المثقف - أقلام حرة

الليبيون وطوابير الذل والهوان

تختلف النظرة الى الطوابير من مجتمع الى اخر، العالم المتحضر، الطوابير تعني احترام الاخر ولئلا تهضم الحقوق يعمل بمبدأ الأسبقية، يقضي كل حاجته وينال مراده، في عالمنا المتخلف، الطوابير تعني شيء اخر، نقص الخدمة او المادة بمفهومها الشمولي، لم يعد احد يثق في الحصول على حاجته، جموع مكتظة، يعلو الهرج والمرج، الكلام البذيء سيّد الموقف، لا باس من وجود بعض المشادات بالأيدي ينتج عنها كدمات بالوجوه قد تفضي الى نزيف دموي وتلف بعض الاعضاء.

رغم ان البلد يصنف من الدول الغنية، إلا ان كل شيء يصرف بمقدار، انتقال البلد الى النظام الاشتراكي وتحمل الدولة اعباء توفير السلع والخدمات بأثمان مقبولة (الدولة الضامنة) جعل الجماهير تقف في طوابير امام الجمعيات الاستهلاكية والمنشات العامة، وتتحصل على اشياء ربما ليست في حاجة لها، انطلاقا من المبدأ السائد (خوذ وإلا خلّي) للتغطية على افعال الجهات غير المهنية التي اوكلت لها مهمة استيراد المواد الضرورية.

استبشر البعض خيرا بثورات الربيع من حيث توفر السلع والخدمات وحرية الرأي والتعبير، لكن الامور تسير على غير ما يرام، الطوابير اصبحت معلما من معالم بلادي، لا يكاد يخلو مكان منها ولساعات طوال ، ربما على مدار الساعة، الشوارع والازقة عامرة بمختلف فئات الشعب ومن مختلف الاعمار من الجنسين، طوابير طلب السيولة النقدية، الاخذة في التفاقم بسبب السياسات غير البناءة من قبل الجهات المختصة وبالأخص البنك المركزي.

لقد احجم البنك المركزي طرابلس عن ضخ السيولة بالمنطقة الغربية بما فيها العاصمة، كما انه لم يسمح للبنوك التجارية بالمنطقة بأخذ نصيبها من العملة المحلية الصادرة عن البنك المركزي البيضاء، ربما اراد البنك من وراء ذلك اراحة المواطنين، فالمبالغ التي تمنح لا تكفي لبضعة ايام ، ربما اراد ايضا ومن خلال بطاقات (التسوق) ان تتحول الاموال مباشرة من حسابات الافراد الى حسابات كبار التجار الذين وجدوا الفرصة لرفع الاسعار بشكل لا يوصف، حيث الاجهزة الضبطية والقضائية لا تعمل، الطوابير على محلات بيع اللحوم والمواد الغذائية هي المسيطرة على المشهد حاليا، ويعاملون البشر وكأنهم يشحتون.

البنك المركزي يعلن بين الفينة والأخرى بأنه قام ببيع مئات الملايين من العملة الصعبة للمواطنين، لكن ذلك وللأسف لا يعدو كونه بهرجة اعلامية ، معظم البنوك التجارية التي تمتلك الدولة جزء من رأسمالها قامت بالحجز على بدل القيمة وفتح حساب بالعملة الصعبة، اما الصرف فلا يزال متوقفا، أي ان البنك المركزي باع المواطن (حوت في البحر). بالتأكيد لم يسبقنا الى هذه الطوابير المتعددة أي من شعوب العالم، الفضل كل الفضل لمن يتولون امورنا.

شعب يكاد يمضي جل وقته في الطوابير، بدلا من التوجه الى اماكن العمل ومحاولة خلق فرص شغل شريفة جديدة، بدلا من توجه الشباب الى مراكز صناعة الموت (ميليشيات جهوية او مؤدلجة). انها ولا شك سياسة تدمير الروح المعنوية للبشر بعد ان تم وبجدارة تدمير مقدرات البلد، السياسة التي نال بها ساستنا درجة الامتياز وبمرتبة "الشرف".

مسئولونا يدفعون بنا نحو الحائط، بالتأكيد ليس حائط المبكى الذي اصبحت له نسخ في بعض الدول، حيث يحج اليها ساستنا للتبرك بها وطلب العون لإحكام السيطرة علينا، لقد فعلوا بنا مالم يكن في حسبانهم ولم يخطر ببال بشر، انهم ولا شك يدفعون بنا نحو الحائط الذي يقف حاجزا دون حصولنا على ابسط مقومات الحياة، لم نعد نفكر بالمستقبل، فذاك حلم انتزعوه منا بمختلف الوسائل بما فيها غير المشروعة، لم يعد هناك بد من الانتفاضة في وجه هؤلاء الذين اوصلونا الى هذا الوضع المتردي.

 

ميلاد عمر المزوغي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4206 المصادف: 2018-03-12 01:21:31