المثقف - كتب وإصدارات

قراءة في كتاب: محطات من حياتي

ضياء نافعهذا كتاب مهم جدا في تاريخ العراق المعاصر، اذ انه ليس فقط (محطات!) في حياة مؤلفه د. خليل عبد العزيز، بل هو (حصيلة !) كل حياته في الواقع، ولهذا فانه كتاب صعب، ولا يمكن للقارئ ان (يلتهمه!!) رأسا، كما يحدث مع بعض الكتب الشيّقة الاخرى، اذ ان الاحداث التي يتناولها د. خليل عبد العزيز تقتضي من القارئ ان يتأملها ويستوعبها بهدوء وتفكير عميق، خصوصا وانني لم أجد الفهرس (لا في بداية الكتاب ولا في نهايته) في كتاب بمثل هذا الحجم، اذ انه يقع في (324) صفحة من القطع الكبير، ويتناول احداثا مهمة لاكثر من نصف قرن منذ خمسينات القرن العشرين ولحد الان، احداثا ساهم فيها د. خليل شخصيا، وفي هذه النقطة بالذات تكمن اهمية هذا الكتاب وقيمته التاريخية الكبيرة، اذ ان هذه الاحداث غير معروفة باكملها لنا بتاتا، ولكنها تمتلك اهمية في مسيرة تاريخنا المعاصر، او كما كتب الدكتور كاظم حبيب في مقدمته العميقة و الدقيقة للكتاب – (ان هذا الكتاب شهادة حيّة وصادقة عن احداث مرّ بها الشعب العراقي وأثرت ايجابا او سلبا على حياته الراهنة ومستقبل اجياله القادمة، انه اغناء للمكتبة العربية .). ولا تهدف القراءة التي نقدمها للقارئ هنا الى تلخيص هذا الكتاب وعرض مضمونه العام، خصوصا وان بعض الباحثين قدّموا هذه الخلاصة، واود ان اشير بالذات الى ذلك العرض الموضوعي المرّكز والذكي، الذي قدّمه الاستاذ جمال العتابي (انظر مقالته بعنوان (خليل عبد العزيز يبوح بالمخفي ..ولكن) المنشورة في جريدة الصباح الجديد / بغداد بتاريخ 26/ 6 /2018) . ولهذا، فانني ساكتفي بالتوقف عند نقطتين ليس الا في هذا الكتاب، والتي أعتبرهما طريفتين و مهمتين وجديدتين، على الرغم من انهما صغيرتين في مسيرة تاريخنا المعاصر . النقطة الاولى تتعلق بالاتصالات بين الحزب الشيوعي السوفيتي والاحزاب الشيوعية العربية، فمن كان يتصور مثلا، ان مسؤول الاتصالات بين الحزب الشيوعي السوفيتي والاحزاب الشيوعية العربية، والذي يسميه د. خليل عبد العزيز بالاسم يتصرف بهذا الاسلوب مع ممثلي الاحزاب الشيوعية العربية في موسكو – قلب الدولة السوفيتية والمعسكر الاشتراكي !!!، ولنقرأ معا هذا المقطع من ص192 -193 – (..وفي الكثير من الاوقات اهمل السوفييت علاقتهم هذه، ولهذا وضعوا موظفا صغيرا في جهاز مخابراتهم ليس له منصب حزبي مؤثر ليكون وسيطا بين الاحزاب الشيوعية العربية والحزب في الاتحاد السوفيتي، ولم يكن ليمر طلب بمقابلة او اتصال او التماس وحتى حاجة بعينها، الا من خلال هذا الموظف المدعو نيجكين الذي عمل في فترة ما بعد ثورة الرابع عشر من تموز العراقية ملحقا ثقافيا في السفارة السوفيتية في بغداد، وكان هذا الموظف يبتز اعضاء الاحزاب الشيوعية العربية ولا يوافق على ايصال طلباتهم الى القيادة السوفيتية دون ان تقدم له رشاوي معينة، دائما ما كان يحددها هو وليس هم .)، ولنتصور انطباع مندوبي الاحزاب الشيوعية العربية وهم يتعاملون بهذه الطريقة مع هذا ال (نيجكين)، كي يقابلوا مسؤولا في الحزب الشيوعي السوفيتي !!، ولكننا لم نقرأ سابقا اي شئ عن هذه الحالة، واننا (اصطدمنا) بها في كتاب د. خليل عبد العزيز لاول مرّة . والنقطة الثانية التي نريد التوقف عندها هنا تختلف عن روحية هذا الجو السياسي البحت، الا وهي موضوع الدراسة في الاتحاد السوفيتي وتاريخها، والتي لم نستطع لحد الان تقديمها كما يجب. لقد حاولنا تسجيل بعض جوانب هذا الموضوع في سلسلة مقالات بعنوان – (رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي) (5حلقات) وسلسلة اخرى بعنوان – (المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي) (4 حلقات)، ثم حاولنا ان نقدم قائمة اولية باسماء المترجمين العراقيين عن الروسية (حلقتان)، وقد أشرنا في تلك القائمة الى اسم الياس البدري ضمن المترجمين العراقيين، واعترض البعض على ذلك، واعتبروه مترجما لبنانيا، وقد اجبتهم تحريريا باني اعرف البدري شخصيا، ولكن بلا جدوى، ووجدت في كتاب خليل عبد العزيز وعلى الصفحة رقم 209 ما يؤكد ذلك، ونقدم للقارئ هذا المقطع الصغير والمهم في هذا المجال، وهو – (..استطاع البعض من الشباب العراقي الحصول على مقاعد دراسية في المعاهد السوفيتية، فقد استطاع محمد علي الماشطة ومصطفى الجواهري الحصول على زمالة دراسية في الاتحاد السوفيتي، وكان قد سبقهما الالتحاق بالدراسة في موسكو مواطنان عراقيان يهوديان استطاعا الهروب من العراق بعد اسقاط الحكومة العراقية الجنسية عن اليهود العراقيين عام 1949، وقد وصلا الى موسكو عبر ايران، احدهما واسمه مسرور، اذكر انه عمل كمذيع في اذاعة موسكو باللغة العربية، اما الثاني واسمه الياس البدري فقد تم تعيينه مدرسا لتدريس اللغة العربية في معهد اللغات الشرقية في موسكو بعد انهائه الدراسة في كلية الحقوق ...).

ختاما لهذه القراءة المختصرة جدا (والتي لا يمكن لها ان ترسم حتى ولا صورة تقريبية لاهمية هذا الكتاب وقيمته التاريخية)، اود ان اشير الى ما قاله لي د. خليل عبد العزيز في اللقاء الاخير معه في موسكو، وهو ان السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي الدكتور رائد فهمي اخبره، انه يسمع لاول مرة عن هذه الاحداث في الاتحاد السوفيتي، واقترح عليه ان يقدم كلمة امام اجتماع للشيوعيين العراقيين للتحدث عن ذلك، وهو اقتراح علمي وموضوعي وعملي فعلا من وجهة نظري، اذ ان الاجيال العراقية التي لم تتعايش مع التجربة السوفيتية قد خلقت في مخيلتها صورة مرتبكة ومشوشة جدا عن هذه التجربة الانسانية الكبيرة و العظيمة في تاريخ البشرية، صورة بعيدة عن واقعها و ترتبط بمستوى الوعي الاجتماعي العراقي وتعكسه و تجسّده ليس الا، صورة تصفها الامثال العراقية الطريفة بدقة، مثل (لو طخه لو اكسر مخه / لو بسراجين لو بالظلمه / لو هره لو وره / علج المخبل ترس حلكه ... الخ) . لقد اشار د. كاظم حبيب في مقدمته للكتاب، الى ان (.. من يعرف الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية الاخرى يدرك صحة تقديرات المؤلف وصواب استنتاجاته)، وهي ملاحظة دقيقة وصحيحة فعلا .

تحية للدكتور خليل عبد العزيز وذاكرته الفذّة على هذه الجهود العلمية الكبيرة، والتي أضافت الى المكتبة العربية هذا المصدر المبتكر والاصيل، وتحية للمبدع فرات المحسن وللدكتور محمد الكحط على مساهماتهما المهمة في اعداد و اخراج هذا الكتاب .

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

كما كانت تحيتكم للدكتورخليل عبد العزيز في نهاية ما تفضلتم به تكون تحيتي لكم استاذي الفاضل مع امنيات بتمام العافية...لا اريد ان اعترض هنا انما اضع اعتقادي امامكم حيث ورد التالي:[(..وفي الكثير من الاوقات اهمل السوفييت علاقتهم هذه، ولهذا وضعوا موظفا صغيرا في جهاز مخابراتهم ليس له منصب حزبي مؤثر ليكون وسيطا بين الاحزاب الشيوعية العربية والحزب في الاتحاد السوفيتي، ولم يكن ليمر طلب بمقابلة او اتصال او التماس وحتى حاجة بعينها، الا من خلال هذا الموظف المدعو نيجكين الذي عمل في فترة ما بعد ثورة الرابع عشر من تموز العراقية ملحقا ثقافيا في السفارة السوفيتية في بغداد، وكان هذا الموظف يبتز اعضاء الاحزاب الشيوعية العربية ولا يوافق على ايصال طلباتهم الى القيادة السوفيتية دون ان تقدم له رشاوي معينة، دائما ما كان يحددها هو وليس هم .)]انتهى
انت تعرف استاذي الكريم اهمية ثورة 14 تموز و تأثيرها على قطبي الحرب الباردة و قتها...و تعرف و تقدر موقع الملحق الثقافي في سفارة الاتحاد السوفييتي في بغداد بعد الثورة عليه اعتقد و ربما اكون على خطأ بأن صورة او صيغة التصغير التي وردت في المقطع حول المدعو"نجيكين" مخابراتياً و حزبياً اُريد بها تعميق فضح الموقف السوفيتي في علاقته مع الاحزاب الشيوعية العربية.
لا يتبين القاريء هنا عن اي فترة تكلم الاستاذ الفاضل خليل عبد العزيز لكن ورود "كان" هنا تعني يمكن توقع تلك المرحلة و اعتقد انها كانت بعد دعوة الالتقاء في نقطة الوسط مع القطب الاخر اي في نهاية فترة خروتشتوف او بداية مرحلة بريجينيف.
قلتُ في احدى مقالاتي ان الدكتاتورية في اي مكان في العالم لا تدفع الى انتاج معارضة /احزاب معارضة لها استقلاليتها بل تدفع الى انتاج "عملاء" اضطرارياً لانها تدفع الى تشكيل او اعادة تفعيل المعارضة في الخارج و حتماً سيكون لبلد الانتاج او التنشيط تأثير كبير و كل اشكال المعارضات يتم فيها التنسيق مع دولة الحضن عن طريق المخابرات و هذا جاري و سيجري...عليه على تلك الاحزاب ان نجحت في فعلها و اسقطت النظام ان تدفع ثمن فترة الحضانة...سيكون هذا سهلاً ان كان هناك حضن واحد ...لكن الصعوبة في ان تكون هناك احضان متقاطعة و متنافرة كما هو الحال اليوم في العراق.
اعتذر عن الخروج عن الموضوع ...لكنه واجب العرض والتوضيح
دمتم بخير لتستمروا بتقديم الجديد المفيد نستزيد و نستفيد

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4318 المصادف: 2018-07-02 12:01:46