المثقف - أقلام حرة

الحيدري وأركون واختراقات العلمانيين للفضاء الإسلامي

حمزة بلحاج صالح"هناك جوانب مجهولة في فكر أركون من قبل الحيدري ودعاة التنوير العربي والإسلامي"

في بعض الأسس البانية لفكر محمد أركون

إن التعقيد مقصودا لذاته هو هروب من المواجهة العلمية والإختبار على محك المنجز مشروعا ملموسا

يقوم محمد أركون بالتوسل في كتابته بالتعقيد حتى لا يقف القارىء على ما يمكنه أن يجعلنا نعلم أن أركون هو فقط معالم مشروع مؤجل لا مشروع منجز

غير أن المتمرس والمحترف يقف عل هذا بسهولة ويدرك أن أركون لا يتعدى أن يكون مجموعة من الأدوات المعرفية التي أنتجها الغرب

لا تشكل مقاربة متميزة من الناحية المنهجية والإيبستمولوجية حتى تشكل إبداعا جديدا أركونيا خالصا أو مدرسة ومقاربة منهجية مختلفة عن السائد كما يزعم

و قد سماها " الإسلاميات التطبيقية " أو الإستشراق الحديث الذي يزعم اكتشافه ووضع أسسه المنهجية وحمل رايته والدعوة إليه

يعترف هاشم صالح الذي رافق أركون ويمكن اعتباره المترجم الحصري لكتبه من الفرنسية إلى العربية بأن فكر أركون " مازال صعبا حتى عل القارىء المثقف وأنه تلقى أكثر من شكوى من هنا وهنالك تطالبه بتوضيحه أكثر ولم تكن هذه الشكوى تخص الترجمات الأولى التي تميزت بالحرفية وضعف التجربة إنما انصبت أيضا على الترجمات الأخيرة التي تميزت بنضج أكثر وسيطرة أكبر على هذا الفكر ومحاوره " يكتب هاشم صالح هذا في مقاله الموسوم " مدخل الى فكر محمد اركون نحو أركيولوجيا للفكر الإسلامي " من مجلة " نزوى " بتاريخ 1يونيو1995

هاشم صالح خير دليل على فهم أركون ولا تقف أمامه أو تقارن بدراساته مختلف الدراسات والأسماء التي قدمت نقودا لفكر أركون في المشرق أو المغرب منها دراسة محمد المزوغي وفارح مسرحي ومختار الفجاري ولا الدراسة التي قام بنشرها مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي ببيروت وغيرها من محاولات الفهم والإقتراب والتحليل

و ذلك على اعتبار هاشم صالح رافق عن قرب محمد أركون ومارس " الترجمة الجوارية " عن قرب من صاحب النص تار معه فهو أقرب فهم لأركون ترجمة لنصه أو كتابة حول أركون

فقد تمكن من النفاذ إلى نصه وهو المولع به ولعا غطى عليه الوقوف على نقائصه وقصور دعوته التي لم ترتقي من صفتها كدعوة واقتراح على الباحثين لورقة طريق إلى مشروع كامل المعالم كأنها اضا ممارسة نقده بعيدا عن المدح الذي حصل مثله كما وقع فيه الاسلاميون وغيرهم ممن ترجموا كتب مالك بن نبي أو اتخذوها نصا خلاصيا ومشروعا للنهوض

سنعود إلى هذا الموضوع لكن قبل ذلك نقول للذين لا يقفون عند بعض الجزئيات الشديدة الظهور فيهملونها كمنارات وعناصر لمداخل تساعد على استكمال فهم فكر محمد أركون ودعوته ومنها إهمال المتناقضات

نقول للحيدري المرجع الديني الشيعي الذي بجل أركون ورفعه إلى السماء على الجابري وتأثر بما كتبه جورج طرابيشي عن الجابري نراه قد أهمل فقرة هامة لجورج طرابيشي حول أركون نوردها كما يلي /

" إنَّ (محمد أركون)، بعد نحوٍ من عشرة كتب وربع قرن من النشاط الكتابي، قد فشل في المهمَّة الأساسيَّة التي نذر نفسه لها كوسيطٍ بين الفكر الإسلامي والفكر الأوربي".- جورج طرابيشي، في كتابه: "من النهضة إلى الردة"، ص 133-134"

ما هو رأي الحيدري في هذا الكلام وهو من إتخذ كلام طرابيشي مقدسا ونهاية القول في الجابري ونهاية العلم

وهل هذا مسلك علمي يليق برجل الفلسفة ونقد التراث من موقع فكري ومعرفي وبنيوي وتكويني وايبستمولوجي وانثربولوجي وفللولوجي

نعم الأمر فقط والسبب هو أن الحيدري رجل دين يتثقف حول تيارات التنوير والحداثة ولا يملك اطلاعا عميقا ولا يتحكم في هذه القضايا وكان يجدر به أن يمسك نقده لخويصة نفسه متثقيف ولا يخوض بع معركة تفاضل بين اركون العلماني القائل ببشرية النص والمطلق والوحي والجابري الذي يرى في الديمقراطية بديلا عن االعلمانية

إن الحيدري خدم بوفاء من حيث لا يعلم أو من حيث يعلم حالة اختراق رهيبة وجهورة للحوزة الدينية من طرف تيارات التنوير التغريبي والعماني الصلب التي ترى في حكم الفقهاء وولاية الفقيه مشكلة بل ترى بأن نقد بعض المراجع مثل السيستاني وغيرهم لمقولة ولاية الفقيه غير كافية بل الحل في علمنة الدولة

تعيش في الاونة الأخيرة الحوزة الدينية صراعا خفيا فكريا ومعرفيا بين تيارات التنوير التي تبحث عن تأييد من رجال الدين بزحزحتهم من مواقعهم الفكرية الدينية التقليدية نحو مواقع تجعل وضعهم هشا وتمكن جماعات التغريب من الإختراق الفكري

هذا الإختراق الفكري للأسف يقاوم برفض وتوجس ونقد غير عالم ولا متمكن من فهم الحداثة وما بعدها بل ينطلق من منظومة نصية لا تتمكن من مقاومة اغراء الحداثة والتنوير وما بعد الحداثة

الأمن الفكري والثقافي هو شق استراتيجي احتراسي تهتم به الشعوب التمبصرة واليقظة وتحتاط له ليس بالإنغلاق والشوفينية ومقولات التكفير والتفسيق والزهو بالذات واستبعاد الخطر زهوا ونرجسية وغرؤورا وعدم توقعه بل إن الخصم قد يخسر معركة زعزعة الإستقرار عن طريق الاحتجاجات أو عن طريق خلق بؤر التوتر فهو يلجأ إلى الإختراق الثقافي لأهم المؤسسات التي تشكل درعا للسلطة وحماية للإستقرار موظفا النخب الدينية بكل الوسائل والطرق

ما يحدث للحالة الشيعية يحدث للحالة السنية (نموذج السعودية وصراع التحديث مع السلفية التي تمثل الوجه الاخر للحكم وما يحصل اليوم) وأيضا في بقية الدول العربية والإسلامية بقارق أن الحالة الإيرانية يعتبرالمكون التقليدي هو من السند القوي لمن في الحكم ويمسك بالسلطة أما في الدول العربية فالسند هي وزارة الشؤون الدينية وتيارات المدخلية والتراثيون ودعوات الوحدة المذهبية والسلوكية وجزأرة الإسلام وغيرها

النص الثاني هو اعتراف أركوني صارخ بالإخفاق يؤيد النص الأول فماذا يقول عنه سماحة المرجع الديني الحيدري وهو يحمل نفسه مهمة تسند لأهلها وهي مهمة نقد التنوير الغربي جاء في النص بتعبير أركون نفسه الذي كتب يقول /

"على الرغم من أنِّي أحدُ الباحثين المسلِمين المعتَنِقين للمنهج العلمي والنقد الراديكالي للظاهرة الدينيَّة، إلا أنَّهم- أي: الفرنسيين- يستمرُّون في النظر إليَّ وكأنِّي مسلمٌ تقليدي!

فالمسلم في نظرهم- أيُّ مسلم- شخصٌ مرفوضٌ ومَرمِيٌّ في دائرة عقائِدِه الغريبة، ودينه الخالص، وجهاده المقدَّس، وقمعه للمرأة، وجهله بحقوق الإنسان وقِيَم الديمقراطيَّة، ومُعارَضَتِه الأزليَّة والجوهريَّة للعَلمَنة...

هذا هو المسلم ولا يمكنه أنْ يكون إلاَّ هكذا! والمثقَّف الموصوف بالمسلم يُشار إليه دائمًا بضَمِير الغائب: فهو الأجنبي المُزعِج الذي لا يمكن تمثُّله أو هضمه في المجتمعات الأوربيَّة؛ لأنَّه يستَعصِي على كلِّ تحديث أو حداثة"؛ (من مقال: "اعترافات محمد أركون"؛ للأستاذ: سليمان بن صالح الخراشي)

هكذا أردنا أن نخاطب الحيدري وكل التقليديين من الفضاء السني والشيعي وايضا من خلالهم دعاة " التنوير العربي " و" العمانية التي تعود للاسف بقوة من خلال إسلاميين أنفسهم ولا يعني هذا أننا ندعو إلى كهنوت يتماهى فيه الدين بالدنيا

أردنا أن نثير إشكالية رئيسة هو أن نقد الفكر الغربي عندنا باهت وغير متمرس ولا يعد احترافيا ومن ثمة دعوت في ورقتي وكتاباتي إلى تأسيس " علم الإستغراب " تنتدب له كفاءات وعبقريات نابغة تخلخل ماء البركة الاسن فلسفيا ومعرفيا وتحمي حصوننا وتجعلنا نستفيد من الاخر استفادة متبصرة من غير أن نسمح له باختراقنا

بمعنى اخر نصنع حداثتنا ونصنع تنويرنا ونصنع مقولاتنا في الأنسنة

نعيد حالة التواصل بين المستضعفين في كل العالم ومع مكونات الحالة اليسارية بما يصنع جسرا أمام الإستكبار العالمي والليبرالية الوحشية

فعلى اليساريين والشيوعيين في العالم وعلى الحالات الاسلاميسة الواعية أن يمدوا الجسور فيما بينهم ضد امبريالية راس المال الوسخ "

حمزة بلحاج صالح

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4356 المصادف: 2018-08-09 13:30:46