احمد ختاويللأديب، البروفيسور حسان الجيلاني

عندما يتجسد الرهو في البدائع قد يُؤول عند البعض أنه سينسج منها خيطا أبله في اعتقاد البعض، غير أن هذا الرّهْو في مقامات وبدائع الاديب حسان الجيلاني، البروفيسور

مطاردة وقنص واقتفاء محدثاتها وضمنياتها في المأمول.

البدائع وقنصها ليس أمرا سهلا كما يعتقد البعض، يجب أن يتوفر الخيال والبديهة والسطو على ممتلكات الرهو ذاته وهو كما يعرفه النحويون وخبراء اللغة أنه سير الخيل تتابعا وغيرذلك من التعريفات، أو السير المموسق إلخ، ففي هذه الحالة يأخذ الرهو مكانته كسير بطيء لكنه غاطس في غور الدلالة .

إذا كان مفهوم الرهو يعني لغويا: إن وزنك أيضا يعد بعدد ما قرأت من كتب، لا بعدد الكيلوغرامات (لا أستثني نفسي من هذه المقولة) التي تمتلكها.

شخوص النوادر، نوادر الجاحظ ومقامات الحريري استحضار استنباطي هي الأخرى للفواعل الناجمة عن ترتيب الاشياء، حسب الانساق وغيرها من المقامات،وحتى الاحاجي عند جحا أو عند شخصية: بوعرّيفة " الساذج، الذكي،/ الانموذج المفعّل عند الاديب، البروفيسور حسان الجيلاني .

استحضار المقامة عند الاديب حسان الجيلاني على وقع "السوفية" (1) تكتسي أبعادها التبييئية .

وكما ورد في الأثر في مقامات بديع الزمان الهمذاني في مقاماته الشامية - مثلا - وجه من أوجه المقارنة والمقاربة كتضارييس تبيئية وكمغراف محلي زمكاني.

مقامات بديع الهمذاني التي أسقط منها النحاة والمحققون كما يروى الرواة بعض المقامات الشامية، فإن الرهو ها هنا يجيء محملا بالرائحة السوفية مبنى حضاريا وإرثا في طبوغرافية الدلالة الجنوبية " مبيئة " عند الحكاء، السارد والأديب حسان الجيلاني، من منطلق تبيئي في طوبوغرافيا الارتحال، وهاهو أيضا بفضل حنكة السارد، يجعل من هذا الرهو سير بعير تناغمي في ملفوظ استيطاني إستخراجي دعمه المخيال المتقد لدى السارد حسان الجيلاني، على وقع النوق ووقع رمال وادي سوف وفيافه / إرثا حضاريا /، وقريحة الرجل الجنوبي الذي يتوفر على نكهة البراءة والجسارة معا في توطين المقامة والطمأنينة والوداعة معا بروح مرحة لكنها ساخرة، وفي بعض الاحيان- عند الإقتضاء - لاذعة لكنها إيجابية .

بذرة العطايا لا تتوفر عند جميع الناس، الله يخص بها بعضا من عباده، الى جانب الموهبة والبديهة وسعة العلم والمعارف وتوظيف هذا الميراث والمكونات والمرتكزات .

البروفبسور حسان الجيلاني، بحكم اختصاصه في علم الاجتماع وأديب قدير، الى جانب خياله المتقد وظف رهو التبييء المحلي ونشره زُروعا على عامة الاصقاع في أسلوب متفرد، ماتز بديع ووديع في ذات الوقت، ومن منظور استشرافي أيضا وقد واكب جميع المراحل فأسقط كل مقامة بعينها على حادثة اجتماعية برمتها في خانة معينة، مستجديا كصيغة ترتيبية على كل ما يعيشه بحواضر بيئته أولا - مخيالا - واغترافا - ومِغرافا ليصبه حكّاء في عملية - استيطان نقلي، نوعي، أي بمنظور تخزين المقام في زمكانيته الممكنة، بل في " مكانية " أراد لها أن تكون البيئة الاسرية محلا وملفوظا ينطق منها وينطبق عليها في هذا التوزيع، وهي شخوص تثب من بيئة لآخرى لتوطيد أواصر التبليغ في التعاطي مع هذه المكونات المجتمعية .

قد يتبادر للمتلقي أنها وهو يسرد هذه المقامات انطلاقا وكقاعدة من بيئته الاسرية أنها -أي القامات - قد أوصلته إلى ضراوة وذروة - التذمر، وأنه إستزفر فيها الذات الضامرة، وقواه ونفاذ صبره في ما يسكنه من مواجع أو ارتدادات أسرية، فضمّنها غضبا وإتباتا،وأنه يستزفر محيطه الأسري، وهذا أيضا خروج من المتلقي العادي عن تأويل الدلالة والأصح - هي بالمقابل عند المتلقي النوعي مجرد اغتراف مخيالي إيصالي، توصيلي من " ممكنة " منظومته الاسرية كقاعدة انطلاق لتحريك شخوصه التي تتناطح في وداعتها - أسلوبا حسب كل حالة شعورية، المكانية هذه مجرد قاعدة مخيال يصف الخارجي من منطلق الداخلي / شكلا من أشكال تصدير البدائع هذه حادثة الحقيبة التي يرشحها المخيال نمطا سلوكيا لا غير، وهي إحدى البدائع الرائعة - كرجع الصدى - في هذه المقامات مثلا، تجلت فيها غزارة التناول والتعاطي معها، واعتماد السجع والجناس والطباق، والمد الأسري .

حرمه المصون، الحاضرة تقريبا في جل المقامات مثلا كترتيب زمكاني، ملازم، وحاضر -أفقي / عمودي يتغذى هو الاخر بصفته شاهدا على مجريات مقاماته، هذا كل ما في الأمر عند حضور حرمه المصون تكثيفا للواقعة لا غير، وهو في الاصل مثال على التعاضد الاسري، وتوطينه كرفيق وشاهد على ألام الأمة في جميع مناحيها، هكذا ينحو السارد وهو يرتوي من مكوناته المخيالية كنمط سلوكي في محاولة تلطيف جو التسريد وإبعاد المتلقي عن شائبة كل تأويل، فألصق: الوداعة في أهله كمقوم أسري متماسك، شاهد دائما على إيصال مقاماته للمتلقي، خاصة حرمه المصون .

ويُساق المثال مثلا على مقاماته "ملائكة العذاب" وهو يشّرح، بل يضع على طاولة التشريح المنظومة الصحية في عهد بائد بكثير من التأريخ لمرحلة بدت عند العامة " غنجا " وشيئا لا يعكس التواقيع الملائكية عكس ما هو موجود حاليا من استرداد ملائكية الطواقم الطبية وتعاطيها بهذه الملاكئية مع ما نعيشه من تداعيات الكورونا، فأبلت هذه السلطة الملائكية البلاء الحسن في ترتيب هذه الملائكية مقام التقديس، بل يرميها - ما قبل الملائكية الحالية - في مكب التذمر وفي قمامات التاريخ الوسخة، هنا تكمن لدى السارد، الاديب حسان جيلاني حتمية التعاطي بهذا وهو " يستمكن " منظومته الأسرية عند الغطس في مكونات هذه المقامة مثلا: " ملائكة العذاب ": نلحظ من خلال قراءتنا لها ذاك الاستشراف والتنبؤ والتشيؤ معا، وهذا قد يلحظ على الوجه الاخص عند القاريء النوعي، (لا أستصغر العامة في هذا الصدد أبدا) هو ترتيب معرفي لا غير، أقول ويستمتع القاريء البسيط ببديع الملفوظ ترتيبا معرفيا،

في هذه المقامة يكمن حضور المخيال، وتوظيف " واستدعاء " الرتبة الاكاديمية " علم الاجتماع، بحكم أن البروفيسور حسان الجيلاني، مختص في علم الإجتماع، وبروفيسور في هذا المجال، بامتياز حيث وظف هذه الخاصية الى جانب ملكته في الحكي والقص، فأعطى دلالة قصوى لمقامته هذه وغيرها، يقاس على هذا المنوال كل مقاماته التي أعطت بعدا تواصليا ترابطبيا تطابقيا وكأن به يستشرف ويتنبأ لراهننا، وما نعيشه في زمن الكورونا، هنا تكمن النبوءة، وأنا أطالعها أي " مغامرات بوعرّيفة، وأنا محجور ببيتي بالبليدة، قفز بي المخيال بل قفزت بي ذاكرتي الى مقامات الحريري وبديع الزمان الهمذاني، التي أرّخت لمراحل في مقامات إستنباطية، هكذا تراءى لي وأنا أقرأ الكتاب أن السارد بأسلوبه الخاص، الماتع، الماتز / البوفيسور حسان الجيلاني، أحسست لحظة قراءتي للكتاب أنه محطة و" منطاد " نبوءة في إسقاط كبير على راهننا، في مقاربة

قد يطول الحديث في شأنها مما يستدعي وقفة أعمق من هذا، غير أن استكشاف هذه المقامات، ونحن نعيش زمن الكورونا يوحي لكل قاريء لها أنها بمثابة ترهين واقع وتسويقه بمد تعبيري، يصلح زمكانيا لكل الانطمة وينطبق عليها

جسارة الأديب أيضا أعطت لهذه المقامات بًعدا دلاليا آخر يكمن في جرأة المبدع حسان الجيلالي في رشق القاريء بزمكانية بعينيها مثلا حقبة العشرية السوداء وما اعتراها من قيم ولا قيم، وغيرها من صنوف الاجتماعيات، كاشفا اللثام على بعض العوارض والسياقات والانساق في عملية تشريحية، محتفظا دوما بخصوصياته في تسريد كل حادثة، أسوق مثلا في هذا الباب، طرافة الممكن لديه في

توطيده لحالة اجتماعية أسرية كمقامته " حماتي الزرقاء: " المضيفة الحسناء " الغيرة العمياء " أباطرة الحدود " البلد الأمين " سوق الجواري " زوجتي والوحم اللعين " وغيرها من المقامات، " الحلم المجنون " وغيرها " كيف صرت إرهابيا " ألخ .... وهذا مدُّ إرتوازي للمأمول في كل هذه المقامات وأنا أطالعها، عطرتني روح المرح بوعي كاتب قدير، استجلى كل مقومات المجتمع عبر حقبه ليؤرخ بقلم وفكر جاد يعي مكوناته وآلياته في ايبسيملوجيا القول في كل مكوناتها الوضعية والمرحيلة وهو عالم الاجتماع، أبعدها بوعي أيضا عن شتات الفًهوم والمفاهيم الفلسفية، بوعي أيضا كما يذهب في تعريفها لها الفيلسوف الإسكتلندي جيمس فريدريك فيرير James Frederick Ferrier

على صعيد التأريخ، والتنبؤ والتشيؤ،

كاصطلاح، وهو أول من إصطلح هذا المبنى الدلالي أي الفيسلسوف االإسكتلندي جيمس فريدريك فيرير James Frederick Ferrier

البروفيسو ر في علم الاجتماع، الاديب حسان الجيلاني جردها من هذه الفُهوم الفلسفية، فأعطاها بعدها الدلالي الاجتماعي بكثير من الاستطيقيا واستخدام مباني البديع كنمط تراجيدي، لكنه وديع .

وأنا أتصفح الكتاب في الوهلة الاولى وقد وضعت أمامي جملة من الكتب أقرها بالتناوب / روايات وأنا في الحجر، شدني الذهول الى هذه المغامرات، وأنا أتصفح تصدير أو تقديم الكتاب من قبل البروفيسور صالح مفقودة عميد كلية الاداب واللغات جامعة بسكرة، هذا التصدير، أو هذا التقديم أدركت أن السذاجة لا تكمن في رصف الكلمات عبثا أو إعتباطا وإنما كانت ناجمة كما ذهب إليها - في توطئة له - تثمينا - البروفيسور حسان الجيلاني مؤلف هذه المقامات، أن الأمر إنطلق من قاعدة وعي قصوى، تمثل في اختيار هذا الأسلوب ببساطته لكن بعمقه، واستحضار وتثمين " التشيؤ كمنحى دلالي لم يجيء هو الآخر إعتباطا، وأن إختيار بوعرّيفة، هو الآخر جيء به تثمينا أيضا لحتمية تبادلي ليس كما أحاجي جحا، أو نوادر الجاحظ، وإنما بخصوصية العارف بترتيب أمور المباني .

بوعرّيفة، شخصية محورية مركزية، تنطلق من بيئة سوفية، أو حتى غيرها، يدعي أنه يعرف كل شيء، لكنه غالبا ما يخفق وتسقط تنبؤاته،ولكن الأديب حسان الجيلاني، إنتشله من هذا الغرق المبين، فوظفه توظيفا بينيا مبينا أيضا وذكيا لإستجلاب المتعة والاستزادة منها معرفة ََ ودلالات، وهذا ما حدث لي وأنا أستقرئ هذه المقامات في وعيها الدلالي، وقد أحالنا - إسقاطا على راهننا بوعي كاتب قدير، تمكن من جلب الممكن في معطف الأسلوب الساخر، وليس الإستهتار أو الاستصغار من قيم الانسانية، بل بالعكس أعطاها بعدها المنوط

بها كقيمة إنسانية، فقط يجب أن تصقل بالتريت في إيلاء أشياء المجتمع مكانتها، من منظور أخلالي متزن، وإن كان يكتنز في طياته مدارك التذمر، والجسارة معا لتشريح واقع مشين، بدعابة، وهذا ما جعله " يستوطن " منظومته الأسرية، كمرافع وكمحام عن هذه المطبات الاجتماعية خارج منظومته الاسرية في تكوين لحظة الادراك والإشراق معا لدى المتلقى

أن ما كان يحيط وما يرهق ضائقة المجتمع على جميع الأصعدة يجب أن يعالج في هذه الكيفية التي أمتعنا بها كمتلقين وهو رجل مسرح أيضا: أسلوبا وبراعة في توطين ذوات الاشياء، والعيش في كنف الاسقاط وهذا ما اجتليته من هذه البدائع الغزيرة، والكامنة في عمق وجرح الأمة .

الكتاب جدير بالقراءة، وأنصح بقراءته، فقد إجتلى كل مكنون بملفوظ بديع، ولعمري أن الكاتب وقد تشبّع من كينونة المراس، فرَشَحَت قريحته هذه المباني رهوا على وقع نوق فيافي وادي سوف، ليوزعه على المعمورة قاطبة بهذا الاسلوب، المبسط الرائع،

نجدد الرحمة على المرحوم، حسان الجيلاني وقد أهدانا هذه الذخائر وغيرها (حوالي 32 كتاب وأزيد) في شتى المعارف، وقد أهداني إياها " أي مغامرات بوعريفة - مشكورا عندما كان بيننا معززا مكرما، ننهل - وما نفتأ - من بدائعه هذه وغيرها، والآن هو أمام الخالق البديع، نتضرع للعاشق البديع، الجميل الذي يحب الجمال أن يشمله بواسع رحمته، أمين يا رب العالمين

***

كتب من البليدة : أحمد ختاوي

....................

هامش

1- السوفية في إشارة إلى مدينة وادي سوف الجزائرية

 

تُعد الفتاوى المصدر الأول لعلم الفقه، حيث كانت هذه الفتاوى تمر في ثلاثة مراحل في الأقل حتى تصل الى صورتها الأخيرة، وهي كتاب فقه. وأولى تلك المراحل جمع الفتاوى نفسها، والغالب أن يكون كاتبها، أي المفتي، هو من يقوم بذلك، وثانيها ترتيبها على حسب القسمة الاصلية للفقه، العبادات ثم المعاملات وهكذا، وثالثها تجريد الفتاوى نفسها من آثار زمانها ومكانها، فتُحذف تواريخها، وتسقط أسماء المستفتين، وأسماء من وردت الإشارة اليهم في ثناياها، فلا يبق إلا جسم القضية وحدها، وهو حكم المفتي فيها، وقد يتولى آخرون، من المؤلفين، أو من بعض طلبة المفتي، هاتين المهمتين الأخيرتين، فيخرج الكتاب وهو حاو للمسائل دون أولياتها، دافعاً بالعلماء وطلبتهم الى الوقوف على الأحكام الفقهية وحدها مجردة من التفاصيل التاريخية التي تحيط بها، والتي تخرج عن إهتمام الفقيه الذي تنحصر غايته في البحث عن حكم سابق يفيد منه  في القضية المعروضة عليه.

على أن كتب الفقه تجد اليوم من يهتم بها غير الفقهاء، إذ يَعدها المؤرخ مصدراً أساساً يتعرف من خلاله على جوانب من الحياة الإجتماعية والإقتصادية للمجتمع موضوع بحثه، ربما سكت عنها المؤرخون، وهو من ثم معني بتتبع تلك الأوليات التي أهملها مؤلف الكتاب الفقهي أكثر من الحُكم المستخرج منها، فتلك الأوليات تمثل على نحو صادق الدواعي الواقعية التي أدّت بالمستفتي الى عرض مشكلته على الفقيه المفتي، طالباً حكمه، وتكشف عن هويته الإجتماعية، والفئة أو الطبقة التي ينتمي إليها، والمدينة والحي الذي يسكن فيه، كما أنها تصرح بأسماء خصومه في المشكلة التي تواجهه، بحسب طبيعة سؤاله، إن كانوا ذوي نفوذ ما أم إناس عاديون،  ، وتكشف عن هوياتهم غالباً، والتاريخ الذي كتبت فيه أحياناً، وما إلى ذلك من شؤون متنوعة  تمثل مصدراً حقيقيا لدراسات تاريخية مختلفة.

ومن ناحية أخرى فإن لغة الفتاوى نفسها تمثل مصدراً مهماً لدراسة تطور اللغة في عصر كاتبها، فالفقيه المفتي يضطر في أحيان كثيرة إلى اختيار ألفاظ ومصطلحات من واقع الحياة في عصره طلباً لأن تكون فتواه مفهومة تماماً لدى المستفتي، بل أنه يختار ألفاظ الأخير ومصطلحاته نفسها في رده عليه، مبتعداًً إلى حدِ ما عن استعمال المصطلحات الفقهية التقليدية التي ربما لا تحتفظ بالدرجة نفسها من الوضوح لغير الفقهاء.

ويمثل كتاب (الفتاوى الخيرية)[1]، أنموذجاً بيِّناً للكتاب الفقهي الذي يقف في مرحلة وسطى بين مرحلة جمع الفتاوى الصادرة عن الفقيه المفتي، وتبويبها بحسب التقسيم التقليدي للفقه، وبين مرحلة تجريدها من كثير من أولياتها التاريخية التي استندت إليها، والإبقاء على الحُكم دون سؤال طالبه، ومن ثم فهو يستحق وقفة من المؤرخ الدارس لبيئته وعصره.

والكتاب يقدم تلخيصاً أميناً ودقيقاً للفتاوى الذي أفتى بها فقيه كبير، هو خير الدين بن أحمد بن علي بن زين الدين ابن عبد الوهّاب الأيوبي، العَليمي، الفاروقي الرَملي، الحنفي[2]، وهو علامة متبحر في علوم عصره، من أهل فلسطين، ولد في مدينة الرملة في سنة  993 هـ/1585م ، وتلقى معارفه الأولية في مدينته، حيث قرأ القرآن وجَوَّده على يد الشيخ موسى بن حسن القبي، ثم رحل سنة 1007  إلى القاهرة، مع أخ له للدرس في جامعها الأزهر، وكان لهما أخ أكبر تقدمهما في الدرس هناك، فاستقرت إقامته في القاهرة ست سنوات، لازم فيها الجامع الأزهر ملازمة تامة، متلقياً العلم على أيدي كبار علمائه، ومالت نفسه لدراسة الفقه الحنفي، مع أنه كان قبل ذلك شافعياً، فأخذه عن جماعة من كبار فقهاء الحنفية، منهم الشيخ عالم الأزهر عبدالله بن محمد النِحريري، وسراج الدين محمد بن محمد الحانوتي، والشيخ أحمد بن محمد أمين بن عبدالعال وغيرهم،  وقرأ الأصول على محمد ابن بنت محمد، ومحمد بن بنت الشلبي، وأخذ الحديث عن أبي النجا سالم السَّنهوري، مُحدِّث الأزهر وجماعة، والقراءات على عبد الرحمن البهني، والنحو على الشيخ أبي بكر الشنواني وغيره، وقرأ الفرائض، وأكثر التردد على الشيخ فائد، وهو ولي مشهور ذاع صيته في عصره. ويسَّرت له إقامته الطويلة في الأزهر فرصة نسخ عددٍ كبير من الكتب مما كوَّن نواة مكتبته، وقد أجازه معظم من دَرَس على يده من العلماء، وعاد الى وطنه الرملة حيث تولي فيها التدريس والإفتاء والزراعة، حتى أنه غرس ألوفاً من الأشجار المختلفة من الفواكه والتين والزيتون و الكروم، "، وكانت خيراته عامة على أهله وأتباعه وجيرانه وبل على أهل بلدته"[3]، هذا مع حسن خلق وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، حتى وفاته – رحمه الله-  في 27 رمضان سنة 1081هـ/6 شباط 1671م  تاركا وراءه ولدين صالحين، عُرف أحدهما بالعلامة، وعشرات الألوف من الفتاوى الناضجة التي عالجت مشاكل بيئته وعصره، وعدداً كبيراً من الطلبة الذين تتلمذوا على يديه، ممن تولى معظمهم المناصب العلمية والشرعية في مدن الشام المختلفة، فضلا عن مؤلفات مهمة منها (مظهر الحقائق الخفية من البحر الرائق في فروع فقه الحنفية) و(حاشية على الأشباه والنظائر) و(حاشية على جامع الفصولين) و(لوائح الأنوار على منح الغفار) و (حواش على شرح كنز الدقائق للعيني) وحواش على (تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق) لعثمان بن علي الزَيلعي و(ديوان شعر) و(مطلب الأدب وغاية الأرب) ورسائل مختلفة وغير ذلك[4].

الجامع القديم في مدينة الرملة

وطارت شهرته في الفقه، فصار مقصداً للمستفتين الذين يقصدونه بأسئلتهم مباشرة او يبعثون بها اليه من المدن الأخرى، منها دمشق والقدس والخليل ونابلس ويافا وغزة ويافا واستانبول. وتتناول هذه الأسئلة قضايا فقهية بالغة التنوع تتعلق بالحياة الشخصية والأسرية والتربوية والأخلاقية والتعليمية والمالية والتجارية والزراعية وغيرها، فكان يجيب عليها جميعاً بمستوى واحد من إتقان الإجابة وجودة الصياغة، والفهم المعمق وسعة الأفق والإطلاع، تُعينه على ذلك مكتبة ضخمة من مصادر الفقه، لا سيما الفقه الحنفي منه، فهو حريص على أن لا يُبيِّن رأيه في قضية مطروحة إلا بعد أن يستوفي فيها رأي من سبقه من فقهاء مذهبه وفقهاء المذاهب الإخرى، دون تعصب لمذهب أو لرأي فقيه بذاته. وكثيرا ما نجده يستأنس بعددٍ كبير من المصادر الفقهية في جواب قصير على سؤال واحد، فنمَّ ذلك عن سعة إطلاعه عليها وقدرته على استدعاء ما فيها من نصوص وأحكام. وقد أشاد المحبي بخزانة كتبه الغنية فقال "حصَّل من الكتب شيئاً كثيراً ينوف على الألف ومائتين مجلد، غالبها من نفائس الكتب ومشاهيرها من كل علم"[5].

وكتابه الذي ضم مختارات من فتاواه، هو كغيره من كتب الفتاوى، يقدم أولاً عرضاً وافياً لسؤال طالب الفتوى، تحت عنوان (سُئل)، ثم  يليه حكمه فيها تحت عنوان (أجاب)، ومن الواضح أن مادة الكتاب، استندت في ركنيها هذين على نُسَخ ثانية من فتاويه، غير التي يقدمها للسائلين، كان يحتفظ بها، في سجل خاص، كما كان يفعل المفتون عادة. على أن خير الدين لم يكن هو الذي رتبها ولخصها، وإنما من فعل ذلك هو ولده محيي الدين صالح، وكان عالماً بالفقه ايضاً، فقد قام باختيار موفق لما وجده يستحق التلخيص، متبعاً أربعة شروط وضَّحها في المقدمة القصيرة التي كتبها، وهي أن لا تتناول الفتوى أمراً عادياً تناوله المفتون من قبل، وإنما هو "ما قلَّ وجوده في الأسفار"، وبالمقابل فإنه لم يورد تلك الفتاوى التي تتناول القضايا نادرة الحدوث وإنما ما "كثر وقوعه في غالب الديار" ، ومع أن هذه الفتاوى لا توجد في أبواب كتب الفقه، وإنما تفهم من "كتب الأصحاب" أي أصحاب مذهب أبي حنيفة.

واستمر في عمله حتى إذا بلغ الفتاوى الخاصة بالمَهَر ، اي حتى ص 37 من الكتاب (بحسب المطبوع)، توفي فجأة، فلبث العمل ناقصاً في بدايته، فقام أحد طلبة خير الدين النابهبن،  وهو إبراهيم بن سليمان بن محمد بن عبدالعزيز، بإستئذانه في إكمال ما بدأ به ولده صالح، فأذن له، واستأنف العمل حتى بلغ به نهايته، وقد بلغت صفحاته نحو خمسمائة صفحة كبيرة شاملة لجميع أبواب الفقه، وهو عمل كبير مُجهد، لكنه لم يلخص جميع ما أفتى به شيخه، وإنما اقتصر على "نزر يسير من جم غفير". وحينما أتمه أطلق عليه اسماً شاملاً هو  (الفتاوى الخيرية لنفع البرية) ، وأثنى عليه بقوله "مولانا شيخ الإسلام والمسلمين، خاتمة الفقهاء المحققين، أوحد الزمان، في فقه أبي حنيفة النعمان، وحيد الدهر، وفريد العصر، سيدي ووالدي الخير الدين المنيف، ومن هو خير محض كإسمه الشريف".

ومما زاد من أهمية هذه الفتاوى، طبيعة المرحلة التاريخية التي عاشها صاحبها، فهو قد عاصر أول ظواهر ضعف الدولة العثمانية، وتردي أحوالها العامة، ولهذا نجده شديد الإنتقاد لتلك الظواهر، مثل تفشّي رشوة القضاة الذين كانت ترسلهم الدولة لتولي القضاء في بلاده، ، أو جهلهم، وتدهور نظام التيمار العسكري- الاقطاعي، واستيلاء من يسميهم بالمتغلبين على القرى، وكثرة الضرائب غير الشرعية المفروضة على المزارعين في القرى، واضطرارهم الى ترك أراضيهم الزراعية وقراهم، وهيمنة القبائل البدوية على الريف وقطعها الطرق، وتدهور الزراعة، والإستيلاء على أراضي الوقف، والتعدي على الممتلكات الموقوفة، وكثرة اللصوص، وما إلى ذلك.

وفضلاً عن ذلك ففي الكتاب كثير من الألفاظ والمصطلحات الحضارية،  عامية ودخيلة ومحلية، شاع  استخدامها في وطن المؤلف فلسطين، أو في بلاد الشام عامة، في ذلك العصر، وهي خليط من كلمات ذات أصول فصيحة، ومولدة، ومصطلحات عثمانية وفارسية، بل وكلمات عامية لا يعرف لها أصل.

وكنا قد عُنينا - منذ سنوات عدة- بهذا الكتاب، فاستخرجنا من تضاعيفه عدداً لا بأس به من هذه الألفاظ والمصطلحات، وحاولنا أن نفسر معانيها ونتتبع أصولها، ورتبناها على حروف المعجم، مما يمكن أن يستدرك به على المعاجم العربية، وذلك على النحو الاتي:

أرض سلطانية

أرض رقبتها للسلطان، بصفته ممثلا للدولة. قال في ج2 ص185 هي الأرض المباحة للزراع. على أن ذلك لم يمنع أن تجرى من هذه الأرض في تيمار . قال "أرض سلطانية لبيت المال، جارية في تيمار شخص أجَّرها مزارعها".

أستاذ القرية

من غير الواضح كون أستاذ القرية هو نفسه شيخ القرية. قال في ج1 ص244 " أسلمهم حمسين قرشاً أسدياً مقرضا يستحق وفاؤها في الموسم المرقوم، وذلك بكفالة فلان أستاذ القرية مالا"[6].

أسكَلة

اللفظ مأخوذ في الأصل من (صقالة) العربية، وهي اللوح الصقيل الذي يتخذ واسطة صعود الملاحين وأرباب السفن وحماليها من الرصيف إلى سفنهم، ثم أطلق على الموانئ حيث مراسي السفن نفسها، وربما أطلق اسم أسكلة على البلدات الواقعة على ساحل البحر،  فقال في ج2 ص106" أسكلة يافا". والأسكلة غبر الفرضة التي تعرف بأنها سلطانية، اي الميناء الذي تشرف عليه وتديره الدولة مباشرة.

أمبن بيت المال

رئيس بيت المال أو ممثله في الولايات العثمانية، فله حق الإستيلاء على عقارات المتوفين الذين لا وارث لهم، وغلال المتوفين من أصحاب التيمارت. قال في ج1 ص97 "إمرأة ماتت ولها ابن مفقود، فوضع أمين بيت المال يده على عقار من تركتها فباعه" ولما سئل في ج1 ص17 "إذا مات أحد الجند بعد أن أدركت الغلة والزيت من القرى التي فيها تيماره، فهل ذلك حقه ولورثته المطالبة أم لا، أم لأمين بيت المال، أم لمن وجَّه السلطان التيمار له"، لم يوافق على أي من هذه الخيارات.

أوقاف مصرية

هي أوقاف السلاطين المماليك في بلاد الشام، أصبحت – بعد سقوط دولتهم سنة 924هـ/1517م – تحت نظارة (ناظر عام) ينصبه السلطان العثماني، ومثلها الأوقاف في مدينة القدس. قال في ج1 ص188 "الواقع في الديار الشامية من الأوقاف المعروفة بالاوقاف المصرية من أن السلطان ينصب ناظراً عاماً".

بابوج

لفظة من الفارسية بابوش وهو خف أو حذاء من دون رقية، معناه غطاء القدم . قال في ج1 ص78 ان مما تدعي به الزوجة من كسوتها بابوجان . قلنا: ولما يزل هذا اللفظ مستعملا في عاميات اهل العراق.

بازار باشا

كذا كتبها وهو يريد: بازار باشي، أي رئيس السوق، فال في ج2 ص25 "فوزنه بازار باشا فوجده عشر أواق".

باقورة

الباقورة هي البقر بلغة أهل اليمن، كما في لسان العرب، واستعملها بمعنى القطيع من البقر، قال في ج2 ص141 "راع يرعى باقورة ضاع منها بقر في مرعى"، و"لم يَرِدها رعاة الباقورة مع قدرتهم على ردها". و" بقار انتشرت باقورته في القرية"

بُندق

لفظ فصيح يعني لفظاً الثمر المعروف، واصطلاحاً مقذوف بحجمه شاع استعماله في الصيد في القرن السادس الهجري، يقذف من خلال النفخ بأنبوبة ضيقة خاصة، وحينما جرى اختراع البندقية صار هذا المقذوف، وقد أصبح يصنع من الرصاص، يقذف بفضل إلهاب البارود من خلال أنبوبة مشابهة ، بل عرفت البندقية نفسها نسبة إليه.انتشر استعمال البندقية في القرن العاشر للهجرة، إذ ترددت الإشارة اليها في تضاعيف هذه الفتاوى، قال في ج2 ص69 "جماعة يضربون البندق حول مَطهَر، أصابت بندقة وجه صغير فبضعته". وسمى البندقية بندقة كما في ج2 ص215 حيث قال "رجل صَوَّب بندقة نحو رجل ليرميه بها"[7].

بوقات

جمع عامي لكلمة بوق كما في ج2 ص126، وفصيحها : أبواق. قال "فضربوا على بابه طبولات وبوقات"

بياري

لفظ عامي، مأخوذ من التركية ابيار، وتعني سقاء وملاء[8]. قال في ج1 ص160 "ساقية مُسبَّلة يتعاطى إدارتها ومصالحها رجل بإذن ناظرها بسمى بيارياً"

بيورلدي

مصطلح تركي بمعنى (تفضُل بـكذا)، وهو أمر صادر عن الصدر الاعظم والولاة غالباً[9]، بخلاف الفرمان الذي يصدر عن السلطان، والمسمى بالأمر الشريف. قال في ج2 ص38 "واطلعوا من جانب سعادته ما يسمى بيولدي بعدم سفرهم بموجب الأمر الشريف".

تُرجمان

الترجمان من يترجم الكلام من لغة إلى أخرى، واستعمله هو بما يفهم منه أنه كان يعمل وكيلاً للقاضي في أستيفاء أموال غير شرعية. قال "قاض ظالم أمر ترجمانه الموكل بأخذ ما يسمونه محصولاً (أنظر هذه المادة)" ج2 ص148

تيماري

نسبة إلى تيمار، وهي قطعة معينة من الأرض يمنحها السلطان لفارس مقابل خروجه إلى الحرب عند استدعائه إليها، وربما كلفه بمهام مدنية في أوقات السلم, وكان على هذا الفارس أن يجهز تابعاً له، أو أكثر، يخرج معه عند استدعائه الى الحرب. ويتضح مما ذكره في ج2 ص148 أن التيماري صار يبعث بتابعه إلى الحرب بديلا عنه. قال أن تيمارياً "أقرض  مزارعاً حنطة وشعيراً وذرة فزرع ذلك في أرضه وسافر المزارع فاستأسره أهل الحرب". وعلى الرغم من أن منح التيمار هو من حق السلطان وحده فإن الناس تواضعوا في زمانه على بيعه بالمال، مما دفعه إلى الإفتاء بتقرير أن "الإستحقاق للتيمارات بإعطاء السلطان لا دخل لرضا الغير". ويفهم مما ذكره في ج1 ص221 أن أصحاب التيمارات كانوا يدفعونها للناس بالمزارعة. قال في ج1 ص210 " الأراضي التي لبيت المال ويدفعها أرباب التيمارات مزارعة للناس بالثلث والربع.. لا تورث ولا يجوز لهم بيعها"

جُباة المحلات

هو المكلفون بجباية الضرائب المفروضة على المحلات في المدن. وعد شهادتهم غير مقبوله لعدم تورعهم عن الحرام. كما في ج2 ص25

جاويش الكنائس

الجاووش كلمة تركية تعني العريف في قوات الانكشارية، ومن الواضح أنه كان مكلفاً بالاشراف على أمن الكنائس أو حمايتها. قال في ج2 ص87 " رجل إدعى على جماعة من أهل الذمة أن له بذمتهم على سبيل القرض الشرعي كذا من القروش تسلموها ودفعوها لجاويش الكنائس".

جَرَّة

تكررت الإشارة الى جِرار زيت الزيتون، ولكنه لا يعني به الجرة التي هي الخابية، وإنما هو معيار معلوم من الزيت كما في ج1 ص239

جرصن

لفظ عامي لم نقف على أصله، ويفهم مما ذكره في ج2 ص201 انه آلة لفتح الكُوى في الجدران, قال" رجل اخرج جرصناً الى طريق العامة وفتح به كوة"

الجَمَلون

سقف محدب على هيئة سنام الجمل ومنه أخذ اسمه، قال في ج1 ص 179 "وقد وقع في حوانيت الجَمَلون بالغورية "

جوخدار

مصطلح عثماني مركب من لفظ (جوخ) القماش الثمين المعروف، ودار بمعنى صاحب، فهو الموكل بثياب السلطان، ويعد أحد كبار رجال خدمته، وواضح مما ذكره خير الدين ان للقاضي في الولايات العثمانية جوخداره ايضاً. قال في ج1 ص140 "وقد أخذ القاضي الفلاني وجوخداره جميع ذلك [المال] بغير حق".

جوربجية

فئة من ضباط الينكجرية أصلها شوربه جية، من شوربه العربية، وجي اداة النسبة إلى عمل وحرفة، فهم المسؤولون عن توزيع الشوربة للجند في ثكنات الينكجرية، وكان الجوربجي واحداً ممن تعهد إليهم مهام أمنية. [10]وفي ج2 ص150 أن رجلاً ذا شوكة وتغلب تعدى على رجل "وانتسب إلى بعض الجوربجية" زيادة في شوكته.

حاكم سياسى

يظهر أنه الحاكم العرفي، او حاكم العرف، نفسه، بخلاف الحاكم الشرعي الذي هو القاضي[11]. كما يلاحظ ان من معاني تيمار: السياسة. قال في ج2 ص44 "رجل متهم بقتل أخيه ففتش حاكم السياسة عليه"، وقال في ح2 ص45 "لورثة الدافع المطالبة بما دفع مورثهم للحاكم السياسي". وقال في ج2 ص  197"ويدعى على الاخ انه شكا عليه لحاكم سياسي فغرمه مالاً". وفي ج2 ص153 ذمي سعى إلى حاكم سياسة يغرم على سعايته فغرمه. ورجل مسكه حاكم سياسة يغرم بالسعاية. وفي بعض الحالات التي أفتى فيها ثمة تداخل بين صلاحيات الحاكمين.وكان لحاكم السياسة أعوان ولكن منهم من لا تقبل شهادته لأنه لم يكن "يتوقف عن الحرام، ولا يبال من أين اكتسب المال". كما في ج2 ص25. وفي ج1 ص245 أن رجلا أراد الخروج من بلده بسبب ما أخذه منه حاكم سياسة. قال في ج1 ص88 "اذا كان حاكم العرف ليس به عسف، والسياسة نوعان، سياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر" وسكت عن النوع الاخر منها[12].

حاكورة

الحكر لغةً الحبس، واصطلاحاً حبس السلعة بانتظار الزيادة في سعرها. واستعملها هو بمعنى الأرض المحتكرة من طرف جماعة . قال في ج2 ص155 : حاكورة بين جماعة أرضاً وغراساً باع أحد الشركاء حصته فيها. وفي ج2 ص78 ان الحاكورة قسم من أقسام البيت. قال معدداً أقسام بيت "العلية الكبيرة والثلاث خلاوي مع الحاكورة ليده وليدهم المطبخ" او هي قطعة أرض ملحقة به. ففي ج1 ص201 " دار موقوفة مع حاكورة ملاصقة لها" وجمعها حواكير كما في ج1 ص234.

حق حطب

ضريبة غير شرعية كان يتعين على أهل الفرى دفعها في موعد محدد من كل عام. كما في ج1 ص247 والظاهر أنه كان يدفع مقابل ما كان يحصل عليه أهل القرية من  أحطاب للوقود.

خان

لفظ  يطلق على النِزل، الذي ينزل به التجار والمسافرون غالباً، وقد اطلقه على الدور السكنية عامة. قال في ج2 ص159:  الخانات وهي الدور.

خراج المقاسمة

اسم لنوع من الملكية يحوزها التيماري، يتقاسم فيها الفلاح والمالك، وهو هنا التيماري، محصولها بنسبة معينة. قال في ج1 ص67 "وأما ما هو من أرض خراج المقاسمة كما في بلادنا فهو متعلق بالخارج كالعشر لتعلقه به" فإذا قام فلاح بزراعة هذه الأرض ولا يعطي خراج المقاسمه فعليه أن يدفعها إلى التيماري وللأخير إخراجه منها. ولكن لا يجوز أن يتجاوز التيماري "الحق والشرع"، فيقسم غلتها بالربع "حسب عادتها"، كما لا يجوز توزيع ما فصله على قراريط أهل القرية، وإنما وفقاً للخارج، أي جُملة، على وفق النسبة الثابتة المتفق عليها (تنظر مادة فصل).

خزانة

من أجزاء البُندقية، مخصص لخزن البارود فيها. قال في ج2 ص196 " رجل أخذ بيده بندقية مُجرَّبة ثم وضعها وبعد استقراره وقع مشخاصها على خزانتها فأورَت وقتلت شخصاً". وهذا الوصف قريب مما سماه محل البارود حيث قال في ج2 ص215 "لما ضربه أصاب النار فألقاها على محل البارود فخرجت البُندقة بفعله". وفي ج2 ص208 أن رجلاً " خرجت من بُندقته .. فأصابت فرس صلحبه .. وكان قد قدح زناده فلم يُوره، ولم يَعلم ما سبب خروجها، هل هو من ريح حملته من الفتيلة نار فألقتها على محل الخروج".

خَفَرية

الخَفر لغة الكفيل والحافظ (لسان العرب)، والخفير المجير، واصطلاحاً: الحارس. واستعملها هو بمعنى الحراس الذين يرافقون القافلة . قال في ج2 ص136"جميع ما دفعوه بإذنهم للخَفرية من مالهم أم من مال الجمّالة". أو الذين يحرسون المحلة. وقال في ج1 ص247 "الحارس للمحلة التي يسمى في ديار مصر الخفير".

خلو

عامية، وهو مبلغ من المال يُدفع للحصول على محل تجاري. قال في ص179 أنه "الواقع في غالب الأوقاف المصرية والأوقاف الرومية في الحوانيت وغيرها". وفي عامية مصر: خلو رِجل.

خلوة

الخلوة هي المعتكف الذي يخلو فيه العابد الى ربه، واستعملها هو بمعنى الغرفة التي تقع في الطابق العلوي من البيت، فقال في ج2 ص79 "العلية الكبيرة والثلاث خلاوي"،  وفي ج2 ص129 الغرفة التي يقيم فيها طالب العلم من مدرسته. وجمعها: خلاوي. وتكون عادة في الطابق العلوي من المدرسة. وفي ج1 ص167 "مدرسة لها بواب يسكن في خلوة من خلاويها".

خميسية

ضريبة غير شرعية، لم يتوضح معنى اسمها،  كان يدفعها المزارعون في القرى إلى المقاطع مع خدم كانوا بؤدونها إليه كما في ج2 ص127 وفي ج1 ص247 انها واحدة من عدة ضرائب ضريبة كان يتعين على أهل الفرى دفعها في ثلاث دفعات بين ربيع الاول وذي القعدة من كل عام .

درجة رملية

هي الساعة من الزمن، إشارة الى الساعة الرملية التي تأخذ من الوقت ساعة كاملة لكي ينساب الرمل من جزئها الأعلى الى جزئها الأسفل. قال في ج1 ص151 "تؤخذ أجرتها من المقاطع دفعة واحدة، ويكتب الكاتب دفتر الوقف في أقل درجة رملية".

دَزدارية

اسم وظيفة من دَزدار، المركبة من دَز الفارسية بمعنى القلعة، ودار بمعنى صاحب، فيكون معناها محافظ القلعة. ينظر ج2 ص19.

دَست

لفظ فارسي له معان شتى، وبالعربية الملابس، استعمله بمعنى الصندوق الذي توضع فيه الملابس ونحوها. قال في ج2 ص145 "كان له دستان من ثياب" .

دفتردار

مصطلح عثماني مركب من دفتر، وهو السجل، ودار بمعنى صاحب، فيكون معناها الموكل بالتسجيل والمقصود تسجيل العقارات في الدولة، وفي نهايات القرن السادس عشر صار لكل ولاية دفتردار يقوم بتنظيم الشؤون المالية في الولاية[13]. قال في ح2 ص79 " وكيل دفتردار خزينة الشام".

دِياس

لفظ عامي فصيحه دَوس، والمقصود به دَوس الحاصل في الحقل. قال في ج2 ص148" وصار يستعمل البقر في الحرث والدياس".

روماني

نوع من الملكية الزراعية، غرست زيتوناً تكون غلته لبيت المال، وهذا الزيتون"مفوض للإمام أو نائبه، إن شاء عمَّره لبيت المال من مال بيت المال، ومَرَد جميع الخارج في بيت المال، وإن شاء عامَل عليه بحصة من الخارج" ويدفع عنها غارسها ما عُيِّن عليها من الخراج، كما في ج1 ص67.

زعيم

لفظ عربي، وفي الإصطلاح العثماني رتبة لضابط كبير من السِّباهية، يُمنح إقطاعاً متوسطاً بين إقطاعات النظام الإقطاعي العثماني المسمى (تيمار)، ويكون زعيماً لعددٍ من السِّباهية في أثناء الحرب. قال في ج2 ص35 "جماعة إسباهية بمدينة نابلس قيل لهم كُتِبتم للسفر (يعني الحرب)، فأذنوا لزعمائهم المتوجهين للسفر أنهم إذا اجتمعوا بحضرة صاحب السعادة حاكم دمشق المأمور بالسفر..الخ".

سِباهي

وهو التيماري نفسه (تنظر هذه المادة) لفظ تركي بمعنى الخيال والفارس، كانت الدولة تمنحه قطعة أرض متفاوتة في دخلها بحسب طبقته في نظامها الإقطاعي، ويسمى أدناها (تيمار) ومنه اكتسب النظام اسمه، فقيل له نظام التيمار، يليه (الزعامت) فـ(الخاص) والأخير أعلاها دخلاً، ويُخصَّص للسلاطين عادة . وهذا الإقطاع لا يُباع لأنه يُعد ملكاً للدولة، وإنما يُمنح صاحبه ضرائبه فقط، بوصفها دخلاً شخصياً له مقابل أدائه واجباته العسكرية والمدنية. قال في ج2 ص69 "الأرض ليست ملكاً حتى يَدَّعي المِلكية، وواضع اليد كذلك، ليس له فيها ملك، وإنما هو مأمور بتناول خراجها مقاسمة أو وظيفة". ومثل ذلك قوله في ج1 ص45 أنها " أراضي بيت المال يُسلك بها مسلك أرض الوقف.. والأراضي الآن في أيدي المزارعين ليست ملكاً لهم وإنما مزارعون فيها لانقطاع مالكيها.. وأن الأراضي التي لبيت المال والناس تزرعها على الثلث أو الربع أو الخمس ونحو ذلك "، بل "إذا لم تطق الخمس بأن كانت أرضاً قليلة الريع كثيرة المؤن، بحيث لو قرر عنها الخمس تعطلت، ولا يفضل لربِّها شيء بعد المؤن، كان يخسر من ماله، ينقص عن المؤن"، كما في ج1 ص97 . وعرَّف هذه الأرض بقوله في ص 61 أنها "أراضي بيت المال التي يقطعها السباهي نظير عطائه في الديوان"،  بل لاحق له أن يقلع غرس زيتون بها مباح لأهل القرية سابقاً ولاحقاً.. إذ هو ليس بمالك، إنما له تناول أجزاء المعين له من جانب السلطان لا إتلاف ما فيه ضرر على بيت المال" كما في ج1 ص67 . وفي ج2 ص36 ملاحظة مهمة عن دلائل فساد هذا النظام في عصره، من الناحية العسكرية في الأقل، حيث قال أن السباهية كانوا يدفعون مالاً إلى الوالي حتى يستثنيهم من الذهاب إلى الحرب عند استنفارهم، وصار منهم من يفرض لنفسه خراجاً على القرية بوصفه  هو "المتكلم على القرية"، على الرغم من عدم وجود خراج عليها أصلاً. ج1 ص97.

سلطاني

ضرب من النقد العثماني. قال في ج1 ص140 " كان للوقف تحت يدي مائة قرش بدل عن بستان له، وخمسة وسبعون سلطانياً كانت بذمة رجل".

سُوباشي، صوباشي

مصطلح تركي قديم معناه الحرفي قائد جيش(صو تعني جيشاً، وباشي بمعنى رئيس) وعرَّبه العرب قديماً بـ(شباشي) وكان الصوباشية يُكلفون بحفظ الأمن في المدن في عهد سلاجقة الروم[14]، ثم عُدوا في عصر الدولة العثمانية ضباطاً في قوات الينكجرية (الانكشاري)، مسؤولون عن الأمن في المدينة. قال في ج2 ص26  أن جماعة استولوا على مدينة الخليل "وقاتلوا صوباشي المدينة"[15]. وفي ج2 ص142 "واتهمه أن سوباشي أودع عنده ثلاثة آلاف من القروش".وفي ج2 ص25 "فطلب السوباشي تسطير ذلك" يريد كتابة محضر بما وقع.

سياسة

تكليف غير شرغى كان على أهل القرية تقديمه إلى صاحب الأرض، كما في ص98، والغالب أن له علاقة بالحاكم السياسي أو حاكم سياسة (تنظر هذه المادة).

شنبر

لفظ من التركية جنبر، بجيم مثلثة، بمعنى الطوق والقمطة، والدائرة[16]. وواضح مما ذكره في ج1 ص78  انه من أردية المرأة المتزوجة، فقد قال انه مما تدَّعي به الزوجة كسوة لها، ولم يوضح شكل هذا الرداء ووظيفته:

شعَّال

لفظ  يقصد به من يتولى إشعال القناديل في مسجد ونحوه. قال في ج1 ص153 "وقفٌ ضاق رَيعه عن الصرف إلى مستحقيه من خطبة وأئمة ومؤذنين وشعّالين وبوابين وتنوير".

شَوال

لفظ عامي من التركية : جوال، عُرِّب قديماً بجوالق[17]، وهو الكيس الذي يُعبأ فيه الحب أو الدقيق ونحوه .جمعه شوالات . قال في ج1 ص232 " رجل اشترى من آخَر ثلاث شوالات، ثنتان صفقة واحدة".

صَبرة

لغة الكَومَة من الطعام. أو الكمية بلا وزن ولا كيل، وفي الحديث أنه (صلى الله عليه وسلم) نهى عن بيع الصبرة من التمر لا يُعلم مكيلتها من الكيل المسمى للتمر. وأطلقها هو على الكمية من الأرز كما في ج2 ص150 إذ قال "صبرة إرز"، ومن الحنطة، فقال في ج1 ص21 "باعه صبرة حنطة". وفي ج1 ص233 "رجل اشترى من آخر غرائر معلومة من صبرة كبيرة" وفي ج2 ص20 "باع لهما البائع المذكور صبرة بلا وزن".

ضمادة

في لسان العرب هي خِرقة تُلَف على الرأس عند الإددهان والغسل ونحو ذلك. وقال هو في ج1 ص78 انها مما تَدَّعي به الزوجة نفقة لها ولم يوضح شكلها ومادتها ووظيفتها.

طباخة

من التكاليف غير الشرغية التي يتوجب على أهل القرى تقديمها الى اصحاب أراضيهم,  كما في ج1 ص98.

طُبولات

جمع عامي لكلمة طبل كما في ج2 ص126 وفصيحها: طبول

عالول

يفهم مما ذكره في ج2 ص148 أنها الحضيرة التي تخصص لعيش الأبقار. قال "رجل له عالول بقر وضع فيه قرصية فحلّها منه رجل".

عَريف

لفظ فصيح، معناه (العليم)، ولكنه في المصطلح العثماني ضابط في جيش الينكجرية (الإنكشارية) مهمته نقل الأخبار بسرعة دون المشاركة الفعلية قي الحرب، ويسمى (عريف بروازي)[18]. وعد خير الدين العرفاء ممن لا تُقبل شهاداتهم. فقال في ج2 ص25 "شهادة مشايخ القرى وجُباة المحلات والعُرفاء" لاتقبل. وأن شهادة "المعرفين في الممالك، والعرفاء في جميع الأصناف" لاتُقبل لأنهم فسقة!.فالمعرف هذا غير العريف، وإذا كان المقصود بالأصناف أصناف أهل الحرف في المدن، فإن المعنى غير واضح.

عصوبة

عامية محلية، قال في ج1 ص89 أن من عادات الفلاحين أن يخطف رجل بنتاً ويدخل بها على شيخ القرية قائلا: بيني وبينها عصوبة!.

عُلوفة

عامية من العَلف الذي تعلفه الدواب، وكان يمثل نوعاً من المخصصات المالية التي تعطى للفرسان في أول عهد الدولة العثمانية لإطعام دوابهم، ثم صار اسماً للرواتب التي تمنح لأفراد الينكجرية وبعض الموظفين الرسميين[19]، ويسمون (علوفه لي) أي أصحاب الرواتب[20]. ترددت الإشارة إليها بوصفها رواتب مقررة في وقفيات الواقفين. قال في ج1 ص151 "صارت علوفات الفقراء على حكم التوزيع". و"شرط الواقف للمتولي وأرباب الشعائر من العلوفات"[21]، و"نص السلطان في براءتي على أن لي من العلوفة كل يوم كذا وكذا".

عُهدة

لفظ معناه لغةً اليمين والميثاق، واصطلاحاً الإتفاق بين صاحب الأرض والزراع على قسمة الحاصل المسمى خراجاً. قال في ج1 ص100 "إذا أخذ خراج المقاسمة من الزراع مدة سنين فاستحقت الأرض بأن ظهرت وقفاً أرصادياً، هل يؤخذ من الزراع ثانياً أم لا، ويخرجون من العُهدة".

عوارض سلطانية

مصطلح عثماني، يعني الطوارئ، وهي الضرائب المفروضة على الرعية عند حدوث الطوارئ[22]، وأصبحت تدفع على شكل رسوم ثابتة، أو غرامات، قال في ج1 ص244 "رجل اشترى بيتاً لم يَدرِ أن عليه عوارض سلطانية وقت شرائه" وفي ج1 ص187 أن وقفاً "سَكَنه أحد الموقوف عليهم بالغلبة فصار يدفع عنه مغارم سلطانية كالعوارض ونحوها".

عَونة

عامية، بمعنى أعوان. قال في ج1 ص140 "واخذ القاضي وعونته المال أخذ اللصوص"

عيدية

ضريبة غير شرعية، يظهر أنها كانت تُقدَّم في أحد العيدين،  كان يدفعها المزارعون في القرى إلى المقاطِع مع خدمات كانوا بؤدونها إليه كما في ج2 ص127 وعدها في ج2 ص119 من "العوائد الظُلمية" وأفتى ببطلانها. وفي ج1 ص247 أنها واحدة من عدة ضرائب كان يتعين على أهل الفرى دفعها في ثلاث دفعات آخرها في ذي القعدة من كل عام.

غِلَّة دار

مصطلح من غِلَّة العربية، ودار الفارسية بمعنى صاحب. قال في ج2 ص69 "لم تَجز الدعوى على أكّار الوقف وغير الوقف، وكذا غِلة دار الوقف وغير الوقف إذا ثبت أنه أكار أو غلة دار"، وهذان ليسا ناظرا وقف، إذ "لا تصح الدعوى في الوقف على غير ناظره".

غربية

ضريبة غير شرعية كان يتعين على أهل الفرى دفعها في موعد محدد من كل عام. كما في ج1 ص247 ولم نقف على وجه التسمية.

غليون

من التركية قاليون[23]، وهو ضرب من السفن الكبيرة، وجمعها غلايين، ذكره في ج1 ص 219 .

فاخُورة

بيت شَي الآجر والفخار.  في ج2 ص151 سيلٌ جرى من ماء المطر فدخل في فاخورة شخص فأتلف بعض فخاره. وينظر ج1 ص115.

فتح المِنجَل

ضريبة غير شرعية، يظهر أنها كانت تؤخذ عند البدء بالحصاد، كان يدفعها المزارعون في القرى إلى المقاطِع مع خدمات كانوا بؤدونها إليه كما في ج2 ص127

فردة قماش

مصطلح عامي، وهي القطعة من القماش، وتسمى في العراق (طَولاً)، قال في ج2 ص46 "رجل أرسل آلى آخر فردة قماش مصري وفي داخلها أربعون غرشاً".

فرسية

ضرب من الثياب لم نعلم الى أي شيء نُسب. قال قي ج2 ص106 " رجل أرسل الى بوّاب وكالة الرملة حِملاً من ثياب فرسية".

فريكة

لا معنى لها في اللغة والاصطلاح، ولكنه استعملها بما يظهر أنها جنس من البهائم. قال ج2 ص149 " في حرّاث أخذ بهيمة رجل .. وأخذها حراث آخر ودفعها لصبي يَعقِل معه سكين، قائلاً له هات له فريكة فأخذها الصبي وهربت منه فنحرها بسكين".

فصل

هو شيء معلوم من المال يضربه القسام على أراضي القسم التي يزرعها الناس بالحِصّة، وذلك على وجه الحزر والتخمين، ولا يطابق ما يخص حصتهم بل يزيد تارة وينقص بأخرى. وقال "ما يفعله بعض القسام مع المزارعين ويسمونه فصلاً أمر خارج عن الشرع الشريف" ج1 ص97.

(تنظر مادة خراج المقاسمة)

فِلاحة

الفلاحة لغةً حِرفة الفلاح، وهو الذي يشق الأرض للحرث (لسان العرب)، ولكنه اصطلاحاً كما في ج1 ص100 "ما يفعل الآن من الأخذ من الفلاح، وأن يزرع، ويسمى ذلك فلاحة، وإجباره على السكن في بلدة معينة، ليعمر داره ويزرع الأرض"، وعد ذلك حراماً.

قرش

عملة عثمانية من الفضة، أخذ أسمها من الالمانية Groschen  ضُربت في الأصل بوزن 6 دراهم، ثم انخفضت قيمتها في العهود التالية[24]، وتكررت الإشارة اليها في هذه الفتاوى بوصفها عملة رئيسة من الوقف والمعاملات الاخرى، وقد سجل خير الدين انخفاضها في عهده فقال في ص 198 "فاللازم عليه غرة نصف عشر الدية، قدرها خمسمائة درهم، بحساب القروش الان، ستة وخمسين قرشاً تقريباً".

قرش أسدي

أشار في مواضع عدة منها ج1 ص243 و ج2 ص20  إلى ضرب من القروش سماها "قروش أسدية"، وسماها في ج1 ص242 "القطع القروش الأسدية" وهي عملة ذات أصل هولندي كانت قيمتها تساوي ثلث العملة الذهب العثمانية[25].. ولكنها ظلت متداولة حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر[26].

قرصية

كأنها دابة تربط في حضيرة  كما في ج2 ص148(تنظر مادة عالول).

قطعة مصرية

نقد من النحاس، كل عشر منها كانت تساوي قرشاً صاغاً[27]. قال في ج2 ص124 " استأجر حماماً بإثنتين وعشرين قطعة مصرية"، وقال في ج2 ص 106 " رجل دفع لآخر ثلاثة قروش قِطعاً مصرية" وقال في ج1 ص77 "وقدره كل يوم ثمانية قطع مصرية".

قَنَواتي

عامية محلية، يظهر أن صاحبها كان مكلفاً بتنظيف المجاري، وعُدت "من الصناعات الدنيّة"،ولذلك كانت قرينة لمهنة الزبّال. كما في ج2 ص26

قَهوَجية

تكليف غير شرعي عده من الظُلم الذي لا اصل له، كان يؤديه الفلاحون برسم ضيافة صاحب الارض عند مقاسمة الخراج . ج1 ص98

قوّاسية

القواس هو الرامي بالقوس، ثم أطلق على الهداف بالسلاح الناري، واشتق منه الفعل قَوَّص بمعنى أصاب الهدف، كما أطلق على الحارس الشخصي.  ويفهم مما ورد في ج1 ص98 أن القوّاسية ضريبة، أو تكليف غير شرعي، كان على أهل القرية تقديمها لصاحب الأرض. وعده من الظلم الذي لا اصل له. ج1 ص98

كَردار

مركب من لفظين، كر وأصلها كار الفارسية بمعنى عمل، ودار بمعنى صاحب ، ويقصد به اصطلاحا العامل في الحقل ونحوه. ج2 ض194 وفي ج2 ص163وهو المزارع الذي ليس له حق القرار، وهو أن يحدث في الأرض بناء أو غرساً أو كبساً من تراب 161

كسر الفدان

دراهم يأخذها السباهي (أنظر هذه المادة) من قوم مهاجرين مقابل إعفائهم من العَود الى وطنهم الأصلي. ج2 ص185 وقال في د2 ص151 "وفيما تأخذه الظلمة ويسمونه كسر الفدان" وأفتى أنه حرام قطعي.

للِحافة

اللحاف لغة كل غطاء يتدثر به، واستعمله هو في ج2 ص149 بمعنى ما يغطي جذع الشجر من غطاء وقشر. قال " ركز غصنه في لحافته أو شقها في ركزه في نفسها في وضع القطع فأثمر".

كِيالة

ضريبة، أو تكليف غير شرعي،. وعده في ج1 ص98 من الظلم الذي لا أصل له، ومن المحتمل أنها رسم كان على اهل القرية تقديمه الى صاحب الارض عند كيل محصول قريتهم.

مارس

لا وجود لها في المعاجم، ويظهر انها أداة للغرس. قال في ج1 ص232 "جماعة استعاروا من آخر مارساً لزرع المقاث وأعاروه مثله لزرع القطن" وفي ج2ص136 أن رجلاً أجر لرجل آخر مارسيَن من أرض بأجرة معلومة.

مال طنطور

ضريبة غير شرعية كان يتعين على أهل الفرى دفعها في موعد محدد من كل عام. كما في ج1 ص247 ولم نقف على معناها.

مُباشَرة

من التكاليف غير الشرعية التي يتوجب على أهل القرى تقديمها الى اصحاب أراضيهم، كما في ج1 ص98.

مَبطَخة

لا ذكر لها في المعجم، وقد تكون أرضاً يزرع فيها البطيخ، قال في ج2 ص141 في كلامه عن البقر "في بقَّار انتشرت باقورته في القرية فوقعت في مبطخة إنسان فأتلفته".

متكلم

المتكلم على القرية هو صاحب الحق في أرضها أو حاصلها. قال في ج1 ص67 "ضيعة موقوفة على جهات متعددة .. هل لأحد المتكلمين على أحد الجهات الموقوفة الضيعة عليها أن يختص بها"، وفي ج1 ص97 عَدَّ السِّباهي هو "المتكلم على القرية"، و"الناظر متكلم على وقف". وفي ج1 ص146 "يُطالَب المتكلم على المدرسة بحصة بيت المال".

مجديّة

ضريبة غير شرعية كان يتعين على أهل الفرى دفعها في موعد محدد من كل عام. كما في ج1 ص247 ولم نقف على معناها.

محصول

اللفظ فصيح لكنه قصد به في ج2 ص148 : مبلغاً من المال كان بعض القضاة الظَلَمة يستوفونه بواسطة وكلائهم.

مَدبَسة

بيت صناعة الدبس كما في ج1 ص245

مُرتَفق

لفظ فصيح بمعنى الملحق بشيء ما،  واستعمله هو بمعنى المرافق الصحية خاصة. قال في ج2 ص79 " ولهما بالمطبخ والمُرتفق وساحة الدار تكون مشتركاً".

مِشخاص

أداة لإلهاب البارود في البُندقية. قال في ج2 ص196 " رجل أخذ بيده بندقية مجرَّبة ثم وضعها وبعد استقراره وقع مِشخاصها على خزانتها فأورَت وقتلت شخصاً".

مَصبَنة

البيت الذي يُصنع فيه الصابون . قال في ج1 ص129 " ناظر وقف أهلي جعل طاحونة الوقف مصبنة"

معاليم

جمع معلوم، وهو الراتب المقرر بحسب الواقف. قال في ج2 ص46 "جماعة وكّلوا رجلاً في قبض معاليمهم من ناظر وقف".

ميقاتي

الموكل بضبط مواقيت الأذان في المسجد. قال في ج1 ص153 "وينبغي إلحاق المؤذنين بالإمام وكذا الميقاتي لكثرة الإحتياج إليه".

ميمية

لفظ عامي محلي لضرب من البيوع يسمى بالمصطلح الفقهي بيع تلجئة، وهو بيع صُوري يلجأ إليه البائع في ظروف معينة مضطراً . قال في ج1 ص221 "رجل باع من آخر شجر زيتون بيع تلجئة ويسمونه بقرى فلسطين بيع ميمية، فتصرَّف فيه المشتري والآن منكر كونه بيع تلجئة، ويدعي أنه يقع جد وحقيقة ".

وقف أرصادي

هي الأرض التي يقفها السلطان. قال في ج1 ص100  "أرض قرية قسمها الربع، وهي وقف أرصادي من حضرة السلطان".

وقف أهلي

هو الوقف الذري نفسه. قال في ج1 ص122"وقف أهلي وقفه أبو الوفا على نفسه ثم على اولاده الذكور والاناث".

وَكْس

الوكس لغةً هو النقصان. فال في ج2 ص160 هل تحل القسمة ويلزم المال المجعول مع الأوكس أم لا؟ أي الأشد نقصاناً.

ياظجية

لفظ تركي، يُلفظ يازجيه، بزاي مفخمة، جمع يازجي: وهو الكاتب، اسم لتكليف غير شرعي عده من الظُلم الذي لا أصل له. ج1 ص98.

 

د. عماد عبدالسلام رؤوف

.....................................

[1] سماه البغدادي ( الفتاوى السائرة) . وقد طبع في المطبعة الاميرية في بولاق، 1300هــ وهو في جزأين في مجلد واحد، يشغل الأول 250 ص، والثاني 244 ص ، وثمة  طبعه على الحجر، يظهر انها طبعت في باكستان،  كتب عليها انها طبعت في القاهرة في 1376هـ الجزء الأول في في 295 ص والجزء الثاني في 295 ايضاً. ومنه نسخ خطية في دار الكتب المصرية، فهرس دار الكتب  ج1 ص448 وفي المكتبة الأزهرية،  فهرس الازهرية ج2 ص265

[2] ترجم له ولده صالح محيي الدين  ترجمة مختصرة متضمَّنة في مقدمة كتاب (الفتاوى الخيرية) كما ترجم له المحبي ترجمة ضافية في خلاصة الاثر ج2 ص134- 138 واسماعيل باشا البغدادي: هدية العارفين ج1 ص358 وايضاح المكنون ج2 ص499 والزركلي: الاعلام، بيروت 2002، ج2 ص227وكحالة: معجم المؤلفين ج4 ص132

[3] خلاصة الأثر ج2 ص358

[4] هذية العارفين ج1 ص358

[5] خلاصة الاثر ج2 ص134

[6] قال الشيخ يوسف بن محمد الشربيني، من أهل القرن الحادي عشر للهجرة (السابع عشر للميلاد) في كتابه (هز القحوف): فلاح يورد لأستاذه المال، وقال: أستاذ الكَفر، والأستاذ هنا الأمير والملتزم، قال إن الأمير إذا التزم بقرية وجد في دفاتر من التزم بها قبله الوجبة وغرامة البطالين وغير ذلك، وقال: لا يجوز للفلاحين الخروج عن طاعة استاذهم. كتابنا: ألفاظ ريفية مصرية من القرن السابع عشر، المكتب العربي للمعارف، القاهرة 2015.

[7] سأل احدهم محمد بن عبدالله التمرتاشي، وهو من أهل غزة، ومعاصر لخير الدين الرملي (ولد 939 وتوفي 1004هـ/ 1532- 1596م) عن جواز تحريم الضرب بالبندق فأجاب بنعم. فتاوى التمرتاشي، مخطوط في المكتبة الأزهرية الورقة 132.

[8] أمين خوري: رفيق العثماني، بيروت 1894.

[9] سهيل صابان: المعجم الموسوعي للمصطلحات العثمانية التاريخية، الرياض 2000ص70

[10] جب وبوون: المجتمع الإسلامي والغرب، ترجمة أحمد عبد الرحيم مصطفى، القاهرة 1971، ج2 ص185.

[11] من معاني لفظ تيمار: سياسة. رفيق العثماني ص97.

[12] تردد هذا المصطلح في فتاوى التمرتاشي، بما يفهم منه أن أحكام حاكم السياسة كانت بعيدة عن العدل والإنصاف.  فقال في الورقة 119 "زيد شكا على عمرو لبعض حكام السياسة" وفي الورقة 121 "رجل مسكه حاكم سياسة فأكرهه بالضرب والحبس على الإقرار بشيء فأقر به. وفي الورقة 95 "رجل اعتدى على آخر وشكا إلى حاكم السياسة".

[13] صابان ص 114

[14] جب وبوون ج2 ص187

[15] ومن ذلك ما ذكره التمرتاشي إذ قال في الورقة 86 "رجل اتهمه صوباشي المدينة بأخذ خشبه".

[16] رفيق العثماني ص113

[17] رفيق العثماني ص102.

[18] صابان  ص 152.

[19] صابان ص 155

[20] محمد علي انسي:الدراري اللامعات في منتخبات اللغات، بيروت 1320، ص377. وينظر جب ولوون ج2 ص248

[21] قال التمرتاشي "يكون ذلك التدريس لعلوفته لصاحب البراءة السلطانية الموافقة لشرط الواقف". الفتاوى، الورقة 64.

[22] صابان ص127.

[23] رفيق العثماني ص223.

[24] انستاس الكرملي: النقود العربية وعلم النميات، القاهرة 1938 ص181 و99، 139 وعباس العزاوي: تاريخ النقود العراقية، بغداد 1958،  ص148.

[25]  صابان، ص178

[26] د. محمد ملجد الحزماوي:  النقد الاجنبي في مدينة القدس وقراها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، دراسة من خلال سجلات محكمة القدس الشرعية، مجلة الجامعة الاسلامية، المجلد 15، العدد2، حزيران 2007 ص376

[27] الكرملي: النقود العربية ، ص185

 

لسامي مهدي

ترك كتاب (ألف ليلة وليلة) بصمته ليس على الأدب والفن العربي حسب بل وعلى العالمي أيضا ً، ومن ثمّ فقد كان موضع اهتمام العديد من كتّاب وأدباء العالم، ومصدر الكثير من الكتب والدراسات التي كُتبت وصدرت بمختلف اللغات . بتقنياته الإطارية وحكاياته المتناسلة وشكله المتجدد. إذ تشير المصادر إلى أن كتاب (ألف ليلة وليلة) كان خطوة حاسمة في نمط الكتابة لدى الانجليز، وتحولاً جذريا في مسار السرد الخيالي، لم يحظَ بها سوى الكتاب المقدس، وتروي جلّ الدراسات المتخصصة في هذا الشأن اهتمام الانجليز بالليالي، وكيف إن كبار الكتاب من أمثال ووردزورث، وكولردج، ودي ساسي، وغيرهم اولعوا بسحرها ايلاعاً شديداً، وكيف شكلت مصدراً مهماً لرصيدهم الثقافي.

ويكاد الاجماع ينعقد على عدم عروبة تلك الليالي وأنها مترجمة عن الفارسية والهندية، وكان قد اعتمد اصحاب هذا الرأي على ما جاء في كتب التراث مثل كتاب “مروج الذهب ومعادن الجوهر” للمسعودي الذي قال عنها (أنها أخبار موضوعه من خرافات مصنوعة، نظمها من تقرب للملوك بروايتها، وصال على أهل عصره بحظها والمذاكرة بها، وأن سبيلها سبيل الكتب المنقولة الينا، والمترجمة لنا من الفارسية والهندية والرومية، وسبيل تأليفها مما ذكرنا، مثل كتاب هزار أفسانة، ومثل كتاب فرزة وسيماس، ومثل كتاب السندباد، وغيرها من الكتب في هذا المعنى). و”الفهرست” لابن النديم الوراق البارع (إن أول من سمر بالليل الإسكندر، وكان له قوم يحكونه ويخرفونه .لا يريد بذلك اللذة، وإنما كان يريد الحفظ والحرس، واستعمل لذلك بعده الملوك كتاب "هزار أفسان" يحتوي على ألف ليلة ودون المائتي سمر – لأن السمر ربما حدث به في عدة ليالٍ، ولقد رأيته بتمامه دفعات، وهو في الحقيقة كتاب غث بارد الحديث) وكتاب  و”الإمتاع والمؤانسة” لأبي حيان التوحيدي ومصادر أخرى .

في الوقت ذاته ذهب جمعٌ أخر من الدارسين إلى تفنيد مزاعم من نسب تلك الليالي الى اصول غير عربية فارسية كانت أم هندية، كما ذهب الشاعر والناقد العراقي (سامي مهدي) في كتابه (ألف ليلة وليلة كتاب عراقي أصيل) الصادر عن دار (ميزوبوتاميا) الى القول بعروبة ذلك الكتاب موثقا رأيه من مصادر التراث ذاتها (مروج الذهب /الفهرست /الامتاع والمؤانسه) ؛ على اعتبار أن المعلومات المتوفرة في هذه الكتب عن ألف ليلة وليلة صحيحة وموثوقة لأن مؤلفيها أقرب إلى عصر الكتاب وزمن تأليفه. ومعتمداً النصوص القديمة ذاتها التي استنتج منها الباحثون العرب والمستشرقون، أن كتاب "ألف ليلة وليلة" مترجم عن أصل فارسي، حيث يرى أن المستشرقين أمثال (شليجل، وكوكسين،وبريزلسكي، السدروف، برتن، ديرلاين)، ومن تبعهم من الباحثين العرب لم يطيلوا النظر في نصوص المسعودي، وابن النديم، ولو فعلوا لوجدوا أن لهذا الكتاب (أمّاً قديمة) ألفت في العراق باللغة العربية الفصحى، ثم انتقلت إلى الشام ومصر، وجرى تحريفها من قبل الرواة الشعبيين وأدخلوا عليه زيادات ليست من أصل الكتاب، يقول: (لا يعرف مؤلفه أو من روى أو جمع النسخة الأم ... منهم من نقله بشيء من الدقة، ومنهم من نقله دون أن يتقيد بلغة أصله، ومنهم من أعاد صياغة أصله وتركيبه بصورة يفهمها القراء، ويرغب فيها القصاص المعاصرون له . ثم أن النساخ لم يتحرجوا من تغيير لغته، ووضع الفاظ معروفه عندهم مكان ألفاظ لم تعد دارجة في أزمانهم، ولما لم يكن غرض الكتاب تعليم العلوم والآداب واللغة الفصيحة، وإنما غرضه الحكاية والسمر، لم يتورع النساخ، ورواة القصص والسير من أن يقحموا فيه، ويضيفوا إليه قصصا أخرى، ارتضاها ذوقهم أو فنهم). وكما يكشف النظام القصصي في ألف ليلة وليلة أنه مكتوب بلغة عربية وليس من المرويات الشفهية، فكُتّاب وقُصّاص هذا الأثر لم يكونوا مؤلفين، بل رواة مرتبطين بمرجع مكتوب وأنّ المؤلف عربي، مسلم، واسع الخيال، مرهف الحس، عميق الصلة بحياة الشعب اليومية ومشاكلها وهمومها وأحزانها، على العكس من بقية المؤلفات الأخرى التي تشابهت مع هذا الأثر العربي، لكن زاد عليها المحرّفون بما يناسب عصورهم وأحوالهم الاجتماعية والسياسية. كما يشير الاستاذ سامي مهدي، أن كتاب ”ألف ليلة وليلة“ ظهر في حقبة كان القص فيها يستأثر باهتمام عامة الناس وسائر طبقاتها الاجتماعية، وأن ثمة احتمالا طالما أغفله الباحثون ولم يتعاملوا معه بإمعان ومثابرة، رغم ما له من مغزى كبير، وهو وجود أكثر من كتاب يحمل عنوان ”ألف ليلة وليلة“، أو أي عنوان آخر مشابه له أو يؤدي معناه. ذلك أن الحديث في نصوص المسعودي وابن النديم والتوحيدي عن ”ألف خرافة“ و“ألف ليلة و“ألف سمر“ قد كتب بأساليب لابدّ أن تقود الباحث المدقق إلى هذا الاحتمال، والحديث عن الليالي والأسمار لا يحلو لها إلا برقم ”ألف“. المؤلف المجهول يرى الناقد "سامي مهدي" أن إشارة المسعودي إلى كتاب ”هزار أفسانة“ جاءت في معرض تشبيه أسطورة الأعرابي، الذي دخل مدينة ”إرم“، بالخرافات التي جاءت في ذلك الكتاب، ولا علاقة لهذه الإشارة بكتاب ”ألف ليلة وليلة“، أي أن المسعودي لم يقل إن كتاب ”هزار أفسانة“ هو نفسه كتاب ”ألف ليلة وليلة“، بل قال إن الناس تسميه بهذا الاسم، والفرق دقيق بين هذا وذاك، فالناس قد تغلط، ويشيع غلطها ويجري تداوله كما لو كان هو الحقيقة. والدليل القريب والملموس على ذلك أن اسم كتاب ”هزار أفسانة“ ينبغي أن يكون باللغة العربية ”ألف خرافة“، لكن الناس لم تكن تسميه بهذا الاسم، بل تسميه ”ألف ليلة وليلة“. وعلى هذا الأساس يعتقد سامي مهدي بأن كتاب ”ألف ليلة وليلة“ كتاب آخر غير كتاب ”هزار أفسانة“، إذ لو كان هو نفسه لقال المسعودي وغيره بوضوح: إنه هو، ولاحتواء الكتاب نفسه على قصص يعود زمنها إلى عهود قديمة سبقت ظهور الإسلام بكثير، ولكان أبطال هذه القصص الأساسيون من غير المسلمين، ولكانت المدن الإيرانية، وليس بغداد والبصرة والموصل والقاهرة ودمشق وحلب، هي مسرحه، ولغدت بيئته غير البيئة العباسية، ولو ردت فيه أسماء الملوك الفرس، ولم يرد اسم الخليفة هارون الرشيد وزوجته زبيدة ووزيره جعفر وخادمه مسرور. إلاّ أن شيئا من هذا لم يحدث، الأمر الذي يزيد المؤلف سامي مهدي قناعة بأن كتاب ”هزار أفسانة“ يختلف عن كتاب ”ألف ليلة وليلة، وهذا ما أيده الدكتور(عبد الله ابراهيم) بقوله:(إن منطق التحليل يفضي إلى القول بأن المسعودي كان يضاهي كتابا خرافيا عربيا من أجل توضيح محتواه بكتب خرافية لأقوام أخرى، مما نقل إلى العربية، فلا يعقل أن ينتخب كتابا أجنبيا، بغية توضيح محتواه، ليضاهيه بكتب غير عربية .نص المسعودي يرجح أنه كان يضاهي كتابا في الخرافات، هادفا به إلى التعريف بكتب نقلت إلى العربية، وأصبحت مألوفة في القرنين الثالث والرابع) . أما استشهاد سامي المهدي الأبرز يتلخص في أن ابن النديم في كتابه ”الفهرست“، لم يتحدث عن قليل أو كثير من كتاب ألف ليلة وليلة“، بل اقتصر حديثه عن فن تصنيف الخرافات، وكتاب ”هزار أفسان“،الذي استخف به قائلا ”إنه كتاب غث بارد الحديث.

ولعل ما جاءت به مجلة (الانثيم) عن " فوربز فالكونر" الباحث في الاصول التاريخية لألف ليلة وليلة يُعضد ما جاء به "سامي مهدي " في كتابه مؤكداً اصل الدلالات والاشارات الواردة في الكتاب كان قد مر بسلسلة من عمليات التجميع والتحقيق متعرضا إلى حذف وتغيير واضافة. مبرهنا على صحة ما ذهب بوساطة ما اكتنزته تلك الليالي نفسها التي ضمت قصص الرومانس التاريخية التي تعود تعود الى ما قبل الفترة العباسية، ذلك أن تلك الحكايات تطرح اجواء شبه حربية معنية بالفرسان والنبلاء في مجتمع غير تجاري مجتمع بداوة اذ تخلو هذه من التفاصيل والأحاسيس والعلاقات المنزلية والحضرية وكان أن عد هذه – كقصة عنترة- حكايات تتجاوب وروح الانسان العربي قبل الاسلام، وأثر التوسع الحضري في العراق وسوريا ومصر، كان أن ولدت حكايات اخرى تمتاز عن سابقتها بطرح واضح لأخلاقيات وطموحات الطبقات التجارية .

كما يذهب أيضا الى القول بان الرواة وكتاب الحكايات في العصر العباسي فعلوا ما فعله معاصروهم من فقهاء وعلماء اللغة والطب، فبحكم الازدهار الحضاري وجدوا أنفسهم يبحثون عن منجزات الامم الأخرى في شتى ميادين العلوم والفلسفة فكان ان طوعوا آداب الامم الاخرى اخذين منها ما يرونه شيقا وممتعا وجديدا .

وهو ما سعى الدكتور "محمد مصطفى الجاروش " في كتابه (الليالي العربية المزورة) إلى اثباته بوساطة تحليل وفحص وتدقيق حكايتي "علاء الدين " و" علي بابا" مشيراً الى أن حكاية "علاء الدين" التي قام بنشرها المستشرق "الفرنكو – بولاندي زوتبرغ" في باريس عام(1988م) لم يكن دقيقا في الترجمة والنقل فأسم البطل يكتبه (عليا الدين)، حتى جاء "الصباغ" ونقلها الى مخطوطة اخرى واتقن كتابتها لاتقانه اللغة العربية .

أما حكاية "علي بابا " التي قام بنشرها المستشرق " ما كدونلد" في عام (1910م) ثم تعاقب عل نشرها مستشرق أخر "تشارلز توري" عام (1911م)، وقد تعرضت أصالة الترجمتين الى التشكيك ؛ذلك أنهما ترجما الحكايتين من ترجمة "انطوان غالان " الفرنسية الشائعة والصادرة بين عامي (1704-1717م)، وكان "غالان " قد اعتمد على اكثر من نوع من المصادر، من اهمها المخطوطة التي يرجح تاريخ نسخها الى اوائل القرن الرابع عشر الميلادي، على ين ارج المستشرق الالماني " هاينز غروتزفيلد" هذه المخطوطة الى القرن الخام عشر الميلادي ولكن هذه المخطوطة تحمل عنوانا لا يتطابق ومضمونها ؛ ذلك أنها مكونة من (282) ليلة فقط، على حين يحتوي الكتاب الذي ترجمة " غالان "على الف ليلة وليلة معدودة، اذ جلب الان حكايات وقصص جلبها معه من المشرق ليس لها علاقة بالف ليلة، كما هي الحال بالنسبة مثلا الى قصص "السندباد البحري " التي اقحمها بترجمته بعلم أو من دون علم من أن عملية مشابه كانت تجري بمصر، وغيرها من القصص.

وعليه فان كتاب "ألف ليلة وليلة"، هو أحد أهم مأثوراتنا الثقافية، فقد حاز على شهرة عالمية واسعة، وكان له تأثير كبير في الأدب الأوربي، وليس كما شاع عنه في الأوساط الثقافية، العربية منها والأجنبية، أنه مترجم عن أصل فارسي يدعى «هزار أفسانة» أو «هزار أفسان»، ومعناها «ألف خرافة»، أو كما أدعى بعضهم أن كتاب «مائة ليلة وليلة» كان أسبق منه في الظهور، وهذا وذاك فالكتاب ليس مترجماً عن أصل أجنبي، بل هو في أصله وكما اثبت "سامي مهدي " ومعاصريه بالأدلة أنه نتاج بيئة عربية إسلامية عباسي، بل عراقية الاصل تنتمي إلى أواخر القرن الثالث الهجري، عبر إحالات تاريخية واجتهادات بحثية شخصية في غرر الكتب التراثية التي تعدّ مصادر بحثية أساسية.

 

د. مسار غازي

.........................

المصادر المعتمدة:

- مروج الذهب ومعادن الجوهر، ابي الحسن بن علي المسعودي، تحقيق داغر يوسف اسعد، مؤسسة دار الهجرة، ايران، 1909م.

- الفهرست، أبو الفرج محمد بن محمد الوراق البغدادي المعتزلي الشيعي المعروف بابن النديم،تحقيق ابراهيم رمضان، دار المعرفة، بيروت، ط2، 1997م.

- موسوعة السرد العربي، د.عبد الله ابراهيم، دار الفارس، عمان، 2008م.

- ألف ليلة وليلة ..كتاب عراقي أصيل، قراءة جديدة، دار ميزوموتاميا، بغداد،ط1، 2014م.

- المؤلف المجهول في القصص الأشهر في العالم العربي، عواد علي، جريدة العرب17، عدد 9975، سنة 38، مقال

-الوقوع في دائرة السحر الف ليلة وليلة في نظرية الأدب الانكليزي 1704-،1910، د. محسن جاسم الموسوي، دار الشؤون، بغداد،ط2، 1986م.

- مقابلة مع الدكتور محسن مهدي للعربية نت بتاريخ :الثلاثاء 7 ربيع الأول 1436هـ - 30 ديسمبر 2014م .

 

 

 

نضير الخزرجيلطالما أكثر الفنانون وبخاصة في مجال الموسيقى والغناء من انتقاد موجة الأغنيات والتقليعات الموسيقية التي غزت الساحة الفنية وتلقفتها الطبقات الشعبية تلقف الطفل للجمرة، وهي القائمة على الموسيقى الصاخبة والكلمات المائعة، والتي تستثير في المستمع غرائزه وتفقده توازنه العقلي والبدني، ولطالما رأيتم ورأينا من يقود السيارة وهو لا يستقر على مقعده كأن تحته شيطان يغرز فيه قازوقه وقد رفع من صوت المذياع أو الإسطوانة حتى لكأن السيارة بكاملها تهتز وهي كذلك وتهز معها السيارات التي تمر بجانبها أو تعترضها، وتصك الأغنية الصاخبة آذان من يقف على بعد عشرات الأمتار.

 ولطالما سألت نفسي وأنا أرى مثل هذه المشاهد الغريبة: كيف يستذوق هذا المتشذي على مقود سيارته سماع هذا الفن النشاز؟ وصار عنده صك الأذن وضربها بمطرقة النوتات الماجنة بديلا عن تشنيف الأسماع بما هو مباح وزيادة الإمتاع في كل مساء وصباح.

ولكن أعود وأقر أن لا معنى للإستغراب لأن الرجل واقع تحت تأثير موسيقى عالية النوتات وأغنية مرتفعة الترددات حالت بينه وبين عقله واستقرار بدنه، وهو كالذي يقع تحت تأثير الخمرة وهو يقود سيارته لا يقر له قرار، وأنّى له ذلك وقد التبس عليه الأمر وألبسه الشيطان جلباب المجون وصار إلى المنون أقرب ولا هم يحزنون.

فأهل الفن ينتقدون هذا النوع من الصحيات الغنائية، لأنهم يدركون بذائقتهم السماعية الفنية أن الغناء المتموسق على غير سجية والفاقد للروحية خرج عن مسار الفن الرفيع وتجاوز حدود الذائقة الفنية، وإذا قال أهل الفن قولتهم فهم أهل الحجة والبيان، وهم فيما يفتون في الفن بما آل كالمفتي إذا أفتى وقال والطبيب إذا شخَّص الحال.

ولكن ماذا عن فتيا أهل الشرع؟

هذا السؤال الذي ربما يعتبر غريبا على شباب اليوم بلحاظ شيوع فن الموسيقى والغناء بحيث صار جزءًا من حياتهم اليومية، يجيب عليه الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في الكتيب الجديد الصادر نهاية العام 2019م في 48 صفحة من القطع المتوسط عن بيت العلم للنابهين في بيروت وضمَّ 76 مسألة فقهية و41 تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، وقد تصدر الكتيب بكلمة للناشر وأخرى للمعلِّق وثالثة للكرباسي مهّد فيها لشريعة الغناء.

الغناء ومصداق اللهو

يعتبر الغناء واستعمال آلات الموسيقى، من التراث القديم الذي كان سائدًا في العصر الجاهلي وكان معروفا لدى الإمبراطورية الرومانية ولدى المجتمع المسيحي، وقد اشتهر لدى العرب غناء حدي الإبل والترنم بالشعر وبخاصة المعلقات، وكانت آلات اللهو محدودة كما كان الغناء ديدن النساء بشكل عام والترنم بالشعر ديدن الرجال، وأخذ الغناء طريقه الى المجتمع المسلم في العصر الأموي وازداد في العصر العباسي.

ولم ترد في القرآن الكريم صراحة كلمة "الغناء" برسم حروفها إلا بالمعنى كما في قوله تعالى: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) سورة لقمان: 6، وقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) سورة الحج: 30، حيث فسّر المعصوم "لهو الحديث" بالغناء وكذلك "قول الزور"، من ذلك قول الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع): "الغناء مما أوعد اللَّه عزَّ وجل عليه النار، وهو قوله عزَّ وجلّ:  (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ  ....)"، وكذلك وصفه عليه  السلام لقول الزور بالغناء.

فالغناء في اللغة هو الصوت، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (يقال غنّى أي صوَّت كما يقال غنّى الشعر أو بالشعر إذا ترنَّم به بالغناء، والغناء من الصوت ما طُرب به، وفي مصطلح الفقهاء هو إنشاد الشعر بترجيع الصوت الصادر عن حنجرة الإنسان ومدّه بشكل يوجب الطرب سواء كان في قول باطل أو قول حق بأي لغة كانت)، فالغناء بتعبير أهل الفن هو رفع الصوت وموالاته أو التطريب والترنم بالكلام، ولما كان الشعر قائما على الوزن والقافية والروي ومحسنات الألفاظ وبديع الصور فهو المادة الأولى للغناء وجوهره، وقد دأب الإنسان على التغني به والترنم بألفاظه الموزونة والمقفاة والمسجّعة، ومثلما استعمل الكهّان بديع الكلام المسجَّع والمقفى في استمالة الناس إليهم لحملهم على التصديق بألغاز نبؤاته، كذلك استعمل المغني ذكرا أو أنثى الكلام المقفى والمنمق في ترنيمه واستمالة الآخرين إليه.

وكيف يتحقق الغناء؟

يضيف الفقيه بقوله: (لا شك أنَّ الغناء إنما يتحقق بالصوت الخارج من حنجرة الإنسان ولكن بصورة معينة مما يوجب الطرب، أي شدة الحزن أو الفرح، بمعنى حصول النشوة الروحية مائلة إلى إحدى طرفي الحالة النفسية بشكل مفرط، وفي الواقع هو تلاعب بالصوت ونغماته بمد وترجيع وارتفاع في نبراته وانخفاضه والتحكم في حركاته وسكونه والتنسيق فيما بينها وفي طول المد وقصره بشكل متوازن بالإضافة إلى غلظة الصوت وتليينه، وتحسين أدائه في بعض الأحيان حسب ما يتطلبه وفق قوانين يعرفها أهل الفن)، فالمعيار في الحرمة والحلية هو الطرب والتطريب الذي يعبر عنه بخفة العقل بما تخرج المغني او المستمع إليه من حد التوازن والإعتدال، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (إنَّ الإعتبار هو ما يذهب إليه أهل الفن والذي يجمع بين الترجيع والمد والتحكم في إخراج الصوت ورفع أوتاره وانخفاضه ودرجات المد والإنخفاض والإرتفاع معًا وهو ما يسمى بالغناء، وهذا هو الذي يوجب الطرب ويسيطر على النفس الأمّارة بالسوء ويخرجها من حالتها الطبيعية ولا تخضع آنذاك للإرادة)، وعلى هذا فإن إنشاد الشعر مع تحسين في الإلقاء والذي فيه إراحة للنفس وإمتاعها يستثنيه من الغناء المطرب المخرج للإنسان عن مائز الإعتدال، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (وما ورد في الشريعة هو قول الزور واللهو في الحديث، وهما منصرفان إلى المضمون الذي يحتويه الإنشاد، فإن كان مضمون الشعر قولًا باطلًا كما لو كان فيه ما يحكي عن الأمور المثيرة للشهوة الجنسية أو التغزل بالنساء وما إلى ذلك، أو كان في ذلك مدح للظالم أو تشجيع للمحرَّمات فهو من قول الباطل، واما لهو الحديث فالمنصرف منه ما صرف الإنسان عن ذكر الله وأبعده عن طاعته)، إذًا: (فالمقصود بحديث اللهو وقول الزور هو الغناء فهو من الباطل الذي لم يُرض الله سبحانه وتعالى، وهو من اللهو المحرَّم).

الغناء والعرف الفني

يجمع أهل الفن فضلا عن فقهاء الشريعة أنَّ من الغناء المصاحب للموسيقى الشاذة ما يكون مدعاة للإنحراف والخدش بنفسية المتلقي وروحيته تدفع به عن آدميته ليس أقل في زمن استماعه وخروجه عن ميزان الإعتدال، وحتى لا يصل الإنسان إلى هذا المستوى من التدني الروحي، وردت الأحاديث الناهية عن الغناء، ومن ذلك قول الرسول الأعظم (ص): (إيَّاكم واستماع المعازف والغناء، فإنَّهما يُنْبِتان النِّفاق في القلب، كما يُنبت الماءُ البقل)، ولبيان دعوته قال رسول الإسلام (ص): (إنَّ اللَّه بعثني رحمةً للعالمين، ولأُمْحِقَ المعازف والمزامير، وأمور الجاهلية)، وذات مرة سُئل الإمام محمد بن علي الباقر (ع) عن الغناء، فقال عليه السلام للسائل: (ويحك إذا فُرِّق بين الحق والباطل، أين ترى الغناء يكون؟ قال: مع الباطل والله جُعلت فداك. قال عليه السلام: ففي هذا ما يكفيك).

والغناء في روايات المعصوم دافع للدعاء وجالب للبلاء، فقد ورد عن الرسول الأعظم (ص): (بيت الغناء لا تُؤمن فيه الفجيعة، ولا تُجاب فيه الدعوة، ولا يدخُلُه الملك)، بل ومن علامات البلاء كما يؤكد رسول الرحمة: (إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، فقيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: إذا كان المَغْنَمُ دُولًا، والأمانة مَغنمًا، والزكاة مَغرمًا، وأطاع الرجلُ زوجته، وعقَّ أمَّه، وبرَّ صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيمُ القوم أرذلَهم، وأُكرم الرجل مخافة شره، وشُربت الخمور، ولُبس الحرير، واتخذت القَيْنات والمعازف، ولعن آخرُ هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء، أو خسفًا، ومسخًا).

ولكن للغناء علامات وشروط، ومن ذلك كما يشير الفقيه الكرباسي: (أن يخرج من الحنجرة، وأن يكون فيه ترجيع، وأن يوجب الطرب)، والمراد بالطرب: (الطرب أعمّ من الحزن والفرح، والمهم في الطرب التأثير في النفس بحيث يخرجها من حالتها الطبيعية)، والطرب مناطه العرف وعامة الناس: (فمن طرب هو محرّم، ومن لم يطرب فليس بمحرّم، بل هو عرفي، فلو لم يكن لشخص إحساس فلا يُعتدُّ به) وبهذا السياق: (إذا أخرج الصوت من غير الحنجرة وإن كان مطرباً لا يسمى غناءً)، ، نعم: (إذا أخرج الصوت من آلة فلا يُعد غناءً، وإن حرم بسبب آخر)، وعلى هذا المنوال: (إذ أخرج الصوت من الحنجرة ولم يكن فيه ترجيع فلا يعد غناءً وإن كان مطرباً كما لو خرج من حنجرة فتاة ناعمة الصوت حسنة، وإن حرم على فرض المثال فليس لأنه غناء)، وكذلك: (إذا خرج صوت من الحنجرة وكان فيه ترجيع ولكنه لم يكن مطربًا فليس بمحرّم)، وعليه: (الصوت الحسن ليسس بغناء وليس محرَّما)، من هنا: (قراءة القرآن بالترتيل لا يعد غناءً) أو التجويد الحسن بحيث لا يصل حد الطرب، على أن الفقيه الغديري يرى أن: "الطرب يلاحظ بحسب نوعه في جميع الموارد، فيحرم استماع قراءة القرآن إذا كانت توجب الطرب بوجه".

وماذا عن النشيد والإنشاد؟

 يضيف الفقيه الكرباسي بقوله: (قراءة الأشعار والمدائح بشكل النشيد لا يُعد من الغناء)، ومثل ذلك: (إن قراءة مجموعة معًا بعض الأشعار وبنسق واحد وهو الذي يقال له بالنشيد فليس بمحرَّم إن لم يحتوي على محرّم أو لم يرافقه محرَّم آخر)، ومثل ذلك فإن: (قراءة كل غرض من أغراض الشعر بلحنٍ خاص لا يحوِّله إلى غناء، فقراءة أشعار الرثاء بشكل شجي، وقراءة أشعار المدح بروح الفرح، أو قراءة شعر الحرب بروح حماسية كل ذلك حلال وليس بغناء، وليس حليتها من باب الإستثناء بل لعدم صدق الغناء عليها)، والأمر عائد للعرف العام: (العرف الذي يعتمد عليه ليس هو عرف المتزمِّتين بل عرف أهل الخبرة والفن)، فالمتزمتون الذي يرون كل جديد حراما وينغصُّون على الناس فرحتهم وسعادتهم لا يُعتد برأيهم، ويضيف الفقيه الكرباسي: (إذا كان العربي لا يطرب من غناء الهنود فلا يُعدُّ غناءً في العرف العربي والعكس صحيح أيضا) على أنَّ: (الغناء لا يختص بلغة دون أخرى، فالإستماع إلى الغناء بأي لغة كان فهو محرَّم، كما أن الغناء يحرم على لغة المغني، كذلك يحرم على لغة غير المغني)

وإذا كان شبه إجماع المدارس الفقهية على حرمة الغناء مع آلات الطرب، وحليته عند البعض القليل من دون آلات طرب، وكراهيته عند أكثر المذاهب الفقهية مجردًا من آلات الطرب، فإن الغناء يأخذ في بعض الموارد موقع الخمر كدواء، ولهذا يرى الفقيه الكرباسي: (إذا أصبح الغناء علاجًا، فإذا انحصر العلاج فيه فيحل للمعالج والمريض ذلك دون غيرهما).

وهناك مسائل أخرى تناولها الفقيه الكرباسي كلها تدخل في باب الغناء من الحرمة والحلية، منتقدا بعض الروايات المتعلقة بالغناء والتي تطعن بشخص الرسول (ص) وحرمته من حيث يراد مدح الصحابة وتجليلهم، مع تعليقات مستفيضة، ولأن الحكيم لا يصدر منه إلا الحكمة المتعالية التي فيها خير البشر بما أفاض ونشر، فإنه إن أحلّ أمرًا أو حرّمه، لأن في الأول يرشح عنه طيب وطيبات وفي الثاني رجس وخبائث، وبتعبير الفقيه الغديري: "في أوامره جهة خير وسعادة، وفي نواهيه جهة شر وشقاوة، فما من حكم من الأحكام في الشريعة الإسلامية الغراء إلا وفيه تلاحظ المصالح والمفاسد العامة والخاصة، المعنوية والمادية، الدنيوية والأخروية، الثابتة والمؤقتة، العلمية والعملية"، والإنسان في هذه الدنيا يدور مدار الخير والشر: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) سورة الشمس: 7- 10.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

عزالدين عنايةيحاول كتاب "وَرَثة ماو" الإجابةَ عن سؤال محوري وهو كيف نفهم نهضة الصين الاقتصادية اليوم؟ حيث يسلّط الكتاب الضوء بالأساس على العقود الثلاثة الأخيرة من تاريخ الصين المعاصر. وبوضوح ودقة يتتبّع الإيطالي إيغناسيو موزو الثلاثين سنة الأخيرة من تاريخ الصين وما تضمّنته من إصلاحات اقتصادية جوهرية، وهي فترة ما بعد الزعيم ماو تسي تونغ التي جعلت من الصين في عهد شي جين بينغ قوة اقتصادية، وإن تخلّلتها جملة من التناقصات على المستويين الاجتماعي والسياسي. صحيح ما تعيشه الصين في الوقت الحالي من نهضة، وما تشهده من تمدّد لنفوذها الاقتصادي، يعودان إلى ما هو أبعد من تلك الفترة، ولكن المؤلف الإيطالي إيغناسيو موزو يحاول أن يسلّط الضوء على فترة محورية وراء النهضة الاقتصادية. وللذكر مؤلّف الكتاب إيغناسيو موزو هو أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة كافوسكاري في البندقية، وهو عضو الهيئة العليا للبنك المركزي الإيطالي وأحد المنتسبين لأكاديمية لنشييه المرموقة في إيطاليا. ألّف جملة من الأعمال المتعلّقة بالاقتصاد، ومن إصداراته في السنوات الأخيرة "الصين المعاصرة" (2011) و"الدَّيْن العمومي" (2012).

يوزّع الأستاذ إيغناسيو موزو كتابه إلى ستّة فصول، يستهلّها بمقدمة ويشفعها بخاتمة بمثابة حوصلة واستشراف. يحاول الكاتب أن يُبرز منذ مستهل كتابه أن النهضة الصينية الحالية ما كانت لتتحقّق لولا الخمس وثلاثين سنة من الإصلاحات الاقتصادية التي ميّزت حقبة ما بعد ماو تسي تونغ، وهو ما عالجه الفصل الأول من الكتاب وسعى في التطرق إلى تفاصيله. في حين يتوقّف الفصل الثاني عند شخصية الرئيس الحالي شي جين بينغ (65 سنة)، الذي يتولى أيضا منصب سكرتير الحزب الشيوعي. ثم يتناول حضور شي جين بينغ داخل النظام السياسي المؤسساتي الصيني، فضلا عن مساعي الرجل لمكافحة الفساد، ولا يغفل الكتاب عن توضيح رؤيته الإيديولوجية، مع متابعة دوره في الحزب وخاصيات مشروعه الجيوسياسي.

في الفصل الثالث من الكتاب يعالج الكاتب التحولات التي شهدها اقتصاد الصين في عهد شي جين بينغ، ويحاول أن يسلّط الضوء على الظاهر والخفي في مسار التطور، من خلال عرض العلاقة الرابطة بين مقتضيات سياسة السوق وسياسة الدولة داخل السياق الصيني. وفي الفصل الرابع يناقش المؤلف التحديات التي تواجه الرئيس شي جين بينغ، مع التطرق إلى مظاهر الاختلال في الصين على المستويين الاجتماعي والبيئي. أما الفصل الخامس فيركز في تحليل مخاطر عدم الاستقرار التي تتهدّد الاقتصاد الصيني، لا سيما مخاطر إصلاح النظامين البنكي والمالي. وفي فصل أخير -الفصل السادس- ينشغل الكاتب بتقديم نظرة شاملة عن الدور الصيني على نطاق عالمي، كما يتوقف إيغناسيو موزو عند وعود الطرح الصيني بشأن طريق الحرير الجديد، كما يعالج هذا الفصل الثقل المتزايد للاستثمارات في العالم ومساعي عولمة العُملة الصينية وأثر ذلك على علاقة البلد بمختلف دول العالم. ولا يغفل المؤلّف في هذا الفصل عن الحديث عن علاقات الصين المتينة بدول آسيا وبالخصوص طبيعة علاقتها بالولايات المتحدة وأوروبا.

لقد جاء تحول اقتصاد الصين نتاجَ إصلاحات حازمة انطلقت في مرحلة أولى مع دينغ شياو بينغ (أواخر السبعينات ومطلع الثمانينيات)، وذلك عقب رحيل ماو. كان دينغ شياو بينغ نافذا بتولّيه موقعا محوريا داخل نظام الحزب. وبفضل نفوذ الرجل صعد زهاو زيانغ لتولي رئاسة الحكومة وعبره استطاع أن يمرّر إصلاحات اقتصادية جوهرية، لم تتوجّه رأسا نحو الصناعة، بل استهدفت الزراعة في مرحلة أولى، وهو ما سمح بنوع من حرية السوق المراقَبة من قِبل الدولة، وما خلق مؤسسات موازية (مؤسسات المدن والقرى) وشملت قطاعات أخرى قريبة، أدخلت حركة مهمة على الاقتصاد الصيني. في حين جاءت المرحلة الثانية من حزمة الإصلاحات مع جان زيمين (أواخر الألفية الثانية ومطلع الألفية الثالثة)، وشملت إعادة تأهيل المؤسسات الرئيسة للدولة، المحرك الأساس للاقتصاد الصيني. وهي الفترة التي شهدت في الغرب آمالا بتحول الصين إلى اقتصاد السوق، بما هدف في الحقيقة إلى خلق نظام مرتَهن للغرب. وكانت المرحلة الثالثة من الإصلاحات مع الرئيس هو جينتاو (2003-2012)، الذي تواصل معه ظهور كوكبة من رجال الأعمال الصينيين، غدوا ناشطين وفاعلين على نطاق عالمي، مع ذلك لم يتنكروا لهيمنة مؤسسات الدولة على القطاعات الاستراتيجية.

في التاريخ الراهن يحوز اقتصاد الصين مرتبة متقدمة على مستوى عالمي، حيث نجد مئة شركة من جملة خمس مائة شركة عالمية كبرى هي شركات صينية، ناهيك عن تخطي الناتج المحلي الإجمالي للصين الناتج الأمريكي، وإن يصعب تصنيف الصين ضمن الدول الغنية. فلا يزال الناتج القومي للفرد الصيني دون مستوى المعدل العالمي، وهو ما يساوي ربع ناتج الفرد الأمريكي تقريبا. مع هذا يواصل المجتمع والاقتصاد الصينيين التحول بنسق متسارع، وبشكل ليس له نظير في تاريخ الاقتصاد العالمي السابق: فنحن أمام مشهد بلد يعيش تطورا مطردا من حيث لعب دور نافذ على نطاق عالمي، وتتولى زمام أمره قيادة تتشابه من عديد الأوجه مع القيادة التاريخية لماو تسي تونغ من حيث التأثير والكاريزما والسلطة.

لا بد أن نعي -كما يقول إيغناسيو موزو- أن عقودا من المعاناة والخضوع قد دفعت الصين إلى شقّ مسار ثوري أصيل ومتميز عن كافة المنافسين العالميين الآخرين. فانطلاقا من إصلاحات دانغ سنة 1978، وبرغم مختلف المصاعب والتناقضات الحاصلة، دشّنت الصين مسار تحديث اقتصادي رسمت من خلاله معالم انفتاح على الأسواق العالمية، وخاضت مسار تطور علمي وتقني، وهي اليوم تجابه مقتضيات العولمة بشكل عملي دون أن تهجر المبادئ التي قامت عليها الثورة أو تتنكر لها. فقد تمّ التواجه خلال تلك الرحلة مع مصاعب جمة، في بلد يعُدّ سكانه خمس البشرية وبحوزته سبعة بالمئة من الأراضي الصالحة للزراعة على مستوى العالم، وبمواد أولية ومصادر للطاقة محدودة، مع ذلك يشق البلد مسارا نحو التطور بخطى ثابتة.

لا يغفل الكاتب عن الإشارة إلى أمر هام في خضم هذا التحليل، وهو أن التطور المتسارع على مستوى اقتصادي لا يسير بموازاة تحول سياسي ولا يصحبه انفتاح ديمقراطي، بل يشهد البلد ثباتا في ذلك الجانب، حيث لا يزال الحزب الشيوعي يمسك بزمام التسيير والتوجيه لجلّ القطاعات الحيوية. إذ لطالما ذهب المحللون الاقتصاديون، ولا سيما الغربيين منهم، إلى أن التطور التنموي والانخراط في دورة الاقتصاد العالمي سيدفعان آجلا أم عاجلا نحو تحوّل ليبرالي ديمقراطي على غرار النمط الغربي. أمْلت ذلك التصور قناعة بأن اقتصاد السوق في أعلى مستوياته لا يتلاءم مع نظام سياسي مركزي، وهو الشكل السائد في الصين. فالبلد لا يزال رهين حزب مهيمن، ونجد فيه ثمانين مليون منخرط في الحزب الشيوعي. كما تبقى الحكومة والجيش والاقتصاد والإعلام وإدارة تسيير المحافظات واقعة تحت رقابة المؤسسة الحزبية.

لقد أذهل نسق التطور وحجمه، في كافة القطاعات، ليس الدول الغريمة فحسب بل الدول الحليفة أيضا. ومن خلال إرساء الصين "مشروع 2025" بقصد بلوغ مستويات من التقنية المتطورة تضاهي المستويات الغربية وتنافسها، وما تخوضه من عمليات حثيثة في البحث العلمي لأجل بلوغ الريادة في الأجهزة الحاسوبية الراقية، وفي الذكاء الاصطناعي والبيوتكنولوجيا، وفي نُظم الاتصالات المتقدمة، جلبت تلك الخطى العملاقة انتباه الغرب وعداءه في الآن نفسه، وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما ظهرت مؤشّراته في خطابات الرئيس ترامب وتغريداته المعنية بالصين. إذ عادة ما تنتقد التوجهات الغربيةُ الرأسماليةُ الصينَ متعلّلة بغياب الديمقراطية وتردّي حقوق الإنسان، فضلا عن تهويل الانحطاط الداخلي على مستوى اجتماعي، في مسعى للتهوين من جاذبية النهضة الصينية. وهو ما لا يفصح عن صورة واقعية وموضوعية للتحولات التي يشهدها البلد. يقول رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق رومانو برودي وأستاذ الاقتصاد: كتبتُ مقالا في مطلع التسعينيات بعنوان "الواحدة بأربعين" شرحت فيه أن أجر ساعة العمل وتكاليفها في إيطاليا أعلى أربعين مرة مما عليه ساعة العمل في الصين. الآن لو أعدتُ صياغة ذلك المقال لعنونته بـ"الواحدة بثلاثة"، وهو ما يكشف عن حجم التحول الحاصل داخل النسيج الاجتماعي الصيني، وبما يفصح عن مسار حثيث يعيشه البلد على مستوى كسب الحقوق الاجتماعية أيضا. نحن أمام بلد يشهد نموا مطردا على مستوى اقتصادي، بدأ يصحبه بالمثل تطور على مستوى اجتماعي.

يشير مؤلف الكتاب إلى أن استراتيجية العلاقات الصينية على مستوى اقتصادي واسعة ومتداخلة، من بناء مجموعة الستة عشر زائد واحد التي تضم بلدان وسط أوروبا وشرقها إلى تمتين العلاقات مع الدول الإفريقية. لكن خيطا ناسجا يربط بين جميعها، أن الصين رغم قوتها ورغم الضغوطات الهائلة المسلَّطة عليها، فهي على مستوى أول قوة لا تذهب للحرب وتتفاداها، وعلى مستوى ثان لا تسعى إلى فرض نموذج إيديولوجي معين في الخارج، مهما بلغ نجاح ذلك النموذج في الداخل، وإنما تسعى دائما لعرض توغّلها في العالم عبر التعاون والبناء المشترك. ولذلك تعلن الصين باستمرار احترامها ومراعاتها أنماط الحكم السائدة في الخارج.

يولي الكتاب الشخصية السياسة الأولى في الصين -شخصية شي جين بينغ- اهتماما خاصا، فمنذ العام 2012 يمسك الرجل بمقاليد القيادة. يقول إيغناسيو موزو: يمكن القول وبكل تأكيد إن البلد لم يعرف زعيما مؤثرا بعد ماو يضاهي تأثير شي جين بينغ، فمنذ العام 2017 دخل جين بينغ في عهدة رئاسية ثانية وشهد القانون تنقيحات دستورية يمكن أن تسمح له بعهدة ثالثة أي بما يتجاوز 2022. في مستهل عهدته الثانية يجد شي جين بينغ نفسه أمام تحدّ كبير، في الوقت الذي يتواصل فيه صعود الصين ويزداد ترسّخ التحديث، وإن كان يواجه البلد اختلالا لا يزال حاضرا في المجال الاجتماعي. في واقع الأمر شي جين بينغ شخصية إشكالية، يسود في الغرب انتقاد لسياساته بموجب الطابع السلطوي لمساره المشوب بالطابع "الإمبراطوري"، وهو ما يذكِّر بانبعاث الصين مجددا مع أباطرة أواخر القرن التاسع عشر، إذ ثمة خشية من الرجل بفعل إنجازاته المذهلة. فقد غادرت الصين معه مرحلة السير في طريق النمو إلى السير في طريق تركيز دعائم الاقتصاد المتطور، وهو ما جعل الصين بلد القفزة التقنية، كما لم يتوان الرجل في إعطاء المبادرة الخاصة شكلا آخر من الحضور والنشاط، بما خلق شريحة تفاخر بما بلغته الصين وما تسير نحوه، وإن تواصلت هيمنة الدولة على قطاعات الاقتصاد الاستراتيجية. لكن في توضيح طبيعة علاقة الدولة بالمبادرة الخاصة النشيطة يقول الكاتب: ينبغي أن نقول إن العلاقة بين نظام السوق والدولة ضمن الواقع الصيني الحالي تبقى غير واضحة. ثمة سيرٌ في هذا الطريق، ولكن ليس بالشكل الرأسمالي الأمريكي، فقد سمحت الدولة بخوض هذا الطريق ولكن وفق ضوابط صينية.

ثمة من يقول مع شي جين بينغ انتهت مرحلة الإصلاحات الاقتصادية الجوهرية ليشهد البلد عودة للإيديولوجيا الماوية. لكن في خضم ذلك الاستشراف لمستقبل الصين يعيش البلد اليوم ما يُسمّى "حكم القانون" وليس ما يُعرف في الغرب بـ"النظام الديمقراطي". كما أن هناك سعيا مع شي جين بينغ لترويج صورة للصين ليس كقوة اقتصادية، بل كقوة تعاون وبناء مشترك، وهو ما يغري بالفعل عديد الدول.

وبوجه عام يثمّن الكتاب عديد المظاهر التي تعيشها الصين وينتقد أخرى. فقد بات الحضور الاقتصادي القوي يُخشى أثره العالمي بالسلب وبالإيجاب، أي في حالة تزايد النمو وفي حال تراجعه، وأن حالة الانكماش التي قد تحدث، مظاهرها السلبية أكثر ضررا على الاقتصاد العالمي. ليختتم مؤلف الكتاب حديثه بما يشبه النبوءة قائلا: التنافس بين الصين والنموذج الغربي مرشّح أن يبقى على مستوى اقتصادي وألاّ يمتد إلى قطاعات أخرى؛ ولكن أوروبا المرتابة والمأزومة ينبغي أن تجد الشكل المناسب لخوض التعاون مع الصين، وإن لم يحدث ذلك فإن الزحف الصيني قادم لا محالة.

الكتاب: وَرَثة ماو... الاقتصاد والمجتمع والسياسة في عهد الرئيس شي جين بينغ

 

تأليف: إيغناسيو موزو.

الناشر: منشورات دونزيللي (روما-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2020.

عدد الصفحات: 198ص.

 

عزالدّين عناية -أكاديمي تونسي مقيم في إيطاليا

 

1436 حقوق الانسانعن دار الفرات للثقافة والإعلام في محافظة بابل صدر حديثا كتاب (حقوق الإنسان في فكر الأحزاب العراقية الإسلامية المعاصرة)، وهو بحث أكاديمي جديد ورصين في هذا الموضوع، ألقى فيه مؤلفه الدكتور جابر الحمداني الضوء الساطع على قضية حقوق الإنسانية عامة وما ورد في برامج الأحزاب العراقية الإسلامية المعاصرة عنها، ولعل أول ما سيستوقف القارئ في هذا الكتاب ما طرزه قلم  المؤلف في كلمة إهداء جميلة ومليئة بمعاني الحب والوفاء للوطن العزيز إذ كتب فيه (إلى أغلى ما في الوجود.. العراق.. وطني)، ثم إلى الأهل القريبين منه.

في بداية المقدمة يؤكد المؤلف على أهمية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المرتبطة بها، وما أخذته من حيز كبير على المستوى العالمي والإقليمي والوطني، وقد (حظيت بهذا الاهتمام في ظل تطور وانتشار قيم ومبادئ الديمقراطية والعدالة والتسامح)، كما (شهدت تطورا واقعيا وملموسا في العصر الحديث أبان عهد الثورة الفرنسية وإصدار إعلان حقوق الإنسان الذي كان المنطلق الأساس لأغلب الدساتير الأوربية وكذلك الإعلانات والعهود الخاصة بحقوق الإنسان).

وزع المؤلف مادة كتابه إلى ثلاثة فصول رئيسة، فحمل الفصل الأول عنوان (مفهوم حقوق الإنسان وأسسها الفكرية في الإسلام)، وتناول في مباحثه الفصل الثلاثة مفهوم حقوق الإنسان في الإسلام لغة واصطلاحا، والتأصيل التاريخي لفروعها، وأسسها الفكرية المرتبطة بالفطرة والاستخلاف والعدل.

أما الفصل الثاني فقد تضمن حقوق الإنسان السياسة في فكر الأحزاب الإسلامية المعاصرة ، وتناول في مباحثه الثلاثة حق المشاركة السياسة في فكر هذه الأحزاب، والحق في إجراء الانتخابات، والمواطنة، وحق تكوين الجمعيات والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، والحق في حرية التعبير عن الرأي والتجمع السلمي كما ورد في وثائق فكرها وبرامجها.

أما الفصل الثالث فقد تضمن حقوق الإنسان المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في فكر الأحزاب الإسلامية العراقية المعاصرة، وتناولت مباحثه الثلاثة الحق في الحياة والحق في المساواة أمام القضاء والحق في العمل والحق في الملكية، والحق في الضمان الاجتماعي، والحق في حرمة المسكن وحق السكن، والحق في التعليم.

وانتهى الكتاب الذي تجاوزت صفحاته الثلاثمائة صفحة من القطع الوزيري بخاتمة لخص فيها المؤلف النقاط الرئيسة والمهمة في كتابه الذي هو في الأصل رسالة علمية نال بها شهادة الماجستير من كلية العلوم السياسية بجامعة بغداد، ثم أورد مصادره التي بلغت حصيلتها الثلاثمائة مصدر متنوع بين كتب عربية وأجنبية ورسائل وأطاريح وصحف ومجلات ووثائق ومواقع الكترونية ومقابلات شخصية.

واستكمالاً  للصورة وردت سيرة المؤلف الدكتور جابر جواد المغير الحمداني، إذ هو من مواليد مدينة المسيب سنة 1968م، وفيها أكمل دراسته الابتدائية والثانوية قبل أن يلتحق بالمعهد التقني في المسيب ويحصل على دبلوم إدارة منه، وليواصل بعدها دراسته الجامعية والعليا في كلية العلوم السياسية في جامعة بغداد، وينال شهادة البكالوريوس أولاً ، ثم شهادتي الماجستير والدكتوراه فيها، ولديه شهادة ماجستير علوم سياسية أخرى في النظم السياسية من الجامعة الهولندية،وهو عضو الجمعية العراقية للعلوم السياسية، وشغل مناصب إدارية عديدة آخرها مدير قسم تقويم الأداء والجودة الشاملة في ديوان محافظة بابل، وعمل كمحاضر خارجي في كلية الإعلام بجامعة بابل،ونشر مجموعة بحوث ومقالات في الصحف والمجلات العراقية والعربية، وكان سكرتير تحرير جريدة (عروس الفرات) المسيبية، وحالياً رئيس مجلس إدارة جريدة (الأهم)، ولديه كتاب قيد الطبع بعنوان (المجتمع المدني في الفكر الإسلامي المعاصر).

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

محمود محمد عليمنذ انتشرت جائحة كورونا سادت حالة من الهلع والخوف أصيبت به الشعوب في العالم أجمع، الأمر الذي جعل البعض يذهب إلى الخرافات وبعض حكايات الأساطير، أو تفحص الكتب ومشاهد الأفلام التي تنبأت بنهاية العالم، أو انتشار أوبئة، وأخر هذه الحكايات، ما ضجت به مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة عندما قامت في الساعات الماضية مجموعة من النشطاء الزاعمين بنشر شائعات على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي عن صورة متداولة من مخطوطة كتاب قديم، مضمونها أن كتابا يحمل اسم "آخر الزمان"، لـ "إبراهيم بن سالوقيه"، تنبأ بما يحدث حالياً من تفشي مرض فيروس كورونا المستجد "COVID-19"، وتحدثوا عن وجود تلك الشخصية وسيرتها، وتحدثوا أيضاً عن أعماله وقصصه ومؤلفاته، مُدعين أنه من كُتاب إيران، وهاجر إلى بلاد الرافدين بالعصر العباسي، ليعمل كونه كاتب ومؤلف لكتاب اسمه "آخر الزمان"، لينجح في تأليف أكثر من 30 جزءً من هذا الكتاب بالعديد من الأقسام التاريخية والجغرافية.

النشطاء والمغردون أكدوا لنا بأن الكتاب يوحي بنهاية العالم خلال شهر مارس 2020 الجاري؛ الأمر الذي تسبب في حالة من الذعر الكبيرة التي سيطرت على الكثيرين حول العالم؛ خاصة مع تفشي فيروس كورونا كوباء عالمي، وانتشار الجراد في بعض البلاد الأفريقية، وقرار وقف العمرة وإخلاء الحرم المكي للتعقيم خلال الفترة الماضية وأصبح الجميع يريد قراءة الكتاب بسبب هذا الهلع الذي أدي في الآونة الأخيرة علي فيروس كورونا الذي أدي إلي وفاة الملايين حول العالم في فترة قصيرة.

وقد لفت بعض النشطاء والمدونين، إلى أن اختراع اسم إبراهيم بن سالوقية في كتاب أخبار الزمان بتلك الطريقة، يرجع لاعتقاد الكثيرين إلى أن بعض العلماء العرب كان لديهم القدرة على التنبؤ بما يحدث في الزمان، وقدرتهم على تطويع الجن، وإضافة الغموض على تلك المصطلحات.

من أبرز العبارات التي ذكرها المغردون وانتشرت لإبراهيم بن سالوقيه ويبحث عنها الجميع صفحة في كتابه المشار إليه سالفاً وهو آخر الزمان صفحة رقم 365، قال فيها جملة غريبة للغاية جعلت الجميع يتساءل ألا وهي :" .. حتى إذا تساوى الرقمان (20=20).. وتفشى مرض الزمان.. منع الحجيج.. واختفى الضجيج.. واجتاح الجراد.. وتعب العباد.. ومات ملك الروم.. من مرضه الزؤوم.. وخاف الأخ من أخيه.. وصرتم كما اليهود في التيه.. وكسدت الأسواق.. وارتفعت الأثمان.. فارتقبوا شهر مارس.. زلزال يهد الأساس.. يموت ثلث الناس.. ويشيب الطفل منه الرأس".

هذه المقتطفة عندما نحللها نجد أنها تتحدث عن إذا تساوي الرقمين وهو 2020 العام الحالي سيمنع الحجيج، وتخلو المدن والشوارع، وسوف يصاب ملك الروم لمرض خطير ويموت، وتغلو أسعار البضائع، وتغلق الأسواق، والعباد يتعبون، والأطفال يشابون من الخوف الكبير، وأنه في خلال شهر مارس الجاري سيكون هناك زلزال كبير وقوي يموت خلاله ثلث سكان العالم.. المدونون زعموا بأن سالوقيه كان دقيقاً في تنبؤاته بالأحداث التي تعصف بالعالم اليوم وفي مقدمتها وباء كورونا وقرار منع الصلاة في الحرم والعواصف وأسراب الجراد التي تجتاح معظم البلدان كما قلنا.

بيد أنه ثبت من تحقيق معمق لوكالة (سوا- لندن) أنه لا يوجد مؤلف يحمل هذا الاسم «إبراهيم بن سالوقيه»، ولم يتم ذكر اسم الرجل حتى في أي مجال علمي مرجع أو مؤلف أدبى، سواء فى عصر مقارن لعصره المزعوم أو فى عصر سابق أو تالٍ، ما يعنى أن هذا الرجل غير موجود بالأساس فى أى عصر، وبالتالي فهو اسم مزعوم لا أساس له من الصحة.. حتى لو حاول البعض أن يلفق له نسباً أو يسوق له حججًا أو يدعي أنه عاش في بلاد كذا أو كذا، فهذا الاسم لا يعرفه أحد ولم يرفق اسمه فى كتاب من قبل ولم يذكر أحد أي نص له قبل يوم 16 مارس الجاري 2020 عندما ذكرته صفحة تدعى "تغريدات عراقية".

وهنا أخذ كثير من الباحثين يشككون في مصداقية هذه التنبؤات مؤكدين بأن شخصية إبراهيم سالوقيه، تم اختراعها بما يحدث حاليًا من أحداث، حيث إن اختراع اسم ذلك الشخص بتلك الطريقة، يرجع لاعتقاد الكثيرين إلى أن بعض العلماء العرب كان لديهم القدرة على التنبؤ بما يحدث في الزمان، وقدرتهم على تطويع الجن، وإضافة الغموض على تلك المصطلحات.. وبالتالي فإن شخصية ابراهيم بن سالوقيه ما هي إلا شخصية وهمية، تم اختراعها من قبل أحد من الأشخاص ونُسبت إليه هذه الأقاويل لربطها بما يحدث خلال الوقت الحالي.

وثمة نقطة مهمة وجديرة بالإشارة وهي أنه لو تأملنا النص السابق سوف نجده نصاً غير متسق وغير متوافق مع طريقة العرب فى التأليف.. من ذلك غياب الإيقاع فى الجمل، فإن العرب كانوا عادة مغرمين باتساق الجمل وتقاربها ومساواتها محافظة على الإيقاع كأنها مقطوعات شعرية، لكن النص المذكور ممتلئ بالأخطاء وحافل بالكسور.

وثاني المنكرات وأشدها دلالة علي "خرافة النص" وكذب مدعيه هو استخدام الأشهر في ذلك الزّمن القديم، فمنذ نحو 1000 سنة وأكثر كان العرب والمسلمون لا يستخدمون للأشهر الميلاديّة في ذلك الزّمن إلا قليلًا، وكانوا يستخدمونها بأسمائها العربيّة (مارس)، أمّا الاستخدام الرّسميّ فكان للأشهر الهجريّة.

علاوة علي أن كتاب أخبار الزّمان، ليس لكاتبٍ اسمه إبراهيم بل للكاتب يدعي "أبا الحسن عليّ بن الحسين بن علي المسعودي، حيث يُعد هذا الرجل من علماء العرب في زمانه، لقبه قطب الدّين، ولد سنة 283هـ والمتوفّى سنة 346 هـ "896-957م"، وهو من ذرّية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ولد في بغداد ومات في فسطاط في مصر، وكان مُهتمًا اهتمامًا كبيرًا بالتّاريخ والفلك والجغرافيا، وكتاب أخبار الزّمان، يُسمي (أخبار الزّمان ومن أباده الحدثان وعجائب البلدان والغامر بالماء والعمران)، وهو كتاب تاريخيّ فيه تاريخ الزّمان من أوّله "ابتداءً بقصّة سيدنا آدم"، يحوي قصصًا غريبة، يميل بعضها ليكون قصصًا خرافيّة وبعضها إلى الحقيقة، وليس فيه تنبّؤاتٍ بالمستقبل.. استخدام الأشهر الميلاديّة في ذلك الزّمن كان قليلًا، حيث كانوا يستخدمونها بأسمائها العربيّة "آذار"، أمّا الاستخدام الرّسميّ فكان للأشهر الهجريّة "محرم صفر، والأسماء الّتي تنتهي في اللّغة العربيّة بمقطع "ويه"، هي أسماء فارسيّة في أصلها، مثل سيبويه ونفطويه، حيث أن المعنى الرّاجح لمقطع "ويه" في الأسماء الفارسيّة هو "ذو" بمعنى صاحب، أيّ إنّ إضافة "ويه" لكلمة "سيبي" تجعلها "سيبويه" بمعنى رائحة التّفاح، وهذه قاعدة معروفة في الأسماء الفارسيّة المنظومة بهذا الشّكل.. ولا يصحّ أصلًا تسمية "سالوقيه"، في اللغة إذ يجب أن تكون سالقويه حتّى تكون صحيحة التّركيب، فضلًا عن أنّه لا يوجد أصلًا معنى لكلمة سالوق في الفارسيّة، ولا يجوز التّنبّؤ عند المسلمين، ونشر التّنبّؤات والتّنجيمات لا يجوز أيضًا، فلا يجوز نشر هذه الخرافة إلّا للتّنويه بأنّها خطأ، وأي أخبار تتنبأ بنهاية العالم فهي ليست إلا شائعات تحت مسمى ترهيب وذعر العالم وذلك كما ذهبت آية عادل في مقاله بصحيفة الوفد المصرية بعنوان حقيقة أم خيال؟ .. 10 معلومات تكشف سر تنبؤ كتاب أخبار الزمان بنهاية العالم.

نعم، يرصد الكاتب العديد من عجائب الزمان والبلدان، ولعل أبرزها سحر الكهنة ودورهم فى مختلف الأحقاب، ووصفه المؤرخين القدماء بأصحاب الخيال الواسع، ومدى التقدم الذى كان عليه الفراعنة فى مصر والإسكندرية.. ولكنه لم يأتِ ذكرًا على هذه النبوءة.. ووفقًا للمنشور، فإن المقتطفات من كتاب أخبار الزمان صفحة 365، والحقيقة أن عدد صفحات الكتاب 278 صفحة فقط.. وعن جملة «حتى إذا تساوى الرقمان 20=20»، فالكتاب المذكور لم يكتب الرقم 20 ولا أى رقم آخر.. وعن جملة ارتقبوا شهر مارس، فهذه الأشهر لم تكن معروفة بهذه الأسماء فى ذلك الوقت.. وعن الكتاب فإنه لم يتطرق إلى أى نبوءة عن نهاية العالم، بل اقتصرت كل موضوعاته على رصد التاريخ القديم بمختلف بلدان العصر القديم وذلك كما قال حمدي رزق في مقاله بالمصري اليوم بعنوان " 20 = 20".... وننتظر ما تسفر عنه الأيام المقبلة!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

 

محمد السعديجون نيكسون.. John Nixon

سألتني أبنتي سدير، عندما رأت بيدي كتاب يحتل مساحة غلاف صفحته الرئيسية صورة صدام حسين ملتحياً، عندما كان سجيناً لدى القوات الإمريكية الغازية لأرض العراق لرجل وكالة الإستخبارات الامريكية جون نيكسون المحقق الفعلي لأستجواب الرئيس صدام حسين طيلة فترة مكوثه في السجن الامريكي . السؤال .. لماذا تقرأ عنه بابا وهو وضعك في السجن؟. وشردك من وطنك وأبعدك عن أهلك وضيع مستقبلك وجدته سؤال منطقي ووجيه وواقعي فحفزني على الكتابة . في بداية أعمارنا السياسية كنا لانقرأ الا الكتب التي تعبر عن أنتماءاتنا السياسية والفكرية ونجهل كتب وأفكار ساسة أعدائنا وبماذا يفكرون وماذا يريدون؟. هذه كانت الوجهة العامة مما تحملنا عبأها على عملنا السياسي اللاحق في جهل المعرفة عن طبيعة عدوك وطريقة تفكيره وكيفية التعامل معه .

في كتابه (أستجواب الرئيس صدام حسين) ينقل جون نيكسون رجل الإستخبارات الامريكي والمختص بملف العراق وبشخصية صدام حسين والحاصل على شهادة الماجستير من جامعة جورجتاون حول شخصية وتاريخية صدام حسين ولمدة ١٣ عاماً في الطابق السابع لمبنى وكالة الاستخبارات الامريكية قبل أن يقع أختياره في متابعة ملف صدام حسين وأبعاثه الى العراق لهذا الغرض، الذي وصل الى بغداد قبل أربعة أسابيع من إعتقال الرئيس صدام حسين بل هو من أكد للامريكان في بناية المطار أنه هو بلحمه وشحمه الرئيس صدام حسين في معاينته له وصورة الوشم المطبوعة على جلد جسمه وأثر الرصاصة في ساقه من محاولة إغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم العام ١٩٥٩ في رأس القرية في العاصمة بغداد، وشفته السفلى المتدلية من كثرة تناول السيكار، وبعد أن عرضوه على رجالات النظام السابق المعتقلين لدى الامريكان عبد حمود التكريتي الذي أكد على هويته وطارق عزيز قطع الشك باليقين. في لحظتها زفت البشرى الى ساسة البيت الابيض باعتقال صدام حسين والى الشعب العراقي.                     

هوس جون نيكسون وقبل أنتمائه للوكالة مولعاً بالقراءة حول الشخصيات والقيادات التاريخية والتي تفردت بحكام شعوبها وتركت أثراً غائراً في ذاكرة العالم . نقل جون في كتابه ومن خلال لقاءاته التلفزيونية أموراً لفتت نظري ودغدغة مخيلتي عن حقبة سياسية ماضية كنت أحد ضحاياها . بدأت في بدايات السبعينيات وما يعرف بمشروع الميثاق الوطني (الجبهة الوطنية والقومية التقدمية)، لا سجال على ضرورتها لكن الخلاف حول عقدها وشروطها وتكتيكها ونهايتها المأساوية . يروي في كتابه تفاصيل أستجواب الرئيس صدام حسين حول أهم القضايا، بدءاً من طفولته التعيسة حيث ولد بدون أب مات أبوه وهو في بطن أمه والتي تزوجت بعد ولادته من عمه شقيق والده إبراهيم الحسن، مما فتح عينيه طفلاً منبوذاً من أقرانه، الذين كانوا يعيروه أنه بلا أب وأمه أنسانة شريرة . ولم أعثر على أولويات في صفحات كتاب جون أهمية حول أسلحة الدمار الشامل ولجان التفتيش والعلاقة بالتنظيمات الإسلامية المتطرفة (الراديكالية) والتي كان يعتبرها صدام سلفية وأكثر خطوره من التنظيمات الشيعية على مستقبل نظامه السياسي حسب أدلائه للمحقق الامريكي . ولكن تلك الادعاءات والأفتراءات هي التي بررت الغزو الامريكي للعراق وتدميره، ولم تشغل حيزاً كافياً في كتاب السيد نيكسون بقدر الاهتمام والتركيز على الجوانب الشخصية والقضايا الإجتماعية والصراعات في محيط القصر بين أفراد العشيرة الواحدة (الحاكمة). لم أعثر في بحر الكتاب ذكراً للشيوعيين وبطشه بهم، وهم جزء مهم وريادي في تاريخ العراق السياسي الحديث . قدموا تضحيات جسام من أجل الوطن والمباديء والقييم ولايمكن نكران دورهم بهذه الطريقة حتى وأن تختلفون معهم لكنهم يبقون فصيل مهم من تاريخ العراق .

 

يمضي جون نيكسون في صفحات كتابه تخبط السياسة الامريكية في التعامل مع الملف العراقي والتخبط في أتخاذ القرارات المصرية قبل أحتلاله وبعد أحتلاله في الصراع الواضح والمصالح المختلفة بين ساسة مراكز القوى في الادارة الامريكية، ومن خلال كتاب المحقق جون أن غزو العراق وأحتلاله تم بناءاً على دوافع شخصية ضد الرئيس صدام في محاولة أغتيال بوش الأب على أرض الكويت بعيداً عن أي معايير أنسانية وقانونية في تدمير بلد بالكامل ومازال شعبه يئن تحت مخلفات الاحتلال وعواقبه . آذن ”من يقرأ الكتاب يجد بين صفحاته تخبط وصراع ساسة أمريكيا حول مصير العراق . من يتسنى له مطالعة الكتاب يدرك حجم الخطر الذي كان مبيتاً في العداء للعراق والقرار على تدميره ؟. وقد وردت أفكار وأراء في صفحات الكتاب من أستنتاجات جون نيكسون بعضها على خلاف معها بعيداً عن الواقعية السياسية العراقية في مسيرتها الطويلة لكنها تبقى وجهات نظر مختلفة ومتصارعة سواء أتفقنا معها أو أختلفنا وفي النهاية هي جزء من حال العراق ورأي الكاتب . ألقى الكتاب رواجاً واسعاً على ناصيات التواصل الاجتماعي وتلقف من قبل دور ومنتجي هوليود ليتحول الى فيلماً سينمائياً سيدر مليارات الدولارات لجملة أكاذيب وأكشنات بعيداً عن تطلعات وعذابات العراقيين في حقبة سياسية أمتدت من العام ١٩٦٨ ومازال العراقيين يدفعون ثمنها باهضاً .

أراد جون نيكسون في كتابه تخطئة السياسة الامريكية حول الملف العراقي وهذه حقيقة تأكدت ولا تقبل التأويل والصراع المحموم بين أركان ساسة أمريكيا وتأثير اللولب الصهيوني في سياسة العالم والشرق الأوسط وتحديداً العراق .

وسعى الكاتب أن ينقل للقاريء والمتابع شخصية مختلفة عن صدام حسين وخطأ السياسة الامريكية في أحتلال العراق وتغير النظام مقارنة بساسة العراق الجدد، والذي نعتهم بالحثالات والمرتزقة في سرقة وضياع بلدهم العراق . لم يكن مستوى الكتاب بحجم الضجة التي أثيرت حوله ولا تلك المعلومات الدفينة عن رؤية العراقيين فهما الأدرى بها وببواطنها .

حاول الكاتب جون نيكسون من خلال عدة سيناريوهات قلب الحقائق عن شخصية صدام حسين وأخراجه بفيلم هو الأقرب الى خدمة مصالح الامريكان ومحاربة الإسلام المتعصب والمتطرف بعيداً عن مصلحة وتطلع العراقيين والأذى الذي تحملوه بسبب سياسة النظام والدكتاتور . ولم يشغل الكتاب مساحة كافية عن معاناة العراقيين جراء سياسة النظام لسنوات طويلة تحملوا فيها القتل والموت.

في وقت سابق قرأت نتفاً في عدة مواقع سطور من الكتاب والتعليقات حوله، لكن صديقي ورفيقي خالد حسين سلطان كعهده بالوفاء والرفقة بعث لي نسخة من بغداد بواسطة صديقنا المشترك علاوي الشمري مما سهل عليه الأطلاع الكامل حول متون الكتاب، الذي يعتبر أعتراف ضمني بهنجهية السياسة الامريكية في شؤون شعوب العالم .

 

محمد السعدي

أبريل / ٢٠٢٠

 

بتول الربيعي

صدرعن مركز الكتاب الأكاديمي في عمّان كتاب جديد بعنوان (إنسانيّة الفكر في اللغة والأدب قراءات في أعمال العلاّمة الدكتور علي القاسمي)، وهو من تنسيق د. نزهة بوعياد رئيسة شعبة اللغة وآدابها، وساعدها في إنجاز هذا العمل كُلٌّ من د. موراد موهوب، ود. عبدالإله تزوت ـ ود. فيصل الشرايبي.

يقع الكتاب في (313) صفحة من الحجم الكبير، وهو يُمثــِّل سجلًا لأعمال الندوة العلمية التي نظّمتها جامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء في كلية الآداب عين الشق لتكريم العلّامة الدكتور علي القاسمي.

ويشتمل الكتاب على أكثر من (25) دراسة، تنوّعت بين الأدب واللغة والترجمة،  قدّمها أساتذة جامعيون من المغرب والعراق والسعودية.

وقد قدّم للكتاب الأستاذ الدكتور موراد موهوب عميد كلية الآداب  بمقدّمة وصف فيها الدكتور علي القاسمي بأنّه مشروع علمي عربي حضاري، فقال: "يتواجد معنا الأستاذ الدكتور علي القاسمي العراقي المغربي الذي يعيش بيننا، والذي يشرفنا بتلبية دعوة تكريمه؛ فنحن جميعًا طلبة الأُستاذ الدكتور علي القاسمي، وقُرّاؤه، والعاشقون لمشروعه الذي أعدّه شخصيًّا منوالاً "براديغما" يتشكّل من مكونات عدّة. إنّه منوال متكامل ومتجانس ومتناسق في خطوطه ومحاوره ومجالاته المعرفية. فنحن أمام  مشروع علمي عربي حضاري نعتزُّ به، غايته خدمة الإنسان العربي في مختلف أبعاد تنميته. ففي هذا المشروع تمتزج اللغة بالأدب والفكر والثقافة والمعرفة والبحث العلمي والأكاديمي، ضمن نسق عام متناغم المكونات والمستويات".

وتَمَّ التركيز في هذا الكتاب على جوانب محدَّدة داخل المنظومة الفكرية المتشعّبة والمتنوّعة التي يشتغل بها الدكتور علي القاسمي، والتي بُنيَت باعتماد قراءة عامة عن تصوّره للإبداع واللغة والنقد عبر قراءات وعروض علمية تستند إلى عمليات الوصف والتفكيك والتركيب والتأويل، وذلك على وفق محورين، وقد أسهم في هذين المحورين عدد من الباحثين المقتدرين المختصين في الدرس الأدبي والدرس المعجمي من داخل المغرب وخارجه.

وجاء المحور الأول بعنوان " التجربة النقدية عند علي القاسمي: أسئلة الإبداع ورهانات النقد " وقد اشتمل على تسعة بحوث قيّمة، وقد استهل هذا المحور د. نايف مهيلب الشمري رئيس نادي حائل الأدبي، السعودية ببحثه الموسوم ب"المفكّر العراقي د. علي القاسمي: قراءة تحليلية في كتاب "مفاهيم  الثقافة العربية""  عرض فيه لأهم المفاهيم  التي بحثها القاسمي في كتابه هذا، مثل مفهوم: الحياة، والحرية، والعلم، والوطن، والجوار، والتواضع، والمرأة، والجمال، والحب، والمال، والكرم، والغربة، والاغتراب، والبكاء، والشيخوخة، والموت.

وقدمت الدكتورة نزهة بوعياد رئيسة شعبة اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق، بحثا بعنوان كتاب  " العراق في القلب( دراسات في حضارة العراق)  بين سؤال القلق والعودة إلى الماضي " وتساءلت فيه الباحثة لماذا العراق في القلب لا العقل؟ ولماذا هذا الجمع بين الذاتية الكامنة في الأدب والموضوعية الكامنة في التاريخ؟  فأجابت عن ذلك بأنّ للقلب والعقل مزية، فبهما معًا سينهض العراق من جديد، يقول الدكتور علي القاسمي:" إنّ العراق في تاريخه الطويل، مثل العنقـاء آشورية، وهـي طـيـر أسطـوري، يطـيـر إلى الأعــالي حتى يحترق بلهب الشمس فيهوى إلى الأرض، وبعد مدة من الزمن، ينتفض من بين الرماد ليعاود التحليق والارتفاع، لكنّ السقوط الأخير يعود سببه أساسًا إلى عدم توافر العراق، خلال العقود الأربعة الأخيرة، على قيادة مخلصة حكيمة، وهي ترى أنّ العلّامة علي القاسمي يعيش بين جدل العقل والقلب، ففي اللحظة التي يحلّل فيها سبب السقوط، يأمل في بناء الوطن من جديد، يأمل في مستقبل زاهر للعنقاء الآشورية الأصيلة، فصحيح أنّ القلب ينبض، يضخ الدماء في أعضاء الجسم عامّةً، إلَّا أنّ العقل وإن كان عضوًا يتلقَّى دماء القلب فهو مفكر مسيَّر، وكل تعذُّرٍ لوظيفته هو تعَذُّرٌ لحركات الجسم عامّة.

أمّا البحث الموسوم ب"الصورة السردية في قصص الدكتور علي القاسمي " قصة "الحلم والحنين" أُنموذجًا" للدكتور عبدالإله تزوت. مدير مختبر الثقافة والعلوم والآداب العربية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، عين الشق، فقد اختار فيه الباحث من نصوص الدكتور علي القاسمي قصة قصيرة عنوانها: "الحلم والحنين"، وهي آخر نص قصصي يرد في كتاب: "الأعمال القصصية الكاملة" لعلي القاسمي عن مكتبة لبنان ناشرون في طبعته الأولى سنة ٢٠١٢ الصفحة ٤٧٩.

ونوّه الباحث إلى أنّ هذه القصة القصيرة ترد في آخر هذا الكتاب منفردة من دون أن تنتمي إلى أي مجموعة قصصية من المجموعات الخمسة المتضمنة في الكتاب، ومن دون تاريخ يقربنا من سياق تأليفها، ممَّا يساعد في تحليل وتأويل أبعاد صورها، وذلك ديدن القاص علي القاسمي في كل قصصه، وهذه نقطة قوة تُمنَح لهذه القصص لتتأبى عن أي انحسار تاريخي عمودي، ولتبقى امتداداتها التاريخية أُفقيةُ كناية عن رؤية زمنية منفتحة قابلة لقراءات تاريخية متعدّدة، مما يضفي على هذه النصوص غنًى دلاليًّا ورمزيًّا قلَّ نظيره، ويستغرب الباحث كيف اختصر هذا النص حياة المؤلِّف اختصارًا ذكيًّا وبشكل مركز، وبرهن على أنّ الصورة السردية قادرة على أن تختزل ما يعتمل في وجدان المبدع القاص بشكل أدبي فني عجيب، كيف ذلك؟ فأول ما استوقف الباحث هو هذا العنوان "الحلم والحنين"، ولا سيّما حرف الحاء قبل أن يلج معنى الكلمتين ورمزيتهما في القصة، إذ يرى أنّ الحاء حرف حلقي فيه بحة يصدر عن الإنسان بشكل تلقائي تعبيرًا عن الألم، وحينما نسمع حرف الحاء كذلك من دون تفكير يذهب الذهن إلى مصطلح الحب، لكن ما الذي يعضد هذا التوجه في التأويل؟ برجوعنا إلى ما جاء في كتاب د علي القاسمي "صياد اللآلئ" في الصفحة 10، حينما قال: "حالما أنهيت دراستي أُصبت بمرض الحنين إلى الوطن، ولا يُشفَى منه إلا بمعانقة الحبيب"، فالحنين الموجود في عنوان القصة هو حنين في حديث القاص عن نفسه في "صياد اللآلئ" علما بأنه في هذه القصة تحدث بضمير الغائب، وفي"صياد اللآلئ" تحدث عن نفسه صراحة بضمير المتكلم،وكما خُتمت سورة يوسف بتأويل الرؤيا بحسب ما ذكره الباحث ، يختم الدكتور علي القاسمي قصته بتأويل رؤيا بطل القصة الذي تحدّث عنه بضمير الغائب، ولم يعطه اسمًا ليخرجه إلى العلن، بل تركه متواريًا وراء ضمير الغائب فاسحًا المجال لخيال القارئ وتأويل المتلقي.

وفي البحث الموسوم ب"استقلال الجنس الأدبي وتخاطر النصوص، قراءة ترابطية في كتابات علي القاسمي القصصية" للدكتور إبراهيم عمري جامعة سيدي محمد بن عبد الله، الكلية متعددة التخصصات بتازة، ذكر فيه أنّ قارئ أضمومة علي القاسمي لن يستطيع مقاومة إغراء التهامها دفعة واحدة، حينها سيتكشف ما بينها  من خيوط وقواسم غير مرئية وموجات وذبذبات فوق نصية. فنحن ننتقل فيها من القصة القصيرة إلى القصة الكاملة أو التامة أو الترابطية. إنّها تستجيب لكل شروط الجنس القصصي تمام الاستجابة، بل هي بلا مراء أُنموذج لما ينبغي أن تكون عليه الكتابة القصصية، لكنها نزّاعة، في أوج اكتفائها الذاتي واستقلالها الأنطولوجي، إلى لقاء شقيقاتها كما هو حال قطعِ الفسيفساء وتشكيلاتِه المتداخلة.

في حين يرى الدكتور عبد الواحد المرابط جامعة القاضي عياض، كلية الآداب العلوم الإنسانية – مراكش، في بحثه "التجربة النقدية عند الدكتور علي القاسمي"، أنَّ الارتباط بين الحياة والأدب يُعدُّ مبدأً أساسًا في رؤية القاسمي النقدية؛ لذلك لا يمكن دراسة أيّ نص أدبي معزولًا عن مؤلِّفه وسياق إنتاجه وبيئته الاجتماعية ومرحلته التاريخية، ولا مفصولًا عن النصوص الأُخَر التي تحيط به، سواء أكانت للمؤلِّف نفسه أم لمؤلِّفين آخرين، عرب وغير عرب. فرسْم الشخصية الأدبية تقليد علمي شامل يربط الجزء بالكل؛ ومن ثَمَّ فهو منهج تكاملي يتطلب مقاربات متعدّدة ومتنوعة ومتفاعلة: يقتضي مقاربة بيوبيبلوغرافية تستحضر سيرة المؤلِّف وأعماله؛ ويقتضي مقاربة موضوعاتية تدرس الموضوعات الأدبية والقضايا التي يعبِّر عنها المؤلِّف، ويقتضي مقاربة سوسيوتاريخية تربط الأدب المدروس ببيئته الاجتماعية وبسياقه الزمني؛ ويقتضي مقاربة نَصِّية تُبرز الجوانب الفنية والتقنية للنصوص؛ ويقتضي مقاربة هيرمينوطيقية (تأويلية) تعالج علاقة العمل الأدبي بقارئه؛ ويقتضي أيضًا مقاربة مقارِنة تبحث أشكال التأثير والتأثر الأدبييْن.

ويوقفنا البحث الذي حمل عنوان "بنية "كما لو" في رواية مرافئ الحب السبعة لعلي القاسمي" للدكتور محمد مساعدي الكلية المتعددة التخصصات بتازة، إذ ينطلق الباحث من منظور فلسفي محاولا رصد مظهر من مظاهر التخييل (التخييل الذاتي) في رواية "مرافئ الحب السبعة" لعلي القاسمي. فهذه الرواية توهمنا بأنها ترسم صورة واقعية عن حياة المؤلِّف، إلَّا أنَّ المؤلِّف في الحقيقة انتقى وقائع من حياته الشخصية، ثم رمّمها بعناصر تخييلية لرسم صورة عن الذات يلتحم فيها الواقع بالمتخيل. وهذا لا يعني أنّ القارئ ملزم بتمثل الصورة نفسها التي تَمثَّلها المؤلِّف، ورسمها في عمله الأدبي، لأنّ ما رسمه المؤلِّف تتخلله ثغرات وفراغات يجتهد كُلّ قارئ في ملئها بحسب مهاراته التحليلية وقدراته التأويلية، فيسهم بذلك في إغناء النص المدروس. إنّ هذا التأرجح بين الحقيقة والخيال – بحسب ما يرى الباحث - بين المرئي واللامرئي، بين الكائنات السردية وظلالها، يوحي للقارئ بأنّ المؤلِّف يستثمر العلاقة بين الأنا والهو لتفعيل التخييل الذاتي بوصفه آلية فنية لانتهاك حدود السيرة الذاتية، وذلك "بأخذ الغيرية أو الغربة بالحسبان، وجعلها ملازمة للذات. وقد ساعد قرن من التطور الذي عرفه علم النفس على جعل المعرفة المتعلقة بالذات تأخذ اللاشعور بالحسبان وتدرجه في صلب عنايتها، مما أدى إلى تجاوز الإطار الضيق لإعادة سرد الأحداث المعيشة بطريقة واعية وتحليلِها تحليلًا عقلانيًّا.

وكان للدكتور أحـمـد زنـيـبـر المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين/ الرباط، بحث بعنوان  "استراتيجية القراءة في كتاب "صياد اللآلئ" لعلي القاسمي" ، وهو عبارة عن دراسة شاملة لكتاب صياد اللآلئ، وقد حاول فيه الباحث الوقوف عند أهم الاختيارات التي وجهت مسار القاسمي القرائي، وحددت طبيعة المقاربة المنهجية لديه عبر مجموع القراءات المتضمنة بكتاب (صياد اللآلئ)، وهو يرى أنّ القاسمي يتغيَّا استراتيجية تقوم على الاختيار والضبط وإعمال الذوق، ولا تنساق وراء التعقيد المصطلحي وإصدار الأحكام. وقد حرص القاسمي في قراءاته على الدقة والموضوعية، انطلاقًا من حصر القراءة في نقط مركّزة، واستنادًا إلى عناوين فرعية تفي بالغرض. فضلًا عن توسُّله بشواهد مختلفة تنمُّ على مرجعية ثقافية شاسعة، وكذا توسُّله بلغة رشيقة وتعابير دقيقة، تنمُّ على ذائقة فنية وجمال. "

وفي البحث الذي جاء بعنوان "الإبداع الفكري والأدبي المغربي من خلال "صياد اللآلئ" للدكتور علي القاسمي" ، بيّن الدكتور عبد الجبار لند من كلية الآداب والعلوم الإنسانية في مدينة الجديدة، أنّ اختياره قراءة كتاب صياد اللآلئ جاء لسببين، الأول منهما يتمثَّل في رغبته في الاطلاع على متن يتضمن معارف علمية وأجناسًا أدبية لأعلام مغاربة مختلفة المضانّ ومتعدّدة المشارب، والسبب الثاني هو رغبته في أن يقرأها بعين مشرقية كانت أُصولها مهد الحضارة العربية في أوجها، بل مهد الحضارة الإنسانية جمعاء ألَا وهو العراق "الشقيق".. ويرى أنّ الصياد العبقري النحرير استطاع ببصره العلمي والمنهجي وبصيرته الفنية وذائقته الأدبية المرهفة، أن يلتقط نخبة من أجود ما أنتجه العقل المغربي فكرًا وإبداعًا، وأن يقدِّمه في حلة قشيبة قلَّ نظيرها، تمتزج فيها معاني الوفاء والإخلاص.

وكان لبحث "قراءة في عتبات "رواية المرافئ السبعة" لعلي القاسمي"، للدكتور مولاي البشير الكعبة  شعبة اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، عين الشق، أثر كبير في الكشف عن رؤية الباحث التي تتضمن في أنَّ خطاب بداية الرواية ونهايتها في رواية مرافئ الحب السبعة  قد حدَّدت لنا مسار دخول عالم علي القاسمي الروائي؛ وصنعت هذه العتبات مجتمعة: الداخلية منها والخارجية بمساعدة القارئ المؤول نصًا احتماليًا، هو نتاج تفاعل مقصديات كل من الكاتب والقارئ، له وظيفة جمالية وأخرى تداولية.. فالرواية برأيه فضلًا عمّا مَرَّ تنماز ببلاغة سرد رائعة، وبلغة شعرية معبّرة عن ثقافات متنوعة، وعن وقائع اجتماعيّة وسياسيّة ونفسيّة مختلفة؛ ومن ثَمَّ فهي إضافة نوعية للمكتبة العربيّة وإغناء لها. وقد اقترح الباحث أن تُقرَّر الرواية مؤلفًا بالمرحلة الثانوية؛ تقديرًا لجهود الدكتور علي القاسمي وتميُّزه.

وربط الدكتور عبدالله عبد الرحيم عسيلان رئيس نادي المدينة المنورة الأدبي، في بحثه الموسوم ب"علي القاسمي بين مفاهيم الثقافة وطرائف الذكريات"،  بين كتابَي مفاهيم الثقافة العربية، وطرائف الذكريات، وذكر أنّ القاسمي قد انفرد بنهجه وأسلوبه في العرض على نحوٍ فيه جِدة وحضور للمؤلِّف.

وفي الجانب الشخصي ذكر أنه عرف القاسمي عن كثب، وجالسه، وتجاذب معه أطراف الحديث في موضوعات وقضايا شتى فوجده أنه يأنس بالحديث عن القضايا العلمية والأدبية، وعن الأدباء والمثقفين ممن له علاقة وثيقة بهم وما أكثر من يعرفهم ويعرفونه منهم في الوطن العربي وخارجه، وله جاذبية عندما ينتقل بك إلى حديث الذكريات فإنَّه يأسرك بحديثه، ويجبرك على الإصغاء إليه؛ لأنه يصدر عنه بصيغة شبه درامية وبأُسلوب جذاب.

وضمَّ المحور الثاني الذي حمل عنوان" أسئلة المعجم والمصطلح والترجمة في أعمال علي القاسمي"  ثلاثة أمور:

1ـ الصناعة المعجمية عند على القاسمي.

2ـ الدرس المصطلحي عند علي القاسمي.

3 ـ إشكالات الترجمة والتواصل في أعمال علي القاسمي.

ويشتمل هذا المحور على عشرة بحوث، سألخِّص القول فيها على النحو الآتي:

البحث الأول "قراءة في كتاب "علم اللغة وصناعة المعجم" لعلي القاسمي: جهوده في توحيد المصطلح" للدكتور عبد الهادي الدحاني شعبة اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب، عين الشق، الدار البيضاء، وقد أشار الباحث عبر قراءة كتاب "علم اللغة وصناعة المعجم" إلى أن صناعة المعجم قد حظيت خلال الحقبة الأخيرة من القرن الماضي بعناية كبيرة، تبلورت في مجالات رئيسة ثلاثة هي:

1- البحث المعجمي.

2- نمو علم المصطلح.

3- تطور مؤسسات الترجمة وتقنياتها.

 ويلخّص قكر القاسمي في أنّ صناعة المعجم لها صلة وثيقة بعلم المصطلح والترجمة، ومن ثَمِّ فهي تؤدي وظيفة على جانب كبير من الأهمية في حياة الناس العملية والعلمية، ودعا إلى تعميم دراستها في أقسام اللغة العربية واللغات الأخرى في الجامعات العربية والإسلامية.

وركَّز الدكتور كبور كريم الله ، شعبة اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، عين الشق، في البحث الموسوم بـ"الدكتور علي القاسمي لسانيا تطبيقيا"،  على الجانب التطبيقي في مؤلفات القاسمي، فأول كتاب باللغة العربية في موضوع المعجم - بعد "مختبر اللغة"_ فهو كتابه الرائد "علم اللغة وصناعة المعجم"..

ومما تجدر الإشارة إليه أنّ القاسمي يواكب التطورات اللاحقة في مجال المعجمية الحاسوبية والترجمة الآلية. وقد واصل المؤلِّف مسيرته المعجمية الحافلة بـ"معجم مصطلحات علم اللغة الحديث" برفقة آخرين سنة (1983) و"معجم الاستشهادات" سنة (2001) و"المعجمية العربية بين النظرية والتطبيق "سنة (2003) من غير أن ننسى "المعجم التاريخي".

وإذا كانت الأبحاث التي تنصب على لغة الطفل ذات طبيعة لسانية نفسية، تشكِّل دراسة حالة، وتعتمد على بروتوكولات خاصة، فإنّ مقاربة علي القاسمي للغة الطفل العربي في كتابه " لغة الطفل العربي: دراسات في السياسة اللغوية وعلم النفس" تزاوج بين التحليل اللساني النفسي والتحليل اللساني الاجتماعي، وهما معًا من صميم اللسانيات التطبيقية.

وهو يرى أنه بفضل الأعمال الرائدة للأستاذ علي القاسمي، ظهرت اللسانيات التطبيقية في المغرب العربي كما هي الحال في الرباط والراشدية وكلية الآداب عين الشق الدار البيضاء، ومن المرتقب امتدادها إلى مدن أُخَر.

وجاء البحث الموسوم ب "قضايا معجم الاستشهادات" للدكتور جمال بندحمان شعبة اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب، عين الشق، ليبين فيه أنّ الدكتور علي القاسمي يعتمد الجرأة والابتكار والتجديد عبر الاشتغال على معجم نادر النوعية مثلما هو الحال مع (معجم الاستشهادات) الذي يتجاوز مفهوم التخصص في الإنتاج المعجمي العربي، أو في إصداره عددًا من الكتب الأكاديمية في المعجمية والمصطلحية مثل: "علم اللغة وصناعة المعجم"، و"لغة الطفل العربي"، و" الترجمة وأدواتها"، والسياسة الثقافية" ما يُلحظ أن الصناعة المعجمية لدى د. القاسمي ليست مجرّد عمل تطبيقي وإنجاز عملي، بل إنها تتجاوز ذلك لتخوض في قضايا نظرية مؤسسة لمرتكزات تفتح أمام الباحثين فيضًا من الأسئلة مما يجعلها أُفقًا رحبًا للاشتغال أو لتطوير المنجز منه.

ووسم الدكتور لحسن توبي/ المركز الجهوي لمهن التربية، والتكوين بالدار البيضاء،  بحثه بـ"المصطلح اللساني في القواميس اللسانية: معجم مصطلحات علم اللغة الحديث" نموذجًا"، فبيّن فيه أنّ القواميس اللسانية التي فتحت نقاشًا علميًّا (معجم مصطلحات علم اللغة الحديث الصادر سنة 1983) الذي شارك فيه ثلة من اللسانيين، من بينهم د. علي القاسمي. والحقيقة أنّ التقويم العلمي لهذا العمل يستدعى التوسل بعُدّة دقيقة (شبكات تقويمية)، تنطلق من زمرة من المعايير التي تنهض عليها الصناعة القاموسية، فتتقيد الأحكام بضوابط موضوعية، كالمصداقية والوثوقية.

ومن هذا المنطلق، فقد ركز الباحث على معيارين متكاملين: الأول، كمي، يخص حجم الذخيرة الاصطلاحية اللسانية في القاموس المذكور، مع موازنته ببعض الأعمال الأُخَر. أما المعيار الثاني فذو طابع نوعي، يتعلق بجريان تعريف المصطلح اللساني، ومدى استيفائه الدلالة المطلوبة. وقد ذيّل بحثه بشبكة تقويمية للقواميس اللسانية، من شأن الاهتداء بها الإسهام في استجلاء قيمة هذا القاموس اللساني.

 أمّا البحث الموسوم ب"مساهمات علي القاسمي في تطوير المعجمية العربية" للدكتور محمد اليملاحي، المدرسة العليا للأساتذة – الرباط. فقد عَدَّ الباحث إسهامات علي القاسمي في مجال المعجمية تسير في منحيين، أولهما: نظري يندرج، مع شيء من التجوّز، بضمن علم المعجم، وثانيهما: تطبيقي يندرج بضمن صناعة المعجم.

وقد أرجع أصول المنحى الأول إلى كتاب علم اللغة وصناعة المعجم، ويهدف الكتاب إلى الإسهام في" تطوير الصناعة المعجمية من أجل إنتاج معجمات أفضل من أجل تيسير حركة الترجمة والتعريب، وتسهيل دراسة اللغات الأجنبية".

 ويرى اليملاحي أنّ هذا الكتاب ما زال ينطوي على بعض المبادئ العامة التي لا غنى عنها في صناعة المعاجم المزدوجة اللغة، على الرغم من أنّه يبدو اليوم قديمًا بالنظر إلى تاريخ نشره، ومن المرجح أن المعاجم العربية الثنائية اللغة قد أفادت من الكتاب، ولا سيّما أنه قد ظهر في وقت لم يكن هذا النوع من المعاجم قد انتشر بعد. و هو يرى أنّ البحث المعجمي عند الأستاذ علي القاسمي لا يُطلَب لذاته ومن أجل ذاته لا غير، بل يُطلَب لما ينطوي عليه من إمكانيات للنهوض بالمستوى العلمي والثقافي للأمة.

وقد عرجت الدكتورة فتيحة بلعباس شعبة اللغة العربية وآدابها، بكلية الآداب عين الشق،  في بحثها الموسوم ب"الترجمة عند علي القاسمي"  على مؤلفات القاسمي في الترجمة أولها مسرحية "الفلاح البائس" للود فيغ هولبرغ، فضلاً عن ترجمته للكاتب البريطاني جوليان سيمونس"القصة البوليسية"، وترجم أيضًا رواية "أحلام اينشتاين" لعالم الفيزياء والروائي الأمريكي الن لايتمن، فإنّ القاسمي كان مولعًا بالترجمة الأدبية.

وقد ركزت الباحثة على ترجمة رواية "الشيخ والبحر" لرصد مختلف تجليات هذه الترجمة وآثارها في الأدب العربي، وكيف أعادت ترجمة رواية "الشيخ والبحر"، ونقلها إلى القارئ العربي بطريقته الخاصة التي استثمر فيها معرفته بهمنغواي، وأُسلوبه وتقنياته، وكل ذلك من أجل أن تصبح الترجمة جسرًا لا لعبور المضامين فحسب، وإنّما لعبور الأساليب والتقنيات والتفاعل الثقافي والحوار الحضاري.

ووسمت الدكتورة فاطمة يحياوي بحثها ب"الدراسة المصطلحية عند علي القاسمي"، وذكرت فيه الباحثة أنّ الخبير اللساني علي القاسمي قد انشغل باستحداث المصطلحات في اللغة العربية بهدف التعبير عمّا يَجِدُّ من مفاهيم في مختلف الحقول العلمية والمعرفية والتكنولوجية، فكان إسهامه بارزًا في مجال إعداد ووضع المصطلح العربي وتوحيده في إطار المؤسسات التي عُهِدَ إليها القِيامُ بهذه المهمة في العالم العربي، وذلك من خلال عُضويته في مَجمع اللغة العربية بالقاهرة وعمله مستشارًا بمكتب تنسيق التعريب بالرباط، الذي كان ضمن هيأة تحرير مجلته "اللسان العربي".

وفي البحث الذي وسم بـ"الشاهد الشعري في معجم الاستشهاد للدكتور علي القاسمي بين معيارية الاحتجاج وسؤال التلقي، قراءة في الخطاب المقدماتي"، بيَّنَ الدكتور محمد المعروفي من كلية الآداب بفاس، أنّ الأخذ بالخلفية المفهومية والاصطلاحية التي بُنِيَ بها الشاهد المعجمي في مسالكه النصية الممثلة في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والشعر العربي القديم وغير ذلك، وتحويلها إلى نظام نظري تأصيلي محدَّد، يناقش المفاهيم المرافقة لعملية الكتابة من جهة المعاني التي تقع الإشارة إليها ومداراتها السياقية. وذكر أنَّ دراسة الشاهد الشعري عند الدكتور علي القاسمي قد أظهرت التصورات المختلفة التي انتهجتها العلوم العربية في التقعيد المعرفي للموضوعات والقضايا، ممَّا وافر للدراسة في بعديها النظري والتطبيقي إمكانات ثقافية غنية، على مستوى تعيين النماذج الشعرية وعلى مستوى تفسيرها وتأويلها، بوصفها كيانات جمالية تروم تمثيل الاعتبارات المعيارية المقترنة بانشغالات العلماء من السلف الذين "شدوا الرحال إلى مختلف القبائل يروون عنها الشاهد والمثل، ويقيدون ذلك في نطاق ما يُسمَّى في تاريخ العلوم اللغوية بحركة الجمع. ولقد أدّى اهتمام هذه الطائفة بالشعر في وقت مبكر إلى جملة من النتائج سيكون لها أبعد الأثر في تاريخ البلاغة والنقد عند العرب".

وركّزت الدكتورة بتول عبد الكاظم حمد الربيعي في بحثها الذي وسمته بـ"التجديد في المعجمية العربية"، على جوانب التجديد في المعجمية العربية، وبيّنت أن القاسمي قد ترك المجال فسيحًا للمعجميين لينتهوا من النقطة التي ابتدأ هو منها، فقد قدّم دراسة مستفيضة في استشراف مستقبل العربية، فهو لا يكتفي بصناعة المعجم في العصر الحاضر، بل ينطلق بها إلى المستقبل على نحو ما نجده في كتابه (صناعة المعجم التاريخي للغة العربية)، فالكتاب بمجمله جمُّ المنافع، ويمكن عدُّه موسوعة معجمية نقدية تقويمية لا يستغني عنها المختصون بالمعجم العربي، والمعنيون بدراسة اللغة بصورة عامّة.

فقد نظر القاسمي إلى المعجمية العربية على أنَّها قيمة حضارية وثقافية ومطلب ديني وقومي في آنٍ؛ لذا فقد دعا إلى صناعة المعجم التاريخي للغة العربية، وقد تبلورت تلك الدعوة في مشروعين لصناعة المعجم التاريخي للغة العربية هما (مشروع القاهرة ومشروع الدوحة) والدكتور علي القاسمي أحد أعضاء هذين المشروعين.

ولعلّ من أصعب ما يعتور الدراسات المعجمية، صناعة المعاجم التعليمية، ولا سيّما إذا كانت للناطقين باللغات الأُخَر، وقد ذلّل القاسمي تلك الصعوبات، ووضع الأسس النظرية لصناعة المعجم المخصص للناطقين بغير العربية، فكانت ثمرة هذه الأُسس المعجم العربي الأساسي.

 ولأهمية الاستشهادات (القرآنية والحديثية والشعرية والنثرية والأقوال المشهورة والأقوال المقتبسة من الديانات الأخرى والحكم والأمثال)، فقد جمع القاسمي ما طالت يده منها في مصنّف واحد تسهل العودة إليه كُلّما دعت الحاجة، وهو مرجع يشتمل على خلاصة تجارب خاض الكاتب في غمارها سنين طوال. فالقاسمي ينطلق من فكر حداثوي غربي، وقد استثمر هذا الفكر لبعث الحيوية والنشاط في المعجمية العربية لمواكبة التطور السريع في المسرح اللُغويّ الذي يشهده العالم، فقد كان تأثره بالغرب تأثرًا إيجابيًا وليس سلبيًا، خدم به اللغة وفتح أبوابًا معرفية جديدة قائمة على بحث معمّق في التراث العربي، وربطه بالاتجاه اللُغويّ المعاصر.

وكان خاتمة هذه البحوث بحث الدكتور محمد أيت اعزي من كليــة الآداب والعلوم الإنـسانية، بعين الشق، بعنوان "التفكير النحوي عند الدكتور علي القاسمي"، فقد وقع اختيار الباحث على دراسة التفكير النحوي عند الدكتور علي القاسمي في كتابه الموسوعة "علم المصطلح أسسه النظرية وتطبيقاته العملية" وركّز في بحثه على ثلاثة فصول من الكتاب، وهي: الفصل الحادي والعشرون: تحدّث فيه عن المشتقات، والفصل الرابع والعشرون: تحدّث فيه عن النحت، والفصل الخامس والعشرون: تحدّث فيه عن التركيب، وانتهى الباحث إلى أنّ القاسمي قدْ تبنّى مذهب الكوفيين في كثير من المسائل النحويــة.

وتضمَّنَ هذا الكتاب أيضًا دراسة مهداة إلى الدكتور علي القاسمي قدّمها  د. أحمد متفكر بعنوان "مراسلة بين عالـمَين، أحمد الشرقاوي إقبال، ومحمد المختار السوسي"، وتضمَّنَ أيضًا قصيدة بعنوان سحر الذاكرة للأُستاذ الدكتور حسن مكوار رئيس جامعة محمد الأول في وجدة سابقًا.

واشتمل الكتاب على شهادات في حقّ المُحتفَى به، قدّمها كُلٌّ من:

1- الأديبة والشاعرة والمناضلة الدكتورة  (مليكة العاصمـي) (مراكش)   بعنوان "الدكتور علي القاسمي: أن تكون صديقًا لدائرة معارف"، وذكرت أنــَّه ليس غريبًا أن يجمع الدكتور علي القاسمي هذا الرصيد الهائل من المعلومات والمعارف العلمية والبشرية، والأحداث التاريخية أو الحية الحاضرة، وغير ذلك من القيم الأُخَر، فقد عاش حيوات في حياته. عاش العراق، وما أدراك ما العراق؟. وعاش في مصر، وبيروت، وعددًا من بلاد الشرق العربي. وتنقَّلَ في قارات أمريكا، وآسيا، وافريقيا، ودرس في جامعاتها. وأقام في كثير من هذه البلاد في مراحل أساسية من تاريخها وتحولاتها، ومراحل أساسية في حياته. وانخرط في أنديتها وأنشطتها ومكتسباتها ومعاناتها. ومارس مهام نوعية. وتقلَّبَ في مناصب ومسؤوليات حيوية دولية. وتحفل مجالس الدكتور علي القاسمي في الوقت نفسه بالطرف والأخبار والحكايات والبدائع لتكون في قلب دائرة المعارف بكل ما تحفل به من معارف ومكملات.

2- الدكتور محمد مساعدي الكلية المتعددة التخصصات تازة بعنوان " علي القاسمي المبدع الموسوعي"، قال فيه: مَنْ يعرف عن قرب فضيلة الدكتور علي القاسمي يدرك الدلالات العميقة والمتشعبة لعنوان هذه الندوة "إنسانية الفكر في الأدب واللغة"؛ فالقيم الكونية متأصلة في هذا المبدع المناضل، وبصماتها واضحة المعالم في إبداعاته وكتاباته الفكرية، ومَن يتتبع هذه الكتابات يدرك أنها علة اغترابه عن وطنه الأُم. وعلى الرغم ممّا عاناه علي القاسمي الإنسان من تجارب مريرة مع الغربة إلَّا أنّ علاقاتِه الإنسانية الراقية جعلته يَكْسِرُ طوق هذا الاغتراب القسري ويُحَوِّلُهُ إلى أُلفَة حينًا، وإلى ذخيرة ينهل منه البناء مشروعه الفكري، أو بياض يؤثث كتاباته الإبداعية أحيانًا. ولهذا يستحق أن يُقال عنه بحق إنّه مفكر ومبدع موسوعي اجتمع فيه ما تفرَّق في غيره".

3- مريم الناوي الكلية المتعددة التخصصات بتازة، بعنوان "في البدء كان الحب، رسالة من المرفأ الثامن" جاء فيها: هذه الندوة بدأت وهي فكرة، بالحب وأراها اليوم تنجح؛ لأنّ هذا الشعور الإنساني يغمرها من الجهات كُلّها، والمرفأ الثامن هو هذه القلوب مجتمعة: قلب السيد العميد، السيدة منسقة الندوة، قلب السيد رئيس الجلسة، قلب الشاعرة والمؤرخ، قلب القاص والناقد والمحقق، والأُستاذ الزميل والطالب الباحث الممتن، من المحيط إلى الخليج، قلوبنا جميعًا بين يديك فلترس عليها بسلام وبركات عليك.. قلوبنا مصابيح حب تضيء ليل الغربة في عينيك وكلنا على عهدك وعلى قولك: إننا عراقيون على الرغم من كل الظروف، وعلى الرغم من الزمن، وهناك ما هو أهم من أوراق التعريف، إن عراقيتنا مطبوعة في أجسامنا، في جيناتنا، والأوراق لا تغير الحقيقة والحقيقة لا يمكن أن تُمحَى.

 4- مرية الشوياخ  مكتب تنسيق التعريب بالرباط، بعنوان "ثقافة القاسمي غنى وعطاء"، ذكرت فيه أن الدكتور علي القاسمي عالم لغوي وشاعِر أَديب وقبل ذلك كُلّه، وفوق ذلك، هو إنسان نبيل بكلّ معنى الكلمة ومثال للخلق الإنساني الرفيع. وأقول: نحن نحبك ونقدرك ونحترمك، فقد تعلمنا منكم كثِرًا لِما وهبك الله من فكر مبدع، وقدرة على التواصل والتبْليغ ونتمنى لكم طول العمر وموفور الصحة وموصول العمل والإبداع.

4- سميرة زيراوي بعنوان " صداقة أدبية"،  وقد تحدثت عن الصداقة الأدبية التي جمعت بين الدكتور علي القاسمي ووالدتها زهرة زيراوي "رحمها الله" ،وجاء فيها أنّ تلك الصداقة لا أذكر متى بدأت، كنتُ أرافقهما في حواراتهما التي لا تنتهي، كانت تدوم أحيانًا لساعات، دون أن يَشعرا بالملل. وأرى كيف أن تلك اللقاءات تُسعدهما، وأشعر أيضًا برغبة كِليْهِما بتمديد تلك اللحظات، التي سيتقاسمان فيها مجموعة من الأطروحات والتساؤلات الفكرية العميقة. أحبَبْتُ أيضًا، كيف حاكُوا هذا النوع من المشاركة بثقة صارمة، إذ يتقاسمان كُلّ همومهما السوسيوثقافية، بكثير من الثقة والأريحية. افتخرتُ دائمًا بهذا النوع من الصداقة والنضج الإنساني العميق الذي يتعدى العلائق الاعتيادية، حيث يلغي الزمن، ونوعية الجنس، وفارق السن، كل شيء يُلغـَـى ويبقى الهاجس الفكري هو الوحيد المسيطر والقاسم المشترك بينهما. فشكرًا دكتور على كل اللحظات الجميلة التي منحتَهَا لوَالدتي، وعلى نُبْلكَ الدائم، وعلى ابتسامتِكَ الطفـولية التي ما فارقت محياك يومًا.

وجاء مسك ختام الكتاب كلمة المُحتفَى به الدكتور علي القاسمي الصوت المتعدد، وكانت بعنوان "حياتي بين التسيير والتخيير"، وقد نشرت في صحيفة المثقف الإلكترونية، وأُلحِقَت بالكتاب مشاركات وتفاعلات المثقفين من داخل الوطن العربي وخارجه مع كلمة الدكتور علي القاسمي وردوده عليهم، والتي نشرت في صحيفة المثقف.

فهذا الكتاب هو قراءة لأعمال الدكتور علي القاسمي التي استدعت الوعي بمجمل القضايا المعرفية التي ترتبط بالذات، والمجتمع، واللغة، والتربية، والأدب، والنقد، والترجمة، والمعجم، والمصطلح، ومدى انعكاساتها وأثرها في صوغ أُفقٍ علمي يستثمر التفاعلات والتقاطعات القائمة بين مجالات الفكر الإنساني، وهو مرجع مهم لجميع الباحثين والمهتمين بالدراسات اللغويّة والفكرية عند الدكتور علي القاسمي.

 

الدكتورة بتول عبد الكاظم حمد الربيعي.

 

بكر السباتينالعزلة الشتوية أخرجت أعظم أعمال كلّ من: تولستوي صاحب رواية "أنا كرينا"، وميخائيل شولوخوف صاحب "الدون الهادئ"، وديستوفسكي صاحب "الجريمة والعقاب".. ففي مواسم الشتاء الروسي الطويل، كانت البيوت تتحول إلى صويمعات للأدب الراقي، فيما المكتبات المنزلية تعمها الفوضى وقد توزعت أيقوناتها على الطاولات والأسرّة.. كتب نفيسة متفاوتة المستويات، يخالطها الصغار والكبار كأنها كائنات حية تنتمي إلى الأسرة.. والمواقد تحتفي بمجالس أهل البيت وتمنحهم طاقة الصبر والبقاء في ليالي البرد القارص. والنار فيها تعلك الحطب وتحرض العقول على السباحة في الخيال.. والقناديل بأضوائها الخافتة تحاور أشباح الظل التي تراقصها الرياح المتناوحة خارج الأبواب المُوصدة وهي تتسلل من شقوقها المسحورة.

العالم اليوم يختلف كثيراً.. فنوافذه المعرفية كثيرة.. كأنها شرفات مفتوحة على الفضاء العالمي بكل تفاصيله سواء كان ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو الشبكة العنكبوتية واليوتيوب، ناهيك عن الفضائيات التي تنقل إليك أخبار العالم ومستجداتها مباشرة.. ورغم ذلك يبقى أجمل هذه النوافذ، كتاب تختلي به فيفضي إليك بما في بطنه من درر، وخاصة في عزلتك التي فرضها وباء الكورونا.. وفي سياق ظروف العزل البيتي بسبب انتشار وباء الكورونا، يداهمك خير جليس في هذا الزمان، دون أن يحمل إلى عزلتك العدوى القاتلة.. الكتاب الذي ما لبث رفيقي في السراء والضراء..

اليوم انتهيت من القراءة الثالثة لكتاب تصدر مكتبتي الخاصة بعنوان "انتقام الجغرافيا"

وهذا عرض وتحليل للكتاب الذي صدر عام 2015 عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب في الكويت الكتاب القيم "انتقام الجغرافيا" تأليف (روبرت د. كابلان)، ترجمة د. إيهاب عبد الرحيم علي، والذي يقع في 447 صفحة من القطع المتوسط.

(روبرت كابلان)، كاتب وصحفي بجريدة (اتلانتك) الأمريكية، كما انه كبير الخبراء (الجيوسياسيين) فى معهد (ستراتفورد) للمعلومات الدولية، ونشر نحو 14 كتابا عن السياسات الخارجية الأمريكية والعلاقات الدولية الأمر الذي أهله لخوض تجربته الميدانية عبر جغرافية القارات ليخرج إلى القراء بهذا المشروع الذي يتنافى مع رؤية العولمة في أن العالم سيتوحد في إطار قرية صغيرة، من خلال استدلال مفكريها على الشواهد المعاصرة التي أحدثتها التكنلوجيا الحديثة المتسارعة بقلب النظم القديمة في التواصل الإنساني عبر العالم الذي بات وكأنه بلا حدود. ف(كابلان) يرى غير ذلك.. متجاهلاً التاريخ ومعتمداً على ثبات التأثير الجغرافي بتنسيق شكل العالم الذي يتحدى السياسات والنزاعات والفكر (الكولونيالي) لترسيخ المعالم السياسية بما تفرضه الحقائق الجغرافية على الأجندات. وفي هذه الرؤية قد تتفق مع الكاتب أو تختلف.. لأن الجغرافيا تحولت إلى ظلِّ للفضاء الرقمي.. والعقول أصبحت مسلوبة إلى عالم افتراضي أكثر تأثيراً.. وأصبحت له محددات منطقية، تشمل: حكومات رقمية وعلاقات دولية وأسواق مفتوحة مثل "أمازون" الأمريكية و"علي بابا" الصينية، ودور نشر رقمية للكتب والصحف ناهيك عن العملات الرقمية إلكترونية، التي تم تصميمها بحيث يتم تبادلها بين الأشخاص في معاملات افتراضية مثل البيتكوين أو الإيثيروم.

فالعالم يتغير نحو الفضاء الرقمي الذي تتفاعل من خلاله العقول، بينما تتحول الجغرافيا في سياقه إلى ظل لوجود الإنسان الواقعي ورفاهيته. في المحصلة الجغرافيا منذ نشوء الحضارة تعتبر هدفاً استراتيجياً وظيفياً بما تحتويه من ثروات، ووسيلة دفاعية بحكم التضاريس.. ولكن الإنسان تمكن من تطويع الجغرافيا لطموحاته فقهر المسافات والجبال العالية والمهاد والبحار من خلال شبكات الطرق العملاقة والأنفاق والجسور. وخلافاً لما ذهب إليه مؤلف الكتاب فإن العالم تحول إلى قرية صغيرة تستظل تحت عالم افتراضي مفتوح.. وفي المستقبل قد تتحول الدول إلى شركات ضمن مشروع تنموي عالمي إذا ما تقدمت الصين في مشروعها النهضوي التوسعي القائم على الشراكة الإقليمية والقارية بعد تقوّض النمط الاستعماري الاحتلالي الغربي. ولو راجع المؤلف كتابه القيم في ظل تضافر الجهود العالمية لمواجهة فيروس الكورونا ربما لتوصل إلى نتيجة فحواها بأن علاقة الجغرافيا بالصراعات البينة آخذة بالأفول لصالح فرضية "الشراكة المفتوحة" مستقبلاً.. وهي مجرد تكهنات.. فماذا يقول "كابلان" في كتابه المهم "انتقام الجغرافيا".

يتألف هذا الكتاب من ثلاثة أبواب رئيسية تعكس في مجموعها الاهتمام الثلاثي، كما قد نسميه من جانب مؤلف الكتاب:

(1) الباب الأول يحمل عنوان "أصحاب الرؤى" بمعنى الصفوة من المفكرين الذين شغفوا بالجغرافيا درسا وكتابة وبحثا وتحليلا معتمدين على تجاربهم الشخصية وترحالهم عبر الجغرافيا في أطراف العالم لقياس النتائج غير معتمدين على أمهات كتب التاريخ التي تسوق رؤيتها عبر تأثير التاريخ ومسؤوليته في تشكيل فسيفساء العالم السياسي والاجتماعي.

(2) الباب الثاني يحمل عنوان "أول خارطة لمطالع القرن الواحد والعشرين".

(3) الباب الثالث الأخير يحمل عنوان "مصير أميركا" والذي يربطه بكندا شمالاً والمكسيك جنوباً.

الكتاب شيق في طرحة لفكرة أهمية التضاريس الجغرافية في تشكيل الوعي الجمعي باتجاه الانسجام مع الحواجز الجغرافية في كينونة المجاميع البشرية مبرهناً بالشواهد الواقعية أن تحطيم سور برلين كان استجابة لوحدة ألمانيا الجغرافية بينما عجزت السياسات عن فصل الوحدة الاجتماعية بين الباكستان وأفغانستان التي تحفظ بنيتها الجبال الشاهقة رغم الفصل بينهما سياسياً.. ولعل اليمن المليء بالحواجز الجغرافية قد جعلته كياناً غير متماسك لاعتبارات تشتته المركزي بفعل التقاطعات الجغرافية التي هيأت لنشوء عدة أقاليم غير منسجمة. وقد تبدى ذلك اليوم بسيطرة الحوثيين على البلاد دون قدرة حكومة المركز على استرداد البلاد.

في هذا الكتاب المثير يطرح المؤلف منظوراً جديداً لعرض الاضطرابات العالمية وفهم ما ينتظر القارات والبلدان في جميع أنحاء العالم في المستقبل اعتماداً عل جملة من الأفكار والآراء ولاكتشافات الجغرافية والتوصيفات الجيوسياسية الحديثة التي تتحكم بالسياسات التي تفرض حلولاً تعجيزية على الحواجز الجغرافية ذات القرار الحاسم الأخير في أي لعبة على الأرض وقد ركز في بحثه على التأثير الجغرافي في السياسات متجاهلاً دور التاريخ في ذلك.

قد تكون الجغرافيا هي التي تحدد شخصية شعب ما، وتشكل المجتمع الذي يعيش فيها؛ ولكن الجغرافيا يمكنها أيضا أن تشكل التاريخ ومصائر الشعوب. بل ويمكن بدراسة الجغرافيا أن نفهم الحروب التي ستقع في المستقبل، وكيف يمكن التصدي لها. ولكن منذ سقوط حائط برلين في نهاية الثمانينات، والذي كان يمثل العائق من صنع البشر، وبعد سيادة عقيدة العولمة وسقوط الحدود بين الدول وتصور (فوكوياما) لنهاية التاريخ حيث تسود الديمقراطية في كل مكان، نسينا العوائق الطبيعية التي لازالت تحيط بنا وتقسمنا. ونسينا أن العولمة ليست نظام يضمن السلام والأمن الدولي، بل هي مجرد مرحلة اقتصادية وثقافية للتنمية. هذا ما أراد (روبرت كابلان) أن يثبته في كتابه الأخير الذي صدر بعنوان "انتقام الجغرافيا" والذي قام فيه برحلة عبر التاريخ من الماضي البعيد ليعود إلى الحاضر ليحاول فهم المستقبل. فمن الماضي أوضح كيف كانت الجغرافيا تتحكم في التاريخ وفى العلاقات بين الدول والشعوب مشيرا إلى محاور عديدة عبر هذا التاريخ، ويشير كيف استطاع خبراء الجغرافيا توضيح ما عجزت عن فهمه العولمة. فكان يقوم بدراسة المناطق الساخنة في العالم من خلال دراسة مناخها والطبوغرافيا فيها وقربها من الأراضي التي تشهد صراعات.

مثال ذلك أن جبال العراق كانت تحد كثيراً وبفاعلية من سلطة صدام بشكل عام مؤكداً على أن الجبال تعكس قوة قديمة، تحمى بين ممراتها أحيانا ثقافات محلية في مواجهة العقائد التحديثية الشرسة التي غالبا ما كانت تغزو الأراضي المسطحة، حتى وان قامت تلك الجبال أحيانا بمنح الميليشيات الماركسية والمافيا في عصرنا الحديث المأوى من أعدائهم. وينقل (كابلان) كلمات (جيمس سكوت)، خبير علم الإنسان بجامعة (ييل)، حول شخصية "شعوب الجبال الذين قد ينظر إليهم على أنهم هاربون أو لاجئون أو على أنهم مجتمعات معزولة؛ فقد عاشت خلال ألفي عام تحاول الهروب من رجال الدولة الذين يطبقون سياساتهم في مناطق السهول". أما في أفغانستان وباكستان، فكان للجبال دروس أخرى. تلك الجبال التي وصفها البريطانيون أولا بأنها "الحدود الشمالية الغربية" لم تكن حدودا بالمعنى المفهوم على مدى التاريخ كما قال البروفيسور (سوجاتا بوس) بجامعة (هارفارد)، "ولكنها، كما وصفها، قلب سلسلة من الجبال الهندية الفارسية، والجبال الهندية الإسلامية، وهى السبب الذي من اجله قامت كل من أفغانستان وباكستان بتشكيل كيان عضوي كامل، يساهم في تقسيمهم الى دول من خلال جغرافيا غير متجانسة". كان للجبال قصة أخرى في أوروبا، فقد كتب المؤرخ (جولو مان) كيف إن الألمان عاشوا دائما داخل سجن كبير شكلته الجغرافيا. ثم أرادوا التحرر منه من خلال احتلالهم قلب أوروبا ما بين الشمال وبحر البلطيق وجبال الألب. ولكن بالنسبة لهم الشمال كان محدد بالجبال والجنوب بالمياه، فكان المهرب الوحيد لهم هو الاتجاه إلى الشرق والى الغرب حيث لا توجد عوائق جغرافية. أما في العراق، فيرى (كابلان) كيف أن جبال العراق قامت دوما بالحد من سلطة صدام حسين الرئيس العراقى السابق، وقد حاول صدام ان يقاوم تلك العقبة بكل الإجراءات التعسفية التي يستطيعها. يقول (كابلان) إن صدام حسين في فترة الثمانينات غضب بسبب الحرية التي منحتها تلك الجبال للأكراد عبر التاريخ والقرون، فقام صدام بهجوم شامل على الأكراد العراقيين والتي عرفت بحملة الأنفال. وبالرغم من إن صدام استطاع أن يثبت بأن الجغرافيا لا تستطيع منع الإنسان تماما من تغيير مصير البشر، إلا أن تلك الجبال كانت السبب الأساسي لتلك المأساة. وبسبب تلك الجبال ابتعدت منطقة كردستان من الدولة العراقية إلى حد بعيد. الربيع العربي والجغرافيا تمر حاليا منطقة الشرق الأوسط، من المغرب وحتى أفغانستان في أزمة فيما يتعلق بالعلاقة مع السلطة المركزية. فقد أصبحت النظم القديمة المستبدة غير مستقرة، في الوقت الذي لازال الطريق نحو الديمقراطية غير مستقيم. في المرحلة الأولى من تلك الاضطرابات العظيمة ظهر هزيمة الجغرافيا أمام قوة تكنولوجيا الاتصالات الحديثة. فقد خلقت التكنولوجيا الحديثة المتمثلة في القنوات الفضائية والشبكات الاجتماعية ومواقع الانترنت مجتمعا واحدا من المعارضين عبر العالم العربي: وهكذا وجد نوعا من التكتل الاجتماعي ضد الأوضاع السياسية بكل من مصر واليمن وتونس والبحرين، ولكن مع استمرار التمرد، أصبح من الواضح أن كل دولة قامت بوضع تصورها هي لثورتها، والذي من ناحيته تأثر بتاريخها وجغرافيتها العميقة. فكلما تعرفنا على تاريخ وجغرافية أي من دول الشرق الأوسط، كلما قلت دهشتنا من تطور الأحداث فيها. يقول (كابلان) انه قد يكون من الصدفة جزئيا أن الثورة بدأت في تونس. فان الخرائط القديمة تظهر تمركز مستوطنات في المنطقة التي توجد فيها تونس اليوم، شيدت بجوار مساحة شاسعة خالية إلى حد ما والتي تمثل الجزائر وليبيا اليوم. وبسبب وجودها عند سواحل البحر المتوسط وبالقرب من صقلية، فان تونس أصبحت هي المأوى السكاني في منطقة شمال أفريقيا، ليس فقط خلال عصر قرطاجة والرومانيين، ولكن أيضا عبر عصور البيزنطيين والعرب والأتراك. وفى حين كانت كل من الجزائر غربا وليبيا شرقيا مجرد مساحة جغرافية ذات تعبيرات غامضة، فان تونس كانت دوما مركزا لحضارات قديمة. أما بالنسبة لليبيا، فقد كانت المنطقة الغربية منها والتي بها طرابلس، تتجه عبر التاريخ نحو تونس، بينما اتجهت منطقتها الشرقية، بنغازى، نحو مصر. لذلك فقد كانت المنطقة الأقرب إلى قرطاجة طوال ألفى عام، تتمتع بمستوى عال من التنمية، لان العمران بدأ في تونس قبل ألفي عام، بينما كانت الهوية البدوية التي قال عنها ابن خلدون أنها كانت تمنع الاستقرار السياسي، تضعف التنمية في المنطقة الشرقية. في عام 202 قبل الميلاد، عندما انتصر (سكيبيو) على هانيبال بالقرب من تونس، قام بحفر خندق حدد نهاية الأراضي المتحضرة. هذا الخط لازال حتى اليوم قائما في الشرق الأوسط، وهو لازال واضحا في بعض المناطق فهو يمر من طبرق على الساحل شمال غربي تونس إلى الجنوب ثم يتجه إلى الشرق نحو (صفاقس)، ميناء آخر على المتوسط. أما المناطق التي تقع خلف هذا الطريق فلم تشهد فيها آثار رومانية وهي اليوم الأكثر فقراً والأقل تطورا، وفيها أعلى نسبة من البطالة. أما مدينة (سيدى بوزيد) التي بدأ منها التمرد في تونس في ديسمبر عام 2010، فهي تقع خلف خط (سكيبيو) مباشرة. يقول (كابلان) انه يحاول هنا أن يعطى للأحداث التي وقعت مؤخرا، في المنطقة البيئة لجغرافية والتاريخية لها: فقد بدأ التمرد العربي من اجل الديمقراطية في المجتمع الذي اعتبر تاريخيا أكثر المجتمعات العربية تقدما، وأكثرها قربا من أوروبا؛ ولكن أيضا بدأ التمرد بشكل خاص في هذا الجزء من البلاد الذي ظل منذ التاريخ القديم منسيا وعانى كثيرا من نتائج سوء التنمية. هذه المعلومات يمكنها أن تضيف عمقا على ما حدث في المناطق الأخرى: سواء كان ذلك في مصر، دولة أخرى شهدت على حضارات قديمة وتاريخ طويل عرفت فيه نظام الدولة؛ أو اليمن التي تعتبر القلب السكاني لشبة الجزيرة العربية، والتي ظلت تحاول توحيد أراضيها، ولكنها كانت دوما تصطدم بطبوغرافية جبلية ممتدة عملت على إضعاف الحكومة المركزية وبالتالي دعمت أهمية النظام القبلي والجماعات الانفصالية؛ أو سوريا التي أدى شكلها المبتور على الخريطة إلى احتواء انقسامات داخلية على أساس الهوية العرقية والطائفية. إن الجغرافيا تشهد على أن تونس ومصر يتمتعان بتماسك تدعمه الطبيعة؛ بينما تشهد الجغرافيا في كل من ليبيا واليمن وسوريا على أنهم اقل تماسكا. لذلك يمكن القول إن كل من تونس ومصر احتاجا إلى أشكال بسيطة نسبيا من النظام الاستبدادي حتى يبقيهما في وحدة متماسكة، بينما تحتاج ليبيا وسوريا إلى أشكال مختلفة عديدة من الاستبداد. ولكن الجغرافيا جعلت من الصعب دوما حكم اليمن. فان اليمن حسب قول الخبراء، تعتبر مجتمعاً "مجزءا، تتداخل في طبيعته الجبال والصحاري. لذا فهو مجتمع ظل يتأرجح ما بين المركزية والفوضى، وهو مجتمع حسب قول الخبراء، يحكمه بالضرورة نظام يقوم على "استنزاف الحياة منه"، ولأنه يعاني من "هشاشة داخلية" فهو يفشل دائما في إقامة مؤسسات تدوم. إن القبائل هنا قوية والحكومة المركزية ضعيفة بالمقارنة بهم. والصراع من اجل بناء نظم ليبرالية في مثل تلك المناطق لن ينفصل عن هذا الواقع. بينما تتابع الاضطرابات ويبدو العالم وكأنه خارج السيطرة، ومع تصاعد التساؤلات حول كيفية يمكن للولايات المتحدة وحلفائها الرد على تلك الأوضاع، فان الجغرافيا تمنح وسيلة لكي على الأقل نفهم شيئا مما حدث. فعلينا أن ننظر في الخرائط القديمة، ونقرأ تحليلات من خبراء الجغرافية وعلماءها القدماء الذين عاشوا في العصور السابقة، يمكننا أن نرى مستقبل هذا الكون في القرن الواحد والعشرين. فبالرغم من التطور التكنولوجي الذي ألغى الحدود بين الدول، إلا أن جبال الهند لازالت تمثل عائقا ضخما. لقد شهد عالمنا تغييرات جغرافية كثيرة عبر تاريخه، وشهد صعود وسقوط نظم ديكتاتورية عديدة، مما يؤكد دوما على هشاشة تلك النظم. ولكن يقول (كابلان): إن الشيء الوحيد المستقر والباقي هو وضع الشعوب على الخريطة؛ لذا ففي زمن الاضطرابات الشيء الوحيد المهم هي الخرائط. فعندما تتحرك الأرض السياسية بعنف من تحت أقدامنا، تظل الخريطة، حتى ولو لم تكن مؤكدة، هي نقطة البداية لتحديد منطق تاريخي حول ما يمكن أن يأتي به المستقبل.

ويرى بعض النقاد الأمريكيين مأخذاً في توجيه المؤلف اهتمامه الأميركي من الشمال إلى الجنوب، بمعنى من كندا شمالا إلى المكسيك جنوباً، وهو يدعو واشنطن إلى إتباع هذا النسق وذلك النهج بالطول خلال السنوات القليلة القادمة، بدلا من أن تتحرك أميركا بالعرض إلى حيث أولت اهتماماتها شرقا إلى أوروبا وآسيا ومن ضمنها بالطبع الشرق الأوسط والبحر المتوسط والقارة الأفريقية بشكل عام.

ولكن (روبرت كابلان) يتصور خلافا لناقديه أن ثمة منافسة تشهدها الفترة المقبلة بحيث تمتد من المحيط الأطلسي غربا إلى المحيط الهادئ في أقصى الشرق، فإن العالم يصبح بحاجة من ثم إلى عنصر توازن.

والمعنى هو أنه فيما قد تؤدي الجغرافيا، اتساقاً أو انتقاماً إلى كيان من نوعية "أوراسيا العضوية الموحدة" فالأمر يومئذ يقتضي كفة للتوازن تتمثل بدورها في كيان يوصف على النحو التالي: أميركا الشمالية العضوية والموحدة، بحيث تضم كلاً من كندا والولايات المتحدة، ثم المكسيك.

ويقدم الكتاب رداً متبصراً على المفكرين الذين يشيرون إلى أن العولمة ستنتصر جغرافياً؛ ومن ثم يُظهِرُ كيف يمكن للوقائع الخالدة والحقائق الطبيعية أن تساعد في منع وقوع الكوارث التي تلوح في أفق القرن الحالي.

الكتاب في غاية الأهمية.. ورغم قراءتي له فقد التجأت إلى دفئه من جديد من أجل قراءة ثالثة أكثر تأنياً.. وهي من الدروس المستفادة من العزلة التي فرضها وباء الكورونا عل العالم.

 

بقلم بكر السباتين..

٣٠ مارس ٢٠٢٠

 

معمر حبارتكمن أهمية الكتاب الذي بين يديك الآن:

Mohamed kali, « Ain Témouchent », Dar el Kitab el Arabi, 2009, Contient 240 Pages

في كونه يعتبر وثيقة أيام الاستدمار الفرنسي التي استلمتها بلدية تمونشت. وهي من الأهمية بمكان حيث تقدّم صورة عن الجزائر والجزائري أيام الاستدمار الفرنسي.

تعمّدت أن أركّز على جرائم الاستدمار الفرنسي بالجزائر وحسب محاضر وتقارير الإدارة الفرنسية المحتلة المجرمة يومها. وممّا جاء في الكتاب:

1- بنى الجزائريون الخيم عن بعد 3 كلم عن وسط المدينة لأنّ الاستدماري الفرنسي اغتصب أملاكهم وأراضيهم بالقوّة ولم يعد لهم القدرة لدفع ثمن الكراء. صفحة 20

2- كان لليهود مدرسة خاصّة بهم ولا يخضعون للتعليم الفرنسي الاستدماري كما تمّ إخضاع الجزائريين للتعليم الفرنسي المحتل. 22

3- وجّهت رسالة بتاريخ 1877 إلى رؤساء البلديات أنّ رئيس الحكومة الفرنسية المحتلة للجزائر وطبقا لإجراءات 1857 تمنع علماء المغرب وتونس من التدريس بزوايا الجزائر لأنّه يمنع الجزائريين من الالتحاق بمدارس المحتل الفرنسي.

4- المحتل الفرنسي هو الذي يعيّن الأئمة في المساجد باعتبار التدريس من الصالح العام الذي يجب للمحتل الفرنسي أن يتحكم فيه.

5- منع الحج عن الجزائريين الذين يعارضون الاحتلال الفرنسي أي "المشاغبين؟ !" بتعبير المجرم المحتل.

6- لفتح مدرسة خاصة من طرف جزائري عليه أن يثبت أنّه مواطن فرنسي ومتشبّث بنمط الحياة والتقاليد الفرنسية.

7- حاربت فرنسا الزوايا الجزائرية العلمية لأنّه في نظر المجرم المحتل الفرنسي سيكون ذلك على حساب توجه أبناء الجزائريين لمدارس المجرم المحتل الفرنسي وهذا مايرفضه الاستدمار الفرنسي.

8- لاتملك فرنسا المحتلة العدد الكافي من السكان لحماية مستدمراتها وليس من المعقول حرمان شبابنا الفرنسي لمدّة 3 سنوات عن عائلاتهم لخدمة فرنسا مايستوجب تجنيد الشباب الجزائري لدى الجيش الفرنسي المحتل، وكان هذا ابتداء من سنة 1899. ص 110

9- جاء في التقرير أنّ المجرم بيجو أحرق المزارع والأراضي سنوات 1836-1847 للإطاحة بالأمير عبد القادر رحمة الله عليه. 111

10- إنتاج الجزائر من الخمور إبّان الاستدمار الفرنسي يضمن لفرنسا المحتلة المجرمة 50% من الصادرات.

11- نسبة 7/10 من الأراضي الجزائرية المغتصبة مخصّصة لإنتاج الخمور. 114

12- نسبة 9/10 من الأراضي الجزائرية يسيطر عليها المستدمرون المحتلون المجرمون. 114

13- فرض على الجزائري الفقر والجوع والعري لأنّ الأراضي خصّصت عمدا لزراعة الكروم الخاصّة بالخمر. 116

14- زراعة الخمور التي فرضها الاستدمار الفرنسي على الجزائر حطّمت الأراضي الخاصة بالرعي وبالتّالي حطّمت تربية الحيوانات. 117

15- لفرض العهر على الجزائريين من طرف الاستدمار الفرنسي وجعله متاحا تمّ تخفيض الدخول لبيوت الدعارة من 5 فرنك إلى 2.50 فرنك سنة 1901. ص 120

16- تمّ فرض 200 فرنك كغرامة مالية سنة 1901 لأنّه تمّ دفن جزائري رحمة الله عليه في قطعة أرض "ليست تابعة للجزائريين؟ !" وهي أرضهم وملكهم.

17- أصبح الفرنسي المحتل المغتصب لأرض الجزائر ورثة يرثه من بعده الأبناء والأحفاد من المحتلين ويبيعها كما يشاء ويحرم الجزائري صاحب الأرض أن يدفن فيها. 122

18- ترفض المصارف أن تقرض الجزائري لأنّ المحتل فرض عليه الفقر والجوع والعري وسلبه أرضه وحيواناته. 125

19- رفض الطبيب الفرنسي المحتل أن يقدّم شهادة وفاة بالمجان لجزائري توفى رحمة الله عليه. 125

20- طرد الجزائريين من بيوتهم وفرض عليهم أن يسكنوا بالأراضي المخصّصة للسود والخاضعة للحراسة وهم أصحاب الأرض. 132

21- تقدّم "المنتخبون الأهالي؟ !" أي الجزائريين بتعبير الاستدمار الفرنسي سنة 1912 بطلب تقديم دروس في المدرسة لتعليم أبنائهم اللّغة العربية فتمّ رفض الطلب. مع العلم تقدّم دروس عادية وإضافية لتعلّم اللّغة الفرنسية. 140

22- تكليف الشرطة الفرنسية المحتلة بمتابعة فقهاء وعلماء الزوايا الذين يدخلون المدينة لأنّهم معارضين للاستدمار الفرنسي ووضعهم باستمرار تحت المراقبة. 144

23- في مارس 1920: بعد أسبوع من إعلان وباء "التيفيس" تمّ رفع الحظر لأنّه لايوجد أية حالة ضمن "الشعب الأوروبي" المحتل للجزائر. 150 (أقول: لايهم أن يموت كلّ الجزائريين فذلك ليس علامة وباء إنّما الحرص كلّ الحرص أن لايمسّ مستدمر واحد). 150

24- بتاريخ 1 أفريل 1921: حرم الأستاذ الجزائري"العربي فكار" منحة تعليم اللّغة العربية والمقدّرة بـ 300 فرنك المخصّصة لتقديم دروس ليلية في اللّغة العربية لتحسين مستوى الجزائريين لأنّه من "الأهالي؟ !" بتعبير الاستدمار الفرنسي أي الجزائريين، والجزائري لايحقّ له تقديم الدروس الإضافية باللّغة العربية، بالإضافة إلى أنّ مدير المدرسة الفرنسي اشتكى ضعف التلاميذ في استيعاب اللّغة الفرنسية بسبب "تعلّم؟ !" اللّغة العربية. 152

25- بتاريخ: 27 جويلية 1922: أجريت مسابقة في الرمي ففازت المستدمرة "أورسيلو" بالمرتبة الأولى رغم أنّها تحصّلت على 19 نقطة وفي المقابل تحصّلت الجزائرية من سيدي بن عدة بالمرتبة الثالثة رغم أنّها تحصّلت على 22 نقطة. (أقول: لايحق "للأهالي؟ ! بتعبير الاستدمار الفرنسي أي الجزائري أن ينال المرتبة الأولى ولو كان الأوّل ونال كلّ مايستحقّ الأوّل). 153

26- يمنع على كلّ جزائري سبق له أن دخل السجن من قبل أن يدخل المدينة لأنّه يهدّد الأمن العام بالمفهوم الاستدماري ويعتبر خطرا. 156

27- بنيت الكنيسة بتاريخ 15 فيفري 1881 حيث تصبح مركز المدينة وكلّ المرافق تحيط بها. 170

28- رواتب المستدمرين بالجزائر أضعاف أضعاف رواتب الجزائريين بأرضهم الجزائر. 179

29- سنة 1936 مازال الاستدمار الفرنسي يعتمد على فرقة من الزواف لقمع المتظاهرين الجزائريين بوهران وسيدي بلعباس. 186

30- إطلاق أسماء المجرمين الفرنسيين أو الأوربيين على الساحات الجزائرية من طرف الاستدمار الفرنسي وفي نفس الوقت حرمان الجزائري من أن يطلق أسماء رموزه ورجاله وعلمائه على الساحات الجزائرية. 207

31- يعترف المستدمر الفرنسي أنّ حرب الفيتنام هي حرب قذرة لكن يرسل لها شباب جزائري ليكون حطبا لها ويعتبرها "حربا أخوية؟ !" ضدّ "إخوانه؟ !" الفيتناميين. 212

32- بتاريخ 28 سبتمبر 1949: جنود المستدمر الفرنسي يقتحمون دوار سيدي علي بوناب ليلة عيد الأضحى فكان: تحطيم الأبواب، والأثاث، والسقف، والبيوت، ورمي سوائل خطيرة مضرة في القمح، والشعير، وتعذيب الرجال، واغتصاب النساء، وقتل المواشي، وسرقة الزرابي والذهب والدراهم. 213

33- تشديد الرقابة على البدو الرحل ومضايقتهم ومنعهم من الحركة لأنّهم حسب المستدمر الفرنسي يساعدون الثورة الجزائرية. 228

 

معمر حبار

 

 

نضير الخزرجيرغم أن الذائقة من حواس البدن الى جانب البصر والسمع والشم واللمس، فضلا عن حاسة الحدس او الحاسة السادسة التي لا تعد من الحواس المحسوسة، لها القدرة على تذوق أنواع الأطعمة والأشرب والتمييز بينها، فإن للإنسان ذائقة أخرى من نوع آخر لا تتوفر عند كل إنسان، أو بالاحرى فإن كل فرد له ذائقة أخرى غير ذائقة الطعام والشراب، قد لا نجدها لدى إنسان آخر، وبالمجموع العام فإن كل البشر يشتركون بحاسة الذائقة على أن لكل واحد منهم ذائقة يختص بها.

فالبعض يتذوق رؤية جمال الطبيعة من جبال وهضاب ووديان وبحار وأنهار لا يتذوقها غيره أو ليس لكل إنسان الذائقة نفسها والإندكاك معها روحيا ونفسيا، والبعض يتذوق تصفح وجوه الناس وهو جالس في مقهى أو على ناصية الطريق، وبعضهم يجلس عند مقدمة صالة الوصول في مطار دولي متشوقا الى رؤية الواصلين ومتذوقا لرؤية أشكال السلام والتحية الملقاة بين المسافر ومستقبله فينعش عنده ذائقة البصر والتشوف لعادات الشعوب وطقوسها، وبعض يتجول بين الأزقة والدروب القديمة متذوقا لفن البناء القديم في هذه المدينة العريقة أو تلك، وبعض يتجول في المزارع أو البساتين متحولا بين هذه الوردة أو تلك الزهرة مشبعا عنده ذائقة النظر والشم والتنقل بين الورود والأشجار.

 وبعض يتجول بين دواوين الشعراء قديمهم وحديثهم متذوقا فنون الشعر وأنواعه وأغراضه وألوانه، وكلما تنوع الشعر تفتحت ذائقة المتلقي للقراءة والإستئناس به، وكلما تنوع الشاعر الواحد في نظمه غرضا ولونا كلما كان أقرب الى ذائقة المتلقي الذي يستهويه الشعر قراءة أو سماعا أو حفظا.

الفقيه الأصولي والباحث المحقق والشاعر الأديب الشيخ محمد صادق الكرباسي صاحب المؤلفات الموسوعية والكتابات المتنوعة، له العشرات من الدواوين الشعرية المطبوعة والمخطوطة، جمع جانبا من نظمه المختلف الألوان في ديوان أسماه "ألوان شعرية" صدر نهاية العام 2019م (1440هـ)عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 155 صفحة من القطع الوزيري قدّم له وأقرظه الكاتب المسرحي والشاعر العراقي الأديب رضا كاظم الخفاجي.

فصول وألوان

كما أن اللون يتغير في عين الناظر تبعا لمدى الطول الموجي أو الإشعاع الكهرومغناطيسي ضمن الطيف المرئي، فإن الشعر الفصيح منه والشعبي يتغير لونه في إطار الطيف الشعري فيعطي للشعر رونقا ولذة وذائقة جديدة، واللون الشعري كما يعبر عنه الأديب الكرباسي هو: (التغيير في الأسلوب، فالشعر على سبيل التطبيق له قوانينه وأحكامه وشروطه ومقاييسه إلا أنه قابل للتلون بلون وصبغة معينة كأن يكون فرديا أو ثنائيا أو ثلاثيا أو رباعيا وهكذا)، وكلما كان الشعر مصطبغا بألوان وأشكال وأنماط ضمن المدى الشعري المتسالم عليه كان أقرب الى النفس والى الذائقة التي تهوى جديد الشعر، من هنا يقرر الأديب الكرباسي أن: (الشعر رغم أن فيه البلاغة وأن له تأثيرًا في النفس ويبعث النشوة فيها إلا أنه إن أتى على نسق واحد يصبح عملًا رتيبا يخرجه من حالة الوجد التي ينتعش به الناظم والمتلقي وتستثقله الإذن لرتابته، فمن هنا عمد أرباب الأدب والشعر إلى إيجاد الموشحات وفنون أخرى للشعر لكي يكون أكثر متعة للمتلقي والمستمع).

من هنا فإن القارئ لديوان "ألوان شعرية" يجده منقسما الى فصول خمسة، وقد تصدر بكلمة الناشر للشاعر اللبناني الأستاذ عبد الحسن راشد دهيني، ومثلها للأديب الكربلائي الأستاذ رضا كاظم الخفاجي الذي أنهى تقديمه للكتاب بقصيدة تقريظية عبّر عن وجهة نظره لصاحب الديوان الذي اشتهر بموسوعته الفريدة (دائرة المعارف الحسينية)، جاء في مطلعها من بحر الطويل:

مسيرةُ إبداعٍ منابعُها دُرُّ *** مؤسسها فذُّ، مآثرُهُ كُثْرُ

تجلَّت صفاتُ البحثِ فيه سجيَّةً *** يُحفِّزُها فكرٌ، خصائصُهُ تِبْرُ

ثم يعرج على الديوان قائلا:

أرادَ بألوان القصيدة، منهجًا *** يُحفِّزُ أهلَ الشعر، كي يرتقي فخرُ

واصفا الألوان باللئالئ إذ يضيف:

لئالؤهُ مقرونةٌ بجمالها *** مفاتنُها سحرُ، نسائمها عطرُ

ترددات شعرية

لما كانت القصيدة العمودية معروفة لدى القاصي والداني ممن له أدنى حظ من مَلَكة الأدب لكونها الجينة الأولى لكل الترددات الشعرية وأساس الشعر العربي القريض القائم على الوزن والقافية الموحدة من صدر وعجز ومطلع ومصرع، فإن الألوان الأخرى تأخذ أسماءَ وأبعادًا مختلفة حسب مبدعها، ومن ذلك الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة أو بتعبير الأديب الكرباسي (قصيدة النثر) التي تعتمد على: (جماليات النبر، أو المقطع اللغوي، والإيقاع المستخلص من تناسق الحروف، وهو نوع من الكتابة عُرف مع منتصف القرن العشرين الميلادي) كما جاء في تلافيف الفصل الأول للتفريق بين "القصيدة العمودية والقصيدة النثرية"، بيد أنَّ للمقدّم الأديب الخفاجي رأيًا آخر إذ يرى: (إن قصيدة النثر العربية تحديدًا مصدرها الرئيس وجذرها الراسخ يتواجد في الصحيفة السجادية وفي دعاء الإمام الحسين (ع) يوم عرفة، وكذلك في نهج البلاغة ودعاء الجوشن الكبير والصغير وغيرها)

وهنا إشارة إلى أدعية ومناجات الإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام، ومن ذلك دعاؤه عليه السلام في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال: "اللهم أنت عدتي إن حزنت، وأنت منتجعي إن حرمت، وبك استغاثتي إن كرثت، وعندك مما فات خلف، ولما فسد صلاح، وفيما أنكرت تغيير، فامنن علي قبل البلاء بالعافية، وقبل الطلب بالجدة وقبل الضلال بالرشاد، واكفني مؤونة معرة العباد، وهب لي أمن يوم المعاد، وامنحني حسن الإرشاد". ومن دعاء الإمام الحسين (ع) يوم عرفة مناجيًا رب الأرباب سبحانه وتعالى: "كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ فى وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ اِلَيْكَ، اَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ ما لَيْسَ لَكَ، حَتّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ، مَتى غِبْتَ حَتّى تَحْتاجَ اِلى دَليل يَدُلُّ عَليْكَ، وَمَتى بَعُدْتَ حَتّى تَكُونَ الاْثارُ هِىَ الَّتى تُوصِلُ اِلَيْكَ، عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تَراكَ عَلَيْها رَقيباً، وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْد لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصيباً، اِلهى اَمَرْتَ بِالرُّجُوعِ اِلَى الاْثارِ فَاَرْجِعْنى اِلَيْكَ بِكِسْوَةِ الاْنْوارِ، وَهِدايَةِ الاْسْتِبصارِ، حَتّى اَرْجَعَ اِلَيْكَ مِنْها كَما دَخَلْتُ اِلَيْكَ مِنْها، مَصُونَ السِّرِّ عَنِ النَّظَرِ اِلَيْها، وَمَرْفُوعَ الْهِمَّةِ عَنِ الاْعْتِمادِ عَلَيْها، اِنَّكَ عَلى كُلِّ شَىء قَديرٌ". ومن نماذج نهج البلاغة للإمام علي (ع): "وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمُراً نَاكِساً، ومَرَضاً حَابِساً، أَوْ مَوْتاً خَالِساً، فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ، زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوبٍ وَقِرْنٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ، وَوَاتِرٌ غَيْرُ مَطْلُوبٍ، قَدْ أَعْلَقَتْكُمْ حَبَائِلُهُ، وَتَكَنَّفَتْكُمْ غَوَائِلُهُ، وَأَقْصَدَتْكُمْ مَعَابِلُهُ، وَعَظُمَتْ فِيكُمْ سَطْوَتُهُ، وَتَتَابَعَتْ عَلَيْكُمْ عَدْوَتُهُ، وَقَلَّتْ عَنْكُمْ نَبْوَتُهُ، فَيُوشِكُ أَنْ تَغْشَاكُمْ دَوَاجِي ظُلَلِهِ، وَاحْتِدَامُ عِلَلِهِ، وَحَنَادِسُ غَمَرَاتِهِ، وَغَوَاشِي سَكَرَاتِهِ، وَأَلِيمُ إِرْهَاقِهِ، وَدُجُوُّ أَطْبَاقِهِ، وَجُشُوبَةُ مَذَاقِهِ". وغيرها من النماذج الكثيرة التي يشيرها إليها الخفاجي لتأكيد وجهة نظره، وهي وجهة نظر جدُّ مقبولة إذا ما عرفنا أن النثر الشعري أو قصيدة النثر أو الشعر الحر قائم بشكل عام على السجع والتقفية.

ومن مقطوعة من الشعر الحر للأديب الكرباسي:

إنَّ عيني بحمده باصرة

نظرتي في مشاهد حائرة

ساد ظلمُ الظلام في دائرة

وَهْمُ قومي بصفقة خاسرة

لو بنفسي سوى غدت كافرة

ويواصل الأديب الكرباسي في الفصل الثاني بيان شعر (الأحاديات من المشطور الى المعشَّر) وضمّ عشرين مقطعا ومقطوعة، فتناول شرحا وأنموذجا بيان: المشطور والوحدانيات، المزدوج والثنائيات، المثلَّث والثلاثيات، المربَّع والرباعيات، المخمَّس والخماسيات، المسدَّس والسداسيات، المسبَّع والسباعيات، المثمَّن والثمانيات، المُتَسَّع والتساعيات، والمعشَّر والعُشاريات.

ومن نماذج الموحد قوله من قصيدة "يا سيدي"، من بحر المنبسط المثلث:

يا سيدي شكوتي في الأثر

فينا فسادٌ علا واستتر

ليل طويلُ كثيرُ البؤر

ظلمُ غزانا ونهجُ خثر

ومن نماذج الوحدانيات، من بحر المُبْهم لدى عروض الفرس:

مَن كان بين الورى كالشمسِ *** يرقى عن الذات من هوى النفسِ

ويواصل في الفصل الثالث (في الرباعي وإخوانه) بيان مفهوم: "التربيع، المربع، المستربع، المربوع، الرباعي، والأبوذية"، مع الإستشهاد بكل نموذج من نظمه، ومن شعر المربّع، من بحر الرجز المجزوء المذيل:

حافظ على حسن الجوارِ *** إن كنت تسعى للحوارِ

كُن صادقًا عند اختيارِ *** لا تعذِرَن حتى بِعارِ

ويواصل في الفصل الرابع (في التخميس وإخوانه) بيان مفهوم: "التخميس، المُخَمَّس، المستخمس، المخماسي، الخماسي، المُخْمَس، الخميس، التخَمُّس، المخامسة، والخميسي" والإستشهاد بكل واحد بمقطع، ومن ذلك التخميس التالي:

يا ليتني قَدَرَ المعروفِ أَملِكُهُ *** أمشي إلى قَتَمِ الأيامِ أُهلِكُهُ

نفسي على أفقِ الأجداد أسلُكُهُ

ما كلُّ ما يتمنى المرءُ يُدْرِكُهُ *** تجري الرياحُ بما لا تشتهي السُّفُنُ

فالأشطر الثلاثة الأولى من نظم الشاعر الكرباسي والشطران الرابع والخامس صدر بيت وعجز للشاعر أبي الطيب المتنبي المتوفى سنة 354هـ.

وينتهي الأديب الكرباسي في الفصل الخامس والأخير بنماذج متنوعة من الشعر، من ذلك الحكمة التالية من بحر المتئد التام:

لا تُمَنِّ النفسَ خيراً عبر الهوى *** دون هجرانِ الهوى لم تحظَ التقى

في الواقع أن الألوان الشعرية مثلها مثل البستان كما يصفها الأديب الدهيني في مقدمة الناشر إذ: (إنَّ الوالج إلى هذا الديوان متجولا ومتنقلا بين صفحاته، كالوالج إلى بستان متجولا بين جنباته وممراته، أنى التفت رأى أشجارًا وورودًا، في كل خطوة يخطوها يرى أشجارًا ثمارها تختلف عن ثمار غيرها، كلها مما لذَّ وطاب، يمد يده أنى شاء ليقطف من تلك الثمار ما تشتهي نفسه، وفي كل خطوة يخطوها يتنشق أريجًا غير الأريج الذي تنشقه من قبل، فيا له من بستان تعبت الأيدي في زرع شجيراته ووروده والإعتناء بها، بل يا له من ديوان كأنَّ المتامل فيه يتأمل لوحة فنية رائعة مزجت بين الفكرة المعبرة والألوان الكثيرة الجذابة).

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

1429 يوميات رجل منقرضصدر للشاعر العراقي " قاسم محمد مجيد " نصوص شعرية بعنوان " يوميات رجل منقرض " عن دار نشر " مطبعة الكردي " في جمهورية مصر العربية .ويقع الكتاب في 44 صفحة من القطع المتوسط وغلاف الديوان يحمل لوحة للفنان التشكيلية " اميرة ناجي " وقد قدم لها الشاعر شكرا وتقديرا، قال فيها إلى الفنانة التشكيلية السيدة " أميرة ناجي " المحترمة تحية طيبة، منذ رسمك لغلاف ديوان الثالث "حياة قاحلة " وأنا أشعر بأن كلمة امتنان لم تعد تكفي بالغ الاعتزازوفائق التقدير،الشكرالعميق لجمال الغلاف لديواني "يوميات رجل منقرض " وتحية للعراقية الأصيلة .ص6

"الابن الذي غيبته الحرب !

 وموت مهاجر غرقا " ص16

نتساءل عن الأثر العميق الذي حفرته الأيام في قلب الشاعر، وأننا أمام نصوص معظمها ترسم هذا الواقع المؤلم نتيجة ظلامية الوضع العراقي برمته، ومن هو المنقرض حسب ما جاء في عنوان هذه النصوص الشعرية هل هوالشاعر أم يقصد الإنسان العراقي الذي تكالبت عليه الأيام والسنين، فالعنوان يبدأ بشاعرية يبرهن فيها في المقام الأول على أنه يغترف من منابع القصيدة الحديثة التي خرجت من ذات الأفق المكتوي بالشعر والمعرفة .

" لليل هنا

،بنكهة الرعب ِ والشعراء 

 من تدخن الهموم فوق رؤوسهم  " ص13

يقول الشاعر الكبير " أدونيس " الشعر هو الحقيقة لابسة ثوب التيه " وبالتالي يلوح لنا الشاعر " مجيد " بالتوليح لمفاهيمه التي تبنى رؤاها عبر مسيرته النقدية والشعرية والتي تتأسس على وحدة المخيلة الشعرية وكأنه يجرب ولديه أسئلة نقدية دقيقة ومنهجية في هذا المضمار الشعري، وهويطرح عبر نصوصه الشعرية برنامجا فكريا ومطلبيا واضحا للقارئ .وهو ينظر إلى حركة الأشياء الخفية التي تعرقل حركةالحياة في هذا البلد العاج بالموت والقتل والدم .

" إن لم تقتلنا الحروب 

 نموت بالأوبئة " ص8

ويؤكد " أدونيس " على الماهية الشعرية التي من خلالها ماذا يريد أن يقول الشاعر، مؤكدا ً على الشعرية فسفر الشعر هوالسفر الأبعد، والأغنى نحو الإنسان نحو المعرفة، والحقيقة، والسجال، ذلك أنه سفر برزخي  لا حد له بين الصورة والمعنى بين المرئي واللامرئي، ومن هنا لا تنفصل المعرفة والحقيقة عن الجمالية .فاللشاعر " مجيد " قصيدته مهمومة بما يحيطه،محاولاً بذلك اقتناص الجوهري والإبداعي الذي يشكل له الفاعلية الشعرية التي يتجول بها جغرافيا أو في أماكن أخرى .كما جاء في عدة قصائد في هذا الديوان أو لنقل النصوص الشعرية .ومنها "المتحف، المقبرة، الخان " وغيرها من القصائد التي رسمها بدقة لعذابات الإنسان .

" كنت نصف عاقل

أبحث عن الصراخ

في صناديق نعوش الموتى ص14

في هذا الديوان تصّرف الشاعر "مجيد " إلى معالجة منطقية ووصفية، عبر رسم مفرداته الدلالية بعالم المعاينة من خلال السايكولوجية والاجتماعية، وهو يمضغ الصعوبات عبر هاجسه الشعري، يقول عنه الدكتور خليل ابراهيم الناصري في مقدمة الديوان " والشاعر قاسم القلق الوحيد و الأعزل إلا من قلمه والألم جوهر إلهامه، ويدهشنا دوما ليس بنصوصه الشعرية حسب بل حتى في اختيار عناوين دواوينه، بدءً من أول ديوان إلى " من مدونة مفلس " و " ديوان حياة قاحلة " واخيرا هذا العنوان الذي تنبثق منه اسئلة فاجعة هي اسئلة الإنسان الذي يواجه وضعا حرجا بكل المقاييس، لذا جاءت العنونة ملائمة إلى حد كبير لما يحصل في مشهد الحياة  اليومي أنه الانقراض " ص4

ماذا لو

عدة الحرب

من لعب الأطفال

بنادق من خشب

ودبابات من طين

والساتر حبل الغسيل ص 26

لمزيد من التأمل الجذري في واقع الشاعر " مجيد " وحمى حداثية صاخبة طلعت من روحه الحية وسط هذا الجوع الحياتي والقهري الذي لامسه عن قرب، ولو رجعنا قليلا إلى علم المنطق تجده لا يتطابق بالضرورة مع  مجريات الحياة، فهو يقدم صرخات احتجاج من رؤية مفعمة بالأمل والحياة لأيام قادمة، وكان تهّدج صوته يسار حالم بالمدنية التي شكلت فلسفة خاصة في ذهنه المتعب، وكأنه مبعوث على متابعة انكساراتنا وتراجعاتنا، واصفا الأرض التي يعيش عليها طافحة بجراح أبنائها، عبر لغة شعرية حساسة للداخلي المتماوج حينا ً، والصاخب حينا، وهو يرتفع بذاته المكسورة والمخبأة تحت جناحيه لغة شعرية ممكن أن نطلق عليها أوتسميتها " تفكيكية " حيث الجمل، وهذا الاستخدام الواضح ومن خلال هذه النصوص الشعرية للغة شعرية واضحة وناصحة وواضحة حسية، ولأنه ناقد ومتعدد الرؤى فقصائده تحمل انفجارات في الصور الشعرية التي حدد مفاهيمها الفلسفية، ولا ننسى فانه "مجيد " يمنح جميع صوره الشعرية المكتوبة في ديوانه دلالات المعنى والحكمة .

ونواب مصابون بداء النقرس

وما الفائدة

ونحن نخوض في الظلام

حتى الركبتين ص23

في الديوان جعل من تراب الوطن ينتفض من غطاء الرأس وقميصه الأبيض حين الموت لا يستأذن احدا وجمع كل  الأحصائيات لتصل إلى ضريح المسكين الملك المهجور التي ما زالت الأسئلة تحوم، وهنا أوكد قول الفيلسوف نيتشه " اذا أردت أن تجني من الوجود أسمى مافيه فعش في خطر " وهو ينهج هذا النهج الذي يعبر عن تدفقه العاطفي ومكبوته واحلامه ونهمه نحو ما يدور حوله، وهوعلى سبيل المثال يطرح في هذه النصوص مثالا لهذه الوضعية المزدوجة للجمالي المتراكم و السياسي المتوتر الذي يشكل عقبة كبيرة لدى الشاعر . ففي قصيدة " ضعنا ومن يهم "يقول فيها

" حين تفتح الأيام فمها

ولقفل

متدل من سقف الذاكرة

أفتحه ً36

بقي أن نقول أن الديوان يحتوي على " 25 "قصيدة، كتبت بلغة معبرة عن مكبوته الداخلي عبر رداّت أفعال كثيرة فيها الكثير من الدلالات والتحولات الدراماتيكية التي تقع في صلب هذه الفترة، وهو يريد القول في قصائده بوصفه شاعرا باحثا عن الحرية، ولا بد من قول الحقيقة التي يسعى إليها .

لتدوين تأريخه من ثقب القفل

وقراءة شفاه الرياح من مملكة الهواء ص30 

 

قاسم ماضي - ديترويت

 

حسن عبود النخيلة كشوفات في: (دراماتيك الاستشراق، الخطاب النقيض، الغيرية، الإرهاب الفكري)

إن المتفحص الدقيق لكتاب (الرد بالجسد وخطابات أخرى) لمؤلفه أ.د. محمد كريم خلف الساعدي، سيكون ازاء منجز واع في تأسيس الموضوعات الرئيسة التي تشكل مثابات الخطاب الكولونيالي، وفي عملية محاورتها واستنطاقها وتفكيك مفاهيمها وعرض اشتغالاتها .

فالمنجز يذهب الى متابعة الظروف والمحركات والاغراض التي بني الخطاب على اساسها ليتخذ مساره الممتد حتى يومنا هذا في فرض وجوده وتغلغله في صميم تجربتنا الحياتية ودفعها باتجاه الإفراغ من الذات وتعبئتها بهيمنة الأنا الترنسندنتالي الذي ما عدنا ندرك الا وجوده المسير لكل مفترقات الحياة ضمن اساليب الغائية تهميشية تدفع دوما الى المحو والانتقاص والاستهداف الذي يتصدر بهويته المتعالية كل شيء ينظر اليه باستصغار .

هذه الثنائية ما بين السيد والعبد وما بين المركز والهامش، وما بين الأنا والغير وما بين الحضور والغياب، وغيرها من المفاهيم تشكل مرتكز رئيساً لهذا الكتاب، الذي يسعى الى تأسيس صورة بارزة للضد الكولونيالي .

وهو يشتغل في هذا المضمار على سبل تأسيس الهوية والدفاع عن الإرث واستعادة الذات مستعيناً بتجارب واعية يتساوق في طرحها على وفق ما يقدمه من نظريات اشتغلت عليها الدراسات الكولونيالية، ليجد لها معطيات الرد  التي تكفّل بها الفكر الفلسفي والاجتماعي والمنجز الفني – متمثلاً – بتجارب المسرح الهادف على المستويين العالمي والعربي .

ولذلك فان ميزة هذا الكتاب تكمن في ارتباطه بصميم الدراسات الثقافية، وهو يضيف صورة واعية تدعم تطلعات النقد الثقافي في كشف الانساق المضمرة، من خلال التأكيد على آلية فضح هذه الانساق من خلال النقد الكولونيالي الذي يمارسه المسرح .

في ضوء ذلك تتجلى جملة من الاشكاليات الرئيسة التي يطرحها الكتاب، تتمثل بمفاهيم متعددة لمنهجية التصعيد الكولونيالي، ومنها مفاهيم تعمل على فضح الذات الكولونيالية عبر قراءة المضمر المتصل بها، ويمكن إجمالها بالآتي :

1426 الرد بالجسد1- اسطرة الشرق: اي اعادة بناء الشرق بعيداً عن واقعه وعلى وفق مسلمات ذهنية غريبة عن ذلك الواقع، يراد لها ان تحتل موقع الحقيقة الواقعية، مستبعدة الواقع التاريخي والنفسي للأمم الشرقية مستبدلة اياه بصورة خيالية . ابتكرتها مخيلة الانسان الغربي، معيدة بذلك ترتيب الوقائع والاحداث بالطريقة التي ترضي غروره  واحساسه بالفوقية .

2-  الثبات: اي احلال معنى الصلابة والنظام الذي لا يتغير، فتعيين الهوية يتمثل فيما هو (في مكانه على الدوام) .

3- التهجين : ويعني بناء شخصية المستعمَر(بفتح الميم) باسلوب يجعلها شخصية تعاني من التهجين والغموض والتذبذب والخوف والطاعة . وبالتالي يصبح الهامش بمثابة مكون فاعل في بناء واقعه الاجتماعي .

4- الانزياح الثقافي: يعمل الخطاب الكولونيالي على كبح العودة الى التراث والاثر الثقافي المحلي، وبالتالي يصبح الارث المحلي من الثقافة والسلوكيات التي تحدد هوية الانتماء الى الاصل بعيداً عن واقعه بسبب الانزياح الثقافي .

5- الانكماش الثقافي: وهو ما يستند في المفهوم الاستعماري على سيادة القطب الواحدة المرجح لذاته على باقي الاقطاب في الحضارة، منصباً نفسه قائداً ومانحاً لغيره صفة التبعية له دون اعتراف بثقافة الاخر. ومن ثماره ثقافة التمايز اللوني (دليله مسرحية عطيل التي تستعرض اخلاقيات المجتمع الشرقي مجسدة بشكوك عطيل  ووحشيته التي لا تنسجم مع تركيبة المجتمع من حوله).

6- الاقصاء: مفهوم كولونيالي يتحقق عبر السطوة والتغيير الديموغرافي من خلال رسم الحدود الجديدة من اجل التجزئة لتسهيل عملية السيطرة .

ويمكن تحديد مفاهيم اخرى (تبين ايديولوجيا الخطاب الكولونيالي) او تعمل على الضد منه .

فقد طرح فوكو مثلاً مفهوم (السلطة على الجسد): على وفق عمليات الاستثمار والتقنيع، والترويض، والتعذيب، والجبرية على تنفيذ الواجبات واقامة الطقوس وارسال العلامات .

فإذا كان هذا الخطاب يعكس ايديولوجيا الخطاب الكولونيالي، فعلى الضد منه يأتي مفهوم (سلطة الجسد) فهو يمثل الجسد الثوري المعارض للسلطة على الاجساد  وقد مثل القطبان الصراع المستشري حتى يومنا هذا ما بين الاعلى والادنى، حتى اوصل هذا المنظور، ادورنو وهوكهايمر الى القول بالجسد الشرير، اي ان الاجساد المضطهدة والمهمشة وضعت ضمن تصنيف الاجساد الشريرة المتهمة بكل تخلف وجنون، وعين للأجساد المُهمشة موضع الخير.

وضمن سياقات الدفاع ضد الخطاب الكولونيالي، او الرد بالجسد عليه، يستعرض المؤلف مصطلح (الوعي الادائي) بوصفه تصنيفاً يقع بين النص والمتلقي، فهو الاداة المهمة للاختلاف الثقافي، لأنه خارج تصنيف التبعية، وهو اداة التنسيق بين الفكرة والتعبير عنها، فهو وعي جاد، شديد التناقض، يرفض ان يكون مقيداً داخل نسق ثابت من الاشارات .

اما على صعيد (دراماتيك الاستشراق) :

فيأتي الاستشراق بحسب ما يطرحه المؤلف ليشكل واحداً من المفاهيم الرئيسة التي تكشف عن اسلوب التفكير الكولونيالي الذي يقوم على التمييز الوجودي والمعرفي بين ما يسمى (الشرق) وبين ما يسمى (الغرب) .

وقد عمل في هذا الجانب (ادوارد سعيد) على تفكيك الخطاب الاستشراقي وفضحه من خلال التركيز على بنيته والادوار التي يلعبها على وفق المناهج الاساسية التي حددها سعيد بـ : الانا، الاصلاني الصامت، الجغرافية المتخيلة الشرقية، التمثيل الغربي .

وقد عدّ (الخطاب النقيض) من المصطلحات التي ظهرت ضمن ما بعد الحداثة في حقل البحث مابعد الكلونيالي .

وقد تجلى هذا الخطاب (في غربنة ثقافة الاخر) من اصولها وجعلها واقعة في دائرة المحو الثقافي للاخر، من خلال تقدم الجيد المتقدم .

والغربنة هذه، بدعوى، ان هذه الشعوب لا تمتلك تاريخاً ولا ثقافة،،، إذ يتم املاكها ثقافة جديدة على وفق سياسة العقل المتحضر الغربي .

في هذا السياق برز كتاب مهم بعنوان (روح الانوار) قدمه تزفيتان تودوروف  اكد فيه: ان الانوار تقر بوحدة الجنس البشري، فهي اذن تقر بكونية القيم .. ولما كانت الدول الاوربية مقتنعة بانها تحمل قيماً ارقى من القيم السائدة عند غيرها من الامم اعتقدت ان من حقها حمل حضارتها الى الذين هم اقل حظاً منها . ولكي تضمن تحقيق اهدافها كانت تعمل على احتلال المناطق التي يسكنها هؤلاء .

وكانت لطروحات نيتشه ودريدا عبر تفكيكيته الاثر المهم في فضح نوايا العقل الغربي، مثلما فعل ادورد سعيد في تبيانه ان الاستشراق : هو اكبر حملة يقوم بها الغرب للسيطرة على الشرق ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا ودينياً . وتاتي نظرية (التابع) لـ (سبيفاك) لتكشف عن التعالي الامبريالي وتصغير الاخر وقياده والتسيد عليه، وفي موضع اخر تتبدى اهمية مصطلح (الهجنة الثقافية) عند هومي بابا ... وتتبدى كذلك فاعلية الخطاب النقيض عند بيسكاتور وبريخت وبيتر فايس والمسرح الحي الامريكي .

يحتل ايضاً مفهوم (الغيرية والاشتغال الثقافي) موضعه المهم من الكتاب .

وتتحدد هذه الغيرية كما نرى من افادة المؤلف من تصنيفات (لاكان) في كتابه : اللغة، الخيالي، الرمزي . فكما هو ملاحظ ان المؤلف يقدم الصورة الغيرية على وفق ثلاث مستويات :

1- الاخر الغيري الضدي: الذي يرى بانه يقع تحت الانتقاص والتقليل من قبل الذات الانوية واعلاء قيمتها الثقافية امامه .

2- الاخر الغيري المشهدي: الذي يعمل على صناعة صورة مثالية مكتملة ومسيطر عليها (هذا الاخر يتواشج مع المرحلة المراوية عند لاكان في تحقيق الذات)

3- الاخر الغيري الرمزي: الذي يحقق كينونته من خلال (القول) في استخدام نظام تمثيلي يسبق وجوده الفعلي ...

وقد كان لهذه المعطيات شأنها بان يؤسس عليها المؤلف رؤيته في تأكيده على مصطلح (المسافة الغيرية) التي تمثل الرؤية الاخراجية التي يتم في ضوئها تحريك الاحداث التي يقع عليها فعل التهميش والاخفاء من حيث اثبات ما هو مغيب في دائرة العرض .

والمرتكز الرئيس في هذا الامر يتحقق في العملية الاخراجية عبر قلب المعادلة بين الدال والمدلول، لتتحول من صيغة الاتفاق، الى صيغة الاختلاف .

ان الانطلاقة الواعية للمخرج وقصديته في التوجه نحو فجوات الاختلاف، تتفاعل لتحقق استفزاز ذهنية المتلقي بشكل مستمر، ويفيد المؤلف في هذا الجانب من تنظيرات جيل دلولوز التي تحمل في عمقها مسارات ما بعد الحداثة، فالتنظير للانا والغير عند دولوز يتاسس من خلال الاختلاف والتكرار، وهو هنا اختلاف انتقالي من حالة الافقي (التكرار)  المرتبط بالانا الى العمودي المرتبط بالغير، ومن المادي الذي يعزز التكرار الى الروحي الذي يفعل الاختلاف، ومن الشرط الى القطع، ومن المساوة الى اللا تساوي ..

وهكذا يشكل الانا والغير، في زاوية الاختلاف والتكرار (الجيل دولوزية) افعال الاستمرار المنتجة للمسافة الجمالية في العرض المسرحي .

ويكون تحقيق المنظور الغيري نابعاً من تأكيد الافعال الغيرية في العرض من اجل اعادة المفاهيم المسلوبة الى الواجهة التي غيبت عنها الآخر بفعل التهميش والاقصاء.

 

أ. م. د. حسن عبود النخيلة

جامعة البصرة ـــ كلية الفنون الجميلة

.....................

أ.د. محمد كريم الساعدي، الرد بالجسد وخطابات اخرى، الطبعة الأولى ( البصرة : دار الفنون والآداب للطباعة والنشر، دمشق: دار نينوى للطباعة والنشر، 2016 )

 

صالح الطائيهي ليست قراءة تقليدية لمنجز أدبي، وإنما محطات استنتاجية مع عبد النبي الشراط في كتابه "عبقات وأشواك"، وهو كتاب سيرة شخصية بطعم رواية، ولذا لم أشر إلى أرقام الصفحات التي اقتبست منها.

حينما أهدى الأستاذ عبد النبي الشراط كتابه الموسوم عبقات واشواك إليَّ كانت بي رغبة جامحة أن أقرأه بعمق لأتعرف أكثر على طبيعة هذا الصديق؛ الذي ربط بيني وبينه مجرد عمل فكري، لكنه ليس مثل باقي الأعمال، فهو عمل مشاكس، كان جزءً من مجموعة كتب نويت ان أصدرها تباعا تشترك بجزء من العنوان هي جملة (أثر النص المقدس في ...) ثم يأتي بعدها اسم الموضوع، وكان الكتاب الأول منها تحت عنوان (أثر النص المقدس في صنع عقيدة التكفير) عانيت كثيرا في طباعته فقد رفضته عدة دور نشر، ودخل في بعض البلدان التي نويت طباعته فيها إلى (دائرة الرقابة على المطبوعات) ولم يخرج منها لحد الآن، وقد أوحت لي هذه السلوكية بأن هذه الكتب لن ترى النور، ولكن شاء القدر ان يصدر الكتاب الأول عن إحدى دور النشر في بيروت دون معارضة بعد ان تحملت خسارة مبلغ كبير جراء طبع كمية كبيرة منه ترضي دار النشر، ولم أعد خوض التجربة مع الكتابين الثاني والثالث لأني كنت موقنا من النتائج السالبة مقدما؛ إلى أن حصلت عن طريق المصادفة على كتاب بعنوان (صحيح البخاري نهاية أسطورة) صادر عن دار الوطن في المملكة المغربية، وهي دار لم أكن قد سمعت بها من قبل، لكني حينما بدأت بقراءة هذا الكتاب المشاكس انتابني شعور بالنشوة والفرح لأني أيقنت حل مشكلة كتبي المشاكسة، وهو ما حدث فعلا حيث قبلت الدار تحمل مسؤولية طباعة الكتابين وتوزيعهما.

حاولت لاحقا وعلى مرحلتين التعرف على مسؤول هذه الدار أو صاحبها لأتحدث معه عن مشاكسة الحياة وحياة المشاكسة التي نعيشها، وتواصلنا فعلا، وتحدثنا قليلا فوجدته نموذجا للإنسان العربي المثقف المكافح الثوري صاحب العقيدة ورجل المسؤولية، ولكني لم أتمكن من معرفة أبعاد هذه الشخصية التي أرتني وجهيها الأبيضين، وانفتحت أمامي على مصراعي حقيقتها فكشفتْ أمامي الكثير من أوراقها التي وجدتُ بيني وبينها الكثير من المشتركات، وكانت هذه المرحلة الأولى.

وكانت المرحلة الثانية حينما أطلقتُ مشروع (قصيدة وطن) وهي محاولة لجمع الشعراء العرب من كل الأقطار العربية في عمل أدبي واحد؛ عبارة عن قصيدة تتغنى بالعراق وشعبه وثورة شبابه وعروبته، وبعد أن بدأتُ أعلن عن المشاركات التي تصلني، أعلن الأستاذ الشراط موقفه بالرغم من كونه ليس شاعرا حيث كتب رأيا في مشروع القصيدة مثل الكثير من المثقفين العرب الذين أشادوا بالمشروع وفكرته وتفرده؛ وقد جمعت تلك الآراء وستصدر ضمن كتاب القصيدة، وبدا يتصل بأصدقائه الشعراء طالما منهم الإسهام في نصرة العراق وأهله. أنا لم أستغرب موقفه هذا مطلقا بقدر كونه كان مؤشرا حقيقيا دلني على صحة ما يدعيه الرجل وما يؤمن به، لأن دعم أي عمل أو مشروع عربي مشترك مهما كان بسيطا في زمن فرقة العرب وتباعدهم وتفشي الكره بينهم يعتبر مغامرة غير محسوبة النتائج وغير أكيدة، لا يجرؤ على خوض غمارها إلا الرجال الكبار، وكان الشراط كبيرا فكان واحدا منهم.

وحينما تجمعت لدي مجموعة كبيرة من مشاركات الشعراء العراقيين والعرب أعلنت عن نيتي جمعها في كتاب وإصداره على نفقتي الخاصة، واعلنت أني سأتحمل المسؤولية القانونية والاجتماعية عن إصدار الكتاب، فإذا بالشراط ينبري من بين الجموع ليعلن أن دار الوطن للطباعة والنشر سوف تتبنى وعلى مسؤوليتها ونفقتها طباعة ونشر الكتاب، وكانت هذه خطوة ثانية في ترصين علاقة صداقتي بهذا الطود الشامخ ليس لأنه أعفاني من ثمن طباعة الكتاب على نفقتي فذلك امر بسيط مقدور عليه يكاد لا يذكر، وإنما من حيث تحمله المسؤولية في زمن تخلى الكثير من العرب عن مسؤوليات أكبر وأخطر حفاظا على أنفسهم.!

ولأني أؤمن بمقولة: "الرجال مخابر لا مناظر" وجدتني وبدون عناء يذكر وقد تعرفت على جزء كبير من حيز شخصية هذا الإنسان العروبي الثائر، وهو أمر حفزني لأعرف أكثر وأكثر عن سيرة حياته ونضاله، وهنا كان الفضل للكتاب الذي أهداه لي، والذي تابعت تصفحه بتأن كبير وشغف أكبر ودقة متناهية فوجدته ليس  "رواية" ولا "سيرة وجدانية" لشخص مثلما ورد في صفحة عنوانه، بل هو تأصيل مهم تنكشف من خلاله بواطن مرحلة تاريخية من أخطر مراحل وجود أمتنا العربية وتأثيرات الفكر الوافد والمتنقل عليها.

1425 عقبات واشواك

وقبل أن أبدأ بتسجيل ملاحظات قراءتي للكتاب أود العودة إلى العنوان؛ عنوان هذه القراءة "جدلية ثورة الحب وثورة النضال والمعارك الخاسرة " لأقول: إني كنت ثائرا، والثورة كانت تدفعني للعشق بل تحرضني بجنون عليه، وفي مرات الاعتقال الكثيرة التي تعرضت لها كنت ألتقي ثوارا آخرين في زنزانات الأمن العامة أو في مواقف مديريات الأمن، والغريب أنهم كلهم كانوا عشاقا، وهذا جعلني أميز الثائر الحقيقي من خلال درجة عشقه، فكلما زادت درجة عشقه كان أكثر قربا للحقيقة، وكان من الثوار المميزين الصادقين، وقد ثبت لي أن الأستاذ الشراط ثائر حقيقي لأنه عاشق حقيقي. ولذا تجدني حتى قبل تصفحي لكتاب الشراط، كنت قد نويت أن أبحث عن هذه الحقيقة في حياته وفي طيات كتابه لأتأكد من صدق مقدار درجة ثوريته التي أعطيتها له وفق خبرتي في هذا الباب، واعود وأقول: الرجال مخابر لا مناظر، ولذا لا تستغرب أن ترى وجها لطيفا باسما لثائر حقيقي صلب، بل ربما على المرء ان يستغرب إذا لم يكن وجه الثائر ضاحكا وثغره باسما، فالثورية حيز حياتي يقوم على مبتنيات ثقافية وإرثية تمتد جذورها إلى عمق التاريخ تستلهم منه قيم الرجولة وآداب العشق، وهي المواقف التي رأيناها تتجلى في مواقف الثوار أثناء الاعتقال والسجن! وإذا بكتاب الشراط يخبرني مع بداية صفحة العنوان أنه "تجارب في الحب والدين والسياسة" إذن وجدت الحب في واجهة الكتاب مقرونا بالسياسة، وهي الخلطة التي أبحث عنها دائما في الثوار الحقيقيين، فماذا عن الحب في الكتاب نفسه؟

كانت كلمة الإهداء كافية لتدلني على صدق نظريتي في هذا الرجل، وقد قال فيها: "إلى التي تحدت معي الظلم، وسلكت معي طريقا مليئا بالأشواك، جمعت بيننا المبادئ، وفرقتنا قسوة دروب الحياة ومتاهاتها، كان هدفنا الوحيد أن نلتقي .... فلم نلتق. إلى التي لم أذكر اسمها تقديرا واحتراما لها، أهدي هذه الباقة من الذكريات".

ولكي يؤكد الشراط حقيقة اشتراك الثوار العاشقين في موسوعة العشق الثوري، أفرد صفحة من الكتاب لجملة هي مقطع من رسالة كتبتها إليه يوم كان معتقلا في احد سجون المملكة ليؤدي ضريبة أفكاره ومبادئه علم 1984.! جاء فيها: "ليس من حق أي امرأة في هذا العالم أن تحبك، أنا التي من حقي أن أعشقك".

والظاهر أن الرجل كان مصرا على أن يبقى عاشقا فهو في طبعة الكتاب الثانية عام 2020 أي بعد ستة وثلاثين عاما من ذلك التاريخ أهداه إليها، إليها وحدها واكتفى بجملة "لها فقط". وهذا هو عشق الثائرين الثابتين على مبادئهم، ولاسيما حينما تكون المحبوبة شريكة في درب النضال وهو ما جعل حبــل المــودة بينهمــا متينــا، والمبــادئ التــي تجمعهمــا قويــة، وطموحهمــا المشترك لا يقف عند حد، لأن حبهمــا كان ممزوجا بالنضال والحراك.

في مقدمته للكتاب أكد الأستاذ الكاتب والشاعر عبد الرحيم هري هذه الحقيقة، وتماهى معي ومع الواقع، بقوله: "وهناك الجريئون الذين يدونون كل شيء مر بحياتهم، أو بحياة غيرهم وكانوا شــاهدين عليهــا متفاعليــن معهــا إن إيجابــا أو ســلبا، هــؤلاء هــم فئــة الكتــاب، وهــي فئــة مــن النــاس لا يميزهــم عــن غيرهــم شــيء ســوى كونهــم متشــبعين بالحــب".

الحب هذه القيمة النبيلة التي طالما تعرضت للقتل بسبب جور الحكام ونزقهم وخوفهم من الكلمة الصادقة أن تحطم عروشهم، الحكام الذين يستسهلون فتح بوابات المطامير ليطعموها شباب الأمة بعيدا عن المحبوب، في غفلة من أعين الضمير، ليمارسوا معهم نوعا آخر من العشق الدموي الذي يريد أن ينتزع من أرواحهم جذوة الحب، وهي تأبي إلا سموا واتقادا. 

لقد عاش الحب في أجمة الكتاب، وتفرعت أغصانه هنا وهناك في دنياه محملة بعبق الذكرى ولوعة الفراق إلى درجة أن الضباط الذين كانوا يستجوبون البطل "عمر" ـ وهو اسم رمزي للشراط نفسه ـ أثناء اعتقاله، شعروا بجذوة الحب التي تتقد في فؤاده ولذا سأله أحدهم مرة: "أســتاذ (واش عمــرك مــا حبيــت؟) هــل ســبق لــك أن جربــت الحــب؟ ولعــل هــذا الســؤال كان الأصعــب.. تنهــد عمــر طويــلا دون أن ينتبــه، وقــد ذكــره هــذا الســؤال اللعيــن بمحبوبتــه بهيــة وتســاءل مــا ســيكون مصيرهــا؟ أصيــب بصدمــة حيــن ســئل هــذا الســؤال غيــر المتوقع، فهــؤلاء يســألون فــي السياســة والنظام والملك والديــن فلم يهتمــون بالحــب؟".

لذا أرى ان هذا الكتاب الذي هو سيرة داخل رواية من نوع خاص، لكونه سيرة ولدت في ساحة صراع فكري تاريخي ثوري عشقي فيه الكثير من التحدي والكثير من الشراسة التي هي ثبات على الموقف وليس تنمرا فارغا، إذن لابد وأن يكون الكتاب مدخلا إلى مساحة فوضى مشاكسة تحتاج إلى الترتيب، وتحتاج أكثر إلى ترتيب الأفكار لأن الأمة التي لا ترتب أفكارها لا يمكن أن تنجز فروضها التاريخية ولا يمكن أن تتقدم.

إن الكتاب في واقعه تجربة ثورية صيغت على شكل رواية وراوٍ، وهي نتاج تجربة عشق، والعشق لا يكون للمرأة فحسب وإنْ كان أحلاها، بل يشمل كل ما هو جميل في الكون سواء كان ماديا أم معنويا، مثل عشق الوطن وعشق الحقيقة وعشق الصراحة والجرأة وعدم الخوف، وعن هذه الأخيرة حاول الشراط في بداية حياته أن يطالب بالحرية للكلمة، وإدانة كل من يريد مصادرتها، فالإنسان وفق المفهوم العام هو كلمة، الكلمة هي التي تميزه عن باقي مخلوقات الله تعالى ولذا صدرَّها الله نداءاته إلى البشرية، ومن يصادر الكلمة إنما يسعى لكي ينزع من الإنسان إنسانيته ويدمجه مع قطيع أخرس يرضى بالجور دون اعتراض، وهو ما رصده الشراط من خلال رصد سلوك السلطة فقال: "كانــت الســلطة تمــارس (هيبتهــا) وســطوتها وبطشــها بــلا رحمــة، وإذا تحدثــت الســلطة يجــب علــى الآخريــن أن يصمتــوا". وهو رجل رفض أن يصمت وأعلن أنه مستعد لتلقي أي عقاب يحدده الحاكم فقط أن لا يصادر كلمته التي يناضل من أجلها.

والواقع أن هذه السيرة/ الرواية تختلف عما ألفناه في فن الرواية فهي إلى السرد الذاتي وكتابة السيرة أقرب منها إلى الرواية، ولكنها تختلف عن أسلوب كتابة السير المعروف، وكان (الحكواتي) أو الراوي هو الرائي والسامع والقائل والفاعل والبطل، وبالتالي كان هو عنصر الرواية وصاحب السيرة وسجل الذكريات، فهذه الفنون تداخلت كلها سوية لتخلق كتابا من نوع فريد في أسلوبه "الأدبي/ الصحفي" أراد الشراط أن يقول من خلاله إنَّ: "عشــاق الحريــة أحــرار دائمــا حتــى لــو كانــوا داخــل الســجون والمعتقــلات، بينمــا الذيــن يمارســون القمــع والاضطهــاد هــم الخائفــون والمرعوبــون علــى الــدوام، ولــو لــم يكونــوا كذلــك لمــا خافــوا مــن الكلمة، مجــرد كلمــة فقــط."

في أغلب صفحات الكتاب تجد إشارات إلى الحب، وقد عاد الشراط إلى الحديث عن الحب والعشق في مراحل متقدمة من الكتاب إلى درجة أنه لم ينسى التحدث عن الحب حتى وهو في أشد الظروف قسوة واضطرابا مثل رحلة الاعتقال التي امتدت أياما طويلة من التحقيق المعقد على يد الكثير من ضباط السلطة، فهو بعد أن أفرج عنه وعاد إلى بلدته كانت "بهية" ـ وهذا هو الاسم الوهمي المختلق للمحبوبة ـ وهو في الواقع أسم محبوبته، كان اول الأشياء التي فكر فيها بعد أن أطمئن على والدته، فكتب لها رسالة يخبرها بما وصلت إليه الأمور، ولم يكن حينها يحفظ عنوانها في مراكش البعيدة عنه، ولكن سحر الحب دفعه لأن يستدعي عنوانها من مطامير الذاكرة العتيقة التي تعرضت إلى حيف كبير نتيجة التحقيق المستمر والإجهاد والتعب إلى درجة أنها تخلت عن الكثير من الأشياء المهمة اكثر من حفظ وتذكر عنوان، والغريب أنه حتى هذه اللحظة لم يكن قد ألتقى بها أو رآها، ولكنهما كانا يعرفان عن بعضهما أدق التفاصيل وأكثرها خصوصية.

لقد ميز الشراط في عمله الدؤوب من أجل صالح الإنسان بين حبين، وهذا ما لا تجده عادة عند الثوار التقليديين، فالثائر التقليدي يمايز عادة بين العشق الروحي والعشق الدلالي ويختار أحدهما ويتخلى عن الآخر، أما الشراط فكان ينظر للعشق الروحي على أنه الجمال وينظر إلى علاقته بالسياسة وبالعمل السياسي على أنه عشق من نوع آخر اطلق عليه اسم آخر هو: الحرية التي وصفها بأنها "محبوبته السيئة" ليس انتقاصا لمنهجه النضالي وإنما لمخرجات الحبين، فحب بهية كان يمنحه سموا روحيا مترعا بالغبطة والفرح أما سعيه نحو الحرية فكان يزرع في نفسه موارد القلق نتيجة المراقبة والتضييق والمحاصرة.!

لقد كان الشراط ينظر للحب تماما مثلما ينظر إلى قضيته التاريخية التي يناضل من اجلها، كان ينظر للحب مثلما ينظر للقضية، ولذا شعر بغبن كبير حينما خسر معركة الحب ـ مثلما يسميها ـ بسبب ظروف قاهرة خارجة عن إرادته، هو الذي جعل كل تحديات السلطة رهن إرادته وتمكن من كسب معاركها، ويعزو فشله وخسرانه لمعركة الحب الأول إلى انه بالرغم من كونه كان كاتبا معروفا، وصحفيا ناجحــا مهنيــا، لكنــه كان دائمــا فاشــلا فــي الحــب والعلاقــات العاطفيــة.!

من الجدير بالذكر والملاحظة أن الشراط كان إسلاميا، وهذه الصفة تضعه أمام مسؤوليتين خطيرتين، الأولى: تناقض التوجه الإسلامي مع علاقة بفتاة، فالإسلاميون يدعون عادة إلى تجنب خوض هذا الميدان.! ولكنه أحب وأشهر حبه وتأسف على نهايته غير السعيدة ولا زال يتذكره حتى بعد اربعة عقود. والظاهر أن هذا النهج هو الذي كشف نوع المسؤولية الثانية، فالمعروف ان الأستاذ الشراط كان إسلاميا عتيدا منذ نعومة أظفاره، ولكنه إسلامي غير نمطي، فهو بالرغم من قربه من خطوط الإسلام الراديكالي أحيانا إلا أنه كان في منتهى التحرر والحياد حتى أنه انتقد الشيخ ياسين أحد أبرز الإسلاميين المغاربة بعدما وجد المعتقلين اليساريين اكثر منه عدالة، وقال في هذا الصدد: "إنــك حيــن تقــارن معاملــة الإســلاميين السياســيين بغيرهــم مــن الذيــن يقولــون بضــرورة فصــل الديــن عــن الدولــة، تلاحــظ أن الفئــة الأخيــرة هــي التــي تطبــق تعاليــم الديــن فــي شــقه الاجتماعــي والإنســاني، بينمــا الفئــة الأولــى تكرهك في ديــن اللــه، بســبب تعامــل أفرادهــا البعيديــن جــدا عــن ديــن اللــه". فضلا عن ذلك قارن بين موقف الإسلاميين اللامبالي وموقف اليساريين الذين كانوا يستقطعون من مخصصات التغذية الخاصة بهم على ندرتها ليقدموه له أثناء صومه أيام شهر رمضان.!

إن لهذه الرؤية التنويرية سببها المعقول فالشراط لم يكن تقليديا، كان يبحث ما بين الأسطر ولا يكتفي بقراءة المكتوب، ومن هنا شخَّص نوع التبعية الذي فرضه الحراك السياسي على المملكة يوم أوضح أن اليساريين والإسلاميين كلاهما لا يحملان جينات البلد الأصلية، وهو ما قال عنه بالحرف الواحد: "فــي نهايــة الســبعينيات وبدايــة الثمانينيــات مــن القــرن الماضي (الفتــرة التــي تعرف فيها عمر على بهية) كان الصراع الفكري يتجاذب بين الفكر اليساري المنقــول حرفيــا مــن أوروبــا الشــرقية والاتحــاد الســوفياتي، وبيــن الفكــر الإســلامي المنقــول حرفيــا مــن المشــرق العربــي. حيث كل التيارات كانت ناقلة لأفكار غيرها". وكانت هذه الآراء الوافدة تفرض سطوتها على الواقع العام، حتى هو لم ينكر تأثره بأفــكار ودعــوة الإخــوان المســلمين الوافدة إليهم من مصر، ولاسيما أدبيــات ومؤلفــات ســيد قطــب، وفــي وقــت لاحــق أعلن عن تأثــره ـ مثل غيــره ـ بأدبيــات الثــورة الإســلامية الإيرانيــة؛ التــي رأى فيهــا الكثيــرون مصــدر إلهــام لهــم أمــام تخــاذل الأنظمــة الإســلامية وتبعيتهــا المطلقــة للغــرب وذلك بعد أن كان قد تأثر قبل ذلك بالفكر الوهابي الوارد والوافد من بلاد نجد والحجاز، والذي كفر به مثل غيره من الأفكار الواردة، ومن ثم تخلى عن المناهج الروتينية التقليدية الخالية من الروح والبعيدة عن النهج الثوري الحقيقي؛ المعدة في الخارج والوافدة إلى المملكة المغربية، وقد افاد من تفكيك مصادر هذه الأفكار ومن تقربه من بعضها فكفر بكلها واحتفظ بإيمانه بالله نظيفا وسليما، محايدا غير متحيز إلى فئة او تيار أو حزب.

ومما لفت انتباهي في كتاب الشراط ولاسيما حديثه عن أيام الاعتقال والسجن المتكرر شرحه لطرق تعامل رجال السلطة مع السياسيين المعتقلين، والغريب أنها بدت مطابقة تماما لما ألفناه في العراق رغم بعد المسافة واختلاف الأنظمة بين العراق والمملكة المغربية، بما في ذلك تقاضي الرشى من قبل رجال الأمن بعد انتهاء التحقيق والعزم على اطلاق سراح المعتقل، حيث يذهب أحدهم ليوهم أهل المعتقل بأه قادر على تخليص ولدهم من السجن، وأذكر في إحدى مرات اعتقالي وبعد أن انتهى التحقيق بعد اعتقال دام لمدة خمسة أشهر أبلغني أحد الضباط بأن اطلاق سراحي بات قريبا جدا، وفعلا أطلق سراحي بعد أيام لأكتشف أن أحد ضباط الأمن ذهب إلى أخي الأكبر مني في نفس يوم اطلاق سراحي وأخبره بأنه يمكن أن يلغي التهم الموجهة إليَّ ويطلق سراحي مقابل مبلغ كبير، وقام أخي المرحوم بدفع المبلغ قبل ساعات من أطلاق سراحي.

ومثلها إجبار المعتقلين على التوقيع على ما يريده رجال السلطة دون أن يسمحوا للمعتقل بقراءة ما مكتوب. أو وضع عشرات المعتقلين في أماكن قذرة وضيقة جدا. أو اجبار المعتقلين على التوقيع على اعترافات لم يدلوا بها، وحتى تحديد مدد السجن حيث كانت مديرية الأمن العامة في العراق ترسل اضبارة المعتقل إلى المحكمة وبرفتها ورقة تحدد مدة السجن؛ التي سيفرضها حاكم محكمة الثورة عليه، وهو ما كان معمولا به حسب المعلومات التي أوردها الشراط في المغرب أيضا.

صدر الكتاب بحلة قشيبة عن دار الوطن في المملكة المغربية بواقع مائة وخمس وأربعون صفحة، وهو كتاب ممتع وجدير بالقراءة لمحبي الأدبي والمتخصصين بكتابة السيرة والتاريخ العربي الحديث.

 

الدكتور صالح الطائي

 

محمود محمد عليكان جوزيف بيرن الذي افتتحنا به المقال السابق من كتابه " الموت الأسود"، ذا بصيرة. يصعب علينا أن نتخيل الواقع في هذه الفترة، لتصوُّر كيف كان الموت الأسود حقًّا. عليك أن تتخيل أن ثُلث الأشخاص الذين تعرفهم، أو ثُلث البشر الذين تراهم يسيرون حولك في الشارع، قد اختفوا فجأةً. لا يُمكن تصور شكل العالم الذي فقد ثُلث سكانه في غضون ست سنوات، لكنه حدث مرة واحدة فقط في التاريخ؛ وخلال هجمة الطاعون في هذه الفترة، لم يكن هناك مكان كافٍ لدفن جميع الجثث، كان الناس يُترَكون في الشارع، أو ينهارون على الرصيف، محاولين التنفس حتى يموتوا. كنت ستقابل صديقًا لتتناول طعام الغداء معه، بحلول الليل تجده ميتًا. لن تعرف أبدًا مَن الذي سيُصيبه السهم بعد ذلك، زوجتك أو أطفالك أو أصدقاؤك أو ربما أنت. قد ينبثق تورم كبير ومؤلم جدًّا تحت ذراعك، أو في فخذك، أو في لحظة قد تشعر بأنك بخير، وفي اللحظة التي تليها ستبصق دمًا، ودائمًا ما كان هذا البصق الدموي قاتلًا.

لقد كان الموت الأسود أمرًا لا نظير له، سواء في حدته، أو في انتشاره، بل وكل أنواع الطاعون مميتة. الطاعون الدبلي غير المُعالَج، الذي ينتقل عن طريق البراغيث عبر الجلد، وهو ملحوظ جدًّا بسبب الانتفاخات الهائلة للغدد اللمفاوية المعروفة بالأدبال، يقتل نحو 60% من المصابين، ويعد النسخة غير القوية للطاعون. أما الطاعون الرئوي، الذي ينتقل عن طريق الهواء من شخصٍ إلى آخر، فيقتل بنسبة 100% تقريبًا.

ومن هذا المنطلق نحاول في هذا المقال الثاني أن نستأنف حديثنا عن عرض كتاب الموت الأسود بالتحليل والنقاش؛ حيث نركز هنا علي حديث بيرن عن الحياة اليومية وسط الموت اليومي الناجم عن هذا الطاعون اللعين وفي هذا يقول بيرن: الحياة اليومية مصطلح يعني ضمناً وجود قدر من الحالة السوية، والرتابة، والاتساق، والنموذجية، والاستقرار، لكن الحياة اليومية للجميع يصيبها الجمود في زمن الطاعون، وتعني لبعض الأشخاص التخلي عن كل شئ والهرب إلي ماكن آمن، ولآخرين عزل أنفسهم في بيوتهم وانتظار الوباء، وتحل أنظمة غذائية خاصة وأدوية تعد بالعافية محل الطعام المعتاد علي المائدة، وتحل أنظمة غذائية خاصة وأدوية تعد بالعافية محل الطعام المعتاد علي المائدة، وتحد قيود السفر الرسمية وغير الرسمية، التي تفرضها السلطات والمفروضة ذاتياً – الاتصالات بشدة، بل إنها تحد حتي من التسوق البسيط . وفي المدن تفرغ المدارس، وتغلق الكنائس، وتهجر الدكاكين، ويرحل الجيران، ويتوقف البناء، وتخلو الشوارع من الحشود، والمسارح من الجمهور، ويبدو الأمر كأنه عطلة طويلة مرعبة.

ويستطرد جوزيف بيرن فيقول: أخذ الموت اليومي يوازن الحياة اليومية التي آلت إلي ما آلت إليه، فاختفت المعارف كما يقول جوزيف بيرن وظهرت إشارات علي الأبواب الأمامية تحذر الزوار وتبعدهم، وحلت النداءات الخشنة " أخرجوا الموتي" محل أصوات البائعين المتجولين  في الشوارع الذين يعلنون عن بضائعهم . وسُمع صرير العربات المحملة بجثث الموتي والُمحتضرين علي طول الشوارع بدلاً من العربات المليئة بالمواد الغذائية الطازجة والسلع الأخرى . ولم تعد النيران توقد للطهي أو التدفئة، وإنما لإحراق أمتعة الضحايا، أو معاقبة المجرمين، أو استدخان ( التعقيم بالدخان) الجو " المسموم" علي ما يفترض . وفي مواجهة الوباء، انحسرت الثقة بالأطباء والكهنة الكاثوليك، وتحول كثيرون إلي كتب المساعدة الذاتية الطبية وإلي البروتستنتية .

ثم يؤكد جوزيف بيرن فيقول: مع ذلك استمرت الحياة رغم سيادة الموت الأسود، فعدل الناس عاداتهم وافتراضاتهم، واهتماماتهم، وإجراءاتهم المتبعة للكتيف مع الأوقات الاستثنائية. وحافظت الكنائس والمنازل والشوارع والطرقات والأديرة ومباني البلديات والمستشفيات ومشاهد " الحياة اليومية" علي قدر من حيوتها، علي الرغم من التحولات التي طرأت عليها بفعل الجثث، والباحثين، وحاملي الجثث، والمستدخنين، وأطباء الطاعون، والمحتالين، وحفاري القبور، والساكنين الآخرين في زمن الطاعون . وهذه " الأماكن" هي نقاط الاهتمام الرئيسية في جولتنا بالغرب الذي عاث فيه الطاعون تخريباً وتدميراً . وقد نُظمت فصول الكتاب حول الأنشطة المرتبطة بها وطرق تحول هذه الأنشطة نتيجة الطاعون وتكرر حدوثه . وهي تستعرض الحياة اليومية في زمن الطاعون بالتجول في أماكن انتشاره وترداد أصداء أصوات قاطنيها، من الأطباء إلي الموظفين الحكوميين، ومن كتاب المسرحيات إلي اللاهوتيين، ومن إمبراطور ما إلي دياغ عادي . فالمرض لم يهدد عالم هؤلاء فحسب، وإنما أحداث فيه تغييراً دائماً أيضاً.

ثم ينتقل جوزيف بيرن للحديث عن الموت الأسود في القرون الوسطي فيقول: تفشي الطاعون في وقت ما في ثلاثينات القرن الرابع عشر من موطنه المعزول في أراضي آسيا الوطسي الشاسعة، ومع أنه ربما انتشر شرقاً في الصين وجنوباً في شبه القارة الهندية، فإن السجلات الواردة من هذه المناطق لا تخبرنا إلا بالقليل . بيد أن المرض انتقل شرقا من دون شك، وظهر في المناطق الشرقية من العالم الإسلامي في أواسط أربعينيات القرن الرابع عشر، وامتد إلي الجنوب الغربي حول البحر الأسود أو عبره، فضرب القسطنطينية والأطراف الغربية للبحر المتوسط في أواخر سنة1447م، وفي ذلك الوقت بدأ المسلمون المسيحيون يسجلون ما عرفوه عن منشأ الطاعون ومساره المبكر والأهوال التي لم يعودوا راغبين في أن يشهدوها .

ولم يكتف جوزيف بيرن بل يقول: انتقل الوباء مع التجار والقوافل والجيوش والحجاج والبعثات الدبلوماسية، وعلي متن السفن المحملة بالبضائع والمسافرين من موانئ المناطق التي ضربها الطاعون . فتفشي في صقلية ومرسليا وبيزا وجنوه والإسكندرية . وعبر إلي المناطق الداخلية علي متن القوارب والصنادل علي طول الممرات المائية، وعلي متن العربات في الطرقات ودورب الجياد وعلي حيوانات الحمل .واجتاز جبال الأب والبيرينيه والأبنين والبلقان، والقناة الإنجليزية وبحر الشمال، ووصل في نهاية المطاف إلي السهول الكبري في أوروبا الشرقية والمدن الروسية في حوض نهر الدون وموسكو نفسها . وقد وصف شهود عيان (كما قال مؤلف الكتاب) تطور المرض بين الناس وفي المجتمعات، ومعاناة الضحايا والناجين عل حد سواء، والخراب الاقتصادي والاجتماعي الرعيب الذي خلفه الطاعون بعد انحساره . وسجل الرحالة والأطباء والموظفون المسلمون الدمار الذي حل في المدن الإسلامية من بغداد إلي المشرق الأوسط وشمال أفريقيا والأندلس، ويبدو أن قليلاً من الجيوب المعزولة نجت، وربما مات في النهاية أربعة من بين كل عشرة أشاص . وأصيب آخرون بالمرض لكنهم عاشوا، وربما اكتسبوا بعض المناعة خلال هذه العملية . وفي النهاية فقد العالم الغربي نحو 35 مليون نسمة، سقط معظمهم في غضون سنتين.

وثمة نقطة مهمة جديرة بالإشارة يؤكد عليها جوزيف بيرن فيقول: تضرع الأتقياء والتقيات، وقدم الكهنة والأطباء الرعاية للمرضي والُمحتضرين، وانتقد الأساقفة خطايا البشر التي أغضبت الرب واستنزلت سخطه المتمثل في الطاعون، وبعد انحساره تاب قسم من الناس، واستغل آخرون الضعفاء بلا رحمة، وتنفس الجميع الصعداء بانتهاء البلوي . لكن أهوال الفترة الممتدة بين سنتي 1347 و1352 م لم تكن إلا البداية فحسب، ومع أن الطاعون لم يضل ثانية البتة إلي هذا الحد من الانتشار والفتك، فإنه ظل يتفشي بين الحين والآخر بينما أشرقت القرون الوسطي علي نهايتها في الغرب . ويبدو حيث تكون السجلات موثوقة أن الطاعون كان يتفشي كل عشر سنين تقريباً، وأن الوفيات تراوحت بين 10 و 20 بالمئة بدلاً من 40 أو 50 بالمئة، ويبدو أن الموت كان أشد فتكاً بالفتيان من البالغين، وبالنساء من الرجال، مع أنه لم يكن أحد يتمتع بالمناعة . وقد أدي هذا الوضع إلي عدم تزايد السكان لدمة قرن ونصف القرن، لكنه حث أيضاً علي إدخال العديد من التغييرات علي السياسة العامة التي ترمي إلي التقليل من احتدام الطاعون – أو حتي الوقاية منه . وتراوح ذلك من تحسين المرافق الصحية والرعاية الصحية إلي الحجر الصحي والإنذار المبكر، وتكيف الحكومات المحلية والملكية مع النظام الجديد الذي يتكرر فيه تفشي الوباء . حاولت مهنة الطب أيضاً التعامل مع المرض أيضاً، لكن نظرياتها ومعالجاتها كانت قديمة بالفعل وعديمة الجدوي . مع ذلك واصل كل جيل ثقته في الأطباء وأنظمتهم الغذائية وأدويتهم وتدابيرهم. وعلي الرغم من فشل رجال الدين في درء غضب الرب، فقد واصل الناس ثقتهم أيضاً في المسيحية والإسلام، وللإصلاح الديني الذي أدي إلي انقسام الكاثوليكية في أوائل القرن السادس عشر جذور عميقة في الاستياء الذي أعقب الطاعون، لكنه لم يتطور إلا بعد مرور قرن ونصف القرن علي تفشي الوباء لأول مرة. ولا شك في أن البروتستنت الأوائل سعوا إلي تنقية الدين لا الحلول محلها.

ثم ينتقل جوزيف بيرن بعد ذلك للحديث عن الطاعون في العصر الحديث فيقول:  فيما كانت القرون الوسطي تفسح المجال لتغيرات عصر النهضة وابتكاراته، والكاثوليكية تتصارع مع تحدي البروتستنتية، استمر الطاعون في التفشي بين الحين والآخر . لكن مع انبلاج أوائل العصر الحديث، لا حظ الناس أن هذا المرض أصبح محدوداً علي نحو متزايد في المناطق الحضرية. ومع نمو حجم المراكز التجارية والحكومية والإدارية والتعليمية والصناعية والثقافية وتزايد تعقيدها، واصل المسؤولون والحكام اتخاذ الإجراءات المضادة لهذا المرض الوبائي، ووسعوا نطاق أنشطتهم وحدتها ؛ فأنشأت حكومات المدن المجالس الصحية والهيئات القضائية للإشراف علي أنظمة الإصحاح والحجر الصحي في المدن والمناطق التي تديرها . ومولت مستشفيات الطاعون ومصحات الأوبئة لعزل المرضي وأغلقت الموانئ والانهيار لوقف حركة المرور الملاحية المميتة . ووضعت السياسات والآليات لعزل المرضي – بل حبسهم – وعائلاتهم في بيوتهم . ولأنها رأت أن جذور تفشيات الطاعون المحلية تعود إلي الأحياء الفقيرة، فقد كانت تغلق هذه الأماكن عند أول بوادر ظهور المرض، وتحكم علي قاطنيها بملازمتها والمعاناة في حين تحمي في الظاهر المدينة علي العموم . وتبادلت الحكومات الصغيرة والكبيرة الأفكار وتعلمت من بعضها بعضاً عندما أدركت جميعاً أن ليس في استطاعة أي منها العمل بمفردها لوقف حركة الطاعون الذي لا يقر بأي حدود سياسية .

ويستطرد جوزيف بيرن  فيقول: في الوقت نفسه، كانت الجيوش الدولية التي تفشي فيها الطاعون تعبر أوربا الوسطي بكثرة، وتنشر الوباء مثلما تنشر السلب والدمار والقتل بالسيف . بل إن الطرق التجارية استمرت، حتي في زمن السلم، في تسهيل نشر الطاعون ووجد المهربون الذين تزايدت حنكتهم سهولة في تجنب الحواجز التي وضعتها السلطات بنية حسنة . فلا عجب أن تكون آخر المدن الأوربية الغربية الكبري التي تعاني هي الموانئ التجارية مثل أمستردام ولندن ونابولي ومرسليا، أو أن يستمر الطاعون في التردد علي الموانئ العثمانية في البحر المتوسط بعد مدة طويلة من اختفائه من أوربا .

ومن جهة أخري يري جوزيف بيرن أنه عندما ضرب وباء الطاعون أوربا الجنوبية للمرة الأخيرة، في مرسليا في سنة 1720م، لم يكن الطب أكثر قدرة علي التعامل مع المرض مما كان عليه في سنة 1350م . وعلي الرغم من النهضة والثورة العملية، فقد ظلت نماذج وممارسات الطبيبين اليونانيين القديمين أبقراط وجالينوس تشوب التعليم الطبي والممارسة الطبية . وبقي إجراء الحجامة القروسطي لتخفيض " الأخلاط" المضرة، وتوقيت هذه الجلسات وفقاً للخرائط التنجيمية، ممارسة شائعة حتي نهاية الجائحة الثانية . ويصعب علي المرء الإشارة إلي اختراق واحد في المعرفة أو العلاج الطبي المرتبط بالطاعون، مع أن رجالاً ألمعيين واجهوه ما لا يقل عن ثلاثة قرون . وفي إنجلترا التي أنجبت إسحاق نيوتن، نصح الأطباء، بقدر ما نصح رجال الدين، بالصلاة والتوبة قبل أي وقاية أو معالجة للطاعون . وعندما بدأ الأطباء المسلمون يستوردون الطب الأوربي الذي يفترض أنه تفوق في القرن السادس عشر، فإنهم لم يحصلوا علي صفقة رابحة... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

محمود محمد عليفي 2015 م أصدر مشروع "كلمة" للترجمة التابع لهيئة أبوظبى للسياحة والثقافة كتاب جديد بعنوان "الموت الأسود" للمؤلف جوزيف بيرن، وترجمه إلى العربية عمر الأيوبى، ويأتى الكتاب ضمن سلسلة الحياة اليومية عبر التاريخ التى تتألف من 10 عناوين.

يتحدث الكتاب عن الحياة اليومية في أثناء تفشي الطاعون أو ” الموت الأسود ” في أوروبا بين سنتي 1348 و1722 حيث تعرضت أوروبا لهجمات الأوبئة المنتظمة التي أعملت فيها الفتك والقتل دون هوادة. ويشير الكتاب الى تاثير الطاعون على المجتمع ابتداء من العلاقات داخل الأسر إلى الهيكل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي . وينهي الكتاب بإلقاء نظرة وثيقة على طاعون مرسيليا (1720 – 1722) آخر تفش رئيسي للطاعون في أوروبا الشمالية والاختراقات التي حققتها الأبحاث في نهاية القرن التاسع عشر وأدت إلى هزيمة الطاعون الدبلي في نهاية المطاف. وجوزيف بايرن أستاذ مشارك للتاريخ الأوروبي في جامعة بلمونت ـ ناشفيل بولاية تنيسي أجرى العديد من الأبحاث ونشر الكثير من المقالات في مختلف الموضوعات من الأضرحة الرومانية إلى العمران الأمريكي غير أنه متخصص في إيطاليا في حقبة الموت الأسود.

فى هذا الكتاب، يجمل جوزيف بيرن مسار الجائحة الثانية، وأسباب الطاعون الدبلى وطبيعته، ووجهة النظر التنقيحية حيال حقيقة الموت الأسود. ويعرض ظاهرة الطاعون بحسب الموضوعات بالتركيز على الأماكن التى عاش فيها الناس وعملوا وواجهوا الأهوال فى البيت، والكنيسة والمقبرة، والقرية، ومشافى الطاعون، والشوارع والطرقات.

ويقود القارئ إلى صفوف كليات الطب التى تدرّس فيها النظريات الخاطئة بشأن الطاعون، وعبر مهن الأطباء والصيدلانيين الذين حاولوا معالجة الضحايا من دون جدوى، إلى مبنى البلدية ومجالسها التى سعى قادتها للتوصل إلى طرق للوقاية من الطاعون ومعالجته.

كما يبحث الأدوية، والأدعية والصلوات، والأدب، والملابس الخاصة، والفنون، وممارسات الدفن، والجريمة التى تفشّت مع تفشى الوباء. ويقدّم بيرن أمثلة حيوية من جميع أنحاء أوروبا ويعرّج على العالم الإسلامى أيضاً، ويعرض نصوصاً لشهود عيان وللضحايا أنفسهم حيثما أمكن. وينهى الكتاب بإلقاء نظرة وثيقة على طاعون مرسيليا (1720 – 1722)، آخر تفشّ رئيسى للطاعون فى أوروبا الشمالية، والاختراقات التى حققتها الأبحاث فى نهاية القرن التاسع عشر وأدّت إلى هزيمة الطاعون الدبلى فى نهاية المطاف.

والجدير بالذكر أن جوزيف بايرن أستاذ مشارك للتاريخ الأوروبى فى جامعة بلمونت، ناشفيل، ولاية تنيسى، أجرى العديد من الأبحاث ونشر الكثير من المقالات فى مختلف الموضوعات، من الأضرحة الرومانية إلى العمران الأميركى، غير أنه متخصص فى إيطاليا فى حقبة الموت الأسود، من كتبه "موسوعة الطواعين والأوبئة والجوائح" وموسوعة "الموت الأسود" وذلك حسب قول بلال رمضان في مقاله باليوم السابع بعنوان "كلمة" يصدر "الموت الأسود" لجوزيف بيرن عن "مرض الطاعون".

وفي هذا الكتاب جوزيف بيرن يقول أنه مع تقدم القرن الحادي والعشرين، نجد أنفسنا في عالم يتهدد المرض معظم قاطنيه، ففي دول أفريقيا المتخلفة نسبيا كما يقول جوزيف بيرن في كتابه الموت الأسود، يوقع الإيدز والملاريا وفيروس إيبولا الغريب كثيراً من الضحايا، ويبدو أن قلة قليلة لديها حصانة تامة . وفي امريكا وأوربا الأوسع ثراء بكثير من أفريقيا والأكثر تقدماً تقنياً، يخشي الناس بحق مرض القلب، والداء السكري، والسرطان . وظهرت في كل أنحاء العالم سلالات جديدة من الإنفونزا، وفيروس العور المناعي البشري – الإيدز وسارس، ويبدو أن الجميع معرضون للهجمات الإرهابية بالعوامل البيولوجية مثل الجمرة الخبيثة والجدري وكورونا . وتشكل كثير من الميكروبات والظروف النفسية تهديدات للصحة البشرية.

وعلى مدار التاريخ شهدت دول كثيرة من العالم،، تفشى عدد كبير من الأوبئة داخل الحدود الإيطالية حصد الكثير من الأرواح، ومن بينها طاعون جستنيان أو وباء جستنيان (541-542 م، وتكرر حتى 750) وباء أصاب الإمبراطورية البيزنطية (الرومانية الشرقية) وخاصة عاصمتها القسطنطينية، وكذلك الإمبراطورية الساسانية والمدن الساحلية حول البحر الأبيض المتوسط بأكمله، حيث كانت السفن التجارية تؤوي الفئران التي تحمل البراغيث المصابة بالطاعون.

يعتقد بعض المؤرخين أن طاعون جستنيان كان أحد أكثر الأوبئة فتكًا في التاريخ، وأنه أدى إلى وفاة ما يقدر بنحو 25-50 مليون شخص خلال قرنين، وهو ما يعادل 13-26٪ من سكان العالم في وقت تفشي المرض لأول مرة. تمت مقارنة التأثير الاجتماعي والثقافي للطاعون بتأثير الموت الأسود الذي دمر أوراسيا في القرن الرابع عشر، لكن بحثًا نشر في عام 2019 جادل بأن عدد وفيات الطاعون والآثار الاجتماعية مبالغ فيها.

ويرجح أن طاعون جستنيان بدأ في التفشي انطلاقا من صعيد مصر، ومن ثم انتقل حتى وصل القسطنطينية (اسطنبول التركية حاليا) المدينة كانت تستورد كميات كبيرة من الحبوب من مصر لإطعام سكانها، السفن التي كانت تنقل الحبوب قد تكون أيضاً نقلت العدوى، من خلال تلوث صوامع الحبوب في المدينة بالفئران والبراغيث التي تحمل المرض

وقد سجل المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس أنه في ذروته، كان الطاعون يقتل ما يصل إلى 10،000 شخص يوميا في المدينة، على الرغم من أن هذا الرقم لا يمكن التحقق منه والأرقام الحقيقية لن تعرف أبدا. ما هو معروف أنه لم يوجد ما يكفي من الوقت أو المكان لدفن الجثث لكثرتها . كانت الإمبراطورية البيزنطية في حالة حرب مع الوندال في منطقة قرطاج، مع القوط الشرقيين في شبه الجزيرة الإيطالية ومع الإمبراطورية الساسانية. كما بذلت جهود اقتصادية كبيرة لبناء الكنائس الكبيرة مثل كنيسة آيا صوفيا، وجاء الطاعون ليخلف آثارا كارثية على الاقتصاد من خلال انخفاض الإيرادات من الضرائب، مما تسبب في صراعات داخلية خطيرة وتسبب في نهاية المطاف في انسحاب الجيش البيزنطي من إيطاليا عندما تقريبا كان قد سيطرعلى شبه الجزيرة بأكملها.

وقد أستمر انتشار الوباء على طول موانئ البحر الأبيض المتوسط، مرورا بالأراضي الأوروبية، ووصل في الشمال إلى الدنمارك وفي الغرب إلى أيرلندا، وأوقف خطط جستنيان لاستعادة الإمبراطورية الرومانية الغربية وسمح بالغزوات التي كانت تشنها القبائل البربرية والتي ستتشكل منها فيما بعد ممالك ودولا جديدة، واستمر تفشي الوباء بشكل محلي ومتفرق حتى حوالي العام 767 م، من بين الضحايا المهمين لهذا الوباء البابا بيلاجيوس الثاني الذي مات سنة 590 م.

الجائحة الثانية – الموت الأسود والذي يركز عليه جوزيف بيرن في هذا الكتاب الذي بين أيدينا، والتي كما يقول بيرن: ضربت العالمين الإسلامي والمسيحي ما يزيد علي ثلاثة قرون، وانحسرت عن أوربا في أواخر السابع عشر، لكنها مكثت في شمال أفريقيا والشرق الأدني حتي وقت متقدم من القرن التاسع عشر .وقد شهدت كل المناطق في هذه الفترة أهوال الطاعون مرة كل عقد من الزمان تقريبا . وفي حين أن الأوبئة تظهر في الربيع عادة وتشتد في الصيف، وتنحسر في الخريف والشتاء، وربما تعاود الظهور في الربيع القادم، فإنها يمكن أن تفرض حصاراً علي السكان عدة سنين في كل مرة، لم ينج منها أي جيل كما يقول جوزيف بيرن في كتابه الموت الأسود، ومن تجنبوا الإصابة بالمرض أو نجوا من ويلاته، كما هو حال الكثيرين، فإنهم شهدوا المحن التي أصابت أصدقاءهم وأحباءهم . كما كان علي الجميع أن يتحملوا في زمن الطاعون الكثير من البلايا من القيود القانونية إلي الإنهيار الاقتصادي المحلي، ومن الهجوم علي المرضي والمحتضرين المتناثرين في الشوارع إلي الخوف من أن يأتي عليهم الدور .

ويستطرد بيرن فيقول: تفشي الطاعون في وقت ما في ثلاثينيات القرن الرابع عشر من موطنه المعزول في أراضي آسيا الوسطي الشاسعة، ومع أنه ربما انتشر شرقاً في الصين وجنوبا في شبه القارة الهندية، فإن السجلات الواردة في هذه المناطق لا تخبرنا إلا بالقليل كما يقول جوزيف بيرن في هذا الكتاب الذي بين أيدينا .

ثم يؤكد بيرن فيقول: بيد أن المرض انتقل شرقا من دون شك كما يقول جوزيف بيرن في كتابه الموت الأسود، وظهر في المناطق الشرقية من العالم الإسلامي في أواسط أربعينيات القرن الرابع عشر، وامتد إلي الجنوب الغربي حول البحر الأسود أو عبره، فضرب القسطنيطينية والأطراف الغربية للبحر المتوسط في أواخر سنة 1447م، وفي ذلك الوقت بدأ المسلمون والمسيحيون يسجلون ما عرفوه عن منشأ الطاعون ومساره المبكر، والأهوال التي لم يعودوا راغبين في أن يشهدوها .

ثم يؤكد فيقول انتقل الوباء مع التجار والقوافل والجيوش والحجاج والبعثات الدبلوماسية وعلي متن السفن المحملة بالبضائع والمسافرين من موانئ المناطق التي ضربها الطاعون،فتفشي في صقلية ومرسيليا وبيزا وجنوا والإسكندرية .. وعبر إلي المناطق الداخلية علي متن القوارب والصنادل علي طول الممرات المائية، وعب متن العربات في الطرقات ودروب الجياد وعلي حيوانات الحمل . واجاز جبال الألب والبيرينيه والأبنين والبلقان، والقناة الإنجليزية وبحر الشمال، ووصل في نهاية المطاف إلي السهول الكبري في أوربا الشرقية والمدن الروسية في حوض نهر الدون وموسكو نفسها .

وقد وصف شهود عيان كما يقول جوزيف بيرن في هذا الكتاب الذي بين أيدينا، تطور المرض بين الناس وفي المجتمعات، ومعاناة الضحايا والناجين علي حد سواء، والخراب الاقتصادي والاجتماعي الرهيب الذي خلفه الطاعون بعد انحساره، وسجل الرحالة والأطباء والموظفون المسلمون الدمار الذي حل في المدن الإسلامية من بغداد إلي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والأندلس، ويبدو أن قليلاً          من الجيوب المعزولة نجت، وربما مات في النهاية أربعة من بين كل عشرة أشخاص، وأصيب آخرون  بالمرض لكنهم عاشوا، وربما اكتسبوا بعض المناعة خلال هذه العملية، وفي النهاية فقط العالم العربي (كما يقول جوزيف بيرن) نحو 35 مليون نسمة، سقط معظمهم في غضون سنتين.

تضرع الأتقياء والتقيات، وقدم كالهنة والأطباء الرعاية للمرضي والمحتضرين، وانتقد الأساقفة خطايا البشر التي أغضبت الرب واستنزلت سخطه المتمثل في الطاعون، وبدع انحساره تاب قسم من الناس، واستغل آخرون الضعفاء بلا رحمة، وتنفس الجميع الصعداء بانتهاء البلوي . لكن أهوال الفترة الممتدة بين سنتي 1347 و 1352م  لم تكن إلا البداية فحسب، ومع أن الطاعون لم يصل ثانية البتة إلي هذا الحد من الانتشار والفتك، فإنه ظل يتفشي كل عشر سنين تقريباً، وان الوفيات تراوحت بين 10 و 20 بالمئة بدلاً من 40 أو 50 بالمئة . ويبدو أن الموت كان أشد فتكاً بالفتيان من البالغين، وبالنساء من الرجال، مع أنه لم يكن أحد يتمتع بالمناعة . وقد أدي هذا الوضع إلي عدم تزايد السكان لمدة قرن ونصف القرن، لكنه حث أيضاً علي إدخال العديد من التغييرات علي السياسة العامة التي ترمي إلي التقليل من احتدام الطاعون – أو حتي الوقاية منه . وتراوح ذلك  من تحسين المرافق الصحية والرعاية الصحية إلي الحجر الصحي والإنذار المبكر، وتكيف الحكومات المحلية والملكية مع النظام الجديد الذي يتكرر فيه تفشي الوباء . حاولت مهنة الطب كما يقول جوزيف بيرن في كتابه الموت الأسود أيضاً التعامل مع المرض أيضاً، لكن نظرياتها ومعالجاتها كانت قديمة بالفعل وعديمة الجدوي، ومع ذلك واصل كل جيل ثقة في الأطباء وأنظمتهم الغذائية وأدويتهم وتدابيرهم، وعلي الرغم من فشل رجال الدين في درء غضب الرب، فقد واصل الناس ثقتهم أيضاً في المسيحية والإسلام كما يقول جوزيف بيرن في كتابه الموت الأسود، وللإصلاح الديني الذي أدي إلي انقسام الكاثوليكية في أوائل القرن السادس عشر جذور عميقة في الاستياء الذي أعقب الطاعون، لكنه لم يتطور إلا بعد مرور قرن ونصف القرن علي تفشي الوباء لأول مرة، ولا شك في أن الروتستنت الأوائل سعوا إلي تنقية الدين وكنيسته لا الحلول محلها كما يقول جوزيف بيرن في هذا الكتاب الذي بين أيدينا ... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

 

محمود محمد علي"براغيث جستنيان : الوباء العظيم الأول ونهاية الإمبراطورية الرومانية"- هذا هو عنوان كتاب قام بتأليفه ويليام روزين وترجمه العالم المبدع الدكتور أسامة عبد الحق نصار (الأستاذ المساعد بكلية الزراعة بجامعة أسيوط)، وراجعه أستاذنا الكبير الدكتور نصار عبد الله أستاذ الفلسفة المتفرغ بجامعة سوهاج، وهذا الكتاب صدرت الطبعة الأولي منه خلال الأيام الماضية من سنة 2021م، ضمن مطبوعات دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر بالإسكندرية بجمهورية مصر العربية .

يتناول هذا الكتاب موضوع "براغيث جستنيان: الوباء العظيم الأول ونهاية الإمبراطورية الرومانية"، من مداخل متعددة تاريخية وبيولوجية وطبية، يتبين لنا من خلاله مدي ثقافة مؤلفه، ورحابة اهتماماته، وهو يتعقب مادته من موارد مختلفة، وبعض هذه الموارد لا يزال مخطوطاَ. يمضي بنا المؤلف في كتابه فيتتبع مسارد موضوعه بأسلوب شيق وجذاب، ويتوصل إلي حقائق ربما غابت علي الأذهان بعضنا

من هذه الحقائق أن "براغيث جستنيان"،كان لها دوراً كبير في التعجيل بنهاية الإمبراطورية الرومانية الشرقية أو الإمبراطورية البيزنطية، بما في ذلك العاصمة القسطنطينية، في السنوات 541 و 542 الميلاد، وكذلك الإمبراطورية الساسانية والمدن الساحلية حول البحر الأبيض المتوسط بأكمله؛ حيث كانت السفن التجارية تؤوي الفئران التي تحمل البراغيث المصابة بالطاعون، والسبب الأكثر ترجيحا عند المؤرخين هو مرض الطاعون الدملي، والذي سيتسبب في وباء آخر سيسمى الموت الأسود في القرن الرابع عشر، وأطلق المؤرخون المعاصرون على هذا الوباء اسم الإمبراطور جستنيان الأول، الذي كان يحكم الإمبراطورية البيزنطية أثناء حدوث الطاعون.

ويعتقد ويليام روزين، أن طاعون جستنيان كان أحد أكثر الأوبئة فتكًا في التاريخ، وأنه أدى إلى وفاة ما يقدر بنحو 25-50 مليون شخص خلال قرنين، وهو ما يعادل 13-26٪ من سكان العالم في وقت تفشي المرض لأول مرة انطلاقا من صعيد مصر، ومن ثم أنتقل حتى وصل القسطنطينية (اسطنبول التركية حاليا) المدينة كانت تستورد كميات كبيرة من الحبوب من مصر لإطعام سكانها، السفن التي كانت تنقل الحبوب قد تكون أيضا نقلت العدوى، من خلال تلوث صوامع الحبوب في المدينة بالفئران والبراغيث التي تحمل المرض؛ وقد عاصر المؤرخ البيزنطي "بروكوبيوس" هذا الوباء في أوج قوته ؛ حيث ذكر أن هذا الوباء قد قتل ما يصل إلى 10،000 شخص يوميا في المدينة، على الرغم من أن هذا الرقم لا يمكن التحقق منه والأرقام الحقيقية لن تعرف أبدا. ما هو معروف أنه لم يوجد ما يكفي من الوقت أو المكان لدفن الجثث لكثرتها ؛ وقد كانت الإمبراطورية البيزنطية في ذلك الوقت في حالة حرب مع الوندال في منطقة قرطاج، مع القوط الشرقيين في شبه الجزيرة الإيطالية ومع الإمبراطورية الساسانية. كما بذلت جهود اقتصادية كبيرة لبناء الكنائس الكبيرة مثل كنيسة آيا صوفيا، وجاء الطاعون ليخلف آثارا كارثية على الاقتصاد من خلال انخفاض الإيرادات من الضرائب، مما تسبب في صراعات داخلية خطيرة وتسبب في نهاية المطاف في انسحاب الجيش البيزنطي من إيطاليا عندما تقريبا كان قد سيطر على شبه الجزيرة بأكملها؛ أستمر انتشار الوباء على طول موانئ البحر الأبيض المتوسط، مرورا بالأراضي الأوروبية، ووصل في الشمال إلى الدنمارك وفي الغرب إلى أيرلندا، وأوقف خطط جستنيان لاستعادة الإمبراطورية الرومانية الغربية وسمح بالغزوات التي كانت تشنها القبائل البربرية والتي ستتشكل منها فيما بعد ممالك ودولاً جديدة، كما استمر تفشي الوباء بشكل محلي ومتفرق حتى حوالي العام 767 م، من بين الضحايا المهمين لهذا الوباء يوجد البابا بيلاجيوس الثاني الذي مات سنة 590 م.

وأيا ما كان شكل الطاعون، فإن الأمر المؤكد كما قال الدكتور أسامة نصار (مترجم الكتاب) أن تأثير الطاعون كان مدمرا علي الحضارة البشرية، ومؤلف الكتاب يدافع بقوة  عن تلك النظرية، حيث يعتبر أن جائعة الطاعون التي ضربت العالم في القرن السادس الميلادي، كانت أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلي إنهيار كلا الإمبراطوريتبن الرومانية والفارسية وتغيير شكل العالم للأبد، وتلك هي الفكرة الرئيسية لهذا الكتاب حول تأثير الأوبئة علي قيام وانهيار الحضارات؛  ومن أجل توضيح وإثبات تلك النظرية، فإن المؤلف قسم الكتاب إلي أربعة أقسام الجزء الأول : المجد، يتضمن قصة الفترة الأخيرة من الإمبراطورية الرومانية بدءاً من دقلديانوس إلي جستنيان مروراً بعصر قسطنطين الكبير وتبنيه المسيحية كإحدي ديانات الإمبراطورية الرومانية .

أما الجزء الثاني : الإمبراطور، والذي يتناول شخصية الإمبراطور جستنيان وعصره من خلال إبراز ثلاثة جوانب من إنجازاته : الجانب المعماري وإنجازاته الضخمة التي تجلت في بناء كنيسة آيا صوفيا، الجانب القانوني  وإنجازه الضخم المتمثل في تدوين الموسوعات القانونية الكبري في عهده والتس تضمنت : " المبادئ"، و" المختصر "، و" المستحدثات"، والتي تجلت مثلت الأساس القانون الذي قامت عليه كافة الأنظمة القانونية الغربية، وثم الجانب الأخير وهو انتصارات الإمبراطور العسكرية واستعادة الأقاليم الرومانية في أسبانيا وشمال إفريقيا وإيطاليا، ومحاولة تحقيق حلمه باستعادة كافة الأراضي الإمبرطورية حانة من التشرذم والضعف وذلك حسب قول الدكتور أسامة نصار.

وأما الجزء الثالث : البكتريا، يوضح الكيفية التي تطورت بها بكتريا البرسينيا سودوتوبيركلورنس Yersinia pseudotuberculosis، ويتضمن كما قال الدكتور أسامة نصار، قصة ثالوث المرض المرعب من البراغيث والفئران والبكتريا التي تشترك في إحداث المرض، فالبكتريا تصيب القناة الهضمية للبراغيث التي تتطفل علي الفئران وغيات أحد أضلاع هذا الثالوث ويؤدي إلي عدم حدوث الوباء، وكان بالإمكان أن تستمر الحياة بلا مشاكل، ولا ينشغل الإنسان بعلاقة الغرام تلك بين البكتريا والبراغيث والفئران، ولكن المأساة حدثت وجعلت الإنسان طرفاً في تلك العلاقة المعقدة عندما أصبحت الكبتريا أكثر فتكاً مما أدي إلي ارتفاع نسبة موت الفئران من جراء الإصابة بالبراغيث المصابة ببكتريا البرسينيا المسببة للطاعون، وأصبح الآن علي البراغيث أن تجد لها مصدراً متجدداً للدماء الدافئة تقفز عليه بدلاً من الفئران الهالكة . ولسوء الحظ، لم يكن هناك مصدر أفضل لتلك الدماء الدافئة من تلك الكائنات التي تعيش الفئران بكثافة الإنسان !!..كما يتناول هذا الجزء أيضا رد الفعل الدفاعي للإنسان للهجوم الذي يتعرض إليه من البكتريا وكيف يمكن للبكتريا أن تتغلب علي النظام الدفاعي للإنسان فيما يشبه سباق تسلح بين الإنسان والبكتريا .

وننتقل إلي الجزء الرابع : الجائحة، ويتناول كما قال الدكتور أسامة نصار وباء الطاعون وكيفية انتشاره، ويوضح كيف أن انخفاض درجة الحرارة الناجم عن النشاط البركاني الذي ضرب العالم خلال الأعوام السابقة مكن الفئران المصابة البراغيث المحملة ببكتريا اليرسينيا من الانتقال من المواطن الذي هو علي في شرق أفريقيا وأثيوبيا إلي مصر .وفي مدينة بلوسيوم أو الفرما (بالقرب من بورسعيد الحالية) ظهرت أولي حالات الإصابة، ومنها انتقل الوباء إلي الاسكندرية التي كانت أحد الموانئ الرئيسية لتصدير الحبوب إلي مدن الإمبراطورية الرومانية ... كانت سفن الحبوب تحمل ركاباً غير مرغوب فيهم، فئراناً سوداء صغيرة حية كانت تتعرض من هجوم ضار لم تعهده من قبل من البراغيث المحملة بسلالة جديدة من بكتريا البرسينيا أشد فتكاً وضراوة بطريقة لم تعهدها الفئران من قبل . وبعد موت الفئران فإن البراغيث كان عليها أن تجد ضحية جديدة لها ... الإنسان!

هذه الفقرة الصغيرة للبراغيث المحملة ببكتريا اليرسينبا من الفئران إلي الإنسان كما قال الدكتور أسامة نصار كانت تعني الكثير من الهلاك والدمار للجنس البشري، وهذا موضوع الكتاب الذي يوضح تأثير تلك القفزة علي كلاً الإمبراطوريتين : الرومانية والفارسية.

وفي النهاية نبارك مبادرة الدكتور أسامة عبد الحق نصار علي ترجمته لهذا الكتاب، وقد بذل بذلك جهداً كبيراً حتي يحافظ علي النص دون أن يكون مكبلاً بالمعاني الحرفية للألفاظ، فجاءت الترجمة أمينه ودقيقه، وقد قيل بحق أن مؤلف أي كتاب ينظر من قرائه الثناء والمديح، إلا أن مترجم أي كتاب يتمني أن يتحاشى التقريظ والنقد، ولكن المترجم علي أيه حال لا بد أن يضطلع بدوره، مهما كان النقد، لأنه يفتح الطريق ويمهدها، ليسهل علي اللاحقين عليه تعبيدها وتوسيعها، فليكن هذا الكتاب باباً جديدا يدخل منه الباحثون العرب إلي دراسات أوسع وبحوث أشمل لمعرفة تاريخ الأوبئة وبذلك نتمكن من مواجهة فيروس كورونا اللعين الذي أضحي وباءاً عالمية لا بد من تكاتف الجميع لمواجهته.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

عزالدين عنايةعلى مدى العقود الأربعة الأخيرة طغى على دراسات الإسلام في الغرب طابع اجتماعيّ سياسيّ، كانت بُغية الطلب فيه تفسير التحولات التي تشهدها المجتمعات العربية والإسلامية واستشراف مصائرها. وقد صاغت دراسات الإسلام تفسيراتها للظاهرة الإسلامية وتطوراتها من خلال إرث المدرسة الاستشراقية الذي هيمنت عليه رؤية فقهية تشريعية كلامية مشفوعة ببحث مرفولوجي في منشأ الإسلام وما تخللته من أطروحات متنوعة. والملاحظ في مسار محاولات استيعاب أصول الإسلام المبكرة والتأسيسية داخل الاستشراق، بقاء الحقل الروحي أقلّ الحقول متابعةً، بموجب غلبة الرؤية المؤسساتية الصارمة على النظر للإسلام وطغيان المنظور التشريعي المنهجي في قراءة الظاهرة الإسلامية عموما. حتى أن مجالا مهمّا من مجالات التراث الإسلامي، ونقصد التصوف، لم يشهد اهتماما مركّزا سوى في مرحلة لاحقة، ولم يوله الاستشراق المبكّر واللاحق سوى عناية متناثرة وعابرة. ولو دققنا تاريخيا في انشغالات الاستشراق، نلحظ أن الاهتمام بالتراث الروحي الإسلامي في الدراسات الغربية قد تبلور مع لويس ماسينيون (1883-1962) في دراساته المرجعية عن الحلاج والتصوف عامة، وهو متأخر نوعا ما. مع ذلك لم يشكّل ذلك الاجتراح تحويرا في مسار النظر الغربي للظاهرة الإسلامية باتجاه مقاربات تُعنى بالتراث الروحي، ولم يحصل تطور في الاشتغال بالتصوف، سواء من ناحية تحليل المقولات الصوفية أو من ناحية نقل المصنّفات المرجعية في المجال عبر الترجمة، سوى في العقود الأخيرة.

وإيطاليا تشكّل الحلقة الأضعف في هذا الاستيعاب بصنفيه داخل الاستشراق الغربي. ومثال الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي جلي في هذا السياق، فلو استثنينا مؤلف "فصوص الحكم" المترجَم من الفرنسية إلى الإيطالية، لا نعثر إلى الحقبة الراهنة على نص من نصوصه منقولا إلى اللغة الإيطالية. من خلال الكتاب الذي نتولى عرضه والذي أعده الباحث الإيطالي فرانشيسكو ألفونسو ليتشيزي، معتمدا على نص بات مرجعا من مراجع المدونة الغربية من تأليف جورج قنواتي ولويس غرديه، يحاول ليتشيزي صياغة مدخل عام للتصوف دون تبسيط مخلّ. ويتوجّه عبر مؤلفه إلى مخاطبة عقلية غربية بشأن موضوع ترتبط مفاهيمه ومقولاته ولغته بتراث الإسلام، مع ما في ذلك من وعورة على قارئ غربي دأبَ على فهم الدين من منظور لاهوتي مسيحي.

يشير ليتشيزي في القسم الأول من الكتاب إلى أن حضور التصوف في دراسات الإسلام المعاصر في الغرب، يأتي موسوما بدافع براغماتي وبحكم خُلقي، أن التصوف هو ذلك الجانب "الحسن" و"المقبول" من الإسلام، بوصفه روحيا ومتسامحا ومحتضنا ومحاورا، مقابل التوجه المتشدّد الذي ينفي التعددية ويرسّخ التمايز ويمقت المغاير. ولا يخفى أن القبول بالتصوف من منظور غربي، قد صيغت مبرراته في البدء وفق تهويمات ومغالطات، أضفَتْ على الإسلام طابعا مسيحيا، وهو ما عبّر عنه مؤلف ميغال أزين بلاسيوس، المنشور في طبعته الأولى خلال 1931 بمدريد بعنوان: "الإسلام الممَسْحَن.. دراسة التصوف من خلال أعمال ابن عربي المرسي" (نسبة إلى مدينة مرسية الإسبانية).

لذلك انبنت نظرة تلحق التصوف الإسلامي بالتراث المسيحي، عمادها أحكام مستعجلة كون "المظاهر الناعمة" المشوبة بالمحبة واللطف، والتي نجدها طاغية في مقولات التصوف، هي مما يلائم روح المسيحية وتعاليم الإنجيل، ولكن سرعان ما جرى التخلي عن هذه الأطروحة غير العلمية والمفتقِرة إلى الأسس المنهجية أمام تبيّن أن المقاصد العليا للتصوف تتماهى مع المنظور الإسلامي وهي مستنبَطة من جوهر الدين المستند إلى الكتاب والسنة (ص: 87). والجلي أن تلك النظرة الإلحاقية للتصوف الإسلامي بالمنظور المسيحي قد تبلورت بفعل الرؤية الاستشراقية الكنَسية المغالية، التي هيمنت على الدراسات الإسلامية الغربية المبكرة، وهي رؤية مركزية شهدت زعزعة لأركانها مع مدرسة ما بعد الاستشراق التي يبقى من أبرز أعلامها الراحل إدوارد سعيد.

في القسم الثاني من الكتاب يحاول الباحث ليتشيزي تحديد العوامل التي جعلت الأوساط الغربية المهتمة بالحضارة الإسلامية تنحو صوب الانشغال بالتصوف. فبالتوازي مع التوتّر الذي أجّجه "الإسلام الجهادي" وما خلّفه من أثر عميق على انشغالات الباحثين ومواقفهم، لم يجد شقّ من دارسي الإسلاميات من سبيل لتجاوز ذلك المأزق الابستيمولوجي سوى بطرح التصوّف الإسلامي بديلا دراسيا. فليس التصوّف نهجا لتغيير ظواهرية الحياة بل هو مسلك ذوقي لتنقية البواطن، فهو من الصنف المرْضي عنه، ولا يُمثّل تهديدا. ينضاف إلى ذلك أن التوجّه إلى العرفان الإسلامي يأتي نتاج دخول براديغمات جديدة في التعاطي مع الشأن الديني، تتفسّر ضمن مقولات سوسيولوجيا الدين الأمريكية المتلخصة في طروحات "السوق الدينية"، أي محاولات المتحكّمين بالمجال الديني تحويل قطاع الرّوحانيات إلى بضاعة استهلاكية منتزَعة من سياقاتها الدّينية والفلسفية. ليأتي الشغف بالتصوف من خارج النسق الرّوحي المعهود، في مسعى للاقتراب من آثاره ووعوده التي عبّر عنها إبراهيم بن أدهم في ذلك القول المأثور: "لو علم الملوك ما نحن فيه لقاتلونا عليه". ولعل كثرة انتشار نوادي اليوغا والتأمل والرّياضات الروحية، غير المجانية، موحية ضمن هذا المستجد بالغرب. وبالفعل بدا التصوّف مغريا لفئات من الغربيين، تُكتشف عبره سماحة الإسلام رغم ضخّ إعلام الفوبيا الهائل (ص: 103).

ولا يحصر الباحث الإيطالي ذلك الانجذاب في حدود التصوف الإسلامي، بل يحشر الأمر ضمن إطار روحي عام يشمل تقاليد شرقية أخرى. يفسّر عالم الاجتماع الإيطالي ستيفانو آليافي ذلك ضمن "موجة الموضات الروحية" الشرقية التي تجتاح الغرب. فأزمة المعنى التي تعاني منها المسيحية الغربية، والتي خلّفت فتورا وانتقالا للناس من "الاعتقاد والانتماء" إلى "الاعتقاد دون انتماء"، كما عبّرت عن ذلك الدارسة الإنجليزية غرايس دافييه، قد ولّدت بحثا عن الرّوحي في مختلف التجارب الدّينية، في البوذية والطاوية والحاسيدية اليهودية والنيو آيج (العصر الجديد) والنحل المسيحية البنتكوستالية، مع ميل واضح نحو التقاليد الباطنية. وفي ذلك المسعى لا تغري الغربي المؤسّسة الدّينية المغايرة بهيكلها الصارم، بل جانبا معينا من إرثها الديني، يجد معه المرء انسجاما، وقد تتقلص منه أحيانا مراعاة الطقوس، ليصوغ السالك بشكل ذاتي دربَه في حِلّ من ضوابط المؤسسة أو التقليد الديني الصارم.

فقد صار السالك نحو تجربة جديدة يرسم صِلاته بمخزون الآخر الروحي ضمن منطق وجْدي ذوقي، متخفّف من مستلزمات الانتماء. يصف فريدريك لونوار ذلك الكلف الروحي في بحث بعنوان "الروحانيات الشرقية في الغرب" ضمن "موسوعة الأديان" (1997، ص: 2383): "الطرق الصوفية أساسا هي ما يجذب الغربي، وأشهرها حركة الدرويش الدوّار برقصته الفاتنة الذائعة الصّيت، وهو ما يفضي بالمريد إلى بلوغ الوجد الرّوحي. حيث تعرض تلك الطرق نفسها سبيلا أصيلا يعبّر عن روح الإسلام. فتعاليم الصّوفية تجذب الغربيين بفعل خاصيات ثلاث: سَهرُ معلّمين روحيين عارفين على تبليغها، عدم إهمالها حركات الجسد المشفوعة بالترانيم الروحية، تجمعاتها المتحمّسة والنشيطة".

وبالتالي ترافقت موجة الانجذاب للتقاليد الروحية مع هدوء نسبي في دراسات الإسلام الحديثة، تراجعت منها تلك النظرة المتوترة والعصابية التي غالبا ما تحكمت بمقاربة الدارس الغربي لقضايا الإسلام. ولكن الجلي في المنظور الغربي أن الطُّرق الصوفية في بلاد الإسلام غالبا ما تمّ عرضها ضمن مقاربة الأقليات الدينية التي تبقى عرضة للتضييق والاضطهاد من قِبل الأغلبية، التي يمثلها التيار السني تيار الأكثرية.

في القسم الثالث من الكتاب يرصد ليتشيزي بقاء التصوف المدخل الأكثر إغراء للآخر الغربي، بما انعكس على تطور نسيج من الجمعيات الصوفية تجد في السكينة الروحية وفي الترانيم الروحية وفي المنزع الباطني عناصر جاذبة. ونظرا لطابع التخوم العقائدية الرّخو داخل هذه التجمعات، يجد المنضوي ألفة مع العائلة الجديدة ومحافَظة على إرثه السالف. هذه المزاوجة بين هويتين، سالفة وراهنة، تجعل "المهتدي الغربي" عبر هذه الطرق أقرب إلى التديّن المنفتح الذي تتقلّص منه الحدود الفاصلة. فعادة ما يدخل المهتدون الإسلام عبر الطريقة الصوفية وليس العكس، ما يجعلهم يحتفظون بضيق الرؤية وقلّة منهم من تهجر ذلك المدخل الأوّلي. ولعل الملاحظ مع هؤلاء أن قليلا منهم من يرتاد المصلّيات في الغرب، هذا إن لم نتحدث عن فتور مفهوم الانضباط الشعائري بينهم.

صحيح أن الصوفي ابن عربي بمقولاته الفاتنة يثير إغراء كبيرا بين شرائح غربية مثقفة تلج باب التصوف، ولكن يبقى تأثير الفرنسي رينيه غينو (1886-1951م) لافتا أيضا في أوساط المحافل الصوفية الغربية. فغينو من ذلك الصنف الآسر، لا سيما في أوساط المولَعين بالمدخل الرمزي والباطني الذي يلحّ عليه. فنهجه يُعدّ مؤثرا في المجال بما تخلّله من تجوال بين تقاليد روحية كونية، تراوحت بين المسيحية والهندوسية والطاوية والبوذية وغيرها، إلى أن انتهى به المطاف عند التقليد الروحي الإسلامي الذي وجد فيه ضالته (ص: 187).

في القسم الرابع والأخير، يبرز مؤلَّف ليتشيزي بقاء روح التصوف مستشرية في أرجاء العالم الإسلامي وغير متأثّرة بتسرب مظاهر الحداثة، ولعلّ تلك الروح تكشف عن قدرة التصوف على التعايش مع مستجدات الحياة رغم التطورات الهائلة التي مسّت أنماط العيش. وفي تتبع مسارات الطرق الصوفية عبر مختلف الأوضاع السياسية والاجتماعية، يبيّنُ الكتاب أن التيار الصوفي ما كان بمنأى عمّا تطفح به الأوساط الاجتماعية من إشكاليات قد تبدو أحيانا بمنأى عن انشغالاته، وإن قاربها التصوّف على نهجه واختار فيها استراتيجيا حوارية مسالمة. فنمط عيش المرابطين في الرباطات في بلاد المغرب، المتميز بالزهد والورع ولعب دور دفاعي عن الثغور بقصد الذود عن دار الإسلام، هو شكل من أشكال المزاوجة بين الروحي والعملي. وبالمثل ما ساد في الفترة الحديثة مع حركة الزوايا في الجزائر أو مع أتباع السنوسية في ليبيا أو مع المهدوية في السودان، هو بالأصل شكل من أشكال المقاومة للاستعمار، هدف للحفاظ على هوية الأمة. لذلك ليس التصوف من المنظور الإسلامي عزلة بالمعنى السلبي أو انزواء عن مشاغل الناس بل هو انخراط هادئ (ص: 230).

يحاول ليتشيزي في هذا القسم إقامة مقارنة بين التصوف الإسلامي ونظيره المسيحي، فيلمّح إلى فروقات مهمة بين التجربتين الروحيتين. صحيح أن ثمة مشتركات من حيث التطلّع إلى الفناء في محبة الله، ولكن الرموز الحاضرة في التصوّفيْن تبدو متباينة أحيانا، ولا شك أن تبني العزوبة والنفور من الزواج في التصوف المسيحي هي مما لم يلق هوى في التصوف الإسلامي، كما أن التقنيات الموظَّفة في التجربتين تتغاير من حيث المغالاة والحدة. ففي تقليد التصوف المسيحي، كما يبرز صاحب الكتاب، نجد إجحافا في اختراع سُبل لإنهاك الجسد: مثل تقليد الرهبان "أكلة النباتات" (boskoi) ممن كانوا يهيمون في الصحارى كالأنعام، أو "الشجريون" الذين اتّخذوا من الأشجار سكنا، ولعل أبرز هؤلاء "العموديون"، الذين تنحدر تسميتهم من العبارة اليونانية (stylos)، أي العمود، فقد كان هؤلاء الرهبان المنعزلون فوق الأعمدة على علو شاهق، غرضهم أن يسلكوا درْب الزهد. وهي ممارسة نشأت في المشرق بمبادرة من القدّيس سمعان الكبير، الذي صعد فوق عمود قرب أنطاكية عام 422م وظل هناك حتى وفاته عام 459. لم تخل تجارب التصوف في الإسلام من الغلوّ والغرابة أيضا، لكن المناخ العام بقي محكوما بميزان "لا رهبانية في الإسلام"، كما أن العزوبة لم تجد قبولا واسعا بين هؤلاء المنقطعين للعبادة، نظرا للحثّ القوي في الإسلام لبناء أسرة وعيش حياة متوازنة. وبالتالي يتعلق الأمر في التجربة الروحية الإسلامية بنوع من التصوف المنغمس في الحياة، وهو ما نجده في النزعات الروحية التي تزاوج بين الشغل المعيشي والمسلك الروحي، دون إفراط ولا تفريط، حتى أن دارسا من الدارسين الغربيين، أليساندرو باوزاني، في مقارنة أبعاد التدين في الشخصية المسلمة والشخصية الغربية المسيحية، يخلص إلى أن المنزع الروحي الشائع في الأوساط الإسلامية هو ما يشكل الأسّ الذي تقوم عليه الشخصية المسلمة، فالتصوف من منظوره "هو عبارة عن سموّ بالإنسان المؤمن بما يجعل الحياة الفردية أو الجماعية مفعمةً بجوّ من الشفافية الروحية" ("الإسلام.. الدين والأخلاق والممارسة السياسية"، ص: 81).

إن تكن مضامين الكتاب تتوجه بالأساس إلى القارئ الغربي، في موضوع على صلة بجانب من جوانب الثقافة الإسلامية، فهي تقدّم أيضا إطلالة عن تطورات الظاهرة الصوفية في الغرب وأهم ملامحها. تضمّن الكتاب جملة من الملاحق فضلا عن فهارس عنيت بالمراجع والأعلام والمصطلحات الصوفية، وهو ما أضفى على الكتاب طابع الدراسة العلمية المتكاملة.

نبذة عن المؤلف: فرانشيسكو ألفونسو ليتشيزي باحث جامعي إيطالي متخصص في التصوف الإسلامي. يدرّس في جامعة الدراسات العالمية بروما. فضلا عن الكتاب الذي نعرضه صدر له مؤخرا بحث آخر بعنوان: "الصوفيون على الإنترنيت.. الطرقية بين العولمة والتراث" (2017).

 

الكتاب: التصوّف الإسلامي.

إعداد: فرانشيسكو ألفونسو ليتشيزي.

الناشر: جاكا بوك (ميلانو) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2020.

عدد الصفحات: 368 ص.

***

عزالدين عناية أكاديمي تونسي مقيم في إيطاليا

 

عدنان حسين احمدصدر عن "مركز باليت للطباعة والنشر" في بغداد كتاب "أوراق فنيّة" للناقد عبدالعليم البنّاء وهو ثمرة جهود متراكمة لعمله في مسارين ثقافيين يُعاضد أحدهما الآخر وهما وظيفته كمسؤول لقسم الإعلام في دائرة السينما والمسرح، وكتاباته النقدية في عدة صحف عراقية آخرها صحيفة "المواطن" التي يعمل فيها مُحررًا ثقافيًا وفنيًا حيث دأب على كتابة عموده الثابت "أوراق فنية" التي أخذت عنوان الكتاب وانتظمت فيه 130 مقالة جمعت بين الأدب والفن والتوثيق لكنها اشتطّت في بعض الحالات لتضمّ المقالة الاقتصادية التي أخلّت برونق العنوان وأفقدته بعض بريقه الأدبي والفني.

يقع الكتاب في ثلاثة فصول طويلة إضافة إلى توطئة الكاتب وتقديم الدكتور عقيل مهدي. يتضمن الفصل الأول 38 مقالة راجع فيها كتبًا وأبحاثًا وأطاريح أدبية ومسرحية وسينمائية وموسيقية كما عرض بعض المجلات التشكيلية والسينمائية، وتوقف عند بعض المعارض الفنيّة، وسأستثني المقالات الاقتصادية الخمس لأنها تقع خارج السياق، وتشذّ عن العنوان الرئيس بوصفه عتبة نصية تفضي بالقارئ إلى استطرادات بعيدة عن ثيمة الكتاب وعموده الفقري. 

لا يمكن التوقف أو حتى مجرد المرور العابر على مقالات الفصل الأول لكنني سأنتقي الكتب النوعية المختلفة وأولها "الرهان على الزمان" لمحسن العزاوي لأنه سيرة ذاتية مكتوبة بطريقة مغايرة أخذت شكل النص المسرحي المقسّم إلى فصول ومَشاهد كتلك التي أخرجها وتماهى بها. وبغض النظر عن التقديم والتأخير في الوقائع والأحداث إلاّ أن هذه السيرة تُحيط قارئها علمًا بعدد المسرحيات المحلية والعربية والعالمية التي أخرجها حتى الآن وبلغت 65 مسرحية، كما تضعنا السيرة أمام تجربته الإخراجية التي دفعت العديد من روّاد المسرح لأن يتأملوا في رؤيته الفنية، ويكتبوا عنها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. تحتشد هذه السيرة بمعلومات كثيرة تبدأ بالعائلة وسنوات الدراسة، وتمرّ بأبرز معالم مدينة الناصرية وشواخصها الثقافية والحضارية.

ينفرد نصير شمّة في أطروحته المميزة  "الأسلوبية موسيقيًا" التي نال عنها درجة الماجستير من الجامعة العربية المفتوحة في شمالي أميركا حيث تناول بطريقة علمية ممنهجة محاور عديدة من بينها الأسلوب والأسلوبية، والتناص، والبوليفونية، وفواصل الصمت الموسيقية، ومركزية اللحن في الموسيقى وما إلى ذلك ولفت انتباه لجنة المناقشة التي ارتأت بأنّ هذه الأطروحة تستحق الدكتوراة لكن الدكتورة إيناس عبد الدائم رأت أنّ ما يستحقة شمّة هو أكبر من المستندات والدرجات الجامعية.

يلفت عبدالعليم البناء انتباهنا إلى مجموعة شعرية مهمة جدًا تحمل عنوان "نجوى وألم" للشاعر حسّون البحراني وهو شاعر مطبوع، وقاصٌ مجدِّد، ومَقالي محترف سجّل قصب السبق في كتابة "شعر التفعيلة" وقد سبق السيّاب في قصيدته "هل كان حُبًا؟" في ريادة الشعر الحرّ حسبما ذكر د. علي حسون السنيد في مقالة منشورة في موقع المنتدى حيث أشار بالدليل القاطع إلى أنّ البحراني قد سبقهما بنحو عامين حين كتب قصيدة "الريف الكئيب" 1945 ونُشرت في دورية "شعراء النجف، ثم أُعيد نشرها في جريدة "السياسة البغدادية" عام 1954، كما وجدت طريقها إلى ديوان "نجوى وألم" الذي ضمّ 54 قصيدة سلسة تستحق البحث والدراسة التي قد تعيد النظر في مسألة الريادة الشعرية الحديثة التي شغلت الناس.

يتضمّن الفصل الثاني 44 مقالة كتبها عبدالعليم البنّاء عن أبرز الأدباء، والشعراء، والنقّاد، والصحفيين، والفنانين، والملحنين، والموسيقيين، والمُخرجين المسرحيين، والمعماريين وبقية المشتغلين في بقية الأجناس الأدبية والعلمية. ولو تأملنا مقالات هذا الفصل لوجدناها مادة كتاب منفرد يرصد المبدعين العراقيين الذين يتساقطون تباعًا في أرض الوطن وفي المنافي البعيدة التي هربوا إليها بحثًا عن الحرية والعيش الكريم. ويكفي أن نشير إلى بعض الفنانين والمخرجين المسرحيين الذين غادرونا في الداخل وتركوا غصّة كبيرة في النفوس أمثال اسعد عبدالرزاق، يوسف العاني، سامي عبدالحميد، طه سالم، عبدالمرسل الزيدي، فاضل خليل، شفيق المهدي، أمل طه، راكان دبدوب، عمو نوئيل رسام، محمد جواد أموري وغيرهم، أما الذين غادرونا في المنافي فهم كُثر ولا يتسع المجال لذكرهم جميعًا من بينهم خليل شوقي، ناهدة الرمّاح، مكي البدري، منتهى محمد رحيم، زها حديد، نزيهة رشيد، كارلو هارتيون، فؤاد سالم، محمد الجزائري، فوزي كريم، محمد شاكر السبع وآخرين تساقطوا من شجرة الإبداع العراقية. ولعل من الغريب أن يموت الموسيقار طارق حسون فريد جرّاء انفجار قنينة غاز في منزلة ثم يتعرّض إلى أزمة قلبية، أو يموت الشاعر ابراهيم الخياط نتيجة حادث سير بعد أن استشهدت زوجته في حادث إرهابي! يُنبهنا الناقد والصحفي عبدالعليم البناء في أثناء حديثه عن الفنانة ناهدة الرماح بأنها سجّلت مذكراتها على عدد من الأشرطة التي قالت عنها:"لو خرجت هذه المذكرات إلى النور فلن تكون مذكرات فنية حسب، بل تاريخ الحركة الفنية والسياسية في العراق". تُرى، مامصير هذه الأشرطة، ومتى نقرأها مدوّنة في كتاب؟

يضمّ الفصل الثالث والأخير 47 مقالة كرّسها المؤلف للمبادرات الثقافية والمجتمعية التي تهدف إلى تطوير ساحات بغداد، وترميم بعض المناطق التاريخية، وتأهيل النُصب، والتماثيل، وأزقة بغداد القديمة. ثمة مقالات مهمة جدًا في هذا الفصل مثل "الطريق إلى هوليوود" وهو فيلم وثائقي إنجليزي عن المخرج محمد شكري جميل وهي سابقة فنية لم يعرفها المشهد السينمائي العراقي من قبل. وفي السياق الوثائقي ذاته أنجز المخرج حميد حدّاد فيلمًا وثائقيًا جميلاً بعنوان "برج بابل" يناقش فيه فكرة "تبلبل الألسن" للجيل الثاني من المهاجرين العراقيين في المنافي العالمية إذ تبلبلت ألسنة الصغار بلغات عالمية جديدة بينما  بينما تقوقع الكبار بعزلتهم الأبدية التي تجترّ الماضي وتعيش على ذكرياته البعيدة التي أخذت تنأى كلما بعُدت المسافة واشتطّ المزار.

لم يكن فوز شريط "شارع حيفا" للمخرج العراقي مهنّد حيال بجائزة أفضل فيلم في الدورة 24 لمهرجان بوسان السينمائي عام 2019 حدثًا عابرًا في تاريخ السينما العراقية، فلقد استطاع مهنّد، القادم من الناصرية أن يصنع "تُحفة من نوع ما" تتآزر فيها القصة المحبوكة، بجمال التصوير، وقوة الأداء المُعبّر الذي يحشر متلقّيه في الأجواء المتوترة للقصة السينمائية، وهذا ما دفع المخرج الإيراني المعروف محسن مخملباف لأن يعلّق قائلاً:" إن "شارع حيفا" فيلم عراقي نادر ومختلف وشجاع، مصنوع بطريقة ذكيّة، شعرت وأنا اشاهده أنني كنت داخل شارع حيفا في بغداد 2006 والموت يحيط بي من كل مكان، وهو واحد من الأفلام المهمة التي أنصح بمشاهدتها". وهذه شهادة صريحة تُحمّل صانع الفيلم مسؤولية كبيرة في قادم الأيام.

لا يسع المجال في هذه المراجعة النقدية إلاّ أن أتوقف بشكل سريع عند مقال "ليس كل ما يُقال في "المقهى" ثرثرة" من تأليف وإخراج الفنان تحرير الأسدي الذي نجح في محاكاة الواقع بكل مرارته، واستنفر الهواجس الكامنة لدى المتلقي العراقي. وفي السياق ذاته يمكن الإشارة إلى مسرحية "سالوفة" للمخرج حسين علي هارف التي يرتدي فيها الفنان المخضرم سامي قفطان حُلّةً جديدة لقصخون أيام زمان ويتخذ من أرائك مقهى "رضا علوان" بالكرّادة متكأً لقصصه وحكاياته التي تلامس هموم الناس وأوجاعهم.

يمكن القول بأن "أوراق فنية" كتاب نقدي توثيقي يرصد المَشهدين الثقافي والفني خلال العقدين الأخيرين.

 

لندن: عدنان حسين أحمد