رائد جبار كاظمأضواء على كتاب (اللاهوت المزيف) لجعفر نجم نصر

بعقل نقدي أركلوجي، وبمنهج أكاديمي علمي رصين، وبطرح موضوعي شجاع وجرئ، وبقراءة سسيوثقافية، سسيوسياسية، سسيودينية مميزة، يطل علينا الصديق الدكتور جعفر نجم نصر(*) بكتابه الجديد (اللاهوت المزيف: الاسلام والسياسة وفخ الأيديولوجيا منظورات متعددة) الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي في لبنان بطبعته الأولى عام 2017، بصفحاته (408)، والذي يحمل من الموضوعات والافكار الساخنة والراهنة الشيء الكثير.

في الكتاب جهد ورؤى وأفكار وطروحات مميزة تناولها الباحث على طول خارطة كتابه، والموضوع الرئيس في كتابه هو (الاسلام السياسي) الموضوع الأشد سخونة على الساحة العربية والاسلامية والعالمية اليوم، ومحاولة قراءة هذا الخطاب بوجهات نظر مختلفة وفقاً للأيديولوجيات السائدة من قبل المثقفين والمفكرين والحركات الدينية والسياسية المنتشرة في العالمين العربي والاسلامي، أبتداءً من الحركات الدينية السلفية التي ظهرت في القرنين الثامن والتاسع عشر مع الوهابية والسنوسية والمهدية، ودعوات رموز الاصلاح الديني منذ رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الافغاني ومحمد عبدة مروراً الى القرن العشرين وأفكار حسن البنا والاخوان المسلمين وسيد قطب وغيرهم، أستمراراً للحظة الراهنة التي نعيشها في القرن الحادي والعشرين وما جرى من أحداث منذ حدث 11 سبتمبر 2001 في أميريكا وما شهدته المنطقة العربية والاسلامية والعالمية من عنف وارهاب وتطرف، نتيجة للخطاب الاصولي المتشدد الذي يعيشه العالم، أصولية دينية من جهة وأصولية سياسية م جهة أخرى، تشدد اسلامي وتشدد غربي، صراع المركزيات والارادات وليس صراع الحضارات والاديان والثقافات كما يدّعون.

أنطلق المؤلف منذ فصول كتابه الأولى ليوضح الأثر الكبير والسيء الذي تحدثه الايديولوجيا من توجهات مختلفة ومتشددة لدى من يتأدلج، والأيديولوجيا (فخ) كما يسميها، بل هي بئر عميقة لا يخرج منها من وقع فيها، ولا يدرك حجم خطورة هذا الفخ ولا يشعر بهيمنته عليه، فالشخص المؤدلج واقع تحت سحر كبير لا يشعر به أبداً، بل هو أشبه بالشخص المخدر أو الأعمى الذي يقاد الى حيث لا يدري، هو يدافع عن أفكار ومعتقدات قومه وجماعته وحزبه كمن يدافع الشخص عن عرضه وأرضه وماله، يستميت ويستقتل من أجل ذلك، ولا تأخذه لومة لائم مهما كان الثمن. وقد وقع في هذا الفخ جمع كثير من العامة والخاصة، تحت شعارات وعبارات وأفكار شتى، والشخص المؤدلج لا يؤمن الا بذاته وجماعته ولا يعرف الآخر أبداً، وهذا ما بدا في (خطاب الحركات الاسلامية وروادها) حين وجهوا الجماعات والمجتمعات الاسلامية للايمان بدينهم وأفكارهم والنيل من أفكار الآخرين ورفض فكرهم وحضارتهم (الآخر الغربي) أو (الكافر) من منظور بعض الحركات الاصولية المتطرفة، ومحاولة تصحيح مسار المجتمعات (الجاهلية) التي تعيش بيننا بلغة الإخوان المسلمين، وفرض الوصاية والحاكمية المطلقة على البشر، كحق يتفرد به الانسان المسلم على مجتمعه وعلى غيره من المجتمعات حسب الايديولوجية الاخوانية والحركات الاسلامية التي تؤمن بولاية الفقيه.

لقد نجح الكاتب نجاحاً باهراً من خلال تحليل وتفكيك خطاب الحركات الاسلامية ورواد الاصلاح العربي الاسلامي (عصر النهضة العربي الحديث) ولحظة الالتقاء مع الآخر (الغرب) لحظة الصدمة وسؤال الهوية المركزي الذي أقض مضجع المفكر العربي الحديث، والذي يعد السؤال الأيديولوجي الأساس الذي هو (لماذا تقدم الغرب وتأخر العرب والمسلمون)، والذي تُرجم الى كتابات ومشاريع عمل مختلفة من قبل مفكري النهضة والذي توج بكتاب المفكر العربي شكيب أرسلان الذي يحمل نفس العنوان أو التساؤل المركزي للنهضة.

لقد أدرك المفكر العربي لحظة التفوق الغربي ولحظة الانحطاط العربي والاسلامي، منذ وطأ نابليون أرض مصر سنة1798م، لحظة لقاء التخلف والانحطاط العربي والاسلامي بالحداثة والنهضة الغربية، وعندها بدأ المفكر العربي محاولة استعادة الإرث التاريخي الكبير للحضارة العربية والاسلامية واحياها في الواقع السياسي والاجتماعي العربي الحديث. وكأن الأمر هو في استعادة التراث واحياء الماضي التليد، دون الالتفات الى الحداثة والمعاصرة ومقتضيات العصر وروحه.

بحث الدكتور جعفر في كتابه قضية الاسلام والسياسة ومدى التداخل بين الاثنين وما لعبته الايديولوجيا من أثر في نمو الخطاب السياسي الاسلامي وتشدده، منذ وفاة النبي الأكرم (ص) وحدوث الانشقاق والانقسام الكبير بين المسلمين منذ حادثة السقيفة التي فعلت أفاعيلها في التاريخ الاسلامي ماضياً وحاضراً، (فلما رحل النبي الى جوار ربه ارتَدَت تلك القبائل وزعماؤها لامة حربها وخرجت تطلب السلطة حثيثاً، وتنافسوا وتدافعوا بسيوفهم ورماحهم كيما يرثوا نبيهم، وما كان لهم في ذلك من شرعةٍ أو منهاجٍ سابق، فأقاموا أول أحجار أدلجة الاسلام عبر رفع لواء السابقة لقريش فحسب، فدانت لهم بعض أحياء وقبائل العرب قسراً، وأندفعت قبائل أخرى نحو الردة عن اسلامها.)(1)

نعم شخّص المؤلف الخلل الكبير الذي أصاب البنية الاجتماعية العربية الاسلامية بعد وفاة النبي محمد (ص) وهذا ما أشار اليه الكثير من المؤرخين وعلماء الكلام وكتاب الفرق والملل والنحل، الا أن الدكتور جعفر يرى ان هذا الخلل قد أستمر الى ايامنا هذه يغذي فكرنا وثقافتنا وواقعنا الراهن (واذا كانت القرون الاسلامية الاولى قد مارس فيها بعض الفقهاء وعلماء الكلام، فضلاً عن بعض القوى السياسية المحسوبة على الخلفاء والسلاطين أدلجة الدين ضمن سياقات جدلية موضوعة (الامامة)، الا أن القرون القريبة أي القرنين التاسع عشر والقرن العشرين نجد أن جدلية الاسلام والسياسة أُعيد صياغتها بأدوات جديدة تتلائم والمتغيرات الكونية والمحلية التي أسهمت في رؤى فكرية جديدة، ولكنها على الرغم من ذلك ظلت مرتهنة بمشروع الادلجة الذي طحن العالم الاسلامي طحناً في صراعات فكرية لم تقف عند حدود الافكار فحسب بل تجاوزت ذلك عبر اقتتال دموي عصف بمجتمعات اسلامية كثيرة وما زال الى يومنا هذا).(2) الأيديولوجيا هي المحرك الأساس لمجمل الخطاب الديني الاسلامي الذي ظهر منذ عصر النهضة العربية الحديثة في خطابات مفكريها، في مواجهة الآخر (الغرب) المتفوق وفق طروحاته الجديدة وأيديولوجياته التوسعية المهيمنة على الساحة العالمية، وأن كان المؤلف يرى أن تفوق الغرب وتطوره وتقدمه انما هو بسلاح العلم والمعرفة، وحاول التحرر من سلاح الأيديولوجيا والتسلح بسلاح الأبستيمولوجيا ونقد الأفكار الأيديولوجية، الا أنني أرى أن الغرب يتحرك بدوافع أيديولوجية ايضاً لا تقل عن الآخرين من العرب والمسلمين، وبسبل وطرق معرفية وأبستيمولوجية مختلفة تستطيع من خلالها تحقيق هيمنتها ونجاحها وتفوقها على من تستطيع على وجه الأرض، فالعولمة مثلاً اليوم هي تنتسب للعلم والعالمية والمعلوماتية والمعرفة وثورة الاتصالات والتواصل، ولكن الهم الأيديولوجي حاضر بقوة في خطابها السياسي والثقافي والفكري، من خلال النظام الرأسمالي اقتصادياً والليبرالي سياسياً، فوظف الغرب اليوم المعرفة الى خدمة أيديولوجيته التي ينتصر لها. وقد سعى المؤلف الى التعمق في موضوع (علم اجتماع المعرفة) وبيان التداخل الكبير بين المنتج الفكري والمعرفي وبين الواقع المادي (الاقتصادي والاجتماعي والسياسي) للمجتمع، (فالمعرفة لها وظائف اجتماعية محددة تؤديها في داخل البناء الاجتماعي بأنساقه الاجتماعية كافة، ومما يعني ان المعرفة أنواع عدة ومن ثم تكون لها وظائف عدة في الوقت نفسه، اذ لكل معرفة معينة وظيفتها داخل المجتمع، وهذا ما تحاول كشفه (سسيولوجيا المعرفة).(3)

وقد أعتمد الكاتب في بناء أطروحته في كتابه على النظرية والفلسفة الماركسية في نظرته وقراءته لخطاب الإسلام السياسي، والباحث مؤمن أشد الايمان بما طرحه ماركس في المجال الاجتماعي والفلسفي والتاريخي، حيث يوضح ذلك الاعتماد وعلته بقوله : (سيحاول الباحث الاستفادة من النظرية الماركسية التي أكدت أهمية العامل الاقتصادي في احداث التغيرات الاجتماعية، واحداث ما يسمى بـ (الصراع الطبقي) (class conflict) وبروز الأيديولوجيا. فضلاً عن الاستفادة من طروحات علم اجتماع المعرفة...ان هذين الاتجاهين السسيولوجيين انما يحاول الباحث من خلالهما تفسير سبب ما يسمى بـ (الاسلام السياسي).(4)

ويذكرنا الكاتب هنا بالقراءة الماركسية في الفكر العربي للفلسفة الاسلامية والتاريخ الاسلامي، التي كانت مع حسين مروة والطيب تيزيني وعبد الله العروي وغيرهم من المفكرين، الذين درسوا المجتمع العربي والاسلامي وفق النظرية والفلسفة الماركسية، التي أكدت في فلسفتها على العامل الاقتصادي وعلى صراع الطبقات. اذ يرى مؤلف الدكتور جعفر ان للعوامل الاجتماعية والاقتصادية أثرها الكبير على صياغة خطاب (الاسلام السياسي) وهذا واضح جداً في قول الكاتب : (ان دعاة "الاسلام السياسي" يرتكزون على نموذج الدولة الدينية التي شكلها النبي في المدينة المنورة التي جمع فيها بين "الاقتصاد والسياسة والدين" وذلك في صراعهم مع "الدولة العثمانية" من جهة "في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين" ومع "الدول الاستعمارية" من جهة أخرى، أي بعد سقوط نظام الخلافة أي "الدولة العثمانية" اللذين كانا مستوليين على "الاقتصاد والسياسة". ومن ثم فان أطروحة ماركس "ليس وعي البشر يحدد وجودهم، بل أن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم"، تجد مكانها في تجليات "الاسلام السياسي" الذي هو وعي ديني ينبعث ويترسخ في المجتمعات العربية نتيجة المحددات الاجتماعية والاقتصادية.).(5)

ان تدافعاً أيديولوجياً واقتصادياً حدث بقوة داخل خطاب الاسلام السياسي، سواء في مواجهة الدولة العثمانية من جهة أو في مواجهة الدول الاستعمارية الغربية من جهة أخرى، وهذا التدافع سعى الى الاطاحة بالآخر وازاحته (لأجل الاستيلاء على مساحة الامتيازات التي يمتلكها.).(6)  هذا ما يراه الكاتب ويدافع عنه بقوة في كتابه.

والرؤية الجديدة التي يطرحها الدكتور جعفر في كتابه هي دعوته لتبني خطاباً فكرياً معرفياً من قبل المفكرين والمثقفين الاسلاميين، بدل الخطاب الأيديولوجي السائد في كتابات وطروحات هؤلاء المفكرين والكُتّاب، وتقديم (اسلام معرفي) بديلاً عن (الاسلام الأيديولوجي) الذي هدد وهدم مجتمعاتنا العربية والاسلامية قبل أن يحطم العالم الآخر ويهدده، فنحن المتضررين الأكبر من هذا الخطاب المقيت، الذي جعل العالم يتقدم علينا ويتخطانا بحداثته وتقدمه وتفوقه، بما أنتجنا نحن من خطاب أيديولوجي مقيت. ويتكئ المؤلف في عرض وصياغة مشروعه النقدي (الاسلام المعرفي) على مجموعة من المفكرين أمثال محمد أركون ومحمد ابي القاسم حاج حمد ومحمد مجتهد شبستري ومصطفى ملكيان وداريوش شايغان وعبد الكريم سروش، للخروج من النفق الأيديولوجي المظلم نحو آفاق أرحب من الأيديولوجيا. ولكن الدكتور جعفر ينتقد حتى تلك الطروحات النقدية ويبين صعوبتها ومصاعبها على أرض الواقع، لأن (الشروع في عملية كبرى كهذه انما يستدعي الخروج من وعلى اللاهوت الاسلامي برمته لا سيما القطاع المؤدلج منه بالدرجة الأولى...وبلحاظ تلك الطروحات يطل علينا الاسلام المعرفي الذي يسعى الى تأسيس أرضية لاهوتية جديدة، وذلك لتغيير رؤية العالم لدى حامليه، الذين يقدمون النقد والتجديد على التقليد والتعبد بالنص...فاذا كان الاسلام الأيديولوجي يهرب من محاكمة النصوص ونقدها وتشذيبها لأن حلمه الجوهري (السلطة) لا غير، فان أصحاب الاسلام المعرفي يسعون الى التغيير من (الداخل) ).(7)

 والرؤى النقدية في كتاب (اللاهوت المزيف) مبثوثة في ثنايا الكتاب وبقوة، ولكنني كم تمنيت لو أن الدكتور جعفر قد قدم لنا فصلاً أو مبحثاً أو خاتمة تحفظ حقه النقدي كباحث ومفكر في خطاب الاسلام السياسي، ليخرج لنا بموقف متميز يوضح لنا فيه رؤيته النقدية والحل الأمثل للخروج من النفق الأيديولوجي المظلم الذي يهدد وجودنا وحياتنا ومصيرنا في هذا العالم المليء بالنعرة الأصولية المتشددة دينياً وسياسياً، غرباً وشرقاً.

 وتذكرنا رؤية الدكتور جعفر نجم بالمشروع الفكري والاجتماعي للدكتور علي الوردي الذي أنطلق من المجتمع وقوانينه وما أفرزه من قضايا وأحداث سياسية وتاريخية واجتماعية لدراسة المعرفة والفكر لهذا المجتمع أو ذاك، كل حسب ظروفه الزمكانية وسياقه ونسقه التاريخي والاقتصادي، واذا كان الوردي قد أنطلق من المجتمع العراقي ودراسته، فأن جعفر نجم قد توسع في عينته ليشمل خطاب الإسلام السياسي في المجتمع العربي والاسلامي، ولكنه يقترب من آلية الوردي وأدواته، وهذا شيء لا يعيب على الكاتب وانما يضاف له، ويكفي مدرسة الوردي فخراً انها تنجب مفكرين ومثقفين وكتاباً مثل الدكتور جعفر نجم نصر، المفكر الذي يعي ما يكتب وينظّر له، بعقل نقدي أركلوجي مميز، والقريب والمتابع لإنجاز وفكر وثقافة هذا الرجل يدرك ذلك بوضوح، ويكفينا فخراً نحن في الأوساط الثقافية والاكاديمية العراقية والعربية أن نرى كاتباً صبوراً وناقداً يُقدم على حرث فكر وأرض مُلغّمة ومليئة بالمفخخات كـ (الاسلام السياسي)، ليكشف لنا زيف كم من الأفكار التي الفناها على مرّ التاريخ، والتي شحنت وغذت عواطفنا وحياتنا وتاريخنا وثقافتنا بأكاذيب زائفة جنى ثمارها تجار حروب العنف والعنف والكراهية، من خلال نشر الفكر التكفيري والفرقّي والطائفي الذي جثم على رؤوسنا وصدرنا سنين ضوئية لم نتخلص منه الى ما شاء الله، ما دامت (الأيديولوجيا) وليست (الابستيمولوجيا) والمعرفة هي من توجهنا نحو المسار، وهذا ما يجعلنا في عنف وتشنج وكراهية دائمة لا نخرج منها أبداً، لأن خطابنا المعرفي والفكري طارد لا يرحب بما هو خارج أيديولوجيته وقوقعته الفكرية.

        

د. رائد جبار كاظم. استاذ فلسفة. الجامعة المستنصرية. العراق

.............................

(*) باحث واستاذ علم الاجتماع في الجامعة المستنصرية ـ العراق. له عدد من المؤلفات في مجال الثقافة والاجتماع والعولمة وعلم الاجتماع الديني، ومهتم في مجال دراسة الفكر العربي والاسلامي المعاصر وخطاب الاسلام السياسي والحركات الدينية. ومن مؤلفاته كتاب مقدمة في انثروبولوجيا العولمة  وكتاب الانثروبولوجيا التاريخية وكتاب الذات الشيعية العراقية، رؤية نقدية،  وكتاب فصول في سوسيولوجيا الدين، ولديه قيد النشر كتاب (حصارات التأويل). فضلاً عن مشاركاته الكبيرة في المؤتمرات والندوات العلمية والفكرية الاكاديمية ومؤسسات ومنظمات المجتمع المدني ومراكز البحوث والدراسات.

هوامش

(1) د. جعفر نجم نصر. اللاهوت المزيف. ط1. مؤسسة الانتشار العربي. بيروت ـ لبنان. 2017. ص 14.

(2) المصدر نفسه. ص 15.

(3) المصدر نفسه. ص 163.

(4) المصدر نفسه. ص 143.

(5) المصدر نفسه. ص 198.

(6) المصدر نفسه. ص 208          

(7) المصدر نفسه. ص 364ـ 365.

 

      

475 ملاك العواميصدر حديثًا عن دار سوريانا بدمشق للصديقة الشاعرة السورية ملاك العوام، مجموعة نصوص شعرية تحت عنوان "ملحمة أرواح نقية"، وهي المجموعة الرابعة بعد "امرأة بلون ليلكي، من رحم الأمنيات، وترياق روح ".

تقع المجموعة في ١٣٠ صغحة من القطع الاوروبي، وصمم علافها الفنان جمال الأبطح، وتضم بين طياتها ٤٦ قصيدة  موزعة بين الغزليات والوجدانيات والوطنيات.

وتهدي ملاك مجموعتها الشعرية الى:

جياع الوفاء...

إلى القلوب التي تحب بنقاء

إلى الروح الساكنة روحي

زوجي توفيق

إلى كل امراة عرفت قيمتها بالحياة

وثارت على شرقية مجتمع

رآها وليمة مساء

إلى فلذات كبدي

رواد - ريان- سلاف- سلام

وكتب الأديب والناقد شاكر فريد حسن تذييلًا للمجموعة، فأشار إلى أن " ما يشد إلى قصائد العوام أنها صادرة عن روح شاعرية ونفس عاشقة هائمة وهادئة ذات سجية حية طيعة، دون صخب واضطراب، فالكلمات منتقاة عن دراية ومعرفة، وكل كلمة في سياقها الشعري وأبانت بكل وضوح وشفافية بعيدًا عن الافتعال والصناعة والتكلف، وشعر الفوضى الرديء ".

ملاك العوام تكتب نصوصها باسلوب الاقتراب من المعنى بكل صدق وعفوية، وبلا مواربة أو زخرفة، وهو الاسلوب السهل الممتنع، الذي يكشف عن كتابة جمالية يقع في ظلالها مزاج شعري خاص، أو كتابة المعنى.

ومن أجواء المجموعة :

قيثارة حب

...........

تراتيل ....

وترانيم .. بوح ملائكي

تنسيني ملامح الغربة بقلبي

ترسم لي على مرايا الروح

قيثارة حب.....

خبأت لك بصدري

وهج الشمس وضوء القمر .....

أبحرت في عينيك

لتكن لي  وطناً

لتكن شهقة ...

ابقت في رئتي روح الحياة.....

نبض فاضح  ينسيني اسمي

وتاريخي....

يا ألوان الفرح ...يا أنت

أسميتك

سيد وجودي...و توأم روحي

أسميتك ملاك عمري ....

ولهيب قدري

يا كل الاشياء من حولي

يا ابتسامة الفجر

يانشوة الروح

أحبك وانتظر البقية ...

نصوص " ملحمة أرواح نقية " مغلفة برومانسية واحساس أنثوي لشاعرة تجيد حياكة الأحاسيس والدهشه، وتدوّن ما تختلجه انفاسها الشعرية.

ومع الترحيب بالمجموعة، نهنىء الصديقة الشاعرة ملاك العوام، ونتمنى لها المزيد من التألق والزهو والابداع.

***

كتب: شاكر فريد حسن

 

473 امبراطورية الاشياءكتاب فرانك ترنتمان (امبراطورية الاشياء) عمل هام وملفت يشبه كتاب منهجي في تدريس التاريخ. انه يتوغل في تاريخ عدة دول ليرى كيف انتقلت السلع من مكان الى آخر. يجب ملاحظة ان الاستهلاك ليس فكرة جديدة وانما تطور بسرعة بفضل العصر الصناعي وظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية.

كيف تغيرت المواقف من الاستهلاك المادي على مر العصور؟ الكاتب يعرض تاريخا طموحا لهذا الموضوع بدءاً من القرون الوسطى وحتى الوقت الحاضر استوفى فيه الآراء المؤيدة والمعارضة للاستهلاك المادي. كارل ماركس اعتبر الاستهلاكية خطيرة اخلاقيا وربما آثمة. المجتمع الاستهلاكي الذي انتقده ماركس كان يتجسد بوضوح في محلات التسوق البريطانية مثل هارودس، حيث تأتي لحوم الابقار من الارجنتين والخمر من البرتغال والمنتجات الاخرى للتجارة العالمية التي وفّرت مستويات غير مسبوقة من "عبادة السلعة".

مصطلح الاستهلاكية consumerism وهو مشتق من اللاتينية،  ارتبط بالهدر او النفايات . بعد ماركس بقرن افترض الكاتب الايطالي ومخرج الافلام Pier Paolo Pasolini وجود عنصر فاشي في الاستهلاكية. ايطاليا الكاثولوكية كانت تتغير بسرعة في الستينات من القرن الماضي حسبما يذكر المؤلف. باسوليني صب جام غضبه على منتجات مثل العلكة والكوكا كولا والجينز وغيرها من سلع الموضة الامريكية.

لسوء الحظ باسوليني لم يستطع رؤية ان الناس الشباب سعوا دائما للتعبير عن انفسهم من خلال الارتباط العاطفي بالاشياء. الجماعات البريطانية ذات العلامات المميزة، الشركات الايطالية المتخصصة بالقهوة، مكائن الكاباجينو كلها تعمل بالضد من الطبقة الراسخة والامتثال. حاجات المستهلك تعمل احيانا على تجاهل وإضعاف الوضع القائم. عبودية الاطلسي كانت من الانظمة التجارية الاكثر كمالا في العصر الحديث. مؤيدو التجارة الحرة يميلون لرؤية الاستهلاك كتجسيد لحق الفرد بالخيار الاستهلاكي. وفق رؤيتهم الليبرالية الجديدة، انفاق النقود على السلع المادية يقوّي قيم الديمقراطية والازدهار للجميع. رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر "عرّابة الليبرالية الجديدة"، يذكر المؤلف انها سعت لتحطيم المواقف الماركسية المضادة للاستهلاكية. عندما قامت في مارس 1987 بزيارة الى موسكو السوفيتية مرتدية قبعة من الفرو، استقبلها الروس كسفيرة ترمز للحرية والثروة.

اما العناصر اليسارية الميول في الكنيسة الكاثوليكية استمروا بانتقاد "الاستهلاك الصريح" و اللامساواة في نمو المبيعات. البابا يوحنا الثالث والعشرون (اول بابا يفتح الكاثولوكية امام الجدل الماركسي) انتقد القيم الاستهلاكية في رسالته البابوية للسلام عام 1963 باعتبارها مضادة للروابط الاجتماعية. ومن جهة اخرى، احتضن العديد من المسيحيين الانجيليين في الولايات المتحدة  "انجيل الرفاهية"، حيث ان يسوع طرد صرافي العملة،  لكن التسوق قد يجلب شعورا رائعا في السعادة. كتاب ترنتمان ليس فقط عن التسوق. النصف الاول من الكتاب يسجل تاريخ "التقدم العالمي للسلع"منذ القرن الخامس عشر وحتى ظهور الاسواق في اسيا اليوم.

 من غير المدهش ان عبودية الاطلسي شغلت الكثير من الكتاب. من عام 1700 الى 1808، اصبح السكر (المنتج النهائي للعبودية البريطانية) مربحا جدا، لدرجة ان ازدهار موانئ العبيد الانجليزية مثل بريستول وليفربول كانت مشتقة من المتاجرة بما اطلق عليه المؤرخ سدني منز "الاغذية الدوائية الاستوائية". سفن العبيد الاستوائية تحمل السلع التجارية مثل البنادق والمواد المتفجرة التي تأتي من انجلترا الى افريقيا،  بعد ذلك تأتي بالعبيد من افريقيا الى الكاريبي،  واخيرا تجلب السكر والقهوة والقطن والرز والكحول مجددا الى انجلترا. انه من افضل النظم التجارية في العصر الحديث، حيث جسّد منحنى للعرض والطلب خال من العيوب.

الكتاب يؤكد الحاجة الى تقييم حقيقي وواقعي لحاجتنا للسلع والتضحيات التي نقدمها مقابل ذلك. يؤكد المؤلف على فكرة تقليل الحاجات،  والاستثمار في نوعية السلعة،  وفهم تأثير الاستهلاك على الكوكب الذي نعيش فيه.سنناقش هذه القضايا تباعا وفق تحليل الكاتب.

بيع العمل

منذ وقت طويل، سعى الناس لتلبية حاجاتهم. العوائل كانت مكتفية ذاتيا بما تصنع او تنتج. كان من النادر للعوائل ان تشتري اشياءا مصنوعة سلفا،  بدلا من ذلك، كان الناس يشترون مواد وتجهيزات وتعلّموا كيف يصنعون الاشياء فكانوا اقتصاديين في ما يستهلكون. ولكن لاحقا بدأ رب المنزل بدلا من انتاج ما يحتاجه، اتجه لبيع عمله لكي يستطيع شراء الكثير من السلع. هذا الامر تعزز بالتسويق والاعلانات وترسخ بواسطة الحكومة وببطاقات الائتمان وبمختلف الآليات التي تدفع ارباب المنازل للاعتقاد انهم ليس لديهم ما يكفي للاستهلاك.اما اليوم نحن نبيع وقتنا لأجل النقود، ثم نستعمل تلك النقود لشراء السلع. المشكلة اننا لا نعتقد اننا نمتلك سلع كافية، دائما نريد النوعية الأحدث وهذا خلق دورة لامتناهية. الاستهلاك اصبح اكثر اهمية من الانتاج.

العبيد وصناعة الاشياء الراقية

لو نظرنا الى قائمة السلع الحالية سنجد ان غالبيتها صُنع على اكتاف العبيد. من القطن الى القهوة الى الشوكولاته الى الذهب والبترول وبقية السلع كلها مواد بدأت من مستعمرات للانتاج للاسواق الكبرى. في البدء كانت بعض المواد مخصصة فقط للنخبة من الناس وكانت تُعرف بمواد الفخامة Luxury.ومع اتساع العولمة وزيادة تدفق السلع بدأت هذه السلع تصل الى الجمهور. الاسواق تطلبت انتاج واسع من هذه السلع وهو ما ادّى الى استغلال الناس للحصول على هذه المواد للاستعمال في المطبخ او للبيوت او للسيارات. ايضا من المهم ملاحظة ان العديد من المنتجات نشأت واستمرت تأتي من العالم المتطور بفعل سياسات التسويق الذكي، لكن لا مجال للشك ان اكثر المواد المفضلة تأتي من بلدان فقيرة . فمثلا اكثرية الشوكولاته تُزرع وتُحصد في غرب افريقيا وحيث تستمر عمالة الاطفال في زراعة الكاكو. كبرى شركات الشوكولاته مثل كادبري، مارس، نستل تستعمل 12% من الكاكو المنتج، لكنها لا تتحدث عن اصله.

حرية المستهلك

الاستهلاك لم يعد ضرورة للبقاء،  وانما حق في الحماية. المقدرة على امتلاك الخيار بما يُستهلك اعطى المستهلكين آمانا زائفا. الاختيار في الحقيقة خلق المزيد من النفايات، أخذ المزيد من الطاقة الذهنية. بدا الشعور به كنوع من الحرية، الخيار كبّل الناس بالشعور ان الامتلاك هو الاعظم اهمية وكبّلهم بالخوف من فقدانه.حتى بعد 11 سبتمبر طُلب من الامريكيين للذهاب لأعمالهم والاستمرار بالتسوق والسماح للاقتصاد بالعمل.

"نقد الاستهلاكية" يأتي من فريقين: الاول يرى ان اصل المشكلة  فشل اجتماعي واخلاقي. الناس باستمرار يريدون اكثر مما يحتاجون حقا، متحفزين بأصناف المنتجات واصحاب الاعلان والشركات وبرغبتهم في التمظهر وتقليد رؤسائهم. الثاني يرون "الاستهلاكية"كجزء من الافراط الكبير للنمو الاقتصادي الذي نجح بعد الحرب العالمية الثانية. لابد من تحرير المجتمعات الغنية من سحر النمو والعودة الى "صفر من النمو"ووقف الصعود المحموم في السلع المادية.احيانا كلا الرؤيتين تعملان سويا.

الائتمان والديون

الائتمان كان عاملا كبيرا في انفاق الامريكيين. إدخال نظام بطاقات الائتمان شجع رب المنزل على الشراء ثم الشراء. متوسط الامريكيين سعداء بإنفاق مدخولات الغد. الاشياء يتم شرائها عند اوقات التنزيلات وعند العروض بشراء سلعتين بسعر سلعة واحدة بما يشجع الافراط في الشراء. "اصحاب الاعلان يهتمون كثيرا بعناية النفس القلقة، هناك دائما منتج جديد قريب من المستهلك يعد بالمزيد من الاشباع والقناعة".الديون جعلت الفرد عبدا لمؤسسة الدين."التنزيلات، الكلمة السحرية، تفرغ جيوبنا، تسيء الى روتيننا اليومي، تسحرنا، تسّرنا، تخيب آمالنا".

الناس اصبحوا مدمنين على الائتمان، لشراء اشياء ليسوا بحاجة لها. الائتمان المريح يغذي عبادة التباهي والتجدد ولكن بنتائج كارثية.. "اشتر الان، ادفع لاحقا"جعلت الناس قصيري النظر وانانيين يسهل انقيادهم للمعلنين الذين يروجون فكرة ان المزيد من الاشياء يعني المزيد من احترام الذات . ما ورثناه من نفوس قانعة القي بها في الريح اثناء السعي نحو الاشباع. الكآبة اصبحت مبرمجة بالمعنى السايكولوجي والاقتصادي".

النفايات وفقدان التنوع الاحيائي

شهد القرن العشرون هبوطا حادا بالتنوع البيئي متراجعا عشرة الاف سنة من التاريخ.استهداف الشركات لمنتج نباتي معين متحديا الطبيعة لكي ينمو اكثر وبوقت اسرع يسمح بوصول المنتج الى طاولة الطعام بوقت غير طبيعي."ما نحمله للبيت في حقيبة التسوق يحمل معه الماضي المادي والمستقبل".اكوام النفايات هي تذكير بادماننا على الكثير،  فهي تذكير مستمر بالاشياء المصممة بنوع من اللامبالاة والتي لم تُصنع لكي تستمر. السلع المستعملة من العالم المتطور تنتهي لدى الدول الفقيرة التي تفتقر للتكنلوجيا والقوانين التي تمكّنها من اعادة استخدامها بشكل ملائم.التحدي الان هو ليس فقط الدول الغنية لديها مستويات عالية من الاستهلاك،  وانما الدول النامية بدأت اللحاق بالعالم المحدود الموارد مما خلق اضرارا بيئية كبيرة.

سرعة التغيير

 يلاحظ المؤلف ايضا في كتابه ان العالم احتاج لأربعة قرون لكي يزيد استهلاكه الى حد كبير،  لكن دول مثل الصين واليابان والهند احتاجت فقط الى ثلاثين سنة لتحقيق الزيادة في نموها وزيادة الطبقة الوسطى. انها فترة زمنية مدهشة لتحقيق الزيادة في الاستهلاك وما رافقه من تغييرات كبيرة في اجسامنا واسلوب حياتنا ونفاياتنا.

ماذا نستطيع عمله؟

جميعنا مستهلكون وجميعنا نشارك في نمو امبراطورية الاشياء، لكننا نستطيع فعل شيء ما عبر طرح الاسئلة التالية في كل مرة نستهلك فيها:

1- هل نحن حقا نحتاج هذه السلعة؟

2- هل نستطيع شراء هذه السلعة كنوع مستعمل؟

3- هل هي تستمر الى المدى الذي نريده؟

4- ما هي النتائج الصحية والبيئية التي تؤثر على صنع المنتج؟

الكاتب يمتنع عن اصدار الاحكام الاخلاقية. ولكن في النصف الثاني من الكتاب هو يبدو يسأل عن قيمة التجارة الحرة وعن الحركات الاستهلاكية شبه المسيحية في القرن العشرين. وفرة المستهلكين في الغرب خلق شعورا بالفضيلة عبر شراء شاي وقهوة اوكسفام(جمعية خيرية). المستهلكون المواطنون في الغرب لديهم الاستهلاك الاخلاقي الراقي بينما الاخرون لا يتمتعون في ذلك.

الكاتب في بحثه المعقد يسأل اذا كان مناخ الاصوليين الاسلاميين في النقاء والطهارة لا يمكن التوفيق فيه مع طوفان السلع الاستهلاكية. الهجوم على الكوكا كولا في ايران لم يلغ المشروبات الغازية وانما استبدلها بزمزم كولا وغيرها من السلع المستنسخة.

 

حاتم حميد محسن

.......................................

كتاب امبراطورية الاشياء:كيف اصبحنا عالما من المستهلكين للكاتب فرانك ترنتمان استاذ التاريخ في جامعة لندن، صدر عن دار بنجوين في 3 نفمبر 2016.

 

جعفر عبدالمهدي صاحبصدر حديثاً عن دار العارف – بيروت، كتاب بعنوان (نفحات نجفية) للأستاذ الدكتور محسن عبد الصاحب المظفر. في مؤلفه هذا يرى الدكتور المظفر، صاحب الإنجازات البحثية الكبيرة المعمقة، أن النجف مدينة للعطاء في ميادين الأدب والعلم والفقه وهي تفي في أكنافها علماء وكتاب، تزخر في الانتاج الفكري غير المنقطع، وهي مدينة قدسية تروي لنا حكايات الديانات (هذه إشارة من د. المظفر لاكتشاف مواقع أثرية لكنائس غمرتها رمال صحراء النجف، تلك المواقع التي كانت عامرة قبل العصر الإسلامي)، فالكتابة عن النجف لم تنته بعد، فكل من يكتب عنها سيواجه فيضاً من المعطيات تهبط من ذراها الشامخات التي لا تستطيع الكتب احتوائها ولا احصائها.

يتضمن الكتاب خمسة مباحث رئسية:

المبحث الأول: مؤسسات ثقافية نجفية (مؤسسة الأيتام في العراق، مؤسسة الجامعة الإسلامية للعلوم والمعارف، مركز الدراسات التخصصية في النجف الأشرف، جمعية منتدى النشر في النجف الأشرف).

وسنتوقف عند آخر عنوان فرعي في هذا المبحث ألا وهو الخاص بجمعية منتدى النشر (ص 45) التي تأسست عام 1935. ويأتي تركيزنا على هذا المبحث نتيجة لظهور الأفكار الإجتهادية المؤدية الى تجاوز الخط الحوزوي الكلاسيكي الذي قام منذ زمن الشيخ الطوسي في اربعينيات القرن الربع الهجري حوالي عام 1050 ميلادية. فنخبة من الشباب النجفي المتنور في النصف الأول من القرن العشرين، رأور ضرورة تطوير وتغيير منهجية أساليب وطرق تدريس العلوم الدينية وبالشكل الذي يتماشى مع متطلبات عصرهم. في مقدمة أولئك كان الشيخ محمد رضا المظفر والشيخ أحمد الوائلي والسادة محمد تقي الحكيم ومحمد جمال الهاشمي وهادي فياض وآخرون.

المبحث الثاني: معالم تراثية معمارية نجفية

وتضمن هذا المبحث ستة عناوين فرعية وهي: التطور المورفولوجي لساحة الميدان (باب الولاية) في النجف الأشرف خلال مائتي عام (1811-2012)، تاريخ الدفن في المدينة وظهور مقبرة وادي السلام، العبث بمدينة النجف عمل مرفوض، محلة المشراق في النجف بين التاريخ الجميل وزوال الذكرى، القيصرية الكتبية القديمة في النجف الأشرف، العكد اليهودي وعقد خانية.

وقد لفت نظري عنوان فرعي- فرعي في هذا المبحث حول مقبرة النجف المسيحية، يقول فيه المؤلف الدكتور محسن المظفر: " تذكر مديرية مفتشية آثار النجف أن التنقيبات عثرت على أكبر مقبرة مسيحية في العراق إذ أن أرض النجف ضمت قبوراً فرثية ومسيحية وإسلامية...وأن مساحة المقبرة المسيحية تبلغ 1416 دونماً ويسمى موضعها بـ (أم خشيم)وهي تبدأ من النجف الى المناذرة.

وقد عرفت بأنها مقبرة مسيحية بدلالة اللقى الأثرية التي تعود الى الفترة الفرثية والفترة الساسانية وفترة ما قبل الإسلام. وقبور هذه المقبرة الممتدة من أرض النجف وفي بعض أراض بحر النجف متشابهة، وأن عمر هذه المقبرة يبلغ حوالي ألفي سنة" (ص76).

حرص المؤلف أن يلفت أنظار المسؤولين والباحثين وأصحاب الشأن بضرورة السعي و التنقيب بمنطقة بحر النجف وهي تحتوي على أكثر من مقبرة ، لو أجري التنقيب فيها بصورة صحيحة يمكن أن يكتشفوا آثار " شيا " التي لم يكشف النقاب عنها بعد، وهي لا تبعد عن النجف سوى 10 كم باتجاه الطارات على طريق النجف – كربلاء. وهذه المنطقة فيها تلال قائمة تعود الى عهد المناذرة وتحتاج المنطقة الى مسح ميداني.

المبحث الثالث: مؤلفات نجفية

تناول الدكتور المظفر في هذا المبحث أربعة مؤلفين وهم:

1- السيد صدر الدين القبنجي وكتابه (الإسلام واشكاليات الحداثة).

2- عادل رؤوف وكتابه (حصارات علي – النجف تعتاش على الموتى).

3- الأساذ الدكتور جعفر هادي حسن البزوني وعرض لثلاثة من كتبه: (الدونمة بين اليهودية والإسلام) و(كتاب الحسيديم) و(قضايا وشخصيات يهودية).

4- الأستاذ الدكتور جعفر عبد المهدي صاحب وكتابه (الربيع العربي الملغوم من دايتون الى الاعتداء على الكعبة – استشراف مستقبلي لمجرى الأحداث في الوطن العربي).

وفيما يتعلق بالشخصية الأولى السيد صدر الدين القبنجي، حيث ذكر سيرته الذاتية ومؤلفاته مع عرض مستفيض لكتابه الإسلام وإشكاليات الحداثة ص 163- 170. فتم استعراض فصول الكتاب الثمانية. والذي أثار انتباهنا تعريفه للحداثة على أنها " نظرة فلسفية شاملة للعلم تنطلق من اعتبار الإنسان الفرد- في فكره وإرادته – هو المطلق الذي لا يجوز إخضاعه لأية سلطة أخرى ". سوى أن إرادة الإنسان الفرد كثيراً ما تحركها تأثيرات الهوى والنزعات الغريزية التي تفقد اختيارها للصحيح، الأمر الذي يتطلب (العقل الشاهد) وهو عقل الأنبياء والرسل كعقل هو الأكثر معرفة والأنقى ذاتاً (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراًونذير)...انتهى نص السيد القبنجي.

فالمؤلف رجل دين، ومن الطبيعي أنه يخوض غمار موضوع فلسفي وفق طرق تحليل تتناسب مع الطبيعة الذهنية لرجال الدين الذين غالباً ينهون بحوثهم بالاستشهاد بالنصوص المقدسة. فهو يذكر أن الحداثة هي " نظرة فلسفية شاملة للعلم" ليعود في زبدة قوله الى النص الديني الذي يستند الى اليقين الإيماني غير الخاضع للتحليل الإمبريقي Empirical Analysis، وهنا يكمن جوهر اعتراضنا على المنهجية التي يتبعها رجال الدين "الروحانيين" عندما يتناولون البحث في حقول معرفية تتطلب حتمية استخدام منهجية البحث التجريبي .

وفي رأينا يتمحور مفهوم الحداثة حول التطور المستمر الذي شهده العالم في نمط الإنتاج المعرفي والثقافي والتقني والاقتصادي ذلك التطور الذي انطلق من ثلاث محطات كبرى أثرت بشكل كبير على حياة الإنسان ونمط تفكيره، وهي:

أولاً- الثورة الفرنسية وتراكمات الأحداث اللاحقة التي كرست مفهوم الحرية وحقوق الإنسان وبناء الديمقراطية.

وثانيا – الثورة العلمية والتطور التقني في مختلف المجالات.

وثالثاً- شيوع الفكر الاقتصادي الليبرالي وتبني نمط الانتاج الواسع Mass Prodection.

ومما تقدم أن مفهوم الحداثة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بظاهرة التغير البنيوي والقيمي للكائن البشري، في حين أن الفكر الديني يعتمد أصلاً على تقديس النصوص وقفل باب الجدل بشأن الكرامات والقدرات التي لا تخضع للتمحيص الكمي العلمي أو المنطقي.

أما الفصل الثالث من كتاب السيد القبنجي فقد تناول (نقد مباديء الحداثة) وتتفرع منه ثلاثة مباحث الأول في نقد مبدأ الذاتية والثاني نقد مبدأ العقلانية والثالث نقد مبدأ العدمية. ومؤلف الكتاب وضع عند نهاية كل مبحث خلاصة تعتمد في قوامها على النصوص المقدسة أيضاً وخصوصاً آيات من القرآن الكريم والتي هي تخضع فقط لسلطة الإيمان أكثر مما هي نتاج بحث علمي بالمعنى الأكاديمي ووفق طرق البحث المعتمدة methodology .

وجاء الفصل الرابع بعنوان (الأسس العلمية للحداثة) والذي نراه متناغماً مع الاستنتاجات النهائية التي توصل إليها المؤلف من خلال الإحتكام الى النص القرآني الذي لا يقبل الجدل وفق النظرة الإيمانية المطلقة غير الخاضعة للتمحيص الإمبريقي.

وخصص المؤلف الفصل الخامس لنقد الحداثة، حيث ينتقد ببراعة أسس الحداثة العلمية، وهو ركز على محدودية المعرفة وأن اليقين الاستدلالي غير المباشر هو الذي يحكم معظم معلوماتنا، وأن الدين يرفض اعتبار الطبيعة عمياء ويرفض التفسير المادي وهو يستشهد بالعديد من الآيات القرآنية الكريمة. ويركز السيد القبنجي على أن الإسلام يهتم بالحقائق المادية نحو السعادة ولكن القضايا الاعتبارية – في رأيه- أكيدة فالإنسان يميل فطرياً باتجاه التمسك بعالم الميتافيزيقا ويحرص على ربح الحياة الأبدية.

وتناول الفصل السادس نظرية المعرفة Epistemology وركز الحديث على جزئية "الاهتزاز المعرفي" وقارنها بنظرية المعرفة في الفكر الإسلامي وهي، كما قال، معرفة ثابتة وأخرى متحركة وأن الوحي والعقل مصدران مهمان لها. لقد جعل الأستاذ القبنجي فكرة هذا الفصل مدخلاً للفصل السابع الذي تطرق فيه الى مباديء الفكر الإسلامي: التوحيد والنبوة والميعاد وعلى أن الإسلام منظومة فكرية متكاملة يجيب عن كل أسئلتنا عن الإنسان والكون وعن الأرض وما عليها.

ويأتي الفصل الثامن والأخير ليثير موضوعاً يتعلق بموقف كل من الفكر الحداثي والفكر الإسلامي من الدين ص 179. ونستغني عن استعراض محتوى هذا الفصل لوضوح فكرة الفصل من عنوانه. ولكن رغم معرفتنا بأن معظم مفكري الحداثة ليسوا من الملاحدة أعداء الأديان بالإضافة الى علمنا بأن الحداثة تقوم على مباديء كثيرة من أهمها مبدأ تمايز القيمة Value Differentiattion أي تمايز المجالات، وهو يعني لكل مجال معرفي استقلاله القيمي، فلا يمكن الحكم على الاقتصاد بقيم لا تنتمي لمجاله كالقيم السياسية، أو الحكم على الفلسفة بقيم كيمياوية، فعند الحديث عن السياسة يجب أن يكون ضمن القيم السياسية وكذلك الحال عند تناول القضايا الدينية.

والأستاذ الدكتور محسن المظفر يذكر بأن " الكتاب بجملته فلسفي سهل القراءة واضح العبارة وكأنه معداً ليقرأه كل الناس والمهم فيه أنه مؤثر لما فيه من قوة الاقناع في مجالي الدحض والإثبات فمن الضرورة قراءته لأنه حقيقة يزود القاريء بالكثير".

وينتقل الدكتور المظفر الى الشخصية الثانية عادل رؤوف وكتابه (حصارات علي – النجف تعتاش على الموتى). ومع الأسف الشديد لم يقدمه، المؤلف الدكتور محسن المظفر، للقراء، واستعرض الكتاب على شكل قراءة نقدية رغم ضخامته (624 صفحة) مع توقف مستفيض في عرض الفصل الثالث عشر الذي جاء تحت عنوان (علي المقابر) ص 172.

ولابد من الرجوع مجدداً الى عنوان المبحث الثالث من الفصل الثالث في النفحات (مؤلفات نجفية)، هكذا هو العنوان الذي أوقعني بتورية لم استطع فك طلاسمها، فهل الدكتور المظفر يقصد بعنوان المبحث الثالث (كتابات عن النجف)؟ أم يقصد (كتب لمؤلفين نجفيين)؟ فالمؤلفون الأربعة ثانيهم كما يبدو يحمل أسماً مستعاراً وهو شخصية مجهولة (عادل رؤوف) أما الثلاثة الآخرين فهم من أبناء المدينة (السيد صدر الدين القبنجي ود. جعفر هادي البزوني ود. جعفر عبد المهدي الحسناوي).

لم استطع معرفة السيرة الذاتية للمدعو عادل رؤوف حتى بواسطة محرك "الگو گل" فلم أفلح في العثور على تاريخ ومحل ولادته.

ويذكر الدكتور المظفر بأن مؤلف كتاب حصارات علي عندما يصف أهالي النجف بانهم يعتاشون على الموتى فانه قد اتكأ على ما قاله أحد الشيوخ للتندر والتفكه ص 180:

 واردات بلادي جنائز  وصادرات بلادي عمائم

بعدها يستمر الدكتور المظفر وهو يفند طروحات الأستاذ رؤوف حيث يستعرض واقع النجف الاقتصادي الذي يتطلب معرفة الدور الوظيفي لمؤسسات المدينة وتحديد أساسها ألاقتصادي والذي يعني بصورة عامة نشاطاتها المختلفة التي تجذب دخلا ً إلى سكانها من الأقليم، والمسماة بالنشاطات الأساسية . وأن ألنسبة بين نوعي النشاطات الاساسية وغير الاساسية تعطي صورة عن درجة المدينة الحضرية إذا كانت نسبة غير الأساسية لغير النشاطات ألأساسية 1/2 فمعنى ذلك إن العاملين في الثانية ضعف الأولى وإن المدينة حضرية ذات أعمال أساسية .

 وقد قدم الدكتور المظفر دراسة عن الأساس الإقتصادي للنجف معتمداً على طريقة جان ألاكسندر التي بنيت على مقدار دخل المدينة ونفقاتها وهي تأخذ بعدد العمال أو إجورهم , هي طريقة أقرب الى الواقع (كتاب مدينة النجف الكبرى / د . محسن المظفر) وتنص على أن المؤسسة التي عمالها 100 عامل , وأن منهم 70 % يقدمون خدمات لسكان المدينة بلا تصدير فهم غير أساسيين وعليه أن الباقي 30% يقدمون خدمات لسكان الإقليم ويحققون تصديرا ً ثم جلب منافع للمدينة من إقليمها فهي اذا ً أعمال أساسية وأن العمال أساسيون. وأن البحث عن النجف من خلال عشرات الجداول والفرز لكل الحرف والخدمات تبين أن 49.3% هم عمال أساسيون يجلبون دخلاً للنجف من خارجها وأن 50.7% من العمال غير أساسيين يقدمون خدماتهم لسكان المدينة .

 إن المدن مدينة في وجودها الى نمط علاقاتها وبخاصة اذا كانت علاقات دينية , لكنها بمرور الزمن تتحول الى مدن تجارية واحيانا صناعية مع الحفاظ على طابعها الديني .

 ويستمر الدكتور المظفر في الحديث عن الوظيفة الدينية للنجف حيث كانت في عام 1947م في مقدمة الوظائف التي تجلب دخلا ً للمدينة ثم تليها الوظيفة التجارية ثم الصناعية . وفي الأعوام 1957-1973م تقدمت الوظيفة الصناعية وغدت الوظيفة الأساس التي تجلب دخلا ً للنجف من إقليمها مما عزز نموها الحضاري والعمراني تلتها الوظيفة التجارية وتأخرت الوظيفة الدينية الى المرتبة الثانية , ومع هذا تعد الوظيفة الدينية منشطا ً للوظائف ألأخرى، ص 183.

إما في عام 2010م فأن الدراسة التي قدمها الدكتور محسن المظفر قد أثبتت أن الأساس الإقتصادي للنجف تمحور عند الوظيفة التجارية تلتها الوظيفة الصناعية وقد تراجعت الوظيفة الدينية الى مستوى متدني إذ غدت قدراتها على جلب عوائد بمستوى قريب الى المرتبة الرابعة .(كتاب : مدينة النجف / عبقرية المعاني وقدسية المكان أ .د . محسن المظفر) . إذا إؤكد على أن مدينة تقرب لأن تكون مدينة مليونية كالنجف لا يمكن أن يعتاش أهلها على الموتى . والمؤكد إن العاملين في الشؤن الدينية بمختلف أصنافها هم في حال متوسط أو فقير وهم نفر قليل لا يوازي العاملين بالصناعة ولا العاملين بالتجارة ولا حتى العاملين بالزراعة , لأن العمل بالخدمات الدينية ليس متاحاً لكل الناس إلا الذين حذقوا به وحتى الدفن عمل مضني لايستطيع أي راغب بدخول مركبه إلا أولئك الذين توارثوا العمل وإعتادوا عليه .

 يورد المؤلف في صفحة 463 عنواناً هو " وادي السلام والتأسيس الروائي القسري "

 وهنا أذكر ما أورده الدكتور المظفر في كتابه" مقبرة النجف الكبرى " بإختصار وهو أن الشيعة اعتمدوا على روايات ألأئمة الأطهار وكلها روايات صحيحة لا غبار عليها تنص على جواز نقل الموتى , وأذكر هنا ما أورده العلامة الأميني (رحمه الله) (لقد كثر اللغط حول هذه المسألة من أناس جاهلين بمواقع الأحكام حسبوا أنها من مختصات الشيعة فحسب، أن الشيعة متوافقون مع أهل المذاهب ألاربعة من جوازنقل الموتى لأغراض صحيحة إلى غير مجال موتهم قبل الدفن وبعده مهما أوصى به الميت أو لم يوص به) . ألمالكية تجوز نقل الموتى قبل الدفن وبعده , والحنابلة ترى بجوازه اذا كان الى بقعة مشرفة , والحنفية لا تعارض النقل عند أمن رائحة الميت الى بلد آخر ليدفن فيه , إما الشافعية فقد قالت بحرمة نقل الميت الى بلد آخر ليدفن فيه وقيل أنهم قالوا يكره نقل الميت إلا ان يكون بقرب مكة او المدينة او بيت المقدس أو بقرب رجل صالح , وأذا أوصى بنقله إلى ألأماكن المذكورة لزم تنفيذ وصيته" .

 ويناشد الدكتور المظفر (مؤلف كتاب حصارات علي) بقوله: أعلمك عن حصارات الإمام علي (ع) الحقيقية وحصارات محبيه أذكرها لك كالتالي :

الحصار ألأول / أن الإمام علي عند قرب منيته أوصى بالدفن في ظهر الكوفة في الموضع الذي يرقد جدثه الشريف فيه وطلب عقب موضع دفنه مخافة دولة بني أمية , فقد ورد في "كتاب الصواعق المحرقة " إن الأمام علي (ع) أول إمام أوصى بأن يخفى قبره لعلمه بما سيكون الأمر من بعده .

 الحصار الثاني / ولما عرف قبره وكشف عن موضعه , سكن العلويون وكثير من محبي الإمام حوله لرعايته وحمايته من عبث أعداءه.

الحصار الثالث / تسوير مدينة النجف بستة أسوار متتالية لحماية المدينة وقبر الإمام من المحاولات الوهابية التي تغير كل حين لهدم قبره الشريف .

الحصار الرابع / حادثتا الوهابيين في مهاجمة النجف وكانت الحادثة الإولى القيام بهجمات على الحرم الغروي المقدس وكانت الهجمات كل مرة تؤدي الى قتل اعداد من الناس في خارج السور لأن الوهابيين لا يجدوا لهم طريقا ً بعد غلق السور بوجوههم وكانت اول حادثة للوهابيين عام 1216هجرية وكانت على كربلاء ثم القدوم الى النجف لتدميرها , ثم أرسل الوهابيون سرية لنهب مشهد الامام علي (ع) وهدم قبته واخذ ما فيها من اموال لكن السرية التقت باعراب البصرة فقاتلوهم وهزموهم ص 175.

 اما الحادثة الثانية فهي هجوم الوهابيين لنفس الاغراض في هجماتهم السابقة ولكن السور ووقوف النجفيين بوجههم ومحاولتهم نقل خزائن الامام الى بغداد ساعتذاك وبرغم وجود السور كانت النجف تحاصر من قبل الوهابيين كل مرة بهدف هدم قبر الامام عليه السلام (انظر كتاب ماضي النجف وحاضرها للعلامة المحقق المرحوم الشيخ جعفر باقر ال محبوبة طبعة1958م ص 324-328).

وخلاصة رأينا في الكاتب والكتاب، أننا لا نعرف سبب تحامل الأستاذ عادل رؤوف على مدينة النجف وهجومه بشكل جمعي على أهلها وذلك أن صيغة التعميم السلبية مرفوضة في كل المعايير، فيجوز لي مثلاً أن أقول: أهل بعلبك طيبون، ولكن لا يحق لي القول: أهل بعلبك سيئون.

ما هكذا تورد الإبل يا أبن رؤوف.

ويأتي الدور للشخصية الثالثة العلامة أ. د. جعفر هادي حسن، إذ يستعرض الدكتور المظفر حياته وانجازه العلمي ص 185، فيقول عنه: بأنه عرف الدكتور جعفر منذ 48 عاماً معتمراً العقال والكوفية متمثلاً بزي قبيلته. جاهد ليرتقي مراتب العلم درجة ثم أخرى متسارعاً فيحصل على الليسانس والماجستير في اللغة العربية وآدابها من جامعة بغداد، تم تعيينه في جامعة البصرة ثم سافر الى بريطانيا وبدأ من جديد ليتخصص باللغات السامية ويحصل على البكلوريوس والماجستير والدكتوراه من جامعة مانشستر. نشر العديد من الدراسات والكتب، منها هذه الكتب الثلاثة التي استعرضها الدكتور المظفر وهي:

كتاب فرقة الدونما بين اليهودية والإسلام 1988.

كتاب اليهود الحسيديم

كتاب قضايا وشخصيات يهودية

ويذكر الدكتور جعفر في كتابه الأول فكرة المسيحانية في اليهودية كمدخل للتعرف على فرقة الدونما إذ يدور الكلام حول فكرة المسيح المخلص، رغم أنها لم تذكر في التوراة، فوضع اليهود صفات محددة للمخلص وشروطاً لظهوره، ذلك الظهور الذي سيقودهم منتصرين الى عصر ذهبي.

وأخذ اليهود يعدون أنفسهم لظهوره ولكنه لم يظهر مما جعل بعضهم يضع تبريرات لتأخر ظهوره.وظهر بعض اليهود الذي يدعي كل واحد منهم بأنه المسيح المخلص أو الممهد له (شبتاي صبي) مؤسس فرقة الدونما كان واحداً منهم.

وذكر الدكتور جعفر اليهود الذين ادعوا أنهم المسيح المخلص قبل شبتاي صبي، أولهم ثيودوس عام 44 م وقطع رأسه القائد الروماني، وادعى يهودي آخر في مصر عام 52 م وهزم من قبل الرومان. وظهر شمعون باركوخيا 132م وأختفى أثره فيما بعد. وادعى يهودي في كريت عام 448 م بأنه موسى ودليله شق البحر فأمر أتباعه دخول البحر فدخلوا وغرقوا واختفى النبي. وفي عام 645 ادعى يهودي بظهور السيد المسيح فالقي القبض عليه وصلب.

وادعى يهودي من العراق عام 720م بأنه المسيح وغيّر في أحكام اليهود ولما سأله هشام ابن عبد الملك الأموي عنمدعاه فأجاب بأن دعوته تضليل لليهود. وادعى موسى الدرعي من فارس عام 1127م ثم هرب الى فلسطين. اليهودي اليمني 1172م ادعى انه المخلص ومثل أمام الوالي وقال أن دليله سيرجع في حالة قطع رأسه وقد قطع رأسه ولم يرجع. وظهر ابراهام أبو العفية عام 1291م، وبعده جاء أشكنازي من ألمانيا وآخرون على نفس المنوال.

وقد تطرق الدكتور جعفر هادي الى قائمة طويلة من الأدعياء ومضامين ادعاءتهم وحركاتهم ومواليهم، وشرح تفاصيل واقع اليهود، وحجم البلوى التي عمت عليهم، بحيث أخذوا يصدقون الخرافات ويبحثون عن أي مخلص مهما كان ساذجاً في دعواه.

وبعد هذه المقدمات التوضيحية يقسم المؤلف كتاب الى جزأين:

الجزء الأول: شبتاي صبي مؤسس فرقة الدونمة المولود عام 1626م في أزمير، ويتطرق الباحث فيه الى ولادته ونسبه وأفكاره وتنقلاته وطروحاته وتجمع أتباعه. وإعلانه بأنه المسيح المخلص، ويربط المؤلف واصفاً احتفالات اليهود بظهور المخلص ومدى استعداداتهم للسفر الى فلسطين حيث عم التصديق بشبتاي في تركيا وهمبورغ وامستردام ووبولندا وغيرها حتى لدى يهود سوريا ومصر. وعندما توجه الى اسطنبول خرج الصدر الأعظم لاستقباله مع المستقبلين من أجل القاء القبض عليه ومثوله أمام السلطان العثماني، فتم حبسه في إحدى الجزر وبعدها مثل أمام السلطان الذي قال له سنوجه عليك وابلاً من السهام فإن نجوت فانك المسيح المخلص، عندها انهارت معنويات شبتاي واعترف للسلطان بانه حاخام فقير. وفي النهاية دعاه السلطان للإسلام فأسلم، وسمي محمد أفندي وعين حارساً، ونفر اتباعه عنه بعدما ثبت بأنه دجال وليس المسيح المخلص.

 

الجزء الثاني: فرقة الدونمة، والتي أطلق عليهم الأتراك تسمية الدونمة للدلالة على أتباع شبتاي الذين تظاهروا بالإسلام وبقوا على يهوديتهم سراً.

كتاب الحسيديم:

تناول الدكتور المظفر الكتاب الثاني للدكتور جعفر هادي حسن الحسيديم وهي تعني الإحسان ص 193، وهو اسم لجماعة من اليهود تزعمهم حاخام اسمه، بعل شم طوب (1700 – 1760)، وذلك في القرن الثامن عشر، وهم يهود ارثودوكس، لغتهم (اليدش) وهي خليط ن الألمانية والعبرية. واليوم يشكلون جماعات كبيرة العدد في الولايات المتحدة وإسرائيل وأوربا الشرقية، وهم مؤثرون لكثرة عددهم وامكانياتهم المادية وعلاقتهم بإسرائيل. ويضم كتاب الحسيديم 316 صفحة تناول فيها كل ما يتعلق بهذه الطائفة اليهودية. ويعد هذا الكتاب من الكتب النادرة في اللغة العربية لعدم تناول الباحثين العرب هذا المضمار.

كتاب قضايا وشخصيات يهودية: يضم الكتاب بين دفتيه 335 صفحة. فيبدأ العلامة د. جعفر هادي حسن التعريف بالجماعات والتنظيمات اليهودية مثل الحيريديم (المرتعدون) وفرقة اليهود القرائين، ويهود أثيوبيا (الفلاشا)، واليهود اليسوعيون (المسيحانيون)، والعبرانيون الإسرائيليون، وفرقة اليهود التبشيرية، نطوري فارتا، ومعارضتها للصهيونية وإسرائيل، الحسينديم والسناريم (يشبهون الحركة الصهيونية بالنازية)، والسفارديم والاشكناز داخل إسرائيل، واحتفال اليهود بالسنة العبرية الجديدة، والمهاجرون الروس في إسرائيل. ويفرد المؤلف عنواناً حول المنظمات اليهودية تبحث عن قبائل بني إسرائيل الضائعة لتهجيرها الى إسرائيل. والقسم الأخير من الكتاب ص 211 خصصه المؤلف أربع شخصيات يهودية بارزة وهم:

بندكت سبينوزا، (من رواد الفلسفة العقلانية في القرن السابع عشر)

أوريل داكوستا، ويعتقد (أن يهودية التوراة هي ليست يهودية الحاخاميين).

يوسف ناسي، و(مشروعه في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين في القرن السادس عشر).

يعقوب كلنزكن، (يرى بأن مقومات الأمة اللغة والأرض وليس الأفكار الدينية).

 

وينتقل البروفسور المظفر في نفحاته النجفية الى الشخصية الرابعة، أ. د. جعفر عبد المهدي صاحب (كاتب هذه السطور) وليس من المناسب أن أذكر وصف الدكتور المظفر لشخصيتي وأترك ذلك للذي يقع النفحات بين يديه، وأرى المؤلف قد أكثر في الإطراء وذلك بدافع حبه للعلم والبحث العلمي، فهو مشكور وصاحب فضل ومشكور على الإختيار أولاً والإطراء ثانياً.

فبعد أن سرد سيرتي الذاتية توجه نحو ذكر تخصصي في ميدان البحوث والتأليف في الشأن البلقاني فعدد مؤلفاتي البلقانية تحديداًوهي:

كتاب الصرب الأرثدوكس الطائفة المفترى عليها، طرابلس دار النخلة، 1997.

كتاب مشكلة كوسوفو، طرابلس، دار النخلة، 1998.

كتاب راشكا سنجق، طرابلس، دار النخلة، 2000.

كتاب الرئيس السجين، الزاوية، دار شموع الثقافة، 2003.

كتاب تفجير بؤر الصراع في البلقان،الزاوية، دار شموع الثقافة، 2003.

كتاب معاهدة دايتون، الزاوية، دار شموع الثقافة، 2003.

كتاب ألبان مقدوني، طرابلس، دار النخلة 2005.

وأشار الدكتور المظفر الى الكتب التي هي تحت الطبع، وقد انجزت فيما بعد ورأت النور وهي:

كتاب دايتون وأخلاق العولمة، النجف الأشرف، مكتبة الميزان، 2013.

كتاب كوسوفو فلسطين – نظام الأزمات، للدكتور الصربي دايان ميروفيتش، ترجمة الدكتور جعفر عبد المهدي صاحب، النجف الأشرف، مطبعة الميزان، 2013.

الربيع العربي الملغوم من دايتون حتى الإعتداء على الكعبة، الديوانية، دار نيبور 2014.

وذكر الدكتور المظفر أربعة كتب منهجية وفلسفية صدرت لي أثناء فترة ترأسي لقسم الدراسات الفلسفية والعقائدية بجامعة الزاوية الليبية. بعد ذلك أشار الى أن فخامة رئيس جمهورية صربيا تومسلاف نيكوليتش قد أصدر مرسوماً جمهورياً عام 2013 في منحي وسام الجدارة الفضي تثميناً لنشر الثقافة وخدمة الإنسانية حسبما جاء بالمرسوم في الأسباب الموجبة لإصداره.

ثم استعرض فصول الكتاب الثلاثة:

الفصل الأول: تجليات الربيع العربي.

الفصل الثاني: العرب والبلقان من التجربة نحو التمحيص.

الفصل الثالث: مقاربات العرب – دايتون

استعرض الدكتور محسن المظفر فصول الكتاب بشكل عميق ومفصل وهو بذلك يدل دلالة واضحة على أنه قاريء متعمق ومتمعن ومتقص للحقائق في قراءته، إذ لاحظنا في نهاية قراءته لكل فصل أو عنوان فرعي مبدياً رأيه بحصيلة ما قرأ، هكذا هو العلامة الجليل الدكتور محسن عبد الصاحب المظفر.

على سبيل المثال، جاء في ص 223 من (النفحات) في تقييمه الفصل الأول من (الربيع العربي الملغوم) قوله:

" يتناول الكتاب كثيراً من الأحداث والمواقف السياسية بأسلوب سلس وعرض ممتع، وجاء متضمناً ثبتاً للأعلام الواردة أسمائهم بالكتاب على أساس من التعريف بهم تعريفاً واضحاً كما اعتمد فيه على مصادر قيمة أجنبية وعربية".

أما حصيلته من قراءة الفصل الثاني (العرب والبلقان من التجربة نحو التمحيص) وردت في ص 220 من (النفحات) قائلاً: " ويدرج الباحث استهلالاً جاء فيه اعتباره أزمة البلقان ليست بعيدة عما يحدث في المنطقة العربية، وأن أحداث كلا الجانبين تنتهي الى دفع (الإسلام السياسي) للظهور على المسرح لإقاعه في المصيدة،وذلك لأن زج العامل الديني غربية، فمن جهة يبرّز الغرب الإسلاميين المتطرفين، ومن جهة أخرى يظهر نفسه مدافعاً عن الإسلام والإنسانية حتى تخيل العرب أن حرب البلقان هي حرب دينية ضد المسلمين وعلى وجه الخصوص أحداث البوسنة 1991 وحرب كوسوفو 1999. الأمر الذي يدلل على أن العرب يتحركون وفق ما يمليه عليهم الإعلام الغربي، وأنتقد المؤلف كل البحوث التي وصفت أحداث البلقان بروح من العاطفة الدينية، لأن الباحث هو الأعرف بلغتهم والدارس لمؤلفاتهم، والأكثر معرفة بشؤونهم، والميداني في معرفة الحقائق من أفواه الناس، وقد أورد تفصيلات مستفيضة عن هذا الشأن... إن المؤلف يروي لنا بالأحداث والوصف المسهب لكل الحالات في مسألة يوغسلافيا وتمزيقها، لا يمكن إيراد كل شيء هنا عنها ولذا جاء الكلام بنقاط رئيسة.".

وينتقل الدكتور المظفر لقراءة الفصل الثالث من الكتاب (مفارقات العرب – دايتون) حتى يصل الى حقيقة مفادها " أن المؤلف يكشف على أن نهاية ثورات الربيع العربي كانت مجيء الإسلاميين غير القادرين على بناء نظم سياسية (حسب رأي المؤلف) وأن المصيبة هي استدراج الغرب لوقوع العرب في الفخ المرسوم لهم في الأقطار كافة تلك التي حصل فيها الربيع العربي.

ويشير الدكتور المظفر الى الاستشراف الوارد في الكتاب (دول الخليج على الدور) وينقل النص الوارد ص126 " سوف نرى أن الموجة الأولى من الربيع العربي ستنتهي وتبدأ الموجة الثانية ...إذ سيأتي الدور الى شبه جزيرة العرب يلتهمها الربيع العربي الثاني، فمن مفارقات الدهر تقوم نظم محافظة بمساعدة ورعاية وتبني الثورات في بلدان أخرى!!!".

وينتهي عرض الدكتور المظفر لكتاب (الربيع العربي) بمقطع ص 227 يقول فيه: " إن الكتاب رائع في مفرداته ومتغيراته يظهر قدرة المؤلف على الربط بين هذه المتغيرات التي كانت قد جرت في دول البلقان والتي تحدث اليوم في البلدان العربية والإسلامية، ثم إيضاح ما جرى للأمة العربية في الماضي وما يجري لها اليوم، وموقف أمريكا والناتو من كل ذلك كفاعليين أساسيين بين مجتمعات مصابة بالغفلة. أن المؤلف يربط ويحلل ويقارن في موضوع شائك صعب.

 المبحث الرابع: (ملامح اجتماعية وفنية نجفية)

في كتابه (النفحات) يذكر البروفسور المظفر نجوم ورواد المسرح النجفي، صادق الأنصاري وعلي المطبعي وإحسان التلال ص 231. نقول وأي نجفي عاش خمسينيات القرن الناضي ولا يعرف صادق القندرجي؟ أنه علامة مضيئة لانطلاق فن التمثيل في مدينة النجف. فيقول عنه د. المظفر: " كان القندرجي يؤلف جانباً مهماً من الحياة النجفية وخاصة في الخمسينيات من القرن العشرين، وقد اعتاد على إقامة مسرحه في العراء في الشارع وحتى في الزقاق وفي البيوت. فالحياة النجفية لبساطتها وطبيعة مجتمعها يومذاك كانت تتأثر بهذا النمط من المسرح المشفوع بالقصائد الحسينية والمنولوجات الساخرة الناقدة للوضع الاجتماعي والسياسي، غير أن القندرجي لو عاد اليوم أو لو ظهر مثيل له واتبع طريقته لما أضحك الناس لما هم فيه من حياة صاخبة ومشغوليات حضارية معقدة". وذكر المؤلف شخوص المسرح العاملين مع القندرجي، كاظم البحراني (أبو جوده) والحاج حسن الترجمان ومحمد غلوم وياس خضر القزويني (المطرب النجم ياس خضر) وأحمد برميل.

وتحت عنوان فرعي (المسرح النجفي اليوم) بدأ حديثه مع النجم المسرحي الأستاذ علي المطبعي والهموم التي تواجه مسيرة المسرح في المدينة. والأستاذ المطبعي نجم من نجوم المسرح النجفي وهو من مواليد 1957، تخرج من كلية الفنون الجميلة عام 1980، حصل على جائزة أفضل نص مسرحي عن مسرحية الجدار عام 1992، وجائزة أفضل نص مسرحي 2008 عن مسرحية ماذا حصل ليلة السقوط؟ وعدد المؤلف 22 مسرحية كتبها الأستاذ المطبعي. وعندما سأله المؤلف عن عن المسرحيين المبرزين في النجف اليوم؟ فأجاب أنهم عديدون ولكن أبرزهم هم الفنانون مهدي سميسم وإحسان التلال وناظم زاهي ووأموري حبيب ويوسف الكلابي ومحسن الرماحي وهلال الكعبي وهيثم الربيعي ودخيل العكايشي.

وانتقل المؤلف في تناول سيرة الفنان إحسان التلال (رحمه الله)، فهو نجم من نجوم الفن المسرحي النجفي المبرزين جال في مسارح بغداد منذ بداية التسعينيات وذاع صيته بين الأوساط الشعبية وكان مبتغاه محاربة الدكتاتورية ومناهضة الحرب فوصل مستوى إبداعه الى أنه ينظم القصيدة الطويلة موظفة للمسرح أي أنه يحول القصيدة الى مسرحية وهذا في الشأن المسرحي إبداع لا يضاهيه إبدع. الفنان التلال نجفي المولد والنشأة، ولد عام 1963، والده الأديب الشاعر علي التلال. وكان أ.د. محمد حسين الأعرجي صديق والده، وتوقع له يوم كان صبياً أن يكون أديباً أو فناناً معتبراً. وكان الدكتور الأعرجي غالباً يسمع صاحبه هذه العبارة " انتبه لولدك يا أبا إحسان فأنه اما أن يكون شاعراً أو ممثلاً". وبالفعل أن جدية ونباهة التلال جعلته شاعرا وممثلاً ناجحاً. ونبغ التلال في كتابة النصوص المسرحية الراقية الى درجة تناول نصوصه العديد من طلبة الدراسات العليا في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد وجامعة بابل في أطاريحهم لنيل شهادة الدكتوراه أو الماجستير. وأهم الدراسات التي قدمت عن مسرحيات التلال هي اطروحة الدكتوراه التي قدمتها الطالبة السعودية الأصل لؤلؤة عبد الرحمن لجامعة السوربون عام 2002 والموسومة (أدب خارج العراق وداخله). وعدد المؤلف المسرحيات التي مثلها التلال على مسارح بغداد والنجف.

وتضمن المبحث ايضاً عناوين فرعية تتعلق بالحياة الفنية في النجف،فرقة النجف للثقافة والفنون، المسرح في النجف مكاناً.

 ويعرج المؤلف بالكتابة عن العباءة النجفية وصناعة وشائج الصوف وغزلها وحياكتها يدوياً. بعد ذلك يخصص المؤلف عنوانا للأطعمة النجفية الشهيرة وطرق تحضيرها، ص 276، حلاوة الدهين، والفسنجون، والقيمة النجفية الشهيرة، والآش. ثم ينتقل الدكتور المظفر للكتابة عن در النجف فيعرفه ويعدد أنواعه (الدر اللماع، الدر النفطي، الدر الحسيني، در أبو شعرة) ثم يأتي الحديث عن جمع الدر وجليه ومراحل إعداده وصياغته وحركة بيعه وشرائه، ودر النجف في الشعر.

وتحت عنوان النجفيون والشعائر الحسينية ص 295 يتحدث عن إقامة المآتم ولبس السواد، ووصف لمواكب العزاء، والمشي على الأقدام للزيارة. والنقطة الأخيرة في البحث الرابع فيها يستعرض الدكتور المظفر وظيفة النجف الدينية الإقليمية كاسهامات وضاءة في الحضارة الإنسانية.

 المبحث الخامس والأخير: (شخصيات نجفية)

تناول الدكتور المظفر أربع شخصيات هم السادة حسن القبنجي وجواد شبّر والدكتور حسن عيسى الحكيم وتومان عدوه ص 383.

كتاب (نفحات نجفية) للبروفسور دكتور محسن المظفر، لذيذ ممتع بمادته ومحتواه، شيق في طرحه، علمي في مناقشاته وحججه. يحتاجه كل باحث يرم معرفة النجف كصرح مدني عمراني أو معرفة تاريخها أوطبائع وعادات وتقاليد أهلها وطبيعتهم الاقتصادية والاجتماعية.

هنيئاً لنا بالدكتور المظفر،الرجل المعطاء وصاحب العديد من الانتاجات العلمية الرصينة، والوفي لمدينته التي أنجبته ووفي لعراقنا العزيز.

 

عرض: جعفر عبد المهدي صاحب

أوسلو – مملكة النرويج

 

 

465 شريعة الاسرفي كل مجتمع أو أمّة، هناك حكام وقادة وولاة أمر عقلاء يُشار إليهم بالبنان، ينحون باتجاه صالح المجتمع، يريدون خيره وفلاحه، فيعملون على تأمين حدوده بإقامة علاقات موزونة وطيبة مع دول الجوار، في المقابل هناك متهورون ومتعطشون لكل ما يخالف الطبيعة البشرية يسعون إلى توريط البلد مع الجيران وإشعال الميدان بالحروب لمطامح شخصية أو مطامع وأجندات أجنبية.

فالفريق الأول يعمل بميزان العقل ومصلحة الأمَّة، والثاني يعمل تحت نار الرغبة الجامحة في إشباع الغرائز بعيدًا عن حياة المجتمع وممتلكاته، ويشترك العقلاء مع طلاب الحروب في الرغبة في تسليح البلد، لكن العقلاء يبغون من ذلك تحصين المجتمع وتقوية ثغوره من باب خلق الجهوزية العسكرية لردع أي اعتداء خارجي أو التفكير بالإعتداء، عملا بوصية السماء: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) سورة الأنفال: 60، في حين يعمل طلاب الشهرة والحروب على خلق الجهوزية لدى صنوف العسكر تحيّنا للفرص وشن الحروب، وبالطبع لا يعدم هؤلاء الحيلة في استخدام وسائل الإعلام والضحك على الذقون وإيهام الشعب بأن الحرب هي من صالحه.

وحين يعلو صوت الرغبة والعدوان يخرس صوت العقل ذاتيا، وإن سُمع صوت هنا أو هناك تم ردعه بالنار والحديد تحت مقصلة الخيانة العظمى، ولا يدرك طلاب الدنيا خطورة الحروب على الواقع والمجتمع، وأول ضحايا الحرب هم الجنود الذين يقعون في شباك الأسر، وقد دلّت تجارب الحروب السابقة والحالية، أن الجنود الذين يقاتلون دون رسالة أو هدف، يتحينون الفرص للإنتقال الى الجبهة الثانية من الحرب وتسليم أنفسهم للنجاة بأرواحهم، وهذا ما شاهدناه بأمِّ أعيننا أثناء الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثمان سنوات (1980- 1988م)، وأثناء حرب إخراج القوات العراقية من الكويت سنة 1991م، وأثناء الحرب الأمريكية على العراق عام 2003م، فحكم حزب البعث في بغداد الذي عول على حربه مع إيران في إسقاط تجربة الثورة الإسلامية، أدرك فشله في كل معركة كبرى تنتهي الى عشرات الآلاف من القتلى والأسرى، وأدرك التجربة نفسها مع الكويت والتجربة ذاتها مع أمريكا رغم أنه كان يظن أن القوات الأميركية ستقف على أسوار بغداد لأكثر من ستة أشهر وعندها تنهار قواه وتخور، ولكن الذي شاهده العالم كله من على شاشة التلفاز وبالنقل الحي أن قوات الحرس الجمهوري التي كانت تحرس بغداد انهارت خلال أقل من 48 ساعة من وصول قوات الحلفاء على أطراف العاصمة، لأن الشعب فضلا عن الجيش العراقي أدرك أن هذه المعركة ليست معركة بلد مع قوات غازية وإنما هي معركة صراع إرادات وتطويع لحاكم حاول الخروج عن حلبة اللعبة السياسية المرسومة له.

وفي كل حرب فالأسرى هم في مقدمة الضحايا والخسائر، ولكن كما للحروب قواعد أثناء الإشتباكات تبانت عليها الأمم، فللأسرى قواعد في التعامل معهم تسالمت عليها المجموعات المتقاتلة منذ التاريخ السحيق وحتى يومنا هذا، وابيان الموقف الشرعي من الأسرى، صدر حديثا (2018م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت للفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي كتيب "شريعة الأسرى" في 48 صفحة ضمّ مائة مسألة شرعية مع ثمان عشرة تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري.

الكرامة المهدورة

ما من نهضة فكرية أو عقائدية أو رسالة دينية إلا ويكون الإنسان محورها، لأن بوصلة كل التعاليم الإنسانية والسماوية متجهة نحو الإنسان نفسه، بلحاظ أنَّ الإنسان هو الأصل في هذه المعمورة، وقد جاء الإسلام ليبين حقيقة الموقف من الكائن الحي بقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) سورة الإسراء: 70، فالآية صريحة في التكريم وجلية في التفضيل.

والأسر في الحرب هو النوع الضدي للكرامة الإنسانية، وحيث يفقد الأسير حريته يفتقد التفضيل موقعه، ولا سيما في العهود الجاهلية، حيث كان الأسير يفقد كل خصوصياته وأولها حق الحياة، فيما كانت المرأة والطفل يستعبدان.

ولأن قوانين الحياة التي تتبعها المجتمعات المتناحرة تتراوح بين المنطقية واللا منطقية من وجهة نظر الوحي، فإن السماء التي كرّمت الإنسان تعاملت على مراحل مع العادات والقوانين المتعارضة مع ذات الإنسان وكرامته، رغم أن الإسلام المنتصر على شرك قريش وما حولهم من القرى والمنفتح على الآخر حتى كان الناس يدخلون في دين الله أفواجا، يتيح له أن يفرض تعاليمه بالقوة وبالآن، لكن المرحلية هو القانون الذي ساد، وتشذيب سيئات الماضي هو الحاكم على الأمة، وخضعت مسألة الأسرى لهذا القانون الإسلامي الإنساني، فلم يعد قتل الأسير هو مبلغ مراد حاكم الشرع وإن كان هذا من حقه ضمن سياقات الحرب في تلك الأزمان، لأن الأصل في الإسلام هداية الناس إلى الدين الحق والحكم مجرد وسيلة لا هدف، وبتعبير الفقيه الكرباسي في التمهيد: (إن الأسر وما يليه من العبودية ليس قانونا حضاريا شرّعه الإسلام والتزم به وهو يتنافى مع روح وجوهر الإسلام، ولكن بعد إلقاء النظر بعين باصرة يلاحظ أن الإسلام إنما أقرّه لأنَّه أقل ضررًا .. فالأسر ليس ممدوحا بنفسه في الإسلام وإنما هو أفضل الطرق لمعالجة الأمور لدى إندلاع الحرب).

فلم يأت الإسلام بقوانين الأسر كما هو لم يبدأ بحرب أبدًا، وكل الحروب في عهد الرسول(ص) التي نافت على الثمانين حربًا إنما هي لصد العدوان، ولم تكن هناك مجازر ومذابح، وفتح مكة شاهد بارز على ذلك، من هنا فإن أرقام شهداء المسلمين وقتلى المشركين والكفار في كل الحروب الأولى لم تتعد في أكثر الفروض الأربعمائة بعد الألف من الضحايا، أي في كل حرب نحو 18 شهيدا وقتيلا، وهو رقم ضئيل للغاية إذا ما قورنت بالحروب الأخرى التي سبقت العهد الإسلامي الأول والتي تلت، وهذه الأرقام تعكس حقيقة الموقف الإسلامي الذي جسده المعصوم بقوله: (أريد حياته ويريد قتلي).

فالأسر لم يكن هو خيار الإسلام كما لم يكن القتل خياره إذا فرضت عليه الحرب، ولكن لما كان هو الرائج، فإنه الإسلام أعمل خياراته الإنسانية، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (فجاء الإسلام دين الرحمة فاختار أفضلها وأقلها شدة، ثم هذّبها وأطّرها بأطر حضارية لمعالة الأمر ثم دعا إلى القضاء عليها بوسائل مختلفة) وفيما مضى كان (السارق إذا لم يثبت عليه الجرم استُرق .. وفي الجاهلية كان الغريم يؤخذ في قبال دَيْنِه ويأسره ويستعبده الدائن) وهذا ما تم حظره، إذ: (جاء الإسلام ليحرّم كل أشكال هذا النوع من الأسر ومن ثم  العبودية، وقد أقرّ الإسلام نوعا واحدًا منها، ألا وهو الأسر الذي يتم من خلال القتال والذي لا زال مستمرًا إلى يومنا هذا).

وإذا ما وقع الجندي في الأسر، كان فيما مضى أمام خيارات: القتل أو العفو أو الفداء أو السجن أو  الإستخدام، ويرى الفقيه الكرباسي أنَّ تفعيل خيار الإستخدام وتشغيله، هو ما يمكن استخلاصه من ممارسات عهد الرسول(ص)، ويؤيد هذا المنحى ما فعله الرسول(ص) مع أسرى بدر من المشركين، فعن عبد الله بن عباس الهاشمي المتوفى سنة 68هـ، (كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله (ص) فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة).

وفي تحليله لمسألة الإستخدام، يرى الشيخ الكرباسي أن ذلك يعود بفوائد عدة للأسير والسلطة، فمن جانب: لا يكلف الأسيرة الدولة ماديا وأمنيا كما الحال لو تم حبسه أو نفيه أو فرض الإقامة عليه، كما لا تزهق روح الأسير، ولا تعطل قدراته وخبراته وما يمتلكه من مواهب وكفاءات، ويُستمال الى العقيد الإسلامية بالحكمة والموعظة الحسنة، فضلا عن العائد المادي عند الإستخدام.

وبالطبع هذه الرؤية الحضارية التي تجعل الأسير حاضرًا في الحياة اليومية لا تنسجم مع قوانين الأسر المتعارف عليها اليوم، ولا يعني أنَّ الحكومات تتقيد بما تعاهدت عليه من قوانين دولية، وقد تعرض الأسير في حروب القرون والعقود الأخير الى التجويع والتعطيش ناهيك عن تعذيبه وقتله، كما حصل في حروب البلقان في نهاية القرن العشرين الميلادي.

حقوق مدنية قائمة

هناك تلازم بين الواجبات والحقوق، فمقابل كل حق واجب وبالعكس، ولكن هل يسقط هذا الحق إذا وقع الجندي في الأسر؟

تختلف الإجابة من بلد لآخر ومن زمن لآخر، ورغم تطور القوانين الدولية المتعلقة بالأسرى نتيجة مخاضات الحروب المحلية والإقليمية والعالمية، فإن التباين لا زال قائما مع احتفاظ القوانين بفاعليتها أو هكذا ينبغي أن تكون، ولهذا تجد بعض البلدان تستعبد الأسير وبعضها تعامله بالحسنى وبعضها تزيد على ذلك.

وبغض النظر عن التعاطي الإيجابي او السلبي مع قوانين الأسرى الدولية، فإن الحقوق لا تلغى، وفي النظام الإسلامي كما يشير الشيخ الكرباسي: (مصرف الأسير على بيت المال)، ولا علاقة للمزايا الشخصية بهذه الصرف، وكما يؤكد الفقيه الغديري في تعليقته: (سواء كان غنيًا أو فقيرًا، بدويا أو مدنيا، مقاتلا أو مساعدًا، وطنيا أو أجنبيًا، رجلا او امرأةً).

ومما للأسير: (لا يحق أنْ يُسجن الأسير إلا في حالات خاصة وبأمر خاص من الحاكم، بل ويصبح في عيلولة مالكه وهو مطلق سراحه)، ومن واجب المسؤول عليه: (أن يطعمه ويسكنه ويلبسه بما يليق، وتطبيبه أيضا)، وهذه من سنن الإسلام وهي سيرة النبي (ص) وأهل بيته (ع) الذين وصفهم القرآن: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) سورة الإنسان: 8، ومن الحقوق: (لا يجوز تكبيل الأسير وشدّ يديه ورجليه بالسلاسل) وخاصة بعد سحبه من ساحة المعركة ووضعه في مكان آمن، بل من الحقوق: (يجب إسكان الأسير ما يقيه الحرّ والبرد وإطعامه وسقيه وإكسائه وعلاجه والترحم عليه).

وللشأنية قبل الأسر مكانها في نظام الأسر، ولذا: (تلاحظ مكانته قبل الأسر، فلا يُتعامل مع أبناء الملوك ونسائهم معاملة غير لائقة)، وبتعبير الفقيه الغديري في تعليقته: (بل ولا يبعد القول بوجوب ذلك بمكان حرمة الإنسان وحفظ حقوقه الوجودية في الدين الإسلامي الحنيف)، وفي الأثر أن رسول الله (ص) أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يُقدِّمونهم على أنفسهم عند الغذاء، وكان صلوات الله عليه ينادي في جموع المسلمين: (استوصوا بالأسارى خيرًا).

ومن المفارقات ونحن في القرن الواحد والعشرين الميلادي، أنَّ جيوش بعض الدول كانت ولا زالت تجوب العالم لشن الحروب وخلق الأزمات والفتن واستعباد البلدان وهي تحمل يافطة الحرية والديمقراطية، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (وكان الغربيون يجوبون سواحل القارة الأفريقية ويصطادون الأفارقة وبيبعونهم في الدول الغربية ويبيعونهم ويتاجرون بأثمانهم وبذلك بنوا اقتصادهم وثروتهم)، وفي الوقت الحاضر أصبح استعباد البلدان اقتصاديا والسيطرة على ثرواتها ومحاصرتها عبر تحريك القطعات البحرية العسكرية او التهديد بشن حرب، هو الصورة الأوضح من صور أسر المجتمعات بكاملها والتحكم بلقمة عيشها وفرض سلاح المقاطعة الإقتصادية على هذا البلد أو ذاك.

محظورات وممنوعات

في الواقع أن الأسير قبل أن يأخذ صفة الأسر كان مقاتلا، ومثله النساء والأطفال كما عليه الأمر في العهود السابقة، والنساء والأطفال قبل نشوب الحرب وخلالها كانوا رعايا وبعد الأسر يأخذون صفة السبايا، وهم لهم حقوقهم كما للأسير، وبتعبير مصطلح الفقهاء كما يثبت الكرباسي: (كل مَن قُبض عليه في دار الحرب سواء كانوا مقاتلين بالمباشرة أو من ذويهم، وبذلك يكون نساء وأطفال المحارب من الأسرى، واصطلحوا على تسمية النساء والأطفال بالسبايا، والأسر شُرِّع في الإسلام كأحد الخيارات الفضلى المطروحة).

وحينما تكون للأسير حقوق، وتتفاوت أدوات التعامل معه يظهر حينها من يحترم ومن لا يحترم، وفي الوضع الطبيعي، فإن المواطن يخضع لمزايدة الحاكم والمسؤول فيعدل هذا ويظلم ذاك، فكيف والحال مع من يفقد أهلية المواطنة، فالظلم يقع عليه لا محال، ولهذا كما وضع الإسلام ضوابط للأسير وحقوقه، نبه الى المحرمات والخطوط الحمر، ومن ذلك: (يحرم حرق الأسير مهما كان دوره في الحرب والقتال)، و(يُحرم المُثلة بالأسير حتى وإن كان محكومًا بالقتل).

ولا يخفى أنَّ عددًا غير قليل من مسائل الحرب والأسر التي يناقشها الفقهاء لها علاقة مباشرة بحرب المسلمين مع المشركين والكفار، لأن مفهوم الأسر والسبايا يتحقق مع المشركين، واما الحروب بين فئات المسلمين أو بين دولتين مسلمتين فإن عناوين الأسر والسبي تختلف كليا، فليس هناك أسرى أو سبايا بالمفهوم الشرعي، وهذا ما كان عليه نهج الإمام علي(ع) في حروبه مع الناكثين والقاسطين والمارقين، وإن كانوا قد بغوا على إمام زمانهم وولي أمرهم، وأما في الوقت الحاضر فإن أسرى الحروب يخضعون لقوانين تبنتها الدول، ومثلما جاء في مقدمة الناشر: (شهد القرن العشرون الميلادي إبرام عدة اتفاقات دولية بيّنت أهم ملامح معاملتهم، وكيفية معالجة أوضاعهم، مثل اتفاقية جنيف لعام 1929م، وقد اختتم القانون الدولي بتطوره في شأن معالجة أوضاع أسرى الحرب بالإتفاقية الثالثة من اتفاقيات جنيف المنعقدة سنة 1949م، ثم جاء البروتوكول الإضافي الأول سنة 1977م، وبموجب هذه النصوص القانونية يتمتع أسرى الحرب بحماية كبيرة)، وإذا ما احتلت دولة بلدًا آخر، فإن حماية البلد وشعبه وممتلكاته من مسؤولية الدولة المحتلة، كما نصت عليها بنود الأمم المتحدة.

إن هذه الكراس الذي يمثل الكتيب رقم 63 الصادر حتى الآن، من مجموع ألف عنوان تم تنضيد اكثر من 700 منها، هو جهد فقهي ومعرفي (يستحق الشكر والتقدير، وفيه جانب استفادة علمية واسعة) كما يؤكد الفقيه الغديري عند تقديمه له، وهو باب يرجو طارقه أن تستفيد منه البشرية على طريق إشاعة السلام والحرية تحت ظلال القانون واحترامه.

 

د. نضير الخزرجي - الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

454 شوقي مسلمانيلا، الشاعر والمفكّر الزميل شوقي مسلماني لا يخطىء لغوياً، فهو مرجع في الأدبيّات وقواعدها، ولذا توقّفت طويلاً أمام كتابه الجديد "عندما ينظر الله في المرآة" وتساءلت: هل الله ينظر في المرآة ليرى نفسه؟. تساؤلي انطلق من أمرين: الأوّل هو حبي لله وإيماني بأنّ الكون ابتدعه خالق يدعى الله وليس الاحتكاك الذرّي، والثاني أنّ الجمال هو إله الحبّ، وأحبّه أيضاً حتى ثمالة العشق، وإذا بشوقي الذكي، المبدع، يجمعني والقرّاء بالله والمرآة، أي نحن الذين خُلِقنا على صورته ومثاله، ولكي أتأكد من صوابيّة شوقي بأنّ الله ينظر فينا نحن المرآة لخلقه، فقد ولجتُ إلى مضامين الكتاب، وهي مختارات من الشِعر الأسترالي ترجمة الكاتب "البوهيميّ" شوقي، ومنها الى إنسانيّتي وإنسانيّتك، الى زهرتي وزهرتك، الى واقعي وواقعك والى حالتي وحالتك. وكي لا يُفسّر توصيفي بالبوهيميّة أنّه انزلاق، فإني أعتبر المؤلّف مسلماني من أهمّ من حمل قلماً في الأوقيانوس الأوسترالي، جامعاً بين ملامح الشرق ورقيّ الغرب، محدّثاً يحاكي ماضيه ورومانسياته، وجدليّاً يشاكس ويقارع ويحترم منطقيّة العالم الجديد. شوقي أمير الشعراء قال: "قم للمعلّم وفّه التبجيل"، أمّا شوقي مسلماني فيقول: قم للشِّعر وفّه التبجيل. أمّا نحن فقد قمنا وقرأنا في كتبه التي صدرت له منذ العام 1991، وفي كتاباته التي ساهمت "النهار" في تزيين صفحاتها بها منذ عقود من الزمن، فلعقنا معه جراحاً، ومزمزنا جمالاً، وانتقدنا أخطاءً، ورفضنا عنصريّة، ورسمنا بريشة الكلام موقفاً. وفي النهاية وقفنا لهذا الشاعر والأديب، ورفعنا قبّعتنا احتراماً. كيف أنسى أنّ شوقي المتعصرن شعراً وآفاقاً في الآداب، ظلّ "رجعياً" رفيعاً في علاقته مع الجذور من خلال مزامير "ضيعجيّة" نشرها في كتابه عن مسقط رأسه بلدته وحبيبته "كونين" التي يمكنها، كما نحن، أن ترفع رأسها به. أن نقرأ الشعر الانكليزي بالعربية فهذا فتح ليس بجديد، ولكنّ الجديد فيه هو الأسلوب الذي يخصّ شوقي ترجمةً بالأبعاد أكثر من النصوص، ما أعطاه رونقاً بالإبتعاد عن الكلاسيكيّة المملّة وتضمينه الروحانية "الريتمية" الشرقيّة أي الإيقاع. وفي "الوجود الوجود الوجود" مثلاً، يقفز شوقي فوق رتابة المناسبة، فنشعر معه بمجّة سيكارته وكأنّها عبير ليس فيه أفيون، ونحتسي كأس نبيذه فنشعر أنّ رحيقه ليس كحولاً ولكنّه أشبه بالأحاسيس التي تطال أمبراطوريّات تبحث عن مصالحها. قد أكون مُحرَجاً بالكتابة عن شوقي بفعل الصداقة المزمنة، العتيقة والمتجدّدة دوماً بالكلمة. لكنّي أعترف بصراحة أنّي حين أقرأ شوقي أضع علاقتي الشخصيّة به في ثلاّجة، لأعود الى مفكّرتي، أبحث عن كلمة موضوعيّة، مجرّدة و"نيوتريّه" أي مستقلّة، لأكتب فيها عن هذا الشاعر العصامي الذي أوجد لنفسه مكانة في الشعر، وهو حلم يحاول البعض ترجمته الى واقع، ويعتقدون أنّهم حقّقوه، في حين أنّهم يفشلون حيث هو نجح. من هنا أعود الى العنوان والأبعاد، وأستندُ الى قصيدة "إشارات" لأدرك فوراً أنّ إله شوقي ليس هو إله آخرين، إلهه ينظر الى المرآة بشِعر، أي بجماليّات وأبعاد، بفراغ ملأه أحلاماً، بشمس لا تعرف الغياب، بعصور تستعيد ذاتها في إبداعاتها، بأعياد لا تلبس ثياباً سوداء بل مرقّطة كضحكة طفل، وبكتّاب لا يمتهنون الكتابة لأنّها موهبة، وجماليّات تمكّن شوقي مسلماني من امتطاء خيلها، فأتى بمولوده الجديد فارساً نحبّه من خلال الصفحات الـ 193 التي حملت توقيعه ونتاجه وإعجابنا.

 

كتب أنور حرب

 

457 الإيزيديةالأيزيدية هي الجماعات التي تؤمن بـ(أيزي) و(طاووس ملك) و(ئيزي) هي الأرواح المجردة والطاهرة المسؤولة عن الكون وإدارتها .

الإيزيدية ديانة ترجع للألف الثالث قبل الميلاد وهم من بقايا أقدم المعتقدات السومرية - البابلية القديمة، وهي ليست تبشيرية.

هنالك ثلاثة آلهة وهم يعتبرون الأركان الأساسية في هذا الدين وهم: شيخ شماس (طاووس ملك) وهو ممثل الإله على الأرض ويشكل شكل الشمس حينما يفرش الطاووس ريشه. ويعتقد بأنه إمتداد لإله الشمس (أوتو) بالسومرية و(شماس) بالبابلية. الشيخ سن وهو اله القمر ويعتقد بانه إمتداد لإله القمر (نانا) بالسومرية و(سين) بالبابلية. والشيخ آدي.

تعتبر الإيزيدية أقدم من الزرادشتية وليست إمتداد لها على الرغم من وجود عادات وتقاليد متشابهة.

وأن الإيزيدية تعتمد على التراث الديني الشفاهي (علم الصدر) في ممارساتها الدينية.

الهوية الإيزيدية هي عبارة عن منظومة كاملة تبدأ من الأسماء التي يحملها/تحملها الرجال والنساء ماراً بالعادات والتقاليد الاجتماعية والمراسيم والطقووس الدينية والمحرمات والقصص والأساطير وعلم الصدر ونوع الملابس وطرازها وكيفية تعامل الرجال مع شعر الرأس والوجه والمعتقدات حول الكون والخليقة والملائكة والبشر والطوفان وأهم التقاليد الإجتماعية_الدينية ألا وهو "الطبقات الدينية" ومسألة الزواج الداخلي، كل ذلك يشكل الهوية الأيزيدية.

فكرة طاووس ملك..

لقد لاقى الأيزيديون حملات إبادة مستمرة من فرق متطرفة نتيجة إعتقادها بأن الأيزيديين عبدة شيطان ولكن حقيقة الأمر أن نظرة الأيزيدية للشيطان هي نظرة مختلفة تماماً عن باقي الديانات فلا وجود للشيطان في معتقد الأيزيدية وإن فكرة الخير والشر مصدرها واحد وهو الإله. أما الفرق الدينية الأخرى فتعتقد بوجود مصدر للشر يتمثل في الشيطان، الحية، عنكَار.

- في التوراة فأن الحية هي التي أغرت آدم وحواء لأن يأكلا من تلك الشجرة ويقر الكتاب بأن الحية هي الأكثر حيلة بين الحيوانات البرية التي خلقها الرب، وإن الرب لم يعاقب الحية على فعلتها بإدخالها الى النار بل تذكر النصوص بأن الرب قال للحية: ملعونة أنت وتمشين كل حياتك على بطنك ومن التراب تأكلين. ولكن الحية في المعتقدات الإيزيدية هي تمثيل للخير إذ تذكر القصص الإيزيدية بأن الحية هي التي أنقذت نوح من الغرق عندما وضعت ذيلها في ثقب حدث للسفينة.لذلك يقدس الأيزيديون الحية وهي منقوشة في مراقدهم المقدسة وخاصة على الباب الرئيسي لمرقد (الشيخ آدي) في جبل لالش. وتقول الإيزيدية بوجودصورتين على باب الجنة إحداهما لطير الطاووس والأخرى للحية.

- في الإسلام فإن إبليس/الشيطان هو الذي أغوى آدم وحواء للأكل من الشجرة. أما رؤية الإيزيدية في هذا الخصوص فهم يتحدثون عن الملاك عزازيل الذي رفض أن يسجد لغير الله فقال الله لماذا لم تسجد فأجابه عزازيل لأنك أمرتنا أن لا نسجد لغيرك وانا من نور وآدم من تراب فكيف يسجد النور للتراب ؟ لذلك عرف الله انه اذكى الملائكة ولم ينسى مشيئته فكافئه بجعله رئيساً للملائكة (طاووس ملك). وهذه الفكرة موجودة لدى بعض الجماعات الإسلامية مثل بعض المتصوفيين الإسلاميين الغزالي، الكيلاني، الإمام المقدسي، الحلاج والمفكر صادق جلال العظم.

ولا ينطق الإيزيديون بكلمة الشيطان ويعتبر ذلك في عرفهم كفر ومسبة لملاكهم بل خروج عن الدين.

ويعتبر المسلمون من أكثر الجماعات تطرفاً تجاه الإيزيدية وتجاه ملاكهم طاووس ملك.

- أما عنكار فهو اله الشر عند الزرادشتية (انكارمانيو) .

 

هيام علي

....................

المصدر: كتاب الدين الإيزيدي للمؤلف خليل جندي، تقديم سعد سلوم

 

453 حنا بطاطوتُعد المسألة الزراعية في العراق من القضايا الرئيسة التي إهتمت بها الدراسات، ودار حولها النقاش بين ممثلي مختلف الطبقات والفئات الإجتماعية والسياسية، طيلة عقود من الزمن في تاريخ العراق الحديث، منذ تأسيس الدولة العراقية أوائل القرن العشرين، ونالت المسألة موقعاً إستثنائيا لما لها من أثر بالغ في مستقبل التحولات لتغييرات في التركيب الإجتماعي في الريف العراقي، وكانت ملكية الأرض والعلاقات الزراعية محوراً جوهرياً في النقاش، ولسنا نشك بأنه مازال قائماً ومستمراً .

وفق هذا السياق جاءت إطروحة حنا بطاطو (الشيخ والفلاح في العراق 1917- 1958) التي قدّمها لجامعة هارفرد الأمريكية لنيل شهادة الدكتوراه عام 1960، والتي صدرت مؤخراً في كتاب عن دار سطور البغدادية، بترجمة د. صادق عبد علي طريخم، وتقديم د.سلمان الهلالي .

إن القضية الجوهرية في البحث تتمثل في تتبع قضية حيازة الأرض في العراق، ودراسة الأسباب والقوانين التي حافظت على مصالح الأقطاعيين، وأصحاب النفوذ من الشيوخ في إقطاعيات واسعة جدا، فضلاً عن تثبيت سلطة الشيخ وما أعقبها من تطورات سياسية وإجتماعية وإقتصادية، وإعتُمد هذا المفهوم كقاعدة أساسية، عند الإشارة إلى العوامل التي أسهمت في تطور بنية إقطاعيات (الشيخ ) شبه الأقطاعية ومنها العامل الخارجي المتمثل بسياسة حكومة الإحتلال البريطاني منذ عام 1914، والتي تستمد قوتها من وجود مراكز قوى متعددة، ومحافظتها على توازن مناسب بينها . بإختصار شديد يمكن القول ان موضوعة الأرض (الملكية الخاصة)، هي أساس سلطة الشيخ، وهي مفتاح سلوكه السياسي والإجتماعي، ووظفت حيازة الأرض بأبشع ما يمكن من وسائل مادية للإبقاء على الواقع المتخلف .

حسناً فعل المترجم حين رفد المكتبة العربية بدراسة مضى عليها أكثر من خمسة عقود من الزمن، مركونة في مكتبات جامعة هارفرد، لم تتيسر للقارىء العربي قراءتها بلغته، سيما وان المنجز المهم لبطاطو (تاريخ الطبقات الإجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق) ماثل أمامنا بعلميته وموضوعيته الفائقتين، وبذل المترجم جهداً كبيراً في الشرح والتوضيح والتحقيق، معتمداً مصادر عديدة في ملء فجوات كثيرة تخللت الدراسة .ومعالجة بعض الإخفاقات فيها، وتقودنا هذه الملاحظة الى التنويه إليها، والتوقف عند بعض الإشكالات التي واجهت المؤلف والمترجم معاً .

إن أولى الإشكالات، تلك التي تتمثل في العنوان (الشيخ والفلاح في العراق)، الذي يوحي ضمناً، ان الدراسة ستعنى بعلاقة الشيخ والأرض في عموم العراق، وبإطاره الجيو- سياسي الذي تشكل بعد قيام الدولة العراقية أوائل القرن العشرين، إلا أن الإطروحة خلت من تقصي المسألة الزراعية في (شمال العراق)، سوى ملاحظات قصيرة وسريعة عن شيوخ الأراضي الجبلية، وإكتفى الباحث بالإشارة إلى بعض الأسماء التي أسهمت في المشهد السياسي لتاريخ العراق الحديث، كـ (محمود البرزنجي، وأحمد أغا البارزاني – ص 54)، فهذان الشيخان يمسكان بالقيادة السياسية والدينية لقبيلتيهما (ص35)، وركزت الدراسة على وسط وجنوب العراق، أو ما يعرف بمنطقة السهل الرسوبي، والأراضي الي تسقى سيحاً .

كما أن إختيار مفردة (الشيخ)، بما تحمل من رمزية، فإن لها أكثر من دلالة في البحث والمعنى، فإعتمد بطاطو المتداول في اللغة العامية، في إحالة منه لطبقة ملاكي الأرض من إقطاعيين، ورؤساء عشائر، وموالين للإنكليز، وللسلطة الملكية الجديدة .لذا نعتقد ان عنوان الإطروحة باللغة الإنكليزية، كان ضروريا أن يثبت في غلاف الكتاب الأخير، لنتجنب التأويل والوقوع في لبس تفسير المفهوم، وهو تقليد دأبت عليه البحوث الأكاديمية، وشرط تلتزم به الترجمات لإستشعارها بأهميته الحيوية .

وحصل كذلك مع تسمية الأراضي الأميرية بـ (الميرية)، المعروفة بالأراضي المملوكة للدولة، وأحسب ان هذه الملاحظة لاتفوت المترجم، في إستعمالها الصحيح الوارد في النص، رغم ما بذله من جهد متفحص في شرح العديد من المصطلحات، وتجدر الإشارة الى ان قانون تسوية الأراضي رقم 50 لسنة 1932، وما تلاه من قوانين، كانت خاتمة المطاف لنهب أراضي الدولة والفلاحين والمالكين ومتوسطيهم، ومنح هذا النهب الصفة القانونية الثابتة، بتنظيم سندات وسجلات الطابو على أساسه، بمعنى آخر هو تفويض الأراضي لمن تجاوز عليها بلا بدل، وبمساحات غير محدودة، وإنتزاع الأراضي المفوضة من المالكين الآخرين والزرّاع الفعليين، ومنحها لرؤساء العشائر .

كان يمكن للمترجم ان يقدم النص كما كتبه بطاطو دون تعليق أو شرح، إلا انه تلمس الطريق الصعب في الترجمة، فإنغمس فيها وإستعان بالمصادرللنفاذ إلى جوهر الدراسة، وتنفس إجوائها، وتأمل أبعادها، محاولاً الإضاءة والإستبصار، إلا ان محاولته تلك قادته الى التدخل في التوضيح والإضافة والتعديل،أو الإجتهاد بلسان الكاتب، وأحياناً يذهب إلى التأويل، كما ورد في (ص 181-182)، إذ يقول في هامش(2) : يريد حنا بطاطو أن يبين ان المهاجرين إلى بغداد لم يحصل عندهم ذلك التعاطف مع أتباع الحركة الوطنية والثورية ضد العهد الملكي بسبب الموروث السلبي الذي يحملونه ضد المدينة، والتي إرتبطت بذاكرتهم بالإبتزاز والسرقة والربا والإحتقار وغيرها . فتبدو المقاربة ضعيفة جداً بين ما توصل اليه بطاطو، وبين ما ذهب اليه المترجم هنا .لاحظ الفعل (يريد) !!!ولنا في هذا اللون من الترجمة أصول وتقاليد تستحق الصيانة والإثراء المستمر .

ولئن كان بمستطاع الدراسة أن تلتقط الصلات بين الشيخ والفلاح، ومحاولة الباحث النزوع الى التجديد في البحث بمناخه الخمسيني، غير انه تجاهل الكثير من المصادر العربية والعراقية تحديداً، وهي دراسات مهمة لأسماء معروفة في الإقتصاد الزراعي وتاريخ العراق، سيما بعد قيام الجمهورية الأولى عام 1958 .

وفي الدراسة خلط بين تسميات ومفاهيم، بين الشيخ والإقطاعي، وبين رجل العشيرة والفلاح، أو بين العشيرة والقبيلة، ومن التعسف أن يطلق بطاطو تسمية رجال العشائر على المهاجرين من الريف الى المدينة، وهم فقراء الريف من الفلاحين المعدمين، بما يحملونه من إرث تاريخي في التخلف والحرمان . الأمر الذي جعل من الهجرة ظاهرة إجتماعية خطيرة لنتائجها الكارثية على المجتمع المدني، والتي توّجت بخطوة إرتجالية وشعاراتية لبناء مدن كبيرة في أطراف العاصمة بغداد لمهاجري الريف، بدلاً عن تحسين الظروف المعاشية لهم، والنهوض بالواقع الزراعي على أسس علمية صحيحة ومتأنية .

وفي معرض وصفه لطبقة الشيوخ، يقول بطاطو: انها طبقة أمية إلى حد كبير (ص99 )، بينما يقول عن الشيخ موحان الخيرالله (من شيوخ الغراف) إنه كان مثقفاً، ولم يقدم لنا دليلاً على مستوى ثقافته، سوى انه ترأس المجلس العراقي للعشائر العراقية لدعم فلسطين (ص99)، وتؤكد الحقائق التي يدل عليها الواقع السياسي في العهد الملكي، على تمتع الشيوخ بإمتيازات كبيرة في مجلسي النواب والأعيان، وفي الحكومة، بغض النظر عن المؤهلات الدراسية والفكرية لهؤلاء .

إن إطروحة حنا بطاطو كانت الخطوة الأولى نحو التوسع والعمق، وحث الخطى إلى النضج المرتقب والأرحب، فإن تخللتها هنات هنا وهناك، فهي لا تشكل عامل إحباط وصمت، وقدر الناقد أن لايصنع سدودا تحرف التيار عن مساره الصحيح، فتجربة الكاتب والمترجم إضافة إلى الإبداع التاريخي المنجز.

 

جمال العتّابي

 

علي المؤمنتمثّل «منهجية المستقبلية الإسلامية - Methodology Islamic Futurism» أهم المخرجات العلمية لمشروع توجيه الرؤية الإسلامية نحو المعرفة المنهجية والأدوات العلمية. وهي تنقل الخطاب الإسلامي ومشروعه الحضاري من المنهج الايديولوجي الى المنهج العلمي، و ـ بتعبير أدق ـ هو الوجه العلمي لرؤية العقيدة في بناء الحياة الحضارية على كل الصعد.

وقد بدأ المشروع فكرةً ملحّة، على خلفية اهتمام معرفي متواصل بمنهجيات الدراسات المستقبلية، يعود الى مطلع التسعينات، وهي فترة عملي رئيساً لتحرير مجلة التوحيد الفكرية، وبالتزامن مع المشروع الأمريكي الذي أطلقه الرئيس جورج بوش في العام 1991 لبناء نظام عالمي جديد يستمر مائة عام، وهو نظام قائم على بحوث علمية واستراتيجية معمقة في مجال الاستشراف المستقبلي والستراتيجيا؛ فلم يكن المراد من هذا النظام صياغة خارطة سياسية جديدة للعالم وحسب، بل نظام يستوعب السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع والتعليم والقانون والعلوم التجريبية وغيرها.

وكان باكورة نتاجاتنا في هذا المجال كتاب "النظام العالمي الجديد: التشكل والمستقبل" الذي صدر في العام 1992، ثم عدداً من الدراسات الاستشرافية، فضلاً عن دعوات للباحثين ونخبة الأمة للاهتمام بالدراسات المستقبلية وضرورة أسلمتها، نشرتها في بعض الدوريات.

ثم تحوّل هذا الاهتمام والانتاج الشخصي إلى مشروع مؤسسة متخصصة بالدراسات المستقبلية في العام 1998، ولا سيما المستقبليات الإسلامية، حمل اسم "المركز الإسلامي للدراسات المستقبلية"، والذي تحملتُ مسؤولية إدارته ورئاسة تحرير إصداراته. فكان المركز حاضنة مشروع التأسيس لرؤية إسلامية نظرية شاملة لموضوع استشراف المستقبل ودراساته، و أسلمة مناهج الدراسات المستقبلية الغربية وآلياتها، وصولاً إلى اختيار منهجية مستقلة تتلاءم والنظرة الإسلامية. في بعديها الفلسفي والعقدي.

و لذلك كان المشروع ينطوي على بلورة أدوات مختلفة في التفكير، لنسمِّها ما شئنا: نظرية.. منهجية.. رؤية.. أو أية تسمية أخرى. وقد حملت هذه المنهجية اسم «المستقبلية الإسلامية - Islamic Futurism»؛ لتكون لصيقة بمضمونها.

وقد حظي المشروع برعاية العلامة المرحوم الشيخ مهدي العطار، وآية الله المرحوم السيد محمد حسين فضل الله، والعلامة الشيخ محمد علي التسخيري.

و بادرنا إلى الطلب من عدد من أبرز الرموز الفكرية العربية والإسلامية، للإشراف على المشروع العلمي للمركز. ولذلك؛ تشكلت هيئة علمية استشارية للمركز، من شخصيات تحمل اختصاصات متنوعة؛ كالشريعة والقانون والاجتماع والتاريخ والمستقبليات والفلسفة والسياسة والاقتصاد، كالدكتور جمال الدين عطية والدكتور أحمد كمال أبو المجد (مصر)، الشيخ وهبة الزحيلي (سوريا)، الشيخ محمد علي التسخيري والدكتور محمد علي آذرشب والسيد هادي خسروشاهي (إيران)، السيد محمد حسن الأمين والدكتور سمير سليمان والدكتور طلال عتريسي (لبنان)، الدكتور أحمد صدقي الدجاني و الدكتور منير شفيق (فلسطين)، الدكتور حسن مكي (السودان)، الدكتور طه جابر العلواني والدكتور عبد الجبار شرارة والدكتور عادل عبد المهدي (العراق)، الشيخ عبد العزيز الخياط (الأردن)، الشيخ عبد الهادي الفضلي (السعودية) وغيرهم. رحم الله الراحلين وحفظ الأحياء.

451 المستقبلية

وكان تفاعل نخبة المفكرين والمثقفين والباحثين والأكاديميين العرب والمسلمين، مع مشروع المركز وفكرته ومنهجه، مميزاً وملفتاً للنظر، مما شكّل دافعاً آخر للسير قدماً بكل ثبات وإصرار باتجاه تحقيق أهداف المشروع؛ برغم ضعف الإمكانات وضآلة أدوات العمل. وأحتفظ بأكثر من (500) رسالة وصلت المركز من هذه النخبة ومؤسساتها خلال السنوات الثلاث الأولى من العمل (1999 – 2001)، وهي تتضمن استعداداً للتعاون، وحثاً على مزيد الإنتاج؛ لأن المركز ـ كما كانوا يؤكدون ـ هو الأول من نوعه عربياً وإسلامياً.

وعمل المركز على تكوين قاعدة معلومات للمؤسسات والشخصيات العربية والمسلمة والعالمية المتخصصة أو المهتمة بموضوع الدراسات المستقبلية، في إطار خطة مخاطبتها والتعاون معها. وكان هذا العمل بذاته إنجازاً مهماً. ولم نفاجأ حين اكتشفنا أن الولايات المتحدة الأمريكية تضم أكثر من (1200) مؤسسة ومعهد وقسم جامعي؛ متخصص في الدراسات المستقبلية، فيما تضم أوروبا ما يقرب من (700) مؤسسة، بينها وكالات حكومية، كما هو حاصل في السويد. أما نصيب الدول العربية بمجموعها، فهو مراكز هامشية لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.

وقد شرع المركز الإسلامي للدراسات المستقبلية بتحويل خطة عمله العلمية والبحثية إلى نتاجات منشورة، فكان الإصدار الأول: دورية اتجاهات مستقبلية (Futuristics) الشهرية التوثيقية، ابتداءً من آذار 2000. ثم صدر العدد الأول من مجلة المستقبلية (Futurism) الفصلية في ربيع عام 2001، وهي محكمة متخصصة بالدراسات المستقبلية وقضايا الفكر الإسلامي المعاصر والمستقبلي.

وقوبلت مجلة المستقبلية بردود فعل داعمة كبيرة من أصحاب الإختصاص والاهتمام والمسؤولية؛ وبعضهم رموز فكرية شهيرة، فضلاً عن إشادات مؤسسات علمية عالمية ذائعة الصيت. ومن الشهادات الملفتة في هذا المجال ماقاله الفيلسوف المغربي البروفسور طه عبد الرحمن لطلابه في مرحلة الدكتوراه خلال محاضرته، وهو يلوح بالعدد الأول من مجلة المستقبلية: ( الأمة التي تريد أن تتقدم وتبني حاضرها ومستقبلها، تنتج هذا الفكر).

وفي المقابل كانت هناك ردود فعل باردة تجاه المشروع، حتى أن مرجعاً فكرياً كبيراً وصف موضوع المشروع بأنه «أدبيات ترفيّة». ربما لأن موضوع الدراسات الاستشرافية وعلوم المستقبليات هو موضوع بكر في الساحة العربية والإسلامية، وأن مركزنا هو الأول من نوعه على المستوى العربي والإسلامي.

ولا شك أن ضعف الوعي في موضوع الدراسات المستقبلية و ندرة المتخصصين والباحثين العرب والمسلمين فيه، و لا سيما الدراسات ذات المنهجية الإسلامية، كانا أهم المشاكل التي تواجهنا، لكن الذي كان يبعث الأمل ويزيد الاعتزاز بالمشروع هو انفتاح كثير من الباحثين على الدراسات المستقبلية الإسلامية، إلى الحد الذي جعلنا متفائلين ببروز عدد من الباحثين المستقبليين خلال بضع سنوات.

وبالفعل صدرت في السنوات اللاحقة مجموعة من الدراسات والكتب والأطروحات، وتحديداً في العراق وسوريا ولبنان، وقد استخدم كثير منها مصطلح «المستقبلية الإسلامية» والأدبيات الخاصة بفكرتها ومنهجيتها، وبينها أطروحة دكتوراه حملت العنوان والمنهجية نفسيها، ولكن كاتبها لم يشر إلى مشروعنا؛ رغم أن منهجيتنا (المستقبلية الإسلامية) شكّلت بنية بحثه، وقد اقتبسها حرفياً في الإطار النظري للأطروحة وبنائها المنهجي. وقد عذرنا  الباحث وغيره، لأن هدفنا هو نشر الوعي بالدراسات المستقبلية العربية والإسلامية، وأهميتها وضرورتها؛ وليس تسجيل ملكية فكرية أو براءة تأسيس منهجية فكرية، بالرغم من أن الأمانة العلمية تقتضي الإشارة إلى مصادر الاقتباس.

وخلال الفترة التي أعقبت تجميد المركز أعماله، وتحديداً بعد صدور العدد الثالث من مجلة المستقبلية في خريف العام 2004؛ ظلّ بعض المختصين والمهتمين يلحّون على ضرورة إعادة طباعة إصدارات المركز، ولا سيما مجلة المستقبلية، الأمر الذي دفعنا إلى اختيار مجموعة من البحوث والدراسات، وإعدادها للنشر مرة أخرى؛ لتصدر في أربعة مجلدات في العام 2017 عن دار روافد في بيروت. و قد حملت هذه الكتب العناوين التالية:

1- «أسلمة المستقبليات: محاولة علمية للإمساك بالمستقبل الإسلامي»

2- «المستقبلية الإسلامية: نحو منهجية إسلامية لبناء غدٍ أفضل»

3- «من المعاصرة إلى: الفكر الإسلامي واستدعاءات المستقبل»

4- «تجديد الشريعة: إمكانية معارف الشريعة الإسلامية على التحول».

ولعلها من أهم البحوث المعاصرة في مجال تجديد الفكر الإسلامي، وتعزيز الخطاب الإسلامي العلمي المعاصر، والتأسيس للمنهجية الإسلامية في استشراف المستقبل والاستعداد له ومحاولة الإمساك به، عبر وسائل التخطيط الاستراتيجي والاستشرافي.

 

د. علي المؤمن

 

نضير الخزرجيمن الذكريات التي تعلق في ذهن الإنسان وهو يسافر على خطوط جوية، نوعية الطعام وطيبته وطريقة تقديمه وتعامل المضيفين مع الراكبين، فإذا كانت المائدة لذيذة ومتنوعة ومتناسقة والبشاشة تعلو محيا المضيفين، فإن هذه الخاصية تكون كفيلة بأن تدعوه مرة أخرى للحجز على الخطوط نفسها ويشجع من حوله على ذلك، وهكذا إذا سافر الى بلد آخر، فإن مائدة الطعام وما يقدم في المطاعم هو الشيء الذي يبقى عالقا في ذهن المسافر.

وكلنا يدرك أن من عوامل نجاح أي مطعم او فشله هو نوع  الطعام وشكل المائدة وكيفية تقديمها، وليس المعيار في رخص المطعم أو كثرة الأضواء العاكسة، ولكن العبرة في حسن العرض والتقديم وسلامة المظاهر الخارجية من نظافة المطعم والعامل والطباخ والمدير وبشاشة العاملين وبخاصة الذين يباشرون التقديم، فهذه من الأمور الحساسة ذات الجاذبية في قلب الزبون، تجعله يتناول الطعام وهو في إنشراح تام، ويمني النفس بعودة أخرى في أقرب فرصة، وقد يصبح ماكنة إعلامية لهذا المطعم من حيث لا يشعر يشجع أصدقاءه وخلانه وأحبابه على زيارته والتذوق من مائدته، وبعض المطاعم تدرك أهمية التقديم والعرض فراحت تحرص على تشغيل الجنس اللطيف زيادة في اكتساب الزبائن.

وهكذا إذا قام شخص بزيارة لذي رحم أو صديق، فإن المائدة هي في مقدمة المعايير لبيان قوة نسيج العلاقة وضعفها، وفيما مضى كانت الأم التي تخطب لابنها تختار له من تحسن مائدة الطعام والشراب إلى جانب الصفات والمزايا الأخرى النفسانية والجسمانية، وكانت أم البنت تحرص على تعليم ابنتها قبل الزواج قواعد وحسن تنظيم المائدة وتقديمها وتزيينها وكيفية عمل الشاي أو تقديم القهوة، لأنّ الأم هي الأخرى مرّت بهذه التجربة وتدرك أن حسن الطبخ وتهيئة المائدة عامل جذب لزوج المستقبل ومحل رضا العمّة (أم الزوج)، وهو تطبيق للمثل الشائع (أقرب الطرق الى قلب الرجل وجيبه معدته)، على أن هذه الميزة في كثير من البلدان أصابها الخرم، ولم تعد ذات قيمة ولاسيما في المدينة التي أصابها ما أصاب البلدان من سيئات الحداثة، بالطبع لا نتحدث عن الجانب الشرعي، لأن الزوجة ليس من واجبها الطبخ ولها أن تأخذ الأجر عليه لولا حسن التبعل والتسامح من الطرفين، وإنما الحديث عن واقع التغيير الثقافي الذي شهدته المدينة بحلول الآثار السلبية للمدنية.

وكما هي المائدة عامل جذب للسائح والمسافر والزوج، فهي عامل دفع، وربما مجلبة للأمراض، ولاسيما أمراض المدنية الحديثة من سمنة وترهل وتفضيل مائدة السوق السريعة الغنية بالدهون المستعصية والكيمياويات المضرة على مائدة البيت الهنية الخلية من الدهون القاتلة والغنية بالفيتامينات، ولعل أول من يتضرر من تغيير ثقافة المائدة هم الأطفال الذي يصابون في تغذيتهم بمقتل، وأولها السمنة المفرطة التي تعتبر داء المدنية الحديثة.

مائدة تسر الناظرين

وإذا كانت المدنية الحالية وضعت مجموعة إرشادات للمائدة وتناول الطعام تقوم مدارس الغرب والشرق تعليمها منذ الطفولة، فإن الإسلام قاد الناس إلى مجموعة إرشادات في التعامل مع المائدة وحذّر من بعض العادات قبل أن يكتشف العلم الحديث أضرار ما حذّر منه الإسلام على الصحة البدنية والنفسية، ولما كانت تعاليم الإسلام في أوامره ونواهيه منسجة تماما مع الفطرة الإنسانية السليمة، فهو لم يدع صغيرة في حياة الإنسان ولا كبيرة إلا وأنار له السبيل، ومن هذا الباب دخل الفقيه المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي باحة التشريعات ليقدم في سلسة "الشريعة" ما ينفع الناس كل الناس، وحديثا (2018م) صدر عن بيت العلم للنابهين في بيروت كتيب "شريعة المائدة" فيه (116) مسألة فقهية بضميمة (36) تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، ليكون هذا الكتيب هو الرقم (62) مما صدر حتى الآن من مجموع نحو ألف كراسة تم تنضيد أكثر من (700) منها وهي تنتظر الطباعة تباعا حسب طلِّ سحاب المتبرعين وصبّهم.

ولا يخفى ما للمائدة من أهمية في حياة الإنسان فهي ملازمة له كتلازم الهواء، وقد أفرد لها الله تبارك وتعالى سورة كاملة سمّاها (المائدة) أودع فيها الكثير من موارد الحلال والحرام، كما جاءت التسمية في السورة مرتين وهي تتحدث عن النبي عيسى وحواره مع أنصاره الحواريين، بل إنَّ الإهتمام بالمائدة وما تحتويها من مواد مطبوخة أو نيّة طازجة، من معالم إنسانية الإنسان الذي سخر الله له كل شيء لراحته، وبتعبير الفقيه الكرباسي في التمهيد: (من فوارق الإنسان مع سائر مخلوقات الله التي تتناول الطعام أنه يمتاز بحبّه الجلوس عند تناوله الطعام والإعتناء بطعامه وتلونه، بينما الحيوانات تأكل ما وجدت أينما كانت)، وعلاوة على ذلك فإن من علامات طيبة المائدة هو قدرة الإنسان على تنويعها والإستفادة من مادة غذائية أو ثمرة بعينها في طبخ العشرات بل المئات من الأكلات المختلفة مثل الباذنجان، ولذلك تختلف على سبيل المثال المائدة الإسبانية عن المائدة الإيطالية، والصينية عن التايلاندية، والعراقية عن الإيرانية، والتركية عن  السورية، بل تختلف المائدة داخل البلد الواحد بين مدينة وأخرى رغم الإشتراك بالثمار أو الخضار نفسها، لكن موهبة الإنسان وابداعه تصيران الموائد مختلفة، ولا يمكن حساب عدد الأكلات على مستوى العالم، فهي بالآلاف، وكلما رجعنا بالزمان الى الخلف لوجدنا تقلص عدد الأكلات، أي أن تطور المائدة من تطور الإنسان وحسن ذوقه، ورغم ما نعرفه عن الشيخ الكرباسي من باعه الواسع في الفقه والتحقيق وموسوعته الكبرى (دائرة المعارف الحسينية) في نحو تسعمائة مجلد، لكنه في الوقت نفسه صاحب ذوق رفيق، وبتعبيره كما ورد في التمهيد وهو في معرض الحديث عن قدرة الإنسان في التنويع متحدثا عن ذكرياته أيام كان يسكن الشام: (هذا وقد تمكّنا من وضع لائحة طعام لمدة سنة كاملة لثلاث وجبات يومية: الفطور والغذاء والعشاء دون أن تتكرر واحدة منها، نعم قد تتكرر العناصر وتختلف التركيبات).

المائدة .. داء ودواء

من طبيعة الحياة أن يكون لكل حقل حزمة آداب وسنن يمشي على هداها المجتمع، وهي تدخل في إطار النظم والتنظيم وسلامة المجتمع والبيئة، وللمائدة آدابها، ولتناول الطعام سننه، ولذبح لحوم المائدة البيض والحمر آدابها، فمن المدنية والتحضر والصحة العامة أن يتم الذبح في مسالخ ومجازر خاصة وليس في الشوارع العامة وأمام أنظار الكبار والصغار، الذي فيه إلى جانب المضار الصحية إفساد للذائقة البصرية وخدش للشفافية الروحية، وإشاعة غير مقصودة للعنف، لأن الطفل الذي يسمح له أن يشاهد منظر ذبح الدجاجة أو الخروف أو البقرة أو نحر البعير، سيكبر وفي ذاكرته عملية الذبح والنحر التي لها أن تؤثر على سلوكه الظاهري بفعل المخزون الباطني، ناهيك عن النجاسة ونشر الأوبئة.

فسنن المائدة وآدابها في واقعها مجسات للإنسان للتعامل الحسن مع المائدة وما يدخل في جوفه، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (وبما أن الإسلام دين يسر ونظام ومصالح، فقد نبذ العسر والفوضى والمفاسد، وقد خلق الله لهذا الإنسان –الذي كرّمه في وجوه متعددة- أصناف الأغذية والأشربة بألوان زاهية تسرّ العينين وتهوى إليها النفوس، وبما أنه حريص على صحته فقد استثنى منها ما يضره، ونسبة هذه  المستثنيات إلى المباحات قليلة جدًا، لأنَّ كل شيء مباح للإنسان إلا ما استُثني، وبما أنه دين نظام فقد وضع له جدولا يبيّن فيه بعض الآداب والتعاليم ومنهجًا غذائيًا يبعده عما يضره ويحثه على ما ينفعه، فسُمِّي هذا المنهج بـ"آداب المائدة"، أكثرها يعد من المسنونات).

ومن شواهد التاريخ أن الأمراض في العهد الإسلامي الأول انخفضت بشكل واضح، ويعزى ذلك إلى تقيد المسلمين بسنن المائدة وآدابها، حتى إن الطبيب الذي أرسله المقوقس سلطان مصر هدية الى الرسول محمد (ص) تم الاستغناء عنه، وذلك وحسب ما جاء في السيرة الحلبية: 3/299 لعلي بن برهان الدين الحلبي المتوفى سنة 841هـ (1438م) (وقد قال بعضهم إن المقوقس أرسل مع الهدية –الحمار يعفور- طبيبا فقال له النبي (ص) ارجع إلى أهلك نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع)، وفي كتاب طب النبي: 3 كما أشار المحقق الكرباسي في التمهيد: (فبقي الطبيب برهة لم يراجعه احد في فنه، فسأل النبي(ص) عن سر ذلك، فقال صلى الله عليه وآله: "نحن قوم ..").

وما من سُنّة أو خلّة أشار لها المعصوم، وبخاصة فيما تتعلق ببدن الإنسان ونفسيته إلا ولها جذر طبي، إن أحسن الإنسان التعامل معها أبعد نفسه عن دائرة الداء والنصب وإن أساء قرَّب إلى صدره أثقال المرض والتعب واحتاج إلى الدواء، ودفع البلاء أولى من رفعه إذا وقع، وبتعبير الكرباسي: (ذهب بعض الأصوليين في قواعد الفقه إلى أن الدفع أولى من الرفع بل إنَّ مرحلة الدفع مقدّمة على مرحلة الرفع فلسفيا، لأنك إذا تجنَّبت عما هو مضر لك تخلصت من آثاره التي ستلاحقك إن أنت قُمت به وتناولت ما هو ضار لك لتصل النوبة إلى القيام برفع تلك الآثار الضارة، ومن هنا جاء في المثل: "درهم وقاية خير من قنطار علاج")، ولهذا مثلًا: (يكره الأكل إلى حد الإمتلاء، وإذا وصل حدّ الضرر البالغ حَرُم)، لأن كل مباح إذا زاد ضرره انقلب حراما، وهي قاعدة عامة لها تطبيقاتها في كل مناحي الحياة، ولهذا يؤكد الفقيه الكرباسي: (يجب على الإنسان الأكل والشرب بمقدار الحاجة ولا يجوز الإمتناع عنهما إذا كان الإمتناع ضارًّا بحاله)، ومن هذه المسألة ينطلق الفقيه الغديري في تعليقته ليشير على حرمة الإضراب عن الطعام المميت: (وأما الذي يشاهد في المظاهرات والإحتجاجات السياسية أو الحقوقية أو الإجتماعية من الإمتناع عن الأكل والشرب فلا يجوز ذلك إذا كان يسبب الهلاك أو الضرر البالغ الخارج عن الطاقة، ويكفي فيه مجرد احتماله).

المائدة .. مرآة الكينونة

هناك مواضع ومواقع فيها يظهر معدن الإنسان وكينونته وما في داخله من سجايا وخصال حسنها وسيئها، ومنها مائدة الطعام، ولهذا لكل مجتمع أعرافه في التعامل مع المائدة والجالسين عليها، وتمثل المائدة مرآة لطباعه وأخلاقه، وقد جاء الإسلام ليؤكد على المظاهر الإيجابية ويعزز منها ويدفع بالمظاهر السلبية بعيدا وذلك من باب التكاملية في الآداب والسنن مصداقًا لقول الرسول(ص): "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

ولعل من أهم مظاهر المائدة التي يزيد فيها الباري من فضله ويسبغ عليها من نعمه وآلائه، هو التواضع فيها، ولذا: (يحرم الأكل في أواني الذهب والفضة)، أما: (الأواني المرصَّعة بالأحجار الكريمة لا إشكال من تناول الأكل فيها)، ومن التواضع عدم التفاخر بها وإن كانت مباحة، وبتعبير الفقيه الغديري في تعليقته: (إلا إذا كان جانب التفاخر يغلب ويُقصد لأجل إهانة الآخرين فيكره ذلك كراهة شديدة لو لم نقل بحرمته، ويمكن القول بالحُرمة بالحكم الثانوي).

ومن التواضع واحترام المائدة اختيار الجلسة المناسبة، ولذا: (يكره الأكل متكئا أو منبطحًا)، وحتى في هذه المسألة فإن صحة الإنسان مأخوذة في الحسبان ليس فقط المائدة ذاتها، وقد ثبت مما لا شك فيه أن الأكل في وضعيات غير مناسبة من غير عذر بدني تسبب أضرارا في الجهاز الهضمي وغيره من أجهزة البدن، وأما اتخاذ مثل هذه الجلسات على الطعام بوجود آخرين فهو يعبر عن قلة ذوق وعدم احترام.

ومن التواضع للمائدة: (يكره عزل مائدة العبيد والخدم عن مائدة صاحب البيت والمولى)، بل و:(يستحب أن يأكل الإنسان أكلة العبيد ويجلس معهم على الأرض)، وبالطبع كما يعلق الغديري: (ليس للأرض موضوعية وهي كمثال، والمقصود كونه معهم في مكان واحد)، كأن يكونا في مطعم ذي طاولة وكراسي، ومن سيرة أهل البيت(ع) أنهم كانوا أسوة في احترام المائدة، وقد ورد عن نادر خادم الإمام علي بن موسى الرضا(ع) كما في كتاب المحاسن: 624، للبرقي المتوفى سنة 274هـ: (كان أبو الحسن الرضا عليه السلام يضع جوزينجة –حلوى من جوز- على الأخرى ويناولني).

يجوز وما لا يجوز

تدور حياة الفرد اليومية بين الواجب والمستحب والحرام والمكروه وما بينهما المباح، وفي المائدة مستحبات ومكروهات توزعت في هذا الكراس على مسائل كثيرة، ومن ذلك: (يستحب إطعام وسقي المساكين والفقراء)، ويزيد الفقيه الغديري في تعليقته: (من دون فرق بين أصحاب الديانات وغيرهم أي من حيث القوم واللغة والبلد واللون وغيرها من الملاكات الجعلية غير الواقعية حيث الإنسانية يجمعها).

ومن الناحية الصحية: (يستحب غسل اليدين قبل الطعام، والأفضل أن لا يمسحهما بمنديل)، كما: (يستحب غسل اليدين بعد الطعام، والأفضل أن يمسحهما بمنديل)، ومن الصحة: (يستحب أن تصغّر اللُّقَم .. وألا يسرع في الأكل .. وإطالة الجلوس على المائدة .. ومضغ الطعام جيدا) وبالنسبة للشراب: (يستحب شرب الماء في النهار واقفًا وفي الليل جالسًا).

ومن أداب الوليمة بحضور الضيوف: (يستحب أن يبدأ صاحب الطعام أولا وينتهي من الطعام بعد الحاضرين)، وهو بذلك يكسر حاجز الخجل لدى الضيف بدءًا ويتيح له أن يأكل ما يشاء وفي أقصى مدة انتهاءً، وبالطبع للضيف كرامة، بخاصة إذا كان صاحب مقام علمي أو اجتماعي، ولهذا يعلق الغديري قائلا: (إلا إذا كان هناك شخص محترم تقتضي مكانته أن يقدمه صاحب الطعام للبدء في الأكل) والمسألة عرفية خاضعة لآداب الطعام في كل مجتمع.

ومن مكروهات المائدة: (الأكل على الشبع)، كما: (يكره الأكل في حال المشي) وفي بعض الأحيان تتحول الكراهية الى حرمة كما يضيف الشيخ الغديري في تعليقته: (وقد يحرم بلحاظ مكانة الشخص في المجتمع كالمرجع –الفقيه- ونحوه، وذلك يوجب الوهن له، وقد يسبب تشجيع مُقلِّديه على ذلك).

وعند اجتماع الخلان أو الضيوف على مائدة واحدة: (يكره النظر في وجوه الآخرين عند الأكل)، ولابد من احترام صاحب الدار: (إذا كانت الدعوة لها شروط لا بدّ وأن يلتزم بالشروط وإلا ردّها)، ومن الشروط: (إذا دُعي أحد إلى مائدة لا يجوز له أن يصحب غيره معه إلا إذا علم برضى صاحب المائدة)، ومن الشروط: (إذا وجّهت دعوة وذُكر فيها بعدم اصطحاب الأطفال، لا يجوز اصطحابهم).

وهناك مسائل كثيرة احتواها كراس "شريعة المائدة"، ولكن العبرة في العمل بهداها، وإلا فإن أكثر أمراضنا ناتجة من التهاون بآداب المائدة وسننها.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

443 تاريخ بني اسرائيلمن التَّاريخ الميثولوجي إلى الجغرافيا الهرمنيوطيقيَّة.. مُراجعاتٌ منهاجيَّةٌ في نماذج تاريخيَّة مُعاصرة.. مع ترجمة «وصف بلاد العَرَب قبل الميلاد»، لسترابو.. تأليف وترجمة: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَـيْفي

- في طبعته الأولى، 2019، صدرَ عن (عالم الكتب الحديث)، بالأردن، كتاب جديد بعنوان "تاريخ بني إسرائيل وجزيرة العَرَب: من التَّاريخ الميثولوجي إلى الجغرافيا الهرمنيوطيقيَّة (مُراجعاتٌ منهاجيَّةٌ في نماذج تاريخيَّة مُعاصرة)، (مع ترجمة «وصف بلاد العَرَب قبل الميلاد»، لسترابو)"، للأستاذ الدكتور عبدالله بن أحمد الفَيْفي. 

- سيكون الكتاب في أسواق الكتب، ومعارض الكتب الدوليَّة، ومنها (معرض الرياض الدولي للكتاب، 2019).

- يرى المؤلِّف أن الاتِّكاء على «العهد القديم»، بوصفه وثيقةً تاريخيَّةً، بات محلَّ ارتيابٍ في الدراسات التاريخيَّة الحديثة الجادَّة منذ وقتٍ مبكِّر؛ لعِلَلٍ كثيرة، تتعلَّق بالنقد الأدنَى (الداخلي/ الفيلولوجي) لبِنية النصِّ، أو بالنقد الأعلَى (الخارجي)، من حيث مصداقيَّته التاريخيَّة.  فكيف يَصِحُّ، والحالة هٰذه، أن يُبنَى على مثل هٰذا النصِّ تصوُّرٌ تاريخيٌّ بديلٌ، أشدُّ تصادمًا معه فيلولوجيًّا وغير متسق مع المعارف التاريخيَّة؟!  ذٰلك ما لن يُنقِذ النصَّ تاريخيًّا، ليُخرِجه من طبيعته التخييليَّة الأُسطوريَّة، ولن يُمِدَّ التاريخَ بمنجَزٍ عِلْمِيٍّ يستحقُّ الاحترام، بمقدار ما سينزع إلى بناء أُسطورةٍ جديدةٍ على أُسطورةٍ عتيقة!

- في هٰذا الكتاب يناقش المؤلف نماذج من كتب المؤلِّفين المعاصرين في التاريخ، توالت أعمالهم على إعادة قراءة المواضع الواردة في «العهد القديم» وتأويلها، على أنها مواضع في (الجزيرة العَرَبيَّة).  وسبب اختيار هٰذه النماذج أنها الأقدم والأشهر والتأسيسيَّة في هٰذا الموضوع، وما سِواها عِيالٌ عليها.  وهي نماذج لحراكٍ تأليفيٍّ، ما زال مستمرًّا، بمآرب مختلفة، يتوارَى فيها العِلْم التحقيقيُّ ويتعالَى النزوع الإديلوجي. 

- تأتي أهميَّة هٰذه المراجعة-  فضلًا عن حقِّ العِلْم في إحقاق ما قام عليه الدليل وإبطال ما دون ذٰلك- من أن هٰذا التيَّار المتكاثف في نِسبة تاريخ (بني إسرائيل) إلى (جزيرة العَرَب) ما انفكَّ في مَدِّه، منذ ما يربو على رُبع قرنٍ من الصفحات والأحبار.  وتأتي أهميَّتها كذٰلك من حيث إن طائفة من تلك الدعاوَى تتعلَّق بمغالطاتٍ في ما يعرفه مؤلِّف هٰذا الكتاب.  بل هو- كما يقول- شاهدٌ على حيثيَّات الوجود التاريخيِّ لبعضه، المعاصرة له أو لآبائه وأجداده الأقربين، ممَّا يتَّصل ببيئته ومنطقته، بخاصَّة.  على حين تَشهد استقراءاتُ أولٰئك المؤلِّفين واستدلالاتُهم على جهلهم بكثيرٍ ممَّا يوردون حيال بعض الأماكن أو جُلِّها أو كلِّها.  فإذا أُضيف إلى ذٰلك كلِّه الصمتُ المريبُ من أهل التاريخ والآثار المختصِّين- من الأكاديميِّين وغير الأكاديميِّين- الذي لَفَّ هٰذا الصخبَ المحمومَ عبر السنين الماضية، بدا الصمتُ- كما يرى المؤلِّف- خيانةً، والركونُ إلى ما ركن إليه الصامتون مشاركةً في حفلة زارٍ، لا تُجْـفِل الشياطين بل تستحضرهم، عبر التاريخ والجغرافيا معًا!

- يقع الكتاب في ٦٤٦ صفحة.

- يتكون من 3 فصول، وملحق بترجمة «وصف بلاد العَرَب قبل الميلاد»، لسترابو، وفهارس فنية.

 

441 علي المؤمن«النظام السياسي الإسلامي الحديث»، عنوان يبحر فيه الأستاذ علي المؤمن لمقاربة إشكاليات بقدر ما هي معاصرة بقدر ما هي تحمل في طياتها جدليات متعددة تؤرق الباحثين والمثقفين في الأمة الباحثة عن خلاص آن له أن يأتي، وإذ تحمّل كاتبنا هذه المهمة برضى وشغف وإقبال فإن اندفاعه الأقوى إنما تشكل من خلال بحثه الدؤوب عن تقديم إجابات مقنعة وعملية ترفد وتحصن هذه التجربة الفريدة في عالمنا المعاصر، دون أن يعني ذلك تخليه عن العملية والموضوعية في مقاربته للأمور، فحياده العلمي ومحاولته تقديم الأمور من زواياها المتعددة مع غزارة استوجبت جهداً في تنوع المصادر وتكثيفها كماً ونوعاً، جعل الإطلالة أكثر شمولاً والمطالب أكثر وضوحاً.. ولعل ما يستكمل هذا المنحى هو سلامة الكتابة وانسيابها لتكاد تلتقط أنفاسك وتجهد في ترك القراءة مكرهاً.. وإذ كان الإمعان في قراءة هذا السفر مطلباً نحن بصدده، فإن أول الأمر هو الاعتراف بالتواطؤ مع كاتبنا لأسباب كثيرة قد يكون بين أولها وآخرها مشاطرته الرأي في اعتقال ولاية الفقيه ورؤيتها كنموذج إسلامي جامع يجب أن يحتذى، إضافة إلى كونها عملياً تشكل في واقعها القائم في الجمهورية الإسلامية في إيران تجربة حية متفاعلة مع مجتمعها وتحمل في طياتها القدرة على التجدد والاستمرار..

إلا أن هذا التواطؤ الإيجابي لن يمنعنا من مقاربة الموضوع مقاربة نقدية مفاهيمية تمخضت عن مجمل القراءة للكتاب ويمكن تحديدها بالآتي:

أولاً: عندما يطالعك العنوان الأساسي للكتاب «النظام السياسي الإسلامي الحديث» ينصرف الذهن إلى مبحث شمولي يطال الأنظمة الإسلامية (تجاوزا) أو على الأقل تجربة الإسلاميين منهم والتي لا تنحصر في إيران وإنما بشكل أو بآخر ترتبط بالتجربة السودانية.. ومع أن الأستاذ علي يستدرك الأمر في مقدمة كتابه حيث يحدد ما هو المقصود بالنظام السياسي الإسلامي الحديث ويحصر الموضوع في النظام السياسي للجمهورية الإسلامية في إيران.. إلا أن ذلك لا يرفع الالتباس بالكامل خاصة عندما يقع نظرك على العنوان الخارجي للكتاب.

ثانياً: يقدم السيد المؤمن في بحثه اسماً مستحدثاً لشكل النظام ويعتبره جديداً حيث يقول «فهو ليس نظاماً رئاسياً وإن كان رئيس الجمهورية هو صاحب السلطة وليس برلمانياً وإن كان البرلمان من السلطات الأربع المستقلة، إلا إنه نظام قيادي ويشرح في موقع آخر ميزة وسبب التسمية فيقول «نظام القيادي يتميز بكون سلطة القائد هي السلطة المحورية والأولى في الدولة وهي التي تشرف على عمل السلطات الثلاث (تنفيذية، تشريعية، قضائية) ويضيف النظام القيادي يمثل إضافة للنظم السائدة في مناهج القانون الدستوري والأنشطة السياسية.

لا شك أننا أمام شكل جديد ومختلف تماماً عما هو سائد من الأنظمة السياسية بأشكالها المختلفة وبالتالي نوافق الأستاذ المؤمن أن هناك إضافة للنظم السياسية والدستورية، لكن السؤال الذي ألح عليَّ وأنا أقرأ هل تعبر مقولة النظام القيادي بشكل كاف وتحمل كل الدلالات المطلوب قولها من خلال النظام الجديد؟! وكيف يمكن إبراز الصفات الكامنة لقوة هذا النظام وعكس إيديولوجيته؟! فالقول بقياديته للأسباب التي ذكرت سابقاً تشكل هوية مشتركة مع الأنظمة الرئاسية وإن اختلفت في التفاصيل لكنها تبقي إطارها العام، لذا فأنا أرى أن الكاشف الفعلي والذي يجسد فعلاً كل مقولات ودلالات النظام السياسي الإسلامي الحديث ويعطيه الحق في أن يكون جنباً إلى جنب مع النظم السياسية والمناهج القانونية والدستورية إنما تنبع من إعطاء شكل النظام اسمه الطبيعي القائم على أساسه أعني اسم نظام ولاية الفقيه وهو بهذا يتضمن النظام القيادي المشترك مع آخر ويبرز الخصوصية التي تجعله متفرداً ومتمايزاً ومستحقاً لوضعه القانوني والدستوري الجديد.

ثالثاً: يشكل الحديث عن الاقتباس محوراً أساسياً أن في الشكل أو المضمون ويورد الأستاذ مؤمن ما يلي إشكالية الاقتباس وهي إشكالية منهجية ترتبط بإمكانية الاقتباس من الفكر البشري سياسياً كان أم اجتماعياً أم اقتصادياً وما يحاول أن يؤكد عليه على الدوام أن الاقتباس في دوائره المطلوبة يتمثل في «محاولة اكتشاف آليات محايدة نافعة موجودة في الأنظمة الأرضية بغية أسلمتها واستخدامها في مساحات التفويض التشريعي والمتغيرات» ويضيف في مكان آخر «استفاد من الانجازات البشرية التي تمثل نتاجات نافعة ومحايدة مفرغة من الأبعاد الإيديولوجية وتحديداً في مجال الصياغات الفنية والآليات» وهو من خلا ما ورد وغيره الكثير من الشواهد والأدلة التي تخدم فكرة النص يتجه نحو محاولة العمل على فصل الآليات والصياغات الفنية عن مستواها العقيدي وتحديداً في المستوى الديمقراطي بحيث تصبح هذه التجارب المتراكمة التي كانت نتاجاً غربياً صرفاً وإبداعاً بشرياً مباحاً فصلها عن واقعها للاستفادة منها وأسلمتها، وهنا يطرح سؤال هل بالإمكان انوجاد هذا الفصل؟! خاصة أن ذلك يتساوق مع الحديث عن «محاولات التوفيق القسري بين النظام السياسي والأنظمة الأخرى والخروج بمسميات هجينة كالنظام الإسلامي الديمقراطي، الخ. تعني منهجياً إقحام عقيدة ورسالة سماوية ونظام ديني لتتواءم وتجارب تاريخية وأفكار اجتماعية بشرية. وحتى لو استثمر النظام الإسلامي بعض آليات تلك الأنظمة (الديمقراطية تحديداً) فلن يكون هناك مسوغ نظري وواقعي للتسمي بأسماء تلك الأنظمة أو إضافة أسمائها إلى النظام الإسلامي «وكذلك اعتبار الرأسمالية والليبرالية والديمقراطية أفكاراً ونظماً راقية... لكنها تبقى مفصلة على مقاس الغرب ولا يمكن تفصيلها علت مقاس آخر».

أليس القبول بآليات الديمقراطية هو الأخذ من تجربة الآخر المتكاملة والعمل على تطويعها وتوليفها أو بالأحرى أسلمتها، ومنطق التوليف يرفضه الكاتب ويحدده بالتالي «هناك فكرتان أو تجربتان بمستوى واحد من المقبولية والشرعية دون أن يكون أحدها مرجعية الآخر وتابعاً ودون وجود ثوابت ومتغيرات بل إن كل شيء خاضع لمعيار المتغيرات ثم تتم عملية التوفيق بين الفكرتين والتجربتين ليخرج الناتج هجينا».

فهل الآليات خارج إطار الفكر وهل فعلاً أن أجهزة وآليات العمل الديمقراطية لا علاقة لها بالفكر الذي تنتمي إلى تجربته بالكامل؟! وهل نحن أمام مأزق التهجين؟! وهل محكوم علينا أن نضع التوليف بالمعنى السالف فيصلاً بتاراً يلغي التداخل والاستيعاب والتمازح في التجارب الإنسانية؟! إزاء ممانعة التوليف وإشكاليات التقاطع والتضاد مع الأنظمة من ثيوقراطية وديمقراطية فإننا نلجأ إلى طرح أصالة الفكرة الإنسانية بمعناها الواسع ذلك أن هذه التجربة الممتدة من فجر التاريخ إلى الآن تشكل وحدة إنسانية تسعى نحو الأفضل وتستلهم حتى في أرضيتها موقع الاستخلاف التاريخي الذي جعل اللَّه الإنسان بالمطلق مؤتمناً عليه وإعطاء الأداء الأساس العقل لذا فإن انفكاك وتداخل التجارب الإنسانية واستيعابها لبعضها البعض والخروج بجديد كانت على الدوام هي المولد الأساسي لتقدم الحضارات وابتداع أشكال الأنظمة... من هنا يصبح الأخذ عن الديمقراطية أو أي نظام آخر إنما يتأصل في وحدته الإنسانية العاقلة المعطاة من اللَّه من خلال عملية استخلاف الإنسان وذلك يعطل مأزق التواصل ويصبح الحديث عن أن «الاستفادة من التجارب البشرية يحفظ للشريعة الإسلامية مرجعيتها في بناء النظام وخضوع كل فكرة لمعاييرها» وأيضاً كلام الشيخ شمس الدين في الآية الكريمة الذين يستمعون القول... هو القول المطلق الذي هو الفعل البشري والانجاز العلمي والممارسة والشكل التنظيمي وإنه كل إنجاز بشري في حياة الناس على الأرض وفي علاقاتهم في ما بينهم «في مكانه الصحيح وللمقاربة العملية وإذا ما وضعنا الأساس العقائدي للنظام الإسلامي في الجمهورية الإسلامية جانباً فإننا نلاحظ وبقليل من التدقيق أن شكل الأجهزة والآليات المتبعة هي بالكامل تتوافق مع خلاصة التجربة الإنسانية في شكل النظام والإدارة وإذا ما وجدنا اختلافات فهي طفيفة وموضوعية، فهل نستطيع القول أن كل هذه المباني آليات مجردة لا تمت إلى صلة بخلفياتها الفكرية وهل نكون واقعيين في ذلك؟! أم أننا نراها من الوجهة الإيجابية بحيث تصبح كل التجربة الإنسانية على قاعدة أصالة الفطرة مباحاً الاستفادة منها ضمن الحدود التي تراها الشريعة متوافقة معها؟!. وبهذا نخرج من حالة الاضطراب في التعاطي مع الفكر والإبداع البشري على المستوى النظام السياسي وما يتضمن من تفاصيل متنوعة.

رابعاً: في موضوع ولاية الفقيه فبالإضافة إلى دور الولي «الإمام يمثل الأمة ويرمز إليها قبل أن يمثل الدولة أما باقي المواقع في النظام الإسلامي فهو مؤسسات وأجهزة تعبّر عن موقف الإمام والأمة من منطلق كونها منتخبة من قبلها ووكيلة عنهما في تسيير حركة الدولة» المعروف والمتفق عليه في قيادة الأمة وتوليه مسؤوليات الإشراف على شؤونها، فإن ما نريد التركيز عليه هو دور الأمة وفعاليتها وموقعها فينقل السيد مؤمن عن الشيخ الزنجاني قوله أن «التجربة أثبتت أن النظام السياسي إذ أريد له الاستمرار فلا مناص من الرجوع إلى أصوات الشعب وعلى هذا الأساس فإن الانتخابات منبثقة من جوهر الإمامة ومنبثقة من التجارب الغنية وتمنح النظام الثبات مع أنه قائم على نظرية التنصيب التي تقود إلى الإمامة» وتتكامل في ذلك مع نظرية الإمام الصدر التي سماها «خط الشهادة والخلافة» وجمع فيها بين مبدأ ولاية الفقيه كاستمرار لولاية الرسول والإمام ومبدأ حرية الإنسان في الاختيار واجتماع المبدأين يعني اجتماع حاكمية اللَّه المفوضة إلى الإنسان المتمثل بالفقيه الشاهد، وبالإنسان أو الأمة الخليفة» وضمن هذين البعدين يرى الكاتب تمثل «دور الأمة بتفعيل ولاية الفقيه أي إنها من خلال بيعتها وطاعتها للفقيه الذي تختاره تعمل على تحويل ولايته من القوة إلى الفعل أي إنها لا تمنحه الشرعية فهي ليست مصدر سيادة الدولة والنظام لأنها لا تملك السيادة فمسار السيادة والحاكمية يبدأ من الأعلى».

هذا المسار يكشف عن موقع الأمة أو الشعب في نظام ولاية الفقيه الذي يعطي المشروعية التي تختص بالبعد القانوني للنظام والشريعة تعطيه البعد الديني من هنا يلعب الشعب دوراً أساسياً منذ اللحظة الأولى لانتخابه مجلس خبراء وانتخابهم الولي الفقيه وصولاً إلى كافة أشكال الانتخاب الأخرى وهو بالتالي شريك كامل الصلاحية بحيث لا تصبح كلمة «تفعيل ولاية الفقيه» تتناسب والدور الخطير الذي يقوم به في تثبيت الجمهورية الإسلامية وإكسابها المناعة والاستمرار تحت ظلال الولي الفقيه، وللتدليل على ما نرمي إليه نتساءل هل يمكن قيام نظام ولاية الفقيه بعيداً عن رضى الشعب واختياره لها فذلك يبقي النظرية في إطارها المجرد دون أي تطبيقات عملية... لذا فإن الشعب بهذا المعنى مقوم أساسي للنظام وهو ما نجد تعبيره في اعتبار الكاتب أن النظام السياسي الإسلامي يقوم على دعامتين أساسيتين هما ولاية الفقيه وشورى الأمة وهما في الوقت نفسه ضمان عدم تحول الحكم إلى حكم استبدادي.

والأستاذ علي المؤمن في خوضه هذا المجال مشكور أولاً لأنه أعطانا مساحة للقراءة المتصدية في هذا المجال، وثانياً لإتاحته لنا جميعاً أعمال الفكر وتوليد الأسئلة واستثارة النقاش فالشكر كل الشكر لكاتبنا الصبور ولمعهد الدراسات الرائد في هذا المجال.

 

بقلم: د. غالب أبو زينب

.........................

(*) المقال هو ـ بالأصل ـ بحث ألقاه الكاتب في الندوة التي عقدها معهد المعارف الحكمية في بيروت حول أطروحة "النظام السياسي الإسلامي الحديث" للباحث علي المؤمن؛ بتاريخ 31/3/2004.

 

74 majed200النص من نتاج مُبدعه، إن كان مُبدعه بشر مثلنا أو ما أوحى به المُبدع الأول لرُسله وأنبيائه، وسؤال الحقيقة هو سؤال الفلسفة في سعيها للبحث عن الحقيقة الضامرة خلف الوجود، أو في ميتا النص القُدسي، بل وحتى ميتا النص الابداعي للبشر.

في كتاب ماجد الغرباوي "النص وسؤال الحقيقة" جرأة قلَ نظيرها في البحث عن (المسكوت عنه) في تراثنا الإسلامي وتماهينا مع تفسيراته (الدوغمائية) وكأنها سُبل النجاة وسفينتها.

لا أدري لماذا يُحيلني الغرباوي في كتاباته ومنها كتابه هذا إلى تذكر كتابات (نصر حامد أبو زيد) لا سيما في كتابه (النص، السلطة، الحقيقة)، لربما لأنهما يشتركان في ذات الهم، ففي كتاب (أبو زيد) إشتغال على نقد القراءة الأيديولوجية (العقائدية) للتراث، وذات الهم في كتابات الغرباوي، وفي كتاب (أبو زيد) نزوع نحو تبني النزعة التاريخية، وكما عرفها أبو زيد أنها "تعني الحدوث في الزمن، حتى لو كان هذا الزمن هو لحظة إفتتاح الزمن وابتدائه، إنها لحظة الفصل والتمييز بين الوجود المُطلق المُتعالي ـ الوجود الإلهي ـ والوجود المشروط الزماني، وإذا كان الفعل الإلهي الأول ـ فعل إيجاد العالم ـ هو افتتاح الزمان فإن كل الأفعال التي تلت هذا الفعل الافتتاحي تظل أفعالاً تاريخية، بحكم أنها تحققت في الزمن والتاريخ، وكل ما هو ناتج عن هذه الأفعال الإلهية "مُحدث" بمعنى أنه حدث في لحظة من لحظات التاريخ"1 .

اشتغل الغرباوي على النص ومُشكلات السياق، وكذا الحال مع (أبو زيد)، فقد حاول الغرباوي الكشف عن الدال في النص الذي ظل يُستخدم في حقله الدلالي واللغوي الأصلي و"التاريخاني" بعبارة عبدالله العروي من دون المساس به، وكأنه نص لا يقبل التأويل، أو من غير المسموح لنا تأويله!.

شارك الغرباوي علي حرب في تمييزه بين النص والخطاب، فالنص بحسب علي حرب "لا يحمل دلالته في ذاته دلالة جاهزة ونهائية، بل هو فضاء دلالي، وإمكان تأويلي، ولذا، فهو لا ينفصل عن قارئه" (ص9، نقد الحقيقة).

"النص ـ بعبارة علي حرب ـ ينص على المعنى الجوهري الأصلي" (ص24، نقد الحقيقة)، و"الخطاب حجاب" (علي حرب: نقد النص، ص8) لأن "الخطاب يُمارس بطبيعته حجباً للواقع" (نقد النص، ص13)

كتب الغرباوي في نقد مرجعيات الفكر الديني في مُحاولة منه للعب على (المسكوت عنه) وكأنه لاعب سيرك يمشي على حبل شبيه بالأعراف، ألا وهو الخيط الرفيع الذي يمشي عليه بعض السالكين بين الجنة والنار، فم يُتقن منهم اللعب سيعبر ليكون من أهل الجنة.

مثل ماجد سينجو ونحن القراء الفقراء (المُشاهدين) نلحظ مهارته وقلوبنا تدق وكل منا يُخاطب نفسه بالقول: إنه سيقع، وحينما ينتهي العرض نجد أن الغرباوي سار على الحبل ولم يقع.

ربما يُنتقد وتلك من ميزات الكتابة المُميزة إن كان صاحبها مُتمكن من أدواته، ولا أظن أن هُناك من يختلف معي من الذين قرأوا كتابات الغرباوي فيقول غير ما أقول في أن الغرباوي ماهر في نقده وغوصه في مرجعيات الفكر الديني التي هي في الأصل مرجعياته.

يبحث الغرباوي في مقاصد الدين وغاياته، وينتقد توظيفه الرجعي (الآثم) وما يعيشه دعاة هذا التوظيف من العيش فيما أسماه الغرباوي "أوهام الحقيقة".

رغم أن الغرباوي يعترف بـ "أن لكل نص سلطته" إلَا أننا نجده مُتمرداً لا يرتكن لسلطة نصية بقدر ما يرتكن لسلطة العقل.

عودته للنص بوصفه نتاج معرفي يستمد منه رؤيته لفهم جديد يُقوض الفهم القديم أو السائد، لذا نجده لا يهمل النص حينما يؤسس الآخرون لهم سلطة يدعون أنها من أصل من أصول وجود النص.

لم يكن الغرباوي سوى قارئ للنص أو مُتلق يعي ما يقرأ، فضلاً عن وعيه بحيثيات نشوء النص وشروحه وهوامشه، لذا نجده يكتب في نقد النص بوصفه مُتلق واع يعرف أن قيمة النص تزداد أو تنقص بمقدار ثقافة ووعي قارئه.

إن كل فهم إرتكاسي أو نكوصي للنص إنما هو نابع من ثقافة القارئ (المُتلقي) وبيئته، وكذا الحال مع القارئ المُتلقي (التقدمي) وهنا نقصد بهذا المفهوم هو مقدار ما يمتلك القارئ من شغف في القراءة وقبول التنوع والإختلاف الفكري والعقائدي بوصفه إضافة معرفية لما تختزنه الأنا.

يُميز الغرباوي بين النص والخطاب، فالنص عنده "مُغلق على منطوقه مهما بلغ من ثراء في مداليله".

"وأما الخطاب، فمُتحرر نسبياً بما تقتضيه تقنيته، لكنه مُغلق حول رسالته، لا يُمكنه التلاعب بها، بل تقتصر مهمته على إقناع المُتلقي وترسيخ إيمانه".

وهنا نجد أن الغرباوي يرى أن مهمة الخطاب هي مهمة رسالية أو عقائدية، بل وحتى أيديولوجية، وينبغي لمن يؤمن رسالية الفكرة تصديرها والدفاع عنها لا نقدها وتحليلها.

أما النص فهو كما صرح بذلك من قبل أستاذنا حُسام الدين الآلوسي أنه نص (استاتيكي) وكل ما فيه من حيوية و "ديناميكية" إنما تأتيه من القارئ أو المُتلقي، فإن كان ذلك القارئ ذا ميول "دوغمائي" ستجد أن النص مُقفل لا مساحة فيه ولا قبول لكل مُختف أو مُغاير، ولكن إن كان القارئ (المُتلقي) يعيش في مُجتمع مدني ويمتلك ثقافة فيها قبول للآخر فستجد يفك إنغلاقية النص ليجعله ناطقاً بالمحبة والمودة والدعوة للتسامح والتعارف.

لا يدعو الغرباوي لنقد النص لأنه يرى أن النص القدسي عصي على النقد، ولكنه يدعو للكشف عن ثراء المعنى الظاهر للنص أو الكامن فيه.

حاول الغرباوي في كتابه هذا الدفاع عن حرية المُعتقد، ونقد الفهم الفقهي القاصر للنص.

يرى الغرباوي أن سبب ما نعيش فيه من بؤس وتخلف ثقافي وفكري إنما هو نابع من "إمعان المذاهب الإسلامية في تشويه معالم الدين".

إن الدين برأيه له حقيقة واحدة، ولكن سُبل الوصول لها تتعدد بعدد أنفاس الخلائق كما يقول ابن عربي.

لا يختلف الخطاب الديني عن الخطاب الطائفي أو المذهبي، لأن في طبيعة التكوين فيهما نفي واقصاء للآخر، والخطاب الديني ليس الدين، بل هو فهم الدين كما يرى (عبدالكريم سروش).

74 majed600

في باب الكتاب الثاني (النص والحقيقة) أحالني الغرباوي لكتابات علي حرب "نقد النص" و"نقد الحقيقة" ولا أدعي تطابقهما بقدر ما أرى تناغمها وإنسجامهما في تبني لازمة أثيرة في سمفونية النقد للنص والإنشغال في "سؤال الحقيقة".

فالغرباي يرى في الخطاب نزوع نحو تبني موقف عقائدي أو أيديولوجي ما والدفاع عنه والترويج له، فالخطاب فيه استحضار وتغييب، والنص أداة بيد من يرم استحضار أو تغييب.

يبحث الغرباوي في نص القرآن عن آيات بينات تدعونا للتعقل وتبني الإيمان وفق منطق عقلي برهاني، والجميل البهي في كتابه هذا أنه لم ينشغل بأقوال الصوفية والعُرفاء وصيغ كتاباتهم الإنشائية بقدر ما كان مُنشغلاً باثبات عقلانية النص الديني، أو ما قال عنه بأن "القرآن يطمح لإيمان برهاني"، ولا تقدير عندي لمقصده لأنني أعرف أن خطاب القرآن فيه مقبولية لمن آمن على الفطرة أو آمن وفق مُقتضيات الخطاب الجدلي، وهناك بعض من البشر خصهم القرآن بقولة "الراسخون في العلم" وربما يكون هؤلاء هم الفقهاء، أو ربما يكون الصوفية وبلحاظ الآية "وإدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" ومن يدعو لسبيل ربه بالحكمة هم الفلاسفة، وربما يكونوا هم من قصدهم النص.

"الناقد هو الوحيد القادر على تحدي النص في مراوغته"، والمراوغة يعني بها الغرباوي "مراواغات الخطاب الديني" و "تزوير الوعي".

الإيمان خطاب عاطفي بحسب ما يرى الغرباوي، ومهمة "القراءة التأويلية" هي الحفر في "اللامُفكر فيه" ونقد ما أسماه الغرباوي "قبليات الوعي التراثي" وتجاوز تداعيات "المُهيمن الرمزي" الذي ظل عقلنا يستكين لمعطياته، وأظن أن في رؤيته هذه توظيف لمفهوم (بورديو) (الرأس مال الرمزي)، أو الإفادة من توظيف أركون لمقولات (بورديو).

"إن أزمتنا الحضارية أزمة عقل أولاً، فنحتاج لتفكيكه واعادة تشكيله وفق مبادئ ومناهج مُنتجة للمعرفة والقيم الحضارية".

كان جرأة الغرباوي في تفكيكه وتحليله وهو الخبير بمُضمرات النص وتفسيراته الفقهية تتجاوز في جراءتها بعض من أطروحات المُناهضين لسلطة النص والقبول بنزعته التسليمية.

في كتاب الغرباوي هذا كشف وتعرية للخطاب بوصفه "وعي زائف" بعبارة الماركسيين، ليحفر في (المسكوت عنه) في النص بوصفه (بنية معرفية) همهما نقد الوعي السائد للانتصار للوعي العقلاني المُضمر الذي لا تروم تفاسير المُفسرين الكشف عنه، ولا فقهاء الأزمان المُتعاقبة يرغبون بذلك.

من ميزات نتاج الغرباوي (العقلنة)، ونقصد بالعقلنة هنا هي محاولة الغرباوي مُقاربة النص مع الواقع، أو (التفسير الواقعي للنص) للخلاص من يقينيات التفسير الفقهي للنص.

سؤال الحقيقة هو سؤال الفلسفة التاريخي، ولكن هل تمت الإجابة عنه؟، بالتأكيد ستكون إجابتنا (كلا)، لأن في حال وجود إجابة يقتنع بها البعض سيتحول سؤال الحقيقة من كونه سؤال معرفي ليصير جواب لتفسير نزوع أيديولوجي، وذلك ما يبغيه الغرباوي.

كان جُل هم الغرباوي في كتابه هذا هو مُلاحقة سؤال الحقيقة وتشريح استفهاماته، كي لا تضيع في راكد القول، بقدر ما يُصيره أسئلة أخرى تستفز العقل النقدي وتفضح مراواغات النص.

رغم أن الغرباوي يرتكن بكتابه هذا لدحض الحجة بالحجة العقليق، وهو كتب في في تعلم طُرق (الحجاج)، إلَا أنه يرغب بأن يكون قوله شبيه برمية هدَاف في مرمى الخصم.

الخصم عنده ليس هو الحكم، لأنه يُفكك مقولات الفكر الديني بوصفه حكماً لاخصماً، فهو من نمت معرفته داخل فضاء هذا الفكر، ولا زال يعشقه ويرغب بالانتماء له، وإن صنفه من لا يفقه بأنه خارج عن النسق الموروث في تبني المُعتقد والدفاع عن مذهب.

ميزة الغرباوي أنه لا يخشى نقد ما سُميَ بـ "الخطوط الحمراء"، فهو يشتغل في الكشف والتعرية لخطاباتها لا لأنه يروم الكشف عن زيفها الضامر في أقوال وكتابات أصحابها، بل لأنه مُحب للحكمة، لذلك نجده يهيم في نقد الوعي (اللاتاريخي) السائد في فهم المُقدس سعياً منه لتصحيح مسار (المعرفة الدينية) وتجاوز أسطرته في المخيال (الشعبوي) والتغني بـ (اللامعقول الديني) لجعله مُنساباً ومُتسقاً مع الفهم (التاريخي) للنص في زمانيته ومكانيته.

لم يكن كما ظن بعض مُنتقدي الغرباوي أنه يبغي التقليل من قيمة المُقدس والديني في الإسلام (السُني أو الشيعي) اللذن نالا حظهما من نقد (الغلو) في دفاعهما الأعمى عن مُتبنيات يرتكنون إليه من دون دليل عقلي.

في كتابات الغرباوي جرأة المُفكر والكاتب الحُر الناقد للتمذهب بكل توجهاته المؤسطرة والمؤطرة، إسلامية كانت أم دينية مُغايرة، لأنه يرى أن جُلَ من يدَعون التدين لا يهمهم دين الله بقدر ما تهمهم مذاهبهم.

ما يخلص له الغرباوي في كتابه (النص وسؤال الحقيقة) هو أن كُل مُتبنيات التفسير الفقهي للدين إنما هي من مُتبنيات الفُقهاء، فلم يكن مُحمداً سوى بشر (وما أنا إلَا بشر مثلكم)، فكفى بنا فقداً لأنسنتنا ورمي أنفسنا ببراثن الجهل والأسطرة، ولنكف ولو قليلاً عن خُرافاتنا وإمعاننا في تجهيل من لا يعرف مضامين (النَص).

لينتهي بنا أن سؤال الحقيقة محاولة للتنشيط الفكر لا الاتيان بأجوبة جاهزة (مُعلبة)، وسيبق سؤال الحقيقة من مرامي من ينحو نحو الفلسفة، ولكن هذا لا يعني أن من ينحو نحو الإيمان أن يتخلى عن مساعي (النَص) في التماهي مع العقل وموافقته، وإن كان الإيمان أمراً شخصياً، فلا يعني ذلك تخلي العقل النقدي عن سعيه في كشف وتعرية المقول التسليمي المؤسطر (الخارج نصي) كما يفهمه دُعاة العقيدة من الذين لايقبلون سوى بتقبل النقل كما يراه من وثقوا به من أصحاب الدراية والرواية.

إنه استقالة العقل التي لا تنسجم وسؤال الحقيقة الذي يرنو للكشف عن زيف الخطاب ومراوغته في تجميل القول لخداع الآخرين من الذين لا يفقهون البنية اللغوية والحجاجية، بل وحتى البرهانية للنَص.    

 

 - الكتاب: النص وسؤال الحقيقة .. نقد مرجعيات التفكير الديني

- تأليف: ماجد الغرباوي

- 304 صفحات، حجم كبير

- الطبعة الأولى: 2018م

- إصدار مؤسسة المثقف – استراليا، ودار أمل الجديدة – سوريا

 

ا. د. علي المرهج – استاذ الفلسفة في الجامعة المستنصرية

.......................

1ـ نصر حامد أبو زيد: النص، السلطة، الحقيقة، المركز الثقافي العربي، بيروت ـ لبنان، ط1، 1995، ص71.

 

440 حسن حضريصدر للشاعر حسن الحضري، ديوانه السابع، بعنوان "بردة الأشواق"، عن مكتبة الآداب للنشر والتوزيع بالقاهرة.

يقع الديوان في مئة وعشرين صفحة من القطع المتوسط، ويضم تسعًا وثلاثين قصيدة ومقطوعة في أغراض متعددة من أغراض الشعر.

ويعد هذا هو الإصدار العاشر للشاعر حسن عبد الفتاح الحضري؛ حيث صدر له من قبل ستة دواوين، وكتاب في علم العروض بعنوان "الصحيح في علم العروض"، وكتاب في النقد الأدبي بعنوان "القرآن الكريم يحدد ماهية الأدب"، ومقالات نقدية  في كتاب بعنوان "سطور من الواقع"؛ وله دواوين ودراسات أدبية ونقدية أخرى غير مطبوعة.

رائد جبار كاظمتعيش المجتمعات العربية والاسلامية المعاصرة حالة من الجمود والتخلف والركود الفكري والعلمي والمعرفي، الا ما ندر من صيحات حداثوية بسيطة هنا وهناك، واذا وجدنا بعضاً من مجتمعاتنا تمارس الحداثة في مجالات الحياة اليومية والبيت والمؤسسة فان ذلك لا يتعدى تلك الحدود ولا يمس العقل والتفكير بشيء، فتفكيرنا تقليدي بامتياز وعقولنا لا تتجرأ على طرح الأسئلة والنقد والتفكيك، لوجود موانع وتابوات تعيق التفكير وتحرمه، فأغلبنا يغادر التفكير الفاعل ويعيش التفكير المنفعل، نسلك طرق ببغاوية في طريقة تفكيرنا ونقلد الآباء والأجداد في ذلك الطريق.

لقد استطاعت المجتمعات الأوربية والغربية الحديثة الخروج من نفق الظلام والجمود والركود من خلال تغيير نمط التفكير السائد في مجتمعاتها، مما ساعدها على دخول عالم الحداثة والتجديد بشكل منتظم وسليم، أي ممارسة الحداثة والتحديث في نفس الوقت، على مستوى الفرد والمجتمع، مما جعل عملية الاصلاح والتغيير تمارس يومياً كسلوك فردي وجماعي يضمن النجاح للجميع، سواء في المؤسسة السياسية أو الاجتماعية أو التربوية والتعليمية أو الدينية، وهذا ما جعل لحظة الحداثة الغربية لحظة واقعية معاشة لا مجرد صيحات وشعارات فارغة يرفعها دعاتها بصورة فردية هنا وهناك. ولذلك كانت ثورة الاصلاح والتغيير في الغرب منذ قرون ثورة اصلاحية عامة شملت جميع المجالات الفكرية والحياتية والمؤسساتية والدينية والمعرفية، ثورة أقترنت بالنقد والتقويم والتفكيك، وهذا ما أدى الى نجاح تلك المجتمعات عملياً ورقيها وتقدمها في مجالات عدة بخلاف مجتمعاتنا العربية والاسلامية التي ترزح تحت أقدام الظلم والتعصب والكراهية والتخلف والجهل، مجتمعات لا تريد مغادرة تلك الأزمنة المتعفنة، وما يشجع على ذلك هو هيمنة السلطة السياسية من جانب والسلطة الدينية من جانب آخر، وبتزاوجهما وسطوتهما معاً على الفرد والمجتمع يحصل ما لا يحمد عقباه على أرض الواقع، وهذا ما لاحظناه على مر التاريخ البشري لكثير من المجتمعات، في حين أن العالم الغربي اليوم يسير بمنأى عن ذلك التفكير وتلك الهيمنة بنسبة ما تختلف عن طبيعة مجتمعاتنا المتشنجة، وهذا ما تكفله الحرية والتعبير عن الأفكار والآراء بصورة نقدية حرة لا تخضع لسلطة القمع والاستبداد والقتل والتعذيب.

74 majed600

ومن خلال تلك الأجواء الحداثوية والغربية الحرة نجد دعوات فكرية نقدية وثورية واصلاحية حرة ومتحررة تصدر من عقول مفكرين ومثقفين وكتاب عرب ومسلمين تنفسوا وعاشوا الحداثة بشكل يومي في الغرب، على مستوى البيت والمجتمع والمؤسسة والحياة والتفكير، وعلى أساس ذلك يحاولون نقل تلك الأجواء والأصداء الحرة الى مجتمعاتنا العربية والاسلامية، من خلال طرح مشاريع فكرية وثقافية تجديدية تحاكي الغرب وطريقته في التفكير والسلوك والنقد والثورة، ومن هذه الشخصيات والاسماء الفكرية المجددة يبرز المفكر والمثقف التنويري ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف العربي في أستراليا، وهو مفكر اسلامي تجديدي اصلاحي يبرز على الساحة الثقافية العربية والاسلامية اليوم، وذلك من خلال مشاريعه الفكرية الجديدة وطروحاته الفكرية المتنورة وكتاباته النقدية الجريئة، التي تحاول تفكيك التراث ونقده بآليات عقلية وفكرية حداثوية أقتبسها من محيطه وبيئته التي يعيشها في الغرب اليوم، وما كان للغرباوي أن يمارس النقد والتفكيك والتحليل والدعوة للإصلاح والتغيير لولا أجواء الحرية والحداثة والتغيير التي يتنفسها يومياً وهو في أرض الغربة، غربة عن وطنه وأرضه وأهله ومحبيه، ولكنه أستطاع بفكره ونقده وصبره تحويل تلك الغربة الى وطن، وتحويل هذا الوطن الى مؤسسة حرة وحيوية فاعلة يستظل فيها جمع من الكتاب والمثقفين والمفكرين التنويريين الذين يؤمنون بقيمة النقد ونقد النقد، والايمان بالآخر كقيمة الايمان بالانا والذات، وهذا ما أستطاع الغرباوي العمل عليه وتكريسه في مشروعه الفكري التنويري من خلال مؤسسة المثقف العربي الرائدة، التي استطاع من خلالها الغرباوي نشر طروحاته الفكرية من جانب، وتسويق فكره وكتاباته من جانب، وتأثيره على الكتاب والمثقفين من جانب آخر، وهذا ما يحسب له بصورة واضحة جداً، اذ كان بحق مؤسسة في رجل، واستطاع تجسيد تلك المؤسسة والافكار والنشاطات في سلوكه اليومي والثقافي ويشهد على ذلك الكثير، هذا من جانب غربة الوطن والمكان الذي أستطاع كسره وتجاوزه وتشييده لوطن يليق به ويعشقه، أما من حيث غربة الزمان والتاريخ، فأن الغرباوي لم يحاول الهروب من تاريخه وتراثه العربي والاسلامي والتمسك بتاريخ غربي جديد يريد تقليده وتمجيده، ولكن تاريخه ظل يرافقه طوال حياته منذ اللحظة الأولى لتشكيل وعيه وثقافته الى يومه هذا، ولكنه والحق يقال والذي يتضح من خلال سلسلة طروحاته وكتاباته الفكرية أنه نظر لذلك التاريخ والتراث بعين ثانية غير التي كان ينظر بها اليه وهو يعيش في البلاد العربية والاسلامية، فالفرد منا حين يفكر ويكتب يكون أسير المكان والزمان الذي يعيش فيه ولا يستطيع تجاوزه والقفز عليه بجرأة وجدية.

لقد استفاد الغرباوي من الأجواء الفكرية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي يعيشها في مجتمعه الغربي وحاول الاستفادة من تلك الأجواء للتفكير بهدوء في نقد المنظومة الفكرية والدينية الاسلامية ومحاولة تهذيب وتشذيب الكثير من الافكار والآراء التي علقت في فهم تراثنا، ونزع القداسة مما لا يستحق التقديس، وكشف الأقنعة والزيف المحيطة بكثير من النصوص والمعتقدات، وتعرية الخطاب الديني والسياسي، وبيان مدى التشابك الحاصل بين الأثنين لعقد الصلة بينهما لتحقيق المزيد من الهيمنة والتسلط، وتحقيق عوائد وأرباح طائلة من تصالح السلطتين معاً، وهذا ما أدى الى وجود دكتاتوريات فكرية وثقافية ودينية لا تقل عن الدكتاتوريات السياسية الحاكمة، بل للأولى قصب السبق في تأييد ودعم دكتاتورية الحكام والاحزاب والسلطات الحاكمة، من خلال تقديم سند ديني وشرعي لاستبداد الحاكم والسلطة السياسية المهيمنة، وقد لعب وعاظ السلاطين دورهم الكبير على مر التاريخ لتحقيق ذلك الهدف المقيت.

لقد عمل الغرباوي في العقود الأخيرة من فكره وحياته على زيادة مستوى النقد والثورة على الخطاب الديني والسياسي المهيمن على الساحة الاسلامية، وذلك من خلال مؤلفاته الكثيرة في هذا المجال، ونذكر منها على سبيل المثال : (اخفاقات الوعي الديني) و (الضد النوعي للاستبداد) و (جدلية السياسة والوعي) و(مدارات عقائدية ساخنة) وفي كتابه الأخير (النص وسؤال الحقيقة، نقد مرجعيات التفكير الديني)، وغيرها من الكتابات، وفي هذه الكتب والحوارات نجد الحضور الكبير للمشروع النقدي للغرباوي، والذي يفكك فيه الكثير من قضايا التاريخ والتراث والدين والسياسة والأيديولوجيا والمعرفة، ويكشف عن مستوى التحريف والتزييف في مستوى الوعي الديني للجماهير، من خلال سلطة الفقهاء وزيف التراث، والمنهج اللاعلمي السائد في سرد الروايات والنصوص وفي معالجة الافكار. وهناك وعي جديد ومتقدم في كتابات الغرباوي الأخيرة تختلف عن وعيه السابق في كتاباته الأولى، وهذا ما يلاحظ على فكره وكتاباته المتأخرة. 

وفي كتابه الأخير (النص وسؤال الحقيقة) لا يختلف الغرباوي عن سابق مؤلفاته ومنهجه وطروحاته، بل جاء الكتاب ليكمل مسيرته ومساره في عملية النقد والتفكيك الجريء الذي مارسه على نصوص وقضايا تراثنا الاسلامي، ويعمل الغرباوي على معاملة التراث الاسلامي عامة (بشقيه السني والشيعي) معاملة واحدة، بل تجده يُشرّح الفكر الشيعي قبل تشريحه للفكر السني، كي لا يؤخذ عليه أي نظرة للتعصب أو للنيل من تاريخ وتراث غيره، بل ويعمل على كشف عورات التراث الشيعي بقوة، ويعري الخرافات والأسطرة الموجودة في تراثه وتاريخه المشحون بالكثير من العثرات والمثالب.

يهدف الغرباوي في كتابه هذا الى وضع خط فاصل بين ما لله من (دين) وما للبشر من (فكر ديني)، وتحقيق الفصل بين الأثنين ولا يجوز الخلط بينهما وتشويه الأثنين معاً بأن نعطي ما لله للبشر، وما للبشر لله، وهذا ما أدى الى تشويه النصوص والافكار والتاريخ والتراث، وتم منح القدسية للكثير من الأفكار ورجال السياسة والدين مما وصل الامر الى حد الالوهية، وهذا ما أدى الى الغلو في الكثير من الأفكار والمعتقدات، والخروج عن الحد، كما في قضية الولاية التكوينية التي تطرف فيها الفكر الشيعي بشكل كبير ليتم منح الائمة صلاحيات مطلقة يشاركون الله في صفاته وأعماله، أو في تطرف الفكر السني في تقديس الصحابة، أو الهبوط بصورة الله الى مستوى الانسان، ففي الفكر الشيعي تم أعلاء مرتبة الأئمة الى مستوى الاله، وفي الفكر السني تم هبوط الاله الى مستوى الانسان، وهذا ما أدى الى تشويه الكثير من الافكار من خلال التلاعب بالنصوص وتفسيرها وتأويلها حسب متبنيات ومرجعيات الفقيه وأيديولوجيته، يقول الغرباوي : (المشكلة ليست في الدين كوحي الهي، وايمان يثري التجارب الروحية، بل في تحري مقاصده وغاياته وتوظيفه، وفهم دور الانسان في الحياة، وقيمة العقل في تطوره حضارياً. فثمة فهم أفقد الدين بعده الايجابي، وقدرته على تهذيب النفس وتنمية روح التقوى وكبح دوافع الشر. سببه فهم مبتسر لا يميز بين القضايا المطلقة والقضايا النسبية في النصوص المقدسة. ولا يميز بين الدين والفكر الديني، ويصر على تجريد التراث من تاريخيته والاذعان لسلطته وأحكامه). الغرباوي. النص وسؤال الحقيقة. ص 7.

ويعمل الغرباوي كما قلنا الى بيان قيمة النقد في كشف الحقيقة وتعددها، والعمل على ملاحقة المرجعيات والمصادر المعرفية والأيديولوجية لقارئ النص، فلا يوجد نص بريء ـ بعبارة التوسير ـ  فكل نص وقراءة وفهم وتأويل ذلك النص له أيديولوجية متبناة من قبل صاحبه، ولذلك يقول الغرباوي:  (ان نقد النص هو تعبير آخر عن سؤال الحقيقة، وهذه هي احدى مهام الكتاب وهو يلاحق مرجعيات التفكير الديني بحثاً عن مضمراتها، لفرز ما هو نسبي، وفضح مراوغات النص وتقنياته في وجود الحقيقة، لاستعادة الوعي واعادة تشكيل العقل وفق نظام معرفي يرتكز للدليل والبرهان في معارفه وعلومه، من أجل نهضة حضارية نستعيد بها انسانيتنا، ونستنشق رحيق الحرية، بعيداً عن سطوة التراث، وأسطرة الرموز الدينية) الغرباوي. النص وسؤال الحقيقة. ص 9                       

ان محاكمة النصوص والتراث بعقل نقدي متحرر قد يعجب جماعة ويرحبون به، ولكنه قد يزعج جماعة آخرين ويقلقهم، وبالتأكيد المجدد يرحب بالتجديد، والتقليدي والمحافظ يرفض ذلك تماماً، مدعياً أن كل منهج تجديدي حداثوي لا ينسجم ونقد الدين ومرجعياته، وكيف يتم نقد اللاعقلي بمنهج عقلي، وأدوات المنهج الحداثوي علمانية لا تتفق ومنهج الدين وافكاره ورجاله، هكذا يتم معاداة كل منهج أو مشروع نقدي يريد تغيير ادوات المنهج وتوعية الناس بكل ما هو جديد من العلوم والمعارف، وهكذا يكثر الظن السيء بين اتباع المنهج والفكر التقليدي تجاه أي تحديث يمس الحياة والدين والواقع. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فأن رجال الدين والناس يتعاطفون مع الكثير من الافكار التي ينتسبون وينتمون لها ومن الصعوبة اقناعهم بخطأ البعض من هذه الافكار، لأنها في عرفهم وعقولهم مسلمات ويقينيات مطلقة لا يمكن التشكيك بها، وقد أيد مقولاتهم تلك روايات تاريخية مهمة صدرت عن أئمتهم ورجال دينهم ومذهبهم وهي مطلقة لكل زمان ومكان فكيف تكون على خطأ وتتعرض للنقد والتضعيف؟ متناسين أو معادين لمسألة تاريخية النص وزمكانيته، من خلال ايمانهم بمطلقية الاحكام وعالميتها.

لعل الغرباوي والكثير من المفكرين المجددين على الساحة العربية والاسلامية يتعرضون للنقد والطعن والرفض من جهة المحافظين والمنتفعين من عامة الناس ورجال الدين، وتلك مأساتنا في واقعنا التقليدي المتردي، ولكن ستثبت الايام والسنوات القادمة ثبات الافكار الجريئة وصدقها وتهافت الكثير من الافكار التقليدية التي تخشى النقد والتجديد وتعاديه.  

من الأهداف التي سعى الغرباوي الى تحقيقها في تأليف كتاب (النص وسؤال الحقيقة) ما  يأتي:

1ـ محاولة النقد والاصلاح في منظومة الفكر والمعرفة والتراث الاسلامي والكشف عن النزعة الأيديولوجية السائدة في خطاب الفكر الديني الاسلامي.

2ـ محاولة تشكيل العقل الاسلامي وفق نظام معرفي يخضع لسلطة العقل والبرهان وبعيداً عن نزعة الأسطرة والتخريف الديني والفكري.

3ـ ملاحقة مرجعيات التفكير الديني بحثاً عن المضمر والخفي وراء تلك المرجعيات والنصوص، وبيان ما هو نسبي في معرفة وقراءة النص والحقيقة و(فضح مراوغات النص وتقنياته).

4ـ فهم متجدد للدين، من خلال الغوص في أعماق الظواهر الاجتماعية والدينية، والبنية الثقافية والمعرفية، بعقل نقدي وموضوعي متحرر من نزعة القداسة وسلطة اللامعقول، لبيان الوجه المشرق من الدين، وبناء مجموعة من القيم الانسانية المحترمة بين الشعوب والأمم.

5ـ زعزعة اليقينيات والمسلمات الدوغمائية التي يتمسك بها الفقيه ورجل الدين لدعم فكره ومعارفه، وإعطاء الاهمية للفرد وعقله في محاكمة الكثير من الافكار من دون خضوعه لهيمنة الروايات والتاريخ والمؤسسة الدينية المؤدلجة.

6ـ رسم صورة واضحة لدور النص وخطورته على وعي الفرد والمجتمع، كمرجعية معرفية وثقافية للعقل الديني، (فثمة مصفوفة يقينيات لا دليل على صدقيتها سوى روايات موضوعة).

هذا ما سعى اليه الغرباوي في كتابه ذي الصفحات (304) وفصوله الستة عشر، الصادر عن مؤسسة المثقف في استراليا ودار أمل الجديدة في سوريا عام 2018. وفق منهج نقدي تجديدي يحاكم النصوص والافكار ويكشف عن ما وراء النص وما قبله من أيديولوجيا وسلطة في بنية المنظومة الفكرية والمعرفية والدينية الاسلامية.

والمأخذ على رواد التجديد ـ ومنهم الغرباوي ـ أنهم يحرثون بأرض بكر في مجتمعاتنا المنفعلة من خلال مناهج معرفية وفلسفية عقلية متقدمة، لا تنسجم وعقول ونفوس الكثيرين من المتلقين والمخاطبين، أي عدم وجود الأهلية المناسبة لتقبل هذه الرؤى والافكار المتقدمة، فالعامة يحركهم من يستغل عواطفهم ومشاعرهم الطيبة البسيطة من المنتفعين من جهلهم وبساطتهم، ويحذروهم من مخاطر الحداثة والتجديد، ويؤلبون هؤلاء البسطاء والعامة على الافكار الجديدة ومواجهة تلك الآراء بالعنف والتطرف والارهاب.

وما يؤخد على رواد التجديد الديني الاسلامي ايضاً، منذ رفاعة الطهطاوي والافغاني وعبده واقبال الى يومنا هذا من المفكرين المعاصرين، أنهم يكتبون في فضاء فكري وسياسي واجتماعي غير الفضاء الذي يعيشونه ويحيونه، فالحرية الفكرية والاجواء الاجتماعية والسياسية وقيم التسامح والمحبة والاحترام والمدنية في الغرب هي غير التي عندنا من قيم، ولذلك فالمجدد والمفكر التنويري عندنا كثيراً ما يقع ضحية النقد المتعسف وفريسة الطعن والتشويه، وهذا ما يؤدي الى اغتراب المثقف وعزلته عن المجتمع تارة، وأن يكتب بلغة مغايرة عن المجتمع تارة أخرى.    

لقد أراد الكثير من رواد التجديد العربي والاسلامي نقل مجتمعاتنا الى مصاف الدول المتقدمة في الوعي والفكر، ولكن نسي هؤلاء أن طبيعة مجتمعاتنا تختلف تماماً عن المجتمعات الغربية في عاداتها وتقاليدها وثقافتها، هذا من جانب، ومن جانب آخر الاصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي والمعاشي قد طال الغرب وواقعه ومؤسساته منذ عصر النهضة الأوربي، أما نحن فنعيش حالة من التخلف والانحطاط والفقر والمرض على كافة المستويات، فالفكر مرهون بواقعه ومجتمعه، فكيف نتقدم ونزدهر ونتحضر من دون وجود أرضية مادية مناسبة تؤهلنا لذلك الرقي والصعود بين المجتمعات والأمم المتقدمة.

وما أخشاه من مشاريع التجديد وعليها هو الخوف من محاولة فرض المفكر المجدد لأيديولوجيته على عقول الناس وفرض وصايته وهيمنته عليهم والوقوع في فخ الأيديولوجيا بدلاً عن الخروج منه، تحت ذريعة وصاية المثقف وسلطة النص وممارسة الحداثة والتنوير وتخليص الناس من الأوهام والاصنام، وهذا ما يعمل على مواجهته والاذاعة له أعداء التجديد في مجتمعاتنا اليوم، وتحت ذرائع شتى ومنها محاولة الدفاع عن المقدس والحفاظ عليه، ومن الخطاب الفكري التجديدي الذي يؤجج الجماهير ويلهب حماسهم تجاه المفكرين، دون اعتماد منطق الحوار والنقاش الحر الهادئ، وتلك هي مشكلتنا المستمرة، لا توجد مناطق حرة ومتعددة لممارسة النقد والوعي، ولا توجد مناطق ثالثة ورابعة خارج منطق أرسطو الذي يهيمن علينا، وعدم اعتماد منطق العلم في تحليل ومناقشة الافكار، وهذا ما يعمل عليه الغرباوي في كتابه من خلال بيان الأوجه المتعددة للحقيقة وليس الوجه الواحد المنفرد، ومواجهة (اليقين السلبي) كما يسميه، بمنطق متعدد الحقيقة والقيم. 

 

د. رائد جبار كاظم - أستاذ فلسفة / الجامعة المستنصرية

 

299 عبدالجبار الرفاعي

 في خمسينيات وستينيات القرن الماضي سادت في العراق نزعة وجودية تستمد كثيراً من رؤاها وسلوكيات أصحابها من نزعة سارتر الإلحادية، وكامو في دعوته للتمرد في كتابه "الإنسان المُتمرد"، ولم تنل الوجودية المؤمنة مُتمثلة بجبريل مارسيل وسورين غيرغيجارد حظها في التأثير في ذلك الوقت، لكن يبدو أنها اليوم بدت أكثر حضوراً في كتابات كثير من مؤلفات أصحاب الفكر من العراقيين، وقد تجلت بأبهى صورها في كتابات د.عبدالجبار الرفاعي، لا سيما في كتبه: "مقدمة في السؤال اللاهوتي" و"الدين والنزعة الإنسانية" و"الدين والظمأ الأنطولوجي". وخاصة كتابه الأخير "الدين والاغتراب الميتافيزيقي" الذي تحدث فيه عن معنى كون الدين حاجة وجودية، قائلا: (الحاجةُ الوجوديةُ تعني أن الإنسانَ هو الكائنُ الوحيدُ الذي لا يكتفي بوجوده الخاص، لذلك يظلّ يعمل كلَّ حياته على تكثيف وتوسيع هذا الوجود كيفيًا وكميًا، أو رأسيًا وأفقيًا، لأن ذاتَه في حاجة تظلّ تلازمه كلَّ حياته، وتتمثّل في فقره الوجودي، لذلك يطلب وجودُهُ الاستغناءَ والخلاصَ من هذا الفقر، ولا يقف توقُه لإغناء وجوده عند حدّ. الدينُ منبع إشباع هذه الحاجة الوجودية، وعندما يفشل الكائنُ البشري في استيفاء هذه الحاجة يتعرّض للظمأ الوجودي "الأنطولوجي". ومن هذه الحاجة الأبدية يتوالد الظمأُ الوجودي المزمن، المضمَرُ تارةً والمعلَنُ تارةً أخرى، والذي يحاول الإنسانُ إرواءَه بوسائل عدة). كما خصص الرفاعي الفصل الحادي عشر من كتابه هذا للحديث عن: "الدين بوصفه حاجة وجودية"، وكيف يصاب الإنسان بإغتراب، عبر عنه بـ "الاغترابِ الميتافيزيقي" عندما لا يشبع هذا الحاجة الوجودية، فكتب: "يفتقرُ الإنسانُ في وجوده المتناهي المحدود إلى اتصالٍ بوجودٍ مطلق غنيّ لا نهائيّ لا محدود، وعندما لا يتحقّق له مثلُ هذا الاتصال الوجودي يسقطُ في الاغترابِ الميتافيزيقي. والاغترابُ الميتافيزيقي يعني أن وجودَ الذات البشرية وكمالَها لا يتحقّقان ما دامتْ مغتربةً في منفى عن أصلها الذي هو الوجود الإلهي". وأشار إلى أن هذا النوع من الاغترابِ لا يرادف تفسيرَه عند هيغل وفويرباخ وماركس وفرويد.

يحاول الرفاعي تجاوز مقولات نُقاد الفكر الديني، أو المُنغلقين على تفسير أحادي للدين، عبر سعيه للنظر إليه على أنه حاجة وجودية، كما يحتاج الإنسان للارتواء بعد عطش، وللغذاء بعد جوع، فإنه يحتاج الدين ليُزيل عن نفسه بعض من تصحرها المتأصل جغرافياً، وجفاف ينابيع المحبة عنده عبر استلهامه لما في الدين من نزعة إنسانية، وعلى الرغم مما في هذه الرؤية من شاعرية وهيام في مقولات الصوفية القائمة على الوجد و "الإنوجاد" وبُعدها عن توجهات أصحاب النزعة العقلانية النقدية، إلَا أنها تبقى تحظى بقبول كبير في وجدان من يهيمون بحب الله كي يستحضروا أسماء الله الحُسنى "الرحمن الرحيم" وغيرها من الأسماء التي تدعو للمغفرة والمحبة، في محاولة تنحو منحىً إنسانياً فيه إعلان وإضمار يحمل في طياته نقداً للتفسير الفقهي والكلامي المُنغلق للدين.

أظن أننا في خضم الهيجان والعاطفة الجياشة في الارتماء بأحضان الدين الطقوسي والشعائري، وفورة العُنف المُتأسلم نحتاج لفكر من هذا النوع يكتب صاحبه رؤاه وهو مُتصالح مع نفسه ومع الآخرين ومع الله مثل د.الرفاعي، وكم حاولت أن أسلك طُرقه في توزيع المحبة ونثرها كما يفعل هو، فلم أستطع، فأنا أستلذ بطعم محبته وهو على ما يبدو يستلذ بمُشاكستي، فأنا في نفسي نزوع نحو "التمرد" وهو يحمل في نفسه رايات بيضاء وحُلم صوفي يعشق الله بطريقته، فهو لا يرى الله في التقشف والزهد والنوم على الطرقات والأرصفة، فأنت قد تجد الله في قلبك حينما تصدق في محبتك لنفسك وللآخرين وإن خالفوك في رؤيتهم وتصورهم لله والوجود من دون مُمارسة عُنفية.

لم يكن منذ عرفته بنقد الآخرين، لأنه لا يظن أن الإنسان الفرد مقياس الأشياء جميعاً كما ذهب إلى ذلك (بروتوغوراس) فيلسوف السفسطائية، إنما مقياس الأشياء هو شعورك بها والانتماء لها بمشاعر فيها فيض من المحبة، لأنه لا يرى في الله سوى مُرادف لأنسنة يرتضيها كل بني البشر على ما بينهم من اختلاف ديني أو مذهبي أو قومي.

رغم أن الرفاعي يرى أن العقل الفلسفي عقل كوني، إلّا أنه يجد في العقل العرفاني ملاذه الحقيقي في طمأنينة النفس وثقتها بهبات "المُطلق" محاولاً تجاوز ميتافيزيق العلم الذي أوقعت (الوضعية المنطقية) به نفسها لتغادر منطقة مهمة من مناطق (الإنوجاد) الإنساني بالقفز عليها أو تجاهلها رغم حضورها المؤثر في حياة المُجتمعات، فليس بالعلم وحده يُبنى الإنسان، إنما لنزوعه الجمالي والأخلاقي والجمالي تأثيره الواضح والبيّن في بناء شخصيته.

لم ينشغل الرفاعي في مرحلته الوجودية هذه بالتدين الظاهري، ولا بنزوع بعض رجال الدين في (إزداواجية) خطابهم في حال مقارنته بسلوكهم الظاهري في أوساطهم الداخلية غير المنظورة للمتدين البسيط.

"لغة الدين" تكون أثرى حينما تتجسد "كلمة الله" في لغة بشرية، ولا يعني هذا اقتراب البشر من مرام الحقيفة الإلهية، إنما تشكل (كلمة الله) وفق مضامين بشرية رغم إمكانية مُفارقة التأويل والتفسير البشري للمقصد الأسنى إنما هو بعث جديد ل "لغة الدين"، لأن "لغة الدين" (تشي بالعبارة عندما تعجز الاشارة، والتلميح عندما يتعذر التصريح).

 

د. علي المرهج. "أستاذ الفلسفة في كلية الآداب في الجامعة المستنصرية".

432 الشخصية العراقيةصدر مؤخرا في عمان عن دار الوضاح للنشر كتاب "الشخصية العراقية تحت المجهر" للدكتور وسام الشالجي، وهو كتاب أجتماعي يبحث في صفات الشخصية العراقية وخصائصها بين السلب والايجاب . وقد عرض الكتاب في معرض عمان الأخير للكتاب، كما أنه معروض حاليا في معرض الشارقة الدولي للكتاب ضمن جناح مكتبة دجلة للنشر والتوزيع - قاعة 3 جناح T10 .

أن كتاب "الشخصية العراقية تحت المجهر" هو كتاب إجتماعي يتدارس ويتناول بنوع من التفصيل خواص وصفات الشخصية العراقية الايجابية منها والسلبية . من الأكيد بأن المجتمع العراقي لا يختلف في كثير من تفاصيله عن أي مجتمع عربي او أسلامي أخر ألا ان له خصوصيات كثيرة يتفرد بها عن غيره من المجتمعات، فهو يتميز بتنوعه العرقي وتنوعه العقائدي مما أنجم عن تنوع أجتماعي وثقافي في شخصية أفراده . يضاف الى هذا كله سعة الموروث الحضاري الذي اكتسبه هذا المجتمع من الحضارات والأجناس التي سادت وعاشت في أرض العراق بالماضي والتي تركت أثرها الواضح على شخصية الفرد ثم انعكس تاثيرها على طبيعة المجتمع ككل . لقد نشرت الكثير من الكتب والدراسات والبحوث في الماضي التي تتناول صفات وخصائص الشخصية العراقية، غير أن الكثير من تلك الكتب والدراسات كانت دراسات أكاديمية بحتة يغلب عليها الطابع النظري في الطرح من خلال تطبيق المساطر الاجتماعية المعروفة بعلم الإجتماع على عادات وتصرفات فئات المجتمع المختلفة وقد خرجت بنتائج بعضها صحيح وبعضها مشكوك فيه حسب ما اثبتته الوقائع، خصوصا تلك التي وقعت بعد أحداث عام 2003 . أما هذا الكتاب فهو مختلف بعض الشيء لكونه يتدارس طبيعة المجتمع العراقي وافراده من خلال ملاحظات واقعية مستمدة من المجتمع وحوادث حقيقية مر بها الكاتب فعليا من خلال معيشته في المجتمع العراقي، وكذلك نتائج بينة هي خلاصة لأستنتاجاته التي جاءت من أختلاطه بعامة الناس وإستماعه لأرائهم، ومعاينته ودراسته للمظاهر والتصرفات المختلفة التي كانت تبدر منهم في ظروف وأوقات متباينة . الكتاب جدير بالقراءة ويمكن أن يجيب عن الكثير من التساؤلات التي يحتار بها المرء حين يرى عن كثب التصرفات والمواقف الحادة والمتناقضة التي بدرت عن هذه الشخصية المثيرة للجدل والإستغراب .

يمكن طلب الكتاب في العراق من مكتبة دجلة - بغداد مدخل شارع السعدون .

 

429 كلام النصكتب من قبل نصر حامد أبو زيد كتابيه: "مفهوم النَص، دراسة في علوم القرآن" و "النَص، السلطة، الحقيقة"، وقد كان كتابه الأول مُختصاً في دراسة النص القرآني وطُرق تأويله، ولكنه أشار لعلاقة الاتصال اللغوي بين مُرسل ومُستقبِل، بل إن "حركة الفهم وفك شفرة الرسالة تتزامن مع عملية البث من جانب المُرسِل" (ص89) ليؤكد أن عملية فهم النصوص لا تبدأ من قراءة النَص، بل تبدأ قبل ذلك من الدوال الربطة بين الثقافة التي تُمثل أفق القارئ وبين النَص.

في كتابه "النَص، السلطة، الحقيقة" يؤكد أبو زيد على ضرورة اكتشاف دلالة النص من خلال تحليل مُستويات السياق" (ص91).

للمجاز والاستعارة في النص دور في تعددية القراءة والفهم، الأمر الذي يؤدي إلى تعددية الدلالة والنزاع حول الحقيقة، بسبب حضور التأويل الذي يُثري النص، ولكنه في الوقت ذاته يفتح أفقاً آخر سواء أكان هذا الأفق أفق رحابة أو أفق إنغلاق في الرؤية والفهم.

حاول علي حرب في كتابيه "نقد النَص" و"نقد الحقيقة"، أن يُغيب النص ليجعله نتاج كتبه مؤلفه وغادر ليضعه بين يدي قراءه، لذا فإن "كينونة" النَص عنده إنما تكمن في نقده وتفكيكه لاستكشافه من جديد، وتلك ميزات النصوص التي تصمد ولا تتهافت عبر الزمن، وقيمة هذا النَص في ما يُضمره لا في ما يقوله عبر قراءة "تُحوله من مُجرد إمكان إلى فعل معرفي مُنتج" (ص20، نقد النص). "فالقراءة نشاط فكري/ لغوي مُولد للتباين، مُنتج للاختلاف" (ص5، نقد الحقيقة)، النص مرآة القارئ، وكل نص جدير بالقراءة إنما هو نص يُثري قارئه، ولا يحمل (في ذاته) دلالة جاهزة ونهائية.

 إن كل فهم ارتكاسي أو نكوصي للنص إنما هو نابع من ثقافة القارئ (المُتلقي) وبيئته، وكذا الحال مع القارئ المُتلقي (التقدمي) وهنا نقصد بهذا المفهوم هو مقدار ما يمتلك القارئ من شغف في القراءة وقبول التنوع والإختلاف الفكري والعقائدي بوصفه إضافة معرفية لما تختزنه الأنا.

يعتقد أبو زيد أن "الأيديولوجي يُمثل عصب الرسالة، إنه يطغي طُغياناً حاداً على المعرفي"، وهذه الرؤية تبدو جلية في النصوص الدينية والدعائية.

لا تتحقق نصية النَص ـ بحسب ما يرى أبو زيد ـ إلَا من خلال فعل القراءة ذاته" (ص110).

في طرحه المُغاير لما ذهب إليه أبو زيد وعلي حرب يُحاول الناقد ياسين النصير في كتابه "كلام النَص" طرح رؤيته المُستمدة من تجربته في قراءة النصوص ونقدها، فتسعد برؤيته هذه وإن كُنت من الذي له القدرة على حفظ الأقوال الجميلة المُكتنزة في المعنى والمبنى، فلك أن تجعل من رؤية النصير وتجربته بمثابة (عتبات) تُمكننا من فهم النَص بوصفه عملاً تتحكم به ثلاث مُستويات، أو "تكوينات" كما أسماها.

يُشبه النصير النَص بالشجرة، "فالشجرة نَص مؤلف من جذر وجذع وأغصان، سيكون الجذر، وهو التكوين غير المرئي، حاضراً الجذع والأغصان، ويكون الجذع هو اليومي والمُباشر للرؤية والحي في حياتنا اليومية، هو النص المرئي المقروء، الذي نُباشره بحواسنا، ويكون استقباله مُتجسداً كصور ذهنية واعية، بينما تكون الأغصان وفروعها وثمارها، التأويلات التي تنتج عن القراءة، الثمار التي تنفتح على القراءات والرؤية والاستثمار".

يشتغل النصير في "كلام النَص" على ثلاث مُفردات أساسية: الكلمة، الجملة، العبارة، بوصفها فضاءات عائمة قبل دخولها النَص، ثم على طرق تشكلاتها ودلالاتها خارج النص، ومن ثم كيفية بنائها داخل النص.

يُحدد النصير ثلاثة أشكال لـ "كلام النَص" هي:

1ـ كلام النَص الذي يسبق الكتابة، أي مرجعيات النص.

2ـ كلام النَص الذي يُمثله الكلام المكتوب، وهو كينونة النَص التي تتشكل عند مُنتجه من قراءة وتأويل وتأمل واستبصار.

3ـ كلام النص الذي تُتجه القراءات، وهو النص حينما يُحلق خارج هيمنة الرؤية التي أراده المؤلف له.

النص فضاء سواء أكان هذا الفضاء واقعياً، أو مُتخيلاً، أو افتراضياً.

لم يهتم النصير بفضاء النص الداخلي بقدر ما كان مُهتماً بتشكيلات النص الإبداعية فضائياً، لأن "اللغة في النَص فضائية بحد ذاتها".

"اللغة كائن مُتحرك، وهي نتاج اجتماعي يؤسس بها الإنسان مُجمل علاقاته الحياتية".

"حائك الكلام" هو "الحائك الكوني"، "راو كوني" مُختص بنسج الحكايات الصغرى لتصبح عند البشرية "حكايات كُبرى" بحسب ليوتار، وكلما كانت الحكاية كُبرى كُلما امتلأ الفضاء بالتأويل، والمؤلف هو من يمتلك اللغة الموجهة كخطاب لهدف ما، فالمؤلف هو من يُعيد انتاج وتنظيم كلام حائك الكلام.

النص بحسب ما يرى النصير "لغة فضائية"، ناقلة للموجود والمُتخفي، ولا شيء غير اللغة تُعيَن وجوده كفضاء، بل أن لغة تأليف النَص هي رسالة مُركبة، غامضة، بحد ذاتها، فهي لا تعني تأليفاً لكلام يفهمه القُرَاء سابقاً، إنما تعني أن التأليف كلام يُساعد القُرَاء على استحضار مخزونهم اللغوي، التأليف حافز والحوافز لا تأتي إلَا بوجود حدث غامض يتطلب حلاً على رأي (بروب).

قيمة الكلمة أو الجملة أو العبارة وانص الذي ألف هذه التكوينات إنما يكمن تحسسها في فضاء القول الذي تآلفت فيه، لذا ينبغي على المؤلف أن يُراعي فضاء الكلمة والجملة والعبارة الداخلي والخارجي، بل والفضاء الذي تتموضع فيه هذه التكوينات.

ما يُميز كتاب النصير هذا "كلام النص" أنه لا يشتغل على المركز بقدر ما يشتغل على الهوامش، أو (المسكوت عنه) في فضاء انتاج النص وتعالقه المحيطي اجتماعياً وثقافياً ودينياً وسياسياً واقتصادياً، بل وميثولوجياً، فلكل نص في إنتاجه أو في قرائته بعد ميثولوجي يرنو له المؤلف ويُفسره القارئ ويؤوله بحسب منظومته (الفكروية) = (الأيديولوجية)، أو (الأبستيمولوجية) = (المعرفية) للكشف عن معان خفية تكشف عنها الطاقة الإبداعية للقارئ الذي ينفي "لغة النَص" لينتج لغته هو بحسب مقدار ما يمتلكه من ثقافة ووعي جمالي (ليبرالي) مُنفتح، أو (دوغمائي مُنغلق).

لكن النصير يستعين برؤية (نورثروب فراي) في كتابه "تشريح النقد، كي يُخلص النص من سطوة الفهم "الأرثذوكسي" المُنغلق بإيمانه أن "النقد يستطيع أن يتكلم، في حين كل الفنون خرساء".

ومن سمات النقد الواعي للنص أنه يفهم لغة النص وفنونه، لأن "لكل فن جملته ذات التراكيب الخاصة بنوعيته، ولا يُمكن أن تتشابه جُملة القصة القصيرة وجُملة القصيدة أو الرواية وجملة المسرحية أو جُملة اللوحة الفنية، أو المقطوعة الموسيقية...إلخ.

يؤكد النصير أن "النص هو الكتابة المُفكِرة، والكتابة تعني خلقاً جديداً للتفكير، فليس ثمة نص نهائي، كل النصوص (الإبداعية) هي ابتداء، واستهلال، ودائماً ما نضعها نحن القراء موضع النقد والشك ومُسائلتها، بل وفي أحياناً كثيرة مُحاكمتها.

"الكتابة هي نَصية النَص"، وهي "ترياق" بعبارة (جاك دريدا) وليست سُماً. "النص هو حدَ كينونة الفاعلية التأويلية".   

 

د. علي المرهج

 

 

 

حسين السكافصدر عن دار كتارا للنشر والتوزيع رواية للناقد والروائي العراقي حسين السكاف رواية "وجوهٌ لتمثالٍ زائف" الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية 2017.

رواية "وجوهٌ لتمثالٍ زائف" مغامرة سردية ضمن عمل درامي يرصد مرحلة مهمة من التاريخ المعاصر لبلد لم يُذكر داخل الرواية بشكل صريح، لكن أحداث الرواية وطبيعتها السردية المتقنة، كفيلة بالافصاح عن اسمه وبشكل جلي. هي إذاَ، رواية تحاول دراسة التركيبة الشخصية الملتبسة المنبثقة من خراب الحروب والتقلبات الكارثية التي تعصف بالمجتمعات، شخصية ملتبسة الأفكار والطموحات، غرائبية التكوين والنزعات، لكنها تعيش بيننا بشكل "طبيعي" ولا تثير فيها الفضول أو الريبة، بل غالباً ما نميل إليها و"نحبها"

ترصد الرواية يوميات بطلها "مرهون عيسى الصاحب" الذي ولد ونشأ وسط الخراب، بطل ينتمي إلى جيل الخيبات، لكنه يعي تماماً أن خيبته وانكساره ما هي إلّا خيبة وانكسار أجيال متلاحقة باتت تشكل صورة وطن، لذا يتلمس القارئ أن رصد الرواية يجمع بين الواقع وفنتازيا الواقع بكارثيته التي عملت بجد إلى خلق إنسان لا ينقصه التشويه والازدواجية بغرائبية مرّة.

الرواية تجمع بين اللغة الشعرية، وموسيقى الخراب التي باتت الصوت المهيمن على يوميات الإنسان هناك حيث مسرح الرواية.

تحاول الرواية الانتصار للضحايا، حيث يتلمس القارئ تلك اللوعة التي يسطرها المؤلف وكأنه يصرخ بوجه الحقيقة: "لماذا يحاط القاتل والسارق بجمهرة من الحمايات رغم كل الخراب الذي يحدثة وباستمرار؟" ليقابلها بسؤال آخر أكثر لوعة:"لماذا يُقتل المثقف والفنان والإنسان المسالم بدم بارد؟" وتساؤلات كثيرة تحاول الرواية من خلالها للوصول إلى حقيقة أرادت أرشفتها بشكل راسخ تشير إلى أن أغلب عمليات القتل والتفجيرات والخطف والمسدسات الكاتمة تنتطلق من فوهة السلطة التي نجدها اليد الآثمة أحياناً، أو "المسؤولة" غير المكترثة بمصير المواطن.

إنها رواية قد تثير الكثير من الأفكار في ذهن القارئ، أفكار بسيطة لكنها على قدر عالٍ من الأهمية أحياناً، وأحياناً أخرى نجدها شائكة وملتبسة كونها أفكار واقع شائك وملتبس تغلفه رائحة الدم والبارود، إلا أن الطبيعة السردية للرواية أظهرت سلاسة متقنة أريد منها وضوح حقيقة الفكرة رغم مرارتها.

"وجوهٌ لتمثالٍ زائف" رواية تؤرشف لمرحلة تاريخية مهمة رسمتها أرواح نبيلة وأصوات تنويرية تم اسكاتها وإلى الأبد بمسدس كاتم.

 

428 حسين السكاف

 

نضير الخزرجيما من مجموعة بشرية على وجه البسيطة، صغيرة كانت أو كبيرة، إلا ويحكمها القانون، إن كانت في إطار قبلي أو عشائري أو مناطقي أو قومي أو عرقي أو ديني، أو في الإطار العام في ظل سلطة حاكم تنظم حياة الجميع وتنظر إليهم بعين واحدة، فالقانون أو التشريع هو المظلة التي يستظل تحتها الإنسان تحميه من عاديات الزمان ومن تقلبات الأهل والخلان وما ليس في الحسبان، والقانون هو المنظم للحياة وبه يستبان الخيط الأبيض من الخيط الأسود من فجر الحقيقة والواقع.

وليس القانون وسريان التشريع وقفا على بني الإنسان وإنما هو حكم الله في كل ما خلق، قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) سورة الأنعام: 38، وهذه حقيقة ظاهرة للعيان، قد لا يدركها الإنسان البسيط، ولكن العلماء الذين يدرسون عالم المخلوقات على إيمان كامل بأنَّ لكل فصيلة مخلوقة من غير الإنسان قوانينها، وحتى قولنا (قانون الغاب) هو في واقعه قول مجازي في مقابل قانون المدنية، وإلا فإن السباع يحكمها قانونها الذي أودعها الله فيها.

وما من مجتمع إلا وهو بمسيس الحاجة الى تشريع ينظم حياته، وقد ينظم هذا القانون ويجري أحكامه حاكم عادل أو يجريه حاكم ظالم مع الإختلاف في الأدوات لأنه لابد للأمة من حاكم يدير أمورها، وبتعبير الإمام علي(ع) في ردّه على الخوارج الذين رفعوا شعار: "لا حكم إلاّ لله": (لا بدَّ للناس من أمير بَرٍّ أو فاجرٍ يَعملُ في إمرته المؤمنُ، ويَستمتعُ فيها الكافر، ويُبلِّغُ اللهُ فيها الأَجَلَ، ويُجْمَعُ به الفيءُ، ويُقاتَلُ به العدُوُّ، وتأمنُ به السُّبُلُ، ويُؤْخَذُ به للضَّعيف مِنَ القوي حتى يستريحَ بهِ بَرٌّ ويُسْتَراحَ مِنْ فاجرٍ) وفي نص آخر: (حُكْمَ الله أنتظرُ فيكم. أمّا الإمْرَةُ البَرَّةُ فَيَعْمَلُ فيها التقيُّ، وأمّا الإمْرَةُ الفاجرةُ فَيَتَمَتَّعُ فيها الشقيُّ إلى أنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ وتُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ) نهج البلاغة: خطبة 40، وقراءة متأنية لمراحل سقوط حاكم أو سلطة ومجيء آخر ننعته فيما بعد بالظلم والطغيان، نلاحظ أن هذا الطاغية أو المجموعة الإنقلابية تستفيد من تخلخل القانون أو غيابه وضعف العدالة أو انعدامها، في الإستحواذ على الحكم وقد تتقبل الأمة التي سئمت من الحاكم السابق ويئست من الإصلاح، الوضع الجديد حتى وإن جاء على بحر من الدماء لأنها تبحث عن تطبيق القانون مهما تكن الأداة المنفذة، والحاكم الجديد يعرف أين مربط الفرس من المشكلة فيعطي للأمة في بادئ الأمر مرادها وإن على مضض، ثم تكتشف طغيانه بعد أن يكون قد أمكن نفسه من كل السلطات، ووقع الفأس في الرأس.

ويُعرف النظام السياسي الناجح بمدى تطبيقه للقانون مدنيا كان أو إلهيا، وإن القانون المدني السليم في معظمه لا يتعارض مع الشريعة حتى وإن كان من بنات عقل الإنسان، لأن العقل البشري السليم لا يتعارض مع الفطرة، وقوانين الشريعة متجانسة تماما مع الفطرة، فالخير خير والشر شر وهما أمران عقليان يتقبلهما كل كائن بشري مهما كانت معتقداته الدينية، فالسرقة شر والعطاء خير، وإزالة الأذى عن الناس في الطريق العام خير ومزاحمتهم فيه بما يؤذيهم شر، والجمال والزينة المتشاكلة مع الفطرة السليمة خير والشذوذ الجنسي المتعارض مع الفطرة السليمة شر، وهذا في كل أمور الحياة. 

تشريعات نافذة

وفي الشرع الإسلامي فإن المعصوم هو المفسر والقرآن الناطق لما أنزله الله من آيات لتنظيم حياة الإنسان في كل صغيرة وكبيرة، ولمّا كان الإمام الحسين(ع) من روضة المعصومين الناطقين بالقرآن، فإن قوله وفعله وتقريره حجة، وقد شرع الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في باب (الحسين والتشريع الإسلامي) من موسوعته الفريدة (دائرة المعارف الحسينية) في استنطاق النصوص والروايات الصادرة عن الإمام الحسين(ع) أو المنسوبة له واستخراج الأحكام الشرعية منها، وحديثا (2018م) صدر الجزء  السادس من الحسين والتشريع الإسلامي في 460 صفحة من القطع الوزيري عن المركز الحسيني للدراسات بلندن، وهذا الجزء يمثل المجلد رقم (114) الصادرة حتى الآن من نحو 900 مجلد في ستين بابا من أبواب المعرفة المتحورة كلها حول النهضة الحسينية المباركة.

وحيث ضم الجزء الرابع وقسم من الجزء الخامس من (الحسين والتشريع الإسلامي) في باب الفقه كتاب الطهارة، وحيث ضم بقية الجزء الخامس كتاب الولادة، فإن الجزء السادس هذا ضم كتابي الجنائز والتجمّل.

وتوزعت أحكام كتاب الجنائز على العناوين التالية: الجنائز، غسل السقط، غسل الميت المُحْرِم، تغسيل الميت المُحْرِم، الدعاء على القبر، دعاء المقابر، شق الجيب وتوابعه، الشق والخمش والدعاء بالويل، النياحة، حكم النياحة، قيام المؤمن لجنازة المخالفين.

فيما توزعت أحكام كتاب التجمّل على العناوين التالية: التجمّل، الخضاب بالسواد، الخضاب بالحناء والوسمة، الخاتَمُ والتختُّم، التختُّم باليد اليسرى، نقشُ الخاتَم، التختم بالعقيق، الخزُّ، لبس الخزّ، الشهرة ولباسها، تغطية الرأس، الحجاب، الفراش، أثاث المنزل، مراسم العيد، وزينة العيد.

وفي كل هذه المسائل والأحكام صرف المحقق الكرباسي جهدا فقهيا ورجاليا وحديثيا لاستخراج الأحكام الإسلامية من النصوص الحسينية وتيسيرها للفقيه والمتعلم ولعامة الناس، وبيان الموقف الشرعي للمذاهب الإسلامية القائمة اليوم من هذه المسألة الفقهية أو تلك. 

تنُّور المشاعر

تتكور داخل الإنسان كتلة مشاعر وأحاسيس تعلو محياه مرة وتؤول الى مستقرها مرة وأخرى، وإذا فار تنُّورها تجاوزت تقاسيم الوجه من فرح أو حزن الى أعمال وافاعيل مستعينة بالجوارح، كأن تدمع عين الإنسان من شدة الفرح أو يطير جذلا ويرقص خلافا لما عليه هيئته وشخصيته في ساعة الصفا والطمأنينة، أو يترك شلال الدموع تجري بغزارة لهول المصيبة ووجعها، ويترك العنان ليديه تشق جيب لباسه أو يطلم على الرأس والصدر والوجه ويخمش الوجه وقد يزيد على ما ليس من طبيعته، وبخاصة لدى الأنثى ذات المشاعر الجياشة والأحاسيس الرهيفة.

وأكثر ما تستعمل الجوارح عند حالات الحزن لفقد عزيز من نسب أو سبب، حيث تهيمن على المفجوع شحنات شديدة القصف والعصف على صدره وفؤاده.

ولكن يا ترى ما هو الحكم الشرعي في مثل هذه المواقف؟ وهل للإنسان أن يترك بوابة مشاعره دون مصارع وأقفال؟

هذا التساؤل المشروع يجيب عليه الفقيه الكرباسي في "كتاب الجنائز" عند تعرضه للنصوص الحسينية  المتعلقة بهذا الباب.

ولعلَّ من أجلى علامات الحزن الشديد على الفقيد هو شق الجيب أي طوق الثوب وفتحة الصدر، فإذا ما جاشت المشاعر عند المهموم عمد الى شق جيبه إشعارا للآخرين بعمق الغم الذي خيم على صدره وغوره، وهي عادة قديمة لدى العرب تطرق إليها الشعراء، من ذلك قول طرفة بن العبد الوائلي المتوفى نحو سنة 60 قبل الهجرة مخاطبا ابنة أخيه، من بحر  الطويل:

فإن متُّ فانعيني بما أنا أهله *** وشقِّي عليَّ الجيبَ يا ابنة معبد

ومن مظاهر الحزن الشديد خمش الوجه وجرحه بأظافر اليدين حتى يسيل الدم، وحلق الشعر أو نشره وفتح جديلته إيذانا ببدء الحزن، ومن ذلك إشارة الشاعر المخضرم لبيد بن ربيعة العامري المتوفى سنة 41 للهجرة مخاطبا ابنتيه، من بحر الطويل:

فقوما وقولا بالذي تعلمانه *** ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعرا

ومن مظاهر الحزن الويل على النفس والدعوة للموت والهلاك، ومن ذلك قول الأعشى ميمون بن قيس الوائلي المتوفى سنة 7 قبل الهجرة، من بحر البسيط:

قالت هريرةُ لمّا جئت زائرها *** ويلي عليك وويلي منك يا رجُلُ

ومن مظاهر الحزن الثبور على النفس والدعوة لفنائها، ومن ذلك قول النابغة الذبياني زياد بن معاوية المتوفى سنة 18 قبل الهجرة، من بحر الكامل:

تعلّمْ أنه لا طير إلا **** على متطير وهو الثبور

فالجوارح الظاهرة حاضرة عند الأحزان، وهو تعبير بشري عن مساحات الحزن وأعماقها، لكن الإسلام جاء وهذّب الكثير منها وشذَّبها، بوصف الموت حق به قهر الله عباده وهو محطة لابد منها نحو الحياة الأبدية، وهو حاكم على الكل بلا استثناء، قال تعالى لحبيبه محمد (ص): (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) سورة الزمر: 30، وقوله تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) سورة النساء: 78، وهنا يتابع الفقيه الكرباسي النصوص الواردة عن الإمام الحسين(ع)، من ذلك وصيته عليه السلام لشقيقة زينب الكبرى عليها السلام: (أُخيّة إني أقسمت عليكِ فأبرّي قسمي، لا تشقّي عليَّ جيبا، ولا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تدعي عليَّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت)، وقد ناقشها من حيث السند والدلالة وأفاض فيها بخاصة وقد وردت في مسألة شق الجيب على الميت كما أشار الكرباسي طائفتان من الروايات، طائفة ناهية في ظاهرها وطائفة مبيحة، وقد ذهب الفقهاء في هذا المجال أربعة مذاهب، الأول: عدم جواز الشق في غير الأب والأخ، والثاني: جوازه للنساء مطلقا وحرمته للرجال، والثالث: المنع مطلقا، والرابع: الجواز مطلقا، وينتهي الفقيه الكرباسي الى القول: (فالجمع -بين الطائفتين من الروايات- والعقل لا يمنعان من إظهار المصاب بالشكل الذي لا يضر الإنسان نفسه .. وربما قلنا بجواز الشق على كل من عظّمه الإسلام، وهذا لا يعني جوازه في ذكرياتهم السنوية ومنها في ذكرى يوم عاشوراء من كل سنة، بل هو مختص بالنعي في وقته وإن تأخر نعيه بعد حين، وعليه فلا يجوز الشق في إحياء مجالس العزاء للمعصومين عليهم السلام، نعم يجوز الشق بعنوان آخر فيما إذا وقع ضمن مسرح أو فلم أو أمثال ذلك لشخص الممثل دون غيره).

أما بالنسبة إلى خمش الوجه بالأظافر: (فهو الآخر قد دلت عليه الروايات الناهية ولم نجد هناك في الروايات المجيزة ما يدل على جواز الخدش او الخمش بل الذي دل عليه جوازه هو شق الجيب أو الثوب ولطم الخد، وأما الخدش أو الخمش فهو محرم فلم يدل دليل على جوازه لا عند الإمامية ولا عند غيرهم).

وحاصل الأمر من كل هذا كما يذهب إليه الفقيه الكرباسي: (إن الدعاء بالويل والثبور غير مرغوب فيه شرعا، وأما البكاء والحزن بشكل عام ما لم يخرج عن حدّه المتعارف هو أمر لم ينه عنه الشرع الشريف، وإن كان الصبر بالطبع أفضل لمن هو قادر على ذلك). 

زينة المرء

هناك فهم خاطئ يسيطر على البعض بأن تقرب العبد إلى المعبود يستدعي عدم الإهتمام بالمظهر الخارجي من ملابس نظيفة وزينة وتعطر وتمشيط شعر الرأس واللحية، غير آبه لمؤدى قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ) سورة الأعراف: 31- 32.

وفي المقابل هناك من يأخذها عريضة مرة وطويلة مرة أخرى ولا يبالي بالعرف الإجتماعي العام فيتخذ لنفسه زينة شهرة وتفاخر بين الناس وبخاصة في مجال اللباس، غير مكترث لمفهوم الزينة والتجمل والمظهر الحسن، وهذا الذي لا يرتضيه العرف ويرفضه الشرع الذي ينظر الى المصلحة المجتمعية العامة، والمراد بلباس الشهرة معًا كما يؤكد الفقيه الكرباسي: "هو الثوب الذي يحب مرتديه أن يبرز نفسه بين الناس عبر ما لبسه ليُذكر بذلك، بل ويتفاخر به، والذي يوجب التبختر والتكبر .. وكذلك مما فيه الفخامة والعظمة والتجبر".

ويعد لباس الشهرة والتفاخر من الأمور المبغوضة التي تخل بالميزان العام للمجتمع، لأن الله كما يحب أن يظهر المرء نعمته عليه بين الناس بالمظهر الحسن لا يرتضي له أن يتصنَّع التميُّز على الآخرين بالمظهر الخارجي محاولة منه لتسليط الضوء عليه، وهو يدخل في باب التكبر والتبختر ويبعد عنه محبة الله كما في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) سورة النساء: 36، ولذا يرى الفقيه الكرباسي أنه: (يكره كراهة شديدة إرتداء ثوب الشهرة) لما ورد عن الإمام الحسين عليه السلام: (من لبس ثوبا يشهره، كساه الله يوم القيامة ثوبا من النار) أو قوله عليه السلام: (من لبس مشهورا من الثياب أعرض الله عنه يوم القيامة)، فالغلظة في الكراهة يُراد منها في واقع الأمر حماية المجتمع ممن يريد أن يخل بسلامته، فليست هناك حرمة، ولذا يضيف الفقيه الكرباسي: (لم أجد خلافًا بين الفقهاء في كراهة ارتداء لباس الشهرة سواء عند الإمامية أو عند المدارس الاخرى، فليس هناك من دليل من الكتاب على حرمة ذلك إلا العموميات أو مفهوم بعض الآيات من ذم حب الشهرة وذم المتكبرين الواردة في المقام).

كما لا تعارض بين الزهد والنظافة والتطيب، بل من الزهد الواقعي أن يكون الزاهد نظيفا على الدوام، فكما يحافظ على وضوئه تعبدا يحافظ على نظافته زينة وتعبدا، وليس أزهد على وجه الأرض من النبي محمد(ص) الذي كان الطيب لا يفارقه، وهو القائل: "إنَّ الله طيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ ونَظيفٌ يُحِبُّ النظافة"، بل ويؤكد على كل ما فيه مصلحة الإنسان والمجتمع ومظهرهما الحسن، وقد ورد عنه صلوات الله عليه: "حسِّنوا لباسكم وأصلحوا رحالكم حتى تكونوا كأنكم شامة من الناس"، وفي الحديث النبوي: "إن اللّه جميل ويحب الجمال".

ومن الجمال والزينة صبغ الشعر للرجل بالسواد، والخضاب بالحِناء وأمثالها من الصبغيات، ومن الجمال حجاب المرأة، ومن الجمال زينة العيد، ومن الجمال أثاث المنزل بخاصة إذا كان هو من مهر المرأة، ومن الزينة المحببة التختم بالعقيق.

وعلى ذكر الزينة والتطيب بالاستناد الى مرويات الإمام الحسين(ع)، يضع المحقق الكرباسي مائزا بين مفاهيم المراسيم والطقوس والشعائر: (فالمراسيم: فهي جمع المرسوم وهي تعني المكتوب والمتعارف القيام به في عرف مجتمع من المجتمعات .. ويعبر عن هذا النوع من المراسيم في المصطلحات الإجتماعية الحديثة بالطقوس أيضا، وإذا ما أيدتها الشريعة الإسلامية السمحاء أخذت طابعا إسلاميا، فإن كان عباديًا قيل له شعيرة والتي يمكن إدخالها تحت الآية الكريمة: "ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب"- سورة الحج: 32-، وإذا لم تكن تلك العادة عبادة أُطلق عليها المرسوم، وإذا لم تعترض عليها الشريعة الإسلامية كانت مباحة بمعنى أنها جائزة الفعل أو الترك أي على الأقل ليس فيها حزازة أو ملامة، ومن تلك الطقوس الدينية: التنظيف، والتطهير، والتطييب، ولبس الملابس الفاخرة، وتقديم التبريك والتهاني، وتقديم الهدايا، وأمثال ذلك). 

جمالية الموسوعة

ومن الجمالية في كل جزء من أجزاء دائرة المعارف الحسينية، أن مؤلفها الكرباسي يزينه بمطالعة لأحد أعلام الأمة يقدم فيه رأيه في الإمام الحسين(ع) ونهضته المباركة وفي عموم الموسوعة الحسينية وخصوص الجزء الذي يطالعه ويقدم له، وقد تزين الجزء السادس من (الحسين والتشريع الإسلامي) بمطالعة باللغة الألبانية للأستاذ الحاج فولنيت ميرجا (Shejkj Haxhi Vullnet MERJA) وشهرته الشيخ عباس، رئيس جمعية فيلادي (Kryetar i Shoqates FILADI) في العاصمة الألبانية تيرانا، الذي يؤمن بأنه: (على الرغم من تقسيم المسلمين إلى مذاهب وتيارات ومدارس فقهية مختلفة، لكنها ترى مجتمعة بأن حب الإمام الحسين بن علي(ع) هو حب الله استنادا الى الحديث النبوي المتواتر: حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا)

وعن النهضة الحسينية أكد الاستاذ ميرجا: (إن النهضة الحسينية لها أبعاد مختلفة من دينية وأخلاقية وإجتماعية وإنسانية، وهي على المستوى البشري ترمز الى الحرية والإستقلال والعدالة والرشاد بغض النظر عن الأمة واللغة والعرق واللون).

ولأن هذا الجزء من الموسوعة في كتاب الجنائز يتحدث عن البكاء، فإن رئيس جمعية فيلادي الألبانية يتساءل بحرقة: لماذا نبكي الحسين(ع)؟ ويجيب: إن كل حركة تعبوية وفعل نهضوي يسعى إلى إقامة العدل يستدعي إظهار المشاعر والحب والحقيقي، ومن هذه المشاعر ذرف الدموع على سيد الشهداء الذي قدّم كل ما يملك من أجل رسالة السماء، ومن كان هذا شأنه حري أن تذرف لمأساة كربلاء الدموع لترابط العَبرة بالعِبرة).

وحري لمن وظَّف كل ما يملك وأوقف جوارحه وأنفاسه الصاعدة والنازلة من أجل توثيق النهضة الحسينية عبر "دائرة المعارف الحسينية" أن يقف له العالم إجلالا وتعظيما.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن