المثقف - كتب وإصدارات

الثمار الأرضية بأسمائها الفرنسية.. سيرة هجومية حادّة على الثقافة الأنكَلوساكسونية

عدنان حسين احمدصدر عن دار "لندن للطباعة والنشر" كتاب "الثِمار الأرضية بأسمائها الفرنسية" للشاعر فاضل عبّاس هادي، وهو الجزء الثاني من ثلاثية "الورّاق" التي نعتبرها سيرة ذاتية وثقافية ونقدية للمؤلف الذي توزعت اهتماماته بين الشِعر، والنقد الأدبي والفني، والتصوير الفوتوغرافي، والكتابة الحُرّة التي تجمع بين دفّتيها خليطًا من الأدب، والفن، والنقد، والسياسة، والاستذكارات المصهورة في "نص مفتوح" يمكن للمتلقي أن يقرأه من أي صفحة يشاء. غير أن هذا النص المهجّن ينطوي على خطوط ظاهرة للعيان أبرزها المراجعة النقدية لكل ما قرأ أو وقعت عليه عيناه منذ صباه وشبابه حتى الوقت الحاضر، وقدرته الواضحة في التحليل النفسي سواء للشخصيات الثقافية والإبداعية أو للمجتمعات التي يرصدها في متون دراساته وكتبه النقدية التي تعتمد على انطباعاته الذاتية التي يؤازرها "مُرافقهُ الخفيّ" الذي يغمره بالمفاجآت السعيدة والمُدهشة.

دعونا نعترف بأن ثلاثية "الورّاق" هي سيرة هجومية بامتياز، وتحشر القارئ في مقارنة عويصة بين الثقافة الأنكَلو- ساكسونية والثقافة الفرنسية، ويعني بالأنكَلو-ساكسون بريطانيا وأميركا وأستراليا، ثم يستدرك ليقول بأنه لا يقصد بريطانيا برمتها وإنما "إنكَلاند" فقط بعيدًا عن الآيرلنديين والأسكتلنديين والويلزيين. وحينما يأتي على ذِكر الأميركيين والأستراليين بوصفهم أنكَلو- ساكسونيين أيضًا يخفِّف من لهجته وغلوائه بحجة "أنهم عرّضوا اللغة الإنكَليزية للتهوية، وخلّصوها من الروائح العطنة التي علقت بها على مرّ العصور".

لا يقتصر هجوم فاضل عباس على اللغة الأنكَلو- ساكسونية فقط، وإنما يمتدّ إلى أدبائها ومبدعيها وأناسها ومدنها، وخاصة لندن. كما لم تسلم منه الحكومة البريطانية بساستها ووزرائها وبرلمانييها. وفي السياق ذاته يوجِّه انتقاداته الحادّة إلى الماكينة الإعلامية المتمثلة بالصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة. فكل شيء فرنسي، حسب الكاتب، هو أفضل من كل شيء أنكَلو- ساكسوني. تُرى، هل تصحّ هذه النظرية؟ وهل يتقبّلها المتلقي الذي يقرأ هذا الكتاب؟

نقرأ في الصفحة الاستهلالية مُقتَبسًا مشتركاً للروائي الفرنسي جول رونار والكاتب فاضل عباس يقولان فيه:"أحب موبسان لأنني أشعر بأنه يكتب لي وليس لنفسه. قل لي متى قرأتَ لكاتب أنكَلو- ساكسوني، وشعرتَ بأنه يكتب لكَ؟ أنا لم "أقرأ".

يركز المؤلف على مساوئ اللغة الإنكَليزية فهي لغة العاهات، والحروب، والأسلاك الحديدية الشائكة، والتجارة، والصناعة، والعلوم وما إلى ذلك، بينما الفرنسية هي لغة الحُب، والتسامي، والأغصان المتعانقة، فهو يعيب على الإنكَليز تسمية الجنائني بـ Tree Surgeon التي تعني "جراحة الأشجار"، أو استعمال "دودة كتب" Bookworm بدلاً من Booklover عاشق كتب، أو يجترحون "الدعسوقة" من كلمتين هما Lady+ Bird لتصبح Ladybird بينما هي Coccinelle بالفرنسية، كلمة جميلة واحدة لا غير ، أو كلمة Pickpocket التي تتألف هي الأخرى من كلمتين أعطتا بالكاد معنى"النشّال" في إشارة واضحة إلى عدم قناعة الكاتب باللغة التلصيقية الأنكَلو- ساكسونية مع أنّ التلصيق موجود في عدد كبير من اللغات الأخرى.

الشخصيات الأدبية الأنكَلو- ساكسونية التي انتقدها الكاتب كثيرة ولا يمكن حصرها في هذا المقال لكننا سنتوقف عند ستة أسماء أدبية لامعة وهي كولن ولسن، فرجينيا وولف، د. ه. لورنس، إي. أم. فورستر، تشارلز ديكنز ووليم شكسبير. صبّ المؤلف جامَ غضبه على ولسن لأنه كتب عددًا من روايات الجريمة، كما أصدر أيضًا "إنسيكلوبيديا الجريمة" بالاشتراك مع باتريشيا بيتمان. أما فرجينيا وولف فقد نظرت إلى العالم في كتاباتها من مستوى الدودة وليس من منظور الطير، كما قرّعها الكاتب بسبب شذوذها الإيروسي الذي لا يهمنا كمتلقّين. رواية "عشيق الليدي تشارلي" لـ د. ه. لورنس وصفها الكاتب بكلمة "مُفتعلة" ليلغي العلاقة العاطفية القائمة بين شخص من الطبقة العاملة، وامرأة من الطبقة العليا، ويطعن في مصداقية الرواية وإبداعها. لم تشفع لفورستر روايات "موريس"، و "أطول رحلة" و "الطريق إلى الهند" لأنه كان "منحرفًا" بلغة ذلك الزمان. لم يلتفت الكاتب إلى رواية "الآمال العظيمة" التي تعتبر الأكثر تأثيرًا وشعبية وإنما التفت إلى تحيّز ديكنز ضد السامية متفاديًا التدقيق في الجوانب الفنية كاللغة، والشخصيات، والبنية المعمارية للنص الروائي. أما الانتقادات الكثيرة التي وجهها إلى مسرحيات شكسبير فهي مقبولة، ومنطقية إلى حدٍ كبير ولا نستغرب حينما يصفه "بأنه عنيف، ودموي واحترابي". وقد استعان برأي ليو تولستوي الذي وجّه انتقادات لاذعة إلى اللغة المزوّقة لشكسبير، والشخصيات التي تتحدث بلسانه، والأمثال التي لا تخدم النص المسرحي وسواها من الملحوظات التي تولّد في نفسه "الملل والنفور والحيرة".

عيوب لندن كثيرة من وجهة نظر الكاتب، فهي مدينة بلا مقاهي أرصفة كتلك التي يراها في باريس، وبرلين، وبيروت، وبرشلونة، وبغداد، المدن التي يحبها، ويسترخي بين جوانحها فلا غروَ أن يجردها من إنسانيتها لأنها المدينة الوحيدة التي تبيع الحدائق والمتنزهات والأماكن العامة إلى الأثرياء القادمين من وراء الحدود. وهي المدينة الوحيدة التي تتقوقع على نفسها، وتشذب الأشجار بالمناشير الكهربائية لكي لا تعانق أغصانها الساكنين وراء النوافذ الزجاجية.

حينما كانت تيريزا مي وزيرة للداخلية كانت مؤيدة قوية للبقاء في الإتحاد الأوروبي، أما الآن فقد أصبحت من أقوى الداعين إلى الانسحاب، فهي كبريطانية تفضل العزلة والتوحد مثل أي مواطن أنكَلو- ساكسوني ضائع لا يدري إن كان هو أوروبيًا أم أطلسيًا. تيريزا مي وجيرمي كوربن كلاهما يعاني من تكلّس في العمود الفقري، وخلل في القصبات الهوائية، فكيف تقف الجزر البريطانية بقامة منتصبة لتسمع صوتها إلى الأجزاء الثلاثة الأخرى التي يفكر بعضها في البقاء ضمن الاتحاد والأوروبي والانفصال النهائي عن المملكة العتيدة.

يُسقِط الكاتب أوراق التوت عن وزراء وبرلمانيين وأساقفة لا يجدون حرجًا في كشف المستور، وانتهاك القيم الأخلاقية المتعارف عليها بحجة الحقوق والحريات الشخصية، ولا يكتفي بالإشارة إلى تيريزا مي وإنما يعود إلى مارغريت ثاتشر التي كانت تردد "أننا أمة تجارية عظيمة"، ويذهب أبعد من ذلك بكثير إلى بوديكا Boudica التي كانت متعطشة للدماء.

أشرنا سلفًا بأن هذا الكتاب هو سيرة ذاتية وثقافية ونقدية للشاعر فاضل عباس هادي المولع باقتناء الكتب وقراءتها منذ صغره، بل أنّ مدير المكتبة العامة في الناصرية صبري حامد كان يسمح له دون غيره بالدخول إلى مستودع الحوليات والكتب الأجنبية لأنه كان يعرف شغفه باللغة الإنكَليزية آنذاك قبل أن ينجذب إلى اللغة الفرنسية خاصة، وبقية اللغات الرومانسية من باب الإطلاع عليها ومقارنتها باللغة الأنكَلوساكسونية التي صار ينفر منها لاحقًا. وربما لعبت المصادفة العجيبة أن الكائن السيري قد شاهد لوحة "حانة في فولي بيرجير" لإداوارد مانيه في المستودع المذكور، وبسببها بدأ يحب النادلات في المقاهي والحانات التي يرتادها في برلين وباريس وبيروت وسواها من المدن الحميمة الأخرى.

وعلى الرغم من كثرة القصص والوقائع الصادمة في هذا الكتاب إلاّ أن أسلوبه الجريء، ولغته التهكمية الساخرة هي التي منحت هذه السيرة نكهتها الخاصة، فحينما يتحدث بالمحكية العراقية عن منطق الأنكَلو- ساكسونيين يصفه بـالـ " عكرف لوي"، أي الملتوي أو المتعرِّج، وحينما يرد اسم شخص فكه يحب النكتة ينعته بـ "الشقدنحي"، ويتحول النشّال إلى "ضرّاب جيب" وما إلى ذلك من مفردات محببة يستعملها عامة الناس.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4357 المصادف: 2018-08-10 13:09:13