 كتب وإصدارات

روز اليوسف شعبان: قراءتي لكتاب د. نبيل طنوس "راشد حسين ويسكنه المكان"

روز اليوسفيحتوي كتاب "راشد حسين ويسكنه المكان" على ثلاثة مقالات كانت قد نشرت في مجلّات محكّمة، إضافةً إلى قصائد مختارة للشاعر راشد حسين.

المقال الأول: المكان في شعر راشد حسين، المقال الثاني توظيف الألوان في شعر راشد حسين، المقال الثالث المرأة في شعر راشد حسين.

في هذه القراءة، سأتطرّق للمقال الأول:" المكان في شعر راشد حسين."

شدني هذا المقال بشكل خاص، والذي استمدّ منه الكاتب عنوان كتابه" راشد حسين ويسكنه المكان". عنوان مثير أخذني إلى المكان بكل أبعاده الجغرافية والوطنية والإنسانية والحياتية… وأثار في نفسي تساؤلات عديدة: هل المكان يسكننا؟ أم نحن الذين نسكن فيه؟ ومتى يجوز لنا القول إنّ المكان يسكننا؟ هل هذا يتعلّق بحُبّ الإنسان للمكان؟ أم بسبب ابتعاده عنه وشوقه إليه؟

وهل راشد حسين سكنه المكان بعد خروجه منه واغترابه فأخذ منه الشوق كلّ مأخذ حتى صار المكان شاغله وهاجسه الأكبر؟

قد تحتاج هذه الأسئلة إلى بحث آخر للوقوف على أهمية المكان بالنسبة للشاعر قبل هجرته وبعدها.

في لسان العرب لابن منظور، ورد معنى سكن:" سكن الشيء اذا ذهبت حركته، وكل ما هدأ فقد سكن، وسكن الرجل سكت، والسكن هو سكنى الرجل في الدار، والسكن والمسكن هو البيت والمنزل، والسكينة هي الطمأنينة. ص 211.

فهل كان بيت الشاعر ووطنه مسكنًا له ومصدر سكينته؟ أم أن المكان هو الذي سكن الشاعر في إقامته فيه وفي غربته؟

تقول القاسم(1984) لا قيمة للمكان إذا لم يحفل بشخصياته التي تمنحه المعنى، وتسهم في إغنائه بالدلالات من خلال العلاقات المختلفة التي قد تدخل فيها هذه الشخصيات مع المكان كعلاقات التنافر او الحياد أو الانتماء".ص33.

وعودة إلى دراسة د. نبيل فإننا نجد أن المكان أخذ راشد حسين جسدًا وعقلًا وفكرًا وروحا،، فبات مأخوذًا به، مسحورًا بجماله، عاشقًا له، متيّمًا به.وقد بادله المكان هذا العشق فاستوطن روح الشاعر واستقرّ فيها.

لكنّ هذا المكان بكل ما يحويه من أماكن خاصّة وعامّة تثير وتعكس جدليّة هامّة، وثنائيّة ضديّة. فالبيت الذي من المفروض ان يكون المكان الآمن، ينقلب إلى مكان خطير قد يسكنه أو يحيطه الأعداء فيتعذّر عليه دخوله. في حين أن المخيم الذي يرمز إلى حالة التهجير والضياع وفقدان الوطن للفلسطينيّ، يعتبر المسكن الحالي الذي يحتمي فيه. ص 47.

يقول الشاعر راشد حسين في اشتياقه لبيته:"

ذكرى تحدّثني عن الدار الملوّنة الجهات

ذكرى العبير المشمشيّ وذكريات السنبلات

بالأمس قالت لي تعال نزور داركم القريبة أنسيتها؟

أنسيت أمك والأقارب والخطيبة؟

لم أنسها! لم أنسها! والله يا أمّي الحبيبة!

ومشيت نحو الدار آمل أن أراك فذاك عيدي

وتحرّكت شفة البنادق بالشتائم والوعود

فرجعت أركض خائفًا وبصقت في وجه الوجود.(ص38).

هذه الجدليّة والثنائية الضديّة المؤلمة بين الرغبة بالعودة للبيت للوطن للأم للحبيبة ، وبين الخوف من الجنود، تثير في نفس الشاعر سخطًا وغضبًا على الوجود بأسره.

وهنا يستوقفني سؤالٌ آخرُ: كيف يشعر الإنسان الذي يعيش في بيته ووطنه ولا يحسّ بانتمائه إليه؟ هل يمكن وضع هذه المشاعر في خانة الضديّة الثنائية والجدلية التي تعتمل في نفسه؟

وخلاصة القول إنّ الدكتور نبيل طنوس أثار في مقاله هذا موضوعًا فلسفيًّا هامًّا، وسلّط الضوء على أهميّة المكان في حياة الشاعر راشد حسين، مبيّنًا الجدليّة القائمة بين الشيء وضدّه أو ما يمكن أن نسميه الثنائيّة الضديّة. ويبقى المكان هو هاجس الإنسان سواء سكنه الإنسان إم سكن المكانُ الإنسانَ، على أمل أن يكون المكان ملاذًا للإنسان، ومبعثًا للسكينة والأمن والأمان.

مبارك لك د. نبيل هذا الكتاب الجميل ودراستك الهامّة المثيرة في شعر الشاعر الفلسطيني الكبير راشد حسين.

 

الكتاب: راشد حسين ويسكنه المكان

تأليف: د. نبيل طنوس

إصدار: الرعاة والجسور للدراسات والنشر، (2021).

عدد الصفحات:  184 صفحة.

 

بقلم: د. روز اليوسف شعبان

.................

المراجع:

 ابن منظور، محمد (1992) لسان العرب جزء 13، بيروت: دار صادر.

القاسم سيزا (1984)، بناء الرواية، دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5574 المصادف: 2021-12-09 02:43:55


Share on Myspace