منير لطفيبين الجهْل والثّقافة تكمن جُلّ مشكلاتنا ولُبّ قضايانا السياسية والاجتماعية والأخلاقية، والبحث عن أفق للحلّ خارج إطار هذه الثنائية حرثٌ في الماء ورسمٌ في الهواء ونفْخٌ في الرماد. ورغم أن الخَطّ الزمني يشهد بأنّ الآلةُ المعرفيّة والرافِعةُ الفكرية والقاطرة الروحيّة، كانت دوما هي الأساس لأيّ نهضة والمُرتكَز لأيّ تقدُّم؛ إلا أنّنا لازلنا نراوح مكاننا، إلى حدّ بات فيه الخلْطَ بيْن الأُميّة والجهل وبيْن الثّقافة والتّعليم لازال قائما ومحتدما.

فمع صرخة الحياة وصافرة البداية؛ تَقذف بنا أرحامُ أمّهاتنا أُمِّيِّين لا نقرأ قرطاسا ولا نخُطّ بِيَراع، وجَهَلَةً لا نُميِّز بيْن الكُوع والبُوع ولا بيْن القَبِيل والدَّبِير، ثمّ تتكفَّل المدارسُ بتعليمنا ما نمحو به عارَ الأُمِيّة الأبْجديّة، وربّما تخطو بنا خطوة إلى الأمام فتداوي أُميّة اللغة الإنجليزية وأُميّة استخدام التكنولوجيا، ولكنَّها تنفض يديها عن الأميّة الفكرية، ولا تنقلنا إلى طوْر الثقافة. فالتعليم –بالكاد- يَفتح العقلَ كالمظلّة ويَحرثه كالتربة، ليصبح قادرا على الهبوط في مرفأ الثقافة والإبحار في نهرها العظيم الذي يَصبّ فيه رافدان عذْبان؛ أحدهما كَسْبيّ اجتهاديّ، وطُرُقه الحواسّ الخمْس والعقْل الواعي والخيال الخصيب، وثانيهما توقيفيّ لا مجال فيه لرأي، وسبيلُه الوحْيان الكريمان القرآنُ والسُنّة، ولِيمتزج عندها الشرْع بالعقْل فيَغدو نورا على نور كما قال الإمام الغزالي (450-505هـ).

وعلى هذا فالأُمِّية ليستْ مرادفَ الجهل، والثّقافة ليستْ هي التعليم؛ فكَم مِن أُمِّي مثقَّف يَزن الأمور برزانة عقل ورجاحة فكر ودقيق رأي، وكم مِن مُتعلِّم[1] ظلّ جاهلا وإنْ حاز أعْلى الشهادات وارتدى أغلى البِذلات...وإلّا فماذا تقول في جامِعيّ يسأل الشيخ  (الحوينيّ) عن المذهب الذي تبِعه خير الأنام، أكان المذهب الشافعي أمْ المذهب المالكي؟ وماذا تقول في كاتب معروف يُسأَل عن حكمتِه في الحياة فيُجيب بأنّها الآية الكريمة: "اطلبوا العلم ولو في الصين"! وماذا تقول في مَن يُوصَف بأنّه مفكِّر وباحث ثمّ يَستشهِد في أطروحته ويُدلِّل عليها بما زعَم أنها آية كريمة تقول: "دعْهم في ضلالهم يعْمهون"! ومِثْل ذلك يُقال في طبيبٍ لا يَدري عن الأدب والاقتصاد، وفي سياسيٍّ لا يَفقه في الجغرافيا والاجتماع، وفي داعيةٍ لا يَعلَم عن التاريخ والرياضيّات...وما كان ذلك كذلك؛ إلّا لأنّنا خلطْنا بين التعليم الذي هو استظهار عِلم ونقل أقوال وحفظ أرقام، وبين الثقافة التي هي فهم وفكر وسلوك.

والثقافةُ قلْبُ الحضارة ([2])؛ فهي اليقظة والانتباه، وهي الإلمام بطرف مِن كل مناحي العلوم والفنون، وهي الخروج من دائرة التخصّص الضيّقة إلى أفق المعرفة الشاملة الرّحبة. كما أنّها الأوكسجين اللازم لإشعال الطاقات،  والبصيرة التي تُنير الدروب، والنّظرة المُحِيطيّة والفكر الاستراتيجي الذي يتبوَّأ مركز القيادة في البَرّ ومنارة السفينة في البحر وقُمْرة الطائرة في الجوّ...وهي مَا عرَّفها  (العقّادُ) في أبسط تعريفاتها الشائعة بأنّها "معرفة شيء عن كلِّ شيء"، بمعنى أنها كفصل الربيع الذي لا يَصنعه وردةٌ واحدة، وكاللوحة الفاتنة التي لا يكفيها لون وحيد. بينما ذهب آخَرٌ إلى أنّها تهذيبُ النّفس الإنسانيّة بالأفكار، وقال آخَرٌ بأنّها الكُلُّ المُركَّبُ مِن اللغة والتاريخ والدِّين والعادات والتقاليد، وذهب آخَرٌ إلى أنها ممَّا يَصعب الإحاطة به بعد أن أَحصى لها ما يَقرب مِن مائة وخمسين تعريفا مختلِفا، هذا مع التنويه بأن الثقافة- كما  قال  (عماد الدين الرشيد) في كتابه  (ثقافة الخطيب)- مصطَلح جديد، لم يكن مِن قبل مستخدَما في المعنى الذي يُراد منه اليوم، وإنّما كان يُستخدم بدلا منه  (العلم) أو (المعرفة)، بمعنى أن الثقافة مِن المصطلحات الوافدة التي ضربَت جذورا، وأصبح لها كيانا مستقلا، ومظلة أوسع من العِلم وأشمل من المعرفة، وهو ما حدا بالمجتمع الدولي إلى إنشاء منظمة دولية تُعنى بالثقافة؛ فكانت منظمة  (اليونسكو) التي أُنشأت في منتصف القرن الماضي  (1945م)، ثمّ تلاها منظمة  (الإيسيسكو) التي أنشأتها منظمةُ المؤتمر الإسلامي في عام 1981م للعناية بالتربية والعلوم والثقافة في الدول الإسلامية.

أمَّا الجَهْل فهو  الشّجرة التي تَنبت منها كلُّ الشّرور على حدِّ قول  (ابن القيِّم)، وهو موْت الأحياء كما أَوْرَد  (الميْدانيُّ) في أمثاله، وهو الإثم ([3]) كما وصَفه  (سيدهارتا تاغوما) المُلقَّب ببوذا، وهو قُبْح الباطن الذي يُرادف العمَى ويَقود إلى العَمَه، وهو ما حذّرَنا منه ربُّنا جلّ وعلا في كتابه الكريم حين قال في سورة هُود: "إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِن الجَاهِلِين"، وهو أيضا ما ذَمّه الشاعر وقبّحه فقال: "إذا ما الجهلُ خيَّم في بلادٍ، رأيْتَ أُسودَها مُسِختْ قرودا"، وزاد آخَرٌ فقال: "إنّ الجهالةَ ظُلمةٌ تَغشى الحِمى،وتُحِيلُ أحرارَ الرجالِ عبيدا"، ثمّ وضعَه الشاعرُ  (صالح بن عبد القُدّوس) في مرتبةٍ فوق العدوّ فقال: "ما تَبْلغُ الأعداءُ مِن جاهِلٍ، ما يَبْلغُ الجاهلُ مِن نفْسِه".

والجهل نقيض العِلم، وأحد أضلاع مثلّث الشقاء الإنساني على مرّ العصور والأزمان (الجهل، الفقر، المرض)، ويُعرِّفه بعضُهم بأنَّه العمَل بغير عِلم أو العِلم بما لا يُحتاج إليه، ومِنه البسيط الذي يُقِرُّ به صاحبُه، ويَعنِي عدم الإدراك بالكُلِّيّة، ويَسهُل علاجه بالتَّحْلية. ومِنه المُرَكَّب ([4]) الذي لا يُقِرُّ به صاحبُه،  ويَعني إدراك الشيء على وجه يُخالف حقيقتَه، وهو بذلك أَعقَد مِن ذَنَب الضبّ؛ إذْ يَتطلّب التَّخْلية قبل التحْلية والحرْث قبل الزرْع.

ولعلَّ "ابن المقفع" هو أبْدع مَن فنّد قُبحَ الجاهل وشروره، حين صبّ عليه جامّ كلماته وأطلق عليه قذائف بلاغته قائلا: "إنْ جاورَك أنْصَبَك (أتعبك)، وإن ناسَبَك جنى عليك، وإن ألِفَك حمل عليك ما لا تُطيق، وإن عاشركَ آذاك وأخافَك، فأنت بالهرب منه أحقُّ منكَ بالهرب مِن سُمّ الأساوِد، والحريقِ المخوِّف، والدَّيْنِ الفادح، والداءِ العَياء". ولهذا كان التعامل مع الجاهل الطيِّب أسوأ من الأخذ والرد مع المثقف الشرِّير، لأنَّ المثقف صاحب منهجية يمكن التقاطها وتوقّعها والاستعداد لها، بينما الجاهل يرعى كيفما اتفق ويخبط خبط عشواء، فلا تحزِّر له تصرّفا ولا تحسب له ردّة فعل.

وإذا كان الدِّين هو طريق الفلاح و الحريّة هي مدخل الإبداع، فإنَّ القراءة هي الباب الملَكيّ للولوج إلى عالم الثقافة البريء مِن أيّ ارتباط بالجينات والوراثة؛ على شرط أنْ تكون تلك القراءة جادّة مُبصِرة؛ فتقف على أرضيّة الفِكر والوعْي والدِّين والضمير، وتَستند إلى المبادئ التي لا تَتبدَّل بالمال ولا تَذِّل مع الجاه ولا تَترنَّح تحت أقدام السلطان، وتَستنير بضوء كتابٍ يُنير العُزلةَ ويُحيي الوقتَ ويَخدم العقلَ على حدِّ وصف المفكّر الطبيب  (مصطفى محمود).

وقد ورَدَ في  (المعجم الوجيز) وفي باب حرف الثاء معنى ثقَّف الإنسانَ بمعنى أدَّبه وهذَّبه وعلَّمه، كما جاء ثقَّف الشيءَ بمعنى أَقام المُعْوجَّ منه وسَوّاه...وبهذا المعنى فإنّ الثّقافةَ ليستْ حشْوًا لمعلومات أو تكديسا لأرقام أو حيازة لمكْتبات، بل هي سلوكٌ ([5]) يَسرِي إيجابا في الفرد والمجتمع فيَعصِمْهما مِن الفِتَن ويَقِيهما الزَّلَل؛ إذْ إنَّ عقْلًا يتأثَّر ولا يُؤثِّر ويَنفعل ولا يَفْعل ويَعِي ولا يَعمل هو والعدَم سواء، تماما كإبرةٍ بلا عيْن وشمعةٍ في يد كفيف وكتابٍ على ظهر بعير...ومِن هنا فإنّ المثقَّف الحقيقي هو صاحب الرسالة لا صاحب الشهادة، وهو مَن يتقدّم الصفوفَ لا مَن يجلس على الرفوف، وهو الشّجاع المقاتِل لا المهادِن أو المناوِر، وهو مَن يتَّقِ الله لا مَن يتَّقِ الأُمَراء، علاوة على أنّه الكتلة الصلبة في ميزان الحقيقة واللحظة الفارقة في منعطفات الأمَم وصاحب الهامة والقامة في زمن الزحف والانبطاح، وهو مَن وصفه الكاتب الأمريكي  (نعوم تشومسكي)  بأنّه يَحمل الحقيقةَ في وجه القوّة.

 

والواقع أن جُزءا كبيرا مِن نكبتنا يقع على عاتق بعض أولئك المثقَّفين المزيَّفين المتثاقِفين؛ الذين تَقلَّدوا مقْود التوجيه العام وتوسّدوا مقعد الضمير الجمْعي؛ فكتبوا عن الحرية، ونظَموا للديمقراطية، ووعظوا في الإنسانية، وما إنْ سمعوا أغاريد السُّلطة وأبْصَروا بريق الذّهب حتى ذابوا كالشمع واحترقوا كالفتيل، فذهبوا مع الرّيح وتساقَطوا كأوراق الخريف وصدَق فيهم قولُ الشاعر:

"أَرى الناسَ خداعا إلى جانب خداع،

يَأكلون مع الذئب ويَمشون مع الراعي"

وما كان ذلك كذلك  إلّا لأنّهم أداروا ظهورَهم لسلامة المنهج ويَمّموا وجوهَهم شطر منهج السلامة ([6])؛ فزيّفوا المبادئ والقيَم التي تجاوَزها الجدل والنقاش وانتمتْ إلى عالَم المُطلَق والثابت - لكونها خالطتْ الفطرة وأكّدتْها الرسالات السماوية وصدَّقتْها التجارب الحياتية- فعَدُّوها آراء نِسبيّة زِئبقيّة مُتغيّرة يَبيعونها في أدْنى سوق ويَرمونها في أقرب صندوق، وذلك بعد أنْ فتَنتهم ألاعيبُ السياسة وأحابيلُها وأصبحتْ الثقافة ليستْ إلّا عربونا للصداقة ودليلا على التدجين والتنعيج..."هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ" ([7])

كان  (جوزيف جوبلز)  مُنظِّر النازيّة وأستاذ الإعلام الأسود وعدوّ الثقافة يقول: "كلّما سمِعتُ كلمة مثقَّف تحسَّسْتُ مسدّسي"، نعم...كان هذا أيام المثقَّف الحقيقي؛ الذي يمتلك رؤية ينافح عنها ويعمل على تحقيقها، والذي ترتجّ من كلماته القصور وتتفجّر من بيْن أنامله الثورات، فيهدِم بقلمِه وفكرِه ومواقفِه العروش، أمَّا اليوم فقد آن لجُوبلز أن لا يَخشي مُثقَّفا ولا يَتحسَّس مسدَّسا، بعد أنْ صار المثقّفون في جَيْبه أَلْيَن مِن ماء وأطْوع مِن بنان وآمَن مِن أرْض، وبعد أن غاب عن بعضهم أنّ الإنسان-كما قال الوزير أحمد هيكل في مذكّراته- لا يكون مثقَّفا؛ إلّا حين يرتفع فكره بالعلم والمعرفة والخبرة والتجربة من جانب، ويسمو وجدانه بالدين الصحيح والفن الرفيع والتقاليد السامية والأخلاق الراقية من جانب آخر.

ولعلّ أصدق مثال على قيمة الثقافة-إذا ما كانت عميقة الجذور سليمة الأركان صحيحة البنيان إسلامية الهويّة- وقوّتها، هو ما حدث للتتار الذين هَزموا الخلافة العباسية عسكريا ومزّقوها سياسيا وخرّبوها اقتصاديا، ولكنهم ما لبثوا أن انهزموا ثقافيا أمام الثقافة الإسلامية التي روّضتْهم وأَدْخلتهم في حَرمها، فأصبحوا حُماة  بعد أن كانوا أعداء، وصاروا دعاة بعد أن كانوا ألدّاء وخصوم.

وهو ما انتبهَت إليه القوى الاستعمارية، فألقَت سلاح الحرب وتَقلّدت مدفع الثقافة المتعدِّد الطلقات، والذي كفل لها تحقيق مآربها في السيطرة والغزو دونما دماء وذخائر ودون الحاجة إلى جيوش وعتاد، وها أنت ترى بأم عينيْك النتيجة في دول فقَدَت قرارَها وسلَّمَت زمامَها وتَعطّلت إرادتُها، وفي رؤساء ليسوا إلّا موظّفين بدرجة رئيس واستعماريِّين تحت بند وكيل ([8])، وفي نُخَب تُحاكيك بلسان عربي ولكن بعقل غربي.

***

 

بقلم: د. منير لطفي - طبيب وكاتب

مصر

  .............................

[1]  في هذا المعنى قال (شوقي): "وكَم مُنجِبٍ في تَلقِّي الدروسِ،تَلقَّى الحياةَ فلم يُنجبِ" 

 ([2]) على اعتبار أنَّ المادّة هي بدنُها. 

 ([3]) الخطيئة هي الإثْم، وما كان الجهل إثْما إلا لأنه هو الدافع والمحرِّك الغالِب وراء ارتكاب الخطيئة. 

 ([4]) حمَل (ابنُ القيِّم) على الجهل المُركَّب فقال في نُونيّته: 

" وتَعَرَّ مِن ثوْبيْن مَـن يَلبسهما،يَلقــى الــرَّدَى بِمَذمّة وهـــوان 

ثوبٌ مِن الجهْل المُركَّب فوقه،ثوبُ التعصُّب بِئستْ الثوْبان" 

 ([5]) يقول  (روجر فريتس): المعرفةُ شيء جيد، والإرادةُ شيء أفضل، أمّا الفعلُ فهو أفضل الثلاثة. 

 ([6]) في كتابه (صور المثقف)، يقول الكاتب ( إدوارد سعيد): "لا شيء في نظري يستحق التوبيخ أكثر من تلك الطباع الذهنية للمثقَّف التي تُغرِي بتجنُّب المخاطر، أي الابتعاد عن موقف صعب ومبدئي تُدرك أنَّه صحيح لكنها تُقرِّر ألا تتخذه". 

 ([7]) المنافقون 63 

 ([8]) في هذا يقول الشاعر اليمني (عبد الله البردوني): 

  "تَرقَّى العارُ مِن بَيعٍ إلى بَيعٍ بلا ثمنِ،ومِن مُستعمِر غازٍ إلى مُستعمِر وطني"

 

رائد جبار كاظميا له من وجع مزمن ذلك الذي تعيشه البشرية على طول تاريخها، ويا له هذا السواد الذي يملأ أبناء الأرض، ويا له من حظ عاثر نعيشه نحن بني البشر في أقبية فكرية نريد بها تدجين الخلق والعالم برمته بتلك الأفكار لنحقق الهيمنة على أكبر قدر ممكن بما شئنا من وسائل مدمرة، عنيفة وسخيفة، يا له من بؤس سرمدي هذا الذي يحدق بنا منذ آلاف السنين لنلعن بعضنا بعضاً ويقتل بعضنا الآخر بأفكار السماء التي لم تنزل للأرض قط، يا له من قدر محتوم كتب علينا أن نعيشه ونحياه على ركام الجماجم وبحور من الدم، يا له من تعاسة كريهة تلك التي تؤجج بعضنا بعضاً عنفاً وكفراً وتمرداً وأن نستبيح الحرمات والقيم على ندافع عن أفكار السماء بما أوتينا من أسلحة أيديولوجية وبايلوجية وأبستمولوجية وثيولوجية، نصرة للاله الذي نهوى، عاشق الدم والموت والكراهية، الاله البشع الذي لا يشبع من الموت والدماء أبداً، وكأننا قرابين نساق لنروي عطشه المزمن ونشبع شهوته اللعينة المتغطرسة التي تجعلنا طعماً لقسوته الفاجرة ونزعته التدميرية الشرسة، ولماذا يقُتل أبناء الأرض بأفكار السماء التي لم تنزل من علائها أبداً، أنني لا أفسر هذا الأمر الا بلعنة ولوثة توارثها الأجيال عبر التاريخ في الدفاع عن موروثاتها ورغبتها الجامحة في الهيمنة والوصاية والحاكمية على بعضها البعض بما أوتيت من أفكار لاهوتية تقتل الانسان وتتقرب به الى الهتها زلفى، ليتحقق نصر الاله والفتح على يد جنوده لتملأ الأرض أجساداً وأشلاءً مضرجة بالدماء، وشعوباً تفوح منها رائحة اللحم وشواء الاجساد، وتلك هي المهزلة والمأساة والكارثة، أن تتقرب لمن تحب من اله، وهو يسكن في برجه العاجي، بأقرب الناس منك وأليك من بني البشر، لتشبع بطن الهك المجهول بأجساد أخوتك المقربين عليك، شعوراً منك بأن هذا الاله سيرضى عنك ويقربك اليه بفعلك هذا الذي تسلكه منذ آلاف السنين، ولكنك لم تفعل ذلك الا بإيمانك واعتقادك الشخصي المقيت، وبفكرك المؤدلج المنحرف الذي يخبرك بأنك تدافع عن السماء بأفكار مقدسة وبعقل قديس ملائكي، ولكن حقيقة الأمر أنها نزعة بشرية تدميرية عارمة تحاول الباس الأرض لبوس السماء، وتمنح لنفسها الشرعية المطلقة في السيطرة على البشر، وتحقيق ما يشاء من أهداف وغايات بوسائل وطرق متعددة لتشبع ذاتها المنحرفة ومصلحتها المتطرفة بتقديم قرابين بشرية للدفاع عن بقائها بأفكار طوباوية خيالية لا تمت لآلهة الخير والحق والجمال بشيء أبداً.

ان ما تعيشه الشعوب والمجتمعات اليوم من عنف وتدمير وإرهاب عالمي ليس وليد اللحظة الراهنة، وانما يشبه كثيراً مثيلات له على مر التاريخ، وكل جماعة من بني البشر لها رمزها اللاهوتي التاريخي المقدس الذي تدافع عنه ويمنح مخيالها تلك القوة والغطرسة في الفتك بالآخر الذي يشترك معها في الحياة والوجود، وان أختلف معها في رمزها والهها المقدس الذي تعبده، فالعداوة بين البشر قديمة قدم الوجود والحياة على هذه الأرض، وقد أشارت القصص والتاريخ والأديان الى نزعة الانسان الشرانية والتدميرية منذ بداية الخلق مع قصة الأخوين قابيل وهابيل أبناء النبي آدم (ع) حين أقتتللا مع بعضهما، وأنتصر القاتل على أخيه المقتول الذي طلب أليه مد يد السلم والمحبة، ولكن يد الشر كانت أقوى وأشد غطرسة وأعنف كما أشار التاريخ لذلك.

والكارثة الكبرى والمأساة الفاجعة اننا نحن البشر من سلالة القاتل (قابيل)، وما زلنا نتناسل بعضنا من بعض، ونسير خلف طريق الأب القاتل وسنته في هذا العالم، وهذه اللعنة لا تخمد أبداً على مر التاريخ، وكل منا يريد الأنتصار على غيره وتحقيق مصلحته وأنانيته بما شاء من أسلحة فكرية وعسكرية وأعتقادية وسياسية وجدلية وغيرها، لنثبت أنانيتنا والاطاحة بالآخر الذي يشبهنا في الخلق والحياة والوجود، ولكننا نختلف معه فكراً وأعتقاداً وتديناً وجغرافية، المشتركات البشرية البايلوجية والفسيلوجية هي من توحدنا وان أختلفنا من حيث التكوين السايكلوجي والسسيلوجي والابستيمولوجي والأيديولوجي، ولكن أتضح لنا اننا انتصرنا للمكونات الثانية أكثر مما انتصرنا للمكونات الأولى، ونسينا أخوتنا النسبية وتشابه دمنا وبشرتنا، وتشبثنا بعداء بعضنا لبعض ونتقاتل من أجل أيديولوجيات وعقائد متهافتة تتغذى على دماء الناس والعنف المقدس الذي يبيح القتل بشرائع ارهابية دامية لم تجف أرحامها ولا أصلابها من نطف الكراهية البغيضة التي تلعننا وتقتلنا بدم بارد ما دمنا لا نسير خلف أسطورتها المقدسة وسلطة كهنوتها المتعجرف.

نحن أبناء الأرض من بني البشر (الناسوت) نُقتل منذ زمن قديم على يد أبناء الناسوت بأفكار السماء والغيب (اللاهوت)، وبحور الدم التي تجري على الأرض لتشبع رغبة الالهة ونزعتها العارمة في الشر المطلق، ونتقدم لها بالقرابين من البشر لترضى علينا ألهتنا هذه، وتجزينا أفضل ما توعدنا به من نعيم وجنة وحور عين في العالم الذي وعدنا به، تلك الجنة التي يتقاتل الجميع من أجلها للحصول على مكاسب ومغانم جنسية وروحية ومادية ليس لها حدٍ أبداً، نتصارع ونتسابق للجنة الموعودة بتقديم قرابين الموت وأضاحي البشر لألهة تقول هل من مزيد لتلك الأضاحي والموت المعلن على رؤوس الاشهاد، بربكم أي ألهة مقدسة وشريفة ترضى بهذا الفساد والارهاب والعنف الدموي الذي يمارسه بعضنا على البعض الآخر، نصرة لآلهتنا ومقدساتنا التي نتبعها ؟

أنني لا أثق أبداً بأن أديان السماء المقدسة تنحو هذا الطريق الفاجر المتغطرس في معاملة البشر ومحاولة الانتقام منه الى هذا الحد، فأن كانت تريد ذلك فهي آلهة عابثة ولاهية خلقت البشر لتنفيذ مسرحيتها الهزلية التي صاغتها بأحرف من دم وعنف وكراهية. أنني على يقين بأن هذه ليست معتقدات وآراء وأديان السماء، ولكنها أديان البشر ومعتقداتهم الشخصية الزائفة، التي تريد الانتصار والهيمنة على بعضها البعض لتتجبر وتحكم وتتنفذ على رقاب الناس بأفكار وأديان كهنوتية خُلقت وفق مقاسات بشرية ضيقة تريد الباسها لبوس السماء والقداسة المطلقة في هذا العالم، وفي كل قضية ومسألة أرضية بشرية ما نريد الانتصار لها نبحث عن أدلة شرعية وسماوية لنقنع بها أنفسنا والآخرين بقداستها وأن هناك سند ديني يبيح لنا ممارسة تلك الاعمال والافعال الانتقامية الغريزية الفاحشة.

التعصب والتزمت الديني والاجتماعي والحياتي البشري الذي نعيشه هو وليد غريزة بشرية جامحة نحو شرانية مطلقة تريد تحقيق مكاسب ومصالح انانية مطلقة، تبحث عن سند قانوني وشرعي وغيبي مقدس يبيح لها ممارسة هذا العنف والأرهاب بكل طرقه، وهو ما يملأ العالم برمته بمختلف جغرافيته الطبيعية والسياسية والاجتماعية. انها أديان الأرض وتأويلات البشر المختلفة التي زرعت العنف فينا وتوارثناه عبر التاريخ في الجينات البايلوجية والسسيلوجية التي كونت شخصيتنا العنفية والشرانية المزدوجة، التي تتسابق على فعل الشر وتنتصر للعنف والتطرف في هذا العالم.

ان تأويل الأفكار والأديان المطلقة بعقل بشري نسبي أمر متعسف جداً، لا يمنح الافكار والمعتقدات مصداقية وطهارة أبداً، لأن كل بني دين ينتصر لدينه، وكل جماعة تتبع مذهبها وتؤدلج نفسها وثقافتها وفق مسطرة فكرية لا تحيد عنها أبداً، ونحن بنو البشر لدينا القدرة المطلقة على تقديم الحجج والبراهين العقلية والنقلية على دعم أفكارنا ومعتقداتنا التي نؤمن بها بطرق شيطانية متعددة، ما دمنا نرتاح لها ونقلدها ونسير خلفها دون نقد أو تقويم أو تفكيك لتلك المنظومات المتوارثة عبر الأجيال. نحن نؤمن بقداستها لأنها أفكار جماعتنا وقومنا وآبائنا وأجدادنا التي ورثناها والتي ستنجينا من كل شر يحدق بنا، وهي أفكار (فرقتنا الناجية) و (أمتنا المنصورة) و (شعبنا المختار)، الذي تحقق لنا وجودنا وحياتنا في الدنيا والآخرة، ومن أجل ذلك ينبغي الدفاع عنها دفاعاً مقدساً بما استطعنا من وسائل شريفة وسخيفة، جميلة أو قبيحة، لأن الغاية تبرر الوسيلة في الدفاع عن مقدساتنا، ولا بد لنا أن نسلح أتباعنا بأفكار جماعتنا وأن ننتقم من خصمنا بشتى الطرق، لأن الوجود والبقاء للأشرس والاعنف في هذا العالم، وهي سنة التاريخ الدموي وجبروت الكهنة واللاهوت الناسوتي الذي غزانا بنزعته الشرانية التدميرية منذ أقدم العصور ولن نتخلص منه أبداً، لأنه يجري في أجسادنا ونفوسنا مجرى الدم.

أن المعتقدات والايديولوجيات الكهنوتية واللاهوتية التي تبيح قتل البشر وتعذيبهم وتهجيرهم لهي أفكار ومعتقدات شرانية باطلة لا تمت الى السماء الواسعة ورحمتها بصلة، ولا بد لنا أن نبحث عن معتقدات وأديان تُحيي الانسان ونتقذه من نزعته التدميرية، وأن تنشر المحبة والمودة والوئام بين الناس. أن الكهنوت واللاهوت الذي يعتاش على دماء الناسوت لهو فكر ومعتقد فاسد لا بد من الاطاحة به وانقاذ وجودنا من حاكميته وسطوته، والبحث عن لاهوت رحماني يعزز الثقة والحياة والمحبة بين بني البشر، وبالتأكيد موجود مثل هكذا أديان ومعتقدات طاهرة جاءت لخدمة الناس وانقاذهم من شرانيتهم المطلقة، ولكن تلك الاديان والمعتقدات تشوهت بسبب سطوة رجال الكهنوت وتحريفها لمسار اللاهوت وربط قداستها بقداسة ذلك المطلق الذي تشوهت صورته على يد البشر التي قتلت الهتها بأفكارها المنحرفة وأبعدت الناس عن الدين ومعتقداته النقية، لأن الدين تحول الى مشكلة في عصرنا الراهن وليس الى حلٍ أبداً وتلك هي المشكلة.

 

د. رائد جبار كاظم

 

زهير الخويلدي"إن محو الاستعمار هي عملية تاريخية، لا يمكن أن يفهم ويعقل ولا يمكن أن يصبح واضحا بنفسه إلا بمقدار الحركة الصانعة للتاريخ التي تهب له شكله ومضمونه"1[1]

تتعرض الحالة المجتمعية إلى هجمة شرسة على كل شيء ومن جميع المحاور، إنها هجمة على الإنسان والثروات والأرض والتاريخ تفكيك للطبقة والمؤسسات والموارد والطاقات والقدرات سواء من الخارج أي الأعداء التقليديين والجيران المتربصين وسواء من الداخل أي القوى الانفصالية والحركات الضالة والمجموعات التابعة. لقد وجد المثقف الحالي الموظف نفسه في ورطة قاسية وبات ينفذ آليا ما يتلقاه من تعليمات ويكتفي بمسايرة مقترحات قوى الضغط ومطالب الفاسدين وقرارات التي تمليها الأجهزة الرقابية.

غير أن الإشكالي هو الدور السلبي الذي بات يؤديه المثقف الذي تحول إلى داعية للمشروع الديني المغلق حينا والى تاجرا بالقضية ووكيلا للأجندات الدخيلة وتخلى عن قضايا شعبه وأدار ظهره عن هموم وطنه.

في مقابل ذلك ظل المثقف يمارس جلد الذات ويكرس واقع التبعية للخارج الاستعماري ويزيد من درجة الاحتقار الذي يتم توجيهه للثقافة العربية ويبدي الكثير من الهروب والاستعلاء والنرجسية عن مجتمعه ويحتمي بالمنظمات الحقوقية الدولية وينشد الحرية والسلامة لنفسه دون أن يناضل لكي يسترد الشعب سيادته الذاتية ولا يقدم حلولا ناجعة للخروج من النفق الحضاري الظلم الذي انتهت إليه الحالة الاجتماعية.

لقد جرب المثقف الانتماء الحزبي وتقلد الوظائف الرسمية واشتغل ضمن الطاقم الاستشاري للحكومات ولكنه لم يفد التنوير المدني والتغيير الاجتماعي والثورة الثقافية التي تستحقها الجماهير في شيء بل تحول إلى حارس جديد للهيمنة القديمة وجلاد عصري لضحايا أبرياء وأعاد إنتاج الاستبداد وعطلة حلم الانعتاق.

الدور العضوي الذي يلزم المثقف العربي نفسه بالقيام به هو مقاطعة مشاريع التجزئة والتقسيم والابتعاد عن منطق فرق تسد وعن الأجندات الخطيرة التي تهز كيان الأمة والتي يتم برمجتها والإعداد لها بحنكة والنأي بنفسه عن نزعة الانطوائية والانعزالية والنفاق البائس والمهادنة المجانية والإيمان الواثق بالقدرات الذاتية للاستفاقة الحضارية والاسترجاع الكامل على نحو مغاير للسؤدد السياسي والمجد الثقافي بين الأمم.

لا يكفي أن يلتحق المثقف بركب الشعب في ذلك الماضي الذي لم يبق له وجود بل ينبغي أن يلحق بركب الشعب في هذه الحركة المقاتلة التي شرع يقوم بها والتي ستقضي فجأة إلى إعادة النظر في كل شيء"2[2].

والحق أن الحالة العربية تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تكاتف مجموعة كبيرة من الكتاب الأحرار والمثقفين العضويين والمفكرين الملتزمين والفلاسفة التطبيقيين والعلماء المهتمين لكي يشتركوا في بناء المشروع الوطني للتحرر السياسي من الهيمنة والتسلط والانعتاق الاجتماعي من التخلف والتبعية والوعي بأهمية التوحد والاندماج والانصهار بدل الفرقة والتشتت والتباغض والاشتباك المباشر بالواقع المتردي.

من الضروري القول بأن المثقف الحقيقي ليس موظفا بالمعنى البيروقراطي للكلمة ولا خبيرا بالمعنى التكنوقراطي وإنما هو الذي يجعل الثورة شغله الشاغل والتنوير مهمته المركزية والتقدم مقصده الأسنى ويبذل مجهوداته القصوى لكي يدفع التاريخ نحو الأمام ويعتمد العقلانية النقدية معيارا للثقافة الملتزمة. إن المثقف حسب أنطونيو غرامشي الذي لا يتحسس آلام شعبه لا يستحق لقب مثقف ولا يكون عضويا. فمتى يعي المثقف الوظيفة الثورية التي ظلت تناديه ويقلب الطاولة تماما على كل المحتالين والمندسين؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

............................

الإحالات والهوامش:

[1]  فانون فرانس، معذبو الأرض، ترجمة الدروبي والأتاسي، دار الفارابي، بيروت، طبعة أولى، 2004، ص26

[2]  فانون فرانس، معذبو الأرض، مرجع مذكور، ص248

 

قصي الصافي"المقدس هو كل ما لا يمكن السخرية منه"

نيتشه

 ظل المقدس ملازماً للحضارة الإنسانية منذ نعومة أظفارها، ولايبدو أن الإنسان سيفك الرباط به حتى مع تراجع دور الدين في الحياة، فالمقدس يخضع لصيرورة تأريخية عبر الزمن، يتطور خلالها في طبيعة وظيفته وصيغة تمظهره دون أن يتلاشى. هو حيوان يتوحد أفراد القبيلة البدائيه بعبادته وتقديسه، أو إله للحب أو المطر، أو هو الرب الواحد الخلاق، كذلك هو الوطن الذي يقدسه جميع أبناء الجلدة الواحدة، أو علم الأمة الذي ينشد له كل تلاميذ المدرسة بصوت واحد وهم خاشعون.

بحكم التجارب والمعايشة الطويلة أدركت المجتمعات البدائية الطبيعة المتناقضة للإنسان بين نزوعه الفطري للتعايش مع الآخر من جهة، وحبه المفرط لذاته على حساب الآخر من جهةٍ أخرى، ولو ترك الإنسان لطبيعته لكان حال المجتمعات تماماً كما وصفها الفيلسوف البريطاني توماس هوبز بعبارته الشهيرة : حرب الجميع ضد الجميع. هنا برزت ضرورة إبتكار آلية معينة لضبط سلوك الفرد وتنظيم علاقاته بالآخر، فكانت وظيفة الطقوس والتقاليد جمع الناس ضمن مشتركات روحية موحدة، ورفع المنسوب العاطفي للتضامن بينهم. أما القوانين فقد كانت على هيئة قيم و معايير أخلاقية تشكل منظومة قيمية هي بمثابة الدستور الرسمي للمجتمع البدائي. ولتأمين طواعية الفرد للتقاليد ومنظومة القيم، كان المقدس هو الإبتكار العبقري، القادر على تفجير طاقة الإنسان الوجدانية والروحية، وتزويده بالشحنات العاطفية والحوافز النفسية لعمل الخير وتأمين النظام وخدمة الجماعة، أي صناعة الوازع الداخلي الذي تطور إلى ما نسميه اليوم بالضمير، الشرطي الوحيد الذي نبجله ونفتخر به، رغم قسوته وهو يمسك بقائمته الطويلة من الممنوعات والمستحبات، ويفرضها بما يملك من أسلحة فعالة مثل تسليط الشعور بالذنب على النفس أو مكافأة النفس بنشوة فعل الخير أو الإنجاز وغير ذلك. 

بإتساع المجتمعات وتطورها المادي، كان على الإنسان أن يطور منظومته الإدارية ليواجه تشعب وتعقيد الحياة، فنشأت الآلهة ذات التخصص الدقيق، التي يقوم كل منها بجانب من جوانب الحياة، اله للحب وآخر للحكمة وثالث للزراعة ..ألخ . يبدو أن الإنسان انذاك لم يكن قادراً على تخيل إلهاً واحداً يستطيع القيام بكل شيء. إذن المقدس هو السند اللاعقلاني للعقل إذ يلتقيان في وحدة متناقضات تتمثل بطبيعة الإنسان الفطرية.

لقد إستمر المقدس الديني وما يتفرع منه من أساطير وغيبيات في الهيمنة على الحياة الثقافية والسياسية والإجتماعية لقرون طويلة، حتى صعود البرجوازية الأوروبية التي أخذت على عاتقها مهمة تهشيم العالم القديم بكل مفاهيمه وقيمه الإقطاعية البالية والشروع في الحداثة. و بحكم التراكم المعرفي والتطور العلمي والتكنولوجي بلغ الإنسان سن الرشد تاريخياً، إذ أدرك أن المقدس الديني قد إستنفذ قدرته على توجيه بوصلة الحياة، بل أصبح يشكل عبئاً خطيراً على كاهل المجتمع الجديد، فلم يكن فقط أداةً فعالة بيد ألطبقات المهيمنة لإدامة هيمنتها، بل أصبح أيضاً مصدراً للتعصب والإنغلاق الفكري المنتج للحروب والإرهاب، فقد استمرت الحروب الدينية بين الدول الأوربية لعشرات السنين، وإندلعت الحروب الأهلية بين الطوائف في داخل الدولة الواحدة وأنتشر الإرهاب والقمع الديني في كل ارجاء القارة الأوربية انذاك.

يمكن ادراج تلك الحروب والمجازر ضمن مايسميه الفيلسوف الألماني هيجل " مكر التأريخ "، فالتأريخ يظهر ما سببته من كوارث ومآسي ويخفي ما كان يعتمل داخل المجتمعات من اسئلة وإرهاصات فكرية، ستكون فيما بعد إنطلاقة فكرية هامة باتجاه الحداثة، فقد وضع

الدين لأول مرة موضع التشكيك والتساؤل، كما تعرض التراث الديني إلى المراجعة والتفكيك والنقد. لقد كانت فلسفة التنوير ثورةً فكرية هائلة في هذا المضمار، فبعد أن فند جون لوك الشرعية السماوية للملك، تأرجحت تحديات فكر الأنوار لهيمنة الدين بين إلحادية ديدرو وتشكيك فولتير وأيمان روسو الرافض لإيمان الكنيسة السلطوي. لقد فتح فكر التنوير الآفاق واسعة لدخول عصر العلمانية، فالثورة الأمريكية التي قادها كوكبه من تلامذة فكر التنوير (جفرسن، ادامز، فرانكلين وغيرهم) قد اسست أول دولة علمانية بالتاريخ فصلت الدين عن السياسة تماما، وقد كانت الارض ممهدة لذلك للاسباب التالية : أولا لان الطوائف الدينية تحمل موروث الضحية اصلا، فقد لجأت الى اميركا بسبب الاضطهاد الديني في دولها الأصلية، ولذا فقد رحبت بفصل الدين عن الدولة لتتجنب اضطهاد الدولة لها من جديد، ثانيا كان هناك توازن في حجم الطوائف لايسمح لأحداها بالهيمنة، ثالثا كانت كل طائفة تحاول التوسع بالتبشير بحرية دون تدخل الدولة وقيودها القانونية. تلت الثورة الأمريكية الثورة الفرنسية التي شرعت بابعاد الدين عن الدولة تدريجيا حتى اكتملت دولتها العلمانيةفي الجمهورية الثالثة عام 1905بعد الغاء معاهدة 1801 مع الفاتيكان وايقاف أي دعم لأي فصيل ديني من خزينة الدولة.

لقد تراجع احتكار الدين للمقدس، فقد اكتسب المقدس في المجتمعات الحديثة بعدا علمانيا، وتغيرت دلالاته الرمزية ووظائفه ومرجعياته، فالحركة القومية الألمانية مثلا، استنبطت مقدساتها من التاريخ الالماني وفرادةالشخصية الالمانية ونقاء عرقها فهي “السليل الحقيقي" للشخصية الاغريقية(خطاب فيخته الشهير للأمة الألمانية)، كما فعلت الشيء نفسه الحركة القومية الايطالية على اعتبار ان الايطالي هو رائد النهضه الأوروبيه، وفي الولايات المتحدة يحمل الدستور والاباء المؤسسون قدسية تشبه قدسية الانجيل والصديقين، والجاحد هنا لايتهم بالكفر أو الزندقة كمن يكفر بالسماء وانما، يوصم بإنعدام الوطنية، وبعد احداث11/9 وتفجير مركز التجارة العالمي اصبح المكان مزارا مقدسا يرتاده المواطنون لاحياء ذكرى الضحايا بقدسية وخشوع .لو امعنا النظر حولنا سنجد ان للمقدسات حضورا مهما في حياتنا الفكرية والاجتماعية، فمن منا لم يركع لتراب الوطن فيقبله وكأنه يصلي لاله مقدس، وكيف تفسر ذلك التوحد الصوفي وانت تنشد للعلم وهو يرتفع خفاقا، وحين تقف في حضرة تمثال لشخصية عظيمة ألا يغمرك شعور يشبه شعور المؤمن امام قبر قديس أو نبي. خلاصة القول ان الانسان لا فكاك له من المقدس سلبيا كان أو ايجابيا طالما يشترك في الادراك المعرفي عالماه العقلاني واللاعقلاني، وهما بصراعهما يكملان بعضهما في وحدة تناقض خلاقة .

 

قصي الصافي

.

 

رائد جبار كاظممما لا شك فيه ان اللاهوت يجري مجرى الدم منا في ثقافتنا العربية، في تكوين كينونتنا ووجداننا وشخصيتنا، ماضياً وحاضراً، وهذا الأمر ربما يحلو للكثيرين ويصفقون له ويمتدحونه ويطربون له، ولكنه لا يحلو لفريق آخر، ينتهج منهجاً علمياً وواقعياً وعقلياً في معالجة الأمور والموضوعات، ويعد مجال اللاهوت مجالاً غيبياً روحياً لا علاقة له بالعلم والواقع، ولا نستطيع التحقق من الأمور الغيبية ما دامت هي تعبر عن ذات الشخص وفرديته وتجربته الروحية الذاتية ـ بلغة الصوفية ـ ومن الواضح أن الصراع والاختلاف واضح وكبير وقديم ومزمن بين الفريقين، الفريق المؤيد والفريق الرافض لأثر الغيب في حياة الانسان وحركته ووجوده، وليس هذا الأمر فحسب مما أدى لصراع الفريقين وإنما قضية أخرى شغلت أصحاب الفريق الثاني الرافض لفكر الفريق الأول وهي قضية القداسة التي يمنحها المؤمن باللاهوت والغيب لكثير من الأشياء والموضوعات دون اعطاء قيمة لعقله وفكره في تحليل ودراسة ومعرفة الأمور الدينية ومناقشتها مناقشة علمية قد تطيح عملية التحليل والنقد هذه ببعض الافكار المؤمن بها ذلك الشخص وقد تؤدي الى انهيار ايمانه او تصويبه بما لا يتوافق مع ادبيات دينه او أيديولوجيته التي أمن بها سلفاً بالتقليد دون معرفة أو تمحيص أفكاره التي ورثها أباً عن جد، كما صرح القرآن بذلك "بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ" فكثير من الناس يسيرون خلف عواطفهم في مسائل الدين والأيديولوجيا دون اعمال العقل والتحرر من ربقة التقليد الأعمى الذي يقتفون أثره، مما ينتج مجتمعاً تقليدياً ساكناً غير متحرك وغير منتج ويدور في حلقة مفرغة دائماً ولا يُقدم جديداً أبداً كما تقدمه المجتمعات المفتوحة والمتحركة والمتحررة من اللاهوت الأعمى الذي يقيد الناس ويمسخهم الى الأبد.

هذه المشكلة التي نثيرها في هذا المقال لا تخص المجتمع العربي والاسلامي فقط بل تخص مجتمعات وشعوب الأرض قاطبة، فلكل مجتمع وشعب وجماعة لاهوتها الخاص بها الذي تدين به ويؤثر على رسم خارطة ثقافتها وحياتها برمتها، بل أكاد أجزم انه لا يمكن للشعوب والأمم أن تتحرر بالكامل من اللاهوت، لأنها مولعة بالتقديس والانهماك في الميتافيزيقا وبحر الغيب، ولكن هناك فرق بين هذه المجتمعات من حيث نسبة سيطرة حجم هذا اللاهوت على حركتها ومسارها وفكرها وثقافتها وواقعها، كما أن هناك من يحرك جماعة ما نحو لاهوته الخاص به الذي يصنعه لنفسه ولتحقيق نفع شخصي لمصلحته الخاصة التي تعم عليه بالفائدة والمال والجاه والسلطة، وهناك من يصنع لاهوتاً ليصارع به لاهوت آخر، يغلبه أو يصرعه أو ينتقم به من جماعة ما، واذا بالموضوع يصبح صراع اللاهوات بين الشعوب والمجتمعات، والذي نشهد حدته وتفوقه وعظمته بقوة في وقتنا الحاضر، بسبب العولمة والمعلوماتية وصراع الثقافات في ظل النظام العالمي الجديد، وانتشار ثقافة الصراع والصدام بين الامم اليوم أكثر من أي وقت مضى.

لقد سار تاريخ الفكر البشري في ثقافته على اقتفاء أثر اللاهوت بمختلف اشكاله والوانه، وذلك لتحقيق الطمأنينة النفسية للإنسان من جانب ولإغواء رجال اللاهوت عامة الناس من جانب آخر، في بيان أثر اللاهوت على حياتهم ووجودهم والسير على نهجهم الذي اختطوه لهم، ولذلك نرى تاريخ المجتمعات البشرية قد ضج بآلاف المعتقدات والاديان والأيديولوجيات والأفكار التي تدين بها تلك المجتمعات على هذه الأرض، من سماوية الى وضعية، سواء كانت توحيدية أو وثنية، مثالية أو مادية، المهم انها تدين وتؤمن بلاهوت خاص بها تتبعه لتحقيق طمأنة وغاية ما في قلب ووجدان الشخص المؤمن.

بالتأكيد أن هذا الموضوع قد أثار عقول وأقلام كبار المفكرين والعلماء والفلاسفة، بمختلف التخصصات العلمية والفكرية، سواء في علم النفس أو علم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا أو فلسفة الدين وغيرها، وهذا يدل على أهمية الموضوع وكثرة انتشاره بين الناس والمجتمعات البشرية قديماً وحديثاً، وقد أختلف الآراء وتنوعت الإجابات حول ضرورة اللاهوت وأهميته باختلاف الافكار والمعتقدات والتوجهات الفكرية والفلسفية والايديولوجية، وكل يقدم حججه وأدلته وبراهينه الساندة لما يقدمه من فكر وطروحات، ولكن تبقى الفكرة الأهم من هذا الموضوع والذي سلط البعض فكره لهذا الغرض هو مسألة القداسة والتقديس التي تلحق بلاهوت أي جماعة، فأننا لا نستطيع المساس بلاهوت جماعة ما أو النيل منه أو نقده ودراسته دراسة موضوعية، وبالتأكيد كل معتقد ومؤمن يتبع مرجعياته الدينية والاعتقادية واللاهوتية الخاصة به والتي يعتقد بكمالها وتمامها وينتقم من كل شخص يحاول النيل من معتقده ولاهوته، وبالتالي تعد عملية النقد صعبة على المفكرين والكتاب، لأن العامة تعتقد بصحة ما تسير عليه من أفكار مهما قدمت من حجج وآراء في دحض ما تعتقد هذا من جهة، ومن جهة أخرى فأن المتنفذين والمتسلطين والمنتفعين من سيادة معتقد ما يجعلون أنفسهم أوصياء ومراجع لتلك المعتقدات فينتصرون لها ويهيجون العامة للدفاع عن مصالحهم ومكاسبهم الشخصية من جراء ذلك الايمان المزيف الذي يسيرون عليه، وبالتالي فأن المفكرين والدارسين أمام صعوبة نقد ودراسة تلك الافكار اللاهوتية دراسة نقدية وتحليلية جريئة وموضوعية، وقد تعرض الكثير من هؤلاء المفكرين في مجال نقد الاديان والمعتقدات واللاهوت الى المحاربة والسجن والقمع من قبل محاكم التفتيش في السلطتين الدينية والسياسية، وقد تم الانتقام من كل شخص يحاول الايمان بالنقد ويتمرد على السلطة الرسمية للدين والدولة، ووصفه بالإلحاد والخروج على الدين، كونه يمس معتقدات الناس بالنقد وهو يحرض العامة على ولي الأمر تارة وعلى ما نشأوا عليه وتربوا تارة أخرى. وهذا ما جعل تاريخ البشرية يضج بالتعصب والعنف والحروب للافكار والمعتقدات وعدم اعتماد الحوار والنقاش والنقد البناء في عملية التثاقف والتعايش بين الناس.

استطاع الغرب منذ عصر النهضة من خلال الثورة على الكنيسة تهذيب اللاهوت لدى الناس ونقده بأدوات عقلية وفلسفية، وقد أنتصر هؤلاء المفكرين والادباء والمصلحين النهضويين للعقل والفكر الحر، والتحرر من سطوة وسلطة رجال الدين الذين قيدوا العقل بقيودهم الشخصية ومعتقداتهم الزائفة، ومنذ ذلك الحين انفجرت أوربا وأحدثت ثورات كبرى في مجال العلم والمعرفة والصناعة والتكنلوجيا، وقد تمخضت هذه النهضة بزعزعة الافكار الكبرى ونقدها وتقديم بديل علمي عقلاني واقعي يخلص البشر من هيمنة تلك الافكار والميتافيزيقيات والايديولوجيات المحركة للناس والتاريخ، فنجح فرنسيس بيكون في انتصاره للمذهب التجريبي في مقابل المذهب المثالي السائد، وثار كوبرنيكوس وغاليلو على علم الفلك القديم بالانتصار لمركزية الشمس على فكرة مركزة الأرض التي انتشرت تحت تأثير ديني غير علمي، وقدم دارون نظريته في التطور ليدحض بها الأفكار القديمة حول نشأة الانسان وخلقه، وتقديم نظرية جديدة حول الخلية وعلم الوراثة، الذي كان فتحاً علمياً كبيراً ينتصر للعلم على اللاهوت، وثورة نيتشة على الميتافيزيقا وأخلاق العبيد ممن يقعون فريسة رجال الدين الذين يستأثرون الخير والأموال والمتع لصالحهم الخاص تحت ذريعة الافكار الدينية وتنفيذ وصايا الرب على الأرض.

مثل هؤلاء الفلاسفة السابقين في اوربا برز مفكرين عرب ومسلمين حاولوا تخليص ثقافتنا ووعينا من الكثير من تلك الافكار التي علقت برؤوسنا وواقعنا لسنوات طوال ممن أنتصرت للاهوت على العقل، والتي أنتشر بيننا بصورة كبيرة بسبب هيمنة الفكر الديني على واقعنا وعدم اعطاء الفرصة للإنسان للانتصار لعقله وبيان مقدرته في معالجة الأمور الفكرية والحياتية، فهيمنت قناعات الفقهاء وسلطتهم على الناس ومنحوا الشرعية والقدسية لأنفسهم كونهم يمثلون الفكر الشرعي وعلومه، والنيل من كل مفكر أو فكر عقلاني نقدي يحاول توعية الناس من تلك الافكار المثالية التي تخدرهم تحت سحر البيان والخطابة والبلاغة بعيداً عن منطق العقل والواقع والعلم.

وقد برز مجموعة كبيرة من المفكرين والدارسين بمشاريع فكرية نقدية كبيرة تحاول نقد الثقافة العربية والاسلامية وتخليصها من مهيمنات الفكر وتحرره من كثير من الافكار المثالية والخطابات التعبوية الفارغة، ومن هؤلاء المفكرين علي الوردي وعلي شريعتي ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون وعلي حرب ونصر حامد أبو زيد وجورج طرابيشي وعبد الكريم سروش، وغيرهم ممن حاول الانتصار للعقل والايمان بقيمة الانسان، وتوعية الناس وتحذيرهم من الخطابات الفكرية والفلسفية المثالية المجردة التي تجعلهم يسيحون ويسبحون في عوالم بعيدة عن الواقع، ولذلك وقف الكثير بالضد من مشاريع هؤلاء المفكرين وتم تسليط سهام الطعن والتشويه والعنف على مشاريعهم الفكرية وكتاباتهم، وتم تجنيد جيش من الكتاب والاقلام للنيل من تلك الافكار النقدية الواعية، بدعوى أنهم يريدون النيل من الدين الاسلامي ومعتقداته، وتهييج الجماهير للدفاع عن معتقداتهم ومقدساتهم، وتحول الأمر الى حرب كلامية وجدال بيزنطي عقيم يكون الانتصار فيه للغة العنف والتعصب والدم بدل الانتصار للكلمة والحكمة والحوار العقلاني المتزن.

ان ثقافتنا ثقافة عاطفية تم بناؤها على أسس لا عقلانية، وتتحكم بها اجندات وأيديولوجيات متعددة تُثور ذلك الحس العاطفي وتخمد صوت العقل والحكمة والمعرفة فيه، ومحاولة توعية الناس على الخطاب العقلاني الواعي هي محاولة عصية وصعبة، لأن الناس تربوا ونشأوا على افكار وميتافيزيقات كبرى غذت عقولهم وجن ثمارها ممن ينتفع من جهلهم ويسوقهم الى اللاهوت وأفكار الغيب للنيل منهم وتحقيق استحمارهم وجهلهم بصورة مستمرة لا تعرف النور ابداً.

لا أدعو هنا للنيل من اللاهوت واسقاطه وتسقيطه وانما للحد من سلطته وسطوته وتهذيب صوته ومنطقه، ومعرفة مناطق عمله، وعدم جعله المسير العام والمركزي لحياتنا طولاً وعرضاً، ومعرفة الخط الفاصل بين خطي اللاهوت والناسوت، وأن نؤنسن حياتنا كبشر بدلاً عن تأليهها، فمسألة أن يكون الانسان متألهاً مسالة تنال من طبيعة البشر وليس تعلي من شأنه، فالانسان انساناً بطبيعته البشرية وليس بطبيعته الالهية التي يسعى الوصول لها، وهي غاية شريفة جداً يتمنى الانسان الوصول لها ولكنها مستحيلة تماماً، لأن صفات الاله تليق به وليس بغيره.

الذي أريد قوله بخلاصة هنا هو سيطرة النزعة اللاهوتية على طبيعة خطابنا الثقافي والفكري والمعرفي وهيمنته على كافة المجالات، وثقافة اللاهوت هي الثقافة الرائجة بين الناس، وكل محاولة فكرية نقدية جادة توجه لنقد تلك النزعة تواجه بالرد من قبل العامة ومن قبل طبقات متنفذة مستفيدة من سيادة تلك النزعة، مدعين أن نزعة اللاهوت هي تعبير حي عن روح الدين وعن طبيعة المجتمع الاسلامي المؤمن بالغيب والسماء، وهذا ما يجعل الجماهير تسير في قافلة المحافظين ونبذ صوت التجديد والانسنة والتنوير، غافلين تماماً من أن خطاب اللاهوت يستغل العقول والنفوس الطيبة البسيطة لتمرير مشاريعهم الشخصية تحت ذريعة الحفاظ على المقدسات والدين وايمان الناس، وكلها ذرائع زائفة ينجح اصحابها في تكبيل عقول العامة ومحاربة مشاريع التجديد والتنوير التي ظهرت على الساحة الثقافية العربية والاسلامية، ممن تريد خروج الناس من الظلمات الى النور. ولكن من المؤسف أن نكون مكبلين بيد المتشددين والمحافظين وأن نكون أدوات بيد هؤلاء وأن نكون جنود أوفياء لخدمتهم ولتحطيم عقولنا والغاء دورنا ومسخ وجودنا بالكامل من جراء تلك الأفكار.  

 

د. رائد جبار كاظم – استاذ فلسفة

 

 

حيدر حسن الاسدييرى كثير من الدارسين ان مختلف مجالات الاصلاح والتجديد ظلت منذ انطلاقها، ورغم مرور اكثر من قرن من الزمن تدور في حلقة مفرغة، تتقدم خطوة لتتراجع خطوات، ذلك انها في الغالب لم تعتبر عملية التجديد حالة فكرية واجتماعية وسياسية وثقافية شاملة ومترابطة عضويا، وانتهجت منهجا انتقائيا تولّدت عنه تشوهات تعاني منها مختلف المجتمعات الاسلامية وان كان ذلك بدرجات متفاوتة(1).

ولعل من اهم اسباب الوضع الذي تردّت فيه الحركة الاصلاحية الدينية بمختلف تياراتها، انها ظلت تدور دوما في مجال الفقه لا تتجاوز حدود اصوله المقررة منذ مرحلة التأسيس الاولى في القرن الثاني الهجري، حتى انحصر جهدها أو كاد في اعادة انتاج نفس الانساق الفقهية القديمة بلبوس توهم بأنها جديدة، ولكنها لا تخرج عن المنهجية التي اسهمت وبشكل واضح في التراجع الفكري لمجتمعاتنا.

فحركة الاصلاح في نهاية القرن التاسع عشر لم تضع العقيدة موضع تساؤل، فقد كان الحاضر الاساسي للإصلاح نابعا من التحدي الذي طرحه الغرب على المجتمع الاسلامي، ولذلك كان هدف الاصلاح حماية المجتمع الاسلامي بالاستجابة لما يسمى بـــــ (التحدي الغربي)، بطريقة ايجابية، لذلك كافح لإعادة تأسيس الحقيقة الاسلامية وتقويمها دون تعريفها للنقد الحر.

والمفهوم المعاصر للإصلاح عند اغلب الدارسين للتراث الاسلامي يعني: تلك الحركة الفكرية التي ظهرت في العالم الاسلامي في القرن التاسع عشر، إثر تنامي الوعي بحالة الضعف التي كان عليها المسلمون مقارنة بمن جاورهم من الامم، والتي كان مضمونها الاصلاح الديني وذلك بفتح باب الاجتهاد من جديد لفهم النص الديني قرآنا كان او سنة او اجتهادا فيهما سابقا(2).

ودعا روّاد الاصلاح - وفق هذا المفهوم- للعودة الى النص الديني لاستنباط أحكام جديدة تتماشى مع المستجدات التي جاء الغرب يباهي بها الشرق، على أن رواد الاصلاح توقفوا عند المستجدات ولم يجرؤوا على تغيير ما اعتبر صالحا ولم يكن عائقا عن تقدم الامة.

ذلك هو الاصلاح كما استقر مفهومه عند مصلحي القرن التاسع عشر، إحياء للماضي الصالح لمجابهة متطلبات الحاضر وتطعيمه بما لا يُغير ملامحه الاساسية، ولا يتنافى مع القيم السائدة فيه. ونحن وان كنا نتقف مع بعض المفاهيم الاساسية لمفهوم الاصلاح الذي اعتمده رواده في النصف الاخير من القرن التاسع عشر والقرن العشرين، لكننا نسجل عليه جملة من الملاحظات النقدية؛ لان الاصلاح وفق هذا المفهوم، (وعي بالزمن وما يحدثه من تغير في حياة الناس وطرق تفكيرهم ولكن فيه اقرار لثوابت لا تخضع للزمن، فيبقى الماضي هو الاصل ؛ لأنه عصر الثوابت، ويكون الحاضر فرعا له؛ لأنه عصر المتغيرات).

ولذلك لا تتم عملية الاصلاح للتفكير الاسلامي الا بإيجاد نمط حضاري يختلف الى درجة ما عن الانماط الحضارية السابقة عليه، قوامه: التجديد، و"التغيير المنسجم"، وفهم " المقدس" فهما صحيحا، ومعالجا " الفهم الماضوي" للنص، معالجة معيارية؛ فلم يكن الاصلاح جمعا بين متناقضين، واسقاطا لعناصر من بنيتين لجمع العناصر الاخرى، فأحدى الإشكاليات التي باتت تواجه التفكير الديني الاسلامي والاصلاحي بوجه الخصوص تتمثل في " هيمنة طبقة متنفذة ناطقة بالوعي نفسه، بفعل مغانم المنفعة التي توحدها، وهي جادة في ترسيخ ذلك النهج في عصر يعرف تحولات عميقة، والبيّن أن الاقتراب من هذه الدائرة يكشف عن غرقها في الالتهام المدرسي للنص الديني وعدم سعيها لتحويل المسالة المعروضة الى مادة قابلة للتحليل والفهم "(3).

وما يلاحظ على التفكير الاصلاحي الاسلامي الحديث جملة من المؤاخذات المعرفية، منها:

1. انه لم يقدم نقدا جوهريا لبعض صور التفكير الديني التقليدي، مثل الفهم الخاطئ لبعض الاصول العقدية مثل (القضاء والقدر).

2. ترسيخ بعض انماط السلوك الديني، مثل:(التقليد).

وهذا ينسحب على الاصلاح الديني او الاصلاح بحد ذاته؛ لأنه(4):

1. يقوم بمهمة تصفية الماضي وتجديد التراث القديم، ولكنه لا يضع اسس نهضة فكرية شاملة لإعادة بناء التفكير الديني نفسه، وتحويله الى نظرية عملية.

2. الاصلاح الديني يوقظ، ولكن النهضة العلمية تؤسس، لذلك قام الاصلاح الديني على اسس انفعالية بينما قامت النهضة العلمية على اسس عقلية.

ونحن وان كنا لا نتفق تماما مع ما تقدم في النقطة الاخيرة، الا اننا نرى ضرورة دراسة حركة الاصلاح الديني دراسة نقدية، في سبيل الكشف عن العوائق التي سببت لها الاخفاق والتراجع الى الوراء بشكل ارتدادي (معاكس)، في سبيل تحقيق النهضة.

ولذلك آثرنا استعمال مصطلح (التفكير) بدلا عن (الفكر)، لان التفكير مجموعة من الآليات، اما الفكر مجموعة من المضامين، ولا يخفى ان الاخفاق في الاليات اشد خطورة من المضامين، فاذا صلحت الاليات اتسعت المضامين.

ان فكر الاصلاح والنهضة الذي ظهر في النصف الاخير من القرن التاسع عشر عن بعض الشخصيات الاسلامية، لم ينفك عن بنيته المعرفية المجتمعية بعمقها واغوارها، ولذلك تشعّب الى شعبتين:

الاولى: انطلقت من ذاتها وموروثها الثقافي.

الثانية: اعتمدت على موروثها وتأثرت بالغير.

وعلى الرغم من تباين الرأي في كل من هاتين الشعبتين، وعند كل منهما، فان عمق الافكار ونظام المعرفة في كل منهما اعتمد على البنية القاعدة، ولم يخرج عن هذه الخصوصية العربية ونموذجها.

ومن اهم ما يسجل من نقد على حركة الاصلاح الديني: انها لم تعبر عن رسالتها وعرض افكارها بتفسيرات فلسفية، لأفكار جديدة بل اتخذت شكلين/ نمطين تقليديين، هما(5):

الاول: الرسالة الدينية، وهي في بنيتها واسلوبها في الاساس امتداد عصري لعلم الكلام في القرون الوسطى، لكنها تختلف في روحها اذ الانسان يحس أكيدا لدى قراءته لبعض كتاباتهم بعاطفة مستوية خلف الاسلوب الشكلي الرصين، فيلاحظ مثلا، ان هناك هدفا وراء المواقف المألوفة المستندة الى النصوص التقليدية، وان هناك تأليف جديد. وبهذا الجهد فقد حقق الفكر الاصلاحي اسمى اعماله ومارس اوسع نفوذه.

الثاني: الجانب التبريري، وقد كان في التفكير الاصلاحي اكبر حجما من سابقه، كتب هذا الجانب من مواقع دفاعية لكنه كان دائما يتخذ مواقف هجومية. كان هذا النمط التبريري يصرف معظم جهوده متمسكا في صلابة بالأسس التي انطلق منها، رافضا ان يمتحن فرضياته الاساسية. كان محكوما على هذا الجهد التبريري ان يعاني من نقص في الرصانة، وربما نتجت عنه تيارات متطرفة ابعد ما تكون عن الاصلاح.

ولذلك نحن ندعو الى: ضرورة مراجعة الاسس والمنطلقات النظرية والفكرية، والمفاهيم السائدة في التفكير الديني الاصلاحي... ولعلنا نسجل مؤاخذاتنا النقدية على الاصلاحية الاسلامية منذ ان نشأت وتطورت، حتى اخفاقها عبر مراحل، يمكن ان تكون وفق الاتي:

المرحلة الاولى: انها بدأت بحذر وبصوت خفيض لا يخدش عقلية التمسك بكل شيء على انه مقدّس وثابت، بيد انها سرعان ما (تصلّبت) وتوشجت بمنهج الجرأة يوم اخذت تقدم رؤى جديدة لمجموعة من الامور لعل اهمها:

1. نقد عقلية التقليد.

2. تقديم رؤية متوثبة لتجديد جهاز التوليد العقلي والابداعي، عبر اعادة الاجتهاد الى دوره الريادي في التفكير الديني العقلي.

المرحلة الثانية: مع مرور الزمن اتضح لدعاة الاصلاح الديني والمراجعة الفكرية، ان المسألة لا تكمن في نظام الاجتهاد الفقهي والفكري، وبالتالي ادركوا ان الاصلاح لا بدان ينطلق من الارضية الفكرية التي تنطلق منها الامة والمجتمع... وبرأيي ان في هذه المرحلة بدأ الاخفاق.

المرحلة الثالثة: لعل ما يميز دعاة اصلاح التفكير الديني المعاصر، هو التخطيط والقيام بمهمة مزدوجة تتمثل بجزئين:

الاول: البناء الفكري والثقافي السليم لفكر المسلمين، ومناهجهم.

الثاني: وضع آلية لكيفية التعامل الاسلامي مع النتاج الحضاري غير الاسلامي/ الغربي، عبر مشاريع، اهمها: مشروع نقد العقل الاسلامي، نقد العقل العربي، مشروع الدكتور عبد المجيد الشرفي(مشروع التحديث الاسلامي)، بالإضافة الى مشاريع اخرى، لذا " ينبغي إدراك منهجية التفكير لدى الغربي والإحاطة بإطارها المعرفي الناشئة فيه، قبل اتهام علماء اجلاء استطاعوا أن يسهموا بالكثير من الاضافات وتصحيح العديد من الانحرافات"(6).

واذا اردنا ان نتلمس حلقات هذا المسار المرحلي عبر مصاديق، نستطيع ان نفترض ان التحسس الحديث بمشكلة المجتمعات الاسلامية الفكرية ترافقت مع اعمال كبار رجال (الإحيائية الاسلامية)، امثال: جمال الدين الافغاني، واقبال، محمد عبدة، ورشيد رضا، وابن باديس، محمد تقي الشيرازي.

فيما تأتي المرحلة الثانية ممثلة بـــ: حسن البنا، مالك بن نبي، محمد حسين النائيني، سيد قطب، الطاهر بن عاشور، علال الفاسي، محمد رضا المظفر، ،وغيرهم.

ثم ما لبثت ان استقرت الحالة الفكرية الراهنة التي شهدت تحولا افقيا عظيما، بفعل التغيرات الكبيرة على الساحتين الاسلامية والعالمية، وقد افضت هذه التحولات في العالم الاسلامي، وفي علاقته مع الغرب الى مهام جسيمة واضافية على المستوى الفكري، ولذلك نتج عن هذا التحول مطالبات اصلاحية تحديثية تتلخص بالاتي:

1. المراجعة النقدية لما هو سائد من افكار، ومفاهيم ومناهج من داخل البيئة المعرفية الاسلامية، "فلا حرج من اخضاع الممارسة التاريخية للإسلام النقد والمراجعة والتقييم، وان القداسة التي أضفاها عليها الزمن ينبغي ان لا تحجب طبيعتها البشرية"(7).

2. الدعوة والعمل على تقديم اجابات فكرية واجتهادات جديدة لتلبية متطلبات الداخل الاسلامي.

وهكذا بات امام اصحاب الدعوة للمراجعة النقدية للتفكير الاسلامي ان تنشط لإنجاز ثلاث مهمات، يأتي التوازن تبعا لما تحظى به كل واحدة من دور في مسارات النهضة والتحديث، والمهام، هي:

اولا: الانكباب في عملية فكرية واسعة وعميقة تهدف الى :

1. التصحيح.

2. النقد.

3. المراجعة.

وكل ذلك انطلاقا من الداخل الاسلامي(8) ذاته؛ لان للداخل أزماته المعروفة التي انتهت الى تشويه كبير في مناهج التفكير الاسلامي.

ولم تكن مهمة المراجعة سهلة ابدا، بل كانت ولا تزال شاقة، وبحاجة الى جهود جبارة وجرأة كبيرة للقيام بـــ (الفصل بين ما هو دين وثابت ومقدس، وما هو مجرد اجتهاد).

ثانيا: تلبية احتياجات الداخل الاسلامي، بدءا من البناء الفكري عبر تحريك الجهاز الاجتهادي، كي يلبي المتطلبات المستجدة والملحة.

ثالثا: قراءة التيارات والمناهج الفكرية الحديثة قراءة واعية، وتحديد مواقف عملية فاعلة لكيفية التعامل مع الفكر الاخر، عبر بناءات وصياغات معاصرة للتفكير الاسلامي يتمثل في نهاية الامر بـــ :

1. الاجتهاد والتجديد.

2. التنظير.

3. القراءة وفهم معنى المقدس.

ولا بد من مراجعة وتسليط الضوء على جملة من المؤاخذات العلمية النقدية على التفكير الاصلاحي وتشخيص اسباب الخلل، والارتداد المعاكس الذي نتج عنه والمتمثل بالتيارات التكفيرية السائدة اليوم، ويمكن ان يكون ذلك وفق المحاور الاتية:

1. لم يحظ ولم يؤكد المعيار والمنهج المتبع للإصلاح في التجربة الاسلامية الحديثة على المنهج النقدي.

2. وضع رجالات الاصلاح كناطقين باسم الدين، وبذلك تعززت سلطتهم، فانتحلوا دور قيادة حركة التغيير.

3. اعتماد الية غير مناسبة لتصحيح الفهم الخاطئ لروح الاسلام.

4. لم يقدم التفكير الاصلاحي فهما مقبولا لما اصطلح عليه بــــ (الشرعية الدينية)، ولذلك اسهم في احياء جدلية الامام العادل الامام الجائر، وبذلك عودة الى التشبث بأسس برغماتية، وبذلك ارسى هذا التفكير الاعتقاد ان بالإمكان تطبيق نظرية الاصلاح في فعالية بموافقة النظام القائم، على ان لا يتعدى ذلك الخروج الى هذا النظام ولو كان جائرا.

5. الاخفاق في تقديم رؤية واضحة لتحديد علاقة المجتمع الاسلامي بالغرب، كالرأي المتباين بين الافغاني ومحمد عبدة.

6. كان التفكير الاصلاحي من وجهة نظر منهجية عاجزا عن تحقيق وعي عقلاني، مفتقدا للنقد الذاتي التصحيحي، فلم ينخرطوا في عملية شك عقلاني منظم. ان النظرية الاصلاحية المستلهمة من داخل النسق الحضاري، لا بد ان تستمد مشروعيتها وأصالتها من اساسين:

أولهما: كينوني، باعتبار الذات الحاضرة في التاريخ.

الثاني: وعيوي معرفي.

ولذلك يؤاخذ على حركات الاصلاح في العالم الاسلامي، انها جاءت متجاوزة لتجديد ادوات النظر، فكانت عبارة عن تهويمات متسرعة، فكما يبدو على مدى القرنين الماضيين ما انقطعت مساعي الاصلاح، حيث تكررت المحاولات، لكنها عجزت في مجملها عن بلوغ المراد ورافقها تعذر صياغة فعلية للإصلاح، وما ذلك الا لغياب التأسيس العقلي، كتوجه مفعّل في النظر الفكري.

 

الدكتور حيدر حسن الاسدي/ جامعة الكوفة/ العراق

.....................

(1) مصطفى القواني ، تقديم كتاب: الاجتهاد وقراءات النص الديني في العصر الحديث، تأليف مجموعة من الباحثين، جامعة 7 نوفمبر بقرطاج، المعهد العالي للغات، تونس،2004م،ص 1-2.

(2) محمد شقرون، الحداد بين الاصلاح والحداثة، المصدر نفسه، ص139.

(3) د. عز الدين عناية، العقل الاسلامي، ص 31.

(4) د. حسن حنفي، في الفكر الغربي المعاصر، ص 102.

(5) هاشم شرابي، المثقفون العرب والغرب، دار النهار للنشر، ط 4، ص 38.

(6) د. عز الدين عناية، العقل الاسلامي عوائق التحرر وتحديات الانبعاث، دار الطليعة، ط1، بيروت، 2011م، ص19.

(7) د. عبد المجيد الشرفي، الاسلام والحداثة، المدار الاسلامي، بيروت، ط5، 2009م، ص24.

(8) نقصد بالداخل الاسلامي: المحيط الجغرافي الذي يتواجد فيه المسلم وغير المسلم.

 

 

مصطفى انصاليأن يكون الدين انسانيا معناه أنه دين يستمد مشروعيته من الأرض، إنه قصة أرض لا قصة سماء، قصة إنسان لا قصة إله. الله لم يرسل أنبياءه ورسله كي يثبت وجوده هو؛ بل أرسلهم كي يوجد روحه في الأرض، نفخ فينا من روحه وأرادنا أن نكون تحققا لهذه الروح في أرضه، جعلنا خلفاء له في الأرض فاستصغرتنا الملائكة بقولهم " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء..." فعظمنا بقوله ردا عليهم : "إني أعلم ما لا تعلمون" إنه يعلم إذن، لكن المصيبة أننا صرنا لا نعلم! أراد الله أن يكون الدين انسانا ونحن أردنا أن يكون الانسان دينا، الله لا يهمه تكبيرنا باسمه خمس مرات في اليوم المهم بالنسة له أن نكبر نحن، لا يهمه تعظيمنا له المهم ان تصير أنت عظيما،   إن قيام نخلة عند الله أهم من قيام الصلاة داخل المعبد، هذه بداهة دينية من لم يستطع فهمها ووعيها فهو لم يعلم عن الله شيئا. أليس هو القائل عز وجل " أينما تولوا فثم وجه الله" . نبحث عن الله في القبلة والانسان قبلته، هو يطوف حولنا ونحن نطوف الكعبة، مشكلتنا هو أننا صرنا لا نتوقع إلها خارج أسوار المعبد، فكيف له أن يوجد في المعابد وقد تفرق خلقه بها! بسببها صار المسلم كافرا لدى اليهودي واليهودي ضال لدى المسيحي والبوذي وثني في عيونهم جميعا... لقد حار جبريل في الفصل بينهم وهو رسول الله إليهم جميعا.

الله يكتب في قرآنه "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفو " وهم يكتبون: وجعلناكم أديانا ومذاهب لتتحاربوا وتتقاتلوا. هذه مصيبة؛ أما الكارثة فهو أنهم جميعا يعودون إلى صلاتهم بعد القتل ! فهل يصح دين بدون حب ؟ لا أعتقد . وهل يصح دين بقتل؟ لا يمكن .

إن الدين عند الله الانسان معناه أن الله ليس عربيا ولا عبريا ولا هنديا، الله هو الله. إنه لا يختار شعبا ضد آخر لقد ظلمناه بجعله إلها عرقيا، الدين عنده صفة أخلاقية لا صفة قومية عرقية، دين لا يخص جماعة بحد ذاتها بقدر ما يخص جماعة الانسان، ما أسهل أن نصف أتباع دين آخر بأنهم كفار؛ لكن ما أصعب علينا أن نكون نحن مؤمنين، فأن تؤمن بالله معناه أن تؤمن بالخير والعدل والجمال والحب، إن لم تكن كذلك فأنت لم تؤمن به حتى ولو صليت ملايين الركعات، فكفر العادلين إيمان وظلم المؤمنين كفر، كفر الأخيار إيمان وإيمان الأشرار كفر، الحزب الذي يحمل للناس خبزا أفضل بكثير لدى الله من الحزب الذي يحمل لهم مصاحفا. إيمان الإنسان هذا يكون على قدر مبادئه لا على قدر معابده، ما يهم الله في دينه هذا هو نظافة قلبك لا نظافة معبدك. لم يفهموا دينه جيدا لكنهم بالتأكيد زوروه جيدا.

دين الإنسان نزل من أجل رفع أحجار العبودية عن العبيد فقزمناه في مجرد رفع أحجار الأصنام عن الكعبة، تأملوا في قصة عمار بن ياسر، أتدرون لماذا آمن ؟ لقد آمن بدين محمد عليه السلام لأنه وجد فيه إلها يقف مع محمد الطيب والخير ضد أبا لهب الظالم والشرير، لم يؤمن بالدين لأنه يقول بالتوحيد مقابل الوثنية بل آمن به لأنه دين إله يصطف بجانب الفقراء ضد اقطاعية قريش، أنظروا إلى بلال أيضا والذي عندما أراد الإيمان بدين محمد كان سؤاله الأول موجها لرفيقه في العبودية عمار بن ياسر : هل إلهه يقبل العبودية ؟ فأجابه عمار: إن الناس لدى محمد سواسية في اللون والدم "لا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى " . تأكد بلال قبل إيمانه بأنه أمام إله عادل طيب لن يحتقره كما احتقره أبا لهب لذا وفقط آمن به. نحن نؤمن بالنبي لوحيه وهم آمنوا به لنبله وعدله وانسانيته حتى قبل أن ينزل عليه الوحي، مشكلتنا أننا ننظر لمحمد بعد قصة غار حراء في حين أن الاسلام الأوضح هو محمد قبل الغار. لقد كان وكما وصفته زوجته قرءانا يمشي بين الناس أي أخلاقا ومبادئ تمشي في الأرض ومن أجل الأرض.

وحدهم كهنة المعبد من خذلونا وسرقوا منا ديننا ونبينا بل وإلهنا والهدف هو اغتيال كل انسان فينا، لقد أعلن الفيلسوف الألماني نيتشه عن موت الاله. فعلا لقد مات الاله لكن موته ليس موتا بيولوجيا إنه موت قيمي، اغتيال لكل القيم الجميلة التي زرعها فينا ونفخها فينا من روحه، لقد صدق دوستويفسكي عندما أعلن على لسان إحدى شخصياته أنه: " إذا لم يعد الله موجودا فإن كل شيء سيصير مباحا " إن الله هو الضمير الذي يحكمنا ، فأن تريد الله في سلوكك وأخلاقك معناه أنك تريد الانسان، بمنطق فيلسوف الأخلاق كانط جعلت من الانسان غاية لا وسيلة... فبالأمس كان هناك إله واحد بكل تلك الروح واليوم فينا ألف إله لكن وللأسف بدون روح. فإلى كهنة المعبد أقول : لا نريد دينا مقلوبا نريد دينا يقلبنا، لا نريد صلاة مأجورة نريد صلاة تصلنا بربنا، لا نريد صياما عن الأكل والشرب نريد صياما عن العبودية والظلم ...

إلا أن يتحقق هذا الدين أقول لكم ولمغيبيكم : لكم دينكم ولي دين.

 

بقلم : مصطفى انصالي

أستاذ مادة الفلسفة (المغرب)

 

 

علي المرهجارتبط مفهوم "المثقف العضوي" بالمفكر الإيطالي الماركسي الشهير أنطونيو غرامشي (1891ـ1937)، ولا أروم الخوض في تعريف غرامشي للمثقف العضوي، بقدر ما أرغب بالقول أن هناك كثيراً من اللبس قد اعترى هذا المفهوم، فكثير منا يعتقد بأن مفهوم "المثقف العضوي" مرادف لمفهوم "المثقف المُستقل" الذي لا يقبل الخضوع لأيديولوجيا أو عقيدة معينة سوى ما يتطابق مع رؤى الإنسان الحر ومُتبنياته المعرفية المستندة على معطيات المنطق، إستقرائياً كان أم إستنباطياً، أو في ضوء منطق النقائض، سواء أكان هيجلياً أم ماركسياً.

إن مفهوم المثقف في ضوء كل تشكلات المنطق هذه شاء أم أبى من تبناها هو مثقف نخبوي، لأنه يبحث عن اجتراح مفاهيم لها طاقة نظرية تجريدية، ولكن ما يشتغل عليه غرامشي هو التكوينات المجتمعية بتشكلاتها الأفقية المرتبطة بالواقع ومتغيراته، وبالتالي يكون مفهوم "المثقف العضوي" عنده هو الشخص الذي يستطيع أن يُدرك بمهارة تنم عن وعي ثقافي مائز تُعبر عن جماعته التي ينتمي إليها، وفق تفسير واقعي أخاذ، نافذ، ومقبول لحاجيات وتصورات طبقته التي ينتمي إليها، فالمثقفون بحسب فهم محمد عابد الجابري لغرامشي، لا يُشكلون طبقة مُستقلة، بل إن كل مجموعة اجتماعية لها جماعة من المثقفين خاصة بها، والذي يعني غرامشي هو مقدار ما يمتلكه هذا المثقف من وعي خلَاق يستطيع من خلاله التعبير عن أيديولوجيا الجماعة التي هو جزء فاعل وواع منها، ولا إستقلالية له إلَا بالمقدار الذي تكون فيه هذه الإستقلالية تعبير حقيقي لرغبات طبقته، ولكن وعيه التاريخي بها وبتحولاتها أشد وأعمق منهم، حينذاك سيجد معارضة شديدة من الوعي الجمعي لطبقته، الأمر الذي يضطره لأن يكون خارج الجماعة ليعبر عن طموحاته بحرية أكبر، وهو في هذه الحال، أي خروجه عن الجماعة التي ينطق بإسمها، ليُعبر عن طموحاتها، إنما هو إدراك ووعي نافذ عنده، وخروج عن نمط الفكير السائد الذي يتماهى فيه "المثقف التقليدي" مع "الحس الجمعي" للطبقة التي هو فيها، الذي صوره البعض أنه يعيش في "برج عاجي"، لكنه يبحث عن وجود مُفتعل يُصور نفسه أنه مُتماهي مع الجمع بكل سذاجاتهم وبساطتهم، كي يضع نفسه بافتعال وصرف مال أنه في مصاف الكل، كي يكون أعلى من الكل، لأنه يُتقن اللعب والمخاتلة وتزييف الواقع، ليصنع له منبراً وسرداقاً يُصفق له المُصفقون ممن ظن أنهم ببساطتهم سُذج يُخدعون، وفعلاً يُخدعون، لرغبة عندهم في تقبل خداع الذات لكسب مال هم به موعودون من سياسي غبي يدعي أنه مُدرك ومعبر عن مُعاناتهم، ولكنه غبي إستغله بُسطاء، وبسطاء لا يقبلون سوى حلب غبي من الأغنياء الذين يرومون صعود المجد بلا تضحية سوى تضحيته بتاريخ صراع الجماعة التي ينتمي إليها وهم بخداعه اللفظي والشعاراتي قابلون ومقتنعون، "الكل يخدع الكل" لا لشيء إلَا لأنه مُخادع كبير، وهم بسطاء بأسى وأقصى ما تصل له البساطة ولهم حاجة بمال غبي، وربما بما ذكي مُتغابي!!.

بينما تجد "المثقف العضوي" مُغاير لكل تصوراتنا ولكل توجهات الجمهور، لا يقبل أن يستغل سذاجة أحد من الجمهور، ولا يُطبل مع المُطبلين، ولا يُزمر مع المُزمرين. إنه يُغرد خارج سرب الجمع الذي تُحركه العاطفة، ينأى بنفسه عن ملذات العيش في كنف السلاطين والمُستبدين، رافضاً أن يكون أداة أو وسيلة بيد الجماهير المُغيبة، يرغب بأن يكون هو لسانهم الناطق والمعبر الحقيقي عن معاناتهم وصبرهم الجميل والثقيل، لأنه العقل الناطق بإسم هذه الجماعة، وهذا الفهم نجده بيَناً في كتابات علي شريعتي في تمييزه بين "المثقف الأصيل" و"المثقف التقليدي"، فالمثقف الأصيل هو الذي يعي ويعيش مُعاناة الجماهير، هو مُعارض ورافض دوماً لكل ميقف يعيش حياته مُفارقاً لحياة مُجتمعه

وهذا يعني وما ينبغي الإلتفات له أن مثقف غرامشي العضوي هو مثقف أيديولوجي ينطق بإسم الجماعة التي هو منها "مثقف ثوري" مهمته التنظير لـ "الهيمنة الثقافية" لأيديولجيا الحزب الذي ينتمي إليه ذلك المثقف!!، فالمثقف المعبر عن طموحات وآمال "البروليتاريا"، مثلاً، عليه أن يعمل بجد وكد وتعب فكري ونظري مُتميز كي تكون هذه الجماعة هي المهيمنة ثقافياً على المشهد السياسي والفكري والاجتماعي، لأنه هي الأحق بالقيادة من غيرها، فـ "الحزب الثوري" طبقاً لمقولات غرامشي هو الحزب الوحيد القادر على تكوين طبقة من "المثقفين العضويين" الذين بإستطاعتهم تحشيد الجماهير كي يكونوا جماعة قادرة على الرفض الحركي للهيمنة الرأسمالية.

ألا يُعيدنا، أو ألا نستطيع من مقاربة وجهة النظر هذه ولو قليلاً مع دعوات ومتبنيات جماعة "الإسلام السياسي" لا سيما "الوهابية" وجماعة الأخوان المسلمين الذين يقولون بـ "الحاكمية"؟، فالحال هو ذات الحال، فجماعة الأخوان المسلمين عن السنة ومن شابههم من دعاة "ولاية الفقيه" عند الشيعة، إنما هم يدعون لوجود مثقف ديني، وهو المقابل الأرجح للمثقف العضوي عند غرامشي، وهذا المثقف الديني هو الذي يُمهد لقيام "حكومة إسلامية"، لأنه هو من لديه المكنة الفكرية والقافية لخلق جماعة حركية تؤمن بقدرتها على قيادة الأمة الإسلامية لما هو أفضل حال من جاهلية نعيشها نحن المسلمين في ظل حكومات لا إسلامية!!، فغرامشي يدعو لقيادة حزبية تقودها "طبقة ثقافية" مهمتها الدعوة لـ "الهيمنة الإشتراكية" بالقوة!!

ولن نجد في نمط ما دعى إليه الأخوان المسلمين ومن شابههم فيما بعد ما يتنافى ودعوة غرامشي في ترك الإشتغال في "تفسير العالم" والعمل على "تغييره" بحسب الرؤية الماركسية لمهمة الفلسفة التي أساسها "التغيير" لا "التفسير"، ولو أنعمنا النظر في مُتبنيات الطرفين، على الرغم من التناقض في طبيعة المُتبنيات والقواعد المؤسسة لكلا الاتجاهين، فمتبنيات غرامشي تغوص في الواقع لتكشف عن عيوبه لتعالجه من داخله، وإن كان في كل رؤاه ينطلق من هموم ومعاناة طبقية في عالم واقعي، بينما تجد الأخوان المسلمون ومن شابههم ينطلقون من معاناة ذات الطبقة، ولكنها تغوص في الواقع لا لتكشف عن حلول مُستنبطة منه، بل لتجعله أسير رؤية دينية مثالية تستمد قوتها وعزمها من السماء، لكن "المثقف العضوي" عند كلا الاتجاهين، هو ذات "المثقف العضوي"، هو مثقف أيديولوجي يشتغل داخل أطر وأسيجة فكرية و"دوغمائية" تفرضها عليه طبيعة وجوده الاجتماعي داخل طبقته.

ما نخلص له من القول أن مفهوم غرامشي عن "المثقف العضوي" لا يشمل الأدباء والكتاب والعلماء الذين لا ينشغلون بهَم الطبقة الذين هم منها، فهؤلاء في عداد "المثقفين التقليديين"، لأنهم يكتبون ويُنظرون للأدب من أجل الأدب، والعلم من أجل العلم، بينما تكون وظيفة "المثقف العضوي" عنده هي وظيفة اجتماعية تقتضي "التغيير"، لكن أي تغيير، إنه تغيير وفق مُعتقد وأيديولوجيا لها مقبولية وتأثير اجتماعي...    

د. علي المرهج – أستاذ فلسفة

رائد جبار كاظمليس من السهل على أي أنسان أن يصنع له خصوصية أو هوية أو بصمة فكرية تميزه عن غيره من البشر، فالبشر رغم اختلافهم في ألوانهم وألسنتهم وقومياتهم وعاداتهم وتقاليدهم وطريقة تفكيرهم، لكنهم قد تجدهم متشابهين في الكثير من ذلك، وفق حدودهم الجغرافية والثقافية والفكرية والحياتية، والجغرافيا هي الميزة أو الخصيصة أو المسألة الأهم التي تصنع طريقة التفكير والثقافة ونمط الحياة لدى الفرد والمجتمع، في أي زمان ومكان كان، فالجغرافية الطبيعية تصنع الجغرافية الاجتماعية، وتلك الجغرافية تصنع الجغرافية الحياتية، وتلك تصنع الجغرافية الثقافية والفكرية لأي مجتمع من المجتمعات، ولذلك فالعلاقة قوية ومؤثرة ومتبادلة بين الجغرافية الطبيعية وجغرافية المجتمع وطريقة تفكيره، فنحن أبناء الجغرافيا، وأبناء الحدود المحددة والمرسومة لنا سلفاً، التي لا نخرج عن سطوتها وسلطتها الا بشق الأنفس، ممن يريد الخروج على تلك الجغرافيا والحدود والإطار الذي يعيش الفرد والمجتمع حياته فيه بأكملها، ممن يجد نفسه داخل هذا السور أو ذلك الوسط أو الكهف الذي يألفه منذ نعومة أظفاره.

نولد في هذه الحياة وكل شيء معد لنا سلفاً دون خيار أو حرية، من المهد الى اللحد، الاسم، القوم، الوطن، الدين، العادات والتقاليد، وباختصار (جغرافية الأرض والمجتمع والجماعة والدين والثقافة)، نولد ونحيا في مجتمعاتنا وفق تلك الجغرافيات المتعددة ونألفها وننسجم معها بصورة تقليدية دون نقد أو تمحيص، وكأنها يقينيات مطلقة لا يمسها الخطأ والسوء والتشويه، ومسألة الخروج على هذا النسق والإطار المحدد أمر في غاية الصعوبة، فهو أمر أشبه بالسباحة ضد التيار، أو الخروج على نسق الجماعة وسلطتها، وهو أمر مستحيل بالنسبة للإنسان العادي، لأنه معتاد على ذلك النمط والنسق الجاهز سلفاً، ولكن بالنسبة للإنسان المثقف والمفكر فهو يناضل ويجاهد ذاته ومجتمعه من اجل المواجهة والاقناع والدفاع عن الحقيقة التي وصل اليها، وهي حقيقة عقلية، فكرية، قد تصل الى الحقيقة والتجربة الصوفية في بعض الأحيان، لأنك تواجه فكر وثقافة ومعتقد الجماعة وسلوكها التقليدي النمطي البارد، بفكر عقلاني نقدي فردي حر، تبذل في سبيله الكثير من أجل الوصول اليه، قراءة ودراسة وبحثاً وجهداً ودراية، لتخرج على سلطة الجماعة وسطوتها وهيمنتها الجاهزة والمعلبة في معامل ومطابخ الايدلوجيا والتقليد، لتنقد تلك السلطة وتصوب الكثير من أخطائها وتفضح زيفها، تحتاج لذلك الى قوة وطاقة فولاذية مع حراسة سماوية للخلاص من ذلك القاع المظلم والقبو المتعفن.

الانسان حين يكون في مقام ما يفكر وفق حدوده، مكانياً وزمانياً وجغرافياً ومجتمعياً وحياتياً، فالإنسان أبن الحدود والجغرافية والمكان، فالإنسان العربي مثلاً يفكر وفق حدوده وجغرافيته، والانسان الغربي أيضاً يفكر وفق حدوده وجغرافيته، وحين تكون حدوده الجغرافية واسعة ورحبة وحرة فهو بالتأكيد يكون أبناً باراً لتلك الجغرافيا، يفكر بحرية وصحية ونقاء، عكس الانسان أبن الجغرافية الضيقة والمختنقة، الذي يكون تفكيره مسموماً ومقيداً ومهدِداً لغيره من البشر. والدليل واضح على ذلك وهو ما نشهده اليوم من سلوك مختلف في طبيعة المجتمعات البشرية، فالشعوب تتنفس هواء جغرافيتها الطبيعية والاجتماعية والثقافية والفكرية، ان كانت نقية فالنقاء يسري لداخلها، وسلامة فكرها من سلامة حياتها ومجتمعها والعكس غير صحيح، وفي مقابل ذلك نجد شعوباً كثيرة تفكر بطريقة ملوثة وجرثومية كهوائها المصاب بالحشرات والجراثيم والوباء، فالديدان الموجودة في رؤوس الكثير منا تسللت وتناسلت من بيئتنا التي نعيش فيها، فنحن لا نستطيع أن نفكر تفكيراً حراً لأننا شعوب مُستعَبدة وضعيفة ومقلِدة نتبع غيرنا وجماعتنا حذو النعل بالنعل، كما يقال، ولا نستطيع الخروج على سلطة الجماعة، لأننا نؤمن ونعتقد أعتقاداً جازماً بأن "يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار" وخلطنا الأوراق وتشابهت الأفكار والأقوال علينا، وأخذنا نسير مع الجماعة في القول والفعل، دون نقد أو تحليل أو تمحيص، متناسين أن الله قد كلف كل انسان تكليفه الخاص به دون غيره، وأن كل انسان مسؤول عن عمله وفكره ومعتقده، دون جماعته، ولكن الانسان في واقع الحال ليس له من أمره شيء ولم يسر وفق عقله بحرية، فهو يسير وفق ما محدد ومرسوم له سلفاً، وهذا لا ينطبق على مجتمعاتنا المغلقة فحسب، بل يشمل حتى المجتمعات المفتوحة، ولكن نسبة الفتح والفتوحات والانفتاح الفكري في المجتمعات الحرة أكثر بكثير من المجتمعات المغلقة والمغلفة بأطر متعددة الهويات والأهواء.

لعل معترض يعترض علينا فيقول أن لا فرق بين الفرد والمجتمع المغلق والمفتوح، فكلاهما يخضع لجبرية جغرافية واجتماعية وحياتية، لم تتح له الخيار في أفعاله؟ ولكنني أقول له كلا فهناك فرق كبير بين الأثنين، فالإنسان في مجتمعه المغلق لا يستطيع أن يفكر بطريقة حرة، وهو مقيد بسلاسل مجتمعه، على عكس المجتمع المفتوح الذي يتيح حرية التفكير وشيوع الاختلاف في الأهواء والأفكار والسلوك، هذا المجتمع ينتج الجديد من الافكار والافعال، ويحفز أبنائه على التفكير والاختلاف والانتاج مهما كانت صوره، على عكس المجتمعات المغلقة التي تصب أبنائها وفق قوالبها الجاهزة، التي لا يمكن الخروج عليها أبداً الا بالحبس او القتل أو التعذيب أو الانتحار، نحن نفكر وفق طبيعة مجتمعاتنا، ان خيراً فخير وان شراً فشر، وان نوراً فنور وان ظلمة فظلام. ورب انسان ينتمي لبيئة مغلقة قد تحرر من قيود مجتمعه وجماعته وحرر فكره من معيقات التفكير ومهيمناته، ولكن هذا الشخص بالتأكيد يواجه بحرب ورفض من قبل مجتمعه وجماعته لأنهم يعتقدون انه خارج عن ملتهم والأفكار التي نشأوا عليها التي لم يأتها الباطل ـ باعتقادهم ـ لا من قبل ولا من بعد، والمقاومة التي يقوم بها ذلك الشخص الناقد والمثقف تحتاج الى جهد كبير وصبر ومواجهة، من اجل الدفاع والاقناع والمحاججة، وقد يرفض الكثير ما يجيء به ذلك الشخص من أفكار، كونها أفكار جديدة غير مألوفة وخارجة عن منطق الجماعة وفكرها العتيد، وبلا شك ما يقوم به المثقف وسط ذلك المجتمع المغلق والمقيد يعد جهداً فكرياً كبير، وذلك كشف فكري كبير يصل اليه بقوة تفكيره وصبره وتفوقه، وهو ما يميزه على غيره من البشر، وهو يمتاز ببطولة وشجاعة وجرأة لا تتوفر لغيره ممن يعيشون في البيئة التقليدية، فالمثقف والمتنور يجاهد للخروج من نفقه المظلم، ليبصر النور في ذاته قبل أن يشرق في مجتمعه، ويكفيه فخراً أن ير النور في ذاته، ويبصر الطريق ويؤمن بما يصل اليه من فكر وحقيقة دون قيود الجمهور والعوام، الذين لا هم لهم سوى التصفيق لكل من هب ودب، ممن يجهلون نور النور وتحسبهم أيقاظ وهم رقود، فهم أتباع كل ناعق، وينهقون مع كل ناهق.

قد تتصور وتتخيل كيف يفكر ذلك الانسان في وسطه الاجتماعي والثقافي المغلق أو المنفتح بطريقة تنسجم وطبيعة ذلك المجتمع، ولكنني أتخيل وأشعر بقوة بألم واغتراب وغربة و ذلك الشخص المثقف المنفتح الذي يعيش وسط مجتمعه المنغلق، فهو قد أبصر النور وأكتوى بنار الحقيقة من جهة، ويقاوم مجتمعه والناس من جهة أخرى، ويخشى أن يبشر بفكره الجديد، كي لا يحل به ما حل بسقراط والمسيح والحلاج وبرونو وغاليلو، ولذلك فهو يكتم حقيقته في قلبه، لأنه مقيد بحدوده الملتهبة والمصابة بالالتهاب حد السرطان، ولذلك فهو نبي يخشى البوح بسره ووعيه وحقيقته، كي لا يصاب باللعنات من عامة الجمهور، وبالطرد من وطنه أو القتل والتهجير والتصفية من جماعات تنتمي الى فصيلة ونسل الديدان بقرابة. هذا في مجتمعاتنا المنغلقة، أما في المجتمعات الحرة فلك أن تفكر وتتخيل وتتصور وتتأمل وفق طبيعة ذلك المجتمع وجغرافيته، تبدع وتنتج كما يحلو لك دون قيد أو شرط، أما نحن فمحكوم علينا أن نعيش كما يريد السلطان، سلطان الحكم والمجتمع والأيديولوجيا، وكما قيل "الناس على دين ملوكها" والناس أيضاً على دين حدودها وجغرافيتها وطبيعتها ومجتمعاتها تحيا وتموت، الا من رحم ربي، من مصلح أو مثقف أو ثائر، يأبى أن يخضع لسلطة الغير سوى سلطته الفكرية والمعرفية الناقدة.  

      

د. رائد جبار كاظم

 

 

juotyar tamer2ان التحجر الفكري هو اساس التخلف والتلاشي الحضاري والزوال للقيم الانسانية في اي مجتمع، كما يقول " بوقفة رؤوف "، فحين نتوقف عن التفكير، عن التطور، عن الاستمرارية التأملية والتفاعل مع النفس ومع الاخر ومع الكون، نقحم انفسنا في دائرة ضيقة لا مخرج منها، واذا ما رافق التحجر الفكري، التحجر العقائدي والذي هو موقف فكري جامد وقاطع يقوم على فرض الافكار دون مناقشة وهي مرادفة لضيق الافق والجمود والتصلب والتشنج والتسلط والارهاب الفكري والعقائدي، فاننا بذلك ندخل طور التلاشي الحقيقي، بحيث يصعب معالجة حالتنا الوجودية، ونتحول الى ادوات هدم وخراب بل الى طفيليين نساهم في تدمير الوجود الانساني ببطئ من الداخل.. ويصعب في الوقت نفسه معاينة المرض فيتفشى في البنية الاساسية لوجودنا ونصبح مشللوين تماما وعاجزين عن التقدم والتطور والانتاج معاً.

على هذا الاساس حين نقيم المجتمعات الشرقية بصورة عامة والدينية فيها بشكل خاص، نلامس عمق الهوة التي تبعد هذه المجتمعات عن الركب الحضاري السائر في ارجاء المعمورة، بالطبع هذا لايعني ان الشرق وحده يعيش هذه الحالة المرضية المستعصية، لان اغلب مجتمعات العالم الثالث او دول الجنوب تعيش هذه الحالة كل واحدة وفق معاييرها الخاصة، ولكن حين اخص الشرقية " الشرق اوسطية" منها لاننا نتكلم بواقع الحال الذي نعيشه ونراه ونعاينه عن قرب بل ونساهم كفرد في صيرورته، وهذا ما يدعونا الى الخروج عن المألوف في الصياغات البلاغية احياناً، وحتى عن السياقات الوجودية الحاضرة والمؤثرة بشكل مستمر.

فالمجتمعات الشرقية لاتعيش التحجر الفكري الهادم لكل القيم الانسانية فيها فحسب، بل انها تستند في قتل الملكات الفكرية المتقدة بالتحجر العقائدي ايضا، ودون ان نمس الاصوليات العقائدية ضمن دوائر التشريع الاصل، او الشارع الاصل، انما وبحسب المقتضيات الواقعية التي نجدها تتحكم في العقلية الشرقية منذ التكوينات البشرية الاولى، والتجمعات التي تحولت الى مُدينات ودويلات، تتحكم بالموجودات سواء عن طريق السلطوية التي ترتقي الى الالهوية او الكهنوتية التي تساهم السلطوية الاخرى في ترسيخ المبدأ القائل بالتحجر العقائدي المؤدي بالتالي الى التحجر الفكري والعقلي معاً.

والتاريخ الشرقي اوسطي لايشهد فقط على نمو الجوانب العمرانية والحضارية وحتى النظم السياسية والتي قد يستشهد بها الشرقي ليقول لي بالتناقض في المقولات التي اقوم بصياغتها الان، ولكن الامر لايتوقف عند البناء الشاهق، والعجائب التي تم تدشين الانسان الشرقي لخلقها لتخليد اسم الاله او السلطة الحاكمة، انما اتحدث عن الاساس في العمل الوجودي الانساني " البشري" على الخراب الارضي، ودون الاستشهاد بالامثلة التي يتبناها اغلب الشرقيين ويتباهون بها بكونهم كانوا رواد العلم والفلسفة والى غير ذلك من الترادفيات اللامنطقية .. انما التاريخ يشهد ايضا على الجمود العقلي والفكري للشرق، وليسأل كل شرقي نفسه الى اي درجة تغيرت العقلية الشرق اوسطية في القرن الحادي والعشرين..؟، انه السؤال الذي يجيب على تلك التحديثات اللامنطقية التي تستقي من التاريخ وتتوهج اعلامياً فقط، دون ان تعطي الامكانية على فهم واضح للصيرورة الحدثية التاريخية التي تخلق ذلك الانموذج التطوري الاستمراري " الديمومة والديناميكية" والتأمل والتعامل مع النفس ومع الاخر، فهذه المجتمعات على الرغم من انسياقها الواهم وراء ذلك التاريخ الذي حفل لفترة بنوع من التوهج والتطور العلمي والعمراني الذاتي، الا انها في الحقيقة والواقع مجتمعات " آفة " تستهلك اكثر ما تنتج، تعيش كالطفيليات على الغير، وتهدم اكثر ما تُعمر، ولم تزل تستند على مبدأ رفض الاخر انسانياً ودينياً وفكرياً وعقلانياً وعقائدياً، لانها باختصار لم تزل تحتفظ بالعقلية القديمة التي كانت تبحث عن كيانات قبلية مستقلة تريد ان تحكم باسم السلطوية الالهية او الكهنوتية التي تساهم في رفع منزلة السلطوية الحاكمة واحيانا الكهنوتية التي تسعى لفرض نفسها كسلطة واحدة لا غير .. فاصبحت تقتل وتدمر وتسخر البشرية لاغراضها كما كانت من قبل.

ووفق هذا التوهم وتلك التداعيات لم تزل المجتمعات الشرق اوسطية تعيش حالة من فقدان الذات والهوية، وكأنها لاتستطيع الاستناد على المنطق والعقل في صرف امورها وسيرها، فحتى الاديان لم تستطع ان تخلق داخل هذه المجتمعات ما يفضي الى التخلي عن تلك الوهميات والانسياقات غير المنطقية، والبدأ بمرحلة يمكن فيها للعقل ان يخرج من دائرة التحجر الفكري والعقائدي الى دوائر التطور التلازمية التي تفرضها الوقائع والحقائق والتجديد، وحين نقارن بين الممكن والواقع سنجد بلاشك عمق الهوة بينهما، فالممكن هو اخر ما يبحث عنه الشرقي كي يستحدثه، لكونه باختصار متمسك بواقعه الوهمي الخيالي الراسخ في ذهنيته المتحجرة والمتجذرة في كينونته اللاقابلة للتطور بسبب انسداد المسامات العقلانية والتفكيرية والتجديدية لديه، فاصبح مهوساً بتراثه وبتاريخه، دون ان يسعى لاعطاء سمة الديمومة والاستمرارية لتلك الموروثات ولذلك التاريخ، وهذا الجمود دفع باحد الكتاب ليشخص بعض التلازميات المتحجرة للفكر الشرق اوسطي، ضمن انموذج سلطوي ديني يعتبر اخر الاديان المتوارثة في الشرق (نحن نذكر هذه المقولة كمثال يمكن ان يساهم في توضيح ماهية التمسك بالقديم وفرضه على الحاضر المتجدد وليس من باب التنقيص للديانة الاسلامية)، حيث يقول " د.لؤي صافي " أن التيار الإسلامي يتبنى مضمون التراث التاريخي ولكنه يسعى إلى تنزيله على أساس معاصر يتناقض معه في مستوى المقاصد والتكوين “فحركات الإسلام السياسي تتبنى نظريات الأحكام السلطانية التي طورها الفقهاء التاريخيون في القرون الأولى للإسلام، ولكنها تعمل على تنزيلها على بنية سياسية حداثية، وبالتحديد الدولة المركزية التي تتولى السلطة السياسية فيها مهمة تنظيم الحياة”، فحركات الإسلام السياسي هذه “لا تدعو إلى عملية تشريعية يرتبط فيها القرار التشريعي بالإرادة الشعبية الممثلة في المجالس النيابية، بل تصر على تطبيق الشريعة الإسلامية وفرضها على المجتمع السياسي وفق مؤسساتها التاريخية”.."، وهذا بالطبع يمكن اسقاطه على باقي الديانات ايضا التي فيها الكهنوتية هي الحاكمة وهي التي يستمد منها السلطات السياسية مقاصدها باختلاف انواع تلك المقاصد، وهذا بالضبط ما يسبب التحجر الفكري ويعيق الاستمرارية والتطور، لكونه عائق غير طبيعي في المجتمعات الشرقية، فحين يتعلق الامر بالدين والتشريع تتوقف عجلة الكون في الشرق الذي يلبس رداء الدين ظاهرياً، ويبيح ما ليس للدين علاقة به باطنياً.

ومن هذا المنطلق نجد بان السمة التحجرية هي ليست مستحدثة او ضمن مايسميه البعض نظرية المؤامرة، انما هي امتداد طبيعي وموروث في البنية الاجتماعية والسلطوية والكهنوتية الشرقية، حتى اصبحت متمكنة في الفرد والاسرة والمجتمع والدولة معاً، وهذا ما يدفعنا الى القول باننا لانحتاج الى تيارات فكرية وسياسية مغايرة وجديدة ومختلفة، لنقول للعالم باننا متحضرين ولدينا ديمقراطية وتعددية حزبية وفكرية ودينية وطائفية ومذهبية وقومية، انما نحتاج بالدرجة الاساس الى عقول متغيرة متجددة، تواكب الحدث الكوني وتساهم في احداث النقلة الايجابية للواقع العياني، دون الانقياد الى المعيقات التي لاتفسد التطور فحسب بل تجعل من الفرد والسلطة والكهنوت معا آفات تدمر المجتمعات من الداخل وتساهم في انحلالها على جميع الاصعدة..العقول المتغيرة التي تتغلب على التحجر الفكري والعقائدي، بشكل يتناسب مع الرؤية الاصلية للوجود الانساني.

 

جوتيار تمر/ كوردستان

 

ali mohamadalyousifسؤال الحداثة التداولي: اينما نولّي وجوهنا، ومن أي موقع نكون، وفي أي مجال من مجالات الحياة، السياسة، الفكر، الاقتصاد، الاجتماع، التعليم، الثقافة، الادب، او الفنون، نصطدم بجدار الحقيقة الخاصة بنا كأمة عربية – اسلامية وحدنا من غير أمم وشعوب العالم الذين عبروا منذ قرون حواجز الاعاقة والتخلف في حياتهم وحسموا امرهم بشأنها وتجاوزوها الى غير رجعة ولا تشكّل اليوم عندهم اشكالية يتوقفون عندها في كيفية الخلاص منها كما هو حالنا اليوم ومنذ بدايات القرن التاسع عشر.

تلك الحقيقة الصادمة لنا التي نحمل أعباءها منذ قرن ونصف على أقل تقدير، هي أين الوطن العربي من الحداثة والعصر؟ ماذا نعتمد وماذا نترك؟ وكيف ومن أين نبدأ؟ تساؤل مهما حاولنا الهروب من مواجهته والتحايل على عدم دفعنا استحقاقاته بمزيد من التخلف والكوارث والمراوحة في الزمان والمكان، نجده يلازمنا ملازمة الظل في حياتنا بمجملها.

ماذا نحتاج للنهوض بواقعنا المتخلف عن ركب الحضارة الانسانية بمديات شاسعة؟

نفس التساؤل العقيم في عجز الاجابة المثمرة له، والذي ما فتئنا نتحايل في الهروب من مواجهته والاجابة عنه منذ ما يزيد على قرن كامل ونصف من محاولات رجال النهضة عندنا في اللف والدوران حول الاشكالية (الاصالة والمعاصرة) بما يضخمّها بمجلدات من الفكر التنظيري الذي يدور في فلك الاشكالية دونما الولوج الى جوهر المشكلة وتسمية الامور بمسمياتها الحقيقية التي نحاول باستمرار الاختباء خلفها وترحيلها اشكالية مستعصية عبر الاجيال.

الجواب المباشر الذي لم يعد بحاجة الى تهيئة ذهنية او مراجعة عقلية بعد أن أصبح مرتكز المعاناة التي نحياها، هواننا نحتاج مشروع نهضوي تحديثي متكامل ينقلنا من واقعنا العربي المثقل بالتخلف المستدام بعوامل الاعاقة، الى دخول عتبة عصر التقدم والحضارة من حولنا. جواب لم نلمس له تاثيرا واقعيا ملموسا في حياتنا رغم الكم الكبير من الكتب والتنظيرات والمنتديات الثقافية والفكرية التي حاولت معالجة الموضوع ولم تكن المهمة سهلة أبدا.

ثمة رأي يذهب الى عدم اضاعة الجهد في التنظيرالفكري الذي لم يستطع ان ينقلنا الى عتبة التمدن الحضاري، الذي ملأنا به عقول اجيالنا، بالمماحكات الفكرية والفلسفية والتفسيرات الاجترارية المعادة، التي تعيد نفسها باختلاف لغوي تعبيري فقط، راح ضحيتها العديد من المفكرين العرب الذين تمّت تصفيتهم في محاولة وأد افكارهم معهم، فلماذا لا نترك تطورات العصر من حولنا واستهلاكنا السلعي للحضارة العالمية، وانتشار وسائل الاتصالات التحديثية والتقنية العلمية المتطورة تأخذ دورها البطيء لكنه الحتمي آخر المطاف في نقلنا الى المدنية المعاصرة شاء بعضنا ام أبى معظمنا.

يوجد امثلة امامنا في تجارب مثل ماليزيا واندنوسيا وتركيا، وامارات الخليج فهذه التجارب التحديثية لم تقم تجاربها على نقد التراث، بل قامت على استهلاك الحضارة المعاصرة في تقنيتها الحديثة، ولم تفقد تلك المجتمعات هويتها ولا ذاتيتها في التراث.اذ لا زالت الكوفية او اليشماغ والعقال مع الدشداشة سارية المفعول في دول الخليج التي حققت لها طفرة حداثية في الاستهلاك الحضاري ولم تفقد هويتها الذاتية العربية التي لا ننام الليل من كثرة التحذير من فقدانها او تضييعها.

ورغم كل المجهودات الفكرية التنظيرية على مختلف مشاربها الا انها كانت تدور حول الاشكالية الحداثية، ولم تتمكن من الاسهام المطلوب في نقل المجتمعات العربية من وهدة التخلف والتردي المستمر وحصد الكوارث المتناسلة في الحياة، انه من المنطقي أن جميع الافكار التي كانت تروم احداث تغييرات حداثوية في مجتمعاتنا العربية كانت معطلّة ان تأخذ مدياتها المرجوّة لاكثر من سبب ليس سوء الحكام العرب فقط، ولا التخلف والفقر المجتمعي، وانما ان تلك الافكار كانت نخبوية في تداولها ومراميها التأثيرية والأقناعية، فالمفكر الحداثي عندنا كان ولا يزال، بحاجة الى صرف جهود مضنية لمحاولة الوصول الى أقناع مفكر آخر يناوؤه بالفكر من منطلقات رجعية الى تبديل قناعاته، ولا يسعى الى تبديل قناعة مجتمع متخلف بحاجة الى التنوير.وبعضهم يعتمد مناهج اوربية غريبة تماما في مخاطبته العقل العربي، لتبقى اشكالية التراث من حصة المفكرين القاطنين عواصم العالم لا من حصة الشعوب العربية صاحبة المصلحة الحقيقية في مشروعها التحديثي النهضوي.

المجتمعات العربية لم تعد بحاجة الى من يزقّها بالتنظيرات والشعارات الفارغة التفاؤلية النهضوية، وهو جالس في باريس او لندن او السويد، مكتفيا بمواعظه الانشائية بعيدا عن حقيقة معاناة شعبه بالاف الاميال.هذا لا ينطبق على المفكرالمغترب فقط بل على السياسيين والحكام واصحاب الشهادات العلمية والكفاءات المغتربة، (على سبيل الاستشهاد فقط ان عوائل جميع الساسة العراقيين الحاليين، لا يعيشون بالعراق، من عائلة رئيس الجمهورية، وعوائل نواب الرئيس، وعائلة رئيس الوزراء، والوزراء واعضاء مجلس النواب؟؟؟؟) فكيف تتوقع من هذه الشلّة الفاسدة التفكير بالفقير ومعاناة الانسان العراقي ليس لنقله حضاريا بل للايفاء بابسط مستلزمات حياته وعائلته؟؟؟. وهل يجدي مع امثال هؤلاء نقد التراث لتصحيح افكارهم وقناعاتهم في النهضة والتحديث او هل يعرف غالبيتهم الف باء الثقافة او تحديث المجتمعات؟

نماذج معالجات التحديث بالتنظيرات والمناهج

من المفارقة التي لا يرغب الاعتراف بها الجميع، ان الغالبية الساحقة وليس الكل من الذين كتبوا في الحداثة لشعوبهم لم يكونوا يحملون هموم شعوبهم بقدر اهتمامهم توفير راحة ورفاهية لوجودهم في اقامة دائمية خارج البلدان العربية والتمتع بالهالة التبجيلية لهم، واستثني منهم عديدين قلائل لم تغرهم لا الهدايا ولا اغراءات العيش في عواصم العالم، وحتى رفضهم للتكريم الذي كان يحاول شراء ذممهم واقلامهم.

لو عدنا الى مراجعة مسحية نقدية سريعة ومركّزة الى بدايات النهضة المطلوبة وغير المتحققة منذ القرن التاسع عشر الميلادي، لوجدنا اجابات التساؤل والبحث في نشدان نهضة تحديثية عربية اسلامية، لاتخرج عن هذه التيارات التي نستعرضها:

1. المشروع السلفي الديني والفكري الذي يعتمد التمسّك بالنص الاسلامي الفقهي والاجتهادات التشريعية الدينية في مختلف مشاربها، لتحقيق وبعث تراث الماضي الذي يحكم فيه الاموات الاحياء على حد تعبير اكثر من فيلسوف ليس آخرهم ماركس، ، أي حسب تعبير الجابري، (السلفية التراثية التي تبقينا كائنات تراثية وليس كائنات تمتلك تراثها).مشروع يجد النهضة في العودة الى ماقبل الف واربعمائة سنة كي نفهم كيف نعيش حياة العصر.وتمكين الماضي اكثر من مصادرة الحاضر والمستقبل باسم امجادنا التراثية الوهمية والخرافية الكاذبة، (الاسلام هو الحل).

ان اهم ميزات هذه السلفية التراثية كما يلخصها لنا المفكر محمد عابد الجابري:

- ان القراءة السلفية للتراث والماضي تنطلق من منظور(ديني للتاريخ يجعل التاريخ ممتدا في الحاضر منبسطا في الوجدان)1 بمعنى انتقال الوجدان الجمعي عبر الاجيال في (ان الذات تتحدد بالايمان والعقيدة، التي تجعل من العامل الروحي، هو المحرك للتاريخ، اما بقية العوامل الاخرى فهي ثانوية او تابعة)2.

- ان القراءة السلفية لمجمل تراثنا العربي – الاسلامي، هي قراءة لا تاريخية، وبالتالي فهي لا يمكن ان تنتج سوى نوع واحد من الفهم التراثي3، يقصد الجابري ان يعيد التراث نفسه تاريخيا بعصمة غير منقودة متعالية يتضّخم بالاكاذيب والخرافات المضافة له عبر العصور، وكماضي رجعي فاعل في ترسيمه الحاضر على وفق قناعات تراكمية، وهذه القراءة لا يمكنها احتواء التراث ولا التاثير به، لان هذه القناعات الجمعية التراثية التضليلية اصبحت على مر الاجيال والعصور في تراكمها المخطوء، تراث زائف يكرر نفسه وينتحل تمثيله التراث الحقيقي، بنفس الرؤى والمنطلقات الجامدة في الحفاظ على القديم التاريخي قبل اهمية الحفاظ على الانسان بالحياة المعاصرة. وقد تعمّقت هذه السكونية مع انبثاق ايديولوجيا الدين السياسي، التي اعادت الحياة الرجعية المتخلفة للتراث بكل مخزونه من الاعاقة والتقاطع مع العصر والحياة.ولا نقد او تجديد او مراجعة يفرضها العلم او الحداثة المدنية في ابسط اشتمالاتها.

2. المشروع العلماني – التغريبي الاستشراقي الليبرالي في نشدان تحقيقه نهضة عربية متقدمة ومعاصرة، ومرتكزه الاساس مناقضة المرتكز الايماني الروحي السلفي الديني تحديدا والاحتدام به، وهذا المشروع يقوم على انفصامية العلاقة الممتدة عبر العصور مع التراث الذي يتوجب نقده بعيون العصر ومحاكمته بضوئها واكثر من ذلك فهي تذهب الى قراءة التراث بعيون اوربية استشراقية، تعبر كل ما يعرف بالخصوصيات الهوياتية، وتعتمد النموذج الحضاري الاوربي مرجعية تحاكم بها الحاضر والماضي والمستقبل في تفكير وسلوك اوربي مستورد، مع احتفاظنا باللغة العربية الجامعة فقط. وهذا التيار يصفه الجابري:

(اجد المحاور الرئيسة في اشكالية الفكر العربي الحديث والمعاصر، وبالحوار مع المحور الليبرالي في التفكير ونظام العلاقات فيه هو بين الماضي والحاضر، ولكن لا حاضرنا نحن، بل حاضر الغرب الاوربي الذي يفرض نفسه كذات حضارية تستوعب العصر كله بل والانسانية جمعاء).4 ويطلق الجابري على هذا النموذج من القراءة التراثية مصطلح (السلفية الاستشراقية) أيضا في مقارنتها وتعالقها المنهجي بالتضاد مع منهج السلفية التراثية الزائفة.

السلفية الاستشراقية (تقوم من الناحية المنهجية على معارضتها الثقافات، وقراءتها التراث العربي بتراث مغاير خاص بها ومن هذا المنهج الفيلولجي الذي يجتهد برد كل شيء الى اصله، وعندما يكون المقروء هو التراث العربي الاسلامي، فأن مهمة القراءة تنحصر حينئذ في رده – التراث العربي الاسلامي – الى اصوله اليهودية والمسيحية والفارسية واليونانية والهندية). 5

3.المنهج او القراءة الماركسية للتراث التي تعتمد الجدل كمنهج في البحث والتحليل، وان التراث العربي الاسلامي، كبنية تاريخية، يعتملها الصراع بين مصالح الطبقات المتناحرة، كما يجب محاكمة التراث بمعايير العلم المنهجية في تناولها جميع قضايا التراث، وبقي المنهج الماركسي في قراءته التراث متمسّكا بكلاسيكية ثنائية المادية بالضد من المثالية، وجدل الصراع الطبقي في بروز المراحل التاريخية، وهذا المنهج هو ايضا يقود الى سلفية ماركسية في محاولتها تطويع الواقع لمقولات التنظيرالجاهزة، وابرز ممثلي هذا التيار من المفكرين هم، حسين مروة، والطيب تيزيني، ومحمود امين العالم، ومحمد عيتاني وغيرهم عديدون.

4. المنهج التوفيقي الذي يحاول اعتماد (وسطية) تخدم نقد التراث بما يحتمله كي لا يضيع، وربطه بالمشروع النهضوي القومي (ايديولوجيا)، وهذا المنهج دأبت التنظير له غالبية القوى والاحزاب التي حكمت اقطار الوطن العربي بعد ثورات التحرر الوطني من الاستعمار، والتي رفعت شعارالوحدة و الاشتراكية العربية ايضا، ويعتبر المفكر محمد عابد الجابري بطروحاته النقدية الفكرية والفلسفية للتراث هو قمّة ما توصله هذا التيار فكريا - فلسفيا على يديه، بعد نهايته كانظمة حكم في ما عرف بثورات الربيع العربي 2011، انظمة مارست الاستبداد والاخطاء المصيرية القاتلة تحت شعارات الوحدة والاشتراكية التي كانت ابتذالا فكريا عاطفيا فاسدا لا يمتلك رصيدا من الواقع العملي التطبيقي غير الشعارات الفارغة التي الحقت الكوارث بالوطن العربي.

ورغم تبني مشروع الجابري النهضوي القومي، من قبل مؤسسة دراسات الوحدة العربية في بيروت، وهي مؤسسة غير حكومية مستقلة تتبنى ايديولوجيا القومية والوحدة العربية، الا ان هذا المشروع لاقى معارضة شديدة وصلت حد الشخصنة مع الجابري من قبل طيب تيزيني، كما لاقى نقدا لسنوات طويلة من لدن المفكر جورج طرابيشي في مسلسل تأليفي استهدف مشروع الجابري النقدي النهضوي بسلسلة من مؤلفات الرد على الجابري في جميع اطروحاته الفلسفية في مشروعه النهضوي العربي.

ماجد الغرباوي في مشروعه النقدي للتراث

مشروع المفكر ماجد الغرباوي الذي يعمل عليه بمثابرة هو مشروع ناشيء يحمل الكثير من افكار التجديد غير المسبوقة، ويمكننا وضعه بين مشروعي الجابري واراكون باختلاف منهجي عنهما.في نشدانه تاسيس مشروع نهضوي يتمركز حول نقد التراث الديني الذي يعتبر مجاوزة الانتهاء من حلّه كفيلا بوضع مسار النهضة على الطريق الصحيح في انطلاقته التحديثية.

مشروع الجابري الذي مررنا التعريف عنه قبل قليل، هو مشروع نقدي يتمحور فكريا على قراءة التراث ايديولوجيا من غير ابتذال، ينشد تحقيق ماعجزت عنه ايديولوجيا الاحزاب القومية وانظمة الحكم التي كانت ترعاه، في التثقيف على ايجاد وسطية توفيقية ناقلة لا تتنكر للتراث ولا تستهين بنقده ايضا، واعتبارها التراث ذاكرة تاريخية وهوية مميزة للامة، لا يمكن مجاوزته او الاستغناء عنه، كان المشروع هو ايديولوجيا البرجوازية الصغيرة في نشدانها تحقيق وحدة الامة واشتراكيتها، الذي انتهى مع سقوط انظمة الحكم الاستبدادية التي كانت ترعاه وتحتضنه، بعد احداث الربيع العربي الذي اطاح بتلك الانظمة الفاسدة. واعقبه بروز ما سمي حينها الصحوة العربية الاسلامية بكل تطرفها وهمجيتها وسفكها الدماء (صفحات القاعدة وداعش) وغيرهما من الحركات الدينية الارهابية المتطرفة. خلاصة ومرتكز مشروع الجابري هو نقد (العقل العربي)، معرفيا وفلسفيا وحضاريا.

اما مشروع محمد اراكون فمرتكزه الاساس يقوم على نقد (العقل الديني) الاسلامي، ومن هنا فهو لا يلتقي مع مشروع الجابري في النقد الايديولوجي العروبي القومي، وينطلق اراكون في نقده من منطلقات استشراقية صرف، ويدعو اعتماد نفس الآلية التي حققت اوربا نهضتها بها، في اعتماد اول مراحلها في حركة الاصلاح الديني التي ستكون مبتدأ ونهاية كل نهضة عربية منشودة.

نعتقد ان اراكون أصاب تشخيص الانطلاقة النهضوية بكل دقة ولكنه أخطأ المنهج، اذ كانت وسائل تحققها لم تكن موفقة في اعتماد المنهج الاوربي الاستشراقي النهضوي، وحتى في محاولته الاستفادة من المناهج الحديثة في المعرفة والفلسفة كما في البنيوية والتفكيكية وبعض اطروحات ما بعد الحداثة الاوربية والفرنسية منها على وجه الدقة.

اين موقع مشروع الغرباوي من هذين المفكرين؟

الغرباوي لم يعتمد المنهجية القوموية التراثية (الجابري)، كما لم يعتمد المنهجية الاستشراقية (اراكون)، بل طرح مشروعه في نقد العقل الديني الذي هو مرتكز ومفتاح الحل في اشكالية التراث مع المعاصرة كما سبق وطرحه اراكون، لكن الغرباوي تحاشى المنهج الاستشراقي الذي اعتمده اراكون، واعتمد نقد نص التراث الديني الزائف تحديدا، بوسائل فهم ومراجعة التراث بادوات الاصالة والانتماء الحقيقي للتراث غير المشوّه والمنحرف الذي يتوجب الحفاظ عليه كمرتكز نهضوي لا غنى عنه بعد ازالة الانحرافات والاعاقات التضليلية التي طرأت عليه، فكانت ابرز معالم تلك الرؤية النقدية كالتالي:

- التراث فهم بشري يمكن تفكيكه وتحليل مقولاته، غير ان الضرورات المرجعية للمذاهب المتصارعة نأت به عن النقد والمراجعة والتشكيك، عندما وضعت حوله اسيجة رسخته في وجدان الناس رغم غرائبية ومصادرة واسطورية قدراتها المعرفية، فكرست الايدولوجيا منطق الاستعلاء والوصاية، بعد ان جردت التراث من تاريخيته وبشريته، وابقت على تعاليه وقدسيته، رغم انه ليس مصدرا للمعرفة القائمة على الدليل والبرهان دائما.6

- وبالتالي لا معنى للحديث عن نهضة حضارية، وثمة من يكتفي بالتراث مصدرا مطلقا للمعرفة، ارتكازا لهيمنته السحرية التي تتجلى في ديمومة حضوره وقدرته على توجيه وعي الناس بعيدا عن العقل.... بل لا معنى للعقل مع وجود نص ينتمي لعقل اسطوري كامل مصون، فالنص فوق العقل وفقا للوعي التراثي.7

- اقتحام اسوار العقل التراثي ومرجعياته وتفكيك خطابه، وتحليل مقولاته ضرورة للحد من توسع سلطة التراث على حساب العقل والمعرفة الحقيقية، فالتراث بما فيه الديني بكل نصوصه ورواياته وفتاواه لا تشكل مصدرا معرفيا حقيقيا لانها نصوص تاريخية وفهم بشري.8

- نحن بصدد نهضة حضارية، والدين يشكل مقوما ذاتيا لثقافتنا ويفرض علينا النص الديني الاوسع من الآية والرواية بما يشمل فتاوى الفقهاء وتفاسير القران... ومطلق التراث هو نتاج ظرفه الزماني والمكاني ومحكوم لمختلف المؤثرات الدينية والسياسية والطائفية، فكيف يمكن معالجة واقع لا يعرف عنه شيئا.9

- المسلم يخشى عقله وحريته، ويتشبث بعقول تاريخية ليتحلل من مسؤوليته، ويقبل منطق الوصايا والتبرير دون النقد والمراجعة، بهذا الشكل فقط تستقر النفوس المهزومة التي ادمنت العبودية الفكرية والعقيدية والاجتماعية والسياسية، انها محنة العقل التراثي ورثاثة العقل.10

جديد المفكر الغرباوي انه يدخل عبر نسيج المداراة التي اعتادت الدوران حول اشكالية التراث والمعاصرة في تقليب صفحات كثيرة جدا من تاريخ المتراكم التراثي كما فعل العديدون في تسويد عشرات المؤلفات التي عالجت نفس المواضيع التاريخية بنفس التحليلات تقريبا، اي ان غالبية المفكرين الذين نقدوا التراث في العديد من المؤلفات التي لم تخرج عن دائرة النخبوية الفكرية في التناول البعيد جدا عن ضرورات تحديث حياة الناس مثلا في التعليم العلمي الحديث او في مجال الاقتصاد والاجتماع وغيرها، اذ لا زالت الجامعات تسودها السلفية الفكرية اساتذة وطلبة، ولا زالت دروس الدين في التعليم الابتدائي تفرض وتجري مباراة (التجويد) وتمنع دروس الموسيقى والرياضة، بموازاة اصدارات الكتب والمؤلفات في نقد ومراجعة التراث لما يزيد عن اكثر من قرن ونصف.

وعندما كان معظم المفكرين يتحاشون تسمية الاشياء بمسمياتها الحقيقية، ويدعون للكشف عن المسكوت عنه، او المحظور التفكير فيه، وغير المسموح مقاربته النقدية، نجد الغرباوي يضع عيّنات من تلك النماذج المحظورة على طاولة النقاش والمراجعة النقدية، بعيدا عن استقطابات الايدولوجيا والمذهبية الطائفية، وتيارات ومدارس الاستشراق الحديثة.

الحداثة والذات العربية

نستنتج مما مر بنا استعراضه، ان تحقيق مشروع الحداثة مرتهن بمركزية الذات العربية الانسانية ووجوب تعاليها النقدي على النص التراثي الديني والفكري، بمعنى تاكيد اولوية الحرية الفردية السابقة على فكرة التناول النقدي للتراث، وتاكيد اولوية واهمية الانسان العربي كغاية ووسيلة التحديث المنشود.

ان الذات العربية نجدها اليوم حالها حال ما قبل الف واربعمائة سنة خلت، عاطلة عن ممارسة الحس النقدي، مسلوبة الحرية في التفكير الحر المستقل، فاضاعت تعاليها المطلوب على الموروث الذي هو في غالبيته من صنع بشر سبقوا زمنيا، ولا دور للخالق فيه من حيث هو نصوص تشرح وتفسّر وتعتاش وفق مصالحها على الدين، وهذا كفيل في تغييب الشخصية العربية الناقدة لموروثها، وبمرور الوقت تجد هذه الذات نفسها، يخلقها الموروث الخاطيء ويعيد صياغة وتعليب افكارها كلما تقدم الزمن بها، فتصبح كائن تراثي حسب تعبير الجابري وليس ذاتا تمتلك تراثا لها حق التصرف به.

النص الديني الموروث متعال على الذات بقدسية زائفة يخلقها لنفسه ويخلعها عليه، وهو تعالي زائف لا يمت بصلة باصالة وفهم قيم الدين الحق.وتعود الاشكالية تتوالد من حيث انتهت وباستمرار في تغييب دور النقد والمراجعة بما يبطل في حال تحقق ممارسته سلسلة التساؤلات التي تفرضها ويتطلبها تقدم الحياة. ويكون غياب النقد الذاتي والقراءة المنفتحة وعطالته متشكّلا من القناعات في المتراكم المخطوء الجمعي الذي يجري في تشكيل الحياة سريان القانون المقدس، المترسّخ في العواطف والوجدانات والخرافات وحشو الاكاذيب.

ومن نتائج هذه الحالة اصبح عندنا نقد الذات للتراث تابو ومحرّم ليس بسلطة الحكم وايديولوجيته السياسية المتنفذة وحسب، ولا بسلطة التخلف والتضليل والتجهيل المبرمج، وانما من التلفيق المتراكم الذي جعل من الاكاذيب والخرافات باسم الدفاع عن التراث وحفظه، يقينيات مجتمعية لا يمكن تجاوزها وعبورها بسهولة، وارضية ترسيخ دائمي لكل ما يستحدث من الاضافات اليقينية الكاذبة على مر الايام.في تعطيل دور العقل في النقد الذاتي للتراث الزائف في المتراكم المتداول عبر العصور، والذي تشكلت الذات بموجبه، كملهم للتفكير المقيّد، في التوجهات والعواطف والاخلاق والسلوك المنحرف.

يمكننا القول ان المنقود الواجب اصبح اليوم ليس التراث بمقوماته الاساسية الاصيلة، وما يحمله من قيم معنوية تاريخية هوياتية تشكل مرجعية ثقافية حضارية لا غنى لنا عنها، بل انتقل النقد الى تفنيد وازاحة المتراكم الخرافي والتلفيقي الذي اصاب التراث باسم الحفاظ على التراث، اليقينيات التي اكتسبت صفة المقدس الطاريء في اللاعقلانية واللاتاريخية التي غيّبت كل القيم الاصيلة في التراث.

قناعات النص الديني المزيّف تستمد مشروعية سريانها الاجتماعي المضلل المتخلف بتعاليها باسم المقدس الديني في تحريم النقد في كل صوره واشكاله، فكيف يتسنى لنا دخول العصر والحداثة من غير تغيير واسقاط احد طرفي المعادلة الاشكالية التي تتقاذف مجتمعاتنا العربية عبر العصور، اشكالية غياب المنهج النقدي باسم تابو التحريم والتكفير من جهة، وحضور القناعات الخاطئة القاتلة اجتماعيا، القائمة على تسليم ايماني وجداني في غياب حياة الارض من اجل جنة السماء من جهة اخرى، وتبقى الاشكالية قائمة تتغذى الخرافة والتجهيل الايدولوجي المبرمج الذي لا يرى ولا يفهم الحياة بغير عيون الماضي وسلوكيات الانقياد له بكل رجعيته.

 

علي محمد اليوسف - الموصل

....................

الهوامش

1.محمد عابد الجابري، نحن والتراث ص9

2. نفس المصدر ص10 -13

3.نفس المصدر السابق ص11

4.نفس المصدر ص14

5. نفس المصدر السابق ص 15

6.ماجد الغرباوي، النص وميثولوجيا التراث، الحلقة 65 حوار مفتوح

http://www.almothaqaf.com/c/c1d-2/925927

7.المصدر نفسه السابق

8. المصدر نفسه

9. المصدر نفسه

10. المصدر نفسه

 

 

 

raed jabarkhadom2ليس من المعقول أن تمر علينا ذكرى وفاة المفكر العربي جورج طرابيشي، في السادس عشر من آذار، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر أو وقفة أو تسليط الضوءعلى شيء من فكره ومنهجه وأسلوبه في التفكير، وما قدمه للثقافة العربية من منجزات، فهو المثقف والمترجم والكاتب والمفكر والانسان، الذي أنهكته الثقافة العربية، وما طرح من منجز فكري وثقافي وأدبي عربي وعالمي، ولم يكن طرابيشي هادئاً في بحثه وكتاباته وقراءته، رغم هدوءه كانسان، بل كان دائم القراءة والبحث والتنقيب والتحليل والغوص في أعماق الفكر والثقافة والوجدان، وقد تعلم من عالم النفس فرويد ذلك الغوص وتلك السباحة والسياحة في أعماق الانسان، وملاحقة تاريخه وكل حركاته وسكناته، ليكتشف كل خبايا وماورئيات الانسان، ومدى سيطرة الجانب اللاشعوري على الشعور وصنع شخصية الانسان، وهذا المنهج النفساني الفرويدي المميز قد استفاد منه طرابيشي كثيراً في صياغة منهجه الفكري، وأعتمده منهجاً وآلية في قراءة وتحليل الشخصية الفكرية والثقافية والأدبية للمثقف العربي وما قدمه من انجاز في هذه المجالات، وان كان فرويد قد قدم دراسات نفسية تحليلية وفق منهجه النفسي عن شخصيات أدبية وفكرية وعلمية ودينية، كما أجراها على دافنشي ودستويفسكي وموسى وغيرهم، فأن طرابيشي كان الممثل العربي الأبرز لمدرسة التحليل النفسي، الى جانب ما تبناه من أفكار فلسفية من الماركسية والوجودية وغيرها، فقد طبق طرابيشي ذلك المنهج الفرويدي النفسي أو لنقل التحليل النفسي ـ الفلسفي، على المثقف العربي ومنجزه الفكري والأدبي، فقد مارس ذلك على مستوى الأدب مع نجيب محفوظ الله في (رحلة نجيب محفوظ الرمزية) ونوال السعداوي في (أنثى ضد الأنوثة) وأدباء آخرين في (شرق وغرب، رجولة وأنوثة) و (عقدة أوديب في الرواية العربية) و( الرجولة وأيدولوجيا الرجولة في الرواية العربية)، وعلى مستوى الفكر والثقافة مع حسن حنفي في (المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي) وعلى مجموعة من المفكرين والمثقفين العرب من رواد النهضة العربية ودعاة التجديد أمثال قاسم أمين وطه حسين وزكي نجيب محمود وسمير أمين وزكي الأرسوزي ومحمد عمارة ومحمد أركون وياسين الحافظ وغيرهم في (مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة) و(من النهضة إلى الردّة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة)، ولا ننسى مشروعه النقدي الأهم والكبير الذي تكلل بنقد المفكر محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي، بكتابات جادة وجريئة فككت وحللت مشروع الجابري النقدي، في مؤلفات طرابيشي (نقد نقد العقل العربي : نظرية العقل العربي ج1) و (نقد نقد العقل العربي : إشكاليات العقل العربي ج2)، و (نقد نقد العقل العربي : وحدة العقل العربي ج3) و (نقد نقد العقل العربي : العقل المستقيل في الإسلام ج4)، حيث قدم طرابيشي رداً مشرقياً على جابري المغرب العربي الذي أدعى برهانية العقل المغربي وبيانة وعرفانية وغنوصية العقل المشرقي، وقد عكف طرابيشي على قراءة وتحليل ونقد الجابري لعقدين من الزمن، وأضطر الأول لقراءة المنظومة الفكرية التي قرأها الثاني، ليسيطر على مسألة الرد والنقد والتمتع بموضوعية بنسبة ما.

لقد كان للجابري الفضل عل طرابيشي، كما يقر الثاني ويعترف بذلك، فشهرة طرابيشي كانت قد تحققت وعلت بسبب ذلك المشروع النقدي الذي قدمه كردٍ على الجابري، فأن كان أبن رشد المغربي قد رد على الغزالي المشرقي في (تهافت التهافت)، فأن طرابيشي المشرقي هنا قد رد ونقد الجابري المغربي في مشروعه (نقد النقد) ليقدم قراءة نقدية مشرقية منصفة تليق بالمشرق العربي دون المساس أو الاساءة لمغربه.

اذا شأنا أن نقسم المراحل الفكرية التي مر بها طرابيشي فأننا نحصرها في ثلاث مراحل وهي :

1ـ مرحلة الترجمة التي مر بها طرابيشي والتي تمثل المرحلة المبكرة من حياته الثقافية والتي أهتم بها بترجمة المؤلفات النفسية والفلسفية.

2ـ مرحلة الكتابة الأدبية التي تميزت بالكتابة والنقد في المجال الأدبي وتطبيق المنهج النفسي لمدرسة التحليل النفسي في قراءة ونقد الكتابات الأدبية في الثقافة العربية.

3ـ مرحلة الفلسفة والنقد، التي كانت المرحلة المتأخرة من حياة طرابيشي، التي تضمنت نقده لمشروع الجابري الفكري، ونقد الكثير من المفكرين والقضايا الثقافية والسياسية والاجتماعية والتراثية في الفكر العربي والاسلامي في مؤلفات كثيرة قدمها طرابيشي.

ووفقاً لهذه المراحل الثلاث التي مر بها فكر طرابيشي يمكن وضع ثلاثة أزمنة وأمكنة عاشها طرابيشي، والتي شكلت أثراً مهماً في صياغة وبناء منظومته الفكرية وهي :

1ـ سوريا، الولادة والنشأة والتكوين.

2ـ لبنان، العمل السياسي والصحفي والثقافي.

3ـ فرنسا، المهجر الذي أستطاع أن ينظر من خلاله الى محنة الفكر العربي ليقدم مشروعه النقدي.

المراحل الفكرية لطرابيشي وتغير الأمكنة والظروف السيئة والصعبة التي مر بها المجتمع العربي قد تركت أثرها عليه، ولكنه كان يتلقاها بصدر رحب، ولم تزده الا قوةً وعطاءً وصبراً وابداعاً، فقد أغنى المكتبة العربية بعطائه ومنجزه الفكري، من ترجمة وتأليف وتحقيق ومشاريع ثقافية وفكرية وأدبية كبيرة لا يستطيع الباحث العربي الاستغناء عنها. فطرابيشي قد نحت أسمه نحتاً على صخرة العلم والمعرفة والثقافة العربية المعاصرة، وقد أعطى للعلم جميع حياته، وكان في قمة التفاني والوفاء والاخلاص للثقافة العربية.

يسجل طرابيشي أسفه على واقع الثقافة العربية والمثقف العربي، وعلى ما مرت به من أخفاقات وأنتكاسات كبرى طوال تاريخها القديم والمعاصر، فالثقافة العربية ثقافة انفعالية عاطفية، لا تفكر بصورة منطقية وعقلية صحيحة، وهي منحازة تماماً لما تنتمي له من عقيدة وأيديولوجيا وفكر، والتعصب هو السمة الأبرز للمثقف العربي الذي يمارس ذلك في كتاباته بصورة شعورية ولا شعورية، وهو يحاول دائماً الأنتصار لما يعتقد وما يؤمن به، بحجج منطقية لا تحيد عما يريد من غايات وأهداف وطموح ضيق. يقول طرابيشي: (انني أنتمي الى جيل الرهانات الخاسرة. فجيلنا قد راهن على القومية وعلى الثورة وعلى الاشتراكية ـ وهو يراهن اليوم على الديموقراطية ـ لا لقيم ذاتية في هذه المفاهيم، بل كمطايا الى النهوض العربي والى تجاوز الفوات الحضاري، الجارح للنرجسية في عصر تقدم الأمم.) جورج طرابيشي. من النهضة الى الردة : تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة. ص 7.

ولم يسلم المفكر والمثقف والأديب والفنان العربي من تلك الأزمة وضيق الأفق في السلوك الثقافي والمعرفي، فقد ركب كل من هؤلاء مطاياهم الخاصة بهم محاولين النجاة والوصول الى بر الأمان، ولكن لا بر ولا آمان، بل هي لحظات مخدرة ونقلات بسيطة عشناها محاولين الشعور بالنشوة لفترة من الزمن، ولكن دون جدوى كل تلك الحركات واللحظات، لأننا نسير في متاهة ودوامة ليس لها من مخرج، وأننا نضع الأطر والقيود حول أنفسنا كعنكبوت ينسج بيته على نفسه.

لقد حاول طرابيشي بيان حقيقة المثقف والثقافة العربية وحالتها الصحية السيئة التي نمر بها والتي يعيشها الواقع العربي، ولكن الواقع العربي هو الذي أفرز هذه الأحداث والظروف والأزمات، من سياسة ومجتمع ودولة ومؤسسات، الأخفاق السياسي والاجتماعي والحياتي هو الذي أنتج التردي الثقافي والفكري والمعرفي، وبالتالي ندور في حلقة واحدة، وترابط العلة والمعلول في الوصول الى هذا الحال السيء.

طرح طرابيشي مشروعه الفكري وفيه الكثير من الطروحات والموضوعات، وقد ناقش مسألة هي من امهات الموضوعات، وهي مسألة التراث والتحديث، فالمفكر والمثقف العربي قد أشغل نفسه كثيراً في هذا الموضوع، فكبار المفكرين العربي قد دخل في هذا المجال ولم يخرج منه، فهو نفق مظلم عميق ليس فيه من نور، وكأن واقع الفكر والثقافة العربية المعاصرة لم تأت الا لمناقشة هذا الموضوع، الذي هو استمرار لما طرحه المفكر العربي الحديث زمن النهضة العربية، مع رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الافغاني وشبلي شميل وفرح أنطون وغيرهم. فقد كان الموقف من التراث والتجديد (الأصالة والمعاصرة) هو الشغل الشاغل لجميع المفكرين طوال القرنين (التاسع عشر الميلادي والقرن العشرين)، وقد كانت أجابات المفكرين والمثقفين لا تخرج عن احدى الاجابات أو المواقف الثلاثة :

1ـ موقف مع التراث.

2ـ موقف مع التجديد والحداثة.

3ـ موقف مع التراث والحداثة.

وقد وصف الموقف الأول بالموقف السلفي (الماضوي)، والموقف الثاني بالموقف العلماني (التغريبي)، والموقف الثالث بالموقف التوفيقي.

والى اليوم وفي الألفية الثالثة من الزمان ونحن ندور في هذا الحديث وهذه الدوامة وهذا الموضوع القديم الحديث، الموقف من التراث. الذي شغل صفحات وكتابات وأقلام الباحثين والمفكرين العرب، وكأنه مطلوب مة كل مفكر أن يدلي بدلوه من هذا الموضوع، ولذلك فقد ذبنا في التاريخ وعشقنا أحداثه، ونتحرك وفقه، سواء أشعرنا بذلك أم لم نشعر، فلم يتحرر أحد منا من قبلياته وقبيلته الفكرية والأيديولوجية مهما نال من معرفة وثقافة وخبرة، وهذا ما جعلنا نفكر بطريقة ضيقة جداً ونستحضر التاريخ بسلبياته في كل خطوات تفكيرنا ومشاريعنا الثقافية.

نحن لا نستطيع التقدم خطوة الى الأمام ما لم نُحسن طريقة تفكيرنا، ونهذب عاداتنا وتقاليدنا، ونتحرر من سلطة السياسة والدين والأيديولوجيا، وأن نفكر بطريقة حرة، وأن نؤمن بالآخر كايماننا بذواتنا، وأن نشكل كينونة انسانية واحدة تنظر الى الجميع بعين واحدة، تحترم حقوقه وكرامته، وأن نتحرر من سلطة التراث والتاريخ المزيف والماضي الذي صرنا أسرى بيديه وبالتالي عبيد لا نستطيع التخلي عنه، بل ان الأمر أصبح أدهى من ذلك هو اننا ندين بدين الانسان وما طرحه من أفكار متطرفة دون اللجوء الى رحمة السماء وسماحة الاديان التي رددها الانبياء للخلاص من الظلم والتطرف والكراهية، وما اسلام الحديث الا تحقيق فعلي واقعي في المجتمع الاسلامي والابتعاد عن الاسلام القرآني الذي جاء به النبي محمد (ص)، وهذا ما ناقشه طرابيشي في آخر مؤلفاته (اسلام القرآن واسلام الحديث)، فضلاً عن كتاباته الاخرى التي دعا من خلالها لتخليص العقل العربي والمسلم من نومته ومن سباته الطويل ليستفيق ويطلق العنان للعقل المستقل تاركاً العقل المستقيل وراء ظهره، والتفكير بعلمية ومنطقية، دون اللجوء الى منطق الكرامات والمعجزة، الذي خضع له الفرد والمجتمع العربي طوال قرون ولا يزال. وهذه أمنية طمح لها طرابيشي لأجل أن تكون للثقافة العربية نصيب من العقل بين الشعوب والمجتمعات، لتقديم علاج ناجع لما تعانيه من أزمات وأنتكاسات وأنكسارات في واقعها المزمن. فما أشبه طرابيشي بالفيلسوف الالماني نيتشه، الذي حمل معوله لهدم الأصنام ومحاربة الجمود والتقليد، ولكن شتان بين الواقع الأوربي والواقع العربي، ولكنني على يقين بأنه مهما طالت هذه الظروف ولكن القادم من الأيام سيرينا النور لنحطم جهلنا وذواتنا المظلمة لنحمل الشمس من جديد.  

 

د. رائد جبار كاظم. العراق ـ الجامعة المستنصرية.            

 

 

المدخل: يريدها تنويرًا وإصلاحًا للعقول أولاً .. والواقع يشترط إزاحة المستبد لكي يبدء التنوير .. والتنوير يستمر إلى نهاية التاريخ الذي لن ينتهي.!!

ما الفرق بين التنوير في الواقع، والثورة على الواقع؟ وإلى أي مدى يمكن أو بالأحرى بوسع البشر أن يستعملوا عقولهم من أجل رفض الوصاية على العقول؟

فالكثير من العقول غير معنية بالإستخدام في مجرى سياقات العادة والتكرار، والكثير من العقول تستخدم في أنماط التفكيرعالي التركيز في بعض المفاصل الثانوية، والقليل القليل من العقول تجرؤ على الأستخدام الأساسي والأمثل والمفصلي، الذي يعالج وجود الكائن ومستقبله .. ولكن، كم هي نسبة الأستخدام المُستَحضِر للعقول لفك المعضلات والمشكلات التي تواجه الكائن في المجتمع؟

قد يستخدم الكائن نسبة عالية من قدرات العقل في مسألة ثانوية فيستهلك طاقته العقلية دون أن يقدم حلولاً لها، ربما .. ولأن هناك عقول، وهناك عواطف وغضب .. فهل ينتظر العقل لكي يستنير حتى تولد الثورة، التغيير؟.. ولكن (Immanuel Kant)، يقول: (تجرؤوا على إستخدام عقولكم) .!!

فالتنوير فعل ذاتي باطني وأخلاقي، وهو إنطولوجيا أساسية تتطلع إلى الحرية، حيث يتم الرهان على العقل .. ولكن إلى متى ينتظر الرهان هذا على العقل؟ وهل ينتظر ذلك تلقائيًا ذاتيًا قد يستغرق التنوير قرون وليس عقود، والأستبداد يسود ويتشعب؟ والثورة تحتاج إلى إنفعالات وعقول في آن واحد لإزاحة المستبد الذي يمنع التنوير.

ومن هنا فهل يمكن للثورة أن تخلق التنوير؟ وإذا كانت الثورة في نظر " كانط " غير شرعية، (لأن وجود الحاكم على رأس السلطة شرعيًا)، فهل يمكن ان تتحول الثورة الى تنوير بإتاحة الحرية للأنسان لكي يجرؤ على إستخدام عقله وكذا المجتمع؟

الرأس يجب ان يكون الأسمى للعدالة والقانون ويضمن الحق في ملكية ثروات الشعب ويمتنع عن الأستيلاء عليها .. وهنا يُسَلِم المواطن ضمنًا بأن الحاكم لا يقترف بحقه وبحق الوطن أي نوع من انواع الظلم .. وإذا ما وقع، فمن حقه ان يبدي إدانته ويحكم عليه بالعزل والإقصاء لأنه قد خالف العقد الأجتماعي .. ولكن ماذا لو كان الحاكم مستبدًا ومتسلطًا ومحتكرًا ومختزلاً لأرادة الشعب.؟!، هنا يسقط التسليم الضمني بعدالة ونزاهة وإستقامة الحاكم، فينشأ عندئذٍ خيار الأقصاء أو الإقصاء القسري للحاكم .

فـ "إمانويل كانط " كان يشترط النبل في الحاكم والنزاهة والحق والعدالة.. هذه السمات تكسب الحاكم الشرعية ومن دونها فهو فاقد لها . وضمنيًا يؤيد "كانط " الثورة وليس ضدها، فهو ضد عنف الثورة . والثورة هل هي على (العقول) أم ثورة على (البطون)؟، فالخطر هو الوصاية على العقول كما يقول "كانط " وليس الوصاية على البطون والأستبداد بنهب الثروات . فالثورة قد تجلب معها أحكامًا مستبدة وأوهامًا قديمة كمكبوت آيديولوجي مختلف، كما يقول هذا الفيلسوف. والأصلاح هنا الذي يريده " كانط " تغييرًا جذريًا لأنماط التفكير العقلي وليس مجرد تغيير وترميم لنظام الدولة . فالاصلاح يلتقي مع التنوير. ومن هذا المفهوم يمكن للثورة أن تستخدم التنوير في إصلاح العقول طالما ان المستبد لا يريد عقولا صالحة ولا يريد اصلاحها ابدا .. هنا إسقاطه ضروريًا لإصلاح العقول والخلاص من المستبد من أجل التنوير .

ما هو التنوير؟، هو التحول من حالة عدم استخدام العقل إلى التجرؤ بإستخدامه كخطوة أولى مدخلية صارمة .. وعدم الأستخدام هو في حقيقته (وصاية) ناتجة عن احتمالين: الاستبداد بعدم إستخدام العقل والتجهيل بدفع العقل الى خارج منطق العقل .. فيما تمثل الوصاية على العقل ونتيجتها القبول بالعيش تحت الوصاية، وهنا يتم تعطيل العقل أو تجميده، وكليهما يقعان خارج نطاق المنطق العقلي.

فالفرد من السهل أن يدخل التنوير بمفرده ويتشبع بالمعرفة، ولكن الشعب من الصعب أن يدخل التنوير بكليته إلا عن طريق الثورة المستنيرة .. والتحرر يشترط جمهور الناس وهو ممكن شريطة وجود الحرية، والحرية لا يمنحها المستبد، والجاهل لا يعرف إستخدام الحرية إلا من خلال ضوابط الحرية التي يحددها العقد الأجتماعي للثورة .. والتنوير من الصعب ان يكون سريعا وعنيفا ودفعة واحدة .. والتجرؤ على استخدام الانسان لعقله يشترط ان يكون حرًا وبعيد عن الوصاية والرقابة الدينية والدنيوية .. والوصاية هنا تعطيل عمل العقل سواء كان بسبب الحاكم أو رجل الدين أو أي شخص آخر .. والتعطيل هنا، منع أو حرمان العقل من أن يتشبع بالمعرفة، عدا إتجاهًا واحدًا قد يكون دينيًا أو إثنيًا .

وحماسة الثورة في رأي " كانط " تهب النفس دافعًا حيويًا من أجل تجاوز حدود التخيل البشري، في حين أن التعصب يتوهم المرء فيه أنه يرى شيئًا ما، في ما وراء المخيلة .. لكنه في الحقيقة لا يرى سوى أوهامه . ويرى "كانط" أيضًا أن الحماسة إنفعال سياسي أما التعصب فهو إنفعال ديني .. وهما في هذا العصر ديماغوجية سياسية صماء وأدلجة دينية مخادعة.

إن نجاح أي ثورة هو خروج جماعي من حالة الوصاية إلى حالة الطريق المؤدي إلى الحرية، حرية التنوير، فهو بهذا، يظهر شعبًا ما، قد تجرَأ على إستخدام عقله برفض الوصاية عليه .

فالتنوير لا يمكن أن يكون (بُرْكة راكدة) تتزود منها العقول لكي تستنير، فيما هي محكومة من لدن المستبد بالوصاية التعصبية الدينية والارهابية والأصولية . فالغرض العقلي - حسب كانط - سواء كان إعتباريًا أم عمليًا، يتوحد في ثلاثة تساؤلات من شأنها تحريك العقل : ماذا يمكنني أن أعرف؟ وماذا يجب أن أعمل؟ وأخيرًا، ماذا يُمَكِنني أن أعمل ؟ .. وهنا يدخل " كانط " في مجال المعرفة وكذا الإمكان العملي بوصف هذا الإمكان إرادة حرة، فيما الإمكان الفيزيائي يرتبط بالغرائز.!!

وهنا، تأتي القدرة والرغبة في الإرتقاء من حالة الغريزة إلى حالة الإعتبار وتخليص الانسان من نوازع الرضوخ للغريزة، التي تتساوى هنا مع الجانب الأعتباري حين تخضع الأرادة لحالة (الوصاية) بتجريد الأنسان من حريته في استخدام عقله، فيما يؤكد المنطق العقلي بأن الأنسان حر ولا وصاية عليه، هي ذاتها الأستجابة المطلقة للغريزة، التي تخضع لآليات التكرار والأداء النمطي دون استخدام العقل .. فالوصاية القسرية للتطرف الديني ليست من مُسَلَمات العقل العلمي .

لماذا لا يتجرأ المرء على إستعمال عقله؟ أهو الخوف .. ولكن ممن ؟ أهو الجهل .. ولكن لماذا ؟ أهو التغييب بالغيبيات .. ولكن أين موقع العقل الذي يميز بين الخطأ والصواب، بين الخير والشر، بين الفضيلة والرذيلة، بين الإلحاد والأيمان، بين الشرك واليقين ؟، تساؤلات يجيب على مدخلها (كانط) .. (عندما يحل كتاب مقام العقل، وعندما يحتل مرشد روحي مقام الوعي، وعندما يقرر طبيب النظام الغذائي الخاص) .. ولكن التنوير سيرورة ينخرط فيها البشر بشكل جماعي.. وهو أيضًا فعل جماعي يجب إنجازه على نحو شخصي .. بمعنى، إن الثقافة الموضوعية هي خزان لكل الثقافات الذاتية وما تكونت أو تشكلت إلا منها ومن تراكماتها.. إذ تشكل الثقافة الموضوعية والثقافة الذاتية متلازمة صارمة لا فكاك منها .

والتنوير هل يختص به الفرد بصورة خاصة، أم أنه إستخدام عام يخص الشعب، الذي هو الأطار الذي ينتج الحداثة؟ وبالتالي هو التنوير الذي يقع بين الفرد والمجموع، يعد بحد ذاته مشكلة سياسية يجب أن تحل عن طريق المعطى العام وهو التطور.. وإذا ما تطور المجموع، تطور الفرد بالمحصلة .. وهل الفرد التنويري متفرج يكتفي بتأمل الفعل السياسي .. هذا الفعل، حتى لو كان كارثيًا ؟!

 

د.جودت صالح العاني

 

 

يعاني المثقف في ظل الدكتاتورية تجاذبا بين ولائين، ولاؤه للوطن وولاؤه للسلطة، واذ ان المثقف العضوي حسب غرامشي صاحب مشروع يعكس ارتباطه بابناء امته ويعمل على التغيير لصالحهم مما يوجب ان يكون ولاؤه لمواطنيه، فان الخيار يصير قاسيا حينما يكون الدكتاتور شموليا، يختزل الوطن والمواطنين بشخصه . واذ يطول الامد، فان المثقف يُصاب بمركب الولاء للسلطة، وهو ما يجعل الوطن فاقدا لنخبته المستنيرة في حالة زوال الدكتاتور، فالمثقف، آنئذ، يبدو كمن فقد الارضية التي يتكيء عليها، وفي حال تشظي سلطة الدكتاتور الى عدد كبير من السلطات الفردية (افرادا، احزابا، كيانات، مجاميع مختلفة سواء قبائل او عشائر) فان المثقف السلطوي سيجد نفسه مدفوعا للبحث عن هذه الشظايا يمنحها الولاء، ولعل هذا في اساس ذلك التشظي بالولاءات بعدد السلطات المتشظية التي لا يرى المثقف مندوحة من الارتماء في احضانها، بل ولعله يرتمي باحضان سلطة كان يوما من اشد مناوئيها تبعا لمناوئة الدكتاتور لها.

ان عالمنا العربي الذي ابتلي بالدكتاتوريات الشمولية المعمرة يبدو سييء حظ من ناحية مستقبله، فاذا كان ثمة امل، في اطار الدكتاتوريات التي يمكن تسميتها معتدلة تجاوزا، وهي تلك التي تسمح بهامش للوطن يتحرك فيه المثقف مما يمكن ان يجعل العودة للوطن والانتماء له اقل صعوبة، فان تلك التي تماهي بين الدكتاتور والوطن ترتكب جريمة في حقه لما بعد رحيلها .

ولعل اشد ما عاناه ويعانيه بلدان عالمنا العربي تلك الهيمنة الاعلامية التي لا تجد الا الدكتاتور وانجازاته موضوعا للترنم والترديد مما يخلق من الشعب اوركسترا تختزل العالم به ، فالعقل الجمعي لا يجد في وسيلة الاعلام الا تمجيدا لسلطة وبعدا عن هموم الشعب، يسانده رعب يرسخ في ذاته تغييرا في الاولويات لاترى في معاناته الا تضحية يجب تقديمها فداءا للدكتاتور، وهكذا تتعاضد النخبة بمختلف اطيافها، اديبا، شاعرا، روائيا، ناقدا، كاتبا، مع الاعلام في الدفع بالوطن الى الهامش، ولا يجد هذا الهامش نفسه بعد ان تلبسه الدكتاتور وزمرته الا محلا للازدراء والنقمة من سواد الشعب التي انطلت عليه (لجهله وعدم وعيه) تلك المماهاة.

والذي لاشك فيه ان الدكتاتورية قادرة على ان تصنع مثقفيها من خلال الدفع الى الواجهة بثلة من المصفقين والمطبلين، يقابله تهميش ومحاصرة بل وملاحقة من لم يكن على تلك الشاكلة مما يعزز في العقل الجمعي صورة الثقافة بصفتها امتهان الولاء السلطوي وهو ما يساهم بتغييب الوطن، مما يجعل الاعلام والمثقف يحملون المسؤولية كاملة عن اي شروخ تصيب الوطن بعد الدكتاتورية، وعليه فان هناك حاجة ماسة لاعادة تاهيل هذا المثقف للمساعدة على تغيير مركب الولاء في نفسه، والا فلن يحصل الوطن منه الا الدفع باتجاه ما يسميه الزمن الجميل، وهو ليس جميلا الا لذاته المشربة بولائها السلطوي والتي شعرت بالاهتزاز بعد زوال موضوع الولاء، وبقي الحنين اليه.

ان دور المثقف السلطوي يبدو كارثيا بما زرع حين تتناسل صورة الولاء في الاجيال التي حرف انتمائها مما يخلق قطعانا من المصفقين والمطبلين لاشخاص بديلا عن الوطن، بل ربما يُصار الى التضحية بالوطن لصالح اولئك الاشخاص .

ان مثل هذه الظاهرة تبدو جلية في بلداننا العربية التي زال منها دكتاتورييها فباتت الجماهير تبحث عن دكتاتور تختزل الوطن فيه .

 

د. محمد حسين النجم

 

mohamad aldamiيدور الحديث عن “التلاقح الثقافي” مع العالم الغربي الآن دورانا عجيبا ليعود إلى ذات نقطة الاستعصاء في أغلب الأحيان.

لذا ينبغي للمتابع أن يحدد ما يهم ثقافتنا العربية الإسلامية من نقاط الاعتراض أو النقد الموجهة إليها من قبل الأقلام الغربية عامة، أي تلك التي لا تهتم بفكرنا مجردا لذاته، وإنما تركز من خلاله على محاولة تشخيص واستمكان آثار الثقافة الغربية (المتفوقة، كما يرون) علينا في خضم أجواء الحوارات/ الصراعات الثقافية التي تبادر لها الثقافات الأخرى، الشرقية على نحو خاص. أما إذا ارتأينا تحديد أهم الانتقادات الموجهة إلى ثقافتنا، ومن ثم إلى حضارتنا القائمة اليوم، فإننا يجب أن نلاحظ “تهمة” الانغماس في البعد التاريخي المهيمن على فكرنا المعاصر، حسبما يرى الغربيون. وهم على حق بذلك.

يبرر الغربيون إثارة هذه النقطة السلبية ضد ثقافتنا العربية الإسلامية اليوم، بيد أن هذا لا يعني قط بأن علينا أن نغادر الماضي، الآن وإلى الأبد، نحو المجهول الذي لا نمتلك زمام المبادرة الحضارية لإدارته. كما أن على المرء أن يلاحظ أن جوهر تهمة “الماضوية” الموجهة ضدنا إنما يتبلور في اتخاذ الماضي في ثقافتنا اليوم أساسا وحيدا وواحدا للتيقن، بمعنى حبس العقل العربي الإسلامي المعاصر في صومعة “تاريخية” لا يمكن إلا أن تحجمه وتمنع انطلاقه نحو آفاق التقدم والتغير والتغيير الواسعة. وعلى الرغم من أن بعض الكتاب العرب انبروا رادين على تهمة “الإقامة الجبرية” في بطون التاريخ على أساس نظرية تقديس الأسلاف والمبالغة في تعظيم التراث، فإنهم (كما يبدو) لم يتمكنوا من إقناع النقاد الغربيين بفكرة مفادها أن الماضي بالنسبة لنا، هو “المولد الأول” باتجاه التقدم. هذا جدل لا يقنع العقل الغربي لأنه يرى في التشبث بالحقب السالفة نوعا من أنواع العوق والتردي.

كما يمكن أن يلاحظ المتابع أن ما يسمى بعصر النهضة الذي جاء متأخرا في العالم العربي الإسلامي لم ينطلق في أواخر القرن التاسع عشر إلا تأسيسا على جدل تاريخي، مفاده أن حضارتنا “كانت” متفوقة في العصر الوسيط، فلماذا لا تتفوق على الغرب أو توازيه اليوم؟ هذا هو جوهر ما فكر به أساطين النهضة، خصوصًا رفاعة رافع الطهطاوي والسيد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده حقبة ذاك. ومن أجل مباشرة هذا الجدل المنطقي المبرر، بشيء من الواقعية، يتوجب ملاحظة ما أفرزه الانهيار المدوي للامبراطورية العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى، ثم بدايات مطالبة العرب الامبراطوريات الأوروبية الصاعدة بالاستقلال السياسي، دولا فنية.

وكنتيجة لما جاء في أعلاه، برزت ثلاثة تيارات فكرية رئيسة تمكنت من الهيمنة على الفضاء الثقافي العربي أوائل القرن العشرين، وهي: التيار الديني؛ التيار القومي؛ والتيار اليساري. اعتمد التياران الأول والثاني خطابا تاريخيا صرفا في جوهره، باعتبار أن العصور الذهبية للحضارة العربية الإسلامية “التاريخية” يمكن أن تفعّل كي تفعل فعلا توليديا وثابا في نفوس الشبيبة من أجل إعادة أمجاد التاريخ. في الحال الأولى، كان الارتجاع إلى عصر صدر الإسلام خاصة، ولكنه كان ارتجاعا سلفيا قاد إلى إطلاق عدد لا بأس به من الأحزاب والحركات والمنظمات السياسية التي لم تزل فاعلة في عالمنا الإسلامي. أما في الحال الثانية، فقد حاول القوميون أن يحققوا توازنا من نوع ما بين استلهام التراث على نحو انتخابي انتقائي من أجل تزويجه بالحداثة التي جاءت أصلا مستعارة أو مستنسخة من الفكر القومي الأوروبي العلماني، خصوصا الألماني والإيطالي: لنتذكر الاهتمام بقصص توحيد ألمانيا وإيطاليا في كتبنا المدرسية. أما البعد التاريخي للفكر اليساري، وهي الحال الثالثة، فإنه لم يتجاوز القراءة الماركسية ـ الاقتصادية لتاريخ البشرية “عبر تحليل علاقات الإنتاج ووسائله”، ثم وما تبع ذلك من تحقيبات تقود الإنسان نحو عصر “خيالي افتراضي”، هو عصر المشاعية المطلقة أو الشيوعية. لذا أطلق اليساريون الذين انتشت حركاتهم خاصة بين بلاد الشام والعراق دعوات راديكالية من النوع الذي ينسخ الماضي ويتجاوزه تماما، الأمر الذي قاد إلى ردة فعل محافظة عنيفة اتهمته بالنكران والكفر والالحاد. وقد ساعد الصراع بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي كثيرا في لجم الحركات الشيوعية واليسارية الأخرى بغض النظر عن تنوعاتها.

وتأسيسا على أن الفكر الرأسمالي الغربي مضاد للحركات اليسارية خاصة في حقبة الحرب الباردة، فإنه تعمد مقاومتها ولجمها وبترها، الأمر الذي قاد إلى انتشاء الحركات والأحزاب الدينية والقومية كنتيجة تلقائية. ومع هذا راح النقاد الغربيون يهاجمون فكرة تقديس الماضي العربي الإسلامي التي اعتمدها التياران الأول والثاني المذكوران أعلاه، بدعوى أن التاريخ القومي لم يكن كله أنموذجا نقيا تتوجب محاكاته بتعام. هناك صفحات مشرقة، وهناك صفحات أقل إشراقا، كما أن هناك نماذج ينبغي أن نتحاشاها. وقد برر هذا الموقف الجدل المدخل الانتقائي نحو التاريخ.

وعليه، ظهرت الدعوات في العديد من العواصم العربية إلى “إعادة كتابة التاريخ”، وهي دعوات انتقائية صرف، حاولت استلال المضيء من التاريخ المحلي وإهمال “الثقوب السوداء” في دواخله. وقد حورت العديد من القوى المتنفذة فكرة إعادة الكتابة على نحو نفعي وحيد الجانب، بالطريقة التي تقود إلى تبرير نفوذها وسطوتها واستحواذها على مقاليد الأمور، الأمر الذي أدى إلى المزيد من التشويه، زد على ذلك ظهور أعداد لا بأس بها من النقاد والمعترضين الذين وجدوا في فكرة “إعادة كتابة التاريخ” ارتدادا رجوعيا يتجاوز الحقيقة التاريخية الجارية نحو تعظيم الأسطورة التاريخية. وهكذا وقعنا في مأزق فكري ـ ثقافي آخر بسبب محاولات البعض “العبث” بالتواريخ التي أورثنا إياها شيوخ المؤرخين كالطبري والمسعودي!

 

أ.د. محمد الدعمي

 

 

ali almirhigمُلأت الساحة الفلسفية والثقافية العربية والإسلامية المُعاصرة بآراء ومشاريع وأطروحات حول مُشكل التجديد أو التحديث، بدأت مع داعية "تجديد الفكر العربي" الذي جعل من التراث بعد عودة بإستحياء لإحيائه، ليجعل منه طريقة لتبرير رؤى النزعات العلمية والوضعية المُعاصرة، وليكون نطاقاً بإسمها وممثلاً أصيلاً لها، حيث لم يعي دعاة "العلمنة" و "الوضعية المنطقية" أسبقيتنا الفكرية في تبني النزعة العلمية والنهج المنطقي في تراثنا العربي والإسلامي.

وهناك من جعل من جدلية "التراث والتجديد" وصفة سحرية لصهر الأسلمة مع رؤى اليسار الماركسي، وآخر وضع لنا رؤية أخرى تستفز الماضي من خلال البحث في أشكالية العلاقة بينه وبين الحداثة، هي إشكالية "التراث والحداثة" تنهل من البنيوية ومناهج الأبستيمولوجيا المُعاصرة حلاً لمشكل الصراع بين دُعاة "التتريث" ودعاة "الحداثة"، وقد وجد بعض منهم أن الحل هو في إيجاد "مشروع رؤية جديدة للتراث" تستلهم الرؤى الماركسية وتوظيف التراث العربي لجعله صالحاً للإنتقال لمرحلة الثورة وفق الرؤية الماركسية وتجاوز االبناء الفوقي والطبقي الذي أوجدته الرأسمالية المُهيمنة على قوى الإنتاج. وهو ذات الرأي الذي ذهب إليه صاحب "النزعات المادية" في النظر لكل الحركات الإنفصالية والمعارضة للسلطة الإسلامية في المرحلتين: العباسية والأموية، بوصفها حركات ذات نزوع تصحيحي وإصلاحي.

بعض المفكرين وجد أن حل مشكل التجديد يكمن في تحديث "أصول الحوار وتجديد علم الكلام"، وترك نغمة التماهي مع الغرب في الدعوة للعقلانية، وهو رغم إختلاف التوجه المذهبي بينه وبين صاحب كتاب "فلسفتنا"، إلَا أنهما يتفقان على أن في النص القرآني ونتاج العقل الكلامي الإسلامي ما يُغنينا عن الهيام في العقل الغربي بنزوعه الرأسمالي أو الإشتراكي.

وفي الفكر الإسلامي المعاصر هناك بعض المفكرين قد وجدوا في التوجه نحو التصوف والعرفان حلاً لمشكل "التجديد" وتصحيح الوعي الذاتي وعلاقته مع الآخر، لأن في التصوف والعرفان قبول لتنوعات الفكر وتشكلات وعي الإنسان، لأن هناك "صراطات مُستقيمة" لا صراط واحد للحقيقة، وهذا من مُقتضيات "العقلانية المعنوية" و "التدين العقلاني" الذي يحترم "التعددية الدينية" ويضمن لها حق التعايش والوجود.

ولكننا نبقى نطرح التساؤلات، ونحار في حل المشكلات في خضم هذه الصراعات والمُماحكات الفكرية، 

ـ هل نُريد تجديد الخطاب الديني من خلال النقد؟ وأي نقد نبغي؟ هل هو نقد للدين من داخله ومن موقع الإيمان، أم هو نقد له من خارجه ومن موقع الرفض؟. وهل نقد الدين والفكر الديني من مُنطلق الإيمان كما يرى شبستري هو ضد الدين؟ كما يعتقد السلفيون والراديكاليون الذين تعاملوا مع الدين وكأنه خارج إطار التعقل والإختيار الواعي.  

ـ هل التجديد الذي نروم هو في وعي التدين ببعده السلفي؟ كما رغب بوجوده أحمد بن حنبل وابن قيم الجوزية ومن تبعهم في ماضينا وفي حاضرنا.

أم هو تجديد لوعينا الأصولي بمقولات الأشاعرة والمعتزلة والخلاف حول صفات الله والعدل والتوحيد والحرية. أم هو تجاوز لهذه المباحث وإنشغالات أصحابها بحل مشكل تصوراتنا عن الذات الإلهية والبحث عن رؤى جديدة ومباحث لم تكن من ضمن إهتمامات رجالات علم الكلام التقليدي، وفتح آفاقه لمباحث همها الأكبر الإنسان وعالمه، بمعنى آخر تجاوز المبحث اللاهوتي  وإيجاد منطقة حفر جديدة تهتم بما هو ناسوتي، كما هو الحال في علم الكلام الجديد.

ـ هل يعني التجديد دعوة للأمة لوعي الإمامة إن كانت بالشورى أم هي بالنص والتعيين الإلهي؟.وهل في حال الكشف عن طبيعة هذه العلاقة نستطيع تجاوز عقدة بناء تاريخ الدولة الإسلامية السياسي وفق قاعدة الدمج بين "الدين" و "الدولة" وفق وعي مغزى الآية الكريمة "لا حُكم إلَا لله" بأن الخلافة أو الإمامة تعني أن يكون رجل السلطة هو الممثل الحقيقي لسلطة الله على الأرض، لا ممثلاً حقيقياً لسلطة الشعب، لأن الحكم إما أن يكون وفق نظام "البيعة" والإستيلاء على السلطة وفق منطق القوة السائد آنذاك، أي "الشوكة والعزيمة" أو أن يكون وفق مبدأ النص والتعيين الإلهي للحاكم، وفي كلا الأمرين فإن رأي الجماهير غائب ومسكوت عنه، فلا مجال للتفريق بين الدين والسياسة أو الدين والدولة، فالحُكم كما يقول الخليفة الراشدي الثالث "قميص قمصنياه الله" وهو من له الحق بنزعه، ولا دور للمجتمع في تنصيب الحاكم، فغاب بذلك قول "لو رأينا فيك إعوجاجاً لقومناه بسيوفنا" التي قالتها الجماهير للخليفة الراشدي الثاني.

ـ مالذي نحتاجه من تجديد التراث إذن؟ هل ما نحتاج إليه هو تجديد وعينا الفقهي؟ وإن كان ذلك كذلك، فما الذي نُجدده فيه؟ هل هو تاريخ الفقه السُني أم الشيعي؟، فإن كنا نبغي تجديداً للفقه السُني، فلا بُد لنا من تجديد الولاء لمن تمكن من الحُكم بالشوكة والعزيمة من تأييده، وإن كُنَا نُريد تأييد الفقه الشيعي، فينبغي لنا القبول بمقولة النص والتعيين الإلهي للإمام، وعلى المسلمين القبول بها والسير وفقاً لها والتماهي مع مفهوم "الرجعة" والرضى بإمامة الأئمة الإثني عشر وإنتظار ظهور الإمام الغائب "المهدي" ليملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلأت جورا.

هل التجديد الذي نبغي هو لوعي الذات وإختبار مدى فاعليتها وأثرها، إن كنا نتصور أن هناك ذات إسلامية واحدة؟ أو ذات عربية واحدة، أم هو وعي نقدي للذات بكل تمظهراتها وعلاقتها مع الآخربكل تشكلاته، الإيجابية والسلبية ومحاولة إعادة إنتاج هذه العلاقة بما يحفظ للذات ـ رغم تشظيها وتلاشي كثير من ملامح تصورنا المُسَبق عنها، إن كانت ذات إسلامية أو ذات عربية ـ حضورها وفاعليتها ونقد مواطن ضعفها وتخلفها، والكشف عن بواطن أدبيات تراث هذه الذات في العزل والإقصاء للآخر المُختلف وتعريتها وفضحها، والسعي للكشف عن العلاقة الإيجابية بهذا الآخر في تراثنا الآخر المُغيب أو الذي لم يكن له فعل الحضور في واقعنا المُعاصر.

ـ وربما يكون التجديد عندنا هو بوعي خراب الأنفس على قاعدة "أن الله لايُغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم". وإن أدركنا أن خراب العمران أهون من خراب الأنفس، وعملنا على تقويم الخُلق وتهذيب النفس عبر الإهتمام بالتربية والتعليم وتخطي عتبة التربية الأبوية وترك التعليم التلقيني الذي يصنع متلق سلبي ومرسل إيجابي لا بد أن يُتَبع، وحينما نُدرك أن سُبل التربية والتعليم لا تكمن في التلقين، إنما هي كامنة وظاهرة في نجاح المجتمعات الحديثة في تجديد طُرق التعليم وإدراكها أن وعي الأبناء يختلف عن وعي الآباء لأن الأبناء  بعبارة الإمام علي "خُلقوا لزمان غير زمان (الآباء)"، فحينما نستوعب هذا القول نستطيع إعادة بناء الأنفس وفق شروط الزمن وتحولاته المعرفية التي تقتضي تنمية الوعي العقلي طبقاً لنمط المعرفة التي يقتضيها العصر، فعصرنا اليوم عصر المُشاركة في الوعي والتلقي المعرفي، فالطالب شريك في تنمية وعي المعلم بنفس القدر الذي يكون فيه المعلم مشارك في تنمية وعي الطالب، فالمعرفة اليوم معرفة تواصلية إتصالية، لا تقتضي وجود مُرسل إيجابي هو المُعلم ومتلق سلبي هو الطالب، إنما تقتضي الحوار والتواصل لإنتاج وعي جديد فيه كثير من القلب والمُغايرة لمسار التعليم والتربية التقليدي الذي درجنا عليه بجعل المعلم وكأنه سلطة معرفية لا يأتيها الباطل لا من أمامه ولا من خلفه.

ـ وربما كان التجديد الذي نرغب به مرتبط بإستيعاب علاقة الذات بالآخر، ومن هو الآخر؟  هل هو المُختلف عني مذهبياً ؟ أم أنه هو المُختلف عني أيديولوجياً، وإن كُنا نحن من مجتمع متطابق في السًكنى وبطبيعة المعيشة.

ـ وقد يكون هذا الآخر هو الخارج عني في نمط العيش والمُغاير ليَ في وعي الزمن: فالماضي عندي يُعيد بناء الحاضر، والماضي عنده مخزون الحاضر، ولا حضوة للماضي عنده ولا حضور وتأثير إلَا حينما يكون هذا الماضي في خدمة الحاضر ومخزونه الذي يستمد منه بقدر الفائدة بناء المستقبل.

وربما يكون المقصود بتجديد التراث، هو تجديد التراث الفلسفي، حينما يكون الجواب بنعم، فهل هو نبغي تجديد تراث الفاربي وإبن سينا ورؤاهم الفلسفية ببُعدها الصوفي والعرفاني؟ أم أننا نسعى لتجديد رؤى إبن رشد ببُعدها العقلاني البرهاني.

وهناك من يرى بأن تجديد التراث يكمن في وعي أنسنة الفكر الصوفي، ولكن هناك في التصوف طريقان هما:

ـ طُريق السالكين من الصوفية ممن يدعون الكرامات وتدرجهم في المقامات وإدراكهم لسُبل النجاة بالزهد وتزكية النفس عبر تماهيها مع الذات الإلهية عبر الحلول أو الإتحاد بالله وتنزيه الذات بطُرق الصوفية السلوكية مثل: القادرية والشاذلية وإمتداداتها في الكسنزانية والنقشبندية.

ـ طُريق الفلسفة الصوفية أو التصوف الفلسفي: التي بدأها إبن عربي في رؤيته لوحدة الوجود وإبن سبعين الذي تبع ابن عربي في تبنيه لوحدة الوجود فيما سُميَ بالوحدة المُطلقة.

ـ وهناك أشياء وأشياء في كيفية النظر للتجديد وتعدد الطرق والسبل له، ومنها سبيل العلم وإعتماد العلم التجريبي، ومنها سبل علم الكلام التقليدي أو طُرق تجديده، وهناك طرق أخرى منها: فلسفة الدين ومُعطياتها، وأخرى سبل إهمال سؤال التجديد والخلاص من طرحه وتوهيمات أصحابه، لأنها لاتخص سواهم، فالعامل والمهندس والفنان التشكيلي يعمل بكل مُنتاجات الصناعة الغربية، ويُعيد رسم صور التراث وتعشيقها مع مُنتجات الحداثة، ليُنتج لنا أبواباً وشبابيكاً وبيوتاً بطرز عصرية تستمد من التراث طُرزه الجمالية، ولكنه سيعود ربما ليُمارس طقوسه الدينية من دون تنظير وتدليل وتفسير لعمله الفني وفق إطر نظرية وقوالب جامدة يضعها المُنظرون والمُتفلسفة العرب والمسلمون، وربما هو ذات الأمر ينطبق على الإرهابي الذي يستخدم كل نتاج الغرب لتفخيخ وتفجير المُخالفين له في المُعتقد والرؤية من دون حاجة له بكل المُنظرين في عالمنا العربي والإسلامي حول "إشكالية التجديد" و "التراث والحداثة" أو "الأصالة والمُعاصرة".  

 

د. علي المرهج – استاذ فلسفة

 

 

raed jabarkhadom2كثيرة هي مشاريع التجديد والاصلاح والنهضة والتحديث والاحياء التي طُرحت على الساحة الفكرية والثقافية العربية والاسلامية منذ القرن التاسع عشر الميلادي مع خطاب التجديد لرفاعة الطهطاوي والرعيل الأول للفكر الاصلاحي الديني الحديث، وتداخل السياسي والتربوي والاجتماعي بالديني في خطاب التجديد، ومنذ لحظة الاحتكاك مع الغرب من قبل هؤلاء المفكرين والمصلحين، بقي  السؤال عن الهوية الفكرية والثقافية هو المهيمن والذي لخصه تساؤل هؤلاء في كتاباتهم عن سر تأخر العرب والمسلمين وتقدم غيرهم وخاصة أوربا ونهضتها الفكرية والعلمية، وحاول هؤلاء تسجيل الاجابة في كتاباتهم وتقديمها للفرد العربي المسلم، ومنها أجابة المفكر العربي شكيب أرسلان في كتابه (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم)، ووفق ذلك التساؤل المصيري تعدد اجابات المفكرين الاصلاحية، وأنقسمت المواقف من ذلك التساؤل الى ثلاث اجابات او مواقف أو ردود وهي :

1ـ الرد الاصلاحي الديني السلفي.

2ـ الرد الاصلاحي الديني التوفيقي.

3ـ الرد الاصلاحي العلماني.

ووفق تلك الردود والمواقف والاجابات تحددت رؤية المفكرين والمصلحين العرب والمسلمين وتم صياغة مشاريعهم الفكرية، من أجل تشخيص عيوب واقعهم وتقديم الحلول لتغيير أو اصلاح ذلك الواقع المتردي سياسياً واجتماعياً وحضارياً، ووفق تلك الاجابات والمواقف الفكرية التي طرحت في القرن التاسع عشر، سار على غرارها جمع من المصلحين والمجددين والمفكرين المعاصرين والحركات الاسلامية التي ظهرت في القرن العشرين ونمو تلك الحركات وصعود نجمها مع الدعوات الاصولية والسلفية ونموها بصورة كبيرة جداً في الواقع العربي والاسلامي منذ أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، واتهام تنظيمات اسلامية بهجمات نيورك، وتفاقم تلك الاحداث الارهابية في العراق وسوريا والمنطقة، ومع التغييرات السياسية التي حدثت على الساحة العربية وثورات الربيع العربي، التي أنتجت خطاباً تكفيرياً متطرفاً يدعو الى محاربة العالم وتكفير كل من لا ينتمي لتلك المنظومة الفكرية الدعوية السلفية المتشددة، وتغير وجه العالم من جراء تلك الافكار والدعوات الاصولية الكريهة.

كثيرة هي الدراسات والكتابات والمؤتمرات العربية والاسلامية التي تناولت موضوع التجديد في الفكر العربي والاسلامي عامة والتجديد الديني خاصة،  ولكن محاولة عقد مقاربة أو مقارنة مع المشروع الغربي كانت بسيطة جداً ولم يسلط الضوء عليها بعمق لمعرفة الفرق بين الحركتين، وهل كانت طروحات المفكر العربي المسلم ترقى الى طروحات الاصلاح والتجديد الديني الغربي في أوربا مع ما طرح من قبل مارتن لوثر وكالفن وغيرهما من رواد الاصلاح الديني.

كانت دعوات فكرية سبقت الطهطاوي تدعي التجديد كما هي مع الحركة الوهابية والحركة السنوسية والشوكانية وما هي نسبة التجديد وطبيعته في تلك الحركات؟  

فقد كان ثوب التجديد عند هذه الحركات يقتصر على اصلاح العقيدة الدينية فقط، وذلك بالرجوع للاصول الدينية الاسلامية ومرجعياته، وقد هيمن هذا الخطاب على نسبة واسعة من المجتمع العربي الاسلامي، وحاول فرض وصايته ونشر أفكاره بقوة السيف والاستبداد، وهو خطاب (الجزيرة العربية) الخطاب الرسمي الذي أنتج دولة السعودية العربية الحديثة، والذي نتج عن تصاهر الخطاب الديني والخطاب السياسي لينتج خطاب الاسلام السياسي في الفترة الحديثة، وكان هذا ديدن الكثير من الدول العربية والاسلامية في تلك الفترة، الاسلام السياسي العثماني، الاسلام السياسي في مصر مع محمد علي باشا (بنسبة ما)، الاسلام السياسي في ايران، وكذلك بعض الحركات الدينية في شبه القارة الهندية، فقد كانت هذه الحركات مسكونة بهاجس التجديد والاصلاح، للانسجام مع موضوعات وطروحات ومشكلات واقعهم، ولكن بقي الطابع التقليدي هو المهيمن على هذه الخطابات، والارتباط بالعقيدة والماضي وعدم التراجع والتزحزح عن تلك الاصول قيد أنملة، فكان خطاب التجديد آنذاك خطاباً شكلياً وتنظيرياً وطوباوياً لا يمت الى الواقع بشيء يذكر، كان خطاب التجديد منسجماً مع رغبة الحاكم السياسي في تطوير وتحديث جوانب ادارية وفنية وعسكرية تعود بالنفع لتلك الحكومات في مواجهة الحكومات والدول المتخاصمة معها، فلم تكن هوية التجديد جوهرية، ولم تكن رسالته انسانية مجتمعية متسامحة ومنفتحة على خطابات فكرية وثقافية عالمية، فقد طرحت خطابات التجديد في مقابل الخطابات الغربية التي حدثت تحولات كبرى في مجتمعاتها بعد عصر النهضة الأوربي، أما الفكر العربي والاسلامي فقد تعامل مع ذلك الخطاب الحداثوي الاوربي بألوان متعددة، من خطاب ديني سلفي، الى ديني توفيقي، الى خطاب علماني تغريبي.

فقد كان جوهر ذلك الخطاب الديني التجديدي العربي الاسلامي ينسجم وأيدلوجيا السياسة من جهة وأيدلوجيا الدين والناس من جهة أخرى، ولم يكن خطاباً حراً بريئاً من تلك الدعوات، والدليل على ذلك أنه بعد قرن من الزمان أو يزيد على ذلك الخطاب أنتج فكراً تكفيرياً متطرفاً يريد غزو العالم تحت مسميات متعددة، أهمها نشر دولة الخلافة والدولة لاسلامية الجديدة، والشيء المهم هو الذي غزا العالم العربي والاسلامي هو (حمى التجديد) فتعددت الطروحات والمشاريع الفكرية، حتى شهدنا (حرب وصراع التجديد) المليء بالتهديد والوعيد، بدلاً من سيادة مبدأ وفكر (حوار التجديد) واستلهام مبادىء حداثوية وانسانية تعطي للتجديد حقه وصورته البراقة، ولكن سيطرة النزعة الايدلوجية حرمتنا من متعة التجديد وثماره الطيبة، فكان تجديداً شكلياً وبقي منطق التطرف والنزعة الاصولية هو المهيمن على طبيعة ذلك الخطاب وتحركات جماعته وأدبياتهم.   

حين نطلع على أدبيات وفكر النهضة العربية الحديثة (القرن التاسع عشر الميلادي وما بعده) وأدبيات وفكر النهضة الغربية (الأوربية) الحديثة (القرن الخامس عشر الميلادي وما بعده)، نرى أن هناك بوناً شاسعاً من الأختلاف بين الأثنين، لا نستطيع هنا أستيعابها وتشخيصها بهذه العجالة، فقد كتبت االكثير من الدراسات والكتابات والمؤلفات من قبل المفكرين والباحثين، التي تَشرح وتُشرّح وتوضح صورة وشكل النهضتين، ومدى استفادة المفكر والمثقف العربي من منجزات النهضة الغربية، ولكن الذي أُريد قوله اننا في النهضة الأوربية أمام منجز حضاري وعلمي وفكري وأدبي وفني وسياسي كبير، أمام ثورة معرفية شاملة غزت الغرب بالكامل وتحول وجه أوربا وفكرها من حال الى حال، أتضح للجميع الفارق الكبير بين أوربا ماقبل النهضة الحديثة وأوربا ما بعدها، فكرياً وأجتماعياً وسياسياً وثقافياً وحضارياً وعلمياً، أوربا الغارقة في الجهل والأنحطاط والصراع والعنف والحروب والتطرف والكراهية، أوربا الصراع الديني والعنف العنصري ومحاربة العلم والتحديث، أوربا التفكير الثيلوجي والنزعة الأبوية والأستبداد الديني والسياسي، أوربا العصر الوسيط المظلم، حيث محاكم التفتيش والوصاية الدينية والسياسية والتفويض الالهي والفكر الكهنوتي، وبين أوربا التقدم الحداثة والتنوير والثورة الصناعية والعلم والمعرفة والفن والليبرالية والفكر الديموقراطي والتوجه الانساني، كان كل شيء في أوربا ماقبل النهضة في خدمة الكنيسة والدين المسيحي، الفكر والعلم والفن والفلسفة، الكلمة الأولى والقول الفصل للدين أولاً وآخراً، وفي سبيله تبذل الأرواح والأموال والثروات والأفكار، يجب حراسته والتضحية من أجله وفي سبيله، والدين (النقل) مقدم على العقل، والثاني في خدمة الأول، حتى أن الفلاسفة والمفكرين المسيحيين كانو يرفعون شعار (الفلسفة في خدمة اللاهوت)، أي أعتماد الفلسفة والمنطق للجدل ولنصرة الدين ومحاججة الأديان والأفكار الأخرى، وساد وقتئذٍ الاعتماد على المنطق الأرسطي (الصوري)، منطق القضية ونقيضها، منطق القضيتين ولا ثالث لهما، منطق الثنائيات، الحق والباطل، الخير والشر، الأبيض والأسود، منطق القياس وكمون النتيجة في مقدماتها، وما حدث في الفترة المسيحية هذه (ماقبل النهضة الحديثة) تشبه الى حد ما كان سائداً في الفترة العربية الاسلامية، زمن صراع المذاهب والحروب الكلامية وانتشار كتب (الأحتجاج) و (الأنتصار) وبيان (الفرقة الناجية من فرق الهالكين ) و (تلبيس أبليس) وفتاوى التكفير والحكم بالارتداد والخروج عن الدين، والحروب الدينية والمذهبية الشرسة التي عبرت عن الفكر المتخلف والكريه لفقهاء السلطة وحكام الجور وسلاطين العنف والكراهية.

لقد ثار المفكر والمثقف والانسان الأوربي على كل ما عاناه من محن وأزمات وتخلف، وعلى السلطتين الدينية والسياسية المتنفذة في المجتمع الأوربي والتي كانت تعمل وفق مبدأ الوصاية والحاكمية والتفويض، أبتدأت الثورة أول ما أبتدأت في أوربا معرفياً وعلمياً، وسبق ذلك الاصلاح الديني الذي حصل بعد ذلك بفضل الثورة العلمية التي دعت للتصحيح والاصلاح والتغيير، حيث كان لثورة كوبرنيكوس (1473 ـ 1543م) العلمية في علم الفلك الأثر الكبير على تغيير فكر أوربا ومنطقها الأرسطي العقيم الذي ساد لقرون طويلة، وثورة كوبرنيكوس أطاحت بالتفكير الديني الكنسي التقليدي غير العلمي في كتابه (حول دوران الأجرام السماوية)، وأطاحت بـ (نظرية بطليموس) في مجال الفلك، والتي كانت تذهب الى أن الأرض وليست الشمس هي مركز الكون وجميع الكواكب وحتى الشمس تدور حول الأرض، وقد ساندت الكنيسة هذه النظرية معللة ذلك بأن الأرض مقدسة لأنها مولد السيد المسيح ومن ذلك أكتسبت هذه القدسية، ولكن نظرية كوبرنيكوس وتجاربه الفلكية العلمية قد أطاحت بكل هذه الافكار وأسقطت وفندت نظرية بطليموس، وقد هاجت وماجت الكنيسة على كوبرنيكس ونظريته التي غيرت صورة الكون وتفكير الناس ودعتهم لتحكيم العقل والعلم بدل الدين واللاهوت ومنطق أرسطو، وهذا يعني ضرب مصالح الكنيسة ونقد منهجها وسياستها واثارة الناس على الكنيسة ومنطقها، وتبع ذلك الثورة السياسية والاخلاقية التي قادها ميكيافلي (1469ـ 1527م) للاصلاح والتغير على مستوى السياسة والاجتماع من خلال نقد هيمنة الكنيسة ورفض فكرة التفويض الالهي في السياسة، وتبع ذلك ثورة الاصلاح الديني في أوربا والتي كانت على يد الألماني مارتن لوثر (١٤٨٣ـ ١٥٤٦م)، الذي نادى بالأصلاح الديني واصلاح الكنيسة ورفض سلطة البابوات وتشويههم لجوهر المسيحية واستغلال سلطتهم الدينية في السيطرة على عقول الناس، وبيعهم لصكوك الغفران، وقد كانت النظرية العلمية لكوبرنيكوس بداية الطريق للثورات الكبرى في أوربا، والمدخل للاصلاح الديني والعلمي والفلسفي والسياسي، والتي أدت الى تكوين فكر النهضة الأوربية وتشكيل كينونتها ومنطقها الجديد بالكامل.

النزعة الانسانية، والمنطق والمنهج العلمي، وفصل الدين والكنيسة عن السياسة، ومرجعية العقل ومركزية الانسان، وتطور الفن واستقلال العلوم عن الفلسفة، والتقدم الحضاري والعمراني والمدني، كل هذه كانت مميزات وخصائص عصر النهضة الأوربي الحديث الذي تميز عن الشرق والعرب والمسلمين، والتي كانت هذه الشعوب متأخرة بالنسبة للغرب المتقدم في العصر الحديث.

ما قدمه رواد النهضة العربية الحديثة انما هو شيء أشبه بالصحوة والاحياء والتجديد والتحديث واصلاح بسيط لا يتعدى ولا يقارن بالاصلاح العام الذي شمل النهضة الاوربية الحديثة، ومحاولة من هؤلاء الرواد العرب والمسلمين تقليد الغرب من جانب، والعودة الى التراث والجذور العربية من جانب آخر، والدعوة لأظهار الهوية العربية والهوية الاسلامية في الفكر، فخطاب النهضة العربية الحديثة لا يرقى الى خطاب النهضة الاوربية الحديثة، ولا يمكن عقد الصلة الكبرى بين الطرفين، فالحداثة والتنوير والتجديد على مستوى الفكر الغربي شمل مجالات واسعة وعامة على واقع الحياة والفكر والثقافة الأوربية، أما عربياً فالحداثة والتنوير والتجديد أضحت مجرد دعوات وشعارت يصدح بها رواد الفكر والثقافة العربية الحديثة، وما تحقق منه النزر اليسير والخجول جداً لم نر أثره على الواقع العربي في المؤسسات والمجتمع والواقع، وبقي العقل العربي يلهج بخطابات وشعارات النهضة والتجديد ويرددها في القرن العشرين والى يومنا هذا، ولكنه غارق بفكر ومنطق العصر الوسيط، ومكبل بالوصاية الدينية والسياسية، ومجتمعاتنا العربية المعاصرة وان يتراءى للكثير منا حداثتها العمرانية والمدنية والحياتية، ولكنها سياسياً واجتماعياً وفكرياً وثقافياً تقبع تحت أفكار خاوية لا تمت الى الحياة العصرية والجديدة بصلة، وهذا ما يجعلنا نعيش أزدواجية لا مثيل لها، وفصام فكري وثقافي كبير، حداثة حياة وتخلف فكر، لا تجعلنا قريبين صلة بحداثة الغرب وتفوقه العلمي والمعرفي والانساني. وخير دليل على ذلك مجتمعاتنا العربية والاسلامية المعاصرة التي عادت الى خطاب الماضي والتكفير والاصولية والتطرف المقيت واحياء الميت من الأفكار البالية. وختاماً نوجز القول بأن زمكانية النهضة الأوربية الحديثة لا يمكن قياسها بزمكانية النهضة العربية الحديثة، ومناخ النهضة الأولى وأرضها الخصبة التي نشأت وترعرعت فيها نهضة الغرب، لم تتوفر ولم تتهيأ للعرب لرعاية نهضتهم، ولذلك بقيت نهضة (يقظة) خجولة منفعلة وغير فاعلة أجتماعياً وسياسياً وحضارياً وعلمياً، اذا ما قورنت بنهضة أوربا الشاملة وتعهدها بالرعاية والنمو والتقدم من قبل العلماء والمثقفين والمفكرين والناس داخل المجتمع الغربي، تحت ظل منطق العلم وسلطة العقل ودولة المؤسسات والقوانين. ولم يقدر لخطاب التجديد الديني التفاعل مع ما قدمته المجتمعات المتقدمة، ولم يحقق شيئاً بالمستوى المطلوب للفرد والمجتمع العربي والاسلامي، وبقي التجديد خجول يدور في فلك السياسة والادارة والعمران ولم يدخل أروقة الفكر والتربية والسلوك والمعاملات الحياتية والاجتماعية، وواقع الحال أننا مجتمعات اسلامية قروسطية معاصرة، نلهج بالتجديد ولكنه ليس فيه من الجديد شيء يذكر. وأن عقل الفرد العربي المسلم لم يزل مقيداً بسلاسل وأُطر كثيرة لا يستطيع التخلص منها، ولذلك فنحن نسير ببطء كبير في مجال التجديد ولم نسرع الخطى في هذا المجال لنتقدم في مجالات وميادين فكرية وعلمية وثقافية أخرى، ما دمنا نسير وفق نفس المنهج التقليدي الذي سار عليه السابقون دون نقد أو تمحيص أو تجديد.  

      

 د. رائد جبار كاظم. العراق/ الجامعة المستنصرية

 

 

abduljabar alrifai3

صورة الله في علم الكلام القديم، هي صورة السيد المخيف المرعب، المتمرّس في البطش والتنكيل والعقاب والعذاب. الانسان عبد مسترق خانع ذليل حقير. لله أن يفعل به ما يشاء، بلا أن يوصف أي فعل يصدر من الله - مهما كان - بالقبح أو الحسن، فله أن يعذب العادل، ويثيب الظالم، كما ذهب إلى ذلك أبو الحسن الأشعري وأتباعه[1].

 لقد نشأ عن هذا التصور لله لاهوت الاسترقاق، وهذا اللاهوت بطبيعته ينسج شباكاً معقدة لمختلف أنماط العبوديات التي تكبل حياة الشخص البشري، عبر إنتاج الاستبداد والنظام الأبوي العمودي في مختلف مستويات الاجتماع البشري، من: العائلة والقبيلة، الى: المدرسة، والحزب والدولة.

  يصادر لاهوت الاسترقاق حريات وحقوق الشخص البشري الاجتماعية. ويكرس أشكال العبوديات، ويحجب لاهوت الرحمة والمحبة. يجعل لاهوت الاسترقاق الانسان عبداً ذليلاً خانعاً مسحوقاً، وينسى أن هذا النمط من العلاقة بالله يفضي إلى إلحاد مختبئ، وإن كانت تبدو مُقنّعة بتدين زائف. ذلك ان الشخص البشري بطبيعته ينفر ممن يستعبده، ويمقت من ينتهك كرامته، ويكره من يمتهنه.

  ما لم يتم تصحيح نمط علاقة الانسان بربه سيبقى المرء مشلولاً معاقاً. ينبغي تحويل الصلة بالله من صراع مسكون بالخوف والرعب والقلق، إلى علاقة تنبض بالتراحم والمحبة والوصال. علاقة تتكلم لغة المحبة، وتبتهج بالوصال مع معشوق جميل.

  إن العلاقة بالله لا تأخذ نصابها في تشييد حياة روحية أخلاقية أصيلة إلاّ اذا كانت حرة، أي أنها ينبغي أن تكون علاقة مبنية على حرية واختيار، لا اكراه وامتهان."وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ"[2].

   البسطاء من عامة الناس، إن تأملنا نمط ايمانهم نجدهم يعيشون وهم يتذوقون شيئاً من الوجد والوصال بالحق، ذلك أن ايمانهم بريء عفوي حميمي، يتحسسون الله أقرب اليهم من حبل الوريد، ليس بوصفه أميرهم وسلطانهم، الذي يبطش بهم، بل بوصفه صديقاً جميلاً غيوراً كريماً رحيماً رقيقاً شفيقاً.

ولعل البعض يحسب أن ذلك هو ما تشي به آيات القرآن، بتوصيفها الانسان بأنه عبد لله، لكن الصحيح أن الآيات لا تتحدث عن هذه الصورة المستبدة لله، ولا تشي بهذه المكانة الوضيعة للانسان، إذ أن هناك فرقاً بين عَبْيد وعِبَادِ في لغة القرآن، فعَبْيد مشتقة من: عُبُودِيَّة. ومرادفاتها: إِسْتَعْباد، رِقّ. ومقابلها: حُرِّيَّة، عِتْق، إِعْتاقٌ، تَحَرُّرٌ، تَسْريحٌ، حُرِّيَّةٌ. بينما عِبَادِ مشتقة من: عِبادَة. ومرادفاتها: إِعْتِكَاف، تَعَبُّد، نُسْك. ومقابلها: إِبَاحيَّةٌ، تَهَتُّكٌ، خَلاَعَةٌ، دَعَارَةٌ، عُهْرٌ، فُجُورٌ، فِسْقٌ، مُجونٌ[3].

القرآن يشير الى "عِبَادِ" بمعنى أحرار، لا بمعنى أقنان مستلبين مجبرين مكرهين: "فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ"[4]. الحُرّ هو المقابل للعَبْد. عَبْيد جمع عَبْد. الجاحِد هو المقابل للعَابِد. عِبَادِ جمع عَابِد. القرآن يستعمل كلمة عِبَادِ أكثر، فيما يستعمل أقل من ذلك بكثير كلمة عَبْيد. فقد وردت كلمة "عِبَادِ" ومشتقاتها في القرآن الكريم 97 مرة، بينما لم ترد كلمة "عَبْيد" ومشتقاتها سوى 29 مرة. وحيثما وردت كلمة عَبْيد في بعض الآيات فهي تقترن بنفي الله الظلم عن نفسه: "وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ"[5]. "وما أنا بِظَلَّامٍ للعَبْيد "[6]. " وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ"[7].

وكأن القرآن ينبّه إلى ما تشي به السياقات الاجتماعية لمدلول العبودية، وتشبُّعه تاريخياً بمعاني الاسترقاق، وكيف أنها تهتك المكانة الانسانية للكائن البشري، وتستبيح شخصيته، وتهين كرامتة، بنحو يصير فيه هذا الكائن بمثابة متاع يمتلكه شخص آخر، لا حياة خاصة، ولا كينونة مستقلة له، وليس له من أمره شيئاً. فأراد الله أن ينفي عن ذاته تعالى، هذا النمط من اهدار الكرامة البشرية واهانة الانسان.

  المؤمن الحقيقي عابد بوجوده وكينونته وروحه وقلبه. عابد لله، أي مطيع له طاعة المحب، الذي ليس بينه وبين محبوبه مسافة واكراه واجبار. العبادة تتحول على هذا النحو إلى انجذاب حميمي. حب متجلٍّ في الجوارح كلها، والكيان كله. حب تترجمه الكينونة والوجود في كل تجلياته. ابتداءاً من"اليومي"، واستمراراً وصعوداً مع المفارق والعابر. وذلك بأن يتصل الحس والشعور والتعقل بالحبور والدهشة اللامتناهية، ولذة الانكشاف والاكتشاف المستمرة. المحبة صلة بالحياة لا تكف عن الولادة كل آن. والطريق إليها لا يمر إلاّ عبر الولادة كل يوم من أرحام الظلمات والجهل والخوف والسجون. نحن يمكن أن نولد كل يوم كما ولدنا أول مرَّة بالحب.

  ولا يعني ذلك الدعوة لتصوف مُقنَّع، ذلك أني لست مع تصوف يُخرج الفرد من العالم. نعم، أتضامن مع شيء من مقولات التصوف المعرفي، الذي يثري الروح، ويضئ القلب بجماليات الوجود، ويجعل الكائن البشري مشاركاً فاعلاً في بناء هذا العالم[8].

  التربية على الخوف ترسخ أرضية عميقة لنشأة وتفشي الاستبداد، ويجد الخوف تعبيره الاجتماعي في: الخوف من الحرية، الخوف من الفردية، الخوف من التفكير النقدي، الخوف من التفكير العقلاني، الخوف من الحداثة، الخوف من الاختلاف، الخوف من الخطأ، ذلك أن الاستبداد يبحث دائما عن الإجماع الشعبي، ويخشى التمايزات والمغايرة.

   النمط العمودي للعلاقة بين الله والانسان، الذي قوامه التربية على الخوف، يجد مدلوله الاجتماعي في مختلف أشكال العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع، فالحاكم غير المحكوم، الحاكم يأمر بما يشاء، وليس للمحكوم إلا السمع والطاعة، من حق الحاكم أن يفعل مايريد في رعيته، إرادته إرادة مطلقة لايضبطها قانون أو تقيّدها تشريعات، هو في القمة والرعية في القاعدة، لايرتقي شخص إلى مقامه السامي، إلاّ حينما يفيض عليه بمننه وعطاياه، فيدنيه من قربه، ويمنحه من مكرماته. ذلك أن رعاياه كافة هم ممتلكاته يتصرف بهم بما يحلو له. أما العلاقة بين الأب والابن، والمعلم والتلميذ، والضابط والجندي، والتاجر والعامل، والإقطاعي والفلاح، والرجل والمرأة، فهي دائماً علاقة تبعية وخضوع، علاقة امتلاك، الأعلى يمتلك الأدنى، يدربه باستمرار على الانصياع والانقياد، ويتفنن في تربيته على الامتثال والرضوخ، ويتوسل بمختلف الأساليب من أجل تدجينه على الاستسلام والتنازل عن حريته[9].

 

 عبد الجبار الرفاعي

...................

[1] - خلافاً للأشاعرة، ذهب المعتزلة والشيعة الى القول بالحسن والقبح الذاتي للأفعال، بغض النظر عن انتسابها أو عدم انتسابها الى الله.

[2] - الأعراف، 157.

[3] - للمزيد أنظر: ابن سيده، المحكم والمحيط الاعظم، تحقيق عبد الحميد هنداوي. بيروت: دار الكتب العلمية، 2000، الذي قال: "والعبِادُ: قومٌ من قبائل شَتَّى من الْعَرَب اجْتَمعُوا على النصرانيَّة، فأنِفُوا أَن يَتَسمَّوْا بالعَبيد وَقَالُوا: نَحن العِبادُ" ج2، ص26. وأنظر أيضاً: أبو البقاء الحنفي، الكليات، تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري. بيروت: مؤسسة الرسالة، الذي كتب: " وَالْعَبْد الْمُضَاف إِلَى الله تَعَالَى يجمع على (عباد)، وَإِلَى غَيره على (عبيد)"، ج1، ص649. وللتفاصيل المطولة راجع: الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: علي شيري. بيروت: دار الفكر، 1414 هـ، مادة (عبد)، ج5، ص82.

[4] - الزمر، 17 – 18.

[5] - انظر الآيات: آل عمرن، 182. الأنفال، 51. الحج، 10.

[6] - سورة ق، 29.

[7] - فصلت، 46.

[8] - الرفاعي، عبدالجبار. الدين والظمأ الأنطولوجي. بيروت: مركز دراسات فلسفة الدين، ودار التنوير، 2015، ص 95 – 96.

[9] - الرفاعي، عبدالجبار . إنقاذ النزعة الانسانية في الدين. بيروت: مركز دراسات فلسفة الدين، ودار التنوير، 2010، ص 69 – 70.

 

ali almirhigصور الآخر هي ليست الآخر. صورة الآخر بناء في المخيال وفي الخطاب". لذلك فمفهوم"الآخر" هو من إختراع الذات، لا بمعنى إنكار وجوده الواقعي، وإنما وجوده هو وجود تصوري "من وحي المُخيَلة "مُخيَلة الأنا".

من النادر القليل أن ترى الذات في الآخر خيارها الإيجابي في الوجود وفي التكامل المعرفي، وأغلب الأمم تُعاني من تضخم النظرة للذات "القومية" أو "الوطنية" أو "الدينية" وتحصيل الحاصل"الطائفية"، وكلما إزدادت الذات تضخماً، إزداد حضور الآخر (المُغّيب) في الغالب حضوره المُعارض، إن كان هذا الآخر مُغايراً للذات في المعتقد الأيديولوجي أو الديني أو الطائفي، ويكون الحضور إيجابياً في حال كان هذا الآخر متماهياً مع مقولات الأنا "المتضخمة أو مُدرك لسيكالوجيتها المرضية القائمة على النظر للذات بوصفها أكثر نقاءً في الأصل "الوجود" وفي "المعرفة" وإدراكها للـ "اليقين".

هذا الوعي المتضخم للذات هو الذي أنتج ما يُسمى "الهويات الفرعية" التي تأتي كرد فعل للممارسة الإقصائية للذات الشمولية التي تدعي أو يتبنى دُعاتها أنهم من الذين إصطفتهم الإرادة الإلهية، أو إقتضت وجودهم الحتمية التاريخية ليكونوا "المخلصين" أو مُلًاك الحقيقة ورُبَانيي "سفينة النجاة"، وأصحاب "الفرقة الناجية" بالمفهوم الإسلامي.

وقد وظف كثير من أحزاب الأحزاب العلمانية هذه الفكرة، ومنهم حزب البعث الذي إدعى منظروه أنه "الحزب القائد" وأن صدام حسين هو الحاكم الفليسوف أو الفيلسوف الحاكم و "القائد الضرورة" الذي أنجبه التاريخ كي يكون "المخلص" للعراق والأمة العربية من هيمنة الإستعمار والتبعية للغرب!!.

إن هذا الشكل من التفكير المولَد للهويات الفرعية، يجعل منها هوية ُمُباينة للهوية الإقصائية لكل أنظمة الحكم الشمولية، فبدل من أن تبني هذه الأنظمة ذات الطابع الشمولي في الحكم وطناً ذو بُعد قومي، غيبت الهوية الوطنية وكرهنا إمتدادها القومي، فصرنا نبحث عن مماثلات للهويتنا الفرعية خارج حدود الوطن كي نحتمي بها، ولربما نكون سدها المنيع في وجه كل من لا يرتضي لرؤيتها الأيديولوجية وجوداً، فصار الشيعي في زمن صدام مواطناً من الدرجة الثالثة، فالتكارتة وأبناء العوجة من الدرجة الأولى، ثم أبناء الغربية عموماً من الدرجة الثانية، ثم الشيعي من الدرجة الثالثة، وربما يكون الكوردي في الدرجة الرابعة وفي الدرك الأسفل في سُلم أولويات السلطة "القومجية". وباقي الديانات والوقوميات من مسيحيين وتركمان وأيزيديين وصابئة وشبك، هم منسيون على قاعدة المثل الشعبي "إلَهم الله"، وإن كان فيهم بعض الشخصيات مؤثرة، فليس لأنها لها القُدَرة على أن تُعلن ولائها القومي أو الديني أو الطائفي، بل لأنها لا ولاء لها إلَا للـ "الحزب القئد" و للـ "القائد الضرورة".

إن وعي الهوية في المتضخم يؤدي بالضرورة إلى إعلان الهويات الفرعية كما ذكرنا عن وجودها، وكلما إزدادت "الذات المُهيمنة" تعالياً، إزدادت الهويات الفرعية عناداً في إعلانها عن وجودها في الرفض والممانعة. وستزداد "الهويات الفرعية" تماسكاً كلما إزدادت "الذات الشمولية" الحاكمة توهماً بأنها تمتلك آليات "الخلاص" بوصفها المالكة للحق والوصية على تطبيقه، لتبحث "الهوية الفرعية" عن تشاكل هوياتي لها خارج نطاق الحكومة المالكة لزمام السلطة، ولربما خارج الحدود الجغرافية للوطن.

إن خطاب الأنا او الذات "المُتضخمة" ينتج بالضرورة خطاباً مُغايراً، يجعل "الآخر" ضداً نوعياً يُهدد وجود الأنا، كما هو حاصل اليوم في في خطاب القوميويين والإسلاميين، و "المتفرنجين"، بعبارة الوردي.

الآخر بوصفه مكمل للذات:

هناك من يرى أن صورة الذات لا تكتمل إلا بوجود الضد "الآخر"، سلباً أو إيجاباً، ففي نفي الذات بترٌ لوجود الآخر وحضوره في الإقصاء أو في التفاعل، ففي الحضور نجد ريكور يؤكد أن لا إكتمال لوجود الذات من دون وجود الآخر، فـ "الذات عينها كآخر"، ومع ديكارت نجد أن وجود الذات كذات مُفكرة هو الوجود الحقيقي الذي نستطيع فهم وجود الوجود "الآخر" من خلالها، بينما نجد تشارلس ساندرس بيرس يرى أن هذا الشك الديكارتي الذي سُمَسض بأنه "شك منهجي" ليس سوى شك مُفتعل، لأن وجودنا الحقيقي يُدَرك عبر الموجودات وإدراكنا المخبري والتجريبي لها، فهناك كثير من الكائنات الحية مثل الحيونات" موجودة، تأكل وتتنفس، والشك بوجودها لا يُمكن أن يكون شكاً منهجياً، إنما هو شك مُصطنع لأنها كائنات لها وجودها الواقعي، لأنها تعيش فيما بيننا، وإدعاء الشك في وجودها في واقعنا بين ظهرامنينا إنما هو مُعاندة شكية لا منهجية، لأنها خارج مُقتضيات التجربة الحسية.

الإستشراق وخطاب المركزية:

في الإستشراق خطابات في تنمية الوعي المعرفي بتراثنا ما يفوق سعينا لمعرفة ذاتنا المُتشضية عبر مراحل التاريخ، ولكن في الإستشراق وجه آخر متضامن مع السعي الكولينالي للهيمنة على بلدان الشرق الأوسط والعلالم الإسلامي و "التمركز (الغربي) حول الذات" بعبارة عبدالله إيراهيم، بل وحتى " التمركز (العربي) حول الذات"، فبقيت الذات أسيرة مقولة "المطابقة والإختلاف" أيضاً بعبارة عبدالله إبراهيم، ففكر المطابقة يسعى إلى الإنغماس في التراث والغوص فيه والهيام في سحر مقولاته، وجماعة الإختلاف، يسعون للمُغايرة ونسف مقولات التراث وتوهمات أصحابه، وجماعة "المطابقة" مسخٌ لا هوية لهم.

قيل في المثل العربي "أن الناس أعداء ما جهلوا"، ولكنني أرى أن معرفة الآخر أحد أسباب رفضه، وجهل الآخر سبب أكبر للرفض، فمعرفة الآخر تعني الغوص أكثر في أنماط تحولاته المعرفية وجذور مُتبنياته الأيديولوجية التي ـ ربما ـ فيها إختلاف في التبني، فعند الآخرـ عادةـ ما يكون أساس التبني عنده قائم على الإستنباط والمعرفة البرهانية، فيما يكون نمط المعرفة عندنا قائم على الوجدان والمعرفة الباطنية، وربما يكون هذا الفارق المعرفي أحد أسباب الرفض لا القبول للآخر، لمعرفتنا بإختلافنا وإفتراقنا في الرؤية و المنهج، أما في جهلنا للآخر ففيه قصد واضح وإمعانٌ في الرفض، فليس من ثقافتنا قبول المُعارض وليس منا من كان مُخالفاُ لنا في الرأي والمُعتقد.

 

 

ali almirhig

يُعد ماجد الغراباوي أحد الكتاب العراقيين المهتمين بتجديد الفكر الديني. إنشغل بقراءة التراث منذ دراسته للعلوم الإسلامية وانتمائه الآيديولوجي والعقائدي في الدفاع عن التجديد بوصفه إتجاهاً دافع عن قيمة الإجتهاد بوصفه إنفتاحاً في الرؤية ويحمل بين طياته إيماناً بقدرة العقل الإنساني وفاعليته في مقابل النص لا سيما بعد توقف باب الاجتهاد في الفكر السني عند الفقهاء الأربع، الذي إعترض على توقفه جمال الدين الأفغاني في المذاهب الأربع بقولته الشهيرة:"من أوقف باب الإجتهاد، فنحن رجال وهم رجال"؟، يقصد بذلك الأفغاني الفقهاء الأربع "ابن حنبل وأبو حنيفة والشافعي والمالكي"، فهم رجال إجتهدوا، ولكل مجتهد نصيب، ونحن رجال يُمكن لنا أن نجتهد، ولنا نصيب في إجتهادنا، فنحن أيضاً بشر مثلهم منحنا الله عقولاً، لها مقدرة التفقه بعلوم اللغة والفقه والفلسفة، بما يسمح لنا بالإجتهاد، ومعرفة موجباته وشروطه مثلما فهمها الفقهاء الأربع في ضوء فهمهم لعلوم اللغة والفقه وأسباب النزول ومعرفة المُحكم والمتشابه من آي الذكر الحكيم. ولأن النص القرآني يُمكن أن يُصاب بأعراض كأي حقيقة من الحقائق - كما يقول مرتضى مطهري - وهو كالماء الذي ينبع من العين الصافية، بُيد أنه يتلوث بمجرد جريانه في الأنهار، بحيث يجب تطهيره وتعقيمه من الملوثات" . وتلك هي مهمة المجتهدين المجددين، مثلما هي مهمة الفلاسفة، لا سيما إبن رشد وهي تنقية فلسفة أرسطو مما علق بها من شوائب الشُراح.

لذلك كان دعوى الغرباوي مبنية على ضرورة تنمية الوعي وعدم تهيب الممنوع، "وإنما يتوغل في الشك حتى يفهم الواقع". متبنياً الدعوة لبتبني "الثقافة النقدية" وتجاوز الثقافة المنغلقة التي لا تُفضي إلّا لواقع سلبي يُغيّب الوعي ويُعتّم الرؤية.

تنمية الوعي النقدي عند الغرباوي يتم بطريقين:

1- تنمية وعي رسالي مُتجدد، يستطيع تحدي الممنوع، عبر إعادة تشكيل للوعي داخل فضاء معرفي، بمرجعيات تُجدد فهمها للنص الديني من خلال إدراكها للمستجدات الحياتية والواقع المُتغير بككل ديناميكيته وحيويته.

2- عدم التسليم بالفهم الساذج للخطاب الديني الذي يستغل عواطف الناس ويلعب على وتر الوجدان، لتغييب عقل الإنسان ووعيه.

يكمن تحقيق هذين الهدفين بقراءة التراث عند الغرباوي قراءة تاريخانية بعبارة عبد الله العروي وتجاوز "الفهم التراثي للتراث" بعبارة محمد عابد الجابري والقطيعة مع هذا الفهم للتراث، لا لرفضه، بل لإعادة الوصل به عبر فهم وظيفته اليديولوجية تاريخياً، كي نُعيد وصله بحاضرنا بما يُمكننا من توظيفه لتطوير مستقبلنا.

فالأمة تحتاج لخطاب ثقافي منفتح لا يتكور فيها الإنسان حول فهمه الترثي المؤطر بحمولة الماضي فقط بوصفه الخطاب الوحيد الناجع لحل مشكل "النهضة. لذلك ينبغي لنا الإنفتاح على كل الخطابات المغايرة، لأن خطاب الآخر المختلف، هو عين أخرى تُرينا عيوبنا التي ترفض أعيننا رؤياها، ومن عيوبنا توالد المقدس وتوليده المستمر في منظومتنا الدينية والاجتماعية الذي عطل هو الآخر كثير ممارساتنا الثقافية والنقدية التي يتوقف عليها تطورنا الحضاري والفكري وحتى الديني، ف "الذات عينها كآخر" بعبارة بول ريكور.

لذلك يحاول الغرباوي الخروج من التصنيف التقليدي للمفكرين العرب، المغتربين زمانياً والمنزوين في غرف "التراث" أو الماضي، أو المغتربين مكانياً، من "المتفرنجين" بعبارة علي الوردي المقلدين لثقافة الغرب، يسيرون معها تابعين، يحذون حذوها "حذو النعل بالنعل" بعبارة ابن سبعين في نقده لإبن رشد في إتباعه لأرسطو.

 

د. علي المرهج

أستاذ الفلسفة - جامعة المستنصرية / بغداد

.........................

يذكر ان لماجد الغرباوي 25 عملاً مطبوعاً، تأليفاً، وتحقيقاً، وحواراً، وترجمة، إضافة الى عدد كبير من الدراسات والبحوث والمقالات في مجلات وصحف ومواقع الكترونية مختلفة.

وقد صدر له:

- إشكاليات التجديد (3 طبعات)، 2000م،2001م و2017م.

- التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الأديان والثقافات (طبعتان)، 2006م و2008م.

- تحديات العنف، 2009م.

- الضد النوعي للاستبداد .. استفهامات حول جدوى المشروع السياسي الديني، 2010م.

- الشيخ محمد حسين النائيني .. منظّر الحركة الدستورية (طبعتان)، 1999م و2012م.

- الحركات الإسلامية.. قراءة نقدية في تجليات الوعي، 2015م.

- جدلية السياسة والوعي.. قراءة في تداعيات السلطة والحكم في العراق، 2016م.

- الشيخ المفيد وعلوم الحديث، 1992م.

- ترجمة كتاب الدين والفكر في شراك الاستبداد، 2001م.

- تحقيق كتاب نهاية الدراية في علوم الحديث

كتب حوارات معه

- المرأة والقرآن .. حوار في إشكاليات التشريع / حاورته: د. ماجدة غضبان، 2015م.

- إخفاقات الوعي الديني.. حوار في تداعيات النكوص الحضاري / حاوره: سلام البهية السماوي، 2016م.

- رهانات السلطة في العراق .. حوار في أيديولوجيا التوظيف السياسي/ حاوره: طارق الكناني، 2017م.

- مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في مُنحنيات الأسطرة واللامعقول الديني / حاوره: طارق الكناني، 2017م.

كتب صدرت عنه

- جدلية العنف والتسامح .. قراءة في المشروع الإصلاحي لماجد الغرباوي/ د. صالح الرزوق، 2016م.

 

 للاطلاع

http://www.almothaqaf.com/k/majedalgharbawi