103 مصطفى العمريثمة أمتان متضادتان، تتخذ كل منهما تسميات وسمات تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والناس، ولايذهب بنا الفكر بعيدا حيث القومية او العنصر وهو مالم نكرس له مقالتنا، الأمة الاولى تتدرع بالعقل فتفسر الحسي والمجرد وفق منطق العقل، والجماعة الاخرى تتذرع بالعاطفة فتفسر الحسي والمجرد وفق منطق اللامنطق، ثمة امتان دائما: الاولى منحازة للخير كما هو والأخرى منحازة لمحاربة الخير كلما بدا، امة مع السلام وقبول الآخر وامة مع الحرب وإلغاء الآخر، فما العمل؟ جاء في القرآن الكريم (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) ومن قبل قالت الديانات السماوية والوضعية الاصلاحية مثل هذا او قريبا منه، وقال فلادمير لنين (دائما ثمة أمتان ونقيضان)، والحرب بين جبهةالعقل وجبهة التخلف قديمة قدم الوعي البشري، فقدمت جبهة العقل تضحيات مفجعة وتكبدت خسائر موجعة كالتشهير والتعزير والتخوين والتجهيل والإلحاد، فمنذ افلاطون ت 347 ق.م الذي اتخذ من خرائب قصر أكاديموس معهدا يلقي فيه على مريديه دروسا في الفلسفة والرياضيات وقف ضد مشروعه العقلي الامبراطور الروماني جستنيان فأغلق المعهد زاعما ان افلاطون يدعو الى إنكار الرب ومناكفة القيم الاجتماعية، لكن افلاطون وضع افكاره في – جمهورية افلاطون – ولم يخرج افلاطون عن وصايا استاذه سقراط ت 399 ق.م مبتكر تحليل الظاهرة من خلال الاسئلة والحوار وفق سلطة العقل وارسطو ت 322 ق. م وهو من مريدي افلاطون قرر الامعان في تدريس المنطق واللغويات والمسرح والموسيقا ، اذن المنهج النوري فعل والمنهج القبوري ردة فعل، ثمة دائماً امتان كما مربنا يعني ثمة دائماً مجابهة بين جبهتين ضدين،، ولم تتوقف المجابهة بين المنطق العقلي والمنظور اللاعقلي بين التجديد والتقليد بين السرب والتغريد خارج السرب لم تتوقف المجابهة في اي وقت من العصور وصولاً الى السلطات العربسلامية : الاموية والعباسية والاندلسية والفاطمية والعثمانية والملكية والجمهورية لكن المفارقة هي أن اوار المعركة بين العقل والوهم سجل سعيراً كارثياً غب 2003 فظهرت أمة من الادعياء الزاعمين انهم سفراء الرب وسدنة الدين وشن هؤلاء المدججون بالسلطة والمال والنصوص المحرَّفة حرباً مهلكة على الناس المتطلعين الى مجتمع متنور متحضر يُدَوْزِن حياته على ايقاع العقل، ومن هنا نقترب من اطروحة الاستاذ مصطفى العمري التي أودعها في كتابه (إشكالية الدين في أنمطة المجتمع قراءات نقدية) والكتاب وفق قراءتي ومرافقتي لمؤلفه ومفاتشاتي معه في اشكاليات اختلفنا فيها مرة وأتلفنا عليها أخرى يُعَد حزمة مواقف اتخذها العمري ضد مظاهر الخرافة والتخلف مهما كانت اللبوس التي تتمظهر بها، مواقف جريئة في وسط متطامن متضامن مع قناعات كونكريتية مسلحة، وقد نشط العمري في نشر مقالاته المثيرة للجدل مستثمراً هامش الحرية وفق بعض من الصحف، فشن عليه المتشددون المنغلقون حملات عنيفة من خلال المنابر والمجالس وبعض المؤسسات والصحف المحسوبة بهتاناً على الدين والاخلاق متهمين إيّاه بتهم هشة المبنى ركيكة المعنى لاتنم عن قدرات فكرية ولو بسيطة في مقابلة الحجة بالحجة، ودفع البرهان بالبرهان، كانت تجربة مصطفى العمري في دعواه للمنهج العقلي قد ابتدعت عاصفة جدل ناله منها شيء من الوضر بما يذكرنا بما كابده سلفه ادورد سعيد ومحمد اراكون وعبد الله العروي وعلي الوردي ومحمد عابد الجابري ونصر حامد ابو زيد .... ، ومصطفى العمري متلق واع لاطروحات كوكبة التنوير تلك ومتمثل ظَمِيءٌ لها و كانت تربطه علاقة افتراضية مع محمد عابد الجابري اطلعت بنفسي على قسط منها بهيئة إيملات فكرية متبادلة واشار العمري اليها في كتابه ص 15، وبهذا الكيف يكون كتاب (إشكالية الدين في أنمطة المجتمع قراءات نقدية) ثمرة دراسة ميدانية وليس ثمرة دراسة مكتبية فما أقل الدراسات الميدانية في وقتنا هذا، ومن هنا تكمن اهمية هذا الكتاب الذي يبتكر نيزكاً يخض فضاءات القناعات المتهافتة ،ولا اظن ان التضاد بين المنهج العقلي والمنهج النقلي سيتوقف يوما ما او توضع له الحلول الناجعة في المستقبل المنظور مع ان الغرب كابد ما كابدناه في حقبة تاريخية من مسيرته بهيئة صراع دموي بين الكنيسة والعقل ادت الى قتل المفكرين والمبدعين أو اجبارهم على التوبة، لكن مكابدة الغرب انتهت وصارت خبرا لكان، حين نهد واحد من اكبر رؤساء الكنيسة (مارتن لوثر) فتخندق مع العقل وفكك التلازم بين الكنيسة والسلطة بين سلطة الدين وسلطة العقل دون اساءة منه للدين الإلهي او اساءة للفكر البشري، وكتاب العمري يطمح الى فك الاشتباك بين الدين السماوي والدولة الارضية بين رجالات الدين وفضاءات المجتمع ولكن بأسلوب تلقائي ودم بارد، قارن (ص 74 أحاول ان اخرجك ايها القاريء من قراءة النص الى التفكير والتأمل والإمعان في هذه الاسئلة لتكون انت المنتج فيها وأنا القاريء) ثم قارن ايضا (ص50 هل بمقدور الخطاب الاسلامي ونصوصه المركزية التماشي مع لغة النهضة العالمية وهل يمكن تسويق الدين مع كل هذا الكم من النصوص الرثة الداعية الى القتل والرق والاستعباد) والكتاب يمتلك طموحا إنسانيا يتموضع في ان الانسان هو الانسان قبل ان نميزه او نؤذيه بمسوغات خارجة عن ارادته بل ان الهم المركزي لدى المؤلف هو تربية الناس على قبول الآخر والتعايش معه، قارن (ص48 لا اشكال في تطبيق تلك المفاهيم وان كنت يهوديا او مسلما او مسيحيا او حتى غير منتم الى دين المهم ان تكون انسانا ولا تتخيل انك الحق الذي يجب ان يسود الكون) وقد يستعين المؤلف وهو يجوس مساحات من التاريخ الضدي بمقولات رواد التنوير لتعزيز فكرته وهو سلوك اكاديمي متبع في صناعة الكتب الفكرية لاغبار عليه قارن (.. ص 51 يقول محمد اراكون : مسكين ابن رشد ليس له حظ في عالمه العربي الاسلامي، الفقهاء المالكيون يدينونه في عصره ويبصقون على وجهه في المسجد الكبير امام الناس عندما كان ذاهباً للصلاة مع ابنه وفقهاء عصرنا يفعلون الشيء نفسه وتمتقع وجوههم ما إن يذكر اسمه في الوقت نفسه يتلقف الغربيون كلامه ومؤلفاته ويترجمونها ويبنون عليها نهضتهم، ثميسألونك بعدها لماذا تاخر المسلمون وتقدم غيرهم) كي يبني استنتاجا مؤسسا على سبب تقدم جبهة وتخلف أخرى قارن (: هناك خطب كبير لحق بالمسلمين واوقف مسيرتهم وجعل منهم أضحوكة لزمن تفترس فيه غلمان الغرب العلوم والتكنولوجيا، بينما هم يفترس احدهم الآخر .... الاعتقاد بأن الخطاب الذي كان في عمق الجزيرة العربية يجب ان يستمر الى هذا العصر، خطاب ميت يدل على ان المتصدين للدين غير مدركين لمعنى الرسالة السماوية، لم تأت الأديان لكي ترغم الناس للولوج في ثقافة مغايرة او اعتقادات مختلفة) ونصل الى ان هموم المؤلف (هنا سيّان فتح لام المؤلف او كسرها) هي هموم صعبة المنال في وسط تكاثرت فيه المصالح واختلطت الاوراق واشتجرت مواقف الداعين والادعياء، ويمكن ملاحظات عدد من عنوانات فصول الكتاب لمعرفة المزيد من مركزية هموم الكتاب من نحو (.. تكهنات حول الوضع العربي القادم ونحو عرب في امريكا ونحو العقل اليقظ يصارع من اجل البقاء ونحو اسباب تأخر المسلمين وتقدم الغرب ونحو غاية الله ورغبة الناس ونحو الالحاد ظاهرة ام اعتقاد ونحو اسباب مخاوف المفكر العربي ونحو قراءة في سفر السيدة عائشة .... الخ وللمزيد انظر ص 185)

وكثيرا ما ناقش العمري مقولات العقل والنقل في الموروث الاسلامي مع ان جماعة النقل تتدرع بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والسيرة بعامة وفي معرض الكتاب الكريم فأغلبهم لايفقه مقولة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام (القرآن حمّال اوجه) ودون معرفة حقيقية لعلوم القرآن للتمييز بين المكي والمدني والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ واسباب النزول ......... فضلا عن اتباع علم الجرح والتعديل في قبول الحديث الشريف او رده، واذا كان عنوان الكتاب يصرف اذهان القراء الى الدين فإن المؤلف توسع في محمولات الدين فلم يقصر جهده على الدين الاسلامي بل تداول الجهد الاديان الاخرى ومحاولات الادعياء في استثمار اللاحصانة لدى الجمهور للعمل على (أنمطته) بل ان المؤلف كما ص 145 ناقش الأنمطة العلمانية ولم يرتض المصطلح مالم يكن التصرف وفق مقاسه وخاض مناقشات حادة جادة مع عدد من العلمانيين، واذا كان الاسلام السياسي يكفر المفكرين المغايرين فإن العلمانية السياسية تخوِّن مناكفيها وتجهلهم وهذه محنة الفكر المستقل ذي المنهج العقلي في مجتمع لم يتثقف كما ينبغي بثقافة قبول الآخر والتعايش مع المخالفين والمغايرين،، وكم تمنى المؤلف ان تكون المؤسسات الدينية نوادي ثقافية تنشر المعرفة وترجح سلطة العقل ص 85 (المراكز الاسلامية متناثرة في مدن وازقة الشوارع ولكن فعلها الاصلي غير موجود، المسجد او الجامع الذي اسس لكي يقرب الناس ويوحد كلمتهم ويجمع شملهم صار مكانا للتكريه والتحريض على البغض والعداء بين الطائفة الواحدة والمجتمع الواحد) وليس ثمة قطيعة بين العمري والدين او رجالات الدين بالمطلق،، فللمؤلف العمري علاقات وطيدة جدا برجال دين معروفين من نحو آية الله السيد الدكتور طالب الرفاعي والمفكر السعودي الاسلامي إبراهيم البليهي فهو يقول مثلا في صديقه السيد الرفاعي (ولايهم ان اختلفنا مع الرفاعي فيما يؤمن به او ما يفكر فيه فانا اختلف اكثر مما أئتلف معه ص 137) وآخرين لايسع المجال لذكرهم ويعن لنا ملاحظة اقتباساته من مقولات آية الله السيد طالب الرفاعي سواء بالمشافهة او بالإحالة على كتاب (أمالي السيد طالب الرفاعي) تأليف الكاتب الكبير رشيد الخيون، ومعروف موقف مصطفى العمري من الاطروحة الشيرازية فهو يكافحها في كتاباته ومحاضراته دون هوادة وقد اتكأ على استذكارات صديقه السيد الرفاعي في امالي السيد طالب الرفاعي ص 281 بتوريخ الفعل الشيرازي ليصل العمري الى القول ص 137 (يمتلك الخط الشيرازي اليوم العديد من الفضائيات والمراكز في جميع انحاء العالم ومدارس تنفث الغباء والغلو والسب والطعن، مدارس تعتمد التطبير والتطيين والمشي على النار والنباح وابتداعات سنوية غير مسبوقة والإشكال الأعظم ان المدرسة التقليدية الشيعية صامتة امام هذا التشويه والخرف ولا اجد اخطر على الانسان من ان يسري في ذهنه وباء التخلف والانغلاق واستعداء الآخر وقد ركز الخط الشيرازي في منهجه على تفشي ظواهر تحيل الانسان الى متخلف ومنغلق ومبغض للآخر المختلف ولا ارى اخطر على الشيعة والتشيع من الخط الشيرازي الذي حاول ان يرتدي لباس الاسلام وبألوان شيعية ثم بدأ يفتك بالعقل الشيعي ويرتد به الى ما قبل الجاهلية) .

وبعد

كتاب إشكالية الدين في انمطة المجتمع قراءات نقدية قبالة الامية الثقافية الدينية التي رانت على المجتمعات العربسلامية بمنهج عقلي انتهجه العمري ينأى به عن الشتم والقذف فالغاية هي كسب الآخر او تنويره وليس استفزازه وتنفيره ومن ثم خسارته، فما أحوج الشارع الديني الى قراءات نقدية جريئة ولذلك نحن ننتظر من الكتاب مخاضات فكرية جريئة في زمن إغراق الفكر الشرقي بكتب الخرافة والعرافة والجنس والسحر بكتب تغسل ادمغة الشباب وتحبب اليهم عسكرة الشارع بسلطات ادعياء الدين وحيتان السياسة وديناصورات الخرافة وتمددات سعلاة العشيرة للوصول الى المجتمع المؤمن بالحياة المدنية القائمة على الدساتير الوضعية التي تساوي بين الناس باختلاف السنتهم والوانهم وتقدس حق المرأة في مشاطرة الرجل الحقوقَ والواجبات .

 

عبد الاله الصائغ / مشيغن مايس 2018

 

 

102 الاسلام في الصينتُعَدّ كلمتا "الصين" و"الإسلام" من بين أكثر الكلمات تداوُلا بين المبحِرين في عالم الويب؛ لكن نادرا ما تُقرَن الكلمتان معاً طلبا لِما يجمع بينهما. حيث قلّةٌ تعلَم أن الصين تضمّ ما يربو عن ثلاثين ألف مسجد فوق أراضيها، وأن مسلمي هذا البلد -رغم تواضع عددهم حوالي ثلاثين مليونا، بما يعادل 2 بالمئة من مجموع السكان العام- يتوزعون على مختلف أنحاء البلد، ولاسيما في أقاليم الشمال الغربي (كسينجانغ ونيغسيا وغانسو وكينغاي)، وفي يونّان، وفي هينان، وربّما بشكل أقلّ في شانكسي، وهيباي، وشاندونغ. حيث يمثّلون عنصرا معتَبرا في النسيج الاجتماعي، بما أغنوا به التراث القديم وما يثرون به الثقافة الحديثة. وعلى خلاف الدينين الإبراهيميين الآخرين (اليهودية والمسيحية) ينعمُ الإسلام بوضعٍ إثنيٍّ مميَّز، وذلك على إثر تقسيم المجتمع الصيني إلى 56 إثنية (مينزو) مع السنوات الأولى لجمهورية الصين الشعبية. وبالتالي ينعم المسلمون بانتماء عرقي غير ديني -يتوزّع على أكثر من عشرين إثنية- بما يضفي تنوعا هائلا عليهم.

الكتاب الحالي "الإسلام في الصين.. من البدايات إلى جمهورية الصين الشعبية"، الذي نقدّمه للقارئ متفرّدٌ من حيث موضوعه. حيث تتناول فيه الباحثة الإيطالية فرانشيسكا روزاتي موضوعا على صلة بالحضارتين الإسلامية والصينية. تسعى فيه إلى تقديم خلاصة شاملة حول علاقة الدولة الصينية بموضوعي الإسلام والمسلمين، وهو مبحثٌ لا تنحصر حدوده بإقليم كسينجانغ، كما يسود التناول عادة، بل يغطّي كافة الشرائح والفئات المسلمة على التراب الصيني. فالكتاب يتتبّع مراحل انتشار الإسلام من أسرة تانغ (618-960م) إلى حدود أوضاع المسلمين في الراهن. مبرِزة الباحثة كيفية انتشار الإسلام في الصين بموجب التجاور، وما لعبه هذا الدين من دور ضمن السياق الثقافي-الاجتماعي الصيني، دون أن يفرز ردود فعل عنيفة، أو يمثّل تهديدا لنسق الوئام الاجتماعي داخل الفضاء الإمبراطوري السالف أو داخل النسيج الاجتماعي المرتبط بالصين الحديثة؛ بل مثّل الإسلام عنصرا فاعلا في التقارب مع الصين على أصعدة اقتصادية وتجارية واجتماعية، وقد شهد ذلك التواصل أوجه إبان نشاط طريق الحرير، واستمر وإن بنسق بطيء بعد اندثار ذلك الطريق.

تننمي الباحثة فرانشيسكا روزاتي إلى جيل الباحثين الإيطاليين الجدد، وهي خرّيجة أكبر جامعات أوروبا، جامعة روما لاسابيينسا، التي يرتادها 120.000 طالب، تخصصت في آثار الصين الإسلامية وفي فئاتها الاجتماعية التي تدين بدين الإسلام. كتابها الحالي هو خلاصة عشر سنوات من البحث والمتابعة الميدانية، ما أضفى على مؤلفها طابعا حيّا مكثَّفا، بعيدا عن الأبحاث الجامدة التي تقتصر على التنقيب في المؤلفات دون متابعة المعيش.

في المحور الأول من الكتاب، وهو بعنوان "من الهامش إلى المركز"، تتناول الباحثة تاريخ الإسلام في الصين من أسرة تانغ الإمبراطورية (619-960م) إلى أواسط حقبة كينغ (القرن الثامن عشر). وهي فترة حبلى بالتحولات، ومهمة كذلك لفهم التطورات التي ألمّت بالإسلام وتحديدا مع أسرة كينغ (1644-1911م) وما تلاها مع حقبة الجمهورية، التي حقّق المسلمون، المعروفون في الصين بـ"هوي" (hui)، أثناءها شكلاً من الاندماج ضمن الأمة الصينية الناشئة، وذلك بالتوازي مع شعور بكونهم جماعة متميزة، الأمر الذي دعا بعضهم إلى اعتبارهم جماعة دينية (هويجاياو)، ورآهم آخرون جماعة عرقية (هويزو) لا غير.

ولو عدنا إلى بدايات الإسلام في الصين نلحظ استعمال لفظة "كينغزينغجياو" القديمة كمسمّى لدين الإسلام ومعناها (دين الحق والصفاء). وفي الواقع ما كانت تلك التسمية خاصة بالإسلام، بل انسحبت في البدء على اليهودية أيضا، حيث نستشفّ ذلك من نص نقيشة موجودة في بيعة يهودية في كايفينغ تعود إلى العام 1489م. وأما اللفظ المستعمل في اللغة الصينية الحديثة فهو "يسيلانجياو" أي (دين الإسلام). هذا وتعود الاتصالات المبكرة بالصين إلى الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص، فقد كان أول سفراء الإسلام إلى "إمبراطورية التفويض السماوي". حلّ بشنغان (كسيان الحالية) سنة 628م نزولا تحت رغبة الإمبراطور تايزونغ، وتلبية لدعوة لتأويل حلم رآه في المنام بشأن رجل حكيم وصادق (النبي محمد عليه الصلاة والسلام) هلَّ من المغرب، أي من جزيرة العرب. وقد وردت القصة في "هويهوي يووانلاي" ضمن أدبيات الصين الكلاسيكية. ولا زال إلى اليوم في كانتون معلَمٌ يُنسب إلى الصحابي المذكور، حيث مسجد هوايشينغ الذي تُعدّ صومعته من أقدم المعالم العمرانية الإسلامية في الصين، وقد تجلى فيها تمازج الطراز الإسلامي بطابع العمران الكنفشيوسي الطاوي. من جانب آخر تورد "حوليات تانغ" حديثا عن أولى السفارات الإسلامية التي أرسلها قتيبة بن مسلم الباهلي سنة 713م، والتى أبى السفير المسلم أثناءها السجود التقليدي "كوتو" للإمبراطور زوان زونغ. حيث بقيت العلاقات الصينية الإسلامية المبكرة مستتبّة إلى حدود العام 751م، زمن تعرض قوات القائد الصيني كاو كسيانزي لهزيمة نكراء في معركة نهر طلس على يد القائد المسلم زياد بن صالح. وقد شكّل ذلك الحدث إنهاء لهيمنة الصين وبدءا لاختراق النفوذ الإسلامي آسيا الوسطى، والحادثة شهيرة في التاريخ بأسْرِ كوكبة من صناع الورق الصينيين ممن استفاد المسلمون من خبراتهم الحِرفية.

في المحور الثاني من الكتاب، وهو بعنوان "ثوار وانقسامات"، جرى استعراض التحركات الإسلامية، إبان القرن التاسع عشر، مع تتبّع مختلف تداعياتها وآثارها، التي تكشف عما دبّ من تباينات دينية وثقافية بين مسلمي الصين. فقد بلغ الحسّ بالامتعاض في أوساط المسلمين المقيمين في الشمال الغربي تحديدا، أي في إقليم كسينجانغ، وكذلك في إقليم يونّان جنوبا، أن أسّس دو وينكسو سلطنة دالي عقِب انتفاضة بانتاي (1856-1873) والتي خلّفت ردة فعل قوية سبّبت مذبحة ضدّ مسلمي الصين.

والبيّن أن المنطقة لم تخلُ من التوتر، منذ القرون الوسطى، حيث يروى المؤرخ منهاج السراج الجوزجاني في "طبقات ناصري" (1260) أن بعض الرهبان البوذيين أوغروا صدر كشلو خان (غوشلوغ) وأوحوا له بإخصاء المسلمين بدل قتلهم. وحين همّ بهم طاله عذاب من حيث لا يحتسب، انقضّ عليه كلبه الرابض قرب عرشه فطرحه أرضا ونهش ذكره وخصيتيه حتى أرداه قتيلا. هذه الرواية تكشف عمق التوتر الحاصل بين المسلمين والبوذيين في بعض الفترات. هذا وقد عمل الإنجليز في مطلع العصور الحديثة على استغلال عوامل التمايز في المنطقة. فمنذ أن تبيّن أن إقليم كسينجانغ يحوي ثروات مهمة كالشاي والقطن، بدأ تواصل الإنجليز مع كاسغاريا، ولم تأت سنة 1873 حتى أُبرمت معاهدة مقابل حماية الإقليم من تدخل الروس (ص: 112). هذا وقد جعلت يونّان، إحدى ثغور الإمبراطورية المهمة على طريق الحرير، أباطرة الصين يصرّون على ضمها إلى دائرة نفوذهم السياسي عنوة، ما أبقى المنطقة عرضة للقلاقل، أبرزها مجزرة 19 مايو 1856 التي ذهب فيها ألوف المسلمين ضحايا. حالة الاضطراب تلك لازمت المسلمين حتى مطلع القرن العشرين، حين شكّل سون يات-سين، مؤسس الصين الحديثة، حركة تونغمينغوي (التحالف الثوري) المناهض لنظام الحكم وبقصد قلب أسرة كينغ، حيث انضم إلى صفّه كثير من المسلمين. ولا يمكن الحديث عن خروج من حالة الأزمة سوى عشية الحرب الصينية اليابانية (1937-1945) التي أعقبها اعتراف إثني بالمسلمين، حيث دعا باي غونسغي أحد جنرالات الجيش القومي لجمهورية الصين وأحد أمراء الحرب في إقليم غوانغكسي الأئمة الأربعة الكبار وأعيان المسلمين إلى ووشانغ لإرساء تحالف استراتيجي، بقي ذلك نافذا وفاعلا إلى فترة طويلة (ص: 163). والواقع أن ثمة إقرارا في العقل السياسي الصيني أن تعاليم القرآن تشكّل دعامة للتوجه الاشتراكي، وهو ما انعكس في النظر للمسلمين بأنهم حملة تراث عريق بوسعه أن يكون سندا وعونا لترسيخ قوة اقتصادية سياسية تتطلع إليها الصين في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، إلا أن ذلك لم يحُلْ دون حدوث إجحاف، ما كان محصورا بدين الإسلام في الواقع، بل جاء جراء سياسة عامة سلكتها الدولة.

تبرِز الباحثة فرانشيسكا روزاتي أن جدلا شغل ساسة الصين الحديثة ومثقفيها، إبان مطلع العصر الجمهوري حوْل طروحات الهوية والأمّة والعرق. وقد شمل من ضمن ما شمل المسلمين، سواء بوصفهم جماعة دينية تنتمي إلى أمة عابرة للحدود، أو بوصفهم "إثنية" (مينزو) ضمن أمة الصين الناشئة. وهي تقريبا العناصر التي عالجها المحور الثالث من الكتاب المعنون بـ"أصوات القومية الإسلامية"، أي العناصر التي استلهمت الرؤى السياسية لباني الوطن سون يات-سان، وكذلك نظريات الحزب الشيوعي الصيني ووجدت سندا في الدعاية الإمبريالية اليابانية، بشأن الدور الذي يمكن أن يلعبه مسلمو الصين داخل الدولة الحديثة. كما يتابع المحور الثالث حديثَه عن الدور الحدودي اللافت للمسلمين، ما جعلهم عرضة للحملات الغربية التي رأت فيهم عنصرا قابلا للإغراء بفعل كونهم من شعوب الأطراف وبوصفهم أصحاب تراث كتابي.

في المحور الرابع والأخير المعنون بـ"الإسلام والقومية والهوية الإثنية في جمهورية الصين الشعبية" وهو محور يغطي الخمسين سنة الأخيرة من تاريخ الصين، وقد شهد الإسلام أثناءها تحولات كبرى. تتناول الباحثة التقسيمات العرقية في الصين، التي شمل الاعتراف فيها المسلمين بوصفهم دعامة من دعامات الصين الحديثة. وقد بُنيت تلك التقسيمات على أساس قواعد أربعة (اللغة والإقليم والاقتصاد والمخزون الثقافي) أرساها ستالين في كتاب "الماركسية والمسألة القومية" (1913). ركّز هذا المحور على أوضاع المسلمين في تلك الفترة وما خلّفته الأوضاع من أثر سلبي لا سيما إبان عشرية الثورة الثقافية (1966-1976)، وما أعقب ذلك من انتعاش إسلامي مع فترة رئاسة دانغ كسياوبينغ وإلى غاية الأوضاع الراهنة مع كسي جينبينغ التي باتت تخضع لتقلبات السياسة الدولية.

لقد جرى توزيع مكونات المجتمع الصيني إلى 54 إثنية معتمَدة من قبل الدولة، أُلحقت بها إثنية إضافية سنة 1979، إضافة إلى مكوَّن إثني غالب يضمّ السواد الأعظم من الصينيين يُعرف بالـ"هان". وعلاوة على هذا التقسيم تستند الدولة في وجودها إلى مرجع خلقي كنفشيوسي اشتراكي، تمثله الأغلبية المشار إليها، لتبقى سائر المكونات الثقافية والعرقية الأخرى موالية ومراعية له. ولا زال هذا التقسيم "الإثني" حاضرا على بطاقة الهوية الصينية. وفي خضم ذلك التنوع تدين عشرٌ من تلك الإثنيات بدين الإسلام: التتار (3556 نفراً)، الأوزبيك (10.569)، البونان (20.074)، الطاجيك (51.069)، السالار (130.607)، الكيرغيز (186.708)، الدونغسيانغ (621.500)، الكازاكي (1.462.588)، الويغور (10.069.346)، الهويزو (10.586.087). وفي الصين أقلية ضئيلة فحسب من "المسلمين المهتدين" (كسين مسيليم) ممن لا ينطبق عليها التقسيم الإثني السائد. هذا وقد مرّت علاقة الجموع المسلمة بأغلبية الهان وبجهاز الدولة العام بتحولات، من "ضيوف أجانب" إلى "صينيين مسلمين". وقد شهدت العلاقة تمتّنا مع نفوذ الحزب الشيوعي الصيني وذلك بفضل النشاط الحثيث للجمعية الإسلامية الصينية التي تأسست في بيكين سنة 1953. وهي جمعية نشيطة تتولى الإشراف على المؤسسات الإسلامية (جينغكسويان)، وتشرف على تكوين الأئمة، وعلى إقرار النصوص التعليمية التي تتناغم مع دعاية الحزب الشيوعي.

ما كانت علاقة مسلمي الصين بالنظام الشيوعي هيّنة، كما تبرز الباحثة فرانشيسكا روزاتي، وهو ما جعل بعض الرموز المسلمين يختارون المنفى الاضطراري في تايوان. وهو حال جملة من الشخصيات الشهيرة التي تركت الصين الحمراء والتحقت بخصيمتها. نجد باي كونغسكي، أحد جنرالات الجيش الثوري القومي، وكذلك ما بوفانغ، وما بوكينغ، وقد انضم جميعهم إلى برلمان تايوان. واليوم يبلغ عدد مسلمي تايوان نحو 60.000 على عدد سكان يناهز 23 مليونا.

وعلى ما تورد الباحثة روزاتي، عارض ماو بشدة مطلع خمسينيات القرن الماضي، شوفينية الهان تجاه الأقليات. وفي نطاق التعاطي مع جماعة "هوي" المسلمة في بيكين، على سبيل المثال، افتتحت الحكومة مدارس بقصد النهوض بالشرائح الفقيرة، كما تم تأميم مطاعم كينغزهان (الحلال)، وجرى ترميم جامع شارع بوي في بيكين إضافة إلى البنايات المجاورة، بأموال عمومية، مع مراعاة ألا تعلو تلك البنايات على الجامع. لكن منذ أن هلّت فترة الستينيات تحول كل شيء وباتت سياسة النظام تهدف إلى "إلغاء أنظمة الاستغلال الإقطاعي المتمثلة في الدين"، وتطلّع الحزب منذ العام 1965 إلى إلغاء أشكال التدين، وقد انجرّ عن ذلك ترحيل العديد من الأئمة إلى المحتشدات بقصد إعادة تأهيلهم (ص: 217). باتت حالة الإمام شان كالي (1924-1970) إحدى العلامات البارزة في هذا السياق المتعسف، حيث قضى الرجل شهيدا بعد معاناة طويلة.

أتساءل باستمرار عن محدودية مناهج التدريس في الجامعات العربية وقصورها عن الإلمام بقضايا العالم الإسلامي. إذ ثمة انغلاق رؤيوي وانحصار منهجي، والحال أن تلك المؤسسات الجامعية هي أولى بتناول قضايا المسلمين لما يربطها بهم من وشائج حضارية ودينية. كتاب الإيطالية فرانشيسكا روزاتي الذي آثرنا عرضه هو من إنتاج باحثة غربية في مجال الدراسات الشرقية. والمعرفة في هذه المؤسسات التي تُعنى بالشرق عملية، ولا تنزع إلى التجريد المشط أو الاغتراب المخل، بل تساير متطلبات الواقع. فأن تصدّر باحثة إيطالية كتابها بحديث نبوي، وإن ضعّفه البعض أو عدّه موضوعا، "اطلبوا العالم ولو في الصين"، فيه إيحاء للبون الشاسع الذي يفصل هواجس الدارس المسلم السالف عن نظيره الحديث.

 

الكتاب: الإسلام في الصين.. من البدايات إلى جمهورية الصين الشعبية.

الكاتبة: فرانشيسكا روزاتي.

الناشر: منشورات لازينو دورو (روما) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2017.

عدد الصفحات: 294ص.

 

عزالدين عناية - أستاذ تونسي بجامعة روما- إيطاليا

 

 

صالح الرزوقفي كتاب (مستقبل الزعامة في المجتمع الشيعي) لمهدي خالاجي، الصادر عام 2017 عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، توقعات تتنبأ بدور جازم لآية الله محمود هاشمي شاهرودي. فهو أبرز مرشح لخلافة خامنئي والسيستاني البالغين من العمر 77 عاما و86 أعاما على التوالي. وهذا يعني انه سيكون مرجعية توحد شيعة العراق وإيران. وهذا الدور التوحيدي سيردم الصدع بين التشيع العربي والإيراني. فقد أشارت كل المراجع إلى الفرق الأساسي بين الأسلوبين. الأول باهتمامه بالمسائل الشرعية والفقهية، والثاني باستئثاره بكل السلطات، الروحية والمدنية.

ويرى مفكر إسلامي هو ماجد الغرباوي أن مثل هذه التمايزات لها خلفيات تاريخية. وبالأخص بالنسبة للتشيع الفارسي الذي ورث تقاليد السلطة الساسانية. فقد كانت دولة مركزية ولا تتسامح بخروج أي مواطن من رعاياها على توجيهات البلاط.

وإن اختيار الشاهرودي سيتبعه انزياح في المؤسسة، وسيترك ذلك من الناحية الاجتماع سياسية بصمات الذوق الفردي للمرجع، وليس حقيقة المؤسسة. فالمرجع الأعلى عند الشيعة دائما يفرض حقائق فردية وليس واقع المؤسسة ككل.

وبتعبير آخر سيقود ذلك إلى تبدل في شبكة العلاقات الاقتصادية وشكل المجتمع وطرق الإدارة والتفكير السياسي، ناهيك عن شبكة المصادر والتمويل(ص1)، إن لم يبلغ العلاقة مع دول الجوار في هذا الجو المضطرب من الثورات.

وقد حصل ذلك سابقا حين الانتقال من دولة الخميني الراديكالي والمهتم بالمسائل الروحية إلى دولة خامنئي بخلفياته البيروقراطية المحافظة والمعادية للإحساس بتعاقب الفترات والعصور(ص 2).

ومهما يكن من أمر الإسلام بشكل عام افتقد للمرونة في اختيار الخلفاء، ففي العصر الراشدي كانت هناك إملاءات وشروط، حتى أن الأنصار استبعدوا من سدة الخلافة مع أن أول مبدأ في الإسلام هو عدم التفضيل بين المؤمنين إلا بدرجة الالتزام (أو التقوى). بينما في العصور اللاحقة فرضت القوانين العشائرية نفسها، واحتكرت دايناستي بعينها كل السلطات مع الثروات العامة (الخراج). وأصبح بيت مال المسلمين ملكا للخليفة ونزواته.

ومن نافة القول إن الإسلام بعد وفاة الرسول تنكر للديمقراطية، واعتمد على النخبة، واجتماع سقيفة بني ساعدة لا يمكن أن يمثل حال المسلمين لا من ناحية أساليب التفكير ولا الواقع الاجتماعي. واقتصرت الشورى على شريحة من قريش ومن المشهود لهم بالقوة والسيادة.

لقد وضع هذا الاجتماع الأساس لثيوقراطية غريبة على تفكير الرسول، وسرعان ما تحول إلى شكل أوليغارشي من أشكال ممارسة الحكم واغتصاب القرار السياسي.

ولذلك ليس من المستغرب أن لا تكون الخلافة استمرارية للتشريع والتحول الروحي، وإنما كانت هناك خطوط عزل بين الفترات.

فقد شغلت أبا بكر حروب الردة، بينما انشغل الفاروق عمر بالفتوحات. وغطى النزاع المكتوم ثم العلني فترة الخليفتين الأخيرين عثمان وعلي. وبرأيي إن الخلفاء الراشدين فعليا هم ثلاثة، فأبو بكر كان وكيلا لعمر فقط، وكل المدونات التاريخية تؤكد أنه هو الذي فرضه لتأخير خلافة علي، وهو من هاجم بيت علي وأجبره على مبايعته. وبعض الروايات تذكر أنه هم بحرق باب داره ليخرج بالإكراه، وروايات أخرى تؤكد أنه كسر باب الدار وأخرجه موثقا بعد أن طرح زوجته على الأرض. وهذا الموقف يكاد يتشابه مع دخول الثوار على الخليفة عثمان وضرب زوجته أمام عينيه. (كما روى أدونيس في الثابت والمتحول).

بعبارة مختصرة ليس هناك أية خصال تجمع أول أربع رؤساء للدولة الإسلامية، وهو ما تكرر في حالة إيران، وكل المراقبين لا يمكنهم تسجيل أية صفة مشتركة بين الخميني وخامنئي(ص 2).

ويبدو أن النهايات هنا نقطة محددة، فالخميني تنحى بالموت، بينما خامنئي قد يستقيل ويمهد الطريق لمن بعده لأسباب صحية، (ص3).

ويبدو أن خامنئي رسم صورة خليفته قبل أن يسلمه مقاليد الأمور، لقد توجب عليه أن يكون:

1- من أنصار مبدأ الثورة المستمرة، وهي فكرة تروتسكية، لم تنجح في روسيا في حينه، بسبب عقل ستالين البارد، ولكن نضجت بذرتها في عهد نيكيتا خروتشوف ثم أثمرت بعد 75 عاما بدخول غورباتشوف إلى الكرملين.

2- أن يؤمن بالعمل العسكري لحماية الثورة.

3- وأن لا يفرط بالأسس الاقتصادية والإيديولوجية للثورة (بمعنى أنه ثيوقراطي ومحافظ).

ومثل هذه الخلطة من الأفكار التي تساوي بين الفكر الحركي وثوابت الدولة تنطبق تماما على شاهرودي المولود عام 1948. فقد تلقى علومه الروحية في النجف، وتطور برنامجه السياسي في إيران (صxii ). وتاريخه الغامض الذي يكتنفه الظل من عدة جوانب لا يحدد بالضبط طبيعة هويته المركبة (ص 6). هل هو إيراني أم عراقي؟. وهل كان من عائلة مهاجرة أم أنه معارض له نشاط في المنفى؟. ولكن من المؤكد أنه انتقل في سلم الرتب السياسية من قائد روحي إلى شخصية بيروقراطية تعمل ضمن قواعد النظام الذي أرسى خامنئي دعاماته(ص xii). وينسب له تسييس القضاءالإيراني خلال رئاسته لمجلس القضاء حتى عام 2008. وخلال هذه الفترة بالتحديد كان حريصا على التنصل من هويته العراقية وتأكيد إيمانه بولاية الفقيه وإضافة لقبه الفارسي شاهرودي بعد كنيته العراقية التي تدل على جذوره الهاشمية(ص6).

ومع أن بعض الشائعات تدعم شائعة تفيد أن ولادته كانت في كربلاء بتبعية إيرانية، لكن هذا يبدو جزءا من غسيل جذوره. أو بتعبير آخر هو تبييض لشخصيته. فولادته في عام النكبة لا يكفي لتصنيفه في عداد الجنسية الإيرانية. ففي تلك الفترة كانت سايكس بيكو قد رسمت بشكل واضح حدود الشرق الأوسط وعزلت العراق عن بقية الخزان البشري للشيعة وعن الجيب العروبي الذي لم يكن يفهم معنى الحدود الجيوبوليتيكية.

وللتوضيح يمكن مقارنة ذلك بأصل أتاتورك. فهو مولود في سالونيك اليونانية عام 1881 بمعنى أنه كان تحت الحكم العثماني. وهذه أول مشكلة واجهها الشاهرودي لتطبيع هويته(ص 13)، فالدستور الإيراني يمنع تولي المناصب الحساسة إلا لمن كان إيرانيا بالولادة والتربية. ولكن الوثائق تحدد بوضوح أن أمه من خراسان وجده لأبيه من شاهرود. إنما حصل الاقتران بين الأب والأم في النجف بإثر هجرة الأسلاف نتيجة العوامل الاقتصادية وطلبا للعلم في الديار المقدسة ( ص13 ). مما يضع أصول الشاهرودي على المحك. ولا سيما أن ثلاثة من أشقائه قتلوا في العراق في أحداث عام 1980 التي تسبب بها حزب الدعوة (ص 13).

ومن استعراض المراحل المبكرة من تلقيه العلم وتكوين طباعه الشخصية تستطيع أن تفهم أن الشاهرودي شخصية كوزموبوليتانية تحمل بصمات عدة ثقافات. الذاكرة لإيران والحياة الاجتماعية للعراق ولكن الثقافة إسلامية ومتعددة المشارب. ولا سيما أن أساتذته من المثلث الشيعي: أفغانستان وإيران والعراق. ومنهم تلقن الأدب العربي الكلاسيكي والبلاغة التقليدية (ص 14).

غير أن التكوين الثقافي لا يقود أوتوماتيكيا لهوية حركية ذات عقيدة وإيديولوجيا. فقد أثرت مجموعة من العوامل في الشكل النهائي لشخصية شاهرودي، وفي المقدمة تعاليم قائده الروحي الإمام محمد باقر الصدر، بهويته العربية ذات البعد الأسطوري. بعبارة أخرى كانت تحدوه يوتوبيا لا تقل في إغرآتها ووعودها حول فكرة الثواب والعقاب أو التعادلية بين ذات الروح وفكرة الإله عن تصورات سيد قطب حول الإسلام السياسي.

ومن المؤكد أن هندسة حزب الدعوة العراقي وحزب الإخوان المصري خدما هدفا واحدا على المدى البعيد.

فلكل منهما أجندا عسكرية مع رافعة دينية هي مزيج من الرموز والكنايات التي تطورت بالانطلاق من بلاغة القرآن الكريم ومعجزات السيرة النبوية.

ولذلك يمكن اعتبار حزب الدعوة نسخة شيعية من حزب الإخوان السني ( ص 18)، ويكون بوسعنا مقارنة الهالة الأسطورية التي أحاطت بكاريزما سيد قطب مع الهالة التي أحاطت بحياة ومقتل الصدر. ولا يمكننا في ضوء هذه المعلومات إلا أن نعتقد أن شاهرودي من شجرة الإسلام السياسي العربي بما حمله من مكونات لها علاقة بالأسطورة والاستدلال والاستنتاج. بمعنى أنه يحمل في لاشعوره الأعصبة العربية التي تضع العقل أمام الموضوع. وللتوضيح: لا بد أنه يؤمن بمبدأ العلة والمعلول ويعمل على ترويج الترسانة التاريخية لتطور مبدأ الوحي وعلاقته بالهداية (كما ذكرهشام جعيط في: الوحي والقرآن والنبوة).

وبوجيز العبارة كان شاهرودي مدينا للصدر بالاعتماد على الإبداع في التفسير وعلى الفضول المعرفي في الإدراك والحوار (ص 19). ولا يفوتني هنا التنويه أن الإبداع لا يتعارض مع استراتيجيته المحافظة. وهو يعني فيما يعنيه تكرار معالجة الثوابت مثل المستدركات في علوم الدين ومشاكل الدولة كدور اللطف الإلهي في رعاية المجتمع وغير ذلك.

غير أن تلك الشجرة حملت براعم من تعاليم الخوئي، المربي الثاني لشهرودي والذي اعتنى به في إيران ولقنه مبادئ الحكمة وعلاقتها بالنفس الكلية والفيض الإلهي.

ويمكن اعتبار هذه العلاقة بمثابة منعطف في حياته الروحية. فإذا كان الصدر مثل رموز الإخوان مصدرا للتفكير الواقعي والمادي في الإسلام فإن الخوئي كان الملهم للجانب العرفاني من شخصيته.

لا شك أن هذه الملابسات لعبت دورا حاسما في إعادة صياغة شخصية شاهرودي. فقد اضطر لأن يتخلى عن صفة معارض عراقي في المنفى لحمل لقب سياسي إيراني.

وخلال هذا المعراج، أو رحلة ابتكار شخصية ثم هوية وطنية جديدة، كان الجانب الرومنسي منه يذوب كالجليد تحت شمس الواقع وضغوط الأولويات، ليضمن لنفسه مكانة مرموقة في الصف الأول من القيادة الإيرانية، وليتأهل لصفة مرجع شيعي.

والسؤال الآن: بعد وفاة خامنئي والسيستاني، هل سيحل شاهرودي مكان أحدهما أم كليهما؟.

إن التوقعات دائما مرهونة بالظروف. والسياسة مثل البساط الأحمر، له كواليس وتتدخل في اختيار من يسير عليه اعتبارات.

 

د. صالح الرزوق

..............

هذا عرض لكتاب:

The Future of Leadership in the Shiite Community, by: Mehdi Khalaji. The Washington Institute for Near East Policy. 2017. 144 p.

 

حسيب شحادةفي الرابع من أيار ٢٠١٨ ٱحتفل في جامعة هلسنكي بصدور كتاب للأستاذ المحاضر فاروق أبي شقرا ”العربية: قواعد وتمارين“ بأربع لغات، الإنجليزية والألمانية والسويدية والفنلندية وهي تحتوي على ١٩٣٠ صفحة. وفي هذه المناسبة السارّة، غير الاعتيادية، ألقى الأستاذ أبو شقرا محاضرة ضافية بالإنجليزية حول اللغة العربية ومكانتها في الماضي والحاضر. بعد انتهاء المحاضرة طُرحت بعض الأسئلة حول الفروق ما بين العربية المعيارية الحديثة التي، في الواقع، ليست لغة أمّ أيّ عربي وفق التعريف المتّبع للغة الأم واللهجات العربية الحديثة وهي بمثابة لغة أم العرب، وهل إمكانية الفهم متوفرة لدى الناطقين العرب بمختلف اللهجات، وحول تنقيط القرآن وتشكيله؛ ترجمة الكتاب المقدس أو أجزاء منه إلى العربية.

أبو شقرا لبناني الأصل من عماطور الشوف، حاصل على شهادتي ماجستير، واحدة من من جامعة لوند والثانية من جامعة غوتنبرغ بالسويد عام ١٩٧٢. ربّما كان السيّد أبو شقرا أوّل عربي لبناني يدرّس العربية للأجانب في جامعات السويد وفنلندا وإستونيا منذ بداية ستينات القرن الفائت وحتى تقاعده. هذه هي عناوين الكتاب باللغات الأربع:

|* Arabic An Essential Grammar (Routledge: London, New-York) December 2018 (475 pp.).

* Arabische Grammatik mit Übungen (Buske – Hamburg) December 2017 (436 pp.).

* Arabiska Grammatik med Övningar (Studentlitteratr – Lund) New print 2017 (553).

* Arabiaa Kielioppia ja Harjoituksia (Gaudeamus - Helsinki) new revised edition February 2018 (466 pp.).

في ما يلي أسجّل ملاحظاتي وانطباعاتي حول الطبعة الفنلندية التي كانت في متناول يديّ، ولكن قبل ذلك أود أن أشير إلى أن أبا شقرا قد عمل جاهدًا على تأليف هذا الكتاب التعليمي سنواتٍ طويلة في خلال تدريسه العربية في جامعة هلسنكي وصدرت باكورة ذلك في ما بين ستينات وسبعينات القرن الماضي. ومن الأسماء التي حملها هذا الكتاب: العربية حول العالم، ٢٠٠١ وطبعة ثالثة عام ٢٠٠٤؛ العربية عبر الحدود عام ٢٠٠١ وطبعة ٣، عام ٢٠٠٤. الغاية من هذا الكتاب عرض أُسس قواعد العربية الفصيحة المعاصرة (المعيارية، MSA) ومعجمها الأساسي. وممّا يلفت النظر في مقدّمة الكتاب قول المؤلف بأنّه على ضوء تجربته فإنّه من الأسهل للطالب الذي يدرس أوّلًا قراءة العربية المكتوبة أن يتعلّم لاحقًا اللغة المحكية، أمّا العكس فيكون أصعب. في تقديري هناك نظر في هذه الفكرة ولا بدّ من إجراء أبحاث في الموضوع، إذ أنّ الحالة الطبيعية لدى الناطقين بالضاد هي، كما هو معروف، بالعكس، أوّلًا لهجة ما فاللغة المعيارية لغة التراث المكتوب ولغة القومية العربية.

بين دفّتي هذا الكتاب تسع وثلاثون فصلًا منها: الحروف الأبجدية/ الهجائية/ الألفباء أو حروف المباني والحروف الأبتثية والنقحرة بحسب الطريقة العالمية (International Phonetic Alphabet, IPA)؛ لفظ الصوامت؛ الحركات القصيرة والطويلة؛ همزتا القطع والوصل؛ أل التعريف؛ الحروف الشمسية والقمرية؛ حتّى (وقد قال العرب: حتحتت نفوسنا من حتّى)، الإضافة، المفرد والمثنى والجمع؛ الأصل؛ الضمائر؛ الفعل المجهول؛ جمع التكسير؛ الممنوع من الصرف، النسبة؛ الصفة؛ إنّ وكان وأخواتهما؛ الاسم الموصول؛ المضارع بحالاته الثلاث، الرفع والنصب والجزم؛ الفعل المهموز الفاء؛ الفعل المعتلّ-المثال، الأجوف، الناقص، اللفيف؛ العدد؛ أيّام الأسبوع وأشهر السنة؛ الاستثناء؛ أفعال التعجب؛ الحال؛ التمييز؛ الشرط. في الصفحات الأخيرة ٤٥٨-٤٨٧ قوائم تصريف لعيّنة من الأفعال الصحيحة والمعتلّة وفق الأوزان العشرة الأولى: فَعَل/فَعِل/فعُل، فعَّل، فاعلَ، أفعل، تفعّل، تفاعل، انفعل، افتعل، افعلّ، استفعل .

تمّ عرض قواعد اللغة الأساسية بصورة واضحة ومبسّطة عبر أمثلة جيّدة والترجمة إلى الفنلندية سليمة ودقيقة في الغالب الأعمّ، والشكر موصول إلى المترجمين، بيرتل تِكّنن وپِكّا لهتينن، اللذين عملا سوية مع المؤلْف أبي شقرا. يبدو أن الهدف الرئيس من مثل هذه الكتب هو تعليم أُسس قراءة نصوص بسيطة في العربية المعيارية الحديثة واكتساب مفردات أساسية لتكون المدماك الأوّل في متابعة الدراسة المعمّقة والشاملة. وممّا يجدر ذكره وجود شريط مسجّل CD وهذا أمر في غاية الأهمية لتوضيح وتعليم اللفظ السليم والتدرّب عليه. وقد أحسن أبو شقرا صُنعًا في إضافة نقحرة للأمثلة العربية في النصف الأوّل من الكتاب، حتى ص. ٢٤٣. قد يكون من الأفضل لو رتّبت فصول الكتاب بشكل مختلف قليلًا، مثل تقديم فصل على آخر مثل تقديم فصل الضمائر المنفصلة، فصل ١٥. المتمعِّن في هذا الكتاب يلاحظ قلّة التمارين، حوالي الثلاثين تمرينًا فقط، لا سيّما وأنّ الكتاب يُعنى بالقواعد وبالتمارين عليها. ويذكر أنّ طبيعة التمارين واحدة وهي الترجمة من الفنلندية إلى العربية وكان من المفروض تنويع التمارين صرفا ونحوا.

هذه قائمة باقتراحات وبما وجدته من هفوات وأخطاء حبّذا تصحيحها في طبعة قادمة وهي وَفق ورودها في الكتاب.

١) إضافة الحرف التاسع والعشرين ”لا“، ص. ١١.

٢) إضافة قيمة الحروف بحسب حساب الجُمّل.

٣) كان من الأجدى الإتيان بكلمات متداولة مثل أسماء الأشخاص وكلمات شائعة جدا من أجل تعليم الحروف، ص. ٢٠-٢٣.

٤) معنى ”حَسُن“ لا يعني ”كان حسن المنظر“ فقط، ٢٤ وكذلك ”كرُم“ ص. ٢٧؛ شهيّا، ص. ٣٤، طبعًا، ص.٣٥؛ سحابا ص. ٤١، دجاجا، ص. ٤١؛ شهور، ص. ٤١؛ إلحاح، أصلعُ، ص. ٥٠؛ دجاجة، ص. ٧٥؛ ركب، ص. ٧٦؛شتمني، ص. ١٤٤،١٩٣؛ شجر، ص. ٢١٦.

٥) ”صَلَب“ لا يُلفظ بالتقريب مثل ṣolobo، ص. ٢٥.

٦) ”فَرَغَ“ لا ”فَرِغَ“؛ ”عَطِشَ“ لا ”عَطِشً“، ص. ٢٧.

٧) نقحرة ”طَبَعَ“ مغلوطة، ص. ٢٨ وكذلك ”حظًّا“ ص. ٣٥، ظروف، ص. ٤٢.

٨) حبّذا لو أضيفت أفعال شائعة مثل: كتب، قرأ، فهم، ذهب، سأل، عرف، أكل، شرب، شكر، عمل، ص.٢٧-٢٩.

٩) الأسماء بدون سياق تأتي عادة بحالة الرفع، ص. ٣٢-٣٣.

١٠) ”دنا“ بالأف الطويلة لا ”دنى“ بالألف المقصورة، ”طباشيرُ“ لا ”طباشيرٌ“، ص.٤٢؛ خوارجُ لا خوارجٌ، فوارقُ لا فوارقٌ، زوارقُ لا زوارقٌ، وزن فواعلُ ممنوع من الصرف، ص. ٤٣؛

١١) ”هاجر“ لا ”هجر“، ص. ٤٣؛

١٢) لماذا فجأة أحرف كبيرة في كلمتين فنلنديتين في أعلى ص. ٣٥ وفي أسفل ص. ٤٨.

١٣) ”نبّأ“ بدلًا من ”نبّه“، ص. ٤٩.

١٤) الأسماء الخمسة، الصواب: الأسماء الستّة، ”هن“ هو الاسم السادس ومعناه عضو الأنثى التناسلي، ص. ١٠٣.

١٥) ”طويل اللسان“ و”الثرثار“ ليستا مترادفتين، ص. ١٠٦.

١٦) هل هذه الاستعمالات سليمة في العربية المعيارية الحديثة: مسافرون غدًا في عطلة قصيرة، الشرطيان الجديدان غير مخلصين للقانون، ص. ١١٩؛ ذهبت الطالباتُ في رحلة إلى القلعة، ص. ١٣٣، ١٤٩؛ ذهبتُ أمسِ برحلةٍ مع يوسف، ص. ٢٣٣؛ … أن يكون هذان المشروعان سيؤثران على…، ص. ٣٣٤.

١٧) ”بريديةً“ بالنصب لا ”بريديةٍ“ بالكسر، ص.١٣٣.

١٨) كان من الضروري ذكر ستّة أوزان الفِعل الثلاثي المجرّد وصعوبة معرفة حركة عين الفعل قياسا:

فتحُ كسرٍ فتح ضمٍ فتحتان               كسر فتح كسرُ كسر ضمّتان، ص. ١٧٨

١٩) ”الكأس“ مؤنّثة، و”كِسْرة، كِسَرات أو كِسْرات“، ص.١٩٠.

٢٠) ”لهم“ عائدة لمن؟، ص. ١٩٠.

٢١)”بُعِدَ“ أم ”أُبْعِدَ“، ص.١٩٣.

٢٢) جرؤ على، ص. ٢١٠.

٢٣) ”طافتِ الأنهر“ بمعنى فاضت؟، ص. ٢٢١.

٢٤) ”يوسف“ لا يحتوي على أكثرَ من ثلاثة صوامت!، ص. ٢٢٧.

٢٥) ”أشياءُ“ ممنوعة من الصرف لأنّها هكذا وردت في القرآن، ص. ٢٣١. المائدة ١٠١ ”يأيّها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياءَ إن تُبْدَ لكم تسؤكم“؛ وقد علّل منع لفظة ”أشياء“ من الصرف بطرق شتّى منها: ”أشياء“ مختوم بألف تأنيث مدّية زائدة؛ إنها على زنة فعلاء وأصلها شيئاء عند الخليل وسيبويه والجمهور؛ إنها على وزن أفعال ومنع الصرف للتوهّم بأنّ الهمزة للتأنيث، عند الكسائي؛ منعًا لتوالي الصوت -إنْ مرّتين في الآية أعلاه: أشياءٍ إنْ.

٢٦) ”ألعاملُ“ لا ”ٱلعامل“، ص. ٢٣٨.

٢٧) ”أعلمتمُ الطاقِمَ“ لا ”أعلمتمْ الطاقِمَ“، تفاديًا لاجتماع ساكنين متتاليين، ص. ٢٦٤.

٢٨) ”الِاجتماعات“ لا ”الإجتماعات“، ص. ٢٨٢، الإتفاقية، ص. ٣٤٢.

٢٩) ”يحضُرُ“ لا ”يحضَرُ“، ص. ٢٩٤.

٣٠) ”...الشعوب عندما يتعلمون لغاتِ بعضهم“؟!، ص. ٢٩٤

٣١) ”ٱغسل“ ولا ”إغسل“، ص. ٣١٧.

٣٢) ”تُحِبُّني“ لا ”تُحِبَّني“، ص. ٣١٨.

٣٣) إضافة الفعل ”أمر“، ص. ٣٢٩.

٣٤) ”اللاجئين“ لا ”اللاجئن“، ص. ٣٣٥.

٣٥) يُكتب الجذر/الأصل/السنخ بدون حركات: وجه، ودع، ورم، وجع، وجد إلخ، ص. ٣٤١، ٣٤٢ إلخ. زور وليس زار، ص. ٣٥٢؛ قوم، ص. ٣٦٥؛ جوز، ص. ٣٨٧.

٣٦) يساعد على/في لا لـ، ص.٣٤٣.

٣٧) بدّل/استبدل بدلا من بدل، ص. ٣٥٢.

٣٨) من الأفضل استعمال ”السِّياقة“ بدلًا من ”السَّوْق“ فالصيغة الأولى شائعة على الألسن.

٣٩) ”فأوقفته دورية من الشرطة فسألوه عن الرخصة“، لم لا ”فسألته“؟

٤٠) ”...أنا لستُ آتيًا...“ كان من المحبّذ استبدال هذا التعبير الفصيح بآخرَ عاديّ يتناسب مع السياق مثل: لن أحضر إلخ. أو أعتذر إلخ.

٤١) ”مِن“ لا ”مِنْة“؛ ”لَهُ“ لا ”لِهُ“ ص. ٣٦٧.

٤٢) من الأفضل القول ”مشيتُ مسافة طويلة“ بدلًا من ”ذهبتُ مسافة طويلة على الأقدام“، ص. ٣٦٧.

٤٣) لم لا تستعمل اللفظة المألوفة ”المَعْذِرة“ بدلًا من ”المعذَرة“ ؟، ص. ٣٦٨.

٤٤) ”أَحَدٌ“ لا ”أَحَد“، ص. ٣٧٠.

٤٥) ”صَفِرَ“ لا ”صَفَر“ فالأوّل من الصِّفْر والجذر الثاني من الصفير، ص. ٣٧١.

٤٦) لمَ لا تضاف إمكانية الكتابة الشائعة ”ثلاثمائة“ بجانب ”ثلاث مئة“؟، ص. ٣٧٨.

٤٧) ”وٱثنتين“ لا ”وٱثنين“، ”وألْقت“ أفضل من ”ورمت“، ص. ٣٨٥.

٤٨) ”قبل/بعد الميلاد “ معناه ”قبل/بعد التاريخ الميلادي وهو المعروف بـ ق.م. وم. ولا يعنى قبل/بعد عيد الميلاد، ميلاد يسوع المسيح“، ٣٩٩.

٤٩) ”يوم الِاثنين“ لا ”يوم الإثنين“، ص. ٤٠١.

٥٠) ”أم“ لا ”أو“، ص. ٤٠٣.

٥١) ”يؤدّيهما“ لا ”يؤدّيها“، ص. ٤٠٤.

٥٢) أليس من الأفضل استعمال ”ألا“ بدلا من ”أليس“، ص. ٤٢٧؟

٥٣) أليس من الأفضل استعمال ”ألا“ بدلا من ”أليس“، في الجملة: أليس يوجد في الجامعة من هو أجدر منك…، ص. ٤٢٧؟

٥٤) أليس من الأفضل استعمال ”لإقلاع“ بدلا من ”حتّى تطير“، في الجملة: ”لم يزل (هناك) بعض الوقت حتّى تطير الطائرة…، ص. ٤٢٧؟

٥٥) ”أَيْمَتى“؟!، ص. ٤٣١.

٥٦) ”جِدًّا“ لا ”جِدًّ“، ص. ٤٣٣.

٥٧) ”للسفر/للركوب/لاستقلال“ بدلا من ”للذهاب“ في الجملة: ”أتاني ضيف فجأة وأنا أستعدّ للذهاب في سيارة أجرة كانت تنتظرني في الخارج“، ص.٤٤٠.

٥٨) ”غيابه عن“ لا ”غيابه“ من، ص.٤٥٤.

 

حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

100 نعومي تشومكييعد البحث في الفكر السياسي عند تشومسكي من الموضوعات المهمة؛ وخاصة إذا ما علمنا أن تشومسكي في بداية شهرته امتاز بكونه عالم لغويات وليس فيلسوف سياسي؛ ولكن اهتمامه بالسياسة هي ما استدعت منه البحث فيها؛ وتناولت عدة كتبه فيما بعد الكثير من الأفكار السياسية؛ وأصبح منذ حينها أحد أقطاب الفلسفة السياسية المعاصرة.

انهمك الباحث "مصطفى مرشد" في كتابه "الفكر السياسي عند نعوم تشومسكي"؛ والذي هو بالأساس رسالة ماجستير قد أنجزها في جامعة القاهرة تحت إشراف د. حسن حنفي؛ إلى توضيح أهم الأفكار السياسية لدى تشومسكي؛ ويعرف عنه بكونه أكثر المفكرين تأثيراً في العالم؛ وذلك لنقده الجريء للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية. ونلاحظ أن الباحث قد غاص عميقاً في تحليل ونقد طروحات تشومسكي السياسية؛ لأجل إظهار وكشف زيف السياسة الأمريكية التي تكيل بمكيالين.

وفي هذا يسعى تشومسكي إلى فكرة جديدة في ميدان الفلسفة السياسية؛ وهي ربط السياسة باللغة؛ وهذا الربط لا نراه عند أي فيلسوف عداه؛ ويرجع ذلك إلى كونه عالماً في اللغويات واهتمامه بالسياسة؛ خاصة إذا علمنا أن هذين الميدانين اللذين أهتم بهما يرجع إلى بيئته المنزلية؛ فوالده كان عالم لغويات وكتب في اللغة العبرية؛ ووالدته كانت مهتمة بالأحداث السياسية؛ وكثيراً ما كانا يتناقشان عندما يتناولون الأكل. فالربط الذي قام به تشومسكي نتيجة أن الايديولوجيا المختلفة الذي يصوغها علماء الفكر؛ تعتمد في مقامها الأول إلى القدرة البارعة في صياغة قوالب لغوية مؤثرة وفعالة. وتتلاعب السياسة الأمريكية بالمعاني اللغوية؛ كاستبدالها تسمية الاحتلال بتسمية الحماية. وبذلك يعدها تشومسكي دولة لا تزال خارجة عن قانون؛ بسبب الانتهاكات التي تقوم بها اتجاه الدول الضعيفة. ويعطي تشومسكي وصفاً للمجتمع الأمريكي بكونه مجتمعاً خائفاً عن طريق ضبط الولايات المتحدة لرعاعها.

ونلاحظ أن الباحث قد أهتم بوسائل الإعلام من خلال طرحه لأفكار تشومسكي؛ لأن وسائل الإعلام الأمريكية تنادي بشعارات من قبيل الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة والسلام للعالم؛ ولكن الباحث يرى أن تشومسكي يعد حقيقة هذه الشعارات ليست نبيلة كما يتصورها الكثيرين؛ بل إن حقيقتها تكمن من أجل شن الحروب ضد الآخرين.

وحملت دراسته إشكالية؛ وهي: هل هناك اتساق بين ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية وما تروج له من خلال مؤسساتها الرسمية؟ إذ انبثقت هذه الإشكالية من عدة تساؤلات لدى الباحث؛ أهمها: مفهوم كل من الدولة المارقة والدولة الفاشلة؟ وهل الولايات المتحدة دولة مارقة أو فاشلة؟ هل تعد المبادئ في النظام العالمي الجديد مبادئ لتحقيق أهداف نبيلة أم ذرائع من أجل السيطرة والهيمنة؟ وغيرها من التساؤلات.

ومن أجل التحقق من هذه الإشكالية ومحاولة الإجابة عنها؛ عمد الباحث إلى وضع خطة فلسفية؛ اندرجت تحت أربعة فصول.

الفصل الأول كان بعنوان: "جدل اللغة والسياسة"؛ ويرى الباحث في هذا الفصل أن تشومسكي أخطى خطوة جريئة في مجال اللسانيات؛ وهي إدخاله دور العقل في العملية اللغوية؛ وهو بذلك أعاد الاعتبار للذات الإنسانية التي طالما استبعدتها اللسانيات البنيوية. وعلى الرغم من اشتغاله في اللغة؛ فكما قلنا قد استهوته السياسة.

الفصل الثاني والذي حمل عنوان: "الدولة والنظام العالمي: تصنيف الدول واسترتيجيات الهيمنة العولمية"؛ ويتطرق الباحث في هذا الفصل إلى الأهداف الحقيقة التي تكمن وراء قيام نظام عالمي جديد من وجهة نظر تشومسكي؛ وكما تطرق إلى الدولة عنده وموقفه منها في ظل السياسة الخارجية الامريكية وفي إطار النظام العالي الجديد الذي أصبحت فيه بعض الدول مارقة وأخرى فاشلة.

وفي الفصل الثالث الذي كان عنوانه: "الإرهاب بين النقد والنقد المضاد"؛ عرض الباحث في هذا الفصل إلى تعريف الإرهاب بصورة عامة وإلى تعريف تشومسكي للإرهاب؛ فالإرهاب بصورة عامة يعرف على أنه «استخدام العنف بأشكاله المختلفة كالاغتيال والتشويه والتعذيب والتخريب والنسف؛ بغية تحقيق هدف سياسي معين مثل: كسر روح المقاومة والالتزام عند الأفراد؛ وهدم المعنويات عند الهيئات والمؤسسات؛ أو كوسيلة من وسائل الحصول على معلومات أو مال؛ وبشكل عام استخدام الإكراه لإخضاع طرف مناوئ لمشيئة الجهة الإرهابية»؛ وأما تشومسكي يتبنى تعريفاً للإرهاب الموجود في كتيب للجيش الأمريكي؛ ويعرفه بأنه «الاستخدام المحسوب للعنف أو للتهديد بالعنف بغية تحقيق أهداف سياسية؛ أو دينية أو أيديولوجية من حيث الجوهر؛ وذلك من خلال التهويل؛ أو الإكراه أو بث الخوف».

وأما الفضل الأخير حمل عنوان: "الدعاية وصناعة الحقيقة"؛ ويرى الباحث أن الإعلام قد شغل حيز كبير من كتابات تشومسكي؛ إذ خصص له العديد من المؤلفات والمقالات والحوارات التي أجراها؛ وكان سبب اهتمامه بالإعلام هو بحثه عن مدى صحة ما تنقله لنا وسائل الإعلام؟.

وتوصل الباحث إلى عدة نتائج في نهاية دراسته حول "الفكر السياسي عند نعوم تشومسكي"؛ أهمها:-

هناك علاقة واضحة بين الجانب اللغوي والجانب السياسي في فكر تشومسكي؛ ويتمثل ذلك من خلال الطبيعة البشرية التي جبلت على التحرر.

توضيح الغموض الذي يشوب مفهوم الإرهاب ومعرفة الصانع الحقيقي له؛ وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بتصدير ودعم الإرهاب بشقيه الفكري والعسكري.

علماً أن الكتاب نشر لدى دار قناديل للنشر والتوزيع؛ في بغداد – شارع المتنبي؛ في 2018.

 

محمد حسن فيصل

 

 

99 سعد ياسين يوسفصدرت حديثا في دمشق المجموعة الشعرية السادسة للشاعر الدكتور سعد ياسين يوسف بعنوان (أشجارٌ لاهثة ٌفي العَراء) وضمت (48) نصاً شعرياً قدم لها الشاعر بالقول: (كلُّنا أشجارٌ لاهثة ٌ في عَراء الأسئلة).

وتناولت المجموعة التي اتخذت العنونة من إحدى قصائدها، حزن الإنسان وحيرته إزاء الأسئلة الكونية التي تواجهه وهو يعيد ترتيب الإجابة - بلا جدوى - عما يحصل له تاركة إياه في دوامة اللهاث في صحراء المعنى، مغادرا سلامهُ الروحي قسراً إلى خيمة ممزقة تعبث بها رياح الحروب والقتل والسبي والتهجير والنزوح والهروب الدائم من الموت .

ومن بين عناوين قصائد المجموعة التي صدرت عن دار أمل الجديدة (عشبة السماء، عيون الصّبّار، شجرة العروج، شجرة القصيدة شجرة المفاتيح، شجرة كربلاء -2، هديل الوردة العالية، حادث دهس ليلي، عصافير ميتة، أغصان عارية، شجرة الإنتظار، شجرة الابتسامة ،لاضير في حلم، ومكابدات خيمة).

يُذكر أنَّ الشاعر سعد ياسين يوسف الذي اعتمد الأشجار رمزا وسعى إلى أنسنتها في تجربته الشعرية كان قد أصدر خمس مجاميع شعرية هي: قصائد حب للأميرة ك ،شجر بعمر الأرض، شجر الأنبياء، أشجار خريف موحش، والأشجار لاتغادر أعشاشها .

 

المثقف / أحمد فاضل

 

101 التفسر الروائيصدر في أربيل - العراق - المجلّد الثاني من تفسير (التحليل الروائي للقرآن الكريم) للروائي السوري عبد الباقي يوسف متضمناً سورتَي (الأنعام – الأعراف)

وقد قع هذا المجلّد في 691 صفحة. وكان المجلّد الأول قدر صدر سنة 2016 متضمّناً سور (الفاتحة، البقرة، آل عمران، النساء، المائدة).

يتميّز هذا العمل بحداثة الطرح، وأنّه يقدّم القرآن تقديماً حديثاً وجريئاً، مستوعباً المُنجَز البشري الحديث، والتغييرات الاجتماعية التي وقعت وفق هذا التقدم التقني الذي حقّقته البشرية.

ومن الجوانب التي يشتغل عليها المؤلف في مشروعه الذي بدأه سنة 2013 ، التركيز على كيفية تجدّد القرآن الذي لا يمكن لأي تقدّم بشري أن يحيله إلى شيء من الماضي، بل على العكس، فإن كل تقدّم بشري، يزيد القرآن حضوراً وتفاعلاً في صلب الواقع الجديد. رغم أن بعض خطوات التقدّم الكبرى تحيل أشهر الكتب إلى شيء من الماضي، ومن ذلك بعض أمهات كتب التفسير، والفقه، والآداب الإنسانية.

يتناول هذا العمل بدقّة فائقة كينونة العلاقة بين تفاصيل وقائع الحياة اليومية للمجتمعات البشرية، وبين الآيات القرآنية، فيدخل القارئ إلى تلك الأجواء بلغة روائية حتى يتحسّس بأن الآيات تتنزّل للتو، وأن البدائية البشرية ما تزال موجودة تسري في الدم البشري من إنسان إلى آخر، مهما تقدّم الزمن، مهما خطا الإنسان خطوات حضارية. ولذلك نرى بأن تلك الأسباب التي تسبّبت في التنزيل، تتكرّر وتتجدّد وهي تحمل معها رائحة التنزيل الذي تسبَّبَت فيه، ذلك أن التنزيل لم يكن على أشخاص بعينهم، بل على أفعال الأشخاص، سواء أكانت هذه الأفعال سلباً، أو إيجاباً، وحَفَدة الإنسان يمارسون تلك الأسباب في وجهَيها السلبي والإيجابي.

كذلك يتميّز هذا العمل بلغته الأدبية، وتقنياته الفنّية العالية، وبنزعات إنسانية متقدّمة. وبذلك فهو يعتمد على المخيّلة الروائية، دون أن يلتفت كثيراً إلى القيل والقال كما الشأن بالنسبة لكثير من كتب التفسير التي تكون أحياناً مكرّرة عن بعضها البعض ، فذلك قد قيل وكفى كما يبيِّن المؤلف في هذا العمل، وهو بذلك يكون عملاً أدبياً إبداعياً يقدّم للقارئ أفكاراً جديدة لم يقرأها من قبل في كتب التفسير السابقة.

يُعنى هذا العمل بجوهر العلاقة بين الإنسان والله، حيث يكون الله أكثر قرباً من الإنسان كلّما كان الإنسان أكثر قرباً من إنسانيته، وأكثر بعداً عن الإنسان كلما كان الإنسان أكثر بعداً عن إنسانيته.

ويبدو الجهد جلياً في هذا العمل حيث يتناول المؤلف الآيات القرآنية آية آية على حدة، ويجعل لذلك محاور، كل محور يضعه في باب يحمل عنواناً يشير إلى المحور الذي يتم تحليل الآية ضمنه.

وقد جعل سورة الأنعام في ثمان وثلاثين باباً، وسورة الأعراف في أربعين باباً.

 

 

96 نايات الحنين

عن دار الحديث للطباعة والنشر في عسفيا، صدرت المجموعة الشعرية النثرية الجديدة للشاعرة الجليلية نجاح داوود كنعان، المقيمة في طمرة.

جاءت المجموعة في ٩٠ صفخة من الحجم المتوسط، وضمت بين دفتيها ٥٢ صفحة من الحجم المتوسط، وصمم غلافها الفنان التشكيلي ب. الهيجاوي، وأهدتها الى زوجها الذي دعمها وشاركها خطوات الانجازات التي حققتها.

قدم للمجموعة كاتب هذه السطور شاكر فريد حسن، ومما قاله: " الحب والحنين، الأرض والخصب، التراب والوطن، النفي والموت، الشجر والميلاد، التحمت نجاح فأسكنها الشعر، وأسكن الشعر فيها قلادة عطر نسغًا لحلم وردي وحياة للعنادل والسنابل الفلسطينية التي تطلق زغاريد الفرح والحرية بالدم والحناء، وبلغة الموت والشهادة".

أما الشاعر الفلسطيني باسم الهيجاوي فكتب على الغلاف الأخير: " تتوهج الفكرة الشعرية من بين ثنايا هذه الكلمات التي تزاوج النثر بالشعر .. فتعزف على نايات الحنين نشيد المشاعر التي تاثت وتتوق للحظة دفء .. وتنطر غيم السماء ليروي ظمأ الأرض .. فتعود الطيور الى أعشاشها بعد أن شابها النأي .. وينبت العشب من بين الصخور .. وتصدح شبابة الراعي .. فتصحو الطيور من بقايا نومها .. لتغني أناشيد الحياة .. أتمنى للكاتبة مزيدًا من الخطى التي تدرك أين تضع أقدامها لتعزف على نايات الحنين أغنية بلون الربيع الدائم ".

" نايات الحنين " نصوص تموج بالأحاسيس، ولغة عذبة جميلة في جمال الأحاسيس الشعرية، تتدفق من بين كلماتها أحلامها الأنسانية، قبل أن تكون شاعرة، وما الشعر الا بوح ونبض الروح. ونجد فيها تأملات ورؤية ورؤى فكرية وحلمًا ووجدانًا وزومانسية وانتماءً.

تقول نجاح في قصيدة " اتسألني من أنا ":

أنا الشوق الممتد الى عمق الجوانح

يشتد بالجوى..

أنا الغصن الأخضر الذي ما انحنى

أنا الزهر والسنا ...

أنا زنبقة بيضاء..

وحرفي ياء .. وباء ..

حروف تعشق الهناء

أنا أهزوجة الفلاح في ليل التعب .

ينشد الأمل القادم ..

أنا الحمام الحائم

أنا السوسن بربيع لا يفتى ..

وعنه لا غنى

قيثارة أوتارها

تنعش القلب ..

ياقوتة أنثى

نجمة يشع بريقها

طفلة تلهو في ظل نخلة

جذورها في الأرض ..

وطلعها في السماء .

" نايات الحنين " يضيء شعرًا ويوحًا جميلًا وحسًا مرهفًا وروحًا دافئة، ونجاح داوود كنعان شاعرة رقيقة تخافظ عبر قصائد مجموعتها على اسلوب شفاف وعفوي ورونق مميز مليء بعيق وعطر شعري خاص بها، بروح شاعرية رهيفة متوثبة.

فأحر التهاني للصديقة الشاعزة نجاح داوود كنعان، بصدوز مجموعتها الجديدة " نايات الحنين "، وبالتوفيق الدائم والبوح المميز الجميل .

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

94 التجاني بولعوالي"هل تحمل العولمةُ "فوبيا" ما للإنسان والكون أم أن ذلك محض توهّم يسكن ذوات وأفكار وواقع العديد من المسلمين المعاصرين؟" بهذه المساءلة الإشكالية العميقة يدبج الباحث المغربي المقيم في بلجيكا التجاني بولعوالي كتابه الجديد المرسوم ب: المسلمون و"فوبيا" العولمة، الذي صدر السنة الجارية عن دار مقاربات للنشر والتوزيع، وهو يحاول تفكيكها من منطلقات متعددة وعلى أصعدة مختلفة، معتقدا أن ظاهرة العولمة تعتبر بلا شك من القضايا المعاصرة التي تتخذ طابعا إشكاليا جراء تداخل مختلف العوامل التربوية والسوسيو- ثقافية والسياسية والاقتصادية في بلورتها، وقد أفاض الباحثون شرقا وغربا في معالجة ملابساتها وتداعياتها على الفرد والمجتمع.

ويذهب بولعوالي إلى أن ما يسترعي النظر، لا سيما في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، أنه عادة ما يتم اجترار رؤى بعينها تكرر ما أنتجه السابقون، سواء في الغرب أو في العالم الإسلامي، وتكاد مواقف المفكرين والمثقفين العرب والمسلمين تجمع على رفض ظاهرة العولمة، تحت ذريعة الخوف من هيمنة الأنموذج الثقافي الغربي على حساب الهويات المحلية والأصلية، ومنها الهوية العربية الإسلامية. وهي تشكك بذلك في مسألة العولمة دون التمييز الموضوعي بين إيجابياتها وسلبياتها، بين محاسنها ومساوئها، وبين ما هو إنساني مشترك فيها وما هو إيديولوجي ضيق، وتلتقي في هذا الرفض التيارات العلمانية والإسلامية واليسارية، حيث غالبا ما تُقدم العولمة بمثابة اختراع أمريكي قح، تسعى من خلاله الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها إلى قولبة العالم حسب قيم (ما بعد) الحداثة الأمريكية المناوئة لما هو ديني وتقليدي، في حين أن العولمة نتاج إنساني مشترك ساهمت في إرسائه شتى الثقافات والأديان عبر مختلف أحقاب التاريخ الإنساني .

ويرى بولعوالي ان العالم صار اليوم مفتوحا على جميع الأشكال الدينية والثقافية والإيديولوجية، حيث تكاد تتلاشى الحدود التقليدية أمام غزو الإعلام الفضائي والرقمي، ولا يمكن مواجهة هذا الزحف العولمي بالتقوقع والانطواء على الذات، بل بالانفتاح البنّاء والحضور المتنوع قصد ترسيخ مقومات الهوية الخاصة لدى الأجيال الصاعدة، لا سيما في المجتمعات الغربية التي يعيش فيها ملايين المسلمين والأجانب، وتوفر فلسفة التعددية وحوار الثقافات إمكانية التوفيق بين عناصر الهوية الأصلية ومقتضيات السياق التعددي الجديد.

ويتضمن هذا الكتاب مجموعة من البحوث والدراسات التي اشتغل عليها الباحث التجاني بولعوالي طوال الأعوام الأخيرة، ويمكن تقسيمها الى صنفين، أولها شارك به في بعض المؤتمرات والندوات العلمية، فكان محط نقاش بناء بين العديد من الباحثين والخبراء والاعلاميين ساهم في شحذ أفكاره وتوسيع آفاق المقاربة التي يتبناها الباحث. والصنف الآخر نشره في شكل مقالات ودراسات مستقلة في مجموعة من المنابر الرقمية والورقية، وذلك إسهاما منه في إغناء المشهد الفكري الإسلامي بمواقفه تجاه مختلف القضايا التربوية والاخلاقية والثقافية والسياسية الهامة، وتفسيراته لجملة من النوازل والمستجدات ذات البعد المحلي أو الكوني. وهذا يعني أن الكتاب يعيد قراءة التراكم المعرفي، الذي سبق للباحث أن أنجزه بكيفيات متنوعة، بغرض تنسيق أفكاره وعناصره بشكل متناغم، ويقتضي ذلك تارة البحث المعمق (من جديد) في بعض المسائل المطروحة سواء معرفيا أو منهجيا، وتارة أخرى إعادة كتابة العديد من الفقرات والمباحث بصيغة تناسب الرؤية الشمولية التي يحملها هذا الجهد المعرفي.

وتشكل العولمة، لا سيما في تجلياتها السالبة في المخيال الشعبي والفكري الإسلامي، البؤرة التي تتشعب منها أفكار وتأملات وتفسيرات الكتاب حول القضايا، سواء التي تتقاطع مع العولمة؛ استمدادا إيجابيا أو استلابا سلبيا، أو التي تتداخل فيما بينها؛ بنيويا أو عرضا. وتأتي على رأسها قضايا الدين، الهوية، التربية، اللغة، التنمية، الاعلام وغيرها. والمقصود بالاستمداد الإيجابي أن تأخذ أو تقترض من الآخر جملة من الآليات والمعارف بشكل عقلاني ومتوازن دون الوقوع في آفات الانجرار والاستلاب والذوبان. في حين يُراد بالاستلاب السلبي التخلي عن المقومات الهوياتية والثقافية والأخلاقية الأصلية لصالح ما هو دخيل، ما يفضي إلى ترسيخ التبعية للآخر وتقليد الغالب بالمفهوم الخلدوني.

أما التداخل البنيوي فيشير إلى طبيعة العلاقة الوثيقة والمطّردة بين بعض المكونات، كما هو الشأن بالنسبة للهوية في علاقتها بالدِّين والتربية التي تتخذ طابعا بنيويا ثابتا. في مقابل ذلك، تبدو العلاقة بين الهوية والإعلام في الغالب الأعم عرضية، ما دام أحدهما لا يقتضي حضور الآخر بالضرورة، فالهوية قائمة في كل الأحوال في انفصال عن الإعلام، والإعلام نفسه لا يحتاج الى الهوية لكي يستمر في وظيفته وسيرورته.

وهكذا يواصل بولعوالي مساره الفكري بهذا الإصدار الجديد الذي يضاف إلى جملة من المؤلفات التي أغنى بها المشهد الفكري العربي والإسلامي منذ حوالي عقدين من الزمن، مثل: المسلمون في الغرب، الإسلام والأمازيغية، وصورة الإسلام في المقاربة الأكاديمية الهولندية، والإسلاموفوبيا، وغيرها.  

 

محمد البندوري1- قراءة في العتبة: فبغض النظر عن جانب الشكل الذي يظهر فيه عنوان هذا الكتاب قويا في بروزه بينما نجد اسم المؤلف صغير الحجم في أسفل الغلاف دالا على نكران الذات على عكس ما هو وارد في أغلب الكتب التي تجد فيها اسم المؤلف طاغ على العنوان. هذا ناهيك عن الألوان المستعملة في الغلاف والتي لها دلالات، وتوحي بالكثير. إلا أنه من حيث المضمون فإن العنوان يكتسي أهمية وبعدا أساسيا في الدراسات الأكاديمية، حيث يكون العنوان أحيانا أكبر من الموضوع، وأحيانا أخرى يكون الموضوع أكبر من العنوان، وهو ما يجعل التساؤل يطرح إزاء هذا الكتاب:

هل العنوان الذي بين أيدينا أكبر من الموضوع أم إن الموضوع أكبر من العنوان؟

أم أن هناك توازنا بين الموضوع والعنوان؟

العنوان الذي نحن بصدده يحتوي مكونين أساسيين، يتجلى الأول في إشكالية الخطاب العلمي والثاني في النقد الأدبي العربي المعاصر.

وهو ما يجعلنا نلمس بأن هناك خطابا علميا يبحث عنه الكاتب في النقد الأدبي. إذ أن العنوان يحاول تجاوز الانطباعية والذوقية في النقد الأدبي العربي ليبحث فيه عن أسس الخطاب العلمي.

هذا الأخير الذي يقصد به الكاتب كل حديث يستبطن أو يعتمد العلم بنظرياته ومفاهيمه ومناهجه ومصطلحاته لإكساب نفسه الموضوع الذي يتحدث عنه طابع العلم.. (حسب تعبير الكاتب).

إلا أن العنوان لا يجزم بهذا الحضور العلمي ويعتبره إشكاليا، والإشكالية حسب تحديد المؤلف، مصطلح يوحي بالإشكال والاستعصاء على الحل..

2- المقدمة:

إن إشكالية إكساب النقد الأدبي طابعا علميا أدت إلى نسقين متمايزين هما:

- إمكانية إكساب النقد الأدبي الطابع العلمي في ارتباط يسعى كافة الحقول المعرفية والثقافية المتوخية لدرجة العلمية.

- ثم إمكانية إنتاج معرفة علمية بالأدب.

إحدى دراسته انفتحت على أزمنة نقدية عربية وغربية، حيث عرضت لاستطلاع آراء النقاد العرب القدامى، وبينت بأن جهودهم دعت إلى تقليص حدود الانطباعات والتأثرات في دراسة الشعر وإخضاعها إلى محاكمة منطقية.

ولذلك رأى الدكتور عبد العزيز كسوس " بأن نجاعة النقد تكسب من جدارة الناقد الذي يمتلك سلطة علمية تؤهله للفهم وللحكم دون غيره". وقد عمل النقاد المحدثون في الفضاءين العربي والغربي على استثمار مفاهيم العلوم الإنسانية ومناهجها في دراسة الأدب بغية تحقيق علمية النقد الأدبي من جهة، وإنتاج معرفة علمية بالأدب ظاهرة ونصوصا من جهة ثانية.

ولذلك يذهب الدكتور عبد العزيز كسوس إلى أن حداثة النقد الأدبي قد ارتبطت بانفتاحه على العلوم الإنسانية، لكن هذا الانفتاح عمق من الإشكالية، وذلك أن مصداقية هذه العلوم تطرح نفسها بإلحاح في مجال العلوم، مما جعل الكثيرين يدعون إلى استقلال النقد الأدبي عن العلوم الإنسانية. إن إشكالية الخطاب العلمي في النقد الأدبي العربي المعاصر تتأسس – حسب المؤلف – في البحث عن علمية النقد الأدبي وإنتاج معرفة علمية بالظاهرة الأدبية وبتجلياتها النصية. وهما أمران قد ارتبطا بالنقد الأدبي وبالتصورات النظرية والمنهجية ليرصد الإشكالية الثلاثية الأبعاد:

3- البعد التاريخي:

يكتسي التاريخ أهمية كبيرة في النقد؛ بحيث يمكن المتتبع من الوقوف على التيارات النظرية والمنهجية التي تؤسس للظاهرة الأدبية؛ وذلك مرورا بالإرهاصات الأولى ثم مرحلة التأسيس ووصولا إلى مرحلة النضج حيث يتبين للمتتبع الناقد معالم الممارسة النقدية والحقول التي سيقت منها الآليات والمفاهيم من أجل معالجة الظاهرة..؛ وقد سار الدكتور عبد العزيز كسوس على هذا النهج، إذ بعد محاولته التأريخ للشعرية، نجده يحاول التأريخ للنقد، ومعلوم أن الأستاذ الجليل قد بسط في كتابه : " خطاب علم النفس في النقد الأدبي العربي الحديث" محاولات بعض الباحثين في هذا المجال وأبدى ملاحظات هامة في هذا الصدد؛ وقد رأى الدكتور كسوس أن التاريخ يدل على البعد التراكمي للنقد الأدبي في فضاءيه العربي والغربي، ولذلك وجدناه في كتاب " إشكالية الخطاب العلمي في النقد الأدبي العربي المعاصر" يستعرض اللحظات التاريخية التي مرت منها العملية النقدية بما في ذلك اللحظة اليونانية ثم اللحظة العربية القديمة وصولا إلى اللحظة الحديثة والمعاصرة.

إن البعد الإشكالي في سؤال التاريخ يجعلنا بصدد مجموعة من التساؤلات، من قبيل:

- هل تاريخ النقد يخضع للبعد التراكمي أم لا؟

- ثم ما هي حدود التراكم في ظل اختلاف السينات الزمانية والمكانية بين اليونان والعرب والغرب؟

- أو بصيغة أكثر وضوحا: هل هذا التأريخ يجب أن يراعي الحوار بين الثقافات النقدية المختلفة؟ أن إنه يجب التركيز داخل كل بيئة على خصوصياتها النقدية؟

إن التأريخ للأدب قد طرح عدة مشاكل من قبيل العلاقة بين الأدب والتطورات أو الانتكاسات السياسية. فما هي ابعاد حضور أو غياب مثل هذا العنصر في التأريخ للنقد.

والملاحظ أن الهم المعرفي الكبير الذي ظل مسيطرا على أستاذنا – بعد مسألة التأريخ – هو الإشكالية بين النقد الأدبي والعلوم التي تقدم نفسها لمعالجة النص الأدبي، مع ما تطرحه الإشكالية من سمات بارزة أهمها المناهج والمفاهيم والآليات التي ينبغي قبولها كأساس لإضفاء الشرعية على علم الأدب، ليطرح السؤال الآتي: أي من هذه العلوم قادر على معالجة النصوص الأدبية دون الانزلاق في إيديولوجية المنهج أو المفاهيم الذاتية التي يفتخر بفعاليتها كل علم؟ تطرق الدكتور الكريم إلى ثلاثة علوم، بادئا بعلم النفس، معرفا إياه، ومحددا العلاقة بين الدراسات النفسية والنقد الأدبي ومميزا بين التحليل النفسي والنقد النفسي؛ ويرمي إلى مناهج النقد. وبعد ذلك انتقل الأستاذ الكريم إلى علم الاجتماع، ومعرفا إياه، ومحددا العلاقة بين النقد الأدبي وهذا العلم، نجد الأستاذ الفاضل يميل إلى النقد على حساب الدراسات الأدبية. كما أشار إلى مرحلتين في هذه العلاقة أولاهما مرحلة المقاربة الاجتماعية للأدب ثم مرحلة علم اجتماع الأدب إلا أن الطفرة النوعية التي بشرت بميلاد علم اجتماع الأدب ارتبطت خصوصا بورج لوكاتش وليوسبان كولدمان وميخائيل باخثين. وفي ثنايا هذا الطرح نجد الدكتور يطرح مجموعة الأسئلة من قبيل ما هي حدود حضور علم الاجتماع في النقد الأدبي، هل هو حاضر بكل نظرياته أم من خلال بعض الآليات والمفاهيم فقط؛ ويبدأ بالتحليل ليدخل إلى النقد ثم يميز بينهما. وانتقل الأستاذ الفاضل بعد ذلك إلى علم اللغة، فركز على عدة مناهج هي الأسلوبية والشكلانية والبنيوية الشعرية؛ ثم تطرق بعد ذلك إلى نظرية التلقي كمفهوم حديث لأن النقاد القدامى ظلوا مهتمين بالعلاقة بين النص والمؤلف، ولهذا عمل النقاد على إبراز مبررات الاهتمام بالمتلقي.

ومنها أن النص يكتسب صيغة الأدبية من خلال المتلقي؛ وأن كثيرا من النصوص اللغوية لم يعترف لها بالأدبية إلا عندما قرر المتلقي الاعتراف بها.

4- البعد النظري:

وفيما يتعلق بالبعد النظري، تحدث الدكتور عن أهمية التنظير في الممارسة النقدية وخصوصا في تحديد المفاهيم والبنيات والوظائف والغايات، كما تحدث عن النقد الأدبي والفن، مبينا أن العلاقة بينهما بطبعها التركيز على الذوقية والانطباعية في مجال النقد، والحالة هاته تثير أسئلة من قبيل: كيف ينظر إلى الانطباعية في النقد الأدبي، ثم هل العلوم التي اعتمدها النقد حلت إشكالية علمية النقد أم عمقتها؟

- وهل احتفظ النقد على خصوصياته في التمييز بين طبقات الأدب أم أنه أخضع لخصوصيات العلوم الإنسانية أو بصيغة أدق خضع لأيديولوجياتها؟

كما أشار الأستاذ الجليل إلى النقد الأدبي والعلم، فتطرق إلى مشكلة العلمية في العلوم الإنسانية وهل يمكن قبولها كسند قوي لإكساب الطابع العلمي على النقد الأدبي.

وأشار أيضا إلى النقد الأدبي والأيديولوجية، حيث طرح إشكالية الأيديولوجيا في الدراسات النقدية، وتطرق إلى العلاقة بين النقد الأدبي والأيديولوجية حيث عرض وجهة نظره.

5- البعد المنهجي:

أما فيما يخص البعد المنهجي، فقد أشار الدكتور إلى إشكالية المنهج في النقد الأدبي، ومن تحديسد العلاقة بين الناقد الأدبي والمنهج، هذا الناقد الأدبي الذي يعتبر طرفا جوهريا في المنهج النقدي بوصفه المتحكم في أسسه النظرية. فلطالما نتحدث عن مناهج الدراسات الأدبية لكن الحديث يظل قليلا عن مناهج الدراسات النقدية.

6- الخلاصات التركيبية:

1- يبدو أن هذه الدراسة هي في إطار إشكالية عميقة تتجلى في إشكالية الخطاب العلمي في النقد الأدبي العربي المعاصر في أبعادها التاريخية والنظرية والمنهجية.

2- إن الكثير من الدراسات تشتغل بمجموعة مفاهيم دون تحديدها، لكن من حسنات هذه الدراسة أن جهازها المفاهيمي قوي حيث إن الكاتب يحدد مفاهيمها باستمرار.

3- تظهر هذه التحديدات المفاهيمية في المقدمة وفي الفصول.

4- ما نجده في العنوان نجده في الدراسة حيث إن هذه الدراسة يكتنفها بعد إشكالي.

5- تتميز هذه الدراسة بقوة منهجية، فكل فصل يستهله الكاتب بتمهيد مؤطر ويختمه بخلاصات تركيبية، كما استهل الدراسة بمقدمة وختمها كذلك بخلاصات عامة وركز على الجانب المنهجي.

6- الاحتفاء بالنقد الأدبي العربي المعاصر مع عرض أهم إشكالياته المنهجية.

7- التأسيس على قيم النقد القديم اليوناني والعربي وخصوصا في الجانب التاريخي.

8- إن عنوان هذا الكتاب كان منسجما مع ذاته فقد سيطر التناسب بين العنوان والموضوع، والحقيقة أن هذا الكتاب يمد دارس النقد الأدبي بمادة غنية جدا تجعله مطلا على عمق الإشكالية المعالجة، كما تقدم له طرحا أكاديميا في طرقة بسط القضايا وتفسيرها وتحليلها.

9- تنوع المراجع بين المراجع العربية والمراجع الغربية.

 

د. محمد البندوري

 

 

91 جمال موساويابتداء من يوم الاثنين المقبل 14 ماي 2018،سيكون المكتبات المغربية والأكشاك كتاب جديد لجمال الموساوي بعنوان "صراع الاقتصاد والسياسة:تأملات في مشهد عالمي مضطرب" صادر عن مكتبة سلمى الثقافية بمدينة تطوان.

يقع الكتاب في 150 صفحة، ويتضمن مقالات تعالج مواضيع اقتصادية دولية بما في ذلك على مستوى العالم العربي، وذلك في إطار تفاعلها وارتباطها بالمستجدات التي تفرضها الظرفيات السياسية المتحكمة في العلاقات الدولية وموازين القوى في العالم.

ومما جاء في المقدمة أن "القارئ سيجد في هذا الكتاب بعض مظاهر الصراع بين القوى الاقتصادية (والعسكرية) الكبرى حول الأسواق من خلال معالجة جملة من القضايا التي يشهدها عالم اليوم كالإرهاب والتغيرات المناخية والهجرة والسياحة بالإضافة إلى بعض ما فرضته الأزمة الاقتصادية منذ سنة 2008 والتي من مظاهرها نسب نمو منخفضة وخروج بريطانيا "المفاجئ" من الاتحاد الأوربي وعودة التوجهات الحمائية إلى التجارة الدولية وصعود اليمين في الغرب بشكل متزايد".

ومن بين المواضيع التي تطرقت إليها المقالات نقرأ "بعد دافوس، هل يتذكر العالم فقراءه؟" و"الاقتصاد الصيني:متسابق شيوعي برئة ليبرالية !" و"صراع التاريخ والأزمة في خروج بريطانيا" و"رياح الإرهاب التي تهز اقتصاد العالم" و"التغيرات المناخية في صراع السياسة والاقتصاد" و"عودة الأنظمة الحمائية أو طبول حرب جديدة" و"الفساد والبطالة في العالم العربي" و"من أين يأتي الفساد حاملا معه غبار الفقر؟"

رسم لوحة الغلاف الفنان عبد النور القشتول.

 

كتاب جديد لجمال الموساوي

 

قاسم جمعةالأهداء ..

إلى الأستاذ مدني صالح ... أستاذاً ومعلماً

لم يشا هذا البحث ان يكون ايذانا بموت مدني !!

راح يتخطى بهدوء، ذلك البحر المتلاطم وأمواجه الهائجة، ليضع أكليلاً من الورد يتنفس من خلاله ذلك البحر هواءً جديداً. وليصدر أنفاساً لم يعهدها. وهكذا بدأت تنسلخ من أهدابها، وترتدي لأجل ذلك جلداً طرياً لا يبتعد عن جوهرها ومضمونها الغير بعيد عن سطحها.

تلك هي كائنات ذلك البحر،والتي هي ملازمة لذلك الجو الخانق.

حمل عصى ملتوية من فرط حكمته، وأخذ يدلل على ساحل الشاطئ، أنه سار من هنا يوماً.

ربما لكي يتعرف القادمون عليه، وربما أنه همس بشيءٍ لتلك الموجودات. والتي تبسمت لأحاديثه الشيقة. رغم أنه لم يكن صارخاً. بل إنه منزوياً بعيداً في الركن الأبيض. وكأنها تعرفت عليه بهمساته القليلة، عُرِفْ ساعتها إنه الرجل. لن يُذعْ له سرْ. إلا لتلك البحيرة العجيبة والتي أعجبته.

والتي طالما غرق فيها من لم يعرف العوم والحديث الشيق.

" ملاحظة منهجية "

إن الكتابة عن مدني صالح هي ضرب من التحدي. والقراءة التي تروم فحص طبيعة نصه أو خطابه تدخل في متاهات العوالم والفضاءات المتداخلة في نسيج الكيان النصي. ومن الجدير بالإشارة إن القراءة والقارئ يتعاونان معاً في فض التقاطع مع النص، ومن هنا نفهم حيوية التأويل ودلالات النص المنفتح، فالقارئ يتداخل ويتخارج مع النص من خلال فعل القراءة. لذا يلمح القارئ ـ الناقد ـ تلك المسافة التي تفصله بين كونه قارئ من جهة وبين كونه ناقداً من جهة ثانية.

والنص الذي يقدمه مدني صالح يؤسس لخطاب فلسفي مغاير. ولأن دلالات إسلوبه الجمالي تفتح آفاقاً لتأويل متجدد. فالكتابة عند مدني هي تأسيس للأختلاف والوعي به ونقل لأفق الفلسفة من الداخل إلى الخارج، أو بالأحرى إنه يؤسس لخطاب فلسفي يعالج بنفس نقدي أموراً ضلت بمنأى عن الإهتمام الفلسفي.

وإنها ـ الكتابة ـ بالمنظور المدني تطرح بروح وبِنَفَسٍ خلاق وإيقاع أدبي مرمز بديلاً إستراتيجياً لا تبقى حبيسة جماليات النقد أو النقد الجمالي، بل إنها تكشف بعين ماكرة حلول المأزق الوجودي للإنسان والذي يعيشه وفقاً لسياسة الإستغلال والأستلاب الرأسمالي والكوني للآخر، أي كانت هوية هذا الآخر ومسخ لهويه وكينونه ذاك الفرد المغاير.

وتتضح راهنية خطابه الفلسفي ـ من خلال إقتراح البدائل الإستراتيجية لفك أسرار الصراع بعد معرفة أسبابه وعلله، وإنتهاج اللعب للأبتهاج والعمل للأنتاج. فالمهم الإنسان وتحقيق سعادته ورفع الضرر عنه وتقريب وسائل تحقيق الخير له، وتطبيق العدالة الإجتماعية. فلا روبنسن كروزو يظلم فرايدي ولا يستلبه حقوقه، ولا السيد سيستغل العبد، ولا يضطهده نظام إجتماعي قاروني إحتكاري متعسف. هنا يُعْرَف التوازن والتحقيق المستمر للعدالة. فلا يُظْلَمْ ولا يَظْلُمُ أحد شخصاً غيره.

والعمل واللعب هما وجهان لتقنية مدني الإستراتيجية في فض الجدل الحضاري وفهم طبيعة الصراع البشري. مع الأخذ بوجه الأعتبار، النظرة العقلانية ـ الإنسانية الشاملة في الطرح الفلسفي. يحدوه في ذلك تجاوز ذلك النسق الفلسفي الجنائزي والذي يسميه بالمآتم الفلسفي.

مع الإشارة إن الأفكار التي يبثها في نصه الفلسفي المرمز أدبياً ـ وكما نرى ـ هي عملية مزيج نقدي بين أفكار تابعة لتيارات فلسفية ومذاهب مختلفة من ماركسية ووجودية وبراجماتية،تحاول أن تتجاوز الرؤية الواحدية لتنتقل إلى رؤية فلسفية توفيقية إنسانية، تجعل من الإنسان بهويته وقيمه الإنسانية محورا للتفكير الفلسفي. وخلق حالة التوازن العالمي بين عناصر الصراع التاريخي ـ الحضاري.

والتاريخ والحضارة والثقافة، مقولات أساسية في نص مدني. والأحتكار والحرب والتجارة مفاهيم يركز عليها في كشف أصل الصراع والعنف بين محاور الصراع بين فرايدي وكورزو، بين الشرقي والغربي، بين بالعامل والمنتج، بين القاروني المرابي وبين الفقير المسكين العبد الذليل فرايدي.

ويرمي مدني من وراء استخدامه الأجرائي النقدي لهذه المقولات والمفاهيم تصحيح المسار التاريخي وكشف عيوب القراءات الإسقاطية الإستراقية الملائية. وكل فكر جنائزي، لا ينطلق من مقدمة اللعب للأبتهاج والعمل للإنتاج، والقضاء على كل الثنائيات السائدة ومفاهيمها الكلاسيكية المسيطرة على التفكير الفلسفي والتي جعلته متمحوراً نحو فهم تقليدي لطبيعة حركة التاريخ لا سيما بعد حدوث الطوفان. ولكن ألا ينشأ (مدني صالح) ثنائيات تحكم نسيج خطابه النقدي. وتبقى المسيطرة على كشف أسرار الطوفان وأسبابه وعوامل الخلاص منه؟! وكما سيتضح للقارئ.

ولا ينسى مدني أن يفتح السجال الثقافي في خطابه النقدي على مجالات عدة تشمل كما سلف فلسفة التاريخ والحضارة وتاريخ الفلسفة من ألفها إلى يائها بروح مبدعة وبنفس ابن طفيل الفلسفي المرمز لا سيما في قصته الرائعة ـ حي بن يقظان ـ التي جاءت عامرة بدلالات ورموز خالدة تشمل قصة الإنسان وحضارته ومراحل مسيرته الروحية وعلى سبيل المثال لا الحصر!! والعلاقة بين أناس يدينون لأفكار وأيديولوجيات مختلفة ومتنوعة تكشف عمق الفيلسوف الأسلامي في كشف العلاقة بين الإنسان والحقيقة.

" يوتوبيا التغير وتراجيديا الواقع "

ما يرغب به مدني ويطمح له هو أن يقول الحقيقة التي أنكشفت له بروح شجاعة تتحدى المألوف سواء من جهة الأسلوب الذي أختطه وطلاقه الأبدي للمنهجية الأكاديمية الباردة وروتينها المزعج أو من جهة المعاني والدلالات، أو لنقل الحقيقة التي كشفها مدني وهتك سترها وعوامل تحجبها.

وفي تشديده على أهمية الوعي بهذه الحقيقة نعرف مدى فائدة الإستراتيجية البديلة والحقيقة لديه لا تنفصل عن أفق الأحلام ويوتوبيا التغير الحضاري ـ التاريخي.

وترتكز يوتوبيا التغير عند مدني من منطلقين، التأميم أولاً والتدويل ثانياً أو العكس، فمن حلم التدويل وحلم التأميم تنطلق الإستراتيجية البديلة المقترحة لفض النزاع والصراع الذي يميز العلاقة التي تربط (كروزو) رمز الأمريكي الشايلوكي الأندرشافني المرابي القاروني المحتكر التاجر صانع الحرب والعنف والسيطرة على كل الأصعدة ومن جميع الأصعدة، لا يدفعه لذلك سوى الربح والأبتعاد عن شبح الخسارة وفق منطق التجارة الحرب الأحتكار الذي هو منطق العنف والسيطرة العالمي.

ونقيضه فرايدي، رمز العبد المسكين المقهور المهدور دمه والمبخوس حقه في الوجود في كافة مجالات تحقيق الكينونة الإنسانية، والذي يرغب بأن يعيش وفقاً لمنطق العدل ويحقق التوازن العالمي والأنفكاك من قيود وفكي الغول الرأسمالي المحتكر المسبب لعوامل الطوفان وخرق السفينة ومنطقها بمنطق العنف والسيطرة والأحتكار، بدلاً من التعاون والتوازن والعدالة والتسامح لكي تبحر السفينة في جوٍ من الهدوء واليقين والأستقرار الكوني.

والحلم الصوفي ـ الفلسفي أو يوتوبيا التفكير الفلسفي التي ينطلق منها مدني تنوي تفكيك أواصر العلاقة بين الحقيقة التي ينطق بها (كروزو) في علمه وأدبه وخطابه الثقافي وبين عمله واستبداده لفرايدي، الحلم الذي يرغب في محاكمة الحقيقة المتكونة من تعاون العلم والسياسة في تبرير القمع والأحتكار والسيطرة.

أو لنقل الحلم الذي يفكك الواقع المأساوي التاريخي، والذي وبالرغم من استحالته وبالرغم من أنه " الحلم الذ1ي بيننا وبينه مليارات من دهور المستحيل " (1) كما يقول مدني. فإننا ندرك العلاقة التي يؤسسها (مدني) بين اليوتوبيا والتاريخ في محاولة للكشف عن الحقيقة بطرازها المأساوي الشايلوكي الأحتكاري المؤسسة من قبل (كروزو) تجاه (فرايدي)، في محاولة من اليوتوبيا في أمل التحويل لمسارها من تاريخ يحكمه منطق الحرب والتجارة والأحتكار نحو محور جديد يحكمه منطق براجماتي يتمحور حول اللعب للأبتهاج والعمل للأنتاج وتحقيق حلمي التأميم والتدويل.

اليوتوبيا التي تروم تحقيق العدالة الأجتماعية، والخلاص هو في هذه اليوتوبيا، أي يوتوبيا الخلاص من أسر القيود والغول الروبنكروزي الشايلوكي القاروني الأمريكي الأوربي المستبد المستغل.

والتاريخ لا يتحرك ولا يتحقق بدون يوتوبيا تحكمه. ورغم استحالة تحققها في الواقع فإنها تبقى الأمل المنشود ليوتوبيا كل فكر تغيري ينوي القضاء وتفكيك تراجيديا الواقع. لذلك يقول " فلا تاريخ بلا أحلام لا تحقق .. ولا تاريخ بلا مثل لا تبلغ .. ولا تاريخ بلا غايات لا تدرك.. وذلك هو معنى قولنا إن الحلم أفعل من الواقع في التاريخ " (2) فهنالك صراع جدلي بين اليوتوبيا والتاريخ. وكل من الطرفين ينوي التبرير والسيادة. التاريخ لتبرير الواقع واليوتوبيا للتغير وتبرير التغير. واليوتوبيا تنوي تحولها إلى حقيقة أكثر من كونها حلم فحسب. إذا إنها تدوم بخلق سبيل الأنتقال من ثقافة تدور محاورها حول الحرب والتجارة والخراب والموت إلى ثقافة العدالة والتوازن. الحلم المرتقب، هو نزعة إنسانية تسود الكل في كل الأصقاع والأزمان لا تفرق بين كروزو أو فرايدي؟!.

وهذا الحلم الاشمل ، لا يتحقق الا بتحقيق حلمين اساسيين: حلم التأميم وحلم التدويل والتي يعول عليها مدني في رسم الاستراتيجية البديلة. إذ أنه يقول عن الحلمين ما يلي:- "حلم التأميم الذي من معانيه أن تكون خيرات الأمة شركة يحمل أسهمها جميع أفراد الشعب في الوطن لا فضل لسهم على سهم إلا بفضل حامله على غيره بالتجويد في العمل والإبداع في الرأي وأن تكون البوابة في العدل لا من الحرية. وحلم بالتدويل الذي من معانيه أن تكون موارد الطبيعة شركة يحمل إسمهما جميع الدول لا فضل لسهم على سهم الا بفضل حملتة بنسبة سكان الدولة على غيرهم بالتجويد في العمل والإبداع في الرأي وأن تكون البداية من العدل لا من الحرية " (3).

وبعد حدوث الطوفان السياسي والتاريخي والثقافي على جميع الأصعدة وعودته الأبدية والخراب الحاصل في أصل التاريخ وصيرورته وحركة المجتمع وعلاقاته. فما هو السبيل إذن لتحقيق السلام والعدل والقضاء على عوامل الطوفان والنجاة؟!

الأمر الذي ينطبق كونياً ومحلياً أيضاً. إذ إن مدني لم يصرح بذلك على الصعيد المحلي وأقصد الطوفان الحاصل في البلاد اليوم. ولكن خطابه يتضمن ذلك؟!.

من هنا نفهم سر واقعية الأدب الرمزي. ومحاولة الربط بين الرمز والتاريخ والحلم ومدى واقعية الرموز ودلالاتها التاريخية، والغوص التأويلي في الأبعاد الدلالية للرموز الأدبية يكشف عن ثيمات مسيطرة ومقولات مهيمنة على ميتافيزيقا العقل الغربي، من تبشير بثقافة الأستهلاك والأستبداد ونفي الآخر والعنف والتهميش الثقافي والتقليد والإتباع، وطبعاً على نحو نسبي لا يمكن تعميمه، الأمر الذي لم يذكره مدني صراحةً!؟. إذ إنه يتعامل مع العقل الغربي مختلطاً ومترابط عضوياً مع أفق السياسة المرسومة والتي لا يحيد عنها أي شيء كما يذكرنا أو كما يحب ان يذكرنا (مدني) وكأن الشأن الثقافي والحضاري لا ينفصل عن ذلك البعد المسيطر والعقل المستبد للرؤية الغربية تجاه المختلف؟!. وكأن السياسة والثقافة يعملان معاً في تبرير الواقع وراهنيته ومطابقته للحقيقة المنطقية الطبيعية!. وهو الأمر الذي تكرر نقده وكشف أواصر العلاقة التي تربط السياسة والثقافة أو المعرفة والسلطة أو السياسي والثقافي على يد رواد نقد الحداثة وأطر تفكيرها الضيق الدوغمائي إبتداءاً من نيتشة وهيدجر وفوكو ودريدا وليوتار ودولوز وغيرهم من مفكري نقد الحداثة ومبشري بفكر ما بعدالحداثة.... فالشأن الثقافي يكاد يمتلك أستقلالية النسبية على نحو من الأنحاء أمام المشرع والسياسي، ويبقى الأمل في ذلك الأستقلال وارداً على الحلم الإنساني في صراعها أي (الإنسانية) ككل عبر التاريخ بين قطبي الصراع والجدل ـ الغرب والشرق ـ أو بين حضارة الحرب وحضارة الحب.

ولا ننسى أن نتذكر إن العنف يمتلك تاريخاً يمتد في عمق الذاكرة الغربية والشرقية على حد سواء. بل إن الشرق يمتلك ترسانة متينة في تأسيس العنف وتبريره سياسياً وشرعياً بمعزلٍ عن صُنّاعهُ الغربيون ومبرري العنف من سياسي ومثقفي الغرب عموماً. فالشرق يمتلك العنف وآليات تبريره، وهو ما نلمسه في الآونة الأخيرة من سيطرة العنف الأصولي وعولمة الأرهاب وقتل جماعي تبعاً للهوية.

ان ما بعد الطوفان يرتكز على خطاب نقد الغرب وكشف آليات السيطرة العالمية وفضح الآعيب وعيوب العقل الغربي. وهو أمر جميل، أما ما يتضمنه ذلك النقد ويتسرب بطريقة مفكرٌ بها أو لا مفكرٌ بها، هو خطاب كراهية الغرب وتحميل الآخر عيوب الذات. وكان الآخر هو سبب الأزمة التي تمر بها الذات!. وتبرير عوامل التراجع والتقدم والنهوض والأنحطاط وحتى أصغر الأشياء وحتى أكبرها مبررٌ في هذا الخطاب الموجه نحو الغرب. فالعقل الغربي هو المسؤول عن كل صغيرة وكبيرةعلى حد سواء . إنها خطابات ترتكز على الآخر وتنسى الذات وعيوبها. وربما يصح قوله إن الأستعمار والأستبداد الغربي أخذ بعداً إستراتيجياً في تعميق التبعية والأنقياد للغرب من أبسط الأشياء إلى أعقدها. إلا إن المسألة النقدية في الخطاب الفلسفي الغربي حاضرةً لا سيما في فض ذلك العمق الأبستمولوجي بين المعرفة والسلطة وكشف عيوب الذات وآلياتها في النبذ والأستبعاد وأمتلاك الحقيقة ونفي الآخر والمختلف وحق الأختلاف وآليات أمتلاك المشروعية. الأمر الذي لم نلمس له حضور في الثقافة العربية والأسلامية من نقد الذات بمعزل عن الآخر وتحميل الآخر تبعية كل ذلك وعلى نحو مطلق وشامل.

ولذلك فإن مسألة حصر القافة الغربية في فهم وإتجاه واحد، بعد الأحتكار والسيطرة، وكأنه البعد الواحد المسيطر على العقل الغربي، أمراً يحتاج إلى مراجعة وإعادة تقييم جديدين يأخذ بنظر الأعتبار الخطاب الفلسفي لنقد العقل الغربي وكشف عيوبه، لا سيما في قوله " إن الروبنكروزية هي طريقة ومنهج وأوربة وعلمنة وتحديث وتنصير!!. وكأن العقل الغربي هو الذي يدعو إلى تنصير المسلمين المستضعفين ودفعهم نحو الأستهلاك وعدم الأنتاج في إطار العلمانية والحداثة والتوجه الأوربي؟! بل أنه يحمل الجانب الغربي تبعية التعصب، إذ أنه يرى ان التعصب والعداء يستوردها الشرقي من الغربي (4) وكأن الشرقي تنقصه عقد العداء، وهو مؤسس لثقافة تمتد جذورها في تاريخ عميق من ذاكرة الصراع والقتال والعنف المجاني الدموي. والتصوير الذي يقدمه بعد الطوفان لشخصية فرايدي يعرضها وكأنها الشخص الممسوخ والمشوه. بل إنه نسخة طبق الأصل لما يريده (روبنسن كروزو) المحتكر المرابي التاجر المستعمر.

فالخلاص اليوتوبي الذي يقترحه (مدني) هو في القضاء على سلطة صاحب المال ـ التاجر ـ المرابي ـ المحتكر وفنون العنف والحرب والثقافة والعلم، نحو فلسفة اللعب للإبتهاج والعمل للأنتاج والتخلص من ربق العبودية والأستبداد الأحتكاري التجاري الشايلوكي نحو محور التعمير لا الخراب والولادة للحياة لا الموت.

وهو ما يسجل حضور جدلية المعرفة والسلطة والعنف والحب في خطاب مدني الأمر الذي نعتبره إضافة إلى الخطاب العراقي على المستوى الفلسفي ـ النقدي الذي طالما بقى متكلساً في أسفلت السلطة والروتين الأكاديمي البارد الملائي الإستراقي، على نحو يسجل بداية في خارطة التفكير الفلسفي الحر بعد خرابها وحصول الطوفان الكوني الذي شمل العراق الحبيب.

فالتاريخ الذي يحلم به (مدني) بعد الطوفان هو ذلك الذي يُمكّن من تحقيق الحلم، أي حلم تسلم الإنسان زمام القيادة للتاريخ بمعزل عن ثلاثية الحرب ـ الأحتكار ـ التجارة، ونبذ الرؤية الأحادية للتاريخ فبدلاً من المنطق الذي يُحدث الطوفان لا بد من أجتراح منطق يفكك عوامل الطوفان والخراب والحرب، ويؤسس لمنطق العدل والتوازن والحب، منطق الطبيعة والنظام والتخصص والتعاون الأوركسترالي السفسطائي الأبيقوري الرواقي النافع الممتع الجميل حول محور العمل للأنتاج واللعب للأبتهاج. لا عبث ولا حرب ولا تجارة ولا أحتكار. المنطلق الذي ندعوا إليه لتاريخ نحلم به كما يقول مدني. (5) فالقضاء على جدلية السيد والعبد أو التاجر المحتكر والمستهلك المغبون وعلى كل ألوان التمركز والتهميش. يتم تحقيقها فعلياً من خلال اليوتوبيا التغيرية التي يطرحها بعد الطوفان.

ما بعد حصول الطوفان يبرر السؤال ما هو السبيل؟ ويعطيه المشروعية في التداول؟ ويُمَكّن الإنسان من طرح يوتوبيا التغيير.

كيف الخلاص من سيطرة المرابي الأحتكاري في كافة المجالات وفي كل الأزمنة سواء منها الثقافي العلمي الفني والمنهج والملبس وآليات التفكير في التراث ودعوات التجديد والتقدم والأرتقاء والمؤسسات الدولية والهيئات الأممية والعالمية والبنوك والمصارف وكل المؤسسات والهيئات المستقلة على النحو الظاهر والمسيطر عليها على النحو الباطن.

بعد الطوفان يكشف عن الابستمي الأساس وهو (السيطرة) ومنطق وآليات السيطرة، وفضح آلياتها ومنطلقاتها وتجلياتها في التاريخ الحي والمرمز ولا فرق بين الأثنين؟.

والتاريخ الذي يحكمه منطق الطوفان، مسيطر عليه من قبل الأغنى الأقوى المستبد ولا وجود لتاريخ بمعزل عن تلك المقولات. والتاريخ الطوفاني تاريخ عود أبدي لهذه العلاقة تاريخ استعباد الغني القوي التاجر المحتكر للآخر الفقير المسكين المظلوم والمغلوب على أمره، وقوانين الطوفان وتاريخهُ تُمكن الغني المحتكر التاجر، أن يتحكم بأهل الفكر والثقافة وأصولها. والتعاون الأبدي بين التاجر والعبد يساوي سيطرة خطاب التقليد والطوفان الأورامريكي وعزلة المثقف.

وينطلق مدني من ثنائيات تحكم التاريخ الطوفاني بين قوي وضعيف بين غني وفقير بين كروزو وفرايدي، رموزاً ودلالات ثابتة وبين ثقافتين وحضارتين تسعى الأولى منهما نحو التدويل لا التأميم وان يكون التأميم في خدمة التدويل أما الثانية فهي تسعى إلى التأميم وأن يكون التدويل في خدمة التأميم.

فلا بد إذن من الخلاص من الطوفان وسريانه التاريخي وديمومته والتخلص من فكي (القانون) الأحتكار ـ الحرب ـ التجارة.

إن التاريخ الذي يتبناه مدني في يوتوبيا التغيير، تاريخاً يتحرك نحو كل الجهات من جميعها. لا غرب ولا شرق لا شمال ولا جنوب، ومن هنا نفهم سر عبارته " إن التقدم في حقيقة أمره تقدم التاريخ كله. وإن الكون كله يشترك ويشارك في التقدم لا فضل فيه لشرقي على غربي كما لا فضل فيه لغربي على شرقي ما دام التطور التاريخي محكماً بحركة جميع القوى.. من جميع الجهات إلى جميع الجهات. لكن.. قيادة التطور واحتكار منافعه لا تكون إلا بيد الأقوى الأغلب الأغلب الأقهر الذي لا يخرج بشيء على إرادة التاجر القارون المحتكر أو يعطي له أمراً". (6).

التاريخ من منظور مدني يحكمه المحتكر التاجر المستغل، التاريخ يحكمه منطق المال وإقتصاد الربح والأحتكار العالمي للثروات والخيرات.

والسبيل الذي يترقبه (حلاً يوتوبياً) للخلاص من تلك السيطرة التوتوليتارية هو سبيلاً فلسفياً ولذلك فهو يكرر بنفس نقدي ومدفوع برغبة التغيير وطرح الإستراتيجية البديلة عبارات يحكمها منطق طرح الحلول المناسبة لمعالجة الأزمة.

إذ يقول " ما السبيل إلى حل يصير حداً تبدأ بعده مشاريع الرفاهية للجميع حول محور العمل للأنتاج واللعب للأبتهاج والولادة للحياة لا الموت والبناء للتعمير لا الخراب والتدويل عالمياً لأزدهار التأميم قطرياً، والتأميم قطرياً لأزدهار التدويل عالمياً.. وحل الصراع، صراع الأنسان في سبيل إعادة التوازن وأدامته والمحافظة عليه بين الأنسان وبين نفسه وبين الأنسان وبين الآخرين، فالحل هو في التوجه بجميع قوى التاريخ وقوى الأنتاج وقوى السلطات في جميع الجهات وجميع الفلسفات " (7).

والثلاثية المشؤومة التي تحكم التاريخ ـ الحرب التجارة الأحتكار، هي من يعطل حركة السلام والعدالة ويعجل بطاحونة الحرب الضروس، تدعمها الوسائل لتبرير الغايات والعكس صحيح إقتصادياً وسياسياً وثقافياً وعلمياً ومنهجياً.

بعد الطوفان يكشف العقدة الروبنكروزية بالنسبة لفرايدي تجاه كروزو وكل وسائل التخريب الأستشراقي الملائي. والشرقي بدوره يعاني من هذه العقدة بطريقة مرضية وداعية ويطبق ما يعزز تلك العقدة ويؤبدها، من علوم ومناهج أستشراقية ملائية تخريبية، إذ إنه يمثل دور الببغاء والشرطي والمستهلك، الأدوار التي تخلص منها الغربي وحافظ ويفاخر بها الشرقي. (8).

بعد الطوفان يشكل مسعى لتفكيك تلك العقدة ويؤسس ليوتوبيا ثقافية ومنهجية إنسانية تحقق التوازن بين التأميم والتدويل، بين الأشتراكية والرأسمالية.

وتذليل كل عوائق الأنتقال من الأستلاب إلى العدل وتوحيد القوى الثقافية فلسفية وعلمية وفنية من أجل حل الصراع وتبرير " الأكتفاء بالذات بالأستغناء عن الغير غايةً، وتبرير الأستغناء عن الغير غاية بالأكتفاء بالذات وسيلة " (9). وتبرير كل الغايات والوسائل المذكورة وتحقيقها لا يتم إلا بتبني فلسفة تهتم بتحقيق الغايات وأجتراح الآليات والوسائل امناسبة لها، إذاً لا فضل لفلسفة على فلسفة إلا بالمقاصد والغايات التي ندركها بفلسفة ولا تؤدي إليها الفلسفة الأخرى. والفلسفة أداة، آلة، مفتاح.. ولا فضل لفلسفة على فلسفة إلا بالقدرة على فتح المستغلق جزءاً لا يتجزء من حل المشكلة أو مواجهتها لأستعادة التوازن وخططه وحل الصراع نهاية للأزمات بأتجاه جميع الفلسفات وتعاونها بتطاوع أوركترالي حول الأنسان غاية عليا لجميع المعاني والأشياء ولجميع الفلسفات " (10) .

والفلسفة بالمنظور المدني، " درس قيادي يجب تجنيبه عبث الملائية الأستشراقية والجهل الأستشراقي الملائي الذميم " (11).

فالفلسفة هي التوفيق بين جميع الحلول والوسائل والغايات لتحقيق التوازن وإنهاء الصراع. بعد أن تجعل الأنسان بالمعنى المطلق للكلمة الغاية الأساسية من وراء التفكير واشتغال العقل. لأجل سعادته وعدالته وتحقق منافعه وتدفع الأضرار والشرعية.

من هنا نفهم سر العودة بالتذكير بأهمية البعد الأنساني في الحقل الفلسفي إذ إنه يؤكد ذلك الأفق الأنساني للخطاب الفلسفي غايةً وهماً، إذ يقول " لا تكون فلسفة ما لم تكن مطلقة الولاء المطلق للأنسان وللحقيقة، بقدر ما تنفع الأنسان وتربح الأنسان وتفيد الأنسان وتبرر الأنسان وتكفي الأنسان وتسعد الأنسان الذي يجب أن تتخذه جميع الفلسفات مركزاً ومتعاونة تعاوناً أوركترالياً لحل صراعاته أزاء الطبيعة وأزاء الجماعة وأزاء نفسه وأزاء أختلاف الفلسفات والثقافات والحضارات". (12).

ولا بد للفلسفة من أن تهتم بتلك المسألة التي هي أحق المسائل برأي (مدني) والتي برأيه، أحق المسائل موضوعاً للثقافة وأولاها بالتفلسف..... " (13).

إن مدني صالح يستفيد من خطابات الفلسفة لكي ينتقد الفلسفة بأسلوب رمزي جمالي رائع وكأنه ابن طفيل الثقافة العراقية. ويطمح أن يعيد للأذهان قصة الصراع التاريخي بين ثنائيات الحدث التاريخي وصيرورته، بين غني وفقير ومنتج وعامل وسيد وعامل ومالك ومملوك وأوربي أمريكي وأسيوي أفريقي وأبيض وأسود ومبدع ومقلد وغربي وشرقي والتي كشف عن طبيعة علاقتها فلاسفة كثيرون. إلا إن مدني أضاف بعداً آخر ونكهة جديدة لانطولوجيا الصراع، ألا وهي اللعب للأبتهاج والعمل للأنتاج حلاً عملياً ونظرياً وأستراتيجية للتوفيق بين أقطاب الصراع لتحقيق التدويل والتأميم والعدالة الأجتماعية وخلق للأنسان المتوازن أقتصادياً ونفسياً ومعرفياً، لا يعرف في قاموسه مذهباً للحرب والتجارة والأحتكار. بل اللعب والعمل لا غير. ولا بديل أستراتيجي غير فلسفة إنسانية كونية شاملة تقضي على التعصب والإنغلاق نحو غاية الأنفتاح وكشف الحقيقة.. نحو أفق إنساني أرحب.

 

قاسم جمعة

......................

ملاحظة

هذا البحث كنت قد كتبته وابلغت استاذ مدني رحمه الله، بأني سوف انشره .. الا ان المرض منعي من نشره حينها، والموت حال بينه وبين مدني صالح..

هوامش

(1) ص 18.

(2) ص 18.

(3) ص 19.

(4) ص 32ـ 37.

(5) ص48.

(6) ص84.

(7) ص86.

(8) ص126-129.

(9) ص 146.

(10) ص 147.

(11) ص 124.

12) ص 148.

(13) ص 166.

 

علي المرهجهناك من يجعل من السلم المجتمعي وكأنه رديفاً للأمن الثقافي، ولكن شتان بين المفهومين، فمفهوم الأمن مُرتبط بتصورنا لجموع المدججين بالسلاح من حملة رايات الحفاظ على أمن النظام.

وتم تداول مفهوم الأمن مع نشوء "مجلس الأمن" للحفاظ على أمن الدول وإحتواء الصراعات الدولية.

وهناك معنىً عسكرياً للأمن يحمل في طياته الحفاظ على الأمن الاخلي للبلد "الشرطة" والحفاظ على الدولة في حال تهديد أمنها الخارجي من دول مُجاورة "الجيش".

وهناك "الأمن الغذائي" الذي تسعى فيه الدول مُنظمات المُساعدة الدولية للدول الفقيرة لضمان حد أدنى من القوت.

في ضوء ذلك يتسائل فؤاد زكريا: أين الثقافة من كل ذلك؟ .

ولكن هناك خطر على الثقافة داخلي وآخر خارجي، الأول هو في قمع حرية التعبير ولجم المثقف عن إبداء رأيه، وهو أمر مُرتبط بكفاح سياسي من المثقف، ولكنه ليس بثقافة، لأن الثقافة تأتي بعد تحقيق الحرية وشعور المُثقف بضمان حرية التعبير.

أما الخارجي، فهو المُرتبط بسيادة نمط فكري إقصائي قمعي مُستورد من خارج النمط الثقافي الذي ينبغي أن يكون حُراً، أو ما يُسمى بـ "الغزو الفكري" للثقافات الفاسدة.

وخلاصة رأي فؤاد زكريا هذا "أن الثقافة مثلما تزدهر في ظل الأمان تزدهر أيضاً في ظل إنعدام الأمان. وكلنا قد سمعنا عن تلك الثقافة الرائعة التي تظهر "تحت الأرض" في أوقات القهر السياسي أو الإحتلال الأجنبي أو في ظل أنظمة الحُكم الغاشمة...

إن الثقافة الحقة، تقضي على كل ما كُنت تحس به من "أمن"، والبديل هو "القلق الثقافي" فبه وحده يتحقق ذلك الجهد العقلي والروحي الرائع الذي هو أخص ما يُميز الإنسان، رسالته ومعناه .

لا يُمكن تصور وجود مجتمع مبني على السلم إلًا ووجدنا الفلسفة في هذا المجتمع لها قدم السبق في تنمية روح التعايش والسلام فيه. منذ بداية نشأة الفلسفة وأصحابها يحلمون بوجود مُجتمع فاضل أو ييسعى أفراده بجد للوصول لهذا المجتمع.

ولا أعتقد أننا بحاجة لإعادة طرح وشرح مقولات إفلاطون والفارابي والقديس أوغسطين في البحث عن "الجمهورية المُثلى" أو "المدينة الفاضلة" أو "مدينة الله"، وهي ذات المحاولة التي سعى توماس مور للحديث عنها في كتابه "اليوتوبيا"، وأكمل (إيمانويل كانت) تصورات هؤلاء الفلاسفة المثاليين والحالمين ببناء دولة أو مدينة مثالية ليست في مكان ولا أصل لها في الواقع، بقدر ما هي موجودة في أذهانهم ومن بناة أفكارهم وتصوراتهم، يكون المُجتمع فيها خال البغضاء والتحاسد والعنف والشرور، والعيش بسلام وأمان وهذه المهمات هي من شروط وجود الدولة والحكومة الرشيدة أو العادلة.

طرح كانت في كتابه "مشروع السلام الدائم" رؤيته الفلسفية لإقامة مجتمع مدني أساسه والعدل والحرية، ويمكن لنا تلخيص مشروع كانت في كتابه هذا هي بمجموعة مواد:

1ـ عقد سلام بين الدول على أساس معاهدة، وينبغي أن لا تكون هذه المُعاهدة مبنية على عدم ثقة الطرفين مع بعضهما البعض، أو أن يكون هناك نية مُبطنة عند عاقديها لأمر من شأنه إثارة الحرب من جديد.

2ـ لا يجوز إمتلاك دولة لدولة ما، وإن كانت هناك دولة كبيرة وأخرى صغيرة سواء أكان الأمر بالميراث أو الشراء أو الهبة، فليس من حق الدولة الكبيرة مُصادرة إستقلالية وحُرية الدولة الصغيرة، لأن الدولة، لأن كل دولة هي جماعة إنسانية لا يحل لأحد سواها أن يفرض سُلطانه عليها أو أن يتصرف في شؤونها.

3ـ إلغاء الجيوش الدائمة إلغاء تام على مر الأزمان، لأن في وجودها الدائم تهديد لأمن الدول الأخرى. أي "نزع السلاح تدريجياً، لحين الوصول إلى زوال الجيوش المُحترفة" .

4ـ العمل على الإبتعاد عن الإستدانة أو "القروض" الدولية، إن لم يكن بمُستطاع الدول المُستدينة وبخطط مدروسة إسترجاع الدين أو "القرض".

5ـ منع تدخل أي دولة بالقوة في نظام دولة أخرى، أو في طرقة الحُكم فيها، لأن مثل هكذا تدخل حتى وإن كان حسن النية والمقصد، غالباً ما يؤدي إلى شقاق وإنقسام بين أبناء هذه الدولة، فضلاً عما يحمله هذا التدخل من زعزعة لإستنقلال الدول جميعاً.

6ـ لا يحق لأي دولة في حربها مع دولة أخرى أن تستبيح لنفسها مع تلك الدولة القيام بأعمال عدائية، كالإغتيال، والتسميم، وخرق شروط التسليم، والتحريض على الخيانة، لأن من شأن هكذا أفعال عند عودة السلم بين البلدين، فقدان الثقة بين الدولتين.

على الرغم من أن كانت يُعد من أوائل دُعاة السلام الدائم بين الدول، إلًا أنه في الوقت نفسه يعتقد بأن "حالة السلام بين أُناس يعيشون جنباً إلى جنب ليست حالة فطرية: إذ أن الحالة الفطرية أدنى إلى أن تكون حالة حرب. وهي وإن لم تكن حرباً مُعلنة، إلَا أنها على الأقل مُنطوية على تهديد دائم بالعدوان. وإذن فينبغي إقرار حالة السلام" .

يعتقد كانت بضرورة أن يكون الحُكم جمهوري، لأنه يعتقد أنه قائم على مبدأي المساواة والحرية وإحترام حق المواطن في إختيار مُمثليه أو من ينوبون عنه في البرلمان والحكومة التنفيذية.

وضع كانت ما أسماه "قانون الشعوب" وهو الضامن لتحقيق السلام الدائم بين الدول، ينبغي أن "يقوم هذا القانون على أساس نظام إتحادي بين دول حُرة" إي نظام "فيدرالي" يُبنى على أساس إنشاء "حلف السلام"، وهو يختلف عن "معاهدة السلام"، لأن من شأنه أن يقضي إلى الأبد على الحروب جميعاً، بينما "مُعاهدة السلام" إنما هي إنهاء لـ "حرب واحدة".

في هذا الحلف ينبغي للدول أن تتخلى عن حُريتها "الهوجاء" بعبارة كانت، "وأن تُذعن لإلزام القوانين العامة، فتؤلف بذلك "جامعة الأمم" تنمو على الدوام حتى تشمل آخر شعوب الأرض جميعاً". الأمر الذي يقتضي مُعاملة كل أجنبي موجودة في دول هذا الحلف أو "جامعة الأمم" على أنه مُرحب به وتنطبق عليه كل قوانين البلد الذي حلَ فيه، وللدولة المُضيفة حق رفض إيواءه في حال كان في وجوده ما يضر بمصالح الدولة المُضيفة.

يدعو كانت إلى إعطاء الفلاسفة الحق في تنوير الدولة والحاكمين فيما يتعلق بالأمور السياسية .

وإن كان في مشروع كانت كثير من النزوع نحو الحُلم والمثال الأرقى لبناء حياة مُثلى، إلَا أنه ليس بمشروع صعب المنال، أو من توهمات اليوتوبيين، فمثلما يأمل بعض الحالمين في الديموقراطية اليوم تحقيقها لرغباتنا وإمنياتنا في بناء مجتمع حر، فسيبقى لكانت والحالمين من أمثاله الحق في طرح رؤاهم الحالمة في بناء مجتمع عادل للفلاسفة والحُكماء الحق في إدارة دفته.

فـ "المثال هو المُتمنى، ما أن يتحقق، يصبح واقعاً" بعبارة أستاذنا مدني صالح، فلا فرق بين ما هو مثالي وواقعي إلَا من جهة التحقق.

لذلك نجد كانت يؤمن بضرورة أن يكون هناك دورٌ للدولة "السلطة "بفرض السلام فرضاً" بين أبناء المجتمع الواحد أو بين الدولة والدول المُجاورة، وفق الدستور، الذي ينبغي، ويبدو أن كل الفلاسفة يعملون على هذا "الينبغي" مثاليون كانوا أم واقعيين، فلا سلطة عندهم، سوى الدعوة إلى إلتزام المجتمع والسلطة بتطبيق الدستور، الذي "ينبغي" أن يكفل الحُريات، وحق المُجتمعات في العيش، وفي حال لم تستطع الدولة أو الأمة ضمان حق العيش والحريات، فـ "ينبغي" لها أن تدخل في توافق دولي أو شراكة مع دول أو أمم أخرى تضمن لها تحقيق شروط المواطنة الحقة لمجتمعها داخل الوطن الواحد، وبناء علاقات سلام وفق مُعاهدات دولية تحترم السيادة مع الدول الأخرى.

    

 

 

87 حسين الاميرعن الدار العربية للعلوم ناشرون صدرت رواية ( من أنا؟ عندما هجموا) للكاتب حسين الأمير.

نبذة عن الرواية:

من اشتراطات الإبداع أن يكون لكل كاتب أدواته الخاصة وللكاتب " حسين الأمير" خصوصيته الروائية سواء من حيث البناء أم الرؤيا أم عوالم السرد . وتبدأ أولى ملامح هذه الخصوصية بالتركيز على الصورة / البورترية ، بما فيها من جمالية التباس تخلق لدى المتلقي تعطشاً شبيهاً بالسؤال الملغز والمعلق، في عتبة العنوان الرئيسية (من أنا؟ عندما هجموا) والذي تؤول معه الصورة بالعديد من الإيحاءات دون تجسيدها حرفياً، أو تصويرها مباشرة. فهي تشكيلات خرجت بالفنان (سامي الحسين) عن فن القافية التقليدية في التصوير إلى اكتشاف شعرية الشكل وتعبيرية الألوان مايعني عودة الفن التشكيلي للمشاركة في الرواية الحديثة ولنكشف في نهاية المطاف العلاقة القائمة بين الغلاف والعنوان ومضمون الحكاية باعتبارها نموذجاً لرواية الأسئلة، التي تتضمن مواقف الكاتب الخاصة من قضايا عامة إنسانية تنسجم مع تصوره الإبداعي وفلسفته الشاملة تجاه وجود الإنسان ذاته بسؤال (من أنا؟) وهي فلسفة يفصح عنها في تنايا عمله الأدبي هذا، والذي يبدو أنه ينهض على معنى جذري تجسده صورة الغلاف وهو انتفاء شروط تحقيق إنسانية الإنسان وتحويله إلى مجرد صورة هلامية شوهتها الحروب وهمجية الأنظمة المستبدة ويفعل ذلك الكاتب من خلال تسليطه الضوء على حياة صحفي عمل في جمعية الشرق الأوسط للأسرى والمفقودين في العراق يُكلف بالكتابة والنشر عن قصص معاناة ضحايا العمليات الإرهابية، فيستحضر حياة صديقين احتوى صندوق ذكرياته على محادثاتهما وصورهما وهما "إحسان" و "مايا" ومع كل رسالة يطلع عليها بقصد الكتابة كان الراوي / الصحفي يتغلغل أكثر في هذه الحياة حياة "إحسان" من السعودية و "مايا" من العراق اللذان نسجا لهما حياة أخرى ، في كوكبهما الذي هربا إليه، من واقع مؤلم واقع نفضهما للأعلى وللأسفل ، ليلتقيا في لحظة ما، ليُعبرا عن كل اللحظات في لحظة اللقاء ويعيشا لحظتهما في عالم سماوي آخر بديل عن هذا العالم الأرضي....

من أجواء الرواية نقرأ:

من أنا؟

كثيرٌ ما يأتيني هذا السؤال ، يزورني على شكل طائر يحوم حولي يرسم دائرة فوق رأسي يجعلني أسيراً عنده ، أنقاد إلى بحر سؤاله، ثم أعود إلى أعماقي نحو قلبي؛ منطلقاً إلى أخمص قدمي، ثم معاكساً باتجاه رأسي.

من أنا؟

عندما يأتيني السؤال، أتكور حول جسدي، باحثاً عن نفسي، متحسساً أوجاعي؛ تلك التي دفنت، وتلك التي لا يمكنها أن تدفن، عن أحلام مبتورة، كانت في بدايتها هادئة جميلة، لونها وردي؛ لكن ما إن تنقطع، حتى تنقلب إلى لون أحمر مسود، يتحول الجمال إلى بشاعة، والهدوء إلى فزع

 

83 نهاية السلطةالكاتب موسى نعيم (1) كتب مؤخرا اطروحة هامة لتوثيق وتوضيح النزعة الحالية نحو اللامركزية decentralization.كتابه الجديد بعنوان: نهاية القوة:من غرف مجالس الادارة الى ساحات المعركة، والى الكنائس والدول، لماذا لم يعد تولّي المسؤولية مثلما كان في السابق؟(2). نظريته هي ان المرء يمكنه رؤية تآكل السلطة في كل مكان : في الاعمال وفي السياسة والجيش والدين وحتى في العاب الشطرنج التي يستخدمها لتوضيح نقاشه.

في هذا المقال سننظر في اطروحة الكاتب من منظور تحرري . هل ان تآكل السلطة هو حقيقي وواسع الانتشار مثلما يدّعي الكاتب ؟واذا كان كذلك فهل ان هذا الانحسار بالقوة يجيز انتصار النظام الهايكي (نسبة الى فردريك هايك) غير المخطط؟ وهل ان الكاتب صائب في اعتبار ذلك الانحسار شيء ايجابي؟

يستخدم الكاتب خلفية هامة ومتنوعة.هو يذكر انه حضر اجتماعات منتدى الاقتصاد العالمي السنوي في دافوس الذي يشارك فيه اكثر الناس تاثيرا في الاعمال والحكومة والسياسة والميديا والمنظمات غير الحكومية والعلوم والدين والثقافة. يقول انه كان محظوظا جدا في الحضور والتحدث مع اكثر الناس شهرة في العالم .. محادثاته في كل عام مع الزملاء المشاركين اكّدت شعوره بان الناس المؤثرين يواجهون قيودا كبيرة على سلطاتهم.

غير ان الكاتب لديه من القناعة بان شكاوي القادة ليست مؤشرا موثوق به على اتجاهات القوة. انه يبدو اكثر تعاطفا نحوهم . حاليا المنظمات السياسية والشركات الرائدة تختار قادة ذوي حماس شديد وطموح قوي واحترام للذات. وطبقا لهذا، نتوقع ان تكون تلك المنظمات راغبة دائما بمزيد من القوة.

التنظيم البيروقراطي

يرى الكاتب ان عصر التركيز الكبير للقوة الذي استمر من عام 1800 الى عام 1960 شهد ظهور الدول والشركات الكبرى. العنصر الحاسم في تحقيق الحجم التنظيمي الكبير هو تطوير النظرية البيروقراطية كما وصفها ماكس ويبر. يكتب المؤلف: وضع ويبر الخصائص الاساسية للتنظيم البيروقراطي: وظائف محددة تتضمن تفاصيل الحقوق والالتزامات والمسؤوليات ونطاق السلطة بالاضافة الى نظام للاشراف والطاعة ووحدة الاوامر. هذه المنظمات اعتمدت ايضا وبكثافة على اتصالات ووثائق مكتوبة وعلى تدريب للافراد طبقا لمتطلبات كل وظيفة وما تحتاجه من مهارات.

ان التنظيم البيروقراطي كان مرتكزا على تطبيق قواعد شاملة ودائمة لكل شخص بصرف النظر عن مكانته السوسيواقتصادية او العائلة او الدين او الارتباطات السياسية. ولذلك، لا ترتكز التجربة كما كان في الماضي على اساس الارتباطات العائلية او العلاقات الشخصية .

بيروقراطية ويبر تساعد في بناء نظام مخطط مركزيا والمحافظة عليه . انها تضمن الموثوقية والاستمرارية بعد وفاة مؤسس الشركة او قائد الدولة، بحيث يستطيع الناس الاعتماد على المنظمة والاحتفاظ بالولاء الدائم لها. يقول نعيم ان المنظمات البيروقراطية قادرة على تقليل التكاليف الداخلية للاجراءات وتسهيل التكامل العمودي مثلما يؤكد رونالد كوس.

ان السلطة هي اما تتآكل او تنتشر بسبب التقدم في التكنلوجيا ومقدرة التنظيمات الصغيرة لتكون دائما اكثر مرونة من اقرانها الكبار. زيادة التكنلوجيا قادت الى ازالة عوائق الدخول التقليدية.

تعريف السلطة

كيف يمكن تعريف السلطة؟ يذكر المؤلف:

السلطة هي المقدرة على توجيه او منع الافعال الحالية او المستقبلية للافراد او الجماعات الاخرى، او بكلمة اخرى، القوة هي ما نمارسه تجاه الأخرين ليتصرفوا بالطريقة التي نريدها.

هذا التعريف ربما لا يكفي، فمثلا، هو لا يذكر ما اذا كان يتوجب علينا التفكير بالسلطة باعتبارها تعود للفرد او للمكتب او للمنظمة. مثلا، يكشف المؤلف عن تزايد نسبة تغيير واستبدال رؤساء الشركات التنفيذيين ويصف هذا كمؤشر على تآكل السلطة. غير ان النسبة العالية لتغيير الرؤساء لا تذكر شيء عن سلطة المنظمة التي يترأسها الرئيس.

تعريف الكاتب للسلطة ايضا لا يتضمن التمييز، وهو هام في الفكر التحرري، بين القوة القسرية والقوة اللاقسرية. والى جانب القمع (الذي يسميه عضلات) يضع الكاتب قائمة بثلاث وسائل للسلطة: القواعد الاجتماعية (code)، والحوافز (المكافئات) والاقناع (مستوى الشعور).

الثورات الثلاث

يعرض الكاتب ثلاثة اشكال من الحداثة التي قادت الى انحلال السلطة وهي ثورة الكثير The more revolution، وثورة الحركة The mobility revolution وثورة الذهن The mentality revolution. الفاعلون الرئيسيون في هذه الثورات هم التنظيمات الصغيرة المتحركة التي يسميها الكاتب micro powers. هذه الثورات عملت مجتمعة لتعجيل التآكل في السلطة. ثورة الكثير هي الالتقاء بين التقدم التكنلوجي (الانترنيت) والنمو الكبير في حجم السكان.ان زيادة أعداد الناس والزيادة في امكانية الوصول الى التكنلوجيا والرعاية الصحية غيّر الطريقة التي يتصرف بها الناس وطبيعة ردود افعالهم تجاه الحكومات والشركات الكبرى. ثورة الكثير اتسمت بالزيادة في كل شيء من أعداد الدول الى حجم السكان ومستويات المعيشة ونسبة تعلّم الابجدية وكمية السلع في الاسواق .اما ثورة الحركة تشير الى حركة الناس والبضائع والافكار والقيم وبسرعة غير مسبوقة الى كل زاوية في هذا الكوكب. ثورة الذهن تشير الى التغيرات في التصورات والتوقعات والطموحات التي يمتلكها الناس تجاه حكوماتهم او الكنائس او الشركات الكبرى.هذه الثورات الثلاث ساعدت في نشر السلطة على نطاق اوسع.

الميدان العسكري

في تحليله لتآكل السلطة في الميدان العسكري والسياسي يشير الكاتب الى العولمة والى الزيادة السريعة في الاسلحة كعوامل رئيسية فيما نراه من لعب للادوار اليوم. التصنيع السريع للسلاح وكم هو متوفر ورخيص شكّل العامل الأهم في خفض العسكرتاريا التقليدية المؤثرة في العالم. نوعان خاصان من السلاح وهما الطائرات المسيرة و IEDs (قنابل تُصنع لدى جهات غير مرخصة وغير رسمية) يمثلان مؤشرا للتحول باعتبارهما غير شخصيان ورخيصان ويسهل استخدامهما، مما سمح لمن لا يمتلك التفوق العسكري مجاراة الدول المتقدمةعسكريا. وطبقا لدراسة قيّمة قامت بها هارفرد حول الحروب التي اندلعت بين أعوام 1800 و 1849، وجد ان الجانب الأضعف استطاع (من حيث الجند والسلاح) تحقيق اهدافه الاستراتيجية في 12% من الحالات، ولكن في الحروب التي نشبت بين عام 1950 و 1998. سيطر فيها الجانب الاضعف بنسبة 55% من الفترة.

هذه الاحصاءات ربما هي غير مقنعة بالضرورة. مكاسب قائد الجيش القوي تتمثل في مقدرة القائد على منع الطرف الأضعف من بدء الحرب ضده. يصعب القول اعتمادا فقط على نتائج الحرب ما اذا كان هناك تناقص ام تزايد في مقدرة الجماعة ذات القوة العسكرية الضعيفة اثناء مواجهتها للقوة العسكرية الكبيرة.

عالم الشركات

وفي الشركات، يعرض الكاتب عدد هام من الاحصاءات تكشف ان قوة السوق للشركات الامريكية الكبرى قد تضاءلت . التكامل الافقي سمح لسلسلة التجهيز العالمية بالعمل.الشركات لم يعد بالإمكان اختصارها بالمشاريع الويبرية الكبيرة للعشرينات مثل شركة جنرول موتورز او الستيل الامريكي. بدلا من ذلك نجد المزيد من الشركات المبدعة والخلاقة مثل آبل والعديد من شركات التكنلوجيا الصغيرة هي اكثر تمثيلا للمناخ الحالي.

المجال الديني

وفي مجال المؤسسات الدينية يؤكد الكاتب بان نفس النزعات التي اثّرت على الشركات العالمية وعلى السياسة والحروب اثّرت ايضا بنفس المقدار على الكنائس، خاصة ان مقدرة الكنائس الصغيرة للظهور والنمو اصبحت مرتبطة بقدرتها على التكيف للبيئة المحيطة بها بشكل افضل واسرع من الكنائس الكبيرة.

البعض لا يتفق مع الكاتب في محاولته ادخال الدين ضمن نموذجه الافتراضي. منظمات الاديان التقليدية يفترض لديها القوة لتقرير مجموعة المعتقدات التي يتبعها الناس. ولكن المرء لا يجد دائما الاديان منظمة وفق خطوط ويبرية . ايضا نعتقد انه في الولايات المتحدة الحالية الكثير من السلطات تأتي من هوليود ومن الاكاديمية، ولا نجد في اي من هذه الحالات ممارسة للسلطة من جانب بيروقراطية مركزية.

ومن جهة اخرى، نعتقد ان الكاتب كان صائبا في تصوره عن النزعات في الحوكمة السياسية وفي الاعمال. في الحوكمة، كانت الاوتوقراطية تضمحل وكانت هناك نزعة للحكومات المركزية لإرخاء قبضتها على المناطق والمدن. يبدو ان النزعة في الدول الصغيرة وفي الاسواق الصاعدة هي نحو التحرر الاقتصادي.

في الولايات المتحدة، يرى الكاتب ان حركة الاحتجاج على الوول ستريت وحزب الشاي دليلا على تضاؤل القوة السياسية.عن الاولى هو يكتب:

بالنسبة الى سرعة وتاثير الاشكال الجديدة للمنظمات الافقية، فان حركات الاحتجاج ايضا كشفت عن تآكل الاحتكار الذي امتلكته الاحزاب السياسية التقليدية على القنوات التي ينقل من خلالها اعضاء المجتمع مشاكلهم وآمالهم وطلباتهم.

وعن الاخيرة يكتب:

معظم الاحزاب السياسية القديمة غير قادرة على تعبئة القوى التي امتلكتها في يوم ما. مثال على ذلك الضم الاكراهي للحزب الجمهوري من جانب حزب الشاي.

ان احترام الكاتب لحركة الاحتجاج ونقده لحزب الشاي يشير الى شيء ما حول ميوله الايديولوجية. هو يرى ان الانتصارات السياسية لباراك اوباما تجسد المشاركة الشعبية الجيدة رغم سيطرة الدولة على برنامجه الاقتصادي.

في الحقيقة، يجادل الكاتب في الفصل الختامي للكتاب ان "الثورة الذهنية"ذهبت بعيدا في قيادة الناس نحو ازدراء الاحزاب السياسية والحكومة المركزية. هو يكتب:

ان الثقة في المنظمات غير الحكومية نمت بنفس سرعة الانحدار في الثقة بالاحزاب السياسية .. النمو في المنظمات غير الحكومية هي بالنتيجة نزعة مرحب بها. ما هو اقل ترحيبا والذي يجب وقفه هو التآكل في موقف الناس من الاحزاب السياسية والتي هي في عدة دول – ايطاليا، روسيا، فنزويلا قادت الى اختفائها الحقيقي واستبدالها بمكائن انتخابية ذات اغراض محددة.

الهياكل الاقل هيراركية مكّنت المنظمات غير الحكومية لتكون اكثر اناقة وتكيفا واكثر استجابة لتوقعات وحاجات اعضاءها، وهكذا هي تساعد ايضا الاحزاب السياسية للوصول الى اعضاء جدد، وتصبح اكثر سرعة في التقدم ببرامجها وافضل في مواجهة التبسيطيين الذين يبحثون عن السلطة داخل وخارج الحزب ...

فقط عندما نحافظ على الثقة في النظام السياسي في البلاد ومن ثم نمنح القادة القدرة على احتواء تآكل القوة وتمكينهم من عمل قرارات صعبة وتجنب الجمود في المواقف سنكون قادرين على معالجة التحديات العالمية الملحة .. الحفاظ على الثقة واعادة اختراع الاحزاب السياسية وايجاد طرق جديدة يستطيع فيها المواطنون المشاركة في العملية السياسية وخلق آليات جديدة للحوكمة الفعالة، وتقليص التاثيرات السيئة لاجراءات الفصل بين السلطات (Balances and cheaks) مع رفض التركيز المفرط للسلطة اللامسؤولة وتعزيز مقدرة الدول القومية للعمل مع بعضها يجب ان يكون الهدف المركزي حاليا. يرى الكاتب ان البيروقراطية الويبرية اصبحت اقل تاثيرا بسبب ضياع الثقة لدى الناس، لكن هناك من يرى ان السببية تسير بالاتجاه المعاكس، اي ان الناس فقدوا الثقة بالحكومة لأن البيروقراطية الويبرية اصبحت اقل تاثيرا.

الثورات الثلاث للكاتب المؤلفة من الوفرة الواسعة، الهجرة والسفر السريع، والاعتماد الكبير على العقل بدلا من الايمان، جميعها تساعد في جعل التنظيم الهيراركي اقل فعالية . وبدلا من ذلك، اصبحت الشبكات والاسواق هي الافضل في مسايرة عالم المعلومات المكثفة. نرى ان ما نحتاجه اليوم هو ليس الاحترام الزائد للمسؤولين الحكوميين وانما نحتاج الى تفويض الصلاحيات بعيدا عن اولئك المسؤولين.

وبالرغم من هذه الملاحظات، نرى ان نهاية القوة هو كتاب عميق وهام جمع فيه الكاتب بين التفكير المفاهيمي القوي والقدرة على تلخيص دليل احصائي هام. الكتاب ثمين خصيصا في تبيان اهمية النمو والتغيير الذي يحدث في الاقتصاديات الناشئة في العالم.

 

حاتم حميد محسن

.................

الهوامش

(1) موسى نعيم هو صحفي وكاتب ولد عام 1952 في طرابلس بليبيا، فنزويلي الجنسية، حصل على الدكتوراه من معهد ماسوسيتش للتكنلوجيا MIT، عمل وزيرا للتجارة والصناعة في فنزويلا من عام 1989 الى عام 1990 وكمحرر في مجلة السياسة الخارجية، صدرت له عدة مطبوعات من بينها كتابه الحالي (نهاية القوة ..) الذي جادل فيه بانه اصبح من السهل الحصول على السلطة، ومن الصعب استعمالها، ومن السهولة فقدانها بسبب الانفجار الديموغرافي وزيادة حركة الناس والتحول في المعتقدات الثقافية.هذا الكتاب صُنف كأحسن كتاب في عام 2013.الرئيس كلنتون ذكر ان الكتاب سيغير الطريقة التي نقرأ بها الاخبار و نفكر بها في السياسة و ننظر بها الى العالم.الكتاب تُرجم الى عشر لغات من بينها العربية.

(2) كتاب نهاية السلطة: من غرف مجالس الادارة الى ساحات القتال، و الكنائس و الدول، لماذا لم يعد تولّي المسؤولية كما كان في السابق؟صدر عام 2013 عن دار بايسك بوكس - نيويورك.

  

 

ضياء نافععلمت الآن (في مساء هذا اليوم 10/5 /2018) برحيل الاستاذ الدكتور علي يحيى منصور، اذ استلمت رسالة الكترونية من زوجته (ولا يطاوعني قلبي ان أكتب – أرملته) السيدة الفاضلة كفاح السوداني ام محمد، تعلمني فيها بذلك الخبر الحزين، وها انذا احاول ان الملم افكاري وذكرياتي كي اكتب كلمات وداع بحق هذا الصديق الصدوق والاستاذ الجليل والتربوي الكبير والاكاديمي البارز في تاريخ العراق المعاصر.

علي منصور واحد من أعلام اللغات في العراق، اذ كان يتقن عدة لغات – وبشكل علمي معمق - هي العربية والكردية والتركمانية والانكليزية والالمانية وقليلا من الفرنسية والفارسية والارمنية والسريانية، وكل هذه المعرفة اللغوية الواسعة و المتنوعة جاءت نتيجة لمسيرة حياته وموهبته، فهو من أب عراقي عربي وام عراقية كردية، وقد ولد في كركوك، وهناك تعلّم التركمانية ايضا بحكم وضع المدينة (يمكن ان نعتبره رمزا رائعا لوحدة العراق التي لا تنفصم !)، ثم التحق في قسم اللغة الانكليزية في دار المعلمين العالية في بغداد وتخرج فيها واصبح مدرسا متميزا للغة الانكليزية، وعمل في عدة مدارس في مدن عراقية مختلفة آنذاك، ثم حصل على زمالة دراسية في المانيا، والتحق في جامعة هامبورغ ودرس هناك ونال شهادة الدكتوراه في الادب المقارن، وعاد الى العراق واصبح تدريسيّا في جامعة بغداد، وعندما بدأت انا بالعمل في قسم اللغات الاوربية (فرع اللغة الروسية) في كلية الآداب بجامعة بغداد للعام الدراسي 1972 / 1973 التقيته هناك، اذ كان هو أحد أبرز العاملين في فرع اللغة الالمانية، و تعارفنا طبعا ووجدنا لغة التفاهم المشتركة بيننا، فقد كان هادئ الطبع وطيّب المعشر ويتحلّى بتواضع العلماء ومحترما من قبل الجميع اساتذة وادارة وطلبة، وبمرور الايام اصبحت العلاقات اوسع وأعمق، وعندما انتقلنا عام 1987 من كلية الآداب الى كلية اللغات، اصبحنا نعمل في لجان مشتركة (خصوصا اللجان الامتحانية)، وبعدئذ في مواقع عمل مشتركة، اذ اصبحنا (هو وانا) معاوني العميد، وكان التعاون والانسجام والودّ سائدا بيننا طوال فترة عملنا، مما جعلنا نتحوّل بالتدريج من زملاء في المهنة الى أصدقاء بكل ما تحمل كلمة (صداقة) من معنى، وقد تعمّقت هذه الصداقة خصوصا في عملنا المشترك في كلية اللغات المسائية، وبما اننا كنا نسكن في منطقة واحدة، فقد اصبحنا مثل الاخوة، حيث نذهب صباحا في سيارة واحدة ونرجع مساء في نفس تلك السيارة (هو وأنا وصديقنا المشترك أ.د. زهير مجيد مغامس من قسم اللغة الفرنسية)، وكنا طوال الوقت نتحدّث في شؤون اللغات وطبيعة عملنا معا، وكم كانت احاديثنا تشوبها النقاشات الحادة والصريحة جدا بخصوص الواقع العراقي المكفهر آنذاك ومشاكله المعقدة، بما فيها السياسية، الا ان تلك النقاشات كانت تجري دائما بروحيّة جميلة ووديّة وبعيدة عن التطرّف والتوتر بفضل ابتسامات علي منصور وروحه المرحة ومزاجه الرائق والهادئ دائما ونظرة التفاؤل في أعماقه تجاه كل شئ، بما فيها حتى القضايا المعقدة في حياتنا (وما أكثرها !)، اذ انه كان يجد الجمال في كل شئ، وأذكر مرة انه حاول أن يثبت لنا، ان نفرح عندما يهب (العجاج)، وذلك لان العجاج يعني (اضافة طبقة صافية من الزميج فوق الارض مجانا، وان ذلك سيؤدي الى تحسين الزراعة!) .

ختاما لهذه السطور السريعة عن الراحل علي منصور، أود أن اشير، الى انه ترك مخطوطات عديدة تأليفا وترجمة، وان تواضعه الفذّ جعله لا يتحدث عنها، او يحاول ان ينشرها، واعرف من بين هذه المخطوطات ديوان شعر مترجم عن الالمانية لمجموعة من الشعراء الالمان المعاصرين مع تعريف وجيز بحياة ومسيرة كل شاعر منهم، ويوجد بين تلك المخطوطات ايضا معجم الماني – عربي للمصطلحات الادبية، و يشرفني ان اعلن هنا، ان دار نوّار للنشر مستعدة لنشر هذين الكتابين في بغداد في حالة موافقة ورثته .

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

61 كاظم اللايذلا يمكن تحت أي مسوغ الفصل بين الإنسان و الشاعر، إلا في حالات استثنائية، وفيما يخص الشاعر(كاظم اللايذ) ومن خلال نتاجاته الشعرية، بقي يدافع عن سمو ورفعة حياة البشر اللائقة، بغض النظر عن العرق، والجنس، والدين وتفرعاته، وحتى المكان، وبالتزامن مع مواقفه الحياتية الناصعة، والتي لم يتنازل أو يتراجع عنها قط، في أزمنة الاستبداد. كما انه وبعض الأصدقاء في (البصرة) وخارجها تعاملوا مع أستاذنا النبيل، بعد أن جافته الأيام والسنوات السابقة - الراهنة المُرة، وتدهورت أوضاعه العامة - الصحية، ولم يسمحوا إطلاقا لأنفسهم في أن يُترك جانباً و يبقى "وحيداً "، وقد تطرقت إلى ذلك في تناولي لكتابه " دفتر على سرير الرجل المريض"، المنشور على هذه الصفحة الكريمة،ثم ضمنته في كتابي (سحر القراءة)- منشورات اتحاد أدباء وكتاب البصرة- لبنان - 2017 . وجاء في نهايته:" مبادرة الشاعر (كاظم اللايذ) في إصدار كتابه، على نفقته الخاصة، وتوزيعه مجاناً، مع مجلة (الشرارة) التي تصدر في النجف، وبالتزامن مع الذكرى الأولى لرحيل أستاذنا "محمود عبد الوهاب" تقع ضمن قيم الوفاء النادر في هذا الزمن الرديء، الذي أطاح بالكثير من القيم والثوابت النبيلة المتعارف عليها اجتماعياً، وبالترافق مع اهتماماته المتواصلة به خلال حياته، ولا يسمح الزميل (اللايذ) نهائياً،لأيٍ كان، التطرق إليها، أو الحديث عنها ".

*

الشاعر (اللايذ) وعبر مجموعاته الشعرية: (في الطريق إلى غرناطة - 1996، و النزول إلى حضرة الماء - 1999، واطراس حارس الزمن- 2012، و بوابات بصرياثا الخمس- 2015، إضافة إلى مجموعة الأخيرة :" على تخوم البرية..أجمع لها الكمأ " * وعبر موهبة شعرية، لا جدال فيها، وبقدرة متميزة على تحويل مواد الحياة الأولية إلى صور تدهش المتلقي بطراوتها، وبعد أن يعلم ويقر واقعة الغياب النهائي الذي سنخضع له كلنا ذات لحظة ما يعلن:

"سأتركُ أهلي :

صغاري الذين صنعتُ هياكلهم

وكسوتُ الهياكل لحماً..

نحَتُّ شرايينهم

وسحناتِ أوجههم

وعقائدَهم

وبذلتُ لهم ماء قلبي ..

وعلمتهمْ أن يكونوا ".

في قصائد (اللايذ)لا ثمة استسلام للإنشاءات العاطفية المبتذلة، ولا انتماء إلى الصور والاستعارات غير المألوفة، بل نتاجه الشعري ينبع من أدنى درجات سلم الألم متوجاً بمديات التوتر الإنساني العارف بلا تكلف:

" سأترك

امرأةً

كنت من غيرها

قشة في مهب الرياح

وكانت في مدى العمر

ملهمتي وعزائي

وكانت إذا ما ادلهمَّ الظلامُ

سراجي".

ثمة في شعره ذلك الإحساس بوحشة الكائن، وغياب العدالة والقهر الدائم :

"سيهجر الفلاحون قُراهم

ويرحلون إلى المدن

ليعملوا خدماً ولصوصاً ومتسولين

ستموت الغاباتُ وتنفقُ الأسماك

ويسكتُ نقيق الضفادع

وتحترقُ السنابل

سيصيرُ (دجلة العوراء)

مجرى لمياه الغسيل

وبول المدن ومَكَـبّاً للمزابل ".

ويلمس الفناء اليومي عندما تداهم الفرد والجماعات ظلمات الإرهاب الأعمى - الراهن، دون ذنوب وآثام وخطايا :

" أيها الكرّاديّـون **

لقد انتهت " الغزوة "!

وانسحبَ الآثمون إلى سراديب ظُلماتهم..

فهيا انهضوا من بين الدخان والحرائق

لتغسلوا جراحكم

وتدفنوا موتاكم

وتهيئوا أنفسكم لمذبحةٍ جديدة

لأنكم تعرفون

ان ما حصل لكم

في هذه الليلة الرمضانية الشعثاء

هو ليس الأول

ولن يكون الأخير..

.....

لقد أصبحتم مثل (هزارة) الأفغان

أولئك المناكدة

الذين عرجَ مفتي (طالبان)

من اجلهم إلى السماء

وجاء بفرمان الهي

موقع من الله

يقضي :

بإفناهم جميعاً : صغاراً وكباراً

حتى تتطهرَ منهم هضبات أفغانستان إلى الأبد

.....

أيها الكرّاديّـون..

يا ورثة النطع والسيف

يا من نجوتُم بالأمس - بمحض الصدفة -

من طوامير" السندي بن شاهك "

ومن مذبحة " هولاكو "

ومن انتقام " مراد الرابع "

ومن أحواض (التيزاب)، في زنازين صدام .

لا تظنوا أن الله قد خلقكم لشيء آخر سوى القتل

تصفحوا قراطيس التاريخ لتعرفوا ذلك..

لا ألوهيةَ من غير قرابين

لا أعياد من غير أضاحٍ

لا رسالة من غير دم ..

لستم أطفال الله المدللين ..

المدللون هناك..في بلاد بعيدة.

....

لستم أطفال الله..

انتم قرابينه المنتظرون على المذابح..

هكذا انتم

منذ أن أنزلكم (أتونابشتم)

من سفينته على الجودي

وهكذا ستمكثون..".

الصور الشعرية في قصائد(اللايذ) تبتعد بوعي و قصدية عن الترهل، فهي في قصائده تكون في خدمة المعنى والتوجه العام للقصيدة، فالشعر، عموماً، ليس من مهماته القيام باستدلالات منطقية كما انه لا يُناقِش، بل يَفْرض نفسه.

**

" اللايذ" يسترجع في شعره كثيراً ذلك الزمان الذي تميز بالقهر وخيباته، بالترافق مع ألقه الذي تبَدد عبر الانكسارات و الخيانات المتواصلة، التي ألقت بظلها الأسود على نكهة الحياة البسيطة، كما يسترجع الأصدقاء وغيابهم الفاجع، ومنهم الشاعر (مجيد الأسدي) الذي كان يتنزه ويصطاد السمك، صباحاً، بمحاذاة (الكورنيش)، وعثروا عليه صريعاً جنب النهر، وقد تناثرت عدة صيده على جرفه:

" تحومُ عليك النوارس

ملقىً على الصخر

وعيناك شاحبتان على الماءِ

وعدة صيدكَ منثورةٌ في الفراغ

وقربكَ

تسري المياهُ حثيثاً

تلامس كفك

وهي تمضي جنوباً

جنوباً..إلى البحر".

وصديقه الحميم (لؤي الناهي) الذي اختفى غفلة :

" وأنت ذاهب إلى الله

نسيتَ أن تتوقف لحظةً

لتقول لي: وداعاً

ألمْ تكن مصدّقاً

انك ذاهب ولن تعود؟

أم أنهم أخذوك على حين غرة

ولم يتركوا لكَ أيّ خيار؟".

إزاء ذلك وغيره من فواجع الرحيل غير المتوقع ليس لنا إلا الشهقات المنطوية على الأسى، ولا نندفع نحو (الغرابة) حين نراه يستخدم بعض التشبيهات من مثل "لماذا فعلتها أيها الوغد"؟! والمقصود (لؤي الناهي) صديق إسفاره نحو البلدان البعيدة، والذي نكث بوعده ورحل في صباحٍ لا يصلح للموت:

" لقد وعدتني :

ألاَّ تموت قبلي..

فلماذا فعلتها أيها الوغد؟!.

....

أغادرُ فراشي متورمَ العينينَ

إلى الطرقات

أبحث عنك..

وفي المنعطفات ألمحك

فارفع يدي إليكَ.. فلا تراني

وأصرخ بكَ

فلا تسمع صراخي......

عرجنا إلى السماء

حتى بلغنا سدرة المنتهى ...

هناك ...أقسمتَ لي :

أن لا تموت قبلي

فلماذا فعلتها؟

أيها الحبيب؟".

***

(اللايذ)، يستفيد في قصائده، بوضوح من فن السرد، الواقعي تحديداً، وعوالمه التي لا حدود لها، عبر ذلك الخيط الدرامي المتماسك، في قصائده التي لا تقع في فخ المباشرة، والغنائية الفجة، وهو يكتشف في الأمكنة التي يمر بها مهما نأت عنه و (بصرته) الغارقة في الوجدان، فيبصرَ ماضيها السحيق مكتشفاً أنها :

" منذ الألف الثالثِ

ما قبل الميلاد

في هذي الأرضِ

المسكونة بالويلات

حيث الناس خراب

والأيام يباب

والعيش كما الزقوم زعاق".

وهو إذ يحدق طويلاً في خصائصها المتوهجة قديماً، الهاربة منذ أمدٍ،والتي تومض في لحظات غيابها وحضورها، كاشفة عن المهمش والمسكوت عنه، القابع في الظلال، وحتى وان غادر مدينته على سفر نحو البلدان القصية، يبقى ذلك المفتون بها و بناسها، فيستعيد (البُصاروة) وشقتهم في (الجزائر):

" مبكرةً..

تضع (الجزائر) رأسها على البحرِ

وتنام..

شقةُ (الـبُـصاروةِ) وحدَها

تظل قناديلُها موقدة

تنبعث من نوافذها

أغاني الحنين..

....

في عطلة الصيف

تمتلئ شقةُ (الـبُـصاروة)

بالقادمينَ من الصحراء

حقائبهم من وبر الإبل

وبالنازلين من الجبال

برانسهم من جلود الماعز..

يمكثون قليلاً

ثم يختفون

تاركين على طاولة (الهول)

كؤوسهم الفارغة

وصدى أغنياتهم

التي تُشبه النحيب

....

على بعد آلاف الفراسخ

ظلت شقةُ (الـبُـصاروة)

تستقبل الهاربين

يدخلونها مثل تماثيل الشمع واجمين :

بلا كلمات

ولا حقائب

ولا جوازات سفر".

و يرى الدكاكين كـ(البغايا) تُـبدل أصحابها بالوفاة، أو البيع، أو بالمزادات، أو بالخسائر المتواصلة، ويسعى إلى القبض على بعض خصائص مدينته، عبر ذاكرة ندية - متوقدة، تغالب النسيان، فيستعيد : النوتية الهنود أصحاب السفن القادمين إليها من أعالي البحار، ومعهم جوز الهند، والأسماك المجففة، والبخور، والعنبة وحلوى(مسقط)، ويقايضونها بالتمر، والدبس،على سواحل (العشار)، وحينما اشتعلت الحرب، احتبست في (شط العرب) سفنهم، وتقطعت ببحارتها السبل،تحت سماءٍ ملبدةٍ بالدخان والرعب والجنون،وبعد أنْ نخرت القذائفُ والأمواج والجرذان سفنهم، ترجلوا منها، نحو أسواق المدينة يمدون أيديهم إلى السابلة،وكلما حدقن بهم، بائعات الخضار وأرامل الحرب،تذكرن شيئاً ما، وامتقعت وجوههن، وسالت دموعهن.ودكان(زلخا) البصري - اليهودي، بائع الأواني الزجاجية في سوق (المغايز)، والذي يقبع في قبره ميتاً بالخيانات كما ادعت الحكومة، وعلقت جثته،تلاعبها الريح، قرب ساحة (أم البروم) ذات فجرٍ ما؟!. و(فرجو) ومجلاته وكتبه ومعاجمه الأجنبية - العربية، ودكان بائع التوابل التي تجيئه من (بومبي) ولا تفقدها أعاصير البحار روائحها وطراوتها، (وخماس) بائع العصير المثلج،صيفاً، إلى الصغار والكبار، ودكان (طليا) وهو يبيع،علناً، (العَرقَ) غير المغشوش، وملهى (الفارابي) ولياليه، و(العامريُّ) مصلح ساعات الأوقات والأزمان، ومطبعة (التايمس) جنب سراي الحكومة، وتلك (السينمات) الكثيرة، التي دحرتها الأزمنة السابقة - الراهنة، وجسر (المغايز) الخشبي الذي عبرته الأقوام من شتى الجنسيات والأجناس. عبر قصائده يتفرس (كاظم اللايذ) في بقايا الأمكنة المحلية وخصوصيتها التي كلما ننأى عنها، نعود لاستعادتها، بوسائل وطرائق وصيغ شتى، ونسقط على الكثير من بعض مظاهر حياتنا الصعبة القاسية - الراهنة، الذاهبة نحو المجهول، حاجتنا للإحساس بالحماية والأمن اللذين يمكن، في لحظة نادرة، أن يتوفرا لنا.

 

جاسم العايف

.........................

* دار أمل الجديدة - دمشق - ط1 -2017 - الغلاف الفنان : صالح كريم.

** نسبة إلى منطقة الكرادة في بغداد والتي تعرضت لأكثر من عمل إرهابي مخلفاً مئات الضحايا، والمعوقين، والمفقودين حتى اللحظة.

 

 

جمعة عبد اللهكتاب يمثل روعة الاسلوبية في لغة السرد المتنوع في اصنافه، ويحمل براعة سلسة والمشوقة في جاذبيتها في شد القارئ شداً، وفي تعاطي اسلوبية اللغة الحبكة الفنية السردية، التي اقتربت من لغة الشعر . كتاب محمل بالدلالات الدالة في تعابيرها البليغة، وهي محصلة تجربة نضالية، معمقة بالمجازفات والمغامرات الخطيرة، وكل منها كافية الى تواجد عزرائيل خطاف الموت. الكتاب يمثل ترجمة للسيرة الحياتية الذاتية، مما حملت من وجع خزين الذاكرة . من سنوات عجاف ملئية بالمخاطر والموت والمعاناة القاسية والمريرة، رغم انها تجربة ذاتية لشخصية الراوي الكتاب، لكنها اتخذت صفة الجمع، للمناضلين الذي قارعوا النظام الفاشي، بالتحدي والصمود والمقاومة في الانخراط في الكفاح المسلح، ويتحدث الراوي وهو مؤلف الكتاب . النصير (يحيى علوان) حين اختار طريق الانخراط في الكفاح المسلح في فرق الانصار التابعة للحزب الشيوعي . ويكشف عن تجربة حياتية ونضالية عاصفة . بدأت من عام 1983 الى عام 1988. تجربة غنية، مليئة بالدروس والعبر النضالية، زاخرة بالمغامرات والمجازفات الخطيرة، في العمل المسلح لفرق الانصار المسلحة، وهم يواجهون الموت يومياً ولكنهم يملكون روح المجابهة والمقاومة والتحدي، لنظام القمع والارهاب الطاغي، نظام ينتهك حرمة الحياة الناس بالفناء والاعدام، في سلوك وحشي مدمرومتسلط ببشاعة القبضة الحديدية . تبدأ احداث الكتاب العاصفة بالاحداث الخطيرة، الملغمة بالموت والخراب والمجازفة، حين شد الرحال من خارج العراق، وجاء في الانخراط في العمل المسلح، كغيره الكثير من الشباب المناضل، الذي لبوا نداء الوطن، والوقوف في وجه الطغيان، بجسارة رجولية غير معهودة، رغم المعاناة والحرمان في نيرانها المنفلقة . كالقنابل العنقودية التي تلقى عليهم كهدية من النظام الفاشي، يتطرق من بداية الرحلة الشاقة، في حمل حقيبته وجاء الى كردستان العراق، مع الكثير من الشباب المفعمين بالحلم الثوري . في التجربة النضالية في الكفاح المسلح الثانية، الاولى بعد انقلاب البعث الفاشي في عام 1963 في عاهرة الثورات او بغي الثورات، ان مواصلة الكفاح المقاوم، يؤكد على رؤية المثقف السياسي الملتزم، تجاه الشعب والوطن، تجربة الحلم الثوري بالكفاح المسلح غنية عن التعريف، سواء كانت صائبة او خاطئة، لكنها واجهت السلطة الفاشية في قوتها وعنفوانها المدمر، في الرفض سياسات، انتهاج اسلوب خنق الحياة، بالقمع والارهاب والظلم، وبالسياسات الطائشة والحمقاء والرعناء، في اعلان الحرب الدموية والمجنونة ضد ايران، وتحول العراق الى مطحنة الموت والخراب والدمار. من اجل (القائد الضرورة) الاحمق، في نهج السلوك الدموي في ابادة المعارضة السياسية، بالابادة والحرق، وحتى في استخدام السلاح الكيمياوي (غاز الخردل) الذي يطلق عليه مصلح (العتاد الخاص) هذه الدموية البشعة، فقد استخدام بكل نشوة وانتصار، السلاح المدمر الكيمياوي (العتاد الخاص) ضد ارض كردستان، وكذلك ضد قوات الانصار التابعة للحزب الشيوعي . انها تجربة حياتية نضالية للشباب المناضل، ومنهم النصير (يحيى علوان) أنهم شباب يؤمنون بالوطن والشعب والتضحية في سبيله، وليس طلاب مال وكراسي، او طلاب شهرة ومجد، انهم جنود مجهولين للوطن . قدموا زهرة شبابهم من اجل الوطن (أنا لم اكن باحثاً عن ذهب او مجد او شهرة . ما كنت صياد فرص للنجومية، ولا اعتلاء عرش بطولة ! . يوصلني هذا الضمير الذي لا املك غيره، كنت اسعى مع كثرة من الصحبِ، دماؤنا على راحات أيدينا وراء حلم، بوطن خالٍ من الذل والقهر، حتى نليق به، ويليق بالكل!) ص131 . وكان حلم الشباب الذي انخرط في فرق الانصار المسلحة، مدجج بالعزيمة النضالية، هو ايقاف غول الفاشية، واطلاق سراح الوطن الاسير، عند قائد الضرورة المجنون . هذا الدافع الوحيد في تطوع الشباب، سواء من داخل العراق او من خارجه، يؤدون ضريبة نضالية الدفاع عن الوطن . وكانت كردستان العراق الانطلاقة الثورية في العمل المسلح، رغم بعض الاصوات الهجينة والشوفينية، ترفض ذلك الحلم الثوري، للذين رسموا العراق في قلوبهم وعقولهم . حتى جاءت حرب الانفال لتحرق الجميع بسموم الموت، في أبادة رهيبة، ويصف الكتاب الايام المروعبة الرهيبة بعد استخدام السلاح الكيمياوي وسقوط شهداء والناس الابرياء، في جريمة وحشية بشعة، ولم تكن متوفرة لديم، ابسط العلاج الطبي والادوية اللازمة لمعالجة سموم غاز الخردل، مما عمق الجراح المصابين بالتشويه والاختناق والموت . يتطرق الكتاب عن بداية تجمع الشاب عند الحدود، والمجازفة في الدخول الى كردستان العراق، حيث مقرات فرق الانصار المسلحة في الداخل . وتنطلق قافلتهم من الحدود التركية . بواسطة الدليل (صوفي / وهو مواطن مناضل يساري كردي / تركي) والعبور عبر الطريق المحفوف بالمخاطر في المجازفة الحياتية الخطرة، حيث الربايا العسكرية الممنتشرة على قمم الجبال، والكمائن والقناصة، ولعلعة صوت الرصاص والمدافع، التي لا تهدأ حتى في ظلام الليل الموحش، وفي النهار تغطي سقف السماء المروحيات العسكرية، التي تبحث عن القنص والصيد، وينهشهم والعطش والرعب والحذر واليقظة، ولم تكن وسيلة للدفاع عن الموت المتجول في اية لحظة، سوى مواصلة السيرالى الداخل، وهم تحت نيران القصف المدفعي والحذر من الكمائن . سوى الاصابع على الزناد، وحساب كل خطوة، قد يفاجئهم الموت . في هذا الوطن المطعون بالموت والمخاطر، وهم شباب في عز حياتهم، تركوا الغالي والنفيس في سبيل الوطن . وما عليهم سوى التحدي والمواصلة الطريق، وهم على قاب قوسين من الموت المزروع في كل مكان، ما عليهم سوى الصمت المخيف والمرعب، وهم يتقدمون نحو قاعدة الانصار (آه ! . كم بي شوق ان اغني، او ادندن بشيء، ليس لان صوتي حلو ! . ولأني احسن الغناء . بل لاكسر هذا الصمت، واروض العزلة، كي اصون كرامة الانين فيَّ . وكم أود لو اصرخ كي اصد ألحاح الصمت، بصمت أعلى) ص53 . هي كسر وحشة المكان لكي يتبدد الرعب . ولكن يستفز السؤال . لماذا الوطن العاق لا يرحم ابناءه؟، يرسلهم الى العذاب أو طاحونة الموت . او المنافي او الى الحرب، او ينحني لتقبيل حذاء الطاغي الفاشي . لماذا يكون المواطن زائد عن الحاجة يدفعه الى الجحيم . ويستشهد الكاتب، بمقولة الجواهري الكبير (لو في يدي لحبست الغيث عن وطن مستسلم، وقطعت السلسل الجاري بيع الدراهم، باعوا واشتروا وطني، فكل عشرة اميال بدينار) ص400 . لهذا يركع الوطن لحذاء جلاد وحشي مستبد، مجنون بحب العظمة، ولم يتوانى ان يدمر الوطن بالارض المحروقة (وطن بلا شعب) وبهذا يشعر بالنصر الكبير لانه استخدم غاز الخردل او مصطلح (العتاد الخاص)، لذلك لم يبق من طريق الخلاص سوى الهروب، من استنشاق الهواء السام بغاز الخردل، واختار النصير (يحيى علوان) بالنجاة في الهروب الى الحدود الايرانية، قبل ان يقع لقمة سائغة للغازات الموت، في وطن لا يعرف سوى لغة الموت في التعامل مع ابناءه، ان يكون المواطن محاصر داخل قن الدجاج، لذلك لم يجد في رحلته الى الوطن، سوى الموت والعذاب والعطش، والهواجس المدمرة، فكان ينزف قيحاً وحزناً على طفلته الصغيرة ذات الاعوام الست، التي تركها في برلين / المانيا، بحلم الوطن الموعود، فكان يناجي في معاناته (مفيستو / الشيطان في مسرحية فاوست الايرلندي، ولكن ليس بدور الشيطان وانما كرمز الذكاء والفطنة والبصيرة، في قوة المنطق) فيقول له (يا بني لا تقصص رؤياك على أحدٍ . (فتصير جباناً) في زمن يعتد بشجاعة الجهل . يستعذب رؤية خبير فيزياوي، او مثقف، يحار في تضبيط حمولة بغل . ربما لم يشهده قبلاً .... /هكذا هم المثقفون لا يحسنون غير الثرثرة . والتسيب) (مقولة يتمنطق بها (الاميون) دفاعاً عن مواقعهم) ص75 . ولكن هاهم المثقفون يمزقون هذه المقولة (لا تفسد احلام صحب، جاءوا مثلك على فراش حلم، يسترجعون زهواً، افتقدوه في شتات موحش، على أمل عود يرمم ما خلفه الغياب) ص75 . هذا الحلم الثوري الذي حملوه، في تلبية نداء الوطن . تكسر على صخرة كردستان، وتحول الى كوابيس مرعبة، في اجواء مروعة تجاوزت بالكثير، من اجواء كافكا، فهم الآن وسط الحريق، بين فكي الرصاص العشوائي المنفلت من عقاله، والمروحيات التي تغطي سماء كردستان، بحثاً عن غنائم للموت، بين فكي الجوع والعطش والمطاردات المرعبة . شباب يتساقطون في همجية وحشية (لم يبق أمامنا غير ان نلملم ذؤابات طيوفنا . نرمم المرآيا، مكسرة بعجينة ال (خياط فرفوري) حتى لا ننسى من نحن، وكيف كنا. عزاء يتيم، حيث لا مرسى في خبل العاصفة) ص37 . انهم في كهف مهجور يغيب عنه سقف السماء، انهم طرائد صيد، لذلك يتركون وصية لبعضهم البعض اذا داهمهم الموت (أحفظ أسمي يا رفيق .. فليس لدينا منْ سيوثق !) ص41 .لذلك يشد رحاله الى طهران، وهو يحمل اطنان من الحزن والمعاناة، بأنه جزع من اقتراب الموت منه عدة مرات ولم يخطفه، لذلك يدعوه ان يخطفه، ليريحه من حمل العذاب والمعاناة . ولكن (مفيستو) يشد عزم معنوياته في المواصلة والتجلد والصبر، بأنه معه يساعده على محنته الاليمة (وأنا سأرافقك منذ الآن كظلك، الذي لن أبارحك، حتى أضعك على سكة النجاة) ص100 .، ويقذف رياح الاستسلام والخيبة، ويواصل طريق رحلته الى طهران، وهو في دندنة حزينة حيث تراوده طفلته الصغيرة، التي تركها وهو غارق في الحنين والشوق لها (لهفي عليكِ ! . أنتِ . التي دوماً أنادي دون أن يأتي صدى منها . لكنها تسكن وحدتي . وحشتي الظمأي الى شيء قليل من ندى جسد، ضممت فظل يحرقني في كل نبضة . أقتات بها في زمن يمضي سريعاً، دون ان يمضي بها . لانها سمائي، في هوائي) ص142 . . ويتشوق الى ضمها الى صدره ليعوض غياب الحنان طوال رحلته ست اعوام . ويجازف بالمستحيل ويسير مع الدليل نحو الحدود الافغانية، رغم تشوه في ركبتيه، ورغم الورم في قدميه، يتخذ عكازة ويواصل السير، يتغلب على اوجاعه المؤلمة، وعند مشارف الحدود، يقع في كمين . ويتعرض الى شتى صنوف التعذيب، لانهم حسبوه جاسوس من جواسيس صدام، يعطي احداثيات للصواريخ التي بدأت تنهال على طهران والمدن الاخرى (ابن الزفرة، تكوم تمشي برجليك احسنلك ؟ لو تريد ان نسحلك سحل وننعل موته موتاك) ص201 . (يا الله سولفنه تره عدنه كل المعلومات عنك وعن ربعك . واذا تجذب راح نصلخ جلدك . أول وتالي راح نحجيك) ص202 . لم يكن امام هذا الرعب في المعاملة الوحشية، سوى الاعتراف بهويته السياسية، ليأتي الموت بعد ذلك . رغم التحذير الشديد بعدم الكشف عن هويته السياسية، يمكن ان تقوده الى المجهول المظلم . ولكن ما يخسره بعد هذه المعاناة، ليكن ما يكن وصرخ بهم (أنا شيوعي . ومنذ ست سنوات وانا في صفوف الانصار . ألاتخجلون من هذا السلوك الشائن، والتعامل المنحط مع من يقارعون صدام بكل الوسائل) ص205 . ويرمى في السجن . ولكن رفاقه في المنظمة الحزبية في طهران (والحق يقال بذلوا كل الجهود والامكانيات في مساعدته مادياً ومعنوياً . حتى تكفلوا في اخراجه من ايران الى افغانستان، ومن هناك يواصل طريقه في آمان الى عائلته) استطاعوا ان ينقذوه من السجن بتهريبه بدفع رشوة مالية لحراس السجن . وبالفعل نجحت المحاولة . وجرب حظه في المحاولة الثانية، نحو الحدود الافغانية . ونجح بذلك نحو الحرية والخلاص (اسافر بأسري نحو الغموض والتيه . فلا اخاف الموت . فالسعي نحو الحرية . حتى الموت يشكل الوجه الاخر للولادة، الاكثر دراماتيكية، لان اقصى ما فيه (الموت) هي الوحدة، ولديَّ فيض منها . يزيد عن حاجتي) ص353 . ويجد امامه في داخل مخفر الحدود الافغاني . د. كاظم حبيب (عضو المكتب السياسي للحزب سابقاً) الذي يتوله امر مساعدته واخراجه من افغانستان، والسفر الى (موسكو) وبعد ذلك الى برلين / المانيا، الى عائلته وطفلته .

هذه التجربة في الرحلة الى الوطن والانخراط في العمل في فرق الانصار . كتاب مشوق في اسلوب سرده الرشيق، الذي يجذب القارئ، ولا يتركه حتى اخر سطر منه .

 

× كتاب : مطارد بين (الله) والحدود . المؤلف يحيى علوان

× الناشر : دار الفارابي . بيروت . لبنان

× الطبعة الاولى : عام 2018

× عدد الصفحات : 416 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

 

67 علي الحسينيعرفت مدينة الحلة بنتاجها الثقافي والأدبي ودورها الرائد في الحركة الثقافية عبرَ المنتديات والدوواين ومدارسها العلمية، من خلال اسماء بارزة في المجال الادبي منهم: الشاعر صفي الدين الحلي والسيد حيدر الحلي وحماد الكوّاز وعبد المطلب الحلي وجعفر كمال الدين، وفي الحقبة المعاصرة تواصل العطاء حيث ظهرت اصوات لها شأن في المجال الادبي والثقافي والعلمي منهم : محمد مهدي البصير وجواد علوش وطه باقر وباقر سماكة وعلي جواد الطاهر وعبد الجبار عباس والشاعر الانسان علي الحسيني وآخرون.

صدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة (الأعمال الشعرية الكاملة) للشاعر الراحل علي الحسيني، الكتاب هو سلسة موسوعة علي الحسيني تسلسل (12)، وبفضل ولده البكر د. نصير الحسيني صدرت هذه السلسلة الرائعة لأعمال الحسيني الكاملة، الكتاب يتضمن (643) صفحة من الحجم الوزيري، وقد احتوى الكتاب على ثمان دواوين صادرة للشاعر في حياته وبعد رحيلة وقصائد قصيرة ومقامات عراقية وقصائد متفرقة وقصائد للأطفال، وحديث عن الحرب والحب وقصائد لم تنشر سابقاً، وقد جمعها وحققها ولده نصير الحسيني لتضم الأعمال الكاملة للراحل الحسيني، هذا العمل وفاءَ الولد لأبيه، ويعتبر جهد رائع يكشف عمق الحب والعشق لأعمال والده، فضلاً عن دقته وحرصه الشديد على متابعة وجمع وتحقيق وتوثيق جميع الأعمال الخاصة بالشاعر والناقد والأديب علي الحسيني.

ولد الشاعر علي الحسيني في مدينة الحلة عام 1938، اكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة فيها ثم انتقل عام 1954 إلى ديالى لأكمال دراسته في دار المعلمين الابتدائية في بعقوبة، عملَّ معلماً في عدة مدارس منها (صفي الدين الحلي، الرسول، العدنانية،) حتى احيل على التقاعد عام 1985. لعلي الحسيني الدور الرائد كمؤسس لاتحاد الأدباء والكتاب في بابل، ورمزاً أصيلاً من شعراء العراق، عاصر شعراء خمسينيات القرن الماضي كجماعتي الديوان وابولو، فكان غزير النتاج في مجال الشعر الوجداني فضلاً عن شعره الغنائي والسياسي، وهو شعر واضح لأن معظمه شعر سهل اللغة، وشعر التعبئة ليخاطب النفوس، وذات نزعة لتصوير الواقع بمحسنات لفظية بديعة، واغراب في الخيال، وجزالة وسلاسة مبتعداً عن الركاكة في الكلمات، ذات نزعة حماسية يقدم من خلالها صورة تاريخية حية ليتجاوب مع النزعة النفسية للإنسان، عشق الراحل مدينته الحلة وقد كتب عدة قصائد في أماكن ومرتع صباه قائلاً في قصيدة تحت عنوان (من سنوات الحلة) :

اقترض مالاً وسافر

سترى كوناً سوى كونك هذا

وترى ناساً سوى الناس الحيارى

...........

واقترضنا

ورأينا بعضَ هذا الكونِ

صاحبنا بنيه

غير أن الشوق للحلةِ

ينمو في الفؤاد

مثل زرع مستديم

إنها الجنة الناضرة

إنها الوجنةُ الآسرة

لغته في قصائده الشعرية واضحة الدلالة، تبحث عن الموضوعات الوطنية والقومية، وهي نماذج من قصائد بدت في شعره شأنها شأن جيل الرواد في الشعر الحر خمسينيات القرن الماضي، إلا أن الصفة الملازمة للشاعر في نتاجه الشعري تتصف بتنوع في الاختيار بين الصور الشعرية مما يدل على سعة ثقافته فضلاً عن موروثه الادبي والسياسي والتاريخي من خلال استخدام الرمز والاسطورة التي تشكل جزءاً من لغة التعبير الفني في قصائده.

يذكر الدكتور صفاء الحفيظ في كتابه (علي الحسيني الانسان والشاعر) ص 36 حول مصادر ثقافته قائلاً (مصادر ومنابع ثقافة الشاعر علي الحسيني كانت كل شيء له صلة بالحياة والعصر والتراث والذات، لأنه يترك بصماته بهذا الشكل أو بغيره)، ولذلك يتوضح لنا أن الشاعر الحسيني قد طالع الكثير من الشعر القديم والحديث والاوروبي، ومن خلال هذه المطالعة تكونت لديه ثقافة شعرية، ابدع من خلالها في قصائده، وفي خلق صور فريدة من خلال الكتابة بلغة جديدة تميل إلى الغرابة بعيدة عن الغموض لكنها تنضح مرارة وتمرداً لواقعه الاجتماعي واحباطاته النفسية والسياسية، بعدما كانت تنطوي بروح الكفاح السياسي والثقافي المتواصل، وقصيدته تحت عنوان (رسالة للعرب) تؤكد ذلك، قائلاً :

اتركوا صفاقات حسني

واتركوا خنوع فهد

واسمعوا :

إنَّ هذا البلد

لن يلينَ

ولن ينحني جذعها قائمٌ

فهو نخلةُ للأبد

كان الحسيني ينظم الشعر لغايةٌ في نفسه من خلال خلق هذا الغذاء الروحي والوجداني، لا لغاية الترف والتزلف والشهرة، فيكتب الشعر الجميل الجيد امتداداً لجيل الرواد في العراق والوطن العربي، فكانت قصائده الغنائية هي سرد لأقصوصة البنّية الدرامية في خلق مواقف داخل القصيدة العمودية، والرباعيات والمشجرات والموشحات والرباعيات، فهو في شعره ابن الواقع المعاصر، وبقصائده ابن المرحلة السياسية الحالية، إلا أن قصيدته الغنائية تمثل الغرض منها الهروب من الواقع المرير والعيش والارتماء في اجواء الطبيعة.

رحلَ رحمه الله وبشكل مأساوي نهاية حرب الخليج الثانية يوم 26/2/1991، وكأنه يتنبأ باستشهاده :

عدت اليكم حاملاً دمي

على جبين الراح

حيث جرّح الزمن

خطوطها، وحيث أثقل الزمن

دمي بحزنه الغريب.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

66 نقرة السلمانسجن نقرة السلمان أحد أقدم السجون في العراق يقع في محافظة المثنى في مدينة السماوة ناحية السلمان في منطقة صحراوية بدوية بالقرب من الحدود العراقية السعودية...أسس السجن من قبل القوات الإنكليزية المحتلة في عشرينيات القرن الماضي، لكون المنطقة نائية وهي منفى في ذلك الوقت حيث اختار الإنكليز منخفض السلمان أو ما يعرف بنقرة السلمان، لتكون مقرا لهذا السجن علما ان هنالك سجنين في نقرة السلمان أولها هو السجن الذي بناه الإنكليز والذي نتحدث عنه والآخر بني على أحد تلال السلمان في ستينيات القرن الماضي من قبل الحكومة العراقية، وهو أكبر من سابقه بكثير.

نقرة السلمان يعتبر واحد من اشرس السجون التي عرفها تاريخ العراق لذا كان دائما يتم ترحيل المثقفين والسياسيين الذي يعارضون الدولة وخاصة أولئك المنتمين لـ الحزب الشيوعي العراقي. وقد أصبح السجن رمزاً للنضال فكتب عنه الشاعر العراقي الكبير الراحل كاظم إسماعيل الگاطع وقتها قصيدة لا تزال متداولة إلى الآن على لسان ام قادمة لزيارة ولدها الشيوعي السجين هناك وتصف القصيدة بتصوير مميز مدى صعوبة الأوضاع في ذلك السجن.

صدر عن دار المكتبة الاهلية في البصرة للكاتب والباحث والأديب جاسم المطير كتابه الموسوم (نقرة السلمان) بـ (557) صفحة من الحجم الوزيري ذات الطباعة الجيدة، اهدى الكاتب الكتاب إلى سجناء نقرة السلمان ورفاقه العاملين في المنظمة الحزبية وفي الهيئة الادارية داخل السجن وإلى كل من سامي احمد العامري وعبد الوهاب طاهر وناصيف الحجاج وخضير عباس ومحمد الملا عبد الكريم ومحمد السعدي وعباس المظفر وسليم اسماعيل وكاظم فرهود وكنعان العزاوي وعباس بغدادي، الكتاب قسم إلى (50) موضوعاً و(7) ملاحق وكل ملحق هو عبارة عن رسالة، ولكل موضوع يذكر الكاتب حالة من حالات سجناء نقرة السلمان وواقعهم المرير، الكتاب عبارة عن مذكرات الباحث جاسم المطير في سجن نقرة السلمان ابان انقلاب 8 شباط 1963 والاطاحة بالجمهورية الاولى وزعيمها ومؤسسها عبد الكريم قاسم بدعم من القوى الاستعمارية والرجعية والاقطاعية، إذ يصف الكاتب حياة السجين الشيوعي وعلاقته مع إدارة السجن ورفاقه في السجن حاملي الفكر الشيوعي والماركسي، وقد احتوى الكتاب على مجموعة نادرة من صور السجناء والشهداء داخل سجن نقرة السلمان وخرجها.

المؤلف المطير من مواليد البصرة عام 1934، يقيم حالياً في هولندا، صدر له اكثر من (15) كتاباً بين رواية وقصة قصية وبحثاً ومذكرات وعشرات المقالات في الصحف والمواقع الالكترونية، الفَّ العديد من المسرحيات السياسية التي اخرجها الفنان توفيق البصري وكانت اولى مجموعته القصصية عام 1952، كما صدر له كتاباً يصف فيه حياة السجين في سجن الحلة المركزي، وفي عام 2010 صدر له كتاباً تحت عنوان مشاهدات في السينما العالمية من منشورات دار الفارابي/ بيروت.

أما هذا الكتاب (نقرة السلمان) فهو وثيقة تاريخية مهمة وثقها المطير من خلال مذكراته اليومية داخل السجن ليصف لنا حقيقة العلاقات الديمقراطية داخل مجتمع صغير اسمه السجن، التي تولدت داخل هذا السجن فكرة الحكم الذاتي من خلال مجلسه الذي يتألف من كل سجين وتحت شعار (كل سجين يخدم كل سجين)، فسجن نقرة السلمان تجاوز عدد نزلائه عام 1963 حوالي ثلاثة آلاف سجين ومحتجز بلا محاكمة، وقيل أن السجن ضم أكثر من أربعة آلاف سجين ومحتجز قبل عام 1963، لا يثبت عدد السجناء على رقم واحد فهو في حركة دائبة صعوداً ونزولاً، يدخله يومياً عشرات السجناء وينقل منه يومياص بالعشرات، السجن كما عبرَّ عنه الكاتب في ص29 قائلاً هو : (أول جمهورية شيوعية حرّة في عمق الصحراء تحاول ان تجرب المساواة والديمقراطية بعذاب مشترك واحد وبسعادة مشتركة محدودة بنفس الحدود لجميع مواطنيها).

سجن نقرة السلمان هو أول اسطورة من اساطير الديمقراطية في الظروف القاسية وتركيبتها الاجتماعية القاسية المتوفرة في النقرة، أراد الانقلابيون من وضع هذه الشريحة المثقفة في هذا السجن الصحراوي حقاً هو الانقطاع عن العالم، ولما يجري على أرض العراق وفي الكرة الارضية كلها، ومسح ذاكرة السجين الشيوعي وأن تكون ارادته عاجزة عن كل تخطيط من اجل مستقبل مغاير، فالسجانون لا يعرفون ان السجناء ارادوا ان يواصلوا اشادة حضارة لبلادهم متجددة بفعالية الافكار المتجددة، فالسجناء والسجانون يتقاسمون ازمات ونوائب العيش الصحراوي المرّ، فكان السجانون يبحثون ويجوبون الصحراء ليوفروا للسجناء أماكن آبار الماء العذب، ويخالفون أوامر الحكومة في اشياء أخرى منها : تزويدهم بالأقلام والأوراق والكتب الممنوعة والراديوات والمسجلات والصحف والمجلات، يقول المطير في ص34 (لا حضارة للسجناء من دون وسائل الاتصال بالعالم الخارجي)، كما أن مدير السجن نفسه والاداريين كانوا يتحاشون فرض قساوة السجان على السجين.

أشاد السجناء الشيوعيين أنفسهم بداخل السجن وبموجب تخطيط هندسي مدروس قام به بعض السجناء المهندسين ومن ذوي الخبرة مبانٍ عديدة، (المطبخ، المستوصف، قاعة صغيرة للاجتماعات الحزبية، مقراً لتحرير واستنساخ الجريدة اليومية التي يصدرها السجناء، الحمامات، ساحة نظامية لكرة القدم والسلة والطائرة، ساحة لكرة الريشة والمنضدة، ومكان مخصص لكمال الاجسام، صفوف دراسية، زراعة اليوكالبتوز في اطراف ساحات السجن لصد العواصف الرملية، هذه كلها تعتبر ظاهرة عمرانية في أول جمهورية شيوعية حرة.

كانت الطبابة المنتشرة في قاعات السجن هي الطريقة البدائية في التطبيب من خلال طب الاعشاب وبعض الروحانيات الذي يقوم به كاكه عمر، فضلاً عن ذهاب السجين لغرض مراجعة الطبيب في مستشفى الديوانية الجمهوري.

الحكام والحكومات يتصورون أن وجود السجين بين الجدران ينجز عملية تعقيل المتمردين ضدهم، لكنهم تناسوا أماني السجين في الحياة الحركة الكريمة، وطموحه في التعلم من خلال دروس العقل والعقلانية والبحث عن امكانية المواءمة بين الحق والحب، بين الحق والجمال، بين الحرية والصدق، بين العمق والصفاء، بين السجن والنضال، الكثير من السجناء العاشقين للأدب وضروب الشعر الشعبي تطورت قابليتهم في كتابة الشعر ومنهم "الشاعر والمغني سعدي الحديثي والشاعر مظفر النواب، والشاعر الغزلي الشعبي زهير الدجيلي، والشاعر والمحامي هاشم صاحب، والشاعر الفريد سمعان، وشعراء القصيدة الحسينية.

ان العقلانية المعززة بالخيال هي وحدها التي تستطيع أن تحول الحلم إلى نور يحتقر التزمت الذي لا مبرر له في علاقة الانسان بأخيه الانسان، فالسجين في أية لحظة ربما يواجه الموت غدراً كما هو حال سلام عادل وجمال الحيدري وابو سعيد وعدنان البراك وحمزة سلمان وآخرين.

الكتاب عبارة عن وثيقة تاريخية أرخت مرحلة وحقبة من تاريخ السجين الشيوعي والمنظمة الحزبية والصحافة الشيوعية في سجن نقرة السلمان، فسجن نقرة السلمان بعد تجربة تنظيمات الحزب ابان حقبة الجمهورية الاولى 1958 كان يغلي بالمناقشات والافكار السلبية والايجابية حول اسباب فشل الثورة والقضاء على منجزاتها بسبب تدخل العامل الخارجي العربي والاجنبي، والعامل الداخلي المتمثل بالإقطاع والرجعية ورجال الدين وحزب البعث العربي والقوميين العرب، فكانت آراء كثيرة تؤكد أن انتكاسة ثورة تموز 1958 مرجعها الاساسي هو الفعل الامريكي المحموم ضد الشيوعية في العراق وفي الوطن العربي وضد حركة التحرر الوطنية كلها.

وينقل لنا الكاتب جاسم المطير من خلال كتابه (نقرة السلمان) واقع حال السجين السياسي وواقع حال الصراع داخل السجن الذي اصبح العامل السياسي يتدخل في العلاقات بين صفوف السجناء وفي حياتهم ايضاً، اصبح هذا العامل مؤثراً في سيرة حياة كل سجين وفي مستقبله، وقد استغلت نفس العامل مجموعة من النفوس اليائسة في تبرير مواقفها الانهزامية أو التراجعية، كما تستغله نفوس أخرى لتبرير اخطائها، فقد تداخلت الخيوط مع بعضها، مما زاد أحياناً في تخبط وقلق وفوضى الكثير من الآراء المطروحة وهي حالات استثنائية، إلاّ أن السجين الشيوعي ظل على مبادئه وعلى احترام المجتمع لمواقفه الصلبة وتصرفه الهادئ العقلاني المتزن.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي