 كتب وإصدارات

د. علي شريعتي في كتاب: الدين والظمأ الانطولوجي

علي جابر الفتلاوييقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي وهو يتحدث عن حياة المفكر الإيراني الدكتور علي شريعتي: ولد عام 1933م، في قرية (مزينان)، وهي تابعة لمدينة (سبزوار) في إقليم (خراسان) في إيران، وتوفي  في لندن بتأريخ 21- 11- 1977م.(1)

الدكتور علي شريعتي هو ابن المفكر محمد تقي شريعتي، الذي قام بتوعية الجماهير بالدور الحقيقي للدين في المجتمع، وأحد مؤسسي (مركز الحقائق الاسلامية) في مدينة مشهد، وكان له دور مهم في مسيرة الجهاد الاسلامية... علي شريعتي سليل عائلة علمية، نشاطه لم يعجب حكومة الشاه، ضايقته وسجنته، ثمّ اطلقت سراحه مما اضطره للانتقال إلى لندن، وبعد شهر من إقامة الدكتور علي شريعتي في لندن عُثر عليه ميتا في شقته، ميتة غامضة، قالت سلطة الشاه في حينها أنّها نوبة قلبية؛ أنّها من تلك النّوبات المصطنعة التي دبّرتها السلطة عشرات المرات لأعدائها، ولم تسمح لجثمانه بأنْ يًدفن في إيران، فنُقِل إلى دمشق، ودُفِن في الحرم الزّينبي، ترك حوالي مائة وعشرين عملا ما بين فلسفي، وأدبي، وثوري.(2)

صنّف الدكتور عبد الجبار الرفاعي (ص100 - 102) من كتابه (الدين والظمأ الانطولوجي) علي شريعتي على تيار الهوية ((الذاتية))، ضمن عدد من اتجاهات التفكير الديني المعاصرة في ايران واستدلّ على انتمائه لهذا الاتجاه الفكري من خلال دعوات علي شريعتي إلى: الأصالة، والهوية الحضارية، والذاتية، وعدّ كتاب علي شريعتي (العودة إلى الذات) دليلا على صحة استنتاجه عن فكر الدكتور شريعتي، وأضاف واصفا فكره: أنه لا يقارب مفهوم الذاتية والهوية من منظور انطولوجي، وإنما يقدّم تفسيرا اجتماعيا ثقافيا ثوريا من (أجل العودة إلى الذات).

يرى الدكتور الرفاعي أنّ مَنْ ينطلق دفاعا عن الهوية الذاتية يسير في المسار الخطأ، إنْ كان المسار خارج المنظور الوجودي (الانطولوجي) للانسان، وهذا يعني من منظوره أنّ الدفاع عن الهوية يقود إلى الانغلاق وخارج المسار الصحيح، الدفاع عن الهوية أما أن يكون ضمن المنظور الانطولوجي أو لا يكون.  نشير أنه قد لا يتوافق مع الدكتور عبد الجبار الرفاعي مفكرون آخرون في هذه الرؤية.

 أرى أنّ كلّ رؤية تحتمل الخطأ والصواب، أو على الأقل نسبة منهما؛ لكنّ الدكتور الرفاعي لا يشير إلى ذلك. وصف (علي شريعتي): أنّه حرص على صياغة تفسير ثوري للدين، وسعى إلى وصل العقيدة بالثورة، وبناء رؤية ثورية للنص الديني والثراث والتأريخ...أدرك شريعتي أنّ تفسيره الثوري للدين يتطلب قراءة ايديولوجية للدين، وهذه الايديولوجيا تستوعب أهم أسباب النهضة والتطور والتنمية... الأدلجة غاية لإنسانية الانسان لدى شريعتي.

لا يتوافق الدكتور الرفاعي مع الدكتور علي شريعتي في هذه الاتجاه يقول: إنّه يغالي بوظيفة الايديولوجية، لدرجة أنها ترتقي لتكون وصفة تعالج كلّ تشوّهات وأمراض المجتمع، وتمنحه مجموعة أحلامه صفقة واحدة، إنه يشدّد على أخلاقية الايديولوجيا وابتكارها لقيم جديدة.(3) 

 لا أتوافق مع الدكتور عبد الجبار الرفاعي في توصيفه للدكتور علي شريعتي، لأنّي أفهم فكر الدكتور علي شريعتي أنه يمثل مرحلة زمنية معيّنة؛ انتشرت فيها أيديولوجيات من أهدافها تنحية الدين عن المجتمع جانبا وعزله، ولمواجهة هذا التطرف، لابد من فكر آخر يمثل الإسلام النقي، لأنّ المواجهة يجب أن تكون بنفس الأدوات. أيديولوجية علي شريعتي تعتمد على فكر الاسلام بفهم عصري يتناسب والظرف الذي عاش فيه الدكتور شريعتي، لقد أدّى دورا مهما في مرحلة زمنية معينة، نوّر فيها القرّاء عن الفكر الاسلامي بعيدا عن التقاليد الموروثة، فِكْر يحترم الانسان المختلف، هدفه العدالة ويحمل صفة الانسانية بعيدا عن مصادرة فِكْر الآخر، ليس بالضرورة أن يصادر الفكر الايديولوجي الفكر الآخر، في تقديري أن الفكر الاسلامي المنفتح يتميز عن غيره من الأفكار أو الايديولوجيات، الدكتور علي شريعتي يحمل هذه السّمة.

487 الظمأ الانطلوجي

 الدكتور عبد الجبار الرفاعي لا يرى في أيديولوجية علي شريعتي منبعثة من المنظور الانطولوجي، أرى أنها تنبعث من هذا المنظور طالما جذورها الاسلام الأصيل غير المشوّه كالإسلام الوهابي، أيديولوجية علي شريعتي تختلف عن الايديولوجيات الاخرى البعيدة عن الاسلام أو التي تحمل الاسلام اسما وترتدي زيّ الاسلام تزويرا وظلما مثل اسلام التكفيريين، الأيديولوجية التي تستوحي مبادئ الاسلام النقي غير المشوّه هي المقبولة، كأيديولوجية الدكتور علي شريعتي؛ على عكس الايديولوجية الأخرى التي تكون أساسياتها ومنطلقاتها عقلية بحتة بعيدا عن المنظور الديني الانطولوجي، والعقل البحت ليس بالضرورة أن يكون مصيبا، كما لا يوجد انتاج عقلي لا يخضع للتغيير حسب سنن التطور.

أرى أنّ  أيديولوجية علي شريعتي تمثّل مرحلة زمنية دافعت فيها عن الاسلام الاصيل بنفس أدوات العصر الذي عاش فيه، وقد أدّى دوره بنجاح، وأظهر مدى صلابة وسلامة هذا الفكر؛ أرى كل سلاح يُشهَر بوجهك، لابدّ أنْ يُقابل بسلاح مثله كي يتحقق الانتصار، إضافة إلى ذلك لعب فكر علي شريعتي دورا مهما في توعية الشباب الإيراني قبل الثورة الاسلامية، إذ قام بدور تحريضي للمجتمع الإيراني كي ينخرطوا في مناهضة حكومة الشاه. يقول علي شريعتي عن مشروعه الايديولوجي: إنّ منطلقنا هو الذات الاسلامية نفسها، وينبغي أن نجعل شعارنا هو العودة إلى هذه الذات نفسها؛ لأنها الذات القريبة من بين كلّ الذوات، وهي الثقافة الوحيدة التي لا تزال حيّة حتى الآن، وهي الروح والإيمان والحياة الوحيدة في المجتمع الآن، ذلك المجتمع الذي ينبغي للمفكر أن يعمل من خلاله، ويعيش وينبض. (4)

من كلام الدكتور علي شريعتي نستوحي أن أيديولوجيته تختلف عن الأيديولوجيات السائدة، فهي مستوحاة من الدين وليست من ابتكار العقل المجرد، كالأيديولوجية الماركسية مثلا، أيديولوجية شريعتي اسلامية ثورية جاءت في زمن شيوع الايديولوجيات، ايديولوجية شريعتي مطلبية مستوحاة من فكر الاسلام.

يعطي الدكتور عبد الجبار الرفاعي حكما عاما عن الايديولوجيات، لا يميّز أو يفرّق بين ايديولوجية وأخرى، قال عن أيديولوجية علي شريعتي نقلا عنه: أنها تستوعب في رأيه أهم أسباب النهضة والتطور والتنمية، الأدلجة عند علي شريعتي حسب توصيف الدكتور الرفاعي: غاية لإنسانية الانسان، فمن لم يكن مستنيرا مسلما فلابد أن يكون ماركسيا من أجل أن يحتفظ بآدميته.(5)

لست بالمطلق مع الدكتور علي شريعتي، أو الدكتور عبد الجبار الرفاعي، لا أتوافق مع الدكتور الرفاعي في رفض أي أيديولوجية، ولا أتوافق مع الدكتور شريعتي في قبول أي أيدلوجية، الايديولوجية المصنعة من فكر الانسان المطلق مرفوضة متوافقا مع الدكتور الرفاعي في هذا الاتجاه، لوجود سلبيات كثيرة منها حسب ما ذكر الدكتور الرفاعي (ص109): الايديولوجيا تعطّل التفكير التساؤلي الحرّ المغامر الذي يتخطى ترسيماتها وحدودها. ولست مع الدكتور شريعتي في قبول أي أيدلوجية، فمن الايديوليجيات من يصادر إنسانية الانسان، ومنها من له عمر زمني تموت بانتهاء عمرها، حتى أيديولوجية علي شريعتي انتهى عمرها بانتهاء المرحلة الزمنية التي أدت غرضها فيه، أصحاب الأيديولوجيات وأنصارها، دائما ما يصورونها حيّة صالحة لكل زمان ومكان، في تقديري لا توجد أيدلوجية تصلح لكل زمان ومكان، فلكل أيديولوجية غرض؛ ينتهي عمر الايدلوجية بانتهاء غرضها.

أخيرا أقول هذه المقالة الرابعة والأخيرة عن كتاب (الدين والظمأ الانطولوجي) للدكتور العراقي المفكر عبد الجبار الرفاعي، والمقالات الأربع دليل الاعجاب بفكر الدكتور الرفاعي، ادعو له بالموفقية وإلى مزيد من الانتاج المبدع النافع الذي يغذي الفكر والروح، مع تقديري الكبير له.

ارجو المعذرة إن تقاطعت معه في بعض الفقرات، لأني أكنّ له الاحترام والمودة.

 

علي جابر الفتلاوي

...........................

(1): الدكتور عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الانطولوجي، ص105.

(2): الدكتور علي شريعتي، العودة إلى الذات، المقدمة بقلم المترجم الدكتور ابراهيم الدسوقي شتا، استاذ اللغات الشرقية، كلية الآداب، جامعة القاهرة، ص10و ص14- 15.

(3): الدتور عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص107- 109.

(4): الدكتور علي شريعتي، المصدر السابق، ص54.

(5): الدكتور عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص108.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4662 المصادف: 2019-06-11 12:45:04