علي سلاميحمل استاذنا عبدالجبار الرفاعي هماً ومشروعاً طالما كان مخلصاً بجهده له، وهو ما أكده في مؤلفاته الثلاثة الأخيرة عن الدين، وهي:

1- الدين والنزعة الإنسانية.

2- الدين والظمأ الأنطولوجي.

3- الدين والاغتراب الميتافيزيقي.

يعمل الرفاعي على اكتشاف رؤية انسانية للدين، لذلك يوصف الدكتور الرفاعي في اعماله بالمدافِع عن الدين، وهذا التوصيف وجيه وواقعي.

عبد الجبار الرفاعي يختلف عن أكثر المدافعين عن الدين، فالدفاع لازم  الرد، إذ يحارب المدافع من اجل فكرته من يناهضها، وهنا نلحظ الاختلاف في بصمة الرفاعي، لأنه مشغول بالكشف عن مفاهيم الدين الانسانية، التي تعري بتلقائيةٍ نصوص المصنفات والمنابع التراثية التي تكشر عن العنف والارهاب والتصحر  الروحي، فهو يكتب ليس بتلك الطريقة التي تؤول اخطاء الرجال، اولئك الذين لبسوا من الدين جلبابا، ولا يدافع عن نصوص تعارض روح الكتاب الكريم، وتسوّد قلوب العباد، من اجل الدفاع عن او تلميع صورة زائفة للدين. رأيت الرفاعي لا يكتب ردا على من يناهضه أو يناكفه أو يشتمه أو يتهجم عليه.

ما يميّز عبد الجبار الرفاعي "عندي" إنه ينتج نصا رؤيويا ايمانيا إنسانيا، نابعا من تجربة ذاتية، بمعنى انه عاش النص فكتبه،  فالكلمات هنا كما يصفها الدكتور علي شريعتي بقوله: "بضعة من كياني"، لذا فالرفاعي لا يحارب بأدوات التراث وعلم الكلام والفقه التقليدية، ولا يكرر النصوص او الفتاوى او الاقوال القديمة، حسبه انه يعيش التجربة ويتذوقها ويكتبها، يبحث عن مواقع تلك الرؤى الانسانية في منابع ومصادر التراث والنصوص المقدسة، ويستعين بتوظيف ما هو جديد من علوم ومعارف، ليقرأ التراث من خارج التراث، ماسكاً بذهنه عامل الزمان والواقع الجديد، وشاعراً بحاجة الروح العميقة إلى الغيب الميتافيزيقي، وكيف تتحق الذات بالاتصال بالغيب، وكيف يروي ظمأ الروح بالإيمان.

بهذه الرؤية وهذه الصورة هو "مدافعٌ بارع" عن الدين، لا من موقع الدفاع التقليدي، الذي نحمله في اذهاننا، فاللغة بتعبيره "متهمة" .

عبدالجبار الرفاعي محاربٌ، لا في مجال دفاعه، لأن دفاعه لا يحمل هجوماً ولا حرباً ولا استعداء لأحد. إنه محارب بمعنى ان خطابه يتفرد بعدم نسيان الذات، وعدم نسيان الإنسان، واستحضار صورة جميلة للدين، قلما نجدها فيما نرى.

الرفاعي يرى ان الروح الحرة لا تقبل ان تكون نسخة عن غيرها، لأن خسران الذات يفقدها حقيقتها، وعندما تفتقد الذات ذاتها ينشأ الاستبداد ويترسخ.

يدعو الدكتور الرفاعي ان نحلل ونغربل ونمحص وننقد التراث، وان نستعمل مناهج البحث العلمي الحديثة، ونوظفها في دراسة الظواهر الدينية في حياة الفرد والمجتمع، كي نفهمها بشكل علمي، "ونوّلد تفسيرا للنص في ضوء متغيرات الواقع وحواره مع النص المقدس"، ولا نعيد انتاج واقعاً انتهى، ونصر على استئناف ما مضى كما مضى، فعصر نزول الوحي غير عصرنا، وزمانه غير زماننا.

المنهجية عند عبدالجبار الرفاعي هي الامساك بعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة لاستنطاق التراث الديني وتفسير النص القرآني، والمشروع لديه هو بناء رؤية انسانية إيمانية للدين، والنتيجة صيرورة الدين دواء لا داء، والايمان محرراً لا مستعبداً، والتدين حالة روحانية اخلاقية جمالية، تتجلى فيها أجمل صورة لله والانسان والعالَم.

يقول عبدالجبار الرفاعي في أحاديثه بصراحة: "انا مؤمن بالله ووحيه ونبيه الكريم، ومؤمن بأن القرآن الكريم أوحى به الله إلى نبينا صلوات الله عليه.. لا أقلد أحدا، ولا يمثلني الا أقوالي وكتاباتي وسلوكي الشخصي.

أعمل حسب اجتهادي في الدين والمعتقد والفقه، لا أدعو احدا لتبني آرائي، ولم انصب نفسي مرجعاً للدين أو للفتيا، رؤيتي للدين مدونة بوضوح في كتاباتي".

 

علي سلام، "كاتب من الناصرية".

 

 

علجية عيشقراءة في كتاب الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري للدكتور محمود محمد علي

(هل النسوية مذهب أم هي حركة سياسية؟ وهل الخطاب النسوي فلسفة أم مجرد لغو؟)

فلسفة جديدة استحدثها المفكرون والفلاسفة تختص بالأنثى أو كما عرفت بالفلسفة النسوية أو الفلسفة الأنثوية أخذت على عاتقها أن ترى الوجود كله بعيون الأنثى، ظهرت هذه الفلسفة مع قيام الثورة الصناعية، وشجعت الحاجة إلى اليد العاملة المرأة على الخروج للعمل، من هنا بدأ الفكر النسوي يظهر في شكل ثورة تطالب من خلالها المرأة بحقوقها نتيجة الإضطهد التي عانت منه في مختلف الديانات ومساواتها مع الرجل.

 هذا ما جاء في كتاب: (الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري) للدكتور محمود محمد علي، تحدث فيه عن ثلاث موجات نسوية شهدها العالم، ويمكن القفز عليها لأن الفرق الزمني شاسع وبعيد، وبين كل موجة وأخرى مرت أجيال وخلفتها أجيال أخرى بمختلف عقائدها وإيديولوجيتها وثقافتها وفي مختلف المجالات العلمية والفكرية، كانت للدكتور محمود محمد علي عضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط قراءة لقضايا "النسوية" في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الغرباوي من المهتمين بقضية المرأة ومسألة تَحَرُّرِهَا، طرح فيه تساؤلات عدّة حول المنطلقات الفكرية لنسوية ما بعد الكولونيالية، وقضايا أخرى ذات صلة، كما ثبّت فيه مواقف الغرباوي، فهذا الأخير وضع مبادئ، أولها الدعوة إلى إقامة مجتمع مدني متحضر مبني على القيم والفضيلة باعتبارها قيم إنسانية أصيلة.

يرى الأستاذ ماجد الغرباوي أن تعريفه للنسوية feminisme وفقا للفلسفة المعاصرة القائمة على النقد والعقلانية هو تحرير وعي المرأة وإعادة تشكيله وفق رؤية إنسانية عادلة، والخطوة حسبه تبدأ باسترداد إنسانيتها واستعادة ثقتها بنفسها بعد تحرير الوعي والتخلص من عقدة النقص والدونية، مع توظيف الخطاب الديني العقلاني وقيم الحضارة الحديثة، ويفهم من هذا الكلام أن الأستاذ الغرباوي يدعو إلى نبذ التعصب الفكري، والتخلي عن الفروقات بين الرجل والمرأة طالما الإثنان يتميزان بالعقل، بمعنى أنهما يتساويان في مستوى التفكير، وينظران إلى الأمور بعقلانية، ولكون المرأة إنسان، والإنسان يجمع بين الذكر والأنثى، وبالتالي فإن تشكيل وعي الرجل بالمرأة يضعها على قدم المساواة معه، وعلى المجتمع أن يعترف بإنسانية المرأة، وإذا ما لم يحدث ذلك تبقى العلاقة بينهما ناقصة.

1823  الفلسفة النسوية

الواضح أن الأستاذ ماجد الغرباوي يقف إلى جانب المرأة ويدعمها لكي تحقق استقلاليتها في التفكير والعيش والمعاملة، أي تحقق مساواتها مع الرجل في كل شيء، باعتبارها شريك في الحياة، أي من حقها أن تقوم بما يقوم به الرجل بكل حرية، ولا أحد له الحق في أن يحاسبها أو يردعها، طالما أن الأحكام الشرعية كما يقول هو أحكاما نسبية، وليست ثابتة أو مطلقة، وهذا بالنظر إلى التحولات التي حصلت بعد أربعة عشر قرنا، صحيح أن المرأة قبل أربعة عشر قرنا ليست المرأة التي في العصر الحالي، فالزمن يتغير ويتغير معه نمط الحياة، فهناك أوجه اختلاف بين التفكير البدائي والتفكير الحداثي، وبالرغم من ذلك، يظل الرجل (المتعصّب) يرى نفسه أنه الأقوى وعلى المرأة أن تخضع له وتوافقه في كل شيء، ممنوع عليها أن تسأله أو تناقشه أو ترد عليه حين يغضب، ممنوع عليها أن تخرج دون إذنه أو دون علمه، ممنوع عليها أن تتحدث مع الأجانب لأنها بكل بساطة جنس ضعيف، تفكيرها ضيق بل ناقصة عقل ومهمتها محدودة.

الصراع اليوم هو صراع بين الرجل والمرأة، والعلاقة بينهما كعلاقة السيد بالعبد، وعلاقة المالك بالمملوك، حتى داخل الخلية الأولى التي هي الأسرة، وما تخلقه من مؤثرات نفسية، من خلال نظرة كل واحد منهما إلى الآخر من الناحية الجنسية والتغيرات الفيزيولوجية، كل هذه العوامل تلعب دورا هاما في ترقية الوعي الأنثوي، الواقع أن المرأة لا تكون متقدمة أحيانا عن الرجل، فنحن نرى أن المرأة في فترة الحمل مثلا أو أثناء وضعها جنينها وفي اوقات الرضاعة قد تتأخر عن الرجل في كثير من المجالات، ففي الفترة التي تكون فيها "نفساء" مثلا يكون هو قد قرأ كتبا أو أجرى أبحاثا أو شارك في ملتقيات، أو أنجز مشروعا، هي مدة زمنية يصعب على المرأة استدراكها وبالتالي يكون الرجل قد حقق نجاحات، لم تستطع حي تحقيقها في تلك الفترة، وهنا يمكن القول أن هناك فارق زمني بينها وبين الرجل، ولذا يرى بعض الرجال أن المرأة غير كاملة وأنها خلقت للفراش فقط والإنجاب وتربية الأولاد.

أما المحددات الأخرى لاسيما التي تتعلق بالخطيئة حيث لازمت هذه الأخيرة المرأة منذ ظهورها لأول مرة ممثلة في "حوّاء"، والسؤال هنا: لماذا التصقت الخطيئة بالمرأة وحدها دون الرجل؟ طالما الله يحاسب الإثنان إن وقعا في الخطيئة، وإذا كانت المرأة ناقصة عقل، كيف استطاعت أن تؤثر في الرجل؟ ثم أن الرجل ارتكب هو الآخر خطيئة وهي سفك الدماء (قصة قابيل وهابيل)، لكن المجتمع لا يحاسب الرجل لأنه (ذكر) والمرأة كأنثى معرضة دائما للأخطار، ولذا هي مطالبة بعدم الخروج من البيت إلا بوجود "مُحْرَمٍ" حتى لا تتعرض للأذى (الإختطاف والإغتصاب) ولا تجلب العار والفضيحة لأهلها، وهنا نتساءل ماذا يقصد الاستاد ماجد الغرباوي بنظرية "الخلافة"؟هل هي خلافة المرأة للرجل في أمور الدين والسياسة مثلما نراه اليوم نساء يدرن شؤون الدولة، تنافس الرجل في اعلى مناصب القيادة والمسؤوليات والسؤال يطرح نفسه: هل نحن في مجتمع رجولي أم ذكوري؟ وكيف ينظر الرجل لحرية المرأة، وماهي حدود هذه الحرية، هل حريتها تعني أنها تكون "مسترجلة"، تضرب زوجا إن اعتدى عليها، ويكون لها أصدقاء .

نرى أن الأستاذ الغرباوي تحدث عن فئة معينة من النساء وهن المثقفات، ولم يتطرق إلى فئات اخرى لم تسمح لهن ظروفهن في بناء أنفسهن ويكون لهن دور في المجتمع، فأجبرتهن الظروف على دخول عالم الجريمة، فكما نرى المرأة تقود الطائرة وتترأس حزبا سياسيا، هناك من تقود جماعة إجرامية، ونجدها ضمن صفوف الإرهاب (انتحارية)، ولكل فئة نسوية لها "خطابٌ" ؟ الواقع أن تأسيس فلسفة نسوية عالمية يأتي بعد تشخيص واقع المرأة في المجتمع الغربي، وواقعها في المجتمع العربي والإسلامي مع مراعاة جانب العادات والتقليد، فالمرأة في الهند أو في الصين أو المرأة التي تعيش في مجتمع متعصب دينا تختلف عن قريناتها في دول أخرى أكثر تحررا مثلما نراه في المجتمع الأمريكي، نرى أن مثل هذه المسائل تحتاج إلى إعادة نظر، أي "النسوية الراديكالية" التي تحدث عنها الغرباوي، مع تحديد بعض المفاهيم مثل عبارة أن المرأة متاع الرجل، هل يريد الأستاذ ماجد الغرباوي الإشارة إلى عهد الجواري، وحق السيّد في أن يضاجع جاريته وينجب منه أطفالا؟، ثم أن صاحب الكتاب استعمل مصطلح "الذكور"، الحقيقة لا نعرف ماذا يريد الأستاذ الغرباوي بهذا القول، هل هو غياب المجتمع الرجولي؟ أم أن العالم اليوم هو عالم بلا رجال؟.

و لو عدنا إلى السياق الزمني، نلاحظ أن هناك أصوات عربية تحدثت عن حرية المرأة وإعادة لها حقوقها على غرار قاسم أمين الذي أصدر كتابا عن تحرير المرأة عام 1899 قبل أن تتحرك أمريكا، فمشكلة المرأة مشكلة تاريخية تعود إلى ما قبل مجيء الإسلام، في عهد الأنبياء والملوك، كان النساء طبقات (الحرائر والجواري)، كما ظهرت كتابات حول النسوية انطلقت من أرضية إيديولوجية أكثر منها دينية، وإضافة إلى الأسماء التي ذكرها الأستاذ ماجد الغرباوي على الصعيد العربي كهدى الشعراوي، نوال السعداوي، جميلة بوحيرد، عائشة عبد الرحمان،هناك أسماء شخصيات نسوية معروفة عالميا وكان لها دور سياسي بارز، لم يأت ذكرها مثل أنديرا غاندي وبنظير بوتو التي كانت لها مساهمة قوية وفعّالة في بناء الفكر الديمقراطي وغيرهن.

فموضوع النسوية له سياقات تاريخية تعود إلى القرون الأولى، اي منذ ظهور البشرية، ولا أحد يعلم كيف تعامل سيدنا آدم مع حواء، وكيف تطورت العائلة "الآدمية"، الحديث هنا يقودنا إلى الحديث عن موقف المفكرين والفلاسفة من الآدمية التي يراد بها "ثنائية المرأة والرجل" والعلاقة القائمة بينهما، وهذه العلاقة تقوم على مبدأ أو قاعدة تحقق إنسانيتهما، لأن كل علاقة تقوم على بُعْدٍ واحد أو مستوى واحد تكون ناقصة، وقد تكلم العديد من المفكرين والفلاسفة عن آدمية الإنسان، أي "الثنائية الذكرية والأنثوية"، فإذا حدث انفصال بين الزوجين مثلا، فهذا يدل على أنهما غير متكاملان من ناحية الوعي، أو أن ثنائية الوظيفة الجسدية والنفسية لكل منهما غير متكاملة حتى لو أنجبا أطفالا..

و الحق أن كلمة" آدم" لا تتضمن معنى الرجل بقدر ما تعني الجنس البشري، أي الإنسان الواحد في الزمكان ولما كان الجنس البشري منذ نشأته ذكرا وأنثى، فيمكن القول أن الرجل آدم والمرأة آدم، الرجل إنسان والمرأة إنسان، وليست إنسانة، ولذا تضفي صفة الآدمية على الرجل والمرأة معا، وهو ما أشار إليه الأديب السوري ندرة اليازجي في دراساته عن حضارة البؤس تطرق فيها إلى"الظاهرة الإنسانية"، وقال أن صفة "الآدمية" ليست صفة ذكرية، إنما الرجل والمرأة بقطبيه، فمن هنا أصبح الحديث عن "الذكورة" غير مجدي في عصرنا الحالي، طالما المجتمع مركب من رجل وامرأة، أمّا أن تخرج الآدمية عن خطها الأحمر مثلما ما نقرأ عنه اليوم (جمعية فيمن) فتلك هي الطامّة .

المسألة هنا تتعلق بالخطاب النسوي وهو إن صح القول موضوع قراءتنا لمشروع النسوية عند الغرباوي، وخلاصة القول أن الكثيرين من اغفلوا إشكالية الخطاب النسوي ومقارنته بالخطاب الرجولي، فالدراسات التي جاءت في إطارها الإيديولوجي ترى ان التمييز الشِقّي استراتيجية قمعية يستعملها الرجال لتعزيز سلطتهم على النساء، إذ يرى البعض أن الخطاب النسوي يعبر عن المعارضة، فحبذا لو نقف على موقف الغرباوي من الخطاب النسوي، إن كان فلسفة أو مجرد لغو، وكيف يمكن مقارنته مع من تناولوا هذا الموضوع، إذا قلنا أن الخطاب النسوي يختلف من امرأة لأخرى، فخطاب المرأة المثقفة يختلف عن خطاب المرأة الماكثة في البيت، كما يختلف خطاب المرأة المحافظة عن خطاب المرأة المتحررة، كما يختلف الخطاب النسوي السياسي عن الخطاب النسوي الأدبي، فقد شهد القرن التاسع عشر ظهور أديبات على غرار الأديبة الرحالة ألكسندرا دافيد نيل alexandra david neel، التي كتبت عن رحلتها إلى منطقة التيبيت في بداية القرن العشرين، وقد أشار الأستاذ ماجد الغرباوي إلى اسماء أخرى في كتابه وهكذا..

 والخطاب النسوي لا يعني امتلاك المرأة حشودا من الكلمات، بل هو قد يتجاوز اللغة، بحيث يكفي  التعبي بحركات وسلوكات وما إلى ذلك، مما يؤخذ على أنه وصف لجوهر "الأنوثة"، وقد تحدث كثير من المفكرين والفلاسفة عن إشكالية الخطاب / الخطابات حيث قال أن هناك خطابات متعددة، وهي تختلف فيما بينها، واشار فوكوياما إلى خطاب النسائية وخطاب الأنثوية، وقد عرف فوكو الخطاب بأنه مجموعة من الآليات الخطابية التي تحدد ما يمكن أن يقال وبأي صيغة، كل من درسوا فوكو يجمعون على أن النظيرية النسائية استلهمت أعماله حول استعمال الخطاب لأغراض نسائية، ووقفوا على حقيقة انه من الصعب ترجمة أعماله وتحليلها خاصة موضوع " الجنسانية" التي تتعلق بهستيريا الأنثى، إلى حد أن من يسمونهم بـ: " النسائيين" يرون أن الأنوثة إيديولوجيا تفرض على النساء، ولذا يرى رجال السياسة أن السياسة بدون امرأة تشعرهم بالفراغ، فهم لا يستغلونها في الإنتخابات فقط، بل في الإشهار وفي تظاهرات عرض الأزياء مع إبراز مفاتنها لجلب انتباه الرجل وتحريك شهوته، وقد أشار المفكرون إلى رؤية الرجل لجسد المرأة دون روحها النقية، وعدم رؤيته لهذه الروح قد تقوده إلى الانحراف، عكس المرأة، فهي عندما تتعلق بالرجل فهي تنظر إليه شيئا كاملا متكاملا (جسدا وروحا).

 

قراءة علجية عيش مع ملاحظات

..............................

* عن الخطاب الأنثوي عند فوكوياما أنظر كتاب الخطاب لسارة ميلز ترجمة يوسف بغول

 

 

نبيل عبدالامير الربيعيتميز الانسان في وادي الرافدين بحاجاته ونزعاته الطبيعية المتزايدة مع الزمن، وتفاعله مع بيئته واحواله الحياتية، ومع ذلك فحو يعبر عن مشاعره ويظهر حاجاته ويستجيب للأخرين والاشياء المحيطة به، وفي هذه الاحوال يأتي الدين والمعبد ليلعب دوراً فعالً في اشباع هذه الحاجات الاساسية، وهذا يعني ان للمعبد وظائف استوجبت بقاءه منذ وجوده واستمراره، اذ ان من المتفق عليه ان الشيء الذي لا وظيفة له لا ضرورة لبقائه. حاجة الانسان الى الدين تنتج عن حقائق اساسية للوجود البشري، فالانسان يعيش في احوال غير ثابتة ومحاطاً بظروف وحوادث مهمة لسلامته وبقائه لكنها فوق طاقته وبصيرته. وهذا هو حال الفرد العراقي القديم الذي صور لنا صراعه مع محيطه وبيئته الطبيعية وكيفية التغلب عليها كما جاء في اساطير وملاحم بلاد الرافدين.

عن دار الفرات للثقافة والاعلام في الحلة صدر للأديب الدكتور المهندس اصدار جديد يحمل عنوان (المعبد في وادي الرافدين)، يقع الكتاب في (392) صفحة من الحجم الوزيري، وقد حشدَّ له (101) بين مصدر ومرجع وطرز بعض صفحاته بالرسوم الوثائقية والتخطيطات الهندسية للمعبد، فالكتاب انجاز جديد فيما يخص (المعبد في وادي الرافدين، قد بين الدكتور الحسينب في كتابه تاريخ الدين وبدائته في حضارة وادي الرافدين ودور الآلهة في حضارة بابل في دعم وترسيخ هذا الدين، ثم ينقلنا في ص155 إلى أهمية المعبد للفرد وانواع المعابد وطريقة بنائها والتخطيط لها. ويأتي تخطيط المعبد في  بلاد الرافدين أذ يتميز عادة بكون جدرانه وخاصة الواجهة مزينة بالطلعات والدخلات وهي ظاهرة معمارية قديمة عرفت في معابد عصر(العبيد) وظلت ملازمة للمعبد في مختلف الادوار الحضارية اللاحقة .كان مدخل المعبد يؤدي عادة الى حجرة صغيرة يمكن ان تسمى ب( حجرة المدخل ) التي تؤدي الى فناء او صحن واسع كان الناس يجتمعون فيه لاقامة الاحتفالات الدينية ويدخل المرء من هذه الساحة الى حجرة تؤدي بدورها الى ما يعرف ب( حجرة الهيكل ) و التي كانت من اهم واقدس اجزاء المعبد لأن فيها محراب الاله وتمثاله .وكان تمثال الاله يوضع عادة على دكة في المحراب وفي حجرة الهيكل هذه يوجد ايضا ( دكة المذبح ) التي كانت تقدم عليها الاضاحي، والملاحظ ان ابواب حجرات المعبد هذه تكون باتجاه واحد فالواقف في حجرة المدخل مثلا يستطيع ان يرى تمثال الاله في محرابه، غير ان بعض المعابد كانت فيها حجرة الهيكل واقعة الى الجانب وذلك من اجل ان يبقى تمثال الاله بعيدا عن انظار الناس، وكان المعبد يحتوي بطبيعة الحال على حجرات اخرى لخزن الادوات والاثاث والالبسة والاطعمة ويضم ايضا مكتبة لحفظ الوثائق والمؤلفات على اختلاف انواعها.

ثم يسلط الضوء الدكتور الحسيني على دور الفتاح فال والساحر والكاهن في المعبد، والطقوس التي تجرى في المعبد من صلاة وصوم وطواف وتطهير، فضلاص عن طقوس الزواج والولادة والبناء وطقوس ما بعد الموت. ويرى الدكتور الحسيني في ص157 ان المعبد قد لعب في حضارة وادي الرافدين دوراً فعالاً في التكوين الحضاري وتطور المعرفة والوعي، وكان المعبد أحد أهم معالم المدينة، حيث بدأ في المستوطنات البشرية مركزاً مهماً للفعاليات المختلفة التي تجمع الناس من حوله، وان أول ظهور للمعبد كان على شكل مصطبة عالية تطورت إلى برج مدرج يعرف باسم الزقورة. فالكتاب يعتبر من أهم الكتب التي كتبت وبجرأة عن تاريخ تطور المعبد عبر التاريخ وما يصحبه من مستلزمات النذور والكهنة ورجال الدين والسحرة سابقاً وهذا ما نجده في دور العبادة لاحقاً.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

محمود محمد عليقليلون أولئك الرجال الذين يعيشون وفق ما يكتبون، ويظهرون ما يضمرون، ويعلمون بما يؤمنون، ولا ريب في أن الأستاذ الدكتور أحمد محمود إسماعيل الجزار (أستاذ التصوف الإسلامي بكلية الآداب – جامعة المنيا) من هؤلاء الرجال، فقد عرفته منذ أكثر من ربع قرن عندما كان أستاذي الدكتور عاطف العراقي مشرفاً عليَ في رسالتي للماجستير عن المنطق الإشراقي عند السهروردي المقتول، وساعتها قال لي الدكتور عاطف، إذا أردت أن تفهم المنطق عند السهروردي، فلا بد من أن تعي تصوفه، وخير من يكشف لك عن مفهوم التصوف لديه هو  الدكتور أحمد الجزار، وهنا بدأت أتعرف عليه وأُلازمه واستمع إلي توجيهاته ونصائحه.

لقد تعلمت علي يد الدكتور أحمد الجزار الكثير من قضايا المنهج العلمي، ومنها قوله لي بأن علة ضحالة وهشاشة معظم الكتابات الفلسفية في ثقافتنا العربية المعاصرة ترجع في المقام الأول إلي افتقار أصحابها المنهج –أي – ذلك الطريق الواضح والخطوات المنظمة التي يخطوها الكاتب في التصنيف والتأليف والترجمة والتحقيق. وتعلمت منه أيضا أن مثل هاتيك الكتابات غالبا ما تتسم بالغموض في الأسلوب والركاكة في الصياغة والاضطراب في عرض الأفكار، والتناقض في الاستنتاج، وذلك لأن صاحبها غير مؤهل للكتابة لكونه من أشباه الدارسين وأنصاف الباحثين الذين حرموا من ملكة الابداع والنزعة النقدية . والسمات الذاتية التي تميز أصحاب الأقلام عن دونهم من المقلدين ومنتحلي الأفكار والآراء .

ولا أنسي قوله لي كثيرا ومرارا بأن الكاتب الذي لا يعي منهجه ولا يستطيع قراؤه التمييز بين أسلوبه وأسلوب غيره من الكتاب يجب أن يتوقف عن الكتابة لأنه من لم ينتقل بعد من طور التتلمذ، فعليه أن ينتظر حتي تكتمل شخصيته وينفرد قلمه وينضج ذهنه.

ومن ناحية أخري وجدت في الدكتور الجزار وفاء الصديق وقلب الطفل، ومثاقفة الفارس وأريحية المفكر، والنبوغ المبكر، والعبق القديم، وعطر الزمان الجميل وغير ذلك من الخصال، الأمر الذي كان وراء  حيرتي وقلمي في اختيار أحد الجوانب لأتحدث عنه، فراق لي أن أتحدث عنه كسيناتور للتصوف الإسلامي .

والدكتور الجزار من مواليد 3/10/1948 من محافظة الدقهلية، حيث حصل علي جائزة جامعة المنيا في العلوم الإنسانية عام 2004، وجائزة الأستاذ المثالي لكلية الآداب عام 2005، وأشرف علي العديد رسائل الماجستير والدكتوراه، وقد تقلد منصب عميد كلية الآداب من عام 2005-2009، وعضو اللجنة العلمية الدائمة من أبريل 2018 وحتي الأن وعضو لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة من عام 2015 وحتي الأن وعضو الجمعية الفلسفية من أهم كتبة: الولاية بين الجيلاني وابن تيمية 1990، وقضايا وشخصيات صوفية 2000، وفخر الدين الرازي والتصوف 2000، والله والإنسان عند الأمير عبد القادر الجزائري 1999، والفناء والحب الإلهي عند ابن عربي 2008، والفكر المصري المعاصر والتصوف 2008، والمعرفة عند أبي سعيد بن أبي الخير 2009، ودراسات في التصوف".

كما أسهم بعضويته في كثير من المؤسسات العلمية، ومراكز البحث العلمي، وألقي العديد من البحوث في مؤتمرات وندوات محلية ودولية، منها أبحاث نشرت في أوربا في مجلات متخصصة، كما حاضر عن الإسلام والحضارة الإسلامية،والإنسان وحقوقه في الإسلام في كثير من الجامعات المصرية والعربية.

بل قد لا أكون مبالغا إذا ذهبت إلي القول بأن الدكتور أحمد الجزار يمثل مكانة بارزة في ميدان الفلسفة الإسلامية عامة ؛ والتصوف الإسلامي خاصة بوصفه مفكرا مرموقا ترك بصمة واضحة المعالم في حياتنا الفكرية، وهو بالإضافة إلي ذلك نموذج للأستاذ الجامعي كما ينبغي أن يكون سواء في التزامه بأداء واجباته الاكاديمية والوظيفة علي أحسن ما يكون الأداء أو في ارتباطه بطلابه في علاقة إنسانية رفيعة المستوي في هدي من التقاليد الجامعية التي يحرص عليها كل الحرص، إذ هي دستوره في كل معاملاته مع كل من هو في الوسط الجامعي.

ولقد شهد له زملاؤه ومعاصروه له بالدقة، والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة ..إلي جانب ما يتمتع به من خلق رفيع، وتمسك بتعاليم الدين الحنيف . ولا غرو في ذلك فهو يمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثا ومنقبا، محققا ومدققا، مخلفا وراءه ثروة هائلة من الكتب العلمية، والحوث الاكاديمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطاهم خلاصة فكره وعلمه.

نعم لقد كنا نري في الدكتور الجزار نعم الرجل المتوحد الشامخ: سراجا هاديا، عاليا كالمنار، وارفا كالظل، زاخرا كالنهر، عميقا كالبحر، رحبا كالأفق، خصيبا كالوادي، مهيأ كالعلم، لا يرجو ولا يخشي، طاقته لا تنضب، كأن وراءها مددا يرفدها من سر الخلود .

والدكتور الجزار من المفكرين المصريين الذين تراهم كشعلة نشاط، إنه لا يكل ولا يمل، وهو يمثل علامة وضاءة ومشرقة ولا يمكن لأي دارس للتصوف الإسلامي أن يتغافل عن الدور الرائد لهذا العالم الشامخ، ومن واجبنا أن نهتم كل الاهتمام بدراسة أفكاره وآرائه

والدكتور الجزار من المفكرين المصريين الذين صالوا وجالوا في دراسة التصوف الإسلامي، فهو صاحب كتابات كثيرة نذكر منها " الولاية بين الجيلاني وابن تيمية " , و" الفناء والحب الإلهي عند بن عربي "، والله والإنسان عند الأمير عبد القادر الجزائري و" المعرفة عند أبي سعيد الخراز "، و" فخر الدين الرازي والتصوف "، ودراسات في التصوف".

وأركز حديثي هنا عن حول نظره الجزار للتصوف من خلال  كتابه منهج الكشف عند صوفية الإسلام؛ حيث  ذهبت الصوفية إلى أن مصدر المعرفة أمر أخر غير الحس العقل . قد يكون الحدس، وقد يكون الذوق، وقد يكون البصيرة، وقد يكون الإلهام . ذلك أن الصوفية لم يهتدوا بعد إلى معرفة كنه هذه الحاسة الغريبة، ولا إلى موضعها من الحياة الروحية، وإن وصفها الجميع أو بالأحرى وصفوا مظاهرها، ووظائفها بصفات متقاربة، فهى نوعاً ما من التعقل تدرك وتعرف، ومع ذلك ليست هى العقل الذى نعرفه وهى تنزع نحو موضوعها وتتعشقه إلى درجة الفناء فيه ؛ أى أن فيها عنصرى الإرادة والوجدان، ولكنها مع ذلك ليست الإرادة التى نعرفها ولا هى واحدة من العواطف التى لنا عهد بها . ففى حاسة عاملة مريدة وجدانية مختلفة تمام الاختلاف عن الحواس والقوى العقلية الأخرى التى تدرك عملها في حياتنا الشاغرة .

وقد أطلق الصوفية على هذه الحاسة المتعالية، اسم القلب والسر وعين البصيرة، وما إلى ذلك من الأسماء التى تعدو أن تكون رموزاً لحقيقة واحدة تفترض وجودها ولا ندرى من كنهها شيئاً .

المهم أن الصوفية لا يعترفون بالحس والعقل مصدراً للمعرفة البشرية الحقة، لأنهم يميزون بين ظاهر الشئ وحقيقته، وبين الشكل والمضمون، وهو في تميزهم هذا قد ذهبوا إلى أن المعرفة خاصة بالمحسوسات، وأن العقلية خاصة بالمعقولات الحاصلة عن المحسوسات، ولكن ثمة معقولات أخرى ليس مصدرها الحس أو العقل، وهذه المعقولات الموجودة والموجودات المعقولة لا يمكن إدراكها أو بلوغها لا بالحس ولا بالعقل الذى يعتمد أساساً على الحس وهذه المعقولات تدرك بالحس الصوفى .

إذن المتصوفة جميعاً يرون أن وراء طور الحس والعقل طوراً أخر ينبغى اللجوء إليه، والاعتماد عليه وهو الكشف أو الذوق .

ومن هذا المنطلق اخترت في هذه الدراسة لأعرض وأحلل وأنقد كتابه الشهير" منهج "الكشف عند صوفية الإسلام"، حيث يمثل هذا الكتاب في نظرنا درة العقد في سلسلة ابداعاته الفكرية ذات الطابع الفلسفي الأصيل والتي بدأها الدكتور أحمد الجزار منذ ما يزيد علي ربع قرن من الزمان لتصل إلي أكثر من عشرة مؤلفات، إلي جانب ماله من دراسات وبحوث ومقالات تضمها بطون المجلات والدوريات العلمية.

فعندما تم تعيين الدكتور الجزار معيداً بقسم الفلسفة بجامعة أسيوط – فرع المنيا، أراد أن يتخصص في مجال الفلسفة الإسلامية وبالأخص في التصوف الإسلامي، وقد سجل رسالته في الماجستير سنة 1980 في موضوع عنوانه " منهج الكشف عن صوفية الإسلام "، وهذه أول رساله تعالج إشكالية المنهج في التصوف، وهل هو ذاتي أم موضوعي، وما هي وسائله، وبالتالي جعل الإشكاليات متمثلة في فصول، مثل الكشف والوجود، والكشف والأخلاق، والكشف والسلوك، والكشف والمعرفة..الخ وفي مقدمته للرسالة قال إذا كان التصوف علم ذوقي بمعني أن أصحابه يسعون إلي ذوق لحقيقة وكشفها عيانا أو مشاهدة والحقيقة عند الصوفية هي معرفة الذات الإلهية، وإذا كان التصوف علما بهذا المعني، فإن ذلك يعني أن له موضوعا يعمد أصحابه إلي الكشف عنه، بل متي كان له موضوع فإنه لا بد من أن يكون له منهج ومن المحتمل أن ثمة نتائج معينة لا بد وأن يفضي إليها هذا المنهج "

ويستطرد فيقول " من هنا بدت لي دراسة التصوف من زاوية المنهج أمرا علي جانب كبير من الأهمية، إذ أن تحليل طبيعة المنهج عند الصوفية والإبانة في الوقت نفسه عن وسائل التحقق للمعرفة التي ينزع إليها أصحاب هذا المنهج . ومن هنا بدت لي دراسة التصوف من زاوية المنهج أمرا علي جانب من الأهمية، إذ أن تحليل طبيعة المنهج عند الصوفية والإبانة في الوقت نفسه عن وسائل التحقق للمعرفة التي ينزع إليها أصحاب هذا المنهج،هذه الناحية أري أنها تمثل زاوية علي جانب من الأهمية من زاوية علم التصوف كعلم للمعرفة" .

ويستطرد فيقول ولم يكن ذلك كله ما حفزني إلي دراسة هذا الموضوع بعينه دون غيره من الموضوعات داخلة في إطار علم التصوف، وسأشير بإيجاز إلي ما دفعني إلي دراسة هذا الموضوع :

أولا: بد لي أن دراسة منهج الكشف عند الصوفية يمثل أمرا هاما، إذ كل مكاشفاتهم أو تجلياتهم ترجع أساسا إلي هذا المنهج كوسيلة للمعرفة بالمقارنة بغيره من الوسائل كالعقل أو الحواس. فالصوفية لا يلقون إلينا بنتائج علومهم ومكاشفاتهم إلقاء دون ما طريقة أو منهج، ومن هنا فالسؤال الذي يطرح نفسه وسائل معينة يتفقون عليها في منهجهم لنيل المعرفة، أم أن الأمر عندهم لا يعدو أكثر من كونه وسائل فردية  لا رابطة فيما بينها ؟ لقد وجدت من الضروري الوقوف علي إجابة لهذا التساؤل، إذ أن ذلك ضرورة أساسية إذا أردنا أن نتعرف علي طبيعة النتائج التي ينتهي إليها الصوفية باتباعهم هذا المنهج، فمن المعروف سلفا أنها لا يمكن أن تفسر في ضوء مقولات العقل أو براهينه .

ثانياُ : بدا لي أنه إذا أمكن تحديد وسائل منهج الكشف عند الصوفية فإنه في هذه الحالة يمكن أن نحدد الخصائص التي تلزم عن هذا المنهج وفي ضوء تلك الخصائص يمكن أن أسهم في دحض دعاوي خصوم الصوفية ممن يقدحون في طريقتهم، وأعني بخصوم الصوفية هنا الفقهاء، إذ كثيرا ما اتهموا الصوفية، وأعني بخصوم الصوفية هنا الفقهاء، إذ كثيراً ما اتهموا الصوفية بأنهم قد اشتطوا في العقيدة، وأنهم قد تحللوا من العمل بأحكام الشريعة . ولذلك حاولت في هذا المقال الإبانة عن خطل هذا الرأي ليتضح حقيقة موقف الصوفية بالنسبة للشريعة، وضرورة العمل بها .

ثالثا: كذلك بدا لي أيضاً أن دراسة منهج الصوفية يمكن الإفادة من بعض جوانبه في حياتنا المعاصرة، إذ من المحقق أن التأمل الواعي لطريقة التصوف، وحياة المتحققين بمنهجه، قد يؤدي بنا إلي اكتشاف كثير من القيم والمبادئ الأخلاقي، التي تطلح ولا شك في تقويم بعض السلبيات في مجتمعنا .

وإذا كان مفهوم "المنهج " ما زال بعض الغموض ويثار حوله الجدل والنقاش فإن اقتران " الكشف" بالمنهج في عنوان هذا الكتاب يجعل مفهوم المنهج هنا أكثر تحديدا وأقل غموضاً من حيث يظهر المنهج الطريقة الإنسانية الفاعلة والخلاقة والتي لا تعلو عليها أية طريقة أخري في قدرتها وتوجهاتها نحو تطوير الحاضر وصنع المستقبل، كما يظهر لنا أيضاً كيف أن " الكشف" مسؤولية يتبناها أو يجب أن يتبناها المنهج في كل ما يمكن أن يكون هناك من مجالات علمية تمثل إن كانت متنوعة المحتوي فإنها أحادية الغاية والهدف، يقول الدكتور الجزار في مقدمة كتابه :" إذا كان التصوف علم ذوقي بمعني أن أصحابه يسعون إلي ذوق لحقيقة وكشفها عيانا أو مشاهدة والحقيقة عند الصوفية هي معرفة الذات الإلهية، وإذا كان التصوف علما بهذا المعني، فإن ذلك يعني أن له موضوعا يعمد أصحابه إلي الكشف عنه، بل متي كان له موضوع فإنه لا بد من أن يكون له منهج ومن المحتمل أن ثمة نتائج معينة لا بد وأن يفضي إليها هذا المنهج ".

ويستطرد فيقول " من هنا بدت لي دراسة التصوف من زاوية المنهج أمرا علي جانب كبير من الأهمية، إذ أن تحليل طبيعة المنهج عند الصوفية والإبانة في الوقت نفسه عن وسائل التحقق للمعرفة التي ينزع إليها أصحاب هذا المنهج . ومن هنا بدت لي دراسة التصوف من زاوية المنهج أمرا علي جانب من الأهمية، إذ أن تحليل طبيعة المنهج عند الصوفية والإبانة في الوقت نفسه عن وسائل التحقق للمعرفة التي ينزع إليها أصحاب هذا المنهج،هذه الناحية أري أنها تمثل زاوية علي جانب من الأهمية من زاوية علم التصوف كعلم للمعرفة".. وللحديث بقية...

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن أحمد محمود الجزار ومنهج الكشف عند صوفية الإسلام، حيث تظهر لنا دقة اختيار الدكتور أحمد الجزار لعنوان الكتاب ومصداقيته في الدلالة علي موضوعه والغرض منه، حيث يقول :" إن نشأة المنهج في أي علم وثيقة الصلة بنشأة العلم وتطوره . والتصوف كعلم شأنه شأن غيره من العلوم الإسلامية لم ينشأ دفعة واحدة، بل مر بمراحل مختلفة من التطور حتي اكتمل وأصبح علما للباطن أو المعرفة الباطنية علي نحو ما يقول الطوسي، وإذا كان التصوف قد مر بمراحل مختلفة، حتي اكتملت له مقومات العلم، أعني تمكن أصحابه من تحديد موضوع المعرفة فيه ومنهج هذه المعرفة والغاية من ورائها، فإن ذلك يستدعي أن نتتبع نشأة هذا المنهج منذ بدايات التصوف الأولي – أعني مرحلة الزهد .ذلك لأن مرحلة الزهد لا يمكن تجاهلها من هذه الناحية، إذ هي كما يري كثير من الباحثين – أقدم أنواع التصوف، بل من العسير الفصل بين الزهد والتصوف فصلا تاما في تلك المرحلة المبكرة لنشأة" .

ولعل من المفيد – قبل عرضتا لهذا الكتاب ومحتواه – أن نشير في عجالة إلي أهم التوجهات الضابطة في مسيرة المؤلف الفكرية عبر فصول الكتاب العديدة .

وأبرز هذه التوجهات وهو ما ظهر له من أن دراسة منهج الكشف عند الصوفية يمثل أمرا هاما، إذ كل مكاشفاتهم أو تجلياتهم ترجع أساسا إلي هذا المنهج كوسيلة للمعرفة بالمقارنة بغيره من الوسائل كالعقل أو الحواس. فالصوفية لا يلقون إلينا بنتائج علومهم ومكاشفاتهم إلقاء دون ما طريقة أو منهج، ومن هنا فالسؤال الذي يطرح نفسه وسائل معينة يتفقون عليها في منهجهم لنيل المعرفة، أم أن الأمر عندهم لا يعدو أكثر من كونه وسائل فردية  لا رابطة فيما بينها ؟ لقد وجدت من الضروري الوقوف علي إجابة لهذا التساؤل، إذ أن ذلك ضرورة أساسية إذا أردنا أن نتعرف علي طبيعة النتائج التي ينتهي إليها الصوفية باتباعهم هذا المنهج، فمن المعروف سلفا أنها لا يمكن أن تفسر في ضوء مقولات العقل أو براهينه.

وثمة توجه آخر للمؤلف يتمثل في أنه إذا أمكن تحديد وسائل منهج الكشف عند الصوفية فإنه في هذه الحالة يمكن أن نحدد الخصائص التي تلزم عن هذا المنهج وفي ضوء تلك الخصائص يمكن أن أسهم في دحض دعاوي خصوم الصوفية ممن يقدحون في طريقتهم، وأعني بخصوم الصوفية هنا الفقهاء، إذ كثيرا ما اتهموا الصوفية، وأعني بخصوم الصوفية هنا الفقهاء، إذ كثيرا ما اتهموا الصوفية بأنهم قد اشتطوا في العقيدة، وأنهم قد تحللوا من العمل بأحكام الشريعة . ولذلك حاولت في هذا البحث الإبانة عن خطل هذا الرأي ليتضح حقيقة موقف الصوفية بالنسبة للشريعة، وضرورة العمل بها .

أما التوجه الثالث فيتمثل في ربط المؤلف دراسة منهج الصوفية يمكن الإفادة من بعض جوانبه في حياتنا المعاصرة، إذ من المحقق أن التأمل الواعي لطريقة التصوف، وحياة المتحققين بمنهجه، قد يؤدي بنا إلي اكتشاف كثير من القيم والمبادئ الأخلاقي، التي تطلح ولا شك في تقويم بعض السلبيات في مجتمعنا.

علي أن هذه التوجهات قد صاحبها ثلاث نزعات للمؤلف: احداها نفسية والثانية أخلاقية، والثالثة عقلية . أما الأولي من هذه النزعات، فتتمثل في إفراط المؤلف في القول بأن :" الحياة الروحية أو التصوف المشروع في دين الإسلام لا يقتضي حرمانا للمسلم مما أحله الله من الطيبات بدعوي الزهد والتقشف، ولا يوجب عليه كذلك أن يهمل في مظهره بدعوي كمال مخبره فذلك كله مما لا يوجبه عليه منطق الإسلام عقيدة وشريعة، ذلك لأن الإسلام قد أباح له التجميل بأنواع الزينة والتوسع بالمشهيات علي شريطة القصد والاعتدال وحسن النية والوقوف عند الحدود الشرعية"، كما أن :" والحياة الروحية أو التصوف المشروع لا تعارض فيه مع العلم والأخذ بأسبابه من حيث إن العلم مسرح نظر العقل، والعقل قوة من أفضل القوي الإنسانية بل هي أفضلها علي الحقيقة، وقد وضع العليم لذة كما منح لكل قوة من سواها نعيما ولذة، وهذا يحتم علي الإنسان أن يسعي بكل ما أوتي من جهد للأخذ بأسباب الحياة والمكانة والرقي في الحياة الدنيوية . ولن يكون كل ذلك للإنسان إلا إذ أخذ بمنطق العقل وأداته نعني العلم وهذا هو الذي يؤكده الإسلام للمسلم، فقد سمح لنا أن يتمتع كما مر بنا من قبل بما يلذ له مع القصد والاعتدال ومن ثم أفلا يكون من لذائذ ومتمات نعيمه كما يقول محمد عبده أن يسبح في مملكة العلم ليمتع عقله كما يسبح في الأرض ليكسب رزقه وبقيت أهله.

وأما التوجه الثاني فتتبدي لنا بجلاء في مواضع عديدة من الكتاب يعزف فيها المؤلف لحن الوفاء لبعض أساتذته الذين أفادوه في الدخول لعالم التصوف وأخص بالذكر الدكتور أبو الوفا التفتازاني والذي قرأ له المؤلف كل كتاباته كتبه ومنها كما يذكر المؤلف : كتاب " ابن عطاء الله السكندري وتصوفه " والذي نشر سنة 1958)، ثم كتابه "" ابن سبعين وفلسفته الصوفية "" والذي نشر له دار الكتاب اللبناني، بيروت، سنة 1973، وكان الدكتور التفتازاني قد أعاد دراسة ابن سبعين مرة ثانية في الكتاب التذكاري عن السهروردي في بحثه " ابن سبعين وحكيم الإشراق" ونشر في معجم أعلام الفكر الإنساني، القاهرة سنة 1974م، وكتابه " مدخل إلى التصوف الإسلامي " الذي صدر عن دار الثقافة للطباعة والنشر بالقاهرة سنة 1976. علاوة علي أن كانت له بحوث ودراسات غزيرة استفاد منها الدكتور الجزار،  حيث ذكر لنا المؤلف بأنها قد نشرت في العديد من المجلات، نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر ما يلي :" الإدراك المباشر عند الصوفية"، مجلة علم النفس، العدد الثالث، سنة1949، و" سيكولوجية التصوف"، مجلة علم النفس، عدد أكتوبر، سنة 1949، و" المعرفة الصوفية، أدلتها ومنهجها وموضوعها وغايتها عند صوفية المسلمين "، مجلة الرسالة، القاهرة، سنة 1950، و" الطرق الصوفية في مصر "، مجلة كلية الآداب، جامعة القاهرة، عدد ديسمبر سنة 1963، و" حكم ابن عطاء الله السكندري "، مجلة تراث الإنسانية، عدد أبريل، سنة 1965، و" نظرة إلى الكشف الصوفي"، مجلة الفكر المعاصر، عدد ديسمبر، سنة 1967، و" الطريقة الأكبرية " العدد التذكاري عن ابن عربي 1969، و" ابن الفارض سلطان العاشقين "، مجلة الهلال، سنة 1973، و" حقائق عن الصوفية " مجلة الهلال في عدد خاص عن التصوف، يونيو سنة 1985.

وأما النزعة العقلية فتبدو لنا واضحة في تأثره الشديد بالدكتور عاطف العراقي خاصة في نظرته وأفكاره النقدية واحتفائه بالعقل في كل ما يطرح من قضايا وما يثيره من إشكاليات، سواء كانت هذه الأطروحات مستقاه من لمحات تراثية أو مستمدة من وقائع وطواهر فكرية وثقافية معاصرة . ونعتقد بيقين أن المؤلف بنزعته هذه يحقق درجات عالية من المصداقية في كل ما يقدمه لنا في هذا الكتاب من حيث تنطلق هذه النزعة أساسا من رفضه للثقافة السائدة لكونها في مجملها مدفوعة بالسطحية، داعمة للفكر الرجعي، داعية غلي الجمود والانغلاق، ومن ثم فإنها لم تثمر إلا تخلفا ونكوصا في مجملها مدفوعة بالسطحية، داعمة للفكر الرجعي، داعية إلي الجمود والانغلاق . ومن ثم فإنها لم تثمر إلا تخلفا ونكوصا يضاعف أبعاد المسافة بيننا وبين الحضارة والفكر العالمي المعاصر، ويند آمالا وأحلاما لنا مشروعة في التغيير إلي ما هو أفضل.

إن هذه النزعات وما صاحبها من توجهات قد أسهمت في تشكيل رؤي المؤلف وتنظيراته التي ضمنها كتابه الذي بين أيدينا.

وينهج الدكتور أحمد الجزار في معالجته لقضية منهج الكشف عند الصوفية خلال أبواب وفصول هذا الكتاب، منهجا تاريخيا في كل فصول الرسالة، مع استخدام منهج تحليلي تركيبي، بمعني أنه كان معنيا بتحليل أقوال الصوفية فيما يتعلق بالمنهج ووسائله ووسائل التحقق به عند كل الصوفية لا عند صوفي بعينه.

كما اعتمد الدكتور الجزار في دراسته لهذا الموضوع علي المصادر الأصلية لشيوخ الصوفية المتقدمين منهم والمتأخرين، حيث يري أن اعتماده علي هذه المصادر لم يكن يقصد به أساسا الدراسة، ولذلك اختار الدكتور الجزار بعض النماذج من صوفية القرنين الثالث والرابع الهجريين، كما عرض لبعض أقوال صوفية القرن الخامس الهجري، وقد اختار الغزالي كممثل لهذه الفترة باعتباره أكبر صوفية هذا العصر تأثيرا في مسار الحركة الصوفية، أو علي وجه التحديد فيما عرف باسم التصوف السني . كما حاول المؤلف أيضا الإلمام بمفهوم منهج الكشف عند صوفية القرنين السادس والسابع الهجريين، وفي هذا الصدد عرض لمنهج الإشراق عند السهروردي المقتول، ثم انتقل إلي تحديد مفهوم منهج الكشف عند ابن الفارض، ثم منهج الكشف لدي محي الدين ابن عربي، باعتباره من أكبر الشخصيات التي أثرت في تاريخ التصوف الإسلامي بمنهجه في وحدة الوجود وهو في الوقت نفسه يمثل نموذجا لما أصطلح علي تسميته باسم التصوف الفلسفي.

يقع الكتاب الذي بين ايدينا في مائة وتسعة وتسعون صفحة موزعة علي أربعة فصول وخاتمة وقد سبقت تلك الفصول الأربعة مقدمة أبرز فيها المؤلف نواحي الأهمية من وراء دراسة هذا الموضوع .

أما الفصل الأول فيتناول نشأة الكشف عند الصوفية، ويحاول المؤلف أن يركز هدفه الأساسي في هذ الفصل في معالجة قضية منهج الكشف الصوفي، وقد مهد لذلك الفصل ببيان بعض المعاني كما وجدت فيما بعد عند الصوفية، ثم انتقل بعد ذلك إلي محاولة التعرف علي بعض معاني الكشف عند الزهاد المتأخرين، ثم انتقل المؤلف بعد ذلك إلي تحديد مفهوم الكشف عند أوائل الصوفية، حيث بين أنها تكشف عن اتجاه جديد للتصوف من حيث نزوعه إلي المعرفة . كما عالج المؤلف في هذا الفصل أيضا التفرقة بين الظاهر والباطن عند الصوفية، كما أبرز الأهمية المنهجية لهذه التفرقة باعتبارها تشير إلي تميز التصوف كعلم للمعرفة الباطنية بالمقارنة بعلم الفقه الذي يقف عند ظواهر العبادات .ثم انتقل المؤلف بعد ذلك إلي تحديد طبيعة المعرفة الصوفية وآدابها ومنهجها عند صوفية القرنين الثالث والرابع الهجريين، حيث بين كيف أن صوفية هذه الفترة قد تمكنوا من تحديد طبيعة منهج الكشف وبيان وسائل التحقق بمعرفته. كذلك حاول المؤلف الإلمام بالتطور الذي لحق بمنهج الكشف علي يد صوفية القرن الخامس الهجري حيث عرض لمفهوم المنهج بالتفصيل عند الغزالي، أما القرنين السادس ولسابع الهجريين فقد عرض فيهما منهج الكشف عند السهروردي المقتول ثم انتقل بعد ذلك إلي الحديث عن منهج الكشف عند ابن الفارض وأخيرا اختتم المؤلف هذ الفصل ببيان مفهوم منهج الكشف عند حي الدين ابن عربي .

وأما الفصل الثاني فيخصصه المؤلف عن " وسائل التحقق بالكشف" . وفي هذا الفصل عالج المؤلف وسائل الصوفية المختلفة في التحقق بمعرفة الكشف، حيث بين المؤلف أولا أن مجاهدة النفس هي وسيلة أساسية عند الصوفية للتحقق بمعرفة الكشف، وفي هذه الناحية عرض المؤلف لمفهوم النفس ومعني مجاهدة النفس ووسائل التحقق بمفهوم المجاهدة للنفس، وفي هذا الصدد أبرز المؤلف أهمية الرياضيات التي يستعين بها الصوفية لتحقيق مجاهدة النفس، ثم انتقل المؤلف بعد ذلك لبيان أهمية مرحلة المقامات والأحوال كوسيلة للتحقق بالكشف، ولم يفصل المؤلف القول في كل المقامات والأحوال، بل اقتصر علي ذكر المقامات أو الأحوال التي تسهم في التحقق بمعرفة الكشف، ثم انتهي المؤلف إلي أن نهاية الطريق أو التحقق بالكشف يتم عند الصوفية من خلال الفناء في الذات الإلهية، ففي هذه الحالة يتحقق للصوفي معني الكشف أو الشهود، ولذلك أوضح المؤلف مدي الارتباط بين الفناء والتحقق بمعرفة الكشف عند الصوفية.

ثم يعرج المؤلف إلي الفصل الثالث، ليتحدث عن " الكشف والوجود، حيث بين في أول هذا الفصل أن المعرفة للذات الإلهية والتحقق بها عن طريق الكشف هو عين التوحيد عند بعض الصوفية، وفي هذا الصدد عرض المؤلف لمفهوم الفناء والتوحيد عند بعض الصوفية المتقدمين وقد أخذ المؤلف أبا سعيد الخراز وأبو القاسم الجنيد كمثال لهذا النوع من الفناء علي أن بعضا من الصوفية قد انتهي من فنائه إلي الاتحاد والحلول، وفي هذه الحالة فإن العلاقة بين الذات الإلهية والذات الإنسانية تأخذ شكلاً مغاير بالتزامه بمفهوم الفناء عند الجنيد ومن سبقوه، ولبيان هذه الناحية تناول المؤلف أقوال البسطامي والحلاج كمثالين لهذا النوع من الفناء، حيث حلل هذه القوال وأظهر طبيعتها من خلال طبيعة منهج الكشف الصوفي . كما عرض المؤلف في هذا الفصل أيضا للصلة بين الكشف والتحقق لوحدة الوجود عند الغزالي، حيث أبرز المؤلف أهمية الغزالي بالمقارنة بمن سبقوه من الصوفية في هذه الناحية، كذلك عرض المؤلف في ختام هذا الفصل للصلة بين الكشف ومذهب وحدة الوجود الذي انتهي إليه ابن عربي، وقد بين المؤلف في هذا الصدد طبيعة العلاقة بين الذات الإلهية والذات الإنسانية في مذهبه.

أما الفصل الرابع والأخير من هذا البحث قد جعله المؤلف تحت عنوان " الكشف والسلوك"،وفي هذا الفصل حاول المؤلف أن يمهد ببيان الارتباط الوثيق بين المعرفة والأخلاق عند الصوفية، من حيث أن المعرفة في جانب من جوانبها عندهم ذات مضمون أخلاقي واضح . ثم انتقل المؤلف بعد ذلك للحديث عن الكشف الصوفي كأداة دقيقة للتمييز بين الصواب أو الخطأ في مجال السلوك . وقد أظهر المؤلف أن الكشف من هذه الزاوية أداة موثوق بها فيما تصدره من أحكام، لأن المتحقق بمعرفة الكشف يصدر أحكامه عن نور المعرفة عن الله مباشرة، كما بين المؤلف أيضا في هذا الفصل التلازم بين الكشف والتحقق بالسلوك حيث أوضح أن السلوك الصوفي هو نتيجة تلزم مباشرة عن التحقق بمعرفة الكشف، وقد بين المؤلف في هذه الناحية بعض المعاني الخلقية للسلوك الصوفي باعتباره أن أصحابها يتحققون بها لسبق تحققهم بمعرفة الكشف أو العيان، كما حرص المؤلف أيضا في هذا الفصل علي بيان أهمية التجربة الصوفية وقيمتها في تعميق بعض المفاهيم والمعاني الخلقية كامتداد للارتباط بين الكشف وبين التحقق به في مجال السلوك أو العمل .

وفي نهاية عرضنا يمكن القول بأن كتاب "منهج الكشف عند صوفية الإسلام" لأحمد الجزار، سياحة عقلية خالية من أي تعصب، بعيدة عن أي إسفاف، مجردة من أي هوي، واعية متأنية في ذاكرة تاريخ التصوف الإسلامي نقف من خلالها مع المؤلف علي كيف يعد التصوف علم ذوقي بمعني أن أصحابه يسعون إلي ذوق الحقيقة وكشفها عيانا أو مشاهدة والحقيقة ان الصوفية هر معرفة الذات الإلهية، وإذا كان التصوف علما بهذا المعني، فإن ذلك يعني أن له موضوعا يعمد أصحابه إلي الكشف عنه، بل متي كان له موضوع فإنه لا بد أن يكون له منهج .

وأخيراً وليس آخراً أقول إنني استمتعت بقراءة هذا الكتاب الجاد الذي رجع صاحبه لكل الأصول المتاحة، وهي هائلة كماً وكيفاً وتقصت حقيقة كل ما له علاقة بمنهج الكشف في تراثنا الصوفي العربي – الإسلامي، واجتهد في التأويل والتفسير، ونقل إلينا دهشته وشغفه فشاركناه مشواره، وأحسب أن هذا الكتاب فريدا في منحاه ومنهجه في كتاباتنا العربي، فهو ليس تأريخاً سردياً، وإنما هو تأريخ لحقبة من الفكر في تراثنا العربي – الإسلامي من خلال دراسة التصوف من زاوية المنهج علي جانب الأهمية، إذ أن تحليل طبيعة المنهج عند الصوفية والإبانة في الوقت نفسه عن وسائل التحقق للمعرفة التي ينزع إليها أصحاب هذا المنهج هذه الناحية تمثل زاوية علي جانب كبير من الأهمية من زوايا علم التصوف كعلم للمعرفة.

وفي النهاية لا أملك إلا أن أقول بأن هذا الكتاب كشف لي بأنني إزاء نموذج نادر يصعب أن يتكرر، لمثقف واسع الثقافة وكذلك لمفكر حر نزيه لا يقيم وزناً ولا يحسب حساباً إلا للحقيقة العلمية وحدها، وفوق ذلك وأهم من ذلك بالنسبة لنا أنه كان يقدم مادته العلمية فى أسلوب بالغ الجاذبية والتشويق تجعلها أشبه ما تكون بالعمل الفني الممتع دون أن تفقد مع ذلك شيئا من دقتها الأكاديمية، ولهذا لم أكن مبالغاً حين قلت في عنوان الكتاب بأن أحمد الجزار - مؤلف الكتاب يعد بالفعل في مرحلتنا الراهنة "أيقونة الروحانيات في زمن الماديات".

فتحية طيبة للدكتور أحمد الجزار التي كان وما يزال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

وسام السبعفي تتبع للمسارات الفكرية والسياسية والسلوكية للجماعة الإسلامية الشيعية السياسية العالمية الأولى، يقدم لنا كتاب "جدليات الدعوة: حزب الدعوة الإسلامية وجدليات الاجتماع الديني والسياسي" للباحث العراقي الدكتور علي المؤمن، قراءة معمقة لمسارات الحزب الفكرية والاجتماعية والسياسية والسلوكية، منذ تأسيسه في العام 1957 وحتى العام 2017، مروراً بسلسة المنعطفات الأساسية في مسيرته كأكبر و أول تنظيم سري إسلامي شيعي في العراق والبلدان ذات الوجود السكاني الشيعي.

وفي (440) صفحة، تتبع المؤلف في كتابه الصادر عن مركز دراسات المشرق العرابي ودار روافد في بيروت في العام 2017، تتبع أبرز الظواهر والجدليات التي عاشها التنظيم في مراحله المختلفة خلال ما يزيد على (60) عاماً من انطلاقته، خصوصًا في عقدي الثمانينات والتسعينيات، وتتواصل متابعات المؤلف لمسيرة التنظيم الممهورة بدم ضحاياه مرورًا بالحدث الفاصل في مرحلة ما بعد سقوط نظام صدام حسين في العام 2003، عندما تحول حزب الدعوة أحد أبرز الأحزاب الحاكمة في العراق، وتوقف المؤلف عند الانعطافة التاريخية للحزب عند مفاجئة قيادته الحزب الفرقاء السياسيين في الاجتماع التاريخي في 13 آب/ أغسطس 2014، والذي انتهى بإعلان تنازل نوري المالكي عن حقه القانوني في الترشح لرئاسة الوزراء لمصلحة محازبة حيدر العبادي، كاشفًا عن بعض ملابساتها، والحراك الداخلي الذي صاحب القرار، والأطراف التي شاركت في صنعه: قيادة حزب الدعوة، والمرجعية العليا في النجف، والقيادة الإيرانية.

تستمد كتابات علي المؤمن في شؤون الحركة الإسلامية في العراق أهميتها من كونها تمثل نموذجًا صالحًا للتعبير عن صوت مثقفي الحزب، ممن يكتبون عن أدق تفاصيل مسيرته، متسلحين بالفهم العميق لفكره وتاريخه وسلوكه وقياديه ومنظّريه. فقد واكب المؤلف تحولاته دارساً ومراقباً وشاهد عيان ومقرباً من شخصياته القيادية ومفكريه وفقهائه لما يقرب من (40) عاماً، ما يجعله الأكثر قدرة على كشف المغالطات التي تقع فيها بعض الكتابات، وتصحيح المعلومات الصحفية والإعلامية المتعجلة التي تتناول تاريخ الحزب وتفتقر للدقة في المعلومة والموضوعية في الطرح، وإن كان المؤلف قد ترك تنظيمات الحزب في العام 2000، لكنه ظل مهتماً بمسارات الحزب بصفته باحثاً متخصصاً، من منطلق إيمانه بأن حزب الدعوة الإسلامية يمثل مادة مهمة جداً للبحث والدراسة.

وسبق للمؤلف أن عالج الموضوع في دراسة تحليلية تاريخية في كتابه (سنوات الجمر: مسيرة الحركة الإسلامية في العراق 1957 - 1986)، وهي دراسة موسعة وشاملة للموضوع غلب عليها طابع التدوين التاريخي.

1810  جدليات الدعوةأما في هذا الكتاب (جدليات الدعوة) فقد اعتمد المؤلف مناهج علم الاجتماع في فروعه الديني والسياسي والثقافي، وجاءت الدراسة وصفية تحليلة للظواهر التي رافقت مسيرة حزب الدعوة الإسلامية، ونجح المؤلف إلى حد بعيد في استعراض معلومات ومعطيات تفصيلية على جانب كبير من الأهمية، ولعلها تعرض أمام القراء لأول مرة، وتوفر أرضية لفهم مسيرة الحزب وتعقيدات ما مرَّ به واكتنفت تجربته الطويلة وما رافقها من ظواهر.

صحوة الشيعة والبدايات الصعبة

تناول الفصل الأول من الكتاب (بدايات حزب الدعوة)، وهو أطول فصول الكتاب وأكثرها تشويقاً. وناقش فيه المؤلف الدوافع الواقعية لانبثاق حراك إسلامي شيعي، عندما كانت الحاجة إلى العمل التغييري المنظم الذي ينشد التغيير في واقع الأمة الثقافي والسياسي في الوسط الشيعي على أشدها، لأن الوسط السني سبقهم إليه، فقد برزت ـ يذكر المؤلف ـ منذ نهاية العشرينات تنظيمات وتجمعات إسلامية سنية كبيرة، كالإخوان المسلمين في مصر، وحزب التحرير في بلاد الشام، والجماعات الإسلامية في الهند وباكستان وتركيا وغيرها. ومن جانب آخر فإن التنظيمات الشيعية الرائدة، كجمعية النهضة الإسلامية وحزب النجف، والجمعية الإسلامية الوطنية وغيرها، كانت تجمعات آنية تشكّلت لأغراض محدودة وانتهت بانتهائها. أما الجمعيات الإسلامية الشيعية التي تأسست في الخمسينات، كحركة الشباب المسلم ومنظمة المسلميين العقائديين وغيرها، فكانت هي الأخرى محدودة وذات إمكانات متواضعة تنسجم مع أهدافها، ولم تسمح لها ظروفها باستعياب الساحة.

في هذه الأجواء، انبثقت فكرة تأسيس حزب الدعوة الإسلامية، الذي شكلت ولادته انعطافة غير مسبوقة في الوسط الشيعي على مستوى الممارسة التنظيمية والرؤية التأصيلية لعملية التأسيس العصري للدولة الإسلامية وفق منظور مدرسة أهل البيت.

ورغم أن مداولات تأسيس الحزب استمرت بين أصحاب الفكرة وأقرانهم حتى أوساط العام 1957، وعقد خلال هذه الفترة أكثر من اجتماع تأسيسي تحضيري في النجف الأشرف معظمها في بيت السيد محمد باقر الصدر.

وتوقف المؤلف عند سنة التأسيس وحسم الجدل بشأنها، وقال إن حزب الدعوة تأسس في النجف في آب/ أغسطس عام 1957، وأن اجتماع النجف الأشرف في بيت السيد محمد باقر الصدر هو الاجتماع التأسيسي، وقد حضره ثمانية، وأن اجتماع أداء القسم في كربلاء في بيت المرجع الديني الأعلى السيد محسن الحكيم هو أول اجتماع رسمي للحزب، وحضره سبعة، بينهم ستة ممن حضروا اجتماع التأسيس في النجف. وبذلك يؤسس الدكتور المؤمن معياراً مقبولاً في منهج الكتابة التاريخية، وهو أن من حضر أحد اجتماعي التأسيس في النجف وأداء القسم في كربلاء فهو ضمن المؤسسين. وبذلك يكون عددهم عشرة، و هم: السيد محمد باقر الصدر، السيد محمد مهدي الحكيم، عبد الصاحب دخيل، السيد طالب الرفاعي، السيد مرتضى العسكري، السيد محمد باقر الحكيم، محمد صادق القاموسي، المحامي السيد حسن شبر، الدكتور جابر العطا، المهندس محمد صالح الأديب.

وتحدّث عن الرعيل الأول للحزب الذي شارك في إكمال عملية التأسيس، ثم الجيل الأول من الدعاة، متناولاً الدور المحوري الأبرز للسيد محمد باقر الصدر في تأسيس الحزب وقيادته وتجليات هذه القيادة المهيمنة على مستوى التأسيس والتنظير الفكري والزعامة الروحية. كما توقف عند موانع الاجتماع الديني والسياسي أمام انتشار الدعوة، وأبرز القادة الذين أفرزتهم المراحل التاريخية المتعاقبة التي خاضها الحزب في ظل الظروف الصعبة غير المواتية التي مثلها: استبداد السلطة ومخاطره الأمنية، وتعقيدات الوضع الديني في النجف، والتحدي الأيدلوجي للتنظيمات العلمانية القومية (حزب البعث) واليساري الإلحادي (الحزب الشيوعي)، وانعكاسات كل ذلك على مسار تجربته.

نظرية الحزب: الاستجابة للصيحات العالمية

يبتعد المؤلف في الفصل الثاني من الكتاب عن حقل التاريخ ويلج الميدان الفكري، ويدرس نظرية حزب الدعوة الإسلامية والمثالية التي كانت تطغى على فكره السياسي، مستعرضاً تحولات فكره النظري. ومن المواضيع التي يناقشها في هذا الفصل: نظام الحكم في نظرية الدعوة، وإعيادة بناء هيكل الدعوة، وتجديد تعريف الداعية، ومفكروا الدعوة ومجدّدوها.

يقف المؤلف ملياً عند المثالية التي تطفح على أفكار الحزب، بالنظر إلى طبيعة نظرية الدعوة وعقائديتها وغاياتها وأهدافها وأفقها العالمي ((وهي نظرية مثالية في الكثير من ركائزها)) كما يقول.

ويعزو المؤلف هذا الجنوح المثالي إلى عاملين: طبيعة أعمار وحجم خبرات الشباب المؤسس والرائد والمنظّر، الذين كان أغلبهم شباباً في العشرين، ويعيشون حماسًا دينيًا متقدًا واندفاعاً حركياً كبيرًا. أما العامل الثاني فيتمثل في تأثر هؤلاء الشباب بضجيج الأيديولوجيات للأحزاب التغييرية الشمولية العابرة للحدود، والتي كانت سمة ذلك الوقت، كالشيوعية والناصرية والبعثية والإخوانية والتحريرية، وجميعها كانت مشبعة بروح تغييرية تستهدف إعادة صياغة العالم.

على أن معظم التحولات داخل حزب الدعوة منذ العام 1971 لم تكن حصيلة قرار حزبي، بل هي انفعالات وانجرارات قسرية ضاغطة كان للظروف المحيطة بالدعوة الأثر الأبرز في حدوثها بطرق غير مسبوقة ربما في أي من حزب أيدلوجي كبير في العالم.

"الدعوة" والأفق العالمي

"جدلية الوطنية والعالمية في نظرية الدعوة"، هو عنوان الفصل الثالث، وفيه يناقش المؤمن ركيزة عالمية الدعوة، ويعرض لثلاث نماذج من التنظيم العالمي للدعوة في كل من لبنان والبحرين وإيران، والمراحل التي مرّ بها منذ التأسيس وحتى خفوت نجمه وانحساره.

ففي لبنان، وقبل مبادرة السيد موسى الصدر إلى تأسيس حركة المحرومين في العام 1974 وجناحها المقاوم (أمل) في العام 1975، ثم المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، كان حزب الدعوة هو العنوان الإسلامي الشيعي السياسي الوحيد. وقد دخل الحزب لبنان في وقت مبكر، ربما لايتجاوز السنة الأولى من تأسيسه في العام 1958. وكان السيد موسى الصدر لا يرى في حزب الدعوة منافساً لحركته ومقاومته ومجلسه، بل مكملاً فكرياً وداعماً عقائدياً لها. كما أن الكثير من الكوادر العقائدية في حركة أمل كانوا أعضاء في حزب الدعوة، فضلاً عن قيادات المجلس الشيعي الأعلى، وفي مقدمهم نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين.

ويؤكد المؤلف إن تنظيم حزب الدعوة في لبنان كان ثاني أهم تنظيم دعوي بعد العراق، فقد كان الدعاة اللبنانيون، بحكم تميزهم العددي والنوعي، هم الأكثر تأثيراً في عمل الحزب بعد الدعاة العراقيين. بل تجاوز تأثيرهم الدعاة العراقيين في الفترة من العام 1971 إلى العام 1979، حين أصبح القيادي اللبناني محمد هادي السبيتي هو الرجل الأول في قيادة الحزب، حتى أن المؤلف يرى أن الدعاة اللبنانيين قد هيمنوا على قرارالحزب في هذه المرحلة.

وحين قررت إيران بعد انتصار ثورتها الإسلامية احتضان الإسلاميين اللبنانيين الذين كانوا يتوافدون عليها منذ العام 1979 بهدف المبايعة والتنسيق وطلب الدعم، كان الكثير منهم من الدعاة، وهو ما انتهى في العام 1982 إلى تأسيس حزب إسلامي جماهيري مقاوم يؤمن بولاية الفقيه، حمل اسم "حزب الله" وكان حزب الدعوة اللبناني عموده الفقري، إذ تشكلت الهيئة التأسيسية لحزب الله من تسع شخصيات، هم بالأساس قيادة حزب الدعوة اللبناني وعدد من كوادره، أبرزهم أمناء الحزب: الشيخ صبحي الطفيلي، والسيد عباس الموسوي، والسيد حسن نصر الله وآخرون.

ثم يستعرض تجربتي الحزب في البحرين وإيران التي توسع فيها تنظيم الدعوة مع موجات التهجير من العراق إلى إيران بدءاً من العام 1970، إلا أن القيادة العامة للحزب في إيران سرعان ما أصدرت في العام 1982 أمرًا بحل التنظيمات الإيرانية للحزب لإيصال رسالة إيجابية للجمهورية الإسلامية.

تبدأ نقطة إنحسار حزب الدعوة العالمي في العام 1982 مع تأسيس حزب الله وحل حزب الدعوة اللبناني، وكذا حل حزب الدعوة الإيراني في العام 1982، ثم حل حزب الدعوة الكويتي وتأسيس حزب الله في الكويت في العام 1983، و حل حزب الدعوة البحريني في العام 1984. كما تم حل تنظيمات الحزب في السعودية وعُمان والإمارات في أواسط الثمانينات، وفي باكستان أواخر الثمانينات، وفي أفغانستان في العام 1988. ثم توالى إنهيار باقي تنظيمات الدعوة في الأقاليم والمناطق، وتمخضت كل هذه التحولات عن إلغاء القيادة العامة (قيادة التنظيم العالمي)، وإفراز قيادة عراقية فقط، ولم يبق من تنظيمات حزب الدعوة سوى التنظيمات العراقية وبعض الدعاة غير العراقيين المقيمين في أوروبا وأمريكا.

"الدعوة" وإشكالية العلاقة بالمرجعية الدينية

يطرح المؤلف في الفصل الرابع من الكتاب موضوعاً حساساً تحت عنوان "علاقة الدعوة بالمرجعية الدينية وولاية الفقيه"، باحثاً موقف حزب الدعوة من المرجعية الدينية وولاية الفقيه، ومعطيات الوسط العراقي الديني المناوئ لحزب الدعوة، وموقف المناصرين للمرجعية من الحزب، وموقف أنصار ولاية الفقيه منه، وانعكاس هذه المواقف على تحريك دوافع الانشقاق عند بعض "الدعاة"، ثم يبحث قرائن التصاق حزب الدعوة بالمرجعية ويعرض شواهد لها، مفندًا مقولة التباعد والمباينة المزعومة بين الدعوة والمرجعية الدينية.

الانشقاقات: اختلاف القراءات وصراع الارادات

تطرق الفصل الخامس لموضوع "جدلية الانشقاق في الدعوة"، حيث درس المؤلف فرضيات وأسباب الانشقاق، وعرض لأجنحة الدعوة الإسلامية، وأبرز المحطات التاريخية للتصدّعات والانشقاقات التي ألمت بالحزب.

ويوضح المؤلف أن الانشقاق والتمرد والخروج والتساقط ظاهرة إنسانية طبيعية. وتكثر الإنشقاقات في الجماعات الأيدلوجية (إسلامية، عنصرية، ماركسية...)، وتزداد كلما ارتفع منسوب الأيدلوجيا؛ لأن الأيدلوجيا تنطلق من مفهوم احتكار الحق والحقيقة، بينما تقل الإنشقاقات في الجماعات الليبرالية والمصلحية؛ لأنها تتعامل مع مفهوم الحق باعتباره نسبي ومتعدد، وتتحمل الخلافات الداخلية ووجود الأجنحة والتكتل داخلها.

وبخصوص حالة حزب الدعوة، يوضح المؤلف أنه نشأ في بيئة النجف الخاضعة للمرجعيات والبيوتات العلمية، وهي بيئة ضاغطة على أعضائه وطاحنة لانتمائهم الفرعية، من هنا (كان الإنتماء لحزب الدعوة يشكل انتماءً فرعياً لعلماء الدين وليس انتماءً أصلياً، على عكس انتماء غير المعممين أو المعممين من خارج الاجتماع الديني النجفي). (ص 251). ويناقش المؤلف ثمانية عوامل تسببت في الانشقاقات التي مني بها الحزب في مراحله التاريخية المختلفة.

شهد الحزب ثلاثة أنواع من الانشقاقات الفردية والجماعية: تمثل الأول منها في الخروج على القيادة والتنظيم. والثاني الخروج على النظرية والفكر. والثالث والأخير أخذ شكل الخروج على التنظيم والفكر والمنهج معاً.

يتوزع الدعاة العراقيون حالياً على خمسة تنظيمات تمثل أجنحة مدرسة حزب الدعوة الإسلامية:

الأول: حزب الدعوة الإسلامية، وأمينه العام نوري المالكي، رئيس وزراء العراق الأسبق ورئيس ائتلاف دولة القانون أيضاً، وهو الحزب الأكبر حجماً والأهم نوعاً، وفيه يجتمع معظم قيادات الحزب التاريخية والكوادر الأساسيين.

الثاني: حزب الدعوة الإسلامية ـ تنظيم العراق، وأمينه العام السيد هاشم الموسوي، وهو ثاني أكبر تنظيم كمّاً ونوعاً. وهو جزء من ائتلاف دولة القانون، وكان أمينه العام الراحل السيد هاشم الحمود الموسوي من الرعيل الأول للحزب، إذ انتمى إليه في العام 1959، وكان مسؤولاً عن نشرة الحزب الداخلية (صوت الدعوة).

الثالث: حزب الدعوة الإسلامية ـ تنظيم الداخل، وأمينة العام عبد الكريم العنزي، وهو انشقاق عن تنظيم العراق، وهو جزء من ائتلاف دولة القانون.

الرابع: تيار الإصلاح الوطني، ويرأسه الدكتور إبراهيم الجعفري الأشيقر، رئيس الوزراء الأسبق. وأحد أبرز قادة الحزب في الفترة من العام 2001 وحتى عام 2006.

الخامس: حركة الدعوة الإسلامية، التي كان يتزعمها عز الدين سليم، رئيس مجلس الحكم الانتقالي الذي اغتيل في العام 2014. وهي أقل تنظيمات الدعوة فاعلية على المستوى السياسي والحكومي بعد رحيل أمينه العام.

ويقدّم المؤلف عرضاً توصيفاً لظاهرة الخروج والانشقاق في حزب الدعوة، ويؤكد أن "معظم أسبابها وعللها لاتزال قائمة". ويذكر أن أول خروج من الحزب كان في العام 1959 هو خروج محمد صادق القاموسي أحد المؤسسين، ولم يكن بسبب خلاف فكري أو سياسي، بل بسبب تفضيل القاموسي التفرغ للعمل في إطار جمعية منتدى النشر في النجف.

أما أول خروج شبه جماعي في العام 1961؛ هو خروج: السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم، بعد انكشاف ارتباطهم التنظيمي بالدعوة من حسين الصافي، أحد مسؤولي حزب البعث في النجف، والذي فاتح السيد محسن الحكيم والسيد الخوئي بخطورة الحزب على الحوزة والنجف والتشيع. (ص 263). و يكشف المؤلف النقاب عن تسعة عشر انشقاقاً أو تجميد للعضوية حدثت خلال مسيرة الحزب.

"الدعوة" اليوم: الإرث الصعب والواقع الهجين

ويتسم الفصل السادس والأخير براهنية خاصة، إذ يطرح فيه المؤلف جملة من المواضيع المتعلقة بحاضر العراق السياسي وموقع الدعوة في جدلية الحل، مشددًا على أهمية القراءة العلمية لأزمات العراق، فهي وحدها الكيفلة بوضع المعالجات الواقعية للعراق الجديد. ومن أبرز المواضيع التي يناقشها الفصل موضوع التعايش الوطني. ويتوقف مطولاً عند مقولة فشل الإسلام السياسي وحلم البديل العلماني، واضعاً إطاراً تاريخياً للمشكلة الطائفية في العراق، ومحاولة فهم ركائزها الغائرة في بنية المؤسسة الحكومية.

يقول المؤمن: (إن أزمات العراق لصيقة بتكوينه الخاطئ بعد معاهدة سايكس ـ بيكو، التي أورثت العراق كل موبقات السلطنة العثمانية الطائفية، ثم بقيام ما عرف بالدولة العراقية في العام 1921، وما ترشح عنها من مركب سلطة طائفية عنصرية، تحمل الإرث العثماني والأموي في مضمونها، ولون الاحتلال والاستعمار البريطاني في شكلها، ويحكمها ملوك مستوردون من الخارج، وبإفرازات ما عرف بأفكار الثورة العربية... وقد تبلورت الأزمات بأفقع ألوانها بتأسيس نظام البعث العراقي بعد انقلاب العام 1968، واستدعائه لكل مفاسد الموروث الطائفي العنصري، بدءاً بالموروث الأموي، وانتهاءً بفكر وزير المعارف في العهد الملكي ساطع الحصري، وعنصرية حكم عبد السلام عارف وطائفيته، وأيديولوجيا مؤسس حزب البعث ميشيل عفلق. ونتج عن كل ذلك ثقافة مجتمعية مأزومة، وثقافة سلطوية قمعية، ونظم سياسية وقانونية مولّدة للأزمات، ومراكِمة لها، ومفكِكة لبنية المجتمع، ومدمِرة لوحدة الدولة، ومثيرة للحروب والصراعات الداخلية بين مكونات الشعب العراقي). (ص 292). وهو الإرث المأزوم والمفخخ بالأزمات، والذي أعاد إنتاجها وتوليدها نظام البعث، واستثمر إمكاناته التدميرية الكامنة في فرض جبروته واستبداده على كافة شرائح المجتمع العراقي، وسحق مناوئيه.

وقفة نقدية للكتاب

وإذا كان ثمة ملاحظة نقدية على الكتاب، فيمكن القول إن أبرزها يكمن في غياب المعلومات المتعلقة بأجواء الصراع الفكري والاجتماعي المحتدم الذي اضطر حزب الدعوة في فترة تأسيسه الأولى لمعايشته في مواجهة خصومه من التنظيمات اليسارية في مختلف مدن العراق، والتي اتخذ منها حزب الدعوة ساحة عمل لنشاط خلاياه كالنجف وكربلاء وبغداد والبصرة.

اكتسب النجف الأشرف في هذا الإطار خصوصية، لأنه تحول بحكم رمزيته الدينية إلى ميدان تنافس بين مختلف التنظيمات السياسية للكسب الحزبي، حتى بات معقلاً مهماً لنشاط الحزب الشيوعي الذي تمكن من اختراق بيوتات العلماء وأبرز الأسر النجفية، وتسلّلت عناصره إلى مواكب العزاء الحسينية، وبات لها نفوذ بالغ فيها، وما نجم عن هذا الصراع مع القوى الدينية من تأثيرات على كلا الخصمين.

ومن المعروف أن عناصر من الحزب الشيوعي العراقي، خصوصاً في فترة التحالف المعلن مع حزب البعث الحاكم الذي وجد الحزبان العلمانيان في تنامي الظاهرة الدينية خطر يتهددها، ومن هنا كان للشيوعيين أدوار دنيئة في الإيقاع بالكوادر الإسلامية النشطة، وشاعت في تلك الفترة الوشايات والأحقاد، مما تسبب في تكبد الدعوة خسائر فادحة حدّت من فاعليته وأعاقتها نتيجة لأجواء الرعب التي فرضها النظام، ولتغييب كوادره في غياهب السجون، والقليل منهم نجى من المصير الذي انتهى إليه أغلبهم بالإعدام.

وفي مطلع السبعينات، عندما فرض حزب البعث الحاكم جبروته على العراقيين، كانت أجهزته الأمنية تتفوق في نشاطها الاستخباراتي على أجهزة الحكومة في تعقب كوادر حزب الدعوة ورصد حركتهم اليومية، وكل هذه الارهاصات مهدت للقرار 449 للعام 1980 الموقع من صدام حسين، والقاضي بإعدام كل من ينتمي إلى حزب الدعوة ويروج لأفكاره ويعمل على تحقيق أهدافه.

لم يضعنا المؤلف في خضم هذه المرحلة؛ ربما لأنه أشبعها بحثاً في مؤلفاته ودراساته الأخرى، وأهمها "سنوات الجمر". فضلاً عن أن كثيراً من الكتابات التاريخية العامة، والمذكرات الشخصية، والدراسات التاريخية المتخصصة أولت هذا الجانب بعض الاهتمام ونجحت في بيان جزء من تفاصيلها المروعة.

إلى ذلك، يلاحظ أن المؤلف نجح بالفعل في إثارة شهية القاريء وتحفيز فضوله لمعرفة المزيد عن (التنظيم العالمي للدعوة)، وتنظيمات الأقاليم في كل من لبنان وإيران والكويت والبحرين والسعودية، وهو ما يشعر معه القارئ أن المؤلف لديه إلمام شبه كامل بتفاصيله استنادًا على إرشيف وثائقي ضخم. ومع ذلك نجد المؤلف يقدّم معلومات تجنح للعموميات في أحيان كثيرة، خصوصاً عند حديثه عن التجارب التنظيمية في دول الخليج. لكن هذه الملحوظة تتضاءل أهميتها عندما نعرف أن المؤلف يشتغل على إعداد كتاب جديد بعنوان "الحركية الشيعية العاليمة: إرث حزب الدعوة الإسلامية في لبنان والكويت والبحرين"، قال إنه يتضمن تفاصيل عن انتشار تنظيمات حزب الدعوة في خارج العراق، وأسرار انهيارها وهي في ذروة قوتها.

إن إسهامات الدكتور علي المؤمن في توثيق مسارات جماعات الإسلام السياسي الشيعي، وأهمها الحركة الإسلامية في العراق، تستحق أن يقف أمامها الباحثون والمهتمون بتاريخ وفكر الحركات الإسلامية في المنطقة، لأنها تقدم قراءة معمّقه وفاحصة وبقدر كبير من الموضوعية للحركية الإسلامية الشيعية، ليس في العراق وحسب، بل في امتداد جغرافي واسع من منطقة من الشرق الأوسط تمثل بؤرة الاهتمام في السياسية العالمية اليوم.

 

بقلم: د. وسام السبع

باحث وإكاديمي بحراني

 

 

الياسمين زهرة الحبّ العربية على شرفات الأحلام ، تطلُّ من ديوان الشاعر العرفي ليُورق الحرف عطراً وحباً وحنيناً في قصائده من خلال ديوانه: ( ويُورق الحرفُ ياسميناً )

لقد اختار شاعرنا المبدع الياسمين عنواناً لديوانه رمز الصفاء والنقاء، نعم إنَّ زهرة الياسمين الناصعة البياض رمز للحبّ، فقد ذكرها الشاعر: نزار قباني بمشاعر العاشق في قصيدته التي حملت اسم هذه الزهرة، حيث قال: "وشكراً  لطوق الياسمين يأتي به رجل إليك"، كما جعل الياسمين بداية الكتابة بوسمه أحد دواوينه بـ: "أبجدية الياسمين"  .

1794 وليد العرفي

 ويعدُّ طوق الياسمين الذي انتقل إلى العديد من بلدان العالم رمز الاحتفالات، ولا يُمكن أن يتمَّ الزواج في بعض البلاد  دون عقد من الياسمين؛ فالياسمين شعار ورمز وطني، وقد اشتُهرت  الشام بنسيمها العطر بالياسمين،  ولشدة تعلّق أهالي الشام بها حرصوا على زراعتها بكثافة؛ فاستوطن الياسمين حارات الشام القديمة، كما استوطنت مفردات الياسمين مفردات شاعرنا؛ فلا تكاد تخلو قصيدة من قصائده من لفظة الياسمين . هل هي العذوبة في شعره، أم إنه الصدق الذي سكن في خلايا روح الشاعر في حبه لوطنه، ومدينته حمص؟ ليكون الياسمين رمز الإخلاص والصفاء بلونه الأبيض الذي يتسلَّح فيه بالأمل فيقول:

وما سوى ياسمينِ الشَّامِ عطَّرنا         وقدْ حملْناهُ ضمنَ الرُّوحِ أطواقا

وفي موضع آخر قال:

سُلَّمي للرُّوحِ أنثى ياسمينٍ

وبياضُ النَّفسِ تُجلى بصفاءِ

 محبة هذه الزهرة تتسم بالقلق الشديد تخاف المجهول وتترقبه، لا تحب الحلول الوسطى، وتفضل القرارات الحاسمة، لا تتراجع في رأيها، ويُعاب عليها التسرع والتهور ومع هذا فهي شديدة التأني في الأمور المصيرية؛ فيقول في قصيدته: "  العبور لبوابة المنفى الأخير":

 يا الَّتي أسميْتُها يوماً تُويجَ الياسمينِ

 وكنْتُ أوهمْتُ الرَّمادَ بأنَّني نحلٌ لروضةِ ثغرِها

كانَ الوصولُ إليكِ درباً أهلكَتْ أحجارَهُ تعبُ السّنينْ 

والياسمين زهور بيضاء لها رائحة جميلة، وهذا شاعرنا د. وليد العرفي يُبدع أسمى آيات الإبداع في قصيدته الموسومة بـ: " نبض شاعر" التي يٌسيطر فيها عبق الياسمين على قصيدته كما يُسيطر الحب لوطنه الذي يأبى أن يغادره فيقول:

فما أنتِ في حالي انتظارٌ لرحلةٍ           ولسْتُ بأرضِ الياسمين بعابرِ

حللتِ ببعضي حالةُ مُزجَتْ بنا             فما انكشفَ المخفيّ إلا بسافرِ

 فمنظومة الورد والياسمين  هي عائلة الشاعر الروحية وربما ملاذه فالياسمين رمز الصفاء والنقاء ينهي به قصيدته؛ ليبدأ قصيدة يُشوّقنا فيها أكثر من سابقتها؛ ففي قصيدته: " ياسمين الشام" يقول

الياسمينُ على الشرفاتِ موضعهُ          أكرمْ بها منزلاً بالحسنِ ترفعهُ 

وفي هذه القصيدة الرائعة يعطي الياسمين حقه بالوصف الجميل ، بل نكاد نشمُّ رائحة الياسمين ونلمسه من خلال أبياته الرائعة فيقول:

لقدْ تمدَّدَ مثلَ الثَّلجِ داليةُ                     إنَّ البياضَ ليُبدي منهُ أروعهُ

ما لأمسَتْ كفُّ إنسانٍ لزهرتِهِ                  إلَّا تعطَّرَ بالأوراقِ إصبعهُ 

استدعى الشاعر زهرة الياسمين؛ لتكون رمزاً كليا للمرأة الفاتنة يقول:

 أنوثةُ الكونِ صبَّتْ فيكِ فتنتَها           يا فتنةَ الرُّوحِ أنتِ العيشُ أمتعهُ

 فالياسمين رمز سورية الحبيبة التي تجلت في أشعار د . وليد والحزن الدفين  فكدنا نغرق بالدموع التي لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات كل دموع الأرض لا تستطيع أن ترد مهاجراً وآخر فقد الحياة، وهو ما زال على قيد الحياة فالنفس التي لا تتألم لا تستحق أن تسمو بسماء الإنسانية، ومن صورها الألم والبكاء فمن لا يبكي لا يمكن أن يكون إنسانا والدموع في غالب الأحيان دليل محبة، ولكنها ليست العلاج والحب الذي تغسله العيون بدموعها يظل طاهراً وجميلاً وخالداً .

 نعم إنه حب حمص في أعماق الشاعر؛ فيقول بعدما دمرت يد الإرهاب مدينته التي يغسلها بدمعه ويرثيها بقلمه:

وأنا المحبُّ العاشقُ المغرورُ

أهربُ منْ إجابات وأسئلةٌ على الأهداب 

دمعاً يظلُّ ولسْتُ أعرفُ ما أقولُ

فأوراقي بلا حبرٍ

ورفعْتُ كفّي للإلهِ وغير دمعي ما حكيتْ

وخرجْتُ أمشي في طريقي ما دريتْ

أنّي أسيرُ بغيرِ روحي إذْ مشيتْ

 ليبوح الصمت بأروع الكلمات وتلتئم معها كلمات تتكسر على حروفها آهات من الشوق والحنين الشوق إحساس كبير في داخل كل قلب؛ فأصعب المشاعر هي التي تكون عندما نشتاق لأشخاص أو أماكن لها مكانة في نفوسنا؛ فالشاعر في ديوانه فما أجمل المرء يكون بارّاً بأطهر الناس وأقدسهم الأم التي يقول فيها الشاعر:

 أجيءُ إليكِ طفلاً هدَّهُ  السَّفرُ

وآوي نخلةَ التحنانِ في عينيكِ يا أمَّاً

أهزُّ بنبضِها تسَّاقطُ السَّنواتُ والعمرُ

 حيث إنه من الصعب نسيان من سكنوا بداخلنا وحبهم لنا يمنعنا من نسيانهم لكنَّ مكانتهم تبقى في القلب، وداخل الروح حين يكون المرء صادقاً مع أمه بارّاً بها سوف يكون من أنبل البشر في وفائه لوطنه وحسبنا ذلك في قوله:

وحسبي أنّي في غرامِكِ شاعرٌ                 لأملأ بالأشعارِ فيكِ الشَّآما

ديوان الشاعر يقع في مئة وعشر صفحات احتلتها خمس وثلاثون قصيدة تنوعت موضوعاتها بين الوطن والحب والحنين وزهر الياسمين  بدلالاتها لقد استمتعنا بشعر د. وليد الذي حلا من التكلف؛ فجاء سلساً عذبا، وقد تنوَّعت أنماطه بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة، كما يلحظ القارىء سعة ثقافة الشاعر التي تبدت في إفادته من التناص الديني كما في قوله:

لأنَّكِ سورةُ الرَّحمنِ في القرآنِ

ترتيلُ الصَّلاةِ بمريمي العذراءِ

توما الشَّكّ في توراةِ موسى

والعصا السَّحريَّة الكفّين

 رُديني إلى سُوريَّتي الأرقى

نُعيدُ حضارةَ الدُّنيا  

 ويبقى أجمل الشعر ما يتحدث عن الوطن  وليس ثمة شيء  أجمل من الضمير الصادق النبيل الذي نبحث عنه جميعاً وهو ما جاء في قول شاعرنا العرفي:

 أتيتُكِ باحثاً عنّي  وعنْ سُوريَّتي الأبقى 

وعنْ أرضٍ بها الإنسانُ صارَ بحاجةٍ ليرى

 ضميرَ اللهِ في إنسانِنا الأنقى  

وأخيراً نُشير إلى أنَّ د. وليد العرفي  شاعر وناقد و أكاديمي ومن كتبه في مجال النقد كتاب  "أطياف موشور الرؤيا "، وكتاب: " مرآة الشعر ستائر المعنى "، ومجموعة شعريّة  جديدة  بعنوان:  " رأيت خلفي جثتي " قيد الإصدار عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق .

 

سعدية عدنان الفجر  ـــ  جامعة حلب

 

ناجي ظاهريلتزم الكاتب الامريكي الفريد كازان، في تأليفه كتابه عن" تطور الفكر الادبي الامريكي في القرن العشرين"، منهجًا خاصًا يسير على هديه طوال صفحات كتابه، هو تفسير الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي مرّت بها بلاده امريكا، ويركز على مدى اثر هذه الظروف على الادب والمجتمع الامريكيين، خلال مراحله المختلفة المتباينة، بيد أن هذا لا يعني- كما يتضح من قراءتنا للكتاب، وكما يقول مترجمُه إلى العربية وملخّصُه الكاتب العربي المصري ماهر نسيم أيضًا- ان المؤلف اخذ نفسه بهذا المنهج اخذًا مشدّدًا متزمتًا جعله لا يفطن إلى الخيط الرفيع الذي يفصل الشعب ككل والكاتب كفرد مستقل او بين المعتقدات والقيم والتقاليد العامة وبين المعتقدات والقيم والتقاليد التي يضعها الفرد لنفسه احيانا.

يقول مؤلف الكتاب في تقديمه له، ان جذور الادب الامريكي ترسّخت بين عامي 1880 و1890، منوهًا إلى ان الادب الامريكي ابتدأ في السنوات العصيبة العظيمة التي سبقت انتهاء القرن العشرين، ذلك القرن الذي شهد بزوغ امريكا الحديثة وعاصر كفاحها، ويقسّم المؤلف كتابَه إلى ثلاثة اجزاء، الاول من 1890 حتى انتهاء الحرب العالمية الاولى، الثاني وعنوانه "التحرير الاعظم"، من عام 1918 حتى 1929، فيما يخصّص الجزء الثالث لعام 1930.

في الجزء الاول من كتابه يسلط الاضواء على الكاتب الرائد في الادب الامريكي وليم دين هازلي، ويستعرض في هذا الجزء نتاجات وافكار العديد من الاسماء التي برزت إبّانها، ويوحي في هذا الجزء ان الادب الامريكي تأثر ايما تأثر بالأدب الاوروبي، ومعروف ان جُلّ الادباء الامريكيين الاوائل ومن تلاهم ايضا كانوا يقيمون فترة قصيرة او طويلة من حيواتهم في احدى الدول الاوروبية، لا سيما في فرنسا التي اقام فيها الكاتب الامريكي البارز ارنست همنجواي، ردحا من عمره، وكتب عن فترة وجوده فيها في كتابه السيري " عيد متنقل"، وقد برز تأثير الادباء الامريكيين واضحًا جليا فيما انتجه ونشره هؤلاء الكتاب في مختلف فترات تاريخهم ابتداء من هازلي انتهاء بوليم فوكنر وارنست همنجواي صاحب رواية "الشيخ والبحر"، ترجمها إلى العربية منير بعلبكي، مرورا بهرمان ملفل صاحب الرواية الرائدة في الادب الامريكي والادب في العالم عامة ونقصد بها " موبي دك"، ترجمها الى العربية احسان عباس. في هذا الجزء يتعرّف القارئ على العديد من الاسماء ذات التأثير الكبير في حياة الادب الامريكي منها الكاتبة البارزة اديث هوارتن التي كانت ترى ان" الحياة اكثر الاشياء مدعاة للحزن بعد الموت". المؤلف يؤكد في هذا الجزء من كتابه الدور النقدي الخطير الذي لعبه الرئيس الامريكي ثيودور روزفلت، في تطور الادب الامريكي نحو الكمال، ويقول إنه مما يؤثر عن روزفلت قوله:" لسنا نعمل من اجل الرجل الغني بوصفه غنيا.. ولسنا نعمل من اجل الفقير بوصفه فقيرًا، وانما نريد الرجل المستقيم سواء كان غنيًا او فقيرًا". وقد كان الرئيس روزفلت يتوق بإخلاص إلى ان يدواي جروح المجتمع الامريكي، لهذا شن حملة على الظلم وطالب الناس باحترام الحق والسعي وراءه وبهذا شجع الحركة الاصلاحية. هكذا وجد الادباء الذين هاجموا الفساد نصيرًا لهم، وقد شجّع الرئيس روزفلت هؤلاء على كتابة قصص تهاجم الفساد وتفضح مساوئه. ويتوقف المؤلف هنا عند عدد من الاسماء مثل فرانك نورس الذي قال قبل موته عام 1902، بقليل:" استطيع أن اقول إنني لم اخضع مطلقًا لاحد، ولم اطلب الاحسان من رجال الطبقة الارستقراطية، لقد قلت لهم الحقيقة، وسواء احبوها او لم يحبوها .. حسبي انني قلتها لهم". وقد ظهر في هذه الفترة الكاتب الاشتراكي جاك لندن، وتعتبر قصة "نداء البرية" لهذا الكاتب، كما يقول المؤلف، اروع قصصه، كونه اودعها جل تجاربه المريرة التعسة وكل انتقامه من المجتمع الذي اذلّ كبرياءه، وكل تحامله على الصراع من اجل البقاء، حتى ان الكلب "ديك" يقتفي اثر الطغمة المنافسة ويزيحها من طريقه واحدًا تلو الآخر كي يتغذّى وحده في البرية. ويتطرق المؤلف في هذا الفصل الى عدد من الكتاب النازعين الى نقد الفساد وتوجيه سهامهم اليه في مقدمتهم الكاتب ابتن سنكلر صاحب رواية" الصرّاف"، التي وصف فيها الازمة الاقتصادية الطاحنة التي انتشرت عام 1907. في فصل آخر من هذا الجزء- الاول من كتابه يتطرّق الفريد كازان، إلى العديد من الاسماء الهامة، في فترة يضع لها عنوان" عصر الابتهاج"، لعلّ ابرزها برتن رسكو وفان ويك، والكاتب روكس الذي كان يؤمن ان الكاتب المثالي هو ذلك الذي لا يهرب من التمدن المعاصر ولا يسلّم به على علّاته أيضًا، وقد كان هذا الكاتب ينشد اول ما ينشد التحرّر من النزعة المادية التي خُيّل إليه انها سيطرت على حياة بلاده- امريكا، وقد آمن بروكس ان مستقبل الادب الامريكي يتوقّف على مستقبل الحياة الاجتماعية، لا سيما عندما قال:" ان مستقبل ادبنا وفننا يتوقّف على مدى نجاحنا في بناء حياة اجتماعية جديدة"، مضيفًا" ان الحياة ستصبح بغير شك مؤامرة ضد الروح وحريتها، اذ لم نجددها لنجعل منها مغامرة خالية من الغرض". لقد علم بروكس الادباء الذين جاؤوا بعده كيف يؤمنون بالثقافة ايمانًا لا يتزعزع، وكيف يصنعون دنياهم ولا يكون لطموحهم سمة وغاية.

1793 تطور الفكر الادبي الامريكيفي الفصل الاول من الجزء الثاني تحت عنوان" عهد ما بعد الحرب" يسلط المؤلف الضوء على عدد من الكتّاب منهم هنري جيمس، صاحب الرواية الشهيرة "صورة سيدة"، الذي كان عام 1919 واحدا من الكتاب المحدثين، كما يتوقف عند هرمان ملفل الذي بلغ انذاك المائة من عمره، اضافة إلى هنري ادمز واميلي ديكنسون، ويتوقّف مطولًا عند الكاتب منكن، الذي اتصفت كتاباته بنزعة ساخرة لاذعة، ويقول إن صناعة منكن الادبية كانت بسيطة كل البساطة.. فهو يبحث دائمًا عن غرض جديد لثقافة الطبقة الوسطى يشبعه تأنيبًا او عادة جديدة من عادات المواطن الامريكي يحمل عليها حملة شعواء او شذوذًا واضحًا يسخر منه ويهزأ به. وقد قال عنه لويس كرونجر إن قوته تكمن في سر هجومه ككاتب اجتماعي. في فصلٍ تالٍ تحت عنوان" الواقعية الجديدة"، يتحدّث المؤلف عن علمين بارزين في الادب الامريكي إبّان تلك الفترة هما شيرود اندرسن وسنكلر لويس، وقد كانت الحرية الشخصية والحنين إلى الحرية والاستمتاع بالحرية هي الموضوعات المفضلة لدى شيرود اندرسون، في حين كان سنكلر لويس مولعًا كل الولع بالسخرية والتهكم، وقد اعمل سنكلر لويس مبضعه في كل قطاعات المجتمع الامريكي حتى أتى على كل ركن من اركانه.. كما اتضح في روايته الرائدة" الشارع الرئيسي"، ترجمتها إلى العربية امينة السعيد. في فصل تحت عنوان " الاجيال الضائعة"، يتطرّق المؤلف إلى ثلاثة من كبار الادباء الامريكيين هم: جون دوس باسوس، ارنست همنجواي وسكوت فيتزجرالد، يقول المؤلف عن هذا الجيل ان ابناءه وجدوا انفسهم بعد الحرب في عصر لا عنف فيه ولا رعب ولا موت. ويتطرّق إلى رواية سكوت عن " جاتسبي العظيم" فيرى انها رفعت بطلها جاتسبي إلى درجة الالوهية واماتته مع موت دنياه. أما سكوت فقد كانت الحرب بالنسبة إليه، لعبة يعبث بها الساسة كما يعبث الاطفال بمكعباتهم الخشبية، اما همنجواي فقد تحكّمت به جبرية قوية، جعلت الحياة في نظره كفاحًا مستمرًا، وقد كان المنهج المفضّل لديه هو المقابلة بين الحرب والحياة والحط من شأن واحدة بالنسبة للأخرى. ويؤكد المؤلّف ان كتابات جون دوس باسوس لا سيما قصة " شقة في مانهاتن"، هي اول ما كتب من قصص عظيمة عن واقع الحياة الامريكية في ذلك العصر.. ففيها كل مميزات القصة الناجحة.. وفي الجُملة كانت هذه القصة خاتمة طيبة ناجحة لعصر الجيل الضائع وهي لا تخلّد ذكرى عصر اجتماعي انتهى فحسب وانما تخلّد عصرًا جاء بعده.

في الجزء الثالث والاخير من هذا الكتاب، يتحدث المؤلف عن " ادب الازمة"، ويقول في التفصيل ان ازمة 1930 كانت اخطر الازمات التي شهدتها الحياة الأمريكية حتى ذلك الوقت، لأنها كانت اكثر من مجرد توقف اقتصادي اثرّ تأثيرًا كبيرًا في اخلاق وتقاليد وعادات الشعب الامريكي الذي هزّته الصدمة هزًا شديدًا. ويتوقّف عند واحدٍ من اهم الكتاب الامريكيين إبّان تلك الفترة جون شتاينبك، يقول إنه حتى بعد ان كتب اكثر من عشرة كتب كان لا يزال يظهر بمظهر التلميذ الذي لم تحنكه التجربة بعد، وعلى الرغم من هذا كله، فقد تمكن من أن يجعل من نفسه كاتبًا مرموقًا بفضّل البساطة غير العادية التي اتصف بها اسلوبه، وبفضل الرقة والسهولة والليونة التي عرض بها مشاكل عصره وبفضل اهتمامه بحياة الانسان والحيوان ايضًا. ويسلط المؤلف الضوء على رواية شتاينبك " افول القمر"، تلك الرواية العظيمة التي لم يتوسل فيها صاحبها بعاطفة الكراهية وهو يكتب عن النازيين.. لسبب بسيط هو انه لم يلجأ إلى عاطفة الكراهية في كتاباته قط. في فصل حول " النقد بين اليسار المتطّرف واليمين المتطرف"، يقول المؤلف ان اليسار المتطّرف تعصب لآرائه الايديولوجية، واعتبر كل كتابة لا تندرج تحت الفكر الشيوعي كتابة لا قيمة لها، في حين وقف المتطرفون اليمينيون متشددين في فهمهم للأدب تشددًا لا يقلّ كيفية عن تشدد المتطرفين اليساريين، ما حوّل النزاع بين طرفيه إلى نزاع عقائدي، ويشير المؤلف إلى بروز اسماء عدد من النقاد في تك الفترة منها: جون كراو رانسوم، وهكسلي وكلفرتون وادموند ولسون ونرد سميث واليوت وتيت وبلاكمور ونترز وولسن. في فصلٍ تحت عنوان" عصر البلاغة والالم"، يتحدّث المؤلف عن الفترة التي تلت ازمة 1930، منوهًا إلى أن ما سيطر على ادباء تلك الفترة، بصورة عامة، هو الفزع الفردي الناتج عن شدة الحساسية، ويعتبر المؤلف وليم فوكنر، صاحب رواية "الصخب والعنف"، ترجمها الى العربية جبرا ابراهيم جبرا، نموذجًا لكتاب تلك الفترة لا سيما في روايته الاولى" نصيب الجندي" التي نشرت عام 1926، منوهًا إلى أن هذه الرواية جاءت حافلة بالبلاغة والالم ممثلًا في العبارات الفخمة والكلمات الرنانة والمعاناة ممثلة في المرارة التي كانت تفضح نفسه في كل كلمة وكل سطر. لقد اشترك فوكنر في الحرب وذاق مرارتها لهذا عرف فظاعتها وعرف معناها الحقيقي، لهذا اودع روايته هذه كل ما اعتمل في نفسه من الم مكظوم ورثاء لكل اولئك الذين فرضت عليهم الحياة ظروفًا مؤلمة، كان لا مفر امامهم سوى الرضوخ اليها. يتحدّث المؤلف في هذا الفصل من كتابه عن كاتب امريكي هو توماس وولف، يقول عنه انه كان ثائرًا ساخرًا حتى النهاية، كما كنت له بساطته حب استطلاعه وبساطة تفاخره.. إضافة إلى سلامة الطوية. لم يعش هذا الكاتب - توماس وولف- سوى ثمانية وثلاثين عاما، ومما يؤثر عنه قوله:" إنني اشعر اننا ضائعون هنا في امريكا، لكنني ادرك ان ساعة الخلاص قريبة.. إنني اعتقد ان فهمنا الحقيقي لأنفسنا وارضنا العظيمة الخالدة سيتحقق فيما بعد".

 

ناجي ظاهر

 

 

 

 امان السيد عنوان يستوقف. آلامنا كثيرة، وأفكارنا أكثر إقلاقا من آلامنا، ويمكن وصفها بأنها مرجل النار.

 الأرق الأول، ولعله الأخير، هو في السيطرة على الأمراض لنحيا. في أدنى مستوى حياة بلا أرق، ولعلنا حين نحياها بذلك الشكل نتلمس الطريق إلى الخلود.

 الخلود؟! قد يستثير السؤال سخرية ما، ومن منا يستطيعه إلا في الأحلام، أو في الأساطير. جلجامش مثلا، وشعب آسيوي حين اكتشف أنّ امتصاص أذناب الأفاعي فيه حفاظ على الشباب، فراح أفراده  يرتشفون سمّها، وهم يرتجون الرّونق من السم، أو يستسلمون إلى المعتقد.

 قد يكون تخيّلٌ ما طاب لي تخيّله ككاتب يعلق الحياة، ويسعى لاكتشاف طرق ما، مع الآخرين للفوز بشباب دائم، وإن كنت أجزم أنه قد سبقت لي رؤية هذا المشهد في خبر إعلامي منذ سنين طويلة، لأتوصل بعد كل هذا إلى لبّ البئر، أو عمقها، جوهر الحياة. الروح!

  إنها الروح سرّ الوله الأبدي، وسرّ الرحيل في الأجساد، تسبح، وتسري منها كما يسري العسل في الرحيق ارتشافا، وكما يسري السم في النقيع نارا. الروح، مجمع الأفكار، وكهنوت التيجان، تقلّب العقول فينا على جمر هادئ يزداد فيها الأوار جمالا حين نرفدها بالحب عطاء، ويلتهب فيها الجحيم سطوة حين نشعلها بالبغض داء.

  إنها الروح، اللغز الذي ما يزال يستعصي علينا، يترك الأجساد جثثا هامدة حين يفارقها، فلا تلك النظرة الساحرة في العين بثّا، ولا تلك الإيماءة الرشيقة من جسد يفتن العيون تمايلا، ولا حضور من ذاك الحكيم على مسارح الحياة تأججا خلّبيا.

  روح تفارق، من أين طريقها تلك؟ لعلها العين آخر الممر عبورا إلى العالم المخلّد، لتدع بعدها القالب الجسدي بشحمه ولحمه، وأوردته، وبنيانه الضخم ركاما من عفن تُعول فيه الديدان قضما.

 "التفكير.. والعلاج به"، كتاب عديد صفحاته يقلّ عن المئة، في سلسلة للكاتب الطبيب الجرّاح الإسباني " إنجل إسكديرو"، غير أنه في المضمون يفتح على الكثير مما لا يُتوقّع تصديقه. إنه الاعتماد على القوة الخلاقة في الإنسان. الإنسان، الكائن البشري الذي استخلف من الله في الأرض، لا يمكن أن يكون تركيبة عادية، لا بد أنه سِفرٌ طويل، الولوج فيه لن ينتهي إلا بانتهاء الكون، وانعدام الحياة على الأرض. أبواب الاكتشاف فيه مفتوحة لمن يحسن الولوج، ولمن يتقن الولوج، ويؤمن بالمطلق أن ذلك الجسد بناء قوامه الروح، والسيطرة على المواجع فيها ممكن إن تعلّمنا التنقيب في استسلام إلى التفكير الإيجابي، ومحونا السلبية التي تنكأ أرواحنا.

  الجرّاح العالمي" أسكديرو " طبيب مبدع خلاق طوّع تخصّصه الجراحي لتعريف الناس بأثر التفكير عليهم، وأهمية العيش في ذهنية إيجابية دائمة مهما تأزمت الأحوال المحيطة بهم، إنه الحب، مجموعة من الذبذبات الإيجابية تمدّ النفس، والجسد بأفضل المشاعر الإيجابية مما يضمن شفاء صاحبه من الأمراض. " بعض ما جاء في مقدمة لمترجم الكتاب د. "حمود العبري".

 يأتي الطبيب صاحب الكتاب بمثال حي على الماء، كوب من الماء يرصد فيه حالة بلوراته بعد تجميدها في درجة الخمسين تحت الصفر، جزيئات الماء تلك تمّ التّحدث إليها بكلمات وأساليب مختلفة " أحبك" فوق الكوب الأول "، و" سوف أقتلك" فوق الكوب الثاني، والنتيجة التي ظهرت بلورات جميلة في كوب الماء الأول، وبلورات بشعة في كوب الماء الثاني، الماء الذي هو مستقبل، وناقل للمعلومات يؤكّد تأثّره بما يسمع، وتأتي ردة فعله بناء على ذلك.

 جلّ شأنه تعالى الذي يقول" .... وجعلنا من الماء كل شيء حيّ أفلا يعقلون". " سورة الأنبياء الآية 30".

 جسد الإنسان الذي أغلبه ماء، فكيف إذا ستكون الحال، وأنت تداعب سمعه بما يرقّ من اللفظ، وتمكّنه من السيطرة على آلامه، وهو يخضع لعملية جراحية مستغنيا في ذلك عن التّخدير بأنواعه. إنه تخدير الجسد بإرادتك، أن تكون طبيب نفسك، تستكين لمبضع الجراح، وتساعده في إيصالك إلى الشفاء، وأنت تبتسم.

 كم من انسجام، وطمأنينة، وسعادة ترعى في عشب ذاك الماء!

  يقول د. أسكديرو:" لو سألني شخص، أين تقع القدرة الداخلية على التّحكم، أقول، ليس من شكّ إنها تكمن في الروح، والتي هي همسة من الخالق، وإذا كان كل ما يتبقى بعد انفصال الروح عن الجسد هو جثة، فمن الواضح أنّ الطاقة الحيوية للحياة تقع داخل الروح، لذا يمكننا استخدام تلك الطاقة للأفضل، أو للأسوأ من خلال أفكارنا. إن التفكير هو الأداة التي وهبنا إياها الخالق لجذب الخير، أو لجذب الشر إلى حياتنا، باستخدام الطاقة الروحية، والتي تنبع منها الطاقة الخلاقة للتفكير." ، " وبما أن الماء ناقل حيّ للمعلومات والأفكار، والعواطف والصوت، و.. إلخ، فذلك يعني أنه كلما كانت المياه أكثر علما، وتنظيما في أجسادنا، كلما كانت حياتنا الصحية أفضل"، " أسباب الأمراض كلها بما فيها الخطيرة، والمعدية، كالسرطان، وغيره تنبع من قضايا إنسانية لم يتم  حلها، أو قبولها! ".  مقتطفات من كتابه "العلاج بالتفكير/ عمليات جراحية بلا تخدير". 

 إنه صراع داخلي في البشري، لم تتمّ حلحلته، أو إيجاد مخرج له، أو تدريبه على التناغم كي تستعيد روح صاحبه الأمان...

 يؤكد الكاتب الجرّاح في رسالة إلى القارئ أنّ ما يتابعه ليس سحرا، وأنّ اللمسة السحرية الوحيدة هي في إيقاظ الحب، والثقة في من يحتاجون إليهما.

 وهنا يتحدث عن الخوف بطريقة تذهل، وهي تردّ القارئ إلى مراحل تكوين الجنين الأولى. الخوف الذي يرافقه، أو يسوّق له تلقينا، أنّ الجنين حين يخرج من رحم الأم إلى رحم الحياة يفقد السكينة التي كانت له في ذلك الرحم، وتبدأ بذا رحلة إشقاء محكوم عليها مسبقا حين يعاشر الحياة.

 جاء على لسان المولف الطبيب الجرّاح في مؤلّفه:

" مستقبل الإنسان محكوم بالخوف، ذلك الخوف الذي بُذر في لا وعيه في أهم لحظات الحياة، لحظة ميلاده، تلك التجربة التي قد تكون مخيفة للغاية للمولود، خوف يظل محكوما به طوال الحياة، فكلّ تغيير له في داخله يوحي له بالألم الذي عانى منه لحظة الولادة، وبما أن الحياة سلسلة لا تنتهي من التغييرات، فإن الإنسان يبقى محكوما بالهلع، إلى أن يتم تعليمه الخوف من الله سبحانه ذاته، في حين أنّ الله ليس سوى الحب ذاته!".

  ثم إنه يعرض لمراحل مختلفة من حياته، ودراسته مواكبا مع قارئه تجربته العلمية، والعملية، ساردا، وواصفا، ومثبتا أسماء مرضى خضعوا لأكثر من عملية جراحية خطيرة أجراها لهم بلا لجوء إلى التّخدير. مرضاه يكونون متنبهين تماما لما يجري معهم فوق طاولة العمليات، ويشعرون بالسكينة، والسعادة، يستمعون إلى الموسيقى، يتحدثون عن أشياء يريدون التحدث عنها، ينظر بعضهم في المرآة، ليشاهد تحكّمه المطلق بنفسه، ويتابع مظاهر الصحة التي تبدو على وجهه، وهو يجري عملية من المستحيل كان إجراؤها دون الخضوع إلى جرعات كبيرة من التخدير، ثم يغادرون غرفة العمليات سيرا على أقدامهم عائدين إلى ممارسة حياتهم الطبيعية، بفارق وحيد، وجديد، هو أنّ قدرتهم على التّحكم في حياتهم  قد تغيرت عن طريق التفكير، وهو الأمر الذي سيلازمهم إلى الأبد.

  سطح مرآة مصقول!.. كم كان فعلك عظيما، وأنت تؤكد للمريض ثقة افتقدها، فقبع منصاعا بإرادته بعد تدريب من الطبيب يعلمه فيه التّحكم بألمه، وخوفه، تدريب لا يعدو أن يكون لحيظات، أو دقائق، إنها كلمات الحب، والتهدئة التي نحتاجها في تغوّل الأدغال فينا!.

 أبتسم، وأنا أتابع الكتابة متسائلة: لعلها المرآة نفسها التي اعتدت أن ترافقني، وأنا أكتب، تتكئ بودّ على مكتبي، أنزل صفحتها، وأعليها بما يتوافق وحركتي التي لا تثبت على حال واحدة حين أصابعي تدوس عتبات لاب توبي، أسترق فيها نظرة من الشخص الآخر الذي ينبثق من أعماقي حاثّا، ومربّتا على قلبي.

 فهل تراني من الذين استشفّوا كنه الروح، وجداول الماء في جسدي قبل أن أطّلع على منهج هذا الطبيب المبدع في التفكير، فداويت نفسي في تسلّقها، طارقة في الحب مسالك أبتغي بها تسكين ما يؤزم من مواجع، ونيوب الحادثات؟!

 أعتقد ذلك، فلكلّ منا سُبله حين يستخدم عقلا يستظل حكمة يسبرها في أغوار نفسه، وأثق تماما أني لو قدّر لي خوض تجربة جراحية مع ذلك الطبيب العبقري، لضمتنا تلك المظلة بوافر الحب.

 أنت روحُك حيثما حللت. اقبض عليها متى تمرّدت بسلاسل من عاج، ولا تسمح لها أن تبدي إلا وجه الله فيك.

 

أمان السيد

9-9-2020

 

علاء الخطيبصدر عن دار اوال في بيروت كتاب سعادة السفير بنسخته العربية المترجمة عن الفارسية،الذي يستعرض التجربة الشخصية لوزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف وهي سيرة ذاتية بنكهة الاحداث التي عصفت بمنطقتنا .

يقع الكتاب بـ 487 صفحة.

اهدانيه الصديق عضو البرلمان البحريني السابق المهندس علي الاسود .

يطلعك السفير ظريف على أسرار عالم الدبلوماسية وخفاياها وما يدور في اروقتها وكيف يتعامل الدبلوماسيون فيما بينهم، ويعرف الدبلوماسية بتعريف بسيط وعميق في آن ٍ واحد فيقول : هي فن الحصول على أكثر المصالح بأقل التكاليف (ص 450)، و بحكم امتلاكه لخبرة طويلة في المفاوضات يأخذك معه، باستقراءاته إلى عالم السياسة. ينسج لك حكايات مفاوضات الحرب كما يكشف لك عن شخصيات كبيرة اعترضت طريقه وعارضت وجوده في الخارجية، واتهم بأنه امريكي واحالو ملفه للمخابرات الايرانية كي يمنعوه من استلام اي منصب يذكر ذلك في (ص 141) , لكنه لم ينسى علي اكبر ولايتي الذي اتاح له فرصة خدمة بلاده كما يقول .

لم يفشي ظريف سراً في هذا الكتاب، كما يعتقد البعض بل فكر بصوتٍ عالٍ مع القراء وقدم لنا تجربة تستحق الوقوف عندها .

 الكتاب يكشف عن صراحة متناهية وموضوعية في سرد الاحداث، كما ينقل اراء واقعية عن العلاقة مع امريكا ويثني على صدام حسين و يتحدث عن واقع الدبلوماسية العراقية أثناء المفاوضات، ومعاملة المندوب الدائم للعراق عصمت كتاني مع الوفد الايراني ابان تلك الفترة . كما يعرج ظريف على قلة خبرة الدبلوماسيين الايرانيين في التعامل مع القانون الدولي والاعراف الدبلوماسية، ولعل القارئ سيُصدم بما يقوله ظريف عن ابيه بأنه كان معارضاً للثورة، وعن معاناته في وزارة الخارجية من التيار المحافظ، وكيف كان يصفونه بالسيد واشنطن، كما سيرى القارئ اراء جون بولتون وكيسنجر والصحافة الامريكية بظريف .

 وعن حقبة الرئيس الايراني السابق أحمدي نجاد يكشف لنا ظريف نقده اللاذع له ويقول: ان تأثير الخطاب المتشدد لنجاد ساهم في خلق بيئة معادية لايران (ص342) وكذلك عمل نجاد على تحطيم الهيكل البنيوي لوزارة الخارجية الايرانية (ص 161)

وسببت تصريحات المتشددة اتجاه الهلوكوست و إزالة اسرائيل من الوجود في اصدار قرارات من مجلس ضد ايران مما اضر بالدولة (ص344) و يستمر في امتعاضه من سياسة الرئيس نجاد ويقول كنت سفيراً مفروضاً عليه من قبل المرشد الاعلى (ص347)

1784  كتاب ظريف

وعن التواجد الايراني في العراق : يصرح بان تواجدنا في العراق يضعفنا ونحن نعاني من اخطاء تنفيذية (ص449)

 ويصف الصراع الايراني الامريكي بانه استنزاف يصب في صالح الدول الاخرى أي المناوئة لايران، ويقول: ان الذين يصفقون لنا لاننا نقف بوجه امريكا هم يحبوننا ولكن هذا الحب سلبي (ص 454) أي انه يضر بنارهم الناحية الاستراتيجية ..

وربما من الملفت ان الكتاب يبدأ بجملة (الى عدوي المحترم محمد جواد ظريف)، التي كتبها ثعلب السياسة ووزير خارجية امريكا هنري كيسنجر، وهو يهدي كتابه (الدبلوماسية) لـه.

وتكشف كلمات الاهداء العقلية الغربية في الخصومة، وعن الفروسية في التعامل مع الاعداء الاذكياء.

 محمد جواد ظريف ابن وحفيد أشهر كبار التجار الايرانيين في بازار العاصمة طهران.  كان ابوه معارضاً للثورة الاسلامية حتى وفاته عام 1984، وهنا يشير ظريف من طرف خفي ان والده كان يؤيد او على اقل تقدير غير معارض للشاه، فقد ذكر في  (ص 29) يقول: كان والدي معارضاً للثوريين وللجمهورية الاسلامية قبل الثورة وبقي معارضاً لها حتى وفاته.

 كان ظريف شاباً يافعاً ابن السابعة عشر ربيعاً حينما ارسله ابوه الى الولايات ليُبْعِدَه عن الحراك الثوري آنذاك، وليكمل دراسته، فقُبلَ في ثانوية سان فرانسيسكو ثم تقدم لجامعة كولومبيا. لكنه لم يحصل على مقعد دراسي فتحول الى جامعة دنفر Denver ليدرس علوم الكومبيوتر .

انخرط الشاب في العمل السياسي وبدأ الاتصال بشباب الجمعية الاسلامية في امريكا وعكف على قراءة الكتب الثورية، لكن لقاءاً حدث بينه وبين مندوب إيران في الامم المتحدة حسين شيخ الاسلام بعد الثورة غير مجرى حياته، قال له جملة بقيت راسخة في مخيلته : (يستطيع الجميع التخصص في علوم الكومبيوتر، لكنهم لا يستطيعون ان يصبحوا سياسيين جيدين للجمهورية الاسلامية (ص41) . انتقل الى جامعة سان فرانسيسكو لدراسة العلاقة الدولية حاصلاً على شهادة الماجستير، ثم انتقل الى جامعة كولومبيا Columbia في نيويورك لدراسة الدكتوراه.

 عمل ظريف كموظف محلي في سفارة بلاده، ولم يكن دبلوماسياً رسميا، فقد تسبب ذلك في مشاكل براتبه التقاعدي، فلم تحسب سنين خدمته قبل ذلك (ص93) و في العام 1988 أي بعد نهاية الحرب العراقية الايرانية عين في وزارة الخارجية كدبلوماسي رسمي (ص56)

حضر وساهم مساهمة فعالة في المفاوضات لاصدار القرار 598 القاضي بايقاف الحرب العراقية الايرانية

 يتحدث ظريف عن تلك الفترة فيقول : اصبحت قائماً باعمال البعثة الايرانية وانا موظف محلي اتقاضى راتباً متواضعاً جداً، وكانت هذه من عجائب الدبلوماسية، والسبب كما يقول : افتقار ايران الى الكادر السياسي المتخصص  (ص 80)، فقد كان الدبلوماسيون القدماء من ايام الشاه لازالوا يشغلون مناصبهم، وان كانوا لا يحظون بثقة النظام الجديد، ولكننا كانا مجبورين على ابقائهم وكانت وزارة الخارجية عاجزة وخالية تماماً من الكوادر  (ص 96- 97) .

 يلاحظ القارئ البراغماتية العالية في السياسةً الايرانية برغم ثوريتها، إلا أنها لم تعزل او تعادي موظفي العهد السابق بل بالعكس استفادة من خبرتهم في خدمة بلدهم، وهذا درس مهم في بناء الدولة وتحولها من تجربة سياسية الى تجربة سياسية اخرى.

عمل ظريف في اروقة الامم المتحدة وسط مقاطعة اكثر الدول لهم ويقول: كنا ندخل الى قاعة الامم المتحدة فكانت غالبية الوفود تتحاشى اللقاء بنا او الحديث الينا وكنا شبه منبوذين .

ويضيف : لم تتصرف ايران بواقعية مع مجلس الامن، وكانت علاقتنا مع الدول الاعضاء سيئة للغاية (ص89)

 حينما قرر ولايتي إرسالي الى نيويورك كمشرف على البعثة الايرانية اتهمني محتشمي وزير الداخلية الايراني انذاك بأنني امريكي ولا يمكنني الذهاب وتمثيل ايران (ص116)

كانت علاقتنا بالوفد العراقي سيئة، فكانت لغة الشتائم هي السائدة بين مندوبي البلدين رجائي ورياض القيسي وكانت تطلق في الاجتماعات الرسمية وباللغة الانگليزية .

لكن علاقتي كانت جيدة مع مندوب العراق السيد عصمت كتاني والتقيته ببرنامج تلفزيوني. فسلم عليَّ ورددت عليه السلام وبقينا اصدقاء حتى وفاته (ص119) رغم العداء بين بلدينا .

عصمت كتاني دبلوماسي عراقي كردي شغل منصب رئيس الجمعية العامة للامم المتحدة بين عامي 1981- 1982 , ولد في العمادية (العراق) وتوفي عام 2001.

يتحدث ظريف في (ص 121-122) عن ابتعاد الدبلوماسيين الايرانيين بعد الثورة عن الاتكيت وفنون العمل الدبلوماسي وعدم معرفة الكثير منهم باللغة الانكليزية، بالاضافة ان ملابسهم كانت غير مناسبة، وكان البعض منهم يأتي بمعطف عسكري او بثياب متسخة وبشكل غير متناسق ويتركون ياقة القميص مفتوحة، ويقول ان ثمة ياقة بطول ثلاث سنتيمترات يطلق عليها ياقة الملالي اصبحت موضة في وزارة الخارجية، ولم تكن هذه الصور مألوفة في نيويورك .

وعن لغة الخطاب السياسي مع الغرب وطريقة اقناع الغربيين بوجهة نظرك عليك ان تكون واقعياً عقلانياً تبتعد عن لغة التأزيم .

يشير بكل شفافية ووضوح ويقول : اذا كنت تريد من الغربيين ان يستمعوا اليك ويقبلوا بنظرتك يجب ان. يكون كلامك محسوباً ودقيقاً.

 لذا هو ينتقد سلوك بعض الدبلوماسيين الذين يعتمدون على فرض وجهة نظرهم بالشعارات الثورية فيقول في الـ (ص123) كنا نخفي جهلنا وعدم معرفتنا بالنقاش وعدم اتقان اللغة الانكليزية باسم الاستكبار العالمي وهو تصريح خطير من ظريف، يوضح فيه مفهوم الثقافة الشعاراتية التي تخدع الشعوب .

ومما يثير الاعجاب في شخصية هذا الدبلوماسي هو واقعيته ونبله وهو يحمل شرف الخصومة مع اعدائه .

يقول السيد ظريف عن الرئيس صدام في (ص130) (ان صدام شخص ذكي) وهذا اعتراف وتقييم من دبلوماسي ايراني مهم لعدو، ويضيف لقد أنشأنا علاقات مع برزان الاخ غير الشقيق لصدام ادت الى تبادل الرسائل بين رفسنجاني وصدام، ولكن صدام ظل يعتقد الى يوم اعدامه ان ايران خطراً وعدواً اساسياً للعراق (ص130)

ورغم العلاقة المتوترة بينه وبين جون بولتون ممثل امريكا الدائم في الامم المتحدة انذاك فقد قال عنه بولتون: ليت لدينا ديبلوماسياً كالسيد ظريف يمكن توضيح سياستنا بهذا الشكل الجيد) (ص354)

اما بشأن العلاقة مع الولايات المتحدة فينظر ظريف ببرغماتية عالية لها وتراه يبتعد عن المواقف العقائدية المتشنجة فيقول : ان العلاقة مع امريكا او بلد هي أداة يجب الاستفادة منها في تحقيق المصالح الوطنية، والعلاقة مع امريكا ليست واجبة وبنفس الوقت ليست حرام !!! (ص198) ويضيف ان الامريكان ليسوا اصدقاء لنا ويجب ان لا نضع بين ايديهم الادوات والاسلحة التي سيحاربوننا بها، لكن لا يمكن تجنب نوعما من الحوار والعلاقة معهم (ص449).

ويختم سيد الدبلوماسية الايرانية الكتاب بفصل مهم يتحدث فيه عن العلاقات الدولية والدبلوماسية متعددة الاطراف .

 

 «سعادة السفير (محمد جواد ظريف)».

حوار: محمد مهدي راجي

ترجمة: محمد العطار

اصدار مركز أوال للدراسات والتوثيق، بيروت 2017

علاء الخطيب

 

ناجي ظاهرقضت الكاتبة الفرنسية ذائعة السمعة والصيت، جورج صاند- اسمها الحقيقي اورو دوبان-، (1804- 1876)، سحابة عمرها متنقلة من مغامرة غرامية إلى مغامرة إبداعية دلّت، فيما دلّت عليه، على نبوغ لازمَها في معظم ما انتجته وخلّفته وراءها من انتاج ادبي ما زال العالم يقرؤه ويستمتع به حتى هذه الايام، رغم مضيّ ردحٍ غير قليل من الزمن على انتشاره. علمًا ان هذه الكاتبة الفذة تركت وراءها اكثر من ستين رواية تعتبر من عيون الادب الفرنسي، وأكثر من عشرين مسرحية شهد لها معظم رجالات عصرها وأدبائه، اضافةً إلى عدد لا بأس به من المؤلفات النثرية اللافتة.

حظيت هذه الكاتبة بالاهتمام والعناية الشديدة من معاصريها وبينهم خالد الذكر الكاتب الفرنسي فيكتور هيجو الذي يعتبر من اعمدة الادب الفرنسي الراسخة، كما حظيت باهتمام آخر لا يقل أهمية من معاصرينا، لعلّ ابرزهم الكاتب الفرنسي الحقيقي، والحقيق بالاحترام والتقدير، اندري موروا، فقد قضى هذا الكاتب عددًا من الاعوام في تأليف كتاب عنها حمّله اسم احدى رواياتها، "ليليا أو جورج صاند"، وصدر عام 1951، اما في ادبنا العربي فقد حظيت جورج صاند باهتمام مماثل لذاك الذي حظيت به في بلادها، وقد وضعت عنها الاديبة السورية البارزة سلمى الحفّار الكزبري، كتابا حمل عنوان" جورج صاند- حب ونبوغ"، وقد اتيحت لي مؤخرًا قراءة هذا الكتاب الممتع واقترح بدوري على محبي الكتاب والقراءة في لغتي العربية قراءته، لما ضمّه من تصوير دقيق لإنسانة مغرمة ومتميزة.. وعصر مار بالأحداث العظام.

تفتتح المؤلفة كتابها بالحديث عن طفولة جورج صاند المعذّبة، كون جدتها لم تقبل امها زوجةً لابنها لأنها من عامة الشعب، وتُسهب في الحديث عن معاناتها في سنوات الطفولة واليفاعة، بعدها تتطرق إلى حياتها الزوجية التي قامت على عدم التكافؤ، ففي حين هي تتعشّق الموسيقى يدير زوجها- كوزيمير- ظهره لها ولا يود الاستماع إليها، وفي حين هي تهتم لكل صغيرة وكبيرة تقع في بلادها ومنطقتها، فإن زوجها لا يرى إلى ابعد من انفه ولا تهمه سوى اموره الصغيرة.. وفي ظل حياة مثل هذه تجد جورج صاند نفسها تبتعد عن زوجها وتتأبي عليه في فراش الزوجية لتتخذ لها عشيقا ستستمد من اسمه فيما بعد اسمها الذي ستشتهر به، جورج صاند، أما عن اختيارها لهذا الاسم تقول المؤلفة- سلمى الحفار الكزبري- انها ابتدعته واختارته لسببين وجيهين احدهما استياء ذويها منها لاحترافها الادب، والآخر انها وجدت في انتحالها اسم رجل انتصارًا اكيدًا في عالم الفكر والادب الذي يستهين بنبوغ النساء- كما تقول.

تتوقف مؤلفةُ الكتاب، كما شددت في عنوانه، عند نقطتين هما الحب الذي جرت جورج صاند وراءه طوال ايام حياتها، والادب الذي نبغت فيه وقدّمت بالتالي آيات بينات لا تقل قيمتُها عمّا قدّمه عمداء الادب الفرنسي في زمنها العامر بالعطاء. في النقطة الاولى، تؤكد المؤلفة ان جورج صاند لم تُقم علاقتين في آن واحد، وهو ما يدُلُّ على أنها كانت تبحث عن نفسها في إطارٍ مِنَ الحرية رسمته لنفسها، ولم تكن متهتكةً بأيٍّ من الاحوال كما رأى فيها خصومُها، وتتوقّف المؤلفة عند العلاقتين الكبريين في حياة جورج صاند بكل من الشاعر الفريد دي موسيه، الذي احبته بجنون ورافقته إلى البندقية لتقضي إلى جانبه فترةً من أروع فترات حياتها المديدة- عاشت 72 عاما-، والموسيقي الخالد شوبان، وهناك في الكتاب صفحاتٌ مثيرةٌ للأسى تصوّر فيها المؤلفة انتهاء كلٍّ من هاتين العلاقتين بخيبة أمل تتلوها أخرى، وفراق ما بعده لقاء. وفيما يتعلّق بالعلاقة بالفريد دي موسيه، فإنها تضع كتابًا عنه بعد وفاته يثير عليها أهله وعددًا من كُتّاب عصرِها، أما فيما يتعلّق بشوبان الذي رعته برمش العين عند اصابته بالنزلة الصدّرية خلال رحلتها برفقته إلى ميورقة، فإنه ينقلب عليها لينضم إلى مبغضيها من ذويها، خاصة ابنتها صولانج. فيما يتعلّق بالنقطة الثانية- النبوغ- تتحدّث المؤلفة عن علاقة جورج صاند برجالات عصرها وأدبائه، أمثال اونوريه دي بلزاك وجوستاف فلوبير وايفان تورجنيف، وعن استضافتها لهم في قصرها، كما تتحدث عن نجاحاتها المتتالية في مجال التأليف الروائي والمسرحي، وتبرع في الحديث عن الجانب السياسي الابداعي في حياة صاند وفي كتاباتها السياسية التي حظيت باهتمام كبير، لما اتصفت به من شجاعة في القول وجرأة في الفكر.

يقول هذا الكتاب الذي اعتقد ان مؤلفته اعتمدت اعتمادا شبه كليٍّ في تأليفها له، على كتاب اندري موروا، المشار اليه آنفا، ان حياة صاند لم تكن هيّنة ليّنة وانها عانت كثيرًا، وفي هذا المجال تتوقّف مؤلفتُه سلمى الحفّار الكزبري عند صفحات معتمة في حياة جوج صاند، تتصف بالمُعاناة سواء كان فيما يتعلّق بحبها الصادق، او بالخلافات على الاملاك والتوريث.

سؤال الحّ علي طوال قراءتي لهذا الكتاب الذي اصدرته صاحبته عن دار نوفل في بيروت، عام 1979، وأتيحت لي قراءته مؤخرًا، بعد توفر نسخة منه بين يدي،.. دار هذا السؤال حول سبب تأليف صاحبته له، وكنت كلّما اوغلت في قراءته تأكد لديّ إحساسٌ بأنه اراد ان يؤكد على قدرة المرأة في النبوغ والابداع، كما اراد ان يؤكد على الامكانيات التي يمكن أن تتمتّع بها المرأة العربية اسوة بأختها الفرنسية، وقد أكد إحساسي هذا وضع صاحبته بعد سنوات من صدوره كتابًا عن مي زيادة حمل عنوان " مي زيادة- المأساة والنبوغ".

لقد ابدعت سلّمى الحفّار الكزبري في كتابها هذا وفي كتاباتها عامة ايما ابداع، وكتبت بلغة رصينة ثرية وغنية، لهذا اقترح، مرة اخرى، على من يبحث عن كتاب رائع.. ان يقرأ هذا الكتاب، رحم الله مؤلفته، فقد رحلت عن دنيانا عام 2006، بعد حياة عامرة بالعطاء.. الحب والنبوغ.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

علجية عيش(من كتاب أنتروبولوجيا الجزائر وصراع الهوية والوطنية)

لم تكن الجزائر تعاني من أزمة هوية، لولا الإستعمار الذي حاول مسخها وتشويهها، بعدما آمن شعبها بالرسالة المحمدية وأعلن انتماءه للإسلام، وتعلم اللغة العربية التي هي لغة القرآن، ورغم ذلك ظلت إشكالية الهوية والانتماء تطرح نفسها بين القضايا الساخنة التي عانت منها الجزائر في مرحلة من المراحل العصيبة، وتداخلت ضمن القضايا الثقافية والسياسية، وبدأت هذه الإشكالية بطرح السؤال التالي: من نحن؟ هل نحن عرب أم أمازيغ؟، هل نحن أبناء الوطن أم أبناء العشيرة ؟ هل نحن أبناء الطائفة أم أبناء الدين؟

الإجابة على هذه الأسئلة أسست رؤية سوسيولوجية بالغة الأهمية، تمثلت في التعديل الدستوري الذي اعترف بالأمازيغية وأقر بأن تكون لغة وطنية وبشطل رسمي بعد اللغة العربية، وهذا ليس من باب زرع "الجهوية" وإنما من باب الإعتزاز بالإنتماء الذي يشكل جذر من جذور الهوية، لأنه يجيب عن سؤال الهوية في صيغة من نحن؟، فالديمقراطية يمكنها أن تؤسس لدولة عصرية تضمن لجميع أفرادها الحق في الوطن والمواطنة على حد سواء وهذا بدوره يشكل المنطلق المنهجي لتغييب مختلف أشكال الولاءات الطائفية والعشائرية والقبلية الضيقة في المجتمع، رغم أن البعض يرى أن ولاء الأفراد للقبيلة قد يكون أشد من ولائهم للدولة لا سيما عندما تكون الدولة غير قادرة على ضمان حقوق الأفراد وتأمين حمايتهم، لقد أدرك الباحثون ما ينجم عن غياب المواطنة والحياة الديمقراطية داخل المجتمع وأكدوا في أكثر من مناسبة أن الانتماءات الضيقة العشائرية منها والطائفية هي نتاج لغياب الديمقراطية السياسية والاجتماعية وأدركوا أيضا أن التعصب بكل صيغه وتجلياته نتاج واضح لوضعية شمولية ترهب الحياة الديمقراطية وتعلن الحرب الشاملة على مختلف الاتجاهات الديمقراطية القائمة والمحتملة في المجتمع. كما أن التعصب نتاج لفعل استبداد سياسي يتم في غياب الديمقراطية.

فالدفاع عن الهوية تشتعل من أجله بؤر الصراع وفي قلب الدولة، مثلما حدث في الجزائر، فيما سُمِّيَ بالربيع الأمازيغي، هو توتر اجتماعي عرقوثقافي، لكن أعطي له طابعا سياسيا في ظل الحرب القائمة والمستمرة بين العروبة والفرانكفونية francoarabic والعرقية والثقافة مرتبطان ارتباطا وثيقا، وكما يرى باحثون من الصعب الجزم بوجود عرقي خالص لا يرتبط بالثقافة أو متميزا عنها، فالثقافة مُكَوِّنٌ أسَاسِيٌّ ومُهِمٌّ في كل عرق، فهي إلى حدٍّ كبير وعي العرق بخصوصيته، كما أن الإنتماء الثقافي يمكن أن يقود إلى انتماء عرقي، ولهذا ربط بعض الباحثين بين العرق والثقافة في مصطلح واحد هو " العرقو ثقافي"، وقد تساءل أوليفر روي ( باحث في المركز الوطني للبحث العلمي بباريس وهو مؤلف كتاب "إخفاق الإسلام السياسي" هل ينتسب مهاجرو منطقة القبائل الكبرى في الجزائر الذين استقروا في باريس خلال الخمسينات إلى القبائل؟ أم إلى الجزائر؟ أم إلى شمال أفريقيا؟ أم إلى العرب؟ ويقول أن السياق هو الذي يحدد ذلك، فعلى الصعيد السياسي، فإنهم أجمعوا على أن يكونوا جزائريين أثناء حرب الاستقلال بين 1954 و1962، هذا التحول الذي يكلف أحيانا ثمنا باهظا، ويرى أن "الهوية" في مثل هذه الحالات ما هي إلا اختيار، بل اختيار سياسي بمعنى أدق، غير أن سكان القبائل أكدوا دائما على خصوصيتهم القبائلية، تلك الخصوصية التي ناقضت القومية الجزائرية الرسمية التي اتخذت من الهوية العربية الإسلامية أساسا لها.

 فالهجرة تولد فرقا بين الهويات المختلفة على نحو لم يكن موجودا في الوطن الأصلي، فهي تعطي الاختيار بين الهوية الصغرى، أو القبلية، وبين هوية أكبر مبنية إما على المواطنة أو الدين، ثم يتساءل : لماذا يستبدل الجزائري الفرنسية بالعربية، ولماذا يختلف جيل اليوم عن الأمس في طريقة اللباس والمأكل، يضيف أن هذا الاختلاف والتغيير لدليل على ابتعادهم عن الأعراف، ولما جاءت الصحوة الإسلامية ودعوة رجال الدين إلى تجديد العهد مع الله، حدث الإنفجار، لأنه ليس من الصعب إصلاح ما تمرست عليه أجيال طيلة عهود، اكتسبت فيها هوية جديدة، وبالتالي هذه الصحوة جاءت متأخرة، كما أنها لبت نداء للأصالة أو العودة إلى الثقافة الأصلية المفقودة، فالحديث عن الإسلام لجماعة أقلية، حتى لو كانت مسلمة في بلد غير مسلم، يتطلب تعديلات معينة على مدار أربعة عشر قرنا من التاريخ.

 يقول الباحثون أن العرقية أو القبلية تعني الوجود الإدراكي الذاتي لمجموعة من الناس تجمعهم لغة واحدة، وتنظمهم أفكار دينية وقضائية وسياسية مشتركة، والمجموعات المؤلفة على هذا النحو هي التي تشكل المصادر الأولية للوعي والهوية، لأنه لكل جماعة لها ماض حقيقي وليس خيالي، أما التواصل فهو عامل آخر، وهذه الجماعة التي يؤمن أفرادها [أنهم يمكن لهم أن يكونوا أمة طالما تجمعهم منطقة تاريخية ويجمعهم ماض واحد، ولهم أساطير وذكريات مشتركة، وثقافة عامة عريضة واقتصاد واحد ويعيشون فوق تراب واحد وحقوق وواجبات يتساوى فيها الجميع، حتى لو اختلفت ألسنتهم ( العرب والأمازيغ )، ولقد عرّفَ اللسانيون أن مفهوم "الأمة" يرجع إلى ضرب محدد من المجتمعات الثقافية والاجتماعية، هو مجتمع إقليمي ذو تاريخ وثقافة مشتركين.

في تحليله للمجتمع القبائلي في مرتفعات الأطلس في الجزائر بحث بيار بورديو pierre bourdieu في مسائل تتعلق بالهوية وأشار إلى بعض المصطلحات مثل الشرف والإحساس بالشرف في اللغة االقبائلية "حُرْمَة" hurma و"نيف" nif، والشرف يمس وحدة الجماعة، ولذلك يعملون بالمثل الشعبي عندهم (البيت المرأة السلاح) وهي تركيبة مقدسة ليس من منظور فردي أو جنسي وإنما من منظور إعادة إنتاج الجماعة أو المجموعة، وقد أجرى بورديو دراسة على البيت القبائلي بصورة أدق، حيث يجعل القبائليون النيف والإحساس بالشرف مرتبطا بالسلاح، فإذا تعرض الدّاخِلُ للإنجراح بسبب إهانة الحرمة تكون كرامة الجماعة مهددة، والداخل في المجتمع القبائلي يعبر عنه بـ: الأمّة، ويرون أنه عندما تَدَخَّل الخارج ( الاستعمار الفرنسي) في الأمة تعرض شرف الجماعة للتدمير وفقدت وجهتها، ولذا وجب إعادة إنتاج الشرف عن طريق رد فعل مناسب، فإذا لم يحدث يكون ذلك موت الجماعة الاجتماعي، ويتعلق الأمر هنا من منظور علم الاجتماع بـ: " الهُوِيَّة" التي تعتبر قيمة مقدسة لا ينبغي انتهاكها، فمن تعرض للأمة فقد تعرض لدينها.

 إنه السؤال عن "الهوية" الذي يتكرر باستمرار ومع كل مناسبة، وماهي المرجعية الفكرية والثقافية والدينية للجزائريين، وكيف تصدى الشعب الجزائري بقيادة علمائه وقادته وجنوده والمفكرين لمحاولة تجريده من مقوماته الحضارية والثقافية، ورد الاعتبار لثقافته الأصيلة والحفاظ على تراثه الفكري، وإفشال كل محاولات المخادعة والتحايل الفرنسية، لقد جاء الإسلام إلى الجزائر فوجد أمامه المسيحية والوثنية والموسوية وهي ديانات كانت شائعة بين البرابرة من سكان شمال أفريقيا، ورغم الأمم التي مرت عليهم، فالأمازيغ الجزائريون واكبوا الأحقاب كلها ورفضوا أن يذوبوا إلى أن جاء الإسلام، فأقبلوا عليه وتعلموا اللغة العربية، ولم ينظر الأمازيغ إلى العرب على أنهم غزاة مستعمرون، وعن طريق التزاوج العربي الأمازيغي تم القضاء على العرقية، كما كانت لهم مساهمة كبيرة في نشر الثقافة الإسلامية وصرح حضارة الإسلام، لا على أساس أنهم أمازيغ ولكن على أساس أنهم مسلمون، وبهذه المعادلة يمكن أن نضع الهوية الإسلامية في الدرجة الأولى وهويتنا كأمازيغ في الدرجة الثانية، حتى نحقق التعادل والتعايش في الوطن الواحد طالما هناك شيء جوهري متعال على التاريخ وملابساته هو ما يميزهم عن الآخرين.

 فلا خوف إذن على الهوية الأمازيغية سواء اعتنق أهلها الإسلام أو انفتحوا على الثقافات الأخرى، وهذا ما فهمه أجدادنا الأمازيغ فاعتنقوا الإسلام وانطلقوا في الآفاق مجاهدين لنشر الدعوة الجديدة، فهذا طارق ابن زياد ومعه آلاف البربر هبّوا لنجدة الأندلس وأسسوا دولا عظيمة أرست دعائم الإسلام وحكّمت شريعته، كل ذلك لتثبيت الإسلام وإقرار السلام والوحدة بالمنطقة، ولما جاء الاستعمار حاملا معه مشروع التنصير عن طريق تأسيس المدارس وتشكيل بعثات طلابية إلى أوربا ليعودوا بأفكار وإيديولوجيات جديدة تخدم أهداف الاستعمار، ظهر الأمازيغ من جديد وقاموا للجهاد لإنقاذ البلاد من خطر التنصير الذي خططت له المسيحية الغربية، واستعملوا لغتهم الأمازيغية كوسيلة اتصال لنشر الدين وتلقينه للناس.

 

علجية عيش

 

خالد الحاج عبد المحمودمحمود محمد طه والحل الصوفي للشريعة"

لقد وفر لي الاخ د. محمد صادق جعفر، كتاب د. جعفر نجم نصر، المذكور أعلاه.. الأمر الذي اتاح لي الفرصة لعرض الكتاب.. د. جعفر من الاكاديميين والمفكرين العرب الذين اشتركوا في الاحتفال الاخير بذكرى الأستاذ محمود.. وقد تم هذا الاحتفال بفضل الله، ثم بفضل الدكتور حيدر ابراهيم، وبالمشاركة مع جامعة النيلين، وكان عملا رائعاً، قام فيه الاخ عبدالله الفكي البشير كعادته بدور أساسي، وشارك في الاحتفال عدد من الاكاديميين والمفكرين العرب، من الرجال والنساء، من دول مختلفة.. وكان لمشاركتهم الدور الأكبر في إثراء الحوار الذي قام عليه الاحتفال.. وقد استضافت جامعة النيلين الاحتفال، وقد قام الاحتفال بقاعة وزارة التعليم العالي، الواسعة المؤهلة.. كما شاركت مديرة جامعة الخرطوم في الاحتفال.. وقد شاركت الحكومة ممثلة في رئيس الوزراء وبعض اعضائها الآخرين، مشاركة رمزية، في الوقفة التي تمت بمنزل الأستاذ محمود محمد طه.. كما كان لتلفزيون السودان دور هام في المشاركة، خصوصاً في الافتتاح، وفي استضافة بعض المفكرين العرب من المشاركين، في فيلم وثائقي أذاعه على الجمهور.. بالإضافة إلى عدد كبير من المفكرين السودانيين الذين شاركوا في الحديث، وفي الحوار.. الشكر كل الشكر لمن ساهم في هذا الاحتفال ممن ذكرناهم او لم نذكرهم.

أنا هنا بصدد عرض موجز جداً، لكتاب د. جعفر المذكور.. اقصد عرض وليس مناقشة!! فالكتاب، مثله مثل احاديث وكتابات المفكرين الذين اشتركوا في الاحتفال، يتسم بالموضوعية والصدق والامانة الفكرية.. وهذه صفات يقوم عليها العمل الفكري، والبحث الاكاديمي، فهي الوضع الطبيعي ولا تحتاج منا إلى إشادة.. ولكننا نشيد بها، لما عانيناه من ظلم شديد ومفارقة تامة لقيم الحوار الحر، من الجماعات السلفية، والاخوان المسلمين والمؤسسات الدينية، في داخل السودان وخارجه.. فطوال حركة الجمهوريين، كانت فكرتنا تتعرض لتشويه غريب جدا، ولا علاقة له بالفكر ولا بالدين.. كان خصوم الفكرة ينسبون للفكرة مفارقات دينية كبيرة وخطيرة، ليست لها أي علاقة بالفكرة.. ويقومون ببتر النصوص لاستخراج اتهامات باطلة، وينسبون إلى الفكرة أشياء ليست منها، بل في كثير من الأحيان عكس ما تقول به الفكرة!! فمثلا عن موضوع العقاب ليس أصلا في الدين وإنما هو أمر مرحلي جاء قول الأستاذ محمود: "وحين يصبح العقاب سرمديا يصبح انتقام نفس حاقدة لا مكان فيها للحكمة وعن ذلك تعالى الله فيها علواً كبيراً..".. حذفوا عبارة (عن ذلك تعالى الله علواً كبيرا)، ليقولوا رجل يتهم ربه بالحقد! ولما صدر كتاب "الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لانسانية القرن العشرين"، أحدثوا ضجة ضخمة كلها تدور حول أن الأستاذ يقول بأن الاسلام لا يصلح لإنسانية القرن العشرين.. وجاء قولهم : (ما هي إنسانية القرن العشرين وحضارته؟ أهذا التفسخ الذي يجتاح عالم الغرب من خنافس وهيبيز حضارة أو إنسانية؟  ألمثل هذا القرن المنحدر نحو الهاوية لا يصلح الإسلام وهو الذي أصلح الجاهلية الأولي؟ إن الإسلام دين كل زمان ومكان، دين الحياة والحقيقة، منجاة الإنسان من الانحدار، لا يمكن إلا أن يصلح لزماننا هذا مثلما صلح لزمان آخر..).. وجاء قولهم: (إنسانية القرن العشرين المتفسخة، إنسانية القرن العشرين الطائشة، الانسانية الداعرة..).. وكان رد الأستاذ محمود: (نعم إنها إنسانية القرن العشرين المتفسخة الطائشة الداعرة!! الإنسانية دي لا تزال في ما يريده ليها الله لغاية اليوم.. والله ما هجرها.. الله ما تركها، الناس خلق الله، وعباد الله.. والله بحبهم.. لكن الله بسيِّرهم ليه برجلين. بسيرهم ليه برجل المادة، وبسيرهم برجل الروح.. وفي كل المضمار الناس ماشين لي الله.. حتى أفجر الفجور، لما تشوفه، هو بارادة الله، لكن الله ما بيرضى ارادتو دي.. دا برضه من دقائق المعرفة بالدين.. الله يريد حاجة وما يرضاها.. الله يريد الكفر، ولكن لا يرضى إلا الايمان.. ربنا قال: ((إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ، وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ..)) يعني، لما قال ربنا (ان تكفروا فإن الله غني عنكم) الغني الما بيغلب.. ومعنى الكلام دا انو أن كفرتم ما كفرتم مغالبة لله، تعالى الله عن ذلك، وإنما كفرتم بإرادته.. ولكن الارادة دخلت فيها الضدية.. ((الثنائية)) الخير والشر دخلوا بالارادة.. الكفر والايمان دخلوا بالارادة .. ربنا يقول: ((وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ)) ولكن ربنا أرسل الرسل لينقلونا من أرادته الى رضاه.. هنا، لما نكون نحن في حالة من حالات الفجور.. في حالة من حالات التحلل.. في حالة من حالات الجري وراء الدنيا.. في حالة من حالات التقدم المادي، زي ما نحن في حضارتنا الحاضرة، نحن سايرين لي الله في مضمار إرادته.. سايرين في هذه الحالات لي الله بالضلام – إن شئت – لأنو الله بيسوق ليهو الإنسان بالنفس ((وهي ضلام)) وبالروح ((وهي نور)) بالصورة دي .. زي ما الزمان بسير بالليل والنهار - اليوم نصو ليل ونصو نهار – كذلك البشرية ماشة لي الله بالمادة ((الضلام)) وماشة ليهو بالروح ((النور)) .. وهي، عندما تكون في حالة المادة، في السير، كأنها قدمت رجل المادة في السير، دا البنسميه نحن الضلال، والتفسخ، والطيش، والمجون، وأحسن منه أن تقدم رجل الروح .. أن تجي الهداية .. ولكن ما من شك أنها جاية .. زي ما الإنسان ساير برجلين، يمين، وشمال، وأنت إذا رأيته في سيره مقدما رجله الشمال، لا تشك في أنه سيقدم رجله اليمين بعد أن يثبت رجله الشمال في الأرض.. الإنسان ماشي لغايته عندما يقدم رجله الشمال كما هو ماشي عندما يقدم رجله اليمين.. وهو ماشي لي الله في جميع الحالات، لكن الاختلاف أنو لما أستعمل المادة بغرض المتعة، والترف، وحب الدنيا، واتباع الشهوات، دا ضال.. وهو لا بد سيهتدي فيستعمل المادة نفسها بوعي، واعتدال، وقصد، وبغرض القرب من الله.. ويكون بذلك مهتدي .. الموضوع المهم أن إنسانية القرن العشرين لأنها منحلة، ولأنها ضالة، ولأنها متفسخة، هي بحاجة الى الإسلام أكثر منها لو كانت مهتدية.. وكل إنسان بيفهم يدرك أن الحيرة مطبقة في الأرض كلها، وأن خلق الله، حيث وجدوا، هم في التيه، هم حائرين.. هم ضالين، هم فاقدين حاجة.. كل الحركات اللي نحن بنشوفها في طلابنا، وفي طلاب العالم، في شبابنا، وفي شباب العالم، في رجالنا ونساءنا، وفي رجال العالم ونساء العالم.. انو البشرية في التيه بتبحث عن الله.. وهذه هي الحاجة الى الإسلام..)..

وقد وصل التشويه، ان يقولوا مفارقات وينسبوها للفكرة، وهي ليست منها، ثم انهم يزعمون انها موجودة في الكتاب الفلاني، في صفحة كذا.. وهو زعم كاذب.. مثلا يقولون ان الأمر الفلاني موجود في كتاب الرسالة الثانية صفحة 277.. مع ان كتاب الرسالة الثانية عدد صفحاته اقل من 277 صفحة!! الشاهد انه طوال تاريخنا في الحركة، كنا دائما بصدد تصحيح تشويه، مثل الذي ذكرنا.. هم لم يناقشوا الفكرة قط!! وإنما ناقشوا أمور مخالفة للفكرة، نسبوها لها من عندهم!!

من أجل ذلك عندما نجد مفكرين من أمثال د. جعفر، والآخرين، يكتبون كتابة موضوعية، وتقوم على الأمانة الفكرية، فإننا نشيد بذلك أشد الإشادة، رغم علمنا ان هذا هو الأمر الطبيعي في كل حوار حر!! ولكن هذا الأمر الطبيعي، غاب تماماَ في احاديث وكتابات جماعات الإسلام السلفي، والاخوان المسلمين، طوال التاريخ، وإلى اليوم!!

الكتاب:

صدر كتاب د. جعفر نجم نصر تحت اسم (الاسلام الكوني والاسلام العربي: محمود محمد طه والحل الصوفي للشريعة) الكتاب يقع في اربعمائة صفحة.. وهو يقوم على ثلاثة أقسام.. القسم الأول عن الشريعة بين الشفاهية والتدوين / جذور التشكيل.. والقسم الثاني: محمود محمد طه من تجربة التصوف إلى تجربة الاصلاح/ بين الإرث واعبائه.. أما القسم الثالث فبعنوان: محمود محمد طه ومنهجية التحديث وقضاياه.. وإهداء الكتاب جاء كما يلي: إلى روح الأستاذ الأكبر محمود محمد طه.

وكما ذكرت فإنني ساعرض الكتاب بصورة موجزة جداً.. كجمهوري فإنني اقول إن كل القضايا التي تناولها الكتاب، تم عرض اراء الأستاذ محمود فيها بدقة وامانة.. ولا أجد أنني اختلف معه في شيء من هذا العرض.. بالطبع د. جعفر ليس جمهورياً، ونحن لا نطالبه بالدقة التي نطالب بها الجمهوري.

نبدأ باسم الكتاب، فهو اسم معبر جداً عن محتوى الكتاب، وملخص له.. وكما ذكرنا اسم الكتاب(الإسلام الكوني والإسلام العربي).. هذا الاسم يشير إلى الرسالة الثانية بعبارة (الإسلام الكوني) وهو يعني الإسلام الذي قال عنه المعصوم "بعثت للناس كافة".. وقال عنه تعالى: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا".. هذا هو الإسلام الذي يقوم على أصول القرآن، وهو للناس كافة، وهذا هو مستوى الرسالة الثانية التي يدعو لها الأستاذ محمود، وهي تقوم على بعث السنة.. أما عبارة (الإسلام العربي)، من عنوان الكتاب، فهي تشير إلى الرسالة الأولى، وهي رسالة خاصة بأمة معينة، هي أمة المؤمنين، وهي تقوم على فروع القرآن، مستوى الشريعة، الذي ناسب الناس في القرن السابع الميلادي، عند البعث الأول.

ما جاء في مقدمة الكتاب يدل على رؤية واضحة، وصحيحة، لدعوة الأستاذ محمود.. وقد تم عرض بعض ما جاء في المقدمة في الصفحة الأخيرة للكتاب، ونحن نعرضه هنا، حتى يرى القراء وضوح رؤية الكاتب.. جاء في المقدمة: (أطل الأستاذ محمود محمد طه على العالم برؤية مغايرة كلياً لكل المحاولات السابقة التي حاولت إصلاح الإسلام وتحديثه، فهو على الرغم من أنه استلهم من (التأويل الصوفي) ومنهجية (النسخ والارجاء) من داخل دائرة الإسلام، الا أنه لم يرفض أو يتنكر للمناهج العصرية او القراءات التجديدية/ النقدية للاسلام وللشريعة على وجه الخصوص.. أنه وجد بحسب توجهاته الصوفية ان المدار الاصلي هو في (سنة النبي) في خاصة نفسه التي يجب أن نسعى أن نتأسى بها، وان الشريعة بآيات الفروع المدنية لم تكن الا تشريعات وقتية لذلك العصر، وأنها ليست من أصول الإسلام الجوهرية والتي مثلتها آيات الاصول المكية، وأنها أرجات او نسأت الى زمن اخر بعد تهيئ الانسانية لها، وذلك بعد ان تبلغ درجة المدنية والاهلية الكاملة لكي ترفع عنها قيود الحرية.. فوجد الأستاذ طه ان القرن العشرين بكل تحولاته ومتغيراته آنذاك كان الأنسب لكي ترتفع القيود بعد ان يجعل الآيات المكية (ايات الاصول) هي الحاكمة والضابطة للسلوك الانساني بوصفها آيات عالمية، وتعطيل الايات المدنية (ايات الفروع) بوصفها آيات زمكانية -خاصة لمرحلة محلية-عربية- خاصة للغاية، وبذلك يغدو الإسلام (وشريعته) ملائما لحاجات العصر ومتطلباته.. ان الأستاذ طه وبحسب اطروحته تلك، قدم السقف او الحد الأعلى، من التجديد، الذي لا يمكن لأحد ان يقدم أعلى منه، بحسب اعتقادي.. وإن ميزته في ذلك انه جاء بمشروعه الاصلاحي والتجديدي للشريعة من داخل المادة الإسلامية نفسها، ومن مناهجها الخاصة للغاية، الا وهو "التأويل الصوفي" فضلاً عن منهج "النسخ والإرجاء".. ان اطروحات الأستاذ طه لم يكن بالامكان اعادة قراءتها قراءة شمولية دقيقة كيما يتبين مساراتها ومغزاها، من دون اعادة موضعتها في سياقاتها الثقافية، والاجتماعية والسياسية وحتى الاقتصادية التي حفت بها، فضلا عن العودة بها إلى ذاكرة دينية مثلت "تأسيس العقل الإسلامي" وبين مخاض روحي/ ذاتي "التجربة الصوفية للأستاذ" التي ميزت تصوفه الذي تجاوز النزعة الفردية إلى المجتمع بعموم اطيافه، وبين ارث اصلاحي ثقيل "عصر النهضة الإسلامية وجهودها الاصلاحية"، إلى معاصرة دولة سودانية وليدة هشة عاشت اوهام "تطبيق الشريعة".. بين كل ذلك وسواه، كان الأستاذ طه يتحرك مجدداً ومصلحاً ومعلماً صوفياً متفرداً بمنهجه الجديد.. ونحن إزاء ذلك كله كنا بحاجة إلى أسس وقواعد ومقدمات نبين على ضوئها أطروحات الأستاذ التي لم تكن مفصولة عن كل ذلك.. إنها مخاضات كبرى عاشها هذا الرجل المصلح، فجاءت رسالته الثانية للاسلام بمثابة الطريق القويم الذي لا يمكن إلا سلوكه والعبور به نحو اسلام كوني / عصري/ عقلاني الا وهو إسلام آيات الأصول المكية، انه اسلام "أمة المسلمين" التي جاء طلائعها، وهو في مقدمتهم).

هذا بعض ما جاء في المقدمة، وهو كافٍ جداً لإبداء صورة عن الكتاب، وما يتمتع به من دقة وموضوعية.

نحن في عرضنا سنتجاوز القسم الأول، والذي هو عبارة عن خلفية تاريخية تتناول قضية الذاكرة الدينية، والشريعة وتشكيل العقل الإسلامي.. وهو فصل يعتبره الكاتب ضروري كمدخل للموضوع.. ونذهب مباشرة إلى القضايا التي تتعلق بدعوة الأستاذ محمود بصورة مباشرة.. ونحب أن نشير هنا إلى أن الدكتور يجري في كل قضية، العديد من المقارنات، لمجموعة من المفكرين ولتناولهم للقضية المعينة.. يقارن بين آرائهم وآراء الأستاذ، ويبين افضلية آراء الأستاذ في القضية المعينة، كما يبين كيف أنها أكثر صحة من الآراء الأخرى.

نحن سنذهب مباشرة إلى القسم الثاني وما اسماه الكاتب: التجربة الصوفية عند الأستاذ محمود.

التجربة الصوفية:

في بداية الفصل تناول الكاتب معنى التجربة الصوفية وخصائصها.. وحول هذا الموضوع تعرض د. جعفر لآراء العديد من المفكرين العرب وغير العرب، ومن أهمهم ولتر استيس المفكر الامريكي الكبير.. نحن سنتجاوز أقوال جميع هؤلاء المفكرين.. تناول الدكتور موضوع "الرسالة/ النبوة/ الولاية"، وقال في هذا الصدد: "يذهب الأستاذ طه بازاء  توضيح اعمق لثلاثية " الرسالة / النبوة / الولاية"، وينطلق مرة أخرى من الحديث النبوي: "قولي شريعة، وعملي طريقة، وحالي حقيقة"، قائلا إثرها: (فإنها تشير إلى مراتب مقامه الثلاث: مرتبة الرسالة، ومرتبة النبوَّة، ومرتبة الولاية.. فأما مرتبة النبوَّة فإنها الأصل، وهي وسط بين طرفين: من أعلاها الولاية، ومن أسفلها الرسالة.. ذلك بأن النبوَّة عندما استوت انبثقت منها الرسالة كوظيفة.. ثم هي كلما زادت استواء تسامت إلى مراتب الولاية، في الفينة بعد الفينة.. هذا ما من أجله قررنا أن النبوة أصل..).. ويواصل د. جعفر فيقول: (والمراتب الثلاث لمحمد صلى الله عليه وسلم تشير إلى انواع استحصلها فضلا عن كونها تشير إلى تكليفه الالهي إزاء اي نوع او مستوى، من تلك العلوم التي ترتبط كل واحدة بمرتبة محددة، وللتدليل على ذلك يقول الأستاذ طه: "وعن مراتب مقامه الثلاث هذه قال، ليلة عرج به: (سألني ربي يا مُحمّد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت أنت ربي أعلم، فوضع يده على كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فأورثني علم الأولين والآخرين.. وعلمني علوماً شتى: فعلم أخذ علي كتمانه، إذ علم أنه لا يقدر على حمله غيري، وعلم خيرني فيه، وعلم أمرني بتبليغه إلى العام، والخاص، من أمتي، وهي الإنس والجن..) فالعلم الذي أمره بتبليغه للخاص والعام من الأمة، هو علم الرسالة، وهي تشمل القرآن المقروء بين دفتي المصحف، وتشمل تبيّين هذا القرآن، في التشريع، في مستوى حاجة الأمة.. وفي التفسير في مستوى طاقة الأمة.. وهو قد قال: (نحن، معاشر الأنبياء، أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم) فالرسالة، إذن، لا تشمل تبيين القرآن كله، كما يظن بعض الناس، لا في التشريع، ولا في التفسير، فإن ذلك أمر ممتنع من جملة وجوه.. والعلم الذي خير في تبليغه يقع بعضه في حيز الولاية، ويقع سائره في حيز النبوة.. ويظن بعض الناس أن النبي مأمور بتبليغ كل ما وعى عن ربه، وذلك ظن شديد الدلالة على قلة بصر هؤلاء بحقائق الدين..".. ثم يذهب الكاتب بمقارنة لأقوال الأستاذ مع اراء محمد شحرور.. ثم يورد قول الأستاذ محمود: "والنبي، في ولايته، اكبر منه في نبوته".. ويقول د. جعفر: (لأنها شأن مشترك بين كل الانبياء لا خصيصة روحية فيه مثل الذي بالولاية بالمعنى الصوفي والتي كانت للخضر..).. ثم يواصل نص الأستاذ: "ذلك بأنه في النبوة يتلقى عن الله بواسطة جبريل، ولكنه في ولايته يتلقى عن الله كفاحا، وقد رفعت الواسطة من بين الرب والعبد.. وإنّما عن ذلك أخبر ليلة المعراج، حين أخبر أن جبريل، عندما انتهى إلى مقامه عند سـدرة المنتهى، قال له: ها أنت وربك، وتخلف، فقال: أهذا مقام يترك فيه الخليل خليله؟ قال: هذا مقامي، ولو تقدمت خطوة لاحترقت!! (فزجّ بي في النور)، وهو يعني هنا نور الذات، وليس لجبريل بنور الذات طاقة، لأنه لا ذات له، (لا نفس له)، ومن ههنا بدأت ولاية النبي.."..

التأويل الصوفي للقرآن:

تحت هذا العنوان تحدث د. جعفر عن التأويل عند الأستاذ محمود.. وبدأ بربط الموضوع بمستويات المعرفة الثلاث، التي قال بها الأستاذ محمود وسائر المتصوفة، وهي: الشريعة والطريقة والحقيقة.. وقد سبق للدكتور التعرض لهذه المستويات، ولكنه يتعرض لها هنا، من منطلق (التأويل الصوفي)، الذي اعتمده الأستاذ محمود بوصفه منهجاً اساسياً في استخراج المعاني، وكافة القضايا، أو المسائل الجوهرية التي انبنى عليها فهمه لتلك الثلاثية آنفة الذكر، ولمسألة الفروقات بين: النبوة والرسالة والولاية.. يقول الدكتور: (وقد جاء مكانه هنا بحسب المنطق الصوفي الذي امتلكه الأستاذ، إذ لولا سلوكه العرفاني، ومدارجه الروحية التي مر بها في سياقات المعرفة التي استحصلها، لما نال "المنهج التأويلي" الذي  اعتمد فيما بعد، فالمعرفة الصوفية التي استحصلها عبر انتقاله من الشريعة والطريقة إلى الحقيقة اهلته ليمتلك تلك الاداة المعرفية "الذوقية" لاستخراج باطن القرآن ومعانيه الروحية، فلهذا جاء "التأويل الصوفي" نتيجة لتجربته الروحية، وخلاصة لها..).. ولم يتحدث د. جعفر عن تجربة الأستاذ الروحية إلا في الفصل التالي.

بعد هذا ذهب د. جعفر، في حديث مطول عن دلالات التأويل الصوفي.. وهو حديث استمر من صفحة 145 إلى 235.. وقد تعرض للعديد من الصوفية المسلمين وغير المسلمين.

ثم عاد ليتحدث عن الوضع في السودان وتأثره بموجة الأصوليات الإسلامية الصاعدة.. وتحدث عن حركة الاخوان المسلمين في السودان.. ثم عاد ليتحدث عن الأستاذ محمود، فقال: (اسس الأستاذ محمود محمد طه الحزب الجمهوري عام 1945م، وكان حزباً مدنياً، يؤمن بالديمقراطية، ولعل هذا الأمر يعد دليلاً على وعي سياسي واجتماعي مبكر بأهمية إقامة الدولة المدنية، في عصر كانت الدعوة إلى العودة إلى الإسلام "ديناً ودولة" هي الشغل الشاغل لأغلب المجتمعات الإسلامية، ما عدا الحركات اليسارية أو الاشتراكية..).. ثم تناول موضوع ملء فراغ الحماس، والمواجهة مع الاستعمار الانجليزي، تلك المواجهة التي ادت إلى سجن الأستاذ مرتين في آخر الاربعينيات، وهي قد كانت بداية الخلوة.. وعلى ذلك فترة الخلوة هي خمسة أعوام.. عامان بسجن كوبر، وثلاثة أعوام بالمنزل.. وهذه الخلوة هي نقطة التحول الأساسية، وهي التي أدت إلى وصول الفكرة عند صاحبها، وحددت المنهج الديني الذي تقوم عليه الفكرة، وهو منهج السنة، الذي يقوم على العمل، وليس مجرد التنظير.. فقد كان الأستاذ يعمل على تقليد المعصوم في سنته في العبادة، ومن ها هنا جاءت الصلة بالله، والمعرفة، التي ترجمت فيما بعد في المحتوى الإسلامي الذي دعى له الأستاذ محمود.

موضوع الخلوة هذا، الذي أسماه وجذور التجربة الصوفية، هو أهم موضوع لأنه حدد المنهاج، الذي قامت عليه الفكرة.. منهاج العمل الذي يقوم على قوله تعالى: "وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ".. ثم بعد ذلك تنزلت تفاصيل الفكرة.. وجاءت الدعوة إلى طريق محمد صلى الله عليه وسلم، وهو المنهج الذي قام عليه عمل الأستاذ في خلوته، وهو ما أصبح يدعو إليه كل الناس.. فأصدر في ذلك كتاب (محمود محمد طه يدعو إلى طريق محمد).. ومن الناحية العملية منهاج الطريق هو كل دعوة الأستاذ محمود إلى بعث السنة.. وما (الرسالة الثانية) إلا ثمرة هذا المنهاج، وتفصيل لقضايا السنة في المجالات المختلفة، كما ظهر في كتاب الرسالة الثانية.

نقل د. جعفر نصاً مطولاً للأستاذ محمود عن بداية الدعوة للفكرة الدينية، وأشار إلى كيف أن عدد من جمهوريي الحركة الوطنية، تركوا الحزب عندما أصبح دعوة دينية، وليس مجرد حزب سياسي.. ولخص د. جعفر بيان الأستاذ المذكور في خمس نقاط هي:

أولاً: إن مرحلة المواجهة الحماسية للاستعمار، انتهت، لأنها كانت متلائمة في سياقاتها حينئذ.

ثانياً: أنه يؤمن ببعث الإسلام عبر أطروحات دينية جديدة، والفكرة الدينية بالنسبة له هي الأهم في العمل السياسي للحزب، أي أنه يريد للإصلاح الديني أن يأخذ مجراه.

ثالثاً: إنه يبين أنه لا يطلب مناصب سياسية أو مطامع دنيوية عند تأسيسه لهذا الحزب، وأن الأمثل لديه هو انبعاث الإسلام بشكل حضاري جديد، فلهذا إنفض من حوله طلاب المناصب من جهة، والذين لم يدركوا المغزى الأساسي لتلك الأفكار الدينية الحديثة من جهة أخرى.

رابعاً: إنه يبين على أن عزلته ومن ثم خروجه بمشروعه الاصلاحي هذا لا يمكن أن يطبق داخل المجتمعات من دون أن يبدأ الجمهوريون (أعضاء الحزب) بالمسير عليه وهو عينه كما يقول (طريق  محمد).

خامساً: إنه يبين أنه مر بتجربة صوفية فعلية، وكان على بصيرة تامة، وان الغموض هو عند من لم يفهم مشروعه أو أساء فهمه غير متعمد أو عن قصد وترصد (كما فعل الإخوان المسلمون).

ثم تعرض د. جعفر للمعارضة التي لقيتها دعوة الأستاذ محمود من الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السلفي داخل السودان وخارجه إلى أن وصل الحديث إلى محكمة الردة نوفمبر 1968م.. ولاحقاً استعرض كتاب "بيننا وبين محكمة الردة" وما ورد فيه من ردود على إدعاءات الأشياخ الذين كانوا وراء المحكمة.. ثم تناول دعوة الدستور الإسلامي التي قام بها د. الترابي وحزبه، بسند من الطائفية، وجماعات الإسلام السلفي، وذكر مقاومة الأستاذ محمود وتلاميذه لهذا النشاط الذي جرى باسم الدستور الإسلامي.. ثم قال: (وبوجه عام، كانت الأجواء آن ذاك تشير إلى استمرارية الجهود لإيجاد طريقة ما، للقضاء على فكر الأستاذ محمود، بعد أن فشل حكم الردة الذي صدر ضده في عام 1968 في إيقاف نشاطه وحركته.. فحكم الردة لم يزد حركته في واقع الأمر إلا اشتعالاً واتساعاً.. استمرت المؤامرات ضده منذ نهاية الستينيات وعبر حقبة السبعينات، وقد وثق الأخوان الجمهوريون، تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه في عدد من كتبهم ومنشوراتهم، المحاولات الجمة للمؤسسات الدينية السعودية، والأزهر ورابطة العالم الإسلامي، وغيرها من الجهات الحريصة على تكريس حالة الجمود الفكري في العالم، بالاتصال بالسلطات السودانية، من أجل إيقاف حركته وحط فكره، ووجد المتآمرون أخيراً ضالتهم في الرئيس السوداني الأسبق، جعفر نميري، وهو يحاول في النصف الأول من الثمانينات ستر عورات محكمة المهلاوي، بمحاولة فجة لتطبيق الشريعة الإسلامية.. ثم تناول مواقف د. منصور خالد ضد استغلال نميري وجماعته: الاخوان المسلمين، للدين، ذلك الرد الذي ورد في كتاب "الفجر الكاذب/ نميري وتحريف الشريعة".. ثم تناول تأييد الترابي وجماعته لنميري، ومبايعتهم له، فقال: (ولقد بلغت ذروة تمادي الحركة الإسلامية بزعامة الترابي في تأييدها للنميري، أن تعلن البيعة المطلقة له، ولعلنا خبرنا الانتهازية المستمرة للإسلام السياسي في عدة بلدان ومجالات، ولكن في السودان بلغت انتهازية الإسلاميين ذروتها، وهم يهللون بتطبيق الشريعة.. إذ وقف الترابي مبايعاً في قرية أبو قرون مثنى وثلاث ورباع، ما غشته خشية من ألا يعدل.. وسمى نميري في خطاب منشور بود مدني، بأنه مجدد المائة.. وبهذا ساوى النميري مع الإمام الشافعي مجدد المائة الثانية، والإمام الباقلاني مجدد المائة الرابعة.. ولم يقف الدكتور العالم عند ذلك، بل أخذ يتبارى مع الإمام المجدد (نميري) في تشهيره العلني بأهل السودان حتى كدنا نظن أن بلادنا أصبحت هي سدوم هذا القرن!! ومضى الحال بالدكتور إلى حد تبرير الإسراف في أحكام القطع (قطع اليد)، بعد إعلان حالة الطوارئ في أبريل 1984م.. فعل ذلك مرة أخرى في الخرطوم وثانية في الكويت.. وهو يقول بأنها ضرورة إسلامية تستوي مع ما اتخذه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من إجراء لحماية النظام.

ويقول: (أما الجهة الأخرى، جهة الإصلاح الديني، وفهم الإسلام بطريقة عصرية، فجاء الرد المباشر بالبيان الموسوم (هذا أو الطوفان) الذي أصدره الأستاذ طه، و الذي نذكر أهم فقراته:

أولاً: أما قوانين سبتمبر فإنها أساساً لم تقم على علم، وإنما قامت كمناورة سياسية لتثبيت عرش نميري المتهاوي، فكانت مؤامرة على الشعب وعلى الدين.

ثانياً: إن نميري وثالوثه المشرع، قد ساروا بالحدود عكس روحها وغايتها وهدفها، فاتجهوا للتضييق وتوسيع دائرة التجريم والإدانة بأوسع مدى، وشوهوا الإسلام، وأظهروا مساهمته في الحياة الحديثة و كأنه مؤسسة حساب وردع وإرهاب.

ثالثاً: قوانين سبتمبر على زيفها وقسوتها قد اختار لها الإمام قضاءً خاصاً تابعاً للقصر وللثالوث، ووجدوا قضاة رضوا بأن يجلسوا لمحاكمة المواطنين محاكمة ايجازية بعد أن حرموا من حقهم الدستوري.

رابعا: نطالب بالغاء قوانين سبتمبر ونعتبر واضعيها ومنفذيها والمبايعين عليها هم سدنة السلطة الحقيقين، والمجرمين الحقيقين في حق الشعب وفي حق الإسلام.. وأصل منطلقنا في هذا الموقف هو المنطلق الديني حيث نبريء الشريعة من وصمة وزيف قوانين سبتمبر.. وختم د. جعفر القسم الثاني من كتابه، بمحاكمة الأستاذ محمود، والحكم باعدامه.. فقد قال: (اثر هذا البيان وجراء كل المواقف السابقة للاستاذ طه، فقد تجرأ نظام النميري وبكل صلافة وادعاء للشريعة الدينية ان يحكم بالردة مرة ثانية على الاستاذ طه، وان يأمر باعدامه، ونفذ الاعدام فيه صبيحة 18 يناير 1985م..).

في تقديري أن أهم ما ورد في كتاب د. جعفر هو ما يتعلق بالجانب الديني في دعوة الأستاذ محمود، والخاص بالمنهاج، والأسس التي يتم عليها بعث الإسلام، ببعث السنة، وتصديه لتعريف السنة، وتمييزها عن الشريعة، بالصورة التي وردت عند الأستاذ محمود.. وتحدث د. جعفر عن موضوع التأويل عند الأستاذ محمود، ونسبه للتصوف.. كما نسب منهاج الأستاذ محمود في التدين بانه يقوم على التصوف.. اولا، نحن نحمد لد. جعفر اهتمامه بالجانب الديني، واعطاءه الاولوية، وهذا ما عليه حقيقة الأمر في دعوة الأستاذ محمود.. لكن معظم الذين تحدثوا عن دعوة الأستاذ محمود من المفكرين العرب ركزوا تركيزا واضحا على القيم الايجابية في الدعوة التي ترتفع إلى مستوى العصر بالصورة التي تخالف الإسلام السلفي.. معظمهم ركزوا على الجوانب الاجتماعية في السياسة والاقتصاد والاجتماع، وأسس المساواة بين الناس، وبين الرجال والنساء.. وكان هنالك قصور في جانب موقف الفكرة من الفرد، ومنهجها في تربيته على مكارم الاخلاق.. باختصار لم يجد الجانب الديني في دعوة الأستاذ محمود، وهو الاساس، الاهتمام الذي يليق به، عند العديد من الكتاب والمفكرين، كما وجد عند د. جعفر.. وهذا ما جعلنا نقف بصورة مطولة بعض الشيء مع الجزء من كتابه الذي تناول فيه هذا الموضوع.

تعقيب:

موضوعنا الاساسي هو عرض افكار د. جعفر التي وردت في كتابه المذكور عن دعوة الأستاذ محمود محمد طه.. ولكن لأهمية الموضوع الديني، وهو الموضوع الجوهري في الدعوة، نعقب تعقيبا موجزا على ربط د. جعفر دعوة الأستاذ بالتصوف.. هذا الربط من الناحية المبدئية هو صحيح!! لكن يحتاج إلى بعض الدقة في التمييز بين التصوف في المعنى العام، والتصوف كما هو عند الأستاذ محمود.. الأستاذ محمود شديد الاعزاز لكبار الصوفية، وهم عنده من حفظ الدين، والتزم بمنهجه الصحيح.. المنهج الذي يقوم على العمل، وليس التنظير، وهذا هو الاختلاف الأساسي بين الصوفية وبقية الفرق.. فالصوفية عند الأستاذ محمود هم انصار السنة المحمدية، وهذه هي ميزتهم على بقية الفرق الاخرى.. لكن الأستاذ محمود يقول بوضوح، إن تحديات العصر أكبر من الطرق الصوفية، ومشايخها، وليس لها الا محمد صلى الله عليه وسلم.. ويدعو إلى التخلي عن الطرق الصوفية، لأن الوقت قد تجاوزها.. فهو يقول مثلا: "لقد خدمت الطـرق الصوفية غرضا جليلا، في نشر الدين الحق، ولقد ربّت رجالا أفذاذا، كانوا منارات هدى، ومثابات رشد للأمة، عبر تاريخها الطويل، في ارتفاعه وانخفاضه، عندهم التمست دينـها وخلقهـا وتربيتها.. ولكن اليـوم!! فإن تحديات العصر أكبـر من الطرق وأكبـر من المشائـخ، وليس لها غير مُحمّد..".. وعن دعوة اصحاب الطرق من المتصوفة إلى طريق محمد، وبيان ان جميع الطرق الاخرى قد انغلقت، ولم تعد قادرة على ان تؤدي الدور الذي كانت تؤديه في الماضي، يقول الأستاذ محمود: "أما بعد، فإن الزمان قد استدار كهيئته يوم بعث الله مُحمّدا داعيا إليه ومرشدا ومسلّكا في طريقه.. وقد انغلقت اليوم بتلك الاستدارة الزمانية جميع الطرق التي كانت فيما مضى واسلة إلى الله، وموصلة إليه، إلاّ طريق مُحمّد.. فلم تعد الطرق الطرق ولا الملل الملل منذ اليوم.. ونحن نسوق الحديث هنا إلى الناس بوجه عام، وإلى المسلمين بوجه خاص، وإلى أصحاب الطرق والمتطرقين من المسلمين بوجه أخص..".. ويقول في موضع اخر: "ونحن ندعو جميع أصحاب الطرق إلى العودة إلى طريقة الطرق ـــ طريقة مُحمّد ـــ إذ بتقلّيد مُحمّد تتوحد الأمة ويتجدّد الدين، ونحـن، إذ نخـرج هذا النمـوذج من طريقة مُحمّد، إنما نفعـل ذلك على سبيل المثال، لا على سبيـل الاستقصاء، وهـو نموذج قـد يغني كثيرا من السالكيـن، ريثما تتفتح لهم آفاق الحقيقة المُحمّدية.. إننا نوصي بإدمان الاطلاع، على كتب الأحاديث، وكتب السيرة، ونخص بالذّكر صحيح البخاري، لمن أراد أن يتوسع عما جاء في هذا النموذج.. والله ولي التوفيق..".. ويقول: "إن مُحمّدا هو الوسيلة إلى الله وليس غيره وسيلة منذ اليوم.. فمن كان يبتغي الي الله الوسيلة التي توسله وتوصله إليه، ولا تحجبه عنه أو تنقطع به دونه، فليترك كل عبادة هو عليها اليوم وليقلّد مُحمّدا، في أسلوب عبادته وفيما يطيق من أسلوب عادته، تقلّيدا واعيا، وليطمئن حين يفعل ذلك، أنه أسلم نفسه لقيادة نفس هادية ومهتدية.. إن على مشايخ الطرق منذ اليـوم، أن يخرجوا أنفسهم من بين الناس ومُحمّد، وأن يكون عملهم إرشاد الناس إلى حياة مُحمّد بالعمل وبالقول فإن حياة مُحمّد هي مفتاح الدين.. هي مفتاح القرآن، وهي مفتاح (لا إله إلا الله) التي هي غاية القرآن، وهـذا هو السـر في القـرن في الشهادة بين الله ومُحمّد (لا إله إلا الله مُحمّد رسول الله)..".. وهذا ما يقوم به الأستاذ محمود مع تلاميذه، فهو مرشدهم ومسلكهم في طريق محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قد اخرج نفسه من بينهم وبين محمد.. فهو ليس شيخ طريقة، وإنما هو داعية لأن يكون المعصوم شيخ الجميع.. قلنا ان الصوفية هم انصار السنة النبوية الحقيقيون.. فمنهجهم يقوم على العمل في التقوى (واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم).. وهذا هو منهج الدين الوحيد، الذي لا منهج غيره.. هذا هو اصل اللقاء بين الأستاذ محمود والصوفية بصورة عامة وبصورة مبدئية.. لكن لحق بالتصوف الكثير من التبديل، وفقد مكانته التي كان عليها، ومدده الذي كان يمد به اصحابه.. ومع ان الصوفية كانوا على السنة بصورة مبدئية في الجوهر إلا أنهم ادخلوا منذ البداية على السنة اموراً ليست منها.. مثل السبحة والاوراد المحددة والتي لا تقوم على عمل النبي في خاصة نفسه، والتي تختلف من صاحب طريقة إلى صاحب طريقة أخرى.. كما ادخلوا على السنة الموسيقى والطرب واستخدموا آلآت مثل الطبل والمزمار والطنبور ... الخ.. كما أن علاقة الاتباع بمشايخهم لا تقوم على السنة، كما كانت علاقة الاصحاب بالنبي الكريم، وإنما ادخلوا صورا من الأدب لاعانة المريدين على السلوك.. إلى غير ذلك من مخالفة للسنة.. وقد سميت هذه البدع، بالبدع الحسنة، وهي عندهم مأذونة، وقد لعبت دورها في تقريب الناس للدين، في الوقت الذي سادت فيه الامية.. اما اليوم فالوقت للسنة دون حاجة لأي زيادات.. الوقت للطريق الواحد (طريق محمد) عليه الصلاة والسلام.. فقد جعل مشائخ الطرق الصوفية انفسهم بين النبي والاتباع: "لا اله الا الله، محمد رسول الله، والجيلاني، او الشاذلي، او غيرهما، ولي الله..".. وقد آن الاوان ليخرج المشائخ انفسهم من بين النبي والناس، كما طلب إليهم الأستاذ محمود..

كما انه من الاختلافات الهامة، بين دعوة الأستاذ محمود للسنة، ودعوة الطرق الصوفية، ما كان يجري علي يدي رجال التصوف من كرامات، وخرق للعادات.. فالأستاذ محمود حريص جدا على أن ألا تظهر عليه ولا على أحد من تلاميذه أي كرامات.. وهذا عنده أمر أساسي، لاعتبارات أهمها ان الكرامة ترسخ العقيدة على حساب الفكر.. الأستاذ محمود يريد للناس أن يجيئوا للدين من خلال عقولهم، وعنده هذا ما يناسب أصل الدين، ويناسب العصر.. عنده الكرامة إنما هي للفكر فوق كل شيء.. والخوارق تؤدي إلى الانصراف عن الفكر إلى العقيدة، وهذا ما لا يريده الأستاذ.. وهنالك الكثير الذي يمكن أن يقال في هذا الصدد..

اعتقد أنه مما تقدم يتضح أن هنالك اختلاف أساسي بين دعوة الأستاذ محمود لبعث السنة وبين التصوف، رغم أنهما مشتركان في الاصل الواحد.. هنالك الكثير من الغموض والابهام عند الصوفية، عند الأستاذ محمود الدين يجب ان يعود إلى بساطته، ويخاطب الناس من خلال عقولهم في بساطة ودون إبهام وغموض، ومن أجل ذلك يحاول الأستاذ محمود أن يخاطب الناس في لغة بسيطة واضحة، قدر الامكان، وهو يحاضر دائما باللهجة السودانية الدارجة، حرصا على التفهيم.. المهم أن دعوة الأستاذ محمود ليست للتصوف، وإنما للاصل الذي قام عليه التصوف _ السنة _ دون زيادة او نقصان.. فهو كما أنه يدعو لآيات الاصول، هو كذلك بالنسبة للمنهاج يدعو إلى الاصل وهو السنة.. من أجل كل ذلك أرى أن ربط الفكرة بالتصوف، بالصورة التي جرت على قلم د. جعفر، أمر يحتاج إلى تدقيق وإعادة نظر.. أكرر ان حديث د. جعفر من حيث المبدأ عن علاقة الفكرة بالتصوف صحيح، ولكن بالنسبة للتفصيل فيه نظر كما ورد.

القسم الثالث

منهجية التحديث وقضاياه:

تحت ثلاثة فصول تناول د. جعفر القضايا الاساسية التي وردت في كتاب (الرسالة الثانية) بالذات.. فتحدث عن موضوع السنة والشريعة، وهو موضوع قد سبق أن تحدث عنه.. ولكنه هنا يتناوله من منظور تطوير التشريع.. فأشار إلى ان كمال الشريعة ليس في أن تكون صورة ثابتة، وإنما في أن تتطور باستمرار، لأن الجسم الحي النامي المتطور هو الكامل.. وأشار إلى أن الله تعالى لا يشرع لكمالاته هو، ولا لكمالات نبيه، وانما يشرع لضعفنا نحن، ليطورنا من الضعف إلى القوة.. فحكمة التشريع في ان ينزل إلى أرض الناس، ويخاطبهم في مستواهم البشري الاجتماعي والمادي.. ثم اشار إلى تطوير التشريع، وذكر أن القصاص والحدود والعبادات لا يدخلها تطوير.. ثم تناول مفهوم الحضارة والمدنية، كما ورد في كتاب الرسالة الثانية، وفرق بينهما.. ثم كعادته، ذهب إلى مقارنات مع افكار مفكرين آخرين، وتعرض لنقد الأستاذ محمود للقيم المادية للحضارة الغربية.. ثم تحدث عن مفهوم الحرية عند الأستاذ محمود.. وتناول موضوع (إرادة الحياة) و (إرادة الحرية)، وبيّنهما كما هما في كتاب الرسالة الثانية.. وذهب ليتناول موضوع الجبر والاختيار، كما ورد في كتابي (الرسالة الثانية من الإسلام) و(القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري).. ثم رجع إلى مفهوم (الحرية الفردية المطلقة)، وهذا ساقه للحديث عن الانانية العليا والانانية السفلى.. ثم تعرض لمفهوم القانون وربطه بالتسيير والتخيير، فنقل عن الأستاذ محمود قوله: (فأما القانون العام فإن به تم تسيير المادة غير العضوية، وتسيير المادة العضوية، إلى أن بلغت هذه أدنى منازل العقول .. والقاعدة القانونية فيها قوامها: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).. وأما القانون الخاص فقد دخل مسرح الحياة بعيد ظهور العقل.. والقاعدة القانونية فيه قوامها (الحلال، والحرام) .. وهو محاكاة محكمة للقانون العام، فإنه في مقابلة: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، فقد جاء بقوله: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ.. وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ.. وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ.. وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ.. وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ.. وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ.. فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ.. وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)..).. إلى ان يقول د. جعفر : وهنا تأتي الحرية المقيدة بقوانين دستورية والحرية المطلقة من داخل القانون الخاص بالنسبة له، اذ يقول: (والقانون الخاص نفسه يقع في مستويين، مستوى الشريعة العامة، ومستوى الشريعة الخاصة.. فاما الشريعة العامة فهي للمجتمع.. واما الشريعة الخاصة فهي للافراد.. وهذه الاخيرة ادخل في القواعد الخلقية، منها في القواعد القانونية.. وهي بذلك تتسامى بالتجويد والاحسان، والتسيير فيها، ومن ثم ينفتح على التخيير، وذلك بفضل الله، ثم بفضل العلم الذي عصم الافراد الذين يعيشون في مستواها _الاخلاق_ عن التورط في مخالفة القواعد القانونية التي ترعى حقوق الجماعة في مضمار الشريعة العامة..).. وهكذا استطاع د. جعفر ان يلتقط الربط الدقيق بين المدنية والاخلاق، وبين الاخلاق والحرية، وبينهما جميعا وبين التسيير والتخيير، بالصورة التي وردت في كتاب الرسالة الثانية.. ثم تناول موضوع الحرية المقيدة كوسيلة للحرية الفردية المطلقة.. واورد قول الأستاذ: (والحريتان متداخلتان، فالأولى منهما مرحلة اعداد للثانية، إذ لا يبلغ الفرد منازلها إلا بالتمرس بالمجهود الفردي في تربية النفس، بمراقبتها، ومحاسبتها، وترويضها لتصبح موكلة بالتجويد، كلفة بالإحسان. والمراقبة تعني الحضور مع الله دائما حتى لا تتصرف الجوارح فيما لا يرضيه، من فكر، أو قول، أو فعل، والمحاسبة تعني استدراك ما أفلت من ضبط المراقبة، ولما كانت الحرية الفردية المطلقة لا تنال إلا بثمنها، وثمنها، كما قررنا آنفا، هو حسن التصرف في حرية الضمير المغيب، وحرية القـول، وحريـة العمـل، فقد طوع الإسلام عباداته، وتشاريعه، لتبلغ بالفرد هذا المبلغ..).. ثم وضع د. جعفر القضايا المذكورة اعلاه في رسم توضيحي حتى يسهل ادراكها.. ثم تناول قضية خط التطور وارتباطها بتطور التشاريع.. وبين كيف ان الناس ملطف عليهم كلما اصبحوا لطفاء واعين.. وفصل بعض الشيء في امر تحقيق الحرية الفردية المطلقة، عن طريق تحقيق العبودية لله.. ثم تحدث عن درجات السلم السباعي للاسلام.. وتناول مرحلتي أمة المؤمنين وامة المسلمين، والحديث عن تطوير التشريع.. ثم في الفصل الثاني تحدث عن ما اسماه (منطق التحديث ومعالم الشريعة العصرية).. فتناول وسطية الإسلام بين اليهودية والمسيحية.. ثم تناول موضوع الخير والشر وموضوع الاخلاق.. وتحدث بصورة محددة عن رأي ولتر ستيس في موضوع نسبية الاخلاق، ثم تحدث عن التوحيد، وكلمة التوحيد (لا اله الا الله) والتي هي اصل الدين.. اصل الإسلام.. وهي مراد القرآن.. فالقرآن كله يلف حول (لا اله الا الله) .. ايات القرآن موظفة لتجذب كل انسان ينحرف عن التوحيد، بالوعد والوعيد، لتجذبه لتحقيق التوحيد.. اورد د. جعفر قول الأستاذ: " مركز القرآن (لا إله إلا الله) ولأنها أصل الدين قامت عليها كل الرسالات.. والحديث النبوي: (خير ما جئت به، أنا والنبيون من قبلي، (لا إله إلا الله)) قالها آدم، وكل المرسلين، إلى نبينا.. و (لا إله إلا الله) تظل سير الخلائق.. الأبدي.. الأزلي.. السرمدي، إلى الله.. لا تنتهي.. الناس في الدنيا يمشوا لي الله بلا إله إلا الله.. وفى البرزخ يمشوا لى الله بلا إله الا الله.. وأهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار يمشوا لى الله بلا إله الا الله.. هي سرمدية.. وهي، في الحقيقة، في السماء عند الله، في إطلاقه، نهايتها، ولذلك فليست لها نهاية..".. ويمضي د. جعفر ليقول: (ولما كانت لا اله الا الله بالنسبة له هي جوهر الإسلام، فانها غير قابلة للتطور، لانها ثابتة، عقيدة كونية سرمدية، لا حراك لها، لانها اصل بعثة الانبياء وأصل التواصل التعبدي مع الله، ولكن الشريعة هي التي تتطور، يقول الأستاذ طه: "ومع ان الشريعة تتطور، الا ان الإسلام لا يتطور، وذلك لانه سرمدي لا يتناهى.. ففي الارض بدايته ونهايته عند الله في علياءه..".. ثم يذهب د. جعفر إلى مناقشة بعض القضايا المتعلقة بالموروث الثقافي العربي الإسلامي، ويتعرض لبعض المفكرين العرب امثال الجابري وبسام الجمل، ويناقش قضية قفل باب الاجتهاد، وقضية مقاصد الشريعة.. ومناقشة هذه القضايا بشيء من التفصيل.. إلى ان يصل إلى موقف علماء الدين ويلخصه في نقاط.. في النقطة الرابعة من نقاطه هذه يقول: (وينفرد محمود محمد طه، بموقف جريء عبر عنه في كتابه الرسالة الثانية من الإسلام ودفع حياته ثمنا له.. ويتمثل في ان الرسالة المحمدية كانت رسالة عامة إلى كل البشر في العهد المكي، وانها كانت رسالة خاصة بمعاصري النبي في الفترة المدنية.. ولذا يتعين في نظره طرح ما في الرسالة الخاصة من احكام كانت مناسبة لاوضاع الناس في بداية القرن السابع الميلادي، ولم تعد ملائمة لأوضاعهم في النصف الثاني من القرن العشرين، والعودة إلى الرسالة العامة التي تبقى صالحة مهما تغيرت الظروف..).. ثم يذهب ليتحدث عن نصر حامد ابو زيد واركون، ويقارن طرحهما بطرح الأستاذ، فيقول: (وعلى الرغم من تشابه منطلقات نصر حامد ابو زيد ومحمد اركون في التعامل مع النص القرآني بوصفه نصا ثقافيا فحسب، من دون الالتفات إلى القدسية التي يعتمدها وتشكل منطلق الأستاذ طه، الا ان كليهما لم يقدما بديلا من داخل القرآن او من خارجه لأهمية ما اصطلح عليه ب "العقل النصوصي" المهيمن على العقل الإسلامي كما يشير أركون..).. ثم يمضي في نقد نصر حامد واركون بشيء من التفصيل.. ويضيف اليهما آراء مفكرين آخرين.. اما في الفصل الثالث فيتناول ما اسماه "محمود محمد طه ومعالم الشريعة العصرية".. ويتحدث عن القرآن المكي والمدني، والاصول والفروع، ويورد بعض اقوال الأستاذ محمود في هذا الصدد.. ثم يتحدث عن الإسلام العام، اسلام الارادة، والإسلام الخاص اسلام البشر، ليعود للحديث عن المستويين في القرآن.. ويتناول في هذا الفصل موضوع التعارض بين العقل الباطن والعقل الواعي، والتعارض بين الفرد والمجتمع، ليبين ان حل هذا التعارض عند الأستاذ يتم بوسيلتين: (اولاهما وسيلة المجتمع الصالح، وثانيهما المنهاج التربوي العملي الذي يواصل به مجهوده الفردي ليتم له تحرير مواهبه الطبيعية من الخوف الموروث..). ثم يتناول قضية النسخ والارجاء بشيء من التفصيل، والمقارنة مع مفكرين آخرين، ليصل من كل ذلك إلى الحديث المفصل عن تطوير التشريع، وتحديد القضايا التي ليست اصلا في الإسلام.. ثم يتحدث عن الاحمدية والمحمدية ليصل إلى قول الأستاذ: "ويؤخـذ من دقائـق حقائق الدين أن نبينا رسول الأمتين: الأمة المؤمنة ـــ الأصحاب.. والأمة المسلمة ـــ الإخوان.. وإنه بذلك صاحب رسالتين: الرسالة الأولى مُحمّدية، والرسالة الثانية أحمدية.. أو قل الرسالة الأولى الشريعة التي فصلها للأمة، والرسالة الثانية السنة التي أجملها، ولم يفصّلها إلا في معنى ما مارسها، وعاشها دما ولحما..".. ثم ذهب ليتناول قضية الاصول والفروع كما وردت في كتاب الرسالة الثانية.. وبدأ بموضوع الجهاد ليس اصلا في الإسلام.. واورد أن الأصل في الإسلام هو ان كل انسان حر، إلى أن يظهر عمليا عجزه عن التزام واجب الحرية، ذلك بأن الحرية حق طبيعي، يقابله واجب حسن الاداء.. وهو حسن التصرف في الحرية، فإذا ظهر عجز الحر عن التزام واجب الحرية صودرت حريته عندئذ بقانون دستوري.. والقانون الدستوري هو الذي يوفق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة.. وهذا القانون هو قانون المعاوضة.. ثم اورد اراء العديد من المفكرين حول النسخ.. وذهب إلى موضوع الرق ليس اصلا في الإسلام، واورد ان (الأصل في الإسلام الحرية، ولكنه نزل على مجتمع الرق فيه جزء من النظام الاجتماعي والاقتصادي. وهو مجتمع قد ظهر عمليا أنه لا يحسن التصرف في الحرية، مما أدى الى نزع قيام أفراده بأمر أنفسهم، وجعل ذلك إلى وصي عليهم، وقد رأينا أن هذا أدى الى شرعية الجهاد..).. ثم ذهب بنفس الصورة لمناقشة ما اسماه "التشريعات المؤقتة للمرأة" وعرضها كما وردت في كتاب الرسالة الثانية، وبالطبع، كعادته، اجرى العديد من المناقشات.. وانتهى الكتاب عند هذا الحد.

لقد اعجبت كثيرا بتناول د. جعفر للفكرة، بصورة موضوعية في كتابه المذكور.. فقد كانت رؤيته واضحة، ودقيقة، تناول القضايا التي ناقشها، كما وردت في مصادر دعوة الأستاذ محمود.. واكثر ما اعجبني في كتابة د. جعفر هو أنه وقف على البعد الديني في دعوة الأستاذ محمود، وفق رؤية واضحة وموفقة مكنته من ملاحظة تداخل القضايا وارتباطها ببعضها البعض، كما لاحظ في حديثه عن الاخلاق وعن الحرية وعن التسيير والتخيير ...إلخ.. فالمنطلق فيها جميعها هو التوحيد، ولذلك هي متداخلة، ويفضي كل منها إلى الآخر.الشيء الوحيد الذي غاب عن كتاب د. جعفر، هو موضوع الساعة واليوم الآخر والمسيح المحمدي.. فهو موضوع أساسي جدا، لأنه يرتبط بتطبيق الإسلام الذي يدعو له الأستاذ محمود.. فهذا التطبيق لا يتم إلا بمجيء الاذن الإلهي والمأذون _ المسيح المحمدي!! وقد تم التعرض لهذه القضية في كتاب "القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري" في فصل "الساعة ساعتان".. ومما يزيد من أهمية الموضوع، انه يكاد يكون غائبا عند جميع المسلمين.. فلغياب فهم مثاني القرآن عندهم، هم لا يرون الا ساعة التخريب، القيامة.. اما ساعة التعمير فهي غائبة عندهم.. وكذلك الحال لفهم اليوم الآخر، مع أنه ركن أساسي من أركان الدين، فهم لا يرون سوى الآخرة _ مرحلة البعث بعد الموت.. من اجل ذلك هم لا ينتظرون أي جديد في الدين.. كما انهم لا ينتظرون أي جديد في الكمالات الانسانية.. فعندهم العصر الذهبي للاسلام هو ما تم في القرن السابع الميلادي.. هذا، مع أن العصر الذهبي للإسلام هو أمامنا، هو مرحلة تطبيق اصول القرآن _ الرسالة الثانية من الإسلام_ مرحلة امة المسلمين.. هذه المرحلة هي قمة تطور الانسانية في الارض، كما أنها قمة الإسلام.. ودعوة الأستاذ محمود محمد طه كلها عبارة عن تبشير بالعصر الذهبي للإسلام.. وهو يرى أنه وشيك جدا، وقد تمت جميع أشراطه، ولم يبق إلا الإذن الالهي به، وهذا يمكن أن يتم في اي لحظة " ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً".. دعوة الأستاذ محمود كلها تقوم على مبدأين اساسين: اصول القرآن، ومنهاج طريق محمد صلى الله عليه وسلم _ السنة.. وهما متكاملان، ومرتبطان، بالصورة التي لا يمكن معها أن يقوم أحدهما دون الآخر.. يقول الأستاذ محمود في هذا الصدد: (أمران مقترنان، ليس وراءهما مبتغى لمبتغٍ، وليس دونهما بلاغ لطالب: القرآن، وحياة محمّد.. أمّا القرآن فهو مفتاح الخلود.. وأمّا حياة محمّد فهي مفتاح القرآن.. فمن قلّد محمّداً، تقليداً واعياً، فهم مغاليق القرآن.. ومن فهم مغاليق القرآن حرّر عقله، وقلبه، من أسر الأوهام.. ومن كان حر العقل، والقلب، دخل الخلود من أبوابه السبعة.أمران مقترنان: القرآن، وحياة محمّد، هما السر في أمرين مقترنين: "لا إله إلا الله، محمّد رسول الله" لا يستقيم الأخيران إلا بالأوّلين..)..

تذكرني كتابات د. جعفر، وإخوانه واخواته من المفكرين العرب، بما كان يقوله لنا الأستاذ محمود: فقد قال لنا: الفكرة الجمهورية ستأتي للسودانيين من الخارج!! وعمل هؤلاء النفر الكرام، هو بداية ، وتصديق لما قاله لنا الأستاذ.. فالفكرة، حتى الآن، عند معظم السودانيين، هي ما يقوله عنها خصومها بكل ما في قولهم من كذب، ومبالغة في التشويه.. من اجل ذلك معظم السودانيين لا يكادون يعرفون شيئا عن دعوة الأستاذ محمود عن بعث الإسلام.. ولابد لهم من أن يعرفوا، وها هي ارهاصات معرفتهم للفكرة قد بدأت!!

هذا والله ولي التوفيق

 

بقلم : خالد الحاج عبد المحمود

...........................

* الاستاذ :خالد الحاج عبدالمحمود (أحد تلامذة المفكر السوداني الاستاذ محمود محمد طه)

رفاعة/السودان

 

 

رحيم الساعديصنع الصورة  الجدلية في إسلام العصور الوسطى

تأليف الكسندر د.كنيش

ترجمة د. رحيم الشياع الساعدي

هذا الكتاب لمؤلفه الكسندر د.كنيش، وهو من سلسلة جامعة ولاية نيويورك نشر 1999،  يدرس الجدل المحتدم لتراث ابن " العربي الصوفي الإسلامي الكبير. وألكسندر د. كنيش هو أستاذ الدراسات الإسلامية، قسم الدراسات العربية والشرق الأوسط، جامعة إكستر، المملكة المتحدة.

و"لقد نظر كنيش بالضبط للمؤيدين والمعارضين لابن عربي لعدة قرون بعد وفاته، حيث كانوا يحصلون على معلوماتهم، لهذا فهم يتخذون الموقف الذي اتخذوه، وما إلى ذلك. يجمع المؤلف الكثير من الحكايات في الأدبيات الثانوية التي لم يربطها الناس، وهو يفعل ذلك باهتمام بالغ بالنصوص الأولية.

يفحص هذا الكتاب الجدل اللاهوتي العنيف حول المفكر الصوفي المسلم العظيم ابن عربي (1165-1242). حتى خلال حياته، فكان توافق ابن عربي مع العقيدة الإسلامية موضع شك من قبل العديد من العلماء الذين كانوا يشككون في الميول الأحادية (الموحدة) لتعاليمه الميتافيزيقية، وادعاءاته بأنه خليفة النبي وهو المعنى الحقيقي للوحي الإسلامي وتفسيره المجازي للقرآن.

بعد وفاة ابن عربي، نمت و تحولت هذه الهواجس إلى إدانة صريحة لتعاليمه من قبل عدد من علماء الدين المؤثرين في القرنين الثالث عشر والخامس عشر الذين صوروه على أنه مهرطق خطير عازم على تقويض أسس العقيدة الإسلامية والحياة المجتمعية. وردًا على هذه الاتهامات الخطيرة، أشاد دعاة ابن عربي به باعتباره أعظم قديس في الإسلام والذي تعرض للافتراء ظلماً من قبل النقاد المتعصبين وضيق الأفق.

مع مرور الوقت، أصبحت هذه الصور المتضاربة للمفكر الصوفي نقاط حاضرة وحاشدة لمختلف الفصائل السياسية والعلمية المتنافسة على المناصب الدينية والإدارية النفعية والطائفية الإيديولوجية. في تحليل شامل للنقاشات الساخنة حول أفكار ابن عربي على مدار القرون الثلاثة التي أعقبت وفاته .

و برزت هذه الدراسة الاستراتيجيات والحجج الخطابية التي استخدمها المجادلون، والأجندات الخفية التي اتبعوها، وأسباب طول عمر هذه القضية اللافت للنظر في الإسلام حتى يومنا هذا. وعلى المستوى النظري، يعيد هذا الكتاب تقييم صحة مثل هذه الثنائيات الشائعة مثل الأرثوذكسية مقابل البدعة، والتفسيرات السائدة مقابل التفسيرات الصوفية للإسلام، والطائفية مقابل الفردية بالإضافة إلى القضايا الأخرى المتعلقة بتاريخ الفكر الإسلامي.

ومن محتويات الكتاب برزت مواضيع (تحديد المنهج، ابن عربي في المناهح الدراسية الغربية، سيرة ابن عربي: من الروايات المبكرة إلى التفسيرات اللاحقة، ابن عربي في الأعمال الذاتية لمسلمي الغرب، الدليل القصصي من القزويني، منظور الصوفي: ابن أبي المنصور، بين دمشق والقاهرة: ابن عبد السلام المكانة التاريخية، الصوفية والإسلام السني: توافق أم نفعية؟، الدين والسياسة في الدولة المملوكية، دفاعًا عن طهارة الإسلام في الدولة المملوكية، خصوم ابن عربي، استنكار ابن عبد السلام للصوفية، الصوفية الغنوصية،الردود الصوفية على لوم ابن عبد السلام، . ابن تيمية والتحدي، محاججة في الميتافيزيقيا، ابن تيمية في عقيدة القداسة،  نقد ابن تيمية، ابن العربي في أدب السيرة الذاتية من القرنين الثامن - الرابع عشر إلى التاسع - الخامس عشر، إعادة النظر في الحجة الميتافيزيقية، خلفية التفتازاني التاريخية والفكرية، تفنيد التفتازاني لابن عربي، مشكلة "إيمان فرعون"،  ابن عربي في الغرب الإسلامي: نبي في أرضه؟، ابن عربي في التأريخ الإسلامي الغربي، ابن عربي بعيون ابن الخطيب الوزير، ابن الخطيب و تصوف الحب، ابن عربي في روضة التعارف، ابن خلدون والتصوف الإسلامي، ابن خلدون على الوحدانية فلسفة، ابن خلدون وأهل التجلي، ابن عربي في القاهرة المملوكية، "تدمير" الفلسفة الوحدوية، ابن عربي في اليمن، المجتمع اليمني في الفترة الوسطى اللاحقة، الصوفية في اليمن في العصور الوسطى، الجبرتي والجماعة الصوفية من زبيد، ابن عربي: الفقهاء مقابل الصوفية ؟

 

يسري عبد الغنيتعد سنوات الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801) بقيادة نابليون بونابرت من أبرز وأهم فترات تشكيل التاريخ المصري الحديث لكونها وضعت البلاد في مفترق الطرق السياسية والعسكرية والاجتماعية والعلمية.

ولايزال الموقف التاريخي من أثر الحملة الفرنسية على مصر قضية خلافية، رغم مرور أكثر من مائتي عام على نزول الجيش الفرنسي أرض مصر. فمع اتجاه يراها غزوا عسكريا استعماريا خلف آثارا سلبية في حياة المصريين، يعدها آخرون "فاتحة خير أدخلت البلاد عصر النهضة الحديثة" بفضل إنجازها العلمي وانتشلتها من "ظلمات" ثلاثة قرون من الحكم العثمانى للبلاد.

جاء بونابرت إلى مصر يرافقه أكثر من 160 عالما وفنانا، اختارهم بعناية بالتعاون مع الجنرال كافاريللي. تألفوا من مهندسين وفنيين وفلكيين ومعماريين وكيميائيين وعلماء في التاريخ الطبيعي والمعادن ورسامين وموسيقيين وشعراء ومستشرقين. وأسس فور وصوله "المجمع العلمي المصري" بغية حل مشكلات الجيش الفرنسي في مصر.

لم يمكث بونابرت قائدا لحملته العسكرية في مصر أكثر من عام واحد بسبب تصاعد الحراك السياسي في القارة الأوروبية ضد مصالح فرنسا. فتخلى عن حلمه بتأسيس إمبرارطورية في الشرق تاركا البلاد ومصير جيشه لواحد من أهم قادته، الجنرال كليبر، الذي واجه مستقبلا مجهولا وتركة ثقيلة خلفها بونابرت.

فشل ونصر 

أدرك كليبر منذ اللحظة الأولى لتوليه القيادة العامة للجيش فشل الحملة عسكريا. لذا سعى إلى التشبث بمكسب علمي أكثر استمرارا والاستفادة من جهود العلماء المصاحبين لحملة "جيش الشرق"، كما تعرف اصطلاحا في الوثائق الفرنسية.

كانت أولى خطوات التجديد البارزة لكليبر تأسيس لجنة علمية إضافية، إلى جانب لجنتين أخريين أسسهما بونابرت، في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 1799 كلّفها كليبر بدراسة مصر القديمة والحديثة، لاسيما التشريع والأعراف الدينية والمدنية والإدارة والشرطة والحكم والتاريخ والحالة العسكرية والتجارة والصناعة والتاريخ الطبيعي والسكان والآثار والنقوش والأزياء والجغرافيا.

ويقول المؤرخ الفرنسي هنري لورانس، في دراسة متخصصة عن "الحملة الفرنسية في مصر وسوريا" إن الهدف من اللجنة يبرز اهتمام كليبر بالمؤرخين "وعلى اللجنة إعفاء الأجيال القادمة من البحث، تحت أطلال قرون من الاعتقادات، عما كانت عليه مصر في الزمن الذي انتقل فيه الفرنسيون من الحكم الملكي إلى الحكم الجمهوري".

ويعتبر المؤرخون كليبر مؤسسا لهذا الإرث العلمي الفرنسي، الذي سماه العلماء أنفسهم نصا "وصف مصر أو مجموعة الملاحظات والأبحاث الموضوعة في مصر أثناء حملة الجيش الفرنسي والمنشورة بأمر صاحب الجلالة الامبراطور نابليون المعظم"، وفقا لما ورد في الصفحة الأولى من الطبعة الامبراطورية.

اتخذ كليبر القرار التأسيسي في 22 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1799، وكتب إلى حكومة الديركتوار (الإدارة) بتاريخ 8 يناير/كانون الثاني 1800، حسبما جاء في وثيقة وردت في صحيفة الحملة الفرنسية "كورييه دي لاجيبت" في عددها رقم 54:

"إن هذا المشروع الأدبي الذي سوف ترحب به كل حكومات أوروبا، سوف يكون محل تقدير أكبر بكثير في بلد يشجع حرية جميع الفنون. كما أن الكتّاب الذين يؤلفون هذا العمل الجمعي إنما يتطلعون إلى شرف منح عملهم طابعا قوميا، وهم يعرضون مشروعهم عليكم بشكل محدد".

وأضافت الوثيقة : "إن الأبحاث المتعلقة بالحالة الراهنة لمصر إنما تقدم موضوعا مهما للفلسفة والسياسة. كما أن القوانين والعادات والتاريخ والحكم والصناعة والتجارة وإيرادات هذا البلد تستحق دراسة أشمل لا يمكن انتظارها من الرحالة الفرنسيين أو الأجانب الذين سبقونا. لقد جمعت الأشخاص الذين بدوا لي أكثر ملاءمة للتنافس في هذا العمل، ومنحتهم كل السلطة والإمكانات التي يحتاجون إليها".

وبعث كليبر رسالة أخرى إلى المجمع العلمي المصري بتاريخ 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1799 تلاها العالم جوزيف فورييه على الأعضاء جاء فيها:

"إن المرء لا يسعه إلا أن يظهر إعجابه بذلك النشاط العظيم، وذلك التعاضد الذي ظهر من أعضاء اللجان لتبادل ثمار البحوث العديدة التي أعدوها، ومن دواعي الإعجاب ذيوع فكرة تهدف إلى جمع كل تلك الآثار في كتاب واحد".

البداية

تشجع بونابرت للفكرة وانتظر عودة جيش الشرق إلى فرنسا وأصدر قرارا بتاريخ 6 فبراير/شباط 1802 يلزم الحكومة بنشر الكتاب، على أن تتكفل الخزانة العامة بكافة النفقات، مع استمرار صرف رواتب العلماء التي كانوا يتقاضونها في مصر، ومنحهم حق الحصول على أرباح طبع الكتاب.

شكل جان-أنطوان شابتال، الكيميائي البارز ووزير الداخلية في ذلك الوقت، لجنة من ثمانية أعضاء مهمتها نشر "وصف مصر"، برئاسة برتوليه، وكلفت فورييه بتحرير مقدمة الكتاب، كما كلفت اللجنة العالم كونتيه وفريقه باختيار وتجميع النصوص ومراجعتها وإجراء التعديلات اللازمة.

ويشير روبير سوليه في دراسة خاصة عن "علماء بونابرت في مصر" إلى أنه: "وفقا لما كان يتمناه كليبر، فإن وصف مصر يجب أن يكون منقطع النظير ولا مثيل له. بل ويرقى على كل ما تقدم قبله. لذا كرست ست آلات طبع خاصة، يتوافر لها نوع خاص من الورق لا يصنع في أي مصنع ورق في أوروبا".

بدأ العمل في عام 1803 ولم ينته إلا عام 1828، توقف خلالها خمس مرات بسبب اضطرابات سياسية ومالية، فضلا عن وفاة كونتيه، مندوب اللجنة والمباشر للعمل في عام 1805. أما العالم لانكريه، سكرتير اللجنة، الذي خلفه فقد توفي أيضا بعده بعامين، فحل محلهما جومار، أحد أبرز العلماء، وعهد إليه بمهمة التحرير حتى الانتهاء من العمل.

ظهر وصف مصر في طبعتين، الأولى يطلق عليها الطبعة "الإمبراطورية" والثانية طبعة "بانكوك"، وثمة بعض الفروق بين الطبعتين، إذ جاءت الطبعة الأولى مكونة من 9 كتب نصفية للنصوص، يصل كل منها إلى 800 صفحة، و 11 كتابا للوحات، تتضمن إجمالا أكثر من 3000 رسم، بعضها ملون، فضلا عن خريطة لمصر وفلسطين جاءت في 47 صفحة، وطبع من هذه الطبعة ألف نسخة فقط ما بين 1810 وحتى 1826، وهي مهداة إلى "الإمبراطور نابليون المعظم"، لاسيما الأجزاء الأولى.

أما الطبعة الثانية وهي طبعة "بانكوك"، التي أصدرها ناشر حصل على تصريح إصدار طبعة تتميز بسهولة الاستعمال وأقل ثمنا، فقد تكونت من 26 كتابا للنصوص أصغر حجما من الطبعة الإمبراطورية، و11 كتابا نصفيا للوحات، ولم يصدر منها أكثر من ألفي نسخة فقط خلال الفترة من 1821 إلى 1826، وهي مهداة إلى الملك "لويس الثامن عشر"، وحل مكان تمجيد نابليون، لوحة تتسم بالحيادية، كما حذفت من مقدمة العمل إيماءات عن بونابرت.

واحتلت مقدمة فورييه كتابا كاملا وصورت فيها مصر باعتبارها "أكثر متاحف الدنيا ثراء في العالم أجمع"، أما الحملة الفرنسية فوصفها بأنها "المشروع الذي أرجع إلى ضفاف النيل، العلوم التي أبعدت عنه منذ زمن".

سقطات

يقول سوليه في دراسته إنه لا يمكن اعتبار وصف مصر عملا مكتملا، إذ يشوبه عدم التنسيق بسبب ظروف الإعداد فضلا عن افتقاره لوجود فهرس وعدم وجود قائمة بالموضوعات.

ويضيف : "إن هذه الدراسة الموسوعية تبدو ناقصة، لأن العلماء والفنانين لم يكن لديهم الوقت الكافي لاستكشاف البلد بأسره، أو دراسة الواحات النائية وكافة الحيوانات والنباتات، كما ارتُكب خطأ كبير عند تحديد تعداد سكان مصر بـ 2.5 مليون نسمة، في حين أن بعض الدراسات الدقيقة للفترة تقدره بنحو أربعة ملايين نسمة".

استطاع الرسامون نسخ آلاف الرموز والعلامات المستخدمة في الكتابة المصرية القديمة، الهيروغليفية، دون أن يفهموا معناها، لذا أحيانا كانوا يضيفون علامات لملء فراغ غير مستعمل أو زخرفة جزء معماري، أو استعارة بعض الكتابات من معبد مجاور، لذا عندما انتهى العمل بوصف مصر، كان العالم جان-فرانسوا شامبليون قد انتهى في نفس الوقت من حل لغز الكتابة المصرية القديمة فأبطل الكثير من تفسيرات العلماء بشأن الآثار المصرية واعتبرها طرائف وأخطاء.

"أهمية غير مسبوقة"

من أجل تنظيم وترتيب الكتب فائقة الضخامة للطبعة الإمبراطورية، صممت اللجنة المعنية قطعة أثاث خاصة، رسمها جومار بنفسه، ونفذها أحد نجاري الأثاث المشهورين وهو موريل، كما تكفل بزخرفة الخشب النحات دانتان، وألحق بها ركائز ذات أعمدة مصنوعة من خشب البلوط الهولندي، وزينت بإفريز مصري الطراز، وهي مكونة من 14 رفا، توضع كتب اللوحات أفقيا، مع إمكانية تحريك الجزء العلوي.

ويقول سوليه إنه على الرغم من بعض الأخطاء، فإن هذا المؤلف الهائل الضخامة، يعتبر غير مسبوق في مجال تاريخ العلوم، ويطرح سؤالا: هل كان الفرنسيون قادرين على دراسة بلدهم بجهد مماثل لهذا الجهد الذي بذله علماء بونابرت في مصر؟ مشيرا إلى أن "وصف مصر يبدو وكأنه الإنجاز الفعلي لعصر التنوير".

ويجيب فورييه عن السؤال، في مقدمة كتاب "وصف مصر" في الطبعة الثانية "بانكوك" للكتاب:

"لم يسبق لأي بلد آخر أن خضع لأبحاث بمثل هذا الشمول والتنوع، كما أنه لا توجد بلاد أخرى جديرة بأن تكون موضوعا لأبحاث كهذه. فمعرفة مصر أمر يهم كل الأمم المتحضرة في حقيقة الأمر، نظرا لأن هذه البلاد هي مهد الفنون والنظم الدينية، وبإمكانها اليوم أن تصبح مركزا للعلاقات الدولية وتجارة الإمبراطوريات، كما ترك الشعب الذي كان يسكنها آثارا تدعو للإعجاب بعظمتها وقوتها ونفوذها".

ويقول جون-ماري كاري في دراسته "رحالة وكتّاب فرنسيون في مصر" التي نال عنها جائزة الأكاديمية الفرنسية التي تحمل اسم جائزة "جوبير" الكبرى عام 1933:

"قبل ظهور وصف مصر بنحو قرن، كانت مصر مدفونة غارقة في ظلمات آلاف السنين، وكانت بلاد فارس والهند والصين معروفة أكثر منها، ولا يوجد من الرحالة إلا نحو 12 فردا خاطروا بركوب النيل وكتبوا كتابات غير مكتملة عن رحلاتهم معظمها تقريبية. الآن تغير كل شيء في عام واحد، وأضاءت العبقرية الفرنسية أعماق التاريخ وأخرجت لأوروبا بقايا تاريخ تليد غامض. أصبحت بفضلها مصر محور دراسة علمية للباحثين في المستقبل".

حرص بونابرت على اختتام حملته ببيان ورد في مراسلاته بتاريخ 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1801 يذكّر فيه بذلك "المطمح الحضاري" لحملته أورده هنري لورانس في نهاية دراسته قائلا:

لقد ترك الفرنسيون لمصر ذكريات لا تموت، لعلها تفضي يوما ما إلى بعث الفنون والمؤسسات الاجتماعية هناك. وعلى أية حال لن يورد التاريخ موارد النسيان ما فعله الفرنسيون لنقل حضارة ومعارف أوروبا إلى هناك. وسوف يروي (التاريخ) بأية درجة من الانضباط حافظوا عليها طوال تلك الفترة وقد يأسف على ضياعها كنائبة أخرى ألمت بالجنس البشري.

ولعل التركة الأساسية لتلك الحملة الفرنسية على مصر تتلخص في ذلك الإرث العلمي والفكري والإيدولوجي الذي خلفه الفرنسيون، ويدين تاريخ مصر الحديث بلاشك لهذا الإرث وذلك الأثر المهم المتمثل في موسوعة "وصف مصر" التي تعد ثمرة جهود دؤوبة لعلماء جاءوا من فرنسا مع حملة عسكرية، أثمرت على نحو غير مباشر بإرث علمي لمصر.

 

بقلم/ د. يسري عبد الغني

 

 

جمعة عبد اللهمقاربات في تجربة الشاعر محمد سعيد العتيق

يتميز الشاعر والناقد الدكنور وليد العرفي، في اتباع منهجية اسلوبية في التحليل النقدي، تجمع بين الاكاديمية والحداثة النقدية . في مختبر التحليل والتشخيص في فك شفرات النص الشعري، وفق منطلقات محددة، تمثل البوصلة النقدية التي يسير عليها بموضوعية التناول والطرح والتفسير . وكتابه النقدي الذي يتناول تجربة الشاعر محمد سعيد العتيق ومنجزه الشعري، في البحث والدراسة النقدية الرصينة والهادفة، يسلط الضوء الكاشف على هذه التجربة من منابعها وتكوينها وصياغتها ورؤيتها، ومنطلقاتها الرامية وغاياتها الهادفة في أدواتها الشعرية، وما يملك من خزين معجمي ومعرفي، يوظفه في ابداعه الشعري، وما يحمل من سمات مميزة تميزه عن الاخرين من الشعراء . وما يتوخى في منطلقاته الشعرية، وماهي ينابيعه التي يسقي بها بستانه الشعري . هذه المنطلقات الحيوية والهامة، التي تمثل مكونات الشعر، أو العمود الفقري في تجربته ومنجزه الشعري و في التناول والطرح . وقد تضمن الكتاب النقدي سبع محطات، اطلاق عليها الناقد تسكية سبع مباحث او أو سبع أطياف في مقاربات التجربة الشعرية للشاعر . واعتقد انها تمثل مرتكزات الاساسية في عمق التجربة الشعرية، اتسمت منصات التحليل النقدي بعمق التحليل وفق خطة منهجية في مقتنيات النقد الشعري الحديث، الذي هو انسجام وتطابق مبدع بين الدراسة الاكاديمية والتحليل وفق اسلوب الحداثة في التطبيق النقدي . ويتضمن الكتاب النقدي في عمق التناول في المرتكزات السبع، نستعرضها في اختصار شديد . وهي محاولة بارعة في النقد في الغور في اعماق التجربة الشعرية وكشف بؤرها الضوئية . لذلك المسار النقدي، تمثل من الكشف من الفوق الى التحت الى صلب اعماق التجربة، او بمعنى آخر من المداخل الى النهايات في قوام ومكونات التجربة الشعرية وهي:

1 - المبحث الاول: طيف العنونة ودلالاته .

العنوان يحمل قيمة واهمية بالغة الاهمية في القصيدة، واذا كان الاسلوب هو الرجل، فالعنوان هو اسلوب الاسمى في القصيدة، والذي يفرض نفسه بما يحمل من دلالات لغوية وتعبيرية ورؤيا وموقف، في الفكرة الشعرية التي يجسدها الخيال والمخيلة في معطياتهما وتكوينهما، في ترسيخ ضوئية القصيدة. فالعنوان يحمل مفتاح الولوج الى داخل روح القصيدة، في منطلقاتها الايحائية والرمزية، فالعنوان هو النور الذي يسطع في ثناء القصيدة، بما يحمل من رؤية سيمائية (علم الدلالة والاشارة) . وبما يملك مكونات اللسانية (لغوية وبلاغية) ومكونات مضمونية (الرؤيا والايحاء والرمز) . لذلك يعتبر العنوان نصاً موازياً للقصيدة، لانه يحمل محفزات الاثارة والجذب المغناطيسي لدى القارئ . ونكتشف من خلال الاستقراء  في التحليل النقدي . بأن الشاعر محمد سعيد العتيق) يولي اهمية بالغة للعنوان في اختيارته .في ومضة المظهر والمعنى والرؤيا . وعلى سبيل المثال، بأن عناوين قصائده وحتى دواوينه الشعرية، تحمل ومضة الجذب المغناطيسي، وعلى سبيل المثال هذه بعض العناوين في قصائده . شذى الروح . على ضفاف الروح . فجر المساء . من الموت نحيا . يعني بأختصار شديد يدلل بأنه صانع ماهر وبارع في صناعة وخلق العنوان في الحرف الشعري للقصيدة .

2 - المبحث الثاني: أطياف الصورة وحيويتها .

 لا تستقيم قامة القصيدة منتصبة، ولا يمكن ان تتسلق على سلم الابداع، إلا من خلال صورتها بعمقها الداخلي والخارجي . في مكامن محسوساتها المعنوية والمادية . في دلالتها ومحفزاتها التي تثير جوانب الاثارة في ذهن القارئ، في مجسداتها الجمالية الفارزة . في مجسداتها اللغوية وتوظيف منصات علم البديع في (التشبيه والاستعارة والمجاز)، لكي تستكمل جزئيات الصورة الى الحالة الكلية او الصورة الكلية ، ووفق مقولة الجاحظ (الشعر صناعة وضرب من النسيج وجنس من التصوير) هذا مفهوم الصورة الشعرية بتكامل كليتها . والتي هي بمثابة المفاتيح الكامنة للولوج الى روح القصيدة . في معطيتها و مكوناتها الحسية والشعورية وهواجسها وارهاصاتها، وبما يسمى بالتكثيف الشعوري في الصورة الشعرية .

3 - المبحث الثالث: أطياف التعالق النصي .

تكمن منصات التعالق في النص ترجع الى مكونات مرجعيته وخلفيتها من الخزين المعرفي من المعجم القاموس الشعري الذي يمتلكه الشاعر . والمكونات المعرفية التي تخلق الاسلوبية في المنهجية الشعرية . لذلك لا يمكن ان تولد المرجعية من الفراغ، بل تحمل خلفها عمق معرفي واسع يستند الى مرتكزات في الرؤيا والتعبير ، في قوله تعالى (ن والقلم وما يسطرون) اي بما يملك القلم من حصيلة معرفية تكمن خلفه . لذلك ان خلفية الشاعر (محمد سعيد العتيق) يملك مرجعية ضاربة في الاعماق . في مجسدات الارث الحضاري والديني والاسطوري والشعبي والشعري، هذا الخزين المعرفي، يدعو الى الزهو والافتخار في قصائده الشعرية، التي تعمق وترسخ الابداع، كما تفاخر المتنبي حين قال (أنا الذي نظر الاعمى الى أدبي / واسمعت كلماتي من به صمم) .

4 - المبحث الرابع: أطياف التجليات الصوفية .

براعة الناقد تكمن في اكتشاف منطلقات ومنصات الشاعر المهمة والتي يتحرك من خلالها في انجازه الشعري، والتي تمثل نوازعه الروحية والفكرية وما ينجرف اليها ويحرث في الحرف الشعري من خلال مكامنها. وهذا الاكتشاف يمثل براعة المجهر النقدي في مجسداته الهامة في ضوئية الكشف . ويشير الناقد الى المكامن الصوفية في اطيافها الروحية لدى الشاعر . وهذا يعتبر احدى الوسائل النقدية في الغور في داخل روح الشاعر من خلال قصائده الشعرية . لان القصيدة لا يمكن ان تكون جسداً بدون روح . والنزوع الصوفي مسألة تشكل احدى معالم الشعر العربي، في مختلف المراحل والاجيال . لذلك يضع الناقد بصمته في اكتشاف النزوع الروحي / الصوفي لدى الشاعر . ويذكر الناقد في تحليله (ولعنا لا نجافي في الحقيقة، أذا قلنا بأن الخطاب الصوفي يطبع الشعر العربي كله بسمة من سماته، على اختلاف صيغة التعبيرية، وتشظي أطياف ألوانه) ص102 . ويضيف في مسالك الرحلة الصوفية في منجز الشاعر، في علاقة وثيقة (ولا غرابة أن يجد الشاعر في الصوفية، منابع للطاقة الروحية، التي تمكنه من تجاوز حيز الجسد الضيق، لينفتح على عوالم الروح الفسيحة، التي تحقق له ما يحتاجه من مسافة للتأمل والتبصير والانعتاق من اسر عالمه الجسدي، وهو ما يتجلى في تحليقات المتصوف وتجلياته العلوية التي تترفع عن الحياة الدنيوية، ليعيش دنياها الخاصة)ص101 .

5 - المبحث الخامس: أطياف المتن اللغوي .

يشير الناقد في مجهر تحلياته النقدية لتجربة الشاعر (محمد سعيد العتيق) بالقول (من نافل القول أن نؤكد أن لكل شاعر اسلوبه الخاص، ولغته التي تميزه من غيره، واللغة هي السمة الفارقة بين شاعر وآخر، فهي بمثابة بصمة اليد التي يتمايز بها الافراد، والشاعر في ابداعه القصيدة، إنما يتوخى التعبير عما في داخله، وما يراه من وقائع، يتخذ حيالها مواقف عاطفية تتجلى في سلوك، او تعبيرية تتجلى في الكلام، وبهذا فأنه يسعى الى خلق علاقات، التي تقوم على اساس من الترادف) ص165 . ويكشف الناقد براعته المتمكنة في الشأن اللغوي والبلاغي من عمق معجمه الواسع، في تجسيدها في حقول متعددة ومتنوعة، ومن اهمها: حقول الوطن . المرأة . الحب . الطبيعة . يسكبها في جمالية خفاقة بالجمال والحياة . والامل يزرعها في حقول الوطن الحبيب .

6 - المبحث السادس: أطياف الاقرباء .

ان الشاعر ليس منفصلاً ومنعزلاً عن محيطه الاجتماعي، وليس انه من يعيش في برج عاجي يترفع بعلاقاته وصلاته عن الاخرين . لذلك نجد الشاعر العتيق، يمتلك علاقات وصلات مرموقة بين محيطه العائلي وبين الناس، بما يخدم المجتمع والحياة الاجتماعية بكل اشكالها .

7 - المبحث السابع: طيف الموقف الشعري:

وهو ما يريد ايصاله في المتن الشعري ورسالته الشعرية وخطابه الشعري، لكي يؤكد على حضوره وموقفه تجاه مجريات الواقع والحياة بالحضور التام . وما يهدف في تفاعله الشعري من مواقف ورؤى وما يحمله من انفاس وتداعيات تراكمية ليصل الى الذروة الابداعية (يبدو الشاعر محمد سعيد العتيق، شاعر غير منحاز إلا الى لغة الجمال، فهو ليس مع تيار بعينه، أنه مع الكلمة الجميلة، والصورة الموحية والاسلوب التعبيري، الذي يرتقي بالكلمة الى مصاف الفن والشعرية) ص268 .، لكنه ملتزم بالقيم الجمالية للمجتمع والوطن، ومنحاز بقوة الى حياض الوطن، في الاسانيد الوطنية الجميلة في عطائها المثمر (وفي هذا التأكيد على الطاقة الكامنة في ذات الشاعر، والقدرة التي يمتلكه فكراً وابداعاً، ويرى نفسه في أتون المخاض الشعري، يعيش حالة القلق الوجودي) و (فالشاعر يحدد معيار الجمال في الشعر، هو الالتزام بالقيم) ص269 .

× الكتاب: أطياف موشور الرؤيا / مقاربات في تجربة الشاعر الدكتور محمد سعيد العتيق

× المؤلف: الدكتور وليد العرفي

× الطبعة الاولى: عام 2020

× الطبع: دار العتيق للثقافة والفكر . دمشق / سورية . المرزة

× عدد الصفحات: 291 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

 

 

عزام محمد مكي (اللا بشر): ألإنتهاكات البريطانية السرية لحقوق الأنسان

المؤلف: مارك كيرتيس

ترجمة: عزام محمد مكي

خداع الجمهور: حملة العراق الدعائيىة

لقد تم اطلاق تعريفات عديدة في وصف مصطلح السياسة، ولكن في بريطانيا فان الملخص الجيد لها هو أنها فن خداع الجمهور. وأمام لجنة تحقيق برلمانية وبعد استقالتها من منصبها كوزيرة للتنمية الدولية، أفادت كلير شورت عن "سلسلة من أنصاف الحقائق والمبالغات والتأكيدات التي لم تكن هي مايجعلنا ندخل  في صراع [مع العراق] بحلول ربيع" 2003. [1] هذا في وجهة نظري، تصريح أضعف مما تقتضيه الحقيقة: كل الأدلة تشير إلى أن - على الأقل بالنسبة للعراق – بأن  الجمهور قد خضع لحملة من الخداع المنظم من قبل الحكومة.

"ممثلو الظلمة يمارسون لعبتهم" [2]

في يونيو 2003، تم الكشف عن أن الحكومة البريطانية كانت تعمل منذ اثني عشر عامًا على الترويج لعملية تهدف إلى إنتاج معلومات استخبارية مضللة بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل. فقد تم إنشاء ’وحدة عملية روكينجهام’ من قبل المخابرات الدفاعية في عام 1991 لتوفير المعلومات التي تثبت أن صدام كان لديه برنامج مستمر لصناعة أسلحة الدمار الشامل، كما كان المطلوب منها إتلاف الأدلة التي تشهد على أن المخزونات من هذه الاسلحة قد تم تدميرها أو إتلافها.

وفقًا لسكوت ريتر، كبير مفتشي الأسلحة السابقين في الأمم المتحدة، فإن وحدة عملية روكينجهام و MI6 (المخابرات البريطانية الخارجية) قاما:

بأضفاء الطابع المؤسساتي على عملية "انتقاء الكرز" التي أنتجتها عمليات التفتيش التي قامت بها الأمم المتحدة في العراق والتي حرَفت معلومات المخابرات البريطانية حول أسلحة الدمار الشامل العراقية نحو نتيجة مسبقة تتماشى مع سياسة الحكومة البريطانية أكثر مما كانت تعكس الحقيقة على الأرض.،

وأضاف أنه "كان عليهم الحفاظ على الادعاء بأن العراق كان يمتلك أسلحة دمار شامل [عندما كان] Unscom [مفتشو الأسلحة التابعين للأمم المتحدة] يظهرون العكس". [4] وقد تم تزويد هذه "المعلومة المخابراتية" إلى لجنة المخابرات المشتركة، وهي الهيئة التي أعدت ملف سبتمبر 2002 الذي يزعم فيه استمرارية  برامج أسلحة الدمار الشامل العراقية.

كان أحد التكتيكات المستخدمة في العملية، وفقًا لريتر، هو تسريب معلومات كاذبة عن الأسلحة للمفتشين، ثم عندما تكون عملية البحث عنها غير مجدية، يتم استخدام ذلك كدليل على وجود الأسلحة.  واستشهد بمثال من عام 1993 عندما أدت المعلومات إلى عمليات تفتيش لمكان يشتبه في أنه موقع صاروخ باليستي؛ وعندما  لم يجد المفتشون أي شيء، سمح "عملنا في  البحث الذي أجريناه للولايات المتحدة والمملكة المتحدة بأن تقول إن الصواريخ كانت موجودة".  كشفت الحكومة في يناير 2004 أن وحدة عملية روكينجهام، استمرت حتى 2002/ 2003 بميزانية قدرها 79000 جنيه إسترليني.،

وفي أواخر عام 2003 كشفت الصحافة عن عملية أخرى تسمى (المناشدة الجماعية) . وقد تم إطلاقها في أواخر التسعينات من قبل المخابرات البريطانية الخارجية (MI6) وتهدف إلى الحصول على دعم عام للعقوبات والحرب ضد العراق وتضمنت زرع  قصص في وسائل الإعلام حول أسلحة الدمار الشامل العراقية. شارك سكوت ريتر شخصياً في هذه العملية في I997-1998 بعد أن اتصل به فريق من المخابرات البريطانية الخارجية (MI6) . وقال إن "الهدف كان إقناع الجمهور بأن العراق كان يمثل تهديدًا أكبر بكثير مما كان عليه في الواقع"، وأن العملية تضمنت التلاعب بالمواد الاستخباراتية وأستمر هذا حتى غزو العراق.

ولتحقيق هذا الهدف، تم اختيار بولندا والهند وجنوب إفريقيا مبدئيًا كأهداف لهذه القصص الإعلامية، بقصد أن تعود بعد ذلك إلى بريطانيا والولايات المتحدة. يلاحظ ريتر أن "القصص نشرت في وسائل الإعلام حول المنشآت السرية تحت الأرض وحول برامج [أسلحة الدمار الشامل] الجارية. وتم تزويد  المخابرات الغربية بهذه القصص التافهة. وقال أيضًا إنهم "أخذوا هذه المعلومات ونشروها على وسائل الإعلام، دوليًا ومحليًا، مما سمح بظهور بيانات استخباراتية غير دقيقة على الصفحات الأولى".[6]

ويشير الصحفي الاستقصائي الأمريكي سيمور هيرش إلى أن برنامج الدعاية البريطانية كان معروفًا لعدد قليل من كبار المسؤولين في واشنطن. ونقل عن مسؤول سابق في إدارة كلينتون قوله "كنا نستعد للعمل في العراق، وكنا نريد أن يستعد البريطانيون كذلك".  وأخبره ضابط مخابرات أمريكي سابق أن عضوًا واحدًا على الأقل من فريق تفتيش الأمم المتحدة الذي دعم الموقف الأمريكي والبريطاني رتب لعشرات التقارير الاستخبارية غير المؤكدة والمعلومات السرية، ليتم توجيهها إلى عملاء المخابرات البريطانية الخارجية (MI6) وتمريرها بهدوء إلى الصحف في لندن وأماكن أخرى. وقال المصدر: "كانت المعلومات المخابراتية هراءًا، ولم نتمكن من المضي قدمًا، لكن البريطانيين أرادوا زرع قصص في إنجلترا وحول العالم". يلاحظ هيرش أنه كانت هناك سلسلة من الاجتماعات السرية مع المخابرات البريطانية الخارجية (MI6) حيث تم توفير الوثائق مع عقد اجتماعات هادئة في منازل آمنة في منطقة واشنطن.[7]،

تم تأسيس حملات الدعاية البريطانية حول العراق قبل فترة طويلة من بدء المرحلة الجديدة في أواخر عام 2002.  ففي الفترة التي سبقت الغزو، أنشأت الحكومة (مركز معلومات التحالف) الذي يقع تقنيًا في مديرية معلومات وزارة الخارجية ولكن برئاسة أليستر كامبل وتتم ادارته من داونينج ستريت . كما ترأس كامبل لجنة أخرى عابرة للحكومة، وهي (مجموعة الاتصالات العراقية). هذه الأجهزة هي التي لعبت دوراً رئيسياً في السيطرة على الحملة التي ضللت الجمهور بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية والتي أشرفت على إنتاج الملفات.[8]،

في مارس 2004، أصدرت لجنة الدفاع التابعة لمجلس العموم والتي تضم جميع الأحزاب تقريرًا يوضح أن "وزارة الدفاع كانت قد بدأت العمل على استراتيجيتها الإعلامية [بشأن العراق] منذ سبتمبر 2002 بالتشاور مع الأمريكيين".  كانت هذه الخطة الإستراتيجية "جزءًا لا يتجزأ من الخطة العسكرية الشاملة" و "تم تنسيقها عبر الحكومة مع اجتماع يومي بين الادارات للتنسيق الإعلامي برئاسة رئيس الوزراء". إجمالا، تم نشر حوالي 200 ضابط صحفي إضافي من قبل وزارة الدفاع "لدعم جهود الحملة الإعلامية"،

وتلاحظ لجنة الدفاع أن نظام زرع الصحفيين في الجيش في العمليات في العراق - الذي وصفه وزير الدفاع بأنه "أحد أكثر الجوانب الجديدة للحملة الإعلامية" "ساعد في تأمين الرأي العام في المملكة المتحدة". ويقتبس عن قائد القوات البرية البريطانية، الجنرال بريمز، أنه "من وجهة نظري ... لا أحد منهم (الصحفيون المزروعون) قد خذلونا".  قال نائب الطيران مارشال توربي، قائد القوات الجوية في غزو العراق، أن طاقمه "راضون جداً عن التغطية التي حصلوا عليها".  وقامت لجنة الدفاع التابعة لمجلس العموم والتي تضم جميع الأحزاب، بالموافقة الشاملة على هذه العمليات بالكامل واوصت بزيادة تكثيفها في المستقبل.[9]،

ومن هذه القصص الإعلامية التي ربما تكون قد استندت إلى معلومات مضللة نشرها مسؤولون بريطانيون خلال عملية العراق تضمنت: "انتفاضة" مفترضة في البصرة وفاة صدام؛ ثلاث سفن شحن عملاقة قيل إنها تحتوي على أسلحة دمار شامل (نُشرت في الإندبندنت)؛  قيام صدام بقتل  "رئيس مشروع الصواريخ" العراقي لإعاقة مفتشي الأمم المتحدة (نُشرت في صنداي تلغراف)؛ "تلميحات حول خطة تهريب أحجار كريمة لصالح  صدام من تايلاند " (غطتها صحيفة الصنداي تايمز) ؛ وقصة من "مخططي الحرب الأمريكيين والبريطانيين" عن أن العراق كان يعد "سياسة الأرض المحروقة قبل أي هجوم عسكري أمريكي" من أجل "هندسة أزمة إنسانية مدمرة ضد شعبه" (نُشرت في الأوبزرفر).[10]،

واستمرت الحملة الدعائية خلال فترة الاحتلال.  في تشرين الثاني / نوفمبر 2003، كشفت صحيفة الجارديان أن الحكومة كانت تقوم بـتنظيم "هجوم إعلامي" يحمل الاسم الرمزي "أكتوبر الكبير" لإقناع الجمهور بدعم ماترتب عن حرب العراق. وأظهرت وثائق مسربة أن وزارة الدفاع وضعت الإستراتيجية في أيلول/سبتمبر، في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا والولايات المتحدة تواجهان معارضة متزايدة؛ وذكروا أن "الإدارة المعلوماتية تعتبر أداة للمساعدة في الحفاظ على الموقف الذي يمكن التحكم فيه".  حددت إحدى الوثائق أن "الهدف الرئيسي لوزارة الدفاع هو الجمهور ووسائل الإعلام في المملكة المتحدة بينما [الهدف الرئيسي] لمقر قيادة القوات البريطانية في البصرة هو الشعب العراقي".   كانت المسألتان الرئيسيتان اللتان كان يجب التأكيد عليهما من خلال وسائل الإعلام البريطانية هما : "الأمن في العراق - حاولوا الدفع بالأدراك الجمعي للتصور بأن العراق أصبح أكثر أمانًا" و "المرافق وإعادة الإعمار - حاولوا إثبات أن الخدمات والمرافق اصبحت جيدة إن لم تكن أفضل مما كانت قبل الحرب ". [11]،

ما كان العراق بنظرهم يشكل تهديدا خطيرا

كانت هناك خرافتان تم تداولها على نطاق واسع في وسائل الإعلام الرئيسية: أولاً، أنه كان هناك ببساطة ``فشل استخباراتي '' كبير بشأن العراق؛ وثانيًا، لقد تصرف الوزراء بحسن نية عند تقديم وجهة نظرهم للرأي العام بشأن التهديد الذي كان يشكله العراق، ولكن ببساطة كانوا على خطأ. وكان هدف تداول هذه الخرافات فقط من اجل إخراج الحكومة من مأزقها وحماية النظام الذي يصنع القرار فعليا.،

عندما نُشر تقرير بتلر، كتبت الإيكونوميست افتتاحية عن بوش وبلير بعنوان "مخادعون مخلصون".  وقد أشارت الى أنه "في تقديم قضية غزو العراق الذي حدث العام الماضي، كانوا صادقين بشأن ما يعتقدون".  كان يمكن فهم مثل هذا "الفن في البيع السياسي "، حول ان العراق يشكل تهديد إذا اخذنا بالإعتبار " التشكك الواسع الانتشار بشأن ما إذا كانت الحرب هي الحل الصحيح ".  وبالمثل، أشارت افتتاحية نيو ستيتسمان إلى أن بلير"كان مخطئا"، مضيفًا أن "بلير كان تقريبا متأكدا بانه كان صادقا عندما قال " بعدم وجود شك لديه " في أن تهديد الديكتاتور العراقي كان" خطيرًا ومستمرا". لذا فقد اقترف بلير "تقدير حكم كارثي" و "فشل في القيام بواجب منصبه".،

والحقيقة هي عكس ذلك تماما. يتضح من نتائج لجنتي تحقيق هوتون وبتلر أن المعلومات الاستخباراتية المقدمة للوزراء كانت غامضة وغير مؤكدة بشأن وجود تهديد عراقي.  ويشير تقرير بتلر إلى أنه بعد رحيل مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة في عام 1998، "كانت مصادر المعلومات ضئيلة، خاصة حول برامج الأسلحة الكيميائية والبيولوجية العراقية". ظل عدد المصادر الاستخباراتية البشرية الأولية قليلًا، بينما لم يكن لدى MI6 بشكل عام وكلاء لديهم معرفة مباشرة ببرامج العراق النووية أو الكيميائية أو البيولوجية أو الباليستية. ونتيجة لذلك، كانت تقارير المخابرات استنتاجية بشكل رئيسي.،

كانت تقارير لجنة المخابرات المشتركة تقول بشكل مختلف أن المعلومات الاستخباراتية عن أسلحة الدمار الشامل العراقية كانت "غير مكتملة" أو "غير واضحة" أو "محدودة" أو "فقيرة"، بينما أشارت إلى أن "هناك القليل من المعلومات الاستخباراتية" و "الصورة لدينا كانت محدودة".  جاء في تقرير لجنة الاستخبارات المشتركة قبل أسابيع قليلة من إصدار ملف الحكومة في أيلول/سبتمبر 2002 أنها "لا تعرف سوى القليل عن مجريات العمل حول الأسلحة البيولوجية والكيميائية في العراق منذ أواخر عام 1998". [13]،

في مارس 2003، قدمت لجنة المخابرات المشتركة تقييمًا أوضح، وفقًا للحكومة، إلى:،

إن المعلومات الاستخبارية عن توقيت استخدام العراق للأسلحة الكيماوية كانت غير متناسقة وأن المعلومات حول إنتشار هذه الاسلحة كانت قليلة.  معلومات استخبارية تشير إلى أن الأسلحة الكيماوية ظلت غير مركبة ولم تكن هناك اية إضائة حول وجود  امر من صدام  لتجميعها.،

كما أشارت لجنة الاستخبارات المشتركة إلى أن معلومات استخبارية أخرى تشير إلى أن الصواريخ الباليستية العراقية التي يبلغ مداها 750 كيلومترًا لا تزال غير مركبة وأن الأمر سيستغرق "عدة أيام لتجميعها بعد إصدار أوامر بذلك".  كما لاحظت الحكومة "عدم اليقين بشأن التقييمات ونقص المعلومات الاستخبارية التفصيلية" التي قدمتها لجنة الاستخبارات المشتركة. [14]،

في تموز/ يوليو 2003، أصدرت وزارة الدفاع تقريرًا بعنوان "عمليات في العراق: تأملات أولية"، أشار إلى أنه "لم يُعرف سوى القليل جدًا عن كيفية تخطيط [القوات العراقية] لمقاومة التحالف أو ما إذا كانت لديها الإرادة للقتال". ربما قد "يستخدم النظام" أسلحة الدمار الشامل، إذا كان استطاع أن يجعل القدرات متاحة للاستخدام التشغيلي". [15]،

هذا الاعتراف بأنه لم يكن يُعرف إلا القليل عن القدرات العراقية، والذي يتماشى مع تقارير لجنة الاستخبارات المشتركة المذكورة أعلاه، يتناقض بشكل صارخ مع التأكيدات التي تبين بان العراق كان يشكل تهديدا، والواردة في ملف أيلول/سبتمبر 2002 وأماكن أخرى، والتي تم تقديمها للجمهور في ذلك الوقت.،

وفقا لوزير الخارجية السابق روبن كوك، ربما كان توني بلير يعرف قبل أسبوعين من الحرب أن العراق ليس لديه أسلحة دمار شامل. فيعيد كوك الى الاذهان تقرير موجز قدمه رئيس لجنة الاستخبارات المشتركة (جون سكارليت) في 20 شباط/فبراير2003. يلاحظ كوك أن:،

عندما عرضت عليه استنتاجي بأن صدام لم يكن لديه أسلحة دمار شامل بعيدة المدى ولكن قد يكون لديه أسلحة كيميائية في ساحة المعركة، وافق على الفور. عندما سألته عن سبب اعتقادنا بأن صدام لن يستخدم هذه الأسلحة ضد قواتنا في ساحة المعركة، فاجأني بالادعاء أنه من أجل تجنب مفتشي الأمم المتحدة، قام صدام بتفكيك القذائف وتوزيعها على مناطق متباعدة - ونتيجة لذلك أنه سيكون من الصعب تهيأتها للقتال في حلة حدوث هجوم. ليس فقط أن صدام لم يكن لديه أسلحة دمار شامل بالمعنى الحقيقي لتلك العبارة، كما لم يكن لديه أسلحة قابلة للاستخدام في ساحة المعركة.،

ويذكر كوك أنه في 5 آذار/مارس طرح على بلير هذه النقاط، مشيرًا إلى "أنه أعطاني نفس الرد الذي قدمه جون سكارليت، وهو أن أسلحة ساحة المعركة قد تم تفكيكها وتخزينها بشكل منفصل. لذلك شعرت بعد عام  من ذلك بالحيرة بعد سماعي له يقول إنه لم يكن في معلومه قط، أن أجهزة المخابرات لم تعتقد أن صدام كان يمتلك أسلحة دمار شامل بعيدة المدى".[16]،

ومن المؤكد فأن بلير قد قال، وقبل عام تقريبًا، في آيار/مايو 2002، أنه "لا يوجد شك في ذهني" أن العراق أخفى أسلحته وأنه "سيكون من الصعوبة عليهم بمكان، إعادة تركيب تلك االاسلحة لاستخدامها في حالة نشوب الصراع ". [17]،

على الرغم من أن المعلومات المقدمة للوزراء كانت غامضة وغير مؤكدة، مع ذلك توصلت لجنة الاستخبارات المشتركة بشكل يثير التعجب، الى استنتاج مفاده أنه من المحتمل ان يمتلك العراق بعض أشكال من أسلحة الدمار الشامل - وهذا ما تم تفسيره على أنه "فشل" استخباري.  ومع ذلك، فإن القضية الحاسمة هنا هي أنه، كما يوضح تقرير بتلر، كان ينظر إلى امكانية استخدام العراق لأسلحة الدمار الشامل على أنه تهديد فقط رداً على الغزو.  كانت الاستخبارات تقول للوزراء إن العراق لم يكن يشكل تهديداً يذكر على الإطلاق.،

يشير تقرير لجنة الاستخبارات المشتركة الصادر في سبتمبر 2002 إلى أنه "في مواجهة احتمال هزيمة عسكرية وإزاحته من السلطة، من غير المحتمل أن يتم ردع صدام عن استخدام الأسلحة الكيميائية والبيولوجية بأي وسيلة دبلوماسية أو عسكرية". كما أشارت إلى أن "استخدام الأسلحة الكيميائية والبيولوجية قبل أي هجوم عسكري سيعزز الدعم للعمل الذي تقوده الولايات المتحدة وهو أمر غير مرجح".  ومع ذلك، عندما تم إدخال هذه المعلومات الاستخباراتية في ملف أيلول/سبتمبر 2002، فأنه قد قُرأت ببساطة: "إنها [الاستخبارات] تُظهر أنه لا يعتبرها [أسلحة الدمار الشامل] إلا أسلحة الملاذ الأخير". [18] وهذا يثير قضية أخرى لأولئك الذين يقبلون بأن الوزراء كانوا يعتقدون حقًا أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل - وأنهم كانوا على استعداد لإعطاء الاذن بالغزو مع العلم أن هذا هو الاستفزاز المحتمل للعراق لاستخدامها.،

بعد غزو العراق، قال وزير الخارجية جاك سترو أمام لجنة تحقيق برلمانية أنه قبل الحرب لم يكن هو ولا بلير قد استخدموا عبارة "تهديد فوري أو وشيك" لوصف العراق، لكنهم تحدثوا عن "تهديد مستمر وخطير".  وهو أمر مختلف للغاية ". وأضاف سترو: "لم نستخدم المفردات: وشيكة؛ ستحدث قريبًا؛ على وشك الحدوث اليوم أو غدًا، لأنه من الواضح ان الادلة المتوفرة لاتبرر ذلك". [19]  وبعبارة أخرى، كان يمكن أن ننتظر عمليات التفتيش عن الأسلحة، الشئ الذي كان من المحتمل به تجنب وفاة الآلاف من الأشخاص.،

بينت إحدى رسائل البريد الإلكتروني التي برزت  من ضمن وثائق لجنة هوتون التحقيقية والتي تمت تغطيتها اعلاميا بشكل جيد في ذلك الوقت، بأن جوناثان باول، رئيس موظفي بلير، أثار شكوكاً جدية بشأن مسودة ملف أيلول/سبتمبر:،

الوثيقة لا تبين اي شيئ يثبت وجود تهديد، ناهيك عن تهديد وشيك من صدام ... سنحتاج إلى اصدار وثيقة نبين بها باننا لا ندعي وجود أدلة لدينا تدل على أنه يشكل تهديدًا وشيكًا. [20]،

وذكر باول أيضا أن واضعي صياغة الملف بحاجة إلى توضيح بأن صدام لا يمكنه الهجوم في الوقت الراهن. الفرضية يجب ان تتضمن، بأنه(صدام) يمكن أن يكون تهديدًا للمملكة المتحدة في المستقبل إذا لم تتم مراقبته. [21] مع ذلك وبعد أسبوع من ذلك، أطلق بلير الملف، مع وجود تحذير من أن العراق يمكنه نشر أسلحة دمار شامل خلال 45 دقيقة حين صدور الأمر بذلك.،

كما تم توضيح عدم وجود تهديد حقيقي من العراق في تقرير صادر عن وكالة استخبارات الدفاع التابعة للبنتاغون، تم تسريبه إلى وسائل الإعلام في حزيران/يونيو 2003. وذكر ملخص حصلت عليه )سي إن إن( أنه "لا توجد معلومات موثوقة حول ما إذا كان العراق ينتج ويخزن أسلحة كيميائية أو ماهي الأماكن التي سيقيم العراق المرافق اللازمة لإنتاج مواد الحرب الكيماوية". تم إصدار هذا التقرير في سبتمبر 2002، وهو نفس الشهر الذي صدر فيه الملف البريطاني. [22]،

لقد علق روبن كوك بشكل معقول على أن العديد من التأكيدات الصارخة في ملف سبتمبر 2002 لم تتكرر في المناقشات في عشية الغزو آذار/مارس - بحلول هذا الوقت، لم تكن هناك إشارة إلى أن الأسلحة جاهزة في 45 دقيقة؛ إلى ان العراق يسعى لشراء اليورانيوم من النيجر أو لبرنامج أسلحة نووية أعيد تشكيلها. لقد كانت حجته هي أنه إذا لم تكن الحكومة قد عرفت في ذلك الحين في سبتمبر 2002 أن العراق لا يمثل تهديدًا حقيقيًا، فقد قامت بذلك بالتأكيد بحلول مارس 2003، عندما قامت بشن الحرب. [23]،

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن ملف سبتمبر 2002 – وهو الركن الرئيسي لقضية الحكومة البريطانية بأكملها ضد العراق - لم يقدم دليلاً فعليًا على وجود تهديد من العراق.  ذكرت صحيفة الغارديان في ذلك الوقت أن "مسؤولي الحكومة البريطانية اعترفوا سرا أنه ليس لديهم أي" دليل حاسم" حول أسلحة الدمار الشامل.  لوا كان لديهم مثل هذا الدليل، لكانوا قد مرروه بالفعل إلى المفتشين. في اليوم السابق لإعلان بلير أن الملف سيُنشر قريباً، نُقل عن مصدر في الحكومة البريطانية قوله إن الملف يستند إلى معلومات تم العثور عليها في الاعوام حتى عام 1998، عندما انسحب المفتشون من العراق، وأنه "لم تحتوي هذه المعلومات سوى القليل جدًا". [24]،

ومن الجدير بالذكر أيضًا أن ملف سبتمبر 2002 لم يكن أول ملف تقدمه الحكومة لإعداد البلاد للتدخل العسكري. قبل قصف أفغانستان، أصدرت الحكومة تقريرًا بعنوان "المسؤولية عن الفظائع الإرهابية في الولايات المتحدة، 11 أيلول/سبتمبر2001"، حيث قدمت القضية ضد القاعدة.  ويشمل ذلك إشارات مختلفة إلى "الاستغلال الكبير المزعوم للقاعدة لتجارة المخدرات غير المشروعة من أفغانستان".  وأضافت أنه "في ربيع عام 1993 شارك نشطاء من القاعدة في الهجوم على أفراد عسكريين أمريكيين يخدمون في الصومال". [25]  لقد كانت اتهامات كاذبة انتهى بها المطاف الى (القدر) مثل كثير من التلفيقات على العراق.،

يعلق الصحفي في صحيفة (الأوبزرفر-Observer) جيسون بيرك في كتابه عن القاعدة قائلاً:،

لابد أن المتخصصين في المخابرات البريطانية قد علموا أن الملف الذي قدموه لرئيس الوزراء للكشف عنه للبرلمان والجمهور البريطاني لتبرير التورط في صراع كبير تضمن مواد كاذبة بشكل واضح، لكنهم شعروا أن الحرب في أفغانستان بحاجة إلى خوضها وأن هنالك حاجة لجعل الجمهور مقتنع بذلك. [26]،

وحتى بعد مرحلة القصف وانهيار طالبان استمرت الدعاية الإعلامية الحكومية عن أفغانستان بشكل جيد.  فعلى سبيل المثال، نشرت الأوبزرفر في آذار/مارس 2002، قصة تحت عنوان "قصة اكتشاف في كهف أفغاني" تم اختلاقها "لتبرير إرسال مشاة البحرية".  وذكرت الصحيفة أن:،

لقد تم اتهام بريطانيا في الليلة الماضية، بالادعاء الكاذب أن إرهابيي القاعدة قاموا ببناء معمل "أسلحة بيولوجية وكيميائية" في أفغانستان لتبرير نشر 1700 من مشاة البحرية الملكية للقتال هناك. وجاءت هذه المزاعم في أعقاب إفادة صحفية أدلى بها مسؤول كبير في في الحكومة البريطانية للصحف يوم الجمعة زعمت أن القوات الأمريكية اكتشفت مختبرا للأسلحة البيولوجية في كهف بشرق أفغانستان ... وقد تم نفى هذا الادعاء الذي نقلته عدد من الصحف أمس بشكل قاطع الليلة الماضية من قبل مصادر البنتاغون ووزارة الخارجية. [27]،

تشير هذه السابقة إلى امكانية توقع مثل هذه المزاعم المزيفة بشأن العراق.  إن استمرار العديد من الصحفيين في التلاعب يظهر الدرجة التي تتميز بها التقارير الإخبارية السائدة بالخداع الذاتي المتعمد.

ان مسألة الذهاب الى الحرب كانت ملفقة بشكل مثير للدهشة، تمت تبرّأت الحكومة من "تضليل" المعلومات الاستخبارية، من قبل لجان برلمانية مختلفة وكذلك لجنة تحقيق (هاتون).  في العالم الواقعي، تشير جميع الأدلة إلى أن قضية خوض الحرب لم تكن مجرد "عملية تجميل لكسب الانظار" ولكنها ملفقة بشكل واعي ومتعمد؛ كانت هناك حاجة لذلك، بالنظر إلى معطيات التهديد الذي يشكله العراق. كانت عصابة بلير عازمة جدًا على تعزيز مصالحها التي تفترضها من خلال الغزو، والتي كانت من نتائجها استراتيجية خداع عام كانت تسعى لتبرير خوض الحرب.  يُظهر هذا مدى كم هي بعيدة المصلحة الوطنية عن مصالح هذه النخبة الضيقة المسؤولة عن صنع السياسة.،

وامام لجنة تحقيق برلمانية بينت كلير شورت بأن "الإيحاء بوجود خطر تجهيز أسلحة كيماوية وبيولوجية كأسلحة قادرة على تهديدنا في فترة وجيزة، كان خداعًا. وهذا الايحاء لم يكن مصدره الأجهزة الأمنية". وعندما سُئلت عما إذا كانت تعتقد أن الوزراء بالغوا في استخدام المواد الاستخباراتية، أجابت: "بان ما اقترحه كجواب هو، نعم".  لقد تم القيام بذلك من أجل "جعله [التهديد] أكثر إلحاحًا، وأكثر وشيكًا، ويتطلب إجراءً عاجلاً".[28]،

وقد ظهرت من اعمال لجنة تحقيق (هاتون)، رسائل بريد إلكتروني مختلفة مرسلة من  مسؤولين في داونينج ستريت، وصفتها صحيفة الجارديان بأنها "محاولة محمومة لإنتاج ملف يبرر العمل العدواني ضد صدام حسين. وفي مدى أسبوعين والافتقاد تقريبا لوجود دليل جديد – عدى "تحذير 45 دقيقة" السيئ السمعة - قلب مساعدوا بلير السياسة البريطانية تجاه العراق رأسًا على عقب ". [29]،

كتب مسؤول صحفي في الحكومة البريطانية ما يلي:،

الكثير من الأدلة التي لدينا هي ظرفية إلى حد كبير، وعلى هذا نحتاج إلى أن نخبر قرائنا أن تراكم هذه الحقائق يوضح وجود تصميم من جانب صدام – وسيكون من الافضل لنا لو استطعنا  توجيههم للوصول الى هذه القناعة بأنفسهم بدلاً من ان يقبلوا الاحكام التي نصدرها. [30]،

كما كتب أنه "كلما أشهرنا أن المعلومات غير المؤكدة (على سبيل المثال، يولي صدام أهمية كبيرة لامتلاك أسلحة الدمار الشامل) مصدرها المخابرات يكون ذلك أفضل".  هذا يجب أن "يضيف إلى الشعور بأننا نقدم أدلة حقيقية". وكتب مسؤول صحفي في داونينج ستريت بالمثل: "هل يمكننا أن نبين لماذا نعتقد أنه [صدام] ينوي استخدام [أسلحة الدمار الشامل] للعدوان، بدلاً من القول انه  للدفاع عن النفس؟"  ذكرت صحيفة الغارديان أيضًا أن جوليان ميلر، نائب جون سكارليت، كان يعقد اجتماعات مع موظفي الإعلام في الحكومة للتأكد من أن الجميع "على المسار الصحيح". [31]،

في المواد الاعلامية المخصصة للاستهلاك العام، حولت الحكومة الاحتمالات المتعلقة بالقدرات العراقية إلى حقائق مؤكدة وأزالت التحفظات الحيوية. لإعطاء ثلاثة أمثلة في عملية صياغة ملف سبتمبر:،

ذكر الملف أن العراق "يواصل إنتاج أسلحة كيماوية وبيولوجية". ومع ذلك، وبحسب لجنة المخابرات والأمن بالبرلمان، فإن لجنة الاستخبارات المشتركة "لم تعرف ما تم إنتاجه وبأي كميات".

نصت مسودة المقدمة التي كتبها بلير للملف على ما يلي: "القضية التي أقوم بها ليست أن صدام يمكنه شن هجوم نووي على لندن أو أي جزء آخر من المملكة المتحدة (لم يستطع)". تم حذف هذا من الوثيقة النهائية.

رسالة بريد إلكتروني من جوناثان باول علق فيها على مسودة للملف ذكرت أن الادعاء بأن صدام لن يستخدم أسلحة كيماوية أو بيولوجية إلا إذا كان نظامه تحت التهديد، تشكل "مشكلة صغيرة". لذلك تمت إعادة صياغة المقطع وأزيلت كل الإشارات إلى استخدام صدام الدفاعي لهذه الأسلحة، تاركًا انطباعًا بأن بريطانيا كانت على بعد 45 دقيقة من التعرض لهجوم. [32]

صرح بريان جونز، وهو مسؤول كبير سابق في وحدة استخبارات الدفاع (DIS)، بأنه "اثناء إعداد الملف تم نقض الخبراء من محللي الاستخبارات في وحدة الاستخبارات الأمنية " مما أدى إلى "تقديم عرض كان مضللاً بشأن قدرات العراق".  وقد أشار ايضا إلى أن القيادة في مجمع الاستخبارات ... والتي كان لها الكلمة الأخيرة بشأن التقييم المقدم في الملف.  'أخبر جونز لجنة تحقيق هاتون أن موظفيه أخبروه' بعدم وجود دليل على حدوث إنتاج كبير فيما اذا كان على صعيد انتاج  عوامل الحرب الكيميائية او على صعيد انتاج الأسلحة الحاملة لرؤوس كيماوية ".  لكن" الانطباع الذي كان لدي هو ... الستائر كانت تنزل على هذه الورقة بالذات [أي ملف أيلول/سبتمبر]، حيث كان الجدل قد وصل الى الخلاصة المطلوبة  ".  وبالمثل صرح موظف مدني في وزارة الدفاع  بإن "الفهم  كان أن الملف قد تم تدويره  عدة مرات من أجل محاولة إيجاد شكل من الكلمات التي من شأنها تعزيز أهداف سياسية معينة".[33]،

لقد تم بالتأكيد "اختلاق"  القضية ضد العراق من قبل موظفي الحكومة البريطانية وبعض كبار مسؤولي "المخابرات".  وحسبا لريتشارد نورتون تايلور من صحيفة الغارديان، فإن جون سكارليت " وبشكل يائس تم إغوائه من قبل زمرة بلير. فتحت سيطرة سكارليت، قام كتبة الملف بادخال المسائل حسب ما اقترحته حكومة توني بلير. كما قاموا ايضا بحذف بعض المواد من الملف . وأشار روبن كوك إلى أن جون سكارليت كان مدركًا للغاية أن رئيس الوزراء توقع منه أن يأتي بمبرر لشن الحرب ". [34]،

اقترح أليستر كامبل أكثر من عشرة تغييرات منفصلة على مسودة الملف الخاص بالعراق.  فكان رد سكارليت بالقول إن اللغة قد تم "تشديدها".  ولكن كامبل اقترح بشكل حاسم، أن كلمة "ربما" كانت ضعيفة ويجب استبدالها بكلمة "تكون" وعلى هذا فعندما تم نشر الملف، كان التأكيد على أن العراق يمتلك أسلحة "يمكن نشرها وجاهزة للأستخدام في غضون 45 دقيقة من الأمر باستخدامها". [35]،

كما اقترح كامبل أيضًا تغييرًا مهمًا آخر في الملف. فقد نصت مسودة الخامس من سبتمبر / أيلول على أنه بعد رفع العقوبات "نحن نقدر أن العراق سيحتاج إلى خمس سنوات على الأقل لإنتاج سلاح [نووي].  سيكون التقدم أسرع بكثير إذا كان العراق قادراً على شراء المواد الانشطارية"  في مذكرة بتاريخ 17 أيلول/ سبتمبر، كتب كامبل إلى جون سكارليت أن رئيس الوزراء، كان قلقًا، مثلي، بشأن الطريقة التي قمت بالتعبير بها عن القضية النووية ... ألا يمكننا العودة، في المواعيد، إلى "جهاز مولد للإشعاع" في شهور ؛ قنبلة نووية في 1-2 سنوات بمساعدة ؛ 5 سنوات بدون عقوبات. وقد نصت الوثيقة النهائية على أن "العراق يمكن أن ينتج سلاحا نوويا في فترة تتراوح بين عام وسنتين". [36]،

45 دقيقة

ربما يكون الشيء الأكثر إثارة للدهشة في ادعاء الـ 45 دقيقة هو أن أي شخص ممكن ان يقع في هذه الضجة الواضحة.  يبدو أن ديفيد كيلي  كان قد "ضحك للتو بشأن ادعاء الـ 45 دقيقة"، معتقدًا أنه "مثير للضحك".[ 37] ولو كان الصحفيون قد فعلوا الشيء نفسه، لكانت حجة الحكومة لغزو العراق قد انهارت.،

وقد اعترف وزير الدفاع جيف هون أنه عند نشر الملف كان يعلم أن الادعاء بأن العراق يمكنه إطلاق أسلحة في غضون 45 دقيقة يشير فقط إلى "ذخائر ساحة المعركة" مثل القذائف.  أي أنه لا يمكن أن يستخدمها العراق إلا للرد على الغزو. افترضت العديد من التقارير الصحفية (وكانوا ملتزمين بإخلاص بنشر الدعايات  كحقائق) أن الادعاء يتعلق بصواريخ استراتيجية أو صواريخ بعيدة المدى؛ واقترحت إحدى الصحف أن بإمكان هذه الصواريخ  الوصول إلى قواعد في قبرص.  أخبرت كلير شورت تحقيقًا برلمانيًا أنه في العديد من الإحاطات الشفوية والمكتوبة التي تلقتها من أجهزة المخابرات، لم يكن إدعاء ال45 دقيقة واحد من الملامح في الملف. [38]،

وكان جون سكارليت، رئيس لجنة المخابرات المشتركة، هو الذي أخبر لجنة تحقيق (هاتون) أن الادعاء كان يهدف فقط  الإشارة إلى أسلحة ساحة المعركة قصيرة المدى. ووفقًا لما نسبته صحيفة الغارديان لمصادر مطلعة، بان كل من سكارليت والسير ريتشارد ديرلوف،  رئيس جهاز المخابرات البريطانية (MI6)، بعدما قرأوا تقرير الاستخبارات في نهاية آب/أغسطس، إفترضوا بأن إدعاء (تحذير 45 دقيقة) يشير فقط إلى أسلحة قصيرة المدى في ميدان المعركة.[39]"  وكان يراد من تقرير لجنة (هاتون) ان يجعلنا نصدق أن بلير، وهو المعروف بأنه بنهمه الشديد  "للمعلومات الاستخباراتية"، لم يكن يعرف ذلك.،

عندما سُئل رئيس الوزراء، في البرلمان عن عدد المناسبات بين كانون ثاني/يناير وآيار/مايو 2003، قد تمت إثارة ادعاء الـ 45 دقيقة، أجاب: "على حد علمي، لا شيء". وهذا يتوافق مع ما قاله جيف هون في لجنة تحقيق لجنة الدفاع، بأنه في الفترة التي سبقت الغزو قام بانتظام بتقديم تلخيص لرئيس الوزراء و:،

لو كانت هذه [أي ادعاء ال 45 دقيقة] قضية مهمة فيما يتعلق بقرار نقل البلاد إلى الحرب، فأنا متأكد من أن هذه القضية كانت ستظهر في المحادثات بيننا، ولكن، كما اشدد، لم تكن تلك قضية مهمة. [40]،

من المحتمل أن يكون (هون) صادقًا - لم تكن هذه القضية مهمة على الإطلاق لقد كان مفهوما بأنها لاتمت للحقيقة؛ ويبدو أنها كانت مخصصة للعلاقات العامة فقط. فقد أشار تقرير (بتلر) إلى "شكوك" في أن الادعاء قد أُدرج في ملف سبتمبر فقط بسبب طابعه "اللافت للنظر".[41]،

وكما نعلم ايضا فأن "المعلومات الاستخبارية" حول هذا الادعاء، والتي ظهرت بأعجوبة في نهاية آب/أغسطس 2002، قبل أن تبدأ الحكومة في إعداد ملفها، كانت غامضة للغاية.  وان المصدر، وهو جنرال عراقي، قد قال إن العراق كان لديه نظام قيادة وتحكم واتصالات كان سيمكن صدام أو المرتبطين به من الاتصال بالقادة في الميدان في غضون 45 دقيقة لتخويل استخدام أسلحة الدمار الشامل. هذا لا يعني نشر أسلحة الدمار الشامل أو حتى تجهيزها. بالأحرى، لم تكن هناك "معلومات استخبارية محددة عن خططهم [العراقية] فيما يتعلق بكيف / متى / ومع ماذا سيفعلون، حسبما أفادت الصحافة ".[42]،

علاوة على ذلك، فإن الجنرال العراقي الذي يُعتقد أنه قام بدور هذا المصدر - نزار الخزرجي - كان يعيش في المنفى في الدنمارك وتلقى معلوماته من ضابط عراقي آخر يخدم في الجيش. لم يكن لدى الخزرجي أي وسيلة للتحقق من التأكيد بنفسه ولا أي دليل موثق. علاوة على ذلك، اعتبرته وكالة المخابرات المركزية بديلاً محتملاً لصدام إذا قام الجيش بانقلاب، وبالتالي كانت له مصلحة في الغزو الذي يحدث ". [43]،

إذا تم النظر إلى ادعاء )الـ 45 دقيقة( على أنه حقيقي، فربما يتوقع المرء أن يشير اليه تقرير لجنة الاستخبارات المشتركة في آذار/مارس 2003، بدلاً من التصريح بأن جميع الأسلحة الكيميائية "بقيت مفككة". ربما كنا نتوقع أيضا أن تشير إليها الحكومة في نقاشاتهاعشية الحرب.،

ان التقرير الذي قدمه الصحفي في راديو 4 من ال BBC، أندرو جيليجان  في برنامج (اليوم-The Today )في 29 مايو 2003 -والذي كان مصدر الخلاف الشرس بين الحكومة  وال BBC - كان تقريرا دقيقًا إلى حد كبير، وبالتأكيد أحد أفضل الاكتشافات الإعلامية عن العراق، وهذا ما قد يفسر الهجوم الذي شن عليه وعلى البي بي سي من قبل أليستر كامبل. وقد اشار  جيليجان بشكل صحيح إلى أن الملف قد تم "تحريفه '' ضد رغبات بعض ضباط المخابرات، وأن مصدره الذي لم يذكر اسمه، ديفيد كيلي، دحض ادعاء الحكومة حول (تحذير 45 دقيقة). (كما أخبر كيلي مراسلة نيوزنايت سوزان واتس أن ادعاء ال(45 دقيقة) "بعيد عن المعقولية" وهذا لانهم  "كانوا بحاجة ماسة للحصول على معلومات"). [44]،

لم يكن كيلي المصدر الوحيد لتقرير جيليجان. كان لدى محرر برنامج (Today)، كيفن مارش، مصدران آخران: السير ريتشارد ديرلوف، رئيس جهاز المخابرات البريطانية (MI6)، إلى جانب اثنين من زملائه؛ وكلير شورت.  واعتمادا على صحيفة التايمز، أجرى مارش مقابلة مع ديرلوف وفسر كلماته:،

على إن المخابرات لم تكن تدعم قضية الحرب على العراق. . . حيث لم يتم العثور على دليل قاطع على وجود أسلحة دمار شامل في العراق. حيث، قيل، بإن هذا قد ادهشه [مارش] باعتباره استنتاجًا غريبًا إذا كانت هذه الأسلحة، وقت نشر ملف سبتمبر،في جاهزية ال (45 دقيقة).،

وحين ذاك، وقبل تقرير جيليجان أيضًا، التقى مارش مع كلير شورت التي أخبرته أنه "لم يتم تقديم معلومات استخباراتية أظهرت بشكل قاطع أن العراق كان تهديدًا وشيكًا". ووفقًا لصحيفة التايمس، "ساعدت كلماتها في دفع البرنامج الى تصديق السبق الصحفي الواضح  لجيليجان: أن داونينج ستريت أدخل الادعاء، وعلى عكس تمنيات الخبراء، بأن العراق يمكنه إطلاق أسلحة دمار شامل في غضون 45 دقيقة". [45]،

أن تأكيد جيليجان على أن الحكومة "ربما كانت تعلم" أن ادعاء الـ 45 دقيقة كان كاذبًا مع ذلك مستمرة في إدراجه التقرير، هو تشخيص صحيح بشكل أساسي.  ويبدو أنه كان مخطئًا في الإشارة إلى أن أليستر كامبل كان مسؤولاً عن إدخال الادعاء. لكن الإشارة الأولى في الملف إلى أن العراق كان لديه أسلحة دمار شامل جاهزة للاستخدام في غضون 45 دقيقة، أدخلت في فقرة تتعلق "بهدف العراق بالهيمنة الإقليمية"، ومباشرة بعد الادعاء بأن صدام "كان قادرًا على توسيع النطاق للصواريخ الباليستية في  برنامجه. [ 46] وهكذا شجعت الحكومة في أسوأ الأحوال، وفي أحسن الأحوال لم تفعل شيئًا لتصحيح، الرأي القائل بأن ادعاء الـ 45 دقيقة تشير إلى أسلحة بعيدة المدى. ومع ذلك، كان كل من هون وسكارليت وديرلوف يعرفون أن الأمر يشير إلى ساحة  المعركة بدلا من اشارة الى الأسلحة الاستراتيجية بعيدة المدى.،

الصلة بالقاعدة وملف شباط/فبراير 2003

ولمح ادعاء آخر غير سليم من جانب الحكومة إلى وجود روابط بين نظام صدام والقاعدة. قبل ان تبدء هذه الحملة، قال وكيل وزير الخارجية بن برادشو أمام البرلمان في  كانون الثاني/ يناير ونيسان/أبريل 2002 بقوله "لم أر أي دليل يثبت وجود شبكة للقاعدة في العراق". ولكن وبحلول أواخر عام 2002، على كل حال، كانت هذه هي القصة الخاطئة. الآن قال وكيل وزير الخارجية الجديد مايك أوبراين "نعتقد أن هناك عناصر من القاعدة في العراق". في 5 شباط/فبراير 2003، أخبر توني بلير مجلس العموم:،

سأكون مخطئا أن أقول إنه لا يوجد دليل على أي صلات بين القاعدة والنظام العراقي. المؤكد وجود دليل على هذه الصلات. ولكن الشئ الغير مؤكد هو المدى الذي تصل اليه هذه الصلات  ... هناك معلومات استخبارية تصلنا طوال الوقت حول هذا الأمر ... ليس من الصحيح القول إنه لا يوجد دليل على أي صلة بين النظام العراقي والقاعدة. [47]،

وفي وقت لاحق نفى وزراء بالحكومة وجود مثل هذه الصلات المباشرة بين بغداد والقاعدة. وفوق ذلك، وعلى النقيض مما سبق، حتى حزيران/يونيو 2004، كانت متحدثة باسم الحكومة البريطانية  تدعي أن رئيس الوزراء "كان دائما يقول بإن صدام قد أوجد بيئة متساهلة مع الإرهاب ونحن نعلم أن الأشخاص المنتمين إلى القاعدة عملوا في العراق أثناء فترة النظام".  وخلص تقرير بتلر إلى أنه في المعلومات الاستخباراتية المقدمة للوزراء "أوضحت لجنة الاستخبارات المشتركة أنه على الرغم من وجود اتصالات بين النظام العراقي والقاعدة، إلا أنه لم يكن هناك دليل على وجود تعاون". [48]،

وقد تم نفي الاقتراح القائل بوجود مثل هذه الصلة من قبل مصادر استخباراتية، فعندما طرح عليها سؤال في الصحافة عما اذا كان لصدام اية صلات مع القاعدة، قال " عكس ذلك تماما".[49] وعلى اثر ذلك استنبطت الحكومة  صياغة جديدة بارعة وهي: "ان الارهاب والانظمة المارقة هما جزء من الصورة نفسها"، وهذا هو ما بدأ جاك سترو بقوله وتكراره في منعطف 2002/2003، وهي الصورة التي كثيرا ما رددها بلير.  والسبب في ذلك كما بررها (سترو) هو "ان المصادر الاكثر احتمالا للتكنولوجيا والمعرفة لهذه المنظمات الارهابية هي الانظمة المارقة".،

إن الارتباط المزعوم بالقاعدة كان مجرد حالة من الاختلاق يتلائم مع  سير الأمور، وربما كان الأمر الاخرق من افتراءات الدعاية في هذه الفترة.،

على كل حال، كان المنافس الاقرب لهذه الجائزة هو التقرير الحكومي الثاني الصادر في فبراير 2003، والذي أصبح يُعرف باسم "الملف المراوغ" (على الرغم من أنه بالكاد يبدو اكثر مراوغةً، من حيث المحتوى، من الأول). لقد ضلل بلير البرلمان بتمريره على أنه "تقرير استخباراتي". وقد تم الكشف لاحقًا أن جزءًا كبيرًا من المستند تم نسخه مباشرة من مصدر على الإنترنت.  في الواقع، لم يتم فحص الملف من قبل أي من وكالات المخابرات قبل نشره. [50]،

كان مؤلفو الملف من المقربين من أليستر كامبل، الذي أشرف بنفسه على المشروع، والذي كان يهدف بشكل أساسي إلى تقديمه كإحاطة لوسائل الإعلام.  وقد بالغ الملف في نص المصدر الاصلي في عدد من الأماكن، وتم تغير بعض الجمل فيه، فعلى سبيل المثال تم تغير "مساعدة جماعات المعارضة العراقية في الأنظمة المعادية" لتصبح "دعم المنظمات الإرهابية في الأنظمة المعادية". [51]،

اليورانيوم من النيجر

وزعمت الحكومة في ملف أيلول/سبتمبر أن العراق كان يسعى لشراء يورانيوم من النيجر لاستخدامه في برنامجه النووي.  وفي 7 يوليو 2003، وتحت عنوان "بريطانيا كانت تعلم أن ادعاءات اليورانيوم كاذبة " كتبت صحيفة الغارديان  أن" المسؤولين البريطانيين كانوا يعلمون أنه لم تكن هناك تجارة سرية لليورانيوم من إفريقيا إلى العراق، وكان ذلك قبل سبعة أشهر من إثارة هذه المزاعم في ملف أيلول/ سبتمبر الذي اصدرته الحكومة البريطانية '، جاء هذا وفقًا للسفير الأمريكي المتقاعد الذي يحقق في القضية لصالح وكالة المخابرات المركزية.  وفي الأسبوع التالي، كررت صحيفة الغارديان ما قاله "جو ويلسون، المبعوث الذي أرسلته الولايات المتحدة إلى النيجر للتحقيق في الوثائق، بإن بريطانيا كانت تعلم وقبل شهور من نشر الادعاء في ملف أيلول/سبتمبر، بأنه لا توجد تجارة سرية في اليورانيوم ". [52]،

ويلاحظ بأن هذا التقرير يحمل نفس المحتوى الذي حملته رسالة جيليجان - وهي أن الحكومة كانت تعلم أن شيئًا ما كان خاطئًا لكنها استندت إليه على أي حال. إن عدم وجود ضجة كبيرة حول هذا الادعاء هو دليل إضافي، في الواقع، على الكيفية التي تسمح بها وسائل الإعلام للحكومة بوضع أجندتها.،

في مارس 2003، قال محمد البرادعي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، لمجلس الأمن الدولي أن وثائق اليورانيوم النيجيري مزيفة.  يكتب الصحفي الاستقصائي الأمريكي سيمور هيرش، مشيرًا إلى الحملة الدعائية البريطانية على العراق في أواخر التسعينيات، أن هذه الوثائق تم تداولها في البداية من قبل البريطانيين، على الرغم من أنه لا يمكن التأكد مما إذا كان جهاز المخابرات السرية  (MI6) قد قامت بتزويرها بالفعل.  وقد أخبر أحد أعضاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية هيرش أن "هذه الوثائق سيئة للغاية لدرجة أنني لا أستطيع أن أتخيل أنها جاءت من وكالة مخابرات جادة".  تم توقيع رسالة واحدة من قبل وزير في النيجر كان خارج المنصب خلال السنوات 11 الماضية.  في غضون ذلك، اعترفت الحكومة بأنه "قبل نشر الملف مباشرة، عرضت وكالة المخابرات المركزية تعليقًا يشير إلى أنها لا تعتبر الإشارة إلى توريد اليورانيوم من إفريقيا أمرًا ذا مصداقية"، لكن بريطانيا مضت قدمًا على أية حال مستندة في ذلك على "معلومات استخباراتية موثوقة " تابعة للحكومة، والتي تقول على أنها جاءت من أكثر من مصدر واحد. [53]،

وقد يكون هذاخارج الموضوع. فكماو أشار البروفيسور نورمان دومبي من جامعة ساسكس، "ماذا يعني لو سعى العراق لتوريد اليورانيوم من إفريقيا؟ فالعراق يمتلك بالفعل مئات الأطنان من اليورانيوم تحت تصرفه. ولكن بدون وجود مرافق متخصصة في التخصيب، ستكون هذه المواد غير مجدية للأسلحة النووية. [54]،

يرفض تقرير بتلر معظم ماجاء في الدليل وكذلك الاستنتاجات بان  الحكومة لديها معلومات استخبارية من عدة جهات أشارت إلى أن زيارة العراق إلى النيجر كانت لغرض الحصول على اليورانيوم.  ومع ذلك، فقد فشلت في ذكر دليل من جوزيف ويلسون وإن إشارتها الوحيدة إلى وكالة المخابرات المركزية هي القول: "نصحت وكالة المخابرات المركزية بالحذر بشأن أي إشارة إلى أن العراق قد نجح في الحصول على اليورانيوم من أفريقيا، لكنها وافقت على انه قد كان هناك دليل على ان العراق قام بمحاولة البحث في ذلك"[55]،

وبمجرد ما حدث الغزو، واستنفاذ الغرض من استخدام  ذريعة التهديد العراقي لتبرير الغزو، بدأ الوزراء في التراجع عن مزاعمهم السابقة.  ففي مقابلة في أبريل / نيسان 2003، قال بلير: "لن نتمكن أبدًا من العثور عليها [أسلحة الدمار الشامل] حتى يصل الخلاف الى مرحلة يكون فيها العلماء والخبراء العراقيون العاملون في هذه البرامج مستعدين للحديث عنها".[56]   وبخصوص التعليق الذي ادلى به جاك سترو، بأن الحكومة لم تعتبر صدام أبدًا تهديدًا وشيكًا فقد تم تفصيله فيما تقدم. قال سترو في وقت من الأوقات إنه "ليس من المهم للغاية" العثور على أسلحة دمار شامل، على الرغم من أن إزالتها هي الأساس المنطقي الرسمي لعملية الغزو. [57]،

كما أخبر سترو تحقيقًا برلمانيًا أيضًا "أنني لا أعتبر ادعاء ( 45 دقيقة ) كانت له هذه الأهمية التي نسبت اليه" - وهذا على الرغم من تأكيد بلير على الادعاء الوارد في مقدمة الملف والإيجازات الإعلامية المرتبطة به. وسئل سترو أيضا عما إذا كان لا يزال متمسكًا بادعاء الـ 45 دقيقة.  بدلاً من مجرد الرد بـ "نعم" قال سترو أولاً "لم يكن هذا ادعائي. أنا أقف إلى جانب نزاهة لجنة الاستخبارات المشتركة". أكثر ما يمكن أن يقوله هو "أقبل الادعاء ولكني لم أفعله". [58]،

إن غزو العراق سيؤدي إلى زيادة الإرهاب

وعلى صعيد آخر، كان من الواضح أن غزو العراق سيزيد من احتمالات الإرهاب.  كان استخدام القوة الغاشمة الأنجلو أمريكية في احتلال العراق، إلى جانب الدعم الفعلي للعدوان الإسرائيلي في الضفة الغربية، سيوفر دائمًا حافزًا لجيل ثان من الإرهابيين - بالطريقة نفسها التي استخدمتها الادارة الأنجلو-أمريكية في الدعم السري لمقاتلي المجاهدين في أفغانستان في الثمانينيات والذي ساعد على إنشاء الجيل الاول.،

في 10 فبراير 2003، أي قبل خمسة أسابيع من بدء الغزو، ذكر تقرير سري للجنة الاستخبارات المشتركة أن أي تهديد إرهابي سيزداد بغزو العراق:،

ظلت القاعدة والجماعات المرتبطة بها تمثل إلى حد بعيد أكبر تهديد للمصالح الغربية وسيزداد هذا التهديد من خلال العمل العسكري ضد العراق: أي ان انهيار النظام العراقي سيزيد من مخاطر تكنولوجيا الحرب الكيماوية والبيولوجية أو العوامل التي تجد طريقها إلى أيدي الإرهابيين بما في ذلك القاعدة. [59]،

خلال الأيام العشرة التي أعقبت هذا التقييم، تم إطلاع 18 من كبار السياسيين من قبل رئيس لجنة الاستخبارات المشتركة، جون سكارليت، حول العراق.[60]  يبدو من المرجح أن التهديد المتزايد على بريطانيا نتيجة غزو العراق كان معروفًا لمجموعة واسعة من الناس. نفس السياسيين، أي الذين يتظاهرون الآن بأنهم منقذونا في حماية البلاد من ويلات الإرهاب.،

في كانون الأول (ديسمبر) 2003، كتبت الحكومة في مذكرة إلى لجنة الشؤون الخارجية أن "نشاط  التحالف في العراق، وقضايا إقليمية أخرى، قد ادى الى ادامة وربما زاد من دوافع الإرهاب"، على الرغم من أنه أضاف أنه "ليس لدينا دليل مباشر على أنه قد ادى الى ازدياد التجنيد في القاعدة '. وخلصت لجنة الشؤون الخارجية في تقرير نُشر في فبراير 2004 إلى أن "الحرب في العراق ربما جعلت الهجمات الإرهابية ضد الرعايا البريطانيين والمصالح البريطانية أكثر احتمالًا على المدى القصير". [61]،

 

..............................

المراجع

Notes

The quotation is from David Kelly in an email to a US journalist after giving evidence to a parliamentary inquiry. Cited in Simon Rogers (ed.], The Hutton Inquiry and its Impact, Guardian Books, 2004. p.224·

Neil Mackay, 'Revealed: The secret cabal which spun for Blair. Sunday Herald, 8 June 2003.

Scott Ritter, letters, Guardian, 29 November 2003; Michael Meacher. 'The very secret service', Guardian, 21 November 2003

Meacher, 'The very secret service'; House of Commons, Hansard, 12 January 2004, Col.538.

Nicholas Rufford, 'Revealed: How MI6 sold the Iraq war', Sundar Times, 28 December 2003; 'MIG ran "dubious" Iraq campaign', BBC News, 21 November 2003.

Seymour Hersh, 'Who lied to whom?', The New Yorker, 31 March 2003

See David Miller, 'The propaganda machine', in Miller (ed.). Tdllvfe Lies: Propaganda and media distortion in the attack on Iraq. Pluto. London, 2004

Defence Committee, Lessons of Iraq, Third report, Session 2003/04. 16 March 2004, paras 469-83, www.publications.parliament.uk.

David Leigh, 'False witness', Guardian. 4 April 2003; Stephen Dorril. 'Spies and lies', in Miller (ed.), Tell Me Lies, p. r i z: Peter Beaumont. 'Allies fear Iraq plotting "scorched earth" war', Observer. 25 February 2003.

David Hencke and Andy Rowell, 'Battle the MoD lost. papers reveal failed bid to sway opinion on Iraq', Guardian, 19 November 2003.

'Sincere deceivers', Economist, 17 July 20°4; 'He got it wrong', New Statesman, 19 July 2004.

Butler report, paras 43.3, 434, 435, 222, 240, 226, 261. 272, 295, 292.

Government response to the intelligence and security committee report on Iraqi weapons of mass destruction - Intelligence and assessments 11 September 2003, Cm,61I8, February 2004-

Richard Norton-Taylor, 'Tell us the truth about the dossier', Guardian. 15 July 2003.

Robin Cook, 'Blair and Scarlett told me Iraq had no usable weapons', Guardian, 12 July 2004.

Cited in Rangwala, 'Iraq'S weapons of mass destruction' www.middleeastreference.org.uk

Butler report, para 334.

Jack Straw evidence to the House of Commons Foreign Affairs Committee, 24 June 2003, Q735, www.publications.parliament.uk/ pa/cm200203

Jonathan Powell to John Scarlett, 17 September 2002., www.thehutton-inquiry.org.uk

Jonathan Powell to Alastair Campbell and David Manning, 17 September 2002, www.the-hutton-inquiry.org.uk: emphasis in original.

'I was shocked by poor weapons intelligence - Blix', Guardian, 7 June 2003·

Robin Cook. 'We must not let one "dodgy dossier" distract us from more crucial questions', Independent, 26 June 2003.

Robin Cook, evidence to the House of Commons Foreign Affairs Committee, 17 Tune 2003, www.publications.parliarnent.ukJpaJ cm200203, Q9; 'Iraq hits back with CIA offer', Guardian, 23 December 2003; 'Secret of Saddam's hidden arsenal', Cuardian, 5, September 2002.

'Responsibility for the terrorist atrocities in the United States, II September 2001 - an updated account', www.pm.gov.uk.

Jason Burke, Al Qaeda: Casting a shadow of terror, I. B. Tauris, 2003, P·19·

Peter Beaumont and Ed Vulliamy, 'Story of find in Afghan cave "was made up" to justify sending marines', Obsen1er, 24 March 2002.

'Blair: I have secret proof of weapons', Observer, 1 June 2003; Clare Short evidence, Q89, 94·

Ewen Macaskill, 'Emails show how No. 10 constructed case for war', Guardian, 23 August 2003.

Daniel Pruce to Mark Matthews, LO September 2002, www.thehutton-inquiry.org.uk.

Daniel Pruce to Alastair Campbell, II September 2002, www.thehutton-inquiry.org.uk: Tom Kelly to Alastair Campbell, II September 2002, www.the-hutton-inquiry.org.uk: Richard Norton-Taylor, 'Dossier was too static for No. 10', Guardian, 21 August 2003.

Richard Norton-Taylor, Nicholas Watt and Ewen Macaskill, 'The remaining questions', Guardian, 12 September 2003; Richard Norton-Taylor, 'Hoon has no defence for the dossier', Guardian, I October 2003.

"There was a lack of substantive evidence:", Independent, 4 February 2004; Rogers (ed.], The Hutton Inquiry, pp. 219-21.

Richard Norton-Taylor, 'Hoon has no defence for the dossier', Guardian, 1 October 2003; Robin Cook, 'A sound judgment but it sidesteps the central issues', Independent, 29 January 2004.

Alastair Campbell to John Scarlett, 17 September 2002, www.thehutton-inquiry.org.uk: Sarah Hall, 'Campbell misled us, says MP', Guardian, 22 August 2003.

Ewen Macaskill and Richard Norton-Taylor, '10 ways to sex up a dossier', Guardian, 27 September 2003.

Evidence from journalist Tom Mangold to the Hutton inquiry, cited in Rogers (ed.), The Hutton Inquiry, p. 227.

Vikram Dodd, 'Hoon knew WMD press reports were wrong. Guardian, 23 September 2003; House of Commons, Hansard, [0 February 2004, Col. 1305; Clare Short evidence, QI03-4.

Sarah Hall, Patrick Wintour and Richard Norton-Taylor, 'Blair caught in Iraq arms row'. Guardian. 5 February 2004

House of Commons, Hansard, 12 February 2004. Col. 1(,7T Geoff Hoon, evidence to Defence Committee. 5 February 2004- www.publications.parliament.uk/pa/cm200304·

Butler report. para 497.

Richard Norton-Taylor. 'What David Kelly knew'. Guardian. 24 July 2003; Ewen Macaskill, Richard Norton-Taylor and Vikram Dodd, 'The desperate search for the dossier evidence'. Guardian. 27 August 2003.

Raymond Whitaker and Kim Sengupta. 'Is this the face of the man who gave Blair the cue for 45-minute WMD claim?'. lndependent, 22 February 2004.

'''A statement popped up and was seized on”’, Guardian. I4 August 2003.

Cited in Justice Not Vengeance briefing, 'Gilligan 6:o7: Dr Kelly was not the only source for the story'. 5 February 2004. www.j-n-v.org

'Iraq's weapons of mass destruction: The assessment of the British government'. September 2002. www.fco.gov.uk.

House of Commons. Hansard, 23 January 2002. Col. 887 and 15 April 2002, Col. 721; 2 December 2002. Col. 522; 5 February 2003. Col 266.

Richard Norton-Taylor. 'Iraq gave al Qaeda a base. says Blair Guardian. I8 June 2004; Butler report, para 484

Richard Norton-Taylor, ‘UK spies reject al Qaeda link'. Guardian. 10 October 2002.

'Iraq dossier fiasco rolls on'. 12 June 200). Jane's. www.janes.corn.

Glen Rangwala, 'Paper written for the Foreign Affairs Committee'. www.middleeastreference.org.uk.

Suzanne Goldenberg .. Britain "knew uranium claims were false:", Guardian, 7 July 2003; Julian Borger. 'Democrats step up pressure on uranium claims'. Guardian, 14 July 2003.

Seymour Hersh, 'Who lied to whom?'; Memorandum from the Foreign Office to the Foreign Affairs Committee. 28 July 2003. www.publications.parliament.uk.

Letters, Guardian, IS July 2003

Butler report, para 497.

'Prime Minister's interview with Arabic television', 4 April 2003, www.pm.gov.uk.

Nicholas Watt, 'Straw retreats on finding banned weapons', Guardian, 15 May 2003.

Jack Straw, evidence to the Foreign Affairs Committee. 24 June 2003, www.publications.parliament.uk.pa/cm200203· Q737, 845-6.

House of Commons, Hansard, IS October 2003, Col. 234; Richard Norton-Taylor and Michael White, 'Report reveals Blair overruled by terror warning', Guardian, 12 September 2003.

'They won't go away', Guardian. 13 September 2003.

Memorandum from the Foreign Office to the Foreign Affairs Committee report on the foreign policy aspects of the war against terrorism, December 2003, w'Nw.publications.parliament.uk; Foreign Affairs Committee, Second report, Session 2003/04, Foreign policy aspects of the war against terrorism, 2 February 2004, para 23, www.publications.parliament.uk/pa/cm200304·،

 

 

عزالدين عنايةيحاول الباحث الفرنسي جيل كيبل، أبرز المتابعين الغربيّين للإسلام المعاصر والحركات الدينية السياسية، تتبّعَ بؤر الفوضى التي نشطت، على مدى الفترة المتراوحة بين سبعينيات القرن الماضي والعشرية الراهنة، في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط. وضمن مسْحٍ للأحداث، يرصد الانتفاضات والحروب والاغتيالات والمعارك السياسية، وغيرها من الأحداث التي هزّت المنطقة، دون غوصٍ في دوافعها العميقة أو تأمّل في آثارها البعيدة. فقد عرفت البلاد العربية وما جاورها تحولات لافتة في تلك الفترة، كان لها أثر كبير على مساراتها السياسية وعلى أوضاعها الاجتماعية، معتبِرا صاحب الكتاب البترول العنصر الجوهري الأوّل في صنع تلك الأحداث.

يُوزّع جيل كيبل كتابَه على جملة من الأطوار الزمنية، ينطلق الطور الأوّل فيها مع سبعينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت حرب أكتوبر 1973، معتبرا تلك المرحلة بداية انتشار الفوضى في الشرق، والتي بلغت أوجها مع الطور الأخير بإعلان ما عُرف بتنظيم "الدولة الإسلامية" سيطرته على مساحة واسعة من الجغرافيا المشرقية بين سوريا والعراق بين سنتيْ 2014 و 2017.

في ذلك المناخ الذي خيّم على الشرق، لم تكن نتائج حرب أكتوبر التي دشّنت بداية الفوضى، إيجابيةً على مستوى السياسات والأوضاع العربية. فقد اصطنعت الدعاية القومية نصرًا عربيا ضد الدولة العبرية في حرب 1973، في وقت تمدّد فيه الاحتلال واقتطع أجزاء من دول الأطراف. ولم تفرز تلك الحرب انفراجا في المسار العربي العام، بل فاقمت آثارها من سوء الأوضاع، بتشديد القبضة الأمنية وتزايد التضييق على الحياة السياسية. لم يوفّق العقل العربي، بمؤسّساته التعليمية، وبطروحاته الإيديولوجية، وبتنظيراته المعرفية، في توليد أفق نظري جديد لشعوب تتطلّع إلى تحقيق التقدم وبلوغ العيش الكريم. وبقيت النتائج الوخيمة للسياسات السابقة متحكّمة بالأقدار المصيرية للمجتمعات، ما جعل عديد الدول تدور مكرَهة في فلك التبعية وتغرق قسرا في سوء التنمية دون قدرة على الخروج من ذلك الارتهان.

يَعتَبر جيل كيبل المنعرَجات الكبرى التي عرفتها السياسات العربية قد حصلت تحت تأثير النفط، منذ إشهار الملك الراحل فيصل سلاح البترول في 20 أكتوبر 1973 بفعل التحالف الغربي الفاضح مع إسرائيل، سيما من جانب الولايات المتحدة وهولندا بمساعدة جيش الاحتلال في الحرب، وإلى غاية التدخل الأمريكي إبّان غزو العراق للكويت في عهد صدام حسين (1990). وكما يبرِز كيبل، ساهم سلاح البترول في إنقاذ أنظمة من الانهيار (نظام أنور السادات ونظام حافظ الأسد) إبان الحرب العربية الإسرائيلية 1973؛ لكن البترول كذلك رسّخ تباينات كبرى بين الأقطار العربية الريعية وغير الريعية، في السياسة والاقتصاد.

يستعرض جيل كيبل جملة من التباينات، ولعل أبرزها الصراع على الإسلام في البلاد العربية منذ بروز النظام الناصري، الذي سعى نحو تأميم الإسلام على غرار تأميم القنال. خلقت سياسة عبدالناصر تلك، على حدّ توصيف كيبل، فوضى في مصر وفي الدول الوطنية العربية، التي ما كانت ترى موجبا للانخراط في السياسات القومية أو موالاتها لتحقيق النهوض والتنمية. وحصل ردّ فعل تجاه تلك السياسة في شبه الجزيرة العربية، مثّلته العربية السعودية، من خلال خلق مؤسسات بديلة كما يفسّر الكاتب (جاءت عبر إنشاء رابطة العالم الإسلامي في 15 ديسمبر 1962)؛ وفي بلاد المغرب خاض كلّ من بورقيبة في تونس والحسن الثاني في المغرب سياسات براغماتية مع الغرب، عَدّا بموجبها سياسة جمال عبدالناصر سياسة متهوّرة وغير مراعية للإمكانات العربية، في ظل واقع التخلف الذي ترزح تحت وطأته أقسام واسعة من المجتمعات.

1758  الخروج من الفوضىتشكّلت سياسات دينية متضاربة في البلاد العربية، زادتها الانقسامات السياسية حدّة. ففي الفترة التي كان فيها جمال عبدالناصر يخوض حربا شعواء لاجتثاث "حركة الإخوان المسلمين" عبر محاكمات شهيرة لقادتها (أبرزها إعدام سيد قطب في 29 أغسطس 1966)، كانت الصحافة التونسية، في العهد البورقيبي، تُلقي باللائمة على اعتقال عبدالناصر الزعيم الإخواني ورفاقه، وتطالب بالإفراج الفوري عنهم بوصفهم ضحايات الاعتداد الناصري والتعسف القومي. كما مثّلت القضية الفلسطينية إحدى بؤر الفوضى من منظور جيل كيبل في أعقاب حرب أكتوبر 1973. فبعد تراجع الغطاء القومي سلك الفلسطينيون مسالك شتى في التعويل على أنفسهم لإيجاد حلّ لقضيّتهم، جرّبت الفصائل السياسية الفلسطينية حينها النضال المسلّح، وخاضت المعارك السياسية أكان في الداخل أم في الخارج. لم يكن الصراع مع الدولة العبرية أمرًا هيّنا على الفلسطيني، كما لم يكن توقيع اتفاقية السلام إنهاء للصراع. حيث أدّى خوض عملية الصلح مع إسرائيل إلى انقسامات عميقة، لا يزال الفلسطيني يعيش تحت وطأتها بين غزة ورام الله حتى الراهن.

لا يخفى عن عين متصفّح الكتاب استعادة جيل كيبل الرؤية التسطيحية الغربية لقضايا البلاد العربية، أنها بلاد محكومة بالفوضى الداخلية، دون إقرار بأنّ الصراعات المفروضة التي تعاني منها المنطقة، هي التي كانت غالبا عاملا جوهريا في خلْقِ الفوضى بالداخل. إذ هناك تدخلات سافرة في البلاد العربية وفي منطقة المشرق عامة، طيلة الحقبة المتابَعة، ساهمت في توليد الفوضى وإشاعتها. فأن تتحوّل الاضطرابات السياسية التي عاشتها منطقة المشرق إلى نتاج مباشر للداخل، أمرٌ فيه حيْفٌ في التقدير السياسي، وينأى عن الموضوعية. مع ذلك يتعيّن ألّا نغفل عن قابِليّة بنية النظام السياسي الشرق أوسطي للاختراق والتوجيه، وعدم القدرة على صدّ التدخلات الخارجية.

وتبعا لزاوية النّظر لقضايا البلاد العربية ومنطقة الشرق الأوسط، الدينية السياسية لدى جيل كيبل، فقد هيمنت رؤية "دينَويّة" على قراءة الأحداث أثناء عرض مظاهر الفوضى. ونقصد بالرؤية "الدينَوية" اختزال الحراك المجتمعي في المنطقة في عامل وحيد ألا وهو العامل الديني، في حين ثمة عوامل أخرى غير ذلك العامل، مثل التبعية الاقتصادية، وانتشار التخلّف الاجتماعي، وضعف الحسّ المدني، وتردّي العملية السياسية في جملة من الأقطار، وهي من العوامل الأساسية التي تقف خلْف الاضطرابات. ومجاراة لتلك النظرة "الدينويّة" يُقرّ جيل كيبل أن بُعيد سقوط جدار برلين، أي منذ العام 1989، الذي شهد أحداثا كبرى في البلاد الإسلامية، مِثل فتوى الإمام الخميني ضد الكاتب سلمان رشدي مؤلف كتاب "الآيات الشيطانية"، وانسحاب روسيا من أفغانستان، وإنشاء "جبهة الإنقاذ الإسلامية" في الجزائر، ونجاح الانقلاب العسكري في السودان بقيادة البشير، وتفجر مسألة الفولار في فرنسا، أُدخِل الإسلام، في تلك الأجواء، معترك الصراعات الدولية كخَلفٍ للكتلة الاشتراكية. وقد كان ذلك الضغط المسلَّط على البلاد العربية والإسلامية عاملا حاسما في خلق الاضطرابات بالداخل والتوترات مع الخارج. فلا يمكن تبرئة الغرب من حالات الضغط القصوى التي عانت منها المنطقة، وهو ما ولّد "ضغائن" في البنية السياسية القاعدية.

يتابع كيبل الأحداثَ السياسيةَ ذات الطابع الأمني والإرهابي في الشرق الأوسط وفي شمال إفريقيا، ليصوغ منها ملامح "فوضوية" كما يسمّيها. يستند فيها إلى تجميع ظواهري للحوادث دون تفسير لمجرياتها أو إتيان على مسبّباتها. والجليّ أنّ عرضَ الأحداث وحده لا يكفي لفهم التاريخ والتحولات، فالعملية تقتضي تحليل الوقائع وتركيبها ونقدها نقدا وجيها، وهو ما من شأنه أن ييسّر عرض خلاصة للقارئ تضعه أمام حقيقة مجريات الأمور. ولكن أن يقوم الكاتب بترصيف أفعال الإجرام، وأعمال الإرهاب، مع إضافة الوقائع الأليمة والأزمات المتراكمة، ضمن حيز إقليمي معين، يغدو فيه أهلوه صنّاع أزمتهم، فذلك من شأنه أن يشوِّش النظر على القارئ ويحول دون الفهم الصائب للوقائع.

هناك نقيصة أخرى في الكتاب، تتمثّل في افتقاد الأحداث السياسية في المتوسط والشرق الأوسط إلى رابط عميق بينها، رغم الطابع المسْحِيّ للأحداث. فقد غاب من الكتاب تحليل البنى العميقة، وإظهار الأسباب الكامنة وراء حالات الانسداد السياسي. وسيطرت على صياغة الكتاب ملاحَقة للأحداث وفق التقليد "الحوْليّاتي" على حساب التعمّق في فهمها أو الإتيان على مسبباتها وتفسيرها. وهو ما جعل الكتاب بمثابة "الكشكول السياسي" عن وقائع المتوسط والشرق الأوسط، فأحيانا يغرق جيل كيبل في تبسيط ظواهر معقَّدة على صلة بالمجتمعات الإسلامية، معتمدا في ذلك أسلوبا دعائيا مبتذلا في العرض ينأى عن البحث الأكاديمي الجاد، على غرار عرضه للظاهرة الداعشية. والحال أنّ فهمَ التحولات الدينية السياسية في البلاد العربية ليس استعراضا للأحداث على طريقة عرض الأخبار، بل غوصا في المسببات والآثار.

من جانب آخر، يأتي الحديث عن الإسلام السياسي، الذي يمثّل حقل البحث الرئيس لدى جيل كيبل، ممزوجا بالأحداث الإرهابية، بما يجعل القارئ أمام خليط مشوّش ينأى عن المصداقية. ففي الكتاب نرصد تراجعا لافتا على مستوى المنهج في فهم ظاهرة الإسلام السياسي، تعيدنا إلى الأبحاث الأولى، إبان سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، التي انطلقت بها دراسات الإسلام في الغرب وما رافقها من خلط، حين كانت تتلمّس فهْمَ وقائع التحولات السياسية في المجتمعات الإسلامية.

ثمة عناصر أساسية في صنع "الفوضى"، إن جارينا كيبل في توصيفه للحالة العربية والإسلامية، تتمثّلُ في الانسداد السياسي المقصود، والتغييب القسري لتوجهات سياسية ومنعها من المشاركة الحرة، وهو ما ينطبق على جملة من البلدان؛ لكن ثمة سببا آخر في صنع "الفوضى" وهو نفي حقّ الوجود والتواجد في ذلك الفضاء، على غرار طمس حق الفلسطيني ودفع أهاليه إلى مشارف الإبادة الممنهَجة، وهو ما خلق تفجرات فجئية باتت شبه دورية في تلك الساحة.

يسهب جيل كيبل في رواية الأحداث عبر الكتاب وفق نسق تصاعدي يصل إلى الفترة الراهنة، ولا يولي في ذلك الجوانبَ الفكريةَ أي عناية، وهو ما يطرح تساؤلا بشأن معنى عرْض الأحداث دون الولوج في غور الظواهر. صحيح يمرّ القارئ بالحالة التونسية أو الحالة الليبية أو المصرية أو غيرها إبان موجة الربيع العربي وما بعده؛ ولكن لا يجد غوصا في الأسباب أو نقاشا للمآلات والمصائر، حيث يطغى الطابع الوصفي الحوْلِيّاتي على الكتاب بشكل واسع. والحال أنّ فشلَ تجارب ونجاح أخرى ناتجٌ عن أسباب بنيوية. ففي الوقت الذي استند فيه التحول في تونس إلى طبقة وسطى واسعة، ذات تكوين تعليمي جيد ومتعدد المشارب، افتقدت معظم بلدان الربيع العربي إلى ذلك، وهو ما جعل التعثر سريعا وأعجزَ قوى التغيير عن مواصلة التحول الهادئ. فلا تنبني التحولات الإيجابية على الفراغ، وإنما تستند إلى خلفية داعمة يمثّلها جيش من التكنوقراط، وهو ما صنع الفارق بين تونس والجارة ليبيا على سبيل المثال، حيث تحولت دولة مثل ليبيا وبسرعة فائقة من دولة مارقة إلى دولة تنتفي فيها الضوابط. هنا تتلخص خصائص "الاستثناء التونسي"، كما يقول كيبل، وهو في الواقع سياق تشكّلَ منذ القرن التاسع عشر، وخلّف بنية مؤسساتية صلبة. كما يعتبر جيل كيبل أنّ الديمقراطية الناشئة في تونس تبقى امتحانا مهمّا لاختبار الأحزاب القائمة على أساس إيديولوجي. فقد أثبتت الساحة التونسية أنّ الولاء للأحزاب أكانت يسارية أم وطنية أم ليبرالية أم إسلامية متحوّل، فحين توضَع الأحزاب على المحك تكتشف بالفعل إمكانياتها وقدراتها الحقيقية بعيدا عن الضجيج الإعلامي الذي قد يلفّها.

ولذا فالفوضى التي تعيشها بعض البلدان هي نتاج عدم تلبية المطالب المادية للناس، والتي سرعان ما تنزلق نحو صراعات ذات طابع إثني ومذهبي، وهو ما يَبرز جليّا في الحالة العراقية الراهنة. فالوضع الاجتماعي البائس يشترك فيه السني والشيعي والكردي والعربي على حد سواء، بَيْدَ أنّ الخروج من ذلك المأزق غالبا ما يسلك قنوات مغترِبة، دينية أو عرقية بحثا عن حلول وهمية، وهي من المزالق التي يعاني منها التغيير في البلاد العربية.

في استشراف لأوضاع البلاد العربية ومنطقة الشرق الأوسط، ينتهي جيل كيبل إلى أنّ غياب اتفاق جدّي بين روسيا والأطراف الغربية، بوصفهما الضامنين لإخراج المنطقة من الفوضى، من شأنه أن يبقي صنع السلام بعيدا. فعبر تلك التسوية يمكن الحديث عن اندماج المنطقة في النظام العالمي والمحافَظة على أمن شعوبها.

الكتاب: الخروج من الفوضى.. أزمات المتوسّط والشرق الأوسط.

تأليف: جيل كيبل.

الناشر: رافائيللو كورتينا (ميلانو-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2020.

عدد الصفحات: 416 ص.

***

عزالدين عناية

أكاديمي تونسي مقيم في إيطاليا

 

 

علي جابر الفتلاويالعنوان اسم كتاب الاستاذ الدكتورة نضال حنش شبار الساعدي. استاذ في جامعة بغداد كلية التربية/ ابن رشد/ قسم علوم القرآن والتربية الإسلامية،  مسؤولة القسم. ذكرت الاستاذ الدكتورة نضال الساعدي في بحثها عن مناهج التفاسير المختصرة  أسماء التفاسير في هذا الاتجاه، تقول في مقدمة كتابها ص3: (هناك تفاسير موجزة ومختصرة تميّزت في دقة المعنى، والإيجاز في إرسال العبارة، والتي اشتملت على أربعة نماذج)، تفسير الجلالين لجلال الدين المحلي توفي سنة (864هج)، تفسير جلال الدين السيوطي توفي سنة (911هج)، تفسير آيات الأحكام للشيخ باقر الإيرواني توفي سنة (1329هج – 1949م)، تفسير آيات الأحكام لمحمد علي السّايس. وأضافت تفسيرا خامسا، وآخر سادسا، هما تفسير القرآن الكريم للسيد عبد الله شبّر توفي سنة (1242هج). وتفسير (كنز العرفان في فقه القرآن) للسيوري.  اشتمل كتاب الاستاذ الدكتورة نضال الساعدي على أربعة أبواب:

 الباب الأول المناهج والاتجاهات التفسيرية لثلاثة تفاسير، هي تفسير الجلالين لجلال الدين المحلي، وجلال الدين السيوطي، وتفسير شبّر، درست في الباب الثاني تفسير آيات الأحكام المختصرة للإيرواني والسّايس، في الباب الثالث درست المنهج العقلي (الاجتهادي) القرينة اللفظية الصارفة لمعاني آيات الأحكام في تفسير (كنز العرفان في فقه القرآن) للمقداد السيوري إنموذجا، فيكون عدد التفاسير المختصرة التي بُحثت ستة تفاسير، وهذا لا يعني عدم وجود تفاسير مختصرة أخرى، لكنًها اكتفت بهذه التفاسير انموذجا، في الباب الرابع والأخير بحثت عن الإحالات السياقية في القرآن الكريم، مع دراسة تأصيلية في تفسير أمير المؤمنين علي (ع).

 نسلّط الضوء على النتائج التي توصلت إليها الدراسة بشكل مختصر دون الإخلال بالمعنى. في ص31 من الكتاب، نتائج دراسة الباب الأول الذي ضمّ تسعة فصول تقول: في خاتمة رحلتنا الممتعة في رحاب كتب التفاسير المختصرة للقرآن الكريم وبالتحديد كتاب الجلالين، وتفسير القرآن الكريم للسيد عبد الله شبّر، أثمرت هذه الرحلة بأبرز النتائج التي توصلتُ إليها بفضل الله تعالى. فيما يخص أسباب النزول تباينت محاور الاستدلال، مثلا تعدد أسباب النزول واعتماد الروايات عن الصحابة والتابعين، هي معتمدة في تفسير الجلالين، العلّامة عبد الله شبّر أضاف روايات أهل البيت (ع). أحيانا لا يستدل شُبّر على سبب النزول، ويكتفي ببيان المعنى وتوضيحه. في تفسير الجلالين تُعرَض الآراء المختلف فيها من دون مناقشة أو ترجيح . التوجيهات اللغوية والنحوية غير قادرة على إعطاء الصورة الواضحة والكاملة في بيان المعنى المراد من النص القرآني، واعتماد الوجه الواحد لا يكفي في بيان المعنى القرآني. المفسرون الثلاثة اعتمدوا وجها واحدا من غير تعليل أو ترجيح لذلك الوجه، التأمل في الصور البلاغية كانت واضحة في تفسير الجلالين أكثر من تفسير شُبّر، المفسرون الثلاثة لم يكن لهم وجهة نظر أو تفصيل في لطائف الصور البلاغية المعروضة في تبيين معاني بعض النصوص القرآنية. أرى ربما اختفت وجهة نظرهم لا لقصور في قدراتهم، بل لميلهم للاختصار.وهذا ما صرّحت به الدكتورة الباحثة: ابتعدوا من الإفاضة والإسهاب في تفسير وتأويل الآيات. تفاسيرهم المختصرة تجمع بين الدّقة في المعنى والإيجاز في إرسال العبارة وتحريرها؛ هذا الأمر واضح في تفسير شبّر أكثر من تفسير الجلالين.

 أرى كقارئ نتائج الدراسة واقعية تنسجم مع طبيعة التفاسير المختصرة، وهذا من  الايجابيات. ترى الدكتورة الباحثة أنّ من وسائل الكشف عن منهج المفسّر البحث في طبيعة التوجيهات التفسيرية لبيان معاني النص القرآني، وهذا التوجه ظاهر في تفسير الجلالين، إذ يذكر المفسّر اليهود والنصاري صراحة، في حين تفسير شُبّر يشير إليهم بالفرق من دون ذكر الإسم صراحة، إذ يكتفي ببيان المعنى بإيجاز من دون توجيه الآراء أو ترجيح الأقوال. هذا برأيي تحليل واقعي، يعكس صورة عن منهج شُبّر الذي هو الأقرب للصواب والأكثر انسجاما مع المنهج المختصر. ترى  أن السيد شبّر في تفسيره يتوافق مع تفسير الجلالين في إجلاء الغموض الذي يكتنف النصوص القرآنية في الاستعانة بالروايات التي تلتقي مضمونا وتختلف في طرق روايتها وسند صحتها. التوجهات المذهبية للمفسرين الثلاثة ظاهرة في آرائهم التفسيرية. تفسير الجلالين للمنتهين وليس للمبتدئين، تفسير شبّر للمبتدئين والمنتهين. ترجح الدراسة تفسير شبّر كونه الأقرب إلى منهج التفسير المختصر. والأكثر مقبولية كونه للمبتدئين والمنتهين فهو الأكثر قراءة وفائدة وواقعية.

في الباب الثاني درست كتب تفسير آيات الأحكام  للأيرواني والسايس. قسمت دراستها إلى قسمين: الأول فيما يتعلق بالمصادر، والثاني فيما يتعلق بالمنهج. ترى أنّ كلّ مفسّر ذهب إلى ما يراه أوثق في مجال التفسير وينسجم مع اتجاهات المدرسة التي ينتمي إليها. مصادر المفسرين ذهب كل مفسّر إلى المصادر الحديثية التي تتناسب مع ما يؤمن به، إذ يميل كلّ مفسّر إلى المعنى القرآني المنسجم مع المدرسة الفكرية والمذهبية التي ينتمي إليها، فيما يتعلق بمصادر كتب الفقه، ترى أنّ منهج االسايس والأيرواني، قد سارا بنفس الطريقة في التعامل مع المصادر، فكل مفسّر اعتمد المصادر الفقهية لمذهبه، السايس كان اهتمامه واضحا بمذهبه الحنفي والأيرواني بمذهبه الشيعي، كقارئ لا اعتبر ذلك خروجا عن المألوف، هذا توجه موجود عند غالبية المفسرين، فيما يخص مصادر اللغة توصلت الدراسة أن المفسرَينْ مستقلان في استخدام مصادر اللغة، وهذا مؤشر على الاستقلالية العلمية والفكرية والمذهبية لهما، الانتماء المذهبي للمفسرين لعب دورا في اختيار مصادر اللغة، فقد اعتمد الإيرواني حسب ما أفادت الدراسة على كتاب المفردات للراغب الأصفاني، في حين لم يستعمل السايس هذا المصدر حتى ولو مرة واحدة لكنه اعتمد على مصدر آخر هو تهذيب اللغة للأزهري، هذا مؤشر لانحياز كل مفسّر لمذهبه وتوجهه الفكري. انعكس موقف المفسرين في انحيازهما الفكري والمذهبي أيضا على مصادر الأعلام والسيرة، إذ انفرد كل منهما بمصادر تختلف عن الآخر بنسبة كبيرة، لم نجد مصدرا واحدا متفقان عليه، وهذا يؤكد الأثر الواضح للمنهج العلمي والاتجاه الفكري في توظيف المعلومات وتبيين المعنى واستخلاص الأحكام التشريعية من النصوص القرآنية. القسم الثاني من نتائج دراسة الباب الثاني، متعلق بمنهج المفسرين، اعتمد المفسّران التفسير بالمأثور من خلال الاستدلال القرآني  وبما روي عن الصحابة والتابعين، يؤخذ على السايس أنّه يستدل بالروايات من غير اسناد لأصحابها وهو غير ما هو موجود عند الأيرواني. المفسران على الرغم من تفسيرهما بالرأي، إلّا أنهما لم يغفلا الاستدلال بأقوال الصحابة والتابعين. لم يهتم المفسران بالناسخ والمنسوخ، وظّفا القراءات لبيان المعنى القرآني، وتوضيح الأحكام، تفوق الأيرواني بالاستدلال بالمأثور القرآن والسنة والمروي عن أهل البيت (ع)، وظّف المفسّران القواعد الأصولية التشريعية في التفسير، مع تباين في بعض المواضع عند الأيرواني.

 الباب الثالث، المنهج العقلي (الاجتهادي) القرينة اللفظية الصارفة، تفسير (كنز العرفان في فقه القرآن) للشيخ المقداد السيوري انموذجا، أهم نتائج الدراسة: أن للقرينة اللفظية أهمية ودور في استظهار الأحكام الواردة في النص القرآني، لابدّ من دراسة القرينة اللفظية مع القرينة النحوية كي تتضح بعض الأحكام الشرعية، هناك اقتران بين القرينة النحوية والقرينة الصوتية كي تتضح معاني النص القرآني. تعرّض الشيخ السيوري إلى اللفظ القرآني من حيث تقييد النص واطلاقه، مع الترجيح للمعنى بحسب ما يوافق النص القرآني وترك ما يخالفه، يطرح السيوري أقوال العلماء ثم يتوافق معهم أو يختلف مستدلا بالقرينة اللفظية والسياق القرآني. أشار في أكثر من موضع إلى بعض الأحكام الشرعية المبهمة في النص القرآني يشرح معناها بدلالة القرينة والسياق، وصفت الدكتورة نضال الساعدي ص178 من كتابها ضمن الهوامش، الشيخ المقداد السيوري، أنه عرض الآراء وناقشها مناقشة موضوعية بعيدا عن التعصب. 

الباب الرابع: الإحالات السياقية في القرآن الكريم، دراسة تأصيلية في تفسير أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع). في التمهيد ذكرت ص147: من دواعي سروري أن أكون أول من بحث بجزئية السياق الخاص في التفسير بالمأثور عن أمير المؤمنين (ع)، ولكن على طريقة (الإحالات القرآنية). توصلت في دراستها إلى مجموعة من الحقائق، منها أنّ طائفة من القرائن السياقية زيّنت تفسير الإمام علي (ع)، طلبا للمعنى المراد من النص القرآني، أفاد تفسير الإمام (ع) في معرفة الجواهر البلاغية، والدرر السياقية في الإحالات القرآنية، كذلك اهتم في التكامل السياقي من خلال حجية اللفظ والسياق.

أرى كقارئ أنّ الكتاب جدير بالقراءة، فهو مهم خاصة لذوي الاختصاص. 

 

عرض وتحليل – علي جابر الفتلاوي

........................

(1): الساعدي، الاستاذ الدكتورة نضال حنش شبار حبيب، بغداد، دار الكوثر، الطبعة الأولى، 1437هج – 2017م.

 

 

زهير الخويلدي"يشعر الجميع بشكل مرتبك أن العلوم الإنسانية مفيدة ليس فقط للإنسان، ولكن للعالم نفسه"

صدر خلال شهر أوت من سنة 2020 العدد الأول من مجلة حكمة في صيغة رقمية تحت عنوان "الفلسفة أم العلوم" ويتضمن جملة من المحاور والملفات تتعلق بالفلسفة الأولى والطب والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والعلوم التجريبية والرياضيات والفيزياء واللغويات والأخلاق النفعية والابداع الجمالي والآداب والسياسة.

تعتبر هذه المجلة الرقمية تجربة مختلفة للفيلسوف التونسي يضع فيها تصوراته التجديدية وأفكاره الثورية ويحرك فيها السواكن ويغادر المألوف ويقطع مع المكرور ويعيد التفكير في المسلمات التي ركن اليها الذهن ويقترح عبرها الكلام بصوت عالي عن الطفرة المعرفية والتحول الرقمي والعلوم العرفانية والفلسفة العصبية.

لقد وقع الاختيار على اسم حكمة وذلك لارتباطه بالأصل الاشتقاقي الاغريقي للفلسفة من حيث هي بالأساس حب الحكمة وأيضا بالنظر الى اقترانه بالمعنى العربي الذي يتوزع الى حكمة نظرية وعملية وذوقية تجد تحققها في العقل والإرادة والاحساس وتؤكد على أهمية المسألة اللغوية في نحت الرموز والعلامات والمعاني.

لقد رافق العنوان: حكمة شعار ثان هو أم العلوم وهو تعريف أرسطي ضمن تأليفية هيلينية أصبحت عند العرب والمسلمين واليهود والمسحيين واللاتين مدرسة مشائية قائمة الذات ولكن يشير الى البدء الجديد مع أدموند هوسرل الذي اعتبرها ملكة العلوم وإنقاذ للمعنى ومع مارتن هيدجر الذي جعلها تساؤل خارق للعادة.

1744  حكمة ولقد كانت من اعداد الدكتور زهير الخويلدي وجعلها تعتنى بالنقد الثقافي للواقع والتحليل المفهومي للنصوص وتقوم بعرض تحليلي تقييمي للعلوم الانسانية والمعارف الحيوية والنظريات المعاصرة والتقنيات المنهجية، ويرى أن المجلة الفلسفية هي مواصلة للمشروع الحضاري الذي صاغ حكماء الضاد لبناته الأولى وتنهل من ينابيع العلوم المعاصرة وتسعى الى تغيير الواقع الاجتماعي وتحيين للفكر العربي بالمنجز المعرفي الراهن.

يمكن أن تكون هذه المجلة الفلسفية الرقمية مجموعة من التطبيقات الفلسفية التي تتعامل مع النصوص والأحداث والوقائع كمنطلق للقراءة والتفسير والتأويل وتمهد الطريق للمختصين والعارفين والأكاديميين لكي يشكلوا رؤى موسوعية ونظرة شاملة وأفكار توجيهية ونماذج ارشادية ومعارف ناظمة بغية التغلب على التشتت والانفصال والتباعد وتكون ملتقى للمعارف والفنون والآداب والنظريات ومرآة عاكسة للمنعطفات.

فهذا بيان فلسفي رقمي للنقاد والعلماء والمختصين عسى أن يعيدوا للعلم ضميره وللسياسة قيمها وللفلسفة بريقها وللاقتصاد نجاعته وللتقنية قدرتها على التغيير وللتصنيع الذكاء الذي يحترم البيئة وللحياة صحتها وديمومتها.

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي