 كتب وإصدارات

قصة السينما في مصر بين معايير الجودة والإخفاق

عدنان حسين احمدثمة كُتب تموت إثرَ ولادتها القيصرية مباشرة لأنها تحمل بذرة فنائها في داخلها، وهناك كُتب يمكن أن تعيش وتعمّر طويلاً لأنها تحمل بذرة حياتها الإبداعية في أفكارها، وثيماتها، ومقارباتها الفنية التي يتداخل فيها المبنى والمعنى. وكتاب "قصة السينما في مصر" للناقد السينمائي سعدالدين توفيق الصادر عن "دار الهلال" في القاهرة سنة 1969 هو من نمط هذه الكُتب الحيّة التي يمكن لها أن تعمّر طويلاً  لثراء مضمونها، وعمق رؤيتها النقدية، وسلاسة أسلوبها السردي الذي يتماهى مع الموضوعات التي يعالجها بلغة حيّة نابضة تشعر بحرارتها بعد مرور أكثر من خمسين عامًا على كتابتها بحيث يخالجك الشعور وكأنها كُتبت الآن وخرجت توًّا من المطبعة!

يتألف الكتاب، الذي يقع في 180 صفحة من القطع المتوسط، من مقدمة وسبعة فصول مستوفية للموضوعات التي تناولها الناقد السينمائي الراحل سعدالدين توفيق، طيّب الله ثراه. وما إن يشرع المتلقّي بقراءة المقدمة التي كتبها المؤلف بصيغة استفهامية يتساءل فيها: هل ولد فنٌ مصري جديد بعد أربعين عامًا من الإنتاج السينمائي الذي أُنجز في الأعوام الممتدة بين1927 و1969بحيث بلغ رصيد السينما المصرية 1500 فيلم روائي؟ إذ اعتبر الناقد أنّ السينما المصرية قد بدأت فعليًا بفيلم "ليلى" الروائي الطويل الذي صدر في 16 نوفمبر 1927، وهو من إخراج عزيزة أمير، وإستيفان روستي، وأمير عُرفي الذين اشتركوا في التمثيل إضافة إلى آسيا داغر، وحسين فوزي، وأحمد جلال سالم وآخرين.

لا ينفي سعدالدين توفيق أن السينما المصرية قد انطلقت قبل عشر سنوات من ذلك التاريخ لكن التجارب التي أُنجزت قبل فيلم "ليلى" لم تكن سوى محاولات بدائية تفتقر إلى النضج الفني، وهي في مجملها أفلام قصيرة أنجزها مغامرون، بعضهم أجانب، لا يمتلكون رؤىً فنية تؤهلهم لإنجاز أفلام سينمائية ناجحة.

يعتقد توفيق أن الفيلم المصري طوال تلك العقود الأربعة لم يخلق بصمتهُ الخاصة مثل الفيلم الياباني أو الهندي أو الإيطالي أو الفرنسي، والسبب لأنه لا يتوفر على أسلوب سينمائي مصري، ولا ينفرد بنكهة خاصة تُميّزه عن بقية الأفلام العالمية التي تحيل مباشرة إلى بلدانها. وبَغية الإجابة على السؤال الإشكالي يدعونا الناقد إلى متابعة "قصة السينما في مصر" خلال أربعة عقود منذ انطلاقتها الأولى حتى السنة صدر فيها هذا الكتاب النقدي القيّم.

جرائد ومجلات سينمائية مصرية

2261 قصة السينمايتضمن الفصل الأول معلومات غزيرة عن تاريخ السينما المصرية وظهور الجرائد والمجلات السينمائية المتخصصة. كما يسلّط الناقدُ الضوءَ على فيلمي "ليلى" و"زينب" ويُحيطنا علمًا بالظروف والملابسات التي أحاطت بهما. وإذا كان الفرنسيون يفتخرون بأول عرض سينمائي تجاري في 28 ديسمبر 1895، في الصالون الهندي بمقهى "جران كافيه" في شارع كابوسين في باريس فإن مصر قد عرضت بعد أسبوع أول فيلم سينمائي في مقهى "زواني" في الأسكندرية، وتبعتها القاهرة حين عرضت أول فيلم في 28 يناير 1896، في سينما سانتي. يتوقف الباحث عند بعض الأفلام القصيرة التي أُنجزت عام 1917 من بينها "شرف البدوي" و"الأزهار المميتة" اللذين اشترك في تمثيلهما محمد كريم قبل أن يسافر إلى إيطاليا وألمانيا لاحقًا بهدف الدراسة والنهل من الثقافة السينمائية الأوروبية.

يُثبّت الباحث معلومات مهمة من قبيل أول ممثل مصري وهو فوزي الجزايرلي الذي اشترك، هو وابنته إحسان الجزايرلي، في فيلم "مدام لورينا" سنة 1918 للمخرج والمصوّر الإيطالي لاريتشي، ثم يُنجز  محمد بيومي فيلم "الباشكاتب" عام 1923، ويقوم بإخراج أفلام فكاهية على غرار أفلام تشارلي تشابلن وأولها "المعلّم برسوم يبحث عن وظيفة". كما أصدر بيّومي أول جريدة سينمائية اسمها "جريدة آمون". فيما أصدر محمد توفيق أول مجلة سينمائية بعنوان "الصوّر المتحركة" سنة 1923. ومن جهته قام الناقد السينمائي السيد حسن جمعة بإصدار مجلة "معرض السينما" سنة 1924 في الأسكندرية وهو، كما يصفه الباحث، من روّاد الصحافة السينمائية الجادين والمثقفين.  وفي 25 نوفمبر صدرت مجلة "المسرح" التي يعدّها الباحث من أقوى وأحسن المجلات التي صدرت في مصر، ويرأس تحريرها الناقد الفني محمد عبدالمجيد حلمي، ورغم أنها متخصصة بالمسرح لكنها كانت تنشر الأخبار السينمائية المحلية المحدودة. وهكذا توالى صدور المجلات مثل "الصباح"، و"نشرة مينا فيلم" في الأسكندرية، و"نشرة أوليمبيا السينماتوغرافية" في القاهرة إلى أن بدأت الصحف اليومية تخصص بابًا أسبوعيًا للسينما مثل جريدة "البلاغ الأسبوعي" التي يحررها السيد حسن جمعة ثم بدأت الصحفُ الأخرى تُقلّدها وتحذو حذوها.

المُخرج محمد كريم سبق الواقعية الإيطالية بربع قرن

تبنّت المخرجة والممثلة الرائدة عزيزة أمير عرض فيلمها الموسوم "ليلى" على حسابها الخاص في سينما متروبول وكان من بين المدعوين محمد طلعت حرب وأمير الشعراء أحمد شوقي، وبعد العرض خاطبها حرب قائلاً:"لقد حققتِ يا سيدتي ما لم يستطع الرجال أن يفعلوه"، كما قال شوقي:"أرجو أن أرى هذا الهلال ينمو حتى يصبح بدرًا كاملا". الغريب أنّ الرقابة قد "حذفت مشهدًا من الفيلم تظهر فيه طبلية تتناول عليها الأسرة طعامها"! من دون أن يوضّح سبب الحذف. كما يذهب الباحث إلى أنّ فيلم "ليلى" هو "أول فيلم مصري مائة بالمائة" مع العلم أن وداد عرفي قد اشترك في تمثيل الفيلم وإخراجه وهو تركي الأصل، وأنّ إستفان روستي من أم إيطالية وأب نمساوي، كما أنّ آسيا داغر من أصول لبنانية.

ينطوي الفيلم الثاني "زينب" الذي توقف عنده الناقد طويلاً على كثير من المفاجآت. فقد عُرض في سينما متروبول في القاهرة في 12 مارس 1930 في مرحلة السينما الصامتة. وشارك في التمثيل زكي رستم، وبهيجة حافظ، وسراج منير، ودولت أبيض، وعلوية جميل إضافة إلى أعداد كبيرة من الفلاحين لم يمثّلوا قط في حياتهم. وكان الفيلم من إخراج محمد كريم الذي اقتبس القصة السينمائية من رواية "زينب" للدكتور محمد حسين هيكل الذي كتبها هو الآخر عن قصة حقيقية وقعت في كفر غنّام بمحافظة الشرقية، وقد ذهب المخرج إلى هناك ورأى بيت "زينب الإمام"، وهذا هو اسمها الحقيقي، وأكتشف أن الدكتور هيكل كان يحبها. وحينما عُرض الفيلم وحقّق نجاحًا باهرًا أعاد محمد حسين هيكل طباعة روايته ونشرها باسمه الصريح بعد أن ظهرت سنة 1914 بعنوان "مناظر وأخلاق ريفية" ومذيّلة بتوقيع "مصري فلاح". ما يهمنا في هذا الفيلم أنّ مُخرجه محمد كريم قد سبق الواقعية الإيطالية بربع قرن فقد صوّر الشوارع والحقول وأسطح المنازل في قرى الشرقية والقليوبية والفيّوم لسبب بسيط وهو عدم وجود الأستوديوهات السينمائية في مصر، كما استعمل الناس العاديين والمجاميع الفلاحية بدلاً من الممثلين المحترفين الذين يكلّفونه بعض الأموال. ومع ذلك فمحمد كريم يعد المخرج الأول الذي أظهر القرية المصرية على الشاشة. وجدير ذكره أنّ هذا الفيلم الصامت سوف يحوّله المخرج إلى فيلم ناطق سنة 1952.

يتناول الناقد في الفصل الثاني السرعة التي تكلّم فيها الفيلم المصري ولم يتأخر عن شقيقه الأمريكي "مغنّي الجاز" الذي عُرض في عام 1927، إذ سارع المخرج المثابر محمد كريم إلى وضع اللمسات الأخيرة على فيلمه الناطق الأول "أولاد الذوات" في 14 مارس 1932. ونظرًا للتكاليف الباهضة للأفلام الناطقة فقد جعلهُ نصف ناطق، بينما ظل النصف الآخر صامتًا. وقد حاول بعض المنتجين تحويل أفلامهم الصامتة إلى ناطقة كما حدث لفيلم "تحت ضوء القمر" من إخراج شكري ماضي الذي واجهَ بعض العقبات حينما سجّل الحوار على إسطوانات كانت تُدار مع الفيلم في أثناء عرضه لكن الصوت لم يتطابق مع الصورة وسبّب لهم العديد من المواقف المُحرجة. ينتقد سعدالدين توفيق ضعف قصة الفيلم، ورداءة الماكياج، وهبوط مستوى أداء الممثلين.

التعبير بالصورة والإلمام باللغة السينمائية

يتوقف الناقد عند ثلاث مُخرجات وهنّ عزيزة أمير التي أنجزت فيلم "كفّري عن خطيئتكِ"، وفاطمة رشدي التي حقّقت فيلم "الزواج"، وبهيجة حافظ التي تألقت في فيلم "الضحايا" ونجحت في تجربتها الإخراجية أمّا أميرة وفاطمة فقد فشل فيلميهما فشلاً ذريعًا الأمر الذي دفعهما إلى عدم تكرار تجربة الإخراج والاكتفاء بالتمثيل والإنتاج وكتابة السيناريو كما فعلت فاطمة رشدي.

يُحيط هذا الفصل بثلاثة مخرجين روّاد أيضًا وهم محمد كريم الذي أشرنا إليه سابقًا، وأحمد جلال الذي قدّم لنا "عيون ساحرة"، وهو أول فيلم مصري من أفلام الخيال العلمي الذي لم تألفه السينمائية المصرية آنذاك، وتوجو مزراحي الذي أتحفنا بعدد من الأفلام الروائية مثل "الكوكايين" 1930، و"أولاد مصر". ما يميّز هذا المخرج، بحسب سعدالدين توفيق، أنه "كان يُجيد التعبير بالصورة، وملمًّا باللغة السينمائية، وكان الحوار قليلاً في أفلامه إلى درجة مُلفتة للنظر" كما كان يلجأ إلى الفوتومونتاج Photomontage للتعبير عن مرحلة الانتقال في قصصه (والفوتو مونتاج هو عملية تعديل وتركيب لصورتين أو أكثر بواسطة الفوتوشوب لإنشاء صورة تحمل شيئًا من الخيال". كان مزراحي يعتمد كثيرًا على الوجوه الجديدة بخلاف أقرانه الذين كانوا يعوّلون على الممثلين المسرحيين الذين ذاع صيتهم آنذاك فتخلصَ هو من معضلة الأداء المسرحي، وسوف يتحول مزراحي من الأفلام الاجتماعية إلى الأفلام الفكاهية مثل "الدكتور فرحات" الذي حقق نجاحا هائلاً في حينه. لابد من العودة إلى المخرج محمد كريم الذي أنجز فيلم "الوردة البيضاء" بطولة الفنان محمد عبدالوهاب الذي حقق نجاحًا غير مسبوق حتى أنه أن إيراداته قد بلغت ربع مليون جنيه، وهو ثاني فيلم غنائي مصري بعد "أنشودة الفؤاد". لا يفوت سعدالدين الإشارة إلى أوجه التشابه بين "الوردة والبيضاء" و"غادة الكاميليا"، كما ينوّه إلى أنّ القصة السينمائية في الثلاثينيات لم تُعنَ بوضع حلول للمشكلات الاجتماعية التي تُثقل كاهل المواطنين المصريين، وأنّ عيون المنتجين كانت مصوّبة إلى شباك التذاكر.

السينما فتحت أبواب الشهرة للمطربين المصريين والعرب

يتمحور الفصل الثالث على "مدرسة إستوديو مصر " الذي أسّسه طلعت حرب سنة 1935 لكن المؤلف يسبق ذلك التاريخ قليلاً ويتوقف عند بعض الأسماء الفنية التي تمّ إيفادها للخارج  وهم أحمد بدرخان وموريس كسّاب لدراسة الإخراج في فرنسا، ومحمد عبدالعظيم وحسن مراد لدراسة التصوير في ألمانيا، وآخرين لدراسة الصوت والديكور والمونتاج. وأشار إلى أنّ فيلم "وداد" بطولة أم كلثوم، وإخراج أحمد بدرخان  قد تعثّر حينما أزاحوا بدرخان وأسندوا المهمة الإخراجية إلى الخبير الألماني فريتز كرامب، الذي لم يكن مخرجًا في الأصل، فجاءت المَشاهد بطيئة مملّة، وحركة الكاميرا بدائية، والتصوير ضعيف، فلاغرابة أن يكون الإخراج هزيلاً وخاليًا من أي لمسة فنية. ومع ذلك فقد حقق الفيلم نجاحًا جماهيريًا شجّع أم كلثوم على الظهور في أفلام أخرى. عُرض هذا الفيلم في مهرجان البندقية سنة 1936، وهو أول فيلم مصري يُعرض في مهرجان دولي. أما بدرخان فيُعدّ أول مصري درس السينما في باريس، وأول فنان ألّف كتابًا عن السينما جاء تحت عنوان "فن السينما" يشرح فيه كيف يُصنع الفيلم من بداية الفكرة حتى ظهوره على الشاشة.

قدّم المخرج محمد كريم عددًا من الأفلام الغنائية من بينها "دموع الحُب"، "يوم سعيد"، و"رصاصة في القلب" بطولة الفنان محمد عبدالوهاب الذي لمس ثمرة نجاحه في الفيلم الغنائي. كما قدّم كريم عددًا من الوجوه النسائية الجديدة مثل نجاة علي، ليلى مراد، رجاء عبده، ليلى فوزي اللواتي سوف يصبحنَ نجوم الشاشة العربية. يشيد المؤلف بإمكانية محمد كريم ويفضّلهُ على ماريو فولْبي ويعتبرهُ "أوسعُ خيالاً، وأرقُّ حسًا، وأكثر شاعرية"، ويعتقد بأنّ لا أحد استطاع أن يحل مشكلة "الأغنية السينمائية" حتى ذلك الوقت. ويرى بأن الأغنية يجب أن تكون جزءًا من القصة السينمائية لا أن تكون شيئًا زائدًا أو مُلصقًا بها.

يعرّج الناقد على بعض أفلام توجو مزراحي مثل "ليلى"، تمثيل ليلى مراد، وحسين صدقي، وفيلم "سلامة" بطولة أم كلثوم ويحيى شاهين. والمعروف عن مزراحي هو حبه لمصر، وسعية الدائم لبث المحبة بين اليهود والمسلمين، وحينما هُجِّر اليهود من مصر لم يذهب إلى إسرائيل، وإنما توجه إلى إيطاليا وفارق الحياة هناك.

يرصد المؤلف بعض الأفلام المختلفة عن النمط السائد مثل فيلم "العزيمة" قصة وإخراج كمال سليم، وهي تجربة فنية تذكرنا بالسينما الواقعية الإيطالية ولا يلوذ بالحلول الماورائية التي يضع فيها البطل ثقته بالقَدَر أو الحظ أو المُصادفة. وقد شبّه الناقد سعدالدين توفيق هذا الفيلم "بالنبات غير الطبيعي" من ناحية التكنيك في الأقل.

لا ينسى المؤلف إشادة الصحفي والكاتب السينمائي الفرنسي جورج سادول بفيلم "العزيمة" 1939 لكمال سليم كواحد من أحسن الأفلام التي ظهرت في الفترة الواقعة بين 1930- 1945. وقد نشر هذا التقييم الإيجابي في كتابه المعنون بـ"قاموس الأفلام" الذي صدر عام 1965.

تفاهة القصة في الأفلام الاستعراضية

يركز المؤلف في الفصل الرابع على أفلام ما بعد الحرب العالمية الثانية التي تضاعف فيها عدد الأفلام المنتَجة من 16 فيلمًا عام 1943 إلى 67 فيلمًا عام 1945 فظهرت موجة من "الأفلام التافهة" كما يصفها سعد الدين توفيق لأنها تعتمد على قصص ساذجة، وتتكئ على النكتة اللفظية، وتعوّل على الإغراء الأمر الذي أفضى إلى هبوط مستوياتها الفنية. ومع ذلك فقد ظهرت حزمة من الأفلام الجيدة لنخبة من المخرجين أمثال محمد كريم وآسيا داغر وأحمد جلال، وأعقبهم ظهور صلاح أبو سيف الذي قدّم فيلمه الأول بعنوان "دايمًا في قلبي" 1946 المُقتبس عن فيلم "جسر ووترلو"، كما قدّم كامل التلمساني فيلم "السوق السوداء" الذي يُعد امتدادًا للمدرسة الواقعية وعالج فيه قضية الإتجار بقوت الشعب. ومع أنه فيلم جيد لكنه فشل فشلاً ذريعًا. كما سطع اسم مخرج ثالث من تلاميذ إستوديو مصر هو أحمد كامل مرسي وقدّم أقوى أفلامه وهو "النائب العام" ثم انصرف بعدها لإخراج أفلام وثائقية عن الفنانين التشكيليين مثل محمود سعيد وراغب عيّاد. ثم ظهر ثلاثة مخرجين جدد وهم عزالدين ذو الفقار الذي قدّم "أسير الظلام"، وامتازت أفلامه بالشاعرية والرِقة ووصفه أحد النقاد بأنه "شاعر وراء الكاميرا"، ويختار المؤلف ثلاثة من أنجح أفلامه وهي "بين الأطلال"، "رُدّ قلبي" و"نهر الحُب". أمّا المخرج الثاني فهو أنور وجدي الذي قدّم العديد من الأفلام الاستعراضية مثل "ليلى بنت الفقراء"، "عنبر" و"غزل البنات" وحقق نجاحًا طيبًا وظل طوال الأربعينات نجم الشاشة الأول. ويعتقد المؤلف بأنّ وجدي قد عالج العيب الجوهري في معظم الأفلام الاستعراضية وهو "تفاهة القصة" ولم يبخل على أفلامه ألبتّة، فقد كانت الديكورات ضخمة، ويهتم بالملابس كثيرًا، ويجد الحلول للمشكلات التي تصادفه في أثناء التصوير.

الرقابة المصرية رفضت فيلم "القاهرة الجديدة" ست مرات

تُهيمن على الفصل الخامس الأفلام الواقعية التي أنجزها صلاح أبو سيف بين الأعوام 1952- 1962 وكانت سببًا لشهرته مثل "لك يوم يا ظالم"، " الأسطى حسن"، "ريا وسكينة"، "الوحش"، "شباب امرأة" و"الفتوّة". وكان البطل في الأفلام هو الإنسان المسحوق والفقير والمهمّش ضحية الاستغلال والإقطاع. ومن المؤكد أن صلاح أبو سيف قد تأثر بالأفلام الواقعية في إيطاليا، وقرر أن ينقل هذه التجربة إلى الشاشة الكبيرة في مصر، خصوصًا وأنّ المخرجين الإيطاليين كانوا يأخذون قصص أفلامهم من أخبار الحوادث التي تنشرها الصحف اليومية الإيطالية. وتكمن الخطورة في نقل الحوادث أنها أصبحت معروفة للناس الأمر الذي يفقدها عنصري المفاجأة والدهشة مثل قصة السفاحتين "ريا وسكينة" اللتين روّعتا أهالي الأسكندرية، أو قصة السفّاح الصعيدي "الخط" الذي أرعب الناس في عموم المدن المصرية. ومع ذلك فقد جازف أبو سيف وأنجز هذه الأفلام بطريقة واقعية لا تنقصها الخبرة، والرؤية الإخراجية المدروسة التي تنطوي على حسٍ نقدي واضح للمجتمع المصري. يؤكد المؤلف بأنّ الرقابة الحكومية في الأربعينات والخمسينات كانت ترفض أي قصة سينمائية ذات مضمون سياسي فلاغرابة أن ترفض التصريح لصلاح أبو سيف بإخراج فيلم "القاهرة الجديدة" لستٍ مرات متتالية، وفي كل مرة كان يقدّم الفيلم بعنوان جديد، وقد نجح في المرة السادسة حينما قدّمه بعد عشرين سنة بعنوان "القاهرة 30". أمّا فيلم "الأسطى حسن" فقد رفضت الرقابة عرضه ما لم يكتب المخرج في نهاية عبارة "القناعة كنز لا يفتى!".

كمال الشيخ تلميذ هتيشكوك

تناول المؤلف عددًا من الأعمال التي انضوت تحت قائمة "الأفلام الوطنية" من بينها "رُدّ قلبي" لعزالدين ذو الفقار، و"مصفى كامل" لأحمد بدرخان، و"جميلة" ليوسف شاهين. وقد ظهر في هذه المرحلة أربعة مخرجين سينقشون أسماءهم في ذاكرة المشاهدين العرب وهم كمال الشيخ، يوسف شاهين، توفيق صالح، وعاطف سالم حيث أنجز كمال الشيخ فيلم "حياة أو موت" الخالي من العناصر التقليدية المتعارف عليها، وقد وصفه النقاد بأنه تلميذ هتيشكوك. فيما قدّم يوسف شاهين "صراع في الوادي" الذي يعالج قضية الإقطاع واستبداده في الريف المصري. كما قدّم "باب الحديد" الذي يراهن على الصورة، ويتضاءل فيه الحوار إلى درجة كبيرة. ركزّ المخرج الثالث توفيق صالح على الحارة المصرية في "درب المهابيل" فيما وجّه عنايته إلى القرية المصرية في "صراع الأبطال" وأنتقد العديد من الظواهر الاجتماعية مثل هيمنة الدجل والشعوذة وعدم الإيمان بالطب والعلم في المناطق الشعبية على وجه الخصوص. وفيما يخص المخرج الرابع فيكفي أن نشير إلى فلم "أم العروسة" الذي يحيلنا مباشرة إلى الواقعية الإيطالية الجديدة التي أثرّت على بعض المخرجين المصريين الذين تبنّوا هذه الموجة وأنجزوا أفلامًا ما تزال راسخة في أذهان المتلقين في عموم البلدان العربية.

يحتشد هذا الفصل بآراء نقدية كثيرة للمؤلف حيث يصف سلسلة الأفلام الفكاهية لاسماعيل يس بـ "الرخيصة والرديئة جدًا ولهذا انصرف عنها الجمهور لاحقًا بعد أن ملّ من التكرار الساذج للحركات التهريجية" وقد شخّص الناقد سعدالدين توفيق الأسباب أولها ضعف قصص هذه الأفلام وتشابهها شكلاً ومضمونًا.

"في بيتنا رجل" أحسن الأفلام الوطنية  التي قدّمتها السينما المصرية

لا ينسى المؤلف أن يتوقف عند المخرجين الذين انتبهوا قصص وروايات الأدباء المصريين مثل طه حسين، ونجيب محفوظ، ويوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس وقد حصل الأخير على أكبر أجر تقاضاه وهو 4000 جنيه مصري. وقد أخرج صلاح أبو سيف خمس روايات له وهي "الوسادة الخالية"، "لا أنام"، "الطريق المسدود"، "لا تُطفئ الشمس"، و"أنا حرة". فيما أخرج هنري بركات "في بيتنا رجل" الذي يُعدّ من أحسن الأفلام الوطنية التي قدّمتها السينما المصرية وحققت نجاحًا كبيرًا. أما فيلم "البنات والصيف" لعبدالقدوس أيضًا فقد اشترك في إخراجه ثلاثة مخرجين وهم عزالدين ذو الفقار، صلاح أبو سيف، وفطين عبدالوهاب، لأن الكتاب يتألف من ثلاثة قصص، وسُميّت هذه المرحلة بمرحلة النقد الاجتماعي، "وقد عاب عليه البعض بالانتقال من أفلام بولاق إلى أفلام الزمالك".

الملحوظة الأخيرة في هذا الفصل هي أن عدد الأفلام التي ظهرت خلال الحقبة المحصورة بين عامي 1952- 1962 هو 600 فيلم روائي بينما لا يزيد عدد كُتّاب السيناريو عن أصابع اليد الواحدة، ولعل القارئ الكريم سيعرف حتمًا  السرّ الكامن وراء "تفاهة" القصص السينمائية التي دمغت أفلامنا خلال تلك الحقبة الزمنية التي غلبت عليها "الكلفتة والاستعجال" بتعبير سعدالدين توفيق مع أنّ أهم ما يحتاج إليه الفيلم هو القصة السينمائية السوية والناجحة. وقد أنشأت وزارة الثقافة في حينه "معهد السينما" سنة 1959، ثم أردفته بـ "معهد السيناريو" سنة 1963 لكن خريجي هذين المعهدين ما يزالون بعيدين عن الميدان حتى ذلك الوقت المُشار إليه توًا.

أفلام المؤسسة ليست أفضل من الفيلم التجاري

يقتصر الفصل السادس على دراسة "القطّاع العام" الذي يمثّل المرحلة السادسة من مراحل تطور السينما المصرية 1963- 1969 والأفلام التي أنتجتها مؤسسة السينما التي تعاقدت مع عدد غير قليل من السينمائيين للعمل في أفلام "حرف ب" ومعنى "حرف ب " هنا هو أفلام من الدرجة الثانية قليلة التكاليف. وكانت النتيجة أن ظهرت أفلام هزيلة لا تختلف مطلقًا عن الأفلام الهابطة التي أنتجها القطاع الخاص، فزالت مخاوف هذا الأخير وتيقّن بأن أفلام المؤسسة ليست أفضل من الفيلم التجاري الخاص مع بعض الاستثناءات المحدودة هنا وهناك. وقد انهال النقاد على أفلام المؤسسة باللوم والتقريع وأعتبروا أن السينما المصرية قد عادت عشرين سنة إلى الوراء. وأصبح اسم "من أجل حنفي" لحسن الصيفي عنوانًا وأنموذجًا للفيلم الرديء الأمر الذي دفع المؤسسة إلى إيقاف عرض الباقي من أفلامها. وقد فلَتَ من بين الأفلام الرديئة فيلم "الناصر صلاح الدين" ليوسف شاهين الذي ساهمت المؤسسة بتمويلية، ويعدّ نقلة واسعة من أفلام الصالونات إلى الإنتاج الضخم والمشرّف الذي يقف جنبًا إلى جنب مع أفلام هوليوود الكبيرة. وأجمل ما في هذا الفيلم، كما يرى سعدالدين توفيق، هو المَشاهد الخالية من الحوار، وقد استغرق إنجاز الفيلم سنتين من التأمل والعمل الدؤوب. وفي عام 1966 أنجزت المؤسسة أفلامًا مهمة حققت رسالتها مثل "ثورة اليمن" لعاطف سالم، و"القاهرة 30" لصلاح أبو سيف، و"السمّان والخريف" لحسام الدين مصطفى. أما مرحلة الإنتاج المشترك فلم ينجح أيضًا وكان بعض أفلامها أردأ من أفلام "حرف ب" مثل "ابتسامة أبو الهول" و"ابن كليوباترا"، وهكذا فشلت الشركة في أن تحقق انطلاق السينما العربية في المجال العالمي لأنها لم تحاول أن تتعاقد مع أسماء إخراجية كبيرة مثل روسلّيني أو رينيه كلير، أو إيليا كازان الأمر الذي دفعهم لإعادة النظر بالقطاع العام وإعادة تشكيل المؤسسة على وفق سياسة جديدة لإنتاج الأفلام الروائية.

صرامة نقدية لا تنتصر إلاّ للعمل الفني الناجح

قبل أن يثبِّت الناقد سعدالدين توفيق قائمة بأفضل فيلم مصري يعترف بأنه اختياره قد وقع على الأفلام التي تميّزت بمستواها الفني، وقد انتقى فيلم "زينب" كأفضل فيلم في ذلك الوقت لأنه حقق نقلة إلى الأمام، ولو عُرض الآن لضحك الناس عليه أكثر من أفلام فؤاد المهندس. كما أهمل الأفلام التي أنجزها مخرجون أجانب مثل لاشين وفريتز كرامب وأندرو مارتون وما سواهم. ولو ألقينا نظرة عجلى على المئة فيلم لوجدناها تبدأ بـ "زينب"، و"أولاد الذوات"، و"الوردة البيضاء" للمخرج محمد كريم، وتنتهي بـ "شيء من الخوف" لحسين كمال، و"يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق صالح، و"أبي فوق الشجرة" لحسين كمال.

جدير ذكره بأنّ الناقد سعدالدين توفيق قد صدر له إضافة إلى "قصة السينما في مصر" كتاب بعنوان "فنان الشعب: صلاح أبو سيف"، كما ترجم "قصة السينما في العالم: من الفيلم الصامت إلى السينيراما" لآرثر نايت. ويكفي القارئ العربي، المتخصص وغير المتخصص، أن يقرأ "قصة السينما في مصر" ليعرف جدية الناقد الفذ سعدالدين توفيق، وصرامة آرائه النقدية التي تخلو من المجاملات، ولا تنتصر إلاّ للعمل الفني الناجح الذي يحترم ذائقة المتلقين.

 

عدنان حسين أحمد

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5291 المصادف: 2021-03-01 02:38:59


Share on Myspace