معمر حباراشتريت الكتاب وأنا في العطلة الصيفية بجيجل وأنهيت قراءته عصر البارحة وهو:

Les pionniers de la conquête spatiale », Synthèse de Francis Dioram , El Borhane, 2018, Contient 49 Pages

1- لست الفيزيائي ولا الرياضي ولا الكيميائي ولا الكهربائي ولا المختص في الصواريخ ولا الطائرات ولا المركبات الفضائية ولا القاذفات لكن أنظر للموضوع من الناحية الحضارية والفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلاقات الدولية وأترك الجانب الفني لأهله ولمن أراد أن يعود إليه وينظر إليه من الناحية الفنية المتخصّصة.

2-  بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانهزام هتلر دخلت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي سابقا وروسيا حاليا لألمانيا للاستيلاء على العلماء والباحثين الألمان في مجال الصواريخ والطيران وجاء في صفحة 47 وهي آخر صفحة من الكتاب - حسب ترجمتي - أنّ الولايات المتحدة الأمريكية استولت على "1500 باحث ومهندس من النظام النازي الذين تمّ استرجاعهم من الحكومة الأمريكية".

3- تتمحور عملية Paperclip -حسب ترجمتي - في كونها "جاءت عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية من طرف قيادة أركان جيش الولايات المتحدة الأمريكية من أجل توظيف علماء ألمان المنبثقين من المركب العسكري- الصناعي الألماني قصد محاربة الاتحاد السوفياتي الشيوعي واسترجاع الأسلحة الروسية للرايخ الثالث".

4- أقول: هؤلاء العلماء الألمان سبق لهم أن تعاملوا مع هتلر والنظام النازي وقد ألحقوا أضرارا بالغة بالجيش والشعب الأمريكي والروسي ناهيك عن الفرنسي والبريطاني جرّاء الاختراعات والبحوث العالية الدقة والخطيرة جدّا من حيث الكم الهائل من القوّة التدميرية والتفجيرية خاصّة فيما تعلّق بالقوّة الصاروخية ما يعني أنّ هؤلاء العلماء النازيون الألمان في القاموس الأمريكي والروسي مجرمون يستحقون الشنق بدل المرّة الواحدة ألف مرّة.

5- السؤال المطروح: لماذا الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي يومها لم يتعاملوا مع العلماء النازيون الألمان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية على أنّهم مجرمين وهم فعلا مجرمون حسب قوانين الحرب وأفعالهم؟.

6- كان التعامل على أنّهم علماء يستفاد منهم ولم ينظر إلى مذهبهم ولا ميولاتهم السياسية ولا جنسياتهم ولا دينهم ولا لونهم ولا ماضيهم ولا طائفتهم ولا لغتهم.

7- نتيجة هذا التعامل كانت جلية واضحة حيث تفوّقت القوتان الأمريكية والسوفياتية في مجال غزو الفضاء خاصّة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وظهور الحرب الباردة التي كانت على أشدّها واستمرّت لعقود من الزّمن وشهدت صعود الإنسان إلى الفضاء بتاريخ 4أكتوبر 1957 وكلّ البحوث العلمية المتطوّرة التي تتعلّق بعلم الفضاء والتي كانت بفضل الاستعانة بعلماء الألمان الذين تعاملوا مه هتلر والنازية.

8- تعاملت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي مع العلماء الألمان من منطلق الدول العظمى التي تبحث عن ما يقوي ويعزّز قوّتها ومكانتها ويساهم في تفوّقها وريادتها ولو بالاستعانة من عدو نازي لكنّه عالم يستفاد منه أوّلا من علمه وبحوثه وعبقريته ولا يعنيها في شيء ماضيه.

9- لنفترض جدلا لو أنّ الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي يومها قتلوا العلماء الألمان بسبب نازيتهم وتعاملهم مع هتلر أترى سيصلون لما وصلوا إليه الآن من تطور مذهل في القوّة الصاروخية الرادعة وفي الصعود للفضاء والهيمنة على وسائل القوّة والحماية والردع.

10- تبنى الحضارة على الاستفادة من الآخر ولو كان عدو الأمس والتحليق نحو الفضاء يتطلب نبذ الآخر على أساس المذهب والطائفة واللّغة والجنس والميولات السياسية والدين وقبل أن يكون الصاروخ العابر للفضاء مادة رياضية فيزيائية يخضع لمعادلات جامدة هو علم لادين وسلوك لا وطن له وقيم تتعدى المذهب والطائفة وأخلاق تمقت التعصّب ومبادئ تستفيد من أيّ كان ولو كان عدو الأمس.

 

معمر حبار

 

عدنان حسين احمدتكمن أهمية كتاب "رافع الناصري رسّام المَشاهِد الكونيّة" الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت للشاعرة والناقدة الفنيّة مي مظفّر في جَمْعِه بين النقد التشكيلي وشذرات متفرقة من السيرة الذاتية لها ولشريك حياتها الفنان التأملي الكبير رافع الناصري الذي يشكِّل علامة فارقة في المشهد التشكيلي الستيني على وجه التحديد من دون إغفال مكانته العربية والعالمية. يتألف الكتاب من مقدمة مكثّفة، وسبع مقالات نقدية كتبتها مي بروح الناقدة الموضوعية التي وقفت على الحياد وعبّرت عن رؤيتها النقدية بالمنجزات الفنية المرسومة والمطبوعة لأقرب الناس إليها ذهنيًا وروحيًا. ولعل أجمل ما في هذه المقدمة الشاملة والمركّزة هو تواضع مي مظفّر وصدقها حيث تعترف بالفم الملآن بأنها وقفتْ "شبه خرساء" أمام أعمال المعرض الأول لفناني جماعة "الرؤية الجديدة"، أو أنها كانت "تتهيّب" من الكتابة عن أعمال رافع الناصري، كما أنها تسعى لمحاورة أي فنان مهم قبل أن تخوض مغامرة الكتابة النقدية عن تجربته الفنية مع أنّ الأدباء والفنانين القريبين منها يعرفون جيدًا أنها شاعرة من نسيج وحدها، وقاصة متمكنة من أدواتها السردية، ومترجمة لعدد من الكتب النقدية والفنية المرموقة، فهي لم تأتِ من خارج الوسط الفني وإنما قدِمت من أقرب الدوائر المحيطة بالفن التشكيلي. ومن دواعي التواضع الأخرى أنها استشهدت بآراء أدباء كبار، ونقّاد معروفين، ومؤرخين أجانب للفن التشكيلي قبل أن تدلو بدلوها، فقد قال الراحل جبرا ابراهيم جبرا عن الناصري:"فنّان مُدهش"، فيما انتبه الناقد نجيب المانع إلى الطريقة الواثقة التي يرسم بها رافع "بيدٍ لا تتردّد ولا ترتجف"، أما  البروفيسور بيرنار دوريفال، مؤرخ الفن في السوربون فقال بعد تأملٍ طويل للوحات الناصري:"إنه يمتلك موهبة كبيرة". وفي هذا السياق لم يخِب حدْس أدونيس حين كلّفها بالكتابة عن المعرض الأول لجماعة "الرؤية الجديدة" لمجلة "مواقف" ذائعة الصيت، فهو يُدرك أنّ لهذه الشاعرة المُرهفة، والساردة الذكيّة ما يُعينها على الولوج في عالم اللوحة الفنية التي لا تفتح بابها لكل الطارقين لذلك لجأت إلى بعض "الحِيَل المشروعة" التي تتمثل بمحاورة الفنان قبل الكتابة عن تجربته الفنية علّها تفتح بعض الأبواب المُستغلَقة، وتستغور المناطق العصيّة على التأويل. وكان لها ما أرادت في أول حوار لها مع الفنان ضياء العزاوي الذي أوضحَ لها بعض المناطق الغامضة في عالم التشكيل الذي بدأت تتعمّق فيه رويدًا رويدا. لم تُخْفِ مي دهشتها وحيرتها أمام "الألوان الصريحة الأخّاذة" للسطوح التصويرية للوحات الناصري المُرصّعة بالحروف العربية التي سوف تُصبح علامة مميزة تقترن به مثلما اقترنت من قبل بمديحة عمر، وجميل حمّودي، وعصام السعيد ، وجواد سليم. وتعترف مي أيضًا بأنّ الناصري لم يعلّمها بطريقة منهجية لكن خبرتها البصرية كانت تنمو وتتطور بهدوء وعفوية حيث تقول:"أخذتُ منه الكثير، وتمرستُ على طبيعة تعامله مع المرئيات".

تتمحور مقالة "تجليات الأفق" على التقنيات والأساليب التي اتبّعها الناصري في أثناء دراسته الجامعية الأولية بمعهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1959 حيث تتلمذ على أيدي الفنانَين فائق حسن وجواد سليم ثم اختار بمحض إرادته إكمال دراسته في بكين حيث درس الرسم لكنه آثر أن يتخصص بالغرافيك "فن الحفر والطباعة" الذي لم يكن موجودًا في العراق. تُجمِل مي تجربة الناصري بثلاثة أساليب وهي الأكاديمية، والواقعية المبسّطة، ثم التجريد المطلق ويجب ألا نغفل اللمسات التعبيرية والرمزية التي تتخلل متون أعماله الفنية فهو ينهمك بفكرة اللوحة لمدة طويلة قبل أن يشرع بتنفيذها على الورق أو الخشب أو الكانفاس. وكما هو معروف فإن الناصري يميل إلى تبسيط الأشكال واختزال التيمة إلى حد بعيد. تورد مي في هذا المقال عدة معارض شخصية من بينها معرض هونغ كونغ الذي نُظم عام 1963 بتوصية من أستاذه خوان يو يي، وتُشير إلى أنّ موضوعاته قد اقتصرت على مَشاهد صينية وعراقية نفّذها بتقنية الحفر على الخشب، وقد رأت فيها "دقّة في الأداء والتعبير معًا". كما توقفت الناقدة عند معرضين آخرين كرّس فيهما الاختزال وتقديم الأشكال المؤسلبة مُعتمدًا على الضربات السريعة والرشيقة التي ستلازمه طوال حياته.

لا تقلّ السنتان اللتان أمضاهما الناصري في لشبونة أهمية عن السنوات الدراسية الأربع التي قضاها في بكين حيث تدرّب على الغرافيك مرة أخرى وتغيّرت مسيرته الفنية جذريًا فإذا به يحطّم الشكل، وينتهك التقاليد المتوارثة، ويواجه نفسه بأسئلة عسيرة مِن قبيل:"مَنْ أنا، ماذا أريد، وكيف ألمسُ جوهر نفسي؟" كان هاجسه الأول أن يطوّع أدواته ليؤسس فنًا شرقيًا عربيًا، وهكذا وجد ضالته المنشودة في الحرف العربي الذي ينطوي على طاقات جمالية وتعبيرية بمعزل عن أي معنى أدبي أو لفظي. وبعد عودته من البرتغال نظّمت جمعية الفنانين العراقيين عام 1969 معرضًا شخصيًا أثار استغراب معارفه ومُشاهديه وذلك لاختلافه عما دأبَ عليه في الأعوام السابقة حتى أن مي نفسها عدّت هذه السنة البداية الحقيقية لمسيرته الفنية، وهي السنة نفسها التي ظهرت فيها جماعة "الرؤية الجديدة" التي كان الناصري أحد مؤسسيها، كما استعمل أول مرة في العراق مادة الأكليرك على الخشب كبديل للزيت وهي مادة طيّعة لكنها تحتاج إلى سرعة خاطفة في تنفيذ العمل.  وينبغي ألاّ ننسى أن الناصري هو أول منْ كسر الأطر التقليدية للوحة واستعمل الشكل المَعيني الذي لفت الانتباه إلى أعماله المختلفة شكلاً ومضمونًا. تحدثت الناقدة غير مرة عن تقسيم لوحة الناصري إلى قسمين: أرضي وسماوي، وثمة خط أفقي يفصل بين الاثنين وهي بداية تقارب بين أعماله التصويرية والأخرى المحفورة بالزنك. لابد من الأخذ بعين الاعتبار أنّ الناصري عاش في تكريت، وقد أمدّته هذه المدينة الواقعة على مشارف البادية بخزين وافر من المصادر البصرية. لا يرسم الناصري الطبيعة كما يراها، بل كما يتذكّرها بعد أن تختمر في مخيلته المتوهجة أبدًا.

لا تبتغي مقالة "رمّانة صغيرة تالفة" أكثر من القول بأنّ الجمال مبثوث في البيئة المحيطة بنا وما على الفنان سوى التقاطه. فالطبيعة مصدر إلهام لا ينضب شرط أن ننتبه إلى الأشياء الصغيرة المألوفة والمهملة في آنٍ واحد. تركّز المقالة الرابعة على إلغاء خط الأفق، وتتحول فيها ثنائية الأرض والسماء إلى ثنائية حركة وسكون. تؤشر مي في المقالة الخامسة بأن اللون يشكّل عنصرًا حاسمًا في تحديد مناخ العمل الفني فيما يمتلك الضوء قيمة استثنائية في أعماله الفنية التي غادرت حالتي الصفاء والحوار الهادئ إلى شيء من العتمة وكثير من الاحتدام الداخلي الذي يعكس شعور الفنان بالوحدة، وإحساسه العميق بالفجيعة.

يصوّر الناصري في تحيّته إلى المتنبي الأجواء النفسية والتاريخة والجغرافية التي عاشها مالئ الدنيا وشاغل الناس بلغة فنية مستخلصة من تقنيات الماضي والحاضر وقد جاءت على شكل منمنمات صغيرة مدورة ثم انفجرت إلى لوحات تصويرية كبيرة تستنطق القصائد ولا تصوّرها. أما المقابلة الطويلة التي أجرتها المؤلفة مع الفنان رافع الناصري فهي استعادة مركزة لمضمون المقدمة والمقالات الست آنفة الذكر لكنها تُلقي مزيدًا من الضوء على مراحلة الدراسية، وحياته الشخصية، والمعارض الفنية التي نظّمها طوال خمسين عامًا في عدد كبير من بلدان العالم.

 

عدنان حسين أحمد

 

 

مالكة عسالدراسة لديوان زجلي بعنوان: سوق راسي للزجال المغربي إدريس هكار

مستهل: الزجل تَعَب لمن يريدون للكون استقرارا، وللإنسان العيش الكريم بكافة الحقوق، هو كلمة حرة نابعة من سلالة مشاعر صادقة، عنيفة في هيجانها، حين تحس.. هو حركة خفية جنونية تركب صاحبها دون وعي منه، فتقوده نحو ملكوت الله، ليقول فيه كلمته الرنانة التي تطرب، وفي نفس الوقت تربك، يتسلل كالعفريت بين الجلد والعظام، يشق الفجاج والبطاح والسهول والجبال، صاعدا إلى عباب السماء، هابطا إلى الكهوف والأغوار، متوغلا في صفوف بني البشر، يشعل فتيله في البعد الطبيعي والإنساني، ليوقد النار في الأعماق، متلحفا الصمت والتأمل، ليولد على الصفحات بانبثاق جديد، محققا كينونته بكل ما تعنيه الكلمة من سحر وجمال، وقوّة في الحضور، وبعثا في تحقيق الآمال؛ وبحر الزجل لا يدخله إلا من كان له فن الصياغة من خلال موهبة يمتلكها، وقدرة على مزج الكلمة بالجمال، واحترافية في مراقصة الحرف على وتر السحر والبهاء.. الحقيقة كان لي نفور من سماع الزجل، باعتباره كلاما عاميا توارث عن الجدات، وإنشادا من بعض الفلاحين في الحقول، لكن لما سخّرت أسماعي لرنة حرفه، شدتني فخامه صوره، وقوة معانيه، فرأيت الزجل كالشعر ينشد الجمال، يربك الأعماق الإنسانيّة بعنف لذيذ، ليرسم نزعات القبح لوحات من السحر، يحسه القلب، وتتشربه الروح، وتنحني له الأحاسيس .....

وحتى أقنع نفسي تناولت ديوان إدريس الهكار تحت عنوان (سوق راسي)

العنوان كبوابة لولوج صدر الديوان

عنوان رمزي يتركب من (سوق) مكان تسوق السلع والبضائع، نتداولها باللغة العربية والعامية السوق النموذجي، السوق الأسبوعي (أتى من السوق) لكن تضخم معناها بالعامية بشكل أكبر (ادخل سوق راسك)..واش سوقك ؟؟ إلى آخره، وقد أضاف شاعرنا لكلمة (سوق) راسي ..ليوحي إلينا بدلالة عميقة: (ندخل جواي) سوق راسي، أي شيء يخصني، أكتفي بأشياء تهمني، ولا أتدخل في شؤون الغير، تجنبا للمشاكل، أو حتى لا يُنعت بالفضول، أو التدخل في ما لا يعنيه كي لا يسمع مالا يرضيه ..عنوان يكتنفه اللبس حتى بات لغزا يجب دخوله بطرق متعددة لبلوغ معناه..

الغلاف أو دفتا الديوان

غلاف الديوان يرفل في حلة سوداء، تتوسطه صورة واضحة لزجالنا إدريس الهكار بنفس اللون، لون الكآبة والحزن، لون المآسي والدموع والألم، دليل قاطع أن الذات الشاعرة، تحمل هما بوزن الجبال، تتجرع المُرّ من الواقع/ من المحيط، من الحيز الذي يتواجد فيه، مما يسمعه من أخبار تدمي القلب، وتبعث على الشجن، مما يراه ويعتريه، من أشياء تؤزم النفس، وتترك أثرا مقلقا في العمق، ومن هذا القلق بالذات، والتوتر بانفعال شديد، ما حرك المشاعر، وأشعل فتيل الإبداع في المجال الزجلي، حيث تتأبط الذات الشاعرة الأحبار، وتفرغ ما يكتنز في العمق على الورق، لتكون الكلمة الحرة هي الظل الوارف، الذي يحميها من حر المواجع، ولفح المآسي، ومرارة النكبات الإنسانية المتعاقبة ..فالزجل هذا الكائن العجيب، الجميل، سلب من زجالنا إدريس هكار كينونته الإنسانيّة، ليولد في مهده طفلا، يشدو كالبلبل بنشيده الصداح، ويصبح نبيا يعتلي منزلة العالم في علوها البهي، فيجاور العالم الإلهيّ، متوغلا في صلب الأشياء حتى الجوهر، فينفض عنها الغبار، لتلتمع وتنضاح بصورة أخرى غير مألوفة ..

مرارة التيه في الواقع المر

شاعرنا ادريس الهكار يتأمل ويتألم، لم يعد يرى نفسه على الواقع، كما لم يعد يرى ما حوله، ليس لأن الرؤية غير واضحة، وإنما لم يعد تحلو له الرؤية لأوضاع تلبست باللغز، وأشياء غير مفهومة تذوخ، غار فيها الجمال في الذميم، والحق في جنح الباطل، والصح في جبة الخطأ؛ واقع غابت فيه القيم النبيلة، حتى أصبح الحلال فيه يباع حراما شرعا، كما قلتُ ذات توقيع، يعني أصبح الواقع بالنسبة لشاعرنا سوقا يختلط فيه الحابل بالنابل: تعمه الفوضى والعبث ..

ودخلت ســـوق راسي

سوق واش مـن سـوق

الـداخل ليـه يـتيـه

والخارج منّو مـا يسخى بيه

تاه شاعرنا في دوامته، يحمل أوجاعه بمفرده، لا أنيس في وحشته، ولافي فكره، ورأيه، ولا في المأمول الذي ينشده، ولا حتى في حرفه الذي يرافقه بكل ثقة ومودة،

ما لقيت كاس يفش

ولا حرف يحس

ولا حتى خيرت لونا س

وتلف لي لحساب

هم يثقل كاهل الذات الشاعرة حد القسوة، حتى أصبحت تراودها فكرة الهروب، والتنصل من أوضاع مزرية قاتلة للطموح، للحب، للعيش الكريم بكافة الحقوق الإنسانية.. تشاؤم سدّ آفاق الأمل في التغيير وإصلاح الحال.. وتشنج الأمور، وانسداد الأبواب يعصفان بالحالة النفسية للمبدع، فيهرع راكضا خلف هواجسه بحثا عن الجديد المختلف، عسى وعلّ يجد ضالته المبحوث عنها من أول قصيدة، وهذا هو السر في الإبداع وابتكار قصائد جديدة..

الهموم الإنسانية جرح نازف

فشاعرنا لا يكتفي بحمل هَمّ الوطن على الأكتاف، والاهتمام بواقعه بأوضاعه المأساوية، بأزماته ونكباته القاتلة، بالمتربصين به وباستقراره، بل ويمرر الحرف إلى البعد الإنساني، في جميع الأوضاع، واضعا إصبعه على الشريحة المشردة، التي لا مأوى لهم غير الشوارع والطرقات.. مواقف إنسانية نبيلة تهز مشاعر شاعرنا إدريس الهكار، لينفت صليلها في قمقم الزجل ..

يقول :

على هذوك بالي مشطون يا حبابي

اللي فالزنـاقي كيشمو لخوابي

سماهم غطا والقر النـــابي

ولا خرقة من الثوب الدافي

ويشتد به الأسى والخوف على ناس يلتحفون السماء، ويفترشون الثرى، لا لباس لهم غير الأسمال البالية، ولا طعام لهم غير الخبز الحافي، مأواهم أكواخ من القصدير لا تتعدى 3 أمتار، عرضة للَفْح الشمس، وقسوة القر، وعواصف الغبار، عاطفة فياضة بالشفقة والحب على هؤلاء المهمشين، المقصيين الذين يعانون من قساوة العيش، وقلة ذات اليد ...

يقول :

ثلاتة ميترو فالبيت قالو

ساكنة فيه سبعطاش

عيونهم حوالو

النص ناعس والباقي عساس

و لاخر فالدروبا ما عندو راس

فراشو كرطون

بؤساء يرتوون من دموعهم ،

ولايني يحلق شاعرنا بين أحضان الشباب، يترصد بعينه المجهرية آلامهم وشكواههم، البعض غارق في همومه، والبعض يبكي وينوح حظه العاثر، تحاصره أمداء من الهيام والتيه، والآخر، يتجرع جنح البطالة رغم الشهادات، والمستويات الدراسية العليا

*** غربة والحيرة والسؤال الملح

لحظات من التأمل والحيرة، أسقطت شاعرنا في دوامة من الغربة والتيه، حين ربط صلات مكثفة مع أشيائه في الواقع حد الذوبان، وانغمس فيها ليفهم كنهها، فيزول ذاك اللبس القائم، فصادفته أمور معقدة أكثر لموازين مقلوبة، وأشياء ليست في أمكنتها، فانغمس في بحر من الأسئلة تصب في جيوب المستحيل

القلب مهجور

الزمان محقور

و لغرام كشاش

علاش

لعقل مضرور

صراع قوي ومحتد، زلزل الذات الشاعرة، وأصابها بدوار، فشاعرنا إدريس الهكار يريد لواقعنا أن يكون صفحة بلورية مثل المرآة، طاهر من أيادي الظلم والاحتقار، الكل يتمتع بالعيش الكريم وكافة الحقوق، تمتد بين الجميع ظلال وارفة من الحب والتسامح والإخاء، يسري في عروقهم حب الآخر بصدق، يتوشحون بالقيم الإنسانية النبيلة، القاتلة للمكر والخداع والأنانية.. صوت يبوح بالحقيقة لألم يحز في النفس، محتد بأسئلة ملحة، من أجل الإنسان الذي شيأه الزمن، فأصبح تافها لا قيمة له يعيش في الغاب، عرضة للقهر والتحقير والغبن بين طواحين الإجرام ولفظة (علاش) كلازمة متكررة، تؤكد مدى اضطراب نفسية الشاعر، إزاء ظواهر إنسانية مرفوضة، وتطلعات طامحة نحو الأفضل، وما بين المقبول والمرفوض، يتضخم السؤال، وتكبر الحيرة..

الدعوة إلى التغيير نحو الأرقى

لقد شقّ شاعرنا إدريس الهكار جملة من الطرق والسبل، ليصل إلى المرفأ الوضيء، مكافحا، شاجبا، مشخصا الحالات، فاضحا، كاشفا عن الحقيقة، صارخا بأعلى صوت من أجل إحقاق الحق، لكن اليد الواحدة لا تصفق؛ حين لم يتحقق الهدف المنشود، انتهج سبيلا آخر من أجل التوعية ونشر ثقافة التغيير، فوجّه قوله إلى الغافلين النيام، قبل أن يأتي الطوفان، منبها إياهم إلى العمر الذي يتسربل من بين الأصابع، إلى الوقت الذي يمر سريعا وهم لا يبالون،

عيق يا الناسي وفكر زمانك

وفيق يا الناعس واحسب وقاتك

يا الناعس

ويقول :

أنا بكيت وماكفاني بكايا

وغوت غوات و ماقدني شكايا

حركة نضالية هزت شاعرنا من جذوره منتفضا، ضد من لا تأكلهم الغيرة على أحوالهم، ولا يفكرون في التجديد والتغيير، والرقي نحو الأسمى، وكأن الحياة ستتكرر مرتين، مشاعر حارة، ونفسية مهزوزة حول من تهدر حقوقهم، وهم لا يشعرون، وحول صوته الجاهر بالحق الذي لا يلقى ترحيبا، بل آذانا منغلقة بالطين والعجين، وهذا الأمر النازف سبب لشاعرنا جرحا حارقا إلى درجة البكاء؛ وهذه هي سمة المثقف الحي الذي يبحث في الحزن عن الفرح، وفي الكُرَب عن الفرج، وفي الضلال عن الهدي، وفي الظلم عن العدل.. وطبعا هذا لن ينفرد به إلا الشاعر الحر الصادق في مواقفه، الذي يرى مصلحته في مصلحة الآخرين..

الدخول في رحمة الله

حين صرخ شاعرنا ولم يجد آذانا صاغية لندائه، وجهر بصوت الحق ليُبَلّغ رسالته الإنسانية، ولقي إهمالا واسعا، فوض أمره لله حامدا شاكرا، بحبه الكبير له الذي يسري في قلبه، مؤمنا بكتابه وبقدره، لأنه هو العالم بسره، يناديه ليفرج كربه...

يقول

انت عالي وعالم وعارف ما بسري

ناديك يا مولاي فرج لي كربي

حبك يا ألله في دمي يجري

نور الإيمان يشع في قلبه، ليتوجه بكفوفه تذرعا إلى الله، مطيعا لأوامره، حامدا إياه على نعمه الوافرة.. متبعا تعاليم الشريعة والسنة بما يرضي الله، يبتغي رضوانه خوفا وندما على أخطاء قد ارتكبها دون قصد، راجيا منه الرحمة وفتح أبواب التوبة، فالاعتقاد الراسخ وقوة الإيمان، والارتباط القوي بالله سبحانه، يجعله بين الحين والآخر يشك في عمله الصالح، وكأنه لم يقدم شيئا..

على سبيل الختم

فالتعبير الصادق الصاعد بعمق، من القلب، مهما كان لونه أو نوعه، شعرا أو قصة أو زجلا، لابد وأن يصل إلى القلب، وزجالنا إدريس الهكار، أبلغنا رسالته النبيلة لنشاركه حرقة الإحساس، وما يضطلع به من هموم تجاه الوطن والإنسان..

 

مالكة عسال

بتاريخ 9غشت 2019

 

ماهر حميدقراءة نقدية في كتاب: التراث وأنساق الثقافة

يمثل كتاب التراث وأنساق الثقافة – قراءة في كتاب الأغاني، للدكتور رائد حاكم، أحد أهم المحاولات الجادة في ميدان الدراسات الأدبية الحديثة، ولاسيما  في حقل النقد الثقافي، خاصة وإنَّ قراءة التراث قراءة ثقافية وتحليل مروياته السردية تحليلاً بنيوياً قائماً على التأويلية "بوصفها تفسيراً للوجود – في- العالم معروضاً في النص"(1) سواء أكان الشعري أم النثري يتطلب قراءة معمقة وتأويلاً دقيقاً لنكشف من خلاله عن أهم الأنساق الكامنة وراء تكوين النصوص الأدبية وقراءتها على وفق موجهاتها الثقافية؛ لأن هذه " الموجهات على اختلاف قيمها المهيمنة، قد أدت أدوارها في تحديد فاعلية النصوص السردية بما يدفعها للاستجابة لقوة النسق السائد، فإن بمستطاع النصوص المنتجة تحت ضغط إعادة التوجيه أن تُحرّف مقولاتها الأولى وتغيّب غاياتها الأصلية"(2) وهذا ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح إعادة الإنتاج للمرويات السردية عبر رعاية " خصائصها النوعيّة تحت شبكة معقدة من التفاعل بين المرجعيات بكل مكوناتها وبين هذه النصوص، ليغدو النص بناءً على هذا التصور، منتجاً ثقافياً"(3) يمثل هوية الأمة بما يحمله من قيم وأفكار قد بنيت على أنساق مختلفة تبعاً لتعدد الأدباء والكتاب كلًّ بحسب ميوله الذاتية ومنطلقاته الإيديولوجية التي ينطلق منها نحو تحقيق وجوده عبر نقد الذات والآخر.

ولهذا نجد إنَّ قراءة التراث في ضوء النقد الثقافي تتطلب جهداً كبيراً من الباحث، ولاسيما أن هذا الحقل المعرفي يهدف " إلى تناول موضوعات تتعلق بالممارسات الثقافية وعلاقتها بالسلطة، وتهدف من ذلك إلى اختيار مدى تأثير تلك العلاقات على شكل الممارسات الثقافية، كما أنها ليست مجرد دراسة للثقافة، فالهدف الرئيس لها فهم الثقافة بجميع أشكالها المركبة والمعقدة وتحليل السياق الاجتماعي والسياسي، في إطار ما هو جلي في حد ذاته"(4)، فضلاً عن إنَّ كثيراً من المرويات السردية تكون عصية على التأويل؛ لِما تضمره من أنساق ثقافية متنوعة، ولِما تحمله من أوجه قرائية متعددة وتأويلية مختلفة، بعد أن تأتي ضمن مشروع ثقافي يمثل عصر من العصور مثل كتاب الأغاني، لهذا لا يمكن لنا أن نفهم أي مشروع ثقافي أو فني ما لم نفهم تشكيله الثقافي عبر منظومة معقدة من النصوص المتداخلة مع بعضها حيناً والمتقاطعة أحياناً أخرى، وهي تُقيم حوارها مع أنساق عصور إعادة انتاجها في هويات مختلفة(5) لذا يجد الباحث في كتب التراث نفسه أمام كم هائل من الهويات المتجانسة في هوية واحدة يصعب تحليلها مرة، في حين تكون عصية على التأويل مرة أخرى.

جاءت هذه الدراسة على أربعة فصول، يسبقها مقدمة وتمهيد، بين فيه مفهوم النسق الثقافي في المدونتين الغربية والعربية، ومن ثم النسق العام لكتاب الأغاني. بعد أن وضح لنا ماهية التراث وفاعلية النسق الثقافي ووظيفته.

ولكن قبل كل شيء إنَّ ما يؤخذ على هذا الدراسة هو إنَّها جاءت خالية من التصنيف الأجناسي للمرويات السردية الواردة في كتاب الأغاني، فلم يعمد الباحث إلى تصنيف المرويات على وفق أجناسها، الأدبية، وهي" قوالب عامة فنية تختلف فيما بينها- لا على حسب مؤلفيها أو عصورها أو مكانها أو لغاتها فحسب- ولكن على حسب بنيتها الفنية وما تستلزمه من طابع عام، ومن صور تتعلق بالشخصيات الأدبية أو بالصياغة التعبيرية الجزئية التي ينبغي ألا تقوم إلا في ظل الوحدة الفنية للجنس الأدبي"(6)، الأمر الذي أوقعه في إشكالية كبيرة، ولاسيما إنَّ قراءة الأجناس الأدبية كالخبر وما يندرج تحته من أنواع خبرية وتحليلها يختلف عن تحليل الحكايات والنوادر وتأويلها على وفق ما يندرج تحتها من أنواع أخرى ذات أوجه نقدية متعددة، وحمولات ثقافية مختلفة، وغيرها من الأجناس الواردة في الكتاب التي لم يجهد نفسه حتى في الإشارة إليها.

كان الفصل الأول: معنياً بتشكُّل النسق الثقافي عند الأصفهاني، بيّن فيه أهم السياقات والمرجعيات الأساسية التي أثرت في وعي المؤلف وأغنت تجربته الأدبية، فكان البحث "عن تشكلات النسق الثقافي عند الأصفهاني، هو بحث ورصد للتحولات والانتقالات المعرفية والثقافية عبر الزمن؛ لأن الموضوعات الأدبية تتبلور وتكتمل خصوصيتها عن طريق تراكم المعارف وتعاقب الأيديولوجيات داخل وعي المؤلف، ثم تتطور في شكل منظومة تداولية/ ثقافية تُشكل نسقاً يتعايش بشكل موازٍ مع هذه الموضوعات فتنتج الخطاب"(7)

وقد أحتوى على ثلاثة مباحث، عني الأول منها: بمرحلة التأسيس وتخلّق الأنساق، إذ كشف الباحث فيه عن تعدد المرجعيات الثقافية ومنها: (المرجعيات المكانية، والمذهبية، والقبلية، ومرجعية الأقران) وما لها من أثر في سلوك الأصفهاني وطبعه العام، ودورها في بناء ثقافته.

والثاني: مرحلة التأصيل واكتمال الأنساق، بين فيه إن الأنساق الثقافية التي تسود في  عصر معين ما هي إلا نتيجة للخطابات الثقافية المهيمنة في ذلك العصر تبعاً لإيديولوجيا السلطة الحاكمة. فضلاً عن التمازج الجنسي والثقافي، والازدهار الاقتصادي والمالي وكيف أثرا في تشكل الأنساق العامة، ليس في الدولة العباسية فحسب، وإنما في سياق الحضارة العربية الإسلامية بشكل عام؛ لأن الحقبة العباسية تعدّ تاريخياً الحقبة التأسيسية لهذه للحضارة الإسلامية، أو ما أطلق عليه الجابري " تكوين العقل العربي"(8)؛ لأن أكثر أعلام مرحلة التأسيس للثقافة العربية الإسلامية كانوا من الشعوب الأخرى، وإن ما يؤكد هذا هو سرعة ظهور آثارهم الموروثة وأنساقها الثقافية بشكل واضح في بنية هذه الثقافة وتشكيلها العام.

والثالث: مرحلة التمثيل والوعي الكتابي، يشكل التمثيل ممارسة سوسيوثقافية ؛ وذلك لعلاقته الوثيقة بالواقع الاجتماعي ورغبة الكاتب في إعادة إنتاج ما يحدث فيه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمثل ممارسة نقدية ؛ لأن الكاتب يعمد إلى التمثيل والأختلاق السردي من أجل تمرير خطابه النقدي المؤدلج لجهة على حساب الأخرى. ولهذا " ليس ثمة من خطاب بريء أو محايد، فكل خطاب ينشأ لغاية ما، من هنا جاء الصراع على احتكار الخطاب وضرورة، اخضاعه للمراقبة والإشراف المباشر من قبل السلطة، بحيث لا يُنتج إلا بعد أن يحرز شروطاً معينة، ولهذا فإن إنتاج الخطاب داخل كل مجتمع مراقب ومنتقى"(9)

وأما الوعي الكتابي فيمثل أعمق الاعترافات والبوح بالمسكوت عنه أو هو التجربة الجريئة؛ لأنه يعكس وعي الكاتب أو الشاعر بالنص/ الوظيفة النقدية والشعرية والتركيز عليها، ولهذا فهو يمثل القدرة التأملية إلى جانب القدرة على الإفصاح عن مكنونات الذات باستخدام الكتابة على نحو جوهري(10)

ولهذا نجد إن الكتابة في أي عصر من العصور على الرغم من اختلافها وتباين تقنياتها الأسلوبية وتعدد مستوياتها النصية، تجسد طموحاً ذاتياً يهدف إلى تشكيل منظومة رمزية مستقلة بذاتها، ولكنها لا يمكن أن تفهم بعيداً عنه، فضلاً عن ذلك إن الكتابة والتأليف يحكمها العقل والواقع(11) وعن طريق إعادة إنتاج الواقع تكون العلاقة بينهما تكاملية من جهة، وزئبقية مؤدلجة من جهة أخرى .

وكان الفصل الثاني بعنوان: النسق الاجتماعي- الهوياتي في كتاب الأغاني، كشف فيه عن صور الهوية الثقافية ذات الأنساق المتعددة فجاءت في ثلاثة مباحث حمل الأول عنوان نسق الذكورة، الذي أثبت فيه عبر نصوص الأغاني إنَّ الثقافة العربية كُتبت بوعي الرجل، أي على وفق نسق ذكوري قار، فأنطبع هذا النسق على واقع المجتمع العربي- بصورة عامة – الأمر الذي انعكس سلباً على المرأة التي حظيت بمكانة هامشية إن لم تكن دونية، على حساب مركزية الرجل وفحولته. والثاني نسق الاختلاف، أثبت فيه إنَّ صور المتعددة للهوية العربية (الذات) لا يمكن اكتشافها إلا من خلال كشف أو تعيين الآخر، وإنَّ هذا الاكتشاف لا يتم إلا عبر توسط المتخيّل والصور والتمثيلات السلبية التي كونتها الثقافة عن الآخر. والثالث نسق التناقض، كشف فيه عن ازدواجية الشخصية العربية بشكل عام، والملوك والحكام بشكل خاص، إذ أظهر هذا النسق أن خلافة بني أمية وبني العباس كانت تحيا نسقين، الأول: نهاري يتأطر بالحشمة والفخامة، والآخر ليلي يتغشى بالعبث واللهو والمجون، ولكن الأمر خلاف ذلك إذ نرى إنَّ النسق النهاري، ولاسيما في حكم بني العباس لا يختلف كثيراً عن النسق الليلي، إذ كانت أماكن اللهو والمجون ليس لها وقت يحددها وهذا ما تؤكده كثير من المرويات السردية  الواردة في كتب التراث العربي .فكان لكل نسق صوره المختلفة تبعاً لتعدد الهويات المشكلة لتلك الأنساق، والخاضعة لإيديولوجيا العصر في الوقت نفسه.

وقد جاء الفصل الثالث بعنوان: النسق السياسي – الديني، بين فيه أهم الأنساق الثقافية سواء أكانت المضمرة أم الظاهرة التي تضمنتها المرويات السردية الواردة في الأغاني كاشفاً في الوقت نفسه عن صور الإيديولوجيا المتحكمة في الإنتاج الأدبي للمؤلف، وهذا ما تؤكده المباحث الثلاثة التي تضمنها هذا الفصل إذ عني لأول منها بنسق الاستبداد، الذي بين فيه إنَّ الاستبداد ما هو إلا من الأنساق المتجذرة في الثقافة العربية، بعد أن يأخذ طابعاً نسقياً، يبدأ من السلطة الأبوية، ثم بشيخ القبيلة، وصولاً إلى الخليفة وما ترتكز عليه سلطته من معايير قمعية ثابتة، ودموية سائحة كان من أهم أسبابها الوصول إلى دكة الحكم السياسية والتمسك بها، الأمر الذي أوجد نوعاً آخر من الاستبداد الثقافي تمثل في تضخم الذات الفردية، التي تحاول الانعتاق من ذات الآخر عبر البحث عن إيجاد نسق الذات الذي أنتج لنا ما اصطلح عليه بـ(الفحل).والثاني بنسق الولاء، كشفت الدراسة عن كيفية الدور الوسيط الذي يؤديه هذا النسق بعد أن بدأ تعصباً قبلياً، وكيف إنه سرعان ما تطور ليصبح تعصباً مذهبياً / سياسياً/ إيديولوجياً، تبعاً للتحولات السياسية والثقافية والفكرية، الأمر الذي أنتج لنا خطاباً شمولياً، قد أصطبغ بصبغة جدلية أقرب منه ما تكون حجاجية، ولاسيما بعد أن أنتج هذا الخطاب في ظل إيديولوجيات الأحزاب السياسية المتصارعة، إلا إنه سرعان ما أصبح سلاحاً مؤدلجاً ضد الآخر المعارض. والثالث بنسق التمرد، إذ أثبت إنَّ هذا النسق ما هو إلا ردة فعل لأشكال الهيمنة السلطوية المؤدلجة لجهة على حساب الأخرى، فهو ناتج عن نسق الاستبداد، ولاسيما بعد أن تقوم السلطة بإقصاء الآخر عبر سحقه وتهميشه بأي شكل من الأشكال، وعلى وفق هذه الأنساق وما لها من حمولات إيديولوجية كان لها الأثر الكبير في توجيه المؤلف وجهة ثقافية.

وأما الفصل الرابع والأخير كان بعنوان آليات تمثل النسق الثقافي في كتاب الأغاني، كشف في هذا الفصل عن أهم الأساليب الأدبية أو الاستراتيجيات الفنية التي اعتمدها المؤلف في نقل وصياغة مروياته ضمن قوالب ثقافية متعددة الأشكال ومختلفة الأحجام فجاءت في ثلاثة مباحث عني الأول منها بالأصول النسبية والفنية، وأهتم الثاني بخطاب التحامق / الجنون، في هذا المبحث كشفت الدراسة عن طبيعة أحد أهم أشكال التعبير الأدبي عبر تمثيل الوعي الكتابي المبني على نسق مضمر يعمل على إزاحة اللامعقول السائد، في محاولة منه للكشف عن المسكوت عنه وبيان المقموع بعد البوح بما هو محرم بفعل الذات المقيدة والآخر المقيد لها. وأما الثالث فكان منصباً على النكتة الجنسية، وما تضمره من أنساق ذات حمولات إيديولوجية، كونها تمثل أحد أنواع التورية الثقافية المهمة التي يتوارى خلفها المؤلف لتمرير أفكاره الإيديولوجية لنقد الآخر وتحقيق نوع من التوازن الثقافي بطريقة فكاهية.

ثم جاءت الخاتمة ليبين فيها أهم ما توصل إليه البحث:

-  إنَّ نصوص الأغاني بمختلف أنواعها شفاهية كانت أو كتابية وعلى أي شاكلة جاءت سواء أكانت نخبوية أم شعبية، خاضعة لأنساق ثقافية عامة قد تركت آثارها الواضحة في هذه النصوص، لتقوم بعملية التمثيل الثقافي.

- عارضت الدراسة ما ساد في الدرس النقدي حول مذهب الأصفهاني الديني، حيث أثبتت أن ما يظهر من صبغةٍ أو نسبة معينة هو إلا بدافع مسايرة السلطة، وليس نابعة من عقيدته، وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من إنَّ المرويات السردية كانت بشكل أو بأخر خاضعة لإيديولوجيا العصر المتحكمة في ذات الآخر، الأمر الذي يدفعه بطريقة أو أخرى لإيجاد نوع من الإيديولوجيا المضادة لذات الأخر.

- كشفت الدراسة أن سبب التأليف الحقيقي للكتاب كان بدوافع إيديولوجية سياسية وثقافية، واجتماعية، وهذا ما كشفته كثير من الدراسات التي أهتم أصحابها بكتب التراث، فلم يقتصر الأمر على الأصفهاني فحسب، إن لم نقل إنَّ التراث العربي مسيس بالكامل، تبعاً للإيديولوجيات المتحكمة في الإنتاج الأدبي في كل عصر، الأمر الذي أوجد إيديولوجيات مضادة، فبدأ الصراع الإيديولوجي الذي ولد لنا صوراً ثقافية متعددة تبعاً لتعدد أشكاله واختلافها من عصر لآخر.

 

ماهر حميد

 ..............

الهوامش:

(*) ثمل هذه الدراسة قراءة نقدية في أحد أهم الدراسات الثقافية التي تناولت كتاب الأغاني، للكشف عن الأنظمة الثقافية التي بني عليها التراث العربي وبيان أوجه التشابه والاختلاف وصور إعادة الإنتاج للمرويات السردية وطبيعة تشكيلها العام.

(1) الوجود والزمان والسرد – فلسفة بول ريكور: 31.

(2) بلاغة التزوير فاعلية الأخبار في السرد العربي القديم: 5.

(3) المصدر نفسه: 6.

(4) مدخل إلى نظرية النقد الثقافي المقارن – المنطلقات- المرجعيات- المنهجيات: 14.

(5) ينظر: المصدر نفسه: 22، وينظر: بلاغة التزوير فاعلية الأخبار في السرد العربي القديم: 7.

(6) الأدب المقارن: 117.

(7) التراث وأنساق الثقافة- قراءة في كتاب الأغاني:33.

(8) ينظر: المصدر نفسه:35-52.

(9) التراث وأنساق الثقافة- قراءة في كتاب الأغاني:66-68.

(10) ينظر: المصدر نفسه: 69، و ينظر: تيار الوعي في الرواية الحديثة: 11، ومفهوم الوعي النصي في النقد الأدبي- دراسات ومراجعات نقدية:8.

(11) ينظر: التراث وأنساق الثقافة- قراءة في كتاب الأغاني: 74.

 

 

عدنان حسين احمدصدر عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" كتاب "مراجيح الناثر بدر شاكر السيّاب" للكاتب والروائي جاسم المطير الذي حاول كشف "البيئة السياسية" التي أحاطت بالسيّاب وجعلته يتأرجح باتجاهات شتّى ألحقت الضرر بسمعته الشخصية، وأساءت كثيرًا إلى وضعه السياسي، وقناعاته الفكرية الرخوة التي أفضت إلى انتهازيته الفجّة، ونفاقه الإيديولوجي الواضح للعيان.

يتألف الكتاب من مقدمة مستفيضه و14 مقالة يردُّ فيها جاسم المطير على كتاب "كنتُ شيوعيا" للسياب و"رسائل السياب" للكتاب ماجد السامرائي، كما تتشظى مادة الكتاب لتغطّي جانبًا من السيرة الذاتية للسيّاب، وسيرة المؤلف الذي تعرّف إلى السيّاب في الخمسينات، كما تعرّف في السبعينات إلى الشاعر عبد الوهاب البياتي الذي كان ينافس السيّاب على ريادة التجديد في الشعر العربي إلى جانب نازك الملائكة.

يعترف المطير بأن مقالات هذا الكتاب لا علاقة لها بشعر السيّاب وشاعريته لأنه ترك هذه المهمة للنقاد والباحثين وأعلنَ صراحة أنه لا يمتلك خبرة في هذا المضمار البعيد عن تخصصه السردي في كتابة القصة، والرواية، وأدب المذكرات، ولو بذل المطير جهدًا مُضاعفًا لكتب سيرة ذاتية متفردة للسيّاب بما لها من مزايا ومحاسن، وما عليها من مساوئ وأخطاء.

لا يعتمد المطير في كتابه على ذكرياته الشخصية فقط، وإنما يستعين بآراء كُتّاب وصحفيين آخرين وأناس عاديين من كوادر الحزب الشيوعي العراقي أمثال عبد الوهاب طاهر، والصحفي عبّاس سكران وغيرهم الكثير. فقد حدّثه عبّاس أنّ السيّاب كتب قصيدة "أنشودة المطر" في "البيت الشيوعي" في الكويت في أثناء إقامته هناك عام 1953، كما تطرّق إلى انعزاليته، وولعه بالقراءة، وتزايد إهتمامه بالأساطير التي كانت تغذّي مخيلته الشعرية المتوقدة. وقال الشاعر ألفريد سمعان: "إن أفضل قصائد السيّاب من حيث الموضوع، واللغة، والثقافة هي تلك التي كتبها عندما كان داخل قلعة الحزب الشيوعي العراقي، السياسية والثقافية" وهو يعني "الأسلحة والأطفال" و"المومس العمياء" و"حفّار القبور". ومَنْ يقرأ هذه المجموعات الثلاث يشعر بقدرة السيّاب على ملامسة المعاناة الإنسانية لشرائح واسعة من المجتمع العراقي.

يرصد المطير المصادر الثقافية للسيّاب فيعزوها إلى كُتّاب وشعراء بريطانيين وألمان أمثال شكسبير، وإليوت، وأيديث ستويل، وغوته، ورامبو، وبودلير وأنّ تلك القراءات هي التي صوّرت له أن التحرّر من الفكر الحزبي الملتزم هو الخلاص الذي يفضي به إلى الإبداع الحقيقي بعيدًا عن الشعارات الجوفاء التي لا تسمن ولا تُغني عن جوع. أما بصدد مذكراته الحزبية- السياسية فيعتقد المطير أنها "ذات صبغة عاطفية، غاضبة، سريعة، انتقامية، ثأرية لا تحمل وضوح الفلاسفة والعلماء". كما يذهب أبعد من ذلك حين يقول: "أنها كُتبت بأسلوب نثري ضعيف كما أجمع الكثير من الذين قرأوها، بضمنهم شقيقه الأصغر مصطفى السيّاب". ويُعيب عليه لجوءه إلى مؤسسة بنيامين فرانكلين الأمريكية التي ترجم لها كتابين مقابل 700 دينار عراقي وهو مبلغ كبير جدًا آنذاك. لم يعمل السيّاب بمفرده على تشويه صورة الحزب الشيوعي العراقي فقد كان أدونيس يلحُّ عليه لإرسال مُذكرات "كنتُ شيوعيًا" كي ينشرها في كتاب ببيروت كجزء ممنهج من عملية التشويه المتعمدة علمًا بأنّ أدونيس نفسه قد ترجم كتاب "التعذيب في سيبيريا".

يعتقد المطير أن هجوم السيّاب على الحزب الشيوعي قد جاء لسببين لا ثالث لهما: الأول أنّ الحزب لم يمنحه الريادة في الشعر الحر والأسبقية على نازك والبياتي، والثاني هو اعتقاده بتقصير الحزب في نشر وترويج قصائده الحره وانحيازه إلى شعراء عراقيين آخرين مثل البياتي وبلند الحيدري، مع أنّ النقاد العراقيين، كما يذهب المطير، لم يروا أية فروق في ناحية التجديد الشعري بين الشعراء الثلاثة ولم يكن للحزب أي دور في هذا التقييم النقدي آخذين بنظر الاعتبار أن السيّاب هو الشاعر الوحيد الذي نال شهرة عراقية وعربية كبيرة بعد وفاته، وسوف يحقق الشاعر سعدي يوسف شهرة عربية-عالمية في أواخر التسعينات حين عرّت قصائده ما يحدث من فظائع داخل "الغابة الفاشية" للدكتاتور ، وحزبه القمعي الذي سلب حرية البلاد والعباد معًا.

يُركِّز المطير على ثلاثة شعراء مدّاحين وهم الجواهري والسيّاب وعبد الرزاق عبد الواحد، فالأول مدح الملك فيصل الثاني لكنه استعاد ثقة المواطنين به، والسيّاب مدح الزعيم عبدالكريم قاسم يوم 7 شباط 1963  بقصيدة "أغثني يازعيمي" قبل الانقلاب بيوم واحد لكنه تحول خلال 24 ساعة إلى مادحٍ للانقلابيين الطغاة وأعلن عن خلاصه من الليل القاسمي الحالك السواد، وأنشد للبعثيين وغنّى لهم لكنه سرعان ما تخلّى عن هذا الغناء لأنهم لم يقدموا له الأموال والعطايا كما كان يفعل "زعيمه العبقري الأوحد". أما عبد الرزاق عبدالواحد فقد ظل حزينًا على الدكتاتور، ووفيًا له حتى بعد مماته، ولم يعتذر للعراقيين أبدًا.

يمجّد المطير الشاعر التركي ناظم حكمت الذي تأثّر العراقيون والعرب به وبشعره، لأنه كان ثوريًا ومناوئًا للسلطة العسكرية القامعة في بلاده، وحينما زُجّ به إلى السجن ارتفع صوت بابلو نيرودا مُطالبًا بإطلاق سراحه لكنه ما إن أُخلي سبيله حتى هرب إلى موسكو وتحوّل إلى أسطورة حيّة تعيش في أذهان الناس. يخلص المطير إلى القول بأن واقع وخيال السيّاب لم يكونا ثوريين في التعبير الدائم عن مكامن البيئة-الثورية الشعبية العراقية.

يؤكد المطير بأن السيّاب لم يكن شاعرًا مفكرًا على غرار غوته، وقد برهن خلال عمره القصير (38 عامًا) "بأنه ليس شخصية فكرية- نضالية إلاّ بحدود". أما بصدد أحلام السيّاب فقد كانت كثيرة من بينها اللجوء إلى موسكو، والحصول على شهادة الدكتوراه، وأن يجد حياته محمية في دولة متقدمة، لكنه كان بالفعل ذا حظ عاثر، فما أن هُرِّب إلى طهران على أمل المشاركة في مهرجان الشبيبة في بوخارست عام 1953 حتى اضطربت الأوضاع فعاد إلى عبادان ومنها إلى الكويت ليجد نفسه في البيت الشيوعي ثانية فكتب قصيدة "غريب على الخليج" في جو من الانقطاع والعزلة وكان يردد دائمًا بأن "الغربة دمار، وأنّ السجن أهون من الغربة"، ولم يستطع أن يحقق توازنه في بلدٍ ليس فيه مطر ولا شناشيل.

يصل المطير إلى نتيجة مفادها أن السيّاب لم يتعمّق بالمبادئ الشيوعية وأفكارها وخططها، ولم يقرأ جوانب النظرية الماركسية، وأن مقالاته الأربعين هي "محاولة فاسدة في الكتابة الفردية المتعالية على الجماعة الشيوعية.. وتحريض على مساراتها النضالية". ثمة إشارة مهمة إلى تلبية السيّاب لدعوة "خميس الشعر" ببيروت التي تحدّث فيها عن الدين كثيرًا كأنه يريد القول بأنه ليس ملحدًا وقد قطع صلته بالحزب الشيوعي نهائيًا، وقد قرأ في هذه الأمسية شعرًا لمدة ساعتين متتاليتين، وبعدها قرّر قسم اللغة العربية في الجامعة الأمريكية اعترافه بالشعر الحر وإدخاله في مناهجها المستقبلية حينها شعرَ "أنه إله الشعر العربي المتميز بالذكاء الخارق" وأنّ قريته جيكور قد استردته من أيدي الشيوعيين الذين وصفهم بأوصاف شتى أقلّها الإلحاد والإباحية والتبعية لموسكو، ناسيًا أو متناسيًا، أنه كان عنصريًا في مقالاته الأربعين ومتزلفًا لزعيمه الأوحد، ورجعيًا في التعامل مع المرأة، ومُشككًا بعفتها وعِرضها بلغة هزيلة لا ترقى إلى منزلة المجدد في الشعر العربي الحديث.

 

عدنان حسين أحمد

 

1055 الاسس الفلسفية للعلمانيةعنوان كتاب لعادل ضاهر الذي يُجيد انتاج نصه الفلسفي بقدرة تُضاهي قدرة الفلاسفة التحليليين إن لم يكن واحداً منهم...

أظن أن صفة فيلسوف عربي تصح على عادل ضاهر لأنه لا يُعيد شرح النصوص، فهو ليس بشارح، ولكنه يُتقن اعادة انتاج الرؤى بما يجعلها متسقة وموظفة لصالح استنتاجاته.

عادل ضاهر ظاهرة فلسفية عربية بامتياز، يجيد طرح السؤال الفلسفي بما يجعل من الفلسفة منهجاً في النقد لا ينبني وفق سياقات الفكر العربي الحديث والمعاصر في السير وفق تقديس أنموذج ما واستنساخ الرؤية لآخر سواء أ كان هذا الأنموذج انموذجاً تراثياً أو حداثياً.

ما يجعلنا نصف عادل ضاهر بصفة فيلسوف أنه طرح رؤيته النقدية عبر الخلاص من هيمنة كل السلطات المعرفية والأيديولوجية والعقائدية.

هو أول من كتب عن فلسفة الدين في (الموسوعة الفلسفية العربية) التي حرر أجزائها الثلاث د.معن زيادة، وهو من كتب كتاباً مهماً في نقد المعرفة الدينية هو كتابه المعروف (المسألة الدينية)، ولم يخرج كتابه (الأسس الفلسفية للعلمانية) عن منهجيته التحليلية في نقد المعرفة الدينية، فهو كتاب في (فلسفة الدين) رغم ما في عنوانه مغايرة لاشتغالات فلاسفة الدين.

ينتقد عادل ضاهر لجوء كثير من المفكرين العلمانيين من أجل الدفاع عن صحة توجههم العلماني باللجوء إلى التراث ومحاولتهم دعم مقولاتهم بالاعتماد على أقوال في النص المقدس (القرآن) أو أحاديث النبي (ص) أو سيرته وبعض أقوال الصحابة والتابعين أو ما جاء على لسان مُفكرين أو فلاسفة مسلمين يستخرجونه من سياقاته التاريخية ليجعلوا منه أنموذجاً يُحتذى في مقبولية مقولة العلمانية.

حاول عادل ضاهر في كتابه (الأسس الفلسفية للعلمانية) تجاوز الخوض في شرح معنى العلمانية بوصفها حلاً لمشكلة العلاقة بين السلطة الدينية والمدنية، لأنها من قبيل تحصيل الحاصل، لذلك كرس جهده للبحث في طبيعة المعرفتين: الدينية والمدنية أو الزمنية، ليكشف عن المسوى "الأبستيمولوجي" بين الدين والقيم، ومحاولة تأكيد أن الفصل بين السلطتين إنما يقوم على فصل أعمق، فصل "أبستيمولوجي" ومنطقي بين الدين والسياسة، ليفكك مقولة القائلين أن (الإسلام دين ودولة) كونهم يخلطون بين ما هو شأن تاريخي وبين ما هو منطقي، بعبارته.

يطرح عادل ضاهر معالجته الفلسفية لهذه الموضوعة (الاشكالية) في الثقافة العربية والإسلامية يتجاوز فيها اللجوء للدفاع عن موقفه عبر الاستعانة بالنصوص الدينية والتراثية.

يطرح رؤيته عبر تساؤل خطير مفاده أن المجتمع لو لم تكن فيه نصوصاً مُقدسة ومعرفة دينية بُنيت على أساس هذه النصوص، هل يحتاج بالضرورة للمعرفة الدينية كي يُنظم الحياة؟.

يذهب عادل ضاهر لتبني الرأي الذي يقؤكد فيه على أن الله أعطى الإنسان القدرة على أن يحصل على المعرفة الطلوبة لتنظيم شؤون حياته دون اللجوء للدين.

إن القول بانتاج المعرفة العلمية وفقاً لمعطيات المعرفة الدينية لهو ضرب من ضروب الوهم ادعته الحركات الاسلامية الراديكالية في مجتمعاتنا، لأن المعرفة العلمية ليست بالضرورة مُتضمنة منطقياً في المعرفة الدينية، لأن هناك أناس أنتجوا معارفاً علمية وهم لا دينيون، ومن يعتقد أنه لا يستطيع انتاج المعرفة العلمية بمعزل عن المعرفة الدينية، فذا أمر مرتبط باحساسه بالعجز الذاتي، وليس لأسباب نظرية أو منطقية.

ناقش المتدينون وفندَ أطروحتهم بربط المعرفة العلمية بالمعرفة الدينية عبر الكشف عن الطبيعة المنطقية للقضايا التي تُشكل موضوعات ممكنة للمعرفة العلمية، ليُبين أن قضايا المعرفة العلمية هي قضايا ذات طبيعة منطقية مُغايرة لطبيعة القضايا التي هي من نوع قضايا المعرفة الدينية، لذلك فلا يُمكن لعاقل أن يقبل القول بتوافق القول العلمي مع القول الديني من جهة كون قضايا الأول احتمالية ظنية أو ممكنة وجائزة منطقياً، بينما قضايا المعرفة الدينية هي ضرورية تكون الضرورة فيها صفة وراثية منطقياً، بعبارة عادل ضاهر.

لا يُناقش عادل ضاهر القول بأن الله كلي الخير، ولكنه يفترض أن الله لا يأمرنا بأن نفعل ما يتعارض ما يستوجب القيام به، في الوضع المُعطى، أو المُعاش، أو ما أسماه عادل ضاهر"الاعتبارات الخُلقية الأقوى"، لذا فإن اللجوء إلى الاعتبارات الدينية لا يُمكن أن يُشكل نهاية المطاف كما يذهب إلى ذلك السلفيون والأصوليون، لأن الله ليس بمستغنٍ عن الاعتبارات العقلية، الأمر الذي يجعلنا أميل لقبول فرضية "أن الله لا يتصرف مُطلقاً على نحو مُغاير لمستلزمات العقل وأن العقل يستلزم اعطاء الأولوية للاعتبارت المعيارية (القيمية أو الأخلاقية) على الاعتبارات الدينية. إذن لا يُمكن أن يكون الله قد أمر الإنسان بتنظيم شؤون حياته وفق الاعتبارات الدينية، لا الاعتبارت المعيارية (الأخلاقية) المستقلة عن المعرفة الدينية.

يخلص عادل ضاهر لنتيجة مفادها القول بـ "الأسبقية الأبستيمولوجية (المعرفية) للأخلاق على الدين، يعني أن العقل الإنساني لا يُمكن أن يعرف ما الذي يُريده الله ، إلَا إذا كان الإنسان قادر أن يعرف ما الذي يُريده منَا الله فإن عقله مُزود بوظيفة معيارية ـ جوهرية". وهذا يعني أن الله هو الذي أعطى أو منح الإنسان هذه القدرة على أن يعرف ما الذي ينبغي عليه أن يفعله على صعيد تنظيم حياته سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا بدون العودة للدين.

انتقد عادل ضاهر فهم كلا التوجهين التراثي والحداثي للعلمانية في الفكر العربي الحديث والمعاصر لأن كلا التوجهين انشغلا بالسمات العامة للعلمانية وفق انتماءاتهم الأيديولوجية وفق المثل العراقي القائل (كلمن ايحوز النار لكرصته) وتلك هي أفاعيل الدوغمائيين الأيديولوجيين، لذلك نجد عادل ضاهر يشتغل على منطقة (التحليل الأبستيمولوجي) لشكلين من المعرفة وتحديد المنطلقات المعرفية لكلا الشكلين من دون الخوض في امكانية ردم الهوة بين هذين الشكلين على المستوى الأيديولوجي الظاهر للعيان.

لا ينفي عادل ضاهر ولا يُنكر الشروط التاريخية لنشوء العلمانية في الغرب، لكنه يُحاول أن يكشف لنا السمات الكامنة في مفهوم العلمانية أبستيمولوجياً أو معرفياً، ليركز لنا على مفصل مهم في الإسلام أل وهو (المصلحة)، فالإسلام يدعو لتقديم (المصلحة العامة) على الدين، وتلك من السمات الكامنة والمشتركة في الفكرين العلماني (المعرفي والديني (الإسلامي)، وقد تنبه لهذه الفكرة أيضاً محمد عابد الجابري في كتابيه (العقل السياسي العربي) و (الدين والدولة وتطبيق الشريعة).  

 

ا. د. علي المرهج   

 

قصي الصافيThe Age of Surveillance Capitalism     

البيوت حاضنة أسرارنا وطقوسنا وأحاديثنا وأحلامنا ويومياتنا الخاصة التي هي جوهر فردانيتنا، وقد ادركت الانظمة الشمولية أن تركيع مواطنها واذلاله يبدأ باختراق حياته الخاصة، حيث يقتحم رجالاتها بيوتنا، يفتشون عن فكرة تسللت الى عقولنا أو دونتها أقلامنا، عن تنهيدة تسربت بصورة قصيدة أو خاطرة، أو لوشاية ضد زائر نستحسن صحبته.

الصورة التي تخيلها جورج اورويل عن ظهور الدكتاتور على شاشة الحائط في بيوت المواطنين وهو يراقب حركاتهم وسكناتهم، ويقرأ ملامح وجوههم وانفعالاتهم،ويلقي بتوجيهاته لتشكيل نمط تفكيرهم وسلوكياتهم، تلك الصورة لم يدر بخلد أحد أنها ستصبح واقعاً نعيشه كل يوم ونحن سعداء، فالنظام الجديد ليس بحاجة الى رجال مخابرات وهراوات، رجاله أجهزة الذكاء الاصطناعي التي ندخلها بيوتنا بكامل ارادتنا، بل لا خيار لنا سوى ان نفعل ذلك، نبحث في غوغل فيبحث فينا، رغباتنا، نزعاتنا، ميولنا السياسية، علاقاتنا، حاجاتنا المادية والنفسية. نشاهد التلفزيون فتراقبنا كاميراته المتلصصة، حساسات تسجيل وتصوير في المراوح والغسالات  والثرموسسات ومكانس الروبوت، بل صنعت أسرة نوم تسجل بالصوت والصورة تقلبات النائم وعدد نبضات قلبه وأنفاسه، تجسس المخابرات على غرف نومنا لم تعد اليوم طرفة نتندر بها بل واقعاً متحققاً، الموبايل مخبر يسجل أين تذهب وماذا تفعل ومع من تتحدث . اذا كان لدى النظام الشمولي التقليدي ملفات استخباراتية عن نشاطات وتحركات الناشطين، فلدى غوغل وفيس بوك وغيرها ملف لكل فرد منا، يتضمن ما لا يعرفه هو عن نفسه. تنتزع الانظمة القمعية بالسجن والتعذيب اعترافات معارضيها عن اصدقائهم ورفاقهم، بينما يكفي تنزيل أي تطبيق على جهاز الموبايل لحيازة المعلومات المخزونة عن أصدقائك ورفاقك، بالطبع بعد أن تضغط على عبارة (موافق) على شروط (التعاقد)، وهل لديك خيار آخر؟ اللهم الا اذا اخترت العيش في العصر ما قبل الرقمي!. من أهم مرتكزات الديقراطية الليبرالية مفهوما الفردانية والتعاقد، اللذان يتم انتهاكهما في العصر الرقمي، كلما ضغطت على زر تشغيل الكومبيوتر أو الموبايل.

تخطت الشركات التكنو-رقمية بنفوذها مؤسسات الدولة الديمقراطية، التشريعية منها والتنفيذية، وقد اكتسبت حصانة شبه مطلقة  ضد اي ضوابط قانونية أو محددات أخلاقية باجتياحها الفضاء الخاص، فالى اي مدى يتشيأ الانسان في ظل هيمنتها؟، والى اين تمضي بالحضارة الانسانية، وما مصير المؤسسات الديمقراطية، وقد تزاوج علم النفس مع التكنولوجيا الرقمية لاعادة صنع انسان معدوم الارادة الحرة، وبالتالي التفكير الحر؟، تلك الاسئلة وغيرها تضعنا في مواجهتها شوشانا زوبوف في دراسة تحليلية معمقة بعنوان (عصر رأسمالية الرقابة ).

قبل الخوض في تفصيلات الكتاب، أدعو القارئ الى التمييز بين تكنولوجيا المعلومات وتطورها المتسارع ودورها الانجازي الهائل في خدمة الانسان، في مجال ادارة الاقتصاد والاعمال والتواصل والصحة والامن وغيرها، وبين سياسات الشركات التكنو -رقمية في استثمار تلك المنجزات العلمية لتكديس الأرباح، غير آبهة بالآثار الجانبية المدمرة لا بسبب التكنولوجيا بحد ذاتها، بل لسياساتها التي ستفضي الى خلق نظام شمولي عالمي.

 تذكرنا الكاتبة بلحظة تأريخية حاسمة، حين اجتاح الاسبان المكسيك فظن الهنود الحمر آنذاك انهم أمام آلهة، اذ لم يروا من قبل مثل أشكالهم وازياءهم واحصنتهم وأسلحتهم، وما كرس هذا الاعتقاد أن الاوربيين قد حملو بأجسادهم آلاف الفيروسات التي لا يعرفها جسد الهندي الأحمر ولا يمتلك مناعة ضدها آنذاك، مما ادى الى موت الملايين منهم، اذن تلك المخلوقات القادرة على صناعة كل هذا الموت لا بد ان تكون آلهة هبطت من السماء، ولم يدرك الهنود الحمر الا بعد فوات الأوان ان تلك الآلهة قد جاءت لأبادتهم جسدياً، واليوم تترسخ في اذهاننا الوهية الشركات التكنو-رقمية لقدراتها العلمية وقد قاربت السحر، الا ان الآلهة الجديدة لا تنوي ابادتنا جسدياً ولا مصلحة لها بذلك، لكنها ستهاجم جوهر انسانيتنا عبر تشيؤ الانسان ومصادرة إرادته الحرة ما لم تسن قوانين ومحددات تشريعية لتنظيم استخدام التكولوجيا لصالح تعزيز الديمقراطية وحفظ كرامة المواطن.

ربما يظن بعضنا أن الملفات المعلوماتية عن حياة ورغبات ونشاطات كل فرد منا تستخدمها تلك الشركات لغرض بيعها للشركات الصناعية والخدمية كي تمطرنا باعلاناتها الدعائية فحسب، ولو اقتصر الامر على هذا فلا بأس، بل قد يجد بعضنا لهذا الاجتياح مسوغاً اقتصادياً، الا ان البرامج واجهزة الذكاء الصناعي قد تجاوزت السوق التجاري التقليدي الى أسواق السياسة والامن والحروب والانشطة المخابراتية وغيرها، وبعض تلك البرامج تمثل تهديداً خطيرا،ً خاصة اذا ما حازت عليها الانظمة السلطوية.

ترى الكاتبة ان العصر الرقمي يشهد ميلاد طور جديد للرأسمالية، أو لنقل نمط انتاج مختلف في طبيعة علاقاته الانتاجية، وهذا ما سينعكس دراماتيكيا على الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي. ففي ظل  الرأسمالية الصناعية والخدمية المواطنون مستهلكون، إلا أن علاقتنا بالشركات الرقمية لم تعد علاقة استهلاكية، فنحن المواطنين مادة اولية يتم استثمار نشاطاتنا اليومية ومجمل حياتنا الخاصة مثلما تستثمر شركات الانتاج الصناعي ما في باطن الارض من مواد اولية كالبترول والراديوم، أما وسائل الانتاج فهي مكائن الذكاء الاصطناعي، حيث تعالج المعلومات التي جمعت من يوميات سكان الارض وتقوم لا بفرزها وتصنيفها فحسب، بل ببناء برامج فائقة الذكاء لاعادة تشكيل وعي الانسان وسلوكه ورغباته وحتى طبيعة مشاعره بحيث تتناغم مع خدمة المستهلك، والمستهلك هنا شركات الانتاج الصناعية والمؤسسات الخدمية وأجهزة المخابرات والأمن والحكومات الديمقراطية أو الشمولية ومرشحو الانتخابات وغيرهم. تصطلح الكاتبة على تلك البرامج - التي تجني منها الشركات التكنو_رقمية مليارات الدولارات -  بمصطلح فائض القيمة السلوكي. وقد كشفت عن الاهتمام المتزايد للشركات الرقمية بتجارب عالم النفس السلوكي ب. ف. سكينر تحديدا،ً والتعاقد مع علماء من مدرسته في علم النفس . يقول سكينر ان الارادة الحرة للأنسان ليست سوى وهم في مخيلتنا، وان إعادة تشكيل اطباع وعادات وطريقة تفكير الانسان ممكنة، فالانسان ليس حراً بل يمكن دفعه لاتخاذ قرارات فرضت عليه متوهما انه هو من قرر خياراته بنفسه، وقد خلص الى تلك الاستنتاجات بعد أن أجرى تجارب ناجحة على الفئران والحمام فيما يسمى ب(أقفاص سكينر)، أثبت فيها ان بامكانه جعل تلك الحيوانات تتصرف بشكل مخالف لطبيعتها اذا ما طبق عليها نظام الحوافز والعقوبات، وهو مصر على أن ذلك ينطبق على الانسان أيضاً، ولا مجال هنا لسرد تجاربه بالتفصيل. وقد لقنت أجهزة الذكاء الصناعي ايضاً بقواعد وأساليب مستمدة من نظرية التحفيز (Nudge Theory) لعالم الاقتصاد ريتشارد ثالر، وتقوم النظرية على افتراض ان الانسان في معظم الاحيان غير قادر على اتخاذ القرارات الصائبة، مما يستدعي دفعه الى ذلك من قبل قوة خارجية حكومية أو غير حكومية ذات خبرة ودراية اكبر بمصالحه. [المفارقة هنا ان دعاة السوق الحرة ما انفكوا يروجون لايديولوجيتهم على اعتبار ان الانسان مخلوق عقلاني وهو الأدرى بمصالحه ولذا يجب ان تترك له الحرية الكاملة في السوق دون تدخل اي قوة خارجية وخاصة الحكومة ]. البرامج الذكية المبنية على نظرية التحفيز للتأثير على سلوك وخيارات الانسان في كافة مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لا تختلف عملياً عن برامج غسيل الأدمغة، وتمثل تهديداً للديمقراطية لأعطاء نخبة - ممن يزعمون معرفتهم بمصالحنا أكثر من انفسنا - الاحقية في التأثير على مجمل خياراتنا في الحياة، هذا مع اننا لانغفل ان استثمارها في مجالات معينة سيكون ذا فوائد جمة، مثل محاربة السمنة والتحفيز على نظام تغذية صحي وتنمية  عادات جيدة كممارسة الرياضة والجد بالعمل وتنمية روح الطموح الشخصي والتقنين في صرف الطاقة وغيرها، وقد انشئت في معظم الدول الاوربية لجان تحفيز لتلك الأغراض تدعى (Nudge Committee).

تتبعت الكاتبة مراحل تطور خطط اقتحام الشركات التكنو- رقمية لعالمنا الخاص، اذ بدأت أولاً بجمع ملايين التيرابايت من المعلومات عبر الواقع الافتراضي وألعاب الفيديو والتطبيقات الرقمية، ثم انتقلت الى الواقع الحقيقي في برنامج خرائط غوغل والعاب بوكي مان وتسيير سيارات بلا سائق. بالطبع لا أحد ينكر الفوائد الكبيرة لبرامج مثل خرائط غوغل في تسهيل المواصلات ونقل البضائع وما الى ذلك وأثرها على الاقتصاد الوطني والحياة الشخصية، إلا ان علامات استفهام كبيرة برزت حين تم التحقيق في قضايا المحاكم التي اثيرت في مدن في سويسرا ونيوزيلندا وغيرها، والتي كشفت أن غوغل توجه كاميرات متطورة لتصوير ما في داخل البيوت بدل الشوارع والبنايات من الخارج مما يشير الى أن الهدف اقتحام الفضاء الخاص بحجة رسم الخرائط. وأخيراً تطورت أجهزة الذكاء الصناعي في معالجة تلك المعلومات الخاصة لانتاج برامج اعادة تصنيع الوعي والسلوك والكشف عما سيتخذه الفرد من قرارات في المستقبل القريب، والمدهش ان أجهزة الذكاء الصناعي تتمتع بالقدرة على التواصل فيما بينها وتبادل المعلومات والاستفادة من أخطاء بعضها البعض والتعلم مما يدخلها الانسان من بيانات وما يردها من الأجهزة الاخرى، وبسرعة تفوق تعلم الانسان بآلاف المرات.

رغم الحجم الكبير للكتاب (660 صفحة) وما فيه من تفصيلات واسهاب، الا ان الكاتبة آثرت التركيز على الجانب النظري والتحليلات ذات الطابع التجريدي أحياناً، ولذا أجدني ملزماً بتقديم بعض الأمثلة التوضيحية لاقناع القارئ بأهمية الموضوع الذي قد لا يرى فيه البعض الا نوعاً من الترف الفكري، وهذا ما ستتم تغطيته في الجزء الثاني من المقال ...... يتبع 

 

قصي الصافي

 

جبار المكتوبعملية البحث والدراسة والنقد في شعر يحيى السماوي تحتاج الى خلفية ثقافية عامة وأدبية تخصصية ومعلومات وخزين من المعرفة الأدبية والعلمية والأكاديمية وفروعها في المنطق والقواعد والعلوم الإنسانية الاجتماعية والنفسية وغيرها لبيان السيرة الذاتية للشاعر من خلال نصوصه الشعرية وما رفد، واغنى المكتبة الأدبية بالمجاميع الشعرية المتعددة والتي بلغت لحين اصدار كتاب موضوع البحث هنا: السادسة والعشرون، اولها.. عيناك دنيا ١٩٧٠م وآخرها.. تيممي برمادي ٢٠١٨م.

من خلال النقد والكتابة في أدب السيرة هنالك بعض الاعتبارات التي درجت عند كتابة هذا النوع من الفن الأدبي  في كثير من الكتاب الذين كتبوا عن ذلك، وعلى سبيل المثال ان لا يلحق ضرر بالآخرين ويسيء إليهم وبنظرة كتابية موضوعية بمعايير أدبية دقيقة.

من خلال مطالعتي للمنجز رأيت بأن مؤلف الكتاب الباحث المهندس  لطيف عبد سالم مستعد كاملاً لوضع شروط الدراسة امام القارئ. وقد جسد ذلك في كتابه المرسوم (مرافئ في ذاكرة يحيى السماوي) الذي صدر مؤخراً عام ٢٠١٩ م عن دار تموز في دمشق – سوريا، بعدد صفحاته (320) صفحة، صمم الكتاب الشاعرة المعروفة رفيف الفارس صاحبة المجموعة الشعرية (من يطرق باب الضوء) الصادر عام  ٢٠١٥ م.

لم تكن عملية البحث والكتابة والتأليف في أدب السيرة بالشيء اليسير عند دراسة يحيى السماوي وأديباته المتمثلة بشعره في أزمنة مختلفة تجاوزت الخمسة عقود مالم يكن لديه المام كافي وفهم علمي دقيق مهني ومعرفة أسس التأليف والخطاب الثقافي العام. وهذا ما حمله ولوحظ عند الكاتب لطيف عبد سالم الذي اختار المرافئ وهي جمع مرفأ - مكان رسو السفن - كما جاء في مقاييس اللغة لأحمد بن فارس والعين لخليل بن احمد الفراهيدي .

وهناك أوصاف ومعاني كثيرة لها وكتب الشاعر العراقي حماد الشايع فقال :

بدر وتحمله استفاقة ليله

طبع الوجود على مرافئ وجهه.

الذاكرة الكلمة التي أدرجت في عنوان الكتاب هي قدرة النفس على الاحتفاظ بالتجارب السابقة واستعادتها. هذا ما جاء في معجم المعاني الجامع وغيره.

امتزجت مقدمة الناقد المعروف الدكتور حسين سرمك حسن مع توطئة الشاعر أدونيس..

د. سرمك صاحب الكتاب النقدي (يحيى السماوي وفن البساطة المفركة.. مناديل من حرير الكلمان انموذجا). وهو دراسة نقدية وبحثية وأدبية في أحد المجاميع الشعرية للسماوي.

أدونيس الشاعر السوري علي احمد سعيد اسبر المولود في جبلة سوريا ومن كبار شعراء العرب واول شاعر عربي يفوز بجائزة جوته ولديه القول المشهور.. (الحب قضية ووجود.. عالم بلا حب حياة بلا معنى..ان الشعر ليس مجرد تعبير عن الانفعالات وحدها وانما هو رؤية متكاملة للإنسان والعالم والاشياء..).

السماوة عالم آخر تختلف عن باقي المدن في شرقها أو غربها فهي اوروك مهد الحضارات الإنسانية، أول حرف نقش فيها في هذه الدنيا الواسعة الاطراف.. قديما انكيدو ابوها، وملحمة كلكامش قانونها....

حاضرها الثوار والأدب الشعر والفن والقصة والمسرح، زقاقها التراث والمعرفة والعلم، ومكانها ساوة والفرات والبادية، وزرعها النخيل..

موطن الشعر والشعراء مكان أبو الطيب المتنبي وهو من كبار شعراء العرب على مر العصور والسنين وأكثرهم معرفة بلغه العرب وقواعدها وهو القائل وأشهر ابياته :

انا الذي نظر الاعمى الى أدبي

واسمعت كلماتي مت به صم الخيل

والليل والبيداء تعرفني

والسيف والرمح والقرطاس والقلم.

مكث الشاعر المتنبي في بادية السماوة عامين وبادية السماوة التي كانت تشمل على قسم كبير من شاطئ الفرات وذكر ذلك اكثر من مصدر ومنها.. اطلس المتنبي ..للباحث يوسف احمد الشيرازي.

قال عنها شعرا...

..يرون الموت قداما وحلفا

ويختارون والموت اضطرارا

ومن قصد السماوة غير هاد

فقتلاهم لعينه مرارا..

انجبت السماوة الشاعر يحيى السماوي الذي قال فيها.. اذا كان العراق ابي فالسماوة امي...

وفي الشعر قال:

كل ارصفة الغرب

لا تقوى قدمي على التسكع

وحدها ازقة ودرابين السماوة

تقود قدمي

كما يقود الراعي القطيع

حمامة قلبي لا تحلم

بغير نخلتها الفراتية الحفيف

اكثير على المتسكع ان يحلم

بأرصفة امنة..

من قصيدة ارصفة امنة ديوان.. حديقة من زهور الكلمات..

والسماوي المولود فيها عام ١٩٤٩م ذكر السماوة والفرات في كثير من قصائده خاصة في القصيدة المطولة والمعروفة لدى الشعراء وأهالي السماوة.

..السلام على الفراتين

السلام على السماوة.

1049 مرافئ

أدب السيرة وهو فن من فنون الأدب العام ودراسة في السيرة الذاتية والموضوعية التي يترجم الكاتب بها عن حياة الاخرين ويعتبر الكاتب ليتون ستراشي من أكبر كتاب السيرة في الأدب العالمي لأنه اعتمد في كتاباته على الموضوعية العلمية حسب الكاتب احمد صلاح خطاب. وتعددت الكتابة مثل هذا النوع لكبار العظماء والمشاهير والأدباء فكتب ليون ايدل عن السيرة الأدبية والذاتية لهنري جيمس ..

كتابة أدب السيرة في مرافئ السماوي التي دونها الناقد سالم تتصف بالحداثة والتجديد وهذا ما أوجب طول مادة البحث والجهد الكبير والاطلاع على مصادر المعرفة والفكر والنقد خلال مدة دراسته العميقة واستشارة اقرب الناس للشاعر والذين عاشوا معه منذ الطفولة وشاركوه كل صغيرة وكبيره كشخص التربوي والفنان التشكيلي الناقد عباس حويجي..

ولذلك ذكر الكثير من المفكرين والأدباء وكبار الكتاب على الساحة العراقية والعربية والعالمية متمثلا برائد الأدب والمسرح البريطاني وليم شكسبير والدكتور علي جواد الطاهر والدكتورة فاطمة القرني صاحبة كتاب.. (الشعر العراقي في المنفى.. السماوي انموذجا) وهو بحث اكاديمي لنيل درجة الأستاذية في النقد الأدبي حسب المؤلف.

الكتاب الذي قدمه الباحث والكاتب والقاص والخبير في شؤون البيئة المهندس لطيف عبد سالم في أربعة عشر فصلا، والذي يعتبر من أدب السيرة المتجدد، وطرح معظم الأطروحات الشعرية لدى السماوي الذي قال فيه: (قرأتها فتعلمت الكثير). وقال الناقد والكاتب المسرحي وصاحب كتاب (البَثّْ الحِسّي، والفِكْري في القصائد الوامضة للشاعر يحيى السماوي) الدكتور سعدي عبد الكريم: (عندما قرأت هذا الكتاب اكتشفت بأني لم اقرأ تاريخ السماوي جيدا رغم اننا نطلق على بعضنا الكنية المحببة تؤام الروح).. هذا ما جاء في دراسته عن الكتاب في موضوعه النقدي الثر (مرافئ في ذاكرة يحيى السماوي للقاص لطيف عبد سالم) المنشور في صحيف عدة مثل الناقد العراقي والنور والمثقف وغيرها، وعلق عبد الكريم أيضاً بقوله: (امتياز ادبي في كتابة السيرة الذاتية).

هكذا اعطى لنا المؤلف صورة واضحة لشخصية السماوي الشعرية ونجح في هذا المضمون واعطانا كرما واضحا ومصدرا مهما في الدراسة والبحث والقراءة والكتابة.

 

جبار المكتوب - السماوة

 

احمد الديباويفي كتابه الأخير: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي" يكشف عبدالجبار الرفاعي عن جدل الايمان والاعتقاد وصلته العضوية بالحرية والعبودية في الحياة، بعيدًا عن متاهات المتكلمين، فينسج نسيجه الشاعري ذا البُعد الروحي حول الإيمان، وينثر أفكاره وتأمُّلاته الدينية والأخلاقية قبل أن يتوحّد معرفيا ووجدانيا مع مفهوم الإيمان وحقيقته، مستلهِمًا مباهجه الرُّوحية التي ما إن تستقرّ في القلب، وتأوي إلى الروح، فإنها تختزن فيهما، وتنطلق كنور يكشف للإنسان معنى وجوده، لذلك لم يجد الرفاعي مناصًا من وصف الإيمان بأنه "حالة ديناميكية حية"؛ فهو ليس فكرة أو معرفة أو معلومة، لكنه حالة روحية يتذوقها الوجدان، أو هو جذوة متوهجة، كأنها طاقة مُشعّة.

معنى الإيمان وعلاقته بالحُب

الجذر اللغوي للإيمان هو الفعل الماضي (أمِن)، والأمن نقيض الخوف، والرعب، والرّوْع، والفزَع، والرجل الأمين هو الرجل الثقة، الحافظ، والإيمان لغة هو التصديق القلبي، بخلاف الإسلام الذي هو إذعان واستسلام من دون تصديق بالقلب، ما يعني أنّ الجِذر اللغوي (أمِن) إنما يدور حول معاني: الأمان والطمأنينة والسكينة والراحة النفسية والسكون القلبي، وهو ما أدركه الدكتور الرفاعي عندما تناول، باختصار، مبحث الإيمان والاعتقاد، كأحد مباحث كتابه الأخير: (الدين والاغتراب الميتافيزيقي)، رابطا بين الإيمان والروح من جهة، وبين الإيمان والحب من جهة أخرى؛ فالروح لأنها وديعة الله وسرّه عند الإنسان، فإن الإيمان يفيض عليها طاقةً ملهِمة، فيتبادلان السكن والارتواء؛ "ذلك أن الإيمان عودة الروح إلى أصلها الإلهي، أودَع الله لدى كل إنسان روحا منه"، وهذه الروح/ الوديعة تغيب متى غاب الإنسان عن الله، ولا يستردها إلا الإيمان.

وأما الربط بين الإيمان والحب، فيفسره انبثاق كليهما من أصل واحد، فلا إيمانَ دون حُب ولا حُبَّ دون إيمان، فكلاهما في "صيرورة، وتفاعُل، وفوَران"، وكلاهما مؤثر في الآخر؛ فالإيمان عندما يقوَى فإن الحب يقوى كذلك تبعا له، والعكس صحيح، فالإيمان – إذن – جذوة حُب متوهجة، لذلك كان منبعه القلب، ومن لوازمه: الأمن، والثقة، والطمأنينة، والسلام، وكل معاني الراحة والسكون والسلام.

يبدو عبد الجبار الرفاعي، وهو يناقش معنى الإيمان، شاعرًا أو متصوفا حالمًا، لكنه مع ذلك يستطيع أن يجعل  من كلماته وتحليلاته اللغوية والنفسية لمعنى الإيمان ،ذات قيمة علمية ونفسية عظيمة، بل ذات قيمة فلسفية تغترف اغترافا من الدين، بوصفه حالة رُوحية أخلاقية، قبل أن يكون حالة جامدة من الأحكام والأوامر والنواهي، واللاهوت المغرِق في الميتافيزيقا واللاعقل، فالرفاعي يجعل الإيمان  – وَفق فهمه ووعيه الذاتي – مفتاح السلام بين الأديان، وبوابة العبور إلى فضاءات الحرية والحب والخير والجمال، وتجلياتها في كلمات الله التدوينية (القرآن والكتب السماوية)، والتكوينية (الكون ومظاهره)، فالإيمان عنده "هو الحضور في حضرة الله، والإصغاء لنداء القلب، والإحساس بوجوده، مثلما يحس الإنسان بالبهجة في داخله".

الاعتقاد مفهوم ساكن والايمان حالة تنبض بالحياة

وإذا كان الإيمان مفهوم ديناميكي يتطوّر وينمو ويتفاعل، فإن الاعتقاد مفهوم ميكانيكي جامد، ثاو في الذهن، مفرَّغ من كلّ نبض وحياة؛ لذلك لا يتحول الاعتقادُ إلى حب، كما أن الحب لا يتحول إلى اعتقاد، ولا أدل على ذلك من متابعة معاني الاعتقاد ومرادفاته المستقاة من الفعل (عقَد)، فأظهَر ما تحيل إليه: الإبرام والحبك والتعقيد والغلق، وغير ذلك من معانٍ تجعل مدلول الاعتقاد جامدا، ومؤطَّرا بحدود، حتى ليبدو كأنه سجنٌ ذو أسوار بناها المتكلمون والمفسرون والمحدّثون، فجعلت لله تعالى صورة نمطية لا ينفكّ عنها، صورة ليست في سياق رحماني أخلاقي، بل في إطار القيم الأبوية ومفردات الرِّقّ والاستعباد والتسلط؛ لذلك لا غرو في أن نجد كثيرين، إنْ من أتباع الأديان الوحيانية (السماوية)، وإنْ من أتباع الأديان الوضعية (الأرضية)، يتشبّثون دون تفكير وإنعام نظر، بمعتقدات وأيديولوجيات، ربما يموتون من أجلها، بل في بعض الأحيان يقتلون غيرهم إن هم خالَفوهم ولم يتّبعوهم، لذلك فإن جماعات الإسلام السياسي تستغلّ تلك النقطة، فتتكئ على البُعد العقائدي، لتتحكّم في العناصر التي رضيت بالانقياد لهم واتباع أفكارهم وأنساقهم الاعتقادية، التي يشبّهها الدكتور الرفاعي بـ "الأسوار التي بناها الميراث الديني"، مؤكدا أنّ بداية هدم تلك الأسوار يكون بالتفكير العقلاني، والنقد الجذري، وإثارة الأسئلة العميقة، وهذا هو نمط الإيمان المحرِّر لا نمط الاعتقاد المغلَق، فشتان بينهما!

إيمان الحرية وإيمان الاستعباد

إن الإيمان المحرر هو نمط حضور للإله الروحي الأخلاقي في قلب الإنسان وضميره وحياته كلها، فالإنسان لا يكون مؤمنا حقا إلا إذا كان إنسانا قبل كل شيء، بحيث يهتدي في إيمانه بالأخلاق والقيم الإنسانية الكونية، فالإنسانية هي هُويّته، عندئذٍ سيتحرر العالَم ممّن اغتصبوا حق الله في الجزاء، واستباحوا كل محرّم، وكرّسوا صورة الإله الذي يقف لكل كبيرة وصغيرة، ويشيع الخوف في كلماته وأوامره ونواهيه، وهذا هو إيمان الاستعباد الذي يولَد في فضاء الاعتقاد المغلَق؛ فكما أشرنا آنفا إلى أن العلاقة بين الإيمان والاعتقاد علاقة تبادلية تفاعلية، فإن الاعتقاد الحر يولد إيمانا حرا، والعكس صحيح. ويضرب الرفاعي أمثلة لأصحاب الاعتقاد الحر، وجُلّهم من المتصوفة كالبسطامي وابن عربي والرومي، أما أصحاب الاعتقاد المغلَق، اعتقاد الاستعباد فهُم أهل التنازع بين الأديان والمذاهب، وعناصر التكفير والإرهاب والتشدد، وهم صنيعة علمي الكلام والفقه، من أجل ذلك يشدّد الرفاعي على أن الفقه الإسلامي لن يتحرر من نزعات التكفير والتشدد ما دام متمسكا بـ "الولاء والبراء"، وغيرها من المعتقدات والأحكام التي ولدت في سياقات تاريخية لم تعرف منطق الحقوق والحريات، ويرى أن السبيل إلى الانعتاق من ذلك لن يكون إلا ببناء علم كلام جديد، فهو الأساس الذي يجعل تفكيرنا الديني يبلغ آفاق الإيمان الرحبة، وَفق رؤية لا تنفي حقوق الإنسان باسم حقوق الله، ولا تنفي الحرية باسم التكليف، ولا تنفي الضمير باسم الغيرة على الله، ولا تنفي الأخلاق باسم الولاء والبراء.

 

أحمد رمضان الديباوي، كاتب مصري.

 

1045 دياناعن دار الورشة، صدور كتاب "مَنْ اغتال أميرة القلوب: ديانا؟ ترجمة وإعداد الدكتور حسين سرمك حسن وتقديم أ.د. أحمد عبد المجيد

كتب محرّر دار الورشة:

عن دار الورشة للطباعة والنشر والتوزيع في بغداد (شارع المتنبي)، صدر كتاب "مَنْ اغتال أميرة القلوب: ديانا؟ - أسرارٌ تُكشف لأول مرّة وصور ووثائق جديدة"  ترجمة وإعداد الدكتور حسين سرمك حسن.

وقد قدّم للكتاب الكاتب المعروف الأستاذ الدكتور أحمد عبد المجيد رئيس تحرير جريدة الزمان (طبعة العراق). جاء في التقديم:

(تمتد علاقتي المعرفية بالدكتور حسين سرمك حسن، الى عقد الثمانينات من القرن الماضي. هكذا بوسعي ان احدد ملامح تلك المرحلة التي احتدمت ذكريات وقائعها الصعبة في اذهاننا، كصحفيين ومستقطبي اقلام مبدعة (..) استوقفني نشاطه الابداعي، عبر محطات ومواقف، واكتشفت فيه جملة من الصفات الحميدة، قد يفتقر اليها معظم الكتاب والمشتغلين في حرفة الادب، بينها نأيه عن اللهو المعتاد في المنتديات الادبية وانصرافه الكلي الى الانتاج الفكري، سواء في النقد او الترجمة او التأليف او الادب الروائي والشعري، معّرفاً بجهود سواه ومبشراً بولادة تيارات. وكانت رغبته بالكتابة تعلو فوق اي صفة تلبّسها او حياة عرف بها. وبرغم انه طبيب معروف، الا ان شهرته الادبية طغت على مهنته ذات المنابت التجريبية (..)  وبوسعي القول انه اكثر المبدعين العراقيين غزارة، فيما يتعلق بالجهد الفكري، فهو لا يعتزل او يعتكف الا ويظهر فجأة باعمال جديدة، وفيما ينصرف كثيرون الى حياتهم الخاصة وانغماسهم في الاستقطابات ويتحولون الى آلات للشكوى والتذمر والتنمر، فيطلقون اكاذيب كبيرة، فان الدكتور حسين يشهر، امامنا، قائمة بمشاريع واجتهادات تنم عن عزيمة ثقافية نادرة وقدرة على مواجهة التحديات، في بلد متصارع وصاخب).

1045 ديانا

ويواصل الدكتور أحمد عبد المجيد تقديمه الكتاب بالقول:

(ومثلما في المرات السابقة، فانه يتحفنا، اليوم بملف ضخم لواحدة من اكبر الحوادث التي هزت العالم.. ومازالت تذكاراتها وتداعياتها مستمرة، وتتعلق بحادث مصرع اميرة ويلز، التي مازالت بعد نحو عقدين من رحيلها حاضرة في اذهان الملايين حول العالم وتوصف بـ (ايقونة الجمال). وبعبارة فان الدكتور حسين سرمك يوقظ ديانا من الابدية، وينفخ في الاوراق السرية لمقتلها، الروح فيفصح عن جريمة بأركان مادية لكنها قيدت ضد مجهول.

  وبدا لي المؤلف، في كتابه (من اغتال اميرة القلوب: ديانا؟) انه سيكون اكثر الاستقصائيين الذين لاحقوا ذيول الجريمة، عزما، وابرز الذين يكشفون الحيثيات بعد كل هذه السنوات، مثابرة. انه يريد القول بما معناه، ان لا جريمة في التاريخ تبقى رهن الغيب الى الابد، وان المجرم مهما امتلك من الذكاء، لابد ان يترك دليلا، ولو بحجم شعرة، في موقع الحادث. ولاشك في ان امكانات حسين سرمك العلمية والعملية تؤهله لالتقاط هذا الدليل من نفق باريس وبالتوقيت الليلي).

اشتمل الكتاب (220 صفحة) على عشرة فصول هي:

(1) الأميرة ديانا .. ألبوم صور افتتاحي

(2) مَنْ هي الأميرة ديانا ؟ - تعريف موجز

(3) ما هي الأدلة على اغتيال الأميرة ديانا، ولماذا حنّطوا جسمها بعد ساعات من موتها؟

(4) رئيس الوزراء وقائد الجيش البريطاني عرفا بقتل الأميرة ديانا وظلّا صامتين

(5) القصّة الحقيقية لمقتل الأميرة ديانا، 10 حقائق تؤكّد مؤامرة اغتيالها

(6) المحقّق الصحفي الشهير واين مادسن: التحقيق في اغتيال الأميرة ديانا غطاء للتشويش على السبب الحقيقي

(7) أسرار جديدة في عرض صوري لمقتل الأميرة ديانا

(8) في أوّل مقابلة صحفية مع أول مُسعف يصل مكان الحادث ويحاول إنقاذ الأميرة ديانا: لم تكن محشورة وكانت صاحية وعيناها مفتوحتين وبلا إصابات!!

(9) كيف تمّ اغتيال الأميرة ديانا ؟ (مُخطط تصويري لواحدة من نظريات المؤامرة)

(10) أغلفة بعض الكتب التي تتحدث عن اغتيال الأميرة ديانا

وضم الكتاب – أخيراً - قائمة بالمقالات التي ترجم عنها.

وقد جاء إهداء الكتاب:

(إلى الباحثين عن الحقيقة في كل مكان من هذا العالم الجائر)

ومن الجدير بالذكر أنّ هذا الكتاب هو الثالث والسبعون للباحث والناقد الدكتور حسين سرمك حسن.

 

1051 ترانيم الفتى البغداديللشاعر غزوان علي ناصر.. قراءة نقدية

من المعلوم أنَّ الحبَ كحالة إنسانية سامية، وما يكتنفه من لواعج العشق وصور الجمال، شكل على مدى العصور حافزاً قوياً لإثارة إبداع الشعراء، فضلاً عن مساهمة إبداعية المنجز الشعري بفاعليةٍ في تميز بعض الشعراء عن نظرائهم. ولا ريب أنَّ إبداعَ الشاعر يرتكز بشكلٍ أساس على الموهبة المقترنة بتنوع مصادر المعرفة التي يوظفها هذا الشاعر أو ذاك لرغبةٍ جامحة في التعبير عما يشعر به، أو قد يوجه بوصلتها نحو بلوغ المجد والإحساس بالتميز حيناً ما، مع العرض أنَّ الشعورَ الخفي الذي يؤرق الشاعر، ويرغب البوح به قصد إيصاله إلى المتلقي، يبقى على الدوام رهين ما يمتلكه من أدواتِ البناء الشعري التي بوسعها ترجمة ما بداخله من رؤى، وما يطرق في ذهنه من هواجس.

أسوق هذه المقدمة الموجزة بعد ما أطلعت على ديوان (ترانيم الفتى البغدادي) للشاعر غزوان علي ناصر الصادر عن مكتبة فضاءات الفن في بغداد، والذي يُعَدّ إصداره البكر. وعلى الرغم من اختلاف معايير المشارب والأذواق، الاّ أنَّ ما أثار انتباهي بدايةً بخصوص الديوان موضوع البحث هو ما تجسد بأمرين، أولهما الانتقائية في اختيار العنوان الذي ضمنه كلمة ترانيم، وهذه المفردة كما هو معروف في معاجم اللغة العربية تستمد خاصيتها المؤثرة في المتلقي مما تحمله في طياتها من معانٍ ترقى بالرؤيا الجمالية، وتستفز بما تحمله من بهاء ذائقته الجمالية، فالتَّرْنِيمُ لغةً: تطريب الصوت. الرَّنِيمُ والتَّرْنيمُ: تَطْرِيبُه، وقد رَنَّمَ الحَمامُ والجُنْدَبُ والقَوْسُ، وما اسْتُلِذَّ صَوْتُهُ، وتَرَنَّمَ. ترنَّمَ يترنَّم، ترنُّمًا، فهو مُترنِّم، ترنَّم المُغنِّي ونحوُه، رَنَّمَ الْمُطْرِبُ: غَنَّى على نَغَماتِ العُودِ غِنَاءً عَذْباً حَسَناً وَرَجَّعَهُ، رنِم: رجَّع صوته وتغنَّى في تطريب وتَحنان ترنَّم الطائرُ في هديره.

أما الأمر الآخر، فقد تمثل باعتمــاد غزوان المواءمــة والتكييــف ما بين الشعر والفن؛ لأجل الوصــول إلــى صياغــةٍ ذات قيمة أدبية وفنية معبرة، إذ أطل علينا في وليده الأدبي هذا بما يعتمل في ذاته من مشاعر وخيالٍ جامح بعد أنْ عودنا على الاندهاش بلوحاته الفنية. فقد ركن غزوان إلى اقتران قصائد الديوان الشعرية بلوحاتٍ فنية غاية في الجمال. وأكثر من ذلك أنَّ جميعَ اللوحات - التي وجدت لها حضوراً في صفحات ترانيم الفتى البغدادي - رسمها الشاعر بريشته من دون الاستعانة بفنانٍ آخر كما هو شائع في أغلب الإصدارات الأدبية. ومن الجدير بالذكر في هذا السياق، هو تباين الرؤى حيال موضوع المواءمة والتطابق ما بين الرسم والشعر، والتي وصلت إلى قناعة بعضهم إلى أنَّ الشاعرَ ما يزال متخلفا كثيراً عن الرسام في تجسيم الأشياء المادية، إلا أنَّ هناك رأياً آخر للرسام والنحات الإسباني خوان ميرو (1893 - 1983م)، والذي يُعَدّ أحد أشهر فناني المدرسة التجريدية، يقول فيه: (أنا لا أميز أبداً بين الرسم والشعر. أحيانا أوضح لوحاتي بعبارات شعرية وأحيانا العكس). كذلك يشير أعظم الفنانين وأكثرهم تأثيراً في القرن العشرين الرسام العالمي والنحات بابلو بيكاسو (1881 - 1973م) إلى منجزه بوصفه رساماً وشاعراً. وبالاستناد إلى هذه الرؤى، فإنَّ تمسكَ الشاعر غزوان بالمواءمة في ديوانه هذا ما بين البوح والصورة، فضلاً عن الحرص على تفاعلهما، مكنه من النجاح في مهمة جعل الصورة تكيف نفسها مع قريضه، ولم يستثني من ذلك حتى اللوحة التصويرية التي اعتمدها المصمم في تصميم غلاف مجموعته الشعرية. ولعلَّ المذهلُ فِي الأمر أَنَّ اقترانَ الشعر بالرسم في هذا الديوان أضفى عليه مسحة من الجمال والرونق سعياً من الشاعر لتحقيق أعلى درجة من التفاعل ما بينه وبين المتلقي أو القارئ. ويبدو أنَّ هذا الامتزاج والتماهي ما بين الشعر وفن الرسم هو الذي دفع الدكتور إياد الباوي إلى الإشارة للشاعر غزوان بوصفه من رواد قصيدة (القصورة) المعاصرين.

إنَّ القراءةَ المتأنية لقصائد الديوان المذكور، تظهر بشكلٍ جلي أنَّ عاطفةَ الحب الصادق المقرونة بمسحة الجمال تشكل أبرز الينابيع التي أثارت قريحة الشاعر غزوان الإبداعية، وحفزته على البوح شعراً، إلى جانب تجسيد عواطفه رسماً؛ لذا كان الغزل حاضراً بقوة في أروقة الديوان فقد كانت القصيدة الوجدانية تشكل سمته الأساسية، وتعكس ما يخالج نفس الشاعر من مشاعرٍ جياشة ومتدفقة بالوجد والحب، والتحرق عطشاً وشوقاً صوب الجمال. وهذه القصائد كما يصفها الشاعر والناقد الجزائري الأستاذ الدكتور يوسف وغليسي (قصائد تحترف الغزل البغدادي العريق، وتستعيد شيوخ العشق الشعري العراقي القديم) ويلقب الشاعر (بصريع الغواني) تشبيها له بالشاعر العباسي المشهور مسلم بن الوليد الملقب بصريع الغواني. وتدعيماً لما ذكر، أرى من المناسب اختيار أبيات عدة من أحد نصوص الشاعر، والتي يقول فيها:

اني صريعُ الغواني والهوى دأبي

عشق الجمال وحبّ البيضِ يصبيني

قد كان أقصى مرامي يامعذبتي

أن بين نهديك ياروحي تضمّيني / من قصيدة (صريعُ الغواني) ص37

فهو شاعر عاشق يتبع الجمال ويلاحقه:

أضعتُ رشدي واني عاشقٌ ولهٌ

يهوى الجمالَ ولا يبغي به ضررا / من قصيدة (معجزةُ الحسنِ) ص 68

المتوجب إدراكه أنَّ الجمالَ في تشكيل القصيدة الشعرية بهذا الديوان مغمساً بالصدق والنقاء، ما يعني أنَّ هيامَ عشق غزوان الذي فاض بوحاً وغدا ركيزة لإنجاز لوحاته الفنية لا يخرج عن دائرة الغزل العذري والحسي، فالجمال لا ينبغي أنْ يفسرَ بوصفه قضية حسية ترتهن بالغرائز الجنسية. وتحضرني في هذا الإطار مقولة للشاعر إميل ناصيف ضمنها كتابه الموسوم (أروع ما قيل في الوجدانيات)، والتي يقول فيها: (الشعر الوجداني ينطلق من قلب الشاعر ليتوجه إلى قلبه موحداً بين الذات والموضوع محولاً الشاعر إلى النبع والمصب في آن واحد). ويمكن القول إنَّ السماتَ الجمالية المميزة للقصائد التي ضمها الديوان المذكور، وفي المقدمة منها اللغة الشعرية والصورة الشعرية، تكشف لنا عن شاعر وجداني عميق الإحساس، متمكن من أدواته الشعرية، ضليع باللغة ومحب لجماليتها، ولا غرابة في هذه الميزة ما دام غزوان علي ناصر يدرس اللغة العربية كونه احد طلبة الدكتوراه في اختصاص النقد والأدب. ولعلَّ من المهم الإشارة هنا إلى أنَّ مؤلفَ هذا الديوان يشتغل على القصيدة العمودية الكلاسيكية على الرغم من انفتاحه على أجناس الشعر الأخرى، إذ يبدو بما لا يقبل التأويل أنَّه يجد قصيدة العمود أقرب إلى نفسه.

إنَّ القراءةَ المتأنية المتأملة لقصائد ديوان ترانيم الفتى البغدادي تقود إلى الاحساس بتميز الشاعر غزوان فيما يكتبه وذلك يتجلى  بأسلوبه السهل الممتنع، إذ يتصف أسلوبه في تركيب أبياته الشعرية بسلاسة المفردات ووضوح معانيها، وصدق عاطفتها، ما يجعل قصائده أكثر إثارة للمتلقي واقرب إلى نفسه وخلجات وجدانه. ومن وحي القراءةَ المذكورة آنفاً، ندرك أيضاً تميز شاعرية غزوان بلغةٍ شعرية عززت بنية القصيدة وساهمت في المحافظة عليها بفضل امتلاكه إمكانيات شعرية غير محدودة، والتي ساهمت في تدعيم منجزه الشعري الواعد بما أفضت إليه من شعرٍ رقيق، إذ اتسم شعره بقوة التأثير وصدق العاطفة، إلى جانب إجادته التفنن في نسج الصورة الشعرية. وأما الاوزان الشعرية التي استعملها الشاعر في ثنايا هذا الديوان فقد كانت متنوعة كالبحر الوافر، والبحر الكامل، والبحر المتقارب والبحر البسيط الذي كانت له هيمنة واضحة على باقي الأوزان الشعرية.

وفي الوقت الذي أبارك فيه منجز الزميل الشاعر غزوان علي ناصر، أختم حديثي عن ديوانه البكر باختيار أبيات عدة من قصيدته (غادة الفيحاء) ص 159:

وتلطَّفي في عاشـــــقٍ متســـــوِّلٍ

أبكى السَّمـــا حزناً ومــا أبكـــــاكِ

عندي مِــن الأشـــعارِ ما لـو قلتُهُ

غارتْ نســــاءٌ لــــو بها ألقــــــاكِ

عندي مِن الأشواقِ حبٌّ ســـاحرٌ

باحـــــــتْ بـهِ الشَّفتانِ حينَ أراكِ

دنياي مِنْ غيرِ الوصــالِ مريرةٌ

فكأنَّني أمشـــي على الأشــــــواكِ

لكِ بسمةٌ من لطفِها لو أشـــــرقتْ

لتشعشعتْ من نـورِهـِـــا خــدَّاكِ

هـاتي الشِّفاهَ أهيمُ فيهـــــا لحظـةً

ولتسقني خمـــــرَ الحـــياةِ يـداكِ

...................

المجموعة الشعرية: ترانيم الفتى البغدادي

المؤلف: الشاعر غزوان علي ناصر

تاريخ الاصدار: الطبعة الأولى 2019م

عدد صفحات الديوان: 207 صفحة

مطبعة تنوير

الناشر: مكتبة فضاءات الفن - بغداد - العراق

 

قاسم جمعةليس من عادتي أن اكتب عن كتاب لا تكبرا أو غرور بل لاني أؤمن بأن القراءة تكون مفيدة عندما توظف في خدمة بحث مرتقب أو دراسة قيد الإنجاز فلذا تكون الرغبة في قراءة الكتب مدفوعة بقصد كتابة البحث وربما هي لوثة أكاديمية تحسب للوقت والجهد ثقلا كبيرا

لذا تنتابني احيانا رغبة ملحة للكتابة، لكنها تتوقف ريثما تشرع للبدء، وهي حالة تمر على اي مشروع للكتابة لا يرغب بأن ينقل ذهنه من حرية القراءة الى سلطة المكتوب؛ وقهر المفارقة التي ستحصل لحظة التنازل عن خياله وحريته امام معبد الكتابة وبالتالي تحوله من قارئ إلى مقروء .

لقد سعدت كثيرا بإهداء دكتور حسون فندي السراي لكتابه (إشكالية الجوهر في الفلسفة المعاصرة)، ولكني سارعت إبلاغه حالما تسلمت منه نسختي الممهورة بإهداء منه، باني افكر او اني فكرت حينها فعلا بعد قراءة كتابه مستقبلا، سوف اكتب عنه مقالا أو عرضا لمضامينه ..

ولاني بحسب ظنه مشاكس مدمر ومختلف عنيد في حقل الكتابه والتفكير الغير مألوف وهي شهادة كبيرة من كاتب ومفكر كبير مثل بروفسور حسون، الذي تربطني به علاقة، طالما شحنتها مناقشات مستمرة بيننا في مجال الفلسفة وخصوصا ما يعد اشكاليا وملفت للسؤال النقدي..

لم أكن اتوفر على الوقت الذي يسعفني على قراءة سفر فلسفي مهم، يصفه هو، بأنه معقد!. ولطالما انشغل السراي بمعشوقته (الفلسفة الحديثة) واشكالاتها العديدة فكتب بحوثا ودراسات مارست لعبة الظهور والتخفي ! فهو يكتب ويفكر خارج منطق الضوضاء والميديا المهووسة باستجابات جمهور غارق بما يعجبه هو، ولذلك فهو من جيل يكتب بصمت ويفكر بصمت لا يرتضي لنفسه سوى اهتمام بمشكلة هنا أو أشكال فلسفي هناك..

بل شغلته جوهرها المهم في الفلسفة تقصد (اقصد مشكلة أو إشكالية الجوهر) العنوان لإي رغبه إلا على مضض لأنه يعتقد أن الفلسفة الحديثة بثوبها المعاصر تحن لتاريخها العتيق والمعاصرة تسمى عنده الحديثة المتأخرة وهي تصنيفات يأخذ بها بعض من مؤرخي الفلسفة لاسيما وليم كلي رايت في كتابه تاريخ الفلسفة الحديثة

لكني اجد بتواضع كبير أن قراءتي لكتاب بروفسور حسون مهمه معقدة فضلا عن موضوعها لأنك امام كاتب يبحر بك في سماء اللفظ السديد والأكاديمية الصارمة والنص الرشيق والملاحقة المرهقة لعبارات الفلاسفة وكبار المتفلسفة المعاصرون بأسلوبه يحيل بمخيالك عوالم جماليات التلقي ويجعلك قارئ جيد لنص جميل لكن بشرط أن تتابع إيقاع نصوصه للنهاية فهو كاتب متمرس يهوى المشاكسة التي يصفني دوما بها أو التدمير الذي التفت إلى سره في بعض ما قرأ أو سمع لي في ندوات أو جلسات أو مؤتمرات

لكني عندما باشرت بقراءة كتاب إشكالية الجوهر راودني احساس مباغت باني سوف اتيه بين جدران سميكة لنصوص تخنق القراءة ومتعنها لكني بعد أن قراءة لأول أسطر بحثه شدني الى عالمه وآسرني سحر بيانه الفلسفي فهو يتناول الجوهر الذي يهوى لعبة الظهور والتخفي او بعبارته الخفاء والتجلي وعليه تقع مهمة اثبات ذلك في نصوص كبار فلاسفة العصر كهيدجر وسارتر ورسل ووايتهيد وآخرين من فلاسفة الرفض للجوهر ومعطيات التعامل معه فهو يروم اثبات ان هولاء الفلاسفة يؤكدون ما يرفضون ويرفضون ما يؤكدون، فهي مهمة تاؤلية صعبة وطويلة ومعقدة من الناحية الزمنية المفتوحة للبحث، فضلا عن صعوبة تناول هكذا موضوع ليس من الهين تناوله، بسبب تقنيات بلاغية وموضوعية ترتبط به كموضوع يخص حقل الميتافيزيقا الشاق والاشكالي. والمراوغة التي أطلقها انا على عينات بحثه، فهم فلاسفة يرفضون الجوهر، لكن خطابهم منزلق في بيت الميتافيزيقا المهجورة من قبلهم، وهو ما يسميه بروفسور حسون المعيار المزدوج .ص٩

وتكمن جراءة الباحث فضلا عن ما ذكرت أعلاه إنه لم يقيد قلمه بمنهج محدد، والذي أسفرت رحلته الشاقة (عشرة سنوات) من البحث أن يؤمن أن محركه في البحث هو حب البحث ومطاردة فرضيات البحث بكل صورة منهجية متاحة .ص١١

لقد تبين بعد مغامرة نصية تتناول نسق ميتافزيقا كل نموذج حتى وإن كانت بالضد أو ترفض هذه المعطيات، فقد فكك نصها وحاول بشجاعة القارئ الحقيقي للنص بحسب امبرتو ايكو، أن يفضح التشابك الدلالي لنص كل مفكر أجاد لعبة الرفض والقبول لمصطلح أو مفهوم الجوهر في فلسفته التي طالما وضعت في خانة النصوص الرافضة لمشكلة الجوهر .

البحث جري بأسلوبه ونتائجه والمقاربات الدقيقة بين نصوص فلاسفة القرن الحديث (السابع عشر ما بعده) وبين فلاسفة القرن الواحد والعشرين (المعاصرون) فهو بحث يليق به كما عرفته يتقن اللغات (الإنكليزية و الفرنسية وربما لغات اخرى) ولست أبالغ فهو يذكرني بكبار الكتاب الذين علمونا أبجديات الفلسفة والحق يقال، فهو بحث شيق مكتوب بلغة رشيقة لا تغادر زوايا أو تخوم نصوص الفلسفة اي كانت محطاتها الزمنية، لقد جاء البحث وفق خطة منهجية طريفة تأخذ فلسفة كل مفكر وتحيط به بأسئلة من قارئ يجيد فك الطلاسم ويحلل شفرات النصوص بما قبلها وما بعدها ليصل إلى أن القول (المعاصر) له مصدر آخر يلوح من بعيد تجده حاضرا عند أفلاطون وارسطو أو ديكارت أو لايبنز أو كنت .

وهو يلخص ما يروم الوصول إليه بالقول " وعلى أية حال، من أحوال العرض والتحليل الذي قدمنا، فلم كدما شئت من توظيف المفاهيم المضادة لمعاقل الجوهر وأحفاده الذين لم يعودوا يتآمر، فإنك طالما كنت تفكر في أفق الميتافيزيقا محاولا توكيد : وحدة الوجود والمظهر (هيدجر) أو واحدة الظاهرة (سارتر) أو وحدة الكائن العضوي (وايتهيد) أو أصالة الحوادث ووحدتها (رسل)، فإنك واقع لا محالة في هذا الإشكال وهو انك ستجد نفسك في وضع تؤكد فيه ما رفضته وترفض فيه ما أكدته طالما كنت تقرأ، اضطرار، كذا وكذا، بما يدل على الجوهر معنى ودلالة ..."ص٢٠١.

 

د. قاسم جمعة

 

قاسم حسين صالحNo Easy Walk to Freedom

قراءة وتحليل ومقاربة

شخصية مانديلا – مؤشرات من طفولته

استقصى عالم النفس (جينفر) صاحب كتاب (التاثير الهاديء Quite Influence )طفولة مانديلا ليلتقط منها مؤشرات عن شخصيته،  بدأها بمقارنة يتذكرها مانديلا بينه وبين اقرب اصدقائه اسمه جاستس (عادل) ابن رئيس القبيلة: (كنا متضادين- هو انبساطي منفتح وانا انطوائي- هو مرح وانا جدي). وتوصل الى ان استجابات مانديلا للاحداث تنطبق عليها نظرية المحلل النفسي يونك الذي صنف الشخصية الى اربعة انواع: انطوائي مقابل انبساطي، يتعامل بالمشاعر مقابل التعامل بالتفكير..وحكم على شخصية مانديلا بانه انطوائي عاطفي يتعامل بالمشاعر.

واللافت او مايبدو مفارقة ان الانطوائيين مثل مانديلا غالبا ما يكونوا هم افضل القادة،  لأنهم يكونون مصغين جيدين ومتفاعلين جيدين مع اولئك الذين يخفون مشاعرهم. ويصف مانديلا نفسه بان يمتلك قدرة فطرية لفهم مشاعر الاخرين واهتماما قويا بالناس ودافعا اقوى لمساعدة الاخرين.

(بالمناسبة كثير من الممثلين الكوميديين هم انطوائيون،  بينهم الفنان جيم كيري الذي اعترف بانه يتعاطى مضادات الاكتئاب، و الفنان روبن ويلمز الذي كان يعاني من الاكتئاب وفاجأ محبيه بانتحاره عام 2014).

وتفيدنا طفولة مانديلا بأنه عاش نوعين مختلفين من الخبرة:رعاية الاغنام بعمر الخامسة تعلم منها دلالات الفقر وحب الأرض، والعيش بعمر التاسعة في قصر ملك القرية خبر فيه حياة الرفاهية وارستقراطية القصور.

ويذكر مانديلا انه تعلم في قصر ملك القرية (تربل) الذي تولى تربيته ما وظّفه حين اصبح سياسيا..حيث كان هذا الملك يستمع اولا لكل المتحدثين من الجالسين ثم يبدا الكلام، ما يعني سيكولوجيا انه يشعر المقابل بالاحترام ويمنح عقله فرصة استيعاب افكار الآخرين،  مضيفا بأنه تعلّم ان المهمة الرئيسة للقائد ليست في ان يقول للناس ماذا يجب ان يفعلوه بل ان يعرف كيف يحقق صيغة الاجماع باستخدام مهارة فن الاقناع بان يجعل الناس يتوصلون الى ان ما يقوله هو فعلا ما يفكرون به.

ولدينا نظرية في علم النفس تقول (ان الافكار هي التي تحدد الافعال)،  وان المعتقدات هي اقواها. ولك ان تضرب مثلا في تاريخنا السياسي بسلام عادل الذي لم يتخلى عن معتقده برغم قساوة التعذيب..وتلك هي الصفة الأهم في شخصية مانديلا،  فايمانه المطلق بعدالة معتقده منحته صفة اخرى هي القدرة على التحمّل وديمومته التي استمرت 27سنة سجن في اعمال شاقة وحياة قاسية.

وصفة اخرى،  ان المناضل حين يصبح في نظر شعبه بطلا فانه يتماهى نفسيا بهذه البطوله،  ويمنحه التعزيز الايجابي من شعبه والتأييد والاعجاب الدولي ما يدفعه الى تحقيق هدف البطولة ليقوم دماغه بغلق او اماتة الخلية التي تفكر بالتخلي لتنشط وتسيطر على عملياته العقلية الخلية التي تفسر التخلّي بانه خذلان وعار وخزي..وكانت هذه الالية السيكولوجية هي التي اسهمت في ان تجعل من مانديلا رمزا نضاليا وبطلا اسطوريا،  ليشهد بنفسه اقامة تمثال له بارتفاع ثلاثة امتار،  وقيام اليونسكو بتخصيص يوم بأسم نلسون مانديلا، ومنحه جائزة نوبل للسلام..ولهذا فأننا أحببنا مانديلا ..وربما لسبب سيكولوجي خفي، هو أننا نحن العراقيين،  بحاجة اليوم الى مخلّص عراقي يشبه مانديلا!..ونرجو أن لا يكون حالنا حال (غودو الذي يأتي ولا يأتي!).

مواقف..في لقطات

الكتاب مزدحم بمواقف واحداث يصعب عرضها او التعليق عليها بالكامل، ولهذا سنختار منها ما له دلالة خاصة، نبدأها بمقالته:رسالة من مخبأ سرّي في تحليل لدلالاتها السيكولوجية.

في العام 1961استجاب الافارقة في عموم البلاد لدعوة مانديلا ومجلس العمل الوطني للاضراب لمدة ثلاثة ايام..ونجح،  واصفا ما حدث بأنه ما من قوة على الارض يمكن ان توقف الشعب المظطهد المصمم على الحرية.وقد شنت الشرطة حملة تفتيش واسعة عن مانديلا فكتب رسالة من مخبئه السري، جاء فيها:

(لقد اخترت المسار الاكثر صعوبة، والذي ينطوي على المزيد من المخاطر والمشقة اكثر من دخول السجن. اضطررت للابتعاد عن زوجتي واطفالي الاعزاء،  عن والدتي وشقيقاتي. واضطررت لايقاف عملي، والتخلي عن مهنتي، والعيش في فقر وبؤس كما يفعل الكثيرون من ابناء شعبي. ساقاتل الحكومة معكم في كل شبر من اراضينا حتى نحقق النصر، ولن اغادر جنوب افريقيا،  ولن استسلم. الكفاح هو حياتي،  وسأواصل القتال من اجل الحرية حتى آخر ايامي).

في هذا الخطاب دلالتان سيكولوجيتان، الأولى: ان السجين السياسي حين يضع راسه على الوسادة ليلا فانه يحاور نفسه بين الندم على حرمان نفسه من الحياة كالآخرين وبين قناعته بأن ما سجن من اجله ..قضية اختار التضحية عن وعي لتمنحه قيمة معنى وجود الانسان في الحياة..وقد حسمها مانديلا بقرار مطلق.

والثانية: ان الشعب الذي تضطهده حكومة تستفرد بالسلطة والثروة، وتتركه يعاني الفقر والحرمان والشعور المجحف بالحيف..يحتاج الى بطل مخلّص يتوحدون به..وقد وجده الافارقة في شخص مانديلا، وصاغ في رسالته ما يجعلهم على ثقة مطلقة بأن مانديلا هو المخلّص، وانهم ملزمون اخلاقيا بان لا يخذلون من ضحّى من اجلهم، فجعلوا منه رمزا وطنيا يمثل اليقين بأنه رجل الدولة الذي سيحقق لهم الحرية والكرامة وطموحاتهم التي كانت تبدو لكثيرين بأنها من صنف المستحيل.

الثانية:في المحكمة..من متهم الى مفكر واعلامي

عام 1956بدأت محاكمة مانديلا بتهمة الاطاحة بدولة جنوب افريقيا استمرت اربع سنوات ونصف متتالية،  وتركز الاستجواب فيها على الخطابات والمقالات التي كتبها، وابرزها مقاله (ليس سهلا الطريق الى الحرية).وكان مانديلا يجلس في قفص الاتهام طوال اليوم في اختبار صعب لقدرة الانسان على التحمل.ومع انه كان يعرف ان عقوبة الخيانة العظمى هي الاعدام، فانه حوّل المحاكمة الى قضية شعب،  وتولى هو مهمة الدفاع عن نفسه وعن قضية وطنه.ولأن التهمة مستوحاة من الشيوعية الدولية، فان محامي الدفاع يسأله:

- هل اصبحت شيوعيا؟

فيجيبه:

- حسنا لا اعرف ان كنت قد اصبحت شيوعيا.ان كنت تقصد بكلمة "شيوعية" انني انتسب الى الحزب الشيوعي، وتبنيت نظريات ماركس،  ولينين، وستالين، وانجلز الملتزمين بصرامة بمباديء الحزب..بهذا المعنى،  لا،  لم اصبح شيوعيا.

ويسأله:

- هل تعجبك فكرة مجتمع لا طبقي ؟

+ نعم،  الى حد كبير.اعتقد ان الكثير من الشر ينبع من تعدد الطبقات، من استغلال طبقة لبقية الطبقات. ويضيف بأن الامبريالية طافت جميع انحاء العالم،  لاخضاع الناس واستغلالهم،  وجلبت الموت والدمار لملايين الناس.

وبذكاء استثنائي يحول المحاكمة الى وسيلة اعلام لقضية شعبه.يبدأ مانديلا بطلب للقاضي يبدو غريبا (اتقدم بطلب اعفاء سيادتك من هذه القضية!) داعما حجته بقوله بانه في محاكمة سياسية كهذه القائمة على صدام بين طموحات الشعب الافريقي والاقلية البيضاء،  لا يمكن لمحاكم البلاد ان تكون محايدة ونزيهة. انني اشعر بالقمع من جو الهيمنة البيضاء والظلم اللاانساني الممارس علينا.انا بلا ارض،  لأن الاقلية حظيت بنصيب الاسد في بلدي واجبرتني على العيش في مخيمات الفقر المدقع..لقد انهكنا الجوع ودمرنا المرض.

في اليوم الثالث من المحاكمة قدّم مانديلا طلبا يقضي باقالة القاضي، لاتهامه بأنه شوهد يستقل سيارة صغيرة زرقاء اللون من طراز (فولكسفاغن)، وانه جلس في المقعد الامامي برفقة (ديركير) المساعد في الامن القومي الذي شهد ضد مانديلا، وعنصر امني اخر (الامر الذي ولّد لديّ مخاوف من ان العدالة تدار بطريقة سرية).

محاكمة ريفونيا

تعد هذه المحاكمة واحدة من اشهر محاكم التاريخ جرى تسجيلها على اسطوانات تعود إلى ما بين العامين 1963 و1964، في 230 ساعة، ولها يعود الفضل بانها غيرت الطريقة التي كان العالم ينظر بها إلى جنوب إفريقيا.

ما يدهشك ان مانديلا يعترف امام المحكمة (لا انكر انني خططت للتخريب،  وانني احد مؤسسي رمح الامة، " الجناح العسكري للمجلس الوطني الافريقي"،  وانني خضعت اثناء وجودي في الخارج لدورة عسكرية تدريبية، ودرست فن الحرب والثورة).. مبررا بان خمسين عاما من اللاعنف لم تجلب للشعب الافريقي سوى المزيد من التشريعات القمعية.

ويدهشك انه يعلن امام المحكمة (اقر بانني اجريت الدراسات لاعدّ نفسي للدور الذي قد ألعبه اذا ما تحول الصراع الى حرب عصابات). موضحا لأعضاء المحكمة (بانني تبحرت في تفاصيل هذه المسالة باكملها من شرقها الى غربها، وعدت الى كلاسيكيات كلاوزفيتز "جنرال ومؤرخ حربي روسي"، وتناولت افكار من ماوتسي تونغ وتشي غيفارا من جهة وكتابات حرب الانجلو بوير "بين بريطانيا وجمهوريتي البوير 1899-1902" من جهة ثانية). مؤكدا بأنه لم يكن يوما شيوعيا ولكنه يحترم الحزب الشيوعي الافريقي ومتعاون معه بالرغم من قانون حضر التعاون معه.

استمرت محاكمة ريفونيا احد عشر شهرا ويوم، حكم على مانديلا وثمانية من رفاقه بالسجن المؤبد.ولحظة اقتيدوا الى السجن، كانت اللافتات ترفرف بعبارة( لن تقضوا عقوبتكم هذه طالما نحن على قيد الحياة)..ورفع مانديلا ابهامه في اشارة منه على دعمه لابناء شعبه مرددا باعلى صوته ( افريقيا).

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

..................

* نص المحاضرة التي اقامها نادي المدى للقراءة في كوردستان 20 تموز 2019.(يتبع)

 

علجية عيشمن خلال كتاب المسيرة للعقيد محمد الصالح يحياوي

(كتاب يعرض نضال الجزائريين من مرحلة ما قبل الحركة الوطنية إلى الحراك الشعبي وثورة 22 فبراير 2019)

هذا الكتاب هو سلسلة لمرحلة نضال الجزائريين من مرحلة ما قبل الحركة الوطنية إلى ثورة 22 فبراير 2019، سيصدر قريبا عن دار الأوطان للنشر والتوزيع، وهو قراءة لكتاب المسيرة الذي كتب مقدمته العقيد محمد الصالح يحياوي رحمه الله، مع بعض الملاحظات، كتابنا يعرض نضال الجزائريين من مرحلة ما قبل الحركة الوطنية إلى الحراك الشعبي وثورة 22 فبراير 2019 يحمل أفكارا جديدة ومعلومات جديدة وليس اجترارا لما جاء به كتاب المسيرة كما يظن البعض، مع شرح لمفاهيم تحمل في مضامينها مفهوم "المسيرة" وامتدادها وتطورها عبر الأجيال، ضمّ عدة محاور بالتركيز على مسيرة الأمير عبد القادر مؤسس الدولة الجزائرية، وقضية التعريب في الجزائر ودور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، أردت من خلاله أن أشير إلى أن المسيرة لم تتوقف عند رجال مرحلة ما، فهي عبارة عن تدفق لمجاري الحياة كتدفق النهر في سريانه اللامتناهي، هكذا هي مسيرة نضال الجزائريين، لم تتوقف عند رجال الحركة الوطنية ودور جبهة التحرير الوطني في مواجهة الإستعمار، بل هي مستمرة مع استمرار الأجيال، حيث حملت معها رؤى جديدة تتماشى والتطورات التي شهدتها الجزائر منذ بداية التعددية، إلى الحراك الشعبي 22 فبراير 2019 مرورا بالمأساة الوطنية أو ما عرف بحرب الفيس والنظام، وانقسام ابناء الوطن الواحد إلى جبهتين من أجل تثبيه الهوية شكلا ومضمونا، وقد اختصرت مضمون الكتاب في العبارات التالية (خلفية الكتاب) بأن السؤال عن هوية الإنسان هو سؤال الثقافة المعاصرة بامتياز، حيث خصصت لكل قضية من هذه القضايا محورا خاصا.

1039 علجية عيش

 فمن الواضح طبعا أن الكائن البشري قادر على تفحص الواقع الذي يحيط به على نحو عقلاني، فهو يتراوح بين المحبة والكراهية وبين الانغلاق على الذات ورفض الآخر وبين الانفتاح على العالم ونزعة التملك، ولهذه الأسباب يعيش خطاب الهوية أزمة بسبب تأرجحها بين الاستمرار والزوال، والحاجة إلى تنويع شروط وجودها، وبالتالي لا توجد هوية واحدة، بل هويات متنوعة وجماعات متقاطعة، لأن المنظومة البشرية تعيش في الضبابية وتتخبط في فوضى غير أكيدة حوّلت البشر إلى شتات ومسوخ، وصار التوحش يتهددها من كل صوب وحدب وبلغت التناقض الذي يمزقها ويصل إلى صلب الأشكال المتعددة لهويتها، ويبدوا أن عامل الأنسنة وحده الذي يحقق التآزر والتفكير الجماعي في تأمين المصير المشترك للشعوب التي تنشد التحرر،من الإستعمار والتبعية للآخر، وهذا يكفي للرد على إدغارفور رئيس الحكومة الفرنسية سنة 1955 إنها لم تكن أبدا أمة ولا دولة في التاريخ، وقال عنها الجنرال ديغول لم تكن هناك في أيِّ ظرفٍ من التاريخ دولة اسمها الجزائر، وقال عنها موريس طوريز الكاتب العام للحزب الشيوعي الفرنسي يوم 11 فيفري 1939 بأنها في طور التكوين، وقال عنها جيسكار ديستان أنها ولدت أخيرا، وقال عنها حسنين هيكل إنها لم تكن أمّة في التاريخ، هو رد على فرحات مهنّي بأن منطقة القبائل جزء لا يتجزأ من التراب الجزائري، ولن تنفصل عن الجزائر، لأن سكانها متشبعين بمبادئ الإسلام وقيمه، وقضايا أخرى لا يسمح ذكرها هنا.

 

قراءة وتحليل علجية عيش مع بعض الملاحظات

 

1038 نجاة نايفعن دار الفرات للثقافة والإعلام في بابل صدر حديثا كتاب (أوراق مغتربة) للأديبة العراقية الرائدة نجاة نايف سلطان، وقد تصدرته كلمة إهداء مؤثرة جاء فيها (إلى كل من لم يدعني أمر بذاكرته مرورا عابرا بل أبقاني فيها .. أقول إن شئت فاذكرني أو شئت فانسني فالأمر في بدئه أشبه بالثاني .. وإلى ولدي علي .. لقد أعطيتني كثيرا وأعطيتك قليلا فاعذرني) .

وفي كلمة أشبه بالمقدمة للكتاب قالت (صديقي القارئ لم أجدك، وأشك في أني سأجدك اليوم، الساحة مزدحمة

(فغواني العصر في كل الزوايا

وعبيد الحرف في كل المنابر)

وقد تمر سنوات قبل أن تقرأني وأكون قد مضيت، وأعرف أنك ستتعب وأنت تحتار أين ستضعني ومع من أو من أين أكون قد جئت، فأنا أحمل ركام أكثر من خمسين سنة من العواصف التي مرت وتمر على العراق، وكنت وما أزال تحت ذلك الركام مهما بعدت..).

وأحتوى الكتب على قسمين: الأول ضم كتابات متنوعة وقصيرة، والثاني مجموعة من القصائد، ونصوص من الشعر الشعبي، وكان أول موضوعات القسم الأول هو (أنا والثور المجنح) الذي تساءلت فيه (كيف سأعرف أنك ستكون معي أينما ذهبت.. على بعد خطوات من خط الاستواء في القرن الأفريقي، أو على تلك التلال الخضراء المحيطة بجامع قائد أعظم في إسلام آباد، أو حدائق هايد بارك في لندن، أو حدائق فرساي واللوكسمبرج، وغابات بولونيا في باريس، أو حدائق الريتيرو الغناء في مدريد ؟ لقد كنت دائما معي وفي أعماقي وأشعر بثقل أقدامك الصلدة تطبق على أنفاسي وتسحقني).

وتحدثت بصراحة عن نظرتها إلى الشعر في موضوع قصير قالت فيه: (الشعر ترف أمارسه عندما تغرقني ألوانه حتى الأسود منها، وأحيانا أحب الترميز فيه، وأتحسس روعته إن غمض عليّ وتخفى في حذق ومكر لذيذ، وأحب الغوص فيه).

وفي مقارنتها بين الكتب والناس وأخلاقهم قالت: (وأرى أن الناس أيضا مثل الكتب .. كثيرون مروا بحياتي .. أقارب وأصدقاء وزملاء عمل أو مجرد معارف أو رفاق سفر في قطار الحياة الطويل، وما زلت أحفظ لأسمائهم الود والاحترام وإن بعدوا وغابوا، وهناك من ألقيتهم في غياهب النسيان ن وأغلقت على ذكراهم بابه الأبدي) وأضافت (في شجرة الذاكرة الحية كأي شجرة هناك أغصان ذابلة وميتة لا تستحق البقاء، قطعتها من أصولها لكي أبقي شجرتي زاهية أتفيأ ظلالها الندية في سنوات العمر الموحشة اليوم، ولكني أعجب فما زلت أجد وخزات أشواك متخفية هنا وهناك .. يا للذاكرة العجيبة دائما تبقي لنا بعض الأشواك)!!

وتساءلت في موضوعة عن العناوين فقالت: (كنت دائما أتوقف عند مقولة (الكتاب يقرأ من عنوانه) وأتساءل هل هذا صحيح مئة بالمئة؟ لماذا إذن أرى كثيرا من الكتب بعناوين لا علاقة لها بمحتواها ن بل وبتناقض غريب أحيانا ن ومنها طبعا من صدمني بقسوة حقيقته في محتواه)، وتطرقت إلى أولى محاولاتها في الكتابة قائلة (كنت أريد العنوان معبرا بصدق عما أكتب، ولكني تدريجيا بدأت أخفي كتاباتي في عناوين مموهة لا تقرأ معانيها بمجرد حروفها، وتعلمت التحايل على المحتوى لأترك لخيال القارئ فسحة من التأمل) .

أما في القسم الثاني من الكتاب وقد خصصته للشعر، وقد تضمن ثماني وعشرين قصيدة، منها قصيدتها (ضياع)، وقالت فيها:

يا صديقي

لم أعد  تلك

(نجاة)

نضب الحب

وجفّ

سحر تلك الأغنيات

لم يعد في أضلعي

نبض حيّ

ولا فيّ

حياة

منذ أبحرت

طويلا

في بحار الظلمات

لم اعد

تلك (نجاة)

وقالت في قصيدة أخرى بعنوان (تلاوين):

يا ليل

ما زلت أطويك

وتطويني

ففي كل زواياك

تلاوينٌ ألاويها

وتلويني

وريقاتي ألملمها

واسخر

من عناويني

هنا حبٌّ

هنا شوقٌ

هنا غدر بسكين

سواد منك يا ليل

تغلغل في

شراييني

سواد منك يا ليل

من الرأس

إلى الكعب

يغطيني

وختمت الكتاب بـ(شعبيات)، وهو ما كتبته في الأدب الشعبي، وقد تضمن ستة نصوص جميلة، والكتاب عموما يعكس مقدرة ثقافية عالية للمؤلفة الأديبة التي نجحت في التعبير عن أفكارها ومشاعرها بأسلوب غاية في الرقي والجمال، وكان لهموم العراق والعراقيين الحصة الأكبر فيه .

ومن الجدير ذكره أنه سبق للمؤلفة أن أصدرت مجموعتين شعريتين هما (نجوى والنهر) و(ما قبل العصور)، وروايتين هما (سلاما يا وفاء) و(ذكريات امرأة عراقية) الذي نال اهتماما غير قليل من المتابعين لعرضه مرحلة مهمة من تاريخ العراق القريب، ولديها كتاب مخطوط بعنوان (الانحدار نحو المجهول) لا يقل أهمية عن سابقه، ولعله سيرى النور قريبا .

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

علي المرهجمن الكُتب المتأخرة لأستاذنا الدكتور حسام مُحيي الدين الآلوسي كتاب (الفن البُعد الثالث لفهم الإنسان) نُشر في بيت الحكمة ببغداد عام 2008. طرح الألوسي في كتابه هذا رؤية للفن بوصفه بُعداً ثالثاً للفهم يُناظر العلم والدين، إذ يعدَهُ شكلاً مُستقلاً من أشكال الوعي الأخرى.

ذكرني بهذا الكتاب صديقي الأحب د.عصام العسل بحوار دار بيننا حول فلسفة الجمال التي ينوي تدريسها لطلبة الدكتوراه في آداب المستنصرية.

دَعّمَ الآلوسي رأيه هذا بالاعتماد على مجموعة من الفلاسفة والمفكرين، أهمهم: كولن جوود وشارل لالو وسوزان لانكر وهربرت ريد وجورج سانتيانا وجورج تومسن، ومن دون الخوض بآراء هؤلاء الفلاسفة والمفكرين لأتركها لمن يرغب بقراءة الكتاب أقول أن الآلوسي: اعتمد على توظيف رؤاهم ومواقفهم المدافعة عن قيمة الفن في نقد موقف الوضعيين والوضعيين المناطقة وبعض الماركسيين، بل وحتى البراجماتيين باستثناء دوي الذي ربط الفن بالخبرة في كتبه (الفن خبرة)، إذ ربطوا قيمة الفن بالمعطى المباشر، أو "القيمة الفورية" بتعبير وليم جيمس في كتابه (البراجماتية)، أو في تهميش دور الفن في الماركسية بالقياس للعمل وتخوفهم من أن يؤدي الهيام بالفن والشعور باللذة الجمالية لتحجيم دور الإنسان في العمل، أو كما يرى الوضعيون أن البهجة في الفن تبعث على السعادة لكنها غير مُفيدة من الناحية العملية.

ليست مهمتي في هذا المقال شرح محتويات الكتاب ورؤية الآلوسي التي أختلف معه في كثير من المواطن، أولها اسهابه في شرح آرء المفكرين وغياب الوضوح في الرؤية بسبب كثرة الاستشهادات والتنصيص، ولا أهمية للكتاب سوى أن مؤلفه قد جمع بحرفية آراء حول قيمة الفن أو نقد هذه القيمة ولكنني حاولت مُشاركة أستاذي الألوسي في الدفاع عن القيمة الإنسانية والثقافية للفن التي ضيَع أصالتها في انهمامه برصف نصوص الفلاسفة والمفكرين.

لم أجد في أجوبة هذه المدارس في تهميش الفن أو رفضه ما هو مُقنع، لأنني أرى أن قيمة العلم فضلاً عن فائدته العملية إلَا أنها لا تنفك عن الشعور و"الاحساس بالجمال" فخذ مثلاً على ذلك وجود الكهرباء في حياتنا وهي نتاج علمي مُبهر له فائدة عملية جمَة، ولكن الشعور بقيمته الجمالية أجدى، ونحن العراقيين نستشعر "القيمة الفورية" للكهرباء بمعية شعورنا بالقيمة الجمالية، فبين انطفاء الكهرباء تارة وعودتها تارة أخرى نحن ننتقل بين شعورين هما: "اللذة" و"الألم" وكلاهما مفهومان جماليان، أحدهما قريب من ربطنا له بـ "القُبح" والآخر نهيم به لما يمنحنا من لذة جمالية وشعور بالسعادة، فضلاً عن منفعته العملية.

1034 حسام الالوسي

الفن يُعطينا مساحة للعيش في عوالم مُتخيلة وحالمة، وهذه العوالم هي التي منحت الإنسان العلمي دفقاً حيوياً وثقة أن بامكانه الكشف علمياً عن عوالم وتجارب بدَت في وقتها وكأنها ضرب من ضروب الخيال، فمن منَا كان يدَر في خُلده أنه سيستطيع في التوَ واللحظة التواصل مع الناس والفكر عبر فضاء المعلوماتية هذا؟. ألا يقترب هذا اليوم من عوالم السحر والشعوذة قبل زمن؟!.

الطاقة الخلَاقة في الفن هي التي تمنح العلم بعض من كسر نمطية التفكير المنطقي الصارم في العلوم التقليدية لنجد بعض من العلماء الحالمين يكشفون لنا عن علوم وعوالم جديدة.

خذَ مثلاً على ذلك أي نتاج تقني وعلمي في استخداماتك اليومية، كالسيارة أو الكرسي أو (السبلت) وغير ذلك كثير: هل يُمكن لعالم أن يُنتجه من دون وجود مصمم لشكله ليجد هذا المنتوج (مقبولية جمالية) في عوالم التنافس بين الشركات؟!، أظن أن الجمال هو الذي يختم عملية المخاض العلمي كي يُشترى ويُباع هذا النتاج!!.

ولا يفوتني أن أذكر أن الفن يخترق الدين وطقوسه وشعائره رغم أن كثيراً من المُتدينين يُعلنون رفضهم الصريح للفن، ولكني أخاطبهم بالقول: ألا تستلذ عزيزي المؤمن بسماع القرآن بصوت عبدالباسط، وهو صوت قيل عنه أنه من (ألحان السماء)؟، وألا تستلذ بصوت عبدالزهرة الكعبي حينما يقرأ مقتل الإمام الحُسين (ع)؟، ولك في باسم الكربلائي حينما يُنشد بصوته عاشورائيات ومأساة كربلاء، وهكذا هو محمد صديق المنشاوي حينما يقرأ القرآن، ينقلك لعوالم الرحمة الإلهية جمالياً، ولك مثال يُحتذى في ألحان بليغ حمدي للشيخ سيد النقشبندي مثل: (مولاي أنَي بباك قدَ بسطت يدي، من ليَ ألوذ به إيَاك يا سندي).

وفي الدروشة والطريقة المولوية فن وافتتنان بعشق الله والفناء فيه، والانقطاع عما سواه.

في بلاد الرافدين الموسيقى رديفة المعبد وهو سبب نشؤها ومنبعها، وفي المسيحية موسيقى القُدَاس التي أُستخدمت الغناء عبر (الكورال الجماعي) أو الغناء الفردي فيما سُمي بالموسيقى الدينية.

ولك في تشكيلات العظيم ميكيلانجلو النحتية: العذراء والسيد المسيح ونحت تمثال داوود وسقف كنيسة سيستاين...إلخ.

وطقوس الشيعة في عاشوراء في تنظيم المواكب وما سُميَ بـ "التشابيه" إنما هي أعمال فنية، أو (فن شعبي) يصلح أن نُسميه فن ديني.

وهكذا هو حال بقية الشعوب إنما تُعبر عن طقوسها وتوصيل مشاعرها الدينية عبر الفن.

لذا يُمكننا القول أن للفن قيمة مُضافة، فهو مجال يشترك فيه مع العلم ويُشارك أهله بتزيين نتاجهم واستحسان قبوله في المجتمع، وكذا الحال في الدين وطقوسه وشعائره، فهي مقبولة اجتماعياً حينما يُجيد أهلها التعبير عنها جمالياً في الإنشاد أو الرسم أو النحت.

لا يُمكن إنكار وجود فوارق شتى بين الفن والعلم، وبين الفن والدين، ولكنني أجد أن كلا المجالين: العلم والدين هما أكثر حاجة للفن لتحقيق المرام والقصد والغاية، ولا أجد للفن حاجة كبيرة لهما، وإن استعان بمعطيات كلا المجالين بعض الفنانين، فأنا أظن أن هناك امكانية لمقبولية وجود فن من دون الحاجة للتدين أو العلم، فقبل أن تشرق شمسي الدين أو العلم كان الفن موجوداً في الطبيعة وجمالها وبعد ذلك في حياة الإنسان البدائي حينما صنع آلاته بحكم الحاجة، فهي تصميم على غرار تشكيل بعبارة أستاذنا الكبير مدني صالح.

من جمال توصيف الخالق أنه خلق الكون مُتقن وتشكيل ليس على غرار تصميم كما هو الإنسان الفنان الذي يصنع تشكيلاته على غرار تصميم سبق.

"إن ربَنا زيَن السماء الدُنَيا بزينة الكواكب" (الصافات/6)، "ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيَناها للناظرين" (الحجر/19).

إن الله جميلٌ يُحبّ الجمال، والجمال هو الفن البُعد الثالث (المعرفي) الذي يعلو وينخفض بحسب النزعات الدينية والعلمية، فإن كانت "راديكالية" مُتطرفة وجدنا الجمال والفن وأهله بين فكي كماشة، فكٌ ديني مُتطرف، وآخر علمي، ولكن الفن بوصفه "قوة ناعمة" يخترق هاتين القوتين (الفكين) ليخترق (زردوم) الحياة بانسيابية خلّاقة لتجد أهل الدين وأهل العلم بعد تمعن يُعيدون له حضوره وبهاؤه..

 

ا. د. علي المرهج

 

منى زيتونيُعتبر الأستاذ الدكتور عثمان أمين رحمه الله من أهم أساتذة الفلسفة بجامعة القاهرة، ولعل العلامة المميزة لعثمان أمين أن محاولاته الفلسفية كانت ابنة مجتمعه وحضارته، ومتأثرة تمامًا بالفكر الإسلامي، رغم أنه قد ساهم في ترجمة بعض نفائس الفلسفة الغربية إلى العربية.

ويعد كتابه فلسفة اللغة العربية، الصادر عام 1965، ضمن سلسلة المكتبة الثقافية، التي كانت تصدر عن الدار المصرية للتأليف والترجمة، من أهم كتبه، رغم صغر حجمه.

ولدي نسخة من الكتاب في مكتبة والدي رحمه الله، قمت بتصويرها ورفعها على الجوجل درايف، ثم قررت مشاركتكم بأهم الأفكار التي أوردها المؤلف عن خصائص الفلسفة الكامنة في اللغة العربية.

يرى د.عثمان أمين أن خصائص الفلسفة الكامنة في طبيعة اللغة العربية هي:

المثالية الميتافيزيقية

يرى المؤلف أن من أهم ما يميز العربية أنها تنحو نحوًا من المثالية لا نظير له في أي لغة من اللغات الحية المعروفة.

والجمل الخبرية في اللغة العربية لا يُثبت فيها فعل الكينونة؛ فيُقال "فلان شجاع" وليس "فلان هو شجاع" أو "فلان كائن شجاع". فالإسناد في اللغة العربية هو إسناد ذهني يكفي فيه إنشاء علاقة ذهنية بين "موضوع" و "محمول" أو "مُسند إليه" و "مُسند" دون حاجة إلى التصريح بهذه العلاقة نطقًا أو كتابة، أي بلا رابطة حسّية.

يمكن الاستنتاج من ذلك أن اللغة العربية تفترض دائمًا أن شهادة الفكر أصدق من شهادة الحس، وأن الماهية متقدمة على الوجود. وهي فلسفة تعكس أن الفكر هو المقياس الذي تُقاس به الأشياء، وإطلاق الألفاظ في العربية يكون باعتبار ما يحصل في الذهن وليس باعتبار حقيقة الموجودات الحسية لأن إدراك الذهن للموجودات الحسية يختلف، كما ينبغي الإشارة إلى أن تقدم الماهية في العربية هو تقدم رتبة.

الحضور الجُواني

(الذات العارفة) أو (الأنا المفكرة) ماثلة في كل قضية صيغت صياغة عربية، وحضورها حضور روحي داخلي، يسري في الضمائر والأفعال الداخلية في بنية الألفاظ، دون حاجة إلى إثباتها بالوسائل الخارجية كالرموز والعلامات الظاهرة.

لا يوجد في العربية فعل مستقل عن ذات. نقول: اكتب، أو يكتب، أو تكتب الخ. بينما في اللغات الغربية الحية غالبًا ما تثبت الآنية أو الذات عن طريق التصريح بضمير المتكلم أو المخاطب أو الغائب. يقولون: "أنا أفكر" و "أنت تشك" و "هم يجادلون"، بينما يكفينا في العربية أن نقول: "أفكر" و "تشك" و "يجادلون" دون حاجة في كل مرة إلى إثبات الضمير.

ونلحظ في العربية أن حروف المضارعة تتقدم في أول الكلمة، كونها دالة على الفاعلين من هم، وما هم، وكم عِدّتهم. وتقديم حرف المعنى عند العرب، كما يقول ابن جني، لقوة العناية به، فقدّموا دليله ليكون ذلك أمارة لتمكنه عندهم.

وكذا الإضافة في العربية لا تحتاج إلى لفظ يشير إليها. يكفينا أن نقول "كلية الآداب" دون رابط بين المضاف والمضاف إليه، ولكن في اللغات الغربية لا بد من لفظ صريح يشير إلى الرابطة. يقولون بالإنجليزية Faculty of Arts.

وهنا أسجل ملاحظتي على تأثر اللهجة الشامية باللغة الفرنسية؛ حيث يُلاحظ في كلامهم إنشاء رابط متكلف لبيان الإضافة، فيقولون: "أبوه لمحمد" و "زوجها لسعاد"، وهو ما لا يُعرف في لسان العرب.

صدارة المعنى

اللغة العربية إذا كانت تُعنى بالألفاظ فذلك من أجل المعاني.

يقول ابن جني: اللغة العربية من أكثر لغات الأرض دلالة معنوية، بل إن الكثير من ألفاظ العربية قد فقد الدلالة الحسية. من أمثلة ذلك:

- الفعل "قضى" معناه "حكم"، والأصل فيه القطع الحسي.

- والفعل "عقل" معناه "فهم"، وهو مأخوذ من عقل الناقة، أي ربطها.

- والفعل "أدرك" الأصل فيه البلوغ الحسي، لكن يُقال: فلان أدرك القطار، أي لحقه.

- والفعل "بلغ" وُضِع أصلًا للدلالة على الوصول الحسي في المكان والزمان.

- الأصل في معنى "الفصاحة" قولهم: فصح اللبن، إذا ذهبت رغوته، ثم قيل فصح، بمعنى وضح.

- و "الرأي" أصله من "رأى" أي شهد بعينيه.

وصيغ الأفعال وأوزانها في العربية عامل من عوامل ثروة اللغة وقدرتها على الدلالة على فروق وظلال تنضاف إلى المعنى الأصلي، دون زيادة في اللفظ ومع الاحتفاظ بطابع التركيز الذي تميزت به لغة القرآن.

والعربية فوق ذلك أكثر اللغات قبولًا للاشتقاق، تتولد ألفاظها بعضها من بعض وكأنها كائن حي. يُعرِّف السيوطي الاشتقاق بأنه "أخذ صيغة من أخرى، مع اتفاقهما معنى ومادة، وهيئة تركيب، ليدل بالثانية على معنى الأصل بزيادة مفيدة لأجلها اختلفا حروفًا أو هيئة".

والاشتقاق في العربية يقوم بدور لا يُستهان به في تنويع المعنى الأصلي وتلوينه، إذ يكسبه خواصًا مختلفة، مما لا يتيسر التعبير عنه في اللغات الآرية إلا بألفاظ خاصة ذات معانٍ مستقلة. بذا تكون ألفاظ العربية متصلة ببعضها بأواصر قوية وارتباط حيوي، بينما تكون المفردات في غيرها آلية جامدة، منعزلة مفككة، في كثير من الأحيان لو عدم الاشتقاق.

والعربية تدل بالحركات على المعاني المختلفة، من غير أن تكون تلك الحركات أثرًا لمقطع أو بقية من أداة. فيكون ذلك في وسط الكلمة وأولها وآخرها: فهم يفّرقون بالحركة

- بين اسم الفاعل واسم المفعول، في مثل مُكرِم ومُكرَم.

- وبين فعل المعلوم وفعل المجهول، نحو: كَتَب وكُتِب.

- وبين الفعل والمصدر في مثل عَلِم وعِلْم.

- وبين الوصف والمصدر، في مثل فَرِحْ وفَرَح.

- وبين المفرد والجمع، في مثل أَسد وأُسد.

- وبين الفعل والفعل، في مثل قدِم وقدُم.

- وبين الاسم والاسم في مثل سُحور وسَحور.

الإعراب والإبانة

الإعراب هو الإبانة والإفصاح؛ وهو مصدر من "أعرب عن الشيء" إذا أوضحه وأبان عنه. يقول ابن جني إن أصل هذه الكلمة قولهم: العرب؛ وذلك لما يُعزى إليهم من الإعراب والبيان والفصاحة.

لمّا كانت العربية تتوخى الإيضاح والإبانة كان الإعراب إحدى وسائلها لتحقيق هذه الغاية، فكان إفصاحًا عن صلات الكلمات العربية بعضها ببعض، وعن نظم تكوين الجمل بالحالات المختلفة لها. بينما في اللغات الخالية من الإعراب يعتمد أهلها على القرائن اللفظية لفهم المقصود من المعاني، ولا مميز فيها بين الرفع والنصب والجر، وإنما يقوم مقامها إلحاق أدوات خاصة بذلك.

وحين قال رجل لأمير المؤمنين علي، كرم الله وجهه، من غير إعراب: "قتل الناس عثمان"، وكان العرب قد فسدت ألسنتهم بمخالطة العجم بعد الفتوحات، قال له أمير المؤمنين: "بيِّن الفاعل من المفعول، رضّ الله فاك".

رسم الظلال والألوان

العربية وافرة الألفاظ الدالة على الشيء منظورًا إليه في مختلف درجاته وأحواله ومتفاوت صوره وألوانه. من أمثلة ذلك:

- الظمأ والصدى والأوام والهيام، كلمات تدل على درجات من العطش.

- العشق والغرام والولع والوله والتيم، درجات متفاوتة من الحب تبين حالاته في نفوس المحبين.

ووفرة الألفاظ التي يعبر كل منها على درجة الشيء تضيف للعربية سمة أخرى وهي الإيجاز في اللفظ والتركيز في المعنى، دون الإخلال بما درجت عليه من الوضوح والتميز. فمما يميز العربية أن الحرص على الإيجاز والتركيز يكون مع دقة التعبير.

والكناية من أخص خصائص العربية التي يُقدم عليها المتكلم بها مع ثقته بفهم المخاطب، وتعطي ظلالًا للكلام.

وكما ذكر الثعالبي في "فقه اللغة"، قد تستعمل العربية حرفًا واحدًا يدل على معانٍ كثيرة، ويعبر عن أغراض متنوعة، مثال ذلك حرف اللام: منه لام التوكيد، ولام الاستغاثة، ولام التعجب، ولام المِلك، ولام السبب، ولام الوقت، ولام التخصيص، ولام الأمر، ولام الجزاء، ولام العاقبة.

الدعوة إلى الحركة والاتجاه إلى القوة

للكلام عند العرب سلطان وأي سلطان. والكلمة عندهم يُحسب لها دائمًا ألف حساب. كما أن العرب يؤثرون القوة والشدة على الضعف والرخاوة، ولغتهم جاءت لذلك معبرة عنهم.

يقول ابن جني في "الخصائص": "ألا ترى أن الابتداء لمّا كان آخذًا في القول، لم يكن الحرف المبدوء به إلا متحركًا؟ ولمّا كان الانتهاء آخذًا في السكوت لم يكن الحرف الموقوف عليه إلا ساكنًا؟"

فالعربية تمنع الناطق بها من النطق بالحروف الساكنة في أول الكلام؛ لأن تلك الفلسفة تفترض أن كل قول جاد ينبغي أن يكون بمنزلة الفعل، أو أن يُهيئ قائله أو سامعه للفعل المرتقب. والفعل يقتضي الحركة.

توخي الوعي والفهم قبل النطق والسمع والكتابة

يقول قاسم أمين في "كلمات": "في اللغات الأخرى يقرأ الإنسان ليفهم. أما في اللغة العربية فإنه يفهم ليقرأ: فإذا أراد أن يقرأ الكلمة المركبة من هذه الأحرف الثلاثة (ع ل م) يمكنه أن يقرأها عَلَمْ أو عِلْم أو عُلِم أو عُلِّم أو عَلَّم أو عَلِم. ولا يستطيع أن يختار واحدة من هذه الطرق إلا بعد أن يفهم معنى الجملة، فهي التي تعيِّن النطق الصحيح. لذلك كانت القراءة عندنا من أصعب الفنون".

ويرى د. عثمان أمين أن هذه ميزة تفرّدت بها لغتنا عن سائر اللغات، وأن العربية في ماهيتها وصميمها، لغة تتطلب من كل قارئ أو مستمع لها أن يكون واعيًا فاهمًا، قبل أن ينطق وقبل أن يسمع.

 

د. منى زيتون

 

علي القاسميصدر هذا الشهر عن منشورات القاسمي بالشارقة، الإمارات العربية المتحدة، كتاب جديد للدكتور علي القاسمي عنوانه "طرائف النوادر عن أصحاب المآثر"، ويقع في 220 صفحة من القطع الكبير، ويشتمل على 46 طرفة، ويزدان بطباعة أنيقة وبغلاف مجلّد.

وعند مطالعة التقديم القصير الذي كتبه المؤلِّف يتبادر لنا أن هذا الكتاب هو جزء ثانٍ من كتابه " طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات " الذي صدر في دار الثلوثية بالرياض، المملكة العربية السعودية، العام الماضي، لأنه يحمل التقديم نفسه، ويتبع المنهجية ذاتها.  ويلقي التقديم الضوء على نوع الكتاب وأسلوبه وأغراضه. ونص التقديم كالآتي:

" اقترح عليّ عددٌ من أصدقائي أن أكتب سيرتي الذاتية. ولكنني أحسب أنَّ السِّيَر الذاتية ينبغي أن يُسطِّرها عظام الزعماء وكبار المفكرين الذين أثَّروا في مسيرةِ التاريخ أو تطوُّرِ الحركات الفكرية، لتكون سِيَرهم دافعاً لطموح الشباب، وتصبح مُثلهم وأخلاقهم نموذجاً تحتذيه الأجيال الناهضة.

ولما لم أكُن من أؤلئك القادة، فإنني آثرتُ أن أكتب ما علق في ذاكرتي من طرائف عن كبار الشخصيات الذين أُتيح لي أن التقيهم والذين يستحقون الذكر، وفي الوقت نفسه ألقي بعض الضوء على معالم مسيرة حياتي.  بيدَ أنَّ هذه الذكريات لا ترقى إلى مصاف التاريخ الموثوق، بالرغم من حرصي على توخي الصدق، والأمانة، والموضوعية عند تدوينها؛ لأنَّها تعتمد على الذاكرة، ولم تستعِن بيوميّاتٍ دقيقة.  فالذاكرة ـ كما هو معروف ـ لا يمكن الركون إلى صوابها ودِقَّتها، فقد تصيبها الثقوب بمرور الزمن، وتتسرَّب إليها بعض الأوهام بسبب تفاعلها مع الأحداث المستجدَّة والخبرات اللاحقة.

في وسع القارئ الكريم أن ينظر إلى هذه الطرائف التي صغتُها بأسلوبٍ سردي، بمثابة حكاياتٍ أو قصصٍ واقعية فيها كثيرٌ من الحقيقة. والله من وراء القصد."

والكتاب يجمع بين السرد والأدب والسيرة والتاريخ والنقد. ولعلنا نقف على طبيعة الكتاب الحقيقية إذا قرأنا طرفة أو طرفتين من طرفه.

تحمل الطرفة الثانية العنوان " أبي يحتج لدى الدكتور عبد الرزاق محي الدين على شرحه بيتين لحاتم الطائي" ، ونصها كالآتي:

" لم أتشرف بالتتلمذ على الأستاذ الدكتور عبد الرزاق محي الدين إلا لساعة واحدة. جاء إلى صفنا في دار المعلمين العالية ببغداد لتعويض أستاذتنا الشاعرة الدكتورة عاتكة وهبي الخزرجي التي اضطرت إلى التغيُّب ذلك اليوم.

كان الدكتور عبد الرزاق محي الدين (1910 ـ 1983) من قادة الفكر  ومن أبرز الأدباء الشعراء في العراق في الثلاثينيات، وقد أنتخبه المجمعيون رئيساً للمجمع العلمي العراقي في أربع دورات حتى أقاله رئيس الجمهورية سنة 1979 لعدم مساعدته في منح عضوية المجمع لبعض أعضاء الحزب الحاكم غير المؤهلين لها. وقد توفّي الدكتور  بالسم إثر حفل دُعي إليه في القصر الجمهوري ببغداد، على حد قول كاتب سيرته في موسوعة الويكي بيديا.

ولد الدكتور محي الدين في النجف التي قدِمت إليها أسرته من جنوب لبنان قبل قرون عديدة واستقرت فيها واشتغلت في طلب العلم في الحوزة الدينية الحيدرية. وأصبح الدكتور محي الدين في شبابه من الشعراء المجدِّدين إلى جانب محمد مهدي الجواهري ( 1899ـ 1996) الذي لُقِّب بـ "شاعرالعرب الأكبر". أما في الدِّين، فقد كان محي الدين مجتهداً مصلحاً، إذ إنه كان من جملة الفقهاء الذين تجرأوا على تحريم التطبير (ضرب الرؤوس بالسيوف)، وضرب الظهور بالسلاسل، في يوم 10 عاشوراء تعبيراً عن الحزن على استشهاد الإمام الحسين.

كان الدكتور محي الدين يعبّر في قصائده ومقالاته عن آرائه التي تنبذ الطائفية، وتساوي بين الأديان، وتؤمن بالأخوة الإنسانية " وكلُّ بني الإنسانِ في الأرضِ إخوانُ" كما ورد في إحدى قصائده.  وذات يوم ألقى في حفل حضره الملك غازي بن فيصل (1912 ـ 1939) عاهل العراق (1933 ـ 1939) قصيدته التي مطلعها ( أيها الداعي إلى الوحدة فينا    فتح الله بك الفتح المبينا). فأعجب بها الملك ووجَّه وزير المعارف الذي كان يحضر الحفل معه، بابتعاثه لمواصلة دراسته العليا، فابتُعث إلى مصر للدراسة في كلية دار العلوم بالقاهرة، وهي كلية لا تختلف في مناهجها ودروسها وتركيزها على حفظ المتون عما في الحوزة العلمية في النجف. فحاز إجازتها سنة 1937، وعاد إلى العراق ليدرّس في دار المعلمين العالية. وفي عام 1944 عاد إلى مصر والتحق بكلية الآداب في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة اليوم) حصل على الماجستير بعد أربع سنوات بعد أن أنجز رسالة بعنوان "أبو حيان التوحيدي: سيرته وآثاره" بإشراف الشيخ أمين الخولي (1895 ـ 1966). لم أرَ في حياتي كلها رسالة أو أطروحة جامعية في الإنسانيات  بمثل متانتها وبلاغتها ودقة معلوماتها وروعة استنتاجاتها.

فقد أثبت فيها أن أبا حيان التوحيدي كان في إحدى فترات حياته المبكرة مصاباً بالوسواس القهري الذي يرافقه شعور بالغبن وظلم الناس له ومجافاة الوزراء وأصحاب الجاه، وفي تلك الفترة ألف كتابه في " مثالب الوزيرين"، ابن عباد " و "أبي الفتح بن العميد". وحتى عندما هجر أبو حيان بغداد في الفترة الأخيرة من حياته وطلب التصوف والزهد وانتبذ شيراز منفى له حيث توفّي، فإنه لم يتخلّص من الشكوى والإحساس العميق بالظلم له، وإنما تحول شعوره ذلك إلى عتاب يوجهه في كتابه " الإشارات الألهية " إلى الخالق عز وجل.

ويحلِّل محي الدين مؤلَّفات ابي حيان، كتاباً كتاباً وفصلاً فصلاً وفقرة فقرة، ليصل إلى أن أهماله من طرف الوزراء، ابن عباد وابن العميد وابن سعدان وغيرهم، ناتج عن حقيقة أن أبا حيان، على الرغم من ملكته اللغوية وحصيلته اللفظية وروعة أسلوبه آنذاك، فإنه ذو حظ ضئيل من النباهة واللبابة، ولا يمتلك ما يكفي من اللباقة واللياقة، لمخاطبة الوزراء وأصحاب الشأن، وخطب ودّهم والفوز بثقتهم.

وفي سنة 1956، نال محي الدين شهادة الدكتوراه من  كلية الآداب بجامعة القاهرة عن اطروحته الرائعة عن " المرتضى:  من سيرته وشعره" التي أشرفت عليها الدكتورة سهير القلماوي (1911 ـ19996) وناقشه فيها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين (1889 ـ 1973). وعاد إلى بغداد ليتولى تدريس الأدب العربي في دار المعلمين العالية ببغداد، ويصبح عضواً في المجمع العلمي العراقي ، ثمَّ يستوزر عدَّة مرّات في الستينيات في عدّة حكومات.

***

عندما كنتُ تلميذا صغيراً في المدرسة الابتدائية في بلدتنا الحمزة الشرقي، كان من عادة والدي أن يأتي بين الحين والآخر إلى مدرستي لزيارة المدير والالتقاء بالمعلمين، ويسألهم عن أحوالي، ثم يلتقي بي في فرصة الاستراحة، ليستفسر عما تعلَّمتُه ذلك اليوم. وعندما درستُ علم النفس التربوي فيما بعد، تبيَّن لي أن هذه الطريقة، تجعل الطفل يوجّه اهتماماً وعناية كبيريْن لدروسه. ولم يكُن والدي يتبع تلك الطريقة التربوية نتيجة اطلاعه على بحوث نفسية تربوية، بقدر ما كان ذلك تعبيراً طبيعياً عن حبّه لأطفاله وشغفه بالمعرفة.

ولم يتخلَ والدي عن ديدنه ذاك حتى بعد أن ألتحقتُ بدار المعلمين العالية في بغداد، أو الجامعة الأمريكية في بيروت، على الرغم من  بُعد الشقة ووعثاء السفر. فقد شرّفني والدي بدار المعلمين العالية ببغداد ذات يوم، وسألني كعادته عما تعلّمته ذلك اليوم. ولما كانت أغلبية دروسي باللغة الإنكليزية وآدابها التي لا يعرفها، فضّلتُ أن احدّثه عن درس اللغة العربية الذي تناول فيه الدكتور عبد الرزاق محي الدين بعض قصائد حاتم الطائي ( ت حوالي 46 ق.هـ./ 605م) بالشرح وتحليل معالمها البلاغية. واخترتُ بيتيْن هما:

سلي الجائعَ الغرثان يا أمَّ منذرِ        إذا ما أتاني بين ناري ومجزري

أأبســط وجهي إنه أول القِرى          وأبذل معروفي له دوني منكري

فسأل والدي:

ـ وكيف شرحها الدكتور؟

ـ قلتُ: يوصي حاتم الطائي زوجته بدعوة الجائع إلى الطعام، إذا جاءهم وقد نحر حاتم الطائي ناقةً، وأوقدَ النار لطهيها.

وإذا بوالدي ينتفض غاضباً قائلاً إن هذا خطأ فاحش. إنه إهانة لحاتم الطائي، واستهانة لجوده النادر الوجود. أين الدكتور عبد الرزاق محي الدين؟؟ (وهو لا يعرفه من قبل).

وبدت لي  غضبة والدي مثل انتصار لقريب له، ابن عم له مثلاً، تعرّض لهجمة وعدوان ظالميْن،  مع علمي أنه لا علاقة دم تربط الرجلين، فوالدي من عشيرة القواسم التي تنتمي إلى قبيلة الظفير، وحاتم الطائي من عشيرة بني طي التي تعود في أصولها إلى قبيلة شمر ، اللهم إلا إذا اعتبرنا أن القبيلتيْن تنتميان في جذورهما إلى سيدنا آدم، أبي البشر.

وأخذ والدي يردّد:

ـ أين الدكتور عبد الرزاق محي الدين؟؟ أريد أن أراه وأناقشه في هذا الشرح البعيد عن الصحة.

ونظراً لأني أعلم حقَّ العلم أن والدي لم يدرس في أيّة مدرسة رسمية، ولم يحصل على أيّة شهادة جامعية، فعندما ولد في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، لم تكن في قريته أية مدارس سوى الكتاتيب القرآنية التي تعلّم فيها، ثم واصل تثقيفه الذاتي بقراءة الكتب الدينية والأدبية حتى أصبح يُلقَّب بـ " ملا محمد بن الحاج عيسى". ولعله كان من بين المعدودين على رؤوس الأصابع في بلدتنا ممن يجيدون القراءة والكتابة، في حين أن الدكتور عبد الرزاق محي الدين حائز أعلى الدرجات العلمية، ومتمرِّس في علم الجدل، ومتضلع في فنِّ الحوار الأكاديمي، ومبرِّز في جميع المناظرات والمناقشات التي خاضها في المحافل العربية، ومتمكِّن من الشعر الجاهلي وأساليبه ومعانيه. لهذا كله، أشفقتُ على والدي ، وأجبت:

ـ من المحتمل جداً أن الدكتور غادر الكلية الآن.

قال والدي:

ـ لا بُدّ أن أراه. لنذهب إلى مكتبه.

هنا ازدادت خشيتي، وتفاقمت رأفتي بأبي وبنفسي، لأن أساتذة اللغة العربية وآدابها في دار المعلمين العالية كانوا يشتركون آنذاك في مكتب كبير ولكل واحد منهم منضدته. يا للمصيبة! يا للفضيحة! سيناقش والدي هذا العالم النحرير والأديب الكبير، وسيتلقى والدي ضرباته الجدلية القاضية بمحضر من جميع أساتذة الأدب العربي، ومنهم من يعرفه شخصياً مثل الدكتور محمد مهدي البصير (   1895 ـ 1974)، شاعر الثورة العراقية الكبرى ومؤلِّف كتاب " بعث الشعر الجاهلي"  الذي ابتعثه الملك فيصل الأول لدراسة الأدب العربي في جامعة مونبلييه في فرنسا، وعاد يحمل الدكتوراه سنة  1937، ليزاول التدريس في دار المعلمين العالية، وكانت زوجته الفرنسية لا تعينه  في الوصول إلى الكلية فحسب، بل تدرّسنا اللغة الفرنسية كذلك.

ونزولاً عند إلحاح والدي، اصطحبته إلى مكتب أساتذة اللغة العربية. وخيِّل إليّ أن عيون جميع المارة من أساتذةٍ وطلبةٍ كانت مصوبة إلى والدي، لأنه في سمته وهيئته وزيّه مثل طير غريب بعيد عن سربه. فقد كان يرتدي الملابس العربية مثل العقال والكوفية والبشت، وكانت له لحية في وقت كان الموضة تقتضي حلق اللحية والشارب، على حين أن جميع منتسبي الدار من أساتذة وطلاب وإداريين يرتدون الملابس الأوربية "دليلاً على تحضُّرهم وتمدُّنهم"، تماماً كما كان يفعل العلماء الأوربيون  في القرون الوسطى، واستمروا حتى اليوم (ومن بعدهم الأمريكيون) أثناء حفلات التخرّج الجامعي ، فقد كانوا وما زالوا  يرتدون الملابس العربية خاصة القَب والسلهام Cap and gown   تشبّهاً بعلماء الأندلس.

وفي طريقنا إلى مكتب الأساتذة، كنتُ أدعو الله في دخيلة نفسي أن لا نجد الدكتور عبد الرزاق محي الدين فيه. ولكن من الواضح، أن دعائي لم يُستجَب، إذ ما إن فتحنا باب المكتب حتى طالعنا وجه الدكتور محي الدين خلف منضدته الشخصية. سلمنا عليه وقدَّمتُ والدي إليه، فرحّب به هاشاً باشاً، وجلسنا على كرسيَّين بالقرب منه. بادر والدي الدكتور محي الدين بالسؤال:

ـ هل صحيح ما أخبرني به علي من أنك شرحت بيتي حاتم الطائي بهذا الشكل...؟

أجاب الدكتور بالإيجاب.

قال والدي:

ـ إن أبخل البخلاء، سيدعو الجائع الغرثان (شديد الجوع) إلى تناول الطعام معه إذا ما جاءه وقد نحر الجزور وأوقد النار لطهيها. أمّا حاتم الطائي، أكرم الكرماء وأجود الأجواد، فإنه يوصي أم منذر بدعوة الجائع إلى تناول الطعام حتى إذا جاء وكانوا ينحرونه هو (حاتم الطائي) ويجزرونه ويقطعون جسده إربا إربا، ويوقدون النار لإحراقه وتعذيبه. وهو يوصي أم منذر أنه إذا كان في تلك الحال الرهيبة أن تنوب عنه في دعوة الجائع إلى تناول الطعام، وترحِّب به كما لو كان حاتم في أحسن أحواله (مبسوط الوجه) ولا تذكر للضيف شيئاً عمّا يتعرَّض له حاتم من مكروه ومنكر وتعذيب، فهذا من مبادئ الضيافة (أول القِرى)، بل لا تذكر سوى الأشياء الحسنة عنه، لكي يُقبل الجائع على الطعام. وحاتم عادة ما يدعو الأضياف بنفسه، ولكنه في محنته  الافتراضية تلك، اضطر إلى رجاء زوجته أن تنوب عنه.

هنا خيّل إليّ أنني لحظتُ ابتسامة خفيفة على شفتي الدكتور محي الدين الذي قلما يبتسم. وتغلّبت لديه في تلك اللحظة دبلوماسيةُ السياسي على جدلية العالِم الشاعر، فقال:

ـ شكراً، الحاج. أهنئك بهذا التأويل الجميل. وهو تأويل منطقي ومعقول جداً للأسباب التي تفضلتَ بذكرها. أما ما ذكرتُه أنا لعلي وزملائه في الصف فهو شرح لظاهر النص فقط، لعدم توافر الوقت.

هنا حمدتُ الله في ذات نفسي، وشكرتُ الأستاذ الكريم، ونهضتُ من الكرسي، إشارة لوالدي بالانصراف."

أما الطرفة رقم 43 فعنوانها " السياسي الدكتور عبد الهادي بوطالب يكتشف خطأ في الدعوة الملكية"، ونصها فيما يلي:

" تأسست المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (إيسيسكو) بالرباط في مايو/ أيار 1982، بوصفها وكالة متخصصة من وكالات منظمة المؤتمر الإسلامي (التي أصبح اسمها اليوم منظمة التعاون الإسلامي)، وهي منظمة دولية تضم حالياً سبعاً وخمسين دولة ذات أغلبية مسلمة.

افتتح العاهل المغربي الملك الحسن الثاني (1929 ـ 1999) مؤتمر الإيسيسكو التأسيسي، ونبّه في خطابه إلى ضرورة أن تعمل هذه المنظمة في التقريب بين المذاهب الإسلامية، وكأنه كان يتوقع أن يعمل أعداء الأمة على إثارة صراعات طائفية فيها. وقد أُسند الملك الحسن الثاني منصب المدير العام للمنظمة إلى الدكتور عبد الهادي بوطالب (1923 ـ 2009).

الدكتور عبد الهادي بوطالب من قادة الحركة الوطنية الذين كان لهم دور بارز في النضال من أجل استقلال المغرب. إضافة إلى كونه مفكراً وباحثاً مرموقاً. تخرّج مطلع الأربعينيات في جامعة القرويين بمدينة فاس، وهي أقدم جامعة في العالم لا زالت عاملة منذ تأسيسها سنة 245هـ / 859م.  وكان عميدها آنذاك العالِم الوطني الغيور محمد الفاسي (1908 ـ 1991)، الذي التمس من السلطان محمد الخامس (1909 ـ 1961) رعاية حفل التخرج، تأكيداً للذاتية المغربية في زمن الحماية الفرنسية. وكانت التقاليد الجامعية تقتضي أن يلقي الطالب المتخرِّج الأوَّل في الجامعة خطاباً في حفل التخرَّج. وعندما ألقى عبد الهادي بوطالب خطابه، أُعجب به السلطان محمد الخامس، فعيّنه مدرِّساً في المدرسة المولوية بالرباط حيث كان ابنه ولي العهد  الأمير الحسن (الملك الحسن الثاني فيما بعد) يواصل دراسته. ومن هنا توطدت علاقته بالملكين فأصبح مستشاراً لهما، إضافة إلى أنه صار منسّق البرنامج الدراسي في كلية الحقوق بالرباط لولي العهد سيدي محمد  بن الملك الحسن الثاني (الملك محمد السادس فيما بعد)، لأن بوطالب كان أستاذا بارزاً في كلية الحقوق في الرباط. وقد تسنَّم بوطالب مناصب سياسية ودبلوماسية عديدة مثل : وزير الخارجية، وزير التربية الوطنية، وزير العدل، وزير الإعلام، رئيس مجلس النواب، سفير المغرب في واشطن.

له ما يربو على 60 كتاباً باللغتين العربية والفرنسية، ومنها ما يُدرَّس في الجامعات المغربية مثل:

ـ المرجع في القانون الدستوري والمؤسسات الدستورية.

ـ النظم السياسية المعاصرة.

ـ ملامح الدبلوماسية العالمية.

أعدُّ  الدكتور عبد الهادي بوطالب من شيوخي، فقد صحبته قرابة عشر سنين عندما كان مديراً عاماً للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة واستخدمني فيها خبيراً ثم مديراً لإدارة التربية،  وسعدتُ بقراءة العديد من كتبه، وتعلّمتُ منه كثيراً، وكان يعاملني كولده، ورافقته في معظم مهماته الخارجية المتعلّقة بالمنظمة.

كان الملك الحسن الثاني يبعث به في المهمات الصعبة حاملاً بعض رسائله الخطّية أو الشفهية إلى بعض رؤساء الدول. أخبرني ذات مرة أنه حمل رسالة شفهية من عاهل المغرب إلى شاه إيران في أوائل السبعينيات عندما توترت العلاقات بين إيران والعراق، بسبب دعم السلطات الإيرانية لتمردٍ الملا مصطفى البرزاني، بالسلاح والعتاد والمال، وكادت الحرب تنشب بين البلدين.

عندما وصل أبو طالب إلى البلاط الإيراني كان عليه أن يستمع أولاً إلى شرح مطوَّل حول مراسِم وبروتكول مقابلة الشاه. وحينما دخل إلى صالة العرش، وجد الشاه ببزته العسكرية ونياشينه تغطي صدره وهو جالس على عرش عالٍ جداً. وعندما وقف أمام الشاه لإبلاغه الرسالة كان وجهه في مستوى جزمة الشاه.

قال الدكتور أبو طالب بالفرنسية التي كان الشاه يجيدها ما معناه إن أخاكم الملك الحسن الثاني يبلغكم أحرَّ تحياته وخالص مودَّته ويقول لكم أن إيران بلد إسلامي وعمقها المادي والمعنوي هو بقية البلدان العربية الإسلامية ومنها العراق، وإذا تعرّض العراق لعمل عسكري فإن المغرب يجد نفسه ملزماً، بمقتضيات ميثاق جامعة الدول العربية، بالوقوف إلى جانبه. ولهذا فإن أخاكم الملك الحسن الثاني يعتمد على حكمتكم وبُعد نظركم في حلِّ الخلاف بالطرق السلمية.

فأجاب الشاه بما معناه: إن ما ذكره جلالة الملك الحسن الثاني هو ما يجعلني أتردد في إنهاء الخلاف عسكرياً، وإلا ففي مقدوري أن أسحق العراق بأقل من أسبوع.

وهنا رفع الشاه قدمه اليمنى وضرب بجزمته قاعدة العرش لتأكيد كلامه، فاندفع الهواء الناتج من الضربة إلى وجه الدكتور أبو طالب.

وقال لي الدكتور : ومن تلك اللحظة كرهتُ الشاه.

[ ولعل رسالة العاهل المغربي تلك من العوامل التي ساعدت على عقد اتفاق الجزائر 1975 بين شاه إيران وصدام حسين نائب رئيس جمهورية العراق آنذاك، بوساطة الرئيس  هواري بومدين (1932ـ1978) رئيس الجمهورية الجزائرية (1965ـ 1978) ].

كان الملك الحسن الثاني يقول عن الشاه إنه من أصدقائه، " ولكنه ارتكب خطيئة التكبّر،  وقد لاحظتُ ذلك لأول مرة عندما أقام احتفالا ضخماً بمدينة برسيبوليس التاريخية، حيث أراد أن يتباهى بألفي سنة من التاريخ، ناسياً بضعة قرون من الإسلام، ذلك أنه في ذلك العهد لم تكن إيران مجرد موظن للثقافة والديانة الإسلامية، بل غدت مركز إشعاع للفكر والحضارة الإسلاميين. إذن فعندما رأيتُه يقيم جداراً من الصمت على الفترة الإسلامية ليظهر الأسطورة الآرية، احجمتُ عن الاستجابة لدعوته [ لحضور ذلك الاحتفال]."

ومع ذلك فإن وفاء الملك الحسن الثاني لصديقه شاه إيران، جعله يحاول إنقاذه من الثورة التي كان يخطط لها الإمام الخميني من منفاه في النجف، فأوفد مستشاره عبد الهادي بوطالب في مهمة سرّية لمقابلة الخميني ومحاولة إجراء الصلح بينه وبين الشاه، ووجَّهه بمقابلة الرئيس العراقي حسن البكر لتسهيل اجتماعه بالخميني. ولكن الاجتماع مع الخميني لم يتم، لأن البكر أخبر بوطالب أنه لا فائدة من الاتصال بالسيد الخميني لأنه سيغادر العراق بطلب منا، ولم يبق على موعد مغادرته سوى أيام معدودات.

وعندما اندلعت الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979، وطلب الشاه اللجوء إلى المغرب، كان الدكتور بو طالب من بين المستشارين الذين نصحوا الملك الحسن الثاني بعدم استقباله، ولكن شهامة الملك جعلته يستقبل الشاه.  وبعد وصول الشاه إلى الرباط، تلقى الدكتور بوطالب بطاقة دعوة ملكية لحضور وليمة عشاء يقيمها الملك الحسن الثاني تكريماً للشاه، فلم يحضرها.

فأخبر أحدهم الملك أن المستشار بوطالب لم يحفل بتلبية الدعوة  الملكية لحضور العشاء. فاستقدمه الملك وسأله عن السبب في عدم تلبية الدعوة:

فقال الدكتور بوطالب المعروف بحدّة ذهنه وسرعة بديهته:

ـ سيدنا، ثمة خطأ فاضح في الدعوة التي وصلتني.

فسأل الملك مستغرباً:

ـ وما هو؟

أجاب بوطالب:

ـ لأن النقطة الأولى في الدعوة تقول: السلام على الملكَيْن، وأنا عندي ملك واحد هو الملك الحسن الثاني فقط.

فتبسَّم الملك. "

وهكذا، فكتاب " طرائف النوادر عن أصحاب المآثر" يجمع بين المعرفة والإمتاع، على خطى كتب الطرائف والنوادر في تاريخ الأدب العربي.

 

ا. د. علي القاسمي

 

1011 جودت هشيارأصبح الادب الروسي منذ عصره الذهبي، في القرن التاسع عشر، شبيهاً بالدين، يحمل عبئًا، أخلاقيًا هائلًا، ومثل الفلسفة، أخذ على عاتقه التفسير الفكري للعالم المحيط، وتحول الأدب من ظاهرة فنية- جمالية الى كتاب الحياة . وكان ينظر الى الكاتب كنبي، او معلم للشعب قادر على التأثير في النظام القائم وتغيير المجتمع، . وهم يصغون باهتمام بالغ الى آراء الكتاب والشعراء، ويوجهون اليهم الأسئلة حول نتاجاتهم خلال اللقاءات، التي تجري معهم سواء في قاعات الأحتفالات أو في وسائل الإعلام

وثمة ظاهرة ملفتة للنظر في روسيا، نادراً ما نجدها في بلد آخر، على هذا النحو الصارخ، وهي أن الروس رجالاً ونساءاً، شيباً وشباناً، يقرأون الكتب والمجلات الأدبية بنهم لا نظيرله، ليس في البيوت والمكتبات العامة فحسب، بل في كل مكان : في وسائط النقل، وفي طوابيرالأنتظار في المتاجر. وفي المقاهي والحدائق العامة والمنتجعات . وكان الروس يتفاخرون عن جدارة بأنهم الشعب الأكثر قراءة في العالم . ولا تهدف القراءة عندهم الى تمضية الوقت أو التسلية، بل أن المثقفين منهم يعتبرون الكتب زاداً فكرياً وروحياً لا غنى عنه للأنسان . كما أن المناهج الدراسية في شتى مراحل التعليم تتضمن قراءة وتحليل أهم ما أنتجه الفكر الإنساني من آداب وفنون . والروس مغرمون بتشبيه معارفهم وأصدقائهم بأبطال القصص والروايات من حيث طبائعهم وملامحهم . وهم يتخذون الكتّاب والشعراء مثلاً في حياتهم الروحية، ويتابعون كل ما يتعلق بنتاجاتهم ويومياتهم ورسائلهم وعلاقاتهم الأدبية والشخصية، سواء الأحياء منهم أم الأموات . ويزورون المتاحف التي كانت يوما ما مساكن لهم،والتي تضم أعمالهم الأدبية المنشورة والمخطوطة ومسودات نتاجاتهم، ومراسلاتهم، وصورهم في مختلف مراحل العمر، وكل ما يتعلق بهم .

رحيل أي كاتب أوشاعر معروف على المستوى القومي يعد خسارة عظمى عند الروس، لأنهم يعتبرون الكاتب أو الشاعر معلماً للشعب. لذا فأن السلطة السياسية كانت وما تزال تتوجس من الكتاب كثيراً وتراقب أعمالهم .

الموت واحد وان تنوعت اشكاله

جرت العادة في روسيا عبر التاريخ أن يكون الشعراء من المعذبين في الأرض لأن الشاعر في روسيا هو أكثر من مجرد شاعر. لذا نتحدث أولاً عن تلك الفواجع، التي ألمّت بالشعراء الكبار

الكساندر بوشكين، أعظم شاعر روسي، على مر العصور، والرائد المؤسس للغة الروسية الأدبية الحديثة، تم نفيه مرتين، واصيب بجروح بليغة خلال مبارزة غامضة مع البارون جورج دي غيكّرن في 27 يناير 1837، وتوفي بعد ذلك ببضعة أيام .

ميخائيل ليرمنتوف، احد أهم الشعراء الروس بعد بوشكين. له العديد من الروائع الأدبية نثراً وشعرا . كتب وهو متأثر بمصرع بوشكين قصيدة احتجاجية رائعة بعنوان "مصرع شاعر"، هزت روسيا من أقصاها الى أقصاها . وحفظها ورددها المعاصرون مما أثار غضب السلطات التي قررت اعتقاله ونفيه إلى منطقة القوقاز . كانت حياته قصيرة خاطفة كالشهاب، حيث قتل خلال مبارزة مع نيكولاي مارتينيف في 27 أيلول 1841، عن عمر بلغ 27 عاماً. ويعتقد على نطاق واسع أن ليرمنتوف قتل برصاصة أخرى غير رصاصة مارتينيف . وعندما سمع القيصر نيكولاي الأول بمصرع الشاعر، قال شامتاً : " الكلب لا يستحق سوى ميتة الكلاب " . وثمة شكوك بأن بوشكين وليرمنتوف قتلا بأمر القيصر تحت ستار المبارزة .

اما فيودور دوستويفسكي فقد حكم عليه بالإعدام لنشاطه الثوري ضد النظام القيصري، ثم تم تخفيف الحكم في آخر لحظة الى السجن مع الأشغال الشاقة لمدة عشر سنوات، تلك السنوات التي راحت هدراً،من دون كتابة . ولا يزال سر موته المبكر لغزا

1011 جودت هشيار

الأدب الروسي في الفترة الإنتقالية

شهدت السنوات العشرين التي سبقت ثورة اكتوبر 1917 - وهي الفترة الإنتقالية من العصر الذهبي بمعطياته الفكرية والفنية الكلاسيكية الى عصر جديد بتياراته الحداثية وتنوعه الشعري والنثري، التي اصطلح على تسميتها ب"العصر الفضي" - إزدهاراً أدبيا تمثل في تيارات الحداثة والإتجاهات الأدبية المتنوعة وبخاصة في الشعر (الرمزية، المستقبلية، التصويرية، التكعيبية وغيرها) التي تعايشت وراحت تتنافس فيما بينها. واذا كان ثمة شيه إجماع بين مؤرخي الأدب الروسي حول بداية "العصر الفضي" وهي أواخر القرن التاسع عشر، فإن الخلاف ما يزال قائماً بينهم حول نهاية هذه الفترة التي يرى البعض أنها انتهت بوفاة الشاعر الكسندر بلوك وإعدام الشاعر نيكولاي غوميلوف عام 1921 (مؤسس مدرسة الأكميزم في الشعر الروسي، زوج الشاعرة آنّا أخماتوفا)، بينما يرى البعض الآخر ان هذه الفترة انتهت بإنتحار الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي في عام 1930 .

غالبية كتّاب "العصر الفضي" عارضوا النظام البلشفي وقرروا مغادرة البلاد الى اجل غير مسمى ولكنها أصبحت بالنسبة الى معظمهم هجرة بلا رجعة، حيث أنشأوا في الدول الغربية مراكز ثقافية، ودور نشر روسية، وأصدروا صحفا ومجلات للقراء الروس في مدن اوروبية عديدة ولا سيما في باريس وبرلين، وظهر في السنوات اللاحقة ما يسمى بالأدب الروسي في المهجر

الكتاب الأحرار والبلاشفة

وضعت ثورة اكتوبر عام 1917 في روسيا حداً للحريات الديمقراطية،لكنها لم تستطع أن تغيّر على الفورالحياة الثقافية، ومنذ عشرينات القرن العشرين، أخذت ظاهرة ثقافية جديدة تتبلور في البلاد، اطلق عليها مصطلح "الأدب السوفييتي" . وجرى تقييم االكتّاب من حيث موقفهم من السلطة السوفيتية،التي كانت تريد منهم الإشادة بالثورة، وإبراز مزايا النظام الجديد، مقارنة بالنظام الرأسمالي، وليس إنتقادها أو التحليق خارج السرب

وقد مارس النظام الستاليني ضد كل الكتّاب الأحرار الذين يحاولوا الحفاظ على حريتهم الداخلية ولم يستجيبوا لدعوات البلاشفة شتى صنوف الترهيب والترغيب والترويض والإغراء .

مات الشاعر الروسي الكبير الكساندر بلوك في عام 1920 بعد ان رفضت البلاشفة السماح له بالسفر الى الخارج لتلقي العلاج .

الشاعر سيرغي يسينين شنق نفسه في فندق ( انكليتير) في لينينغراد ( بطرسبورغ حاليا) يوم 31 كانون اول 1925 وهو في الثلاثين من العمر . ومنذ ذلك اليوم لم تنقطع التكهنات بضلوع ستالين في قتله، وهو الشاعر الأكثر شعبية والقريب الى قلوب الروس، الذين يحفظون شعره العاطفي المؤثر . وقد ترك في الغرفة التي شنق نفسه فيها قصيدة مكتوبة بالدم، لأنه لم يجد حبراً فجرح معصمه وكتب قصيدته، التي يقول فيها: " ليس جديداً في هذه الحياة أن نموت / وليس جديداً بالتأكيد أن نعيش ". وكان لرحيله،وهو في ذروة إبداعه الشعري أصداء هائلة في روسيا، فقد وصفه بوريس باسترناك قائلاً : " لم تلد الأرض الروسية مَن هو أكثر محلية، وأكثر عفوية، مَن هو أكثر وطنية وأفضل توقيتاً، مما هو سيرغي يسينين . وقال مكسيم غوركي :إن يسينين ما هو بالإنسان قدر ما هو كائن خلق من اجل الشعر حصرا. إما يفجيني يفتوشينكو فقال فيه: إن يسينين لم ينظم أشعاره بل كان يلفظها من أعماقه.

وعقب انتحاره انتشرت بين الشباب الروسي موجة من حوادث الإنتحار، فشنت السلطة حملة ضد ما سمي باليسينينية (بالروسية - يسينينشينا ). وما يزال انتحار الشاعر أو مصرعه الغامض مثار جدل بين الباحثين والمثقفين الروس .

كتب الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي قصيدة اثر انتحار يسينين يقول فيها : " في هذه الحياة ليس صعباً أن تموت / أن تصوغ الحياة أصعب بما لا يقاس ". ماياكوفسكي اطلق الرصاص على رأسه من المسدس المهداة اليه من مخابرات الكرملين . ويقول المنظر الأدبي الروسي البارز فيكتور شكلوفسكي : " ان ذنب الشاعر ليس في انه اطلق الرصاص على نفسه، بل أنه اطلقها في وقت غير مناسب " .

مكسيم غوركي مات في ظروف غامضة بعد رفض السلطة السماح له بالسفر الى الخارج لغرض المعالجة . ويقال انه جرى تسميمه، وان ستالين شخصياً كان ضالعا في قتله، لأن الكاتب الثوري الكبير كان مستاءاً مما يرى حوله من بؤس وظلم .

الشاعرة العظيمة مارينا تسفيتايفا، انتحرت في 31 اغسطس 1941. ولم يسترعي هذا الأنتحار الأهتمام، لأنه حدث في بداية الحرب الدموية بين الأتحاد السوفييتي والمانيا الهتلرية .. وكانت قصائدها ممنوعة من النشر حتى اواسط الخمسينات، وهي تحتل اليوم مكانة بارزة في الأدب الروسي وتحظى بمقروئية عالية، خاصة بين النخب المثقفة .شعرها مشبع بالعواطف الجياشة حتى الثمالة، وكم رأيت من شاعرات روسيات يقرأن شعرها وهن يذرفن الدموع .

- الشاعر اوسيب مندلشتام اعتقل بسبب قصيدة كتبها تحت عنوان " متسلق جبال في الكرملين " وتوفي في السجن. والشاعر كلوييف مات تحت التعذيب، اما الكاتبان المعروفان بيلنياك واسحاق بابل فقد حكم عليهما بالأعدام بتهم مفبركة بعد محاكمتين صوريتين ونفذ فيهما الحكم سريعاً

عندما نقرأ عن هذه المصائر التراحيدية نتذكر قول فولتير : " اذا كان لي ابن، لديه ميل إلى الأدب، فان العطف الأبوي يدفعني الى ان الوي عنقه "

كان ستالين يقرأ أهم الأعمال الأدبية المنشورة، ويشاهد المسرحيات، التي تحظى بإقبال جماهيري . وقد شاهد مسرحية "أيام توربين " من تأليف الروائي البارز ميخائيل بولغاكوف عدة مرات، حين عرض على المسرح الفني في موسكو، ثم أصدر حكمه القاطع: "هذه المسرحية سُخرية من النظام وبولغاكوف ليس مِنا ". مات بولغاكوف بعد تعاطي جرعة كبيرة من المورفين .

عندما قرأ كتب ستالين في عام 1931 مسرحية " في المخزن " للكاتب أندريه بلاتونوف في احدى المجلات الأدبية قال : " كاتب موهوب ولكنه وغد " وارسل الى ادارة المجلة رسالة وصف فيها المسرحية بأنها نتاج عميل لأعدائنا، كتبت من اجل تشويه الحركة الكولخوزية

في عام 1934 أنشأ ستالين (اتحاد الكتاب السوفيت) بعد حل كل الأتحادات والجمعيات الأدبية الأخرى. وفرض الإتحاد الجديد على جميع أعضاءه الألتزام بما يسمى (الواقعية الإشتراكية) وهو مصطلح عجيب - هل ثمة واقعية رأسمالية أو مسيحية، لتكون هناك واقعية إشتراكية ؟ . وكانت حصيلة هذه السياسة البلهاء هي التصفية الجسدية لـ(220) عضواً - أي أكثر من ثلث اعضاء المؤتمر التأسيسي للأتحاد - في السجون والمعتقلات خلال السنوات القليلة التي أعقبت المؤتمر.

ومع حلول اوائل الثلاثينات سيطرت الدولة على المطابع والصحافة وأغلقت دور النشر الخاصة، والغت كل الجمعيات الأدبية - التي كانت تضم آلاف الأعضاء وتصدر مجلات طليعية - وذلك بموجب قرار اللجنة المركزية للحزب بإعادة بناء الجمعيات الأدبية والفنية . وذلك تمهيداً للمؤتمر التأسيسي لإتحاد الكتّاب السوفيت الذي انعقد في أغسطس عام 1934، وقرر المؤتمر إعلان " الواقعية الإشتراكية " المذهب الأدبي والفني الوحيد المعترف به في البلاد،ومحاربة الإتجاهات (البورجوازية والشكلية) في الأدب والفن .

(الواقعية الإشتراكية) مصطلح غريب،وكأن ثمة في الأدب العالمي واقعية رأسمالية أو إقطاعية وقد أصبح هذا المذهب ملزماً لكل الكتّاب والشعراء والنقاد والباحثين والفنانين .

لعب المؤتمر دوراً سلبيا في الحياة الثقافية، وأسهم في تدميرالقيم الروحية والجمالية والتقاليد الأدبية للأدب الروسي. وأنتاب القلق والتوجس كتاباً مشهورين ومنهم اسحاق بابل الذي أعلن في المؤتمر مازحاً أنه ابتكر جنساَ أدبياً جديدا اطلق عليه جنس "الصمت" أي التوقف عن النشر الى أجل غير مسمى.

أصبح عامل البناء أو المنجم أو مصنع الصلب أو فلّاح التعاونية الزراعية، البطل الرئيسي الإيجابي في الأدب السوفيتي . وتم حظر نشر الأعمال الأدبية، التي لا تعكس توجهات الحزب الايديولوجية والصراع الطبقي وانجازات بناء الاشتركية..ولجأ العديد من الأدباء الى تناول الموضوعات التأريخية تهرباً من الحاضر الخانق .أو حرصوا على الإحتفاظ بنتاجاتهم الجديدة بعيداً عن الأنظار في ادراج مكاتبهم انتظاراً لزمن أفضل.

وبعد تصفية المعارضة داخل الحزب الشيوعي في النصف الثاني من الثلاثينات وهيمنة ستالين المطلقة على السلطة، تم تشديد الرقابة الأيديولوجية المتزمتة على المجلات الأدبية (السميكة)، وعلى دور النشر والمسرح والسينما، التي اصبحت كلها حكومية في عموم الإمبراطورية السوفيتية المترامية الأطراف. وبدأت الحملات الصحفية الظالمة ضد كل من يخرج عن الطاعة ويكتب ما لا يعجب السلطة .وشرع الحزب البلشفي بإتباع اسلوب الإشراف المباشر على الحركة الثقافية وادارة الأدب وتوجيهه.

وفي هذا الإطار جرى تهميش الكتّاب الذين لم يتحمّسوا للنظام الشمولي، وإختفى أي أثر للرأي الآخر، وتحول الأدب السوفيتي الى أداة لتخدير الوعي الجمعي وتضليل الجماهير وتعبئتها للتنافس على تنفيذ الخطط الخمسية في الأقتصاد بوتائر عالية .

كان الأدب المؤدلج يدعو الى التضحية بمباهج الحياة، وتحمل الصعوبات والظروف المعيشية، مهما كانت قاسية وبائسة في سبيل بناء " الجنة الشيوعية " الموعودة للأجيال القادمة . وان على الناس أن يعيشوا من أجل تحقيق هذا الهدف (النبيل)، ويتحملوا في سبيله، كل انواع الضيم والفاقة، لا أن يعملوا من اجل توفير متطلبات االعيش او يهتموا بحياتهم الخاصة .

لم يعد بوسع أي كاتب أن ينشر عملاً ابداعيا يعبّر عن عالمه الداخلي ورؤيته الخاصة للحياة، وعمّا يجول بخاطره، ويشعر به في نفسه . وادرك كل مبدع حقيقي أن الكتابة الأدبية أصبحت مهنة خطرة للغاية.

مصائر أفضل الكتّاب الروس في الحقبة السوفيتية –أولئك الذين يشكلون اليوم مجد وفخر الأدب الروسي الحديث – تراجيدية ومفجعة. فقد انتهت حياة العشرات منهم في ساحات الأعدام، وقضى الآف آخرين نحبهم في معسكرات الإعتقال والأشغال الشاقة في أقاصي سيبيريا من الجوع، والمرض وإنعدام الرعاية الصحية، وتكيّف المنصاعون لتوجيهات الحزب الأيديولوجية مع الوضع الجديد . ولم يتم ملاحقتهم او اعتقالهم، بل ظلوا يكتبون وينشرون في اطار المذهب المفروض عليهم، ولكنهم انتهوا ككتاب مبدعين ولم تعد لكتاباتهم قيمة فنية تذكر. وفي ظل هذه الممارسات القمعية، وتقييد الحريات العامة والخاصة، والمناخ الثقافي الخانق، استطاع جهاز المخابرات السوفيتية تجنيد أعداد غفيرة من الأصدقاء والمعارف المقربين من الكتّاب، للتجسس عليهم، وكتابة التقارير السرية عنهم حتى وإن كان هؤلاء الكتّاب، قد إختاروا الصمت الإجباري أو الإختياري،

ولم تقتصر تقارير المخبرين على أهل الأدب والفن، بل شمل كل العاملين في أجهزة الحزب والدولة. وقد تبين من الوثائق المنشورة بعد تهاوي النظام السوفيتي ان العدد الاجمالي لتقارير المخبرين عملاء الأمن السري قد بلغ حوالي اربعة ملايين تقرير .

وتتضمن لوائح اتهام الكتّاب من قبل المدعي العام، التي تليت خلال محاكماتهم، تقاريرسرية كثيرة كتبها مخبرون من أقرب الناس الى الكتّاب المتهمين . وهي تقارير عن أحاديث هذا الكاتب أو ذاك مع أصدقائه وزملائه في انتقاد بعض سلبيات الواقع السوفيتي

وبعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي وتقرير نيكيتا خروشوفوادانته لعبادة الفرد والمجازر التي حصدت أرواح ملايين الروس والسوفيت بضمنهم قادة كبار في الحزب والدولة، وآلاف العلماء والأدباء والفنانين، وإعادة الإعتبار لضحايا الستالينية .

كان الروائي الكسندر فادييف ولسنوات طويلة على رأس إتحاد الكتّاب، وكان مؤمنا بالأشتراكية،وشديد الأخلاص للحزب ولستالين شخصيا، ويؤمن بأن كل ما يفعله ستالين هو لخدمة المستقبل الإشتراكي للبلاد . وبعد المؤتمر العشرين للحزب في عام 1956، حين اتضح له الحقائق المروعة عن جرائم ستالين، لم يتحمل الضغط النفسي الشديد. وبات دائم القلق، معذب الضمير . ويتمنى أن يموت اليوم قبل الغد، فأطلق الرصاص على نفسه ليرتاح كما جاء في الرسالة الموجهة الى اللجنة المركزية للحزب، والتي كتبها قبيل إنتحاره

لجأ النظام السوفيتي منذ تولي ستالين مقاليد الأمور الى سياسة الترهيب والترغيب في التعامل مع الكتّاب، ففي الوقت الذي كان فيه الكتّاب الأحرارعرضة للأعتقال أو الإعدام أو النفي، ومنع تداول أعمالهم، وشطب أسمائهم وأي إشارة اليهم أينما وردت، في ظل حكم ستالين، لجأ النظام السوفيتي في عهدي خروشوف وبريجنيف الى اسقاط الجنسية السوفيتية عنهم وطردهم من البلاد أو ادخالهم الى المصحات النفسية والعقلية، كان الكتّاب المنصاعين للتوجيهات الحزبية يتم تكريمهم ماديا ومعنويا بمنحهم الجوائز الأدبية والأوسمة التقديرية والشقق السكنية ومنازل في الضواحي كمكاتب لهم بعيداً عن ضجيح المدينة. والأهم من ذلك انهم كانوا يحسبون على الطبقة الحاكمة المسماة " نومنكلاتورا " بإمتيازاتها الكثيرة في السكن الفاخر والمعالجة الطبية المتميزة، وابتياع ما يحتاجونه من سلع في متاجر خاصة، وتشر مؤلفاتهم بمئات آلاف النسخ ومنحهم مكافئات نقدية سخية للغاية، توفر لهم حياة رغدة، بعيدا عن شقاء ملايين الكادحين الذين كانوا يعيشون في منازل جماعية طويلة اشبه بعربات القطار مكتظة بالسكان حيث تخصص غرفة واحدة لكل عائلة، ويضطرون يوميا للوقوف في طوابيرطويلة من اجل الحصول على أبسط السلع والخدمات .

الكتاب والشعراء الروس في فترة " ذوبان الجليد "

خفت موجة قمع الكتّاب المغضوب عليهم في فترة "ذوبان الجليد" أي عهد نيكيتا خروشوف (1955- 1964) حيث تمّ فتح نوافذ في الستار الحديدي- الذي كان يعزل المعسكر الإشتراكي عن بقية العالم - وأخذت رياح التغيير تهب على البلاد، وبدأ التبادل الثقافي مع الدول الغربية، واتباع سياسة التعايش السلمي بين النظامين الأشتراكي والرأسمالي ولم تعد المحاكمات سرية كما كانت في عهد ستالين . ومع ذلك فأن العقل الأيديولوجي الجامد،لم يكن يقبل أي خروج على نمط الأدب الذي كانت تروج له الدعاية السوفيتية . وظلت أفضل الأعمال الأدبية حتى للكتّاب المشهورين حبيسة الأدراج في مكاتبهم، بعد رفض المجلات الأدبية السميكة ودور النشر الحكومية نشرها

قضية الشاعر بوريس باسترناك، الحائز على جائزة نوبل لللآداب في عام 1958 عن روايته " دكتور زيفاكو" ما زالت طرية في أذهان جيلنا . حيث تعرض الى حملة تشهيرية واسعة، أصبح بعدها انسانا محطما، وسرعان ما اصيب بسرطان الرئة الذي لم يمهله طويلاً، وتوفي في عام 1960 .

اما الشاعر جوزيف برودسكي فقد اعتقل بتهمة نشر اعماله في الخارج، وتم احتجازه في مستشفى للأمراض العقلية .ثم حكم عليه بالسجن مع الأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات . وفي 12 أيار 1972 طردته السلطات الى خارج البلاد بعد نزع الجنسية السوفيتية عنه . وهو شاعر موهوب نال جائزة نوبل لللآداب لعام 1987، وكان عمره آنذاك 47 عاماً أي اصغر أديب حاصل على هذه الجائزة الرفيعة .

في عام 1968 حين نشر ألكساندر سولجينيتسن روايتيه "الدائرة الأولى" و"جناح السرطان" في الخارج، وصفته وسائل الإعلام السوفيتية ب(الخائن) . وعلى اثر حصوله على جائزة نوبل للآداب في عام 1870، فصل من اتحاد الكتاب السوفييت، وفي عام 1974 نزعت عن الجنسية السوفيتية وطرد الى خارج البلاد .

قال سولجينيتسن خلال لقائه بأحد الكتاب الروس الرسميين: " انتم تعاتبونني لأن كتاباتي تنشر في المجلات السرية، ويجري استنساخها . والناس يقرأونها باهتمام، وتنتقل من عائلة الى أخرى،ولكن من منكم يستطيع ان يتفاخر ان كتبه التي تطبع على حساب الدولة بآلاف النسخ، تقرأ من قبل الجمهور وتنتقل من عائلة الى أخرى ؟ لا أحد . هل تعرف لماذا ؟. أنا أقول لك : لأنكم تكتبون حسب الإيعازات من فوق، ولكن الكاتب الحقيقي لا يكتب بإيعاز من أحد، بل بإيعاز من روحه وعقله وضميره

أدب عصي على الموت

هذه الأجواء الخانقة طوال عدة عقود، كانت كافية للقضاء على الإبداع الأدبي . ولكن الأدب الروسي كان عصياً على الموت . ففي أول فرصة سانحة - حين لم يعد شبح الموت أو الزج في السجون واقفا بالمرصاد لكل من يفكر بطريقة مغايرة، لا تتوائم مع التوجهات الحزبية- لجأ الكتّاب الروس الأحرار الى تجاوز الأشراف الحكومي على الأدب وإيجاد مسارات بديلة لنشر نتاجاتهم، لا تخضع للرقابة الرسمية، ومن أهم هذه المسارات :

1- سام ايزدات، أي (النشر الذاتي)، وهي كتب ومجلات كانت تطبع بأعداد قليلة على ورق رديء ورخيص في الأقبية بعيدا عن أنظار الشرطة السرية، وأحيانا من قبل مغامرين عاملين في المطابع الحكومية،وتوزع باليد على القراء الموثوق بهم، وتنتقل النسخة الواحدة، من يد الى يد الى ان تبلى تماماً . كانت مطبوعات (سام ايزدات) تنشر النتاجات الأدبية من نثر فني وقصائد شعرية، والمذكرات الشخصية، ودراسات في الفلسفة والتأريخ، التي لا تجد طريقها للنشر العلني، وتعيد نشر النتاجات المحظورة من قبل السلطة. وكانت مطبوعات " سام ايزدات " تعكس الأدب الروسي الحقيقي، بتنوعاته الفكرية والفنية، وأساليبه الأدبية المختلفة، وتناغمه مع الأدب العالمي المعاصر، وتلقى إقبالاً عظيماً،في وقت كانت فيه أطنان من كتب الأدب المؤدلج تتكدس في متاجر الكتب والمكتبات العامة بآلاف النسخ دون أن يهتم بها أحد من القراء .

2- تام ايزدات، أي (انشر هناك) ويقصد يه تهريب مخطوطات النصوص الأدبية والفكرية لنشرها في الدول الغربية وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية . وتم عن هذا الطريق نشر نتاجات عشرات الكتّاب والشعراء، وما زال جيلنا يتذكر الحملة الإعلامية السوفيتية ضد بوريس باسترناك حين فاز بجائزة نوبل في الآداب لعام 1958،عن رواية "دكتور زيفاغو" وما أعقب ذلك الفوز من إجراءات تعسفية ضده (الفصل من إتحاد الكتّاب، التهديد بالنقي الى خارج البلاد واجباره على اخلاء مسكنه العائد للدولة في قرية الكتّاب "بيريديلكينا")، وقد اضطر باسترناك الى رفض الجائزة . وكانت هذه الحملة الظالمة سببا في تردي صحته ووفاته في عام 1960 .

وفي عام 1963، بدأت ملاحقة الشاعر جوزيف برودسكي، فاستدعي للتحقيق أكثر من مرة ووضع في مصحة عقلية مرتين. وفي عام 1964 وجهت إليه تهمة التطفل بحجة أنه لا يعمل، وحكم عليه بأقصى عقوبة، وهي العمل في منطقة نائية مدة خمس سنوات، فنفي إلى محافظة أرخانغيلسك، وبعد انتهاء مدة نفيه، تمّ حرمانه من الجنسية السوفيتية، وطرده الى خارج البلاد، حيث إستقر في مدينة نيويورك، وعمل محاضراً في جامعة مشيغان، ونال جائزة نوبل في الآداب لعام 1987، وجائزة الأكليل الذهبي الأميركية عام 1991 ..

وفي عام 1966 حكم على أندريه سينيافسكي بسبع سنوات، وعلى يولي دانيال بخمس سنوات بتهمة نشر أعمال أدبية بأسماء مستعارة في الخارج مسيئة الى سمعة البلاد وقد أثارت محاكمتهما ضجة في الغرب، وأصبحت بداية لحركة الإنشقاق في الإتحاد السوفيتي .

3- نتاجات الكتاب الروس في المهجر، التي كانت تتسرب الى داخل البلاد، وتستنسخ بأعداد كبيرة وتنتشر بسرعة فائقة . .

من المعروف ان ثمة ثلاث موجات من هجرة الكتّاب الروس الى الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، اولى هذه الموجات كانت عقب ثورة اكتوبر1917، واستمرت الى اواخر العقد الثالث، وهي أكبر الموجات، حيث شملت غالبية النخب المثقفة. والثانية كانت خلال سنوات الحرب السوفيتية – الألمانية وحتى منتصف عهد " ذوبان الجليد" (1941- 1960)، والموجة الثالثة الأخيرة كانت بين عامي (1986-1961) . وبلغت هذه الموجة ذروتها عندما سمحت السلطات السوفيتية بهجرة المواطنين اليهود الى اسرائيل . ولكن معظمهم استغلوا هذه الفرصة للهجرة الى بلدان أوروبا الغربية، والولايات المتحدة الأميركية

كانت السلطةالسوفيتية تراقب هذه المسارات الثلاثة بعين يقظة، وتتخذ اجراءات بحق الأدباء المتمردين على الرقابة الرسمية. ولم يعبأ الكتاب الأحرار بهذه الإجراءات التعسفية وواصلوا نشر كتاباتهم سرا داخل البلاد أو في الدول الغربية .

وقد تم التخفيف من الرقابة على المطبوعات، ومن ثمّ الغائها نهائياً في فترة "البريسترويكا"، ومنذ عام 1986 سمحت السلطات بنشر الأعمال الأدبية والفكرية، التي كانت محظورة طوال السبعين سنة الماضية من الحكم السوفيتي وسميت هذه الظاهرة " بالأدب المستعاد، أي نتاجات الكتّاب من ضحايا الأرهاب الستاليني، وتلك الأعمال الأدبية التي ظلت في أدراج مكاتب الكتاب البارزين، ولم يغامروا بتقديمها للنشر في الحقبة السوفيتية،، وكذلك أعمال الأدباء الروس في المهجر . وقد اتسعت هذه الظاهرة لتشمل نشرالوثائق الرسمية ذات العلاقة بالكتّاب المضطهدين والكثير من خفايا الحكم السوفيتي .

وبعد تفكك الإتحاد السوفيتي الى جمهوريات مستقلة، تمّ في الإتحاد الروسي، حل كافة دور النشر الحكومية وتأسيس دور النشر الخاصة، التي حولت الكتاب الأدبي الى سلعة في السوق، كما هو الحال اليوم في معظم بلدان العالم

 

د. جودت هوشيار

...................

يذكر أن كتاب: مأساة الكتّاب الروس للدكتور جودت هوشيار قد صدر حتوا عن دار الزمان في دمشق .

المحتويات

أدب عصي على الموت

مكسيم غوركي ... نهاية مأساوية لكاتب عظيم

آخر كلمات إسحاق بابل : دعوني اكمل عملي

الطريق إلى الموت والخلود: قصيدة ماندلشتام التهكمية بستالين

زوشينكو .. الساخر الحزين

حياة ايرنبورغ الصاخبة بين باريس وموسكو

في حضرة ناظم جكمت

الكاتب الذي ركعت مارلين ديتريتش لتحيّته

يفغيني يفتوشينكو: الشاعر في روسيا أكثر من شاعر

فاسيلي أكسيونوف : الرائد المؤسس للأدب الروسي المعاصر

الجيل الضائع في الأدب الروسي الحديث

مفارقات المشهد الأدبي الراهن في روسيا

هل مات الأدب الروسي ؟

عندما لا تقود المعاناة الى الحرية

التوظيف السياسي للأدب في روسيا

يوم في ضيافة تشيخوف

 

1005 تحرير الاسلامعنوان كتاب لفهمي جدعان يحاول فيه نقد فهم الإسلام عند المفكرين على اختلاف توجهاتهم بما فيهم أصحاب المشاريع الفكرية ليطرح رؤيته هو..

تحرير الإسلام من هيمنة القراءات أحادية التأويل والتفسير والعمل على تحرير الإسلام كي يعود لثابته بكونه دين جاء به نبي الإسلام (ص) لتحرير الناس من الوثنية والتقديس المجاني، فلا مقدس سوى الله والوحي، وغير ذلك إنما هي (جاهلية) ورثها العرب والمسلمون بتاثير البنى القرابية والقبلية التي كانت سائدة في الجزيرة العربية قبل الإسلام، ولم يدعو لها النبي (ص)، بل فصل بين قوله الموحى إليه رسالياً وقوله بوصفه بشر (ما أنا إلّا بشر مثلكم)، وهذا النص فيه ترجيح ودعوة للتمييز بين حياة محمد (ص) كنبي وحياته كبشر!!.

يبني جدعان رؤيته وفهمه للإسلام على وفق مقولة ابن قيم الجوزية:"المقصود الشرعي للإسلام إقامة المصلحة ودرء المفسدة"، وبما أن الإسلام جاء ليكون دين العدل، فهو لا يتعارض مع أي نزوع عند جماعة ما يعمل أهلها بالعدل، لذا فكل دولة تتوخى العدل في سياستها مع أبناء المجتمع إنما هي دولة مقبولة بحسب القيم العُليا التي دعى لها الإسلام، اتساقاً مع "مقاصد الشريعة".

يُقسم جدعان العدل على عدة أصناف:

ـ العدل الكلامي: أي العدل المتعلق بأفعال الله وأنها لاعادلة لا ظُلم فيها، والعدل المُتعلق بأفعال الإنسان وأنها حُرَة على مذهب المعتزلة والقدرية ـ مُكتسبة على مذهب الأشاعرة، مُقيدة على مذهب الجبرية.

ـ العدل الفلسفي الأخلاقي: وهو جماع فضائل النفس عند الفلاسفة، الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدل.

ـ العدل الشرعي: الذي يتقوَم بمبادئ الحلال والحرام، ووتحقيق مكارم الأخلاق وفق قول النبي (ص) "إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق".

ـ العدل السياسي والاجتماعي، أو ما سُميَ في التراث بـ "السياسة الشرعية"، وهي تُعنى باصلاح العلاقات بين الراعي والرعية، وبتحقيق المصلحة العامة وتطبيق "مقاصد الشريعة".

وهنا لا يسعى فهمي جدعان للسير وفق مقولات السلفيين والاصلاحيين الذين يعملون على احياء التراث "الماضي في الحاضر"، وهو لا يعمل على توجيه بوصلة الفكر باتجاه (استلهام التراث)، بمعنى الافادة من القيم الإنسانية والدينية في التراث بما يجعلها في خدمة الحاضر ، وإن كان في هذا الفعل ما يخدمنا نحن المسلمين الذين نهيم عشقاً بالتراث.

في الآن ذاته ينتقد جدعان الكثير من مشاريع (إعادة قراءة التراث) عند زكي نجيب محمود، وتيزيني، والجابري، لذا نجده يكشف عن مجموعة وظائف للتراث أهمها:

ـ الوظيفة النفسية: فالتراث هو تراث أمة وهو يخدم المجتمع والأمة في توظيف الإرث الحضاري فيه ليكون مصداً وسنداً معنوياً ونفسياً لإرادتها المهزومة أو المغلوبة.

ـ وظيفة جمالية: لأن التراث العربي والإسلامي يصح وصفه أنه تراث جمالي، لأنه تراث أدب، وشعر، وفلسفة، وفن.

ـ وظيفة عملية: ففي التراث علوم وأعمال كانت خط سير للغرب كي يُعيد الوعي والتفكير في التنوير، ولا تخلو علوم اللغة والفقه والكلام من فائدة عملية اليوم وغداً.

يُبيَن لنا جدعان أن هُناك "مبدأ أساسياً مُشتركاً بين ما هو "مقاصدي" (إسلامي) وبين ما هو "علماني" مُتصلَب، هو مبدأ رعاية المصلحة، ليكشف لنا عن إمكانية الوصول لما أسماه "الاعتراف المُتبادل" بين حدَي المصطلح الذي يجترحه "علمانية إسلامية"، وهو مفهوم يجد له مسوغاته في الحدود التالية:

ـ اشتراك الفكرين في الدفاع عن العقل، فالعقل أساس المقاصد الشرعية، والعقل أداة المعرفة الأمثل عند العلمانيين.

ـ بناء الشرع على المصلحة وبناء النظام الاجتماعي في العلمانية عليها.

ـ في (الحيادية العلمانية) مقبولية للنزعة الدينية في حدود العقل، وهو أمر يقبله الدين وأصحابه المُعتدلين.

يقصد جدعان بـ "علمانية الحياد" أنها "علمانية مرنة" بعبارة (عادل ضاهر) في كتابه "الأسس الفلسفية للعلمانية"، وهي علمانية "إنسانية" غاية أصحابها تحقيق العدل والحرية والمساواة والالكرامة والحكم التمثيلي وطلب الخير العام، لذا يكون التأسيس وفق ما أسماه جدعان منطق "العقل المصلحي" قد نقترب من مقبولية مفهوم "العلمانية الإسلامية"، أو "الدين العلماني" بعبارة عبدالكريم سروش.

وفق رؤيته هذه يجترح جدعان مفهوم (ابداع التراث)، أي القول بـ "أن التراث دائم التشكل وإن جوهره في حراك مُستمر، أي أنه خاضع لعملية ابداع دائمة"، ليصل للقول أن "الحقيقة النهائية هي أنه لا شيء مُقدس في التراث (خارج الوحي)، لأن التراث قد ارتدَ إلى حدوده الطبيعية، أي إلى حدوده الإنسانية الخالصة".

 

ا. د. علي المرهج