عبد الجبار الرفاعيتفرضُ رؤيةُ الكائنِ البشري للعالَم الذي يعيش فيه كيفيةَ صلته بالعالَم، ويتشكّل نمطُ وجودِهِ في ضوئها، وتمثّلُ هذه الرؤيةُ إطارًا مرجعيًا موجّهًا لتفكيرِهِ ومواقفِهِ وسلوكِهِ في الحياة.

لقد صنع علمُ الكلام رؤيةَ معظم المسلمين للعالَم، بعد أنْ تسيّدت الرؤيةُ التوحيديةُ للمتكلمين مبكرًا الحياةَ الدينيةَ في عالم الإسلام، واستولت بالتدريج على شعورِ المسلم ولا شعورِه، وصاغت أشكالَ علاقته بذاته والآخر، وتشكّلَ في سياقها منطقُ التفكير الديني في الإسلام، وظهرت بصمتُها في تدوينِ علومِ الدين ومعارفِهِ المختلفة. وانتهت إلى ضربٍ من الاغترابِ الوجودي للمتديّن عن عالَمِهِ الذي يعيشُ فيه. ففي لاهوتِ المتكلّمين يغتربُ الإنسانُ وجوديًا عن الله، لأن ذلك اللاهوتَ يبرعُ في نحتِ صورةٍ لله تحاكي علاقةَ السيد بالعبد المكرّسةَ في مجتمعات الأمس. الله في هذا اللاهوت تسلطي كما الملوك المستبدّين، نمطُ علاقته بالإنسان كأنها علاقةُ مالكٍ برقيقه، فهو يمتلك الناسَ كما يمتلك الأسيادُ الرقيقَ، ويمتلك أقدارَهم، ويمتلك التصرّفَ بكلّ شيء في حياتهم. وقد وُلدت عقيدةُ الجبر في أفق هذه الرؤية مبكرًا، وأصبحت منبعًا لشرعنة الأشكال المتنوّعة للاستبداد في تاريخ الإسلام. وحاولَ بعضُ الفقهاء تبريرَ استبدادِ الحاكم في أدبيات الأحكامِ السلطانية، وتفويضِه بحقِّ الاستحواذِ على السلطةِ واحتكارِها، وبحقِّ ممارسةِ كلّ ما من شأنه تدبيرُ الشأن العام وبسطُ الأمن ما دام عادلًا. ولا أدري كيف يمكن أنْ يجتمعَ الضدان (الاستبداد/العدالة) في أفعالِ وأوامر شخصٍ واحد، على نحوٍ يكون عادلًا في استبدادِهِ، ومستبدًا في عدالتِهِ. وهو ما تفنَّن بعضُ المتكلّمين في تسويغِه عندما نحتوا صورةً لله تحاكي شخصيةَ المستبدّ الظالم في أوامرِهِ، لكنَّه العادلُ مع خلقِهِ في تلك الأوامر.

 إن الصورةَ التي صاغها المتكلّمون لله في كتاباتهم لا يتجلّى فيها شيءٌ من رحمته، بل تظهر قاسيةً شديدةً، إذ عمل المتكلمُ على رسم صورةِ الخالق بوصفه مُعاقِبًا لخلقه عقابًا مريرًا، ومعذِّبًا لهم عذابًا مريعًا، ومتسلِّطًا عليهم، يراقب كلَّ زلّةٍ أو خروجٍ عمَّ فرضته تلك الصورةُ من أوامر ونواهٍ تتّسع لكلّ صغيرة وكبيرة في حياتهم. وتغلّبت صورةُ الالهِ المرعبِ وتغلغلت في آثار المتكلمين، حتى طمستْ ما يشي بمحبةِ اللهِ لخلقِه، ورحمتِه، وعفوِهِ وتوبتِهِ ومغفرتِهِ لهم. من هنا نشأ جدلٌ واسعٌ بين المتكلّمين حولَ مصير فاعل الكبيرةِ، حتى قال بعضُهم بخلوده في النارِ.

ولم تشأ تلك الصورةُ قبولَ التنوّع والاختلاف الطبيعي بين البشر، حتى ذهب بعضُ المتكلمين إلى القول بأن اللهَ لا يكفل حقَّ تكرار الخطأ للكائن البشري، ولم تقبل صورةُ الله التي نحتوها إلّا النموذجَ الواحدَ الذي صاغه علمُ الكلام، وهو نموذج يجب أنْ يتماثلَ فيه كلُّ الناس الذين يعيشون في الأرض أمس واليوم وغدًا.

 وكان من نتائج تسيّد صورة الله هذه، بناءُ علاقة عدائية بين الله والإنسان، لأن رسمَ صورة مرعبة لله تقود الإنسانَ للنفور منه، والإنسانُ بطبيعته ينفر من كلّ ما هو مرعب، ولا ينجذب إلّا لما كان محبوبًا جميلًا.

قادتْ تلك الصورةُ المكفهرّةُ الإنسانَ للهروب من الله بسبب ما أثارته من قلق، وذعر، وكآبة، وربما اشمئزاز. فإنه لا يمكن أن يحبَّ الإنسانُ عدوَّه، أو يظلّ محايدًا حياله، بل عادةً ما يلجأ لمقاومته، فإنْ لم يستطع لجأ للاحتماء بالاختباءِ والغيابِ عنه تمامًا. وعندما يحتجب الإنسانُ عن الله يحتجب اللهُ عنه. عندئذٍ ينتهي الحالُ بالإنسان للسقوطِ في الاغترابِ الوجودي أو «الاغتراب الميتافيزيقي»، الذي هو ضربٌ من الاغتراب يختلف عن اغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي. إنه ضياعُ كينونة الكائن البشري وتشرّدُها عن أصلها الوجودي.

يفتقرُ الإنسانُ في وجوده المتناهي المحدود إلى اتصالٍ بوجودٍ غنيّ لا نهائيّ لا محدود، وعندما لا يتحقّق له مثلُ هذا الاتصال الوجودي يسقطُ في الاغترابِ الميتافيزيقي. والاغترابُ الميتافيزيقي يعني أن وجودَ الذات البشرية وكمالَها لا يتحقّقان ما دامتْ مغتربةً في منفى عن أصلها الذي هو الوجود الإلهي.

الاغترابُ الميتافيزيقي ضربٌ من الاغتراب لا يرادف تفسيرَ جورج ويلهم فردريك هيغل (1770 - 1831) الذي يرى أن الاغترابَ ينشأ من وعي الإنسان بالهوة الشاسعة بين وجوده والحقيقة النهائية «الروح المطلقة» أو العالم المثالي. فالإنسانُ يكون مغتربًا عندما لا يجد ذاتَه في العالم المثالي.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ لودفيغ فويرباخ (1804 - 1872) الذي يرى أن خيالَ الانسان هو من اخترع فكرةَ الإله وأسقط عليها كلَّ كمالاته، فأصبح الانسانُ مُستلَبًا، عندما صيّر الإلهَ كلَّ شيء في حين سلب من ذاته كلَّ شيء.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ كارل ماركس (1818 - 1883) الذي جعل سببَ الاغتراب استغلالَ الرأسمالي للعامل، واستلابَ قيمة عمله الذي يفضي إلى: اغترابِ العامل عن ناتج عمله، واغترابِه عن عملية الإنتاج، ومن ثم اغترابِه عن وجوده النوعي ككائن بشري، واغترابِ العمال بعضِهم عن بعضِهم الآخر.

كما لا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ سيغموند فرويد (1856 - 1939)، الذي رأى أن الاغترابَ ناتجٌ عن وجودِ الحضارة واستلابِها لغرائز الإنسان، اثر ما يحدث من تعارض بين متطلّبات بناء الحضارة وما تفرضه الدوافعُ الغريزية للإنسان من متطلّبات مضادّة.

وأعني بـ«الاغتراب الميتافيزيقي» أن الانسانَ هو الكائنُ الوحيد في هذا العالم الذي لا يكتفي بوجود ذاته، فيشعر على الدوام بافتقاره إلى ما يثري وجودَه، لذلك لا يكفّ عن الاتصال بمنبع لا محدود للوجود يتكرّس به وجودُه الشخصي، ويظلّ يعمل كلّ حياته على توسعة وجودِه وإغنائه، من خلال السعي للعثور على ذلك المنبع اللامحدود للوجود، فإنْ عجز عن الاتصال بالمطلق عاش حالةَ ضياعٍ واغترابٍ وجودي.

ولما كان كلُّ شخص يحتاجُ لما يتخطّى وجودَ ذاته المحدود، فإنْ لم يصل إلى المطلق يحاول أن يعوّض حاجتَه بما يعتقد به من مطلق، بقطع النظر عن نوع ما يعتقد به، سواء أكان أيديولوجيًّا، أو ميثولوجيًّا، أو فكرةً، أو أمةً، أو إثنيةً، أو بطلًا، أو وطنًا، أو ملحمةً، أو سرديةً، أو غيرها، وكلها تنتمي إلى المتخيَّل الذي تنسجه كلُّ جماعة لنفسها، ويتحقّق فيه شكلٌ من أشكال حضورِها، وحضورِ كلِّ فرد ينتمي إليها، وشعورِه بالاتصال بمطلق. لكنه عندما يستفيق متأخرًا يجد ذاتَه مقذوفةً في متاهات، وكأنه يهرول وراء سراب، لأن كلَّ ذلك لا يشعره بأن وجودَه الفردي يتكرّس بمزيد من الوجود. بمعنى أن لدى كلِّ فرد حاجةً إضافيةً في ذاته للوجود عابرةً لوجوده الشخصي الضيّق، وهذا الوجودُ لا يفيضه سوى الاتصال الحيوي بالمطلق. إذ يتّسع وجودُ الكائن البشري بمدى قدرته على تحقيق ضربٍ من الاتصال بهذا الوجود اللامحدود.

350 الدين والاغتراب الميتافيزيفي

الدينُ هو ما يخلّص الإنسانَ من الاغتراب الميتافيزيقي من خلال الاتصال الوجودي بالمطلق، الذي هو الله في الأديان الإبراهيمية، والإله أو الروح الكلّي في أديان أخرى. والمطلقُ يمثّل أغزرَ منبع يستقي منه الكائنُ البشري مزيدًا من الوجود، وهذا الوجودُ هو الذي يحدّد كيفيةَ حضور الذات البشرية في العالَم، لأن الكائنَ البشري يتحقّقُ فيه بمرتبة أكمل من الوجود.

الاغترابُ الميتافيزيقي حالةٌ أنطولوجية، تتهشّم فيها كينونةُ الكائنِ البشري، ولا يتخلّص منها الإنسان إلّا ببناءِ صلةٍ يقظةٍ ديناميكيةٍ بالمطلق، تتحقّق فيها أُلفةُ الإنسان مع الوجود، بعد أنْ تحدث عمليةُ توطينٍ له، بنحو يتحوّل الوجودُ فيه إلى مَسكَنٍ يقيم فيه. وحيث يسكن الإنسانُ الوجودَ لن يعود غريبًا، ذلك أنه عندما يجد ذاتَه يشعر بالأمان في المأوى الذي يأوي إليه. ويتبدَّل نمطُ علاقته بإلهِهِ، فيتحوّل من عداءٍ إلى حبٍ، بل قد يتسامى الحبُّ إلى مرتبةٍ يكون فيها الحبيبُ هو الأنا.

وعلى الرغم من الآثار الموجعة لاغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي، لكن الخلاصَ من أنواع الاغترابِ هذه لا يعني الخلاصَ من الاغتراب الميتافيزيقي، لأن الاغترابَ الميتافيزيقي اغترابٌ لكينونة الكائن البشري عن وجودها، وهذه الحالةُ من الاغتراب تنتج القلقَ الوجودي، إذ بعد أن تنقطع صلةُ الإنسان الوجوديةُ بإلهِهِ، تُستلَب ذاتُه ويفتقدها، وعندما يفتقد الإنسانُ ذاتَه يمسي عرضةً لكلِّ أشكال التبعثر والتشظّي، وربما يتردّى في حالةٍ من الغثيان الذي يعبثُ بروحِهِ ويمزّقُ سلامَه وسكينتَه الجوانية.

ويمكن العثورُ على الجذور العميقة للعنف في الاغتراب الميتافيزيقي، فقد كشفت الدراساتُ الأنثروبولوجية عن اقترانِ العنف بالمقدّس1 . وتشير الكتبُ المقدّسة كالتوراة والقرآن إلى أن أولَ عملية عنف دموي في الحياة البشرية قتل فيها أحدُ أبناء آدم أخاه كانت بسبب نزاع على قربان إلهي.

ونشأ اغترابُ الإنسان الوجودي عن إسقاط المتكلّمين لصورة الإنسان على الله. فقد تورّط المتكلّمون بقياس الغائب على الشاهد في دراسة توحيدِ الله وصفاتِه وأفعالهِ، وكان نموذجُهم المحسوس علاقةَ السيد بالعبد، فصاغوا في إطارها نمطَ علاقةِ الله بالإنسان. ووُلدت الرؤيةُ التوحيدية الكلامية في أفق هذا الفهم، وكُتبت المدونةُ الفقهية في سياق هذه الرؤية، وتبعًا لذلك أنتجت فقهًا يشرعن بعضَ أشكال العنف. بل تغلغلت رؤيةُ المتكلّمين في معارف الدين المختلفة، وظهر أثرُها في كثير مما أستلهمه المسلمون من النصوص الدينية.

الرؤيةُ التوحيديةُ للتصوّف الفلسفي عالجت الاغترابَ عن الله ببناء صلة وجودية بين الله والإنسان، إذ يسافرُ الإنسانُ في ضوء هذه الرؤية إلى الله حتى يصلَ إليه، ويحضر في حضرته، كذلك يقترب اللهُ من الإنسان، حتى يصيرَ الإنسان مرآةَ الله وأظهرَ تجلياته، كما يشرح ذلك مفهومُ الإنسان الكامل، وأسفارُ الإنسان في عوالم الأسماء والصفات الالهية، وكيف يصعد الإنسانُ سُلّمَ تلك العوالم، ويتسامى ليتصل وجوديًا بالحق. في إطارِ هذه الرؤية تتلاشى المسافاتُ بين الإنسان ومقامِ الربوبية، ويتخلّص الإنسانُ من اغترابه الوجودي عن الله، ويكفّ الدينُ عن أن يكونَ منبعًا للعنف.

عندما نتحدّث عن التصوّفِ الفلسفي، وكيفيةِ رسمه لوحةً ميتافيزيقية مختلفة تمامًا عن لوحة المتكلمين، لوحة يتصل فيها الإنسانُ بالله، فيتحرّر من اغترابه الوجودي، وتبعًا لذلك يتحرّر المتدينُ من أحد أهمّ بواعث الحاجة للعنف، فإن البحثَ يتناول الموضوعَ من زاوية تنشد الكشفَ عن أثر هذا النوع من الاغتراب، بوصفه يسهم في تشكيل البنيةِ العميقةِ لظهور العنف. ولسنا هنا بصدد الحديث عن الأسباب الأنثروبولوجية والاجتماعية والنفسية والسياسية والاقتصادية المختلفة للعنف، والتي لا يمكن استبعادُها ونفي الأثر المباشر والكبير لها في ظهور الأنواع المتنوّعة للعنف، وتطوّر أساليب ممارسته.

 

عبد الجبار الرفاعي

..............................

1-  راجع كتاب: رينيه جيرار. العنف والمُقدَّس. ترجمة: سميرة ريشا. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.

 

زهير الخويلدي"مشكلة الخطاب الديني أنه يسلم بامكانية الحديث عن الله بلغة الانسان دون تنسيب وأنه يفتي في قضايا الناس بالاستناد الى مصادر التشريع دون تحري"

إثراء جديد للمكتبة العربية أنجز بصدور كتاب عن دار إكتب بلندن يتناول فيه بالبحث قضايا اجتهادية راهنة واشكاليات حضارية خلافية ويتضمن مقدمة نقدية للوضع الحالي للخطاب الديني وخاتمة استشرافية عن مشروعية الاجتهاد وجدوى الاصلاح، أما عن المتن فقد تكون من اثني عشر فصل ضمت بشكل تعاقبي محاور حول الايمان وعدمه في الدين بين الفرد والمجموعة وقضية الحرية ضمن صلة الذات بالغير وفي صلب مشكلة الفوارق بين حرية المعتقد وحرية الضمير وبعد ذلك ينتقل الى رصد الدور الذي يضطلع به السؤال في تحريك منطق البحث العلمي في الشأن الديني والى تأكيد حاجة المتدين الى التثقيف واستحالة استغناء الدين عن الثقافة من أجل تفادي الوقوع في الجهل المقدس وفي الثقافة العدمية التي تفصل الناس عن منابتهم الروحية وتلقيهم في غربة وجودية. علاوة على ذلك تم التطرق في الفصل الخامس الى الوحدة الفكرية وارتباطها العضوية بالأخوة الانسانية التقدمية والقيم الكونية في التعاون والتوحيد على المستوى العملي للمجهودات المعرفية على صعيد الخطاب الديني المستنير والمعتصم بالعقل والواقع والانسان. كما تضمن الفصل الخامس اشارة الى حالة الملة والمخاطر التي تواجهها الأمة والصعوبات التي تعاني منها والدور السلبي الذي يلعبه الخطاب الديني المنغلق في تكريس هذا التراجع وامكانية الاسترجاع وتحقيق الاستفاقة بتغيير بنية هذا الخطاب وامتلاك الأمن الثقافي والمواجهة الفكرية.

لقد احتوى الفصل السادس مطالبة باحترام مبدأ المساواة ضمن العدالة المنصفة بين الأفراد والأجناس والمجموعات من جهة القانون والمعاملة والمشاركة والاعتراف بالحقوق الأساسية دون استنثاء وتمييز. ثم تطرق الفصل السابع الى قضية الاستقلالية الحضارية والمقاومة الثقافية ودور الدين في الدفاع على قيمة السيادة وحب الأوطان وايجاد أرضية للتفاهم ومناخ من السلم والتعايش والتسامح بين الشعوب والدول.

يثير في الفصل التاسع الحاجة الى استخدام تقنية التأويل من أجل فهم التجربة النبوية والأحاديث خارج دائرة التضخيم والاختزال وضمن منطق بحثي يلتقط المعنى من الأسلوب السردي والغرض الايتيقي. أما في الفصل العاشر فتطرح مسألة التباين في التأويلات واستراتجية المؤول في توظيف النصوص من السياق التاريخي والمصلحة الواقعية التي يقصدها، وينزل ذلك ضمن اشكالية الاختلاف ويتطرق قضية التعددية في الأديان والمذاهب ويثبت حق الوجود للمعتقدات المتنوعة ضمن الفضاء المجتمعي المشترك.

في الفصل قبل الأخيرة حاول ازالة سوء التفاهم التاريخي بين الأحكام الشرعية القطعية ومنظومة القيم الكونية التي جاءت بها ثقافة حقوق الانسان والمواطنة واشتغل على قراءة البيان العالمي بشكل نقدي ، وفي نهاية المطاف ركز التحليل المفهومي حول الفوارق بين مسار الأنسنة ونزعة الانسانوية والانسية.

والحق أن كتاب أنسنة الخطاب الديني يتنزل ضمن سلسلة من المؤلفات ضمت :حالة الفكر في حضارة إقرأ زمن العولمة، الهوية السردية والتحدي العولمي، كونية القول الفلسفي عند العرب، وتشريح العقل العربي الاسلامي، وأشكال من الخطاب الفلسفي العربي، ومدنية الاسلام في مواجهة عولمة الارهاب. فمتى تستيقظ الحكمة المشرقية من سباتها زتقدر على تقديم آليات تحليل للخطاب الحضاري العربي؟

الرابط:

https://drive.google.com/file/d/1-DPZ1jdzzPGxNNJYFpcQ197uLHaZZFMj/view?usp=sharing

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

حسيب شحادةالمرايا، مجلّة حول أدب الأطفال والفتيان. ع. ٢، أيلول ٢٠١٦. المعهد الأكاديمي العربي للتربية، الكلية الأكاديمية بيت بيرل، مطبعة الطيرة، تحرير محمود أبو فنّة، أحمد عازم، ١٤٨ ص.

تتوزّع صفحات هذه الدورية على خمسة عناوين: الدراسات والبحوث، ١٠-٦٥؛ القراءة والمطالعة لأدب الأطفال، ٦٧-٩٢؛ شهادات وتجارب، ٩٤-١٤٠، من رفوف الكتب، ١٤٢-١٤٦؛ ملحق: يوم دراسي بعنوان: أدب الأطفال-الإبداع والتلقّي، ١٤٧-١٤٨. ويشمُل العنوان الأوّل هذه الموضوعات: دلالة المكان في أدب الأطفل المحلّي بقلم محمود أبو فنّه؛ القصّة التعليلية للأطفال بقلم أحمد عازم؛ شعر الأطفال الغنائي بقلم خالد عزايزة، الأدب العلاجي - بيبليوترافيا بقلم نادرة يونس والكتابة الطفلية المحليّة أمام تحديات التكنولوجيا بقلم أحمد كامل ناصر. وتحت العنوان الثاني تندرج هذه المواضيع: هكذا نحوّل القراءة من ألم إلى متعة تأليف أشرف سلفيتي؛ وظيفة القراءة وأثرها في المتلقّي تأليف محمود أبو فنّه؛ كيف نشجّع طلابنا على القراءة/المطالعة، تأليف سهاد حاج يحيى؛ متعة القراءة/المطالعة تأليف محمد أبو فنّه؛ دور المكتبة العامّة في الطيّبة في تشجيع القراءة/المطالعة بقلم مها حاجّ يحيى والمكتبات المتنقلة وضرورة زيادة عددها بدلًا من إلغائها أو تقليصها تأليف مفيد صيداوي. وفي العنوان الثالث يجد القارىء تجارب أربعة كتّاب في الكتابة وهم محمود عباسي، مصطفى مرار، حياة بلحة أبو شميس، هديل ناشف، عايدة خطيب، وحوارين مع نعمان عبد القادر وتحسين زحالقة. وفي قسم رفوف الكتب يستعرض محمد علي سعيد عددًا من كتب الأطفال المحلية.

إن صدور دورية تُعنى بأدب الأطفال لإنجاز يستحقّ التنويه والتقدير لا سيّما في اللغة العربية المفتقرة لهذا اللون الضروري من الكتابة إذا ما قورن بالوضع لدى الأمم المتقدّمة. لا نضيف جديدًا إذا ما قلنا بأنّ أفضل وأجدى استثمار هو في الطفل العربي فهو عماد المستقبل والمجتمع. وجوهر تطوير وبناء الطفل هو اكتساب اللغة فهي وسيلة العلم والمعرفة الأساسية وهنا المقصود باللغة العربية المعيارية. أمامنا في الواقع مشكلة عويصة ألا وهي الإزدواج اللغوي، اللغة العامّية، لغة الأمّ من ناحية واللغة القومية ولغة التراث وهي الفصحى المكتسبة في المدرسة من ناحية أُخرى. والبون بين نمطي العامية والمعيارية من حيث القواعد والمعجم واسع جدًّا يفوق ما في اللغات الأخرى من فرق بين لغة الكلام ولغة الكتابة. هذا الإزدواج اللغوي هو لبّ معضلة وضع العربية المعيارية المتدني. بناءً على هذا لا بدّ من العمل بجدّ وبانتظام من أجل إكساب اللغة العربية المكتوبة الميسّرة للأطفال منذ مرحلة الروضة والإكثار من القراءة لما يناسبهم من حيث المبنى والمعنى (أنظر مثلًا: روزلند دعيم، ونادرة يونس، اللغة الذات - اللغة السليمة تبدأ في الروضة. عكا: جمعية النساء العكيات، دار الطفل العربي، ٢٠٠٧ وينظر في تجربة عبد الله الدنّان لإكساب الطفل الفصحى بالفطرة، http://www.arabiclanguageic.org/view_page.php?id=4953.

يبدو أنّ كِتاب الأطفال الأوّل في البلاد، وَفْق ما جاء في مقال أبو فنّة (ص. ١١) هو مسرحية ”ظلام ونور“ بقلم ميشيل حدّاد وجمال قعوار وتلته المجموعة الشعرية ”ألحان الطالب“ لجورج نجيب خليل سنة ١٩٥٦. وفي ستينات القرن الفائت أصدر محمود عبّاسي وجمال قعوار خمسة عشر كتيّبًا للأطفال. وهذه عيّنة لأسماء ممّن كتبوا للأطفال في البلاد: سليم خوري، مصطفى مرار، عبدالله عيشان، سامي الطيبي، نادر أبو تامر، حنّا أبو حنّا، إلهام دويري تابري، جهاد غوشة عراقي، أحمد هيبي، عبد اللطيف ناصر، نعمان عبد القادر، محمد علي طه، سلمان فرّاج، نظير شمالي، علياء أبو شميس، يعقوب حجازي، بشارة مرجية، عبيدة بلحة سطل، فاطمة ذياب، محمد علي طه، عايدة خطيب، سعاد دانيال بولس، انتصار عابد بكري، نبيهة راشد جبارين، سهيل عيساوي، روزلاند دعيم؛ فاضل علي، ناديا صالح، ميسون أسدي، رافع يحيى، مفيد صيداوي، سهيل كيوان، إبراهيم جوهر، آمال كريّني، القاهرة صبّاغ عبد الحيّ.

ومن المعروف أنّ أدب الأطفال ينبغي ألّا يكون همّه التعليم والوعظ بل عليه أن يرمي إلى تقديم المتعة والإبداع والخيال. ونرى أن اللغة عليها أن تكون في الأساس وسيلة للتعبير عن الفكر والوجدان وليست هدفًا بحدّ ذاتها كما قد يظنّ البعض. من المعروف أنّ القافية في كثير من الأحيان تفرض نفسها على النصّ وذلك على حساب المحتوى. أنظر مثلا في هذه الجمل المقفاة المعروفة للكثيرين:

نام يا ابني نامْ

لأذبح لك طير الحمام

يا حمامِه لا تخافي

بضحك على ابني تاينامْ

نيّمتو بالعلّيّة

وخفت عليه من الحيّة

وهزّيلو يا صبيّة

بلكي عاصوتك بينامْ (ص. ٤١). وينظر في ص. ٤٢، أغنية العيد. للأغاني دور هامّ في إكساب اللغة لسهولة حفظها ولكن عليها أن تكون ملائمة للفئة العمرية من حيث المعنى والمبنى.

غني عن البيان أنّ ”أُمّة إقرأ لا تقرأ“ وهنالك أسباب وظروف عديدة أدّت وما زالت تؤدّي إلى العزوف عن القراءة والمطالعة منها بعد اللغة المكتوبة عن حياة وتجارب الطفل العربي والإنسان العربي الذي يتحدّث بلغة أمّه وهي العامية (قارن ما في ص. ٧٧-٩٢).

أخطاء لغوية وسهو:

أغاني وأناشيد، ١٩؛ وشعر الهَذّر، ٢٢؛ قصص هكّذا تمامًا، ٢٢؛ وكَمْ كانت دهشَُهُ عظيمة، ٢٦؛ الحرباءة، ٢٧؛ تَضحِك الأولاد، ٢٧؛ تقنيات التفجية، ٢٩؛ 5015، ٣١؛ دار النشر العريّ، ١١٠؛ فتوجّهت لإحدى دور النشر وسلّمتهم كتابالأإوّلي ، ١٣١.

استعمالات غير شائعة: زمن قبْليّ، زمن بعْديّ، ٢٤؛كتاب اللماذا، ٢٥؛ العناوين التأويلية التبئيرية الإشارية، ٢٨؛ كلمات منغومة، ٤١؛ الكتابة الطفلية، ٥٨؛ فهم مقروئية النصّ، ٥٩؛ إبحار الأطفال في شبكة الإنترنت، ٦٢، ٨٤؛ انفجار المعرفة، ٧٧؛ والتلفزيون يجسّد ويجسّم الشخصيات والأشياء، ٨٣؛ وهي مصفوفة و”ممنتجة“، ١١٧؛ وأكتب عن الجنسانية، ١٢٠.

 

حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

 

331 زيد الشهيديتألف كتاب (فن الرواية في سرديات زيد الشهيد)* من مقدمة مسهبة ومفصلة تلقي فيها الدكتورة فوزية الجابري حزمة من الأضواء على الأفكار الأساسية لعدد من روايات الكاتب. ويتبع ذلك 21 دراسة لـ 21 ناقدا تتناول جوانب مختلفة من هذه المغامرة الروائية.

وتؤكد الدكتورة الجابري في مقدمتها أن زيد الشهيد كاتب يهتم بالماضي ليعبر منه إلى أزمات الحاضر، فهو روائي تاريخي، ويتابع تقلبات أحوال بلده في فترات حرجة تميزت بالفوضى والعنف. وهو أيضا كاتب سياسي، رسم صورة للفساد المستشري ولسقوط الضمير المعاصر. وقاده ذلك أخيرا ليكون شاهدا على الماضي الحديث لبلاده بكل ما فيه من دماء وحروب. وربما لهذا السبب كانت حكاياته حزينة، يتخللها تبدل في سلوك الأفراد، وقصص حب فاشلة لا يكتب لها القدر النهاية المرجوة. وتبرر ذلك بأن شخصيات الشهيد لها هم أساسي وهو البحث عن الحرية المفقودة في الوطن ص 16، وتذكر أمثلة من عمله المعروف (فراسخ لآهات تنتظر). وتبني على هذه الملاحظة نقطة هامة إضافية.. أن هذه الشخصيات مثقفة، ولذلك كانت الروايات تكشف عن التكوين النفسي والفكري للمثقف الوطني. ص 16. وتصنف هذا المثقف في واحد من إثنين:

(1) المغترب في أوروبا الذي بارك غزو أمريكا للعراق. و(2) اللاجئ للدول العربية والذي عارض هذا الاحتلال. ص 17.

ثم تستدرك وتضيف نوعا ثالثا، وهو المثقف الذي صمد في وطنه، وانتهى أمره إما بالانتحار أو الموت تحت التعذيب. ص 17.

و تلاحظ أن هذه الاهتمامات تتوازى مع بناء سردي غير تقليدي. ص 18، تتخلله الأحلام والاستيهامات ص 18. وتخص بالذكر شعرية السرد واللغة. ص 19.

بعد المقدمة تبدأ بقية الدراسات التي يتم تبويبها في أربعة محاور.

1 – يتناول المحور الأول المشروع الفني لرواية (تراجيديا مدينة). ويبدو أنها بإجماع الآراء تلخص سيرة الكاتب من عدة جوانب. فهي تعيد تركيب وبناء مدينته السماوة، وتتابع تطور شخصيات من عامة الناس، اختزنهم الكاتب في ذاكرته ووعيه. لذلك كانت أكثر أعماله مصداقية كما يقول جمال العتابي. ص 34. وترتب على ذلك ابتعادها عن الغموض وخلوها من الأساطير والرموز، وتغليب التفسير الحضاري لمنطق الأحداث السياسية العامة كما قال العتابي أيضا. ص 35.

وقد أكد على هذه الملاحظات عبد عون الروضان حينما وجد في الرواية عتبة فنية هامة أعادت للمكان ذاكرته المفقودة. ص 46، وأغنته بحكايات من واقع الحياة سواء النشيطة منها أو الخاملة. ص 47. وبالمناسبة الخمول هنا لا يعني بطء السرد وإيقاع الأحداث ولكنه يدل على انفصال الواقع المجرد عن الأحلام الليلية المتخيلة.. وهذا يعني بمستوى لاحق إضافة تفاصيل معرفية للعالم المحسوس ولطريقة إدراكنا له كما يقول الروضان. ص 47.

2- المحور الثاني هو حدود الفن الروائي في رواية (اسم العربة). وتتابع بحوث هذا المحور خصلة هامة من خصال زيد الشهيد، وهي تداخل الأساليب بحيث تتحول الرواية لعمل تركيبي يبدأ من الطريقة القديمة المعروفة في وصف الواقع والشخصيات. ثم يضيف إليها الأدوات الجديدة وفي مقدمتها تيار الشعور والمشاهد البانورامية والمونتاج في ترتيب الفقرات ( كما ورد على لسان داود سلمان الشويلي في مساهمته وعنوانها "عتبات الرواية" - ص 106). ويرى علي متعب جاسم أن هذا الأسلوب يعكس هما دائما أو هاجسا عند زيد الشهيد، فهو يحاول جهده لاختيار الشكل المناسب للموضوع. ص 116، أو ما يقول عنه لاحقا: علاقة اللفظ بالمعنى. فالشكل الأدبي هو إيديولوجيا يتبناها الكاتب. ص 117، وليس محض فانتازيا أو تعليب لمجموعة من الأفكار. ويسمي هذه الناحية باسم البوح السردي. فالرواية في ظل هذا النوع من الاهتمامات تكون شهادة نوعية تكشف الستار عن أحداث من الواقع ومن الذاكرة بالترتيب الذي تراه مناسبا لتوضيح موضعها من تطور السياق التاريخي للمكان. فكل شكل أدبي له نمط كتابة مفضل. ص 117. وهو ضروري للشخصيات والوقائع لأنه يوضح رؤية الكاتب وفهمه لما يجري. كما أن لكل صيغة أدبية كما يقول الشويلي قوانينها الخاصة. ص 118،و هي ملزمة. لأن الكاتب وحده لا يختار أسلوبه، بل يفرضه منطق الأحداث ووجهات نظر الشخصيات المتنوعة. ص 118. وأي فضاء صوري يكون مستقلا عن قصدية الكاتب إلا في حالات نادرة. ص 119.

3 – المحور الثالث عن المعنى الوطني للتاريخ في رواية (أفراس الأعوام). فالرواية كما يلاحظ كل من كتب عنها هي رواية الصراع من أجل الاستقلال والتحرير. ولكن شخصياتها بشكل أساسي شخصيات مهمومة بمشكلة البناء وإعادة تعريف معنى الحرية وعلاقة الأفراد بالدولة. فهي رواية مختلفة عن روايات معارك الاستقلال التي كتب عنها في سوريا فارس زرزور، ولا سيما روايته المعروفة (حسن جبل) ثم الرواية الرديفة (لن تسقط المدينة). لقد توقف زرزور مطولا عند تفاصيل المعارك والتنظيمات السرية وأساليب عملها، وبشكل وثائقي تقريبا. لكن زيد الشهيد راقب شخصياته من الداخل، وتابع شبكة علاقاتها مع المدينة كما يقول ليث الصندوق. ص 174. حتى أنه كان يعزو للمدينة الدور الأول باعتبار أنها رمز للوطن بشكل إجمالي. والمدينة لم تكن بوتقة تنصهر فيها انفعالات ومشاعر الأفراد لكن كان لها دور فاعل ومحرض. ومع أن عدد الشخصيات بلغ أكثر من تسعين شخصية غير أن دورها ثانووي ومكمل لشخصية المدينة. ص 175. إنها رواية تتداخل فيها الأزمنة مع التاريخ والوقائع لتحدد معنى "اللعنة الاجتماعية" لتلك الفترة، وكيف رسمت للمدينة مصيرها المأساوي. ص 218، بتعبير جاسم عايف. وعلى هذا الأساس قدمت محاولة جريئة لفهم أنماط الخطاب لنفهم بالتالي أنماط الطبيعة بتعبير محمد الأحمد.  

4 – المحور الأخير تكلم عن الخصوصية اللغوية في (سبت يا ثلاثاء). وبهذا الاتجاه يرى حسن عبد الرزاق أن هذه الرواية هي تمويه أجناسي. فهي أشبه بقصيدة ملحمية، لكنه يدافع عن هذا الأسلوب بقوله: إن العمل لم يكن يعاني من خفوت في الصوت أو تشويش في الرؤية. ص 338. فقد كان لكل كلمة زمانها الخاص الذي تداخل مع أزمنة عامة تجاور فيها الماضي مع الحاضر. 339. ومع أن (سبت يا ثلاثاء) منغمسة بالسياسة لكنها لم تكن تروج لأفكار شعاراتية، وكانت تبحث عن أخطاء ارتكبها الآخر ولذلك ترتب على شخصيات الرواية تحمل الأعباء ص 339. وهو ما يعتقد فاضل التميمي أنه نتيجة تراكيب لصياغات لغوية ينجم عنها سياق خاص بكل جملة لنصل من خلاله لمعنى محدد. ص 342. بمعنى أن الرواية كانت مثل جدار من الزجاج الشفاف، ومن خلفه يتابع القارئ فوضى الواقع بكل تداخلاته ومعانيه دون أن يجد أية وسيلة لتلخيص المغزى المرجو من الأحداث. فاللغة والصياغة تغمر القارئ وبعد ذلك تتدفق المعاني ثم رسالة النص. ص 342. فقد اختارت الرواية لنفسها لغة مستعارة من فضاء الذهن وتحولات الذاكرة دون أن تكون هناك تفاصيل أو تزاحم أمكنة. 343. ثم يضيف: إن لغة الرواية كانت تنفتح على ما هو مجازي وتشبيهي. بالمجازي تنقلنا لعوالم الشعر و تفتح قناة للتأمل بالذات. والتشبيهي يعمل على الموازنة بين الحالات لإيجاد صلة حية بين طرفي التشبيه وتقديم طرف على آخر لغرض التوضيح. ص 345.

 

د. صالح الرزوق

...................

*منشورات دار الأمل الجديدة. دمشق. 2017. 375ص.

 

328 كتاب المراحيضأهداني اليوم صديقي د.لؤي حمزة عباس نسخة من كتابه (المراحيض)، نشرت طبعته الثالثة دار المُعقدين في البصرة/ العراق لسنة ٢٠١٨، ورغم ما في عنوان الكتاب من إثارة واشمئزاز، إلا أنه مُدونه لتاريخ الارتياح والمظلمة التي يُمكن تدوينها عبر استنطاق (المسكوت عنه) في حياتنا الاجتماعية.

إنه تدوين من نوع خاص، وكتابة في هامش الهامش، فيما نستحي تدوينه أو الكشف عن سرّه في ترتيب حياتنا، أو في خرابها.

في عولم (المراحيض)، كتب لؤي تدوين لتاريخ من الاستلاب السياسي، وكشف عن عُهر الأنظمة الشمولية في بلداننا، لنعبر عن رفضنا لها في فضاء محدود للترويح عن النفس ومكنونتها الرافضة للبنيان الفرداني للسلطة. إنه نظام يغتال الأنفس في (مرحاض).

بذكاء عال تمكن لؤي من جعل (المرحاض) مكاناً للبوح والرفض لأفاعيل نظام ديكتاتوري لا همّ له سوى البقاء على كُرسي السلطة وجعل مدونة الحياة المجتمعية في العراق تلهج بمحبته عنوةً.

(المراحيض) أمكنة لا يستحي منها الفرد ليتحاور معها ونقد (المسكوت عنه) في عوالم الأطر المُغلقة.

في هذه الأمكنة تعبير عن رفض وتماهي مع قولة (لا) بكل ما في اللا من دوي الصوت في الرفض. وفي هذه الأمكنة زوايا مُظلمة جعلها نظام الديكتاتور بمحدودية المساحة ورذائل ما فيها سُكنا فيها (مُراقبة ومعاقبة) لمن لا يستسيغون طريقة الحكم هذه.

يروي لنا لؤي تاريخ علاقة ب (المراحيض) بدءً بمراحيض الجنود ونتانتها، وصولاً لنتانة الحروب بكل قسوتها، وبين نتانة الحرب ونتانة (المراحيض) فاصل ربما نعود بعده نحن بعده أو لا نعود، والجنود من الذين لا (مرحاض) لهم يعيشون هموم الحرب وهموم تفريغ ما في بطونهم من نتانة في ساحات المعركة.

في الحرب تبدو كل مظاهر الوجود وكأنها (مراحيض)، الملاجيء، والمزابل، والأنفاق، والمخافر، والمواخير، بل وحتى المُعتقلات.

وكل له (مراحيضه)، الأطباء العسكريون والضباط في الحرب، ولا (مراحيض) للجنود، إلّا ساعة السجن في تهمة باطلة!.

في الحياة المدنية هُناك مراحيض في دوائر الحكومة للموظفين، وهناك أبأس منها للمراجعين، وهكذا الأمر مع المعلمين والمدرسين فلهم مراحيضهم، وللطلبة (مراحيض) من لا (مراحيض) لهم.

(المراحيض) فيها تشكلاتها وفق البنية المجتمعية في الشرق، وفيها تعريف وتحديد لطبقية مجتمعية غائرة في طيات و (أركيولوجيا) التكوين الأنثربولوجي للمجتمع.

لا أروم الخوض في تفاصيل ما كتبه لؤي بذكاء (خارج مألوف) التدوين التاريخي للمركز.

ولن أجعل من مقالي هذا تلخيص لسردية لؤي حمزة بقدر ما سعيي للكشف عن عُقد الهوية في شكل (المرحاض) كما يُصرح لؤي، فرغبة الماضي تدفع أبناء المشرق العربي بالمكوث في جنة الماضي لتدفعهم للتمسك بمرحاض القُرفصاء، فيجلسون كما جلس أسلافهم من قبل، قضاء حاجتهم.

يؤكد لؤي بأن المراحيض "تُسهم بتحقيق فكرة الوطن...(المراحيض) بوابات الأوطان البديلة، عتبات سلامها ومفاتيح طمأنينتها..." ومشكلة الإنسان أنه "الكائن الوحيد الذي يُريد من أبناء جنسه أن يتذكروه على شكل إنسان مُعقم، لا تصدر عنه الروائح، لا يعرق ولا يتبول".

في تصميم (المراحيض) تمام العمارة والإطمئنان للسكن فيها.

إن تاريخ (المراحيض) "هو تاريخ مسير الإنسان من الوحشية إلى التمدن والرُقي". ف " الحضارة في أحد أوجهها إضماراً هي الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع (المرحاض)، لأن في إتقاننا لاستخدام (المرحاض) دليل على وعينا بقيمة النظافة. (المراحيض) غرفة النظافة في بيتك، وهي الغرفة (السجن) في سجل عقوبات الأنظمة الديكتاتورية.

وتقضي حاجتك فيها بارتياح في بيتك، ويقضي منك وطراً بالعقوبة نظاماً رافضاً لرؤياك الساسية بارتياح خارج قوانين وأنظمة حقوق الإنسان الدولية.

عجيب أمر هذه (المراحيض)، فمرة تكون أمكنة للتأمل والسكينة، وأخرى تكون فيها أمكنة للعزل والسجن الآنفرادي!!.

" في المباغي وحدها، تُمثل (المراحيض)نوعاً من الدحض لفكرة السجن في المبغى (المرحاض) مفتوح، مُتعدد الوظائف، يُستخدم دونما اهتمام تفصيليأو عناية".

" فكرة (المرحاض) تستدعي سجناً تسجن مدلولتها فيه، حفاظاً على كائن أكثر نظافة وأشد ترفعاً".

(المراحيض) تدوين لتاريخ تطور حضاري، وأرخنة لماض في بهاء حضوره، او في تاريخ قمع السلطة التي حكمت كتابته.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏

 

د. علي المرهج - استاذ فلسفة

 

300 عبدالجبار الرفاعيصدرت الطبعةُ الأولى والثانيةُ لهذا الكتاب بعنوان: "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين"، وقد نفدتا من الأسواق منذ بضعة سنوات. وقبل صدور هذه الطبعة أجريتُ مراجعةً شاملةً لكلّ موضوعاته، فرأيتُ أن أحرّره من جديد بإضافات وجدتُها مكملةً لموضوعاته، مثل إدراجِ زيارتي الثانية لجلال الدين الرومي في سياق الفصل الأول من الكتاب، وحذفِ كلماتٍ وعباراتٍ من مختلف فصوله واستبدالِها بغيرها.

ولما كانت أعمالي في العقد الأخير تهتمّ بدراسة ماهيةِ الدين وفهمِ حقيقته، وتحديدِ مديات وظيفته وما يمكن أن يقدّمه للكائن البشري، والتعرّفِ على مختلف آثاره وتجلياته المتنوّعة في حياة الفرد والمجتمع، لذلك ارتأيتُ أن يبدأ العنوانُ المشترَكُ لهذه الأعمال بكلمة: "الدين"، يتلوها الموضوعُ المحوري الذي تبحثه فصولُ الكتاب وتدرس تنويعاتِه المتعدّدة، وهو ما دعاني لانتخاب عنوان: "الدين والنزعة الإنسانية" لهذه الطبعة التي تتزامن مع صدور الطبعة الثالثة لكتابي: "الدين والظمأ الأنطولوجي"، والطبعة الأولى لـكتابي الجديد: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي".

أما ما أعنيه بـ "النزعة الإنسانية" في عنوانِ الكتاب فهي لا ترادف هذا المصطلحَ الذي ظهر في العصر الحديث تمامًا، وإن كانت تلتقي معه في أكثر دلالاته ،كالتشديدِ على مرجعيةِ العقل، وإعادةِ الاعتبار للآدابِ والعلومِ والمعارفِ البشرية ومهمتِها العظمى في بناء الحياة وتطوّرها.

وكان مصطلحُ "الإنسانية" قد نشأ في العصر الحديث اثر احتكارِ الكنيسة للعلوم والمعارف ورفضِها للعقل ودوره في اكتشاف الطبيعة والتعرّف على العالم، وموقفِها السلبي من توظيف الخبرة التي راكمتها البشريةُ في مختلف مجالات الحياة. فدعا ذلك بعضَ الأدباء والمفكرين الغربيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر للعودة إلى تعلّمِ لغات المجتمعات القديمة والإفادةِ منها في التنقيبِ عن آداب وثقافات تلك المجتمعات، وكسرِ احتكارِ الكنيسة والخروجِ على موقفها المتمثل في رفضِ الاعتراف بكلّ علم ومعرفة ينتجها الإنسانُ خارج إطار النصوص الدينية وتفكيرِ رجال الدين ورؤيتِهم المغلقة.

أعلن الإنسانيون موقفَهم الواضحَ الذي أعاد الثقةَ بقدرةِ العقل والاهتمامِ بدوره البنّاء في حياةِ الإنسان وتكوينِ معارفه وخبراته المتنوعة، وقد اتسع مفهومُ "الإنسانية" بمرور الوقت فلم يقتصر على التخصّص في لغاتِ المجتمعات القديمة ودراسةِ آدابها وعلومها ومعارفها، بل استوعب بالتدريج المعاني الأخلاقيةَ، والحقوقَ البشريةَ التي يستحقّها كلُّ إنسان بوصفه إنساناً من دون نظر لجنسه أو معتقده أو هويته العرقية.

وكما يؤكد أندريه لالاند فإن مصطلحَ "الإنسانية" لم يولد في العصر الحديث إلّا في مطلع القرن التاسع عشر سنة 1806 1، عندما نحته أحدُ المفكرين الألمان في ذلك التاريخ. أما في العربية فقد تداوله بعضُ الكتّاب في أعمالهم متأخرًا، وعبّروا عنه بتسميات متعدّدة، مثل: "النزعة الإنسانية، الإنسانية، الإنسنة، الإنسيّة، الإنسانويّة".

وقد اعتمدتُ تسميةَ "النزعة الإنسانية" في عنوان هذا الكتاب، لأنه أضحى أكثرَ تداولاً بالعربية، ولأنه أقربُ وأكثرُ تعبيرًا عمّا أرمي إليه من دلالات يحيل إليها استعمالي له في مختلف كتاباتي، وبوصفه يتضمن الإعلاءَ من منزلة العقل واعتمادَه مرجعيةً في فهمِ الوحي وتفسيرِ نصوصه، فضلاً عن دوره الأساسي في تكوين العلوم والمعارف المختلفة، وما يشي به استعمالُه أخيرًا من مضمونٍ أخلاقي، وما يؤشر إليه التداولُ العام لـ "الإنسانية" من معاني الشفقة والرأفة والعطف.

لم تنشغل موضوعاتُ هذا الكتاب بدراسة مصطلحِ "الإنسانية" وتاريخِه وتطورِ دلالته وما واكبها من تحولات حتى اليوم، لأن كثيرًا من الكتابات درسته في أبعاده المتنوعة، بل حاول الكتابُ أن يتناول الدينَ ومدياتِ تأثيره في المجال الشخصي والمجتمعي، والإفصاحَ عن القيمِ الإنسانية التي يمكن أن يمنحها لحياة الكائن البشري، ونوعِ الاحتياجات الروحية والأخلاقية والجمالية التي يلبيها لهذا الكائن.

كما اهتمتْ موضوعاتُ الكتاب بالتدليل على أن الدينَ لا يمثّل مرحلةً من مراحل تطور الوعي البشري، لإنه كان موجودًا بوجود الإنسان الأول وسيلبث حتى الإنسان الأخير. وشدّد الكتابُ، على وفق المفهوم الذي شرحه لإنسانية الدين، على ضرورةِ العمل بالعقل واعتمادِه مرجعيةً في كلّ شيء، واستعمالِه في تفسير مختلف الظواهر، والبرهنةِ على كلّ قضية مهما كانت إثباتاً أو نفياً، والثقةِ بالعقل في فهم الدين ورسم خارطة تحدّد المجالَ الذي يشغله في الحياة ويحقّق فيه وعودَه، والكيفيةَ التي يتجلّى فيه أثرُ الدين الفاعلُ في بناءِ الحياة الروحية وإثراءِ المسؤولية الأخلاقية وإيقاظِ الضمير الإنساني، والكشفِ عن أن تجاوزَ الدين لحدوده لا يفقده وظيفتَه البنّاءةَ فقط، بل يمسي معها أدًة لتعطيلِ العقل، وإغراقِ حياة الفرد والمجتمع بمشكلات تتوالد عنها على الدوام مشكلاتٌ لا حصر لها.

وشرحتْ موضوعاتُ الكتاب المتنوّعةُ كيف تمكّنَ الإنسانُ من تحديثِ مناهج فهمه للدين، وتجديدِ أدوات تفسير نصوصه، والأهميةَ الكبيرةَ لتوظيف تلك المناهج والأدوات في الدراسات الدينية اليوم. وحثّتْ على ضرورة التمسك بالتفكير النقدي لاختبار قيمة كلّ فكرة سواء كانت تتصل بفهمِ الدين وتفسيرِ نصوصه أو غير ذلك، والكشفِ عمّا هو حقيقي وتمييزه عمّا هو زائف. وأوضحتْ موضوعاتُ الكتاب أن النقدَ ضربٌ من الاختلاف وليس المحاكاة، وأن النقدَ العلمي للأفكار احتفاءٌ بها وتكريمٌ لكاتبها. وأن النقدَ ضرورةٌ يفرضها تجديدُ حياة الدين وإثراءُ حضوره الحيوي في الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية. وأن النقدَ هو الأداةُ العقليةُ الوحيدةُ لتصويبِ الأفكار وإنضاجِها. وأن الفكرَ الديني الذي لا يُنقد يُنسى ويخرج أخيرًا عن التداول.

يتسائلُ بعضُ قراء هذا الكتاب وشقيقَيه: "الدين والظمأ الأنطولوجي" و"الدين والاغتراب الميتافيزيقي" عن الإحالات المتكرّرة على نصوص التصوّف الفلسفي في مواضع متنوعة من كتاباتي المتأخرة. ولتوضيح ذلك أودُ التذكير بأني باحثٌ حرٌّ أتوكأ على العقل النقدي. أنا لستُ متصوفًا، وإن كنت أتفاعلُ مع شيء من مقولات التصوّف الفسفي، وأوظّفُ بعضَ آراء المتصوّفة الحيّة في كتاباتي.

أنا ناقدٌ لتراث المتصوّفة كما أنقد غيره من حقول التراث، وقد أعلنتُ موقفي بصراحة أكثر من مرة في سلوك المتصوّفة، وشرحتُ رأيي بقيمة آثارهم، وشدّدتُ على أنها تعبّرُ عن اجتهادات بشرية وليست نصوصًا مقدّسة، لكن يمكننا الإفادة مما هو حيّ ويتطلبه زمانُنا منها.

وأشير هنا بإيجاز إلى أني ضدّ كلّ أشكال توثين المعتقدات والأفكار، والأشخاص مهما كانوا، سواء فعل ذلك التوثين المتصوّفةُ أو غيرُهم، فأيةُ فكرة تستمدُّ قيمتَها من تعبيرها عن الحقيقة، وأيةُ شخصية تستمدُّ مكانتَها من تمسّكِها بالحق وانحيازِها للإنسان ودفاعها عن كرامته وحقوقه وحرياته. إن المتصوّفةَ بشرٌ تورّطَ أكثرُهم في توثين شيوخهم وأقطابهم، وتمادى "المريدُ" منهم في سجن نفسه بعبوديةٍ طوعيةٍ لشيخه، وتعالت تعاليمُ الشيخ في وجدانهم فصارت مقدّسةً يرضخُ لها الأتباعُ حدّ الاستعباد، بنحو تكبّلهم وتشلّ حركتَهم.

كما أن تراثَ المتصوّفة لا يمكن استئنافُه كما هو في عالمنا اليوم، لأنه كأيّ تراث آخر ينتمي للأفق التاريخي الذي وُلد فيه، وهو مرآةٌ للعصر الذي تكوّن فيه، إذ ترتسمُ في هذا التراث ملامحُ ذلك العصر ومختلفُ ملابساته. وهو تراثُ يتضمن كثيرًا من المقولات المناهضة للعقل، والمفاهيم التي تعطّلُ إرادةَ الإنسان وتشلّ فاعليتَه، وتسلبه الحريةَ في العودة إلى عقله واستعمال تفكيره النقدي. وإن بعضَ أنماط التربية الروحية التي يعتمدها التصوّفُ العملي تسرفُ في ترويضِ الجسد وتتنكرُ للطبيعة البشرية، باعتمادِ أشكالٍ من الارتياض الذي يكون الجسدُ فيها ضحيةَ الجوعِ والسهرِ والبكاءِ والعزلةِ والصمتِ، لأن هذه الأساليب من أهمّ أركان تربية السالك لديهم. ومثلُ هذا الارتياض العنيف غالبًا ما يفرضُ على المتصوّف الانسحابَ من المجتمع والانطواءَ على الذات، وقد يفضي أيضًا إلى أمراض نفسية وحتى أخلاقية. لكن أستفيدُ من شيء من مفاهيم التصوف الفلسفي، وإن كنتُ لا أقلّدُ أحدًا من أعلام التصوف في سلوكه أو أُحاكي حياته الخاصة، ولا أقعُ في أسر أفكاره مهما كان. وأعرف ما يتضمنه تفكيرُ أبرز أعلامهم من وهن وثغرات.

لقد وجدتُ بعضَ آثارِ التصوّف الفلسفي تغتني بما هو شحيحٌ في آثار علم الكلام وغيره. فقد أعادَ هذا النمط من تراث التصوّف بناءَ الصلة بالله فجعلها تتكلمُ لغةَ المحبة وتبتهجُ بالوصال مع معشوق جميل. وفاضتْ مدونتُه بمعاني الرحمة والمحبة والشفقة والرأفة والعطف والتضامن مع البؤساء والمنكوبين، ويُعلي بعضُ المتصوّفةِ من هذه المعاني بالشكل الذي تصبح فيه مقصدًا محوريًا للدين برأيهم. مضافًا إلى أن أعلامًا للتصوّفَ الفلسفي لا يرفضون العقل، بل يعتمدونه ويتمسّكون ببراهينه في بناءِ نظامهم المعرفي ورسمِ رؤيتهم للعالَم. وهذا ما نقرؤه في أعمال محيي الدين بن عربي وبعض العرفاء الذين يبتكرون طريقتَهم العقلية في الاستدلالِ على مقولاتهم ونقضِ حجج خصومهم.

كما يسودُ آثارَ بعض أعلام التصوّف كجلال الدين الرومي تبجيلٌ للعشق الإلهي، ونظرةٌ متفائلةٌ للحياة، واحتفاءٌ بالفن، وكشفٌ عن تجليات جمال الوجود، ودعوةٌ للفرح، وجعلُ المحبة مادة الدين، بحيث صار تطهيرُ القلب من الحقد مفتاحًا لطهارة الإنسان، كما ينص على ذلك جلالُ الدين الرومي بقوله: "توضأ بالمحبة قبل الماء، فإن الصلاةَ بقلب حاقد لا تجوز". وتمكّن بعضُهم من صياغة سلسلة مفاهيم تعمل على تحريرِ الإنسان من اغترابه الوجودي، وإرشادِه لتعاليم تحثّه على التصالح مع العالَم الذي يعيش فيه.

ونعثر في آثارهم على فهمٍ للدين وتفسيرٍ لنصوصه يذهب للتعامل مع الآخر المختلف بوصفه إنسانًا بغضّ النظر عن معتقده. لذلك تخلو أكثرُ آثار المتصوّفة من الأحكام السلبية حيال المختلف في الدين التي نقرؤها في آثارٍ أخرى، ولا نقرأ لدى أعلامهم مفاهيمَ تغرسُ كراهيةَ الأديان الأخرى، وتحظر التعاملَ مع أتباعها، وترسّخ النفورَ منهم. وبعضُ أعلامهم ينفردون في مقولات تكسر احتكارَ الرحمة الإلهية وتوسّع دائرةَ الخلاص، وتصوغ فهمًا للنجاة في الآخرة لا يجعلها حقًا حصريًا لمن يعتنق معتقدًا خاصًا.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

.....................

* مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب الدين والنزعة الإنسانية، الذي يصدر هذا الأسبوع ببيروت.

1- أندريه لالاند. موسوعة الفلسفة. ج 2: ص 1102 – 1103.

 

327 الساخر في معجم المراةيندرج كتاب (الساخر في معجم المرأة) للكاتب: خالد أبو العيمة، في إطار كتب القراءة اللذيذة، أو كتب النفس الواحد، كما قال الكاتب (أفيدكم وأمتعكم)، أهمية الكتاب أنه كتاب اجتماعي بأسلوب ساخر يعرض من وجهة نظر الكاتب أدواء اجتماعية وطريقة للعلاج.

إحصائية الكتاب والنص المقالي القصير:

الموضوع المركزي للكاتب يتناول فكرة المرأة والرجل، وتوابع هذه القضية، لكن يحكم التناول جميعه النص القصير، هذا التكثيف المقصود في الكتابة هو أحد تجليات الكتابة عبر الوسائط الحديثة، خاصة الإنترنت، حيث جري الإنتقال من المنتديات إلي المدونات إلي التدوين القصير (تويتر)، وما تأثر به ذلك من النوع الأدبي فنجد الرواية القصيرة، وقصة الومضة، والإبيجراما الشعرية.

والنص القصير علي نوعين في الكتاب: النص المقالي القصير، الذييصل أحيانًا إلى نصف صفحة فقط، والمقال كنوع أدبي يتمتع بمرونة كبيرة، يقول د. عيسي مرسي سليم: (المقال إنشاء فني ومصطلح إبداعي محير يعبر عن موقف، يتنوع بين الموقف الذاتي، والموقف المواجه للآخر، والموقف الواصف للأشياء)، وتتنوع النصوص المقالية القصيرة التي أحصيت منها عدد (44) نصاً بعد قيامي بضم مقدمة الكتاب إليها، أحياناً يكون هذا النص مزجاً بين سرد قصير ثم مجموعة من المقولات، أو علي شكل حوار طرفيه هو وهي كما في (المرأة والحب العصري)، ص 138 من الكتاب، أو مقال سردي مثال (حديث الصمت)، ص 131 من الكتاب، أو نص مقالي كامل في شكل مقولات متتالية عثر الكاتب علي مفتاحه الفني الذي يربطها جميعاً، مثال (أوجه التشابه بين المخلوقات والإنسان)، ص 22 من الكتاب، فاعددتها نصاً مقالياً قصيراً، ولم أدرج مقولاته في عداد المقولات النوع الآخر في الكتاب من النصوص القصيرة. وأري أن تلك النصوص بطريقة توزيعها بالتناوب مع العبارات القصيرة جداً أصبحت بمثابة مذكرات تفسيرية لتلك المقولات تحمل تحليلاً للوصول إلي جذور المشكلات.

أما النص القصير الآخر فهو العبارات المشكلة من عدد قليل جداً من الكلمات، وهو لون محبب في مجال الأدب برع فيه محمد مستجاب في (كلمات لها معني)، و(كلمة وكليمة) لأديب البيان المقطر الرافعي، و(رمل وزبد) لجبران، و(شذور اليومية) للعقاد، و(حكمة المجانين) ليحيى الرخاوي، و(قالوا) لأنيس منصور، وغيرهم. وطبقاً لإحصائي وجدت عدد (585) مقولة تجلت فيها لوذعية الكاتب وسخريته الاجتماعية الفطنة.

أما الكاتب نفسه فقد قسم كتابه إلي أرقام متسلسة بلغت العداد (70) سواء ضمت مقولات أو نصوص مقالية قصيرة علي الشأن المشار إليه بعاليه، تحت كل رقم من الأرقام عنوان جانبي قد يكون مقولة ضمن المقولات المسرودة تحتها، أو جزء من مقولة أو فكرة بالمقال، أو حتي عنواناً جديداً.

مفردات الحاسوب في الكتاب:

لم يكن فقط النص القصير هو فقط من معطيات التكنولجيا في الكتاب، لكن نجد حضوراً لمفردات حاسوبية في الكتاب، يقول الكاتب في معرض حديثه حول تلقين الأم لابنتها أسس التعاطي مع الواقع الأسري الشاق: (تمنح الأم ابنتها دروساً خصوصية مجانية بمشاهدة وتحميل بروابط مباشرة)(1)، تراقب فيها الفتاة برامج التشغيل العشرة والتي تستعملها الأم في السيطرة علي الواقع الأسري، وأدرج الكاتب ضمنها (برنامج مسح ذاكرة الرجل من دون ترك آثار)، وبدأت المفردات التكنولوجية تأخذ منحي أكثر وضوحاً في هذا النص المقالي القصير، فنجد أعمال إعادة التهيئة (FORMAT)، والمرأة وهي تعيد برمجة الرجل وتركيب نسخة "ويندوز" أو محاولات الهاكرز الأسرية في قوله: (أو محاولة السيطرة بفيروسات عصرية جديدة).

وتتناول بعض المقولات أيضا مفردات حاسوبية اجتماعية:

• بلوتوث المرأة دائماَ شرير.(2)

• ذاكرة المرأة العاطفية مؤقتة.(3)

الساخر في معجم الأسرة:

ناحية شكلية في الكتاب تتصل بعلامته الكلية (العنوان: الساخر في معجم المرأة)، ومفردة "المعجم" تمنح دلالة البحر العميق، وموضوعات الكتاب تشعبت في الحديث عن الصلات بين قطبي الأسرة المرأة والرجل في ظل تحرير مفاهيم متعددة يراها الكاتب ضرورة لحياة طيبة، وعن الصلة مع الأمومة، وتدخل الطفولة والجينات الوراثية علي الخط أيضاً، لكن الملاحظة التي لا تذهب عن وعي القارئ أنه رغم تناول موضوعات الأسرة في الكتاب بصفة عامة، فإن المرأة تحتل الجانب الأكبر من اهتمام الكتابة لمبررات يراها الكاتب، منها أنه محامي عن الرجال، الذي احتسي "شوربة الأسد" ليكتب هذا الكتاب اللافت للنظر، بما يجعلنا ننتقل لقصدية الكتابة وأسلوبها.

قصدية الكاتب والمخلوق الأجمل:

الكاتب يفكر ويري (أن الكلمة مسئولية وأمانة ُتقال ليستفيق بها من أراد ان يتغير)(4)، وتتجلي قصدية الكتابة في الإهداء أكثر من مقدمة الكتاب التي لا أري - من وجهة نظر شخصية بالطبع- لها ضرورة، لأن قصدية الكتابة هنا تشكل جزء من بنية الفكرة المتشرب بها الكتاب علي نحو ساخر، والمقدمة آراها ضرورية في حالة البحث العلمي الذي له مقدماته وتشغيله ونهاياته الملخصة، لكن الكاتب حاول بذكاء تخفيف قسوة نقده وإثبات برائته، إن المقدمة طبقة السكر التي يريد بها كاتبنا ان نبتلع بها الدواء، أو محاولة للتبرير، وبلغ من ذكائه دفع الصورة المثالية للمرأة في صدارة المقدمة، لكن الكتاب قال تلك المقدمة في أنحائه بشكل ساخر أجمل، تعود للإهداء الذي ضم معني الجمال الحقيقي والحلم بالتغيير وأسلوب هذا التغيير بالإحتواء والحب، هذا في كلمات قليلة جداً عكس المقدمة.

تدرج مقولات القسوة علي المرأة بالكتاب:

الكاتب له إرادة إصلاح المجتمع إلي الأفضل، وفي إنقاذ المجتمع من (المادية والتقليد) علي حد قوله، يقول: (أن ننقد انفسنا بصدق وان لا نرضي عن انفسنا رجالاً ونساءً وشباباً وفتيات)(5)، وقصدية الكتابة انصرفت في الأساس إلي نقد المرأة لأن الكاتب يري أنها مناط التغيير الاجتماعي، يقول: (المرأة ديكتاتورية متجملة)(6)، يقصد محاكمة جمال "القشرة" في باب تحرير المفاهيم، فالكاتب يلقي -بأسلوب الصدمة الساخر- باللوم صراحة علي المرأة في أدوائنا الاجتماعية، لماذا؟، لأنه يري أنها سر التغيير وأساس الدواء وموطن الأمومة، ونبع الحرية والعطاء، لذلك يدمغ الجمال "القشرة" بقسوة الصفات أحياناً لعظم حماسته للتغيير وحبه (للكائن الأجمل علي الكرة الأرضية وشريكة الحياة) علي حد وصفه، ولو لم يكن للمرأة تلك الأهمية البالغة ما احتلت في الكتاب هذه المساحة المعتبرة، يقول: (أرجو ان يسجل لي التاريخ أنني أنتقد المراة لكونها جميلة وستظل رغم الواقع الصعب)(7)، والشواهد كثيفة في الكتاب حول هذا المعني نجتزئ منها:

• أيقونة السعادة إمراة إن ارادت هي أن تكون.(8)

• لولا جمال المرأة لأصبح الرجل في قمة القبح.(9)

• أراد الله أن تكون المرأة المخلوق الأجمل بالنسبة للإنسان.(10)

كما ان الكتاب حافل بمقولات قصيرة أخرى عن المرأة علي أنواع، منها مقولات بالغة القسوة، وقد فسرنا دوافعها لدي الكاتب بلسانه هو بالطبع وعلي مسئوليته كاملة!، نجتزئ عنها ببعضها:

• مخالب المرأة لا تخطئ الفريسة، مخالب الرجل خدوش سطحية.(11)

• المرأة ناعمة الملمس، خشنة الأفعال.(12)

• المرأة تحب التباهي والتغابي والتشاكي.(13)

• المرأة مخلوق متسلق.(14)

• المرأة تأكل الحقيقة كما تلتهم النار الأوراق.(15)

• المرأة تصيب الرجل في مقتل، والسم في العسل هو المرأة، وتؤلم علي طريقة الرسم البياني الصاعد، وكل ما فيها رقيق إلا ما تخبئه في قلبها للرجل ..... إلي عشرات المقولات علي هذه الشاكلة.

ثم ينتقل مرحلة أخري فيري لها ميزة لكنها سرعان ما تزول، يقول: (المرأة مثل الكهرباء وحتماً ستصعقك)(16)، ثم يحاول التخفيف ويحقق توازناً في الرؤية، يقول: (المرأة كالأرض تنبت الزهر والشوك والقحط)(17)، ثم ينتقل إلي المرحلة الأخيرة وهي المستهدف لدية في إطار تحريره للمفاهيم خاصة مفهوم الجمال، يقول:

• المرأة زهرة عندما تحنو، نخيل عندما تحلو، جبل عندما تصبر، مصيبة عندما تصمت.(18)

• الشمس تشرق في اليوم مرتان: إحداهما في بداية اليوم، والثانية ليلاً في صورة إمرأة.(19)

ويعمد الكاتب إلي حيلة فنية لتخفيف رؤيتة الناقدة حتي يستطيع تبليغ نصائحه، وهي التنصل الساخر من أقواله وإنكارها، لإيجاد جو من المرح يساهم في تقبل كنوز النصائح، فيصف نفسه بالأثير، يقول:

• كوني رحمية، أنا اسمي ليس خالد إبراهيم، وعنواني ليس هنا، لا أدري من يكتب هذا الكلام علي لساني، إني أحدثكم من عالم الأرواح.(20)

• من أجل السلام كل النساء جميلات، ومن اجل الحرية سأغير اسمي وعنواني.(21)

ثم يعلن الكاتب خشيته من الإنتقام، فيقول: (بسبب أقوالي فيهن من الطبيعي أن تقتلني إمرأة، ومن المحزن جداً ان يقتلني رجل يسمع لإمرأة)(22)، ويناجي إمرأة طيبة بعدها فيقول: (هل من إمرأة طيبة القلب تهدئ من روعي)(23)

وفي إطار ردود الأفعال علي أقواله، تظهر الصفة التفاعلية، في مقاله (المرأة بين الحقيقة والإنصاف)، ص 69 من الكتاب، عندما واجه الفنانة التشكيلية ووجهت له اللوم أنه متحامل علي المراة لحساب الرجل، وفي إطار دفاعه في هذا المقال والموضح لمستهدفه من الكتابة: (إن الجماليات بداخلنا هي المنطق الأقوي والمحفز علي التغيير، وأنه سيظل يستدعي جماليات المرأة علي طريقته، ولن يخشي تاريخ المرأة الخطير، ويظل يقدم الورد حتي تقطع كل أشواكها، وأن التغيير جدير بمن يستحق).

السخرية وسيلة في الكتابة:

يأتي الأسلوب في الكتاب باستعمال "السخرية" وسيلة لتحقيق مطلوب الكاتب، يقول: (قضية المرأة والرجل كبيرة والعلاقة بينهما ستظل مثار أطروحات علي مر الأجيال)(24)، وموضوع المرأة خاصة في إطار الزواج قدمته كتب ساخرة كثيرة، منها اعترافات زوج لعلي سالم، وحواديت زوجية ساخنة ولعبة الست لعاصم حنفي، والسكوت من ذهب لمجدي صابر، وغيرهم، ولم يكفي كل هؤلاء الرجال فاتت الكاتبة هاله فهمي فكتبت (في هجاء الزوجات)، ويري النقد الأدبي أن للأدب الساخر هدف تصحيحي سواء علي المستوي الأخلاقي أو المستوي الجمالي، ويهدف لإصلاح المجتمع وتطويره من خلال إثارة الضحكات والابتسامات علي أقل تقدير، فالغاية عن الأديب الساخر تقرر الوسيلة وإن كانت لا تنفصل عنها بهدف التنوير والمساهمة في تكوين رأي عام تجاه قضية مجتمعية، وليس أهم من قضية المرأة والرجل قضية اجتماعية تشغل كل رجل وإمرأة، فالسخرية ارقي الوان الفكاهة، لأنها تحتاج خفة وذكاء، وليست صادرة عن غضب وحقد، وإنما تهدف للتقويم ، لهذا اعتمد الكاتب أسلوب اللماحية والفكاهة والكاريكاتير والكوميديا المستترة، والصدمة أو القسوة في المفارقة المحببة، وإذا كان (بل ماكفارلان) في كتابه القيم حول (إلقاء الفيل الزهري) يري أن السخرية كالسيف البتار، وتلك هي السخرية المحضة، لكننا هنا بصدد السخرية كـضغينة فنية محببة، والمفارقات تنبئ عنها شواهد كثيفة في الكتاب:

• هو في أيام الخطوبة: تركت كل النساء من اجلك، هو بعد الزواج: لماذا تركك الرجال لي أنا.(25)

• من حسن حظ الفقر أن الفقر رجلا، ولو كان انثي لقتلته.(26)

• الزوجة الأرملة حزينة جداً علي فقد المرحوم خادمها.(27)

ثقافة الإنتقاء في الكتاب:

يتعامل الكاتب مع موضوع كتابه عن ثقافة ومعرفة، دل علي ذلك ثقافة الإنتقاء لديه، كما يقال (اختيار المرء وافر عقله)، وتتنوع تلك الثقافة منها ثقافة الشعب، يقول: (أكثر أصدقاء المرأة ابنتها وهي أحد أعظم تجارب الاستنساخ البشري)(28)، ومقولته مرآة تقنية معاصرة للمثل الشعبي: (اقلب القدرة علي فمها تطلع البنت لأمها)، ومثال آخر: التحوير الساخر للمقولة الشهيرة (إذا دخل الفقر من الباب هرب الحب من الشباك)، ويري الكاتب أنه يفر من الباب والشباك معاً، ومثال ثالث: (من أقوال أبي: يا بخت اللي علته من مرتو، إن ضربها قالوا ضرب مرتو، وإن سكتلها قالوا بغل واشترتو)(29)، ولا ندري أي بخت لمثل هذا الرجل!.

كما نجد من ثقافة الإنتقاء بالكتاب تلك النقول التي تصب بالطبع في إتجاه الكتابة، بحيث يقدم وليمة من أقواله وأقوال سواه، سواء من مختارات أمثال الشعوب عن المراة، ص 117 من الكتاب، أو مختارات من أقوال ومواقف الكاتب الساخر برنارد شو حول المرأة، كما يقدم الصورة الصحيحة عن دور المرأة والواجبات نحوها، وما تقوم به من دور مؤثر في بناء الفرد والمجتمع من خلال تناوله أهمية المراة في الإسلام لتصحيح المفاهيم، ص 119 من الكتاب، وأن المرأة ليست مجرد صورة، ويستشهد ص 39 من الكتاب بالنص القرآني الشريف: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف).

كما أن بالكتاب إحاطة ببعض الحقائق العلمية حول موضوع المرأة والرجل ومنها كما يقول: (الموت يحب الرجال أكثر)(30)، حيث أن عدد وفيات الرجال في معظم الدول اكبر من وفيات النساء وخاصة بعد سن ال 35 سنة، حتي في الدول المتقدمة صناعياً لم يسلم الرجل من المرأة، يقول محسن محمد في كتابه (دفاع عن الزوجات): (وعمر المرأة في دول أوروبا مثل هولندا والسويد والنرويج وفرنسا أكبر من عمر الرجل بأربع سنوات)، وياليت الرجل يهنأ بموته يقول الكاتب: (تبكي المرأة الرجل عندما يموت لأنه أفلت منها)(31).

سمات فنية أخرى في الكتاب:

منها في الأساس إدخال مفاهيم إقتصادية وسياسية في الكتابة الاجتماعية، بما يمنح أن مسارب الموضوع متشعبة ومتصلة وبالطبع الشواهد كثيفة في الكتاب، ومنها ظاهرة التوليد في الكتابة، والتراتب في الأفكار، خاصة المرآة بين النصوص المقالية والمقولات، او بين المقولات بعضها البعض، مثال: (الرجل أجمل مما تراه المرأة / المرأة لا تدرك أنها أجمل مما يراها الرجل)(32)، ومنها ظاهرة الاستطراد أو تداعي الخواطر، مثال: عشرة برامج تستخدمها المرأة مع الرجل ص ص7 و 18 من الكتاب، ومنها أيضا استعمال ألفاظ عامية وإن لم تكن كثيفة علي نحو لافت، شواهد: (مرتو / نرفوزة / غلس / ....).

الداء والدواء:

يصف الكاتب في باطن الفكرة الداء الاجتماعي الممرض لمجتمعاتنا العربية، ويراه في إطار تشتت المفاهيم وعدم تحريرها بدقة، لذلك عمد إلي ضبط المفاهيم والتفرقة الدقيقة بين المعاني علي شروح واختصارات، في إطار من "الضغينة الفنية" المحببة.

ومن مجالات التحرير تلك نجد الجدل القائم بين (الأمومة / المرأة)، حيث أراد الكاتب الاستمرار في منهجة بنقد المرأة مع المحافظة علي قداسة ونقاء مفهوم الأمومة، يقول:

• أفضل النساء أمي وأمك و امك لك ولكنها ليست لأبيك.(33)

• أرحم النساء بالرجل الأم، لكنها تتخلي عنه بعد الزواج.(34)

• في الدنيا الجنة هي أمي والنار هي المرأة و لا تصدق أن المرأة تسامح ما عدا أمك.(35)

ويقدم الكاتب أنواعاً من النساء، يقول: (عندما تفكر بالمرأة فقط تفقد كل شيء)(35)، إذن هناك تفكير في جانب آخر بالمرأة يجب أن يتم، يقول: (لا اتذكر آخر مرة شاهدت فيها إمراة)(36)، وأيضاً: (بلاغ إلي علماء الوراثة: هناك سلالات نادرة جداً من النساء أوشكت علي الإنقراض)(37)، ومن السياق ندرك انه يرمي إلي الإنسان الجميل الذي يريده.

وفي إطار تحرير المفاهيم نجد تحرير مفهوم المقابلة بين (السعادة / الشقاء)، حيث يري مفهوم السعادة الاجتماعية يتشكل من الإرادة: (روح زائد حب صادق زائد رغبة في السعادة)، إنها صرخة كاتب، يري ان العلاج من الداخل: (أنا لا أطلب من احد ما ليس فيه، لأن الجمال حقيقة فيكم، والشعور بداخلكم، والعقل معكم، فلماذا كل هذه التعاسة؟!)

كما أن من مفاهيم الكتاب المركزية كتيمة موضوعية المقابلة بين (الجمال / القبح)، (الجمال / الحلاوة)، ومفهوم المقابلة تلك رئيس في الكتاب، حيث يري الكاتب أن افتقاد السعادة الحقيقية في البيوت هو سر شقاء المجتمع وتمزقة الدامي، يقول في مرآة المقولتين: (المرأة الجميلة هي بستان الرجل / المرأة القبيحة هي جحيم الرجل)(38)، ويري أن القبح متعدي بطبعه، يقول: (المرأة القبيحة لا تكتفي بقبحها)(39)، فهي تقوم بتصديره نكداً لأسرتها والمجتمع باسره.

ومن معاني الجمال في المرأة كما يري الكاتب، ص 24: أن المرأة الجميلة هي التي تترك الرجل طليقاً عندما يكون معها، وعبر أن جمال القشرة = القبح الجميل، يقول: (يجذبني جداً جمالك لكنه لا يدوم)(40)، ويري ص 11 من الكتاب ان المرأة تنفق علي جمالها بدون داع، لأنه جمال شكلي دون تزيين المضمون بالعقل، إنه يري أن جمال الروح والفعل والنفس يعطي نتائج تقوم عليها الأوطان، يقول: (المرأة لا يجب أن ُينظر إليها فقط كصورة، بل هي أجمل من ذلك بكثير)(41)، فالجمال يبدأ من العقل ويستوطن في القلب، يقول: (المرأة جميلة بالقدر الذي يراه الرجل، وقبيحة بالقدر الذي تصنعه هي)(42)، فالجمال في الأساس ليس للذات، وإنما للآخر فيمنحك جمالاً مقابلاً، فلا أنانية في الجمال، فاجمل الجمال ما تزين بجمال المودة والرحمة.

ويمضي الكاتب في رحلته الشيقة موضحاً تصنيف لأنواع من النساء (كتالوج المرأة) بين المرأة النفطية (المراة الجميلة مثل بئر البترول تمنحك براميل السعادة)(43)، في مقابل المراة الدولارية، او إمرأة العملة الصعبة، أو المرأة المادية، ويضف في المقابل تفرقة هامة بين (الرجولة / الذكورة)، فهو يدين الرجل أيضاً، ويراه كارثة إذا كان بلا مضمون، ويسأل (هل الرجل الحالي يستحق المراة الحالية)(44)، فعندما لا يقوم الرجل بقوامته التي تشبة مظلة الحب للأسرة يتسبب في وجود المراة المتحولة، ويصف اثر الترتبية وتوريث القيم في حياتنا الأسرية، فقدم نظرية الوراثة الاجتماعية، يقول: (ذاكرة المراة مكتظة بجمل الروتين العاطفي)(45)، (لا أدري لماذا تنتقل جينات الذكاء من المرأة للمرأة دون الرجل)(46)، ويري ان من أسرار أدوائنا الاجتماعية المغالاة في المهور والفخر الاجتماعي (ص 31)، وان هناك أشياء بسيطة جداً تصنع السعادة لبيوتنا منها الابتسامة الودودة وفنون تقديم الطعام واللقاء الأسري حول المائدة، كما يرصد غياب إرادة التضحية ويحلل بواعث اجتماعية يقول: (هل افتقد الناس الذائقة العاطفية والجمالية فيما بينهم؟، هل الناس فقدوا الإحساس بانها من الممكن ان تتغير من كثرة الهموم العامة، هل فقد الناس عزيمتهم؟)، ويتحسر الكاتب لهذا الإنهيار الأسري المغطي بغطاء ثقيل من التلون الاجتماعي يراه في التناقض بين الشارع والبيت، ونفاذ الرصيد العاطفي سريعاً، فيتحدث عن قلة الإعتناء والإحتواء في البيت، والعناية بالمظاهر دون المضمون خارج البيوت، يقول: (الزوجات هن فلول البنات)، فالمنازل في حاجة إلي شحن عاطفي وشبكات اتصال قوية يقول: (أصبحت بطاريات المراة العاطفية من النوع الصيني رخيص الثمن الذي يفرغ سريعاً في مرحلة الخطوبة وفي بداية الثلاث سنوات الأولي من الزواج، فتضعف البطارية والذاكرة والمشاعر ولا تجد لها بديلاً في السوق سوي سوق الذكريات والأماني والأوهام)(47)، ولا نعلم من أين أتي الكاتب بفترة 3 سنوات كمدة صلاحية، رغم انه ذكر في موضع آخر من كتابه انه بتجارب من تعرف عليهم ان فترة الصلاحية تلك فترة ستة شهور فقط!.

كما يري الكاتب ان من سر الداء الغضب والصوت العالي وكثرة المجادلة بالبيوت، والتعالي في إطار ينبغي فيه خفض الجناح والتودد الجميل، ويري أن صحيح العلاقة بين الرجل والمرأة هي علاقة التكامل لا الصراع، وفي الكتاب تحليلاً لبواعث هذا الصراع، وسر نشأته، وأن القوة الغاشمة للرجل في حاجة لجمال يكسر من حدة هذه القوة، ويهذب أهدافها، كما نجد تفرقته الدقيقة بين الدهاء والذكاء، يقول: (المرأة تفضل الدهاء علي الذكاء)(48)، لأن الدهاء من منتجات الصراع بينما الذكاء يستعمل في الإحتواء والتعاطف، ويسدي الكاتب نصائحة حول ضرورة ان يدرك الرجل والمرأة معاً الدور السلوكي المنوط بكل منهما، ولو فقهت البيوت ذلك، لتحولت إلي جنان زاهرة، ويدعو الكاتب في رسمه لسبل العلاج إلي الذكاء العاطفي وأن يكون للرجل استراتيجيته مع أسرته بما يحقق لها الولاء والسعادة، وان الرجل الذي لا يفعل ذلك مقضي عليه لا محالة، فيقول له: (استحوذ علي قلب زوجتك اجعلها مستحقة لاهتمامك).

نص موجع للقلوب:

وفي الختام نقدم نافذة مضيئة للكتاب في نص يقلب المواجع، ويؤلم القلوب:

(قلب الرجل في حاجة لحنان المرأة، وعيناه في حاجة لجمال المرأة، وعقله في حاجة لمشاركة وطاعة المرأة، وانفه في حاجة لفوح المرأة، وقوة عضلاته في حاجة إلي أنوثتها)(49)

 

خالد جوده أحمد

...................

هامش:

(1) الساخر في معجم المرأة – خالد أبو العيمة – دار كتبخانة للنشر والتوزيع – ص 28.

(2) سابق – ص 26.

(3) سابق – ص 47.

(4) سابق – ص 53.

(5) سابق – ص 33.

(6) سابق – ص 12.

(7) سابق – ص 48.

(8) سابق – ص 7.

(9) سابق – ص 21.

(10) سابق – ص 33.

(11) سابق – ص 14.

(12) سابق – ص 16.

(13) سابق – ص 16.

(14) سابق – ص 18.

(15) سابق – ص 67.

(16) سابق – ص 72.

(17) سابق – ص 47.

(18) سابق – ص 20.

(19) سابق – ص 20.

(20) سابق – ص 52.

(21) سابق – ص 68.

(22) سابق – ص 68.

(23) سابق – ص 68.

(24) سابق – ص 44.

(25) سابق – ص 10.

(26) سابق – ص 36.

(27) سابق – ص 78.

(28) سابق – ص 27.

(29) سابق – ص 41.

(30) سابق – ص 229.

(31) سابق – ص 56.

(32) سابق – ص 65.

(33) سابق – ص 9.

(34) سابق – ص 14.

(35) سابق – ص 19.

(36) : (39) سابق – ص 9.

(40) سابق – ص 25.

(41) سابق – ص 59.

(42) سلبق – ص 73.

(43) سابق – ص 9.

(44) سابق – ص 7.

(45) سابق – ص 14.

(46) سابق – ص 47.

(47) سابق – ص 50.

(48) سابق – ص 67.

 

313 حسن عجميصدر عن الدار العربية للعلوم – ناشرون كتاب فلسفي جديد للكاتب والمفكّر حسن عجمي بعنوان "الفلسفة الإنسانوية: العلمنالوجيا والعقلنالوجيا" يُعبِّر فيه الكاتب عن مضامين الإنسانوية التي تؤكّد على وحدة الثقافات والحضارات والأديان والبشر.

يعرِّف الكاتب المفاهيم والظواهر كالحقائق والمعاني واللغات والعقول على أنها قرارات إنسانوية مستقبلية ما يُعبِّر عن دور الإنسان الفعّال في صياغة الواقع.

ويُقدِّم عجمي مصطلحات فلسفية جديدة كالعلمنالوجيا أي علم العلمنة التي تهدف إلى علمنة كل الظواهر من خلال فصلها عن ماهياتها الماضوية والعقلنالوجيا أي علم العقلنة التي تهدف إلى عقلنة الظواهر كافة من خلال تحليلها على أنها قرارات إنسانوية عقلانية معتمدة على العلم والمنطق والأخلاق العالمية.

للمؤلّف العديد من الكتب الفلسفية منها السوبر حداثة والسوبر مستقبلية والسوبر أصولية والسوبر تخلف والميزياء والضيمياء والبينياء والمعنالوجيا والمعنافوبيا.

علجية عيشإن ممارسة الديمقراطية الحَقَّة قد عُطِّلَتْ، أمر أحزنه وهو يرى العنصر البشري في شخص أطفال المجتمع لم يلتفت إليه، والأمية لم يبدأ مسؤول في التفكير في مواجهتها، ومع ذلك كان الأمل أن يتغير إلى الأفضل بعد أن يعيش أعضاء المجتمع حياة أكثر استقرارا في ظل إيديولوجية واضحة المعالم والأهداف، خاصة في مجتمع يعيش كل أشكال التحرر كالولايات المتحدة الأمريكية، فقد برز دورها بشكل ملفت للإنتباه بعد الحرب العالمية الثانية والآثار المترتبة عن هذا الدول في منطقة الشرق الأوسط، كان هاري ترومان رئيس الولايات المتحدة في ذلك الحين أول من اعترف بدولة إسرائيل، وهو الذي وقع امر إلقاء قنبلتي هيروشيما ونجازاكي تسبب في موت أكثر من ثمانين ألفا ( 80) من الآدميين المسالمين، كان منهم أطفال ونساء وشيوخ، بدت امريكا في أعين جماهير العالم وكأنها عملاق، كما لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دورا بارزا في عهد إيزنهاور عندما اعلن عن المفاوضات بين حكام مصر الجدد والإنجليز، والحياة في أمريكا شيئ آخر، كل شيئ في الحياة عند الأمريكيين له ثمن، فهم يهتمون بالنقود، كما أن الثقافة ألأمريكية تميزت بثقافة التفرقة بين البيض والسود (الزنوج)، التفرقة في كل شيئ في الخدمات وللتشغيل وحتى في للتدريب، أو الإلتحاق بالجامعة، ودراسة السود مع البيض.

وفي هذا الكتاب ذكر سيد عويس قضية أسرة براون في مدين تكساس عندما قاضت السلطات لعدم سماحها فبنتهم دخول مدارس البيض، لكن قرار المحكمة لم يكن منصفا للزنوج، يذكر أن أول زنجي صرعه الإنجليز في الحرب الثورة كان عام 1770، بالرغم من أن بوستن كانت تسمى مدينة الحرية والأحرار، لكن العنصرية كانت متفشية فيها، بحيث لم يكن يسمح للطلبة السود أن يؤجروا شققا لمتابعة الدراسة بجامعة بوستن التي أنشأت عام 1839، لم تكن حرية الرأي في المجتمع الأمريكي مسموح به، وإن مجرد نطق كلمة شيوعية أو اشتراكية كان يعتبر طامة كبرى، ولعل العديد من الأقلام التي تطرقت إلى ما كان يجري من أحداث، على غرار الكاتب بول بلانشارد صاحب كتاب "الحرية الأمريكية وقوة الكاتوليك" صدر سنة 1949 ،.

في الثورات يأكل القائمون بها عادة بعضهم البعض، كما في الثورات تسقط القلاع الحصينة، ففي منتصف 1954 سقطت قلعة ديان بيان فو التي حاصرها الفيتناميين الأحرار حصارا دام 55 يوما على قادة الولايات المتحدة السياسيين، هذه القلعة تقع في الشمال الغربي من اقليم فيتنام، وأن الذين هزموا كانوا من ضباط وجنود الجيش الفرنسي، وكما الإنتصار يولد الإنتصار، فالعنف يولد العنف، كانت الأحداث تتداخل خاصة في جانبها السياسي والحديث عن إسرائيل وبقائها واليهودية والصهيونية والإسلام وقضية تعدد الزوجات، وكل المشكلات التي كمنت موضع نقاش العلماء ورجال الدين وكيف نشات العدائية والأسباب التي تدعو إلى إثارة الشعور بالعداوة بين الشعوب، والشعور بالعداوة هو شعور عميق، خاصة إذا تعلق المر بموضوع مناهضة الإستعمار، والمؤتمرات التي عقدت من اجل تحرر الشعوب وبخاصة شعوب العالم الثالث على غرار مؤتنر باندونغ الذي أعدذه دمال عبد الناصر ونهرو وتيتو، كان مؤتمر باندونغ موضع اهتمام النخبة الأمريكة من السياسيين والجامعيين.

 

قراءة علجية عيش

 

 

عبد الاله الصائغلقد شهد الشارع الثقافي الواقعي والافتراضي سيلاً من المطبوعات او المولفات منها الاصيل المحقق ومنها الدخيل الملفق وذلك لانفتاح باب تعضيد الناشر لكتابه ماديا وتراجع المد الثقافي جماهيريا، وبات صاحب دار النشر بقالاً لايهمه سوى كم يكسب واحيانا لا يهمه سوى ان يتفوق على دار نشر اخرى، اما قيمة المطبوع فلا وقت للأكثرية كي يتوقفوا عندها من المؤلف الى الناشر حتى اكثرية القراء أو مقتني الكتاب فضلا عن غفوات اتحادات الكتاب والادباء والمجامع العلمية في زمن الغفوة، وبات شبه مستحيل ان نلاحق كل ما يطبع وكل ما ينشر فضلا عن الأعباء اليومية الحياتية، وقد لذنا بالخيارالانتقائي قبالة هذه الفوضى إذ ليس في الأعناق بيعة لقراءة كل مطبوع او منشور، ....

صدور كتاب للاستاذ حسان الحديثي المقيم في بريطانيا ضمن منشورات دار المؤلف بيروت لبنان 2018، وعدد صفحاته 296 بادرة جيدة فالكتاب بهذا الكم المعرفي وبذاك الكيف الأدبي اطروحة وضع فيها المؤلف رؤيته الصافية وحساسيته الجمالية وتوفره على التراث، وحتى نتواصل مع هموم الكاتب والكتاب يتوجب علينا قراءة ديباجة وضعها المؤلف على الغلاف الخلفي لكتابه بطريقة التداعي الحر، فهو كمن يجلس على كرسي هزاز ليعترف دون ان نطلب منه ذلك، قارن حسان الحديثي :

لستُ انتقائيا في ميولي إلا لثلاثة الأصدقاء واللغة والموسيقا

أحبُّ كلَّ الناس وأحبُّ اصدقائي أكثر وأحبُّ كلَّ اللغة وأحبُّ الشعر أكثر

وأحبُّ كلَّ الموسيقا وأحبُّ الرستَ أكثر

غيرَ أنني أحبُ وطني أكثر من الأصدقاء والشعر والموسيقا .إ. هـ

الكتاب مقسم ثمانية ابواب على هذا النحو:

310 عبدالاله الصايغ

التقديم

وقد نهد به الاستاذ الدكتور وليد الصراف بلغة تزاوج بين العلم والشعر فهو يقول في مبتدأ تقديمه : حسان الحديثي هو جملة في كتاب اسمه حديثة وحديثة ليست كأي أرض وحسان الحديثي جملة ليست كأي جملة، اصغى الى الخرير فتعلم أوزان الشعر واكتشف أن أنين الناعور يمت بالقربى الى تفعيلات الخليل فقصد البيت الخليلي فأكتشف انه يشبه بيت أبيه ...

.. وإذا كانت الهموم الوظيفية والأكاديمية لم تترك من الأسبوع سوى الأربعاء لطه حسين كي يتحدث للقراء فان حياة حسان الحديثي الخاصة وتجارته لم تترك لحسان الحديثي سوى الخميس لينساب حديثه نهراً طامحا ان ينساب في ايام الاسبوع كلها رغم انه لم يتدفق الا الخميس وان يبقى منساباً السنين الطوال رغم انه لم يتدفق الا منذ اسابيع راويا ما خصب من تربة العقول والقلوب مستخرجا منها ما سيفوح من ورد وما سينشر الظلال من شجر ...

... كتب الشعر الا انه لم يدع انه شاعر في زمن اصبح من لايكتبونه يدعونه ومارس النقد دون ان يزعمه ... وهكذا انتجت النار الهادئة عبر عقود من القراءات والتأملات أحاديث خميس اصبحنا ننتظره لأننا وجدنا فيه من الصدق والاتقان واللون والطعم والرائحة مالم نجده في مجلات ادبية واطاريح جامعية وامسيات ثقافية وجدنا فيه الحديث الذي يجري على السجية وما اصعب ان يجري حديث على السجية كنبع ينبجس من الماء في لحظة مستجيبا لعصور من العطش .. 15سبتمبر 2017

الباب الأول (المناسبات)

حسان الحديثي رجل اعمال وكاتب واديب من مواليد 1967 في مدينة حديثة الفراتية بدأ بالتجارة والاعمال الحرة 1995 الى جانب اهتمامه الكبير بالادب العربي ومحطات التحول عبر عصوره انتقل الى دبي 1999 ليبدا مشواره التجاري والأدبي معا، كتاب حديث الخميس في جزئه الاول هو كتابه المطبوع الاول مع مخطوطتين جاهزتين للطبع الاولى هي السياب شاعر الانسانية الاكبر والثانية عنوانها عشرون عاماً في دبي، وجاء الكتاب وفيه شجن وحنين نترك الحديث عنه الى ميقات طبعه) وفي كتاب حديث الخميس يقول الصديق المشترك الشاعر واللغوي والدبلوماسي عمر الحديثي (هو تقديم حديث وجديد للادب العربي بأسلوب يتلاءم وعصر السرعة والانترنت مع اعتماد العاطفة في تقديمه للادب العربي وشرح الشعر بالشعر والفكر بالفكر بعيدا عن التعقيد)،

تسلمت كتاب حديث الخميس وتركته ردحاً من الوقت ريثما أتفرغ له بحسب وقتي ومشاغلي بعدها عدت الى كتاب الاستاذ حسان الحديثي وبدأت كعادتي بالفهرست وثنيت بالمقدمة وثلثت بمنتقيات أغرتني بإطلالة عليها، دون ان ادري وجدتني منشدَّاً الى الكتاب شغوفاً بما توصلت اليه ولي ان اوجز قراءتي وفق منهجي الوصفي بعيدا عن المنهج المعياري وذلك ما يعرفه عني القراء الكرام فإلى ما يلي :

أليف - يستحوذ على الكتاب هاجس تربوي وآخر جمالي وثالث انتقائي ورابع أسلوبي .

باء – بعد الانتهاء من قراءة الكتاب تستشعر احترام الكتاب المفرط لوعي القاريء .

تاء – التعامل مع المعلومة بطريقة مغايرة فهو ليس مستهلكاً للمعلومة ولايرجو للقاري ذلك وانما هو مشارك فيها معيد لانتاجها بطريقة تحفظ نصيتها دون ان تحجر حريته في الفهم والاستيعاب والتوظيف.

ثاء – نأي الكتاب عن تسويق المؤلف أو الدعاية له وهذا سلوك نادر في زمن المغني الأخرس والجمهور الأعمى .

جيم – ميل الكتاب التلقائي للمنهج البنيوي وشاهد ذلك ردات فعله قبالة انتقاءاته فهو لايصحح ولايخطِّيء ولايعدل بل يترك ذلك للمتلقي بسبب من توقيره للقاريء وتوفيره للوقت .

حاء - فصل الامير والمجنون ص 119 يسوغ الكاتب تعلقه بعبقرية الأسطورة الشعرية أحمد شوقي : رؤية احمد شوقي الفذة ونظرته الثاقبة للتاريخ من خلال ما ابدع في مسرحياته الشعرية العظيمة سيما كليوباترا ومجنون ليلى فلقد جسد بهذين العملين الادبيين اعلى مراتب الاحساس والشعور من خلال تقمصه لشخصيات سبقته بمئات والاف السنين وتقمص الشخصيات وان توفر في المسرحيات النثرية فليس من السهولة ان يتأتى في المسرحيات الشعرية لتشكيله شعراً مبقيا على المادة التاريخية ومضيفا اليه الاحساس والشعور والبيئة التي تتلائم (كذا) مع القول ثم صبها كلها في قالب التفعيلة والقافية في حوار بين شخصين او اكثر .

خاء – عناية الكتاب بالديباجة وهو يؤسس لرسم بانوراما للاعلام الذين استوقفوه قارن أبو نواس ص 145 : شاعر لايشبه الشعراء فاق سابقيه وبز لاحقيه متفرد في طريقته وحيد في مسلكه ادرك فقه المعنى وفهم اسرار المبنى فكان مدرسة انتمى لها الكبار دون سابق قصد او سالف تخطيط أشعر شعراء عصره صاحب طريقة أخاذة واسلوب ساحر تبع مدرسته كبار الشعراء دون ان يشعروا وتأثر به جل من أتى بعده في عصره وبعد عصره دون ان يتفوقوا عليه، صاحب الاشعار المشهورة والدرر المنثورة، له في كل معنى مرتكز وفي كل غرض دلالة، لم يتخذ مذهباً إلا وابدع فيه ولم يسلك طريقاً الا وكان حادياً لراكبه دالاً على مدارجه ومسالكه، نهل من منهله من أتى بعده دون ان يضيفوا الى ما قال او يزيدوا على ما نال وأنال . إ . هـ

دال – الكتاب ذو هاجس تربوي يشتغل على الحساسية الجمالية فهو موقن ان العلاقة بين المبدع والمهنة لاتقع كما يتصور البعض موقع النتيجة بالسبب لان المواهب اكبر من المكان وابعد من الزمان قارن الرحباني ص 184 : رعى الماعز حمل سلال العنب خدم في مطعم ثم شرطي كل هذه المهن لاتوحي بالشعر لاتشي ان لها علاقة بالشعر اصلا فضلا عن الموسيقى، غير ان الحقيقة ان من اشتغل بهذه المهن صار شاعرا وموسيقيا متفردا بل لعله غير مجرى هذين الفنين خلال الحقبة الممتدة بين خمسينات القرن الماضي ونهايته لم يكن ليمر بخاطري وانا استمع الى قصيدة:

بغداد والشعراء والصور ذهب الزمان وضوعه العطر

والتي صدحت بها حنجرة مطربة الصباحات السيدة فيروز في سبعينات القرن الماضي انه شعر خالص البتة لعلي تخيلته للوهلة الاولى لعلي بن الجهم او لصفي الدين الحلي او لاحد شعراء الفترة المظلمة ممن تغنوا ببغداد لكني لم اكن اتوقع على الاطلاق انه لاحد الشعراء المعاصرين والذين برزوا واشتهروا على الساحة الفنية الغنائية والادبية والشعرية، بعد ان عرفت هذه المعلومة بدات ابحث عن شعر الرحابنة حتى توصلت الى ان هذا الشعر يحوي بين طياته لمحات فلسفية بطابع خاص ونكهة متفردة لانجده عند عامة الشعراء) والقاري يستنتج محمولات كثيرة من السرد الذي وضعناه بين هلالين بينها مثلا التلقائية المحسوبة فكأن المؤلف يتحدث حديث القلب الى القلب دون ان يعبأ بالديكورات والمحسنات والمجازات والمحمول الثاني ان الكتاب لم يجعل وكده في الادب بل تمدد نحو الموسيقا ونحو السيرة الذاتية ونحو الهاجس التربوي فالموهبة لاعلاقة لها بمتاعب الموهوب ومشاغله وعذاباته فهو ذهب ابريز لن تضيره معايشة المعادن الخسيسة والقمامة مثلا فالموهبة والذهب الخالص توأمان، والمحمول الثالثة توهج الحساسية الجمالية وشاهد ذلك ان قصيدة بغداد والشعراء على بساطتها قصيدة معجزة تنتمي الى فصيلة السهل الممتنع والمحمول الرابع الانتقال من الشاعر الى الشعر ومن الشعر الى الشاعر لاقتناص معدن النص وفضاءاته من نحو فضاء الفلسفة وفضاءات التفرد والامتياز وهما ركيزتا الاسلوب الذي يميز الشاعر عن الشاعر والقصيدة عن القصيدة وربما البيت عن البيت

وبعد: حسبي انني وضعت بين عيني القاريء الكريم كتابا مغايرا وداباً مثابراً ولم اشأ ان اثقل القاريء بكل عندياتي الخاصة بالكتاب وما لايدرك كله لايترك جله .

 

قراءة عبد الاله الصائغ - استاذ تحليل النص المتمرس مشيغن

.............................

الصورتان الاولى تجمع بين عمر الحديثي وحسان الحديثي ، والثانية غلاف الكتاب

 

 

301 عبدالجبار الرفاعيمنذ صدور كتابي: "الدين والظمأ الأنطولوجي" قبل عامين نُشِرَت أكثرُ من خمسين مقالةً تُعرِّف بهذا الكتاب، وتتناول أفكارَه بالتحليل والنقد. وفوجئ مؤلفُه باحتفاءِ القرّاء الشباب به، واهتمامِهم بما أثاره من أسئلة، وما خلص إليه من رؤىً حيال الدين، وبواعث حضور الدين المزمن أمس واليوم في الحياة البشرية، وكيف أنه كان ومازال أحدَ العوامل الفاعلة في تاريخ المجتمعات، بكلّ ما يحفل به التاريخُ من تقدّم وتخلّف، ويقظة وسبات، ونهوض وكبوة، وحرب وسلام، وانتصار وهزيمة.

وتباينت آراءُ القرّاء في مضامين هذا الكتاب، فرأى بعضُ القرّاء أنه دعوةٌ لـ "تصوف مقنع"، ووصفه آخرون بأنه دعوةٌ مغريةٌ للإيمان، ودفاعٌ لـ "محامٍ بارع" عن الدين، ورأى فريقٌ ثالثٌ أنه يبتعد كثيراً عن مفهوم الدين الذي يتحدّث به معظمُ الكتّاب الإسلاميين. وتسلّم الكاتبُ رسائلَ كثيرةً تبدي انزعاجَها وألمَها من نقده لـ "أدلجة الدين في فكر علي شريعتي"، وأقلق غيرَ واحد من القرّاء أن النقدَ الذي يطال شريعتي ينطبق على مفكرين إسلاميين كبار من معاصريه الذين تحوّلت كتاباتُهم إلى ملهمةٍ لعدّة أجيال، إذ تنبهوا إلى أن نقدَ الكتاب لفكر شريعتي إنما جاء بوصفه مثالاً لنمط تفكيرٍ أيديولوجي تغلغل في أدبيات الجماعات الدينية كلِّها في النصف الثاني من القرن العشرين.

لعل تنوعَ مواقف قرّاء الكتاب، واختلافَ آرائهم في الكتاب يعود إلى كثافةِ حضور التجربة الذاتية للكاتب في موضوعاته، وتداخلِ تنويعات العقل والقلب والروح فيها، فهي تجربةٌ ألقتْ بثقلها على موضوعات الكتاب. لم ينفرد فيها صوتُ العقل فقط، بل إن القارئَ يستمع فيها للعقل يتحدّث للقلب والروح، كما يستمع فيها للقلب والروح يتحدثان للعقل.

يعترف الكاتبُ أنه أفاد من آثار فلاسفةٍ وروحانيين كبار ملهمين للمعنى، لكن القارئَ الخبيرَ يتحسّس صوتَ مؤلفه الذي حرص على ألا يكرّر غيرَه أو يستنسخه. فعندما كان المؤلفُ يحيل إلى التراث الروحاني في الإسلام لم يكن داعيةً لـ "تصوف مقنع"، لأنه لا يعوزه الحسُّ التاريخي، لذلك تعاطى مع ذلك التراث بوصفه فهماً للدين، وتأويلاً للقرآن الكريم، ينتميان للأفق التاريخي الذي وُلدا فيه. ومع ثنائِه على ما يتميز به التصوّفُ الفلسفي من الخروج على الأنساق المغلقة لعلم الكلام التي انطفأت فيها أشواقُ الروح وذبلت فيها جذوةُ الأخلاق، وإعجابِه بطاقة المعنى الخلاقة في التراث الروحاني الذي منح روحَ وقلبَ المسلم فضاءً فسيحاً يمكّنه من بناء صلة ديناميكة يقظة بالله، وإدراكِه لقدرة النظام المعرفي للتصوف الفلسفي على تحرير العقل من الأسوار المغلقة للرؤية التوحيدية للمتكلمين، وتخطي الفهم المتصلّب للدين والتفسير الحرفي لنصوصه. لكن مع كلِّ تلك الميزات الباهرة في التراث الروحاني فإنه كغيره من تراث الإسلام يتسع لاتجاهات متضادّة ومقولات متنازعة، اصطبغت بألوان عديدة، من خلال تشكّلها في أزمنة وأمكنة مختلفة، واتخذت صياغاتٍ متباينةً على وفق السياقاتِ المتنوعة التي تموضعت في مناخاتها، وأنماطِ التجارب الروحية لأصحابها، لذلك ترى في آثار المتصوّفة والعرفاء ما هو أشدُّ فتكاً من الشعوذة والوثنية، مما يُعطّل العقلَ ويُهشّم القلبَ ويُشوّه الروحَ، وترى فيها، بعد تمحيص واختبار، كما يرى فيها كلُّ قارئ محترف، درراً ولآلئَ نادرة، توقظ العقلَ من سباته، وتنقذ الروحَ من متاهاتها، وتغيث القلبَ حالة يبابه.

أما القرّاءُ الذين رأوا المؤلفَ داعيةً للإيمان و"محاميا بارعا" في الدفاع عن الدين، فقد تنبهوا بذكاء لرسالة هذا الكتاب وكتاباتي الأخرى، إذ كنتُ ومازلتُ مؤمناً بالدين، ومدركاً لحضوره الأبدي، ودارساً لتنوّع تمثلاته في حياة الفرد والجماعة. بل إني قلتُ أكثر من مرة: "أنا كائن ميتافيزيقي، لا تتحقّق ذاتي إلّا حيث يتحقّق إيماني".

أما أولئك المنزعجون من هذا الكتابِ وغيرِه من كتاباتي فإني أتفّهم مشاعرَهم، وأظن أن الكثيرَ منهم يشعر بالخذلان عندما يجدني في موقع فكري غيرِ الموقع الذي كنتُ فيه في شبابي. حين كان صوتي مجردَ صدىً لأصوات كتابات مليئة بالشعاراتِ التعبوية، والأحكامِ الوثوقية الجاهزة، التي تفتقر للتحليل والغربلة والتمحيص والنقد، ولا تعرف شيئاً عن المناهج الحديثة للبحث العلمي، وتفشل في توظيف أدواته في دراسة الظواهر المجتمعية وفهمها.

بعد سنوات طويلة أمضيتها في دراسة وتدريس معارف الدين بدأت بالتدريج اكتشف قصورَ فهمي للدين، وهشاشةَ تفسيري لنصوصه. وبعد أن اختنق تفكيري في مدارات التراث المسدودة، حاولتُ أن أعتمد الفلسفةَ وعلومَ الإنسان والمجتمع الحديثةَ في فهمِ الدين بوصفه ظاهرةً عميقةً في حياة الإنسان، وتحليلِ كيفية نشأة وتطوّر معارفه، وتراكمِ التراث الذي تكوّن في فضائه، وتنوّعِه عبر العصور، فرأيتُ طبقاتٍ للدين والتراث لم أَرَها من قبل، وأضاءتْ لي أعماقاً لم أكن أدركها. رأيتُ كيف تتشكّل معارفُ الدين عبر التاريخ، وكيف ينتج كلُّ عصر فهمَه للنصّ، وتعلّمتُ كيف يؤثّر النصُّ الديني في الواقع، وكيف يتوالد تفسيرُ النصّ من الواقع، ورأيتُ نسيجَ العلاقات المجتمعية المعقدة وأثرَها المباشر في إنتاج أشكال المعارف الدينية المختلفة.

يبقى مؤلفُ هذا الكتاب مديناً للقرّاء الذين منحوه ثقتَهم، ولم ينقطع تواصلُهم المباشر معه بوسائل الاتصال المختلفة حتى اليوم، كلٌّ منهم يبدي وجهةَ نظره ورأيَه في القضايا التي أثارها الكتابُ إثباتاً ونفياً.

آراءُ القرّاء وأسئلتُهم ومناقشاتُهم حثتني على التفكير مجدداً في قضايا لازمتْ تفكيري منذ بداية مطالعاتي ودراستي لمعارف الدين، وكنتُ فيما مضى أغلق التفكيرَ فيها بإجاباتٍ لم أجد الكثيرَ منها منطقياً اليوم، لذلك حاولتُ إثارتَها بشكل أدق، والسعيَ لتقديم إجابات لها، تتخذ القرآنَ مرجعيةً، والمناهجَ الحديثةَ في التأويل أدواتِ تبصّر في ما ترمي إليه مدلولاتُه. ويتضمن شيئاً من هذه الإجابات كتابي الجديد "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، الذي يتزامن صدورُ طبعته الأولى مع الطبعةِ الثالثة لهذا الكتاب، والطبعةِ الثالثة من كتابي "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين" الصادر عام 2010، والذي كان يمثّل الحلقةَ الأولى في مسعىً لإرساءِ لَبَناتِ فهمٍ للدين، وبوصلةٍ ترسم منطقَ فهمِ آيات الكتاب، من أجل بناء رؤية "إنسانية ايمانية" للدين، عساها تطلُّ بنا على أفق مضيء نرى فيه الدينَ من منظور مختلف، يصير فيه الدينُ دواءً لا داءً، والإيمانُ محرِّراً لا مستعبِداً، والتديّنُ حالةً روحانيةً أخلاقية جمالية تتجلى فيها أجملُ صورة لله والإنسان والعالَم.

وآمل أن تظلّ كتاباتي القادمةُ وفيةً لهذا النهج الذي خلصت إليه بعد رحلة تفكير وتأمل تواصلت لأكثر من أربعين عاماً من حياتي، واكبتُ فيها دراسةَ وتدريسَ معارف الدين، وعشتُ حياةً روحية وأخلاقية تكرّستْ اثر مكابداتِ صور مضادّة لها، تبدّتْ في سلوك بعض المتدينين، ممن تتخذُ شخصياتُهم أقنعةً دينيةً زائفة، تلتبسُ فيها القيمُ الرديئةُ بالأمراض الأخلاقية والنفسية، وتختبئ خلف طقوس وشعائر صاخبة.

 

عبدالجبار الرفاعي

......................

مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" الذي صدر هذا الأسبوع ببيروت.

 

صالح الطائيقد لا تكون للعمر علاقة بالحكمة، ولكن إذا تجاوز المرء العقد السادس من عمره، مع كل ما يقرأ ويبحث وينجز ويتابع وينقر ويمتحن ويفحص ويحفظ، لابد وأن يستقر وشل ذلك في روحه، فتتفتح له تجليات المعرفة، التي تمكنه من اختراق مناطق اللاشعور، والغوص في لجج اللاوعي، ليرى بعض أسرار الرؤى التي لم يكن من قبل يراها. وأنا واقعا كنت على مدى أكثر من خمسة أربعين عاما غارقا في دنيا البحث والتقصي، أركض خلف الآية والرواية والحديث والرأي والقول والحكمة، أنقِّرُ في الموروث أملا في أن اصل إلى نتيجة تتكشف من خلالها التعقيدات التي تحيط بنا، التعقيدات التي جعلت الأخ يختلف مع أخيه، والابن لا يتوافق مع أبيه، إلا أني مع انصرام كل عام، كنت أشعر أن الهوة تتسع، والمسافات تنفتح، والبعد يتضاعف، والمشاعر تتصحر، وانهار الود تجف، حتى اختفت الضفاف التي كنت أنظر إليها عندما كنت في بدايات الطريق.

اليوم أجلس أحيانا أفكر مليا في ذلك العمر الذي أنفقته طوعا، وأطيل النظر إلى مؤلفاتي التي ناف عددها على الأربعين كتابا، واسأل: يا ترى هل نجحت في قول ما يمكن أن يُقرِّب الشطآن إلى بعضها، أم زدت التباعد بينها؟ والآخرون هل أفادوا مما أعتقد أني أعطيته لهم؟ أم أنهم تجاوزوا ذلك، بدليل أنهم لم يصلحوا أوضاعهم!

إنها الحيرة التي وضعتني أمام امتحان لابد من خوضه أو الغرق، وهنا لم أجد أمامي سوى خيار التحدي والمجازفة، فارسا في فيافي الكلمة، يحمل بدل السيف قلما، سرت في درب البحث عن الحقيقة، مستعدا لتحمل جميع النتائج التي ستترتب على سيري هذا بما في ذلك احتمال اتهامي بأني خرجت ضد السلطان، وخنت الأوطان.

ولكي أبرئ نفسي مما نسبه إلي رجال الأمن؛ الذين كانوا يرصدون أدق حركاتي بل وحتى سكناتي، قررت أن أكتب قوافل الكلمات التي تسرح في خيالي وأنشرها في الآفاق على شكل ومضات كالبرق، لأترك للآخرين الحكم عليها، واحصل على النتيجة، إذ لا ينكر أن هناك ثمة اعتباط وضحك على الذقون واستغفال للآخرين يفوق الخيال، يملأ الساحة، منتشرا كالنار في الهشيم، وكأن هناك مؤامرة كبرى هدفها قلب المفاهيم وتغيير القيم، لكي لا تقوم للعراق قائمة إلى يوم يبعثون؟! ولذا أعتقد اني من خلال هذا الكتاب بالذات قد انجح في كشف ملامح غبش الصبح الذي ننتظر، أو في الأقل؛ الذي أنتظره أنا منذ سبعين عاما!.

إن الشيء المميز في هذا الكتاب، أنه مجموعة نصوص نثرية متفرقة، لا رابط بينها سوى الهدف والقصدية، تهدف جميعها إلى إحداث صعقة قد توقظ الضمير، مثل قول: "اللهم إني لا أخاف الموت غفلة .. ولكني أخاف الغفلة عن الموت" ومثل: "لا تخلُ الحياة من الروائع، فهنالكَ دائما شيء رائع وجميل حتى في الظلام.. إنه يجعلك تشتاق إلى النور"

ولأني أؤمن بالتواصلية بين الأجيال، ولأن حفيدتي فاطمة كانت تمر بأزمة صحية خطيرة جدا وقد نقلت إلى بيروت لمعالجتها، فقد أهديت الكتاب إليها ببضع كلمات:

"فاطمة؛ حفيدتي التي أحبها أكثر من روحي، يا بتلة عمري وروض سنيني، إليك، وأنت تنتظرين النهوض من جديد"

ملكوت الروح / نصوص نثرية، آخر مؤلفاتي، وقد صدر عن دار ليندا ـ السويداء ـ سوريا، بواقع 212 صفحة، تزين غلافه لوحة للفنان العراقي الكبير الدكتور مصدق حبيب

 

صالح الطائي

 

علجية عيشالتاريخ الذي أحمله على ظهري ماء الحياة.. أو كل شيئ له تاريخ.. هي العبارة التي قلبت تفكيره رأسا على عقب، هكذا قال الدكتور سيد عويس، الرجل الذي حمل التاريخ على ظهره في كتابه "ماء الحياة"، ولعل تأثره بهذه العبارة سببه تأثره بأفكار العالم فريزر لاسيما كتابه الغصن الذهبي، وكتاب فجر الضمير للعالم برستد، كانت هذه الكتب من اقتراح الدكتور جون لويس لقراءتها، ومن خلال هذه الكتب عرف سيد عويس كيف تقدم ألإنسان منذ الماضي السحيق وحتى الوقت المعاصر أن يكتشف القوانين التي تسيطر على الظواهر الطبيعية وعلى الظواهر الإنسانية ليتسلط هو عليها، يقول سيد عويس: ما أبعد المسيرة الثقافية التي يجب أن يقفزها أعضاء الشعب المصري لكي يلاحقوا المسيرة الإنسانية في تقدمها وفي تطهير مجتمعاتها من أدران الترهات والأفكار البالية والأساطير، ولعلنا نقف وقفة تأييد لرؤية سيد عويس ونقول أن الشعوب كلها وليس الشعب المصري وحده، وسيد عويس في طرحه هذه الأفكار يقدم للقارئ كثالا بسيطا وهو كيف نجح الإغريق في الماضي في تطهير معارفهم من الأساطير، فتقدمت حضارتهم وتقدم الغرب الذي أخذ منهم هذه الحضارة.

وهو يتكلم تحضر في خاطره أسماء أعلام بمختلف مشاربها العلمية والدينية والفلسفية، وكان أول اسم يذكره هو: أخناتون أول الموحدين الذي دعا إلى الإصلاح الديني قبل مارتن لوثر بتسعة وعشرين قرنا من الزمان، فكان أكثر حيرة بعدما عجزت الفلسفة على أن تساعده على التحرر ولو أنها وسعت من آفاق تفكيره كباحث عن الحقيقة، ولا شك أن فلسفة البراجماتيزم أو فلسفة الذرائع، التي تحدث عنها أستاذه في مادة الفلسفة يعقوب فام، الذي كان أول من عرف المصريين بهذه الفلسفة، ما يتميز به الدكتور سيد عويس أنه لن يتأثر بأفكار الغرب والذي قضى معظم حياته في لندن يدرس ويبحث بين الجامعات والمخابر، وزياراته للمتاحف، بل كان يشعر بالتخمة الفكرية للغرب كما قال هو في الصفحة 110 من كتابه ماء الحياة"، كتبه بأسلوب سلس يسهل على القارئ البسيط فهمه، وهذه مهمة الأستاذ أو المعلم لبسط فكرته أمام طلبته، ولعل مفهوم التخمة استمدها من أستاذه ة خالد محمد خالد وهو يردد امامهم مرة أنه أخذ يقرأ حتى اتخم من القراءة، وهذا أمر يحول إلى السلبية بالنسبة له هو، لأنه في المهجر وجد نفسه متفرغ للقراءة من الصباح حتى المساء المتأخر، لا يمل من القراءة، ولا يحس إلا بصفاء الذهن، وهذا يدعونا إلى التساؤل: هل الغرب أكثر حبا منّا للقراءة؟ وماذا تعني لنا القراءة والمقروئية في بلد لا يجد قوت يومه، أي معدته ما تزال جوفاء؟، ولعل العبارة التي استخدمها سيد عويس كمنهج علمي في حياته (حياة المهجر) هي عبارة "ما يمكن أن يكون"و "ما يجب أن يكون" حتى يفهم الإنسان ما حوله ومن حوله فهما علميا.

الحقيقة وأنا أتابع ما كتبه سيد عويس، فحياة هذا الرجل تشبه إلى حد ما حياة الرَّحَّالَة، فمن لندن إلى باريس، لكسب تجارب جديدة، ونلاحظ أن اللغة كأداة تواصل لها جانب مهم في حياة الإنسان وهو يتنقل من مكان إلى مكان، أو بالأحرى إلى بلد تختلف لغته عن البلد الآخر، فهو كما يقول لا يتقن اللغة الفرنسية، خاصة وأن الغرب ينظرون إلى العرب بنظرة استهزاء، باريس تختلف عن لندن برائحة مأكولاتها، وهنا يمكننا ان نقف على أوجه الإختلاف بين لندن وباريس، أي أن ثقافتهما مختلفتان، فالخير موجود والشر موجود وهما في صراع دائم، صراع الغرب والشرق، لكن كاتبنا يجمع بين الإثنين، تارة يقرأ للغرب، وتارة أخرى يقرأ للشرق وبالخصوص توفيق الحكيم ونجيب محفوظ، الذي يم يكن معروفا في بداية حياته الأدبية لولا روايته عصفور من الشرق، فالتزاوج بين الثقافتين الغربية والعربية كانت ميزة سيد عويس، لا لشيئ إلا لمعرف الآخر، وكيف يفكر، لا شك أن سيد عويس بتنقلاته ورحلاته قد أخذ فكرة عن ثقافة المجتمع المصري وثقافة المجتمع الفرنسي، وتوصل إلى موقف حاسم وهو أن الضرورة تحتم عبى المصريين أن يتحركوا ويفعلوا شيئا من أجل مصر ضد الإستعمار المعوق للتقدم المنشود، ولعل الخطوة ألأولى كما تراءت له هي إلغاء معاهدة 1936، لم يكن سيد عويس وكمواطن عربي راض عن ممارسات الحكومة الإنجليزية، خاصة تجاه ثوار الملايو التي كانت تلقبهم بالرعاع، وهي بذلك تسير على خطى أمريكا ومعاملتها لسكان كوريا الشمالية، مثلما فعلت فرنسا مع ثوار الهند الصينية وثوار الجزائر.

لم تكن رحلة سيد عويس من أجل الإغتراب فحسب وإنما من أجل التغرب ثقافيا وإضافة إلى عناصر ثقافته عناصر الثقافة الغربية، ومن ثم دراسة ثقافة بلاده ودراسة علم الإنتروبولوجيا كهواية، كما داب على دراسة علم الإجرام، وأكسبته هده التجربة أن من الصفات التي تصنع رجال الأعمال ورجال السياسة ليست فقط المغامرة والإقدام بل ايضا الرغبة في الكسب، ولعل هذه الصفات هي التي تكون المجرمين العتاه، لكن ما سر ربط سيد عويس الإجرام بعلاقة محمد نجيب بجمال عبد الناصر عندما عين مديرا لمكتب الرئيس محمد نجيب، نلاحظ هنا تداخل الثقافة بالسياسة والجمع بين الدورين في سبيل تكوين المواطن المصري الصالح، لقد كانت الثورة العربية رغم فشلها قد تركت بصمتها في تاريخ مصر، فهي ـنجبت كوادر وقادة مصريين منهم عبد الله النديم، قاسم امين، سعد زغلول، وجاء من بعدهم مصطفى كامل وسيد درويش وطلعت حرب، وأحمد شوقي وحافظ ابراهيم وأمين الخولي، وغيرهم، فهؤلاء على الرغم من الخلافات بسبب المسؤولية.

وبالرغم من أن الثورة لم تحقق أحلام الأمة، فقد ضرب القادة المصريين المثل العليا وبذلوا من التضحيات النفس والنفيس، فحب الوطن كان عندهم عقيدة، يقول الدكتور سيد عويس: " إن المجتمع الصالح يصنع المواطنين الصالحين، كما أن المواطنين الصالحين يصنعون المجتمع الصالح، إنهما علاقة جدلية"، كل شيئ له تاريخ، كتاب لهولدين طبع عام 1951، وغيرها من الكتب التي أرخت لمصر الأحداث غير أن الدكتور في كتابه الصفحة 163 يقف موقف الشامت لخروج الملك فاروق مطرودا، لا نعرف إن كان مثقفا له وزن المثقف يمارس ثقافة الشماتة،، يقول : تذكرت خروج الملك فاروق مطرودا وشعرت بالتفاؤل، وكنت في حقيقة الأمر شامتا، لسبب واحد هو أن الملك فاروق كان شخصا متسلطا جاهلا ولم يكن النموذج الإنساني الصالح ليكون قدوة صالحة، غير انه يرى أن إعادة تكوين المواطنين وإعادة النظر في الثالوث الغير مقدس وهو: الفقر والجهل والمرض.

 

قراءة علجية عيش

 

 

309 كاظم حبيبمكون عراقي أصيل وعطاءات متألقة في شتى المجالات

بألف وواحد وسبعين صفحة من القطع الكبير، صدر مؤخرا للدكتور كاظم حبيب عن دار نينوى للدرسات والنشر والتوزيع في دمشق، كتاب جديد بعنوان "مسيحيو العراق : أصالة .. انتماء .. مواطنة"، ولعله بهذا الحجم، يكون أكبر كتاب موسوعي عن المسيحيين العراقيين الذين ظهرت ديانتهم في بلاد الرافدين، في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد وفيما بعدهما، كما يذكر المؤلف في الجزء الأول من الفصل الأول من الكتاب، مشيرا إلى أن الديانة الجديدة قد تبنتها جماعات من أتباع ديانات أخرى، كاليهود والمجوس وأتباع الديانات الوثنية وديانات عراقية قديمة أخرى.

يؤكد الدكتور حبيب أنه لا قى الكثير من العذاب النفسي، وهو يكتب عن ضحايا الاستبداد والقهر والاجتياح في بلده الجميل المستباح، عن المسييحيين والمسيحيات والأيزيديين والأيزيديات والمندائيين والمندائيات والشبك والكاكائيين والتركمان والشيعة والسنة والعرب والكرد الذين عانوا الأمرين خلال القرن العشرين والعقد الأول والنيف من القرن الواحد والعشرين، ولا يعرف الإنسان متى ينتهي هذا العذاب.

فساد جلب الإرهاب

وإرهاب يعيش على الفساد

في استهلاله للكتاب، يشير إلى أنه يستهدف إبراز الجوانب الإيجابية والسلبية في سلوك النظم السياسية التي عاش تحت وطأتها الشعب العراقي بكل قومياته، ولكن بشكل خاص أوضاع المسيحيين الذين عانوا في العقد الثاني من القرن العشرين الأمرين على أيدي النظام السياسي الطائفي، وعلى أيدي الميليشيات الطائفية المسلحة، ومن ثم على أيدي عصابات داعش المتوحشة، على أمل أن يستعيد الشعب العراقي وعيه الإنساني السليم، ويرفض وجود مثل هذه النظم والقوى التي تركت مفهوم اإنسانية والإنسان خلفها، وراحت تمارس الفساد الذي جلب الإرهاب، والإرهاب الذي يعيش على الفساد.

يتناول المؤلف في الجزء الأول من الكتاب بوابات دخول المسيحية إلى بلاد ما بين النهرين، و الصراعات الأولى بين الكنيستين الشرقية والغربية، ومن الخلاصات التي يخرج بها، ان دخول وانتشار الدين المسيحي، استغرق قرونا عدة، وأن الوعاظ والمبشرين الأوائل لاقوا مصاعب كبيرة، والكثير من الاضطهاد والعنف والآلام، ما أدى إلى استشهاد الكثيرين منهم، وأن الصراع بين الكنيسة الشرقية والكنيسة البيزنطية الغربية كان وراء الكثير من الشهداء والمضطهدين من أتباع الكنيستين.

الجزء الثاني من الكتاب

اما الجزء الثاني من الكتاب فقد تناول فيه المؤلف النماذج الأولى للتعامل الإسلامي مع المسيحية والمسيحيين وتأثيرها على الفترات اللاحقة، مخصصا المبحث الأول فيه للحديث عن مواقف القرآن من النصارى "المسيحيين"، والمبحث الثاني لمضمون العهود المقطوعة من النبي محمد للنصارى "للمسيحيين"، والمبحث الثالث لموقف الخلفاء الراشدين من الدين المسيحي والمسيحيين.

كما يتناول في الفصل الرابع من هذا الجزء أوضاع المسيحيين في الأمبراطوريات الإسلامية ، فيخصص المبحث الأول لأوضاع المسيحيين في الدولة الأموية، والمبحث الثاني لأوضاع المسيحيين في الدولة العباسية، والمبحث الثالث لأوضاع المسيحيين بين سقوط الدولة العباسية واحتلال الدولة العثمانية للعراق – الدويلات العراقية، والمبحث الرابع لأوضاع المسيحيين في الدولة العثمانية وبعض التقديرات السكانية للمسيحيين في العراق العثماني 1881 – 1919 م.

الجزء الثالث أوسع الأجزاء

وبالانتقال إلى الجزء الثالث من الكتاب، نجد أنه جاء ليكون أوسع الأجزاء، ولدى تناول الدكتور حبيب أوضاع العراقيين المسيحيين في أعقاب الحرب العالمية الأولى، تحدث عبر ثلاثة مباحث عن الواقع السكاني المسيحي في العراق، وأوضاع العراق بعد سقوط الدولة العثمانية وقيام الدولة الملكية. ثم انتقل إلى العراق الجمهوري مبتدئا بالحديث عن أوضاع المسيحيين في جمهورية 14 تموز 1958، وأوضاعهم بالتوالي فيما أطلاق عليه: الجمهورية البعثية القومية المشتركة – جمهورية القوميين العرب - جمهورية البعث الشوفينية والمستبدة 1968 – 2003 – الجمهورية الطائفية الإثنية.

و لدى حديثه عن جمهورية البعث الثانية 1968 – 2003، يذكرنا بتهديم القرى والكنائس وبوقوع اغتيالات ضد رجال الدين المسيحيين في فترة حكم البعث في العراق، ومذبحة المسيحيين الكلدان في صوريا في أيلول 1969. ثم ينتقل إلى الحديث عن أوضاع المسيحيين بعد 2003 فيسلط بعض الأضواء على اضطهاد المسيحيين وعدم حمايتهم في سياسات الحكم الطائفي، واجتياح الموصل وعواقبه المدمرة على العراقيين المسيحيين.

علامات بارزة في الشعر والأدب

إن هذا الكتاب أو "السفر" القيم، هو من الضخامة والشمولية، بما يجعل من المتعذر إيفاءه حقه في العرض والتعريف في موضوع مثل موضوعنا، ولكننا نجد من الضروري أن لا نتوقف في متابعتنا وعرضنا للكتاب عند هذا الحد، بل لا بد من التحدث عن جانب مهم تطرق إليه الدكتور كاظم حبيب هو دور المسيحيين في الحضارة والثقافة العراقية، دون أن يغفل دورهم في اللغة العربية والأدب العربي بشكل عام وعلى مر التاريخ.

ففي مجال الشعر يحدثنا عن المثقف والشاعر والمناضل الفريد سمعان، ويشير إلى شعراء آخرين منهم يوسف الصائغ، ناصر يوسف منصور، سركون بولص، شاكر مجيد سيفو، بهنام عطا الله، دنيا ميخائيل، جان دمو. كما يشير إلى مجموعة كبيرة من الشاعرات والشعراء السريان الذين يكتبون بالسريانية وبعضهم بالعربية.

أما في مجال أدب الرحلات فيشير إلى الباحث والكاتب والدكتور بهنام فضيل عفاصوحديثه عن رحلة الخوري الياسبن قس حنا الموصلي، والقس خدر بن القس هرمز، ورحلات الكاتب والأديب والمفكر الموسوعي كوركيس عواد.

ويشير لدى حديثه عن القصة والرواية إلى أن الكاتب يوسف هرمز أصدر في عام 1927 قصة بعنوان "الضعفاء"، وأن الكاتب جورج عيس قلاب أصدر قصة بعنوان "مرجح" عام 1928، وفي نفس العام صدرت مجموعة قصصية مشتركة بعنوان "ضحايا الآمال" لنفس الكاتب السابق ولكاتب آخر هو يوسف حنان أسحق جورج عيسى، ومجموعة قصصية بعنوان "عجائب الزمان في صرح عروس البلدان" للكاتب آكوب جبرائيل.

ومن كتاب القصة المسيحيين الآخرين: يوسف متي، ميخائيل الياس غالي، فؤاد بطي، أدمون صبري، يوئيل رسام، فؤاد ميخائيل، الدكتور سعدي المالح، ، بنيامين حداد، هيثم بردى، بطرس نباتي، جوزيف حنا، بولص آدم، الدكتورة سهى رسام، ثائر شمعون البازي، شذى توماس مرقص، روزلين فتح الله، أميرة بنت شموئيل.

2

عندما ينتقل الدكتور كاظم حبيب في كتابه الموسوعي "مسيحيو العراق : أصالة .. انتماء .. مواطنة"، إلى الحديث عن المسرح، يستشهد أولا بدراسة توثيقية مهمة أنجزها الدكتور علي محمد هادي الربيعي الأستاذ في كلية الفنون بجامعة بابل تحت عنوان "المسرح المسيحي في العراق" أكد فيها الدور الريادي للمسيحيين السريان في نشأة المسرح العراقي، وخاصة برعاية الآباء في الكنائس والأديرة ومن ثم في المدارس.

مسرحيات باللغتين السريانية والعربية

وعند متابعته للفترة الواقعة بين عام 1921 حتى الوقت الحاضر على صعيد المسرح، يجد أن للمسيحيين دورهم البارز في المسرح السرياني العراقي، إضافة إلى مسرحيات العددين منهم باللغة العربية، و كان من أبرز الكتاب المسرحيين في هذه الفترة المطران سليمان الصائغ (1866-1961م) المولود بالموصل والذي قدم المسرحيات التالية: "الأمير حمدان" 1948، "الهراس" و "الزباء" و "مأساة يمامة نينوى أو شميرام" و "يوسف الصديق، أو مشاهد الفضيلة" طبعت في الموصل عام 1931 وأخرجها جورج جبوري خوشو عام 1943 بألقوش. وبعد إشارته إلى العديد من كتاب المسرح ومسرحياتهم، ينشر على صفحة كاملة، جدولا بثلاث وأربعين مسرحية، عرضت باللغة السريانية الدارجة في ألقوش كما جاء في كتاب الكاتب والمسرحي والمخرج موفق ساوا الذي حمل عنوان "المسرح السرياني في العراق منذ 1880-2000"، وهو رسالة دكتوراة طرح فيها الدكتورساوة تفاصيل عن المسرحيات والعروض والمخرجين والممثلين في كل من بغداد، قرة قوش، وكركوك، كما وضع جداول بتلك المسرحيات والعروض، أعاد نشرها الدكتور حبيب في كتابه على مدى أربع صفحات.

أسماء بارزة في الإبداع المسرحي

وبعد أن يذكر أن الحركة المسرحية العراقية قد نشطت في الستينيات والسبعينيات، يشير إلى أن العديد من المسرحيات باللغة العربية قد قدمت من قبل مخرجين ممثلين مسيحيين، يشير إلى البعض منها كما يلي: قدمت فرقة "أنوار الفن" التي كونها الفنان توماس حبيب وآخرون عدة مسرحات منها "مجنون ليليى" و "عبد الرحمن الناصر" و"الهارب البخيل" و "انتقام المهراجا" و "رصاصة في القلب" و "طعنة في القلب" وهاتان الأخيرتان من تأليف سليم بطي، أحد الأسماء البارزة في النهضة الفنية العراقية، وقد كان مؤلفا وناقدا وممثلا. كما قدمت الفرقة مسرحية "شهادء الوطنية" للكاتب فكتوريان ساردو وإخراج إبراهيم جلال. وكتب يوسف الصائغ "1933 – 2005" عدة مسرحيات منها مسرحية "الباب" التي مثلت في العام 1968، ومسرحية العودة" 1986، ومسرحية "دزدمونة" 1989. كما لا بد من ذكر اسم المخرج المسرحي المميز بهنام ميخائيل.

وقبل أن يتوقف في حديثه عن المسرح يتوقف الدكتور حبيب عند بعض نشاطات وأعمال الفنان البروفيسور الدكتور عوني كرومي، ثم عند بعض نشاطات وأعمال الفنان الدكتور موفق ساوة.

أسباب وعوامل للريادة في الصحافة

وباالانتقال في الحديث إلى الصحافة، يؤكد الدكتور حبيب أن الدكتور فائق بطي، ووالده رفائيل بطي، هما من أبرز صحفيي العراق والسريان خلال القرن العشرين، ويمتد تأثير فائق حتى وفاته في العام 2016، والذي لم يؤرخ الصحافة العراقية في موسوعاته العديدة وحسب، بل وأصدر العديد من الكتب في الصحافة والثقافة العراقية.

ويربط الدكتور حبيب ريادة السريان في الصحافة، إلى عدد من المسائل الجوهرية، منها بشكل خاص:

1- دورهم المبكر في إصدار الصحف والمجلات.

2- العدد الكبير والمتنوع من الجرائد والمجلات التي صدرت خلال الفترة الواقعة بين 1902 – 2016.

3- الدور التنويري الواضح الذي لعبته هذه الصحافة المبكرة والمتنوعة والجريئة في طرح الأفكار والاتجاهات الحديثة في الثقافة.

4- العدد الكبير والمهم من الكتاب والأدباء والشعراء والفنانين السريان الذين ساهموا في الحياة الثقافية والصحفية العراقية ، إضافة إلى مساهمات كتاب عراقيين وعرب في النشر في تلك الصحف والمجلات.

5- كان للكنائس المسيحية ورجال الدين دورهم في ذلك أيضا. كما كانت المرأة المسيحية سباقة في العمل في الصحافة العراقية.

أول وأقدم صحافية عراقية

وهنا، يود كاتب هذه السطور أن يشير خارج المعلومات الواردة في الكتاب، إلى أن ريادة المرأة المسيحية في العمل الصحفي العراقي، تجلت بأن أول صحفية عراقية كان اسمها مريم نرمة رفائيل يوسف رومايا، أصل أسرتها كلداني من مدينة تلكيف، وقد ولدت في بغداد، في 3 نيسان 1890، وقيل في عام 1885م، وكانت تسكن وأسرتها دارا في محلة القاطر خانة والتي أصبحت مبنى للثانوية الجعفرية في شارع الوثبة.

وحسب موقع "ويكيبديا" فإنها أنهت المدرسة الابتدائية في عمر 12 سنة، وكانت متفوقة في المدرسة وبدأت تكتب المقالات الاجتماعية في الجرائد والصحف بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ثم أشتغلت في مهنة التعليم، وتزوجت بمنصور كلوزي الموظف في دائرة الكمارك عندما بلغت الثالثة والعشرين من العمر، وكانت والدتها قبل زواجها تريد منها أن تتعلم الخياطة والتطريز وأن تكون راهبة، وعرفت بالتدين وقراءة الكتب الدينية والتأريخية والإنجيل، وقد أهدت معظم كتبها التي جمعتها إلى المعهد الديني الكهنوتي للطائفة المسيحية.

بدأت مريم نرمة الكتابة في مجلة "دار السلام" في عام 1921 وكانت تعمل في جريدة "المصباح" ومجلة "نشرة الأحد"، وأصدرت جريدة "فتاة العرب" في عام 1937 خدمة للمجتمع النسائي، وصدر من هذه الجريدة 25 عددا في ستة أشهر وكان العدد الأول منها عددا ممتازا بـ 16 صفحة وبقية الأعداد بـ 8 صفحات وكان طابع الجريدة اجتماعيا، لغرض الإصلاح والإرشاد للمرأة العراقية، كما وُصفت وكتب عنها.

أول من طالبت بحقوق المرأة العراقية

وتعتبر مريم نرمة أول امرأة عراقية طالبت بحقوق المرأة العراقية، وكانت تحرص على انتقاد الفتيات من أجل إصلاحهن وكتبت مقالا في مجلة (نشرة الأحد) عنوانه "حلم الربيع" وكان مقالا طويلا نشر في 11 صفحة انتقدت فيه مدرسة الراهبات لارتداء طالباتها الأزياء العصرية. ولقد سكنت منطقة الكرادة الشرقية في بغداد ووضعت لوحة على باب دارها كتب عليها فتاة العرب. ولديها مذكرات مخطوطة جاهزة للطبع وهي في مجلدين كل مجلد يحتوي على 250 صفحة، يتضمن الأول مذكراتها العائلية والسياسية والأدبية والثاني رأيها بالصحافيين العراقيين.

ولقد كرمتها وزارة الثقافة والإعلام العراقية في عام 1969 باعتبارها من رائدات الصحافة النسائية وذلك بمناسبة الاحتفال بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس الصحافة العراقية وصدور جريدة "الزوراء".

امرأة مسيحية أصدرت أول مجلة نسائية عراقية

وعلى صعيد آخر، يشير كاتب هذه السطور أيضا إلى أن قيام الحكم الوطني في العراق، نتج عنه ظهور العديد من المجلات والصحف التي تتناول قضايا المرأة، وقد أصدرت بولينا حسون في عام 1923، أول مجلة نسائية عراقية حملت اسم "ليلى" و كانت تركز على قضايا المرأة، وقد صدر منها 20 عدداً بين 15 تشرين الأول 1923 و 3 كانون الأول 1925، وتم إغلاقها لأسباب مالية من جهة، وبسبب الاحتجاجات من قبل المحافظين من جهة ثانية.

وبولينا هي كريمة الصحفي سليم حسون الذي اصدر جريدة "العالم العربي" في 25 اذار 1924، واستمر في ذلك حتى توفي في 4 تشرين الاول 1947، وتولى رئاسة تحرير الجريدة بعد وفاته ابنه مجيب حسون إلى أن احتجبت عن الصدور في سنة 1951

30 ملحقاٌ مهما تعزز هذا الكتاب الموسوعي

لقد حمل هذا الكتاب الموسوعي وعلى مدى 222 صفحة 30 ملحقا تعزز منطلقاته ورؤاه، كان أولها نص استقاه من "مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة" التي قام بتحقيقها الدكتورمحمد حميد الله، وهذا النص هو عهد النبي محمد "ص" لنصارى نجران، الذي جاء جليا وواضحا في "أن يحمي جانبهم ويذب عنهم وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم ومواضع الرهبان ومواطن السُيّاح حيث كانوا من جبل أو واد أو مغار بما يحفظ نفسه وخاصته، وأهل الإسلام من ملته".

ومع تعدد واختلاف الملاحق المشار إليها، نجده يشير في الملحق 11 إلى وجود 14 طائفة مسيحية معترف بها في العراق هي: طائفة الكلدان، الطائفة الآثورية، الطائفة الآثورية الجائيليقية، طائفة السريان الأرثوذكس، طائفة السريان الكاثوليك، طائفة الأرمن الأرثوذكس، طائفة الأرمن الكاثوليك، طائفة الروم الأرثوذكس، طائفة الروم الكاثوليك، طائفة اللاتين، الطائفة البروتستانتية والإنجيلية الوطنية، الطائفة الإنجيلية البروتستانتية الآثورية، طائفة الأدفنتست السبتيين، الطائفة القبطية الأرثوذكسية.

وكان بين الموضوعات التي تناولتها الملاحق الأخرى ذكريات عن الإبادة الجماعية للأرمن في الحرب العالمية الأولى، فضيحة التعذيب في سجن "أبو غريب" في العراق، التغيير الديمغرافي لمناطق المسيحيين في إقليم كردستان العراق، نماذج من الكتابات العنصرية لعصابات داعش المتوحشة على كنائس ودور المسيحيين في بطانيا في العراق، وصور تجسد الخراب الذي حل بالبلديات والكنائس المسيحية.

 

خالد الحلّي – ملبورن

 

انطوان القزي

هذا الشاعر المعلَّق على أهداب الأريحية والساكن في جفون الهزيع، هذا المرفرِف بأجنحة الفراشات والمحدِّق بعيون النسور والسابحُ في فضاءاتِ العنادل.. يحملُ غزالة الشعر الى حيث للسراب أمداء نشوى وأنداء تغازل أكمام النراجس.

يلوّح يحيى السماوي لفردوسٍ يأسر الألق، يلوّح لتفاحة تشتهيها الغصون ويغرس في الجنائن أحداق قصائد، ويُلبس جنيّة الشعر فستاناً نسجته بناتُ الغمام.

في كهفهِ العتيق يستنبتُ النور ظلال عاشقٍ خذلته أعراس الضجر، فحمل سلالَه الى حيث للمواسمِ طعمٌ ولون وللأوراقِ رفيفٌ وللمراكبِ أشرعة، ينثر اقانيمَه على ضفاف الإنتظار..

قلْ للضياءِ أنَّ بغدادَ ما زالت صبية، قلْ للرغيفِ أنّ خبزَ السماوةِ يطعمُ كلَّ أفواهِ القرائح. وقلْ للنخلةِ أنها ما زالت مروحة السماء وللصيادِ أنه أرغنُ السهر، وقلْ لهم أن السماوي ما زال يخبزُ في أفرانِ محبته على المقلب الآخر من الكون، وما زال يحرقُ العطورَ اكسيراً لقوافيه ويطعم الطيور قمحَ حروفه.

قلْ لهم ان المسافة لم تعد تقوى على إبعاده، وأن الليلَ عاجزٌ عن حَجبِ بدورِه، وأن شهرزاد ما زالت تفيء الى بلاسمه ترافقه على أمواج سندبادية الى حيث يشرقُ الصبح على ضفاف الرافدين.

70 yahiaasamaw1550

في منازلِ السماوي، ليستِ النوافذُ الى انطفاء ولا إشراقة شرفاته إلى أفول، هو السياف الذي يأسرُ البرقَ في غمدِه، هو الطاعن في الحبِّ حتى آخر قطرةٍ من نجيعه، هو الساكب الأقباس لشمسٍ تنازل غيوم المدارات.

يعرف السماويُّ كيف يمتشق سيفَه، كيفَ يغضب، كيف يرضى وكيف يوزِّع القصائد سرايا ورود تغفو على أوسدة الآسِ والرياحين.

هو الذي "يصحو ليقطفَ من حقول الصدر تفاحاً "وليعصرَ من عناقيد الشفاه خمرَ الحياء، هو الذي يهدي ألفردوسَ اقواس قُزَح ، يَسري الى الحقولِ الرمضاء ويهجع الى حيث للورود خدودٌ و للهوى طعم لا يذاق.

وبعد، يحيى السماوي هو الملك والقصيدة عرشُه، هو العاشقُ والعراق قلبه، هو الوفيُّ والعمرُ خيمته، وهو عائد الى السماوة "ليعيدَ للبستانِ خضرته".

"تيمّمي برمادي" للشاعر يحيى السماوي، مولودٌ يزّفُ الينا زغاريد المسرّة، يُهدي أرجوحة الآفاقِ نسائمَ الجزرِ البعيدة ، يكتب على جباهِنا ملحمة جديدة ويقول للشعر" : ترجّلْ هنا مرمحُ يحيى السماوي حيث الهمسُ يساكن الصراخ!.

 

بقلم أنطوان القزي

رئيس تحرير "التلغراف" الأسترالية

 

 

شاكر فريد حسن"الحرية والابداع والرقابة" هو عنوان الكتاب الذي كان قد صدر للدكتور محمد هيبي، عن مجمع القاسمي للغة العربية في أكاديمية القاسمي في باقة الغربية، وعن مكتبة كل شيء في حيفا لصاحبها صالح عباسي، ويضم دراسة قدمها هيبي لجامعة تل ابيب لنيل شهادة الدكتوراة.

ويتناول الكتاب موضوعة الرقابة وتداعياتها على الرواية السورية بعد الاستقلال عام ١٩٤٦وحتى الانتهاء من كتابة الدراسة العام ٢٠١٣.

وتتوزع دراسة هيبي على فصلين، نظري وتطبيقي. فالفصل الأول تعريف بمسألة الحرية والابداع، وبيان العلاقة الاشكالية بينها، ثم تعريف الرقابة وأشكالها، وتبيان العلاقة الاشكالية بينها وبين الحرية والابداع.

بعد ذلك يتطرق هيبي الى أثر الرقابة على الأدب بشكل عام، وعلى الروايات العربية عامة والرواية السورية بشكل خاص.

في حين يدرس الفصل الثاني اثنتي عشرة رواية لعدد من الروائيين السوريين، ويفرد لكل رواية خاصة بحث فيها وأثر الرقابة وتداعياتها على كاتب الرواية بشكل شخصي، وعلى الرواية من حيث الشكل والمضمون.

وتخلص الدراسة الى أن الرقابة في سوريا كان لها أثرها الكبير، سلبًا وايجابًا، على كتاب الرواية كمبدعين وعلى الرواية السورية نفسها، وأن هناك العديد من الروايات السورية التي منعت من الصدور في سوريا، منعت أيضًا من دخولها بعد صدورها في دول عربية أخرى، وخاصة في العاصمة اللبنانية بيروت.

ومن أهم ما أفرزته الدراسة من نتائج أن الرواية السورية هي رواية سياسية غالبًا، مواجهة للسلطة مباشرة أو غير مباشرة، وقد تتقاسم المواجهة مع سلطة أخرى، غير سياسية كالدينية والاجتماعية أو الثقافية، وكونها سياسية حتم عليها الاهتمام بالانسان العربي عامة والسوري خاصة، فصورته انسانًا يؤمن بالحرية ويناضل من أجلها، يؤمن بالحرية وينافح من أجلها، وبحقه في الابداع تحقيقًا لذاته، وتعبيرًا عن حريته، ويرفض أي شرط يحول بينه وبين حريته وابداعه.

وتتصف دراسة د. محمد هيبي بنهجها الأكاديمي الجاد، فهي دراسة منهجية بامتياز، وتعكس جهدًا بالغًا في البحث والتنقيب والتمحيص والقراءة.

وفي استهلاله للكتاب يشير الى محتويات دراسته بصورة جلية ومنظمة، وفي النهاية قائمة ثبت المصادر والمراجع التي اعتمد عليها مذيلة بالملاحق الموظفة في الدراسة.

يذكر ان كاتب الدراسة وصاحب الكتاب د. محمد هيبي من قرية كابول في الجليل الغربي، ولد في العام ١٩٥٢، والده الشاعر المرحوم احمد محمد هيبي، المعروف بأبي عصام الميعاري. وقد نشر الكثير من القصص والأشعار والقصص القصيرة والدراسات النقدية والأدبية عن الأدب القلسطيني في الداخل.

وصدر له : " خفق السنديان، رانحة الزعتر، البطل في النص السردي، قراءات في نصوص جامحة، القصة القصيرة بين البحث والتدريس، الخبز والشعر ... بعيدًا عن البلاط، ونجمة النمر الأبيض".

 

كتب: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعاستلمت بالبريد الاعتيادي الذي كدت انساه (وليس الالكتروني) كتابين مترجمين عن اللغة الروسية صدرا في بغداد . هذا حدث هائل جدا وجميل جدا بالنسبة لي شخصيا - هائل لأن الذي قام بترجمة الكتابين هو واحد من طلبتي المبدعين الشباب (وهي سعادة قصوى لأي معلّم في العالم، عندما يرى ويتلمّس باليد ثمار تلك الشجرة التي غرسها يوما ما في مجال عمله و ارض وطنه !)، وجميل لأنه يؤكد ويثبت بما لا يقبل الشك، ان الحياة الثقافية مستمرة في العراق رغم كل ما يحدث هناك من كوارث ومصائب وصراعات دموية نراها ونسمع بها يوميا.

اريد هنا طبعا ان اتوقف عند هذين الكتابين المترجمين قليلا (بعد ان اطلعت عليهما بامعان)، وان اقدمهما الى القراء، وان اكتب انطباعاتي حولهما. الكتاب الاول بعنوان – (فلاديمير بوتين)، والثاني بعنوان – (ما لا تعرفه عن كرة القدم الروسيّة)، وساكون مضطرا للتوقف عند الكتاب الاول فقط، اذ لا تتحمل طبيعة مقالتنا الحديث عن الكتابين معا، واتمنى ان تسنح الفرصة لي للحديث عن الكتاب الثاني لاحقا، علما انه سبق لنا ان تحدثنا عن كتاب سابق للمؤلف نفسه في هذا الموضوع – (انظر مقالتنا بعنوان – المعجم الروسي العربي في كرة القدم) .

الكتاب الذي سنتناوله هنا جاء بعنوان – (فلاديمير بوتين)، وعليه صورة ملوّنة كبيرة للرئيس الروسي، اما الغلاف الاخير فعليه ست صور ملوّنة لبوتين بوضعيات مختلفة، ويجب القول رأسا، ان اخراج الكتاب قد تم بشكل جميل وجذّاب، ويجلب انتباه القارئ اليه فعلا . يقع الكتاب في 128 صفحة من القطع المتوسط، وهو صادر عام 2017 في بغداد عن مؤسسة ثائر العصامي . الملاحظة الاولى التي أثارت استغرابي رأسا هو ان المترجم لم يذكر اسم مؤلف الكتاب، وانما جاء على الغلاف فقط – ترجمة احمد عبد الكريم حميد (دون ذكر اللغة التي تمت عنها الترجمة، وهذا شئ مؤسف، رغم انه شئ شائع جدا في العراق ومعظم بلدان العالم العربي)، ولم أجد اي اشارة حتى في مقدمة المترجم الى المصدر الذي قام المترجم بترجمته، ولكني وجدت جوابا على (استغرابي !) هذا في نهاية الكتاب، حيث توجد المصادر والمراجع (ص121 و 122، فهناك 17 مصدرا و 8 مصادر من الانترنيت، وكلها باللغة الروسية)، وهكذا فهمت، ان احمد عبد الكريم حميد كان محقّا، عندما كتب على غلاف كتابه، انه (ترجمة)، ولكنه (ربما تواضعا، او، ربما نتيجة لعدم الدقة من قبله او من قبل الناشر، او، ربما لاسباب اخرى) لم يكتب على ذلك الغلاف انه – (ترجمة واعداد)، وفي كل الاحوال، فان ذلك شئ غير صحيح بتاتا، خصوصا بالنسبة لكتاب يتناول شخصية سياسية عالمية بمستوى بوتين وباللغة العربية، اذ ان الكتاب هذا يعدّ اليوم مصدرا مهما للكثير من الباحثين العرب الذين لا يتقنون اللغة الروسية حول هذه الشخصية المهمة والتي تثير الجدل في الحياة الدولية. اضافة الى كل ما ذكرته، فاني وجدت في هذا الكتاب (من ص 93 الى ص119) 89 هامشا تفصيليا عن شخصيات روسية معاصرة وظواهر سياسية مطروحة بحدة في السياسة الدولية قلما يجد القارئ العربي عنها وعنهم معلومات علمية دقيقة ومتبلورة، كالتي جاءت هناك في تلك الهوامش، اذ انه (اي المترجم) أخذها من مصادرها الروسية الاصلية وترجمها وعرضها بموضوعية عالية فعلا وتعتمد على الوقائع المجرّدة ودون استطرادات عاطفية. ان كتابة (89) هامشا تفصيليا حول هذه المجموعة الكبيرة من الشخصيات الروسية والظواهر السياسية بحد ذاته يعدّ عملا علميا رائدا واصيلا، ويضفي على هذا الكتاب صيغة الاعداد العلمي الرصين . لقد كنت احلم (عندما كنت عميدا لكليّة اللغات في جامعة بغداد من 2003 الى 2006) ان اؤسس في كل قسم من أقسام اللغات وحدة خاصة ملحقة بذلك القسم تسمى – (وحدة البحوث)، وتكون مهمتها تكليف ومتابعة كل تدريسي في ذلك القسم بالقيام بنشاط علمي وترجمي خارج بحوثه العلمية المرتبطة بترقيته العلمية، نشاط يرتبط باختصاصه اللغوي ويكون مفيدا للمجتمع بشكل عام، وذلك لاقامة الجسور بين الجامعة والمجتمع، وقد عرضت هذا المقترح على مجلس الجامعة بعد ان بلورناه في مجلس الكليّة، ولازلت أتذكر ردود فعل أعضاء مجلس الجامعة السلبية على ذلك الاقتراح (ويشهد بذلك أ.د. موسى الموسوي رئيس الجامعة آنذاك)، مما اضطرني الى سحب المقترح في تلك الجلسة الصاخبة، وتحويله الى وحدة ادارية عامة في الكليّة ليس الا، خوفا من نسفه كليّا، بعد ان فهمت ان الوضع العام غير مستعد لمثل هذه المقترحات . لقد تذكرت هذا المقترح وتلك الاجواء التي كانت محيطة به، عندما كنت اطالع هذا الكتاب، اذ ان مترجمه أحمد عبد الكريم حميد هو الابن البار لقسم اللغة الروسية في كليّة اللغات، وقد استطاع فعلا ان يستخدم معرفته الممتازة للغّة الروسية، وان يعطي للقارئ العربي صورة متكاملة عن الرئيس الروسي بوتين من أصله وطفولته وشبابه وخدمته في جهاز المخابرات السوفيتية الى عائلته واطفاله ومعلومات عن دخله، اضافة طبعا الى موقعه الرسمي في الدولة الروسية حاليا خلال ربع قرن تقريبا من الزمن، اي ان المترجم استطاع ان يمنح للمكتبة العربية مصدرا مهما جدا يمكن الاعتماد عليه، وهو نشاط علمي خارج نطاق بحوث الترقية، وليس ذلك بالامر الهيّن .

تحية لاحمد عبد الكريم حميد على جهده العلمي المفيد، واتمنى له ولقسم اللغة الروسية الحبيب في كليّة اللغات التقدم والازدهار.

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

302 حمودي عبدمحسنلأن الرواية تخوض في تفاصيل الدين الأيزيدي ومعتنقيه في منطقة جغرافية محددة (سهل الموصل)، ولأن هذا المنطقة تعرضت لأبشع جريمة في تأريخ الإنسان؛ قتل الرجال وسبي النساء لأسباب دينية معلنة أرتكبها مسلمون منشدّون لأحكام شريعتهم.. يكون لا بد من مدخل ديني مركز عن ماهية هذا الدين موضوع الجريمة.

الدين الأيزيدي دين رافديني أنوجد في هذه الأرض منذ أزمان سحيقة في القدم. بل ولعله مع الديانة المندائية من أقدم الديانات على وجه الأرض الباقية إلى الآن. اختلطت عروقه البعيدة وتشابكت مع ديانات كثيرة. وهذا يتجلى واضحاً في طقوسه التي يمارسها أتباعه الآن. أما (طاووس ملك) الذي حدثت أحداث الرواية في ظلاله، فهو ليس بإنسان كما هو ليس بإلاه ولا حتى نبي. هو وفقاً لمعتقدات هذه الديانة ملاك مرسل إلى الإنسان من قبل إلاه النور.. الإله الأوحد خالق الكون من درة بيضاء بقشرة سميكة من الظلام. وظيفته حفظ بذرة الخير والعمل الصالح في الإنسان. ونجد لهذا الملاك تجسدات عديدة في الأديان المجاورة. وهذا أمر معروف لدارسي تأريخ الأديان.. كل دين جديد يبني ركائزه على هياكل تعود لدين سبقه بإضافات وتطويرات تشمل وظائف الآلهة ومساعديهم؛ كأن يتحول إلاه من خيّر إلى شرير لدى شعب آخر.. أو آلهة يجري تهميشهم ودفعهم بعيداً عن الذاكرة حتى بالكاد تُذكر في الأزمان اللاحقة.. أو آلهة أخرى تمجد وتُرفع إلى أعلى المراتب.. وصولاً إلى عمليات الإختزال الكبرى التي جرت في أرض الرافدين والتي بدأها العبرانيون الذين فردوا (يهوه) بوصفه إلههم القومي والوحيد واجب الإتباع دون بقية الآلهة.. حتى وصل الأمر إلى اختزال كل الآلهة بإلاه واحد أحد أخذ على عاتقه كل وظائف الآلهة التي كانوا يتشاركون بها إدارة الكون. رغم أن آثار تلك الآلهة المتنحية ظلت عالقة في أهداف الديانات التوحيدية الجديدة عبر عملية تحويلهم إلى ملائكة وليس آلهة.. وهذا مفهوم جديد خرج من عباءة الديانة اليهودية.. غير أن احتفاظهم بأسماءهم القديمة ظل يشي بوظائفهم ما قبل التهميش؛ من مثل عزرائيل، جبرائيل، إسرافائيل، ميكائيل.. إلخ سلسلة مساعدي الإله إيل الرافديني- الكنعاني

الرواية تتخذ من علاقة حب بين (ميرزا وهنار) وهما طفلان يكبران معاً في بلدة (بحزاني) الكائنة على سفوح جبل مقلوب، مدخلاً إلى تراجيديا الدين الأيزيدي. الحب ينتهي بفاجعة تخص (هنار) وتدفع ميرزا إلى ولوج عالم التصوف والعرفان في طيات الديانة الأيزيدية وصولاً إلى ذوبان جسده وموته وهو يحتضن قبر حبيبته. ومنذ البداية سارت الرواية على خطين متوازيين يلتقيان غالباً ويعودان للإنفصال.. الأول هو خط الحدث الروائي وهو الحب الذي وصفه الكاتب (الراوي) ومنذ البداية أنه حب طاهر نقي غير ملوث بأي دنس بشري؛ حتى بدا لي وأنا أتابع بلاغة الوصف أنه يتحدث عن حب بين ملائكة أو كائنات مقدسة لا يمكن وصفها إلا بالنقاء، الصفاء، الطهر، الصدق، الإخلاص، الوفاء، حب الخير.. إلخ وليس بشر لهم ما للبشر وعليهم ما عليهم. ولعل السبب في هذا المنولوج المقدس كونه أراد (الكاتب) تطويع حكاية حديثة مع أسطورة قديمة حملت ذات الأسماء كذلك (ميرزا وهنار). ما يعني أنه قام بعملية أسطرة للواقع. أما الخط الثاني فكان خط التأريخ المعطى تارة من قبل الجد (جد الطفل ميرزا) وتارات من قبل الكاتب نفسه (الراوي). حتى بدا لي وكأنه قد ضحى أو كاد أن يضحي بالرواية لمصلحة التأريخ (تأريخ الدين الأيزيدي). والسبب باعتقادي نابع هذه المرة من الموضوع نفسه، كونه يتحدث عن دين لاقى الكثير من اللغط والتشويه من قبل معتنقي الديانات المجاورة له وعلى الأخص الدين الغالب (الإسلام). لذا هو بالكاد معروف من قبل غالبية السكان المتواجد بين ظهرانيهم. دين مغلق على أتباعه مكتف بذاته ولذاته. ما جعل الكاتب يضحي بالكثير من السرد الروائي لصالح السرد التأريخي التعريفي بالطقوس والمعتقدات.

وهذا ما لفت إنتباهي ومنذ البداية، مقدار الجهد الذي بذله الكاتب في ملف البحث. حتى بدت لي المعلومات الوفيرة حول بلدة (بحزاني) الأيزيدية أشبه بأنسكلوبيديا لهذه البلدة. والتي هي لا تعدو أن تكون قرية كبيرة. إذ لم يمر مسمى واحد إن كان لعين ماء، شجرة زيتون، شجرة بلوط، مزار ديني، وادٍ، حيوان، وردة...إلخ دون أن أقرأ عنه كل ما يخصه منذ إنبثاقه في المكان والعائد لماض بعيد إلى حاضره.. في المحصلة معلومات وجدتها في كثير من المواضع قد أثقلت السرد الروائي. تجد عشرات الصفحات لوصف شجرة الزيتون ومثلها لوصف وردة الجلنار أو شقائق النعمان أو النرجس، ناهيك عن تفاصيل جبل مقلوب الكائنة بلدة (بحزاني) في أحد سفوحه.

اتخذ الكاتب من هذه البلدة بؤرة لروايته، جاعلاً منها أنموذجاً للمكان الأيزيدي. علماً أن اللغة المتداولة في هذه البلدة والبلدة المجاورة لها والتي اقترن اسميهما معاً في ذاكرة المكان (بعشيقة)؛ هي غير اللغة التي يستخدمها الأيزديون في الغالب اللغة الكوردية الكرمانجية.. لغة هاتين البلدتين هي اللغة العربية، لكنها المطعمة والمدافة باللهجة المصلاوية ولهم بالطبع مفرداتهم الخاصة في وصف الأشياء والمسميات. ومن خلال ما يمارس في هذه البلدة (بحزاني) من طقوس دينية وهي بمجملها طقوس لها علاقة بالحضارات الزراعية القديمة في وادي الرافدين، غاص الراوي في أحشاء هذه الديانة ميثولوجياً وطقوس وتأريخ. أولاً ؛ عبر ذاكرة الجد (جد ميرزا) وهي ذاكرة متخمة بالإبادات التي تعرضت لها هذه الطائفة الدينية من قبل أتباع الأديان الكبرى لتحويلهم عن دينهم وثانياً عبر معلومات الكاتب (الراوي) وهو يعود بين الفينة والأخرى إلى التأريخ البعيد على هذه الأرض إلى الديانات السومرية، البابلية، الآشورية، الزرادشتية.. مروراً بالعبرانيين والمسيحية والإسلام. حتى لتبدو هذه الديانة من خلال طقوسها ومعتقداتها مثل بلورة مضلعة كل ضلع منها يعكس لك طقساً ما أو عقيدة ما، رغم تمسك أتباعها وإصرارهم؛ أن ديانتهم وعقيدتهم هي الأصل الذي ظل محافظاً على طهره ونقاءه بعيداً عن موجات الأديان والعقائد التي حلت في المنطقة.. ويكفيهم أنهم دفعوا اثماناً باهضة لهذا التمسك بديانتهم. فقط في الزمن العثماني تعرضوا إلى 72 فرمان إبادة، بدعوى الكفر.. رغم أنها ليست بالديانة التبشيرية التي تزاحم الأديان الوافدة على هذه الأرض. وكانت آخر الإبادات ما فعلته عصابات داعش الدينية السلفية في سنجار والموصل من مجازر قُتل بها الرجال والأطفال وسبيت النساء، لتباع في سوق الرقيق الذي استحدثوه من دهاليز ظلام شريعتهم. الرواية مرت مروراً خفيفاً على الأحداث الأخيرة، كان شاغلها منذ البدء التأريخ.

ويظل ما يلفت الإنتباه؛ أن كاتبها (حمودي عبد محسن) كتب روايته بحس تماه فيه إلى حد الذوبان مع مآسي هذه الطائفة الدينية سواء مآسي التأريخ أو مآسي الحاضر.. كتب وكأنه فرد من بلدة (بحزاني).. عاش طفولته هناك وخبر أزقتها وبيوتها وعوائلها وهو يتذكر كل علامات الذاكرة من أكبرها إلى أزغرها. بما فيها سجل الأساطير التي يتداولها الناس شفوياً، أسطورة (محمد وشيرين) أو الشرير (فريق باشا) والأسطورة الأصل (ميرزا وهنار).. وأجملها تظل حكاية (الغزال الأبيض) الذي يصل إلى بحزاني كل مئة عام مرة واحدة.. يشرب من ماء النبع ويحتك بالصخور ليترك خلفه حبيبات من المسك تكون لقية ثمينة لمن يحصل عليها، بل هي لا تقدر بثمن. كل هذا والكاتب لا ينتمي أصلاً لهذه الديانة ولم يعش في بحزاني باستثناء ربما زيارة ميدانية لمرة واحدة أو مرتين للبلدة.. وفوق هذا وذاك هو قادم من أقدس مدينة لدى المسلمين الشيعة؛ مدينة (النجف). ورغم علمانيته التي جعلته يماهي بين المعتقد الأيزيدي حول أسطورة الخليقة وبين النظرية العلمية المعروفة (الإنفجار الكبير) أو (Big bang) غير أن الجذر الديني لمدينة طفولته ويفاعته كان واضحاً في طيات اللغة.. إذ أعتمد لغة تغلب عليها البلاغة والرونق والبديع في وصف الأحداث والأشخاص.. أو لجهة دخول قصص دينية تعود أصلاً للديانة الإسلامية على سرده وكأنها من داخل المعتقدات الأيزيدية.

 

الكتاب: حب في ظلال طاووس ملك

المؤلف: حمودي عبد محسن

صادر عن (بيت الكتاب السومري) 2017

 

كريم كطافة

 

 

299 عبدالجبار الرفاعيتأتي أفكارُ كتاب (الدين والاغتراب الميتافيزيقي) في سياق ما جاء في كتابي السابق: (الدين والظمأ الأنطولوجي)، من ضرورة دراسة الدين في مجاله الأنطولوجي الخاص، إذ تحيل موضوعاتُ هذا الكتاب إلى رؤيةٍ تتبنّى فهمًا للدين لا يكرّر كثيرًا ما هو متداوَل في الكتابات المختلفة عن الدين، فهي لا تقول بأن: الدينَ وهمٌ، أو الدينَ مخدِّرٌ، أو الدينَ تراثٌ، أو الدينَ مرحلةٌ من مراحل تطور الوعي البشري، بل تُعلِن بوضوح: إن الدينَ حاجةٌ وجوديةٌ لكينونة الإنسان بوصفه إنسانًا، وأن الإنسانَ لا يصنع حاجتَه للدين، بل يصنعُ أنماطَ تديّنهِ وتعبيراتِه وتمثّلاتِه المتنوعةَ والمختلفةَ للدين، على وفق اختلاف أحوال البشر وبيئاتهم وثقافاتهم. ولا تختفي هذه الحاجةُ العميقةُ مع تطور الوعي البشري، وما ينجزه الإنسانُ من مكاسب كبيرة في المعارف والعلوم والتكنولوجيا، وحتى لو غاب أكثرُ أشكال تعبيراتها في المجتمعات الحديثة فإنها لا تغيب كلّيًّا، بل تعلن عن حضورها أحيانًا على شكل ظواهر لا عقلانية وممارسات غرائبية تنبعث بصورة لا واعية في معتقدات بعض الناس وسلوكهم، ويمكننا أن نعثر على محاولات تعويضٍ عن الدين بخرافات يعتنقها أفرادٌ في مجتمع متحضر.

يحاول هذا الكتابُ أن يعيدَ تصنيفَ حاجاتِ الإنسان، ويرسمَ خارطةً لمراتبها، ويتعرّفَ على طرائق استيفائها، بالشكل الذي يكشف لنا عن أن الحاجةَ الوجوديةَ للدين تقع في مرتبةٍ خاصةٍ لا يمكن الاستغناءُ عنها، أو تعويضُها بغيرها، أو إشباعُها بتوفير حاجة بديلة. فكلُّ إنسان يولدُ في الأرض تولدُ معه سلسلةُ حاجاتٍ مادية، مثل الحاجة: للهواء، والماء، والغذاء، والنوم، واللباس، والسكن... وغيرها. وبموازاتها يولدُ معه صنفٌ ثانٍ من حاجات ليست مادية، مثل الحاجة إلى: الأمن، والمعنى، والانتماء، والحب، والجمال، والصلة بالناس، والتقدير، والثقة... وغيرها. وبموازاتهما أيضًا يولد مع الإنسان صنفٌ ثالث من الحاجة، هي حاجتُه للدين التي يفرضها وجودُه من حيث هو كائنٌ بشري يتميز عن غيره من الكائنات في الأرض بهذه الحاجة، لأن الحيوانات مثلًا تشترك مع الإنسان في عدد من حاجات الصنفين الأول والثاني، لكن الهويةَ الوجوديةَ للإنسان هي التي تنفرد بالصنف الثالث، وهو الحاجة إلى الدين.

الحاجةُ الوجوديةُ تعني أن الإنسانَ هو الكائنُ الوحيدُ الذي لا يكتفي بوجوده الخاص، لذلك يظلّ يعمل كلَّ حياته على تكثيف وتوسيع هذا الوجود كيفيًا وكميًا، أو رأسيًا وأفقيًا، لأن ذاتَه في حاجة تظلّ تلازمه كلَّ حياته، وتتمثّل في "فقره الوجودي"، لذلك يطلب وجودُهُ الاستغناءَ والخلاصَ من هذا الفقر، ولا يقف توقُه لإغناء وجوده عند حدّ، بل يطلب أن يتفوّق على الكائنات كيفيًّا، كما يسعى أيضًا للامتداد بوجوده كمّيًّا، لذلك لا تغيب في حياته مطامحُ الاستحواذ على كلِّ شيء مادي أو غير مادي، ولا يكفُّ سعيُه لامتلاك كلِّ ما يمكن أن تطالَه قدراتُه.

300 عبدالجبار الرفاعيالدينُ منبع إشباع هذه الحاجة الوجودية، وعندما يفشل الكائنُ البشري في استيفاء هذه الحاجة يتعرّض للظمأ الوجودي "الأنطولوجي". ومن هذه الحاجة الأبدية يتوالد الظمأُ الوجودي المزمن، المضمَرُ تارةً والمعلَنُ تارةً أخرى، والذي يحاول الإنسانُ إرواءَه بوسائل عدة. وعندما يفشل في إرواءِ هذا الظمأ يعيشُ غربةً وجودية، أي يسقط في اغتراب عن الوجود المطلق، واغترابُه هذا ينتج غربتَه عن وجوده الشخصي، وهذا الاغتراب اصطلحنا عليه بـ "الاغتراب الميتافيزيقي"، الذي هو اغترابٌ يتفجّر أحيانًا بأقسى أنواع القلق وهو القلق الوجودي. وهذا ضربٌ من الاغتراب يختلف عن أنواع أخرى تحدّث عنها فلاسفةُ وعلماءُ اجتماع. وقد شرحنا هذا الضربَ من الاغتراب في أكثر من مورد في هذا الكتاب، وأوضحنا كيف تؤسّس الرؤيةُ التوحيديةُ لصلةٍ وجودية عضوية بالوجود المطلق.

خارطةُ حاجات الإنسان في هذا الكتاب ليست ثنائية، بل تشكّل مثلثًا ذا ثلاثة أضلاع ليست متطابقةً ولا متساوية، ويقود عدمُ الوعي بها أو عدمُ تأمين أي ضلع منها بالشكل المناسب لكيفية تلك الحاجة إلى حالةِ اختلال في حضور الإنسان في العالَم، ومتاعب في طريقة عيشه. كلُّ صنف في هذا التصنيف الثلاثي للحاجات يستطيع الإنسان استيفاءَه بما يشاكله من وسائل، فالحاجاتُ المادية يشبعها ماديًا، والمعنويةُ يشبعها معنويًا، والوجوديةُ يشبعها وجوديًا. لكن ذلك لا يعني أن كلَّ حاجة من هذه الحاجات مستقلةٌ عن الأخرى استقلالًا تامًا، بل إن هذه الأصناف الثلاثة للحاجات مترابطةٌ ومتداخلةٌ ومتفاعلةٌ في ما بينها، فكلٌّ منها يؤثّر في الآخر ويتأثّر به. لذلك لا يتحقّق للإنسان ما تتطلّبه حياتُهُ من أمان وسلام وسكينة باطنية مالم يشبعها كلَّها بشكل متوازن. إشباعُ أيّ منها لا يكون بديلًا عن غيره، فلو وفّر الإنسانُ كلَّ حاجاته المادية فإن ذلك لا يغنيه عن الصنفين الآخرين، وهكذا لو أشبع صنفين منهما فإنه لا يستغني عن الثالث. تأمينُ مثلث الحاجات هذا هو ما يوفّر للإنسان حياةً تنخفض فيها وتيرةُ الألم، ويتخلّص فيها من وحشة القلق الوجودي، وتصيرُ حياتُهُ أشدَّ مناعةً في مقاومة كلِّ أشكال التحدّيات، وأكثرَ قدرةً في التغلب على مشكلات الحياة التي تتوالد باستمرار.كما أن تجاوزَ واحدةٍ من الحاجات لحدودِها وزحفَها على حقل الحاجتين الأخريين يُحدِثُ خللًا بنيويًا في حضور الإنسان في العالَم، ويُعكّر طريقةَ عيشه. ففي المجتمعات التي ينام فيها العقلُ ويتفشّى فيها الجهلُ تتضخم في مخيلة الناس الحاجةُ الوجودية، ويجري تعويضُ الحاجات فيها بنحو تُختَزَل فيه كلُّ الحاجاتِ بالحاجة الوجودية، ويتوهمُ الناسُ أن كلَّ حاجة في حياتهم لا ضرورةَ لها، وليس لها من أهمية إلّا بحدود ما تُمكِّن الكائنَ البشري من تأمين الحاجة الوجودية من خلال الدين. وبسبب هذا التوهم تُهدَر حاجاتٌ أساسية يفضي إهدارُها إلى إصابةِ الوعي البشري بالشلل، وتوقفِ تطور العلوم والمعارف، وتعطيلِ بناء الحياة وتنميتها، فإن نسيانَ الإنسان حاجاتِه المادية وغيرَ المادية الحقيقية يفضي إلى تبديدِ طاقات أساسية في شخصيته، وضمورِ مواهبه في الإبداع.

301 عبدالجبار الرفاعيويختلفُ هذا التصنيفُ للحاجات عن تصنيفات تعتمدُ الحاجات البيولوجية والذهنية والسيكولوجية للإنسان، إذ تحيلُ الحاجاتُ المادية في تلك التصنيفات إلى ما هو بيولوجي، والحاجاتُ غير المادية إلى ما هو ذهني وسيكولوجي. فقد أضفنا في تصنيفنا بموازاة الحاجات البيولوجية والذهنية والسيكولوجية، حاجةً أخرى وجودية "أنطولوجية"، تتمثّل في حاجة الإنسان إلى الدين، وهي ليست حاجةً بيولوجيةً أو ذهنيةً أو سيكولوجية. ومفهومُ الوجود المستعمل في عبارة "الحاجة الوجودية" هو الوجود بالمعنى الفلسفي، أي ما ينطبق على وجود الإنسان بوصفه موجودًا يشترك مع كلّ موجود في الوجود.

يتجلّى الأثرُ المباشر للدين في حياة الإنسان في تكامل شخصية الفرد بتأمين حاجته الوجودية، كما يظهر أثرُه غيرُ المباشر في حياة الفرد والجماعة، لأن تأمينَ الحاجةِ الوجودية للكائن البشري يكفلُ بناءَ حياته الروحية والأخلاقية، ويخفض قلقَه الوجودي، ويجعله أكثرَ قدرةً على تأمين أساليب مناسبة لإشباعٍ متوازنٍ للحاجات من الصنفين الأولين.

على وفق هذه الرؤية يتأسّس موقفُنا في وضعِ كلِّ حاجة في نصابها، واكتشافِ خارطة ترسم المجالَ الخاصَّ لكلٍّ من: الديني والدنيوي، والعلم والدين، والدين والخرافة، والدين والدولة، وامتلاكِ بوصلة تضيء لنا حدودَ كلّ مجال منها. ولا يمكننا ذلك من دون اعتماد العقل وتوظيف العلوم والمعارف والخبرة البشرية، فالحاجاتُ من الصنفين الأولين يكفل العلمُ والمعرفةُ والخبرةُ البشريةُ الكشفَ عنها بدقة، وابتكارَ أفضل أساليب تأمينها، أما الحاجةُ من الصنف الثالث فلا يمكن أن يبتكرَ العقلُ والعلمُ والمعرفةُ ما يشبع الحاجةَ الوجوديةَ بشيء ليس من جنس الدين، أو يبتكرَ بديلًا عن الدين لا يتوكأ على مُسلَّمة مضمَرةٍ تحيل إلى كون الدين حاجةً وجودية. العلمُ والمعرفةُ وتراكمُ الخبرة تمكِّننا من فهم الدين بشكل أجلى، وتمنحنا أدواتٍ تتيح لنا تفسيرَه بشكل يجعله يستجيب لما نحن عليه، ويتناغم إيقاعُه مع إيقاع واقعنا.

كلُّ ما تتضمنه أفكارُ هذا الكتاب يقوم على فهم الدين بوصفه حاجةً وجودية، بمعنى أن الدينَ ليس حاجةً ظرفيةً أو عابرةً أو طارئةً. كما يجدُ القارئ في موضوعاته كيف يخرج الدينُ من حقله، بوصفه حاجةً أنطولوجية، ليهيمن على حقول الحياة الأخرى التي هي من اختصاص العقل والعلوم والمعارف، فيتحوّل الدينُ من كونه حلًا للحاجة الوجودية إلى مشكلة تهدّد العقلَ وتحول دون تراكم الخبرة البشرية. وهكذا يرى القارئُ أن أكثرَ مشكلاتنا يكمن في تمدّدِ وتضخّمِ هذه الحاجة وإهدارِها لغيرها من الحاجات الأخرى، وابتلاعها لكلِّ شيء في حياة الناس في مجتمعاتنا، فكثيرٌ من مشكلات عالَم الإسلام تعود إلى الإخفاق في التعرّف على الحقلِ الحقيقي للدين وحدودِ مهمته في حياة الكائن البشري، وما نتج عن ذلك من هيمنةِ الدين على حقول الحياة الأخرى، والإخلالِ بوظيفة العقل والعلم والمعرفة وإهمالِ قيمة تراكم الخبرة البشرية وأثرها في البناء والتنمية. في ضوء هذا الفهم حاولنا أن نكتشف حدودَ المجال الحقيقي الذي يحتلّه الدين، وحدودَ المجالين الآخرين الموازيين له، وقد شرحنا ذلك من خلال نماذج متنوعة لما يختص به كلٌّ من: الدين والعلم، والدين والدولة، والمقدّس والدنيوي.

يصدرُ هذا الكتاب في مسعًى لإرساءِ لَبَناتِ فهمٍ للدين، وبوصلةٍ ترشد لمنطق فهمِ آيات القرآن الكريم، من أجل بناء رؤية "إنسانية إيمانية"، عساها تطلُّ بنا على أفق مضيء، نرى فيه الدينَ بمنظار مختلف، يصير فيه الدينُ دواءً لا داءً، والإيمانُ محرِّرًا لا مستعبِدًا، والتديّنُ حالةً روحانيةً أخلاقية جماليةً تتجلّى فيها أجملُ صورةٍ لله والإنسان والعالَم.

الدراساتُ الدينيةُ التي تبحث البعدَ الأنطولوجي للدين شحيحةٌ بالعربية، من هنا أظن أن الفهمَ غيرَ المألوف للدين في هذا الكتاب سيزعج قرّاء يرون المؤلفَ منحازًا بشدّة للدين، بتصوّرهم أنه يفتعل وظيفةً وجوديةً له في حياة الكائن البشري، خاصةً أولئك القرّاء الذين يعيشون في مجتمعات يجتاحها فهمٌ مغلقٌ للدين وتفسيرٌ عنيفٌ لنصوصه، يصادرُ عليهم حرياتِهم، ويضيّع حقوقَهم، وينتهكُ كرامتَهم. وسيتضامن مع هذا الفهم قرّاءٌ متدينون، يجدون المؤلفَ يقدّم لهم برهانًا إضافيًا على تعذّر غروب الدين ما دام هناك إنسانٌ يعيش على الأرض. وعلى هذا أدعو الفريقين للتمهّلِ وتأجيلِ إصدار الأحكام، ريثما يفرغ كلٌّ منهم من مطالعة الكتاب، فربما تتبدّلُ مواقفُ بعضُهم من الكتاب، فلا أظنُ المتحمّسين له يمضون كلُّهم متشبثين بحماستهم، ولا أظن المنزعجين منهم يلبثون كلُّهم أسرى انزعاجهم. لأن من يقرأ كلَّ الفصول بهدوء وتأمّل سيجد في الفهم الأنطولوجي دعوةً للكفّ عن النظرة التبسيطية للدين، التي تقفز على طبيعة الإنسان الوجودية فتغفل حاجتَه المزمنةَ للدين، وتتنكّر لحقائق التاريخ، وتتجاهل كيفيةَ فرضِ الدين حضورَه على الرغم من مناهضةِ مفكرين كبار له، وقمعِ سلطات لكلِّ أنماط التدين ومواقفِها المتشدّدة حياله، وعملِها المتواصل على اجتثاثه. هذا الفهمُ للدين يدعو جماعةً من المفكّرين والباحثين ورجالِ السلطة الى أن يعيدوا النظر في مواقفهم التي تصرّ على مطاردة الدين. لأنه،كما يعتقدون خطأ، السببَ في كلّ صور تخلّف الإنسان وتحجّره.كما أن هذا الفهمَ للدين هو في الوقت نفسه دعوةٌ لبعضِ رجال الدين وأكثرِ شباب الجماعات الدينية أن يعيدوا النظرَ في مواقفهم المعلنة التي تشي بأنهم من يحتكر تمثيلَ الله في الأرض، وأنهم المخوَّلون الحصريون للتحدّث باسمه. إنها دعوةٌ لهم الى أن يكفّوا عن مطاردةِ الناس باسم الله، وانتهاكِ كراماتهم والتضحيةِ بحقوقهم وحرياتهم باسم الدفاع عن الدين وحماية التدين، فإن اللهَ خلق الناسَ أحرارًا، والحريةُ ضرورةٌ دينية، يفرضها انبعاثُ حياة دينية صادقة لا يلوّثها نفاق، وهي شرطٌ لكلّ تديّن حرّ.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

..........................

* مقدمة كتاب الدين والاغتراب الميتافيزيقي، تأليف: د. عبدالجبار الرفاعي. صدر هذا الأسبوع في بيروت عن: دار التنوير، ومركز دراسات فلسفة الدين، ودار الرافدين.

** يباع كتاب الدين والاغتراب الميتافيزيقي، تأليف: د. عبدالجبار الرفاعي، في دار التنوير ببيروت والقاهرة وتونس، ودار الرافدين في شارع المتنبي ببغداد وسوق الحويش في النجف.

 

 

عدنان حسين احمدتفرّغ صدام لإكمال روايته الرابعة، وترك العراق يواجه مصيره المحتوم

يراهن كُتّاب المذكرات والسيَر الذاتية والغَيرية على الإتيان بالمعلومات الجديدة، والمواقف الصادمة التي لا يعرفها عامة الناس، وربما تبقى حبيسة الأدراج لسنواتٍ طوالا قبل أن تجد طريقها إلى العلن. وكتاب "استجواب الرئيس" لجون نيكسون، ترجمة إياد أحمد الذي صدر عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" ببيروت هو من نمط الكتب المثيرة التي تنطوي على مفاجآت متتالية على مدى فصوله الأربعة عشر، إضافة إلى التقديم والخاتمة التي تمحورت على إعدام "جزّار العراق" بلا مُنازع.

تكمن أهمية هذا الكتاب بأنّ مؤلفه ليس صحفيًا عابرًا يطارد الأخبار، ويلاحق المستجدات هنا وهناك، وإنما هو خبير في شؤون الشرق الأوسط، ومحلل قيادات في وكالة المخابرات المركزية الأميركية التي عمل لمصلحتها ثلاث عشرة سنة، كما كتب أطروحة الماجستير عن شخصية صدام حسين متتبعًا إياه منذ طفولته وصباه، مرورًا بصعود نجمه، وانتهاءً بإعدامه في أول أيام عيد الأضحى المصادف 30 ديسمبر 2006.

قبل أن نخوض في طبيعة الاستجواب وفحواه لابد من الإشارة إلى الطريقة التي تعرّف فيها نيكسون إلى أن هذا الأسير المُحتجَز هو صدام حسين نفسه وليس أحد بدلائه. هذا المحلل القادم من نيويورك يعرف أن عشيرة "ألبو ناصر" لديها وشم قَبَلي مُحدّد تستدل بواسطته على أبنائها، وصدام كان يحمل هذا الوشم الذي يأخذ شكل مثلث أو هلال ما بين أعلى السُبّابة والإبهام، وخط مستقيم على أسفل رسغه الأيمن، كما كان لديه نُدبة في ساقه الأيسر جرّاء الرصاصة التي أصيب بها في المحاولة الفاشلة لاغتيال الزعيم عبدالكريم قاسم عام 1959. أما العلامة الثالثة والأخيرة فهي شفته السفلى التي تدلّت وانحرفت قليلاً إلى اليسار بسبب ثقل السيجار الكوبي الذي كان يدخِّنه طوال 33 سنة. عبد حمود، السكرتير الشخصي لصدام، وطارق عزيز أكدا بأن الأسير الذي رأياه عبر حاجز زجاجي هو صدام حسين بشحمه ولحمه!

تتمحور ثيمة الكتاب على ثلاثة أسئلة جوهرية تتفرع منها عشرات، وربما مئات الأسئلة الثانوية التي تحاول استغوار هذه الشخصية الدكتاتورية التي روّعت دول الجوار، وشغلت العالم على مدى ربع قرن تقريبًا وهي: أين أخفى أسلحة التدمير الشامل؟ وما حجم انتهاكاته لحقوق الإنسان في العراق؟ وما طبيعة علاقته المزعومة بالإرهاب الدولي؟

لم يكن القبض على صدام ممكنا من دون "خيانة" بعض أفراد حمايته الذين يعرفون بمكان اختبائه، فالعقيد الركن محمد إبراهيم عمر المسلط، المكلف بحماية صدام، وهو للمناسبة ابن عمّ زوجة الرئيس ساجدة خير الله طلفاح هو الذي أرشد القوات الأميركية إلى الحفرة الواقعة في المزرعة التابعة للشيخ نامق جاسم خضر مقابل 25 مليون دولار أميركي، وتأمين سفره إلى الخارج.

تعرّض صدام في لحظة أسره إلى معاملة خشنة، بل أنّ أحد أفراد القوات الخاصة لكَمَهُ قائلاً:"هذه مقابل الحادي عشر من أيلول". وحينما وصل إلى مقر الحرس الجمهوري الخاص قرب المطار تحسنت معاملته وغدت مثالية خاصة بعد أن نقلوه إلى زنزانة ثانية بعيدة عن ضوضاء الباب الرئيسة وجَلَبَتها. ومع أنه كان يأكل ثلاث وجبات يوميًا، ويقرأ بعض الكتب، إلاّ أنه كان يتشكى دائمًا لأنهم صادروا أدوات الكتابة، ويستجدي عطف مستجوبيه قائلاً:"أنا كاتب وأحتاج هذه الأشياء لأدوِّن خواطري"، ففي الوقت كانت فيه قوات التحالف تتهيأ لغزو العراق كان صدام منقطعًا لكتابة روايته الرابعة "أخرج منها ياملعون" بينما أسند إدارة الدولة إلى رفاقه الحزبيين الذين عمّقوا عزلة العراق بسبب قدراتهم السياسية المحدودة، وتصريحاتهم الهوجاء.

توصّل المحلل جون نيكسون إلى نتائج مذهلة أهمها أنّ أسلحة التدمير الشامل لم تكن موجودة في العراق لأن صدامًا قد تخلّص منها قبل 2003 وأن لجان التفتيش لم تعثر على أي دليل حتى وإن كان ضعيفًا أو واهيًا على وجودها. أما النتيجة الصادمة الثانية فتقول بأنّ صدام حسين لم يأمر باستعمال الأسلحة الكيمياوية في معركة حلبجة، وأن الفريق نزار الخزرجي هو الذي أمر بتنفيذ الهجوم الكيمياوي الذي راح ضحية قرابة خمسة آلاف مواطن كردي جُلّهم من الأطفال، والنساء، والشيوخ. وقد كان صدام صادقًا كما استنتج نيكسون! أما علاقته بتنظيم القاعدة والإرهاب الدولي فقد تركوها لمكتب التحقيق الفيدرالي وأن نيكسون نفسه قد فوجئ بأن صدامًا كان يخشى السلفيين في بلاده، ويرفض أن تتدخل العمامة في السياسة.

يعتقد نيكسون بأن صدامًا كان سريع البديهة، حادّ الذكاء، ومناورًا ولكن هذا المحلل نفسه يقول في مكان آخر بأن صدامًا "كان يفتقر إلى العمق الفكري ليتعلّم من دروسه" وذات مرة وصف صدام مُستجوِبه نيكسون بأنه "قليل الذكاء" فردّ "بروس" المسؤول عن تشغيل جهاز كشف الكذب بما معناه: هل تعتقد أن غباء صديقي (نيكسون) مشابه لغبائك يوم أرسلت قوتك الجوية بكاملها لتأمينها لدى ألدّ أعدائك، إيران؟ فصمت صدام لفترة وجيزة ثم انفجر مقهقهًا فضحك الجميع.

ينطوي هذا الكتاب على معلومات جديدة لم نعرفها من قبل مثل عمليات الفساد التي كان يمارسها صهره حسين كامل في الصفقات التجارية، وتأسيسه لشركات غسيل الأموال في الأردن. لم يجد صدام حرجًا في القول بأنه اتخذ قرار إطلاق صواريخ "سكود" لضرب إسرائيل من دون أن يستشير القيادة، وأن الكويت كانت مسمارًا في قدَم العراق. لقد رفض صدام طلبًا أميركيًا يقضي أن يقرأ بنفسه بيانًا يدعو فيه "المتمردين" إلى إلقاء سلاحهم فقال:"كرامتي لا تسمح لي بذلك".

اعترف صدام بأنه كان يعاقب أي شخص مخطئ حتى لو كان من أفراد عائلته. فذات مرة تأخر موكب وطبان قليلاً عند إشارة مرورية فأخرج مسدسه وأطلق النار عليها، فحكمَ عليه صدام بأن يسيّر حركة المرور لمدة شهرين في الساحة التي وقع فيها الحادث!

تحدث صدام مُجبرًا عن زوجتيه ساجدة خيرالله، وسميرة الشاهبندر ويبدو أنه كان خائفًا على ولدهِ علي من أن يلقى نفس المصير الذي لقيه ولديه عدي وقصي وحفيده مصطفى الذين قتلوا على يد القوات الأميركية في نينوى بعد أن وشى بهم قريبهم الشيخ نواف الزيدان مقابل 25 مليون دولار، وهي الجائزة التي رصدت للإبلاغ عن أيٍ من المطلوبين الـ 55 لقوات التحالف الدولي.

ثمة تفاصيل صغيرة، وإشارات عابرة لكنها مهمة جدًا في تسليط الضوء على شخصية صدام المستبدة، فسنوات الطفولة، بحسب المؤلف، هي المفتاح المناسب لفهم شخصية صدام الرجل الذي ينطوي على تناقضات كثيرة، فهو الذي اتخذ قرار غزو الكويت، وضرب إسرائيل بالصواريخ من دون أن يعود إلى القيادة لكنه يقول في موضع آخر بأن القيادة هي التي أمرت بوضع صوره وتماثيله في الساحات العامة، "فمن أكون أنا لأتخطى قرار القيادة"؟

لا تقتصر مادة الكتاب على صدام فقط وإنما تتجاوزه إلى الشخصيات المعارضة له، فرأي بوش الابن بمقتدى الصدر بأنه "بلطجي، وقاتل"، وحينما أكد نيكسون هذه المعلومة مالَ بوش إليه وسأله:"هل كان علينا أن نقتله؟" ويبدو أن قتل المناوئين للسياسة الأميركية أمر في غاية البساطة رغم تبجحهم بحقوق الإنسان. ينهي نيكسون كتابه بالقول "إن شخصية صدام جذابة، وكنتُ أحترمهُ يومًا ثم أكرهه في اليوم التالي"، وكأن صفة التناقض قد انتقلت من المستجوَب إلى المستجوِب!

 

لندن: عدنان حسين أحمد