 كتب وإصدارات

سر حروب الجيل الخامس

87 mahmodmohamadali250كتاب يرصد آليات تدمير الدول دون معارك عسكرية

تكبّد العالم أجمع خسائر مهولة عقب حــروب الأجيال الثالثة الأول التى جرت بمواجهات عسكرية مباشرة، ومع ذلك فحروب الجيلين الرابع والخامس هى الأكثر ضراوة والأشد تدميرًا؛ إذ تجرى عمليات الهدم والتقويض للدول المُستهدفَة من الداخل من قبل عدو خفى أو مجموعة من الأعداء عبر إشاعة الفوضى وترويج الشائعات تحقيقًا لمصالح مشتركة تجمعهم.

وفى ظل موجـات عدم الاستقرار التى ضربت البلدان العربيّة بعد الثورات، احتل الحديث عن حروب الجيلين الرابع والخامس واجهة النقاش، لا سيّما مع استخدام العديد من أدوات تلك الـحـروب خلال فترة حرجة مرّت بها البلدان العربيّة، وهو ما جعل الرئيس عبدالفتاح السيسى يشدد فى أكثر من مناسبة على أهمية بث الوعى بأدوات تلك الحروب لمواجهتها حفاظًا على أمن واستقرار الوطن أمام محاولات متكررة لهدم بُنيانه.

ما الذى يعنيه الجيل الخامس؟ وما الأجيال الأربعة السابقة له؟.. من هذا السؤال ينطلق أستاذ الفلسفة المصرى محمود محمد على فى كتابه "حـروب الجيل الخامس وخصخصة العنف"، الصادر حديثًا عن "دار الوفاء للنشر" و" وصحيفة المثقف"، ليُفصِّل تلك الأجيال من الحروب التى شهدها العالم عبر مراحل تاريخية مختلفة وصولا إلى حروب الجيل الخامس التى تختلف عمّا سواها، بما يجعلها تُمثِّل تهديدًا على أصعدة شتى.

يُفنِّد الكاتب الأجيال الأربعة من الحروب، بدءًا من حروب الجيل الأول التى حكمت صـراعـات القرن التاسع عشر وما قبلها، ويـؤرخ لها فى الفترة من 1648 إلى 1860 ،وهى الحرب التقليدية القائمة على مواجهة مباشرة بين جيوش نظامية تستند إلى تكتيك استخدام السالح، أما حروب الجيل الثانى فظهرت خلال الحرب العالمية الأولى بظهور المعدات العسكرية الحديثة، فكانت كل موارد الدولة مُسخَّرة للمجهود الحربى، فيما بدأت حروب الجيل الثالث منذ العام 1920 حتى 1954 ،مع انتهاء الحرب العالمية الأولى وبداية حربى الجزائر وفيتنام، وصولًا إلى الجيل الرابع، الذى اعتمد على التطوير التكنولوجى للقوة العسكرية للقيام بمناورات عسكرية. العديد من الأحداث الساخنة شهدتها تلك الفترة بما أسهم فى تغيير قواعد الحرب، إذ استمرت مدافع الحرب العالمية الثانية حتى بدأت الحرب الباردة، من خلال صراع غير مباشر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي استمر حتى سقوط جدار برلين، لتُعلن عن بداية حروب الجيل الرابع المعتمدة على مبدأ "اللامركزية" والهادفة إلى الوصول لحالة من الفوضى والانهيار الداخلي فى الدول المستهدفة.

وبتعزيز التطور التكنولوجى بصورة أكبر، جاءت حروب الجيل الخامس لتتجاوز مجالات الصراعات التقليدية السابقة، جامعة بين عدة أنواع من الحروب فى الوقت ذاته وهى الحرب الاقتصادية والسيبرانية والمعلوماتية وحروب أسلحة الدمار الشامل وحروب المخدرات والبيئة، لتصير أكثر اعتمادًا على التدمير الفُجائى لقوى الخصم.

87 mahmodmohamadali600

ورغم ما قدّمه الكاتب من تحقيب يشير فيه إلى بدايات زمنية لكل مرحلة من الحروب، فإنه يُبيّن أن الحروب تأتى فى بداياتها كممارسة تلقائية وعفوية، ثم تحدث بعد ذلك الصياغة النظرية الاستراتيجيات وتكتيكات الحروب، ويدلل على حروب  الجيل الرابع بالثورات العربية، التى اعتبرها محاولة من الواليات المتحدة لشن حرب عبر استخدام تكتيكات حرب اللاعنف لعرقلة المسار السياسى الذى تتحرك فيه الدولة المستهدَفة وإشـاعـة الفوضى المجتمعية وإشاعـة جو من الحرب النفسية والإعلامية وترويج أفكار ومعتقدات تسهم فى انقسام المجتمع. ويلفت إلى أن ثمة تداخل ً وتواشجًا بين حروب الجيل الرابع والجيل الخامس؛ فمن حيث الهدف يستهدف كالهما نشر الفتن وزعزعة الاستقرار، فضلا عن اشتراكهما فى عدد من الصفات، فحروب الجيل الرابع والخامس تتعدد فيها الوسائل والأدوات المستخدمة لتشمل الوسائل الأمنية والاقتصادية والفكرية، غير أن حروب الجيل الخامس تنطوى على تغير جوهرى فى جمعها بين مكونات الحروب التقليدية وغير التقليدية.

ويُفصّل "على" مقصده بالحديث عن استخدام حروب الجيل الخامس لوسائل عدة فى تدمير الأطراف المقصودة عبر فترات ممتدة من المواجهات بتوظيف أساليب وتكتيكات متعددة؛ اقتصادية وثقافية ومعلوماتية بشكل متزامن، من خلال تحالفات شبكيّة تضم الفواعل المُسلحة القادرة على شن الحرب مثل التنظيمات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة أو باستخدام التقنيات الحديثة المتراوحة بين القوة المسلحة فى أعمال إرهابية أو القوة غير المسلحة كالإرهاب الإلكتروني بما يعمل على تهييج الشعوب وجعلها العبًا أساسيًا يتحرك حسب أهداف سياسية لدول أخرى.

ويرتكز فى هذا الصدد على ما أشار إليه العقيد فى القوات البحرية الأمريكية »توماس هامز« حول تبلور جيل حروب الجيل الخامس كنتاج عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية، منها تغير فى طبيعة الأطراف المتحاربة، وحدوث ترابط بين المشاكل الاقتصادية والعسكرية، والتغير الكبير الذى طرأ على المجتمعات ذاتها إذ صار العديد من الأفراد أكثر ارتباطً ا بما يثار على شبكة الإنترنت على حساب الاهتمام بالمشاكل الحقيقية لمجتمعاتهم.

ويرى الكاتب أن العديد من المجالات يُمكن وضعها تحت بند "حروب الجيل الخامس"؛ منها الحرب الاقتصادية الهادفة لإضعاف قـدرة العدو على إنتاج وتوزيع السلع والخدمات، والحرب المالية عبر استخدام قوى السوق لعزل الخصوم عن النظام التجارى العالمى، وحرب الفضاء الإلكتروني التى تشنها دول أو جماعات أو أفراد مثل هجمات "ستاكسنت" التى شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وكذلك الحرب المعلوماتية التى يقوم فيها الخصم بالعمل على إعاقة وتعطيل النظم المعلوماتية للخصم الآخر مع حماية النظم المعلوماتية الخاصة به، فضل ً عن حـروب المخدرات والحرب البيئية وحرب الموارد والحرب البيولوجية.

ونظرًا لما تمثله التكنولوجيا والتطور الرقمى فى الوقت الراهن من أهمية، جرى استغلال تلك التكنولوجيا فى حروب الجيل الخامس بشكل الفت؛ فعبر شاشة الحاسوب تستطيع الدول أن تُدمر البنية التحتية ألى عدو يواجهها، إذ ثمة شكلان من الصراع الإلكتروني؛ صراع تُحركه دوافع سياسية ويأخذ شكل ً عسكريًا، وتستخدم فيه قدرات هجومية ودفاعية عبر الفضاء الإلكتروني لإفساد النظم المعلوماتية والشبكات والبنية التحتية، وصراع إلكتروني ذو طبيعة ناعمة يهدف إلى الحصول على المعلومات والتأثير فى المشاعر والأفكار وشن حرب نفسية وإعلامية.

ويردف "عـلى" أن الصراع الإلكتروني قـد يأخذ طابعًا تنافسيًَا لاستحواذ على سباق التقدم التكنولوجي، وسرقة الأسرار العلمية، ليمتد إلى محاولة السيطرة على الإنترنت عبر السعى للسيطرة على أسماء النطاقات وعناوين المواقع واختراق الأمن القومي، من خلال هجمات قراصنة الكمبيوتر وتدمير المواقع والتجسس، فهناك أدوات عدة لحروب الفضاء الإلكتروني، منها التجسس المعلوماتي، والحرمان من الخدمة عن طريق شل موارد الموقع الإلكتروني وجعلها غير صالحة لاستعمال، والبرمجيات الخبيثة التى تعمل على حذف ملفات معينة فى الكمبيوتر أو إتلافها، والقرصنة الإلكترونية لاقتحام مختلف وسائل الاتصال والنظم التكنولوجية، وكذلك الرسائل الصامتة التى يمكن من خلالها تحديد مكان المستخدم. وتـجـاوزت أهمية "مـواقـع الـتـواصـل" طابعها الاجتماعي لتصير أساسًا لحراكات سياسية وثقافية مؤثرة على مختلف جوانب الحياة، وعلى رأسها الأمن الوطنى للدول؛ فالمنظمات الإرهابية تستخدم مواقع التواصل الاجتماعي كأداة لتحديد أهدافها والتعرف عليها ومراقبة تحركاتها، خاصة فى إطار عمليات الاغتيالات فى الدول المستهدفة، كما تستخدمها للتواصل بين أعضاء تلك الجماعات من أجل مهام محددة، مثل التدريب على تكوين خاليا تنظيمية واستقطاب مزيد من الكوادر وتدريبها على استخدام الأسلحة والتنسيق للعمليات المسلحة وتوقيتها والتدريب على صُنع القنابل البدائية. ويورد الكاتب عددًا من المقترحات التى يراها مهمة فى مواجهة حروب الجيل الخامس، تتنوع بين التدابير الأمنية أو تكوين شراكات وتحالفات مضادة وبناء استراتيجيات تقوم على توعية المجتمع بمخاطر الدعاوى الرامية إلى إسقاط الدولة، وتشمل هذه التدابير الاستثمار المباشر فى تكنولوجيا المراقبة والرصد وتوظيف تكنولوجيا المعلومات فى التحليل التنبؤى.

ويلفت إلى أن أفضل الآليات لمواجهة هذا النوع من الحروب يأتى بتحصين المجتمع، بدءًا من التركيز على كسب ولاء المواطنين وصولً إلى استهداف الحاضنات الاجتماعية للإرهاب، وكسب ثقة المجتمعات المستهدفة بما يساعد فى الحصول على المعلومات الاستخباراتية اللازمة لمكافحة الجماعات المتطرفة، فضلا عن أهمية التركيز على التحسين المادى لجوانب الضعف فى النظام الاجتماعي باستخدام استراتيجيات تنموية وتعليمية وتفكيك التحالفات الكبرى التى قد تنشأ ضد الدولة من خلال منع اختراق المجتمع ثقافيًا بأى أداة، سواء كانت عسكرية أو غير عسكرية لتجنب الانفجار من الداخل كنتاج للقصور الذاتى.

ويـنـوه "على" فى نهاية كتابه بضرورة "عدم الـدخـول فى مفاوضات مع الجماعات المشاركة فى حـروب الجيل الخامس إلا من موقع القوة، ومن ثم استخدام الآلية الأمنية وحتى العسكرية للقضاء على الجماعات المنخرطة فى مثل هذا النوع من الحروب، وكذلك عدم إغفال تكتيكات الحرب الإلكترونية والتحكم فى الفضاء الإلكتروني لتحجيم نقل الجماعات الإرهابية أفكارها الهدامة.

 

حنان عقيل - القاهرة

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5205 المصادف: 2020-12-05 03:17:18