المثقف - أقلام حرة

المفكر حين يكون قاصا

salam khadomfarajقد يضطر المفكر أحيانا الى اللجوء الى تبني فن القصة القصيرة ممرا لتسريب بعض أفكاره الى الناس لما في هذا الفن من إمتاع وتشويق.. حتى افلاطون حين وضع كتابه الفلسفي الشهير (الجمهورية)..كتبه من خلال سرد ما جرى لسقراط وغلوكون ذات ليلة من ليالي الاحتفال بالعيد..برتراند رسل كتب مجموعة قصص قصيرة تناول فيها أحلام مجموعة من الرجال المشهورين في عالم السياسة وفي عالم الرياضيات والفلسفة.. المفكر غالب الشابندر له رواية قصيرة تنتمي الى هذا النوع من الفن الذي يحاول ان يمرر رؤية سياسية او فكرية...

ماجد الغرباوي مفكر إسلامي تقدمي.. ينتمي الى جيل المفكرين التنويريين المتأثرين بإطروحات عبد الكريم سروش وعلي شريعتي في الفلسفة والفكر.. إطروحاته في كتاباته الفكرية تتسع لتكون منظومة إنسانية شاملة تبتعد عن إطروحات الإسلام السياسي الشائعة والتقليدية.

ولكني هنا اكتب عن نص قصصي للأستاذ ماجد كتبه قبل سنوات.. تحت عنوان (حافات قلقة ..)..

من السهل الادلاء بشهادة نقدية بسيطة كالقول.. ان هذا النص رائع.. وذاك النص عميق.. فهذا الحكم وصفي بحت ليس فيه اية رؤية للتقويم.. ان وظيفة الناقد الحقيقية تشبه وظيفة الدليل السياحي.. لابد ان يكون الدليل على دراية بكل المثابات التي توصله الى اكثر الاماكن المثيرة للإبهار. فالقاريء العابر قد لايلتفت الى مطبات النص ومناطقه الممتعة والمخيفة معا. دون الاستعانة بدليل حاذق يرشده الى تلك المناطق..

والنص الحديث قد يحمل إنزياحات مركبة. ودلالات وإحالات متنوعة.. ولكي تصل كلها الى المتلقي.. لابد لها من كاشف مستكشف.. حاذق ونبيل. لا لكي يصحح مسارات الكاتب كما هو شائع او الاقتصار على الإشادة او الذم.. او المدح او القدح... بل للأخذ بيد المتلقي لاستكشاف الجديد والمثمر معا.إن كان في الأساليب السردية او المضامين الفكرية..

يثير نص ماجد الغرباوي مسألة قلما يجري الالتفات اليها من قبل كتاب القصة القصيرة الباحثين عن الجدة والابتكار. فتراهم يلوذون أحيانا بالغموض والتغريب حتى يستعصي فك ترميزات نصوصهم على كبار النقاد. ناهيك عن القاريء العابر.. وترى فئة غيرهم ما زالت تراوح في مضمار السرد التقليدي الذي تجاوزه كبار كتاب فن القصة في العالم..

نص الاستاذ ماجد واقولها بدون مجاملة.. حاول ان يضرب المثال لعبور هذه الاشكالية في طرائق السرد..فلم يركن الى الاسلوب التقليدي التعليمي الذي تجاوزه الزمن. ورغم حمولة النص باكثر من قيمة اخلاقية. لم ينسحب الى مطب الوعظ الاخلاقي الصريح والذي تحفل به بعض النصوص فيخرجها من دائرة الفن الى دائرة الكلام السائد..وهو بالمقابل . لم يقع تحت إغراءات التغريب الغامض العويص. ولم يجعل تأويلات نصه ممتنعة.. عصية..

أن جهدا نقديا بسيطا يمكن له ان يستكشف رسالة النص ..إن في المضمون. أو السرد...يمكن لما يسميه الناقد درايدن.. شهامة النقد.. (نقد الظاهرة) لا نقد النص او (شخوص النص..) الأستاذ ماجد هنا.. لم يفكر بإدانة بطلة نصه سعاد. رغم الصورة التراجكوميدي التي رسمها لها.. بل هو يضرب في عمق الظاهرة التي افرزت وتفرز عشرات الابطال السلبيين مثل سعاد. ظاهرة تحشيد الاتباع وإن بالمكر والخيانة والدسيسة والايقاع بالآخر.. كذلك نقد ظاهرة صناعة الاصنام في المؤسسة السياسية و الدينية والاجتماعية.. فهناك الاف الاشباه الذين يصنعون ما صنعته سعاد من خلال الزيف والتزييف لتوكيد سطوتهم. وتأثيث خرابنا..

قد تكون سعاد موهوبة وقد تستحق جائزة ما. وقد يكون المجتمع قد فرط بتقييمها..لكن اساليبها اللاحقة. قد تتحول الى وبال عليها.. قبل ان تكون وبالا على غيرها. عندها سيغادرها حتى هؤلاء الأتباع الذين انتفعوا مؤقتا من هداياها وإغراءها...

النص وفق رؤيتي.. ابعد ما يكون عن الشخصنة. بل هو يعالج ظاهرة. اجتماعية سياسية..موغلة في العمق تخومها..

هي بإختصار ظاهرة إختلاق الاتباع المزيفين في الفن والسياسة والمجتمع من اجل مصالح انوية عابرة تنتهي دائما بخراب روحي وحضاري وسياسي للفرد والمجتمع على حد سواء..

 

- حافات قلقة لماجد الغرباوي، نشرت في المثقف في 13 – 1 – 2012، لمناسبة اصدار العدد 2000 من صحيفة المثقف

http://www.almothaqaf.com/k/majedalgharbawi/898300

سلام كاظم فرج

............

للاطلاع

حافات قلقة / ماجد الغرباوي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (10)

This comment was minimized by the moderator on the site

لا أجد سوى الاصغاء حينما تشاكسني اللغة، ولم استطع التعبير عن شكري وسروري بقراءة الاخ الاستاذ الاديب والناقد سلام كاظم فرج، وهو يتناول قصة قصيرة كتبتها عام 2012 لمناسبة الاحتفال بصدور العدد 2000 من صحيفة المثقف، بعنوان: حافات قلقة. اكرر شكري واحترامي لحسن ظنك وثقتك، بالنص، وقدرتك على استنطاقه نقديا، للتعرف على ما هو مضمر، ومتواري، وهو الاهم بالنص لا اقل بالنسبة للناقد الثقافي.

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ المفكر ماجد الغرباوي...عرفتكم كاتبا تنويريا من خلال مجموعة من الكتب المهمة التي تتناول أدق تفاصيل الموروث التأريخي لأمتنا والتي تطرح قيما متسامية على الواقع ومتعالية على التخندقات الضارة..وقد كتبت مقالات عديدة عن منهجكم في البحث وطرائق ذلك المنهج.. ونشرتها في اكثر من موقع وصحيفة.. ونصكم الجميل هذا (حافات قلقة...) أثار انتباهي فيه الرسالة الإنسانية التي تحاولون تقديمها للمتلقي من اجل تقريب المسافات بين نبلاء الروح المختلفين وزرع قيم التسامح والثقة بالنفس وتأصيل الموهبة.. لا زرع أسفين العداوة .. من اجل ذلك حاولت متواضعا تقديم رؤيتي النقدية لنص أعجبني.. شكرا لكم.. شكرا لرضاكم عنا... الف شكر

This comment was minimized by the moderator on the site

لقد سبق لي عام ٢٠١٣ ان تناولت بالتحليل قصيدة لأخينا ماجد الغرباوي موسومة ب(مديات حلم) لفتت الانتباه لما كنّا نعرفه مفكراً وباحثاً. ليفاجانا مبدعاً سعرياً، ثم قاصاً. وبعيداً عن التقنيات والاشتراطات الفنية والخبرة من خلال الانصراف للفن الإبداعي لقينا نصوصاً فيها من العناصر الفنية ما يلفت عند العديد من المفكرين، وقد اشرت في متن تحليلك الى بعضهم، ومنهم غالب الشابندر، الذي له نصوص نثرية ابداعية فيها شعرية عالية الى جانب ما ذكرت عن كتابته رواية. المفكر الموسوعي هو الذي يغني اتجاهه الفكري والعقيدي بما ينتجه العقل البشري من مختلف المنتجات والإبداعات فكرياً وروحياً وفنياً ليعمق وعيه ويمده بما يمكنه من توسيع داءرة ما يدعم بحثه المستمر لإمداد قناعته بما يرى ويوسع مدار مواجهته بصلابة للراي الاخر وتثبيت قناعاته، والبحث عما يضيء اكثر في دأبه على التغيير، وان جاز لنا ان نقول لتقديم الآيات الداعمة لما يرى والمقنعة للآخرين. وفضاء الخلق الفني شعراً وقصاً هو الموءثر الكبر في بث ما يرمي اليه المرء، والمفكر خاصة، بالوصول الى نفس وقلب ووعي الناس، لما يمتلكه الفن الأدبي من وساءل التأثير في المتلقي، اكثر من الكلمة الفكرية المعتمدة على المصطلحات والاشارات والمصادر والأقوال والاستشهادات واللغة الأكاديمية البحثية التي ترهق كاهل وعي المتلقي وفهمه وقدرته، وهنا المقصود المتلقي العام.
كما يبدو لي ان الفن القصصي والسردي اقرب الى نشر ما يراه المفكر لإيصاله الى العامة. وجهدك هنا اضافة للتنبيه الى الجانب الإبداعي عنده ومدى نجاحه فيه. وهو جهد مبدع لمفكر أيضاً.

This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد والشاعر الكبير الاستاذ عبد الستار نور علي.. ما تفضلتم به صحيح جدا.. ان جهد المفكر الاستاذ الغرباوي لم يقتصر على العمل البحثي الدؤوب بل عززه بنصوص في الشعر والسرد القصصي الجميل.. كلي امتنان لطيب مروركم..

This comment was minimized by the moderator on the site

الصديق سلام كاظم فرج ناقد مبدع ، ومن إبداعه أنه يتناول موضوعات لا يتطرق إليها النقاد عادة. وعلى الرغم من أن كل نص قصصي جيد يحمل في طياته فكرة وقضية، فإن ما طرحه الأستاذ سلام يستحق التأمل. وقد سبق أن خص الناقد المغربي المعروف الدكتور عبد المالك أشهبون هذا الموضوع بكتاب كامل عنوانه " من خطاب السيرة المحدود إلى عوالم التخييل الذاتي الرحبة" ( فاس 2008) تناول فيه ستة من المفكرين العرب الذين لجأوا إلى السرد القصصي والروائي للتعبير عن قضايا فكرية شغلتهم.
تهنئة حارة للأديب الأستاذ سلام كاظم فرج، مع تمنياتي له بمزيد من العطاء والتألق.
علي القاسمي

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الدكتور المفكر علي القاسمي شكرا لطيب ونبل كلماتكم...أقرأ لكم دائما/ انتم استاذنا العزيز من المفكرين الذين يعبرون عن رؤاهم الفكرية والنقدية بنصوص قصصية عالية القيمة تشي بعمق وأصالة فكركم وثقافتكم وتوجهاتكم الإنسانية... كلي إمتنان.. الاستاذ العزيز..

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية الى الاستاذالناقد سلام كاظم فرج أوافقك في كل هذه الاطروحات فالمفكر يحمل رؤيية وبالتالي فهو بحاجة الى كل اشكال التعبير للتعبير عنها وهذا الامر لاحظناه عند كبار المفكرين والفلاسفة كما اشرت ويمكن أن نشير الى اخرين مثل جان بول سارتر وبول فاليري وغيرهم وفي حالة استاذنا المفكر ماجد الغرباوي فأعتقد انه اقرب الى الفيلسوف الالماني نيتشه في كتاباته التي تحارب النفاق الفكري والاخلاقي والسياسي والاجتماعي والدعوة الى قيم جديدة تجعل من الانسان مركزا لهذه القيم أعتقد ان الاستاذ ماجد الغرباوي يحمل هما حضاريا ثقيلا ورؤية نقدية تحاول من خلال الحاضر اختراق حجب الماضي من أجل بناء المستقبال ولكن بطريقة نقدية هادئة لان الالهة المزيفة سواء كانت مفاهيم اوانظمة سياسية اوفكرية موجودة في كل المنعطفات وتتربص بكل جديد

This comment was minimized by the moderator on the site

الشكر الجزيل استاذنا القدير الدكتور قادة جليد على كلماتكم النبيلة .. بحق النص.. وبحق مقالتنا ...ما تفضلتم به صحيح فليس أجمل من ألأدب ممرا للتعبير عن الفكرة الفاعلة .. والتغيير المنشود.. وكسر أصنام الجمود الفكري.. كلي امتنان لجنابكم الكريم

This comment was minimized by the moderator on the site

**==**==**==**

الأستاذ الناقد المحترم سلام كاظم فرح ..
سلام الله عليكم وسلامي مني إليكم ..
أولا أهنئكم بهذه الرؤية الثاقبة وهذه العين الناقدة وهذه الوقفة التأملية الفكرية الذكية فإنّني أشاطركم بما نوهتم به حول منجز المحترم التنويري ماجد الغرباوي في تبني إبداعاته الأدبية لتسريب أفكاره وتساؤلاته وأطروحاته الفكرية التنويرية .. فالمنحى الأدبي للمفكر ماجد الغرباوي ما هو إلاّ اللبنة الأولى والوحدة الأساسية في بناء منجزه الثر ..
إحترامي ثم إحترامي ..

**==**==**==**

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا جزيلا الشاعرة التونسية رجاء محمد زروقي/ لطفكم يغمرني.. تقبلي مودتي وإحترامي وإعتزازي.. الف شكر..

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4175 المصادف: 2018-02-09 02:23:08