موسى فرجكل العراقيين الجيدين بعثيين وإن لم ينتموا ...كان هذا شعار نظام صدام وهو شعار ينطوي على جانبين:

الأول: أنه يحشر قسراً كل العراقيين ضمن البعث... الا أن ذلك تبين كذبه بعد سقوط صدام وتشكيل هيئة اجتثاث البعث فقد تبين أنه رغم كل جهود البعث وكل جهود صدام واجهزته القمعية ورغم ربط إحساس العراقي بالأمان على حياته وحياة عائلته ومصدر رزقه بانتمائه للبعث فإن الغالبية العظمى من العراقيين رفضت الانتماء لحزب البعث وبالنتيجة لم يكونوا بعثيين...

الثاني: رغم أنه من غير المنطقي ان ينظر المرء صالحاً كان ام طالحاً لنفسه على أنه غير جيد وسيبندي فإن ارتباط الجودة بالانتماء للبعث لم تغر العراقيين بالانتماء إليه وتبين لاحقاً أن العراقيين الجيدين كانوا خارج أحضان البعث الدافئة وان من هم في حضنه الرؤوم – عدا الاستثناء منهم – غير جيدين وسيبنديه ...

سقط حكم الاستبداد وذهب شعاره الى معجم النكات الشعبية وحل حكم الفساد فابتدع شعار: كل الرافضين للفساد مندسون وإن لم يعلموا...وفي هذا لابد من لفت النظر الى قضيتين الأولى لغويه والثانية موضوعيه ...

الجانب اللغوي: لا يحتاج المرء لتصفح قواميس اللغة العربية ليفهم بأن مفردة المُندَسّ تعني المتخفي بين الجموع وفي هذه الحالة فإن الجموع هي الحالة العامة بينما المندَّس استثناء وبديهي أنه لا يعتد بالاستثناء في الحكم على الجموع ...

أمر آخر ...حتى النبي (ص) يوم حذر من الدساس فقد قصد به الخال ولم يقصد العم فقال: استَجِيدوا الخالَ فإن العِرقَ دسّاسٌ...وهذا يعني أن المندسّ في مظاهرات تموز إن وجد فإنما كان خالاً ولم يكُ عمّا...

فاذا كانت الجموع هي القاعدة والاندساس هي الاستثناء فهل يجوز التعامل مع مظاهرات تموز بالرصاص الحي ...؟ وإذا كان الخال هو من ينبغي توجيه البنادق إليه فَلٍمَّ تزوغ فوهاتكم عنه وتصوبوها للأعمام...؟

الجانب الموضوعي: 15عام والعراقي يتوجع باستعطاف ويطالب بتوسل ويتظاهر بأدب جم لكنكم كنتم تواجهونه بالصمم والاستخفاف واللامبالاة أفّإن غضب وركلكم على اقفيتكم وآذى فوهاتكم قلتم عنه مخرب ومندسّ ...؟

لنناقش الجانب الموضوعي برويه:

– العبادي يوجه والعبادي يقرر والعبادي يُفصّل...إذا الأمور تنحل بالتوجيهات وين جنت صار لك سنين والعالم تتلظى بين الفقر والبطالة وانعدام الخدمات...؟ لازم مشغول بالكتله الأكبر ...

- العبادي يأمر بصرف 3,5 تريليون دينار للبصرة فوراً...

مو تكَولون فلوس ماكو..؟ أشو طلعت الفلوس، ومو تكَولون نظامنا برلماني حداثوي دستوري قانوني مؤسساتي..؟ أشو تحولتوا الى هارون الرشيد وأومأتم بطرف حاجبكم لحاجبكم إن أعطوه تريليونات من الدنانير وعشرة آلاف من الدرجات الوظيفية وما شاء من الجواري واترسوا خرجه رطبا...؟؟

اذا عندك هلكَد فلوس ليش صارهن ونايم عليهن ..؟ متخاف يكَولون عليك عكّه...؟.

خل شويه نحجي على التريليونات ...

-ترليونات الموازنه الحاليه وتتجاوز 104 تريليون دينار وهي ثاني أضخم موازنة في المنطقة بعد السعودية ...

-تريليونات مؤتمر الكويت بين الكاش والتعهدات تجاوزت 33 مليار دولار...

-تريليونات ارتفاع أسعار النفط فقد صدرت الموازنة الحالية محسوبة على أساس سعر 46 دولار للبرميل في حين سعر بيع البرميل اليوم تجاوز 72 دولار وهم ما يعني زيادة في الإيرادات الفعلية عن المخمنة تتجاوز 34% وتتجاوز 30 مليار دولار ...

هذا الكم الهائل من الأموال هل عالجت به فقراً...؟ لا...

هل عالجت به بطالة...؟ أيضا لا...

هل حسنت به كهرباء...؟ وايضاً لا...

بل على النقيض من ذلك لا يمر أسبوع دون أن تصدر فرمان جديد لفرض ضرائب جديده وخفض الرواتب والأجور، والأمر محصور بالفئات الدنيا أما برلمانيك ووزراءك ورئاساتك فالأمر لا يعنيهم البته ...

أمر آخر ...الى ماذا انتهت تهديداتك بالويل والثبور وعظائم الأمور للفاسدين ...؟.

- هل فتحت ملف فساد البنك المركزي الذي انت قلت بعظمة لسانك أن الفساد فيه يتجاوز 100 مليار دولار ...؟ لا ...

- هل فتحت ملف المشاريع الوهمية والفاشلة الذي يتجاوز 228 مليار دولار والمسؤولة عنه أمانة مجلس الوزراء ...؟ لا...

-هل استردت عقارات الدولة المنهوبة من قبل أحزاب السلطة والتي تتجاوز مجموع أقيامها نصف ترليون دولار...؟ لا...

لأن المعنيين بالملفات المذكورة هم البرامكة وأنت لست هارون فتحل عليهم نكبتك العزوم ...

حواريك يجتهدون في ابعادك عن مسؤولية ما يحصل وإلقاء اللوم على الحكومة السابقة لك وهي برئاسة أمين حزبك وليس بعيد، ثم يا اخي أنت ترى بأم عينيك أن "المندسون كما تسمونهم" لم يدخروا مقراً لأحد أحزاب السلطة أو يستثنوه من الحرق ..حزب الدعوه، الحكمه، المجلس الأعلى،حزب الفضيله ..أليست هذه الأحزاب هي التي تمثل المكوّن المحسود والمتهم بأن يده بالدهن ...؟ لم يكن دهناً بل كام ماء مالح...

من زمان وقد قلنا أنه نظام حكم البطانات وليس المكونات لكن بختكم بالوعي الجمعي ...

أما عن تخلل المظاهرات حرق وتجاوز على مفاصل الدولة فإنه مرفوض قطعاً ولكن يبرره عاملان الأول: منذ 7سنوات والمظاهرات مستمرة ولكنكم تعاملونها وفق منطق "الإمام الما يشوّر يسمّوه أبو الخركَ " فأراد القوم أن يعرفونكم ببعض من شارتهم، الثاني: قيل قديماً أن الجنون حالة متقدمة من الغضب والغاضب حد المجنون ليس عليه حرج ولكن الحرج كل الحرج على من جننه...

ومن زمان قلنا لكم: فسادكم يسقطكم لكنكم لا ترعوون...

مرحى للرافضين للفساد أينما كانوا ومرحى للمتظاهرين في غضبهم وفي مرحهم ...

 

موسى فرج

 

 

سليم الحسنيليست هذه العبارة هي عنوان المقال، إنما هي قرار السفارة الأميركية في بغداد، جاء جاهزاً بعد دراسة وتخطيط ومراجعة للمشهد العراقي، فهو قرار الحكومة الأميركية بشأن السنوات الأربع القادمة.

تصميم التزوير الانتخابي وقرارات المحكمة الاتحادية، وما سيعقبها من تمرير نتائج الفرز اليدوي، والمصادقة على النتائج النهائية بتعديلات بسيطة، كلها جرت بعناية وترتيب لتكون كتلة (سائرون) هي أساس الكتلة الأكبر، ومن ثم تتحكم في اختيار رئيس الوزراء الجديد.

يعرف السيد مقتدى الصدر هذا الدعم الأميركي لكتلته، وذلك من خلال مشروع الكويت الذي طُرح في شهر رمضان، ويعرف أن هذا المحور الخليجي هو الأقوى بفضل الاشراف الأميركي المباشر عليه، ولذلك فقد حسم أمره بأن يسير بهذا الاتجاه، وبذلك يضمن الفوز الميداني والبرلماني والحكومي، وتكون قصاصاته الورقية هي المتحكمة بالحكومة.

من جانبه لا يجد حيدر العبادي أفضل من الإتكاء على السيد مقتدى الصدر، فلقد جربه من قبل في عام ٢٠١٦، وأخرجه سالماً من سحب الثقة عن حكومته، في أصعب الأيام وأحرجها. والعبادي يعرف الثمن، وهو مستعد لدفعه للسيد مقتدى الصدر، فهو ليس أكثر من طاعة وكلمة (نعم)، وهو ثمن هزيل عند العبادي مقابل بقائه في المنصب الغالي.

قبيل انطلاق التظاهرات الشعبية في البصرة بأيام قليلة، كانت صورة التحالفات قد بدأت تتبلور في شكلها الأقرب للتحقق، وذلك بتحالف الفتح ودولة القانون وعدة قوائم منضوية في النصر مع قوائم كردية وسنية.

لكن تظاهرات البصرة والتي بدأت بعفوية بسبب الكهرباء وتردي الخدمات، فتحت باباً أمام العبادي ومقتدى الصدر لسرقتها وتوظيفها في صالحهما، فكان أن خرج أتباع مقتدى الصدر في النجف في سيطرتهم على المدينة ومطارها واعمال الشغب التي قاموا بها.

بحسابات المصالح السياسية، فان افتعال تظاهرات النجف بعنفها وتخريبها، كانت خطوة ذكية، فقد أربكت حركة التحالفات من جهة، ووضعت المشهد السياسي على العربة الهزازة. فإذا تشكلت الكتلة الأكبر من دون (سائرون) فحركة الجماهير يمكن توجيهها نحو الشغب والعنف والفوضى، وهذا ما برزت ملامحه في بعض المناطق ومنها البصرة.

مقتدى الصدر وحيدر العبادي، وضعا كامل ثقتهما بالوعد الأميركي، وقد أهملا حقيقتين مهمتين:

الأولى: إن جمهور التظاهرات المطلبية، اكتشف ما تسببه التيار الصدري من تشويه لحركته، لذلك رفض متظاهرو البصرة استقبال وفد مقتدى الصدر. ومن المرجح أنهم سيلفظون العناصر المندسة من بين صفوفهم، ويتمسكون بالسلمية، وبذلك تتفتت الخطة الأميركية وتنهار دعاماتها.

والثانية: إن أميركا تضع الأزمة المحلية كجزء من معادلة دولية، وهي مستعدة للشطب على الخطة المحلية، بمجرد أن تشعر بأن المكسب الدولي صار في متناول اليد. كما أنها تعتمد التضحية بأدوات التنفيذ، فاذا ما نجح مقتدى الصدر وحيدر العبادي في صناعة أزمة كبيرة في العراق، فأنها ستقدمهما كأول الضحايا وتجعلهما يجلسان في المقاعد الهامشية. ولو أنهما بذلا بعض الجهد في قراءة شيء من تجارب أميركا في إدارة الأزمات لعرفا ذلك.

نقطة أخرى تخص السيد مقتدى الصدر، فهو لم يكتشف بعد حليفه العبادي، ويظن به خيراً، ويتعامل معه على أساس الاتفاقات والتواقيع على المواثيق، وسيكتشف في لحظة ـ ليس فيها عودة ـ أن العبادي سيدير له ظهره، ويمضي مع السفارة الأميركية في هدف أكبر، هو تهميش السيد مقتدى الصدر واضعافه، بعد ان تنتهي صلاحية الحاجة اليه.

 

سليم الحسني

 

 

يوسف ابوالفوزفي العاصمة الفنلندية، هلسنكي، انعقد الاثنين، السادس عشر من تموزالجاري، أجتماع القمة، الذي جمع رئيس الولايات المتحدة الامريكية، دونالد ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وسط اجراءات أمنية مشددة، لم تألفها فنلندا من قبل، شملت مطارات وحدود البلاد وأماكن اقامة الرئيس الامريكي، حيث أغلقت العديد من الشوارع القريبة من مكان الاجتماع في القصر الجمهوري، واغلقت باحكام حتى منافذ المجاري الصحية المؤدية الى القصر الجمهوري.

وصل الرئيس الامريكي الى فنلندا مساء الاحد قادما من اسكتلندا، حيث قام بجولة اوربية توقف خلالها أيضا في بروكسل ولندن، وسادها التوتر، حيث انتقد حلفاء الولايات المتحدة بشدة فيما يتعلق بالتجارة والإنفاق العسكري.

بينما وصلها الرئيس الروسي يوم الاثنين، الساعة الواحدة ظهرا بتوقيت فنلندا، متأخرا بعض الشيء عن موعده المحدد مما أجرى تغييرا في مجمل جداول العمل، وعلقت بعض الصحف الفنلندية بأنه جزء مما سمته "الحرب النفسية". ووصل العاصمة هلسنكي، حوالي 1800 صحفيا، من 61 بلدا، لتغطية أعمال القمة، علاقات فنلندا، البلد المضيف، مع كل من روسيا وامريكا، وتسليط الضوء على الزيارات السابقة التي قام بها كل من بوتين وترامب الى فنلندا. وأذا كان الرئيس ترامب قد زار البلاد عام 1992 وعام 2006 ،كرجل اعمال ولاغراض تجارية، فأن الرئيس الروسي الجار، والذي خلال توليه مهام رئيس الوزراء ومهام رئيس الجمهورية في روسيا الاتحادية، كان قد زار فنلندا اكثر من عشر مرات، لاغراض سياسية واقتصادية، وعرف بأرتباطه بعلاقات ودية مع الكثير من سياسي البلاد بمن فيهم الرئيس الفنلندي الحالي، ساولي نينستو، الذي تحضى سياسته برضا الدوائر الروسية، مما دفع البعض الى القول بأن فوزه في الانتخابات الرئاسية، مطلع هذا العام ومن المرحلة الاولى، وهذا حصل لاول مرة في تاريخ فنلندا ، كان بدعم من الرئيس بوتين، لكون الرئيس الفنلندي لا يزال يمانع من دخول بلاده عضوية حلف الناتو، بالرغم من رغبات حزبه الذي يدعو لأنضمام فنلندا الى الحلف.

ومن بين كل الاسئلة، التي سلطت وسائل الاعلام عليها الضوء كان : لماذا هلسنكي مكانا للاجتماع؟.

كل الاطراف المعنية بالاجتماع، اوضحت بان هناك عدة اسباب، منها التأريخ الذي تمتع به فنلندا في استضافة مؤتمرات وقمم دولية تعني بالسلام العالمي، ودورها كدولة خارج المحاور، فهي ليست عضوا في حلف الناتو، وان كانت لها علاقات تنسيقية معه في نشاطات متعددة، وحسب ميكا أتولا، مدير معهد السياسة الخارجية الفنلندي، فأن الرئيس الفنلندي، ساولي نينيستو، حافظ على خط حيادي واضح للسياسة الخارجية مع توازن في الالتزامات تجاه موسكو وواشنطن، وفق ما يسمى بـ "سياسة الاستقرار النشطة"، التي تشمل ركائز أساسية: منها الحفاظ على سياسة دفاعية، علاقات طيبة مع روسيا، احترام حلف شمال الأطلسي"الناتو" ودعم المؤسسات الأوروبية. وايضا قرب هلسنكي الجغرافي من العاصمة الروسية، حيث أرتبط الرئيس بوتين بحضور نهائيات كأس العالم في كرة القدم، التي جرت مبارياتها على ارض بلاده، من جانب اخر كان الرئيس الامريكي يقوم بجولتة الاوربية على مقربة من مكان القمة.

ويعتبر هذا الاجتماع رسميا، الاجتماع الاول، الذي ضم الرئيسين بشكل مستقل وليس على هامش مؤتمرات واجتماعات دولية، فقبل عام التقى بوتين وترامب لأول مرة في هامبورغ بألمانيا على هامش اجتماع مجموعة العشرين، ثم اجتمعا لفترة وجيزة في فيتنام في تشرين الثاني / نوفمبر 2017 في قمة أبيك. وكان الكرملين قد قال في وقت سابق إن الرئيسين يعتزمان خلال القمة مناقشة آفاق إعادة العلاقات الثنائية المتدهورة إلى طبيعتها، والقضايا الدولية الراهنة على الساحة العالمية.

في اول ظهور صحفي لهما معا، في القصر الجمهوري في فنلندا، قبيل اجتماعهما المنفرد بدون مساعدين، اشار الرئيس الروسي الى ان التواصل مع الرئيس الامريكي كان مستمرا، سواء عبر التلفون، او على هامش بعض اللقاءات الدولية ، واكد ان اللقاء المباشر سيوفر الفرصة للحديث في الكثير من الملفات المهمة. من جانبه قال الرئيس الامريكي إنه يتوقع علاقة "استثنائية" مع فلاديمير بوتين. وابتدأ حديثه بالثناء على روسيا في تنظيمها بطولة كأس العالم، واشار الى ان هناك الكثير من الملفات للحديث عنها في الاقتصاد والسياسة ،الترسانة النووية وايضا الصين. واكد ان العلاقات مع روسيا في السنوات الاخيرة مرت بمواقف صعبه، ولكنه متأكد ان العلاقة ستتحسن. وشمل برنامج اللقاء محادثات ثنائية بين ترامب وبوتين بدون مساعدين، كان مقررا لها ان تستمر ساعة ونصف، لكنها استمرت ساعتين وربع، ثم تواصل الاجتماع بوجود مساعدين، ثم المؤتمر الصحفي المشترك.

في المؤتمر الصحفي، الذي طرد قبيل بدأه صحفي، كان بحوزته لافتة صغيرة ضد الاسلحة النووية، أشاد الرئيسان ترامب وبوتين بأجواء المباحثات التي وصفاها بالصريحة، ووصف الرئيس الروسي القمة بـالناجحة والمثمرة، وان اجواءها كانت بناءة وإيجابية، وأنها مثلت الخطوة الأولى في سبيل إزالة الأنقاض في العلاقات بين البلدين. وبنفس الوقت أكد أن هناك مشاكل كثيرة بين البلدين، وان توحيد جهود روسيا والولايات المتحدة سيساهم في مواجهة التحديات وهي كثيرة، واشار الى الازمات الاقليمية، استقرار الامن الدولي، الارهاب الدولي وأيضا مشاكل الاقتصاد العالمي .

وأشار الرئيس الامريكي دونالد ترامب، من جانبه ، الى أن العلاقات الروسية الامريكية كانت في اسوأ حالاتها قبل القمة، محملا الادارات السابقة مسؤولية ذلك، وانها ستكون بشكل اخر بعد اربع ساعات من المفاوضات، التي قال انها شهدت حوارا مثمرا ومنفتحا لاجل ايجاد سبل للتعاون وفق القواسم المشتركة.

في المؤتمر الصحفي المشترك للرئيسين، احتلت قضية 12 روسيا اتهموا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الامريكية 2016، حيزا ليس قليلا في اجوبة الرئيسين، وبدا الرئيسان متوافقان في الرد حول هذا الموضوع . تحدث الرئيس الامريكي عن الموضوع بانفعال واعتبر القضية مثارة من قبل الديمقراطيين لانهم خسروا الانتخابات وانه فاز بحملة انتخابية متميزة، ومن جانبه نفى الرئيس بوتين أن تكون روسيا قد تدخلت في الشؤون الداخلية الأميركية، وخاصة في الانتخابات الرئاسية، وأشار الى ان تدخل افراد بصفتهم الشخصية لا يمكن تحميله لأي دولة، ووجه الدعوة للمحقق روبرت مولر ان يطلب من روسيا استجواب المتهمين وفق الاتفاقات الدولية بين البلدين.

ولم ينس الرئيسان تناول موضوع الشرق الاوسط ، فاشارا الى انهما عازمان لايجاد حلول دبلوماسية سياسية لاحلال السلام في المنطقة . وقال الرئيس بوتين انه بما يتعلق بسوريا، فإن مهمة إحلال السلام والوفاق هناك قد تكون أول فرصة لإبراز نموذج للعمل المشترك واكد على ضرورة تنشيط الجهود لتقديم المساعدات الانسانية واعتبر ان عودة الكثير من النازحين الى مناطقهم سيخفف الضغط على اوربا . ومن جانبه قال الرئيس ترامب ان البلدان يريدان مساعدة الشعب السوري ، وشدد على أهمية الضغط على إيران ، من جانبه قال الرئيس بوتين إنه يدرك معارضة الولايات المتحدة للاتفاق النووي الدولي المبرم مع إيران والذي تؤيده روسيا وبين ان الاجتماع تناول ضرورة الحفاط على امن اسرائيل ، وبادر الرئيس الامريكي للقول بان لجانبين يودان في توفير الأمن لإسرائيل.

يذكر ان اجتماع القمة، استقبل في الشارع الفنلندي بتظاهرات حاشدة قبل واثناء وبعد عقد الاجتماع، ساهم فيها مختلف منظمات المجتمع المدني، التي تنادي بحماية وضمان حقوق الانسان ، حرية التعبير، الديمقراطية وحرية الصحافة وكانت منظمة العفو الدولية نشرت بيانا قبيل القمة تمنت فيه ان يتدخل الرئيس الفنلندي لتذكير ترامب وبوتين بواجباتهما في حماية حقوق الانسان. وكانت استطلاعات سبقت القمة بينت ان هناك شيء واحد يوحد معظم الفنلنديين بغض النظر عن الجنس أو الدخل أو مكان الإقامة، وهو وجهة النظر الحذرة بشأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فان هناك فقط 4 % من الفنلنديين ترى أن ترامب جعل العالم أكثر أمنا ، وان حوالي 70% يعتقدون بأن الرئيس الأمريكي قد أضعف الالتزام بحماية البيئة.

من الطريف ايضا ان الصحافة الفنلندية اثارت خلال ايام القمة كون ملكة جمال فنلندا لعام 2006 ، ضمن قائمة النساء، اللواتي اتهمن الرئيس دونالد ترامب بالتحرش الجنسي وكونه لمس مؤخرتها بشكل اثار اشمئزارها، اثناء تسجيل برنامج تلفزيوني خلال وجودها في الولايات المتحدة الامريكية.

 

هلسنكي ــ يوسف ابو الفوز 

 

 

عبد الخالق الفلاحلو تصفحنا التاریخ ودرسناه بشکله الصحیح وتم مقارنة بين قاد الدولة الیوم ونحن نرى منهم بعض سیاسیوا ألاحزاب الدينية والعلمانية ينهبون ويثرون وينعمون وينامون على الأرائك ونزعوا من قلوبهم مخافة الله تبقي ثورة 14 تموز شعلة واهاجة والمراَة التي يجب ان ينظر من خلالها نحوالحياة وشمس ذلك اليوم سوف لن تغيب وتبقى متجددة في انجاز العشرات من المواقف الوطنیة والأخلاقیة التي خلفتها و كانت الخطوة الأولى في الطریق الصحیح لبناء العراق وبناء انسانه بشكل جدیدة یتناسب مع تطلعات شعبه الكریم من خلال التعلیم والعمران واستعادت الحقوق المغتصبة لهم وفي رفض التبعية لحلف بغداد .والذيلية لبريطانيا، لقد كان لانحسار نفوذ الإقطاع وسن قانون الإصلاح الزراعي وقانون الأحوال الشخصية الضامن لحقوق المرأة وتطوير قطاع التعليم والصحة من الامور الجادة التي لم تتحقق بعده اي انجاز بذلك المستوى من الرقي، وبناء الأحياء السكنية للفلاحين والكسبة والعمال والشرائح الوسطى والفقراء والمعوزين دون استثناء اوكانت ميزة تمثل نقلة من مجتمع الريف إلى مجتمع المدينة. والذي يدفع الناس إلى استحضار ذلك التاريخ فقدانهم لتلك المنجزات الان و بين القائد والزعیم الشهید عبد الكريم قاسم الذي "نجا من ثماني عشرة مؤامرة ومحاولة انقلابية و تعلق بالهوية العراقية رغم كل ذلك ورفع مكانتها الجليلة على ما سواها من الأنتماءات "والحفنة الحاكمة اليوم نرى فيهم فروقات شاسعة في ذلك لان نزاهت وصدق الزعيم مثال فی الوطنیة وتاريخ لا يمكن ان ينساه العراقي ولا يغفل عما قدمه هذا الزعيم والإنسان لشعبه لقد عاش الشعب بمختلف احزابه السياسية ومنظماته الجماهيرية اجواء من الحرية والديمقراطية خاصة في الفترة الاولى التي اعقبت الثورة قبل ان تتعرض الثورة للغدر والمؤامرات والذين مارسوا علیه كل أنواع الذل والتنكیل والقتل والطغیان من خلال الأیادي التي غیبت الزعیم عن الشعب الذي أحبهم واحبوه و لاسيما الفقراء منهم فقد ظهرت للعيان الخدمات التي قدمها للشعب خلال الفترة القصيرة التي حكم بها العراق والمنجزات العظیمة التی فاقت التصورفقد بنى العديد من المدن في بغداد مثل الشعلة والثورة ومدن اخری فی المحافظات فأشهر مناطق سكن هؤلاء النازحين هي منطقة شرق العاصمه ويسمونهم ( شروك العاصمة ) و التي تحولت فيما لمقرات اعتقال لابناء الشعب و محاجر في 8 شباط عام 1963 اي بعد التكالب على ثورة 14 تموز والاطاحة بالثورة وقائدها واعتقال الالاف من ابناء العراق الغيارى فيها والتي كانت تنام على مياه نهر اسنة تسمى شطيط وبنيت عليه معابر من جذوع النخيل ترتجف حين المرور عليها وروائحه تسكم الانفس عن بعد حيث كانت مجمع لابقارالجاموس وتقع في نفس المنطقة القريبه اليوم من ملعب الشعب شمالا وجنوبا في جانب الرصافة قبل بنائه وخلف السده في جنوب بغداد التی اصبحت احياء الثورة وجميلة وفلسطين و القاهرة وبناء قناة الجيش وهي قناة مائية امتدت محاذية للمدينة واحياء اخرى مثل منطقة الشاكريه في كرادة مريم في الكرخ کانوا یعیشون في صرائف كان يتم انشائها من حصير النخل وتقويتها بالطين بلا ماء ولا كهرباء ولا صرف صحي ولا خدمات مع ماشيتهم والمدن التي اسسها الان تعد من اهم المكاسب الذي قدمها الزعيم للفقراء بالعراق وحقق لهم حلمهم فی امتلاك الدار والفقراء من اهل تلك المناطق في بغداد اصبح لهم سکن جماعي خلال مدة زمنية قياسية لم تتجاوز السنة الواحدة مع توفير كل مستلزمات الحياة الطبيعية عليها . بعیدا عن الطائفة والحزب و العشیرة . ولا تقف المنجزات عند خط بناء المدن بل تعدى ذلك الی المصانع والطرق الحدیثة والمدارس التی بلغت قرابة اربعة الاف مدرسة ومئات من المستشفیات والمستوصفات في جميع انحاء العراق من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه دون تمييز عرقي قومي او مذهبي ام ديني و قد يعتقد البعض ان هذا القائد قد استغل منصبه واستولى على الاراضي والدور ولكن بالحقيقة انه لم يكن له منزل يسكنه واستأجر واحدا من جیبه الخاص یدفعه شهریا من راتبه ولم تثبت استغلال احد اقرباءه او مريده تلك الفترة في امتلاكه لاي ثروة مالية تذكرعلى حسابه الزعيم وهذا ما يذكره أعدائه قبل محبيه بل انه لم يملك اي دار او عقارات والدار الوحيد الموروث من والده تبرع بها لتاسيس مدرسة في مدينة الصويره " لا كما يفعله السياسيون اليوم و مثلما يملكون "والجميع يشهد بنزاهته وهي الحقيقة التي لا يتغاضى عنها الجميع على حد سواء .

بل كانت عليه ديون للاخرین تم تسدیدها من قبل اخیة حامد قاسم سددت بعد وفاته او استقطعت من راتبه التقاعدي . الزعيم كان يصب كل جهوده من اجل الوطن وابنائه واخر ما كان يفكر فيه مصلحته الشخصية علی ان تقدم ثورة 14 تموز افضل المنجزات للفقراء والمعوزین والذی یعجز عنه القادة في الوقت الحالي وكم كانت صدمة الحدث كبيرة على أمريكا وبريطانيا ولكن لم تستسلم هذه الدول ا لذلك بل عملوا على أحاكة المؤامرات وأثارة الأوضاع الداخلية وتاليب دول المنطقة الذين كانوا أشد أعداء الثورة .ویمکن الترکیز علی وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) وعلی وما قدمته من مساعدات الى حزب البعث وغيره من العناصر المناوئة للنظام بمن فيهم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر شخصيا للقوی القومیة وكم لعبوا أدوار خبيثة في سبيل تحطيم هذا البلد وتدمير شعبه لكونه نظام وطني حقيقي ومصداق ضرب مصالح الغرب واراد الخير للوطن وللشعب وكذلك عرفت الأجيال اللاحقة لماذا تآمرت (امريكا وبريطانيا وأيران الشاه والسعودية والكويت والأردن ومصر). لا شك ولا ريب ان لكل طرف من هذه الاطراف مصلحته في القضاء على الثورة، ولكل جهة اهدافها، وجميع هذه الجهات والاطراف لم يكن يعنيها خراب العراق وذبح شعبه بل تسعى جاهدة لذلك وبذلوا الملايين من الدولارات في سبيل اسقاط العملية الديمقراطية في العراق طالما كان في هذه التجربة شيئا من خطورة انتقال عدواها الى شعوبهم، لأن النظام الملكي بالعراق كان يعتبرأحد أهم معاقل وركائز الأستعمار الأمريكي والبريطاني والغربي في واحدة من اهم مناطق العالم، ورغم انها لم تمضی علیها السنوات الاربع والنیف من عمرها حققت للعراق الكثير الا انها تختلف عن باقي الثورات في العالم العربي فی نقطة واحده وهی مصیر العائلة المالکة حیث لم يكن هناك تخطيط مسبق عن مصيرهم او فرضتها ظروف الفوضى والغضب الشعبی العارم التي حدثت او حب الانتقام من قبل البعض من ضعفاء النفوس ممن اشترکوا معه فی الثورة اوانعکاسة الغضب الجماهیری تجاه بعض الاشخاص من رجال النظام الملکي والتی ادت الی مقتل الملك وعائلته والوصي عبد الإله نتیجة الارتباك الحاصل فی القوة العسکریة المکلفة بالمهمة فی السیطرة علی القصر الملکي (الرحاب) وهذا ما يحسب على الثورة ولعل اللوم كل اللوم يقع على عاتق تهور الضابط النقيب عبد الستار سبع العبوسي الذي اصیب بعدها بنکسة صحیة نفسیة ویقال انه قتل نفسه اثرها وهو اول من اطلق النار على العائلة الملكية وهی جنایة تاریخیة ضد الانسانية بالعراق منذ تأسيس الدولة العراقية ولم یکن للرجال الزعیم قصوراو ذنب فی تلك الجریمة البشعة والتي عرفت عنه بالعفو والرئفة وحب الخير بعيدا عن الاخطاء التي اقترفت في تلك الفترة . وقد بدأت الثورة في اعمار كافة ميادين الحياة مقرونة بانجازاتها الكبيرة في حقول الاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي والعسكري. الذی لم یرق للبعض من الحکومات و التوجس من قبل دول المنطقة والقوى الكبرى في العالم .لقد اصبحت ذكرى ثورة 14 تموز خالدة على امل تعلم الدروس والعبر المطلوبة منها لوضع العراق على سكة التطور والتقدم في وقت قريب وتكون المدرسة التي يجب ان يتعلم منها ساسة اليوم روح الوفاء والمصداقية واعتماد مبدأ المواطنة وحكم القانون في عراق مدني يوكب الحضارة .

 

عبد الخالق الفلاح - باحث واعلامي.

 

 

معمر حباروأنا أجوب المدينة الساحلية "الڨلتة" إثر زيارتي لها لمدّة 5 أيام هذا الأسبوع رفقة الزوج والأولاد. دخلت المحلّ وسألت صاحبه عن الكتب، فأجاب بعدم وجود الكتب، فقلت في نفسي: هذه واحدة لم تكن في الحسبان. وبعد عناء وطول بحث أخرج كتابين عن "الرقية الشرعية !"، فأجبته: ليس هذه الكتب التي أريدها فهي متوفرة لمن يريدها ويبحث عنها.

يقول لي بحسرة: لم أعد أبيع الكتب كما كنت من قبل، لأنّه لم يعد يشتريها إلاّ واحد أو اثنين، ولذلك ترى أنّي غيّرت دكاني من بيع الكتب إلى بيع السّلع المختلفة ولأغراض مختلفة، باستثناء العلم والقراءة.

أقول له: ما دفعني لدخول دكانك هي العبارة المكتوب على الجدران: "كتب دينية، هدايا وعطور"، لأنّ العبارة خاطئة، ويراد منها تضليل النّاس والتأثير على المستهلك، باعتبار الكتاب مادّة استهلاكية.

طلب المزيد والتوضيح، وهو الشاب المقبل على الحياة، فأضفت وأكرّر وأثبت الآن: لا يوجد مايسمونه "كتاب ديني !"، بل يوجد كتاب بشكل عام، ثمّ تتفرّع عنه التخصّصات المختلفة، ككتب: الفيزياء، التفسير، الكيمياء، الحديث، الذرة، الفقه، الرياضة، الرياضيات، السّيرة النبوية، الطبخ، التاريخ، الرسم، الصواريخ، المنطق، الهندسة، العقيدة، الفلاحة، الميراث، الطب، السّباحة، السّيارات، وغيرها من العلوم التي لا حصر ولا حدّ لها، والتي تظلّ المجتمعات بحاجة إليها لضمان بقائها، والحفاظ على أمنها، ونسيجها الاجتماعي، والسياسي، والثقافي، والفكري.

إنّه لمن الزور والكذب الادّعاء أنّ هناك "كتب دينية !"، شأنها في ذلك من ادّعى أنّ هناك: "سياسة شرعية !"، و"علوم شرعية !"، و"لباس شرعي !"، و"عرس شرعي"، حتّى أنّي تابعت العام الماضي مقطعا لجزار جزائري يقطع أضحية العيد، ويسميها "تقطيع الأضحية على الطريقة الشرعية !"، وتشاء حكمة ربّك أنّي رأيت نفس المقطع لجزار أوروبي محترف وهو يقطع الكبش الذي بين يديه بطريقة فنية عالية الدقّة، لكنّه لم يقل أبدا أنّها طريقة "تقطيع الكبش على الطريقة المسيحية !".

قلت له: لماذا لم تكتب: "هدايا الزواج"، و"هدايا البكالوريا"، و"هدايا الختان"، و"هدايا السكن"، وغيرها من الهدايا المختلفة، وفضّلت استعمال كلمة "هدايا" مجرّدة من كلّ ما يتبعها، ثمّ أضفت: وكذلك الكتب تستعمل مجرّدة دون عبارة "كتب دينية !".

العلم ما تحتاجه الأمّة، والكتاب ما تحتاجه الأمّة، وقد علّمونا ونحن صبية: إذا احتاجت الأمّة لإبرة وجب عليها صنعها وإلاّ كانت آثمة إلى غاية أن تتعلّم صنعها، وأضيف الآن: العلم الذي يدخل منه العدو لأنّ الأمّة لا تتقنه، وجب تعلّمه وتقديمه على سائر العلوم، ويصبح بالتالي من الواجبات المفروضة التي لا يمكن بحال التخلّي عنها، كـ: الطائرات النفاثة، والصواريخ العابرة للقارات، وتفجير الذرة، والفضاء، والبوارج البحرية، وأعماق البحار، واستخراج الثروات، ووسائل الاتّصال، ووسائل النقل الجوي والبحري والبري، والإعلام الآلي، وغيرها من العلوم التي أصبحت فرض على كلّ واحد أن يتعلّمها ويتقنها ويبدع فيها، لأن تبعية الأمّة وهزيمتها وتخلّفها يزداد عمقا وامتدادا يوما بعد يوم، بسبب أنّ الأمّة زهدت في "العلوم غير الشرعية !" ولم تعد تقرأ "الكتب غير الدينية !".

المرء يتعلّم العلوم وهو متشبّع بأخلاق سامية، وحب لوطنه، وتمسّكا بدينه، ووفاء لسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأسيادنا الصحابة وأمهات المؤمنين وآل البيت رضوان الله عليهم جميعا ودون استثناء، فيكون للأمّة حينها عالم ذرة بأخلاق: "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"، الزلزلة - الآية 7-8

سبق لي أن دخلت لأحد مساجد بقلب العاصمة الجزائرية وأنا أزورها يومها، ورأيت لافتة مكتوب عليها: "مكتبة شرعية !"، وكتبت حينها مقال أستنكر فيه التسمية بعنوان: " مكتبة غير شرعية"، بتاريخ: الجمعة: 05 رمضان 1432 هـ، الموافق لـ: 05 أوت 2011.

 

معمر حبار

 

 

صالح الطائيفي مثل هذه المواضيع ذات الحساسية المفرطة لابد من التحدث بداية عن معاني بعض الكلمات والمصطلحات من حيث اللغة والاستخدام الاصطلاحي، فذلك من متممات البحث، ويسهم في تقريب الصورة المُراد رسمها، لاسيما وأن للصمت صورا لا تخطر على بال.

الصمت لغة: السكوت(1) وتصريفها: صَمَتَ يَصْمُتُ صَمْتًا وصُموتًا وصُماتًا. والسكوت: الانقطاع عن الكلام والسكات: مداومة السكوت(2). والصوت: الأثر السمعي الذي تحدثه تموجات ناشئة من اهتزاز جسم ما(3)

أما اصطلاحا: فالصمت على رأي عبد الرؤوف بن المناوي: “فقد الخاطر بوجد حاضر. وقيل: سقوط النطق بظهور الحق. وقيل: انقطاع اللسان عند ظهور العيان”(4). وهو على رأي أيوب بن موسى الحسيني الكفوي: “إمساك عن قوله الباطل دون الحق”(5).

وحتى مع هذه التعريفات تجد أن الصمت ليس هو السكوت بل هو عدم التحدث مطلقا، يقال: هو صامت لا يتكلم وكأنه أخرس. أما السكوت فيكون بعد بدء الكلام ابتداء، يقال: تكلم ثم سكت، وغالبا ما يكون دافع الصمت والسكوت كليهما الخوف، وربما لهذا السبب تجد في تاريخنا الفكري والتربوي الكثير من الوصايا والمواريث والأمثلة التي تحث على السكوت وعدم التحدث، فالخوف من شيم النفوس، وهو أحد أشهر المشتركات البشرية التي يتقاسمها الكبار والصغار، وتشترك فيها القوميات والأمم. في الاتحاد السوفيتي السابق كان جوزيف فيساريونوفيتش ستالين السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفييتي من 1922 حتى 1952 رجلا حاد الطباع دموياً قاسياً، نكل بأصدقائه قبل أعدائه، وحينما توفي عام 1953، تولى قيادة الاتحاد السوفيتي نيكيتا خروشوف الذي لم يتحدث عن سلفه خيرا أو شرا على مدى ثلاث سنوات، ثم تطرق بعد هذا التاريخ أثناء اجتماع القيادة السوفيتية إلى مساوئ ستالين ودمويته ، وبعد أن انتهى من إلقاء كلمته، وجهت إليه أسئلة مكتوبة، جاء في واحد منها قول السائل: لماذا سكت عن سلبيات ستالين ثلاث سنوات لتتحدث الآن؟ قرأ خروشوف السؤال بصوت عال، وطلب من السائل أن يُعرِّف عن نفسه، ولكنه لم يفعل! كرر خروشوف الطلب دون جدوى، وهنا قال: يا رفيقي إن الذي أسكتك ومنعك من التعريف بنفسك الآن هو الذي منعني قبل هذا التاريخ عن التكلم.

هذا الخوف تجوهر فينا نحن العرب طوال تاريخنا لأننا لم نحظ بفرصة حقيقية للحرية الفكرية وذلك لأننا لم نحظ بحكام حقيقيين، ومن هذا الواقع البائس ولد واحد من أشهر أمثالنا العربية؛ التي كانت منذ جاهليتنا، وعاشت في إسلاميتنا، وما زالت تتردد على ألسننا، وستبقى ما دام العرب على قيد الوجود وما دامت علاقتهم بحكامهم غير إنسانية، يقول المثل: “إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب”.

قديما، ونظرا لنوع العلاقات المتشنجة المتطرفة الحدية التي كانت تسيطر على واقع مجتمعنا العربي الجاهلي، كان السكوت السمة الغالبة على عموم الناس، وهذا يعني أن طلب الأمان كان هو الدافع إلى السكوت، مع أنك تجد بعد الجاهلية في المنظومة الإسلامية تحديدا دعوات مشابهة لتلك في الهدف، كما في الحديث، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، قَال: قَال رَسول الله (ص): “من صمت نجا”(6).

ولا أدري إن كان الصمت مطلوبا لعصر البعثة الذي تميز بانفتاح حقيقي، أم لعصور القهر المرتقبة التي ستليه! وإلا إذا كان طُلب السكوت سلامة، فلماذا يُطلبُ الصمت؟ لماذا تكرر طلب الصمت في كثير من المواقف والمناسبات؟ لماذا حث الإسلام على الصمت في زمن كان الكلام فيه مباحا؟

ربما جاءت الدعوة إلى الصمت لتحثهم على التفكر في الوجود في الأقل وهذا ما يتبين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه : أن رسول الله (ص)،: “يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر، وأثقل في الميزان من غيرها؟ قال: بلى. قال: طول الصمت، وحسن الخلق، فو الذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما”(7). فطول الصمت في هذه الحالة يترك للفكر فسحة لكي يسيح في الآفاق بحثا عن المعرفة ولاسيما في ذلك المجتمع المفتوح، لكن أن يتحول إلى ثقافة غير منتجة فذلك هو الأمر الذي يدل على أنّ الصمت كان لدوافع أخرى.

فكم كان جميلا لو أن أجدادنا صمتوا ليتفكروا وينظروا ويتأملوا، ولكنهم للأسف ثرثروا حتى الثمالة، فتسافل بعضهم وتدانى، مما وجب تحذيره، كما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله(ص): ألا أنبئكم بخياركم؟ أحاسنكم أخلاقا. ألا أنبئكم بشرار هذه الأمة؟ الثرثارون المتفيقهون”(8) أو حديثه الآخر الذين مايز بين الخيرية والثرثرة، قال: قال رسول الله(ص): “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت”(9).

وأعتقد أن المثقفين منهم فهموا اللعبة، وأدركوا الهدف. هؤلاء وحدهم قرنوا الصمت بالحكمة، فالهذر وكثرة الكلام يتنافى مع الحكمة، قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): “إذا تم العقل نقص الكلام”(10). أما غالبية الناس فكانوا إما صامتين خوفا وإما مهذارين بالباطل.

إن الدعوة إلى الصمت، كما يتبين من الأحاديث كانت دعوة للسكوت المقنن (ليقل خيرا أو ليسكت)، ودعوة إلى التحكم بالكلمة وتحسين مخارجها لكي لا تتسبب في أذى للمتكلم شخصا وللبلد والأمة مجتمعا. المهم أننا كشعوب عشنا في عالم منفتح جغرافيا، تمتد أمامنا وحولنا صحراء لا حدود لها، ونكاد لا نرى من نتحدث معه سوى صور الأشباح التي أوحاها لنا خوفنا التاريخي، وإذا رأيناه حقا نتهيب من وجوده، فتنتابنا الشكوك حول شخصيته، وجدنا أن السكوت سمة العقلاء الباحثين عن السلامة والأمان، فسحبنا ذلك على بداية مراحل إسلامنا، أو ربما تشبثا منا بموروثنا، نقلنا سنن جاهليتنا إلى عصر إسلامنا، فدمجنا المنظومتين: منظومة الأمان الجاهلية، ومنظومة الحكمة الإسلامية، لنخرج بمنظومة هزيلة أضاعت هدفها مثلما أضاع الغراب مشيته!

فالإسلام بقدر ما دعا إلى الصمت وإلى السكوت، دعا كذلك، وحث على التكلم في أوقات ومناسبات كثيرة دون النظر إلى موضوع السلامة الشخصية. فدفاعا عن الحق يتوجب الكلام، لأن “الساكت عن الحق شيطان أخرس” وما أعظم “كلمة حق في وجه سلطان جائر”(11). هكذا جمع الإسلام بين المتناقضين، واجتماع المتناقضين في بعد فكري واحد يعني فيما يعنيه أن الكلام أكثر قيمة وأجدى من الصمت في بعض المواطن، والسكوت أكثر قيمة وأجدى من التكلم في مواطن أخرى، والإنسان هو الذي يحسن أو يسيء الاختيار، فكم من سكتة قتلت صاحبها، وكم من كلمة حق قتلت صاحبها. يحكى في هذا الباب أن ابن السكيت، أبا يوسف يعقوب بن إسحاق السكّيت،( والسكّيت لقب أبيه إسحاق وعُرف به لفرط سكوته) أن الخليفة العباسي المتوكل كان قد ألزمه تأديب ولديه ـ المعز والمؤيد، فقال له يوماً: أيهما أحب إليك، ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ فأجابه ابن السكيت: والله إن قنبراً خادم علي بن أبي طالب (عليه السلام) خير منك ومن ابنيك. فأمر المتوكل جلاوزته، فأخرجوا لسانه من قفاه، فمات. وهكذا تسببت كلمة في إخفاء وجود. وهناك كلمة أخرى طلبت جهرا لتظهر وجودا، في التراث العالمي أن الفيلسوف سقراط كان يجلس مع تلاميذه يتبادلون الكلام، وجاء أحدهم يتبختر في مشيه، مزهوا بنفسه، فنظر إليه سقراط مطولا، ثم قال: “تكلم يا هذا لكي أراك” بما يوحي أن الكلام صفة المتكلم.

فالكلام حتى لو كان جارحا بسبب صراحته، يمكن أن يخدم القضايا التي يناضل البشر من أجل الترويج لها أيّاً كان نوعها وكانت شرعيتها, يقول تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية السياسية المعاصرة: “كل ما يهمني هو أن تتكلم، حتى لو تكلمت ضد الصهيونية .. لكن لا تصمت إزاء الموضوع .. الحديث عن الشيء ولو بتفاهة، يعرضه على أنظار الناس”(12).

إن حرص الأقوام والأمم على عرض قضاياهم المصيرية أمام الأنظار يراد منه تأسيس القواعد والركائز لفهمها ومعرفة أهميتها، وهو رأي سليم جدا، لأن تجارب الحياة اثبتت انه بإمكانك أن تستوعب وتفهم محتويات كتاب مختص في علم العروض مثلا بطريقة اسرع فيما لو كانت لديك فكرة مسبقة عن العروض، أي اذا كانت في عقلك مجموعة أفكار عن علم العروض(13).

وتأسيسا عليه أقول: إن كلامنا في شان معين، مثلا في موضوعة الحقوق الفردية، أو التعايش السلمي بين مكونات الشعب العراقي بشكل مستمر – رغم كثرة الكلام في هذا الشأن – سيرسخ في ذهن المتلقي مجموعة أفكار قد تتيح لصاحبها أن يقتنع بالكلام الجديد الذي سيقال في المستقبل. بما يدفعه إلى لبحث عن كلام جديد أو ربما المشاركة بالكلام الدائر، وإبداء الرأي وطرح المقترحات والحلول التي قد يكون بعضها على مستوى عال من الأهمية والرجاحة، بما يسهم في حل مشاكل عويصة عجزنا عن التوصل لحلها بالطرق النمطية الموروثة. وقد احسن (جون لوك) التخمين عندما حاول أن يبرهن على أن جميع معلوماتنا هي نتيجة خبراتنا المبكرة وتأملاتنا التي بدونها تنعدم الأفكار(14).

يجب أن لا نتهيب من التكلم ، ولا نتخوف من أن كلامنا قد يكون تافها سطحيا بسيطا غير مؤثر أو غير مقبول ، لأنه حتى لو كان كذلك فانه سيكون محاولة لرفع موضوع ما قد يكون كثير الأهمية إلى مستوى نظر الآخرين مما يسمح لهم برؤيته، وهنا يجب أن لا ننسى أن جميع الأعمال الفكرية العظيمة تبدو بسيطة وبديهية حالما تطرح كما يقول الباحث ألان وود(15).

معنى هذا أننا يجب أن لا نتخوف ولا نيأس من ردود أصحاب الذوق السيء ذوي الاستجابات الفجّة اذا ما اعترضوا على مشاريعنا الثقافية الداعية إلى التغيير نحو الأصح والأحسن، وحتى على أقوالنا المجردة. فهذا الاعتراض لا يعني بالضرورة وجود خلل في هذه المشاريع أو عدم واقعيتها بقدر ما يدلل على وجود نوايا شريرة مسبقة لدى بعض من يستفيد من ديمومة حالة الخطأ التي نعيشها منذ ما يزيد على أربعين عاما. وهو ما أكده الناقد رتشاردز في تلميحه إلى: أن الذوق السيء والاستجابات الفجّة ليست مجرد عيوب ثانوية في الشخصية وإنما هي في الحقيقة شر أصيل تنتج عنه نقائص أخرى في الشخصية أو كما قال الأستاذ البلداوي: إن الذين يقاومون أي تغيير في نظام حياتهم مهما كان لمجرد أن التغيير الجديد لم يألفوه هم معقدون. وكلما كانت مقاومتهم شديدة كان التعقيد المبتلون به شديدا أيضا(16).

وبناء عليه يجب أن نعرف أنه من الطبيعي أن يكون الكلام من اهم آليات ادراك الحقائق ولذا يزداد التعلم طرديا مع ازدياد الكلام المجدي إذ يرى (ميلر ودولارد) ان هناك ثلاثة عناصر للتعلم هي الباعث، المحرض و الاستجابة(17) ونحن بسبب معاناتنا الطويلة بتنا نملك الباعث، وبسبب خسائرنا المتتالية أصبحنا نملك المحرض، وبسبب ما ضاع منا, وهو كثير, توفرت لنا ظروف الاستجابة الشعبية، وإذا اجتمعت هذه العناصر كلها، تصبح مهمة التغيير واجبة وفرصة نجاحها متاحة وربما مضمونة، ولا تعود بنا حاجة إلى الصمت، يكفينا أن بين الصمت والهدوء والصراخ والضجيج امتد تاريخنا مترعا بالأحداث، حتى استطال، فشغلنا عن مراقبة ما يدور حولنا، ربما لأن الصراخ أصابنا بالصمم، فما عدنا نميز بين الغث والسمين، بينما يتقدم العالم بصمت لكن بثبات، وهذا يعني أن كل تاريخ البشرية ما هو إلا حصيلة السجال بين الصمت والكلام، ولا يمكن للبشرية أن تحقق إنسانيتها إلا حينما تعرف التوقيت الصحيح، فتصمت عند الحاجة إلى الصمت، وتتكلم حينما يكون الكلام هو العلاج، فكم من صمت حلّ مستعصي المشاكل، وكم من كلمة أريقت بسببها الدماء البريئة أو غير البريئة، وفي موروثنا العربي، دخل سديف الشاعر على الخليفة العباسي أبي العباس السفاح وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك الأموي، وقد أكرمه، فقال سديف:

لا يغرنك ما ترى من رجــــــال         إن تحت الضلوع داء دوياً

فضع السيف وارفع السوط حتى         لا ترى فوق ظهرها أموياً

فقال سليمان: قتلتني يا شيخ، ودخل، وأُخذ سليمان فقتل(18).

وهكذا تسبب لنا الصمت بصدمة كبيرة والكلام بصدمات أكبر، ولكي نخرج من أسر الصدمات التي أسهمت في تعثر مسيرتنا نحتاج إلى موازنة واقعنا وحياتنا وإدراك أولوياتنا، نحتاج إلى الكلام بنفس درجة احتياجنا إلى الصمت، نحتاج إلى الكلام لترطيب الأجواء وشحن النفوس بالحب والتسامح والروح الوطنية؛ من أجل البناء وتجاوز العثرات، ونحتاج إلى الصمت عما بدر من أخطاء، تسببت في خلق صراعات دموية غبية، فالعقل لا يبدع والسعادة لا تتحقق إلا بكسر حاجز الصمت، فالصمت يصادر الجمال ويكمم الأفواه فتضيع الحقوق.

 

صالح الطائي

....................

الهوامش

(*) كنت قد أطلقت على هذه الدراسة اسم (نحتاج إلى الصمت بقدر احتياجنا إلى الكلام) ثم لما وقع ما وقع وثار الشباب مطالبين بحقوقهم وسقط شهداء وجدت أن الكلام أجدى!.

1. الرازي، مختار الصحاح، ص222.

2. مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، ص487.

3. مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، ص546ـ547.

4. المناوي، عبد الرؤوف، التوقيف على مهمات التعاريف، تحقيق: عبد الحميد صالح حمدان، عالم الكتب،1410 هـ – 1990م. ص219.

5. الكفوي، أيوب بن موسى الحسيني القريمي، لكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق: عدنان درويش – محمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص806.

6. الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة، (ت: 279هـ)، الجامع المختصر من السنن عن النبي ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل، جامع الترمذي، بيت الأفكار الدولية، الرياض، أبواب صفة القيامة، ص 405، حديث: ‏2485‏.

7. البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، (ت: 458هـ)، الجامع لشعب الإيمان، تحقيق: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، مكتبة الرشيد ناشرون، الرياض، 1423هـ ـ 2003م. ج10/ص350، حديث: 7756. باب في حسن الخلق.

8. البيهقي، المصدر نفسه، ج10/ص358، حديث: 7620.

9. النيسابوري، مسلم بن الحجاج القشيري،(ت: 261هـ)، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1420هـ ـ 2000م. ص81، حديث: 75.

10. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، قصار الحكم.

11. الترمذي، مصدر سابق، ج8/ص 345.

12. أيار، الدكتور فريد، دراسات في الإعلام والحرب النفسية، دار الرشيد، وزارة الثقافة والفنون، بغداد، 1979، ص5.

13. صالح الطائي، نحن والآخر والهوية، ص18.

14. سارجنت, و. أي، علم نفسك علم النفس، ترجمة باحثه الجومرد، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد. ص 26.

15. البلداوي، عباس مهدي؛ العقدة النفسية والشعور بالنقص، مطبعة الزهراء، بغداد، 1978، ص3.

16. البلداوي، مصدر سابق، ص14.

17. العطية، د . فوزية ؛المدخل إلى دراسة علم النفس الاجتماعي ، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، جامعة بغداد، 17.1992، ص121.

18. ابن الأثير الكامل في التاريخ لابن الأثير، ج4/ص333.

 

 

مباشرة بعد الانتخابات الاخيرة الفاشلة في العراق انتهت امكانية القيام بعملية انتخابية اخرى، ذلك لأن اكثرية الشعب رفضت الاشتراك في الانتخابات بعد ان تأكدت بأنها سوف لن تؤدي الى تشكيل حكومة وطنية تنفذ مطاليب الشعب وتنهي الاحتلال. من الجهة الاخرى اجمع الاعلام الامريكي والاسرائيلي والسعودي على ضرورة انهاء ” حكم الملالي” في ايران.

والمعروف ان علاقة ايران قوية جدا ً بعدد كبير من المنظمات العراقية كالبدر وعصائب اهل الحق وحزب االله العراقي وجناح نوري المالكي من حزب الدعوة. ثم هناك انشقاق عميق في الصف العراقي وان داعش مازالت تحارب الحكومة والحشد الشعبي في انحاء واسعة من ديالى وكركوك وصلاح الدين ونينوى فاشعال حرب اهلية جديدة قد تكون سهلة وضرورية.

بخصوص المظاهرات في الجنوب العراقي يقول دعاء سويدان في الاخبار اللبنانية في ، الاثنين 16/7/2018: ان هناك (عوامل عدة توفر للولايات المتحدة اسبابا ً للدخول على خط الحراك المطلبي وجذبها اليه ، في حين تجد ايران نفسها معنية بالدفع الى ضبط الاوضاع أمنيا ً ومن ثم الاشتغال على مسارين سياسي و اقتصادي يلائمان حلفاءها) هكذا يرى السيد سويدان ضرورة الربط بين المظاهرات في العراق مع الاوضاع في ايران

قبل اكثر من اسبوع ، بعد تصريحات جون بولتن امام كوادر مجاهدين خلق الايرانية حول نهاية حكم الملالي في ايران، وصلتني رسالة الكترونية مهمة مصدرها جهة موالية لامريكا ومعادية لايران خلاصتها تؤكد على قرب الحرب الاهلية في ايران والتي سوف تشمل حربا ً شرسة ضد (حكم الاملالي) في العراق ايضا ً(بغية انهائه).

ولم تمر سوى ايام واشتعلت المظاهرات في البصرة، وذلك بالاستفادة من غضب الشعب ضد حكومة الاحتلال ولكنها موجهة ايضا ًضد حكم الاحزاب الموالية لايران بل ضد ايران نفسها. وبسرعة اتجه المتظاهرون في النجف لاحتلال المطار الدولي في وجه الزوار الايرانيين ثم الى شلمجة لغلق الحدود مع ايران.

يؤكد السيد سويدان في مقالته على (اتساع نطاق التظاهرات الغاضبة التي تشهدها المحافظات الجنوبية وتحولها في غير منطقة الى مواجهات مع القوات الامنية..) بينما نقلت وكالة رويترز من جنوب العراق (الاحد 15/7/2018) خبر اشعال المتظاهرون النار في مقرات حزب الدعوة والبدر وعصائب اهل الحق وحزب الله. وهذه الكتل كلها لها علاقات معروفة مع ايران. كما نقلت رويترز تفاصيل الاصطدامات المسلحة بين المتظاهرين والعشائر ضد القوات المسلحة بمبادرة من (اشخاص مجهولين) والتي ادت الى مقتل اكثر من عشرة افراد من القوات المسلحة، اضافة الى عدد مماثل من المدنيين العزل.

هذه الحوادث المؤلمة شبيهة جدا ً بالاحداث الاولى في مدينة درعا السورية سنة 2011 حين تحولت المظاهرات السلمية فيها الى اصطدامات مسلحة بادرها المتظاهرون المدربون من قبل القوات الخاصة الامريكية، كما صرح جوليان اسانج، محرر ويكيليكس، على تلفزيون روسيا اليوم في مقايلة مع الغنوشي. ثم أن حكومة ترامب ليست مهتمة ببقاء حكومة العبادي بعد ان فشلت في تنفيذ اغراض الاحتلال، وأن سقوطها مثل سقوط شاه ايران وسوهارتو في اندونيسيا ومبوتو في كونغو وارستيد في هايتي ونوريغا في بناما وكثيرون غيرهم قد يكون ضرورة آنية لبدء الحرب الاهلية في ايران.

ما زالت الاحداث في ايامها الاولى وهناك الكثير من الاسباب الشرعية لاستمرار الاحتجاجات ضد حكومة العبادي وانتخاباتها الفاشلة وتحولها الى حرب اهلية شاملة. وهناك ايضا ً الحقائق الواقعية التي تدفع امريكا واسرائيل والسعودية الى الاستفادة من السخط الشعبي في العراق وايران لاشعال الحرب فيهما. ان الايام القريبة القادمة سوف توضح الحقائق المؤلمة للشعبين.

 

  كمال مجيد

 

جميل حسين الساعديهذه هي الترجمة العربية للمداخلة التي ألقيتها بالإنكليزية أمام ممثلي القارات الثلاث،الخبراء في شؤون الإستيراد والتصدير (أمريكا اللاتينية، آسيا، افريقيا) في اطار البرنامج الفني، الذي هيأت وأعدت له اليابان في السبعينات من القرن المنصرم لدعم وتطوير التعاون الإقتصادي مع الدول النامية

سيداتي الخبيرات

سادتي الخبراء

الحضور الكرام

وأنا في طريقي اليكم تذكرت كلمات قالها قبل أكثر من أربعة عشر قرنا خليفة المسلمين وأعظم حكمائهم الإمام علي عليه السلام .. ما تمتّعَ به غنــيٌّ إلا بما جاع به فقير،وهو القائل:

كاد الفقرُ أن يكونَ كفرا.. لو أن الفقرَ كانَ رجلا لقتلته

الفقر من المشاكل الرئيسية، التي تعاني منها كثير من البلدان خصوصا في افريقيا

وآسيا وأمريكا اللاتينية. وها نحن نجلس هنا سويّة كأقتصاديين ممثلين لستة عشر يلدا يمثلون هذه القارات الثلاث، لنتبادل الآراء والخبرات، ونطلع على المنجزات

الكبيرة في مجالات الإقتصاد والصناعة والبناء في واحد من البلدان التي أخذت لها مكانا في القمة في عصرنا الحالي في المجالين، العلمي والإقتصادي لنتزود من

الخبرات والمعلومات، التي تعيننا وتشدّ من أزرنا في مواجهة وحش الفقر الفتاك،

الذي لم نتمكن من ردعه، وما فتئت ضحاياه في ازدياد مستمر.

الإستئثار بالخيرات وحرمان الآخرين منها هو سبب رئيسي في نشوء ظاهرة الفقر، وهذا ما أردت أن أشير اليه، حين استشهدت بكلام الحكماء القدماء. لكن هناك أسباب اخرى تؤدي الى الفقر، لعلّ أبرزها الامّية، ولا أقصد هنا عدم معرفة الكتابة والقراءة بل أقصد العجز أو الإهمال والقصور في الحصول على المعلومات والخبرات الضرورية في المجالات، التي تساهم في النهوض والإنماء الإقتصادي، ففي الكثير من البلدان الفقيرة والنامية، تعجز الفئات الحاكمة عن إحداث تغييرات اقتصادية واجتماعية فاعلة تتغلب فيها على الأزمات في بلدانها وتتجاوب مع المستجدات والمتغيرات التي يفرضها العصر، لأنّ معظمها يصل الى سدّة الحكم عن طريق الإنقلابات العسكرية، لا عن طريق الإنتخابات أو إرادة الشعب .القرارت غالبا ما تكون ارتجالية مفتقرة الى الخطط الإقتصادية المدروسة مع غياب أو تغييب للمهارات العلمية والمهنية، بسبب هيمنة أنماظ تفكير وقناعات

متصلبة على المؤسسة السياسية،تبالغ في مفاهيمها الإيديولوجية وتجعلها فوق العلم والحقيقة، فهي لا تقبل النقد او النقاش أو التصحيح وترى في كل رأي مغاير منافسا أو عدوا. لهذا فإنّ أية مبادرة أو فكرة لإحداث تغييرات تنموية على الصعيد الإقتصادي والإجتماعي تجهض في الحال بسبب الإجتهادات الشخصية للفئة المتنفذة، التي لا تمتلك الخبرة والقدرة في مواجهة الازمات الإقتصادية، التي تعصف بالمجتمع، من فقر وركود اقتصادي وديون تتراكم باستمرار

في مقابل هذا السبب هناك سبب خارجي، وهو سياسات الشركات والدول الكبرى فيما يتعلق بمشاريع التنمية والإستثمارات في الدول الفقيرة والنامية، فهي تحتكر التكنولوجيا، المتطورة لها وحدها،كيما تظلّ مهيمنة على الأسواق العالمية، وتترك الدول الفقيرة والنامية تابعة لها اقتصاديا،وفي الغالب تقترن استثماراتها ومشاريعها بتكاليف باهظة وديون تثقل بها كاهل الدول، التي تم فيها الإستثمار، وتفرض عليها عبودية اقتصادية، كما هو الحال في البرازيل التي لم تنتهِ بعد من تسديد الفوائد المترتتبة على ديونها، ناهيك عن تسديد الديون الاصليةلذا فإنّ الإعفاء من الديون هو الخطوة الأهمّ في مواجهة الفقر، الذي ينخر في كيانات الدول النامية، والذي هو وراء انتشار الجريمة والمرض في أجزاء واسعة من العالم .. أما فيما يتعلق بسياسات المؤسسات المالية العالمية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، فهي لم تكن في صالح حل مشاكل الدول الفقيرة والنامية بقدر ما هي في صالح زيادة رصيدها من الأرباح

هذا ما أردت أن ابينه في مداخلتي المختصرة المرتجلة

وشكرا لكم على حسن الإستماع

213 جميل حسين الساعدي

جميل حسين الساعدي

 

صادق السامرائيالحياة إرادة، أي طاقة كامنة تبحث عن منافذ للتعبير والتفاعل والعطاء والنماء، ولكل مخلوق إرادة حياة، وأي مخلوق يغتصب إرادة حياة مخلوق آخر يكنز طاقة سلبية لتدمير ما فيه من إرادة حياة، وهذا قانون يسري بين الموجودات منذ الأزل، وسيبقى متحكما بمصيرها ما دامت الأكوان تدور والجاذبية ذات قدرة على بناء الأشكال وصقلها.

وعندما نتساءل عن أسباب عدم إستقرار الأنظمة (السياسية) العربية، يكون الجواب في عنوان المقال، فهي أنظمة إستلاب إرادة حياة، فلكي يبقى النظام عليه أن يلغي ويقهر ويصادر ويقتل إرادة الحياة في أعماق الوجود العربي.

وهذا التجريد الإغتصابي للإرادة العربية يولد طاقات مضادة هائلة في وحول النظام القائم تدفع به إلى الإنهيار المشين.

وما يجري في بعض المجتمعات العربية يشير إلى أن الأنظمة المغتصبة لإرادة حياة شعوبها، ستواجه مصيرا قاسيا سيزيحها عن السلطة وسيلقي بها في غياهب الويل الوخيم، كما حصل لسابقاتها من أنظمة إغتصاب إرادة الحياة.

فالشعب العربي كأي شعب في الدنيا يريد الحياة، لكن بعض المستأثرين بالحياة ينشرون ثقافة الموت فيه، ويدفعون بالأجيال الواعدة إلى التحول إلى أعداء حياة، أو موجودات مفرّغة من إرادة الحياة ومعبأة بإرادة الموت، وعلى رأس هؤلاء المتاجرون بالدين والذين يستحوذون على كل شيئ تصل إليه أياديهم وترغبه نفوسهم السيئة، ويمنون الشباب بحياة خالدة في الموت.

وفي أنظمة تسيّدت فيها العمائم واللحى وأصحاب الجباه المطررة بالفساد، ستكون ردة الفعل ذات قدرات إعصارية هائلة، ستحيلهم إلى عصف مأكول، وما هي إلا مسألة وقت ستتنامى فيه إرادة الحياة وتدفع للتغيير الجذري، وإستعادة السكة الحقيقية لبناء الحياة الحرة الكريمة.

ذلك أن الديمقراطية في جوهرها توفر المنافذ الحرة المسؤولة للتعبير عن إرادة الحياة في المجتمع الذي تنطلق فيه، ولا يمكن القول بديمقراطية تسد منافذ التعبير عن إرادة الحياة ، لأنها ستتسبب بإنفجارات مدوية ومتواصلة، ولهذا تجد الأوضاع مضطربة في مجتمعات تتوهم الديمقراطية، وقد وأدت إرادة الحياة في الكراسي والمناصب والتوجهات الفئوية المقيتة.

ووفقا لذلك يمكن تقرير مصير أي نظام يتحكم بمصير المجتمع بتطبيق هذه المعادلة الصارمة المنضبطة ذات التفاعلات الثابتة والنتائج المحتومة.

وعليه يمكن قياس عمر أي نظام بمدى إغتصابه لإرادة حياة المجتمع، فالتناسب عكسي في جميع الأماكن والأزمان، فكلما إزدادت نسبة إغتصاب إرادة حياة المجتمع قل عمر النظام وتنامت فجائعية نهايته.

فتأملوا كم من الأنظمة المغتصبة لإرادة شعوبها، وقيسوا أعمارها، وتصوروا فظاعات نهاياتها السوداء!!

 

د. صادق السامرائي

 

قاسم جمعةلم يعد الغريب يجلس على الخليج كما تمنى السياب في غربته، لان الماء، لم يعد صالحا للتأمل، فالملح اضحى منطق النهر الجديد واليابسة زحفت تضاريسها.. والقلم جفت منابع استهلاله، والورق عجز جسده عن حمل بكاء الحبر، والانفس باتت تترقب مايحصل في الجنوب، فمتى تتوقف (ملحمة) العراق التي تتجدد مع كل تغير مناخي او طبيعي او سياسي ...

فالحمى النزيفية وعطش الارض ولسعة الشمس الحارقة، تسرب الجميع الى عقل العراقيين، وفجرت غضب لطالما أجل.. لكنه اليوم خرج من رحم الصمت، بعدما تعاون غضب الطبيعية وشرها مع غضب السياسي وشره، على المواطن، فتلاشت الكهرباء، والماء ماعاد حلو المذاق، وتفاقمت كل سبل العيش الكريم .. ومرة اخرى القلم يعجز عن ملاحقة ما يحصل في الجنوب بين عنف دولة تبرره، وفقا لمنطق الاعتداء الذي مس مؤسساتها، وعنف الغضب العارم الذي تملك الجنوب. الغريب ان الطبيعة وقواها والحضارة وترسانة تقنياتها تعاونا، لمواجهة الثائر في الجنوب، الثائر من اجل الاخرين، والناس هناك رغم انصياعها المر لضرورات العيش، رفضت الاوامر الملقاة عليهم من مبدأ الواقع، الذي اقلق فرويد ليقنن به اللذة المؤجلة والجامحة..

لكننا في العراق نشكو من مرض الشكوى الغير مسموعة، فلم نشكو وعلى من وعلى اي نشكو؟؟.. وتتعدد أوجه ال (على) وال (من)..لان الشكوى لا اذن، لصوتها تصغي ولا لأنين اوجاعها تفقه ..

تاريخ العراق تاريخ الشكاوى المؤجلة والتي تتحين الفرص لكي تسمع من به صمم. الجنوب بحاجة للضوء لان العتمة طالت. والصدأ الذي عزل قلوب الساسة عن جنوبهم تفاقمت رقعته وصار الساسة يحملون العصى بدلا من الورود ..ولوحت ايدي البطش، ان ابتعدوا من مدخرات ارضكم النابضة بالخيرات وانتم جوعى، وستظلون جوعى لطالما اهل العمامة واهل المدنية العرجاء متحالفين مع سدنة الشر وتجار الخراب في صناعة سيناريو الغضب الهائج..

البصرة تحملت وما تزال، نزف العراق، يحملها وجع النزف الدامي للبقاء. فحاربت (الفرس) من اجل عراق الخليج، وحاربت داعش من اجل عراق امريكا، تحملت البصرة عطش العراق المروع ..

العطش لا يختلف بايلوجيا عن الجوع، لكنه في الجنوب صار عطش ابدي، غادر البايولوجيا وصار من صنع المدنية، ان تعطش الناس. والجوع لغة للتفاهم مع هذه البقعة السيئة الصيت على اهلها .

فكيف ترطب الامعاء الثائرة ؟ والطبيعة جعلت جنودها يحملون الشمس على اكفهم لكي تصل الى كل زاوية في عراق الجوع.! لامطر في العراق لا راعي يسقيه من جوعه .

كل بضعة امتار في الجنوب تسكنها ايتام وارامل غادرهم رجال في الامس القريب، قتلهم وطن شكى الرعب، عندما زحفت خفافيش امريكية وعربية ومسلمة، للانقاض على كل الهويات والاقليات اللامنتمية الى حضارة اليوم.

الجنوب يزف الموتى في عرس الدم الى مقبرة الخلود. والساسة ترقص على موائد التخمة. نحن بحاجة الى الجنوب ... فعرسه قادم، يبقى يزف الامل للفرح وللحب وللحياة.. وكما قالت فيروز مرددة طربا ما سطرته قريحة جوزيف حرب في اسوارة العروس :

شو ما اجا شعوب و شو ما راح شعوب

كلن راح بيفلو و بيبقى الجنوب

لما بغني اسمك بشوف صوتي غلي

ايدي صارت غيمي و جبيني علي ...

يا جنوب

الشمس بتطلع سودا و بيبس الموج

اذا بفكر انو ترابك مش الي

و يا شعب الشعوب الأقوى من الحروب

بتبقى اذا بيبقى يا شعب الجنوب..

 

د. قاسم جمعة

 

انور الموسويسارتر في المثقف: هو الوجه الجدلي الآخر للتاريخ، يهدف المثقف حتى من خلال كتاباته الى التأثير في العالم، الذي هو عالمه، بوصفه فاعلا حيا، وليس من خلال التأثير الافتراضي الذي يمكن له ان يامله بعد وفاته.سسيولوجبا المثقفين/ جيرار ليكرك

انت تريد (ثورة، وانت تريد إصلاح، وانت تريد خدمات) . كلش تمام كل هذه الأمور لغرض ان تحقق ماذا؟ تحقق عيش كريم، وحياة حرة، وواقع متحضر. هذا حقنا وهذه هي مقومات الحياة في اي دولة تحترم كلمتها وواجباتها. خذ مثلاً اي دولة بالجوار بغض النظر عن اي أيديولوجية متبعة في ادارة الدولة ماذا نلاحظ؟ نلاحظ انها افضل حالاً منا فلماذا لا يجري "تحويرنا" إلى مثل حالتهم في الواقع الخدمي.

اسقاط او التسبيب بحدوث فوضى أو إرباك، او تخريب للصالح العام سيؤدي بك إلى هدفك؟ زين الدماء الزكية الي داتسقط تؤدي بالنتيجة الى ماذا؟ إلى اي مسار نتجه؟ هل هذا هو المسار المؤدي لمستقبل نتطلع له؟ ثم ما الضمانات من أن التغيير على شاكلة الثورة! سيؤدي إلى واقع افضل؟

هناك ثنائيتين غير متماثلتين. (السلطة التي تبتلع الدولة، والمواطن الذي فقد الثقة برجل السلطة)

على هذا الأساس يحب إعادة النظر في خلق تماثل منعش بين المواطن من جهة، وتحريك ساكن السلطة وتحولها إلى دولة خدمات حقيقية. الفرصة لازالت سانحة اخوتي، فإن دوري كمثقف يحتم علي ان انهض برؤية تعالج الوضع، لاتزيد من مساؤه، اني اتكلم بحيادية وتجرد تام مستقل، فهل قلب الأوضاع رأساً على عقب، والتعدي على مؤسسات الدولة، والصالح العام والتجاوز على الممتلكات يوفي بغرض التطور والطموح المنشود في تطوير الواقع وتحسينه؟ بالطبع لا، وهذا لايعني مطلقاً عدم المطالبة، والاعتراض، والاحتجاج، والضغط السلمي، والاستمرار به. بل التصرف بطريقة أكثر وعياً وذات نتائج حميدة. مع يقيني انني اصطف مع ابناء الشعب، كمواطن متضامن ومطالب معهم بتوفير حقوقنا الطبيعية.

واجب السلطة في هذا البلد الذي يسعى بخطى بطيئة نحو الديمقراطية، ان ترتقي ولو لمرة واحدة، وفي لحظة غضب جماهيري ملتهب، للترفع عن المصالح الشخصية، والحزبية. انها لحظات حاسمة في واقع مأزوم ومتردي، كانت نتيجته هذه الفورة الشعبية المنطقية، لترتقي السلطة إلى مستوى الدولة، وتتجه سريعاً لتشكيل حكومة (خدمات) وببيان توعد شعبها ومتظاهريها بتحسين الواقع، وتوفير الحياة الكريمة، والعيش المحترم والحرية، ومزيداً من الانفتاح لا على اساس حزبي! بل انفتاح على اساس هوية وطنياتية جامعة لكل الفئات، هذا يتحقق من خلال ما سيلمسه المواطن من خدمات فعلية على ارض الواقع،مع طلب السلطة من الشعب، بمنحها فرصة أخيرة وهذا ليس عيباً بل هو اعتراف بخطأ واقعي يجري اصلاحه، لو كنتم جادبن وصادقين، في تحويل شكل السلطة الحزبوية إلى دولة خدمات من خلال تشكيل الحكومة القادمة والتي تحمل هذا الشعار، عند ذلك من المؤكد سنعيد ولادة "موت الدولة في ضمير الشعب"، ونعيد ترميم الوضع، واصطفاف معظم ابناء الشعب والدفاع عن حكومته التي صدقت وعدها واوفت بالتزماتها تجاه المواطن لو كنتم صادقين. كنت احذر منذ زمن ان المواطن لا يعرف ولايهتم كثيراً بصراع الايدولجيات، ولا صدام الحضارات، المواطن يحتاج إلى الخبز، والكرامة، والخدمات، وهذا واجب طبيعي لأي دولة، النكوص عن هذا الواجب ردحاً من الزمن بمعية الفساد الظاهر بلا خجل او حياء، والفارق الطبقي بين الحزبي المنتمي، وبين المستقل العادي، شكل عدم التماثل هذا بين سلطة الحكم، وبين اغتراب المواطن، وقلة حيلته، وانعدام خدماته وفقدانه لهويته، اتعلم سيدي المسؤول؟ هناك امر مخفي بداخل كل مواطن يختلف عن مطالبته بالخدمات هو امر: الاغتراب الوطني، هذا الفرد المعترض والمتظاهر والمحتج هو فاقد لهوية جرى استلابها منه قسراً هي "الهوية الوطنية" التي لاتمايز فيها، وهذا جاء نتيجة الفارق الطبقي الذي خلقته الاحزاب ونتيجة تعميق الهوية الطائفية، فأصبح المواطن حتى لايحترم نفسه كمواطن عراقي ويقول دائماً (حيل بينا، احنا نستاهل، احنا مو خوش اوادم) هذه المازخوية الجمعية ادت إلى فض العقد بين (المواطن والوطن)، لذلك لاتستغرب عندما تجده يرقص على تحطيم وتكسير زجاج المباني، او تخريب المؤسسات انت من افقدتهم هوية الانتماء للوطن، واحترام القانون، والخوف من العقاب، فعليك مادام الفرصة سانحة ان تعيد تلك الهوية لهم من خلال إنتاج عامل مشترك بين كل تلك الفئات بتعديل استراتيجيتك الحزبية أولاً، ومن ثم توفير الخدمات لهم، الى ذلك الحين اتعهد لك بولاء للوطن منقطع النظير فالشعب يملك عاطفة كبيرة وحب للخير عظيم، وثقافة متجذرة فطرية، وعجبي كيف لم تستعطفوا شعبكم فهو شعبٌ عاطفي؟ .

بهدوء وبروية وبلا قمع، او تجاوز احترموا مطالب شعبكم وكونوا ولو لهذه اللحظة الغامرة بالسوداوية على قدرٍ من المسؤلية في احتواء الوضع وتحقيق المطالب المشروعة لهذا الشعب الطيب.

وبهدوء وتعقل عزيزي المتظاهر، وحبيبي، واخي، وشريكي بالدم والوطن، ان لاتذهب بك الريح حيث مستقبل لا نعرف مصيرنا فيه إلى اين؟ أستمر في حقك المشروع بالحياة، من خلال رفضك، واحتجاجك، وانتفاضتك، واياك ان تنجر إلى مسلس الدم والثورة، فانه مسلسل عقيم، يؤدي إلى إنتاج مسخٍ هجين أبشع مما نحن عليه الآن، لانك في أرض مليئة بالنكبات، لم تنجح بها سابقاً الانقلابات والثورات بل نتائجها كانت واقعاً مراً، ليس محمود العواقب، ولا باليد حيلة او في الافق ضمانات تؤكد نجاح اي مسعى ثوري.

على الطرفين ان يعيدوا التماثل فيما بينهم من جانب الشعب بالتزامه بالاساليب الديمقراطية بالتعبير، والحفاظ على مكتسباته المؤسساتية، ومن جانب السلطة ان تعيد انتاج نفسها كحكومة تتشكل بصورة سريعة هدفها حكومة "الخدمات" وتقديم ماهو ملموس.

ولو بقيت وبقيت الحياة وبقيتم، ساذكركم بهذا المقال في تموز السنة القادمة لو تحققت هذه الإجراءات. ولاحظوا حينها كيف الامور ستتحسن.

 

انور الموسوي

 

 

عبد الخالق الفلاحلا شك بان الفساد يشيب الطفل بالعراق منه والانتهاكات زادت وبلغت من الحد الذي لا يمكن السكوت عنها والصبر نفذ عند ابناء الشعب وكل ما يحدث الان من احداث نتيجة افرازات التهكم والتعنت والفساد الذي استشري عند من يديرون الدولة ودوائرها من الاحزاب الحاكمة والتي تحتاج الي جرت اذن تصل الی الطرد من العملیة السیاسیة كما هي المقولة بالعامية وبالتظاهرات السلمية الحضاریة ضد الواقع المریروبعد ان تفاقمت الاوضاع الذی یعیشه دون الإعتداء على الممتلكات العامة والمؤسسات أو الدوائر أو الشركات، أو أي منشأ آخر يعود للدولة، أو خاص والتی اقراها الدستور وحق للمواطن للمطالبة من خلالها لا بالتهورة والغوغائية التي تخلط الاوراق بتصرفات رعناء وبمشارکة جهات وکتل مدعومة من الخارج معلومة الحال یعرفها المواطن البسیط لا کما یقول رئیس مجلس الوزراء الدکتور حیدر العبادي (جهات مجهولة) ومن الجريمة المنظمة لاحداث حالة من الفوضى لان خراب الاموال العامة مضراته يقع علی المواطن ويجب ان يدفع ثمنه ولا نعتقد بان الحکومة غیر قادرة لتشخیص المقصرین لو ارادت.

کما ان الثقة بالحکومة هي درجة الصدقیة والامانة عند ارباب الرجوع التي يتوقع من خلالها المواطنون أن تتفق مع رغباتهم والوفاء بالوعود التي يطلقها المسئولون، أما "الثقة في السلطة التشريعية" التي نهبت خيرات الشعب ولعبت بالملك وبنت لنفسها إمبراطوريات إقتصادية ضخمة تعددت نشاطاتها مابين العقارات والاستيراد والسيطرة على حقول في التجارة الداخلية ونمو كبير للبرجوازية البيروقراطية ولم يثبت عند المواطن أن دور السلطة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب في العراق هو المراقبة والمساءلة وتقديم اعلی التضحيات من اجله بل خانه ولعب بمقدراته والموافقة بالإجماع على مسودات القوانين التي تطرحها الحكومة فقط على ان تكون سياسية تهم مصالح الاحزاب والكتل وليس فيها مصلحة عام من الخدمات والرفاه والبناء الثقافي والاجتماعي والاقتصادي السليم لتوفير اسباب المعيشة مع وفرة المستلزمات التي لو استخدمت بشكل الصحيح دون فساد لكان العراق يعيش في بحبوحة مثالية بين البلدان اليوم .

ان للشعوب مقاييس واضحة في إظهار مدى تعلقها بالحرية وإصرارها على الحياة بشكل حر وكريم ومهما يكن من شيء فاهمها أستتباب الأمن الذي تنشده المجتمعات في الوقت الحاضر وبالمطالبات القانونية والانسان العراقي ينتظر أن تقوم الحكومة له بما يريد، والحكومة ینتظرمنها أن تقدم للشعب تلک الخدمات البسیطة التی عجزت عن تحقیقها فی الوقت الحالي والتي من الممكن الحصول عليه لو تعاونت وزاراتها بمسؤولیة دولة لا بمسؤولیة شخص او حزب او کتلة ، وأن تقنع الشعب بما يتم توفيره له من حقوق في هذا الشكل دون خيانة ولايمكن للعلاقة الحالية بين الحكومة والشعب إصلاحها بعمليات تودد وترقيع من قبل الحكومة متي ما اعترض المواطن علي الفساد بالتهدئة انما بالعمل الجاد لایجاد الحلول ، لا بعمليات خضوع .إنما هي بحاجة إلى حلول شامل لابعاد المشاكل بشكل جذري برؤية جديدة ، تفكر وتناقش، وتهتم بالآخرين، ویسعد المسؤول بما يقدمه لإخوانه ،والسعادة بما يحصل عليه هو لذاته ایضا لانه هوجزء منهم وتتحقق الأخوة الحقيقية في ظلها ويرتبط ارتباطا وثيقا بالفلسفة الكلية التي تحكم سياسة الدولة لجهة العلاقة بين الشعب والسلطة ، وبالنظام الذي يعتمد على القاعدة الجماهيرية لان البقاء في السلطة رهين بارادة الشعب اذا ما كان حراً، والحقوق لا تؤخذ بالعنف وبأرادة الجهلة اذا ماكانت موجودة والتصرفات الصبيانية وتشوبها الهدم.

عندما تكون الحكومة شعبية وحريصة في تحقيق المطالب تحتم على المواطن أن يشارك معها في استكمال بناء دولة مدنية متطورة وتحقيق التنمية المستدامة والشاملة كأساس لتحقيق حياة أفضل بين افراده ، وذلك من خلال رفع جودة الخدمات العامة وتأكيد ثقافة تكافؤ الفرص وتحقيق العدالة الاجتماعية وحماية الفقراء ومحدودي الدخل ومراعاة عدم تأثرهم ببرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يتضمنه برنامج متطوراً للحكومة بعيداً عن الترقيع ويحوي الى الكثير من الايجابية . تطبيق مبادئ الحكومة الرشيدة شرط مسبق لتحقيق تنمية عادلة لأنها تعطي دور أكبر لمؤسسات المجتمع المدني وتطبق اللامركزية على صعيد الإدارة الحكومية وتحرر قدرات الشعب تزيد الشعور بالانتماء

ومتى ما يعمل النظام بما يهم ابنائه ويعمل في الجهد البناء الموجه تقوده الجماهير اساساً لا بلعبثية ولا يأخذ اولويته في الانفاق العام مثلما يحدث في الكثير من البلدان التي تسيطر عليها انظمة مستبدة   . ومنها الامنية ففي الكثير من دول العالم التي لا تهددها مخاطر خارجية وفيها استقرارسياسي وامني لا تحتاج الى نظم امنية بحتة متفرغة كما هو الحال في بعض بلدان العالم فالقوات الامنية تقتصر على الشرطة المجتمعية لاغراض التأمين البسيط للافراد ضد الجرائم العادية والاعتماد على اوجه   التصالح بين السلطة المخلصة والشعب في مجال الامن هواحداث تغيير يبدأ من الإنسان والمجتمع للإنتقال من الاستبداد إلى الحرية وهذا هو الأمل والهدف المنشود الى أي تحول يؤمن حق الشعب في بناء دولة المواطنة وكذلك اداء الحقوق والواجبات الملقاة على عاتق كل فرد منهم .وخلق مجتمع ايجابي الفكر ويبدأ من الإنسان الذي يتمسك بالقيم ويتنازل عن الصغائر، مُتفائل في نظرته للحياة ومجرياتها والإنسان السلبي يتشبث بالصغائر ويتنازل عن القيم . إن إحداث التغيير يجب أن يُراعي قدرات الإنسان واستعداداته ، حتى لا يُحمِّل نفسه ما لا يطيق . وحتى يكون التغيير منسجمًا مع عقل الإنسان ، فلا يجنح به إلى ما يضر بمصالحه، أو يتعارض مع رغباته ، فلا يحرمه المتاع الحلال ، أو يتنافى مع أخلاقه وسلوكياته الثابتة

 

عبد الخالق الفلاح - باحث واعلامي

 

حسن زايدأثناء الثورات وفي أعقابها، ونتيجة الزلازل التي تصيب المجتمع تبعاً لذلك، لابد وأن تهتز الأشياء والقيم بنسب متفاوتة. هذه الإهتزازات لا شك أنها تحدث إختلالات هيكلية يترتب عليها سقوط أشياء وقيم، وفقدانها لمكانتها وقيمتها ومعناها وفلسفة وجودها، وكذا فقدان هيبتها في النفوس واحترامها. وارتفاع قيم أخري لم تكن موجودة من قبل، أي قيم متخلقة، أو قيم متروكة، أو قيم موجودة في مجتمعات أُخر، لم تكن مقبولة من قبل في المجتمعات محل الثورة .

وقد قلت أن القيم لم تتغير، ولكننا ننزلق نحو منظومة قيم جديدة برجماتية، ستحل حتماً محل قيمنا القديمة عن طريق أبنائنا وأحفادنا، باعتبار أن تغيير منظومة القيم في المجتمعات تتم تدريجياً، وببطء عبر أجيال، وليس تغييراً فجائياً أشبه بالإنفجار المفاجيء علي نحو ما حدث بمصر . وقد نسيت أن مصر قد تعرضت كمجموعة قيم لثورتين أحدثتا شروخاً وتشوهات وانكسارات ذات زوايا حادة مدببة . ونسيت كذلك في زحمة الركام أن لحظة الإنزلاق من منظومة القيم القديمة، إلي منظومة القيم الجديدة، لابد أن يصاحبها، ويعقبها تحطم قيم قديمة واندثارها، ودخولها في ذمة التاريخ المهمل، الذي لا يلتفت إليه أحد، ولا ينتبه لوجوده أحد، إلا بعد حين .

ومن أمثلة القيم التي كانت موجودة ثم طفت علي السطح نتيجة خلق الظروف البيئية الضرورية لوجودها، أو تم استيرادها، أو تخلقت لدينا وسادت، قيمة الإنتهازية . والإنتهازية هي وصف لمن يقتنص الفرص، ويستغل أية وسيلة من وسائل اجتلاب المنفعة الشخصية الخاصة، مستغلاً في ذلك لأي ظرف بطريقة لا أخلاقية، بغض النظر عن المصلحة العامة للمجتمع . وتنهار مع وجود هذه القيمة قيم الإيثار، والصدق، والأمانة، وحب الغير، وتصاحبها قيم حب الذات، والأنانية، والكذب، والنفاق، والغش، والتدليس، والتزوير، والخيانة .

ومن المتوقع في أي مجتمع يتعرض لمثل هذه الهزات الزلزالية، أن تكون هناك فئة أو طائفة طليعية تحفظ علي المجتمع قيمه ومبادئه، كلها أو بعضها، حتي لا يكون الإنهيار تاماً وكاسحاً . هذه الفئة تمثل ذاكرة المجتمع التي بها يستعيد تاريخه القيمي، ومنظومته القيمية الحاكمة، التي بها يستعيد وجوده، ويسترد عافيته القيمية، وفق نسقه الأخلاقي .

هذه الفئة الطليعية هي فئة المثقفين، باعتبارها أكثر الفئات الواعية، المستوعبة، الفاهمة، التي اعتملت في وعيها المنظومة القيمية والنسق الأخلاقي الفاعل في المجتمع، دون أن يصابوا بداءات الإنتهازية الإقتصادية أو الإجتماعية أو السياسية .

وقد اتضح لي، أن من الأسباب الدافعة للتمهيد لحدوث الثورتين، هو السقوط المدوي لهذه الفئة، ليس بالسكوت، والصمت، والإنزواء، وإنما بالسقوط في فخاخ الإنتهازية وشباكها، ليس بالإنتفاع منها وحسب، وإنما بالترويج لها، وتسويقها، وتزيينها للمجتمع، باعتبارها السبيل الأوحد للصعود المجتمعي .

 

حسن زايد

 

سليم الحسنيشعارات كبيرة في العراق سرعان ما تتحول الى تجارة سياسية.. معاناة الفقراء، طموحات الناس، أمنهم، دمهم، كل ذلك معرّض للسرقة ومن ثم العرض في سوق المزايدات السياسية. فهناك قادة يجيدون اقتناص الفرصة، وهناك اشخاص يبنون مجدهم بالسر، بانتظار مثل هذه الفرص، وهناك المتربصون بالعراق الذين يحتفظون ببرامجهم بانتظار اللحظة الطارئة.

هذا الخليط غير المتجانس من القادة والجهات، أرد أصحابه أن يستغلوا التظاهرات المطلبية الجماهيرية التي اندلعت في البصرة، وكان المتظاهرون لا يريدون أكثر من حقوقهم، بل أبسط حقوقهم. فخرجوا تحت ضغط الظروف المتردية يطالبون بها.

ولأنهم فقراء، فقد كانت مطالبهم رغيف خبز وطاسة ماء ونسمة هواء من مروحة عتيقة. ولأن الفقراء حين يتظاهرون يخرجون بعفوية، فان المحترفين من قناصي الفرص سارعوا الى استغلالها، فدّس كل طرف اتباعه ليحقق ما يريد من تظاهرات الفقراء، أي يجعلهم وقوداً ووسيلة لغرضه، تماماً مثلما فعل السياسيون في مواقعهم الحكومية والبرلمانية والقضائية.

سارع أتباع الصرخي واليماني الى الاندساس وسط المتظاهرين، ولديهم هدف محدد هو تحويل التظاهرات الى أعمال شغب وعنف وتخريب. وتضامن معهم بقايا البعث الذين ينتظرون مثل هذه الفرص، واصدروا تعليماتهم بسرعة الى عناصرهم وكانوا أكثر تنظيماً من غيرهم، وقد كان التوجه نحو تخريب حقول النفط واحراقها للقضاء على المصدر الوحيد للاقتصاد العراقي.

في النجف الأشرف أراد السيد مقتدى الصدر أن يستغل الغضب الجماهيري، فحرك أتباعه للسيطرة على المدينة، والانتقام من خصومه ومنافسيه السياسيين، فاحتلوا مطار النجف وأحرقوا عدداً من المباني وممتلكات الدولة، ثم جاءت سرايا السلام لتسيطر على الحنانة قلعة زعيم التيار الصدري، بحجة حمايته.

وكان السيد مقتدى الصدر، قد سبق له أن دخل على خط التظاهرات في صيف عام ٢٠١٦، ووقتها أعلن عن الإصلاح، وصارت لافتة الإصلاح لا تفارق موكبه ومحل اقامته. وفي تلك التظاهرات تم اقتحام المنطقة الخضراء، فصار هو الحدث الأبرز وفشلت بذلك محاولات الإصلاح، وفي نفس الوقت استطاع مقتدى الصدر أن ينقذ رئيس الوزراء حيدر العبادي من السقوط وسحب الثقة. فكانت حركة مقتدى الصدر هي التي أنقذت العبادي، وهي التي صادرت الحراك الجماهيري، وظل الفقراء يسمعون وعوده بمكافحة الفساد وتحسين الأوضاع ومعالجة البطالة.

وهذه المرة يكرر مقتدى الصدر التجربة بشكل آخر، ويقضي على مطالب الجماهير الفقيرة، ليحقق بها أهدافه في التحكم بالعملية السياسية. فهدفه ينحصر في إبقاء العبادي لولاية ثانية، أي إبقاء مسار التردي مستمراً في العراق.

مقتدى الصدر والصرخي واليماني والبعثيون وغيرهم من الذين اندسوا في حركة الفقراء، عملوا على حرف المسار، وبدل أن يصل الجمهور الغاضب الى بعض حقوقه، فان محترفي الفرص أضعفوا التظاهرات، وسيحولونها الى حركة تخريب، يدفع ثمنها الفقير وحده.

تنجح التظاهرات وتحقق مطالبها، حين يبتعد قناصو الفرص عنها، وعند ذاك ستكون الأمور واضحة، ويكون الصوت العراقي مسموعاً ومؤثراً وقادراً على فرض إرادته على العبادي والحكومة والكتل السياسية.

 

سليم الحسني

 

 

قاسم حسين صالحشهد النصف الأول من تموز 2018 تظاهرات غاضبة بدأت في محافظة البصرة وانتقلت الى محافظات الجنوب والوسط استشهد فيها شباب (بين 8 الى 15 شهيدا) وجرح العشرات من المتظاهرين وافراد القوات الأمنية، وما تزال التظاهرات مستمرة لغاية كتابة هذا البيان..في وضع يثير تساؤلا جديا وخطيرا:

الى أين نحن ذاهبون؟ هل يستمر الحكّام يسخرون من المتظاهرين فيصيب الناس الملل وعن التظاهر يكفون؟، أم انهم سيحققون هذه المرّة ما كانوا قد يئسوا منه مرات؟..أم أننا الى فتنة كبرى سائرون، تبدأ بحرب الشيعة ضد الشيعة!؟

ان ما يحصل ، ناجم عن الآتي:

• عدم امتلاك احزاب السلطة لبرامج سياسية ورؤى تستهدف خلق حياة كريمة للمواطن ، وبناء وطن يمتلك كل مقومات الرفاهية لشعبه.

• فشل العملية السياسية باعتماد المحاصصة وتوزيع مؤسسات الدولة على احزاب السلطة وعوائل قادتها، واستفراد احزاب السلطة بالثروة.

• شيوع الفساد بشكل لم يشهده تاريخ العراق السياسي ولا دول المنطقة، وعدم وجود اجراءات رادعة للحد منه ، اومسعى جاد لاسترداد اموال تعد بالمليارات.

• استمرار استهانة السلطة بمطالب المتظاهرين المشروعة التي بدأت في شباط 2011، وعدم الأستجابة لها على مدى سبع سنوات من صبر العراقيين عليها.

اننا في (تجمع عقول) ندين بشدة قيام القوات الأمنية باطلاق النار على المتظاهرين والتعامل معهم بقسوة او اهانتهم، وان على الحكومة الاستجابة لمطالب تعد امرا عاديا ومتوفرا في بلدان فقيرة لا تملك عشر ميزانية العراق.

ومع اننا نعطيها الحق في ضبط الامن وحماية النظام من سقوط قد يدخل العراق في نفق مظلم، الا ان ذلك يجب ان لا يكون على حساب كرامة المواطن وهدر حقوقه.

من جانب آخر، يحيي (تجمع عقول) المتظاهرين الذين اعادوا للشعب العراقي اعتباره، وصدق ما وصف به بأن العراقيين ما استسلموا لظالم ولا انبطحوا لسلطة، ونريد لتظاهراتهم ان تكون بأسلوب حضاري يليق بهم.وندين في الوقت نفسه اعمال التخريب والحرق والتجاوزات على الملكيات العامة والخاصة، وننبه الى ضرورة الحذر من مندسين ومغرضين وسياسيين يعملون باجندات خارجية عربية واجنبية.

وعليه فان (تجمع عقول) يدعو الى تشكيل قيادة محلية بكل محافظة من الأشخاص الذين لهم دور فاعل ومثابر، وتشكيل قيادة مركزية في بغداد تمثلها، تخول بالتفاوض مع الحكومة بأهداف واضحة ومحددة تنفذ وفق استراتيجية علمية وعملية..و(تجمع عقول) يشرّفه القيام بهذه المبادرة الوطنية التي تجنب الوطن واهله من اخطار كارثية.

• المجد والخلود لشهداء تظاهرات تموز 2018

• تحية اجلال واكبار لكل متظاهر يطالب بحياة كريمة ووطن محترم

• الخزي والعار لكل حاكم فاسد يستخدم النار ضد شعبه ويستخف بمطالبه المشروعة.

 

أ.د. قاسم حسين صالح

امين عام تجمع عقول

16 تموز 2018

 

 

ابراهيم الخزعلياليوم يحتفل كل العراقيين في الذكرى الستين لثورة الرابع عشر من تموز المجيدة ...

ان مفهوم الثورة في تأريخ الشعوب القديمة والمعاصرة، هو ظاهرة طبيعية في حياة الأمم، وهي كفعل ورد فعل .

امّا التعريف المعاصر والأكثر حداثة لهذا المصطلح، هو التغيير الكامل لجميع المؤسسات والسلطات الحكومية في النظام السابق لتحقيق طموحات التغيير لنظام سياسي نزيه وعادل، يوفر الحقوق الكاملة والحرية والنهضة للمجتمع .

ومن البديهي عندما يُحرم الأنسان من أبسط حقوقه، ومستلزمات عيشه، ولقمة الخبز التي هي مصدر طاقته وفاعليته في حياته، بينما يرى في المقابل شرذمة من الناس يستحوذون على كل شيء هم وأزلامهم، ويتسلطون على رقاب الناس ويتحكمون بكل صغيرة وكبيرة، من موقع ما يسمى بسلطة الدولة او الحكومة، تلك الشرذمة لم تنظر بعين المسؤلية الى ما يحتاجه الشعب وما يعانيه الغالبية العظمى من الناس من مأساة وفقر وحرمان، ولكن عندما ينهض الشعب مطالبا بحقوقه المشروعة والمسلوبة، ترى السلطة وبأجهزتها القمعية تستخدم كل الأساليب الوحشية والبربرية في اخماد صوت الشعب وقمعه، فمن هنا تبدأ الفجوة الساخنة بغضب الجياع والمحرومين بين السلطة الحاكمة وبينهم، لتكون احد عوامل انتصار الجماهير المضطهدة عندما تعي ماساتها ومعاناتها بنمو الوعي والحس الثوري لديها، وكما يقول كارل ماركس " الفقر لا يصنع ثورة، انما وعي الفقر هو الذي يصنع الثورة، الطاغية مهمته ان يجعلك فقيرا، وشيخ الطاغية مهمته أن يجعل وعيك غائبا"، وهذه المسألة تُردُّ الى العامل الأقتصادي.

والى جانب العامل الأقتصادي يوجد عامل آخر مهم في تفجير كل الثورات في العالم، وهو العامل السياسي .

فالعامل السياسي هنا لعب دورا كبيرا وساعد على تفجير وانتصار ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة، حيث ان الحكومة العميلة التي صنعها الأنجليز، باعت الوطن وكل ما له صلة بسيادة العراق الى اسيادهم المستعمرين، مقابل عروش زائلة وملذاتهم وشهواتهم الدنيئة، ولم يعيروا أي اهتمام لسيادة العراق وكرامة شعبه، وعلى العكس من ذلك، وفي المقابل، ما ان ترى الطليعة الواعية من الجماهير تعلن غضبها وصرختها بوجه الحكومة العميلة، مطالبة بحقوقها، فسرعان ما تنقضُّ كلاب السلطة على الجماهير لتنهشها وتُزهق ارواحا، وتسيل دماء آخرين ...

وكما هو واضح ومعروف لدى الجميع أن ارادة الخيرين ومؤازرة المحرومين والمعدمين من ابناء الشعب العراقي الأبي، وبإتحاد كل قواه الخيرة عربا وكردا واقلياتا، وبذلك الأتحاد، وذلك الوعي المتنامي عند الفصائل الثورية في الحركة السياسية انذاك، المتجذرة بين صفوف العمال والفلاحين والطلبة والمثقفين وبين الخيرين في الجيش والقوات المسلحة، و بالتلاحم الصادق والنقي تفجرت صبيحة الرابع عشر من تموز، الثورة المجيدة بقيادة الشهيد البطل عبد الكريم قاسم والشرفاء الذين معه ...

ان ما قدمته ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة من انجازات على كل المستويات والأصعدة (سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا)، وهنا لا يمكن ان تحتويها الصفحات، والخوض فيها وتفصيلها، ويمكن الأطلاع على المصادر المؤرخة والموثوقة للتعرف على ذلك.

فالتآخي بين مكونات الشعب الواحد بكل اعراقه ومذاهبه والوان طيفه الجميل، وباتحاد قواه الخيرة، كان هو العامل الأهم والأبرز في انتصار الثورة المجيدة وتحقيق طموحات واماني الشعب، ونحن نعرف جميعا، ان المستعمرين هم دائما وابدا وفي كل زمان ومكان ضد وحدة الشعوب التي تناضل من اجل حقوقها العادلة وتحررها من الظلم والعبودية والهيمنة الأستعمارية، لتبقى هيمنتها زمناَ أطول، فهي تنتهج مبدأ ميكافلّي (فرّق تَسُدْ) وكما يحصل اليوم في عراقنا الجريح من قتل وذبح وتفرقة، وهذه الظواهر المؤلمة التي صنعها اعداء شعبنا،عربا وكردا واقلياتا، لكي لا نكون اقوياء متحدين في مواجهته ودحره .

فاحتفال الشعب العراقي في الداخل والمغتربين في كل بقاع الأرض من العالم، الذين أجبرتهم الدكتاتورية الصدامية وقتذاك، بممارساتها القمعية والوحشية، وحروبها المدمرة التي اوصلت العراق الى ما هو عليه الأن بعد الأحتلال الظالم بجرائمه القذرة التي خربت ما تبقى من شيء اسمه دولة ذات سيادة، وبكل وقاحة وخبث، وامام مرأى ومسمع من العالم، ومن دون ذرة من حياء وشرف وانسانية، ومن المضحك المبكي أن هذه الدول التي ساهمت بخراب العراق شعبا وارضا، بقيادة امريكا، تدعي جميعها الحضارة والتقدم وحقوق الأنسان، وإذا ما يحصل هنا او هناك قتل انسان، ترفع صوتها عاليا، وتتباكى، في الوقت الذي يُباد ملايين البشر باسلحتها المدمرة والفتاكة، ونشرهم الفساد والخراب، وتشرد الملايين من الناس العزل، ومثلهم الكثير من المعوقين والأيتام والأرامل والثكالى والجياع، كل هذا ليس ذات اهمية بالنسبة لهم، وكما قال الشاعر أديب إسحاق (*) "

قتل امرئ في غابة ...جريمة لا تُغتفر

وقتل شعبٍ آمنٍ ... مسألةٌ فيها نظر"

وهذه هي سياسة الطواغيت التي التي دفعت أحرار العراق للثورة، وكأي شعب يصبو الى التحرر والتخلص من الطلم والظلمة، وبأرادة الشعب العراقي وكل قواه الخيرة وبقيادة الطلعية الواعية من أبنائه الأبطال وعلى رأسهم الشهيد البطل عبد الكريم قاسم، انتصرت ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة، وبهذا اليوم شعبنا وكل القوى الخيرة يحتفلون بهذه المناسبة العظيمة، ليستلهموا الدروس والعبر من معانيها القيّمة، ومثلها العليا، وهو ليس احتفالا تقليديا، فارغ المحتوى، كما يفعل الطواغيت بإجبار الشعوب على التظاهر بالأحتفال بمناسبات مفتعلة وسمجة .

فثورة الرابع عشر من تموز المجيدة انتصرت باتحاد كل قوى الشعب الخيرة، وانتكست هذه الثورة بتآمر الخونة الذين تلبَّسوا قناع الثورية والنضال، فدفعتهم للخيانة والتآمر، انانيتهم ودناءتهم وما يكنّوهُ من حقد ولؤم وغيرة على مَنْ حولهم، لما يتصف به الآخر من مواصفات خيرة ومميزة،مما جعلت الجماهير تلتف حولهم بسببها، فالتفّت حولهم بالمحبة والاخاء، اذ كانت هذه الميزات تثير غضب وحنق النفوس اللئيمة، مما دفعها الى التآمر والأنتقام، ليس فقط من أولئك الخيرين الذين انقذوا الوطن والشعب من الظلم والعبودية وحرروا العراق من التبعية، وانما تآمر الخونة على اكبر منعطف في تأريخ العراق المعاصر، ألا وهو ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة، فعندما تنفجر اورام النفوس اللئيمة، فانها تفقد صوابها في اصابة كل ما هو سليم، وكما يقال( تحرق الأخضر واليابس)، والدماء التي سالت في صبيحة الثامن من شباط الأسود، في شوارع العراق وبيوته وساحاته لم يشهد التأريخ مثلها قط!

والسؤال هنا يطرح نفسه، هل ان المتآمرين الخونة ربحوا في خيانتهم وتآمرهم على الثورة المجيدة وقادتها الأبطال؟

بالتأكيد لا ...

لأن الخيانة والتآمر في كل تأريخ البشرية لم نر له اية صورة نجاح وخلود ومحبة من الآخرين، بل على العكس من ذلك، الخزي والعار ولعنة الناس تلاحق الخونة المتآمرين، وانتهوا الى مزبلة التأريخ، بينما نرى ابناء شعبنا اليوم في كل بقعة من عراقنا الحبيب، من زاخو الى الفاو ومن الشرق الى الغرب، واينما وجد العراقيون، فهم يحتفلون بثورة الرابع عشر من تموز المجيدة، مُستلهمين الدروس والعبر منها، في سبيل غد افضل.

وهنا لا بد من الأشارة والتأكيد أن التلاحم والمحبة والتآخي والأتحاد هو الذي يصنع النصر، وكما ذكرت آنفا ان ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة انتصرت باتحاد القوى الخيرة، وانتكست بالتآمر من العدو الداخلي والقريب، حتى تسنى للعدو الخارجي ليمد يده السامة واللئيمة ليوصلنا هذا التآمر والخيانة الى ما نحن فيه من مأساة ومعاناة ...

فأدعو نفسي اولا وكل العراقيين في الداخل والخارج   الى التلاحم والتآخي ووحدة الكلمة، ونبذ الخلافات الجانبية التي لا تخدم قضيتنا العادلة من أجل الدولة الديمقراطية والعدالة الأجتماعية .

فاذا كنا حقا نحتفل بثورة الرابع عشر من تموز الخالدة، فلنستلهم العبر من جوهر انتصارها ومن تفاني ونكران ذات ابطالها وقادتها الشرفاء ...

فتحية حب ووفاء لقادة ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة

وتحية لشعبنا وقواتنا المسلحة على اختلاف تشكيلاتها، في الأنتصار على داعش الأرهابي

 

الدكتور ابراهيم الخزعلي – موسكو

..............

(*) أديب إسحاق: شاعر سوري أرمني 1856- 1885

 

صادق السامرائيالبشر له الخيار في أن يكون رقما أو إنسانا، ولا يلومن إلا نفسه ومجتمعه ومَن معه، فالتحول إلى رقم إرادة فردية وجماعية وكذلك التحول إلى إنسان.

ومن أمثلة التحول إلى أرقام أن يكون البشر رهينة لهذا وذاك من الرموز والمسميات والتصورات، فتجده مرهونا بعمامة ولحية وكرسي وفئة وغيرها من التوصيفات الإستعبادية، التي تجعل البشر رقما على يسار المتحكمين بمصيره، والذين يمحقونه أنى يشاؤون ويجمعونه ويطرحونه ويقسمونه ويضربونه، وفقا لمقتضيات مصالحهم ونوازع نفوسهم وما تكنزه من مطمورات دونية.

فالبشر الذي يتحرك كالروبوت لكلمة عمامة أو رأي مدّعٍ بدين عليه أن يقر بمسؤوليته عن قهره وظلمه، لأنه قد طلّق ذاته بالثلاث وباع نفسه لممتهنيه وقاهريه والمتاجرين به.

ومن سلوك البشر الأرقام الإرتضاء بحياة ذليلة مهينة قاسية، وفقا لما يضخه في وعيه المرهون بهم من أكاذيب وخداعات وأضاليل ووعود بأمنيات لا تتحقق إلا في الموت، وما من أحد يدري بها ويعلم.

فالذين يرتضون العيش محرومين من الماء والكهرباء وأبسط الحاجات، ومقبوض على مصيرهم ببطاقة تموينية يُسرق نصف ما فيها ويتواصلون ويعينون المارقين والفاسدين، ما هم إلا أرقام وتوابع لعمائم وأشخاص يمررون مصالح الآخرين، وما تساءل الواحد منهم كيف يعيش هؤلاء الذين يرتهنون بهم، هل يعرفون معنى الحرمان من الكهرباء في شهر تموز وآب، وهل يعرفون معنى الحاجات؟!

إنهم مترفون متخومون ومترفهون والأرقام من حولهم تتراكض وتصفق لهم وتقدسهم وربما تعبدهم، وتحسب قولهم أمرا وواجبا، فما تقوله هذه اللحية وتلك العمامة يحسب على أنه كلام يستوجب التنفيذ، وأنه لأمر مقدس يوصل الأرقام إلى جنات الخلد والنعيم، التي يصورونها لهم على أنها الهدف والغاية، وما الحياة الدنيا إلا عبث وإمتحان ونقمة وعذاب، وعليهم أن يتعذبوا ويُقهروا لكي ينالوا نعيم الآخرة، وهم أي الذين يستعبدونهم لهم جنات الدنيا والآخرة!!

وعندما نتأمل هذه الصور السلوكية التفاعلية ما بين البشر تتضح حقيقة الوجود الرقمي للناس وإغفالهم لدورهم الإنساني، الذي يوجب عليهم أن يتحقق التفاعل فيما بينهم على أنهم موجودات ذات قيمة كبيرة ودور مهم في صناعة الحياة، وأن العبودية لا تكون إلا لخالقهم العظيم، وأن الجميع سواسية في الحقوق والواجبات، ولا يجوز لأحد أن يعلو على أحد إلا بالجد والإجتهاد والعطاء الإنساني النبيل.

وتجد أمثلة كثيرة على البشر الإنسان في المجتمعات المعاصرة، التي ينال فيها الناس حقوقهم ويعبرون عن تطلعاتهم، ويمنحون الحياة خلاصة ما عندهم من القدرات والطاقات والإبداعات الأصيلة.

كنت بزيارة لفلاح سويسري في مزرعته، وتشعب الحديث بيننا، وعندما سألته عن وجود الدبية ومخاطرها من حوله، قال أنها نادرة وكان قبل أعوام دب إسمه كذا، وعندما قتلته الشرطة حصلت ضجة كبيرة وإستياء لقتل الحيوان، وأضاف، عندها أدركت السلطات المحلية أن منح الدب إسما يتسبب بإثارة المشاعر، ولهذا تقرر منح أي دب يأتي للمنطقة رقما لأن قتل الرقم لا يثير مشاعر الناس!!

تأملت قوله وتداعت أمامي أرقام القتلى يوميا من العرب، التي تتداولها وسائل الإعلام فلا تثير مشاعر المستمعين والمشاهدين، لأنها أرقام مهما زادت أو نقصت فأنها تبقى أرقاما!!

إن تحول البشر إلى إنسان يتطلب إعتزازا بالكرامة وتمسكا بالحقوق والواجيات، والشعور بالمسؤولية والوعي والمعرفة وعدم الخنوع والتبعية والإستسلام لذوي العاهات السلوكية، الذين يزينونها بالدين والعقيدة وغيرها من الخداعات والأضاليل السلوكية.

تحوُّل البشر من رقم إلى إنسان يعني الحرية الكاملة فيما يراه ويعتقده ويتصوره، وأن يحترم غيره ويتفاعل معه بأليات إيجابية تساهم في تنمية الخير والمحبة والقوة والإقتدار التفاعلي والإبداعي.

تحوُّلات البشر من رقم إلى إنسان نراها واضحة في مجتمعات الدنيا المتقدمة، لوجود القوانين التي تصون حقوقه وواجباته وحمايته ، ولديه الحق الكامل في المشاركة بتقرير مصيره ولعب دوره في بناء الحياة الحرة الكريمة، بعيدا عن أي ضغط أو تأثير، وفي جميعها لا يمكن للبشر أن يكون مرهونا بشخص مدّعٍ بدين أو يرى أنه يمثل دين.

ويبقى حق الإختيار وتقرير المصير إرادة ذاتية وفردية وجماعية.

فلا تلومن الآخرين لإمتلاكهم لك، ما دمت قد إرتضيت أن تبيع نفسك وتكون رقما تحت رحمة الفاسدين!!

فهل للبشر أن يرتقي إلى مصاف إنسانيته؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

معمر حبارأكتب هذه الأسطر وأنا أتابع الآن على المباشر الصور التي تبثّها الفضائيات الفرنسية حول احتفالات فرنسا بفوز كأس العالم 2018 المقامة بروسيا. سأدع الاحتفال لأصحابه وأتطرّق لما يمكن أن يستنبطه المتتبّع راجيا أن يفيد الجميع. بقيت الإشارة أنّ صاحب الأسطر سبق له أنّ علّق على مجريات كأس العالم في حينها من الناحية الفكرية والاجتماعية والسّياسيّة، وهو الآن يعيد جمعها عبر مقال ويضعها بين يدي القرّاء والنقاد الكرام، وهي:

1. قال المعلّق فيما نقله عن رئيس الاتحادية الإفريقية لكرة القدم: أخبرني رؤساء دول إفريقية أنّنا نتعرّض لضغوط من الأمريكي لعدم التصويت للمغرب والتصويت لصالح الولايات المتحدة الأمريكية للفوز بتنظيم كأس العالم 2026. ونقل أيضا عن رئيس اتحادات العربية لكرة القدم: تعرّض حكام العرب لنفس الضغوط بعدم التصويت لصالح المغرب والتصويت للملف الأمريكي. أقول: إذا كانت كلّ هذه الضغوط لأجل الاستحواذ على كرة، فكيف هي الضغوط للاستحواذ على الكرة الأرضية. و كلّ يضغط بما يملك وعلى من يقدر، وكلّما كان المرء في أسفل الهرم تعرّض لكافة الضغوط، فلزم الصعود للقمّة بما تتطلبه القمّة والقوّة.

2. دخلت فرنسا كأس العالم بـ 78 % من المهاجرين، وبلجيكا دخلت النصف النهائي بـ 48% من المهاجرين، وأبناء المغرب العربي وإفريقيا يتابعون أبناءهم المهاجرين الذين يصنعون أفراح الغرب عبر الشاشة.

3. قٍرأت عبر صفحة زميلتنا الإعلامية المغربية Bouchra Chakir، أنّ أحد صانعي أمجاد الفريق البلجيكي المغربي الأصل، اتّصل بالمغرب ليقدّم خدماته، فقالوا له حينها: طولك لا يصلح لأن تكون لاعب لكرة القدم، وعاد كما جاء، واحتضنته بلجيكا، فأهداها وهو الطويل، النصف النهائي في انتظار النهائي. والغاية هي: لا تفرّط في أبنائك ولا تكن سببا في فشلهم وإقصائهم، وتمسّك بالمبدعين منهم، وافتح لهم المجال، وقدّم لهم المساعدة بقدر ما تستطيع، وفي كلّ المجالات.

4. تابعت كأس العالم المقامة في روسيا 2018 رفقة أبنائي، فاستوقفتني الملاحظات التّالية: روسيا دولة عظمى بكلّ ما تعنيه العظمة. والدولة التي تفوّقت في النووي والفضاء والغواصات وS400 البالغة التطور هي نفسها الدولة التي تفوّقت في إنشاء الملاعب والتنظيم المبهر للمباريات الشتوية والكروية. ومن كان ضعيفا في هزله ورياضته كان أضعف في جدّه، ومن تحكّم في مصير الكرة الأرضية سهل عليه التحكّم في لعبة كرة القدم وغيرها من الألعاب. وما يجري في الملاعب من مظاهر القوّة من تنظيم وإنفاق واستقبال وأمن وجمال وإبداع هو الوجه الآخر للقوّة من بوارج وصواريخ وأقمار وغزو فضاء واختراعات وعلوم، وليس للهو والعبث.

5. تابعت مباراة إيسلندا الأرجنتين: دييغو ماردونا يتربّع على كرسيه وقد قاده بطنه وسيجار هافانا. ما رأيت لاعبا أوربيا ولا مدربا أوربيا يسبقه بطنه ولا حاملا سيجارة. التخلّف يبدأ بمظاهر صغيرة والتقدّم يبدأ بمظاهر صغيرة. الكبار وصلوا القمّة بالصغير الفاعل، والصغار ظلّوا في القاع بالصغير الهالك.

6. تابعت بلجيكا - اليابان، وأنا أقول: صعدت أوروبا ببعض أبناء العرب، وبعض أبناء العرب يتفنّون في إسقاط العرب. ومن المصائب التي حلّت بالعرب، أنّهم يفرّطون في المتفوّقين بالمجان، ويستوردون الفاشلين بالغالي الثمين.

7. تابعت فرنسا- الأورغواي، ثمّ البرازيل - بلجيكا، فرأيت: صورة جماعية تضمّ الحكام والفريقين مختلطين فيما بينهما، أي اللّاعب من هذا الفريق بجوار اللّاعب من فريق آخر، وهكذا مع جميع اللّاعبين. يبدأ تقريب القلوب، وصفاء الصدور من المصافحة في البداية والنهاية والصورة الجماعية المختلطة، ويبدأ سواد القلوب من رفض مصافحة المصلي بعد الانتهاء من الصلاة، ورفض الصلاة بجانبه. أساس الحب والصفاء والتعاون أصابع تلتقي وتقترب، وأساس البغض والبعد والكره أصابع تبتعد وتتنافر. وكلّ وسيلة تؤدي إلى الحب فتلك هي الوسيلة ولو كانت الأقدام، وكلّ وسيلة تؤدي إلى الحقد والبغض ليست هي الوسيلة ولو كانت الأقلام. و الغاية هي: كيف أنّ الحب يشمل أماكن المرح ولا أقول "اللّهو" حين أحسنوا استغلال الوسائل في خدمة الغايات النبيلة، وفي نفس الوقت كيف تحوّلت الوسائل عبر الأماكن المقدّسة إلى بغض وحقد وكره. والغاية أن تعمّ المصافحة وتنتشر، ثمّ إنّ البعض يحارب المصافحة في المساجد وبعد الصلاة، فكان من ثمارها الحقد والبغض والكره في أحب الأماكن وأقدسها. ومهمتنا أن نسعى لنقارب بين الأصابع لتتقارب القلوب، وتظلّ مصيبتنا في من يمنع المصافحة بين الإخوة في المساجد، وليس في من يتّخذها "بروتوكول".

8. تابعت مقابلة انجلترا مع بنما، وما زلت أتابع مباريات كأس العالم المقامة في روسيا: لم تعرف البطولة التأخّر لمدّة دقيقة واحدة، حتّى أنّ المرء يبرمج أوقاته ومواعيده حسب توقيت انطلاق المباريات نظرا للدّقة المتناهية في ضبط المواعيد والاحترام الشديد للوقت. الحضارة تحترم وترفع من يحترم الوقت، سواء كان من عالم الأقدام أو عالم الأقلام.

9. حضور الكرة الأرضية إلى روسيا ومتابعة المباريات في جوّ كلّة محبّة وإخاء وأمن وسلام، ودون تحطيم ولا اعتداء ولا حرق، وهم الذين جاؤوا من لغات مختلفة، وأجناس متباينة، وعادات متضاربة، إنّها حضارة التعايش والسّلم التي جمعتهم هذه المرّة لكن على لعبة أرجل.

10. العرب: يفتخرون بأكبر رئيس يحرسهم، وبأكبر لاعب يحرس مرماهم بـ 45 سنة.

11. تابعت مقابلة البرازيل صربيا مع أبنائي. أعدّد لهم الدول التي كانت تتبع أوروبا الشرقية. يسألني أصغر الأبناء: هل كانت هناك أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية؟ يجيب الأب: كانت، وهي اليوم أوروبا الموحدة. لم أخبر البريء عمدا أنّنا ما زلنا الأوس والخزرج.

12. تابعت حصّة حول الإعداد لكأس العالم في روسيا عبر الفضائية الروسية الناطقة باللّغة العربية ، وممّا تمّ تلقينه للمعنيين بتنظيم البطولة: إتقان البسمة والحفاظ عليها طيلة بطولة كأس العالم، والتعبير عن حسن الاستقبال بالبسمة وبتلقائية ودون تكلّف.

13. في يوم واحد سقط رونالد و وميسي. ليس عيبا أن يسقط من تراه كبيرا، العيب كلّ العيب أن يظلّ المرء يبرّر سقوط من يراه كبيرا، ويدافع عنه في كلّ سقوط.

14. تابعت مباريات كأس العالم: كلا من المنتصر والمنهزم يخرج بالتصفيق والتهنئة، وفي جوّ كلّه محبّة وأخوة، رغم المنافسة الشّديدة. وفي نفس الوقت أتابع بعض الصفحات، وأقرأ لبعض الأقلام، وأسمع لخطب ودروس: حقد وبغض وشتم وسبّ، حول خلاف يمتد لأربعة عشر قرنا، ورئيس هذا يراه المقدّس وذاك يراه الملعون، وفقيه هذا يراه أعلم أهل الأرض والآخر يراه أجهل خلق الله كلهم، والقائمة طويلة وسلاسل السباب والشتائم لا يراد لها أن تنقطع لأسباب واهية. أهل الأقدام أدوا ما عليهم من تسامح وتصافح و العقبى لأهل الأقلام من أهل الفكر والدين والثقافة أن يزيلوا عنهم غشاوة البغض والحقد فيما بينهم.

15. قلت لأبنائي ونحن نتابع بريطانيا – كولومبيا: بريطانيا دولة عظمى لأنّها محافظة، ويكفي أنّها ما زالت إلى اليوم تنام وتستيقظ وتضبط مواعيد عملها الصارمة على دقّات ساعة بيڤ - بن، التي أنشأت سنة 1859. ولا يوجد في بريطانيا أطول برج، ولا أطول ناطحة سحاب، وما زال البريطاني يقود سيارته باليسرى رغم أنّ العالم كلّه يقود باليمنى، وما زالت تتمتّع بملكة لا تحكم وليست ولن تكون ظلّ الله في الأرض. بريطانيا لها رأس يسجّل الأهداف الحاسمة الجميلة، ورأس يحمي الصهاينة ويرعاهم، ورأس يضحك على العرب.

 

معمر حبار

 

 

كفاح محمودسابقا وربما قبل نصف قرن أو أكثر بقليل، كانت الألقاب إلى حد ما تعبر عن حقيقة حامليها، سواء كانت تلك الألقاب أكاديمية كدرجات علمية أو مهنية كالمعلم والمهندس والطبيب والفيتر والجقماقجي والدباغ، وهكذا حسب المهنة والتخصص فيها وصولا إلى الأستاذية (البروفيسور) أكاديميا و(الاوسطة) أو الخبير مهنيا، وفي الجانب الاجتماعي وطبقاته كانت الألقاب من قبيل الشيخ والأغا وعميد الأسرة تعبر عن موقع الشخص في مجموعته الاجتماعية، وهي وباستثناء عميد الأسرة القابلة للانتقال أو التغيير فان الشيخ والأغا تكون متوارثة دوما في القبائل المعروفة بترتيبها ورمزية مرجعيتها القيادية.

وباستثناء هذين الحقلين توجد ألقاب أخرى تطلق على الذي يقوم بتأدية احد الفروض الدينية وهو الحاج ويلتصق هذا اللقب بصاحبه حتى وان ابتعد كثيرا عن فلسفة دينه وتعاليمها، حتى وصل الأمر بإطلاقه على كبار السن بصرف النظر عن حقيقته أو دينه، ومؤخرا على زعماء الأحزاب وقيادات الحشد الشعبي، وكذا الحال باللقب النسبي أي بالانتماء إلى نسب آل البيت، حيث يطلق على من يدعي انه من أحفاد أي كان من آل البيت، بما تمنحه هذه الصفة واللقب من تشريف اجتماعي مبالغ به كثيرا، متناسين إن الكثير من أقرباء الرسول لم يدخلوا الإسلام بل قاتلوه وقتلوا، والغريب إن هذا اللقب أو الصفة تطلق على ملايين العراقيين منذ 2003 وحتى اليوم، ويلحق هذا النمط من الألقاب تسميات أو مناداة على شاكلة مولانا وسيدنا وشيخنا والزاير والزايرة، إضافة إلى لقب الملا الذي كان يطلق على أي شخص مجرد انه يقرأ ويكتب وخاصة آيات القرآن في الريف تحديدا، حتى انتشر فأصبح ملازما لأمام الجامع ورجل الدين.

سنترك الماضي قليلا ونعود إلى سنواتنا هذه وتحديدا بعد 2003 حيث انتشرت ظاهرة الألقاب العلمية والاجتماعية التي تمنح للأشخاص على خلفية تجميلية أو مجاملة أو نفاق اجتماعي لا علاقة لها بحقيقة اللقب وخلفيته، وربما كانت هذه الظاهرة محاولة لاستنساخ تسميات وتوصيفات من أيام العهد العثماني وما تلاه من ممالك وإمارات، وما تزال تستخدم على المستوى الرسمي ألقاب على شاكلة السعادة والنيافة والعطوفة والدولة والغبطة والبيك والباشا، ناهيك عن توصيفات التعظيم للملوك وحاشيتهم وأسرهم، وبالتزامن مع عودة هذه التوصيفات عموديا، وظهور طبقة الفاسدين سياسيا واجتماعيا وماليا، واستحواذها على مواقع ومناصب خطيرة في الدولة كواحدة من التداعيات والتغييرات الحادة التي أنتجتها الحروب وما حصل بعد نيسان 2003، خاصة مع اتساع مساحات الفساد ونشوء طبقات من حديثي النعمة والسحت الحرام التي تحولت هي الأخرى إلى ظاهرة، بل تبلورت منها طبقة جديدة لا تنتمي للطبقات الثلاث المعروفة وهي الفقيرة والمتوسطة والغنية، وربما بتعبير أدق أو توصيف يليق بها هو الطبقة الرثة والطفيلية المعدية وبائيا!

دعونا الآن نبدأ بالشيخ وما يعني حقيقة وتزويرا، والشيخ كما يعرف الجميع أما انه من أسرة شاخت على عشيرة أو قبيلة، فأصبحت هذه التسمية تلاحق أبنائها، حتى جاء صدام فانشأ دائرة للعشائر والشيوخ في ديوان الرئاسة، وصنف الشيوخ إلى ثلاث درجات أ،ب،ج، وبموجب هذا التقسيم صنع صدام حسين ألاف الشيوخ الطبع أي الدمج أي المزورين، حتى شاع مصطلح جديد في تعريف الشيوخ وتفريقهم عن بعضهم وهو: (شيوخ التسعين) أي أولئك المستحدثين والدمج كما يقال للضباط على شاكلتهم ممن طافوا على سطح العراق الجديد، بالتأكيد لا علاقة لنا هنا بشيوخ الدين مع علمنا بظهور شيوخ دينيين على شاكلة شيوخ التسعين وما أكثرهم اليوم، ولا يحتاجون إلا لحفظ عدة نصوص قرآنية أو نبوية مع لحية بسيطة وعمامة سوداء أو خضراء أو بيضاء، وتبدأ المهمة، وحينها يصعب التفريق بين هؤلاء جميعا، فقد أصبحت مفردة الشيخ تطلق تحببا أو تجملا أو نفاقا وتدليسا، ولا تحتاج إلا إلى ملابس فخمة ويفضل أن تكون شعبية فلكلورية وسيارة فخمة وتفضل أن تكون بيك آب دبل قمرة، ومسبحة خشنة وكم موبايل ونفر يتابع حركات صاحب التوصيف، وجيب ليل وخذ كذب وثرم حكي للصبح!

أما الدكتور وهذه الصفة التي أهينت وهي بريئة ممن يستخدمها ظلما وبهتانا، فبعد أن كانت صفة للطبيب أو درجة علمية في اختصاص أكاديمي معين، أصبحت هي الأخرى مثل سابقتها الشيخ تمنح لكل من يعرف كم مصطلح أجنبي أو ينظم كم جملة من المصطلحات السياسية ويخرج على مشاهدي التلفزة خبيرا استراتيجيا، أو يشتريها فخريا لأنه فلتة زمانه، وهكذا دواليك في الباشا التي كانت ذات يوم رتبة اعتبارية أيام مملكة بني عثمان وما تلاها من ممالك وإمارات، ثم بدأت بالتلاشي مع ظهور الجمهوريات، لكنها عادت ثانية في أيامنا المهجنة هذه لكي تقدم صفة تجميلية منافقة للعلاقات العامة!

وفي هذا الطوفان من الألقاب والرتب العسكرية وحتى نعثر على أصحابها الحقيقيين، تتبلور طبقة رثة ربما لم يصفها كارل ماركس في طبقاته للمجتمع وبذلك ستكون الطبقة الرابعة!

 

كفاح محمود كريم

 

 

العراقيون ليسوا سياسيين بالمعنى العام والسائد للسياسة التي تعني العمل على الوصول للسلطة سواء كان هذا بالعنف عن طريق الانقلاب العسكري أو سلميا عن طريق التبادل السلمي للسلطة. العراقيون في عهود الاحتلال الأجنبي التي جاءت بعد نهاية الخلافة العباسية في 656ه/1258م، حين سقطت بغداد في أيدي المغول وتوالي احتلالها من قبل البويهيين والتركمان والسلاجقة والأتراك والفرس والبريطانيين عام 1917م في الحرب العالمية الأولى، صاروا، بسبب الظلم الذي لحق بهم في تلك العهود الظالمة والمظلمة، ناسا مسالمين ومطيعين و(مكفوخين) على رؤوسهم، ولا زالوا (مكفوخين) على رؤوسهم حتى اليوم، رغم الحرية التي مُنِحتْ لهم بعد سقوط النظام السابق في نيسان 2003. العراقيون اليوم يتحدثون في السياسة ويتناقشون ويتجادلون ويتنازعون فيما بينهم، وينتقدون ويشتمون ويسبون ويهاجمون الحكومة والقائمين عليها، ويخرجون في تظاهرات شبه يوميه ويعتصمون، ويخربون ويهاجمون الأملاك العامة والخاصة، هاتفين، محتجين ومنددين علنا، لا خائفين ولا وجلين ولا حتى متحفظين، وهذا بسبب مساحة الحرية والديمقراطية الواسعة التي تسببت بها هذه الإنتقالة غير المنطقية ولا الموضوعية ولا المعقولة من أقصى الدكتاتورية إلى أقصى الديمقراطية ومن أقصى العبودية إلى أقصى الحرية التي حدثت يو 9 نيسان 2003، وبسبب أنهم عرفوا أن الدستور العراقي الجديد كفل لهم حقهم في الحياة الحرة والعيش الكريم. ولكن، إذا خطر في بالك أن تسأل عن انتماءات هؤلاء العراقيين السياسية تجد أن غالبيتهم لا ينتمون إلى أي حزب سياسي أو كتلة سياسية، رغم أن أحاديثهم مع بعضهم ونشاطاتهم ضد الحكومة تبدو سياسية وهي غير سياسية! العراقيون سياسيون بمعنى حاجتهم إلى الحياة الإنسانية الكريمة؛ توفير وتحسين الخدمات الأساسية للعيش، توفير فرص العمل، توفير الأمن والاستقرار، تحقيق العدالة الاجتماعية. العراقيون سياسيون بهذا المعنى وليس سياسيين بمعنى سعيهم للوصول إلى السلطة والحصول على الحكم. الدليل على ذلك هذه التظاهرات التي تعم أغلب المحافظات العراقية اليوم، فأنت لا تستطيع أن تجد بين هؤلاء المتظاهرين من يقودهم وينظم صفوفهم ويتحدث بالنيابة عنهم، مطالبا بحقوقهم الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والصحية....السعي إلى السلطة لدى العراقيين هو دائما طمع فئة صغيرة من السياسيين المدنيين أو العسكريين أو الاثنين معا المغامرين الحالمين في الاستيلاء على الحكم، وهم يدعون أنهم يسعون من أجل تخليص الشعب من الظلم والدكتاتورية سواء كان هذا الحكم مقبولا من قبل الشعب أو مرفوضا. فهذه الفئة الطامعة في الحكم لا يهمها أن يكون الحكم الذي تريد أن تحل محله دكتاتوريا أو ديمقراطيا، المهم إنها تريد أن تنتزع السلطة وتستولي على الحكم! لذلك لم نر على امتداد العهود السياسية التي بدأت بالحكم الوطني عام 1922، العراقيين يقومون بثورة شعبية لتغيير نظام سياسي ظالم أو دكتاتوري لا في العهد الملكي ولا في العهود الدكتاتورية التي جاءت بعده والتي كانت أساسا تكمم الأفواه وتلقي بالعراقيين في السجون أو تعدمهم أو تشردهم أو تغيبهم لأقل تحرك أو حتى كلام عابر ضد السلطة الدكتاتورية. كلها كانت انقلابات عسكرية غايتها السيطرة على السلطة. حتى التغيير الذي حدث في 14 تموز 1958 لم يكن ثورة بالمعنى الحقيقي للثورة الشعبية غير المسلحة، بل كان انقلابا عسكريا تحول إلى انتفاضة شعبية بتأييد شعبي كبير وخروج الى الشوارع بالآلاف استجابة لبيان الانقلاب العسكري الأول. ولكن لم تمض سوى شهور قليلة حتى احتدم الصراع الدموي بين القوى الوطنية من جانب والقوى البعثية والقومية من جانب آخر، وأدى الصراع بين الطرفين إلى الانتقام والانتقام المضاد وإراقة دماء متبادلة انتهت بانكسار انقلاب 14 تموز/1958 الثوري وحدوث انقلاب عسكري خالص في 8 شباط/1963. ......

واليوم نرى التظاهرات تجتاح أغلب المحافظات العراقية الجنوبية مع لهيب الحر ونقص الكهرباء وشحة الماء وانتشار البطالة واستشراء الفساد وإهمال الحكومة واستخفافها بمعاناة الناس وعذاباتهم على مدى السنوات الـــ 15 الماضية في الوقت نفسه الذي تكثر فيه الاجتماعات واللقاءات اليومية بين الأحزاب والكتل السياسية المتنفذة تحضيرا لتشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات الأخيرة التي كثر فيها التزوير والتلاعب والتي يسعى الكثير من السياسيين في الحكومة الحالية للبقاء في الحكومة الجديدة .....

...... هذه التظاهرات السلمية اليوم التي يفسدها المخربون المندسون من بعثيين وغيرهم بين المتظاهرين ويفسدها بعض الشباب المنفلتين والصبية الصغار المغرر بهم المشتركين فيها باقتحامهم المؤسسات والدوائر الحكومية وتخريبها والعبث بها ومهاجمتهم أماكن الحقول النفطية ..... لن تؤتي بنفع وفائدة على المتظاهرين السلميين الذين لا يهدفون بتظاهراتهم السلمية سوى تحقيق مطالبهم في العيش الكريم والإنساني. .....

نقول مرة أخرى، العراقيون ليسوا سياسيين يسعون إلى السلطة والحكم حين يتحدثون في السياسة وحين يتظاهرون. أنهم يتحدثون في السياسة ويتظاهرون يريدون ان يعيشوا حياة إنسانية كريمة وآمنة؛ توفير وتحسين الخدمات الأساسية للعيش، توفير فرص العمل للعاطلين، توفير الأمان والاستقرار، تحقيق العدالة الاجتماعية ....... إما إسقاط الحكومة فهذا ليس من شأنهم ولا غايتهم، هذه غاية وهدف الطامعين في الحكم الذين يدفعون بالمأجورين والمرتزقة ليندسوا بين المتظاهرين ليخربوا ويحرقوا الأملاك العامة والخاصة ويثيروا الفوضى في البلد لعلهم يحققوا ما يريدون في الإستيلاء على الحكم. فإذا أصر حكام العراق اليوم وفي مقدمتهم الحكام الشيعة على عدم أخذ هذه التظاهرات التي تعم أغلب المحافظات الجنوبية مأخذ الجد وتجاهلوا مطالب العراقيين وسوفوا في تحقيق مطالبهم معتمدين على من يحميهم من الدول الأجنبية التي تؤيد بقاءهم في الحكم خدمة لمصالحها ومنافعها، أو متسلحا بعضهم بجنسيته الأجنبية تحسبا ليوم الحساب .... فإن الحرب الأهلية والفوضى ربما ستعم العراق عامة وجنوبه خاصة، ويكون العراق والعراقيون حينها في قبضة المجهول!  

 

احمد العلي - بغداد