاجات العرق على الجمهور النصراوي، وكلهم، من كل الطوائف، يشاركون بالسحجة ويشربون العرق من قناني العرق المخفف بالماء، وتتجه المسيرة بالغناء والسحجة الى دير المطران (كنيسة القلاية حيث منزل المطران) ويدب الحماس بصفوف السحيجة، وتتفجر أحاسيسهم، ويتفجر غضبهم على السلطة العنصرية، وحكمها العسكري وتصاريحها التي تتحكم بلقمة خبز الشعب، وضد سياسة التمييز والاضطهاد بأبشع صورها وأكثرها حدة وسفالة، وسياسة مصادرة الأرض، وحرمان الآلاف من العودة لقراهم على مرمى حجر أحياناً من لجوئهم، فتنطلق الشعارات والهتافات الوطنية، المناسبة للاحتفال بعيد البشارة ، يقول مطلعها:

يا عدرا يا أم المسيح،

ارفعي عنا التصاريح

ستي يا عدرا نجينا

من الحكم العسكري خلصينا

يا عدرا يا ام القدرة

زتي العسكر لبرا

يا عدرا احمينا احمينا

احنا الك التجينا (أي التجأنا)

حقاً صلاة من نوع جديد، صلاة غاضبة متفجرة لشعب يرفض الذل والاستسلام والضياع، ويرفض أن يسمح لظالميه أن يقسموه بين مسلم ومسيحي، فها هم جمعت بينهم المأساة والهم الواحد من الواقع الجديد، يسحجون سوية ويهتفون بمطالبهم سوية، ويواجهون البطش السلطوي سوية، جمعت بينهم وحدة الحال والمصير وقنينة العرق والسحجة والنضال الوطني والسجن بعد كل احتفال شعبي وطني لا يبقى من احتفاله الديني، إلّا رموز نصراوية عامة ومشتركة، وموحدة لشعب ينتفض ضد الظلم والعنصرية.

ويواصل عفيف جولته في الذاكرة الثرية لشعبنا، وصولاً للحرب اللصوصية الاستعمارية ضد العراق، ولمشكلة أرض مدرسة ما يعرف ب "شهاب الدين" وكم يبدو مثيرو الفتنة والقلاقل "أقزام" أمام هذا الدفق المتجلي من تاريخنا، من سجل أيامنا، من تاريخ الناصرة الموحدة المتماسكة بالاحترام المتبادل والمحبة ووحدة الحال، بل وحدة الأعياد. والكثيرون من أبناء الناصرة من طوائفها المختلفة رضعوا من نفس الصدر، من نفس الحليب، فكم هم تافهون أولئك المتشاطرون والمشغولون على تقسيمنا وعلى إثبات أن الناصرة صفتها الدينية كذا وليس كذا، متناسبين أن الناصرة مدينة عربية فلسطينية قبل أن تكون لها أي صبغة دينية أو لوثة طائفية.

هذا هو المحور الأساسي للرواية... وهو محور غني بعشرات الأفكار القصصية. عفيف اختار شخصيتين رمزيتين ولا أعني برمزيتين إنهما من نسيج الخيال فقط... وهما "أبو عماد" (المختار) وصديق عمره اللاجئ الطبراني "أبو كمو" الذي فقد صلته بعائلته بعد عاصفة مأساة التشريد التي طالت أهل طبريا ايضا، وهو رمز واضح لفقدان الشعب الفلسطيني لوطنه وتشتته.

أبو عماد استقبل " أبو كمو" ووجد له غرفة ملائمة، وتطورت العلاقة بينهما رغم فارق الجيل، الرمز هنا لقدرة شعبنا على عبور المأساة وبناء ذاته من جديد وعبر هذه التيمة الهامة يتم استعراض التفاصيل والأحداث والأخبار والحكايات وما يجري في كواليس النظام وحكمه العسكري.

واضح أن عفيف لا يكتب لأبناء جيلي فقط، أو لمن عاصر الناصرة منذ الخمسينات من القرن العشرين، أو حتى قبل ذلك، ومن هنا لا أستطيع أن أقدر رد فعل من عاصر الناصرة منذ الخمسينات أو حتى قبلها، ومن هنا لا أستطيع أن أقدر رد فعل من لم يعاصر هذه الأحداث، هل نجح عفيف بإثارة دهشتهم؟

النص كرواية يفتقد لعنصر الدهشة الروائية، ويستبدلها بجاذبية السرد التاريخي بلغة قصصية جذابة وعرض تاريخي تسجيلي قريب لأجواء السرد القصصي، والحدث التاريخي ثري بتفاصيله وأبعاده. عفيف يحاول أن يبني عنصر الدهشة على مرض "أبو كمو" الذي حيّر الأطباء في علاجه... وانتظار "أبو عماد" بجانب سرير صديقه، حتى يعود إلى وعيه وإلى الحياة، وتكون تلك مناسبة لسرد ذكريات ما جرى وما كان... وعلّ ذلك أيضاً يساعد "أبو كمو" على الشفاء.

الشخصيتان، رغم كونهما مركزيتين وأساسيتين بقيتا شخصيتين تعبران عن أفكار عفيف وآرائه وانطباعاته، دون أن ينجح عفيف بإبعادهما عن ذاته، وإطلاقهما كشخصيتين لهما كيانهما المستقل وأفكارهما الخاصة، وتعابيرهما الخاصة.

أعتقد من جهة أخرى، أن النص أقرب للسيرة الذاتية، أو للمذكرات الشخصية، وهذا الأمر لا ينتقص من قيمة النص وفنيته، وليس بالضرورة أن يكون النص الروائي أفضل من نصوص السير الذاتية أو المذكرات. يمكن القول ان النص يحمل أسلوب السرد الروائي وأسلوب الأدب التسجيلي، بروح قصصية بلغة عفيف سالم التصويرية الجذابة.

لغة عفيف تنساب بليونة ودون مبالغة بالوصف، ورغم كل شيء نجح عفيف بتوثيق فترة هامة من حياة الناصرة وأجوائها وشخصياتها التي يمكن وصفها بالفولوكلورية.

اللوحة الخامسة والأخيرة، يبدو أنها تحتاج إلى إعادة "طبخ" على نار هادئة، إذ شعرت أنها كتبت باستعجال وتسرع، وكأن عفيف أنجز مهمته الأساسية ويريد أن يقفل الموضوع ليتفرغ لأمر أخر.

هناك ميل واضح للوعظ، ولكن عفيف كان حذراً بأن يوقف الوعظ قبل أن يصبح عائقاً فنياً.

"الخمس العجاف السمان" هي تجربة اولى وجديدة في مسيرة عفيف الإبداعية وهي إضافة هامة لمكتبة الأدب المحلي، ولمن يريد أن يعرف جذور الناصرة، التي لا بد أن تطلق ثمارها من جديد .

 

بقلم نبيل عودة

 

جمال العتابيصورة داخلية

يتخذ الوزير السابق حسن الجنابي تجربته في حكومة حيدر العبادي، بصورتها المشوشة، المرتبكة، لينقلنا إلى تساؤلات أعمق وأدل عن معنى الدولة منذ عام 2003، ليس بوسع القارئ، إلا أن يتمالك أعصابه، ويحبس أنفاسه، وهو يتابع هذا السيناريو منذ ذاك التاريخ ولغاية صدور الكتاب عام 2021، عن دار المدى للنشر، الكتاب على صعيد التجربة، والرؤية والموقف، غني بالتناقضات، والإنتهاكات، على مستويات عدة، وهذا السبب الذي يجعل الجنابي ينظر الى تجربته كوزير للموارد المائية في حكومة العبادي عام 2016 كشاهد عيان، فيختصرها بعبارة مريرة، انها كوميديا حقيقية، ومؤشر فاضح على إدارة الدولة.

الدولة العقيمة، فكرة جديدة، وربما صادمة تعيد صياغة فهم القراء لإشكالية الدولة القائمة بعد 2003، وبين معارض له على أساس انه إشكالي، وإن كان يمثل توصيفاً واقعياً لطبيعة الدولة الحالية، ولأن العراق وبكل هذه الثروات، والطاقة البشرية، والتاريخ، لا يجب أن يوصف كدولة عقيمة، كما جاء في التوطئة التي كتبها المؤلف، ومن هنا فأن عنوان الكتاب ليس إستفزازاً للمشاعر أو إستخفافاً بالعواطف، بل تنبيهاً صادماً للخطر الداهم الذي ينتظر العراق، وواقعياً، فلا يجوز أن يكون ربع السكان أميين في بلد إخترع أبناؤه الكتابة، وثلثهم تحت خط الفقر، وهو بلد الثروات، وفيه ملايين الأيتام والأرامل، والمعوقين، والمهجرين، والنازحين، وهو كان موئلاً للهجرات المتعاقبة من أجل العيش الكريم، وفيه يختطف مواطنون، وترتكب إغتيالات، ويبقى القتلة خارج سلطة القانون، ولا يجوز حكماً أن يكون السلاح المنفلت أقوى من سلاح الدولة، إلا إذا كانت الدولة عقيمة، وهذا هو لب الموضوع.

بتقديري ان الصدمة الحقيقية التي يتعرض لها المرء، ما أن ينتهي من قراءة الكتاب، تتمثل بالسؤال عن معنى هذه الدولة، ومبررات وجودها وبقائها واستمرارها، في ظل حجم الخراب المالي والإداري، ودمار البنى التحتية بكاملها، من الصعب تصديق الروايات التي أوردها الجنابي - على قصر تجربته- كشواهد حصلت، وماتزال في بلد مثل العراق، ومن الأصعب قبول ما جرى، لوحصل هذا في بلد مجاور، أو أية بقعة في الكون.

2824 حسن الجنابيعلى مدى أكثر من (350) صفحة، وبحروف صغيرة، لم نحفل بضوء وبارقة أمل، في ذاكرة الجنابي اليقظة، وبحسه الإنساني العميق، وهو يقودنا الى النهايات المفجعة في مسيرة هذا الكيان، ان كل ما ذكره من أحداث وشواهد في أوقات عصيبة عشناها معاً، تشكل تهديداً خطيراً لأية محاولة في الأصلاح والتغيير تسعى إليه قوى أخرى خارج المنظومة السياسية، والطبقة الحاكمة، إذ تجد في ذلك مصلحة في إنقاذ العراق، وهي تدرك أن لأمل نهائي في السلطة الحاكمة، كي تتخلى عن نفوذها ومصالحها وإمتيازاتها، ونهبها للثروات.

ان كل الآمال ضاعت بغمضة عين، وطوتها الحروب بظل الشعارات،  والبلاد قضت نحبها، كل تواريخنا مُسخت، ليتهم تركوا الشعب يكتب تاريخه، يتكلم إن شاء يبني له وطناً ويسوّره، كي لا يدخل اليه الغزاة والفاسدون، فثمة من يحمل المعاول ليهدم، وآخر من يسرق، وثمة من يضحك ويسخر، حين يشاهد كيف نقتل!!

ان أهمية (الدولة العقيمة)، تكمن في كشف جانب من فضائح سلوك الدولة، بهامش من الحرية، وتجاوزها كل القيم والأعراف، وعلى وفق هذا الإتجاه، يعمد الجنابي في إزاحة الستار، عن خفايا وأسرار الصفقات المالية، والعقود والمشاريع الوهمية، ومؤامرات تقاسم السلطة، وتوزيع المناصب، وبيع عقارات الدولة، أو التجاوز عليها، تحت ضغوط الطمع والإستحواذ، والجوع التاريخي للفئات المتسلطة، بظل غياب القانون، وموت الضمير، والحس الوطني.

وحتى يمضي الكاتب في سرديته الموجعة، بفصاحة اللغة وسلامتها، وندرة الأخطاء اللغوية والطباعية، فأنه يواصل إدانة أساليب القمع، وحجب الحريات، ويقف على الضد من السلوك المذّل لقيم الإنسان، بأساليب متعددة المستويات والصور، تنمّ عن وعي في إدانة العسف والعنف، والشر، وكل ما هو لا إنساني، وإن كانت هناك ثمة ملاحظة نقدية على الكاتب، أو مؤاخذة، فأنها تأتي من جمهور غارق بالأسى والحزن، يفترش القمامة والأرصفة الساخنة، ويتطلع ان يأخذ القانون والقضاء دورهما في تقديم الطبقة السياسية إلى المحاكم لينالوا جزاء ما ارتكبوا من جرائم، ان  هذا الجمهور يعتقد ان الكشف عن فشل التجربة وخوائها جاء متأخراً من قبل السيد الجنابي، وهو مشارك فعلي في هذه المنظومة كدبلوماسي رفيع ، ومسؤول عن عدد  من الملفات السياسية، والمهنية المهمة التي تتعلق بإختصاصه كوزير للموارد المائية، منذ عام2003، لغاية إنتهاء فترة حكومة العبادي عام 2019، وحتى قبل هذا الوقت، كان الجنابي عضواً نشيطاً في معارضة السلطة الديكتاتورية، ومساهماً في أغلب المؤتمرات، والفعاليات التي نُظمت من أجل إسقاطها، ان التصدي لهذه المهام ومن موقع متقدم في الجهاز التنفيذي، لا تعفيه من تحمّل المسؤولية  في هذا المفصل أو ذاك، ورغم ذلك من الإنصاف القول ان السيد الجنابي عبّر عن محنته كوزير مستقل مكشوف الظهر، كما وصفها، وان ملاحظاته، ورصده للاحداث من وجهة نظره الشخصية، هي محاولة لما يعتقد انه جدير بالتوثيق بدوافع وطنية بحتة خدمة للصالح العام، وحرصاً على مصلحة العراق. وليس في ذلك أدنى شك، كما أكدته الوقائع.

ويبدو لي ان جانباً من هذه المحنة تتمثل في موقف شخصي ومزاجي لرئيس الوزراء من الجنابي، لا علاقة له بالكفاءة والتخصص، إنما لأن الوزير لاينتمي لكتلة، أو حزب سياسي، يحظيان بالقبول لدى العبادي، فهو لايعطيه أذناً صاغية في اجتماعات مجلس الوزراء، يتجاهله في عدد من المرات، وغير مهتم بمشاريعه .

ليس من المجدي إستعراض آلاف النماذج من التجوازات  التي مارستها الدولة العقيمة، حسب ماوردت، بإعتقاد منّا انها لن تضيف شيئاً للقارئ، سوى حزن كالملح ينغرُ في الجسد،  ولأن (الفرد) العراقي، أصبح خبيراً بما جرى ويجري، وهو ما أكدّ عليه المؤلف في خاتمة كتابه، إذ يصف الفترة التي كان فيها شاهداً ومشاركاً، انها عصيبة ومصيرية، كشفت عن عمق الأزمة الهيكلية التي يواجهها النظام ما بعد الأحتلال، بكل تراكماته، وهي الثيمة الرئيسة التي تناولها الكتاب دون إدعاء او زيف كما يذكر الجنابي.

 

جمال العتّابي

 

الكبير الداديسيأب في الذاكرة (الإخلاص للقرية والوفاء للأندلس)

كتاب (أب في الذاكرة .. الإخلاص للقرية والوفاء للأندلس) للدكتور خالد غيلان كتاب عصي على التصنيف، فقد ألفه الكاتب خالد غيلان يلوي فيه أعناق الأجناس الأدبية، جاعلا فيه من كل جنس أدبي طرف مع صعوبة تصنيفه في جنس معين، فكتب السيرة الغيرية بالسيرة الذاتية، وكتب التاريخ الذاتي بالسرد الموضوعي، كتب عن الجماعة من خلال الأنا، وعن الأنا عبر القرية، سرد ووصف، حلّل ونظّر، برهن وحاجج... فكان في الكتاب شيء من الحجاج والبرهنة، وشيء من السرد والحكي، وكثير من الإقناع والدفاع عن الرأي، يجمع بين النقد (كثرة الهوامش، والاستشهاد بآراء المؤرخين والمفكرين ورجال الدين من الفقهاء والمتصوفة...) وبين الإبداع (الحديث عن تجربة شخصية أقرب للسيرة)...

لذلك تتعدد مداخل مقاربة الكتاب، ويعسر تصنيفه، وسنقتصر في هذه القراءة على محاور تفرض نفسها على قارئ الكتاب منها:

- التعريف بالكتاب:

كتاب (أب في الذاكرة (الإخلاص للقرية والوفاء للأندلس) مؤلف للكاتب خالد غيلان صدر في طبعته الأولى عن مطبعة الأمنية الرباط سنة 2021 في 279 صفحة من الحجم المتوسط غلافه مزدان بلوحة تشكيلية من إبداع الفنان الجيلالي الغرباوي، استهل الكاتبُ مؤلفه بعبارة تَعتبِر من الماضي وتستشرف المستقبل، لتختزل الهدف من الكتاب (حتى لا ننسى عطاء الآباء لنا ونجتهد لتقديم الأفضل لأبنائنا)، وقد كتب مقدمة الكتاب السيد محمد نجيب لوباريس رئيس جمعية ذاكرة الأندلسيين، ولذلك علاقة بمتن المؤلَّف وبعنوانه الفرعي (الوفاء للأندلس)... والكتاب مكون من ثلاثة أبواب تضمنَ البابان الأول والثاني خمسة فصول فيما اشتمل الباب الثالث على ثلاثة فصول، عناوين كل فصل عبارة في جمل متوازنة مسجوعة، ولعل في اختيار حروف معينة في نهاية عناوين الفصول ( ار، ي، د = اريد)  أشياء كثيرة يريد الدكتور خالد توصيلها للقارئ...

هكذا كانت محتويات الكتاب على الشكل التالي:

الباب الأول: الأصول القروية والجذور الأندلسية الموريسكية

1- الصورة على الجدار

2- المدينة بلا أسوار

3- الدوار بأنشطة وأدوار

4- الأب برؤية وإصرار

الباب الثاني: الاستراتيجية التربوية للوالد الأسس والآليات

1- المدخل التعليمي

2- العمق النفسي والعاطفي

3- الجانب البدني

4- البعد الروحي

5- التدريب الميداني

الباب الثالث: من محاولة ربط لبرابرة بيابرة إلى تدبير الأزمة

1- لحظات فراق القائد

2- أزمة الاختيارات وتوالي الشدائد

3- مواصلة التفكير والفعل هو الرائد

والكتاب مذيل بعدد من الفهارس والملاحق الهامة منها:

1- ملحق خاص ببعض العائلات الأندلسية والموريسكية التي استقرت بوزان ونواحيها

2- فهرس المؤسسات

3- فهرس الأعلام فهرس الأماكن

4- فهرس المصادر والمراجع العربية

5- فهرس المصادر الفرنسية

2823 غيلان خالد

- النوستالجيا:

أن يكتب الإنسان عن جذوره، عن الطفولة وعن الوالد الذي غادره إلى دار البقاء حنينٌ للقبض على الزمن المنفلت منا، وسعي للتلذذ بمتعة منفلتة يجعله الحنين يتمناها أبدية وسرمدية، قارئ الكتاب يتراءى له الدكتور خالد وهو يعود لكتابه كل حين يتصفحه، مقتنعا بأن الكتابة متعة خالدة تتلاشى أمامها كل المتع السريعة الذوبان، لذلك تميز الكتاب بخلط للمشاعر وتشتت بين السعادة، الألم الفرح والحزن ،وقد يطل الندم وأحيانا الحنين إلى أشخاص رحلوا أو أبعدهم الزمان ونأت بهم مشاغل الحياة، لكن تركوا في النفس أثرا من الزمن "الجميل" حيث بساطة الحياة ومتانة العلاقات الاجتماعية والأسرية... قد تتغير الملامح، ونسافر عبر الأمكنة، لكن يظل في أعماق الجوانح حنين ورغبة للعودة، تولّد خوف من سرعة الزمن، وتقلبات الدهر لذا كان الهم الأكبر في الكتاب هو كيف نغرس هذا الشيء الذي نخاف على زواله في نفوس الأبناء... والكتابة وحدها قادرة على السخرية من الزمن الذي يسلبنا كل حين أشياء ثمينة، أخذ الطفولة أخذ الوالد. إلا أن للكتابة قدرة على فرملة عبثية الزمان، وتخليد الأحداث وإن كنا مقتنعين أنها لن تعود...

هكذا لعبت النوستالجيا دورها لكي يقدم الدكتور خالد عالما مختلفا عن الذي عاشه، ولكنه عالم كما يحبه، أو على الأقل عالما كما يتخيله، وهو ليس بالضرورة كما كان وكما وقع... لأن النوستالجيا تجعلنا نطمئن للماضي ونتوجس من الحاضر ونخاف من المستقبل فنقدس الماضي ويبدو لنا فيه (كل شيء جميل وكل الناس سعداء) والعودة إليه تحدث السعادة، نستمع إليه يقول وهو يقود السيارة متجها نحو مسقط رأسه ( لما اقتربنا من موطن الآباء والأجداد، تسترجع شبابك وتعود في قمة النشاط والاطمئنان) ص 33 بل إن (زيارة مسقط الرأس تحمل دلالات أعمق من إزالة تعب السنين والأعوام) ص33 وطبيعي أن يطفو الحنين على كل المشاعر عندما تزور البيت الذي ترعرعت فيه، وعندما تزور مرتع الطفولة والأمثلة في الكتاب كثيرة ومتنوعة، نكتفي بهذا المثال الذي يتحدث فيه عن العودة إلى أرض الأجداد(وبالنسبة لي فالانتقال... إلى القرية المعلقة بسفوح الجبال، هي شبيهة بالغطس في أعماق البحار، تصادفك الحياة بسكونها، وتنوع مخلوقاتها، وقد تجتهد فتعثر على كنز لا يفنى، فزيارة أرض الأجداد، هي فرصة للارتواء من الطبيعة ومن التماسك العائلي)

وأما الكتابة عن الوالد الملهم القائد القدوة، فتعميم للخصوصي، لأن لكل شخص والداً، وتبقى صورة الأب النمطية رمزا للعطاء فالأب في الثقافة الإنسانية وحده يعطي دون تفكير ودون مقابل، ودون انتظار شكر، وحتى إن شابت هذه الصورة شوائب لظروف اجتماعية ما فإن أغلب الذين يبخسون الأب حقه لا يعرفون قيمته حتى يفتقدونه، فما يغرسه الأب في أبنائه يجعله فريدا لا يمكن تعويضه لذلك قال جان جاك روسو (أب واحد أفضل من عشرة مربيين) والدكتور خالد إن كان يمجد أباه يحز في نفسه أنه لم يعش فرح الأب بنجاحات ابنه فقد رحل الأب إلى عالم النائمين، ليشعر الكاتب أن العالم أضحى مختلفاً، أغلق الأب عينيه ولم يفتحهما لينتهي زمن الأحلام ويستيقظ الكاتب على كابوس واقع ظل طيف الوالد يرافقه فيه في حله وفي ترحاله، ويلهمه فيقارن بين ابنه وأبيه، ولا تفوته فرصة دون أن يتحدث عن أبيه لأبنائه...

الكتاب هدية للوالد ورسالة للولد، وعندما يكتب المرء عن والده ويستهدف ولده، يصبح الكتاب رسالة والمنبع الوحيد الذي يجب أن تتناسل منه العبر ويتلألأ منه ضوء ونور الوالد، خاصة إذا كان الكاتب يرى في والده العبد المعبود والمعبد الذي ينير ولا يستنير، يصنع العقول، ويربي الأجيال. فيصبح الأب والكتاب خطان متوازيات يسيران نحو نفس الهدف، ويشعر القارئ وكأن الكاتب حاول أن يقول كل شيء في هذا الكتاب... وكأنه مقتنع بأن الكتاب يصنع إنسانا قارئا... والإنسان القارئ إنسان مفعم بالحياة، تبث فيه القراءة نسخ الحياة فغدو خفيف الظل، مرهف الحواس فما من شيء كبر حجمه وزادت كتلته إلا زاد ثقله إلا العلم والقراءة. لذلك حاول الدكتور خالد أن يمتح من مختلف الثقافات، وينهل من الفكر الإنساني، فيستشهد بأقوال مفكرين عالميين (تشنغيوي لوو ، دافيد هارفي، إدوارد ميشو، إيميل دوركايم، غريغوري لازارف، غي دي ميو ...) ومؤرخين عرب قدامى ( البكري، ابن خلدون، الناصري، الحسن الوزان، ابن عسكر...) أو رجالات فكر أجانب أو مغاربة معاصرين (عباس الجراري، محمد الصديق معنينو، محمد داود، محمد نجيب لوباريس...) كما سعى إلى توظيف أمثال من حضارات مختلفة وهو يتغيـى تخليد نفسه وتخليد والده وتقديم العبرة لأولاده وللناشئة، وكأنه يريد القول: إن الذي يكتب لا يموت، ولا شيء أخد من الكتابة، فأين الملوك والقياصرة والفراعنة؟ وأين والد الكاتب؟ ومن خُلّد اسمه في التاريخ منهم فبفضل كاتب... وقد نجح الكتاب في تسطير اسم الوالد بين المخلدين، يستمر حضوره في الغياب، رغم غيابه في الحضور... وفي جعل الكاتب إنسانا فاعلا ومنفعلا ومتفاعلا...

- الكتاب والتوثيق:

لا خلاف حول كون أي كتاب يعد وثيقة، قد يجد فيها بعض الدارسين معطيات اجتماعية تاريخية وأنثروبولوجية سياسية وثقافية، وكتاب (أب في الذاكرة) حافل بأعلام القبائل والأشخاص إذ تضمن 187 اسما علما لمكان و 196 اسما من أعلام الأشخاص وأزيد من 22 اسم مؤسسة، ناهيك على ما يزيد من 130 اسما لعائلات موريسكية استقرت بوزان ونواحيها وحوالي 113 أسرة منحدرة من أصول أندلسية، مع تحديد الموطن الأصلي الذي كانت تقطنه في الأندلس، ومكان استقرارها بالمغرب... وبذلك يقدم الكتاب مادة للباحثين والمهتمين بالجينيولوجيا (علم الأنساب) بما هو علم همه النبش عن الجذور... وما فعله خالد غيلان هو النبش عن جذوره الموريسكية، وسعيه لترسيخها في أبنائه، من خلال دراسة أحوال الناس وتاريخهم، والتعمق في معرفة السلالات وتطور العلاقات الإنسانية، وحركية الأفراد والأسر والقبائل والطوائف، ورصد نمط الحياة وما يرتبط من مأكل وملبس وعمران، وعادات وتقاليد... وهنا تكمن خطورة وصعوبة هذا النوع من الكتابة لأنها تمزج بين الذاتي بالموضوعي، وتبرز فيها الأنا كبؤرة تتمحور حولها باقي المعطيات، لذلك كان طبيعيا أن ينساق الكاتب مع النوستالجيا فيغض الطرف عن المثالب، ويجرفه الحنين للتركيز على الجانب المشرق في الصورة . فيكثر من المديح وتضخيم الأشخاص والأحداث البسيطة... وخاصة عندما يكون المتحدث عنه أبا توفي في اللحظة التي كان الكاتب أحوج لأبيه....

- أهمية التاريخ المحلي:

"أب في الذاكرة" نموذج من كتب التاريخ المحلي، وتنماز هذه الكتابة بمحدوديتها في المجالين الزمني والمكاني، بتبئير الأحداث في حدود أسرية أو قبائلية ضيقة، وهو ما يجعلها كتابة منوغرافية محددة، تتيح للكاتب إمكانية التحكم في مجال بحثه، والنبش المجهري في تفاصيل الأحداث الصغيرة التي عاشتها منطقة أو قبيلة ما في جهة من الجهات، أكثر مما تتيحه الكتابة في المواضيع الوطنية أو القومية العامة، التي تضيع فيها الأحداث الصغرى والشخصيات البسيطة...

إن كتابة التاريخ المحلي تفرض على الكاتب تجاوز التاريخ التقليدي الذي يركز على الشخصيات العظيمة، ورجالات الدولة الكبار، ولا تقوم له قائمة إلا بالاعتماد على الوثائق الخطية... يتجاوز كل ذلك وغيره إلى الكتابة عن اليومي، وعن الهامشي، وعن الحِرف البسيطة، والعلاقات الحميمة الأب فيها مربٍ قائد وملهم ... لذلك لا غرو إن جاء كتاب " أب في الذاكرة" يمتح من التاريخ وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، وينبش في العادات والتقاليد، وطرق عيش في منطقة بابرة شمال المغرب خلال لحظة معينة من التاريخ ، فوصف خالد غيلان نمط حياة السكان وتعامل الحرفيين (الوالد تقني في البناء)، نمط التعليم ( بدءا بالمسيد ودور الفقيه، مرورا بكل أسلاك التعليم) وتعامل الناس مع فقيه الدوار وتضامنهم في توفير مؤونته (الشرط، العولة المعروف...) تدبير المشرك في القبيلة (الغابة، ماء العين، الطاحونة، أراضي الجموع، المسجد، الكتاب، الأعياد عيد المولد النبوي، الزوايا والصلحاء...). كما رصد الكتاب بعض تجليات الهجرة والحركة السكانية داخل المغرب، وبين المغرب ودول الجوار خاصة إسبانيا، مع إشارات لطبيعة العمران، والطبخ، واللباس طبعا دون نسيان تفاعل الإنسان مع الطبيعة والتدهور الكبير للجانب البيئي جراء العوامل الطبيعية (الجفاف) أو العوامل البشرية (مناظر طبيعية يلوثها البلاستيك والمعلبات (ص 210) (اختفت الأسماك من الأودية المحيطة بالقرية بسبب تلوثها بمرجان معاصر الزيتون) ص211

وإذا كان بعض المؤرخين يؤمنون بأن (لا تاريح دون وثائق) ففي كتاب (أب في الذاكرة) وإن كانت الاقتباسات والاستشهاد بأقوال عدد كبير من المفكرين، كثيرة ومتنوعة تبقى الوثيقة الشفوية، والذاكرة الفردية أهم مصدر للمعلومات، حتى وإن كان الكاتب لا يذكر في كثير من الأحيان الشخصيات التي نهل منها معارفه وأفكاره، وهو ما يجعل الكتاب إبداعا تخييليا أكثر منه تأريخ ... لكنه بالكتابة أحال تلك الأحداث لوثائق، وكثيرة هي الكتب الهامة اليوم كانت في بدايتها شفوية بما فيها القرآن الكريم، هكذا يصبح كتاب (أب في الذاكر) وثيقة للتأريخ المحلي... وما التأريخ المحلي إلا طريقة تجعل القارئ يعيش تاريخا حيا life History بكل أبعاده النفسية والاجتماعية والإنسانية، ليصبح جزءاً مكوّنا للتاريخ الوطني العام...

 - المقارنة بين الشمال والجنوب:

وبما أن الكاتب تنقل بين مناطق مختلفة، داخل المغرب وخارجه، فقد كان من الطبيعي أن تحضر في الكتاب إشارات كثيرة للمقارنة بين الشمال والجنوب، وهي سمة تكاد تسم معظم الكتابات التي انتقل فيها أبطالها بين العالمين، فقد حضرت في عدد كبير ومن الروايات والسير الذاتية، كموسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، وأوراق عبد الله العروي، والحي اللاتيني ليوسف إدريس، وعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم وغيرها كثير...

في هذا الكتاب البطل منذ الصغر وهو يحلم بالهجرة ومتابعة دراسته بالخارج، وكانت أمامه فرصة للسفر إلى فرنسا، لكن وفاة والده غيرت مجرى حياته وأجلت الفكرة إلى أجل غير مسمى، ودفعته للبحث عن عمل يساعد به أسرته. لكن هاجس الهجرة ظل يسكنه، حتى إذا قضى في العمل سنوات، وتزوج وأنجب عاودته الفكرة وقرر الهجرة إلى كندا، وتكون الفرصة مواتية ليقف على ثنائية شرق /غرب. ونكتفي ببعض الإشارات التي يبين فيها السارد بعض الفروق بين العالمين  ( بدول الشمال يستمر العمل والاشتغال فتصنع النجوم، وبجل دول الجنوب يبنون أمامك أسوارا ويصبح مصيرك حتى وإن كتب لك ونجحت الضياع في آخر المطاف، لاعب دولي قد يصبح مصيره في نهاية المطاف الاشتغال كمدلك في حمام شعبي، ومهندس خبير إذا لم يأخذ مساره المهني بيده قد يقضي حياته الإدارية في إعداد الأوراق بإدارة مركزية وبالتالي يموت بالتقسيط مخنوقا بربطة عنقه المصنوعة من قماش رديء) فقط لأن دول الجنوب حسب الكاتب لا تقدر مواهبها يقول (في وطننا الأم الشباب موهوب، ولكن الانحطاط مكتوب، في ظل غياب التكوين الحقيقي، والتتبع المستمر)

- الكتابة في الشأن المحلي خرق لهيمنة المركز على الهامش:

فعلى الرغم من كون معظم الكتابات ظلت تركز على المركز، بما يحويه من سلطة القرار، ومقر الحكم وموطن الصناعة ومقر القيادة السياسية، فإن الكتابة عن القضايا المحلية بمثابة تسليط الضوء على الهامش، ونحن هنا لا نقصد بالهامش المنبوذ غير المنتج، والذي يعيش عالة على الآخرين ولا يساهم في الإنتاج، ولا موطن الجريمة الذي يشرعن الاحتيال والسطو ما دام يرى نفسه مهمشا، ومهضوم الحقوق... ذلك أن خالد غيلان استطاع تبئير الهامش، فجعله مركزا ينتج قوته ومؤونته، وفق القوانين والضوابط المعيارية، يؤمن حياة أبنائه، يغرس فيهم قيم الأخلاق النبيلة، فظل هذا الهامش يحافظ على جاذبيته تشرئب إليه الأعناق، بل إن الكاتب كان وما زال وسيظل يفضله على ما يعتبره الناس مركزا....

يستنتج إذن أن خالد غيلان بهذا المولود الجديد، يجعل لصوته ذبذبات غير قابلة للتلاشي، بل تمنح ذبذبات صوته وهو يتحدث عن والده وعن قريته رنينا يزداد كلما اتسع المدى، ترمي بالقارئ في طموحات روحية، حيث المثل اليوتوبية... تلوي أعناق الحاضر بالنوسالجيا... في عالم مادي يشعر فيه الإنسان بالوحدة وسط الحشود الغفيرة، فيهرع إلى الماضي وإلى القبيلة مستنجدا بحبال الذكريات... وتغدو الكتابة بعثا للحياة ودفاعا عن الهوية، ذلك أن الدستور المغربي يعتبر الرافد الأندلسي جزءا من الهوية الوطنية المغربية، والكتاب عندما يمد الجسور بين لبابرة المغربية ومدينة يابرة البرتغالية حاليا ترسيخ لتلك الهوية...

 

ذ. الكبير الداديسي

 

 

نبيل عبدالامير الربيعيانتشرت المسيحية الشرقية بين عدة قبائل عربية في العراق منذ القرن الأول الميلادي، إذ أسس مار ماري حوالي سنة (49م) كرسيه في العاصمة المدائن، والذي امتدت بشارته إلى الراذان، وكسكر، ومن بين القبائل التي انتشرت فيها المسيحية، قبائل الحيرة والأنبار وعين تمر وميشان وعاقولا (الكوفة)، وجرجاريا، وكلواذي، والموصل، والبصرة، وحدياب، والمرج (مركا) وكرخ سلوخ (كركوك) وتكريت، وغيرها من الأماكن العديدة في العراق. فضلاً عن قبائل العباديون في الحيرة، وبنو عجل من قبائل بكر بن وائل، والاياديون، والمضريون، والتنوخيون، وبنو لخم، والطائيون، وبنو سُلَيم، وقبيلة تغلب الشهيرة، والشيبانيون، وبني عقيل والأزديون، إضافة إلى متنصرة الآراميين (السريان الشرقيين النساطرة، والسريان الغربيين اليعاقبة)(1).

أما الحيرة التي أقامها الفرس إمارة على الضفة اليمنى من نهر الفرات، وعرفوا باللخميين أو المناذرة، لتكون همزة وصل بينهم وبين العرب، وكان الرومان قد أسسوا إمارة الغساسنة العربية في بلاد الشام للهدف نفسه، وفي القرن الخامس أصبحت الحيرة أبرشية مشرقية ولها أسقف اسمه هوشع، اشترك في مجمع اسحق عام 410م(2).

كان للمناذرة أثر ٌ كبير في بناء الأديرة، وانتشرت المسيحية في شبه الجزيرة العربية وبلدان الخليج، وخصوصاً بلدان الشاطئ الغربي التي كانت تعرف ببيت قطرايا، وأعطت كتاباً مشهورين، كأيوب القطري واسحق النينوي وجبرائيل وإبراهيم. فضلاً عن تمتع أبناء الديانة المسيحية في الخلافة الإسلامية بسقف من الحرية، وفرَّ لهم الاسهام في بناء صرح الحضارة العربية والإسلامية، التي عدوها جزءاً من تراثهم وتفاعلوا معها، لا سيما في حكم العباسيين الأوائل، وبوساطتهم نقلت الثقافة والفلسفة العالمية آنذاك إلى العربية، ومنها إلى الغرب(3).

عندما جاء العرب المسلمون إلى ما يسمى اليوم بالعراق، كان تقريباً نصف سكانه من مسيحيين، وظلت المسيحية مزدهرة في العراق وصارت فيها مؤسسات من مدارس ومستشفيات (بيمارسانات) وأديرة، ذكر الأب هنري لامنس اليسوعي عن انتشار لغة السريان قائلاً: "من عجيب الأمور أن انتشار لغة الآراميين بلغ في عهد السلوقيين مبلغاً عظيماً، فأصبحت اللغة السائدة في كل آسيا السامية، أعني في سوريا وما بين النهرين وبلاد الكلدان وجزيرة العرب... وكان العرب المسلمون ايضاً يدرسونها لكثرة فوائدها.. ولا نظن أن لغة أخرى، حتى ولا اليونانية، جارت السريانية في اتساع انتشارها، اللهم إلا الانكليزية في عهدنا". أما سليم مطر، فيبين مدى تأثير السريانية على العربية قائلاً: "اللغة العربية طورت نفسها، وكونت نحوها من خلال تجربة اللغة السريانية... كما أسهم المسيحيون في بغداد اسهاماً واسعاً في خلافة بني العباس عند تشييد بغداد مدينة السلام عام 762م في الرصيد الحضاري والاقليمي والعالمي مع العرب، وكان لهم الدور الكبير في دواوين الخلافة، وشكلّوا حالة متميزة في تاريخ التفاعل الثقافي في العراق، كما كانوا عنصر إبداع حقيقي من خلال خبرتهم ومعارفهم في تطوير العلوم، كما ساهموا في الإلهيات والفقه والفلسفة والمنطق والطبيعة والرياضيات وعلم الفلك والطب والفيزياء والكيمياء والهندسة والبناء والموسيقى والأدب والزراعة والتجارة، ويشهد على أهمية هذا الدور اتساعاً وتنوعاً ما جاء في كتاب ابن جلجل الاندلسي (طبقات الاطباء والحكماء) وفي (الفهرست) لأبن النديم، وفي باب الفلسفة والعلوم القديمة، كما اسهم المسيحيون في عهد الخليفة العباسي المأمون في الاتصال بـ(بيت الحكمة) الذي كان يتردد إليه المسلمون والمسيحيون بجميع مللهم"(4).

2821 المسيحيون في العراق

ما زل المسيحيون جزءاً من النسيج الاجتماعي والسياسي والتاريخي العراقي، ولعلَّ واحداً من سرّ جمال التكوينات الثقافية العراقية، لكن كان واحداً من المشاهد الدرامية التي زادت الصورة قتامة في العراق بعد عام 2003م، هو تفجير أربع كنائس مسيحية في بغداد، وكنيستين في كركوك، راح ضحيتها العشرات من المواطنين الأبرياء والعزّل.

لقد تعرّض المسيحيون في العراق إلى أنواع شتّى من التمييز والاضطهاد، فقد عانوا لكونهم جزءاً لا يتجزأ من النسيج العراقي المسالم، الذي يعاني من تمزّق طائفي واحتلال وإرهاب، ومن جهة أخرى لكونهم مسيحيين إذ ينظر إليهم باعتبارهم (فئة أدنى) بعيداً عن حقوق المواطنة والمساواة، خصوصاً في ظل الاحتقان الطائفي والإثني والمحاصصات والتقسيمات التي جاء بها بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق بعد الاحتلال(5).

وتعرّضت الكنائس المسيحية، لا سيما في بغداد وكركوك إلى تفجيرات، وتعرض المسيحيون في البصرة والموصل إلى ضغوط شتى، حين جرت محاولات لإجبار النساء على ارتداء الحجاب أو قتل رجال الدين أو إغلاق الكنائس، أو صدور فتاوى زائفة من بعض رجال الدين المتأسلمين لإجبار المسيحيين على دفع الجزية (250) دولار شهرياً مقابل السماح لهم البقّاء في بيوتهم كونهم من أهل الذمة، أو عليهم إشهار إسلامهم. وبسبب هذه الأعمال هاجر آلاف المسيحيين العراق إلى دول الجوار أو الهجرة إلى أوربا لغرض الاستقرار والحفاظ على حياتهم.

يشمل الكتاب الأهداء ومدخل ومقدمة وثمان فصول وخاتمة،  تضمن الفصل الأول الجذور التاريخية للديانة المسيحية في بلاد الرافدين، والفصل الثاني العبادات من ما يشمل الصلاة وقبلة الصلاة لدى المسيحيون، وأعيادهم، والصيام، والفرق بين النصرانية والمسيحية، والأناجيل الأربعة، والأناجيل المنحولة، والطوائف المسيحية في العراق.

أما الفصل الثالث قد احتوى الكنائس والأديرة المسيحية في العراق، والأقوام التي تبَنت الديانة المسيحية، والتبشير المسيحي في مملكة حدياب، والتبشير المسيحي في مدينة الرها (أورهاي)، والتبشير المسيحي في مملكة الحيرةـ وسياسة الساسانيين تجاه المسيحية، ودور النصارى في نشر الخط العربي، وموروث الكنيسة في بلاد الرافدين.

أما الفصل الرابع فقد شملَ المسيحية في ظل الإسلام، والمسيحيين في عهد الخلفاء الراشدين، والدرجات الكنسية للكنيسة الشرقية، والمسيحيين في عهد الخلافة الأموية، والمسيحيون في عهد الخلافة العباسية، والمسيحية في عهد المغول، والمسيحية في العهد الجلائري.

أما الفصل الخامس فقد أحتوى على دور المسيحية في ظل الدولة العثمانية، وحياة المسيحيين في الموصل، والكنيسة الشرقية وواقع حال الطوائف المسيحية، ومعالم الحياة الاجتماعية لمسيحيي العراق، واضطهاد المسيحيين في الإمبراطورية العثمانية، والمذابح العرقية للأرمن، وأماكن تواجد مسيحيي العراق.

أما الفصل السادس فقد تضمن دور مسيحيي العراق في العهد الملكي، وما حصل من اضطهاد للآشوريين في العراق، من معركة ديرا بون، ومجزرة قرية سُميّل. ومسيحيي العراق ودورهم في المجلس النيابي.

وقد شملَ الفصل السابع مسيحيي العراق في العهد الجمهوري الأول والثاني والثالث، ومذبحة صوريا 1969م في عهد نظام البعث، والمسيحيون في عهد صدام حسين 1979م.

واحتوى الفصل الثامن والأخير وضع المسيحيين بعد عام 2003م وما تعرضوا له من اختطاف وتفجير لكنيسة سيدة النجاة، وتهديد ورعب من قبل الارهاب وداعش عندما اجتاح الموصل، وتأثير زيارة البابا الأخيرة للعراق.

استعانت الدراسة والتوثيق على العديد من المصادر ولا سيما الدراسات والكتب العربية والمترجمة التي تناولت تاريخ مسيحيي العراق منذُ القرن الول الميلادي، فضلاً عن المقالات المنشورة في الصحف والمجلات. على الرغم من الجهود المضنية لغرض انجاز هذه الدراسة وتقديمها في الوقت المناسب بصورة لائقة، أرجو أن أكون قد وفقت فيما اصبوا إليه، وفي بلوغ ما رميت في جهدي هذا، الشكر موصول لكل من أبدى المساعدة في اتمام هذا الكتاب.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

....................

[1] شيماء عبد الباقي محمود. المسيحيون في العراق حتى أواخر القرن السابع الميلادي. دار الحكمة. بغداد. 2014. ط1. ص4.

[2] سعد سلوم. المسيحيون في العراق. التاريخ الشامل والتحديات الراهنة. مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية. بغداد. بيروت. 2014. مقال لبطريك الكلدان الكاثوليك في العراق والعالم. تحت عنوان مسيحيو العراق في ظل الحكم العربي الإسلامي. ص157.

[3] المرجع السابق. ص158.

[4] المرجع السابق. ص160.

[5] عبد الحسين شعبان. أغصان الكرمة المسيحيون العراق. مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية. ط1. 2015. ص213

 

 

صدر عن دار غيداء بالاردن 2021 بعنوان كتاب جديد للباحث الفلسفي الاستاذ علي محمد اليوسف، بعنوان: (مأزق التحول اللغوي في الفلسفة المعاصرة). وقد اشتمل على:

المحتويات

الفصل الاول

المادة وجود غير موجود

الفصل الثاني

اشكالية الادراك الاصل والصورة

الفصل الثالث

قضايا لغوية فلسفية ج 1

الفصل الرابع

قضايا لغوية فلسفية ج 2

الفصل الخامس

افلاطون الزمان والطبيعة

الفصل السادس

افلاطون والتحقيب الزماني للتاريخ

الفصل السابع

الوعي:سجالات فلسفية

الفصل الثامن

جاستون باشلار: المعرفة والمكان

الفصل التاسع

سايكلوجيا المادة وازلية الجوهر

الفصل العاشر

شوبنهاور وبؤس الارادة

الفصل الحادي عشر

مادية ومثالية المنهج الابستمولجي

الفصل الثاني عشر

المعرفة الفطرية والمعرفة المكتسبة

الفصل الثالث عشر

الاخلاق / الايمان الديني والفلسفة

الفصل الرابع عشر

شذرات فلسفية: تحليل نقدي

الفصل الخامس عشر

الوعي الفلسفي

الفصل السادس عشر

الوعي القصدي والمعنى اللغوي

الفصل السابع عشر

الادراك في المنظورالفلسفي

الفصل الثامن عشر

موضوعات فلسفية: تحليل نقدي ج1

الفصل التاسع عشر

موضوعات فلسفية: تحليل نقدي ج2

الفصل العشرون

موضوعات فلسفية: تحليل نقدي ج 3

الفصل الواحد والعشرون

موضوعات فلسفية: تحليل نقدي ج 4

الفصل الثاني والعشرون

موضوعات فلسفية: تحليل نقدي ج5

الفصل الثالث والعشرون

موضوعات فلسفية: تحليل نقدي ج 6

الفصل الرابع والعشرون

النزعتان المادية والمثالية في مذهب وحد الوجود

الفصل الخامس والعشرون

الذات: ادراك المتناهي واللامتناهي

الفصل السادس والعشرون

قطوعات نقدية في فلسفة العقل

الفصل السابع والعشرون

مغالطات الفلسفة المثالية

الفصل الثامن والعشرون

كلمات فلسفية في مأثور القول

2820 مأزق التحول اللغوي

المقدمة

التيه العدمي الذي وضع نيتشة الانسان فيه منذ نهايات القرن التاسع عشرفي مقولته الاستفزازية الملغمّة موت الاله أستقبلته البنيوية في أعتمادها مرتكزين الاول أن الانسان كوجود مأزوم قلق ليس من المتاح أنقاذه في المدى المنظور بل ولا أهمية تسترعي الاهتمام به كبؤرة مركزية تدور في فلكها الفلسفة والعلم والمعرفة واللغة والحياة ، والمرتكز الثاني هو علم اللغة كمفهوم مستحدث خارج منظومة الحياة مستقل لا علاقة تربطه بما أصطلح تسميته السرديات التاريخية الكبرى من ضمنها سردية الدين... كلاهما الانسان كوجود ومنظومة اللغة في إنفصالها عن الانسان والواقع جرى أقصائهما العمد على لسان دي سوسير مخترع لعبة اللغة القائمة على إزدواجية المفهوم وليس أزدواجية المعنى التي كانت مفتتح تجربة جديدة في إستقبال الايديولوجيا الفلسفية المستمدة من نيتشة في توظيف اللغة كأداة هدم وتقويض زادت عليه البنيوية تطرفا أسلوب (القوة الناعمة) بالفلسفة اللغوية والتاويل وهو مصطلح نحته لأول مرة بضوء هذا الترسيم الفلسفي الذي أرادته البنيوية عسى أن يحظى بمطابقة الإحالة الصحيحة في التقويض البنيوي- التفكيكي لعالم الانسان من دون الانسان كجوهر في الطبيعة والحياة..

وبهذا الترسيم العدمي البعيد جدا عن إعتماد إيديولوجيا السياسة التي إستهلكت نفسها على هامش نقد الفلسفة الفضفاض إذ لم تعد أيديولوجيا السرديات الكبرى وسيلة هدم وبناء كما هو المرجو منها فأستأثرت الفلسفتان البنيوية - التفكيكية تحديدا ملء فراغ الهدم والتقويض دونما البناء في إعتمادهما أسلوب قوة اللغة الناعمة في تنفيذها المطلوب،وسرعان ما تبنّى أقطاب البنيوية كلا من بارت وفوكو ولاكان والى حد ما على صعيد ما نقصده منطلقات فلسفة اللغة الناعمة في المراجعة والتقويض إنضمام كلا من شتراوس في الانثروبوجيا(اثنولوجيا الاقوام البدائية) تاريخ وكلام، والتوسير في إستهدافه السردية الماركسية الكبرى الشاخصة في كتاب رأس المال..وبارت على صعيد الادب في موت المؤلف، ولاكان في نقده علم النفس الفرويدي ، وفوكو في أستهدافه كل شيء يطاله بدءا من إلغائه الانسان والعقل وليس انتهاءا بالجنسانية والجنون وسلطة القمع والمنع والسجون..

إذا ما سمحنا لأنفسنا تجاوز المسار الفلسفي المعقد المتشعب لأقطاب البنيوية سنجد أنفسنا نتوقف أمام تداخلاتهم مع أبرز إمتداد فلسفي لتطويرمفهوم علم اللغة واللسانيات في مشروع بول ريكور فلسفة التاويل الذي يقوم بالاساس الاشتغال على تطوير منحى التاويل البنيوي الذي جاء تتويجه حين وجد ريكور مشروعه التاويلي اللغوي يستثمر أتجاهات الفلسفات الغربية الحديثة جميعا، البنيوية،الوجودية،التاويلية،الماركسية ، العدمية ،ونظرية الثقافة، والتفكيك، والتحليل اللغوي ونظريات علم اللغة، وأخيرا انثروبولوجيا الدين .  وقد أفاد ريكور في منهجه البنيوي التأويلي أيضا من ميراث فلاسفة التاويل غادمير، وشلاير ماخر، وأخيرا دلتاي..

الإنفصامية المرضية فلسفيا التي وضعت الانسان كوجود مركزي طارد في مأزق الإحتضار السريري التي كانت البنيوية أضطلعت بالمهمّة الكبرى تنفيذه في حقنها ذلك المريض المحتضر(الانسان بالحياة) الذي خرج من محنة الحداثة وما بعدها في تقويضهما كل مكتسباته التي حققها له عصر النهضة والانوار والحداثة، نقول عمدت البنيوية  تشييئها الانسان الإلغائي كوجود محوري تدور في فلكه كل ماسمّي بالمعارف والعلوم والسرديات الكبرى على ما شابها من قصور لم يكن الانسان مرتكز ذلك القصور كسبب ولكن كان المساهم الاكبر الوحيد الذي ناء بحمله عواقب ذلك القصور لزمن طويل الى اليوم...

هذا الإنفصام المرضي الفلسفي الذي تبنته البنيوية بضراوة كان إعتمادها مفهوم الاكتفاء الذاتي في منظومة اللغة الانفصال التام عن الواقع الانساني بغية الوصول الى معرفة حقيقية للعالم على وفق قراءة لغوية بنيوية نسقية جديدة تنقذ اللغة من إحتكار علاقتها بالواقع وإستئثارها التعبير عنه وحدها.. ..ولم تعد اللغة مرتهنة وظيفيا وسيليا في تجسير فهم الواقع بتعبير اللغة السطحي المعتاد على حد سوق ذرائع البنيوية كفلسفة حضور لمفاهيم ما بعد الحداثة..وهذا الإنفصام جعل من الأنظمة اللغوية في البنيوية وتأويلية بول ريكور أنظمة مغلقة مكتفية ذاتيا تنطوي ضمنا على جميع العلاقات الممكنة بداخلها، وبالتالي لا يبقى من علاقة ضرورية تجمع اللغة بالعالم الخارجي في تمثّلات اللغة له.

واضح المقصود بالخارج اللغوي هو العالم الواقعي الخارجي للانسان بما هو الحياة في تمثّلات اللغة التعبيرية عنه تداوليا كلام تحاوري مجتمعي.. وليس بالمعنى الفلسفي الذي عّبر عنه دي سوسير أن اللغة تمتلك نظامها الداخلي الخاص بها ولا حاجة للواقع الخارجي التعريف بها ،وكذا الحال معكوسا أن الواقع بكل منظوماته التكوينية له يحقق الكفاية الذاتية  بمعزل عن أهمية اللغة الاسهام بهذا التوضيح..وعندما تبطل وسيلية توظيف اللغة ويجري إنسحابها من ميدانها ألمألوف في مهمة التمثلات الواقعية للعالم الخارجي فهي تكون أنساقا لغوية خاصة بما هي منظومة علائقية تجريدية قائمة داخليا بعالمها الخاص بها خارج مهمتها التعبير عن الواقع ما يرتّب ذلك أن الواقع الانساني الحيوي يكون التعبير عنه بالكلام الشفاهي وليس باللغة المكتوبة التي تكون لوحدها خطابا يبحث في العلاقات النسقية للاشياء بما هي صيرورات متداخلة متنوعة داخل بناها اللغوية وليس في عالمها الخارجي المرتبط بالانسان الذي أصبح لا يمتلك سوى اللغة في توكيد وجوده الانساني..

هذه الواقعة المعتمدة بنيويا بموجبها تعتبر نفسها فلسفة نمطية نسقية كليّة من التفكير الجوّاني الذي يعتمل ويتكوّن داخل السيرورة اللغوية بما هي نسق معرفي مستقل يهتم بعوالمه المخترعة لغويا ولا قيمة للواقع والانسان في علاقة الربط بينهما وبين اللغة...هذا النمط النسقي اللغوي ( يكون تفكيرا يتخطى جميع الاشتراطات المنهجية، حينها لم تعد اللغة وسيطا بين العقول والاشياء) على حد تعبير ريكور. فقد تم إغتيال الواقع الحياتي ملاذ الانسان الاخيربأستعداء اللغة عليه وركنه جانبا خارج إهتمامات الفلسفة..بعيدا عن كل إشتراط منهجي عقلي مخالف لهذا التوجه المنحرف..

هناك حقيقة متداولة عمرها عشرات القرون هي أن اللغة تفكير العقل المدرك في معرفة الاشياء والتعريف بها، واللغة هي الوسيط التعريفي بين العقل والاشياء في تعالقهما معرفيا.. هذا الفهم إعتبرته البنيوية ومن بعدها التفكيكية في إعتمادهما منظومة علوم اللغة واللسانيات والتاويل والتحليل والإحالة والإرجاء مرتكزا فلسفيا في فهم العالم والانسان في عالمه الخارجي لم يعد له تلك القيمة المطلقة التسليم بصحتها وحقيقة الانسان خارج المنظومة اللغوية لاشيء كما هي اللغة من دون الانسان لا معنى لها لا معرفيا ولا فلسفيا.. هذا التوجه في أخراج الانسان من الحياة والتاريخ قاد مأزق الانسان الوجودي بالحياة الى أكبر منه ، فاللغة هي تجريد علاماتي خطابي في فهم الانسان وعالمه الخارجي، فكيف باللغة عندما تكون في الفلسفة البنيوية والتفكيكية تجريدا مضافا لتفسير تجريد سابق عليه في الإنفصال التام التعبير عن الواقع الانساني والحياة؟

فنجشتين فيلسوف اللغة المعروف أراد إخراج اللغة من عنق الزجاجة كما يقال الذي هو النفق الذي أدخلته البنيوية ومن بعدها التفكيكية فيه حين أعتبرتا النظام اللغوي المكتفي بصنع عوالمه الذاتية المستقلة كنسق يسير في توازيه مع الواقع المعيش هو منظومة اللغة أو الخطاب الواجب الإهتمام به... وليس من مهمة هذا الخطاب اللغوي المنعزل عن تفسير العالم الخارجي ومركزية الانسان فيه الذي بشّرت به الحداثة لأكثر من قرن... ولا أهمية يمتلكها إنسان ما بعد الحداثة ليحتكر محورية التفكير بالحياة والوجود والتاريخ فلسفيا وعلميا وسياسيا ايضا....

أمام هذا الفهم الفلسفي البنيوي التهميشي الذي زرع بذرته الاولى فينجشتين في كتيبّه (رسالة منطقية فلسفية) عن قصور فهم وليس عن خطأ متعمّد مقصود حاول تصحيحه لاحقا لكن تلك الأخطاء التي تضمنتها المخطوطة مهدّت لبروز ظاهرة التطرف اللغوي في البنيوية والتفكيكية من بعده، وأستثمرته البنيوية والتفكيكية والعدمية بعد وفاة فينجشتين إستثمارا سلبيا بشعا حتى بعد طرح فينجشتين في كتيبه الاخير (تحقيقات فلسفية) الذي حاول فيه تصحيح أخطائه في رسالته المنطقية... ويبدو بفضل نقودات عديدة وجهت لمخطوطته الفلسفية الاولى في الرسالة المنطقية تراجع فينجشتين وأراد التصحيح في كتابه التالي تحقيقات فلسفية قائلا ما معناه أن تمثّلات اللغة للواقع هو تلك الحيوية الخلاقة التي تبعثها اللغة في جسد ذلك الواقع المعيش في الوقت نفسه التي تكتسب هي- اللغة - حيويتها الحضورية في تطوير نظامها اللغوي بتأثير من الواقع الذي تحكمه الصيرورة أيضا كما تحكم الواقع بذات الحين..

وفي حال العجز من تحقيق هذه المهمة فسوف لن يكون للغة معنى يمكن حضوره وعليه يكون صمت اللغة في العجز أجدى وأكثر حيوية من التعبير عن اللامعنى في التشبث بنحو وشكلانية اللغة من حيث هي لغة فقط على حساب إلغاء المضمون الفلسفي المرجو تحقيقه في حل إشكاليات مفاهيم الفلسفة العالقة بوسيلية تعبير اللغة الإلتباسي وليس حل مشاكل نحو اللغة بما هي تجنيس في الادب على حساب تنحية مفاهيم الفلسفة عن طريق ماسمّي التحول اللغوي .هذا التحذير الذي نادى فينجشتين به أن اللغة لا تستمد فعاليتها القصوى إلا في صيرورة الحياة وجريانها المتدفق والانسان جزء هام في هذه المنظومة التي هي مصنع الحيوية البشرية للحياة والوجود..

والذي تبنته الفلسفة التحليلية الانجليزية عّبررفضها والتقاطع مع رائد فلسفة التاويل اللغوي بول ريكورالذي هو أمتداد وتطوير منطلقات البنيوية في اللغة قوله ( لم تعد اللغة بوصفها صورة الحياة كما أراد لها فينجشتين ، بل صارت نظاما مكتفيا بذاته يمتلك علاقاته الخاصة به) . وكان سبق لأقطاب البنيوية أن أخرجوا اللغة بوصفها خطابا لا تتحدد مقاصده في تعابير المفردات اللغوية المنفصلة التي لا ينتظمها سياق الجملة وموقعها في بنية النسق الخطابي داخليا..وعبّر عن هذا المعنى دي سوسير(أرجحية الكلام على اللغة بأعتبار الكلام فردي تعاقبي وعارض، واللغة أو اللسان هو الاجتماعي والتزامني والنسقي لذا يكون الخطاب بدلا من الكلام).

منطق دي سوسير هو تنحية الكلام عن مهمته واسطة التعامل المتحاور مع الواقع الحياتي، في أزاحته التنافسية عن طريق فهم اللغة أنها منظومة خطاب متكامل مكتف ذاتيا في تصنيعه عوالمه اللغوية، ويرى سوسيرالكلام فرديا تعاقبيا عارضا، أي أنه محاورة مجتمعية من الكلام الشفاهي ، تسمه بصمة فردية المتكلم، والتعاقب الحواري في تنوع المصدر الفرد المتكلم وما يحمله من محمولات الحديث العابر، وهو أي الكلام أخيرا عارض مؤقت زائل لإنتهاء دوره الإستعمالي التوظيفي في التواصل الحواري التخاطبي التداولي مع إنتهاء وتفرّق المتحادثين المشاركين في إنتاجية وإستهلاك الكلام الجماعي في التحاور.فالكلام يختلف عن اللغة الصوتية أنه لا يصلح لتدوين مكتوب يلازمه ملازمة تدوين الكتابة اللغوية.

بينما تكون اللغة حسب فهمنا عن دي سوسير خطابا تدوينيا ثابتا مكتوبا في الغالب حين يكون نصّا.. يحكم ذلك الخطاب نسق من العلاقات الداخلية التي تجعل منه بؤرة مركزية ثابتة الفهم والقيمة على المدى البعيد على خلاف الكلام الذي يستهلك نفسه في الشفاهية التحاورية في وقتية زمنية زائلة يطالها التزامن العرضي..

نعود الآن الى مبتدءات فهمنا معنى الكلمة أو المفردة هو أنها لفظ صوتي مسموع دال وصوري مكتوب خال من المعنى ما لم يكن متضمّنا دلالته المحمولة بمعناه القصدي سلفا،وفي هذا تجد البنيوية تبسيطا مخّلا عندما لا يكون معنى المفردة مستمدا من سياقها المنتظم في جملة نسقية تشي عن عبارة تحمل معنى متكاملا ونجد تعبير ريكور بهذا المعنى (الجملة وحدة الخطاب الاساسية التي تشمل وحدات أكثر تعقيدا، وتعاقب الكلمات بالجملة لا معنى ينتظمها ما لم تكن ضمن وحدة نسقية تحمل الدلالة بلا قطوعات معاني المفردات المنفردة التي هي الجملة). هذه المفارقة التي حاولت البنيوية تكريسها إنما وجدت ضالتها في التماهي الهيدجري معها الذي أيّد منطلق أن تكون اللغة أصبحت فلسفيا حقيقتها مكفولة في إنفصالها عن الواقع وتمّثلاته ويؤثر هيدجر ويفضّل (الشاعر – ويقصد به شاعره الاثير هولدرين الذي يمتلك نفس الحفاوة لدى فوكو – كونه يقول الوجود بلغة الوجود الاصيلة). لنا شرح مفصل في مبحث منفصل لوحده من هذا الكتاب.  هنا الوجود الاصيل الذي يقصده هيدجر هو الذي ينفرد التعبير عنه بمكنة خاصيّة لغة الشاعر التعبير عن (اللاوجود)، أي بمعنى الوجود القائم على تصورات التهويم الخيالي في تفكيك نسق اللغة التداولي الذي يقصي سلطة العقل على المعنى تماما في رقابة اللغة الشاعرية، فيكون بهذا تعبيرالشاعر الشعري عن الوجود الاصيل إنما هو تداعيات الخيال في اللاشعور الذي تتفكك اللغة فيه وتخرج عن نظامها الدلالي المألوف الى حد طغيان اللاشعورفي محاولة الوصول تخوم العبث اللغوي في التعبير..

هذا يشبه تماما إحياء نسخة سريالية مستهلكة كان أندريه بريتون رائدها الاول في قول الشعر معتبرا القصيدة الشعرية هي حطام العقل الذي مصدره غياب الشعوروالكتابة الشعرية بنمط من تفكيك اللغة المطلق في تداعيات لاشعورية تماما وابعادها عن رقابة العقل وأستلهم بيان بريتون سلفادور دالي وأقطاب السريالية وما تبقى من أقطاب الدادائية والبرناسية في الشعر وفي التشكيل الفني الجمالي ورسم اللوحة التي كانت بحق تحطيما للعقل وقول القصيدة في سيولة لغوية لاشعورية إلغاءا له.

هذه الميزة المتفردة التي خلعها هيدجر على الشاعر أنه الوحيد القادر ومعه المجنون لدى فوكو التعبير عن الوجود الاصيل الذي هو اللاوجود في حقيقته جعلت حمّى وطيس التجاوب لدى فوكو الإستجابة المتماهية مع هيدجر في أعلى مستوياتها، وذهب أبعد منه في أهمية إنفصال اللغة تمّثلاتها الواقع العياني فوجد هو الآخر في لغة الشاعر التهويمية المفككة المتقافزة في وصاية تداعيات اللاشعور عليها.. معتبرا هيدجر وفوكو لغة الشاعر هي اقرب بنية لغوية من الفلسفة بخاصة حين يكون مصدر تلك الشعرية هو مجنون.

وإضافة فوكو المتطرفة الجديدة أنما جاءت على صعيد وشم الثقافة الغربية المعاصرة في لقاء(الشعر والجنون) والجنون هنا لا يأتي( بمعنى المرض العقلي وأنما هو تجربة جديدة في إدراك اللغة والاشياء ).ويؤكد فوكو تطرفه في إعتباره (الانسان ليس أكثر من تمزّق في نظام الاشياء وتشكيلا مستحدثا رسمه الوضع الجديد في الثقافة الغربية).

لا جدوى التعليق أن اللغة كنظام تعبير دلالي معرفي في تفسير وفهم الواقع يمكنه الخروج على هذه المواضعات التي تكون اللغة فيه نظاما توليديا متطورا في مواكبته الحياة الانسانية في جريانها..ولا غرابة اذا ما وجدنا أن لغة الشعر التي تلتقي بهذاءات الجنون في تفكيك تماسك معنى الدلالة اللغوية حسب رغبة فوكوفي التعبير عن حقيقة الوجود الاصيل تخرج عن تلك المواضعات تماما..بأعتباره لغة الشاعر وهذاءات المجنون رغم التباين والاختلاف الشاسع (لغتان) من نوع خاص يتحكم بهما اللاشعور في تغييب رقابة العقل الذي تتصف اللغة عندهما بميزات التداعي والتفكك والسيولة اللاشعورية وعدم الإنتظام وإبهام المعنى وغيرها.. والجملة بالمنظور البنيوي هي خروج على المألوف وسمة التجديد فيها أنها تلغي دلالة المفردة من المعنى من جهة وخروج الجملة أو العبارة المألوفة قدرتها التعبير عن الواقع والحياة بل في وجوب الإنفصال عنهما..

أما أن يكون التفكيك والتحليل والتقويض هو إستجابة محاكية للتماثل مع تمزّقات الانسان كونه شيئا طارئا في وجوده بين نظام الاشياء في الوجود الاصيل الذي ينشده ويبتغيه هيدجر خارج وجود الانسان الزائف الذي يعيشه، وأن لغة التعبير الحقيقية عن الوجود الاصيل معقودة على الشاعر وهذاءات الجنون فهي تفلسف يحمل أكثر من علامة إستفهام عديدة متروكة النهايات بلا إجابات مقنعة إلا بمنطق العبث والعدمية في التفلسف البنيوي – التفكيكي المزدوج..

أختم بملاحظة أن كلامي في أدانتي لغة الشاعرالسريالية في تفكيك النسق اللغوي التي لا تعبر عن حقيقة الواقع  في تفكيك النسق اللغوي المألوف، إنما ناقشت أدانته بهذه المقالة من منطلق بنيوي فلسفي تفكيكي تحليلي، وهذا يختلف عن تناول خروج لغة الشاعر عن المألوف لغويا في قول الشعر والنقد الادبي الذي يدرس تفكيك خطاب اللغة الشعرية (جماليا) وليس تعبيرا (فلسفيا)..مما يبيح للشاعر الخروج عن النظام النسقي المالوف للغة في كتابة الشعر كتعبير أدبي وليس كتعبير فلسفي.. حجّتهم المقنعة لهم أن حقيقة الشعر المميزة هي بمقدار مغادرته لغة المباشرة الواقعية الدارجة في قول الشعر.

بعد هذا التمهيد لمأزق فلسفة اللغة والتحول اللغوي أكون وضعت أو فرشت الارضية التي تقف مواضيع هذا الكتاب مع المنظور المستحدث في تعالق غالبية مباحث الفلسفة مع اشكاليات اللغة في الفلسفة، بمعنى لم يعد اليوم متاحا الخوض في مباحث فلسفية أصبحت تاريخا تفقد قيمتها المعرفية بمرور الوقت.

كعادتي بهذا الكتاب لا أتمركز في مواضيع هذا الكتاب معالجة مبحث فلسفي محوري واحد يكون في الغالب الأعم  شروحات هامشية فلسفية تدور حول فيلسوف معين بدءا من ميلاده الى نهاية قصة حياته دون غيره يمتلك بصمة تستضيء بمنجزات فلسفية تقوم على فلسفة اللغة والتحول النظري ونظرية ملاحقة فائض المعنى في النص.

سيجد القاريء كالعادة 28 مبحثا فلسفيا موزعا بين تنوعات ومتعددات من مباحث وقضايا فلسفية تمتلك كل الجّدة في تناولها، هي بمجملها تغطية مواضيع فلسفية غربية معاصرة هي في ارتباط تعالقي وثيق بفلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى.

 

علي محمد اليوسف

الموصل / نيسان 2021

 

 

محمود محمد علي1- تقديم: منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وبالذات في حقبتي الخمسينات والستينات، صعدت كثير من الأفكار والإيديولوجيات العلمانية والماركسية، حيث احتضنها عدد كبير من المتعلمين والمثقفين آنذاك، والذين وجدوا من  خلالها أنه بإمكانهم أن يخوضوا من خلالها صراعاً إيديولوجياً عنوانه الأنا والآخر، وقد كان الدكتور البهي واحدا من هؤلاء الذين دخلوا في مواجهة فكرية مستمرة مع تلك الإيديولوجيات  (1)، وهذه المواجهة أشبه ما يمكن تسميتها بالقنبلة الموقوتة.

ففي كتابه "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي" الصادر عام 1957م، حيث اعتبره في مقدمة الطبعة الثامنة الصادرة عام 1975م، بأنه حسب قوله كتاب "مواجهة مباشرة لتيارات فكرية مستترة، وراء عناوين خادعة، وهي في جوهرها محاولات عنيفة لفصل المسلمين عن دينهم، ووضعهم في مجالات التبعية لغيرهم... ويواجه تيار الماركسية الإلحادية، المتخفي وراء اسم العدالة الاجتماعية، وبهذا دخل الكتاب في طرح لا يهدأ مع الدافعين لهذا التيار أو ذاك، خارج المجتمعات الإسلامية أو داخلها" (2).

ولشهرة الكتاب فقد تُرجم إلى اللغات الإنجليزية والتركية والإندونيسية والأردية. ويعد من أكثر مؤلفات البهي التي يرجع إليها الدارسون والباحثون في ميادين الفكر الإسلامي.

وبذلك يمكن قراءة أهداف الدكتور البهي في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين:

الدافع الأول:  نظري معرفي يقوم على أن الاستعمار الغربي له صلة وثيقة بالفكر الإسلامي منذ بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، سواء في خلق أو معاونة ما يسند من اتجاه، أو في إثارة ما يقاومه من اتجاه آخر. وأن الفكر الإسلامي في الفترة التي بلغت قرناً كاملاً منذ النصف الثاني من القرن التاسع شعر إلى النصف الثاني من القرن العشرين، هو مرآة لهذين الاتجاهين؛ ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت حركة السيد أحمد خان، وحركة ميرزا غلام أحمد كحركتين ممالئتين للاستعمار الغربي، يقابلهما حركة السيد جمال الدين الأفغاني، وحركة الشيخ محمد عبده كحركتين مقاومتين للاستعمار نفسه.

الدافع الثاني: عملي واقعي، يقوم علي الكشف عن طبيعة الصراع الإيديولوجي الذي كان حامياً ومتصاعداً في حقبتي الخمسينات والستينات من القرن الماضي. وقد تغيرت فيما بعد موازي واتجاهات وأبعاد هذا الصراع الإيديولوجي، فلم يعد الإسلام والفكر الإسلامي في قفص الاتهام كما كان الاعتقاد سائداً آنذاك، ولم تعد الشيوعية تمثل ذلك الزحف الأحمر المخيف، بعد انهيار قلعتها العظمى في الاتحاد السوفيتي، وتصدع الماركسية، وهي الإيديولوجية التي كانت الأكثر والأشد تحدياً وصداماً مع الإسلام والفكر الإسلامي، في تلك الفترة. كما لم يعد الإسلام والفكر الإسلامي في موقف الضعف أو الدفاع عن الذات، وذلك بعد أن تغيرت وتبدلت تلك السياقات والأرضيات الفكرية والثقافية حين شهد الفكر الإسلامي يقظة وانبعاثاً منذ حقبة ثمانينات القرن العشرين.

ولأكثر من سبب فقد جعل الدكتور البهي مضمون الكتاب وفحواه ومادته في الاستدلال  على الهدف الأول، أي علي الجانب النظري المعرفي، مستغلا كلّ فرصة للتعليق بالسلب  على أصحاب الدافع الثاني، بين نقد أو نقض.

من هنا، كانت مهمّة الدكتور البهي في مقدمة كتابه أن يعرّف القارئ بمقصوده بإشكاليّات الفكر الإسلامي الحديث وصلتة بالاستعمار الغربي"، وأن يبيّن أنّ الاستعمار الغربي له صلة وثيقة بالفكر الإسلامي منذ بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، سواء في خلق أو معاونة ما يسند من اتجاه، أو في إثارة ما يقاومه من اتجاه آخر. وأن الفكر الإسلامي في الفترة التي بلغت قرناً كاملاً منذ النصف الثاني من القرن التاسع شعر إلى النصف الثاني من القرن العشرين، هو مرآة لهذين الاتجاهين. ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت حركة السيد "أحمد خان"، وحركة "ميرزا غلام أحمد" كحركتين ممالئتين للاستعمار الغربي، يقابلهما حركة السيد جمال الدين الأفغاني، وحركة الشيخ محمد عبده كحركتين مقاومتين للاستعمار نفسه.

ويتضح لنا ذلك حين وجدنا الدكتور البهي يخصَّص أكبر فصل في كتابه «الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي» للحديث عن التجديد في الفكر الإسلامي، وحين يشرح رؤيته حول هذا الموضوع يرى أنه منذ القرن التاسع عشر نشأ في التفكير الإسلامي اتجاهان:

الأول: اتجاه يتناغم مع الاستعمار الغربي في تقريب الإسلام من المسيحية، أو في تبديله إلى توجه ديني يرضى عنه المستعمر.

الثاني: اتجاه يقاوم الاستعمار الغربي، ويرفض نهجه في تبديل التوجه الديني، ويدعو إلى احتفاظ المسلمين بإسلامهم كما يصوره القرآن والسنة، وإلى إعادة تماسك الجماعة الإسلامية، والسعي إلى استقلالها، وعدم انصهار المسلمين في غيرهم.

وبانتهاء القرن التاسع عشر تبلور هذان الاتجاهان، وعرفت أسسهما في العالم الإسلامي، وأصبح لكل منهما أتباع وأنصار.

ومع القرن العشرين استمرت هذه الثنائية في اتجاه التفكير الإسلامي، وعرف الاتجاه الأول -كما يقول الدكتور البهي - باسم التجديد، بينما عرف الاتجاه الثاني باسم الاتجاه الإصلاحي أو اتجاه تجديد المفاهيم الدينية.

ويعتقد الدكتور البهي أن حركة التجديد في الفكر الإسلامي التي ظهرت في الشرق الإسلامي منذ القرن العشرين تعتبر تقليداً للدراسات الإسلامية في تفكير المستشرقين الغربيين. ومن بعد الحرب العالمية الثانية تأثرت حركة التجديد في الفكر الإسلامي بالتفكير الوضعي والماركسي.

ثانيا: التعريف بالمؤلف:

جري تحول كبير في الفكر الإسلامي تجاه الاستشراق الغربي منذ عصر النهضة  العربية في القرن التاسع الميلادي، فمن الإصلاحية الإسلامية ذات النظرة المنفتحة علي العالم التي كانت إشكاليتها الرئيسية فكرة "التقدم"، إلى الإحيائية الإسلامية التي استبدلت مفهوم الهوية بمفهوم التقدم وغدت نظرتها متشككة تجاه الاستشراق والنقافة الغربية عموما (3).

وقد ظل الاستشراق الميدان الرئيسي الذي استهدفه الإحيائيون في نقدهم في سياق سعيهم إلي حماية الهوية الذاتية، مما اعتبروه " العدوان الثاني الغربي" ! فقد تميز الإسلاميون الإحيائيون بين الثلاثينيات والخمسينيات بعدائهم لثقافة الغرب وسياسته، حتي وصل المر عام 1944م، مع عمر فروخ، ومصطفي الخالدي في كتابهما " التبشير والاستعمار في البلاد العربية إلي الهجوم الشامل علي الاستشراق بربطه بالاستعمار، والنعي على مادية الغرب ووحشيته، واعتبار الاستشراق شاهداً علي عدوانية الغرب وعنصريته. وقد اتخذ من "لويس ماسينون" نموذجاً علي الارتباط المزعوم بين التبشير والاستشراق والاستعمار، وصبوا جام غضبهما على ماسينون، وقد ظنا أن عماد عبقريته في الدعوة إلى أن يحمل المسلمون على ترك دينهم . واتهم فروخ جوستاف فون جروينباوم بسوء الطوية، والتقليل من أهمية الإنجاز الثقافي الإسلامي (4).

شاع بعد ذلك الربط بين الاستشراق والاستعمار على نحو أكثر قطيعة مع الثقافة الغربية، وهذا ما يتجلى في خمسينات القرن الماضي عند الدكتور "محمد البهي"  في كتابه:" الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي"، الذي تلازم لديه نقد الاستشراق بنقد الفئة المتأثرة بالحداثة من العرب، على صلته بالاستعمار، فارتبط نقد الخارج (الاستشراق) بنقد الداخل ( الحداثيين العرب) . وما عادت أفكار الاستشراق لدي فروخ، والبهي، أفكاراً خارجية، فهي نشرت شرورها في داخل مجتمعاتنا،وتهاوي الطابع العلمي لنقد الإستشراق حتي وصل الأمر عند البهي إلى أنه لم يعد يفرق بين مستشرق وآخر، وإن كان كما سنري في ثنايا الكتاب قد صنفهم إلى فئات تبعاً لتحيزهم ضد المسلمين والإسلام، إذ إنه يضع في الفئة الأولي أسماء المعاصرين، وفي الفئة الثانية أسماء الخطرين منهم، وفي الثالثة أسماء بعض الكتب الخطرة  (5)... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

الهوامش

1- زكي الميلاد: محمد البهى والفكر الإسلامي الحديث وصلتة بالاستعمار الغربي، مجلة الكلمة، منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث، س 14 , ع54، 2007، ص 18.

2- المرجع نفسه، ص 19.

3- شمس الدين الكيلاني: الفكر الإسلامي ونقد الاستشراق: رشيد رضا، شكيب أرسلان، محمد كرد علي، محمد البهي، أنور الجندي،  مركز دراسات الوحدة العربية، المجلد الأول، 2018، ص 822.

4-  المرجع نفسه، ص 824.

5- المرجع نفسه، ص 825.

 

 

 

 

عبد الرضا حمد جاسممقدمة: 

1ـ مركز علي الوردي للدراسات والبحوث/27تموز2013 لماذا لا يكون بيت الوردي متحفاً؟ 

 زينب أكرم/ جريدة المؤتمر -العدد 2788 ليوم 24 تموز 2013 الرابط في الهامش

 [تقول السيدة سيناء الوردي ابنة الدكتور علي الوردي لقد تم تأليف نص عن حياة والدي وبيعه دون العودة الى عائلته وهم ابنائه الخمسة او اخذ موافقتنا علما ان اغلب ما ورد من معلومات عن قصة حياة والدي كانت مغلوطة وفيها اجحاف بحقه وبحق ارثه الادبي والعائلي كون من الف النص لم يكن شخص مقرب من والدي بل كان مجرد صديق وفوجئنا نحن عائلته بتصريح منه في احدى وسائل الاعلام عن انه يملك حوالي 300 مخطوطة وقصاصة بخط يد والدي وهنا اتساءل من اين لهذا الشخص الـ 300 مخطوطة هذه والتي تعد من الاشياء الشخصية للعلامة الوردي وان كان يملكها ابي اما كان حريا به ان يوصي بها لاحد ابنائه وهم جميعا على درجة من الوعي والدراية ما يمكنهم من معرفة القيمة الحقيقية لمثل هذه المخطوطات]انتهى

2ـ المدى/العمود الثامن: [علي الوردي يستنجد بوزارة الثقافة] علي حسين بتاريخ 23.09.2020

[(يكتب الدكتور موفق التكريتي في الفيسبوك أن ابنة علي الوردي "الدكتورة سيناء الوردي"، كتبت له رسالة تقول فيها "سُرِقَ بيتنا وسُرقت حقوق الوردي الفكرية، فلا دار النشر تدفع لعائلته حقوق النشر المستحقة ولا حتى تسمح لهم بنشر الأجزاء التي لم تنشر من كتاب ملامح اجتماعية من تاريخ العراق... في هذه البلاد السعيدة حاصرنا علي الوردي حتى في قبره حين طمسنا معالمه، ولم نكتف بذلك بل ان البعض استولى على داره في الكاظمية وعدم تسليمها للورثة، وما بين المشهدين المحزنين، هناك الموضوع الاكثر سخرية، ألا وهو حقوق الملكية الفكرية والتي لا يريد احد في هذه البلاد يعترف بها). ويُكملْ الكاتب: (اخبرتنا وزارة الثقافة انها ستقيم مؤتمرا دوليا يحمل اسم الوردي، وفي رأيي المتواضع ان تحويل بيت على الوردي الى متحف أصبح ضرورة وطنية، فيما تظل مهمة تقديم كتبه للأجيال مسؤولية وزارة الثقافة)] انتهى

*[أقول: لا اعرف دقة الطرح لكن يبدو من قول السيد سيناء الوردي انهم يملكون/ يحتفظون بما تبقى من مخطوطات عن: (ملامح اجتماعية من تاريخ العراق) ...حيث تقول ان دور النشر لا تسمح لهم بنشر الأجزاء التي لم تُنشر من ملامح تاريخية...شخصياً اشك في دقة هذا الطرح واشك في دقة موضوع الاستيلاء على دار الوردي في الكاظمية لأن الدار يبدو انها قائمة وان عائلة الوردي عائلة كبيرة ومعروفة ومؤثرة وتستطيع انتزاع حقوقها من أي فرد او جهة مهما كان تأثير وثقل تلك الجهة في الكاظمية او السلطة/ الحكومة. 

3ـ كَتَبْتُ التالي في: [الراحل الوردي في ميزان (1-8): الضائع من تراث الوردي] بتاريخ 15.08.2018 الرابط

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=930077&catid=288&Itemid=601

[أهم ما في كل ذلك تلك المخطوطات المفقودة التي سَّماها بعض القريبين من الوردي بأسماء مختلفة منها (سينما بغداد) او (كتاب العمر) و(مذكرات) و(ريشة في مهب الريح) و(أخلاق أهل العراق) او بقية كتابه متعدد الاجزاء (لمحات تاريخية) التي صدرت منها ستة اجزاء مع ملحقين والباقي اختفى كما اُعلن ونُشِر علماً ان هناك تأكيدات من محبيه/المقربين منه على أنهم اطلعوا على تلك المخطوطات او شاهدوها في مكتبته لكنها اختفت بعد وفاته. ومن الذين اشاروا الى ذلك الاستاذ الفاضل محمد عيسى الخاقاني في كتابة المعنون مئة عام مع الوردي/ والسيد سلام الشماع في كتابه من وحي الثمانين] انتهى 

4ـ كَتَبْتُ التالي في: [الراحل الوردي في ميزان (2-8): تراث مفقود] بتاريخ 17.08.2018 الرابط  

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=930126&catid=288&Itemid=601

وهنا أقف باحترام وتقدير للدكتور الأستاذ قاسم حسين صالح الذي سبق البعض في الدعوة الى الاهتمام بتراث الراحل علي الوردي و كان مثالاً بأن قدم مخطوطة بخط يد الراحل الوردي كما عرفت من مقالته التي نشرها في موقع الحوار المتمدن بتاريخ 28/11/2013 تحت عنوان: [اهداء مخطوطة بيد الدكتور علي الوردي الى كلاويز] انتهى

..............................

وانا في متابعة عبر النت لهذا الموضوع عرفت ان دكتور قاسم حسين صالح كان قد عرض تلك المخطوطة (في 4 أعلاه) للبيع في مزاد علني بتاريخ 25.11.2008 ولم يتقدم أحد للاهتمام بها وعرفتُ ان هناك كتاب صدر من جمع وتأليف سلام الشماع بعنوان:[ الرسائل المتبادلة/علي الوردي 1946 ـ 1950] قيل انها(100) رسالة واطلعتُ على دعوات لإقامة مركز خاص بإرث/ تراث علي الوردي و اطلعت على مقالة فيها شكوى بهذا الخصوص من عائلة الوردي (السيدة سيناء الوردي) في صفحة مركز علي الوردي للدراسات والبحوث على الفيسبوك تشير الى هناك من يدعي امتلاكه (300) رسالة بخط يد الراحل الوردي.

ومع استمرار المتابعة عبر أرشيف الانترنيت لم أجد ان هناك من أهتم جاداً بموضوع تراث/ أرث الوردي وبالذات من محبيه او الراغبين في دراسة أثر وآثار الدكتور علي الوردي من باحثين وطلبة دراسات عليا وأساتذة متخصصين بعلم النفس والمجتمع او الدارسين للمجتمع العراقي او وزارة التعليم العالي/ كافة الجامعات العراقية و ما أكثرها اليوم وكذلك وزارة الثقافة او الصحافة وبالذات المدى والزمان او الفضائيات وبالذات التي أنْجَزَتْ وعَرَضَتْ مسلسل عن الراحل الوردي ولا مركز كلاويز الثقافي /سليمانية الذي أهدى له الأستاذ قاسم حسين صالح مخطوطة بخط يد الوردي. 

ولم أجد مدخلاً مناسباً لإثارة الموضوع من جديد وتحفيز الباحثين على متابعته أحسن من الانطلاق من المخطوطة المتوفرة و المعلن عنها و التي لها أرشيف تلك التي أهداها الدكتور قاسم حسين صالح الى كلاويز، لاعتبارها نموذج يُنظر له بجدية عسى ان يستدعي مخطوطات أخرى من خلال التدقيق فيها وطرح الأسئلة عليها وآمُلْ ان تكون بداية لتنشيط البحث في ارث/ تراث/مخطوطات الوردي المفقودة/ المسروقة وبقايا اشياء الراحل علي الوردي الشخصية و العامة العراقية منها و العربية والعالمية منها اضبارته في الجامعة الامريكية في بيروت وجامعة تكساس والجامعة البولونية وجامعة بغداد والامن العامة العراقية وما تم تسجيله من احاديث ومحاضرات وصور في المجالس العلمية التي كان يرتادها ويشارك في نشاطاتها وبالذات مجلس الخاقاني. وما تفضل بذكره الدكتور سلمان محمد رشيد الهلالي حيث نشر التالي: 

1ـ [ بيلوغرافيا علي الوردي (الكتب والدراسات التي ذكرت الوردي ومشروعه الفكري والاجتماعي)]  بتاريخ 11.07.2019 الرابط

 https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=643110

كتب فيها: وسنقوم بتقسيم البيلوغرافيا الى ثلاثة اقسام فقط:

أولاً: الكتب الخاصة به. وكان عدد الكتب التي ذكرها (35) كتاب.

ثانياً: الكتب التي ذكرته. وكان عدد الكتب التي ذكرها(36) كتاب.

ثالثاً: البحوث والمقالات والدراسات الجامعية. وكان عددها(134) دراسة ومقالة وبحث.

وأثار الدكتور سلمان نشاط مهم للوردي وهو مساهمته في حملة تأسيس جامعة الكوفة في 18 ت2 1966 مع شخصيات من بيت مكية والحكيم وشبر وال ياسين وكمونه وغيرهم وحصل المشروع على تأييد جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة كما يقول...وقال أيضاً ان المشروع حصل على تأييد من الفيلسوف المعروف برتراند رسل والبروفسور ادمس وغيرهم...وأعتقد ان هذا الموضوع مهم وحساس ربما يسلط ضوء على أمور في مسيرة الراحل الوردي العلمية والاجتماعية والسياسية.

2ـ [علي الوردي ومشروع جامعة الكوفة] بتاريخ 20.06.2019 الرابط 

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=640883

حيث أعتقد أن ما قام به الدكتور سلمان الهلالي فيه الكثير من النفع وفيه جهد كبير جداً ...له الشكر على ذلك.

ولا يمكن ان اقفز على حالة وجدتها غريبة وذلك في قول الدكتور الشاعر عبد الأمير الورد حيث ذكر التالي في ص12 من مقدمة الطبعة الثانية لكتاب (من وحي الثمانين) /سلام الشماع التالي: [وقيل ان كتابه عن طبيعة المجتمع العراقي تُرجم في فينزويلا ووضع موضع التدريس لتشابه ما بين المجتمعين!؟ والراحل الدكتور الشاعر عبد الأمير الورد وهو أقارب الدكتور الراحل علي الوردي وصديقه ومُتابِعُهْ

 أما أنا فقد كَتَبْتُ التالي في: [الراحل الوردي في ميزان (1-8): الضائع من تراث الوردي] بتاريخ 15.08.2018 الرابط 

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=930077&catid=288&Itemid=601

 [[ملاحظة: من كتاب (مئة عام مع الوردي) محمد عيسى الخاقاني (التسلسل الوارد حسب ما مثبت في المقالة الاصلية)

1ـ في ص28 كتب التالي:(وقد أراني الرجل مخطوطة رائعة أطلق عليها سينما بغداد، كانت تحوي مذكراته الشخصية، كتب في صفحتها الأولى تنشر بعد موتي، وعندما سألته لماذا؟ قال:(اريد أطلعهم من بيت هيوا) انتهى.

2ـ في متابعته لنفس الموضوع ذكر التالي:(وقد سألت انا شخصيا الدكتور(الطبيب)حسان الوردي الابن الأكبر للدكتور علي الوردي عن المخطوطة التي شاهدتها بعيني في مكتبة والده المرحوم ما مصيرها؟ فقال انهم سمعوا عنها ايضاً، ولكن بعد وفاة الوالد بحثنا في مكتبته ولم نجدها، ادعوا العلي القدير أن يأخذ بيدهم ليعثروا عليها يوماً ما، أن شاء الله تعالى وينشروها) انتهى

4ـ في ص202 اشار الى تتمة لمحات تاريخية حيث كتب التالي:(أن الوردي اتمم كما اعرف منه شخصياً لمحاته الاجتماعية، وكان منشغلاً بها وطلب مني بعض المصادر واتيت له بها من خارج العراق، لكنه لسوء الحظ لم تظهر للعيان الى يومنا هذا) انتهى

[[أما التالي فهو من كتاب (من وحي الثمانين) سلام الشماع]] و[التسلسل حسب ما ورد في المقالة الاصلية]

1ـ في ص 60 كتب:(الجدير بالذكران الوردي زودني بمجموعة من مقالاته المنشورة في الصحف في احدى سفراتي الى عمان وخولني بإخراجها بالشكل الذي اراه مناسبا، لكن الفكرة لم تتحقق لضيق المجال ولقصر المدة التي قضيتها في عمان) انتهى

6ـ في هامش نفس الصفحة كتب: (في هذه السفرة طرح عليّ السيد سعد البزاز وكان يملك دار نشر في عمان أن اجلب له المقالات التي نشرها الوردي في جريدة الجمهورية مقابل ألف دولار، وعندما عدت الى بغداد أخبرني الوردي بأنه سيسافر الى عمان للعلاج وأنه لا يملك (عملة ذهبية) فأخبرته بعرض البزاز فأخذ معه مجموعة المقالات وباعها له، فأخرج البزاز كتاباً يحمل اسم الوردي لكنه تصرف في محتوى المقالات بشكل أخل بها وحولها الى مقالات تبحث عن غرض سياسي علماً انها مقالات علمية اجتماعية) انتهى

8ـ يقول السيد الشماع في ص132 / الهامش:(كان الوردي كثيرا ما يشير في أحاديثه الى هذه المذكرات التي كان يقول عنها بانها ستصدر بعد موته. وكان يهدد بفحواها مسؤولين حكوميين...) انتهى

9ـ كتب في نفس الصفحة: (ومن المؤسف ان هذه المذكرات ضاعت منهم من يقول إنها موجودة عند أحد ابنائه الذي تعمد إخفاءها لما فيها من معلومات خطرة، ولكن أحد ابنائه لم يؤيد وجودها أو العثور عليها بعد وفاته، ومنهم من يقول إن الوردي أخفاها عند: [صديقة بولونية له تعيش في بولونيا، ومنهم من وجه الاتهام إليّ شخصياً بحيازتها واخفائها ولا يعرف أحد أين هي الأن، وربما ستظهر هذه المذكرات في المستقبل مع كتاب (طبيعة البشر) المفقود هو الأخر والمأمول ممن يملكها أن يُظهرها للناس لما فيها من اهمية تاريخية كبرى) انتهى

................................

كيف اختفت مخطوطات الوردي من مكتبته في دار سكن الوردي وعائلته؟ أو من سرقها وكيف؟ والسيد سيناء الوردي تكلمت عن سرقة دارهم/بيتهم.

أقول: من خلال اطلاعي على ما كُتِبَ عن الراحل الوردي و بالذات من قالوا انهم كانوا قريبين/ملازمين له/ منه/ عليه  وما قالو عنه وعن طِباعِهْ وحركته استطيع أن أقول أنه ما سمح إلا لنفر محدود جداً جداً جداً من ملازمته او دخول بيته او التواجد لبعض الوقت في مكتبته /صومعته وهؤلاء معروفين بدقة لأفراد عائلة الوردي وبعض أقاربه، يمكن أن أجزم ان هناك مُبالغة في وصف تلك المخطوطات كان الراحل الوردي يتعمد تمريرها على هؤلاء وهو يعرف احوالهم واعمالهم ومستوياتهم واستطيع ان أجزم ووفق عدم العثور على أي مخطوطة من مخطوطاته بعد وفاته ان هذه المخطوطات قد سُرقت خلال ساعات الوردي الأخيرة وساعات بعد الموت وساعات التشييع والدفن ومن شخص يعرف أين يحتفظ بها الوردي حيث كما اُشيع عنها انه سجل فيها اراءه بشخصيات واشخاص وحالات معروفة و مسيطرة... الخلاصة هي أن مخطوطات الوردي قد سُرقت من داره/ مكتبته والسارق ليس غريب على/ عن الوردي وليس من الصعوبة تحديد اسم المشتبه به فالكتابات والتبجح بصداقة الوردي وملازمته اللصيقة كثيرة وعائلة الوردي تعرف من يدخل على الوردي بدون استاذان وهو المنعزل عن العالم والناس حيث لا يسمح لأي شخص بزيارته مهما كانت الظروف وحتى خلال فترة مرضة في أيامه الأخيرة في تموز1995... وهناك إشارات كثيرة وردت عن مثل هؤلاء الأشخاص يمكن لأي محقق جمعها بسهولة ومواجهة البعض بها ويمكن ان يعتمد على ما اوردناه أعلاه من اراء واقوال السيدين محمد عيسى الخاقاني وسلام الشماع وكذلك اقوال السيدة سيناء الوردي. والسارق ربما كان حاضراً في لحظات الوردي الأخيرة واكيد بعد انتشار خبر وفاة الوردي له الرحمة، ويمكن أن تكون الرواية هي: أنه استغل انشغال عائلة الوردي ومن بعدها اصدقاءه في صدمة وفاة الوردي والانشغال بجثمانه ونفذ جريمته الكبرى. ((وجهة نظر)) وقد المحت ولَّمحت السيدة سيناء الوردي الى هذه الحالة لكنها لم تتكلم بصراحة ووضوح ربما بسبب من حذرها القانوني في ظروف اليوم في العراق. 

كيف لا يعرف أفراد عائلة الراحل الوردي من أن هناك مخطوطات مهمة في مكتبة والدهم وهم العارفين بكثرة كتاباته وهم اكيد من العارفين بوجود مسودات/ مخطوطات او ملاحظات تخص كتبه وحتى المطبوعة منها او نسخ منها؟

يمكن وكما أتصور بكل يسر لعائلة الوردي تقديم طلب للمحاكم بخصوص فقدان هذه المخطوطات وكذلك طلب مساعدة محامين ورجال قضاء من داخل العراق وخارجة للتطوع لمتابعة الموضوع وانا على يقين من أن الكثير من أساتذة القانون في العراق سيتطوعون لمتابعة ذلك قضائياً ويمكن للعائلة الكريمة تشكيل مجموعة متطوعين لمتابعة ذلك من غير رجال القانون لدعم رجال القانون في حركتهم وانا على يقين ايضاً من ان الآلاف من الأساتذة والمثقفين والكتاب والسياسيين وحتى المواطنين العاديين من داخل العراق وخارجه سيتضامنون مع العائلة واعتقد سيساهم في ذلك حتى رجال دين او شخصيات دينية من كافة الأديان  و رجال اقتصاد  ومفكرين من كل الطوائف ومن كل الأديان وربما منظمات ونقابات وجمعيات غير عراقية ستساهم في ذلك وسبق لي ان طرحت مثل هذا الطرح في:

[الراحل الوردي في ميزان (1-8): الضائع من تراث الوردي] بتاريخ 15.08.2018 الرابط 

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=930077&catid=288&Itemid=601

 

 عبد الرضا حمد جاسم

 

محمود محمد عليقراءة  في كتاب: نحو تأسيس عصر ديني جديد للدكتور محمد عثمان الخشت

في هذا الكتاب الماثل بين يدينا يتساءل الخشت : هل نحن بحاجة إلى تجديد خطاب ديني فقط، أم أننا بحاجة الى تغيير الخطاب الثقافي العام سواء السياسي أو الاقتصادي أو العلمي؟ .. إذن نحن بحاجة في رأي الخشت إلي تغيير الخطاب بشكل عام بكل أنواعه، ومن وجهة نظر الخشت إذا أردنا أن نطور العقل العام المصري علينا أن نطور طريقة التفكير وذلك من خلال الرجوع للطبقة السفلي الفقيرة، ولذلك فإن مشروع الخشت لتأسيس خطاب ديني جديد مرتبط بتطوير العقل المصري وتغيير طرق التفكير، ونظرا إلي أن هناك كثير جدا من الالتباس وكثير جدا من الشكوك وربما بعض الاتجاهات الخاطئة والتي تصور للناس أفكار خاطئة لكثير من الأفكار، فهل تأسيس خطاب ديني جديد معناه إنشاء دين جديد؟ وهنا يجيبنا الخشت بالنفي وأنه ليس هذا دينا جديدا وإنما هو محاولة لتأسيس فهم جديد للدين .. وهل هذا الفهم الجديد هو بدعة أو ابتداع؟.. ويخبرنا الخشت بالنفي فهو في نظره دعوة إلي الرجوع للمنابع الصافية من خلال القرآن والسنة الصحيحة، كما الـاسيس يقتضي تغيير منهجيات الطريقة الدينية الحنبلية وأعلن عن فكرة إحياء علوم الدين من خلال تطوير علوم الدين .

إن ما طرحه "محمد الخشت" في كتابه نحو تأسيس عصر ديني جديد يفتح باب الحوار علي مصرعيه حول تجديد الخطاب الديني بهدف الوصول إلي خطاب جديد من نوع مختلف ربما يتجاوز عصر الجمود الفقهي الذي طال أكثر من اللازم للخروج من دائرة الكهنوت وأراء أصحاب العقول المغلقة والنفوس الضيقة التي لا تستوعب رحابة الدين قبل رحابة العالم وبالتالي علينا جميعا علماء ومفكرين تطوير علوم الدين بالابتعاد عن الخطاب التقليدي والبنية العقلية التي تقف ورائه مع الاخذ في الاعتبار أن هناك فرقاً بين الخطاب الديني والنص الديني ....فالنص الديني هو القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة أما الخطاب الديني فهو من صنع البشر في فهم القرآن والسنة وبالتالي فإن تجديد الفكر بات ضرورة مع إيماننا الشديد بان التجديد صناعة دقيقة لا يحسنها إلا الراسخون في العلم .

من هنا تأتي أهمية تأسيس خطاب ديني جديد مختلف وعدم الاكتفاء بتجديد الخطاب التقليدي بهدف إظهار سماحة الدين ودعوة الناس إلي الفضيلة بالحكمة والموعظة الحسنة ونشر ثقافة التسامح وقبول الأخر بدلا من سكب البنزين علي النار من قبل بعض المتربصين في محاولة للوقيعة بين الدكتور محمد الخشت رئيس جامعة القاهرة وبين شيخنا وإمامنا الدكتور احمد الطيب وتصوير الأمر علي انها مبارزة او معركة شخصية بينهما مع ان واقع الامر عكس ذلك تماما فلكل منهما تقديره واحترامه ومقامه الرفيع ورؤيته التي تحترم  وكلاهما في الأساس مؤمنان بفكرة تجديد الخطاب الديني وأن اختلفت الأليات

إن كتاب "نحو تأسيس عصر ديني جديد" يُعد من أفضل الكتب التي طرحها الدكتور الخشت في هذا العصر، وذلك لكونه يعالج فيه موضوعا حساسا، متعلقاً ليس فقط بكيفية تجديد الخطاب الديني التقليدي، بل بالكيفية التي من خلالها يمكن للمسلمين أن يؤسسوا خطابا دينيا جديدا، ويدخلوا الزمن المعاصر بفاعلية كاملة. والتجديد عند المؤلف هو ليس مجرد ترميم للبناء القديم، بينما الأجدى هو إعادة البناء من جديد، وذلك لن يتأتى قط إلا بإقامة عمارة جديدة قوامها: مفاهيم ولغة جديدتان.

ويتأسف عثمان الخشت بداية على كون حركة الإصلاح التي ظهرت في مطلع العصور العربية الحديثة، لم تنتج علوما جديدة ولا واقعا جديدا، بل كل ما فعلته هو استعادة عصور الشقاق وحرب الفرق العقائدية والسياسية التي ضربت الأمة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه. وفشلت حركة النهضة من وجهة نظره في لم شمل الأمة، بل هي زادت من تمزقها، والواقع واضح. لهذا لا يطالب الخشت بـ«إحياء» علوم الدين بل بـ«تطوير» علوم الدين، فمشكلتنا منهجية بالأساس، ولا قائمة لنا دون تغيير «ماكينة التفكير» كليا والعمل بمسح الطاولة والبدء من جديد. وهنا يستلهم التجربة الغربية وكيف أنها دخلت العصور الحديثة حينما غيرت طريقة التفكير، خاصة مع الفيلسوف ديكارت، الأمر الذي دفع المؤلف إلى تخصيص فصل من الكتاب عن الشك المنهجي وضرورته للانطلاق، ليبين لنا، أن هذا الشك المنهجي ليس ضرورة علمية فقط، بل هو ضرورة إيمانية أيضا وصالح لكل العصور، متى استبدت الأبائية والتقليد وذيوع الاتباع. فعمل ديكارت، الذي افتتح عصر الحداثة بكتاب حول المنهج يدعو فيه إلى سحق كل غموض يواجه العقل، أو على الأقل تعليق الأحكام في حال العجز إلى أجل غير مسمى، والعمل على تدريب العقل على الوضوح في مجال العلوم، هو نفسه العمل الذي قام به أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، حينما رفض إسكات عقله تجاه مألوف كبار قومه، فهو أيضا قام بإعمال مطرقة الشك، التي امتدحها القرآن الكريم. فالشك المنهجي دعوة أصيلة ينبغي تشغيلها ضد كل موروث فاسد ومستبد. وطبعا يريد المؤلف أن يعلن من خلال دعوته إلى الشك المنهجي إلى ضرورة تنقية الإسلام من شوائب التاريخ التي علقت به وشوهت نقاءه وصفاءه الأصلي، أي العمل على العودة إلى "الإسلام المنسي" لا المعاش، أو بعبارة أخرى وجب تخليص الإسلام من الموروث الاجتماعي الغريب على جوهره، وإنقاذه أيضا من الرؤية الأحادية (36).

كتاب " نحو تأسيس عصر ديني جديد" للدكتور محمد عثمان الخشت، أستاذ فلسفة الدين والمذاهب الحديثة والمعاصرة ورئيس جامعة القاهرة، وفيه يدعو الكاتب إلي تجاوز "عصر الجمود الديني" الذى طال أكثر من اللازم فى تاريخ أمتنا العربية، من أجل تأسيس عصر ديني جديد، نخرج فيه من دائرة الكهنوت الذى صنعه البشر بعد اكتمال الوحى الإلهي، وتلقفه مقلدون أصحاب عقول مغلقة ونفوس ضيقة لا تستوعب رحابة العالم ولا رحابة الدين (37).

هكذا يقدم الدكتور محمد عثمان الخشت أستاذ فلسفة الدين والمذاهب الحديثة والمعاصرة، ورئيس جامعة القاهرة، لكتابه القيم «نحو تأسيس عصر دينى جديد»، ويرى الدكتور الخشت أنه من غير الممكن «تأسيس عصر دينى جديد» دون تفكيك «العقل الدينى التقليدي» وتحليله للتمييز بين المقدس والبشرى فى الإسلام، . ويقتضى الدخول إلى عصر دينى جديد مجموعة من المهام العاجلة يحددها المؤلف فى تفكيك الخطاب الديني، وتفكيك العقل المغلق، ونقد العقل النقدي، وفك جمود الفكر الإنسانى الدينى المتصلب والمتقنع بأقنعة دينية، حتى يمكن كشفه أمام نفسه وأمام العالَم. (38).

يحاول الخشت في هذا الكتاب أن يطرح رؤية يعتقد أنها رؤية جديدة فيرى: «أن الإسلام الذي نعيشه اليوم هو خارج التاريخ ومنفصل عن واقع حركة التقدم، ولذلك باتت من الضرورات الملحة اليوم العودة إلى الإسلام المنسي لا الإسلام المزيف الذى نعيشه اليوم، ولا يمكن هذا إلا بتخليص الإسلام من (الموروثات الاجتماعية) و(قاع التراث) و(الرؤية الأحادية للإسلام".

ويدين الخشت حركة الإصلاح الديني التي ظهرت في الفكر العربي فيقول: «والجديد مع حركة الإصلاح الديني الحديثة منذ القرن التاسع عشر أنها أنتجت أجيالاً وجماعات تتكالب من الداخل على أمتها ووطنها، وهم شركاء أصليون في حالة الضعف التي تعيشها، وهم فاعلون بامتياز في بذل الوسع في هدم المعبد على كل من فيه من خصومهم» (39) ونحن نتساءل ما مدى مسؤولية أعلام الفكر الإصلاحي أمثال خير الدين التونسي، والطهطاوى، ومحمد عبده، والكواكبي، ومالك بن نبي، وأمين الخولي وغيرهم ممن قدموا فكراً إصلاحياً مستنيراً، عن هدم المعبد؟ فليس لهؤلاء علاقة بتخلق حركات وجماعات العنف والإرهاب، بل المسؤولية تقع على الأنظمة السياسية والقوى العالمية التي شاركت في صناعة هذه الجماعات، وهو ما لم يشير إليه الخشت في كتابه.

ويرفض الدكتور محمد الخشت، في كتابه، تجديد الخطاب الديني التقليدي، فهو يرى أن تجديد الخطاب الديني عملية أشبه ما تكون بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة إذا أردنا أن نقرع أبواب عصر ديني جديد. (40)..

ويرى الخشت في قسم آخر من الكتاب، أنه لا دخول إلى عصر ديني جديد دون تفكيك الخطاب الديني التقليدي الذي كرس تصورا للتفكير قائما على «العقل النقلي» الذي استند إلى الجمود والتطرف إلى حد توقف الاجتهاد في العلوم، فأصبح الحفظ والمقاربة الإنشائية المفرطة هي أساس التعلم. والأنكى أن هذه العلوم تم تغليفها بقداسة لا تستحقها، فهي علوم إنسانية سعت إلى فهم الوحي الإلهي. لقد تم نسيان أن القرآن إلهي، بينما علوم التفسير والفقه وأصول الفقه هي من إنشاء البشر، وهي قابلة للتكذيب والمراجعة وإعادة النظر الدائمة،  فمهما اجتهد فيها واضعوها فهي لا ترقى إلى المطلق أبدا، وتظل رهينة بالظروف السياسية والمصالح وصراع القوى التي أنجبتها. لهذا نجد المؤلف يلح في كتابه على وجوب تكريس «العقل النقدي» الذي يورث الفكر والتفكر بدلا عن «العقل النقلي» الذي لا يورث سوى الوعظ والإدهاش، والإيقاف الفوري للخلط بين المقدس والبشري (41).

وطرح الخشت مهام عاجلة لتأسيس خطاب دينى يتلاءم مع التحديات الراهنة التى تواجه العالم الإسلامي مؤكدا اننا بحاجة إلى خطاب دينى جديد وليس تجديد الخطاب التقليدى، وآن الأوان لنقد شامل للتيارات أحادية النظرة التي تزيف الإسلام، ويدعو الدكتور الخشت، إلى العودة إلى الإسلام النقي المنسي قرآنا وسنة صحيحة، مشيرا إلى أن الإسلام الذى نعيشه اليوم مزيفا بسبب التيارات المتطرفة  والجماعات الإرهابية ومجتمعات التخلف الحضارى، ويؤكد أنه لا يمكن هذا إلا بتخليص الإسلام من «الموروثات الاجتماعية» و«قاع التراث»، و"الرؤية الأحادية للإسلام" (42).

لم يكتف الخشت بذلك بل عمل في كتابه على مجموعة من المهام العاجلة شكلت رؤيته نحو الدخول إلى عصر ديني جديد، مثل؛ تفكيك الخطاب الديني، وتفكيك العقل المغلق، ونقد العقل النقلي، وفك جمود الفكر الديني المتصلّب، وقد الخشت لعملية لعملية التفكيك مجموعة من المراحلٍ؛ أوّلها الشك المنهجي، والثانية التمييز بين المقدس والبشري في الإسلام، والثالثة إزاحة المرجعيات الوهمية التي تكوّنت في قاع التراث. وقال “بعد التفكيك يأتي التأسيس وركنه الأول؛ تغيير طرق تفكير المسلمين، والثاني؛ تعليم جديد منتج لعقول مفتوحة وأسلوب حياة وطريقة عمل جديدة، والثالث تغيير رؤية العالم وتجديد المسلمين، والرابع العودة إلى الإسلام الحر "الإسلام المنسي"، والسادس نظام حكم يستوعب سنن التاريخ. ولن يتحقق كل هذا دون توظيف مجموعة من الآليات لتحقيق حلول قصيرة ومتوسطة المدى” تشمل التعليم والإعلام والثقافة والاقتصاد والاجتماع والسياسة.

ويختتم الخشت، مؤلفه بتساؤل "ماذا يجب أن نفعل؟"، يحدد فيها عدة مهام، قائلًا: المهمة العاجلة هي العمل على تغيير ماكينة التفكير عند الناس، وتجديد فهم المسلمين للدين عن طريق ثورة في التعليم والإعلام، حتى تحل الرؤية العلمية للدين والعالم محل الرؤية اللاهوتية والسحرية القائمة على النقل والحفظ والإتباع الأعمى، وتوعية جديدة في التعليم تعتمد على التعلم والبحث بدلًا من النقل، وطرق تدريس جديدة قائمة على التربية الحوارية، والتوسع في تعليم الفنون، وإزاحة كل المرجعيات الوهمية وتكوين مرجعيات جديدة، والمواجهة الشاملة، والتحول من مرحلة الوعظ والإدهاش إلى مرحلة الفكر والتفكر.

تحيةً للدكتور محمد عثمان الخشت، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة فلسفية ووطنية وشخصية موسوعية، ما جعل زملاءه وتلاميذه من المفكرين والكتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته في تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.. فأطلقوا عليه فى حفل تكريمه (المفكر الأبرز في القرن العشرين مكملاً لكانط).

وتحيةً مني لرجل آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا في محمد عثمان الخشت قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطننا، بهدف الكشف عن مثالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط.

.........................

الهوامش

36- محسن المحمدي: المطلوب تفكيك «العقل المغلق- نحو تأسيس عصر ديني جديد» لمحمد الخشت، الشرق الأوسط، الخميس - 23 شهر ربيع الثاني 1439 هـ - 11 يناير 2018 مـ رقم العدد [ 14289]

37- محمد صبحى: نفاذ النسخة الأولي من كتاب الخشت نحو تأسيس عصر ديني جديد بمعرض الكتاب، جريدة اليوم السابع، الثلاثاء، 04 فبراير 2020 11:35 ص.

38- د. حسين علي : نحو تأسيس عصر ديني جديد، البوابة نيوز، الأربعاء 10/يناير/2018 - 07:43 م.

39- محمد عثمان الخشت: المصدر نفسه، ص 39.

40- محمد صبحى: المرجع نفسه.

41-  محسن المحمدي: المطلوب تفكيك «العقل المغلق- نحو تأسيس عصر ديني جديد» لمحمد الخشت، الشرق الأوسط، الخميس - 23 شهر ربيع الثاني 1439 هـ - 11 يناير 2018 مـ رقم العدد [ 14289]

42- محمد صبحى: المرجع نفسه.

43- محمد الحمامصي: ضرورة صياغة خطاب ديني جديد، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، ع366، 2018، ص 109.

 

محمود محمد عليقراءة  في كتاب" نحو تأسيس عصر ديني جديد " للدكتور محمد عثمان الخشت

في هذا المقال نعود ونكمل حديثنا عن مواجهة التطرف من خلال قراءتنا النقدية كتاب "نحو تأسيس عصر ديني جديد" للدكتور محمد عثمان الخشت فنقول:" ينتقد الخشت سيادة العقل المغلق الأحادي التفكير «لأن صاحب العقل المغلق لا يستطيع أن يتجاوز ذاته أو عالمه الخاص، ومن المستحيل أن يرى شيئاً خارج عقله، ولا يستطيع أن يتجاوز أفكاره المظلمة، ولا يمكنه أن يرى غير أفكاره هو، ويعدها يقينية قطعية لا تقبل المناقشة، بل يصل به الحد إلى الاعتقاد بأنها ذات طابع إلهي، وأن الله تعالى معه، بل إنه ممثل الله على الأرض، والله ليس رب العالمين بل ربه هو فقط" (21).

وتحت عنوان "حتى لا نعيد إنتاج عقول مغلقة" أرجع الدكتور الخشت ما نعانيه من انغلاق لأسباب منها مناهج التعليم القائمة على التلقين التى لا تصنع عقولاً إيجابية منفتحة وفعالة بل تصنع عقولاً غير فعالة، ويرى أن عدم تطوير التعليم سيجعل البديل هو الإرهاب (22).

هذا الإرهاب الغشوم الذي لم يعرفه المسلمون الأوائل قوة بارعة منفلته خارج قواعد الحرب، ولا تلتزم بأي أخلاق للمواجهة، إرادة لا عقلانية لا أخلاقية خارجة من متاهات الرفض والكراهية ومهما دمر الإرهاب وفجر وروع وقتل يظل حفارا لقبره قبل قبور من يراهم خصوما عاجزا عن الفعل والإنجاز

ولذلك يوضح الخشت في هذا الكتاب كيف يري الإرهابيين مسرفين في الأرض .. مسرفين في الدماء وأنهم أصحاب دين الخوارج الذي هو جبر وجبروت وإجبار، ومن ثم ينتقد الخشت الرؤية الأحادية للإسلام لأنها تنظر إلى الإسلام من زاوية محدودة وضيقة، ولذا ينتقد الخشت أحادية النظرة الإسلامية المتشددة، وكذلك أحادية التوجهات العلمانية فى موقفها من الدين، ويرى الخشت أن التيارين على رغم تعارضهما يشتركان فى مجموعة من الصفات التي تجعل الصراع بينهما صراعاً عقيماً، وأهم صفة مشتركة بينهما هي «وهم امتلاك الحقيقة المطلقة» فكلاهما يزعم أنه وحده الذي يعرف الحقيقة، ويمتلك مفاتيح الخلاص، ولذلك فكلاهما متعصب وكلاهما دوغماطيقى، وكلاهما يجرنا إلى حافة الهوية» (23))، ولكن على رغم نقد الخشت للعقل المغلق، ونقده للنظرة الأحادية للإسلام، فهو نفسه يروج بعقل مغلق سلفي، ونظرة أحادية لفترة صدر الإسلام على أنها الحلم الذي ينبغي أن نعود إليه لنستقي رؤيتنا للإسلام (24) .

ويمضى الفصل الرابع من الكتاب، وعنوانه حتى لا نعيد إنتاج عقول مغلقة فى بيان أهمية التعليم، وأثره فى تنمية منهج التفكير، والقضاء على الانغلاق الفكرى، وينظر (الخشت) إلى تطوير التعليم والبحث العلمى وسيلة وغاية لتحقيق الأمن القومى المصرى والتنمية فى المجالات المختلفة (25).

إن التخطيط الواضح لمستقبل العلم الحديث أساس للنهضة والتقدم نحو التجديد والابتكار وبناء الشخصية المصرية القوية . ويضع (الخشت) تصورا جادا لتطوير التعليم، وتحقيق غاياته الثقافية والحضارية فى إطار استراتيجي لحساب المشاكل والحلول. استراتيجية قومية واضحة ومحددة ذات فلسفة اجتماعية فى التربية والتعليم والبحث العلمي، حتى يكون التعليم هو البوابة الذهبية لبناء مصر المستقبل. حيث التعليم القائم على الحوار والفكر والابتكار لا الحفظ والتلقين، التعليم من أجل الوعى النقدي، وممارسة الحرية. (26).

وكذلك تطوير المحتوى التعليمى ليتناسب مع متطلبات إعادة بناء مصر ثقافيا وسياسيا، واحتياجات المجتمع وسوق العمل. وذلك لمعرفة الحقائق، وتربية الفرد، وتكوين المجتمع الديمقراطى، باعتباره ضرورة من ضرورات الحياة. فالتعليم هو صانع الموارد البشرية، والنهضة الصناعية والزراعية والتنمية الشاملة (27)، القائمة على التكنولوجيا الحديثة. والقدرة على صنع هذه التكنولوجيا، لا استيرادها، والعمل على ربطها بالثقافة والتعليم الذكي الحديث القائم على هذه التكنولوجيا، لا الوسائل القديمة (27)، ويحلم (الخشت) بهذه الثورة العلمية التعليمية قائمة على الجهد والعمل، لا الشعارات الجوفاء. وكذلك العمل على إتاحة الموارد المالية للإنفاق على البحث العلمي، والنهوض به. ويجب وضع خريطة عمل من أجل أن يكون العلم في قلب المشروع القومي لمصر، وانفتاحه على الآفاق العلمية العالمية الحديثة. (28).

وعنوان الفصل الخامس تجديد المسلمين وبحث الفجوة بين الإسلام بمثاليته الرفيعة، وبين المسلمين وواقعهم المتردي، فالإسلام يقدم نموذجا عالميا للدين الذى يلائم الطبيعة الإنسانية، ويعترف بالتنوع الكوني والإنساني، ويؤكد أن التعددية سنة إلهية، ويميز بوضوح بين البشرى والإلهى (29).

أما الفصل السادس، وعنوانه: الإسلام الحر فيتجه إلى تقديم نماذج من الفقه الإسلامي الحر الذى جابه الجمود والانغلاق والتعصب فى كل زمان ومكان، فى تمييز راجح بين الثوابت والمتغيرات، فالعدل، مثلا، قيمة مطلقة، لكن الإجراءات الضامنة له متغيرة. والمجال مفتوح –دوما- للاجتهاد الذى يدور حول المصلحة المجتمعية، المحكومة بمعايير الشرع ومقاصده . والإسلام الحر عودة لمنابع النهر الصافية، القرآن والسنة الصحيحة. والاجتهاد واجب دون فرض رأى، وادعاء أفضلية على رأى آخر. ولابد من السعي إلى التخلص من الشبهات والشوائب التي تشوه الإسلام (30).

والإسلام الحر هو الجوهر الخالص من الشوائب، القائم على تعدد الرأي، المتسم بالأصالة  والحرية مسئولية لا فوضى فى إطار الالتزام بتطبيق القانون . والحرية هي الحق في فعل كل ما تسمح به القوانين. ومضى (الخشت) يوضح معالم الحرية الخاصة، وحرية العقيدة وفق منهج ديني عقلي رشيد. ويتناول الخشت الإبداع والفن والسينما، ودور ذلك فى الرقى الإنسانى بعيدا عن الابتذال والانحطاط الأخلاقي. وتذوق الجمال – حسب مفهوم أحد أدباء أوربا- ينشأ من الشعور بالاحترام والعرفان بالجميل، والسرور النابع من إدراك صنعة الخالق في الطبيعة والطريق إلى الفن هو القلب.، والفن الأصيل تطهير للنفس الإنسانية، اتساقا مع الدين الذى يرسخ قيم الحق والخير والجمال، ويعيد للإنسان نقاءه العقلي وتصالحه مع ربه ونفسه وعالمه، بتعبير (الخشت) (32).

وعنوان الفصل السابع، وهو الفصل الأخير الحاكم الناجح بين قوانين القرآن وسنن التاريخ. وهو قراءة ضافية لقصة ذى القرنين فى القرآن الكريم. وينطلق منها إلى العبر والدروس المستفادة فى قراءة التاريخ ومعرفة قوانينه، لتكون منهاجا للفرد والمجتمع نحو حياة أفضل (33).

من ذلك الجمع بين التفكير الديني الصحيح، والتفكير العلمي المنضبط، مما تمثل فى شخصية ذى القرنين حاكما عادلا عاملا. ولنهوضنا يجب امتلاك الإرادة والتفكير المنظم، وإقامة الدولة على أساس العدالة والصدق، ومواجهة الإرهاب بكل قوة، والإعداد للقضاء عليه بكل عدة، وإرادة النصر على التخلف والإرهاب، والأخذ بالأسباب والتخطيط، الأخذ بأسباب التمكين والتنمية ومواجهة الإرهاب بكل قوة، وهى الأيقونة التى نستخلصها – مع الخشت- من قصة (ذى القرنين)، بل من قصة الدين والعلم والحياة (33).

6- الخاتمة:

وختاما نقول إن كتاب عنوان " نحو تأسيس عصر ديني جديد"، سياحة فكرية قامت علي نظرية جديدة في الفكر الإسلامي تقوم علي النسخ والتفكيك لكل ما هو قديم، ثم إعادة تأسيس واقع ديني جديد، وطريق الخلاص عند الخشت يقوم علي العودة إلي الإسلام النقي، أو الإسلامي المنسي حسب تعبيره، وأن الإسلام الحالي شوهته وزيفته الأفكار المتشددة والمتطرفة، ومن هنا تأتي الحاجة إلي تأسيس منظومة كلها جديدة من المرجعيات والفقه والحديث والتفسير.

ولذلك رأينا الخشت يدعونا إلي تجاوز عصر الجمود الديني والذي يعتبره انه طال أكثر من اللازم، ويعترض علي مفهوم التجديد في الفكر الإسلامي، لأنه ترميم لبناء قديم ومتهالك حسب رأيه .

والواقع أن كتاب الخشت الجديد "نحو تأسيس عصر ديني جديد" على رغم أنه يحمل على الحركة الإصلاحية العربية، إلا أنه لم يخرج في إطاره العام عن آراء تلك الحركة، ولكنه فقط اختلف عنها فى القالب اللغوي الذي عرض به أفكاره حيث قام بتوظيف بعض المفاهيم الجديدة في المنهجيات الحديثة عند ديكارت، وجاك دريدا، وغيرهما، فالكتاب هو دعوة قديمة في قالب جديد، وإن كان لا يخلو من ومضات ثاقبة أحياناً، كما يحسب له أنه كتب بلغة مبسطة  لأن الكتاب في الأصل هو مجموع مقالات كتبها الخشت في جريدة "الوطن".

وعلي هذا النحو يترسم الخشت في كتابه " نحو تأسيس عصر ديني جديد " طريقا هادفا إلي استئصال شأفة التطرف الغارق في رواسب المضي وكل ما يتمخض عنه من مزاعم إرهابية تشوه الحاضر وتحاول يائسة أن تغلق أبواب المستقبل من دون أن ينزلق إلي التطرف المضاد : دعاوي استئصال الظاهرة الدينية المستحيل، أو تجحيمها الخاسر في واقعنا الأنثروبولوجي الذي يسهم الدين بالنصيب الأكبر في تشكيل ثقافته، أي رؤية للعالم وتوسم بأنها الدائرة الإسلامية مما يجعل تأسيس عصر ديني جديد وخطاب ديني جديد فرض عين علي المثقفين جميعا (35)

ويخلص الخشت في جميع مؤلفاته ومشاريعه الفكرية إلي أن الأمة الإسلامية تكون في خير إذا خلت الرؤية العلمية للدين محل الرؤية اللاهوتية السحرية القائمة علي النقل والخفظ والاتباع الأعمى .... وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط.

الهوامش

21- د. محمد عثمان الخشت : المصدر نفسه، ص 61.

22- المصدر نفسه، ص 64.

23- المصدر نفسه، ص 75-76.

24- المصدر نفسه، ص 76.

25- عوض الغبارى: المرجع نفسه،  ص 389.

26- المرجع نفسه،  ص 390.

27- المرجع نفسه،  والصفحة نفسها.

28- المرجع نفسه،  والصفحة نفسها.

29- المرجع نفسه،  ص 91.

30- المرجع نفسه،  ص 92.

31- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

33- المرجع نفسه،  ص 93.

34- المرجع نفسه،  ص 93.

35- يمني طريف الخولي : مواجهة التطرف .. قراءة في كتاب الخشت نحو تأسيس عصر ديني جديد.

 

 

محمود محمد عليقراءة  في كتاب: "نحو تأسيس عصر ديني جديد" للدكتور محمد عثمان الخشت

نعود ونكمل حديثنا عن مواجهة التطرف من خلال قراءتنا النقدية كتاب" نحو تأسيس عصر ديني جديد " للدكتور محمد عثمان الخشت فنقول:" يشغل الدكتور الخشت حاليًا منصب رئيس جامعة القاهرة، كرمته جامعة القاهرة في عيد العلم 2013 نظرًا لإسهاماته الأكاديمية والإدارية في الدراسات العليا والبحوث والمشروعات الثقافية، وحصد مئات شهادات التقدير والدروع من جامعات ومُؤسسات دولية وإقليمية ومحلية عبر أربعة عقود".

ومحمد الخشت هو صاحب نظرية جديدة في تطور الأديان قدمها في كتابه تطور الأديان، وفيه تمكن الخشت من تقديم أول مُقارنة شاملة بين الأديان والفلسفات من منظور نظريات التطور، تجمع بين الوصف العلمي والتحليل الفلسفي والنقد العقلي المُلتزم بمعايير المنطق، ونجح في توظيف تلك المعايير في أشكالها الأكثر تطورًا في عصر الحداثة وما بعد الحداثة.

تتميز كتاباته بالوسطية والعقلانية، وتكشف هذه الكتابات عن تعمق كبير في العلوم الإنسانية والعلوم الشرعية، ويتميز أسلوبه بالوضوح والمنطقية. وهو مستشار جامعة القاهرة الثقافي.

وقدم الخشت مشروعًا جديدًا لتجديد الفكر الديني قائم على العقلانية النقدية، حيث يرى ضرورة تطوير علوم الدين، وليس إحياء علوم الدين القديمة. ودعا الخشت إلى صياغة خطاب ديني جديد بدلًا من تجديد الخطاب الديني القديم، وأعاد الخشت كتابة علوم الحديث في صيغة عصرية، كما أعاد تأويل موقف الشريعة من قضايا المرأة منذ ثمانينات القرن العشرين.

3- التعريف بالكتاب:

كتاب " نحو تأسيس عصر ديني جديد" للدكتور محمد عثمان الخشت، صدر في عام 2017 عن دار "نيو بوك للنشر والتوزيع"، وعدد صفحاته (246 ورقة)، وهذا الكتاب في الأصل كان يمثل كان مجموعة من المقالات الفكرية للدكتور محمد الخشت، والتي تم نشرها في جريدة الوطن في الفترة من 2013 إلى 2015، وتمت استعادتها وفق تصنيف مختلف يتلاءم مع طبيعة مفهوم الكتاب.

في هذا الكتاب يشخص الخشت داء الأمة الذي أدي إلي تخلفها في كلمتين، هما "الانغلاق العقلي"؛ فإذا كانت الأمم الناهضة تسلك في حاضرها واضعة عيونها علي المستقبل، فإن أمتنا الإسلامية، هي الوحيدة بين الأمم، التي تسلك وعيناها علي الماضي، تراعيه وتهتدي به وتلتزم بخبراته !! لذلك يشبه الخشت العقل المغلق بالجنين في رحم أمه، لا يود أن يفارقه، ولا يعلم من عالم الأشياء شيئاً (8).

ثم يغوص الخشت إلى مستوي أعمق في تشخيص الداء، فُيرجع هذا الانغلاق العقلي إلي أسباب فلسفية وواقعية ونفسية، ويصف محصلة هذه الأسباب  بأن "المجتمع ينجب حفار قبره"، فيولد الإرهابيين الذي يسفكون الدماء ويمزقون الأشلاء، مثلما يولد الظلاميين الذين يئدون مستقبل الأمة (9) .

والكتاب يقع في سبعة فصول ضافية، يقدم لها " الخشت" بجوهر فلسفته، حيث يفتتح كتابه بالتأكيد علي أن الإسلام الذي نعيشه اليوم هو خارج التاريخ ومنفصل عن واقع حركة التقدم، ومن ثم بات من الضروري العودة إلي "الإسلام المنسي" لا الإسلام المزيف الذي نعيشه، ورأى أن ذلك لا يمكن أن يكون دون تخليص الإسلام من الموروثات الاجتماعية وقاع التراث، والرؤية الأحادية، فالنظرة إلى الإسلام من زاوية واحدة ضيقة تزيف الإسلام، ولذا من الفرائض الواجبة توجيه النقد الشامل لكل التيارات أحادية النظرة سواء كانت إرهابية أو غير إرهابية (10)

ورأي الخشت تكوين خطاب ديني جديد وليس تجديد الخطاب الديني، لأن تجديد الخطاب الديني عملية أشبه بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة وتهجينها بلغة ومفردات العلوم الاجتماعية والإنسانية وفق متغيرات العصر وطبيعة التحديات التي تواجه الأمة، ونشر وممارسة مفاهيم التنوع والتعددية وقبول الآخر، وإعداد كوادر واعية بصحيح لا فقط بدراسة العلوم الشرعية بل بدراسة العلوم الإنسانية والاجتماعية (11).

وعمل محمد الخشت في كتابه علي مجموعة من المهام العاجلة، شكلت رؤيته نحو الدخول إلى عصر ديني جديد، مثل تفكيك الخطاب الديني، وتفكيك العقل المنغلق، ونقد العقل النقلي، وفك جمود الفكر الديني المتصلب (12).

ولذلك المسلمون – الآن- في حاجة إلي النقد والمراجعة والفقهاء والعلماء في حاجة إلى نبذ الجمود في فهم الإسلام وإلى التحرر الفكري علي أساس التمييز بين المقدس والبشري في الإسلام، وتغيير طرق التفكير، وتغيير رؤية العالم، وتطوير التعليم لبناء مجتمع قوى من كل النواحي الاجتماعية والثقافية والإنسانية والعودة إلي المنابع الصافية للإسلام، وللقرآن والسنة الصحيحة (13).

والفصل الأول من الكتاب وعنوانه " الشك المنهجي وتأسيس عصر ديني جديد"، وفي هذا الفصل اعتمد الدكتور الخشت على قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام فى الإيمان وطريقته فى البحث عن الله، وبناء عليه طالب الخشت أن نتبنى "الذات المفكرة" التي تتبنى فكرة الشك المنهجي واستشهد بما فعله الفيلسوف الشهير ديكارت للوصول إلى الحقيقة، مؤكد أننا في عالمنا الإسلامي نحتاج بشدة إلى الشك المنهجي للخروج من دوامة التضليل لا من أجل فوضى الأفكار، يقول الخشت :" هنا رفض إبراهيم عليه السلام إسكات العقل وهناك رفض ديكارت ورفاقه إسكات عقولهم، مع إبراهيم بدأ دين جديد يرفض التقليد، ومع ديكارت ورفاق عصره تم الشروع في تأسيس عصر جديد وخطاب ديني جديد تراجع فيه لاهوت العصور الوسطى الذي كان يحتكر فيه رجال الدين في أوروبا الحقيقة الواحدة والنهائية" (14).

ورأى الخشت أن إبراهيم استخدم عقله فمرّ بمرحلة شك ضرورية امتدحها القرآن الكريم، ومنها وصل إلى رفض القديم، فالشك المنهجي ضروري للإيمان المنضبط، والشك المنهجي ضروري للعلم، والشك المنهجي ضروري لتأسيس خطاب ديني جديد في كل العصور. وليست وظيفة الفكر الخروج من الشك إلى اليقين فقط، ولكن أسمى وظائفه هي التفكير والتدبّر وإخضاع كل شيء للفحص (15).

وقال :"تحرير الإيمان من الشك يستلزم رفض الوسطاء، وهنا يكمن أحد أهم مداخل تكوين خطاب ديني جديد، فلقد رفض إبراهيم سلطة الكهنة والمتحدثين باسم الألوهية، وهنا وجد الحقيقة الإلهية وجها لوجه، بعد أن وصل إلى حقيقة وجود الله عن طريق التفكير المنهجي والهداية الإلهية" (16).

أما عنوان الفصل الثاني من هذا الكتاب فهو تفكيك الخطاب الديني التقليدي  بمعنى تطوير علوم الدين لا إحيائها، وإن كان (الخشت) قد غلبته رغبة التناص مع الكتاب الفذ للغزالي، وهو كتاب إحياء علوم الدين فغمط المفهوم الأصيل للإحياء من حيث هو عملية ضرورية للنقد المنهجي بغرض تجديد الخطاب الديني، إذ الإحياء -هنا – استعارة تنتقى من الخطاب الديني القديم ما يتوافق مع الواقع الجديد، ولا يعنى الإحياء – بالضرورة- التقليد أو الاتباع في غير طائل (17)  .

وفي هذا الفصل ناقش الخشت  "تفكيك الخطاب الديني التقليدي"، ورأى أن الهدف من هذا التفكيك "تطوير" علوم الدين لا "إحياء" علوم الدين، موضحًا أن الدين نفسه لا يتجمد لكن الذى يتجمد هو عقول فسرت النصوص القرآنية والنبوية الواضحة والمباشرة بأيديولوجيات عقيمة تجمدت معها المنومة العقائدية والتشريعية فى كهنوت بشرى يتخفى في ثوب إلهى، ومن هنا يطالب الخشت بتفكيك ينقد البشرى ولا يتنكر للإلهي، ويكون هدفه الوصول إلى الدين في حالته الطبيعية الأولى، كما يشير إلى أن الأزمة أكبر مما تبدو فإن ضياع المعنى والعقل يكون في التيارات الدينية المغلقة ويكون في حركات ما بعد الحداثة أيضًا  (18).

ويبلور الخشت منهجه في تفكيك الخطاب الديني التقليدي، وإحلال الجديد مكانه في هذا النص المهم: فعملية التفكيك لابد أن تسبق عملية إعادة البناء، لكنه ... ليس تفكيكاً على شاكلة المشككين الذين يساهمون في استمرار عملية السيولة التي تهدد الأوطان... التفكيك الذى ندعو إليه هو النقد والتحليل العقلاني... ولا ينكر الحقيقة الموضوعية... ولا ينكر وجود قيم مطلقة، بل يتحرى في الوصول إليها بمعايير علمية صارمة. ولا يتنكر للإلهي، بل يقصد إليه شعوريا في عملية توحيد خالية من الشرك.. ومن ثم تمييز الإلهي عن البشرى في الفكر والعلوم، ونزع القداسة الإلهية عن المرجعيات البشرية التي تنتحل الصوت الإلهي، وتتحدث باسم الحقيقة المطلقة، ومن دون هذه العملية لن يمكن فتح باب الاجتهاد والتجديد الحقيقيين (19).

وعنوان الفصل الثالث من الكتاب "العقل المنغلق" وصف الخشت فيه الانغلاق الفكري المؤدى إلى العنف والتطرف"، حيث تحدث الخشت عن آفة  أصبحت مستشرية، وهي ذيوع ما يسميه بـ"العقل المغلق" الذي يشبهه بالحجرة المظلمة التي لا نوافذ لها ولا ترى النور قط، ومن بداخلها لا يرى شيئا، لا في الداخل أو الخارج، ولا يتنفس إلا القديم والفاسد من الهواء. وقد قدم لنا الخشت وصفاً لهذا العقل المغلق فهو «يستأثر بالحقيقة ولا يرغب في فتح قنوات الحوار إلا إذا كان مضطرا، ولكن دون تقديم تنازلات، كما أنه لا يدخل عهداً إلا إذا كان ضعيفاً ما يلبث أن ينقضه حالما يقوى، فالتقية سلاحه الذهبي في خداع الآخرين، وهو ينغلق على نظام قيم معينة بتجمد، ولا يبحث عن الأرضية المشتركة مع التيارات الأخرى، متشبعاً بثقافة السلطة، يسعى إلى نفي المختلف ويسمه بنعوت قدحية، يرى أن الله ليس رب العالمين بل ربه هو فقط، يؤمن أن الحق يُعرف بالرجال وليس لأنه حق... وكما يبدو بأن العقل المغلق ليس حكراً على الأصولية الدينية بل هي طابع يوجد حتى عند الأيديولوجيات المتطرفة (20)... وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط.

........................

الهوامش

8- د. عمرو شريف (تصدير) : تجديد العقل الديني في مشروع الخشت الفكري، تحرير د. غيضان السيد علي ن مراجعة د. هشام زغلول، روابط للنشر وتقنية المعلومات، ص 16

9- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

10-د. محمد عثمان الخشت : نحو تأسيس عصر ديني جديد، نيو بوك للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 2017، ص 11.

11- محمد الحمامصي: ضرورة صياغة خطاب ديني جديد، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، ع366، 2018، ص 109.

12- المرجع نفسه، ص 110.

13- عوض الغبارى: نحو تأسيس عصر دينى جديد، بحث منشور ضمن كتاب تجديد العقل الديني في مشروع الخشت الفكري، تصدير، د. عمرو شريف، تحرير د. غيضان السيد علي ن مراجعة د. هشام زغلول، روابط للنشر وتقنية المعلومات، ص 356

14- د. محمد عثمان الخشت : المصدر نفسه، ص 14.

15- المصدر نفسه، ص 15.

16- المصدر نفسه، ص 16.

17- عوض الغباري: المرجع نفسه، ص 358.

18- د. محمد عثمان الخشت : المصدر نفسه، ص 32.

19-عوض الغبارى: المرجع نفسه،  ص 386.

20- محسن المحمدي: المطلوب تفكيك «العقل المغلق- نحو تأسيس عصر ديني جديد» لمحمد الخشت، الشرق الأوسط، الخميس - 23 شهر ربيع الثاني 1439 هـ - 11 يناير

 

محمود محمد عليقراءة  في كتاب" نحو تأسيس عصر ديني جديد " للدكتور محمد عثمان الخشت

1- تقديم: ما زلت أومن، بل ربما أكثر من ذي قبل، بأن ظاهرة التطرف، أضحت ظاهرة بارزة في واقعنا المعاصر، واتخذت أبعاد دينية وسياسية ومجتمعية خطيرة، كانت لها أعراف وخيمة، ونتائج سيئة، وانعكاسات سلبية علي وطنا العربي بصفة خاصة، والإنسانية بصفة عامة، علي جميع المجالات والميادين والأصعدة والمستويات، وقد أدت هذه الظاهرة غير الصحية، أو الظاهرة الدخيلة علي واقعنا العربي المعاصر إلى ظهور مجموعة من السلوكيات الشائنة غير الشرعية وغير المقبولة قانوناً، مثل العنف، والغدر، والتعصب، والإرهاب، والترويع، والتخويف، والتقتيل، وزرع الفتنة،، وتهجير الساكنة الآمنة، وطردها من بلادها الأصلية، ورفض الحوار والاختلاف والحجاج، والميل نحو عدم التسامح والتعايش مع الغير أو الآخر (1).

ولا يعني هذا أن ظاهرة التطرف مرتبطة ببعض الأفراد والجماعات المتشددة والمغالبة في مجتمعنا العربي – الإسلامي فحسب، بل هي ظاهرة بارزة ومنتشرة كذلك في المجتمعات الغربية، والمجتمعات الإنسانية كلها، منذ بداية التاريخ الإنساني، وبالضبط مع قتل قابيل لهابيل تعبيراً عن فكره " المتطرف"، وتعصبه لرأيه المتشدد قصد الاستحواذ بأخته الجميلة للتزوج بها، دون أخيه الذي فضله الله عليه بسبب تواضعه الجم، وسماحته النيرة، وتدينه الصادق، وسخاء قرابينه، وبهذا يكون قابيل قد ارتكب أول جريمة في تاريخ البشرية والإنسانية باسم الغلو، والتشدد، والتنطع،، ولكن لا علاقة بالتطرف، بأي حال من الأحوال، بالأديان والشرائع السماوية التي منعت التطرق والتشدد والغلو بشكل واضح وجلي، ونهت عنه جملة وتفصيلاً (2).

وأما عن  التطرف الفكري فقد برز في وقت مبكر من تاريخ المجتمع البشري، حتي قبل أن تنعقد التركيبة الاجتماعية، سواء في منظومتها الفكرية أو في وسائلها الحياتية، لأن في أسباب التطرف الفكري ما ليس رهنا بالتركيبة الاجتماعية المتطرفة، وإنما يتجسد في البيئة الساذجة علي وجه التحديد. ولطالما وجد التطرف الفكري لا كحالة في الفرد والمجتمع وإنما كظاهرة اجتماعية تتسع وتضيق حسب عوامل نشوئها، وحجم تفاعل هذه العوامل وتأثيرها، ولم يقتصر ذلك علي صعيد معين من أصعدة الحياة، وإنما يكاد يشمل أو يشمل بالفعل جميع الأصعدة، لأن التطرف الفكري يتحقق أينما تحقق سببه وعلي أي صعيد (3).

إن للتطرف الفكري وجهين، أحدهما مكشوف والآخر مقنع، فكما يوجد التطرف الفكري المكشوف، والذي يمكن تشخيصه  دون تعقيد، وكذلك هناك التطرف الفكري المقنع الذي تضيع معه البصلة، لا سيما إذا أتخذ صيغة علمية، وظهر بوجه حضاري، فيترك تأثيراً كبيراً وخطيراً في الشعوب والمجتمعات، وربما يصل إضلاله حد تصور أنه النهج الصحيح، وما عداه هو الشذوذ والخطأ (4).

ولقد عرف الخطاب العربي – الإسلامي المعاصر أشكالاً متعددة عن التطرف الفكري، وتناولته وجهات نظر فكرية، وإيديولوجية مختلفة باختلاف المراحل التاريخية التي مرت بها الثقافة  العربية- الإسلامية، ولأن الخطاب هو المقول عن القول الذي أسسته قراءة تحتاج إلي تعددية النقد والتأويل والتعامل معها إيجاباً وسلباً، فقد تأسس الخطاب منذ عصر النهضة مع الإمام "محمد عبده" إلي اليوم علي مقولتي " الأصالة والمعاصرة"، ورغم أنه يظهر نظرياً أعمق تفاعلاً مع نصوصه وأكثر انفتاحاً علي الآخر، ورغم ضخامة المشروع النهضوي، وأهمية أسئلته، فإنه لم يحقق المأمول والمقاصد، لأن الأخذ عن الغرب العلماني كان يقابله التمسك بخطاب إسلامي متضخم متصل بالنموذج الإسلامي المطلق، ذلك أنه عندما ينطلق هذا الخطاب من المستقبل ليولي وجهه نحو الماضي، فإنه إنما يعبر عن عجزه عن ممارسة السياسة في الحاضر الشئ الذي يفقده القدرة علي بناؤ حلم مطابق، علي إضفاء نوع من الواقعية علي طموحاته (5).

ولهذا، لم يتحقق خلم النهضة الإسلامية وما تلاها من محاولات التحرير والتنوير ولم يتمكن الخطاب الديني من فهم الواقع الإسلامي والإجابة عن أسئلة المرحلة، فظل مغلقاً متعثراً دون أن يستجيب لنداء  التغيير، أو ينفتح نفق النقد والتأسيس لخطاب ديني جديد، يمكن أن يكون أفقاً للتعبير عن روح المشروع الإسلامي، من عمق هذه الأزمات المتلاحقة، كان مطلب التجديد مطلباَ ملحاً علي الفكر الإسلامي، ليس لأجل التجديد، وإنما لأجل ملء الفراغ الروحي والمادي، وتخطي اللوث الميتافيزيقي الذي أحاط بالعقل ورمي به إلي هاوية الانحطاط والسقوط، يصبح التجديد هو الغاية وهي المساهمة في تطوير الواقع وحل مشكلاته والقضاء علي أسباب معوقاته وفتح مغاليقه التي تمنع أي محاولة لتطويره (6).

لماذا لم يتمكن الخطاب الديني الإسلامي من تجديد أفقه المعرفي، وتأسيس رؤية أنطولوجية تقوم علي النقد والمجاوزة، وعلي تحرير النص من لوث القديم الذي لم يعد قادراً علي الإبداع والتعبير عن أسئلة الواقع الإسلامي، ولم تكن المشاريع التجديدية منذ النهضة ترفع تجديداًَ ثورياً يأتي علي كل شئ ويسأل كل المقدسات ويقوضها ويفكك أيقوناتها، وينشد السعي إلى تغيير كل شئ من أساسه، وضمن هذه المشاريع النهضة إلى التجديد الفكري، وإلى تحرير الخطاب الديني الإسلامي من الرشح الأصولي الميتافيزيقي، ومن اغترابه في حداثة غربية معطوبة متمركزة حول ذاتها، خلعته عن واقعه واسقطت وجوده في النسيان، يسعي الفيلسوف المصري الأستاذ الدكتور "محمد عثمان الخشت" إلى المساهمة في نقد العقل الفقهي اٌلإسلامي وتفكيك خطابه الأصولي مستفيدا من الرجوع للينابيع الأولي من الكتاب والسنة وما اتفق عليه فيه السلف والخلف الصالح، متسلحا بسلاح خبرته الطويلة في مجال الفلسفة الحديثة والمعاصر وفلسفة الدين ومقارنة الأديان.

2- التعريف بالمؤلف:

يعد الأستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت، واحداً من كبار المفكرين المصريين المتخصصين في فلسفة الدين القلائل الذين تعاملوا مع الفلسفة بروح تجديدية منفتحة، وهو من الفلاسفة الذين لا يثيرون الجدل بكتاباتهم بقدر ما يثيرون الإعجاب، ويدفعون إلى التأمل (7)، وهو يشغل الآن رئيس جامعة القاهرة، وهو رائد في فلسفة الأديان في العالم العربي، وأول من وضع يده علي العناصر العقلانية وغير العقلانية في الدين من خلال كتابه المعقول واللامعقول في الأديان، قال عنه المفكر الكبير الدكتور " حسن حنفي" (في مقدمته لكتاب العقل وما بعد الطبيعة)  قال:" إن روح الفارابي تعود من جديد في محمد عثمان الخشت"، وهو موسوعي الثقافة، يجمع بين التعمق في التراث الإسلامي والفكر الغربي. تتميز مؤلفاته بالجمع بين المنهج العقلي والخلفية الإيمانية. له كتابات مرجعية في أصول الدين والمذاهب الحديثة والمعاصرة.

ولد الدكتور محمد عثمان الخشت  في الأول من يناير لسنة 1964م، ودخل قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، ثم أصبح الخشت مُعيدًا بدايةً من عام 1986م، وترقى إلى درجة مُدرس مُساعد بعدها بأربع سنوات عقب حصوله على درجة الماجستير. ثم في عام 1993م، نال درجة الدكتوراه وأصبح مُدرسًا بالكلية ذاتها. إلى أن أصبح أستاذًا مُساعدًا عام 2003 م عقب قيامه بأبحاث الترقي، إلى أن وصل إلى الأستاذية عام 2008 م بعد استيفائه مُتطلبات الدرجة.

كان محمد الخشت متميزاً في دراسة فلسفة الدين في مصر، والعالم العربي؛ حيث استطاع ببحوثه ومؤلفاته أن ينقل لنا البحث في فلسفة الدين من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلى مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلى أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

علاوة علي أن محمد الخشت يجمع بين التعمق في التراث الإسلامي والفكر الغربي. وتقدم أعماله رؤية جديدة لتاريخ الفلسفة الغربية تتجاوز الصراع التقليدي منذ بداية العصور الحديثة؛ وتتميز مُؤلفاته بالجمع بين المنهج العقلي والخلفية الإيمانية ونسج منهجًا جديدًا في فنون التأويل يجمع بين التعمق في العلوم الإنسانية والعلوم الشرعية وتاريخ الأديان والفلسفة.

وبلغت مُؤلفات الخشت (من آخر تصنيف موسوعة ويكبيديا) عدد (41) كتابًا منشورًا و(24) كتابا مُحققًا من التراث الإسلامي، مع عدد (28) من الأبحاث العلمية المُحكمة المنشورة، و(12) دراسات منشورة في مجلات عربية؛ ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: روجيه جارودي: نصف قرن من البحث عن الحقيقة، حركة الحشاشين: تاريخ وعقائد أخطر فرقة سرية في العالم الإسلامي، مدخل إلى فلسفة الدين، مقارنة الأديان: الفيدية، البرهمية، الهندوسية، الدين والميتافيزيقا في فلسفة هيوم، فلسفة العقائد المسيحية، أقنعة ديكارت العقلانية تتساقط، العقل وما بعد الطبيعة بين فلسفتي هيوم وكنط، فقه النساء في ضوء المذاهب الفقهية والاجتهادات المعاصرة، المعقول واللامعقول في الأديان بين العقلانية النقدية والعقلانية المنحازة، الشخصية والحياة الروحية في فلسفة الدين عند برايتمان، تطور الأديان، نحو تأسيس عصر ديني جديد ...الخ. وكان قد صدر أول كتاب منشور له عام 1982، كما صدرت أربعة كتب عن فكره وإسهاماته العلمية باللغة العربية والإنجليزية، كتبها عشرات من أساتذة الجامعات المصرية والعربية ومُحررون أجانب، فيما صدر عنه وحول فكره أكثر من 78 بحثًا علميًا مُحكمًا، وقد تُرجمت بعض أعماله إلى لغات أخرى مثل الألمانية والإنجليزية والإندونيسية.

ثم تولى الخشت الكثير من المناصب القيادية بجامعة القاهرة، من بينها المُستشار الثقافي للجامعة (2002- 2013)؛ ومُدير مركز جامعة القاهرة للغات والترجمة (2010- 2013)؛ وعُضو اللجنة الدائمة لاختيار الوظائف القيادية بجامعة القاهرة (2013-2013)؛ ومُسئول التدريب والتثقيف للجامعات المصرية بوزارة التعليم العالي (2013)؛ ومُستشار الدراسات العليا بجامعة القاهرة عضو المكتب الفني (2009 - 2013)؛ ومُسئول جودة الأنشطة الطلابية في مشروع تطوير الأنشطة بوزارة التعليم العالي عن جامعة القاهرة (2007-2008)؛ والمُؤسس والمُشرف على مشروع جامعة القاهرة للترجمة (2010- 2017)؛ والمُشرف على تحرير مجلة هرمس (2010- 2013)، وهي مجلة علمية مُحكمة في الدراسات الأدبية واللغوية ومُعتمدة من أكاديمية البحث العلمي ولجان ترقيات الأساتذة والأساتذة المُساعدين في مُختلف تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعات المصرية، كما شارك في تأسيس مجلة الجامعة الدولية؛ ونائب رئيس جامعة القاهرة لشئون التعليم والطلاب (2016- يوليو 2017). كما شغل منصب المُستشار الثقافي المصري لدى المملكة العربية السعودية (2013- 2015).

وأشرف الخشت على أكثر من 50 رسالة ماجستير ودكتوراه، وكان أخرها منذ سنوات مضت "النزعة التنويرية عند محمد عثمان الخشت.. دراسة في فلسفة الدين، وتُناقش الدراسة رؤيته لتطوير العقل الديني وتأسيس فلسفة جديدة للدين. كما قام الخشت أيضًا بتحكيم ومُناقشة عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه والأبحاث وترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين بمصر والعالم العربي. كما شارك في أكثر من 40 مُؤتمر علمي ودولي، ونظم وشارك في تنظيم 100 مُؤتمرًا دوليًا ومحليًا.. وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط.

الهوامش

1- حمداوي، جميل: التطرف بين الواقع الاجتماعي والمناخ الفكري، شؤون عربية، جامعة الدول العربية - الأمانة العامة، العدد 171، 2017،ص 202.

2-المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

3- بدر بنت عبد الله قبلان العصيمي: التطرف الفكري: تعريفه، أسبابه، مظاهره، آثاره وسبل القضاء عليه، مجلة كلية التربية، جامعة بنها - كلية التربية، مج29 ,ع115، 2018، ص 225.

4- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

5- علي الحبيب الفريوي،: قراءة الخطاب الديني عند محمد أركون من النقد إلى التجديد، أعمال ندوة: في ضرورة تجديد الخطاب الديني، اتحاد كتاب المغرب ووزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية، اتحاد كتاب المغرب، 2015، ص 163.

6- علي الحبيب الفريوى،: قراءة الخطاب الديني عند محمد أركون من النقد إلى التجديد، أعمال ندوة: في ضرورة تجديد الخطاب الديني، اتحاد كتاب المغرب ووزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية، اتحاد كتاب المغرب، 2015، ص 163.

7-ماهر عبد المحسن: محمد عثمان الخشت وألعاب الفلسفة، أوراق فلسفية، العدد 57، 2018، ص 51.

 

محمود محمد عليأثار كتاب ” من هنا نبدأ” ضجة الأوساط الدينية، حتى أن لجنة الفتوى بالأزهر أصدرت قرارا بمصادرة الكتاب، وحظر توزيعه، باعتباره عملاً يهاجم الدين، بل وطالبت بمحاكمة كاتبه ؛ وكان ” خالد محمد خالد” عقب انتهائه من تأليف الكتاب قد اختار عنوانا آخر للكتاب وهو “بلاد من؟”، غير أن الكاتب السعودي “عبد الله القصيمي”، اقترح عنوانا آخر للكتاب، وهو العنوان الذى صدر به “من هنا نبدأ”، وفى الكتاب تساءل “خالد”: “بلادنا هذه لمن؟ وهى وطن من؟ أهي بلاد (الكهانة)، أم بلاد الإسلام الخالص والمستنير؟، أهي بلاد الأغنياء المترفين أم هي- أيضاً- بلاد الجياع المسحوقين؟ أهي بلاد التعصب ووطن الطائفية أم بلاد التسامح ووطن الجميع؟ أهي بلاد الرجال من دون النساء أم هي بلاد الفريقين؟” (23).

والكتاب في مجمله يتناول ثلاثة محاور رئيسة يمكن رصدها في كتاب “من هنا نبدأ”، وهي: الدولة الدينية، الفقر وقضية العدالة الاجتماعية، وأخيراً التمكين السياسي للنساء، والمحور الأول: يتجلى هذا المحور من خلال فصلين؛ فصل بعنوان “الدين لا الكهانة”، والآخر بعنوان “قومية الحكم”، ولا شك في أنّ المؤلف فتح على نفسه النيران الصديقة حين شبّه احتكار المشايخ لتفسير الدين الإسلام بالكهانة، لكن يبدو أنّ قلمه كان يخضع للرقابة الذاتية، فلم يرد على لسانه لفظ الكهانة الإسلامية، وإنما أسماها الكهانة المصرية؛ حيث انتقد خطاب المشايخ الذين دعوا العامة إلى الرضوخ للفقر بحجة الزهد والقناعة، وانتقد المشايخ الذين تمسكوا بجمود التفسيرات فأصبحوا سجناء الماضي (24). أما في فصل “قومية الحكم”؛ فيذهب ” خالد محمد خالد” إلى خطورة العلاقة بين الدين والدولة، فيتساءل: أنمزج الدين بالدولة؟ فنفقد الدين ونفقد الدولة؟ أم يعمل كل منهما في ميدانه فنربحهما معاً، ونربح أنفسنا ومستقبلنا؟”(25)، ورأى أنّ “الحكومة الدينية تمنح نفسها قداسة زائفة”(26).

المحور الثاني: تناول المؤلف الفقر وإشكالية العدالة الاجتماعية، في فصل بعنوان “الخبز هو السلام”، وقام من خلاله بنقد النظام الإقطاعي الذي يستغل العمالة، في منظومة مجحفة أسماها منظومة “رقيق الأرض”(27).

المحور الثالث: تبنّى “خالد محمد خالد”، مؤلف كتاب “من هنا نبدأ”، قضية حقوق المرأة السياسية، ووصف غياب النساء عن البرلمان بـ “الرئة المعطلة”، وفي وصف آخر قال: إنّ “الأمر أشبه بالتحرش بحقوق النساء”(28).

هكذا انتقد خالد محمد منظومة الدين والاقتصاد والتمييز ضدّ النساء في مطلع خمسينيات القرن الماضي، فتعرض كتابه للمصادرة، واستمعت النيابة إلى أقواله، ثم وجهت إليه ثلاثة اتهامات، ألا وهي: التعدي على الدين الإسلامي، التحريض على تغيير النظام الاجتماعي، وازدراء الرأسمالية مما يكدّر السلم العام (29).

أما اتهام مؤلف كتاب “من هنا نبدأ”؛ بأنه “يزدري الرأسمالية، ويكدر السلم العام”، فجاء بمقتضى المادة (176) من قانون العقوبات، وهذا الاتهام ينفي الصورة الذهنية بأنّ الاقتصاد الحرّ كان قائماً على الفكر الليبرالي الحرّ؛ لأنّ الليبرالية لا تتهم المختلف معها في الرؤية الاقتصادية بتكدير السلم العام، أو بازدراء الرأسمالية؛ فالاتهام بازدراء الرأسمالية في العهد الملكي لا يختلف عن الاتهامات التي وجهتها منظومة الحكم في العهد الناصري، فيما بعد، لمن ارتفع صوته معترضاً على الخطاب والتوجه الاشتراكي. إنّ التمعن في تفاصيل محاكمة كتاب “من هنا نبدأ”، العام 1950، من الأمثلة التي تكشف لنا أنّ القراءة الجزئية لبعض العناصر التاريخية دون غيرها، أو خارج سياقها، قد يؤدي إلى تصورات مبتورة (30).

كذلك كتاب من هنا نبدأ يعول علي أن الحرية هى القيمة المركزية فى مشروع خالد محمد خالد الفكري، كما أشرنا، لهذا نراه يؤكد أن “الاستبداد هو الأب الشرعى للمقاومة، وأن الرأى المكظوم يتحول داخل النفس إلى قذيفة خطرة، وأن أيسر الطرق لحضارة خصيبة هو فتح منافذ الملاحة الفكرية والقضاء على كل بواعث التهيب فى الشعب” ومن هذا المنظور يتعامل مع الدين بوصفه اختيارا قائما على الإرادة الحرة تطبيقا لقوله تعالى “لا إكراه فى الدين” وقوله “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” وخطابه للرسول بقوله جل وعلا “لست عليهم بمسيطر” و”أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” وفى هذا تحرير للإنسان وللدين نفسه من سلطة الكهنوت. ففي الفصل الأول من كتابه “من هنا نبدأ” يقول: “ليس ثمة ما ينفر الناس من دينهم مثل إبرازه فى صورة قوة عائقة مناهضة لحقوقهم مخذلة لطموحهم» وهو تحديدا ما فعلته الكهانة حين جعلت من نفسها قوة متسلطة على الناس مفتشة في ضمائرهم. (31)

وقد لقي كتاب خالد محمد خالد نقداً شديداً من الأستاذ “محمد العزالي”، حيث ألف كتاباً يرد  فيه علي “خالد محمد خالد” بعنوان “من هنا نعلم” حيث رد عليه مخطئا ما ورد فيه بالأدلة والبراهين التي يملكها الغزالي، حيث عن إسلام الوحي والنبوة، فكل عيب أصاب التجربة السياسية الإسلامية ينبع جراء ابتعاد المسلمين عن الإسلام الحقيقي النقي، والإسلام كما يقول الشيخ الغزالي: مثل الشعوب موتور من صنيعهم به واستغلالهم لنصوصه، وأما أن نحمل الإسلام آثام هؤلاء، فذلك خطأ بعيد وكذلك الحدود التي أمر الإسلام بها؛ فالمشكلة تكمن في ملابسات التنفيذ وليست في قسوة ولا معقولية الحد ذاته (32).

ثم يري “محمد الغزالي” بأن الصراع بين إسلام التاريخ وإسلام الوحي والنبوة حَكم تاريخ العلاقة بين جناحي الأمة: أتباع المشروع الإسلامي وأنصار المشروع المدني، فكل فصيل ركز على إسلام بعينه بناء على خبراته الشخصية مع هذا الإسلام، فالإسلام عند قطاعات من الجناح المدني هو فقهاء السلاطين والكُتْاب ومحفظ القرآن والمقرعة والشيخ الأزهري الجاف الذي يكرر التراث، ويردد متن المتن بدون نقد أو تجديد وتجربة “طه حسين” دليل على ذلك، في حين الإسلام عند الجناح الديني هو الله والقرآن والنبي (33).

ولم يكتف “محمد العزالي” بذلك ، بل نراه يرد باستماته على فكرة دنيوية التجربة السياسية الإسلامية؛ حيث يري أن جميع تجارب التاريخ أكدت على أن الأزمة في الإنسان والدين يبرأ منها، وهو إذن بريء لا يتحمل مسئولية ما تجاه تأجيج العنف والدين الإسلامي ديمقراطية حرة في المجال السياسي واشتراكية معتدلة في المجال الاقتصادي وفقا لتعبيره ، بمعنى أن الإسلام جمع أفضل مميزات الأيدولوجيات الغربية في بناء واحد، ليرسل إلى القارئ رسالة أن الإسلام لا يحتاج إلى الشرق الملحد أو الغرب الصليبي؛ فهو مكتفي بذاته ليسحب البساط من تحت أقدام أتباع الأيدولوجية الشرقية والغربية؛ فالحلول موجودة ومتاحة بين دفتي القرآن وما على المسلم سوى التزام النهج القرآني والشيخ – برغم مواقفه الجادة والحادة من غلاة المتشددين – فإنه أحجم عن تحديد مجال مسئولية الدين عن الأزمة العميقة التي تضرب أركان الأمة الإسلامية بشكل مباشر (34).

و”محمد العزالي” حين يرد على “خالد محمد خالد” بشأن فصل الدين عن الدولة، يقدم مجموعة من الأسباب التي ترى استحالة ذلك، فالإسلام بدون دولة تؤسس دعائم الإسلام وتدافع عنه وترسخ مفاهيمه لدى جمهور المسلمين، وتجند المجاهدين دفاعا عن الإسلام والمسلمين لن يدوم، فالدولة مقدمة لصعود الإسلام وحركته في المجتمع وتجربة الدولة النبوية واضطلاع الرسول بمهام السياسي طاعة للوحي دليل على تلازم الديني والسياسي في التجربة الإسلامية ويرى كاتب السطور أن احتماء الغزالي بالدولة هو حل سهل لمسألة عويصة، فما أسهل أن يلقي المفكر أعباء وأزمات المجتمع على كاهل الدولة المحملة أصلا بالأعباء؛ فالدولة إن آمنت واعتمدت دستورا إسلاميا لا صَلُح الحال في تكرار لفكرة أن الإسلام يمثل عصا سحرية، لحل أزمات تاريخية معقدة وتجاهُل للمفارقة التاريخية التي جعلت الرسول قائدا للدولة، وهو ما لم يتكرر بعد وفاته (35).

ولا يخلو أسلوب “محمد العزالي” من خطابة لإثارة غضب القارئ واستيائه متحدثا عن هدم الإسلام وعملاء الغرب والحرب الصليبية ضد الإسلام ومبالغات أخرى، فيذكر على سبيل المثال أن أينشتين قد وجه رسالة إلى أخطر المؤتمرات العلمية يطالبهم فيها بمحاربة فكرة الألوهية لنفيها من الأذهان!(36).

لم يكتف “محمد العزالي” بذلك بل نراه يرفض الشيخ حرية المرأة المطلقة وأنصار حقوقها في المساواة، فيقتبس الشيخ فقرة لمحامية مصرية تشكو إرهاق المهنة وعنتها ومن محاربتهن للطبيعة كدليل على ضعف المرأة الفطري، دون نظر لواقع المرأة الجديد (37).

ونتيجة لتقدم الشديد الذي قدمه الشيخ “الغزالي” لكتاب خالد محمد خالد ” من هنا نبدأ ” ، رأينا يؤلف كتاباً في عام 1982 بعنوان (الدولة في الإسلام) وقد أعلن فيه بكل وضوح أنه أخطأ مرتين، مرة حين اعتبر الدولة الإسلامية دولة دينية كتلك الدولة الكهنوتية المسيحية التي ظهرت في أوروبا، ومرة حين عمم أخطاء الحكام المسلمين وبعض الذين أساءوا فهم الدين علي الإسلام. ثم أوضح في جلاء مبين أن علينا نحن المسلمين أن نعيد القرآن العظيم إلي مكانه السامي في قلوبنا وحياتنا، ونشد علي راية الإسلام بسواعد قوية متفانية، وأن نستفيد من كل فرص التقدم النظيف دون أن نسلم رقابنا للأغلال وديننا للضياع، وروحانيتنا للجفاف، وأن دورنا مع حركة التاريخ وصنع الحضارة لا يزال قائما، وأن الإسلام الذي نحمل لواءه لم ينته ولن ينتهي دوره في ترشيد الحياة، وهداية البشرية إليه، لأن عظمته الفريدة ماثلة في أنه يقدم مع حضارة المادة حضارة الروح، وأخيرا علينا أن نعمق إيماننا بأن الإسلام دين ودولة، حق وقوة، ثقافة وحضارة، عبادة وسياسة.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ التنويري حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ التنويري، فتحية طيبة للأستاذ “خالد محمد خالد” الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر المبدع التنويري الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الأستاذ “خالد محمد خالد” التنويري ، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

الهوامش

23- ماهر حسن: المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

24- خالد محمد خالد: المصدر نفسه، ص 36-37.

25- المصدر نفسه، ص 147.

26- المصدر نفسه، ص 172.

27- المصدر نفسه، ص 125.

28- المصدر نفسه، ص 184-185.

29- رباب كمال: المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

30- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

31- خالد محمد خالد: المصدر نفسه، ص 42-43.

32- محمد الغزالي: من هنا نعلم، القاهرة ،دار نهضة مصر، 2013، الطبعة العاشرة، ص24

33- حاتم زكي: من هنا نعلم … دراسة نقدية لخطاب الإسلاميين: محمد الغزالي أنموذجا، ديسمبر 2020.

34- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

35- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

36- محمد الغزالي: المرجع نفسه، ص 123.

37- حاتم زكي: المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

 

 

محمود محمد عليكان هناك القصر متمثلا في الملك فاروق، والذي أحس بأنه محاصر، فبمن يستعين؟ .. هنا لجأ إلي استخدام قوة كبيرة يدفع بها هذا الطوفان المقبل، فلجأ إلي استخدام الدين، ففوجئنا بفتوي أحد مشايخ الطرق الصوفية يثبت فيها ان الملك فاروق من سلالة النبي محمد وذلك عن طريق أمه .

بيد أن هذا الأمر قد لقي استهجانا بالغاً، وهنا لجأ الملك فاروق من خلال القصر إلي تسخير بعض كبار رجال الدين ليدعموا سلطة القصر بحجة أن التيار الذي يتحدي القصر وسلطاته، هو تيار شيوعي، والشيوعية ليست من الإسلام، (وأن الإسلام دين يحث علي القناعة، وعلي الزهد إلي آخره) (11)، وهنا رأينا خالد محمد خالد في الفصل الأول أن يقوم بعملية عزل أمام الرأي العام آنذاك لهذه الأفكار المغرضة والمريبة، بحيث يعزلها عن الوعي الشعبي الثوري العام، فكان عنوان الفصل ” الدين لا الكهانة”، حيث أخبرنا خلال هذا الفصل بأن الإسلام هو دين العدالة الاجتماعية بأوسع مفهوم، وهذا وضح جيدا في التاريخ الإسلامي نظرياً وعملياً، والناس الآخرون والذين باسم الدين يدعون الشعب إلي الصبر الممرور ويعدونه بالجنة لقاء استكانته وصبره وخنوعه، والذين يصنعون هذا، لا يصنعونه باسم الدين، فالدين بريئ من كل ذلك، والإسلام كان ثورة للحرية والعدالة الاجتماعية . إذن فأولئك الذين يرفعون عقائرهم وأصواتهم باسم الإسلام لتخدير الأمة، هؤلاء يمثلون الكهانة ولا يمثلون الدين في حقيقته (12).

وأما الفصل الثاني وهو كما قلنا بعنوان ” الخبز هو السلام”، وهذا الفصل كان عرض لمساوئ وبلايا الإقطاع سواء كان احتكار الأرض أو رؤوس الأموال، وكيف كان ذلك يهدد إلي أبعد مدي حياة الشعب في حاضره، وفي مستقبله، وفي مسيره، وفي مصيره (13)، كما عرض “خالد محمد خالد” في هذا الفصل ايضا حالة المجتمع من خلال أن الأرض الزراعية في مصر، حيث تملك 90 % منها والباقي يعيش علي 10 %، والتفاتيش وكيف تسوم الناس سوء العذاب، حتي أنه كان في بعض التفاتيش كما يقول “خالد محمد خالد” وهو تفتيس تقع قريته (وهي العدوة وتقع ضمن محافظة الشرقية) ضمن زمامة، حيث كان الفلاح يُؤجر بخمسة قروش في اليوم، وحماره يؤجر بعشرة قروش في اليوم، ثم مضي خالد محمد خالد بالبحث في هذا الفصل إلي أن زكي وهتف مع الذين كانوا يومئذ يهتفون من إخوانه الكتاب والصحفيين بالعدل الاجتماعي، والذي يدعي في عصره بـ ” الاشتراكية”، (والاشتراكية في نظر خالد محمد خالد شئ مختلف عن الماركسية، فالاشتراكية في تطبيقها الواعي والعادل والمحايد هي أقرب إلي العدل الاجتماعي، أو هي الصورة العملية للعدل الاجتماعي بخلاف الماركسية) (14).

وأما الفصل الثالث والذي جاء بعنوان ” قومية الحكم”، حيث كان هناك في زمن خالد محمد خالد هيئة إسلامية كبري سرت في وجدان الشعب المصري آنذاك سريان الدم في العروق، وكانت ستُوفق كثيراً جداً لولا أن أُقحم عليها ما سُمي بالنظام السري الذي قام باغتيالات مشؤومة حتي الجماعة التي تقوم بذلك نفسها (15)، وهنا وجدنا “خالد محمد خالد” في الفصل يدير خواطره حول هذه الظروف، وهذه الأنشطة، وكانت هذه الهيئة تنادي بأن الإسلام هو دين ودولة، وهنا يقول “خالد محمد خالد” بأن النظام السري (ويقصد هنا جماعة حسن البنا الإخوانية) أُقحم عليها حتي لا يظلمها حين يحملها ككل مسؤولية ما حدث . وهذا الطموح المستهتر من التنظيم السري في نظر “خالد محمد خالد” جعله يخشي كثيراً علي الإسلام نفسه لو وصل إلي الحكم ناس من أمثال هذا التنظيم، والذي جعل وسيلته للوصول إلي الاغتيالات، وهذه واحدة، وكان “خالد محمد خالد” قد قرأ كثيراً عن الحكومة الدينية في أوربا في العصور الوسطي، عندما كانت الكنيسة والبابوية هي التي تحكم، فتأثر “خالد محمد خالد” بهذين الوجهين من المشكلة (16).

وقد جاءت تسمية ” خالد محمد خالد” لـ ” قومية الحكم” بدلاً من الحكومة الدينية، لأنه كان يرى أن في ذلك مجازفة بالدين تعرض نقاءه للكدر وسلامته للخطر، ورأى أن الحكومة تحقق الغرض من قيامها فقط من خلال المنفعة الاجتماعية العامة، وإذا كانت الحكومات الإسلامية الأولى توفر لها ذلك فإن مرده لأسباب شخصية وإيمانية لدى قوادها، وهو أمر لا يمكن أن يشمل البشر الآن، ولم يلبث الأمر أن انتهى فعلاً إلى تنافس دموي على الحكم وفتنة للناس وقادتهم ولم يعد يميز الحكم أي صلة دينية، وإن زعم أصحابه أنه حكم يؤسسه الدين، وأن الحكومة الدينية لم تكن تستلهم مبادئها وسلوكها من كتاب الله ومن سنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، بل من نفسية الحاكمين وأطماعهم ومنافعهم الذاتية، ولأن القرآن حمال أوجه، كما قال الإمام على، فقد استغله أصحاب المنافع، فكل فريق منهم يستخدم السند نفسه فى ضرب وقتل الخصوم (17).

وكان ” خالد محمد خالد” أيضاً قد فرق بين الطعن في دعاة الدين والدين نفسه، وهو الأمر الذى تأسس عليه مفهوم الحاكمية، لأن الدين حقائق خالدة وثابتة، أما هؤلاء الدعاة وأصحاب الحكومات فهم بشر يصيبون ويخطئون، ونَقد بقسوة التوظيف السياسي للدين واستخدامه أداة أيديولوجية تسعى لتوريط الدين فى مسائل اجتماعية، وخروج طبقة كبار الملاك بجناحيها الزراعي والصناعي حينها من تلك الورطة، وأن الإسلام دين لا دولة، وأن الدين علامات تضيئ الطريق إلى الله وليس قوة سياسية تتحكم في الناس وتأخذهم بالقوة إلى سواء السبيل، وأنه ما على الدين سوى البلاغ، وذكر أن الحكومة الدينية عبء على الدين (18).

لم يكتف ” خالد محمد خالد” بذلك، بل قال بأن الإسلام ليس بحاجة بأن يكون دولة، وحسبه أن يظل ديناً، وهذا ما أثار ضحة بالأزهر آنذاك، حيث أن لجنة الفتوي قالت بأن هذا الكتاب ضد الإسلام، وطلبت من النيابة التحقيق، وهنا قرأت النيابة مذكرة الأزهر والكتاب فزادت الطين بلة، حيث أضافة النيابة إلي “خالد محمد خالد” بأنه “شيوعي”، وتم التحقيق مع “خالد محمد خالد”، وكان رأي الأزهر والنيابة آنذاك عير صحيح، وانعقدت جلسة سرية للمحاكمة، وهنا لا بد وجدنا “خالد محمد خالد” يذكر بكل الخير الرجل العظيم رئيس محكمة مصر يومئذ والذي باشر القضية، وحكم فيها، وهو المستشار ” حافظ سابق”، حيث كتب حيثيات مذهلة في القضية لتبرئة “خالد محمد خالد”، حيث دحض تهمة الأزهر والنيابة، حيث قال المستشار :” هذا الكتاب تمجيد لدين الله، ودفاعاً عن حقوق الشعب”، وذلك في سيطرة وهيمنة الملكية آنذاك (19).

وهكذا انتقد “خالد محمد خالد” منظومة الدين والاقتصاد والتمييز ضدّ النساء في مطلع خمسينيات القرن الماضي، فتعرض كتابه للمصادرة، واستمعت النيابة إلى أقواله، ثم وجهت إليه ثلاثة اتهامات، ألا وهي: التعدي على الدين الإسلامي، التحريض على تغيير النظام الاجتماعي، وازدراء الرأسمالية مما يكدّر السلم العام. نال خالد محمد البراءة في حكم تاريخي، غلبت على مفرداته روح العدالة، خاصة فيما يخص مبدأ العدالة الاجتماعية في مواجهة النظام الإقطاعي، ورغم أنّ منطوق الحكم يعدّ انتصاراً لحرية الرأي، إلا أنّ دراسة جوانب القضية برمتها قد تثبت فساد الروايات التي تصنع من الماضي صورة مثالية. نقد المؤلف النظام الإقطاعي الملكي الذي يستغل العمالة في منظومة مجحفة أسماها منظومة “رقيق الأرض” (20).

أما الفصل الرابع والذي كان بعنوان بعنوان ” الرئة المعطلة “، وكان خالد محمد خالد يعني بالرئة المعطلة ” المرأة”، حيث قال إن المجتمع بتنفس برئتين كالإنسان، فيه الآن رئة معطلة، حيث رئة الرجل تعمل، بينما رئة المرأة معطلة ولا تعمل، وهذا حديث نسوقه بإيجاز عن قضية المرأة المصرية، وإنه لمن توفيق الله وأنعمه أننا لم نعد نتحدث عنها نطالب بحقها في الثقافة والعلم، فقد كسبت هذا الحق لنفسها، وبدأت الطلائع تتدفق كضياء الفجر حاملات معرفة المعاهد وثقافة الجامعات ليفدن بها بلادهن الظمأى إلي جهدهن وجهادهن . نعم لم نعد بحاجة إلي المطالبة بتعليم الفتاة وننح نبصر كل صباح تلك الرؤوس التي تشق شوارع القاهرة، والمدن المصرية، كأنها شموع مضاءة، تلقي وهي في طريقها إلي معاهد العلم نوراً كاشفاً علي ذكرى أولئك النفر الخالدين … قاسم أمين ومحمد عبده، وسعد زغلول، وهدى شعراوي، الذين شادوا فوق كثبان الرجعية المنهارة، نهضة المرأة النامية . بعد أن أنضوا عنها قيودها، وجعلوا لها من الجهالة والانحطاط مخرجاً (21).

ثم يستطرد “خالد محمد خالد” فيقول : ” سنتحدث إذن حديثاً مباشراً عن حقوق المرأة السياسية التي يتساءل بعض الناس عن قيمتها وفائدتها لمجتمع لم يحسن رجاله حتى اليوم ممارسة حقهم الانتخابي- كما يتساءلون عن إمكان تحقيق ذلك، وللمجتمع دينه وتقاليده اللذان يقفان دون تمرس هذه الحقوق .. وكما يتساءلون – وما أكثر تساؤلهم – عن وظيفة المرأة التي خلقها الله لها، وهي رعاية البيت وتربية الأولاد .. من سيقوم بها بعد أن تصبح هي ناخباً، ونائباً، ووزيراً ! .. وهي أسئلة تدل أن أصحابها من السذاجة بحيث لا ينبغي أن تكون معارضتهم واستنكارهم عائقين عن تحقيق هذا الهدف المفعم بالاحتمالات الحسنة النافعة (22).. وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.............

11- خالد محمد خالد: من هنا نبدأ، ص 65.

12- المصدر نفسه، ص 98-100.

13- المصدر نفسه، ص 122-124.

14- المصدر نفسه، ص 168.

15- المصدر نفسه، ص 177.

17- المصدر نفسه، ص 189.

18- المصدر نفسه، ص 191.

19- ماهر حسن: كتب وحكـايات.. “من هنا نبدأ”، الجمعة 02-06-2017 18:06 |.. جريدة المصري

20- رباب كمال: “من هنا نبدأ”: الكتاب الذي اتُّهم بازدراء الدين والرأسمالية.. 03/02/2019.

21- خالد محمد خالد: المصدر نفسه، ص 212.

22- المصدر نفسه، ص 213.

 

 

 

علجية عيش- لماذا فشل العرب في المشرق والمغرب في بناء نموذج الدولة القطرية؟

- (هل لمسألة الصحراء الغربية شأن إقليمي أم إفريقي أم عربي؟ ومتى ينتهي الصراع الجزائري مغربي)

لقد فشل العرب في المشرق والمغرب في بناء نموذج الدولة القطرية وهم الذين تحدثوا عن الوحدة وكرسوا الإقليمية والحدود بين الأقطار العربية، ولذلك سقط مشروع النهضة العربية، بدليل ما نشهده الآن في الساحة العربية وعملية التطبيع مع إسرائيل، بافافة إلى الصراع المغارب حول الصحراء الغربية التي لا تزال قائمة في التاريخ المعاصر وقد خص لها المؤلف فصلا خاصا في آخر الكتاب حيث ترك سؤالا مكروحا إن كان النزاع في الصحراء على الأرض أم الشعب أم الموارد؟ يرى صاحب الدراسة أن هناك مصالح استراتيجية حيوية في منطقة المغرب العربي والقارة الإفريقية يحددها موقف الدول الغربية والشرقية هذا الوضع سببه ضعف الجامعة العربية وعدم قدرتها على اتخاذ قرارات في ظل الخلافات العربية وتردي ألأوضاع في الوطن العربي

 قليلون هم الذين تطرقوا إلى إشكالية العلاقة بين المشرق والمغرب العربيين  وتطوّرها والوقوف على ومضاتها وإيجالياتها، وما الأسباب الأخرى للإشكالية؟ سياسية واجتماعية وهل المسألة ثقافية بحتة أم دخلت بها ومعها عناصر، فكانت هذه الدراسة التي أجراها الباحث عبد المالك خلف التميمي الذي عرض رؤيته من خلال كتابه "أضواء على المغرب العربي"، والدكتور عبد المالك خلف التميمي من مواليد الكويت خريج جامعة إنجلترا قسم التاريخ وتمكن من صياغة تصور تاريخي متكامل للتاريخ العربي المعاصر، ولكونه عايش الغزو العراقي للكويت فقد كرس قلمه وفكره الأكاديمي في معالجة الواقع العربي مشرقا ومغربا، كان من بين الذين ـأثروا بالثورة الجزائرية فكان له أن يفتح نافذة على المغرب العربي، إلا أن النظرة كانت عربية مشرقية ولم تكن مغاربية.

 بدأ الكاتب هذا الجزء من دراسته بالوقوف على الخلفية التاريخية لهذه العلاقات التي كانت في أعقاب الفتوحات الإسلامية عندما تمت اسلمت الشمال الأفريقي وتعريبه في القرن الأول الهجري وكانت الهجرات القبلية من المشرق العربي أن تصل وتستقر في المغرب العربي كما ساهمت التجارة في تطوير هذه العلاقات إلى أن كان هناك تبادل عائلي في إطار الإنصهار والحج، أصبح المغرب الغعربي عغربيا مسلما هوية وانتماءً، من لشهر الهجرت الشرقية يذكر الكاتب الهجرة الهلالية في مناصف القرن الخامس الهجري، بحثا عن الذهب والفضة التي كانت تزخر بهما افريقيا، متخذين الطريق الصحراوةي عبر مصر والسودان إلأى مناطق الصنهاجيين في الشمال الأفريقي، وثقافية، وقد قدم الصنهاجيون تسهيلات للتجار المشارقة وفتحوا لهم طريق التجارة، كان للرحالة من العلماء دورا في تطوير العلاقات، تركات آثارا عندما تبنى المشترقة فمكرة القومية العربية على أساس علماني في مرحلة الإستعمار وبعيد الإستقلال لأسباب موضوعية.

وقد كان الكاتب منصفا عندما أضاف أن في المغر ب العربي كان هناك اندماج كبير للعروبة بالإسلام في النشاط الثقافي قام به أفراد ومؤسسات تعليمية وثقافية، وكان طابع التعليم والثقافة دينيا حتى نهاية القرن التاسع عشر، والفضل يعود للرحالة على غرار ابن حوقل في القرن العاشر والبكري في القرن الحادي عشر والإدريسي وابن بطوطة في القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر والعمري وابن خلدون في القرن الرابع عشر والحسن الوزان في القرن السادس عشر وغيرهم، وحول رحلات المشارقة إلى الجزائر ورحلات الجزائريين إلى المشرق، كان محمد عبده أول شخصية مشرقية دينية تقوم برحلة إلى الجزائر أواخر القرن التاسع عشر وألقى خلالها عدة دروس في قسنطينة ومدينة الجزائر وكان لها أثر كبير في اوساط المثقفين الجزائريين لما كان يتمتع به محمد عبده من أفكار متحررة وآراء مستنيرة، ثم رحلة ابن باديس إلى الشام والحجاز للإطلاع على حركة النهضة في المشرق واتصاله بالمفكرين المشارقة مثل رشيد رضا والبيطار وغيرهم، فكان هناك وعي للنخبة المثقفة بالواقع وأحوال الأمة.

كان لمحمد عبده والأفغاني دور في ان تستقي حركة الإصلاح الجزائرية أصولها الأولى، ما يؤكد أن المسألة الثقافية والفكرية تمتد جذورها في التاريخ لعدة قرون، هل كان الدكتور خلف التميمي منصفا عندما قال أن الفكر العربي تاريخا هو فكر مشرقي، وهل كان يريد القول أن المغرب العربي كان تابعا للمشرق العربي فكرا وثقافة؟ أو أنه اقتبس ثقافته منه؟، إن مثل هذا الكلام يجعل القارئ المغاربي يتساءل إن كانت فعلا هناك تبعية فكرية أو ثقافية للمشرق العربي، وهل لا يوجد مفكرون وعلماء مغاربة؟ وهل لم يكن هناك إنتاج إبداعي فكري ثقافي مغاربي؟ فما نقرأه عن فكر المغاربة من علماء ومؤرخين وإبداعهم لا صلة له بالتبعية الفكرية، أما قول الكاتب بأن المركزية المشرقية سيطرت على الثقافة العربية، فهذا راجع كما أردف هو إلى احتكاك المشارقة بالغرب، بالإضافة إلى أن نضج الحركة القومية العربية مشرقيا سببها اتفاقية سايس بيكو اثناء الحرب العالمية الأولى وظهور الحركة الصهيونية ونشاطها لإقامة الوطن القومي حيث عجلت في تقسيم المشرق العربي، ثم أن الظروف التي عاشها المغرب العربي طيلة فترة الإستعمار تسببت في ضعف وتدمير المراكز العلمية والثقافية، فكان من الصعب أن يستعيد ثقافته ة تراثه في وقت قصير.

هل لمسألة الصحراء الغربية شأن إقليمي أم إفريقي أم عربي؟

لم تقف نخبة المغرب العربي مكتوفة الأيدي بل عملت على استعادة موروثها الثقافي، ولذا عمل المغاربة على إنشاء "جبهة وطنية مغاربية" (تونسية- جزائرية - مغاربية) خلال عقدهم مؤتمر لهم في القاهرة في فيفري 1947 لمواجهة الإستعمار والعمل من أجل الإستقلال ووحدة أقطار المغرب العربي، ولم يتوقف المغاربة عند الإهتمام بقضيتهم الوطنية، بل تفاعلوا مع القضايا العربية الأخرى وبالأخص القضية الفلسطينية التي كانت تواجه الإستعمار الصهيوني الذي كان يسعى لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، إلا أنهم انقسموا وتحولوا من اشقاء إلى أعداء بسبب ملف الصحراء الغربية التي تبعته مسألة التطبيع، ورفع الأشقاء المغاربة (الجزائر والمغرب) شعار الكراهية والعدائية ولم يعد لمشروع اتحاد المغرب العربي حديث ولا حتى مشروع الدولة القطرية، حيث فشل العرب في المشرق والمغرب في بناء نموذج الدولة القطرية ولذلك سقط مشروع النهضة العربية، بدليل ما نشهده الآن في الساحة العربية وعملية التطبيع مع إسرائيل، ويختم صاحب الكتاب دراسته بالقول أن العرب عادوا إلى عصر القبلية والطائفية والعشيرة والعائلة فلم ينجحوا في بناء الدولة القطرية الحديثة، إن الأزمة التي وقع فيها المشارقة والمغاربة كما يضيف تتمثل في انقسامهم إلى تيارات فكرية بعضها أصولي تقليدي وبعضها تحديثي تقدمي، فضلا عن الأطروحات التي دفعتهم إلى إلغاء الآخر، والأزمة كذلك تتمثل في غياب الوعي في معالجة القضايا كملف الصحراء الغربية، وقد خص لها المؤلف فصلا خاصا في آخر الكتاب.

و دون التطرق إلى موقع الصحراء الغربية وعدد سكانها فقد تطرق إليها الكاتب في الصفحتين 244-245 من كتابه والإحصائيات التي قدمتها لجنة الوصاية للأمم المتحدة وهي طبعا أرقاما قديمة، فالأرقام التي ذكرها الكاتب أعطيت في منتصف السبعينات ثم أن الكتاب طبع في 2011، لكن من الضروري التطرق باختصار إلى تاريخ شعب الصحراء الغربية، حيث يرجع وجودهم إلى القرن الثاني بعد الميلاد عندما رحل عدد من البربر الصنهاجيين باتجاه الصحراء بحثا عن مستقر آمن، حيث اسس فيها ابناؤهم الدولة المرابطية، وفي القرن التاسع الميلادي بدأت القبائل العربية الحسانية تصل إلى الصحراء، والشعب الصحراوي يتكون من عنصرين هما العرب والبربر، لم تكن هناك حدود معترف بها بين الشعبين الصحراوي والمغربي، يقول الدكتور خلف التميمي الذي يعتبر شاهدا أن التطورات التي حدثت في عصر المرابطين قد تثير قضية الحق التاريخي بعكس ما يطالب به المغرب اليوم وهو أن المراطبين قد خرجوا من الصحراء الغربية وحكموا المنطقة كلها بما فيها المغرب، ولذلك كانت المغرب في ذلك الوقت وبذلك المعنى تابعة للصحراء وليس العكس، مما يفسر عدم تبعية الصحراء الغربية للمغرب لأنه لم يكن هناك دمج ترابي بين المغرب والصحراء الغربية ويتضح ذلك من خلال الإتفاقية المغربية الإسبانية التي وقعت بين الطرفين في عام 1767م، ثم تلتها اتفاقية بين فرنسا واسبانيا لتحديد الحدود عام 1902 .

 ربما يقف القارئ مع موقف الكاتب حينما قال أن هذا الحق التاريخي الذي يثيره المغرب في مطالبته بالصحراء يحتاج إلى مناقشة وإعادة نظر، خاصة وأن هذه المطالب واجهتها معارضة إقليمية وأفريقية ودولية، منها تاييد الجزائر للصحراء الغربية وتقرير مصير الشعب الصحراوي واعتراف موريتانيا بالشعب الصحراوي بعد انسحابها من الصحراء، ثم قبول منظمة الوحدة الإفريقية الصحراء الغربية كعضو والإعتراف بها كجمهورية ديمقراطية وغير ذلك، أما الجانب الجزائري يرى الدكتور خلف التميمي فإن الجزائر تخشى إن نجحت المغرب في افستيلاء على الصحراء أن تعود المغرب للمطالبة بإقليم تندوف في جنوب الجزائر الغني بمعدن الحديد، كما أن الخلافات السياسية والحدودية وافيديولوجية بين المغرب والجزائر لها تاثيرها على العلاقات بين البلدين وعلى موقف الجزائر من قضية الصحراء، وهذا الخلاف السياسي والإيديولوجي مع المغرب يجعل الجزائر في موقف معارض لسياسة المغرب ومؤيد للثورة في الصحراء.

ماذا عن الموقف الخارجي ( الغربي والشرقي)؟

يرى صاحب الدراسة أن هناك مصالح استراتيجية حيوية في منطقة المغرب العربي والقارة الإفريقية يحددها موقف الدول الغربية والشرقية، فالأسطول السادس يرابط قرابة السواحل الإفريقية الشمالية، وإن الغرب يستورد الغاز الجزائري والنفط من أكثر من بلد كما ان بعض الدول الغربية تحصل على الفوسفات من لمغرب والصحراء الغربية، ما جعل ىالولايات المتحدة ألأمريكية تدخل طرفا في قضية الصحراء الغربية منذ عام 1975 كوسيط يسهم في حل المشكلة، أما عن العرب فقد انقسموا بين مؤيد ومدعم لقضية الصحراء الغربية وبين معارض حيث وقفت بعض الدول العربية إلى جانب المغرب في مطالبها بضم الصحراء بعضها بدافع قومي وبعضها الآخر من أجل خلق كيانات جديدة، يضاف إلى هذا الوضع ضعف الجامعة العربية وعدم قدرتها على اتخاذ قرارات في ظل الخلافات العربية وتردي الأوضاع في الوطن العربي.

 

قراءة علجية عيش