ضياء نافعما ان جلست في سيّارة الاجرة، فاذا بسائقها يقول لي رأسا بعربية ركيكة ولكن مفهومة – (كيفك؟). اندهشت انا طبعا من سؤاله، واجبته مبتسما – (زوين)، فقال لي بالروسية، انه لم يفهم جوابي، واضاف انه كان يتوقع ان اقول له – (كويّس)، فضحكت أنا واوضحت له باختصار (صلب الموضوع !)، وهكذا بدأنا ندردش معا وبحيوية ومرح طوال الطريق، ورغم هذا المرح، فان المواضيع التي تكلمنا حولها كانت في غاية الاهمية والجديّة .

انه أرمني يسكن ويعمل في موسكو، وقد تعلّم عدة كلمات عربية من أصدقائه الارمن، الذين هربوا من سوريا . قال لي، ان هؤلاء الارمن يحنون للعودة الى سوريا ويعتبرونها وطنهم، رغم انهم واقعيا عادوا الى وطنهم الحقيقي ارمينيا، وان الارمن كافة قد هاجروا فعلا من سوريا، وهاجروا ايضا من العراق، ولم يبق اي ارمني في العراق الان، رغم ان اجيالا منهم قد ولدوا وعاشوا هناك عشرات السنين . ابتسمت أنا، وقلت له، ان معلوماته ليست دقيقة، وانها تعتمد على اقوال فلان وفستان ليس الا، فسألني رأسا، وهل تعرف انت عراقيين ارمن لا زالوا يعيشون في العراق ؟ قلت له، نعم اعرف الكثيرين منهم، وهم عراقيون مثلنا جميعا . نظر اليّ باندهاش، وقال، انه يفهم الان لماذا الارمن الذين هربوا من سوريا يريدون العودة من وطنهم ارمينيا الى بلد هجرتهم سوريا، وانها لظاهرة غريبة فعلا بالنسبة لامثاله من الارمن . قلت له، ان الارمن من اصدقائي في العراق عراقيون بكل معنى الكلمة، وانهم عاشوا ودرسوا معي في الاتحاد السوفيتي وعادوا الى العراق بعد انتهاء دراستهم ليعملوا ويعيشوا في وطنهم العراق، مثل معظم طلبتنا آنذاك، رغم انهم زاروا وطنهم الاصلي ارمينيا، وكانوا يقدرون ان يبقوا هناك طبعا، ولكنهم عادوا الى العراق . سألني مرة اخرى، وهل انت تعرف بعضهم شخصيا ؟ فقلت له، لقد درست معنا وفي كليتنا ارمنية عراقية، وتزوجت من عراقي وولدت بنتا اسمتها سيفان، وهي تسمية البحيرة الارمنية الجميلة كما تعرف، وعادت الى العراق مع زوجها وابنتها بعد ان تخرجت في جامعة موسكو . سألني السائق، وهل زوجها كان ارمنيا ايضا ؟ قلت له لا، انه عراقي عربي، فسألني رأسا، هل هو مسيحي؟ فقلت له لا، انه مسلم، فاندهش وسألني، وهل وافقت عائلتها على زواجها هذا، فقلت له، ربما لم يوافقوا كليا، ولكنها تزوجت قبل اكثر من خمسين سنة، وعندهم الان اولاد واحفاد، وهم لايزالون يعيشون في بغداد ضمن عائلة عراقية جميلة وعريقة، فقال، لو ان ابنته قررت الزواج بهذا الشكل لما وافق على ذلك ابدا، ضحكت انا، وقلت له، انني اعرف الكثير من الزواج المختلط في الاتحاد السوفيتي آنذاك، ومن بينهم زواج ارمنيات، فقال نعم، ولكن دون موافقة اهلهم كما يجب ان يكون الامر وحسب التقاليد الارمنية، وأضاف بحزن، بعد ان صمت قليلا، قائلا – لقد تعرّض الشعب الارمني الى حملات ابادة رهيبة، ويجب علينا الان - نحن الارمن - ان نحافظ على ما تبقى لنا، قلت له، ان الارمنية التي تتزوج غير الارمني تبقى ارمنية طوال حياتها، فقال نعم، هي تبقى ارمنية، لكن اطفالها لن يكونوا ارمن، اذ اننا لسنا مثل اليهود، الذين يعتبرون ان كل من يلد من امرأة يهودية هو يهودي بغض النظر عن جنسية والده او قوميته او دينه، وضحك وقال، ان اليهود شياطين، وقد وجدوا حلاّ لهذه القضية المعقدة جدا . 

عندما اقتربنا من العنوان المطلوب، قال لي هذا السائق، انه ممنون جدا من موقف العراقيين والعرب عموما تجاه الارمن، وان هذا هو رأي كل الارمن الذين يعرفهم في ارمينيا او خارجها، وانه لهذا لا يريد ان يأخذ منيّ اجرة سيارة الاجرة تعبيرا عن امتنان الارمن لنا . رفضت انا هذا العرض (الحاتمي!) من قبله، وقلت له، انك حتما تحتاج لهذا المبلغ البسيط منيّ ومن غيري من الركاب، للعيش في مدينة غالية مثل موسكو، فشكرني جدا على ذلك، وقال، انكم تتفهمون مشاكلنا، فنحن – ابناء الشعوب السوفيتية سابقا - نتصارع مع الحياة من اجل عوائلنا، كي نوفر لهم – وبالكاد – لقمة العيش الضرورية - ليس الا - في موسكو او في بلداننا هناك...

 

 أ.د. ضياء نافع

 

ضياء نافعحملت لنا الانباء قبل ايام رحيل الاستاذ الدكتور عز الدين مصطفى رسول . أثارت هذه الانباء حزني وذكرياتي، اذ اننا تعارفنا في موسكو عام 1960، عندما كنّا ندرس اللغة الروسية، كي نلتحق بكلياتنا لاحقا، انا في الدراسات الاولية وهو في الدراسات العليا . كان كاكا عزي (هكذا كنّا نناديه) أكبر منّا عمرا ومعرفة وخبرة وتجربة في الحياة، ولهذا كنّا نكنّ له كل الاحترام وكنّا نتحفّظ في علاقاتنا معه، ولكننا (اكتشفنا!) بساطته وطيبته المتناهية ومرحه الطبيعي الجميل اثناء الاختلاط معه، وهكذا اصبحنا – وبسرعة – اصدقاء قريبين معه . تعمقت العلاقات، رغم انه سافر الى باكو لاكمال الدراسة، وكان غالبا ما يزور موسكو، وكان يزور الجميع ويختلط مع الجميع، ويجد المواضيع التي يتحدث حولها مع الجميع . لقد تحدث معي مثلا حول المواد الدراسية في كليتنا، وعندما اخبرته، ان هناك مادة اسمها – (مدخل في علم الادب). أثارت هذه المادة  انتباهه، وطلب منّي ان اشرح له تفاصيل اكثر عن طبيعة هذه المادة، ثم طلب ان يتعرّف على الكتاب المنهجي المقرر، وبعد ان تصفّحه، طلب منّي ان احصل له على نسخة منه، وقال، ان هذا الكتاب يستحق الترجمة الى العربية . حصلت على هذا الكتاب لاحقا، وارسلته اليه فعلا، وكان ذلك في حدود بداية الستينات على ما اذكر، ومرّت عشرات السنين، والتقينا في بغداد، وكان عز الدين مفصولا من الخدمة في الجامعة نتيجة الوضع السياسي والموقف تجاه القضية الكردية، ففال لي، انه الان يستطيع ان يتفرّغ للترجمة عن الروسية، ويخطط ان يترجم كتابين لنشرها ضمن منشورات وزارة الاعلام، وانه سيقترح اسمي، كي تحيل الوزارة لي  ترجماته للمراجعة، لانه يعرف موقفي تجاهه . وافقت انا طبعا، وكدت انسى الموضوع ، واذا بالوزارة ترسل لي فعلا - بعد فترة - مسودات كتاب ضخم عن  وقائع مؤتمر حول الآداب الشرقية بترجمته، وقد ظهر هذا الكتاب فعلا بترجمته ومراجعتي . ولازلت اتذكر اهمية ذلك الكتاب حول الاداب الشرقية، اذ انه يتناول بالعرض آراء ومناقشات باحثين متخصصين في الادب الصيني والفيتنامي وغيرها من الاداب شبه المجهولة للقارئ العربي، والتي لا توجد حولها مصادر بالعربية ولحد الان . ان هذا الكتاب، الذي ترجمه عز الدين عن الروسية يعدّ اضافة نوعية جديدة الى مصادر المكتبة العربية، ولازال يمتلك اهميته العلمية في وقتنا الحاضر . اما الكتاب الثاني، فقد كان عن علم الادب المقارن، وهو الموضوع الذي دردشنا حوله في تلك السنين الخوالي بموسكو آنذاك . ان هذين الكتابين بترجمة أ. د. عز الدين مصطفى رسول عن الروسية هما برهان ساطع على امكانياته ومهارته واستاذيته في مجال الترجمة عن الروسية،  رغم انه لم يكن يتكلم عن ذلك بتاتا، ولم اسمع منه ابدا يوما، انه يتكلم عن امكانياته الادبية والفكرية عموما، وهي طبعا صفات العلماء وتواضعهم الاصيل، وكم أتمنى ان يقوم أحد طلبة الماجستير في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد بكتابة رسالة ماجستير، تدرس هذين الكتابين بترجمته، اذ ان هذا موضوع يستحق الدراسة فعلا عن مسيرة الترجمة عن الروسية  و تاريخها في العراق.

اختتم هذه السطور عن المرحوم عزي بالاشارة الى انه حاصل على شهادة دكتوراه علوم (بالروسية – دوكتور ناؤوك، والتي أسماها الجهاز الاداري العراقي - ما بعد الدكتوراه) من اكاديمية العلوم السوفيتية في اواسط السبعينات، وهي اعلى شهادة علمية يمكن الحصول عليها في الاتحاد السوفيتي آنذاك، وفي روسيا الاتحادية الحالية ايضا، والتي لم يحصل عليها من العراقيين سوى بعض افراد ليس الا، منهم الدكتور كمال مظهر في التاريخ، والدكتور عز الدين رسول في الاداب، والدكتور ميثم الجنابي في الفلسفة . لقد بلغ تواضع أ.د. عز الدين درجة متناهية فعلا، اذ انه عاد الى العراق، ولم يستلم شهادته تلك، وكنت انا اتهيأ للسفر الى موسكو للمشاركة في الندوة العالمية لمدرّسي اللغة الروسية، فطلب مني ان استلم شهادته، واعطاني تخويلا بذلك. راجعت الجهات المختصة في موسكو طبعا من اجل استلام الشهادة، وبعد التي واللتيا (في صراعي مع البيروقراطية الروسية) استطعت استلامها، واتذكر، ان الموظفة الروسية قالت لزميلتها، ان العراقيين يسمون شهادة الكانديدات دكتوراه، ولهذا ابحثي في سجل آخر، رغم انه يقول (اي انا) غير ذلك. قلت لها، ان صاحبي حاصل على شهادة دكتوراه علوم من اكاديمية العلوم السوفيتية، فقالت بحدّة، كيف حصل صاحبك العراقي على هذه الشهادة التي نحن الروس نحصل عليها بصعوبة بالغة، ولكنها اعتذرت لي بعد ان وجدوا، ان شهادة عز الدين مصطفى رسول هي حقا كما قلت لهم . ولازلت اتذكر حالة الزهو والفخر بعراقيتي، التي شعرت بها في تلك اللحظة، وهي حالة نادرة في تلك الاجواء.

الرحمة والسكينة  لروحك ايها المفكّر والعلاّمة العراقي الحقيقي والاصيل الاستاذ الدكتور عز الدين مصطفى رسول ...

 

 

عبد الحسين شعبانحين دعاني "المجمّع الثقافي الجعفري" للحديث عن "الإصلاح العاشورائي في خدمة الإنسان" وجدتها فرصة مناسبة للحديث عن التضحية والشجاعة في مواجهة الظلم، لحدث تاريخي رمزي كبير ظل العالم يستذكره باستلهام وأمل، فلم يكن استشهاد الإمام الحسين في العام 61 هجري في معركة الطف الشهيرة في كربلاء حادثاً عابراً، بل كان فاصلاً تاريخياً مهماً ظلّ استحضاره يتصاعد عاماً بعد عام حتى أصبح حدثاً كونياً بكل ما تعني هذه الكلمة من تحقق ومعنى ودلالة.

والحق يُقال فقد تردّدت في الاستجابة للمشاركة، خشية من إقحام اسمي خارج نطاق اهتمامه واختصاصه وتوجهه الفكري والثقافي، وكي لا تذهب التفسيرات وربما الظنون إلى أن مثل هذه المساهمة تستهدف  التقرّب أو التزلّف للتيار الديني السائد وتفريعاته ذات الأبعاد المذهبية، ولذلك اقترحت على الجهة المنظمة أن أتحدث عن تجارب ملموسة تحت عنوان "اليسار وعاشوراء" وهي جزء من مشهد بانورامي لعاشوراء في النجف في الخمسينات التي عشتها، ودور اليسار والحركة الشيوعية في إحياء مناسبة استشهاد الإمام الحسين، حيث لم يكن هناك وجود لأحزاب الحركة الإسلامية، كما ظهر لاحقاً، وخصوصاً بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958.

ولكنني وضعت كل ذلك جانباً لأقدّم صورة حيّة من قلب المشهد وهي شهادة تاريخية حيّة لا علاقة لها بما يجري من اصطفافات سياسية، وذلك بحكم نشأتي في بيئة دينية لا أتنصل عنها ولا أتكبر عليها أو أستخف بها، بل كنت ولا أزال أحترمها وأعتز بها كجزء أصيل من تكويني الثقافي والمجتمعي، مثلما ترعرت في عائلة يسارية وذلك جزء لا يتجزأ من روافدي الروحية، وهو أمر لا أخفيه وكنت قد قلت في وقت سابق أن أهم ينابيع التكوين الأولى كان القرآن الكريم وماركس والأدب بشكل عام والشعر بشكل خاص، حيث كبرنا مع الجواهري.

ومع ذلك فقد كان ينمو معي الفكر النقدي للتيار الديني واليساري معاً، وهو ما انعكس على  كتاباتي منذ أكثر من 3 عقود من الزمان، على الرغم من أنني من دعاة تقاربهما مثلما هي دعوتي للتقارب مع التيار العروبي، كجزء من الخبرة والدرس التاريخي، وهو درس لا غنى عنه بتقديري، لاسيّما الاعتراف بالآخر.  وفي مطالعة لي قبل أكثر من عقدين من الزمان عن السيد محمد باقر الصدر (نشرت في صحيفة المنبر التي كان يصدرها السيد حسين الصدر في لندن) جئت على أهمية التفاهم بين التيارين وما سبّبه صراعهما من تأثير سلبي على كل منهما، سواء على الصعيد الفكري أو العملي، والشيء بالشيء يذكر فقد كان الصراع الذي نشب بين التيارين اليساري والعروبي أشد قسوة وعبثية ولا معنى له وقد دفعت جميع الأطراف ثمنه باهظاً .

II

و من وحي المناسبة الجليلة  ابتدأت حديثي  ببعض الخواطر والاستذكارات، وحاولت أن استفزّ الذاكرة  لتخرج من زواياها حتى وإن كانت مبعثرة أو متناثرة، للذهاب إلى عبق  تلك الأجواء بطقوسها الاحتفالية المهيبة، وفي محفل استذكاري، حرص المشاركون فيه على مساهمتي، على الرغم من أنني أشرت في بداية حديثي بالقول " لا يُفتى ومالك في المدينة"، لكن المشهد البانورامي الذي قدمته بحضور متميّز لبناني وعربي، مسلم ومسيحي ودرزي ومن طوائف مختلفة، كان مؤثراً كما فهمت ولاحظت.

وحينما نتحدّث عن المأساة الإنسانية للإمام الحسين  الذي خرج في مواجهة الظلم خصوصاً قوله الأثير "إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي" فإنما نقصد استعادة (الحدث) بالتحقق : كيف وأين؟ واستحضار التاريخ (بامتلاء السردية بمعناها الإنساني)، فإنما لتأكيد حضور المعنى (لماذا نحن نحتفل وما هي رمزية مثل هذا الحدث ؟) وذلك للوقوف عند الدلالة، فما هي العبر والدروس من ذكرى استشهاد الإمام الحسين.؟

ولعلّ ذلك ما كان يقصده اليسار حين يواجه الظلم ويتصدى للظالمين، أي أنه يستغل إيجابياً هذا الحدث كجزء من فضاء شعبي للتحريض والتعبئة خارج دائرة الدين أو التديّن وخارج التفريع الطائفي أو المذهبي، فذلك لم يكن يعنيه لا من قريب ولا بعيد، بل كان واضحاً في رفع شعاراته الوطنية وسط حشود شعبية تستلهم مسيرة الإمام الحسين  وكفاحه البطولي في مقاومة الظلم وعدم الرضوخ للظالم كجزء من عقيدتها الإيمانية.

والمسألة بقدر ما هي يقينية إيمانية  عقائدية لدى البعض، فإنها وجدانية وواقعية ضد الظلم لدى اليسار الذي كان آنذاك يحسن استخدامها بدقة واقتدار كجزء من توجهه التحريضي التنويري، مع أن خيطاً رفيعاً فاصلاً بين اليقين الديني الإيماني وبين التوجه المدني اليساري في توجيه الأنظار صوب الظلم، وكان فيدل كاسترو في حواره مع القس بيتو في العام 1986 قد طرح المشتركات بين الكنيسة والماركسية على أساس الكفاح الدنيوي لتحقيق العدالة والمساواة بين البشر، لكن الأمر لا يخلو من حيرة وهذه الأخيرة تعبير عن  سؤال قلق وأداء وخشية من الاستثمار لغير صالح التوجه الإنساني، لأنها تطرح أسئلة تتعلّق بالفلسفة وهذه تولد أسئلة جديدة، خصوصاً وأن للشهادة والتضحية بالنفس بطولة وشجاعة رمزية ونبلاً وحميمية لا تتعلق بالزمان ولا بالمكان، بل تتجاوز ذلك إلى الفضاء الإنساني، وحسب ابن عربي فـ"الزمان مكان سائل والمكان زمان متجمّد".

كثيرون يحتفلون بهذه المناسبة، بعضهم عن إيمان، ولكن  الإيمان بدون العقل يقود إلى يقينية صماء وسيكون متعصباً ومتطرفاً وحتى عنيفاً وقد يصل إلى الإرهاب، ولنتوقف عند بعض الممارسات التي لا علاقة لها بالمناسبة ولا علاقة لها بالدين والمذهب، وهي كثيرة لدرجة أصبحت من الطقوس المسكوت عنها، حتى وإن كان بعض علماء الدين لا يقرّونها، لكنهم لا يواجهون العامة بها، بل يعبرون عنها بطريقتهم الخاصة الأقرب إلى الهمس والمواربة منه إلى الإفصاح والإعلان .

والبعض الآخر يحتفي بالمناسبة انطلاقاً من تقليد طقوسي ديني أو حتى اجتماعي متوارث، وبالطبع فهناك فارق كبير بين الإيمان والعادة أي ما استقر عليه من تواتر الاستعمال وكثرة الاستخدام، والفارق يتعلق بالمدخلات، فحتى الإيمان سيكون مختلفاً بين شخص وآخر، فهناك إيمان واعي وآخر أعمى، مثلما يتعلق بالمخرجات من حيث التوجه والآداء وما يترتب عليه سواء بالإيمان أو التقليد.

III

شخصياً ما يهمني من هذه المناسبة هو القيم والمثل  الإنسانية، فشجاعة الإمام الحسين حين يواجه الظالم إنما هي "فضيلة من فضائل القلب"، والشجاعة كرم أخلاقي وسمّو إنساني، وهي عكس الجبن والخنوع وشحّ الأخلاق، لأن الشجاعة تتعلّق بالخير، والسياسة بهذا المعنى هي " فعل خير"، أما الجبن والخنوع بما فيه  من غدر وخسّة،  فهو "فعل شر" ولا علاقة له بالسياسة، والشرير ليس شجاعاً في حين أن الشجاع خيرٌ.

والإيمان دون ضمير سيكون كاذباً ومشوّهاً، لا يمت إلى جوهر الدين وقيمه، بل سيكون تعبيراً عن مصالح خاصة أو حزبوية طائفية لضيق أفق واستعداد لإلغاء الآخر أو إقصائه  أو تهميشه، وهكذا يكون الفرق كبيراً بين العارف وغير العارف والمؤمن الحقيقي والمؤمن المزيّف، مثلما هو الفرق كبير أيضاً بين العالِم والجاهل و"هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" (القرآن الكريم،  سورة الزمر- الآية 9) .

يقول ابن عربي

"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تراه، فإنه يراك". وهكذا يختلف الإيمان الواعي عن الإيمان المتخلّف، وكان الإمام جعفر الصادق  يعبّر عن جوهر الدين وقيمه السمحاء حين يقول " وما الدين سوى الحب"، ففيه يكشف نور القلب وصدق السريرة.

ولذلك حين نتحدث عن الإيمان، فماذا  نقصد وأي مؤمن نعني: لأن المؤمن دون وعي سيكون منقاداً وخاضعاً ومسخّراً وقد يرتكب أفحش الأعمال، فيحمل سكيناً  ليطعن أقرب إنسان إليه أو كاتم صوت ليطلق النار عليه أو يلبس حزاماً ناسفاً  ليفجّر متجراً أو مدرسة أو مستشفى أو يسرق من المال العام أو الخاص سواء باسم الدين أو تحت غطائه، لا يهمّه من الدين سوى المظاهر، سواءً أطال لحيته أو لبس العمامة أو انتسب إلى هذا الحزب أو هذه الجماعة  إن كان رجلاً أو ارتدى النقاب أو الحجاب إن كانت امرأة، وهؤلاء كانوا المادة الخام، وخصوصاً من الشباب والشابات للتنظيمات الإرهابية مثل "القاعدة" وربيبتها "داعش" والجماعات المسلحة بمختلف تسمياتها خارج القانون، فإيمانها يختلف عن إيمان الروحانيات وإسلام القيم الإنسانية وروح التسامح والسلام ومحبة الآخر وإيمان العدل والمساواة الذي خاطب فيه الإمام علي عامله في مصر مالك بن الاشتر النخعي بقوله:  لا تكن عليهم (أي على الناس) سبعاً ضارياً لتأكلهم " فالناس صنفان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق" .

IV

لعلّ هدف الأديان جميعها والإسلام تحديداً والإمام الحسين بشكل خاص هو الإنسان لأنه القيمة العليا والحقيقة الأهم التي استخلفها الله على الأرض، وهو ما يعطي البشر المؤمنين الحقيقيين الكشف والفيض والإلهام،  فهناك علاقة للخير بالإيمان، فهل يمكن أن يكون السفاح والجلاد شجاعاً أم أن الشجاعة صفة لصيقة بالخير؟

الحسين لا يخص الشيعة وحدهم ولا يعني المسلمين فقط ولا يقتصر على المؤمنين، وإنما هو قيمة إنسانية لبني البشر، للناس جميعاً، لكل من يناضل ضد الظلم ومن أجل إحقاق الحق، وفلسفته التي تقوم على  مقاومة الظلم تعني جميع المظلومين وفي جميع العصور، فهناك علاقة بين الظاهر والباطن والعلّة والمعلول والسبب والنتيجة والماضي والحاضر، وكل فعل تضحية ومقاومة ضد الظلم إنما هي استلهام لسيرة معطّرة مصحوبة  بالفداء النبيل، تلك التي أقدم عليها الإمام الحسين براحة ضمير ووعي وطهارة روحية.

ولهذه الأسباب كان اليسار معنيّاً بقضية استشهاد الإمام الحسين، بل إنه في الأربعينات والخمسينات كان القوة الأبرز التي تحتفل به مع جمهرة الناس، وتجد منهم:

1- قرّاء المنابر الحسينية، مثل الشيخ محمد الشبيبي والد حسين الشبيبي الذي أعدم في العام 1949 مع فهد  (يوسف سلمان يوسف) أمين عام الحزب الشيوعي حينها وزكي وبسيم ويهودا صدّيق من قيادة الحزب. وكان "مجلس الشبيبي الحسيني العاشورائي" يكتظ في هذه المناسبة التي يتحدث فيها عن الظلم والظالمين.

2- شعراء المواكب الحسينية، مثل الشاعر عبد الحسين أبو شبع وهو عضو في الحزب الشيوعي منذ العام 1956 واسمه الحزبي "علي"، وكان في الستينات عضو لجنة المثقفين في النجف، حيث كان المشرف عليه السيد صاحب جليل الحكيم، سكرتير محلية الحزب الشيوعي في النجف حينها.

3- القرّاء المحرضون (الرواديد) ومنهم فاضل الرادود، وكان محسوباً على ملاك الحزب الشيوعي، وكان يقرأ القصائد الحسينية، التي يكتبها أبو شبع وعدد من الشعراء الشعبيين حينها.

4- منظّمو الجمهور، حيث كانت خلايا خاصة تفرّغ لهذا الغرض في عاشوراء  والمناسبات الدينية الأخرى، ويتصدّرها بعض أبناء المدينة من الشيوعيين أو امتداداتهم أحياناً من عوائل معروفة، وكان "عزاء محلّة البراق" الأشهر في النجف وشعاراته الأكثر ثورية وتتحسب لها السلطات أكثر من حساب في كل عام.

وكان العديد من العوائل الدينية في النجف على ملاك اليسار والحركة الشيوعية ولديهم نفوذ كبير حتى داخل أوساط الحوزة والمدارس الدينية والمقامات المقدسة، ومن هؤلاء: آل الرفيعي الذي كان منهم الكليدار وآل شعبان ومنهم (سرخدمة، أي رؤساء الخدم) وآل الحكيم  وآل الخرسان وآخرين، وهؤلاء جميعهم في حضرة الإمام علي. ولم يكن الأمر يقتصر على عدد من الرجال، بل إن بعض النسوة انخرطن في صفوف الحركة الشيوعية ورابطة المرأة وهن من العوائل الدينية المعروفة .

أما خارج الحضرة العلوية، فهناك آل الشبيبي وآل الجواهري وآل بحر العلوم وآل زيردهام وآل الدجيلي وآل سميسم وآل مطر وآل الخليلي وغيرهم كانوا من المحسوبين على الحركة الشيوعية. وفي مدرسة الخليلي في عكد السلام درس الشيخ حسين مروّة والشيخ محمد شرارة في العشرينات وتحوّلا لاحقاً من الدراسة الحوزوية إلى الحركة الشيوعية، وقال حسين مروّة في استذكاراته: لقد تعرّفت على ماركس في النجف، وذلك حين أعطاه حسين الشبيبي كتاب " البيان الشيوعي" ليقرأه وقال لقد قرأته مرتين، لكن لم أفهم معناه في بداية الأمر، ثم زادت اهتماماته، حتى أصبح من كبار الماركسيين، لاسيّما حين كتب "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية " أربعة أجزاء..

V

كانت الاحتفالات العاشورائية مهيبة وصبغتها العامة وطنية لتمجيد البطولة والاستشهاد والقيم والمثل الشجاعة والإنسانية، والمقصود بذلك استنهاض الهمم لمقاومة الاستبداد، بشكل مباشر أو غير مباشر، وكان لبعض علماء الدين من المجدّدين دور مهم في تجديد الحوزة العلمية النجفية التي كانت تقليدية وراكدة قياساً لما حصل حولها من تطور، وأذكر هنا على  سبيل المثال لا الحصر عدداً من علماء الدين الذين سعوا لتخليص الحوزة ومناهجها من الماضوية التلقينية وفتح  نوافذ  للجدل والحوار والعلم عليها وفي مقدمتهم: السيد أبو الحسن والشيخ محمد حسين والشيخ علي كاشف الغطاء  وعبد الكريم الزنجاني، الذي انشغل بالفلسفة، وكان السيد محمد البغدادي مثار جدل سياسي ومجلسه عامر في النجف لحوارات معمّقة، خصوصاً بعد فتوى السيد "محسن الحكيم" بشأن الشيوعية " كفر وإلحاد" العام 1960، ومن التيار الجديد كان  الشيخ محمد رضا المظفر وشملت المدرسة التجديدية الحديثة الشهيد محمد باقر الصدر والسيد محمد بحر العلوم والسيد مصطفى جمال الدين والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله والسيد محمد صادق الصدر وغيرهم.

ولعب اليسار دوراً في تسييس التوجه الديني للدفاع عن مصالح الناس ضد الإقطاع والنظام الملكي وحلف بغداد وللتضامن مع العرب والعروبة، وذلك بنزع ثوب السلطة عن الدين وإبراز الجانب الوجداني الضميري والقيمي الإنساني في قضية استشهاده  الحسين لتأكيد الاستعداد للتضحية بأبعادها الرمزية والنفسية وبجانبها الاجتماعي والروحي، ومن جهة أخرى بالاستقامة، لاسيّما باستلهام المُثل النبيلة التي دفع الحسين حياته من أجلها، علماً بأنه واجه عدواً شرساً ومدججاً بالسلاح والمال والمغريات، بأنصار لا يتجاوزن 73 شخصاً بينهم 17 من أهل بيته، لكنه أصرّ على المواجهة، لأنها مواجهة للظلم، وهكذا انتصر الحق على الدم والخير على السيف، لأن قضية الحسين ظلّت قائمة ومستمرة ويتغنى بها كل من يريد مواجهة الظلم، وكما يقول الجواهري :

فداءٌ لمثواك من مضجع

تنوَّر بالأبلج الأروع

 

بأعبق من نفحات الجنا

ن روحاً، ومن مِسكِها أضوع

 

ورعياً ليومك يوم «الطفوف»

وسقياً لأرضكَ من مصرع

 

وحزناً عليك بحبس النفوس

على نهجكَ النيّرِ المهيعِ

ولديّ نماذج عديدة لتثوير حركة الجمهور خلال الذكرى العاشورائية والمناسبات الدينية الأخرى سواء ضد حلف بغداد العام 1954-1955 أو ضد تزوير الانتخابات النيابية وحل المجلس العام 1954 أو ضد العدوان الثلاثي على مصر أو انتصاراً لثورة الجزائر، وخصوصاً بعد خطف طائرة أحمد بن بلّة ورفاقه واعتقال  وتعذيب جميلة بوحيرد،  وسأكتفي بذكر ما حصل بعد العام 1956 حيث انتفض العراق، وخصوصاً بغداد والموصل والحي والنجف، فكانت المواكب الحسينية هادرة بالتنديد بالعدوان الثلاثي، لاسيّما بعد سقوط شهداء عديدين، وحيث ارتفع اسم عبد الناصر كرمز في مواجهة الامبريالية حينها، فردّدت الفتية اليسارية شعارات تقول:

كالو القائد جمال                رواحنه كله إله

يا هله

نريد مثله نمثله

يا هله

وأمريكا بالدولار

وفرنسا أم العار

والثالثة بريطانيا رمز الخيانة

يا علي - حيدر

***

د. عبد الحسين شعبان

 

 

حسيب الياس حديدبعد انتهاء الحرب العالمية الاولى 1914- 1918 حضر لورنس الى مؤتمر السلام في باريس بصفة مترجم لفيصل. وفي تلك الفترة بدأ بتأليف كتابه الشهير "اعمدة الحكة السبعة".  ففي شباط عام 1919 وبالقرب من غابات بولونيا وفي الفندق الذي كان يقيم فيه الامير فيصل شرع لورنس بالكتابة ليلاً ونهاراً من دون توقف مستنذكراً كل تفاصيل الاحداث التي جرت معتمداً على ذاكرته. اذ استطاع ان ينجز جزءاً كبيراً من كتابه مستغلاً بقاءه في باريس طوال فترة مؤتمر السلام في فرساي. وقام بأكمال ما تبقى من كتابه في انكلترا بحيث انه انتهى من كتابة المسوّدة الاولى للكتاب في نهاية عام 1919. اي ان تاليفه للكتاب استغرق فترة اقل من سنة. ويكون بذلك قد حقّق حلما راوده طوال حياته ويتمحور هذا الحلم في ان يؤلف كتاباً عملاقاً على حد تعبيره. وبعد اكمال المسوّدة الاولى للكتاب حدث مالم يكن متوقعاً. فبينما كان متجها من لندن الى اوكسفورد في شهر تشرين الثاني توقف في مدينة ريدينج Reading لتناول الشاي في احدى المقاهي. وعند عودته الى الحافلة التي كانت تقله فاذا فقدت جميع المسودات التي كانت في حقيبة سوداء قد فقدت ولم يتم العثور عليها مطلقاً. وقد كتب الكثير من التحليلات حول مسألة فقدان المسودة الاولى للكتاب. حتى ان لورنس نفسه اعطى اكثر من رواية حول الموضوع. ويعتقد روبرت غرنفز ان لورانس ترك المسوّدة عمداً لان باستطاعته اعادة كتابتها من ذاكرته. في حين اعتقد ريتشارد الدينكتون ان اشاعات دارت في وقتها مفادها ان هذه المسودات وجدت طريقها الى ارشيفات الدائرة الخارجية وتم اخفاؤها هناك. ويمكن القول ان المسودات التي فقدت ربما كانت تتحدث عن خفايا السياسة البريطانية في الشرق وتفضح رجالات السياسة وربما تولد انعكاسات خطيرة تنتج عنها عواقب لا تخدم صنّاع السياسة ودهاقنتها.

ومن المهم ان نلقي نظرة على حالة لورنس النفسية عندما قام بتأليف الجزء المتبقي من كتابه. يخبرنانا انطوني نتيج ان لورنس عزل نفسه عن العالم اجمع ولم يعد يرى من قبل اي شخص (1) وهذا بدوره يعكس لنا مقدار القلق الذي عاشه لورنس اثناء الكتابة  وما السرعة التي اعتمدها في الكتابة الا دليل على ذلك وحاول ان يعطي احكاماً معينة حول تسوية المسألة العربية من قبل البريطانيين. فقد كان لاذعا في انتقاده للحكومة البريطانية على ما اقترفته تجاه العرب واستقلالهم. ففي رسالة موجهة الى ناننيج بتاريخ 15/5/1930اعترف لورنس ان لهجة كتابة "اعمدة الحكمة السبعة" حادة ولا تخلو من المرارة لان تسوية المسألة العربية لم تكن مقنعة للعرب. وقال "كان من الممكن ان تكون نبرة الكتاب اكثر سعادة وحلاوة لو انني رأيت نهاية نظيفة للمسألة العربية" (2). ويذكر انه عندما قام لورنس بكتابة المسودة لكتابه اعطاها لثلاثة اشخاص معروفين لقراءتها وهم هوغارث وداوني، مانزرهاكن علما ان اثنين منهم شاركا في الثورة العربية ضباطاً وقد اعطاهم المسودات لكي يطّلع على ردود افعالهم. فبالنسبة لهوغارث لم يكن رد فعله ايجابيا اذ طلب من لورنس اعادة كتابتها في حين التزم بالصمت الاثنان الاخران وربما اعتمدا على ان فلسفة الصمت هي ابلغ الحديث اذ تم تحليل صمتهما على انه عدم الاتفاق مع لورنس حول ماذكره في كتابه لانه كشف بعض المعلومات السرية التي لاتخلو من خطورة عليهما. الا ان الكتاب لم يتم طبعه ربما بسبب ان الاحداث المهمة من وجهتي النظر السياسية والعسكرية  التي تطرق اليها حالتا دون طبعه.

ومن الاهمية بمكان ان نذكر ان فقدان المسودات الاولى لكتابه لم تمنعه من اعادة كتابته ولكن بطريقة ربما تختلف عن طريقة كتابة المسودات الاولى. وهنا نشير الى ان هوغارث كان من اكبر المشجعين للورنس لاعادة كتابة "اعمدة الحكمة السبعة" وفعلا شرع باعادة كتابة هذا المؤلف ولكن بسرعة غير معهودة اذ كان يكتب على حد تعبيره بين 1000 و 1500 كلمة في اليوم الواحد ولم تستغرق  اعادة الكتابة اكثر من ثلاثة اشهر في حين استغرقت كتابة النسخة الاولى خمسة اشهر. ولعل اكثر مايثير الاستغراب انه كتب الفصل السادس الذي يتضمن 34000 كلمة خلال 48 ساعة وفي نهاية عام 1921 اصبح كتاب "اعمدة الحكمة السبعة" جاهزاً للطبع. الا ان الكتاب لم يتم طبعه في تلك السنة وانما طبع لاول مرة عام 1935 بعد وفاته. ولكنه في عام 1925 قام باجراء مراجعة لاعمدة الحكمة السبعة واعطى المسودات الى شخصيات معروفة لمراجعتها مثل جورج برنارد شو  وفورستر وروديارد كيبلنج وديفد هوغارث وجيرترود بيل واعطى المسودات ايضا الى بعض الضباط مثل الجنرال وافل وداوني وباكستون. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا اعطى لورنس مسودات كتابه لهؤلاء الاشخاص؟ هل كان لورنس غير مؤهل لتأليف كتاب ادبي؟ ربما يكون ذلك صحيحا لانه اعترف بصراحة انه ليس متاكداً من قدراته الكتابية خاصة انه غير قادر على  تأليف كتاب ذي قيمة ادبية عالية مثل كتاب "موبي ديك"(Moby Dick) لهيرمان ميلفيل او الاخوة كارمازوف لديستوفسكي وغيرهما. وهكذا اعترف صراحة ان جهوده في مجال الكتابة اثبتت عدم قدرته على تأليف كتاب ادبي رائع (3) وفي عام (1924) اعترف لصديقه روبرت غريفزانه بدأ بتعلم الكتابة في محاولته الثالثة لكتابة "اعمدة الحكمة السبعة" (4). اما وجهة نظر لورنس  في كتابه فانها تثير الاستغراب اذ ان Tabachnik  وصف هذا الكتاب  بانه عفن وكئيب وهيستيري واناني وطويل (5). وهنا نجد لورنس ينتقد نفسه انتقاداً لاذعاً وربما دفعه   هذا الشعور الى ان يعطي مسودات كتابه الى عدة اشخاص من ذوي الخبرة ليطلعوا عليه قبل طبعه. وكان تواقاً لمعرفة ردود افعال الشخصيات الذين اطلعوا على ماكتبه ليكون على بيّنة مما قد يوجّه اليه من نقد لاحق. وبعد ذلك اخضع كتابه الى اكثر من مراجعة وحذف الكثير من الفقرات التي اعتبرها غير مجدية والفقرات التي تقدم تفاصيل مملة ورتيبة تتعب القارئ. حتى انه حذف الفصل الاول بناء على مشورة من جورج برنارد شو ووضع الفصل الثاني بدلا عنه. كما حذف تفاصيل كثيرة من نهاية الكتاب خاصة ما يتعلق بالاستيلاء على دمشق وتجوله فيها  متنكرا بزي امرأة عربية محجبة لانه اعتقد ان سرد مثل هكذا حدث لا يليق بمجمل الكتاب والافكار التي عالجها

ومن الواضح انه حذف الكثير من الكتاب الاصلي كما غير كثيرا في الاسلوب الادبي. ويذكر ان النسخة الاولى تضمنت 250000 كلمة والثانية 200000 والثالثة 330000 كلمة اما النسخة الاخيرة فقد تضمنت 280000 وتمثل هذه النسخة  النص الذي طبع عام 1935.  لقد تعرض لضغوط من جورج برنارد شو وجيرترود بيل (Gertrude-Bell) لطبع الكتاب الا انه اجبر على ان يتم طبعه بعد وفاته وهذا ما حصل فعلا. علما انه تردد كثيرا في مسالة طبع الكتاب فكلما كان يقرر طبع الكتاب في يوم ما الا انه غيّر رأيه في اليوم التالي وهكذا. وربما هنالك اسباب تكمن في تردده لطبع الكتاب منها خشيته من ان يوجه اليه النقد اللاذع حسب تصوره وكذلك لم يرغب في بداية الامر من ان يكشف عن ذاته وعن معاناته ولكنه اقتنع في النهاية انه لا بد من عرض الكتاب للجمهور الذي يعد شهادة مهمة لتجربته الخاصة به.

وفي الحقيقة لم يبصر كتاب اعمدة الحكمة السبعة النور بنسخته النهائية الا بعد وفاة لورنس عام 1935 وقد لاقى نجاحا ورواجاً منقطع النظير. وهذا بالنسبة للورنس يعدّ تحقيقاً لحلم رواده طوال حياته علما ان لورنس في 1/12/1926 اصدر ملخصا لكتاب "اعمدة الحكمة السبعة" بعنوان "حرب في الصحراء" اذ اقتصر حصراً على الاحداث التي جرت في المنطقة دون التطرق الى الامور الاخرى التي وردت في "اعمدة الحكمة السبعة". ويذكر ان كتاب "حرب في الصحراء" يتضمن فقط مايعادل 40% من كتاب "اعمدة الحكمة السبعة" اي انه حذف كل الامور الشخصية والفكرية والفلسفية وحتى السياسية منها.  ترك الفصول السبعة الاولى من الكتاب الاصلي التي تعد في غاية الاهمية لاحتوائها على الكثير من خبايا السياسية البريطانية والافكار الخاصة بلورانس نفسه.  وظهرت طبعة كتابة (حرب في الصحراء) بصيغة تاريخية وعسكرية ولهذا السبب لم يتمتع بالشهرة التي نالها كتابه الاصلي ومن الناحية الادبية لم يتضمن تلك القيمة الادبية مثل "اعمدة الحكمة السبعة".

 

الدكتور حسيب حديد

..............................

(1)Anthony Nutting : Lawrence of Arabia، the Man and the Motive،  P. 211 

(2)   Jeffry Meyers : The Revisions of Seven Pillars of Wisdom، PMLA، Vol : October، 1973. P. 1067

(3)A.W. Lawrence : T.E. Lawrence by His Friend، P. 302

(4) Robert Graves and Liddell Hart : T.E. Lawrence to his Biographers، p. 33  (

(5) Stephen T.E. Tabachnick : Two Arabian Romantics Charles Daughty and T.E. Lawrence، English Literature in Transition. 1888 – 1920 vol : 16، 1974، p. 19

 

 

محمد السعدينوار، هو الأبن الوحيد للبريفسور ضياء نافع عميد قسم اللغات في جامعة بغداد / كلية الاداب. وبعد أن فارق الحياة وهو في عز شبابه وثر عطائه في جمهورية الجبل الاسود (مونتينغرو) ودفن في ترابها وبات ضريحه مزاراً سنوياً لوالديه . في السنوات الاخيرة أقام والده الأستاذ ضياء نافع بمنح جائزة تقديرية (نقدية) أعتزازاً بأبنه الراحل نوار للمبدعين والباحثين والمتطلعين الى تاريخ العلاقات الروسية العراقية وتعزيزها في كافة المجالات بما يخدم مصلحة البلدين في التطور والابداع . إعطت في السنة الاولى من قيامها الى السيد (ميخائيل بوغدانوف) مبعوث الرئيس الروسي الى الشرق الاوسط ودول أفريقيا لتعزيز أسس السلام والحوار بين الشعوب، وصادف ذلك اليوم مرور أربعة وسبعون عاماً على تاريخ العلاقات الروسية العراقية وبتغطية إعلامية وحضور فعال من لدن المعنيين والمتابعين. 

يحتفل العراق وروسيا في هذا العام (2019) بالذكرى الخامسة والسبعين لاقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما , وانطلاقاً من هذه الذكرى اليوبيلية وتحية لها .

فقد قررت لجنة تحديد الفائزين بجائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي لعام 2019 اليوبيلي هذا منح جائزتين اثنتين بدلاً من جائزة واحدة كما كان الأمر في العام الماضي عند تأسيس هذه الجائزة , واحدة للعراق وأخرى لروسيا , أي أن العراق وروسيا فازا معاً لهذا العام (في الذكرى الخامسة والسبعين لاقامة العلاقات بينهما) بجائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي , وذلك لأنهما باتخاذهما القرار باقامة علاقات دبلوماسية بينهما يعني أنهما يسعيان معاً لإقامة حوار دائم بين الجانبين , وهذا القرار (الذي تم اتخاذه العام 1944) بحد ذاته يجسّد خطوة مهمة جداً في انطلاقة مسيرة هذا الحوار وتعزيزه لاحقاً .

يستلم جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي في دورته الثانية للعام 2019 باسم العراق سفير جمهورية العراق في روسيا السيد حيدر منصور هادي العذاري باعتباره رئيس هيئة تمثيل العراق في روسيا , ويستلم الجائزة باسم روسيا سفير روسيا الاتحادية في العراق السيد مكسيم كنستونتينوفتش مكسيموف باعتباره رئيس هيئة تمثيل روسيا في العراق . هذا وستجري مراسم تسليم الجائزتين في الحفل الكبير , الذي تقيمه بموسكو سفارة جمهورية العراق في روسيا الاتحادية (لمناسبة الذكرى 75 للعلاقات بينهما) مساء التاسع من أيلول / سبتمبر 2019 , وهو اليوم الذي وقّع فيه الجانبان إقامة علاقات دبلوماسية بينهما في عام 1944 , أي قبل 75 سنة .

في العام ١٩٨٠، كان لي اللقاء الأول بالاستاذ ضياء نافع على مقاعد كلية الاداب / جامعة بغداد، ومن هنا أمتدت علاقة عمر ليست بين أستاذ وتلميذ، بل تعدت أبعد من ذلك بجوانبها الانسانية والابداعية، حيث بدأت أنظر له فسحة مجال أمامي للابداع والتواضع متأثراً ومتفاعلاً بنتاجاته الادبية في حقول الادب الروسي الثر . بعد ثلاثة أعوام من تلك العلاقة داخل الحرم الجامعي أجبرتني ظروفي والوضع السياسي آنذاك أن أترك مقاعد الدراسة وآلتحق مع الثوار في الجبل، لكن صورته وتواضعه الجم بقيت أمامي ماثلة مما رسمت جزء مهم في أختياراتي في القراءة والبحث في الادب الروسي، وبعد ثلاثة عقود من المهجر واليأس والغربة ومن خلال صفحات التواصل الاجتماعي وقعت عيناي على صورته وجدته مازال مبتسماً وحيوياً، فراسلته بكلمات مختصرة تجنباً مني ربما الظروف تركت أثرها على الذاكرة، فكان رده سريعاً / أهلاً عزيزي محمد، لقد قرأت كتابك (سجين الشعبة الخامسة)، مما زادني حباً وأعتزازاً به، وما زلنا الى اليوم متواصلين بشد العزم على تعزيز الجوانب الثقافية والفكرية على ربوع العراق بعد أن أنهكته الظروف الصعبة المحيطه به . أبتهل الى الرب أن يطيل بعمره ذخراً لعراق معافى ومشرق .

تخليداً لروح أبنه نوار، وبات تقليداً سنوياً، أن تمنح عدة جوائز بأسمه واحدة للحوار والثانية للمترجمين العراقيين عن اللغة الروسية، وهناك نية أن تكون ثالثة للموسيقى والباليه بما يمت لها نوار من صلة بأعتباره أحد خريجيها، والتي كان الفنان الكبير المرحوم (عزيز علي) مديرها .

المرحوم نوار خريج الجامعة المستنصرية / كلية الطب وأنهى أختصاصه في روسيا بطب العيون، وأصبح طبيب عيون قبل رحيله في جمهورية الجبل الأسود، وهو من أم روسية وأب عراقي، حدثني أحد المقربين لتلك العائلة النبيلة حول أعتزاز أم نوار الروسية بالعراق وأهله والحنيين الى بغداد .

منحت جائزة نوار للمترجمين العراقيين عن الروسية الى د. تحسين رزاق عزيز / بما قدمة من نوع هائل في مجال البحث والترجمة حول أدبيات ولسانيات الأدب الروسي رغم ظروفه الصعبة، لكنه تحداه ببحوثه وترجماته المستمرة، فهو حقاً بها وحسن الأختيار من قبل الاستاذ ضياء والمحيطين به .

الدكتور تحسين رزاق عزيز / أبن مدينة النجف جمعتني به عدة سنوات مقاعد الدراسة والأقسام الداخلية، كنا في مرحلة دراسية واحدة في الأداب / جامعة بغداد . اليوم على تواصل معه، رغم القطيعة الكبيرة التي وقعت بسبب ظروف العراق وظروفنا لزمن طويل، لكن يبقى ذلك الزمن الجميل عالقاً بيننا كالنهر الجاري في سقي ذكرياتنا . فهنيئاً لك على تلك الجائزة الكبيرة (جائزة نوار)، وفخراً أن تمنح لك من أستاذنا ومعلمنا البريفسور ضياء نافع حسن . وفي حديث معه حول شعوره بتقليده وسام (جائزة نوار)، كتب لي (الدكتور ضياء هو معلمي الذي صنع مني مترجماً، وعندما يكون التقييم على يديه تكون الفرحة أكبر) .

 

محممد السعدي

مالمو / أيلول ٢٠١٩ .

 

 

 

حسيب الياس حديداتسمت شخصية لورنس بالتناقضات والتعقيد ابتداءً من الفترة الزمنية التي سبقت قيام الحرب العالمية الأولى – وعلى نحوٍ خاص – إذا تمكنّا من قراءتها قراءة معمّقة ذات طابع تحليلي في السلوك وفي الإرادة. وهناك من يقول اننا كلما نفدنا إلى جمّ كتاباته نتمكن من اكتشاف المزيد من سبر غور تلكم الشخصية.. ذلك يتضح بشكل متزايد من قراءة كتابه الأشهر "أعمدة الحكمة السبعة".

ففي ذلك المؤلَّف يكشف لنا لورنس المزيد ثم المزيد من (ذاتيته) الاعتيادية و (ذاتيته) النرجسية، تلك التي ضمّنها فصولاً بأكملها وهو يتحدث عن نفسه.. ثم على العكس من

ذلك، فقد ترك لنا تشارلس دوتي Charles Doughty فقرات متعاقبة، تحدّث فيها بإسهاب عن الحياة والموت والدين والعادات والتقاليد الاجتماعية في الجزيرة العربية، وذلك في كتابه " رحلات في الجزيرة العربية " "Travels in Arabia Deserta.

وعلى الرغم من الدراسات العديدة التي قام بها بحّاث كُثرٌ وأكاديميون متعمّقون منقبون في شخصية لورنس، إلاّ أن الغموض ظلّ سيد الموقف في أغلب تلكم الدراسات. ونحن في عرضنا التحليلي لا ندّعي لأنفسنا أننا تمكنّا من الإحاطة بكل مغاليق تلكم الشخصية.. إلاّ أننا باستطاعتنا التصريح بتمكننا من الإمساك ببعض التلابيب وذلك عبر محورين اثنين: أولهما المحور الأدبي، وثانيهما المحور النفسي. ففي الجانب الأول من الدراسة (الزاوية الأدبية)، وفي هذا الخصوص، يجوز لنا التصريح أن كثيراً من غموض شخصية لورنس ينعكس من خلال تصرفاته.. سواءً في بلده انكلترا أو في خارجه. فقد عُرف عنه انه ذو شخصية انعزالية منذ طفولته ومن ثم صباه. إذ لم يكن على الاطلاق يحمل شخصية اجتماعية، فقد تأكد لنا ذلك عبر رسالته إلى روبرت غريفز Robert Graves بتأريخ 21 تموز سنة 1920، إذ ذكر فيها انه يفضّل أن يكون انطوائياً ومتزمّتاً في قيامه بواجباته حدّ الإزعاج.. مع ازدهاء بالنفس ومحاولة ازدراء الآخرين.(1)

وفي رسالة أخرى له إلى إي. إف. هال E. F. Hull، أكّد له فيها أنه لا يستطيع البتة الانفتاح بشكل ودّي تجاه الآخرين. وفي بعض صفحات كتابه " أعمدة الحكمة السبعة "، روى لورنس عن نفسه بتعابير عكست كل مرايا دواخله بصورة فاضحة حينما قال: (.. على الرغم من لطف عبد الله وسحر شخصيته، فأنا لم أستطع أن أحبه أو أحب معسكره، ولربّما كان شعوري هذا منبعثاً من انعدام الميزة الاجتماعية في شخصيتي ورغبتي في الوحدة والانفراد.. ولربّما كان ذلك ناشئاً عن كثير من الآلام تعمل في داخلي تدفعني إلى جعلي أتصور الآخرين يبدون أقل مما هم في الحقيقة (2).

ويذكر لورنس في صفحات أخريات من مؤَلَّفه أنه كان تلميذاً متميزاً بين أقرانه الآخرين من التلاميذ. وأنه لم يكن يشاركهم نشاطهم وفعالياتهم التي تنظمها لهم المدرسة. وقد عزا ذلك في تلكم الكتابات إلى سبب إضافي آخر، حمّل به أهله وأسرته، فقال عنهم انهم لم يكونوا متفتحين على الأسر الأخرى بشكل يجعلني أنمو وأكبر على هذا التعوّد من الانفتاح. ففي أوكسفورد عاش والداي بعزلة تامة عن الجيران، ولم يكن يسمح لنا بإقامة أية علاقة مع أولئك..

وقد يكون السبب في نظرنا، هو محاولة والدي لورنس إخفاء نوع علاقتهما الزوجية عن الآخرين وعدم البوح بها أو جعلها تبدو مكشوفة أمام أية أطرافٍ أخرى..!

وقد تكون بعض مراسلات لورنس مرآة حقيقية عاكسة لنوع معاملة والدته له ولإخوته الآخرين، تلك التي اتسمت بالقسوة والخشونة.. الخالية من الرقّة ومن الحنان، فضلاً عن طبيعة شخصيتها العنيدة والمتسلّطة على البيت وعلى الأسرة بأجمعها.. إلاّ أن لورنس لم يذكر والده في هذه المراسلات على الإطلاق.

في هذا البيت الذي يكاد أن يكون خالياً تماماً من أية عواطف أسرية دافئة، وبارداً في ترابطه الحميمي.. نشأ لورنس وترعرع، بل نمت شخصيته اللا اجتماعية التي لم تسعَ – فضلاً عن كل ما سبق – إلى إقامة علاقات صداقة مع شباب من جيله، كون لورنس لم يكن يريد لأي نوع من انواع العلاقات أن تؤدي إلى مزيد من الإزعاجات.

قال لورنس في إحدى مقابلاته ليدل هارت: (.. لم أفكر على الإطلاق أن يصدر تجاهي أي ضرر من الأعداء.. بل كنتُ دائم التوجس من أن يكون أصدقائي ومعارفي هم مصدر الأذى الذي يمكن أن يصيبني في يوم من الأيام (3).

هذه الاعترافات التي كان لورنس يصرّ دائماً على التنفيس عنها، تكشف عن درجة انغلاقه تجاه الآخرين، ومحاولته دائماً التصريح بما يعتمل في داخله من مكنونات في عدم قدرته – فضلاً عن عدم رغبته – في إقامة صداقات من أناس آخرين – ليس له إكراه في إقامة هذه العلاقة معهم – بل ربما كان الدافع الأساس وراء عزوفه عن الاختلاط في أوساط المجتمع، هو عدم قدرته على فهم الآخرين، ذلك يدعوه إلى أن يتضايق منهم.. وربما أدى ذلك إلى تولد نوع من أنواع الكراهية أدّى به إلى القول: (.. كنتُ دائماً أتحاشى المخلوقات الدنيا التي كانت تبدو لي أنها يمكن أن تعطيني صورة من صور الفشل في معركتنا تجاه الروح. ولربّما كانت هذه المعركة مفروضة علينا، لأنني في وضع أبدو فيه شديد الكراهية لتلكم المخلوقات الدنيا.. فضلاً عن أنني قد وضعتُ اليد على شيء كنتُ وما زلتُ أعدّه نوعاً من التدنيس.. وإنني كانت تصيبني ارتجافات مرعبة في جسدي إذا ما لامسني – مجرد ملامسة – أي شخص من قريب (4).

ولأجل ربط الأحداث بخيوط وقائعها، يجدر بنا القول أن لورنس وبعد أن عاد إلى بلاده – بعيد انتهاء مشاركته في الثورة العربية – وبغض النظر عن الكم والنوع من الأفعال التي قام بها، سواء جاء ذلك مِمّن هم (مع) أو مِمّن هُم (ضد)، فهو قد عاد إلى بلاده أكثر انغلاقاً وأشدّ كتماناً وأعمق تعقيداً مما كان عليه في فترة مشاركته في أعمال الثورة واختلاطه بالناس العاديين من البدو..

في هذا السياق المتصل من جانب تحليل شخصية لورنس وسلوكه الشخصي، يمكننا أن نعترف أننا وضعنا أصبعنا على مكمن مهم من مكامن التخالف في حياة لورنس، تلك التي يمكن أن تندرج تحت باب علاقاته الاجتماعية أو الرومانسية على حدّ سواء، وعلى نحوٍ خاص علاقاته (الصداقاتية) مع النساء، سواء جاءت هذه العلاقة على مستوى الصداقة الخالصة حسب، أو تلك التي اندرجت تحت باب الغرام والهيام.. (فهنَّ) لم يكنَّ يحتلنَ أي شاغر في صفحة حياته المليئة بالغرائب، لذلك لم يصدر عنه ما يشير إلى ذلك في كل

كتاباته، بل هو لم يذكرهنَّ على الإطلاق.. عدا بعض التلميحات القاسية ضدّهنَّ.. وهذا لغزٌ آخر يمكن أن نضيفه إلى الألغاز العديدة التي أحاطت بشخصية لورنس.

ولأجل أن نبقى ضمن الدائرة الضيقة في إطار المرأة وموقعها من تفكير لورنس، يجدر بنا أن نحدد أن آراءه في المرأة قد اتسمت مرة بالتناقض، وأخرى بالتردد في الإفصاح الحقيقي عن هدف القصد.. وعدم اليقين تارة ثالثة.

عليه، فقد كان لورنس متردداً، بل متأرجحاً بين المثالية التي كان يحلم بها، والاشمئزاز الذي يسيطر على تكوينه البدني من الشكل الفيزيولوجي للمرأة، فضلاً عن وظائف أخرى، ثبتَ فيما بعد أنها كانت تطفو على سطح شغاف مخيلته كلما أراد الذهاب رومانسياً في اشتهاء المرأة لتعيده إلى حالة النفور.. تلك التي تجرّه من أرنبة أنفه إلى حالة المرأة المتمثلة (دوماً).. و(أبداً).. بالمرأة (أمّه).

ولأجل أن يغلّف لورنس ذلك الاعتقاد الراسخ في أسفل قعر عقله (اللاواعي)، طفق يحدّث الآخرين (صحافة وإعلام)، فضلاً عن قيامه بتثبيت ذلك في مؤلفاته.. من أن المرأة (كل النساء) ليس بوسعهنَّ أن يقدمنَ نتاجاً رائعاً في كل المجالات.. حسبه أنه كان دائم التشكيك بقدراتهنَّ في تأليف كتب قيّمة من مثل (موبي ديك Moby Dick) لـ (هيرمان ميلفيل Herman Melville).

لكنه في أحيانٍ أخرى يعود إلى تخفيف أحكامه القاسية في حق المرأة ويقلل من غلوائه في ذلك، فيذهب إلى الإعجاب بـ (إيملي برونتي Emily Bronte) و(روزيتي Rosetti) و(السيدة كليفتون Mrs. Clifton).. وقد ألمح في أكثر من مكان أن سبب إعجابه بكتابها يعود إلى كونه يروي قصة امرأة تستسلم لزوجها على طول مسرح حياتهما الزوجية، وهي في نظره فكرة تعدّ مرفوضة تماماً من قبل القارئ الأوروبي (استسلام المرأة لزوجها وإنكارها شخصيتها على طول الخط).. فهي فكرة تقوم في الأساس على مبدأ إهانة المرأة والتقليل من مثلها العليا..

وعلى نحوٍ آخر، لم يكن لورنس يريد للآخرين أن يأخذوا عنه هذه الفكرة بكل تفاصيلها.. بل كان يؤكد على الجانب الآخر في شخصيته تجاه المرأة، فهو - على حد تعبيره - يقول: (.. إني أخشى النساء أكثر من خشيتي من قدوم الجيش التركي..!!).

وإذا اقتربنا أكثر من المرأة، وصرنا في باب الزواج (العلاقة الأكثر حميمية بين الرجل والمرأة)، نأتي إلى النقطة المركزية في عقيدة لورنس في مبدأ الزواج.. فهو يرفضه جملة وتفصيلاً، وينكره إنكاراً قاطعاً. فهو لم يكره الزواج هكذا اعتباطاً، بل جعل له ثوابت راسخة في عقله، يمكن أن يعدّها الآخرون غاية في الغرابة والشذوذ.. فقد كان يعدّ الزواج (عِهرٌ على الورق) أو (بطاقة عِهر) كما عبّر عن ذلك في رسالة بعث بها إلى شقيقه آرنولد Arnold سنة 1925(5).

وقد يتساءل المرء: يا ترى، ألم يتمكن لورنس طوال مرحلة شبابه ومن ثم كهولته من التعرف على فتاة أو سيدة يمكن أن تعيد اليه توازنه النفسي أو الاجتماعي؟! سؤال يمكن أن يطرحه كل من خاض غمار حياة لورنس وقصة مسيرته المكشوفة / الغامضة، ليأتي الجواب على الفور بالرفض القاطع من طرف لورنس نفسه، في عدم قدرته على الوقوع في أحابيل الغرام سواء كان ذلك تجاه فتاة أو سيدة متزوجة أو أي من الجنس اللطيف..

مرة أخرى يثبت لورنس على وجه اليقين إخفاقه العاطفي وضعفه وعدم قدرته في إقامة علاقات اجتماعية وعاطفية ناجحة. وحتى يثبت لورنس تقاطعه مع الجو النسائي وكرهه لهنَّ على كافة المستويات والأصعدة، قرّر اختيار أماكن بعيدة وأجواء خالية تماماً من العنصر النسائي، فضلاً عن تدفقه في إتجاهات عملٍ لا تؤدي فيها المرأة دوراً من أي مستوىً كان.. عليه، كانت الصحراء بكل فضاءاتها المفتوحة وشمسها المحرقة والحياة الصعبة للعايشين بين ظهرانيها.. وكان الجيش بكل ثقل المهمة للذين يقومون بالخدمة بين صفوفه.. أماكن انتبذ لورنس له مكاناً قصيّاً تحت سماواتها..

وإذ نقبض على الطرف الآخر من لعبة الولوج في عالم النساء، ومدى رغبة لورنس في إقصاء نفسه عن قلب الحدث في تلكم المعادلة غير المتوازنة، نجد أن لورنس وبسبب الهالة الإعلامية العالمية الضخمة التي أخذت تصب عليه كاميراتها وأقلام صحافييها وتضعه تحت دائرة الضوء المثيرة، سواء كان ذلك دوره الحقيقي أو دوره الافتراضي.. فقد كان واجباً علينا أن نصغي إلى الجانب الآخر من أطراف المعادلة.. ألا هم النساء.

وعلى حد تعبير الصحافي الأميركي توماس لويل Thomas Lowell، فقد تسلّم لورنس طوال فترة حياته حوالي (28 رسالة) من نساء – من مختلف الاتجاهات – يقترحنَ عليه فيها طلب الزواج منه.. إلاّ أن ذلك الضغط النسائي المتعاظم لم يزده إلا إصراراً في بعده عنهنّ..!

واستطراداً في التفتيش في زوايا المربع نفسه، وعلى نحوٍ خاص موضوع صحراء العلاقات النسائية التي كانت جرداء في حياة لورنس، نجد بين طيات التحليلات المنغمسة في التفتيش عن خفايا وخبايا، أن قصر قامة لورنس كان لها دور مدمر في إخفاقه عاطفياً، بل تركت بصماتها السيئة على نفسيته.

عندما كان في السادسة عشرة من عمره تعرّض إلى حادث سقوط أدى إلى إصابته بكسر بليغ في ساقه، وعندما تم شفاؤه من تلك الإصابة، كان نموه قد توقف عند تلك الحدود ولم يصل طوله في أقصاه إلى أكثر من خمسة أقدام وخمسة إنجات، فضلاً عن أن كِبر حجم جمجمة رأسه كان يبدو للرائي وكأنه شيء غير متناسب مع قصر قامته.. كل تلك العيوب بعثت الاشمئزاز في نفسه وجعلته يواجه وضعاً صعباً دفعه إلى كثير من التذمر، فقد سيطرت عليه عقدة الشعور بالنقص دائماً، بحيث أن تعابير كثيرة وردت على لسانه في" أعمدة الحكمة السبعة" وهو يلعن – عبرها – قصر قامته(6).

لقد جاء هذا الموقف من لورنس متمماً لما كان يحظى به من معاملة قاسية من طرف والدته أثناء طفولته، ومحاولتها الدائمة توجيه كيلاً من الاتهامات أكثر بكثير من مما كانت تعامل به بقية إخوته.. بل كان له نصيب كبير في الضرب المبرّح وربما كان لحادثة درعا تأثيراً سلبياً كبيراً جداً.

أما حادثة (درعا) فقد كان كثير من التحليل يميل إلى عدّها أعنف تجربة خاضها عبر حياته كلها.. فهو عندما يضع هذه الصورة في مخيلته، ينظر إلى المرأة بمنظار الحقد والكراهية، ويرى فيها عنصراً مدمراً للحياة، يتحتم عليه – على قدر المستطاع – محاولة تجنبه، لتنمو عنده عقيدة التطرف ضد الزواج وتتملكه رهبة من التفكير في إمكانية إصابته بالإخفاق والفشل في أية تجربة زواج قد تقوده الظروف يوماً للانغماس فيها..

قال في إحدى صفحات "أعمدة الحكمة السبعة":." أصاب بالذعر من مجرد شعوري بإمكانية الفشل في أية محاولة.. حتى قبل البدء بها" (7).

من جانب آخر، فقد ذكر لنا كثير من كتّاب سيرة لورنس مسألة حقيقة إصابته (بالعنّه الجنسية) مع ضعف شديد في القدرات الجنسية.. إن لم تكن منعدمة كلياً..

 

الدكتور حسيب الياس حديد

..........................

(1)  Robert Graves and Liddelll Hart: op. cit, p.7

(2)  T.E. L awrence: op cit.,p.219

(3)   A.W. Lawrence: op. cit., p. 33

(4)  T.E. L awrence: op cit.,p.588

(5)   A.W. Lawrence: op. cit., p. 316

(6)  T.E. L awrence: op cit.,p.451

(7) Ibid,p.580

 

حسيب الياس حديدعلى الرغم من قيام لورنس بأعمال تتعلق بالأمور العسكرية والمخابراتية، فضلاً عن أدوار الارتباط بين القيادة البريطانية في الشرق الأوسط ومحور الثورة العربية، فإنه لم يألُ جهداً في الإنحياز لمعسكر الثورة العربية بكل ما يعنيه ذلك من قول وفعل.. حتى السلوك الشخصي اليومي وعلى مستوى العلاقات الرسمية او الاعتيادية - كما أسلفنا في أكثر من مكان – كان لورنس قد وظّفه لتلكم الغاية .

من هذا المنطلق، يصير لزاماً علينا أن ندقق الملاحظة في أن لورنس كانت تتلبسه هواجس جمّة، ليس أقلها أنه مكتوب عليه (مقدّر عليه) أن يكون رجلاً ذا شخصية لا تتطابق – على وفق كل وسائل المقارنة – وشخصيات بريطانية أخرى، تتعامل معه على المستوى الوظيفي او غيرها من التي كان لها - يوماً ما - دور من أدوار الاستكشاف او السياحة او المغامرة.

عليه، يمكننا أن نعدّ إصرار لورنس على ارتداء الملابس العربية وكرهه ارتداء الملابس الافرنجية (القبعة والبنطلون)، هو من جنس ذاك التفكير الذي تلبّس لورنس، كون هذه الملابس هي التي تتطابق – أيما تتطابق – والظروف المعيشية التي تتطلبها حياة الصحراء، فهي خير ما يلائم البيئة الصحراوية من جهة، ثم هي تعطي لابسها شعوراً أكبر في الراحة . فقد قال في كتاب " أعمدة الحكمة السبعة ": "إننا في الغرب لم تكن لدينا أية خبرة بهذا النوع من الأردية – الدشداشة – شيئاً مقاربا لتكوين جسم العربي، بل تعطيه جمالاً مضافاً، وهو يزخر بالتوازن مع أقدام عارية . فقد تعطي للمرء حركة اكثر إتزاناً وذات وقع فيه كثير من الاتساق.. اذ ان العضلات تكون في حرية من الحركة المنضبطة مع كل خطوة يخطوها الأعرابي"(1) .

أما فيما يتعلق بغطاء الرأس (الغترة أو الكفية أو الكوفية كما تسمى في بعض الأنحاء العربية، واليشماغ في أنحاء أخر)، فهي تلك القطعة الكبيرة من القماش ذات الشكل المربع، وحينما تطوى من بعدين متقابلين تغدو قطعة مزدوجة التثليث، وتوضع على الرأس ويتم السيطرة عليها والإمساك بها بواسطة (العقال)

يقول لورنس: ".. إن قطعة القماش هذه يمكن استخدامها كغطاء للرأس، فضلاً عن منشفة أو منديل حسب موقع الحاجة.. إن هناك عقالاً وكوفية يستعملها البدو العاديون، وأخرى مخصصة للأمراء تتمايز عن الأنواع الأولى على وفق أشكالها وتبعاً لأثمانها الغالية" (2) .

وبصورة عامة، فللعقال معنى مهم عند البدو يتعلق بالشرف، ويؤدي معنىً قبلياً رمزياً لا يجوز التخفيف من قيمته، وهنا يأتي لورنس متوافقاً مع تشارلس دوتي

Charles Doughty في هذه النظرة، تلك التي سطّرها تشارلس في كتابه " رحلات في الجزيرة العربية " . ومن الجدير بنا ذكره ونحن نتحدث عن وله لورنس بارتداء الملابس العربية، تلك الحقيقة التي قد لا يمكننا فيها الربط بين ارتدائه الملابس وانغماسه في أعمال الثورة العربية.. بسبب أن لورنس مال إلى ارتداء الملابس في وقت مبكر من حياته الشرق أوسطية، وقبل أن يتوجه إلى الجزيرة العربية . كان ذلك سنة 1916 عندما قام بأعمال مساعدة في التنقيب في بعض من أطراف صحراء تدمر في سوريا.. وفي قرية كركميش على وجه الدقة . إلا أن الأمر صار فيما بعد موضوعاً متعلقاً (بالرسميات)، يوم عرض عليه الأمير فيصل شخصياً ارتداء الملابس العربية، فقبلها الثاني بكل طيب خاطر، دون أن يحدد تاريخاً معيناً بذلك أثناء سرده ذكرياته في كتاب " أعمدة الحكمة السبعة " .

وقد ذكر تفاصيلها في الفصل الثاني والعشرين من كتابه المشار إليه آنفاً، مثبتاً تأريخاً ابتدأه في الفاتح من سنة 1917، في حين أن عرض الأمير فيصل كان قبل هذا التأريخ بفترة ليست قصيرة..

يقول لورنس بخصوص ذلك: (.. سألني فيصل ذات مرة وعلى نحوٍ مفاجئ:

" هل ترغب يا لورنس في ارتداء ملابس عربية كما نفعل نحن وطيلة مدة مكوثك معنا في المعسكر..؟! " وأجبته على ذلك قائلاً: " طبعاً، لقد وجدتُ تلك فكرة تناسبني، فالملابس العربية مريحة وتلائم الطراز العربي في الحياة التي يتوجب عليّ أن أعيشها اليوم " .

ثم يضيف إلى ذلك لورنس قائلاً: (إن رجال العشائر تعوّدوا ان يشاهدوا الضباط الأتراك وحدهم يلبسون الزي العسكري الخاكي . عليه، فهم كانوا ينفرون من هذا الزي ومن صاحبه . وأنا شخصياً إذا ما ارتديت الزي العربي " المكي "، فإن رجال العشائر سوف يعاملونني كما لو أني أحد رؤسائهم، وبإمكاني عندئذٍ من أن أتسلل إلى خيمة فيصل وأدخلها دون أن أثير أياً من فضول الناس أو ألفت انظارهم.. الأمر الذي كان يتوجب فيه عليّ أن أشرح ذلك للغرباء، لذلك قبلتُ فوراً بما عرضه عليّ فيصل بكل غبطة وسرور.(3) .

ثم أن لورنس كان يصرّح في كثير من المناسبات عن عمق شعوره وعظيم امتنانه بشأن ذلك، ناسباً إلى العرب اهتمامهم الكبير بالمظاهر: (.. إذاً صار لزاماً على الأجنبي وهو يعيش في الجزيرة العربية أن يكون ممثلاً بارعاً.. لكن يصعب على المرء أن يظلّ ممثلاً لعدة سنوات.. وإلاّ فإن المعاناة الجسدية، فضلاً عن الآلام النفسية هي ما تنتظره في قابل من الأيام لتقتص منه.

وهكذا نجد لورنس أراد بارتدائه الزي العربي ان يكون مخالفاً لغيره من الرحّالة الذين قدموا إلى الجزيرة العربية، أو أولئك الذين عملوا معه . لقد كانت تتملّكه الرغبة الملحّة أن يظهر أمام عدسات التصوير وهو يرتدي الزي العربي، هذه الرغبة الجامحة كانت تسد عليه كل منافذ تفكيره أثناء تواجده في المنطقة العربية . ثم ان لورنس كان قد ذكر شيئاً مهماً عن ذلك في أوراقه السرية، وكنا قد نوهنا عنها في سابق كلامنا وهي تحت عنوان رئيس: " 27 مادة للتعامل مع العرب "، كانت قد نشرت في 20 من شهر آب سنة 1917، إذ خصّص أربع مواد لمزايا الملابس العربية وخصوصيتها الشديدة، ونفور العرب من ارتداء الزي الافرنجي، وعدم ارتياحهم مشاهدة الآخرين يفعلون ذلك، معتقدين أن تلك ما هي إلا ظاهرة لا دينية ولا أخلاقية (4)

ومن جانب تأريخي وثائقي بحت ونحن نستعرض تأريخ الجزيرة العربية، فقد نجد أن هناك تقليداً كان معمولا به في سنوات كثيرات على كل مساحة الجزيرة العربية، وعلى نحوٍ خاص ما استنّه الأشراف الهاشميون وهو تقديم ملابس عربية للأجانب القادمين إلى الجزيرة العربية بحسبهم ضيوفاً عندهم.. ثم ان ذلك هو – على وجه الحتم – انعكاس للضيافة والكرم والسخاء . عليه، نجد أشخاصاً من مثل لين Lane ودوتي Doughty وبيرتون Burton، ارتدوا جميعاً (وغيرهم كثر) هذا الزي لفترات تطول أو تقصر حسب ظروف كل منهم .

لكن لورنس، كان بنظر كل المراقبين والمحللين، قد بالغ كثيراً في ارتدائه الملابس العربية، فهو لم يدع فرصة تفوته إلا واستغلها ليتم تصويره وهو بهذا الزي . فضلاً عن أن للإعلام دوراً بارزاً في هذا الميدان.. فكثير من الاعلاميين كان قد عمل جاهداً لإحاطة لورنس بهالة إعلامية كبيرة، جعلت منه أسطورة من الأساطير، وقدمته إلى المجتمع العربي أو الغربي – على حد السواء – بحسبه أميراً أو شريفاً أو شيخاً.. ثم صانعاً للملوك..!!! .

وإذا تقبّلنا مسألة ارتداء لورنس الملابس العربية وهو يعيش أيامه ولياليه في أطراف الجزيرة العربية، فذلك أمر له مبرراته كما أسلفنا في مقدمة كلامنا.. إلا أن الأمر الملفت للنظر هو إصرار لورنس على ارتداء الزي العربي وهو خارج الجزيرة العربية.. في مصر كما في لندن وحتى في باريس أثناء حضوره مؤتمر السلام المنعقد في فرساي سنة 1919 . ويذكر أن لورنس ظهر ثلاث مرات مرتدياً الزي العربي في لندن . المرة الأولى كانت عند زيارته الليدي ليندسي Lindsay، وفي المرتين الثانية والثالثة كانت اثناء اصطحاب الأمير فيصل له إلى قصر بيكنجهام Backingham Palace . كما ظهر لورنس في باريس أثناء انعقاد مؤتمر السلام وهو بزي غريب (يلبس الزي العسكري الخاكي مع العقال العربي والكوفية من تحته) وتم تصويره وهو بهذا الزي .

وهناك كثير من الروايات تعقّب على حادثة حضوره مؤتمر السلام في باريس، منها أن الفرنسيين كانوا – في بداية الأمر – قد أصرّوا على عدم السماح للورنس من دخول قاعة الاجتماعات وهو بذلك الزي، إلا أن لورنس ادّعى فيما بعد أنه حضر المؤتمر ضمن تشكيلة الوفد الذي ترأسه الأمير فيصل بن الحسين بصفته عضواً في وفد الأمير، مع العلم أن الوفد كان قد ضمّ في عضويته كلاً من نوري السعيد وحكمت سليمان .

وهناك رواية كان قد روّج لها ونستون تشرشل، مفادها أن أصل قضية ارتداء لورنس الملابس العربية في العواصم لندن وباريس، ما هو إلا محاولة من لورنس للتضامن مع الأمير العربي فيصل، فضلاً عن جعل ارتدائه ذلك الزي إسناداً للمطالب العربية في الاستقلال والتي كانت موضع مناظرة حادة تصل إلى درجة المساومة..!!

أما السبب الذي قدّمه لورنس إلى أهله الإنكليز وهم محرجون في رؤيتهم إيّاه مرتدياً اللباس العربي، إذ وصل الأمر بهم تقريباً إلى منعه من دخول القصر الملكي لمقابلة الملك جورج الخامس.. قائلاً لهم: (.. لقد حضرتُ المقابلة بصفتي مترجماً للأمير فيصل.(5)

هذا ما ذكره جواباً على سؤال وجّهه إليه ليدل هارت Liddle Hart . وعندما ألحّ عليه ليدل هارت عن أسباب أخرى دفعته إلى ارتداء ذلك اللباس أجابه قائلاً: (.. لقد تمت إثارة موضوع ارتدائي الزي العربي قبل أن أذهب إلى هناك.. ثم إني أجريتُ مناقشات مع ملحقنا روبرت سينج Robert Synge أوضحتُ له فيه أن ارتدائي الزي العربي إلى جانب الزي الأوروبي كان أمراً موجباً لرجل يعمل عند سيدين اثنين (6)

لقد ذكر الصحافي الأميركي توماس لويل Thomas Lowell أن لورنس كان شديد الاهتمام بمظهره وهو يتم تصويره مرتدياً الملابس العربية، ثم هو شغوف بالدعاية والإعلان، لذلك كان يصطاد الفرص التي تتاح له كي يتم تصويره، لتصبح تلكم الصور فيما بعد جزءاً من وثائقية شخصية لورنس الحميمة .

ومن جانبه، فقد أشار الكاتب الآيرلندي الساخر برنارد شو Bernard Shaw في إحدى مسرحياته قائلاً: (.. هكذا من الروعة بحيث لا يصدّق

Too True to be Good, Villages Wooing and on the Rocks..) .

 إذ جاء هذا النص من القول على لسان إحدى شخصياته في هذه المسرحية، وهو بذلك يعني لورنس.. ثم هو يقول: (.. انظر اليه.. إنه يتخفى، إنه يكره الاعلان، إنه هكذا واضح وبارز للعيان بحيث أنه يريد أن يخفي نفسه ولا أحد يبرز غيره.. لقد حاول عبثاً إخفاء نفسه، إلا أنه كان الأكثر شيطانية من بين كل الممثلين الكوميديين .(7).

وهكذا يثبت لنا بالدليل القاطع أن لورنس كان يبحث عن الشهرة وعن الدعاية.. إذ لو لم يكن مغرماً بالاثنتين لما ارتدى تلكم الملابس العربية وهو يزمع دخول مؤتمر السلام في قصر فرساي في باريس، إذ كان الأجدر به ان يرتدي الزي الإنكليزي (مدنياً أو عسكرياً) بوصفه عقيداً في الجيش البريطاني . والجدير بالذكر أن العقيد ادوارد بريمو Edouard Brémo - الذي غدا جنرالاً فيما بعد - رفض استقبال لورنس وهو يرتدي الزي العربي .

وقد ذكر الصحافي البريطاني أنطوني ناتينغ Anthony Nutting في كتابه الموسوم (لورنس العرب.. الرجل والدافع) قائلاً: (.. إن أوامر الكولونيل الفرنسي كانت تقضي باستقبال لورنس – العقيد – المرتدي ملابسه العسكرية، ولم تتضمن الأوامر استقبال لورنس بالملابس العربية – أو بهيئة شخص عربي(8) .

ومما يحاول بعض المحللين عزوه إلى لورنس رغبته في أن يحضر المؤتمر بصفته رجل عربي – أن يجعل من نفسه عربياً -.. فإن تلك النظرية لابد وأن تسقط أمام بشرة لورنس البيضاء – ولو أن بشرة فيصل كانت أيضاً بيضاء، إلا أن تقاطيع سحنة فيصل تدل على أصله العربي، بينما لا تدل على ذلك سحنة لورنس .

ويمضي المحللون قائلين:.. ان الشخص الأجنبي الوحيد الذي عمل في المنطقة العربية، وكان بإمكانه أن يدعي لنفسه (أن يكون عربياً) هو العقيد ليجمن، كون بشرته كانت تميل إلى اللون الأسمر على العكس من لون بشرة لورنس .

وباختصار، يمكن التصريح أن لورنس في ارتدائه الملابس العربية كان يجنح إلى التمثيل، فهو كان يقوم بدور الممثل البارع الذي وجد نفسه فجأة على خشبة المسرح، فكان لزاماً عليه – والأمر كذلك – أن يؤدي دوره إلى منتهاه، ثم هي الجزء المتمم للمسرحية محاولته نقل المشاهد إلى خارج المسرح، بارتدائه الملابس العربية خارج منطقة الجزيرة العربية..

 

الدكتور حسيب الياس حديد

...................

(1) T.E. Lawrence: Seven Pillars of Wisdom.. p.424

(2) Ibid,105

(3)  Ibid,129

(4)  Ibid,p.111

(5)   A.W. Lawrence: op. cit. p.156

(6)   Ibid.

(7)  G. B. Shaw: pp.27-108

(8)  Anthony Nutting: Lawrence of Arabia; The Man and the Motive,p.127

 

محمد فتحي عبدالعالتعج كتب التاريخ بالمعارضين عبر العصور وهم على كثرتهم يوجهون سهام المعارضة لكل شئ وأي شئ بموضوعية أحيانا وبدونها في أحيان أخرى، وهذه هي المعارضة السلبية التي لا تثري الواقع  فهي لا تمتلك رؤية حقيقية أو تصور بديل قابل للتطبيق لذا فهى لا تبني حراكا حقيقيا نحو مستقبل مغاير  ولكن قلما يقع نظرك على المعارض الإيجابي الذي يشخص الداء ويشرّح جسد السلطة العليل  ويمتلك آليات و أدوات الإصلاح بما يكفل درء الداء وتصحيح المسار عبر ألوان من الرقابة المستمرة والمتابعة وتقديم  أوجه الدعم والمشاركة عبر برامج ومشاريع إصلاحية قابلة للتطبيق الناجع.ومن أبرز الإيجابيين  المعارضين الذين عرفهم التاريخ عبد الله بن المقفع .

عبد الله بن المقفع نشأته وصفاته:

هو روزبه بن داذويه ولد في قرية جور بفارس، ثم انتقل  إلى البصرة، وتعلَّم العربية، ودرس وتخرج على يد عبدالحميد الكاتب، كان مجوسيا كأبيه وعن سبب تسمية أبيه بالمقفع لاتهامه بسرقة أموال من خراج فارس وكان قد ولّاه عليها الحجاج ابن يوسف الثقفي فعاقبه الحجاج بالضرب على أصابع يديه حتى تفقعت أي تورمت واعوجت وشلت في النهاية ومنها عرف بالمقفع ... تفرد روزبه بالجمع بين الثقافة الفارسية والعربية وحينما أوشك نجم الدولة الأموية علي الأفول والتي كانت شديدة العصبية للجنس العربي كان روزبه على أهبة الإستعداد للإنغماس في النظام الجديد المنحاز للموالي وهو الدولة العباسية الوليدة حيث اتصل بالأمير العباسي  عيسي بن علي (عم الخليفة، أبي جعفر المنصور) والي الكوفة حيث أشهر إسلامه بين يديه وسمى نفسه «أبا محمد عبد الله» وأصبح من كتبة الدواوين  في ولايته.

تميز (ابن المقفع) بذكائه وحكمته فهو المحب لأصدقائه كما يظهر من كتاباته ومنها قوله: "ابذل لصديقك دمك ومالك" وحينما سُئل ابن المقفّع "من أدّبك"؟ كانت إجابته شديدة البلاغة: "إذا رأيت من غيري حسنا آتيه، وإن رأيت قبيحا أبَيْته". وعن حفظ الجميل يقول : (إذا أسديت جميلا إلى إنسان فحذار أن تذكره وإذا أسدي إنسان إليك جميلا فحذار أن تنساه) كما يقول: (إذا بدهك أمران لا تدري أيهما أصوبُ فانظر أيهُما أقربُ إلى هواك فخالفه، فإن أكثر الصواب في خلاف الهوى). كما عرف عنه كراهيته للنساء إلى حد وصفهن بالطعام لاياكله الإنسان إلا إذا جاع والطعام سريع الفساد!

وكان معاصروه يقولون عنه (لم يكن للعرب بعد الصحابة أذكى من الخليل ابن أحمد ولا أجمع، ولا كان في العجم أذكى من ابن المقفع ولا أجمع).

كتاب كليلة ودمنة ورسالة الصحابة:

لعب ابن المقفع دور المعارض الناصح ولكن الحاكم في هذه الحقبة الزمنية أصبغ علي نفسه حكما ثيوقراطيا مطلقا وهو أبو جعفر المنصور فقد خطب في الناس قائلًا: «أيها الناس! إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على ماله، أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه، وقد جعلني الله عليه قفلاً، فإن شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقسم أرزاقكم فتحني، وإذا شاء أن يقفلني عليه قفلني) وبهذا صار الخليفة المتحكم في أرواح الناس وأرزاقهم  فشاع الفساد في أرجاء الدولة وأصبحت الفجوة مترامية بين الفقراء من عامة الناس والأغنياء من البيت العباسي ، و للشاعر «أبو العتاهية» قصيدة ترصد الواقع بجلاء:: (من مُبلغ عني الإمام نصائحًا متوالية/ إني أرى الأسعار، أسعار الرعية غالية/ وأرى المكاسب نزرة وأرى الضرورة فاشية/ وأرى غموم الدهر رائحة تمر وغادية/ وأرى اليتامى والأرامل في البيوت الخالية/ يشكون مجهدة بأصوات ضعاف عالية)

لم تكن ملامح هذا الفساد مستترة على ابن المقفع وقد كان يعمل بالديوان فالأموال تأتي من الأمصار إلى بغداد مقر الحكم دون أن تدون في سجلات وكان يرى أنه لا مناص من الإصلاح بالعودة إلى النظم الإدارية الفارسية، التي استرشد بها الفاروق عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" في بناء الدولة الإسلامية، والدولة تعيش في فوضى من الأحكام فالقضاة لا يستندون في أحكامهم إلى تشريعات أو  قوانين محددة فنبه على حتمية استقلال القضاء والأتفاق على آلية واحدة تسير بها الأحكام.

نقل ابن المقفع قصص كليلة ودمنة من الفارسية إلى العربية  وقد أبدع في الأستعانة بالحيوانات في رمزيات ساحرة متضمنا كتابه  اسقاطات سياسية لا تخفي علي عقل حصيف فيورد ابن المقفع في مقدمة كتابة  قصة ملك الهند(دبشليم) مع الفيلسوف «بيدبا»، فقد كان دبشليم ملكاً على الهند، إلا أنه حاد عن نهج آبائه وأجداده في ارساء العدل بين رعيته فاستصغر شأنهم ، فطغى تجبّر ، فلما رأى بيدبا الملك علي هذا المنوال  جمع تلاميذه مخاطبا إياهم: (اعلموا أني قد أطلت الفكر في الملك وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشر ورداءة السيرة وسوء العشرة مع الرعية، ونحن ما نروض أنفسنا لمثل هذه الأمور إذا ظهرت من الملوك إلا لنردّهم إلى فعل الخير، ولزوم العدل، ومتى أغفلنا ذلك وأهملناه لزمنا من وقوع المكروه بنا وبلوغ المحذورات إلينا ألم الجهال، وليس الرأي عندي السفر من الوطن، ولا يسعنا في حكمتنا إبقاء الملك على ما هو عليه، ولا يمكننا مجاهدته إلا بألستنا، وإني قد عزمت على الدخول عليه ونصحه، وليكن ما يكون) فدخل بيدبا على الملك مقدما إليه النصيحة فغضب الملك وأمر بقتله ثم خفف حكمه إلى السجن.ويشاء القدر أن يتعرض الملك لإحدي المسائل التي يشعر فيها بحاجته لحكمة بيديا فعفا عنه وأوكل إليه إقامة العدل مخولا إليه كافة الصلاحيات في تحقيق ذلك.وفي ذلك رسالة واضحة لأبي جعفر المنصور

كما يهمس كاتبنا في أذن المنصور في ضرورة اختيارحاشيته ورجال الدولة بمعايير من الكفاءة والقدرة لما لحاشية السوء من دور في  إفساد الحاكم وتضليله ونقل الصورة على خلاف الحقيقة لتحقيق مآربهم مما يؤدي في النهاية إلى انفصام عري علاقة الحاكم برعيته فيقول دمنة في باب "الأسد والثور": ( لا أظنّ الأسد إلا قد حمل عليّ بالكذب وشُبّه عليه أمري، فإنْ كان الأسد قد بلغه عنّي كذب فصدّقه عليّ وسمعه فيّ، فما جرى على غيري يجري عليّ )والأسد هنا رمز للحاكم. وقد أفرد رسالة في هذا الخصوص تحت عنوان "رسالة الصحابة" قاصدا بها بطانة المنصور ، موجها إليهم نقدا مريرا لما يرتكبوه من أعمال ذميمة ، فضلا عن انتقاده لمغالاة قادة الجند في تقديم فروض الولاء  للخليفة.

أفكار ابن المقفع:

لقد كان ابن المقفع سباقا في وضع لبنات نظرية العقد الإجتماعي سابقا جان جاك روسو وإن لم يتوسع في الجانب السياسي بحكم طبيعة المرحلة . كانت  أفكار ابن المقفع  تدور حول ضرورة احترام  حقوق الإنسان وتقديرها ، ومنها الحرية ، وإقامة العدل و المساواة الإجتماعية داخل المجتمع  دون تفرقة عنصرية على أساس الدين أو العرق ، كما نادى بتثقيف الجند  وإبعاد القادة والجند عن ولاية الخراج والأمصار فالولاية وما يتبعها من لين العيش هو مفسدة للمقاتلين، وأن يتقاضوا رواتبهم في وقت محدد دراء للعوز الذي قد يقعهم فريسة للخيانة، كما اقترح إحصاء الأراضي وتسجليها بأسماء مالكيها في دفاتر رسمية، وأن يكون المفروض عليها محددا ، على أسس قانونية محددة مما يدرأ عن المجتمع فساد عمال الخراج الذين يستولون على أموال الناس وأراضيهم دون وجه حق.

وعلى عادة المفكرين القدامي كان يرى صلاح الشعب رهنا بصلاح الحاكم فيقول  في رسالة الصحابة ” حسن رؤى الرعية من حسن سياسة الحاكم، وصلاحها من صلاحه”، و  ” الناس على دين ملوكهم”. والصواب أن تربية الشعوب وتعليمها وترسيخ القيم فيها  لابد وأن تكون مسألة مستقلة عن حاكمه صلح أم لم يصلح .فالمصلح والمخلص والمربي مصطلحات عفى عليها الدهر ولم تعد لائقة بشعوب تنشد الحرية و الحياة .

أسباب مقتله:

تعود مسألة مقتل ابن المقفع كما رواها «الجهشياري» في كتابه (الوزراء والكتاب) حينما دب الخلاف بين أبي جعفر المنصور وعمه «عبد الله بن علي» وقاتله على الخلافة؛ فهرب عبد الله إلى أخويه سليمان وعيسى بن علي بالبصرة، فخشي عليه أخواه من انتقام المنصور، مما  دعاهما إلى مناشدة الخليفة حتى يؤمنهما على عمه عبد الله، وكان ابن المقفع كاتبا لدى عيسى بن علي كما أسلفنا فتشدد ابن المقفع في كتابة الأمان، وبالغ في حرصه لمعرفته بغدر المنصور فكتب : «وإن أنا نلتُ عبد الله ابن علي أو أحدًا مما أقدمه معه بصغيرٍ من المكروه أو كبير، أو أوصلت إلى أحد منهم ضررًا سرًا أو علانيةً، على الوجوه والأسباب كلها، تصريحًا أو كناية أو بحيلة من الحيل، فأنا نفيٌ من محمد بن علي بن عبد الله، ومولود لغير رشدة، وقد حل لجميع أمة محمد خلعي وحربي والبراءة مني، ولا بيعة لي في رقاب المسلمين». فاستشاط المنصور غضبا من كاتب الرسالة ابن المقفع  ولم يكن ممن  يطيقون النقد أو يتقبلون النصح، وكان يأخذ بالشبهة عملا بوصية أخيه الإمام إبراهيم صاحب الدعوة" من اتهمته فاقتله " والاتهام في ذلك العصر مرادفا للشك، وعقابه هو القتل وللإمام إبراهيم رسالة شهيرة كتبها لإبي مسلم الخراساني  بقتل أي غلام بلغ خمسة أشبار إذا شك في ولائه !!. نعود إلى مجلس المنصور فقال المنصور : "أما من أحد يكفينيه"؟ وكان والي البصرة  سفيان بن معاوية يكره ابن المقفع فتولى تنفيذ عقوبة القتل بحقه.

أبشع طريقة للقتل عبر التاريخ:

كان بين سفيان وابن المقفع  فيما مضى ما أغضب ابن المقفع فسبّ أمه ونعتها بالمغتلمة أي المرأة التي لا تنطفيء شهوتها من الرجال، فلما ظفر سفيان بابن المقفع قال له: أمي مغتلمة كما كنت تقول إن لم أقتلك قتلة لم يقتل بها أحد!! وتفتق ذهنه عن أبشع صور القتل، قائلا لابن المقفع: والله يا ابن الزنديقة لأحرقنك بنار الدنيا قبل نار الآخرة!  فأمر بتنور أشعلت فيه النيران، وبدأ يقطع من جسد ابن المقفع عضوا عضوا وهو حي، ويلقى بها فى التنور حتى يرى أطرافه وهى تقطع ثم تحرق، قبل أن يحرق  بالكلية  في النهاية .ولكن ابن المقفع قابل مصيره رابط الجأش فأنشد بيتين من الشعر مع أخر أنفاسه

 إذا ما مات مثلي مات شخصٌ ... يموت بموته خلقٌ كثير وأنت تموت وحدك ليس يدري ... بموتك لا الصغير ولا الكبير

 

د.محمد فتحي عبد العال - كاتب وباحث مصري

 

1152 شفاء هاديمبدعة من مدينة الشطرة - الناصرية، عشقت الفن والجمال، ورسمت لوحات فنية معبرة عن الحياة، ذوق جميل، وأنامل أظهرت موهبتهاوقدرتها الفنية في توظيف الريشة في خدمة الإنسان، كان الإبداع والإجماع عنوانها في لوحاته التي عرضت في المعارض الشخصية التي أقامتها، كان نصيبها التكريم بالجوائز، وكتب الشكر، ولابد من الإهتمام بها للوصول بها إلى عالم الفن الراقي، إهتمام  الدولة والشعب وتشجيعها، فهذه ثروة للبلد، الذي هو من البلدان المتقدمة في الفن وأنواعه، شفاء هادي رسمت خطواته نحو طريق التقدم والإبداع، سيرة فنية حافلة بالإبداع الفني، سيرتها ولوحاتها تتحدث عنها.

- شفاء هادي ناصر فنانة تشكيلية

- التولد ذي قار /الشطرة

- التحصيل الدراسي

بكالوريس ادارة واقتصاد/بغداد

بكالوريس فنون الجميلة /بغداد

-الوظيفة الحالية: مدرسة تربية فنية

-عضو في نقابة الفنانين العراقين

-عضو في جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين

اقمت معرض شخصي الاول في مقر الوزارة بعنوان (بنات افكاري)٢٠١٩/٨/١٩.

شاركت بعدت معارض مع كبار الفنانين العراقيين والعرب داخل وخارج العراق

- لدي مشاركات عربية ودولية  منها مصر وامريكا

- حصلت على العديد من كتب الشكر والدروع وشهادات التقديرية

- اعمالي نفذتها بعدت خامات والوان منها الزيت والاكريليك واقلام الخشب

عملت لوحات الحرق على الخشب واقمت دورات تدريبية للحرق على الخشب، اتمنى لها النجاح، وهي في طريقها نحو تحقيق منجزاتها الفنية.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

 

الشخصية السياسية العراقية والحزب الشيوعي

إن إحدى القضايا المهمة بالنسبة لفهم مجرى الصراع السياسي وما آل إليه العراق الجمهوري تقوم في فهم ما يمكن دعوته بالتكوين السياسي للشخصيات التي لعبت دورا مفصليا في تاريخ الدولة العراقية ما بعد ثورة تموز عام 1958. والمقصود بذلك التكوين السياسي لعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف واحمد حسن البكر وصدام حسين وأثرهم السياسي في العراق.

فالانطباع العام المترتب على تأمل وتحليل ودراسة ونقد تاريخهم السياسي في قيادة الدولة يكشف عن أن أياً منهم لم يتسم بخيال سياسي خصب، أو مهارة سياسية لمواجهة إشكاليات العراق المختلفة. والشيئ الوحيد الذي ميز صدام حسين عنهم هو جعله للإرهاب والعنف والغدر السمة الجوهرية للفكرة السياسية. وإذا كان عبد الكريم قاسم يتحمل مسئولية أساسية في نكسة الثورة وتأسيس الجمهورية، فإن صدام حسين بحكم دمويته واستهتاره مسئول عن جرائم وكوارث كبرى حلت بالعراق. وعموما يمكننا القول، بأن كل من عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف واحمد حسن البكر وصدام حسين يتحملون وبأقدار مختلفة مسئولية تاريخية تجاه العراق وما جرى فيه بما في ذلك لحد الآن.

وفيما يخص تاريخ الحزب الشيوعي ضمن هذا السياق، فإن مرحلة الدكتاتورية الصدامية هي الأكثر تأثير وعنفا ودموية وتمزيقا وتخريبا للنشاط السياسي والاجتماعي العراقي بشكل عام وللحزب الشيوعي بشكل خاص.

فقد أدى تخريب وتهديم الجبهة الوطنية إلى انفراد حزب البعث، أو بصورة أدق الدكتاتورية الصدامية للانفراد المطلق بالسلطة. حينذاك تحولت مهمة القضاء الكامل والتام للحزب الشيوعي إلى الشغل الشاغل أو الهمّ والغاية السياسية للدكتاتورية. إذ لم يبق في الواقع غيره ممن يحتوي على إمكانية المعارضة للسلطة الدكتاتورية الآخذة في التوسع والتعمق. فحزب البعث لم يكن حزبا سياسيا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل أقرب ما يكون إلى تركيبة أمنية ووظيفية، أو حزب في جيب صدام حسين، أو مجرد أوراق يمكن سحبها والإملاء عليها ورميها في سلة المهملات.

ففي فترة الحملة الشرسة لتصفية الحزب الشيوعي العراقي بعد عام 1978 حتى أواخر آب من عام 1979 كانت قيادة الداخل تتكون من باقر ابراهيم وعبد الرزاق الصافي وماجد عبد الرضا وعبد السلام الناصري وجاسم الحلوائي ومكرم جمال الطالباني وعايدة ياسين. حينذاك كانت بعض بقايا القيادة الحزبية تأمل في استمرار التحالف الجبهوي، بينما كانت قيادة حزب البعث تصر على تصفية الحزب الشيوعي انطلاقا من اعتقادهم بأن الوضع بات ملائماً وممكناً للقيام بهذه المهمة. وقد كان ذلك أحد الأخطاء الإستراتيجية الهائلة والمدمرة والمميتة لحزب البعث نفسه والعراق بشكل عام.

حينذاك ظهر للمرة الأولى في آذار 1978 تشكيل مركز الخارج للحزب الشيوعي في دمشق، والذي ضم كل من زكي خيري وكريم احمد ومهدي عبد الكريم وفخري كريم. حينذاك جرى اتخاذ القرار بالعودة الإجبارية لأعضاء وكوادر وقيادات الحزب إلى شمال العراق. ومن ثم التبني الرسمي لأسلوب الكفاح المسلح عام 1981. وقبول جيل من الشيوعيين بالوهم الثوري. وكان أحد أسباب ذلك هو عدم شعور قيادة الحزب بالمسؤولية تجاه قاعدة الحزب. وهذه معضلة ومرض تاريخي في قيادة الحزب الشيوعي العراقي. وهناك أسباب أخرى عديدة ومختلفة لهذه المأساة المتكررة في حياة وتاريخ الحزب.

أما تقييم تلك الحالة والمرحلة فالاختلاف فيها كبير ومتنوع. فبالنسبة لباقر ابراهيم يعتبرها حالة لا خيانة فيها. ويصفها بأنها اجتهاد. ومن ثم هو معرض للخطأ والصواب. بينما لا حقيقة في اجتهاد قيادة الحزب. إذ لا اجتهاد فيها وعندها. فمواقفها وتقديرها السياسي عادة ما تنبع من مكامن أخرى لا علاقة لها بالاجتهاد. وفي أغلبها تتسم بطابع خياني تجاه مبادئ النضال الحقيقي، ومليئة بالأبعاد الأنانية والشخصية والفردية. وقد اشار باقر ابراهيم نفسه بهذا الخصوص (وهذا لا يلغي كون تقييمه هو دفاع ذاتي عن نفسه أيضاً)، الى الزمالات الدراسية والعلاج لأعضاء قيادة الحزب وأبنائهم. وكأن بقية أعضاء الحزب وكوادره مجرد خدم لهم! ففي اجتماعات اللجنة المركزية لعام 1981 قاد الحملة الانتخابية في كل مراحلها عضو للجنة المركزية وهو فخري كريم. وهذا يحصل لأول مرة في تاريخ الحزب، كما ينقل لنا باقر ابراهيم. والمقصود بذلك ان فخري كريم قد قاد الأعضاء القادة للحزب الشيوعي. الأمر الذي يشير إلى أي مدى كانت حالة الانحطاط الذي بلغته قيادة الحزب آنذاك. ووفقاً لباقر ابراهيم، فإن عدد غير قليل من الذين رسموا سياسة الحزب خلال فترة التحالف الجبهوي قد انقلب على نحو غير متوازن.

بينما يعتبر عدنان عباس في مذكراته أن سبب انكسار الحزب في تاريخه هو نتاج الدور التخريبي أو نهج المغامرة الذي وسم قادة منذ وقت مبكر. ويشير بهذا الخصوص إلى انه في حال عدم رفع شعار التوجه إلى كردستان لكان ذلك ضربة قاصمة لتكريد الحزب الشيوعي. فقد وفرت العودة الإجبارية لكردستان فرصة ذهبية لتكريد الحزب الشيوعي. وفعلاً جرت تغيرات كبيرة على هذا الطريق والمسعى والهدف. لكن طريقها مسدود في نهاية المطاف. وعلى طريق هذا النهج التخريبي يسرد عدنان عباس القضايا التالية: لقد أصبحت عقلية التمييز القومي وتقليص دور القادة والكوادر العربية تدريجيا نهجاً ثابتاً في الهيئات القيادية وفي مقدمتهم عزيز محمد ويعاونه في ذلك فخري كريم. وقد سرد عدنان عباس سيرة هذا النهج التمييزي بتوسع. فهو يعتبر الاجتماعات الاعتيادية الستة التي جرت للجنة المركزية بين تموز 1979 وتشرين الثاني من عام 1985 عبارة عن دسائس لا غير. كذلك هو الحال مع المؤتمر الرابع للحزب. ونفس الشيئي ينطبق على الاجتماع الطارئ الذي عقد بعد مجزرة بشتاشان. ويعترف عدنان عباس بأن مواجهة هذا النهج التخريبي لم تكن بالمستوى المطلوب. وبعد المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي أصبح باقر ابراهيم وعدنان عباس خارج قيادة لجنة التنظيم المركزي، وخارج قيادة تنظيم الداخل. وأصبحت لجنة التنظيم المركزي وقيادة تنظيم الداخل تحت قيادة كردية خالصة بقيادة عمر الشيخ وإشراف عزيز محمد.

ففي أوائل 1990 نزل عمر الشيخ مع جلال الدباغ وعادل حبة وعدد كبير من لجنة التنظيم المركزي إلى بغداد استعدادا وتحسبا لتطورات محتملة حسب تقديرات عزيز محمد. وكانت جميع الأوكار الحزبية لهؤلاء يقوم بها عناصر متعاونة مع الأمن العراقي. وسكنوا في بيوت كانت قد نصبت فيها أجهزة تنصت، تسجل وتنقل كل ما يدور فيها. وكانت الأحاديث التي تجري بين عمر الشيخ وجلال الدباغ باللغة الكردية. مما يستدعي ترجمتها للغة العربية من قبل مترجم كردي. علماً إن جلال الدباغ أكثر الأكراد كرهاً للكادر العربي في الحزب الشيوعي. لذلك يمكن طرح السؤال عن الاسباب القائمة وراء ارساله للعمل في تنظيمات بغداد؟ وما هي الأهداف القائمة وراء ذلك؟ وقد قال المترجم الكردي لاحقا، بأنه شعر باحتقار شديد تجاه نفسه. مما دعاه للسفر إلى دهوك ولقاء مسعود برزاني. وأخبره بأنه يريد اطلاع الحزب الشيوعي العراقي لما يجري لكوادره في بغداد. على إثر ذلك اتصل مسعود البرزاني بعزيز محمد وأخبره بما يجري في بغداد. وبأثر ذلك بعث عزيز محمد حميد مجيد موسى إلى دهوك لمقابلة المترجم الكردي الذي اخبره بكل التفاصيل وكذلك بالبواعث التي دفعته للاعتراف بما يبوح به حالياً. بعد ذلك تم سحب عمر الشيخ وبقية الكوادر الحزبية من بغداد وفق خطة معينة. وكان ذلك في أواخر 1992. أما لماذا انتظر الأمن العراقي كل هذه الفترة، فإنه وفقاً للرفيق الذي روى لي هذه التفاصيل، تقوم في أن الأمن العراقي كان يريد استدراج المزيد والمزيد من الكوادر إلى بغداد. ومن ثم يضرب ضربته القاضية. هذه الواقعة تعكس غباء وسذاجة وأوهام القيادات الكردية، التي كانت تعتقد أن بإمكانها قيادة العراق من خلال العمل السياسي والتنظيمي لعمل عصابة كردية داخل الحزب الشيوعي العراقي. وإن هذه الواقعة جرى طمسها لأنها تكشف حقائق عديدة عن الكيفية التي جرت فيها ومن خلالها التطورات التنظيمية داخل لجنة التنظيم المركزي. وما هي أهداف هذه التغيرات التنظيمية والتي تستهدف تكريد الحزب الشيوعي لأغراض كردية. لقد اعتقد عزيز محمد أن قيادة الحزب باتت تحت سيطرته دون منازع. ولجنة التنظيم المركزية تحت إشرافه المباشر والقوي. وكذلك تنظيمات بغداد والفرات الأوسط والمنطقة الجنوبية!

ان توظيف الحزب الشيوعي العراقي لأهداف كردية بات حلم عزيز محمد. وقد كان ذلك احد الأسباب الأساسية لإشكاليات الحزب الشيوعي العراقي. لاسيما وان احدى الامور الجلية بالنسبة لمن يمتلك القدر الضئيل من العقل تقوم في أن التكريد تؤدي بالضرورة إلى إعاقة تطور الحزب وتقدمه، إضافة إلى إضعافه البنيوي ومن ثم القضاء عليه. من هنا المأزق التاريخي للحزب. ومع ذلك ما زالت باقية لحد الآن فكرة التكريد في ادبيات الحزب الشيوعي العراقي، بالرغم من اختفاء رموزه. بل نرى ذلك أيضا في ما يسمى بالحزب الشيوعي الكردستاني الذي هو اشد قومية من الأحزاب الكردية القومية نفسها! الأمر الذي يستلزم من الحزب الشيوعي العراقي التخلص النهائي من التكريد أشخاصاً وأفكار. إن أخطر ما بقى من التكريد في الحزب الشيوعي هي أفكار التكريد.

إن هذه القضية التي يجري أحيانا الإشارة إليها في مذكرات قادة الحزب تبقى إلى جانب غيرها مجرد سرد وإشارات لا تحليل فيها للأسباب والنتائج. وينطبق هذا على كافة المذكرات دون استثناء، كما لو إنها حكايات وروايات للمتعة. والاستثناء النسبي الوحيد هو ما جاء في كتاب عزيز سباهي (عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي). لكنها تبقى مع ذلك ضعيفة جداً.

في مذكرات ثابت حبيب العاني صفحات من السيرة الذاتية. لكن ما هي القيمة التاريخية لمذكرات العاني؟ وما هي أهم الوقائع والأحداث التي تناولتها المذكرات؟ ما هي إضافاتها لتاريخ العراق؟ هل هي تمثل قراءة جديدة لتاريخ العراق؟ مذكرات ثابت حبيب العاني تتجاهل الفترة من 1980 وما بعدها. بينما هي الفترة التي شهدت الدور التخريبي الكبير لعزيز محمد. لذلك لا غرابة أن تنشر مذكرات العاني من قبل دار الرواد التابعة للحزب. إن مذكرات ثابت حبيب العاني جداً محدودة. وهي مبتسرة جداً لأسباب تتعلق بثابت حبيب العاني أو بعائلته. إلا أن المذكرات تذكر أن الوفاة حالت دون استكمالها كما ينبغي. كما انه يتناول فيها قضية التكتل الرباعي بصورة تبريرية. بل تقترب من نفي وجود تكتل رباعي! وهذا ما يثير الاستغراب ويضعف مصداقية مذكرات ثابت حبيب العاني. فقد سبق لسلام عادل وأن اتهم العاني بدعم التكتل الرباعي. وهو ما يذكره العاني نفسه في مذكراته. إلا انه يستغرب هذا الاتهام! ويتسائل: لماذا لم يستخدم الحزب الشيوعي العراقي قوته الهائلة في الجيش في مواجهة الانقلابين، أو استلام السلطة بعد بروز فردية قاسم في الحكم؟ ويجيب العاني على تساؤله بالنقاط التالية:

- النقص الوحيد هو التوجه السياسي للحزب

- عدم تطبيق الخطة التي قدمت من قبل اللجنة العسكرية لقيادة الحزب

- الصراع السياسي الحاد داخل قيادة الحزب.

وفي مذكرات عزيز الحاج (حدث بين النهرين) يبرز السؤال المتعلق بالقيمة التاريخية لمذكراته؟ وما هي أهم الوقائع والأحداث التي تناولتها؟ وما هي إضافاتها لتاريخ العراق؟ هل هي تمثل قراءة جديدة لتاريخ العراق؟ إن مذكرات عزيز الحاج (حدث بين النهرين) هي خلاصة مذكراته المختلفة ولا تمتلك أية قيمة فكرية أو سياسية. وهذا امر طبيعي أو نتيجة منطقية، لأنها مثلت مذكرات شخص يبحث عن تبريرات ومسوغات لجبنه وخيانته.

أما (مذكرات النصير) لفيصل عبد السادة الفوادي (مسيرة الجمال والنضال) فتمثل مسيرة عامل مكافح ومناضل في الحزب الشيوعي وحركة الانصار. وفيها نعثر على الوهم الثوري والتحدي الثوري للقمع والإرهاب. وهي أفضل المذكرات التي قرأتها عن حركة الانصار. وتعكس جوانب عديدة ومتنوعة عن حركة وحياة الانصار.

أما مذكرات عدنان اللبان (وشم ذاكرة الانصار) والنصير سلام فواز العبيدي (ذكرياتي عن حياة الانصار. وجهة نظر كردي) ومذكرات القادة الآخرين للحزب الشيوعي وكذلك عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي لعزيز سباهي لا تخرج عن هذا الاطار. واستعراضهم هو مجرد تكرار. ومن الممكن اضافة العشرات بل المئات من الذكريات والمقابلات التلفيزيونية واللقاءات الصحفية حول تاريخ الحزب ككل، إلا أن أغلبها، إن لم يكن جميعها أقرب إلى السرديات والحكايات "الجميلة" والملطفة لما كان يجري من أحداث دامية وقاسية. كما أن أغلبها يتصف بالتبرير والمراوغة. وتخلو جميعها من الرؤية النقدية التاريخية السياسية والأخلاقية العميقة لما جرى، كما أنها جميعها تخلو من فكرة البدائل. دعك عما في بعضها من اكاذيب. واكتفي هنا بحادثة واحدة لأنها تخصني، ومن ثم فإن الحكم فيها يقترب من اليقين الذي لا مجال للشك فيه. ففي مقابلة من قسمين مع حسان عاكف اجراها معه حميد عبد الله، نعثر فيها على كذب حسان عاكف فيما يتعلق بالمؤتمر الرابع للحزب الشيوعي العراقي الذي عقد عام 1985 في شمال العراق. وكنت أحد المندوبين الأكثر بروزا في المؤتمر. وهو أمر يتعلق بتاريخي السياسي وإمكانياتي الفكرية والعملية وبالاخص بملاحظاتي على وثائق المؤتمر. وكنت حينذاك في الثانية والثلاثين من العمر. والمقصود بكذب حسان عاكف هنا هو قوله عما جرى فيما يتعلق بتخويل عزيز محمد باختيار عشرة أعضاء للجنة المركزية ومعايير اختيارهم. وهي معايير لم تكن تنطبق عليه. وبحضور المندوبين الذين اعتبروا ان أول من تنطبق عليه هذه المعايير هو أنا. لكنني كنت قد اتخذت قراراً بيني وبين نفسي في اليوم الثالث للمؤتمر بالاستقالة من الحزب. ووراء ذاك كانت هناك أسباب عديدة. إلا أن الذي فّجر هذا القرار في نفسي في الليلة الثالثة من المؤتمر، حيث كانت تعقد جلسات المؤتمر ليلاً لأسباب أمنية، هو مقاطعة كلمتي في المؤتمر من قبل عبد الرزاق الصافي الذي كان يعرف النقاط التي كنت اريد قولها والدفاع عنها، رغم انه لم يكن رئيسا للجلسة، بل عمر الشيخ وهو شخصية صامتة كالصنم يصعب فهم كيفية حديثه أو كلامه في اجتماعات اللجنة المركزية، وكيف يمكن أن يكون عضوا في المكتب السياسي للحزب. وهذه من غرائب وعجائب القيادة في الحزب الشيوعي العراقي.

كما لم يكن عزيز سباهي أمينا في نقل مقابلاته مع باقر إبراهيم. وهذا يطعن في مصداقية كتابه (عقود من تأريخ الحزب الشيوعي). إن غربلة مختلف المقابلات التلفزيونية والصحفية وكذلك الذكريات الشخصية وصولاً للحقيقة هو جهد مضني لكنه ضروري. من مجموع كل مذكرات قادة الحزب ومقابلاتهم الصحفية والتلفزيونية يصل المرء إلى استنتاج يقول، بأن قيادة الحزب لم تكن فاقدة للكفاءة فقط، بل وغارقة في الذاتية والدسائس. وهو السبب الأساسي في كوارث الحزب.

إشكالية القادة والقاعدة

إن كل هزائم الحزب كما تكشف ملابساتها ومجرياتها الواقعية تشير إلى أن السبب الأساسي هو في نوعية القيادة السياسية للحزب. كما أنها تكشف في الوقت نفسه عن أن قواعد الحزب الشيوعي أكثر وعيا وجرأة وإخلاصا ومبدئية وتضحية وتفاني من هذه القيادات الجبانة والانهزامية والفاسدة. إذ لم تتعدى جرأتها في الأغلب وحميتها العنيفة سوى في تسابقا وأبنائها للحصول على امتيازات زهيدة كانت تمنحها بلدان المنظومة السوفيتية.

تختلف قواعد الحزب الشيوعي اختلافا تاماً وجذرياً عن قياداتها. وهذا بحد ذاته مفارقة غريبة. وإذا كان قاموس الجبن بمختلف مفرداته حليف قيادة الحزب ااشيوعي، فإن مفردات قاموس التضحية والإخلاص حليف قواعده. وإذا كانت قواعد الحزب تستحق الاحترام والتقدير والتبجيل، فإن قادته تستحق الازدراء والاحتقار.

كل ذلك يدفع بدوره مهمة إعادة تقييم الشخصيات القيادية في الحزب لما فيه من أهمية بالنسبة للمستقبل من جهة، ولفكرة القيادة السياسية وأسلوب تطويرها من خلال النقد والإطاحة بالفاشلين وتعريضهم للنقد والمحاكمة السياسية والأخلاقية من جهة أخرى.

تقييم الشخصيات القيادية الحزبية

تجدر الإشارة هنا إلى أن المقصود بالشخصية هو مجرد الاشارة للشخص وليس بمعناها الفكري والثقافي، وذلك لأن الأغلبية المطلقة من قيادات الحزب على امتداد تاريخه ولحد الآن هم بمعايير اللغة الدارجة والمعروفة أقرب إلى الإمعات. بل انهم في الواقع اتعس وأرذل. وسوف اكتفي بنماذج "شهيرة" من اجل توضيح الفكرة أولا وقبل كل شيئ وبالأخص ما يتعلق بجانبها الأخلاقي. أما الحكم السياسي فهو واضح على مثال مجريات التاريخ الفعلي ونتائجه الكارثية.

عزيز محمد. لقد تبين فيما بعد بأنه لم يكن بسيطا وساذجا وسهلا، أي على عكس ما توقع زكي خيري وبهاء الدين نوري وعامر عبد الله، الذين اعتقدوا أن بإمكانهم إزاحته لاحقاً بعد انتخابه في اجتماع براغ 1964. لقد اظهر قدر من البراعة في المؤامرة والمغامرة أكثر منهم. وكانت "براعته" في الأغلب محصورة بالسكر والنساء. الأمر الذي مكّن فخري كريم من توريطه في قضية ما يعرف "أم عرفان" في دمشق. كما عرف عن عزيز محمد دفاعه القوي عن فخري كريم في سرقات دار الرواد.

زكي خيري. لا يمكن الثقة بكافة تقديراته العملية والسياسية. ومن حيث الواقع هو  "مثقف" أبله.

عبد الرزاق الصافي. أقرب ما يكون إلى كاتب عرائض ساذج. أدى دور موظف عند قادة الحزب السذج بالمعنى المعرفي والدهاة بالمعنى الحزبي الضيق.

كاظم حبيب: مهرج متقلب ويتسم بقدر كبير من الرعونة. ويكفي المرء استعراض ما كتبه قبل مرحلة الجبهة الوطنية وفي مجراها وبعدها وفي ومرحلة "الأنصار" والمرحلة اللاحقة ولحد الآن ليعرف ذلك. وغير معروف السبب وراء ما يقال بحرق كتبه من جانب عبد الرزاق الصافي، الذي استلم إعلام الحزب الشيوعي منه خلال فترة حركة الأنصار في شمال العراق.

فخري كريم. وهو نموذج للنذالة والسفالة والانحطاط الأخلاقي والسياسي والنزعة النفعية. كما انه نموذج للمراوغة والاصطياد الدائم "للقادة" السذج في الحزب.

حمبد مجيد موسى. من أهم صفاته كونه لئيم وأناني وجبان. كما انه انبطاحي من "الدرجة الأولى" أمام الأكراد. والانبطاح صفة ملازمة له من أيام صباه.

عزيز الحاج. هو نموذج للخيانة. وكشفت الأحداث الأخيرة والإعلام عن عورته وكل ما فيها من أوساخ.

إن هذه النماذج القيادية وكثير غيرها تكفي بحد ذاتها لتسليط الضوء على ما كان يجري وكيف جرى ولماذا جرى من هزائم مستمرة بحيث أدت في نهاية المطاف إلى ضمور إحدى أهم القوى السياسية الاجتماعية في العراق الحديث والمعاصر.

 

يوسف محمد طه

.......................

ملاحظة: هذه هي الحلقة الأخيرة مما استطعت تنقيحه وتحضيره للنشر. وقد نفذت وصية المؤلف، عندما كتب هذا الكتاب أو سعى لكتابته بطريقة أخرى، لكن المرض وأعراض الموت قد حالت دون ذلك. وقد صادف أن نشرت أول حلقاته في يوم وفاته. وبهذا أكون قد مددت حياته لعشرة أيام إضافية على صفحات (المثقف)! وهذا اقل ما كان بإمكاني تقديمه له. وبقي أن انجز تنقيح وتدقيق وتحقيق ما تركه لي كوصية أيضا كتابه (العقل والطبيعة). وهو ما سأقوم به بالتأكيد كل ما تسمح به ظروفي. وتوفي قبل فترة احد طلبتي الموهوبين في مجال الصحافة. وترك عندي عدد مما كتبه وما نشره مما لم ينشر على صفحات المواقع الالكترونية. وسوف احيي ذكراه بها قريبا لكي تكون في متداول من يهتم بالقضايا التي كتبها.

 (ميثم الجنابي)

 

استراتيجية وتكتيك الحزب الشيوعي: من انتكاسة إلى أخرى

بعد هزيمة ونكبة الثامن من شباط عام 1963 كثرت التكتلات والانشقاقات والميل للتطرف. وبلغ هذا الانشقاق ذروته في ظهور ما يسمى بالقيادة المركزية برئاسة عزيز الحاج. غير أن ذلك لا يعني انه الانشقاق الوحيد. فقد شهد منتصف الستينات من القرن الماضي العديد من التكتلات الحزبية. وأغلبها كان بمعنى ما انعكاسا لهزيمة 1963، وفي الوقت نفسه تعبير عن التمرد داخل الحزب نفسه. غير أن انشقاق عزيز الحاج كان ذروتها. ولعل الطابع التخريبي الأشد لهذا الانشقاق يقوم في نتائجه بعد إلقاء القبض على عزيز الحاج وانهياره وانهيار القيادة المركزية في شباط 1969.

إن هذه الصيغة الدرامية التي لا تخلو من تسخيف للعقل والضمير والإرادة، كانت في الوقت نفسه نتاجا ملازما لطبيعة التحولات التي جرت داخل الحزب نفسه بأثر هزيمة 1963. فقد ظهر أول الأمر ما يسمى بخط آب عام 1964 الانهزامي، وبالأخص ما يتعلق منه بتبرير حلّ الحزب الشيوعي والاندماج في الاتحاد الاشتراكي لعبد السلام عارف ربيب جمال عبد الناصر وشركات النفط والسفارات والمخابرات الغربية في انقلاب شباط 1963. وهي تبريرات ساذجة وسخيفة تعكس درجة الانحطاط التي انحدرت إليها قيادة الحزب الشيوعي العراقي آنذاك.

ولاحقا ظهور ما يسمى بتيار العمل الحاسم في عام 1965 بقيادة عامر عبد الله في مناقشته لتيار آب الانهزامي. غير أن "العمل الحاسم" كان بالاسم والعنوان فقط. أما في جوهره وسلوكه العملي الفعلي فقد كان ثوريا كاذبا. انه أقرب إلى اللعبة في انتقال قيادة الحزب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار دون أي تأسيس نظري وسياسي عملي لهذا الانتقال.

وبأثر هذا التيار الانهزامي جرى انتخاب عزيز محمد سكرتيرا للحزب عام 1964. ولم يكن عزيز محمد نفسه مقتنعاً بقدرته التي تؤهله لقيادة الحزب. فقد كان هو نفسه يعتبر اختياره نتيجة لأسباب توافقية بين جبناء ومهزومين! فماذا يمكن أن تكون نتائجه غير التي ظهرت لاحقاً بأثر قيادة هذا المسخ الملتحف بالكذب والخداع والمراوغة والجبن تحت غطاء التوفيق بين جبناء ومهزومين على مصير الحزب والمجتمع والعراق؟ فقد كان التيار الانهزامي بأشد الحاجة لمثل هكذا "قائد" يغطي عوراتهم المكشوفة، ومن ثم الاستمرار في سلوك الهزيمة والجريمة والغطس في وحل امتيازات بلدان المنظومة السوفيتية.

لقد استشهد فرسان الحزب مثل سلام عادل وجمال الحيدري وأمثالهم، وبقت بغال الحزب أمثال عامر عبد الله وبهاء الدين نوري وزكي خيري. فلم يكن أمامهم أفضل من عزيز محمد سكرتيراً للحزب كأفضل غطاء لعارهم وجبنهم. وكانوا يعتقدون أن بإمكانهم إزاحته لاحقاً. لكنه تبين فيما بعد، بأن هذا المسخ أكثر براعة ومراوغة ودهاء منهم!

إن كل هذه الحالة المخيبة والمريبة والمثيرة للاشمئزاز والتقزز بحاجة إلى قاموس لغوي سياسي خاص يوصف ما فيها وعليها. فقد كانت هي سلسلة من الأعمال التي يمكن ترتيبها بالشكل التالي: الانبطاح أمام عبد الكريم قاسم في تموز عام 1959 وما بعده. ثم قوة منكسرة ومهزومة في الثامن من شباط 1963. ثم خط آب لعام 1964 الانهزامي والتصفوي. ثم "العمل الحاسم" لعام 1965 الثوري الكاذب. ثم انشقاق "القيادة المركزية" في أيلول 1967؟ ثم التراجع غير المنظم بعد فشل الجبهة الوطنية عام 1979. ثم مغامرة الأنصار.

باختصار، إننا نقف أمام مواقف خيانية متتالية تجسدت لاحقا أيضا في المواقف "المصيرية" تجاه العراق بدأ من الحرب العراقية الإيرانية والحصار الأمريكي للعراق، وأخيرا العدوان الأمريكي المتكرر والمستمر من عام 1991 حتى الاحتلال عام 2003. وما بعد ذلك نقف أمام قيادة عميلة بكل ما للكلمة من معنى في موقفها من الاحتلال الأمريكي، ثم مشاركتها في الحكم الخاضع لسيطرة الاحتلال.

الجبهة الوطنية: خلل الفكر السياسي والمواقف العملية

لقد جرى الإعلان عن الجبهة الوطنية يوم السابع عشر من تموز عام 1973. بينما بدأت الحركة صوب التحالف عام 1972 عندما وافق الحزب الشيوعي على المشاركة في الوزارة. وأعطى لهذه المشاركة والتقارب قوة دفع اكبر بعد انكشاف محاولة الانقلاب التي أراد القيام بها عبد الغني الراوي. كما لعب الحزب الشيوعي ومكرم جمال الطالباني دورا في تحذير أحمد حسن البكر من الإنقلاب. كما أن الوضع عشية تموز 1973 كانت تتميز بالتعقيد والحساسية. حيث اتخذ قرار تأميم النفط وتحسين العلاقة بالاتحاد السوفيتي والاعتراف بجمهورية ألمانيا الديمقراطية. وعموما إن الاتفاق على قيام الجبهة الوطنية لم يجر بمعزل عن حالة درامية وتناقضات وصراع بما في ذلك داخل الحزب. وعموما يمكننا القول، بأنه كان من الممكن رفض التحالف الجبهوي، غير انه كان من الصعب جدا رفع شعار إسقاط السلطة. إذ لم يكن لهذا الشعار مقومات مادية واجتماعية وسياسية داخلية وخارجية. غير ان الممكن الأكبر آنذاك هو تبني نهج المطالبة بإطلاق الحريات العامة، وإنهاء الفترة الانتقالية لحكم مجلس قيادة الثورة، وإجراء انتخابات لجمعية تأسيسية تقر دستور دائم للدولة.

إلا أن الفكر السياسي للحزب الشيوعي العراقي آنذاك لم يواجه هذه القضايا باعتبارها تحديات تاريخية سياسية مهمة ومصيرية. ولم تكن عنده رؤية إستراتيجية في ما يتعلق بفكرة الجبهة الوطنية وسبل تطويرها وإمكانيات هذا التطوير. فقد كانت الجبهة الوطنية، كما كشفت الأحداث لاحقا، بأنها مجرد تكتيك جديد لحزب البعث من اجل تثبيت سلطته. كما كان يلازم سياسة الحزب الشيوعي الوهم السياسي القائل، بإمكانية أن تكون الجبهة الوطنية خيارا نحو بناء الاشتراكية.

إن قبول الحزب الشيوعي بالانضمام إلى الجبهة الوطنية لم يكن معزولا أيضا عن الضغوط التي تعرض لها. إذ تشير المعطيات والوثائق، بأن عزيز محمد هو الذي كان يدفع باتجاه التحالف، لأسباب عديدة بينها دفع سوفييتي بهذا الاتجاه. ومن حيثيات اجتماعات اللجنة المركزية للحزب آنذاك يتبين دور عزيز محمد في دفع احمد باني خيلاني للتصويت لصالح التحالف مع البعث في الجولة الثانية من التصويت. فبعد إن كان التصويت في الجولة الأولى ثمانية ضد التحالف وسبعة معه، فإنه أصبح في الجولة لثانية ثمانية مع التحالف مقابل سبعة ضده. وهو مؤشر على طبيعة الاختلاف الحاد داخل الحزب بصدد الدخول في الجبهة.

لقد قامت الجبهة الوطنية بعد خمس سنوات من حكم البعث. وأصبحت خيار لابد من التفكير به وفي بدائله. منذ منتصف السبعينات ولاحقاً لم تتوفر أية إمكانية لإسقاط سلطة البعث من جانب الحزب الشيوعي. ولعل فشل القيادة المركزية تعبير صارخ بهذا الصدد. بمعنى أن الإمكانية الفعلية وآفاقها المستقبلية بالنسبة للحزب الشيوعي آنذاك كانت تقوم في العمل من اجل ترسيخ فكرة النظام الدستوري الشرعي وفكرة الانتخابات الديمقراطية. فقد كان آنذاك موجودا جيل السبعينيات من الشيوعيين، الذي يشكل العمود الفقري للحزب. كما كان توزيع ادبيات الحزب وصحيفته (طريق الشعب) ومجلته (الثقافة الجديدة) له تأثيره الواسع والكبير. وعموما يمكننا ملاحظة وجود قضية مشتركة لفترتي 1958-1963 وفترة 1968-1978 يقوم في عدم إدراك ضرورة ونتائج طرح فكرة الدولة الدستورية القانونية وشرعيتها.

أما لماذا تخلف الفكر الدستوري والفكر السياسي الدستوري في العراق، فإن الجواب عليه يقوم في أن مختلف السلطات التي تداولت على الحكم لم تهتم أو تفكر في تطوير النظام السياسي في العراق. ومن ثم العمل من اجل تهذيب السلطة وتحولها إلى سلطة في دولة دستورية، السيادة فيها للشعب قولاً وفعلاً. إذ لم يقبل عبد الكريم قاسم ولا حزب البعث بالدولة الدستورية القانونية والانتخابات. كما أهمل الشيوعيون فكرة الدولة الدستورية. وقد تكون هناك أسباب عديدة لهذا الإهمال من بينها عدم إدراك الأهمية السياسية والتحريضية والشرعية للفكر الدستوري، وكون التفكير الماركسي الطبقي التقليدي كان وراء تخلف الفكر الدستوري القانوني عند الحزب الشيوعي.

عموما، إن مجمل الأحداث السياسية ومسارها التاريخي قد أدى في نهاية المطاف إلى انهيار الجبهة الوطنية وتعرض الحزب الى كارثة جديدة لا تقل عما واجهه عام 1963. أما فكرة إن الإنسان العاقل لا يلدغ من جحر مرتين، فإنها لا تنطبق على  قادة الحزب الشيوعي. انهم بلا عقل ولا إيمان!!

إن المسار الفعلي في العراق جرى باتجاه تبيت وتقوية سلطة البعث وهيمنته شبه المطلق على كل مفاصل الوجود الفعلي للدولة. ففي البداية جرى كسب الشيوعيين وتحييدهم. ولاحقا قضى على مختلف أشكال ومستويات التمرد الكردي بعد اتفاقية الجزائر عام 1975. ولازم هذا التحول الداخلي تغيرا خارجيا في المواقف السياسية من خلال الاهتمام بالعلاقة مع فرنسا على غيرها من الدول. بينما اعطى نجاح تأميم النفط وزيادة عائدات الدولة استقلالية كبيرة في تثبيت نهج البعث وسياسته الداخلية والخارجية. ففي الداخل أخذت تجري بوتيرة قوية التحولات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية، ومن ثم اتساع القاعدة الاجتماعية للسلطة. كما كان بإمكان السلطة وأجهزتها الأمنية معرفة كل ما له علاقة بالحزب الشيوعي بما في ذلك اختراقه بواسطة العملاء والمخبرين وغيرها من الوسائل.

حركة الأنصار : انتصار الهزيمة

لقد شكلت حركة الانصار بعد عام 1980 مرحلة اضافية في زمن النكبات السياسية للحزب الشيوعي. وتركت بصماتها العميقة في كل اخاديد الوجود السياسي والأخلاقي والوطني والقومي للحزب. وقد انقسم تقييمها التاريخي والسياسي في الحزب إلى جهتين، الأولى هي من جانب قواعد الحزب وتتسم بالنقد الحاد لكل ما فيها ونتائجها. والثانية من جانب قيادات الحزب وهي على طرف نقيض من تقييم القواعد الحزبية. وفيما لو جرى اختصار ما شاهدته وسمعته من مقابلات تلفزيونية فمن الممكن وصفها وتقييمها بالشكل التالي: مقابلة لمكرم جمال الطالباني ونعثر فيها على شخصية رزينة ومحترمة. وينطبق هذا على مذكراته. عزيز محمد: مراوغ من الطراز الأول. وهذا سرّ احتفاظه بقيادة مجموعة قيادية رثة وبليدة وفاسدة وغير متجانسة. همها الأساسي كان الامتيازات الحزبية التي تتمتع بها في بلدان المنظومة السوفيتية. وهذا هو الجامع الوحيد الذي يجمعها سوية في هيئة واحدة تحت قيادته. فقد كان عزيز محمد موزع امتيازات الفساد والإفساد التي تمنح من قبل بلدان المنظومة السوفيتية. وهو امر جلي في المقابلة رغم وضوح الترتيب المسبق لها من قبل مرتزقته ومتملقيه. أما المقابلات التي قام بها كل من بهاء الدين نوري وكريم احمد وعزيز الحاج وحميد مجيد موسى فقد كانت تتصف بالبلادة والركاكة.

لقد أدى القيام بحركة الانصار (1979-1988) إلى نتائج دفع الحزب ثمنها بانهياره شبه التام. والأسباب هي على التوالي:

أولا: لقد كانت حركة الانصار مبنية على أساس وتقدير سياسي خاطىء.

وثانيا: إن موقف وعلاقة الحزب الشيوعي بالحركة الكردية المسلحة خلال اعوام 1974-1975 لم يكن يشجع أو يسمح بقيام حركة أنصار وسط حركات كردية معادية للحزب الشيوعي. وقد تكون حادثة بشتاشان في  أيار 1983 أحد مظاهرها الفاقعة. بحيث كشفت عن حقد أعمى لقومية صغيرة عمياء.

ثالثاً: الصراع الدموي بين الأجنحة الكردية المسلحة.

ومن الممكن الانطلاق والاتفاق مع الفكرة أو الاستنتاج الذي توصل إليه عزيز شريف عندما اعتبر سياسة الحزب في هذه القضية سلوكا انتحاريا، نحر كوادر الحزب وأنصاره. وبالتالي، فإن قيادة الحزب هي المسئولة عن كل ذلك.

اضافة لذلك، إن حركة الانصار لم تكن طوعية. كما أنها كانت في بداياتها أقرب إلى أوهام ثورية رومانسية (من جانب القواعد). ومع ذلك كانت إلزامية في بدايتها لإجبار القواعد "المشاكسة" للانخراط والاشتراك في معارك خاسرة بالضرورة، أي لاستهلاكها وقتلها والحصول على "شرف قيادة " "حزب الشهداء". وفي مرحلة معينة كانت تمثل نوعا من العقوبة. لهذا تحول الوهم الثوري الرومانسي بعد الهزيمة إلى خيبة أمل قاتلة.

واستمر هذا الخلل البنيوي في المؤتمر الوطني الرابع للحزب الشيوعي عام 1985. وبالأخص ما يتعلق منه بالصراع الفكري السياسي حول تقدير الوضع السياسي في العراق وحوله. فقد كان من أسباب هذه النتائج هو ضعف الحركة الاجتماعية الجماهيرية. وللالتفاف على هذا المفهوم كان لابد من حركة الانصار. بينما كان ينبغي أن تقتصر على منظمة اقليم كردستان للحزب الشيوعي. وأن لا يكون الحزب مطية لمنظمة الإقليم. وأن لا يكون فريسة الجلاليين والبرزانيين. وقد وصف عزيز شريف هذه الحالة بصورة سليمة عندما قال، بأن لحزب الشيوعي وضع رقبته بين عجلات الحركات الكردية المسلحة. فقد كانت قيادة الحزب الشيوعي في تلك المرحلة قيادة مستكردة وتتصف بقدر كبير من الصلف والانحطاط الأخلاقي والعقلي. واقترفت جريمة بشعة بحق الشيوعيين العراقيين. ونعثر على الكثير من الوقائع التي تظهر كيف وضعت رقاب الحزب وأتباعه بين عجلات الحركات الكردية المسلحة. مع انه كان شريكا لعزيز محمد في اتخاذ قرار إعادة حركة الأنصار، عندما كانا معاً في موسكو! أما النتيجة النهائية لحركة الانصار فقد كانت خسائر كبيرة، وخيبة أمل جيل الوهم الثوري الذي سار خلف قيادة غير جديرة. بمعنى سقوط الوهم القائل بإمكانية إسقاط سلطة البعث، بينما كانت هناك الكثير من الأسباب التي تجعل من هذه المهمة امرا مستحيلا آنذاك. ولعل الأسباب التي جرت الإشارة إليها كافية بهذا الصدد. بينما كانت هناك عوامل إقليمية ودولية تقف بقوة ضد التغير الجيوسياسي في المنطقة، وبالاخص بعد الثورة الإسلامية في ايران.

وقد كانت معركة بشتاشان ونتائجها السلبية القاهرة على الحزب الشيوعي قد أدت إلى انهيار حركة الأنصار والكفاح المسلح في عام 1988. وترافق ذلك مع وقف إطلاق النار في الحرب العراقية الإيرانية. ذلك يعني إن نشوء وانهيار حركة الأنصار كان مرتبطا بالحرب العراقية الإيرانية. وهناك الكثير من الشواهد التي تدل على كيفية ضغط إيران على مواقف الحزب الشيوعي. فبعد احتلال القوات الإيرانية لميناء الفاو العراقي، اصدر الحزب الشيوعي بياناً من دمشق لم تتقبله إيران. مما جرى التضييق على دخول وخروج الحزب الشيوعي إلى ومن إيران. مما اضطر قيادة الحزب الشيوعي العراقي من إصدار بيان ثاني من كردستان العراق بما يلبي الضغوط الإيرانية.

الحرب العراقية الإيرانية ونتئجها: أوهام ورغبات!

بغض النظر عن الأسباب الفعلية العلنية والمستترة وراء نشوء الحرب الإيرانية العراقية، كان ينبغي للحزب اتخاذ دعوة الوقف الفوري للحرب وحل النزاع سلمياً. والمساهمة في قيادة نضال سياسي عراقي إقليمي دولي لوقف الحرب فورا. إضافة إلى إدانة اندلاع الحرب واستمرارها، وكذلك شجب تصدير الثورة الى الخارج. والأهم من ذلك أن يجري العمل من اجل إنهاء الفترة الانتقالية وحكم مجلس قيادة الثورة، الذي طال كثيراً بصورة لا مبرر لها، أي العمل من اجل دولة دستورية قانونية، وليس الانهماك في مشروع اجنبي من حيث الجوهر وانتهازي من حيث الوسيلة، أي العمل من اجل "حركة أنصار" في منطقة موبوءة بالعداء للحزب الشيوعي وقواعده العربية.

الحرب العراقية الكويتية

كانت الحرب العراقية الكويتية استمرارا للحرب العراقية الإيرانية. إضافة إلى ما فيها من أسباب تتعلق بتاريخ العراق ورقعته الجغرافية، والأسباب الجيوسياسة لمطالبة العراق بضم الكويت. وبالقابل وجود الأسباب الجيوسياسة لمعارضة هذا الضم. فقد طالب وسعى الملك غازي بضم الكويت. بينما عارضت بريطانية آنذاك هذه السياسة، والتي انتهت بمقتل غازي. ونفس الشيئ كان الحال بالنسبة لسياسة عبد الكريم قاسم بهذا الصدد والتي انتهت بتلاقي المعارضة الكولونيالية والقومية الناصرية والسلطات التقليدية في الخليج ضدها. وانتهت هذه الأزمة بمقتل عبد الكريم قاسم أيضا. وقد لاقى صدام حسين نفس المصير بأثر محاولته ضم الكويت من جديد إلى العراق، باعتباره احد محافظاته.

لقد قام صدام حسين بغزو الكويت في الثاني من آب عام 1990. وتعرضت سياسته إلى تجميع معارضة دولية كبيرة بقيادة امريكية والتي انتهت مرحلتها الأولى في ما اطلق عليه (عاصفة الصحراء)، التي انتهت بالهزيمة العسكرية للجيش العراقي، والهزيمة السياسية للسلطة الصدامية.

لقد كانت سياسة صدام الدكتاتورية مغامرة تاريخية كبيرة، مبنية على حسابات خاطئة. فقد وقفت الدكتاتورية الصدامية آنذاك أمام خيارين، الأول: ابتزاز أنظمة الخليج على نحو دائم، وضم الكويت بصورة تدريجية من اجل إلحاقه تدريجياً بالعراق دون ضجة. والخيار الثاني هو غزو الجزيرة العربية بأجمعها. ومن ثم ربطها باليمن والأردن وفلسطين، مع ما يمكن أن يلاقيه من دعم شعبي عربي للعراق. لقد أراد صدام أن يكون بسمارك العرب، وصانع وحدة عربية بطريقة بسماركية. لكنها تعرضت للفشل. وفي عام 1991، بعد هزيمة الجيش العراقي بأثر "عاصفة الصحراء" بدأت الانتفاضة الشعبانية التي جرى القضاء عليها بسرعة.

وقد كان وراء القضاء عليها عدة أسباب وأهداف وأطراف مشاركة. فقد كان ما يسمى باجتماع "خيمة صفوان" منطلق القضاء على الانتفاضة بعد سماح الولايات المتحدة آنذاك إطلاق القوات العراقية المحتجزة من اجل قمع الانتفاضة العراقية. ومن نتائج ذلك هو إنهاك العراق دولة وشعب. ثم استمرار الحصار والعدوان الأمريكي في إنهاك وتدمير العراق إلى أن اصبح لقمة سائغة لعدوان "الصدمة والرعب" الأمريكي عام 2003. وإيران التي لم تكن مستعدة لانهيار الدولة العراقية عام 1991، بينما أصبحت اكثر استعدادا لقبول هذه النتيجة عام 2003. بينما تصرفت الأطراف الكردية المسلحة وفق التوجيهات الأمريكية عام 1991. أولا بعدم المشاركة في دخول بغداد، والشيئ نقسه ينطبق على تصرفها عام 2003 . بمعنى الاختلاف الظاهري في السلوك والاندماج الكامل بالمشروع الأمريكي. وكان لإيران هنا سلوك يتوافق مع مصالحها الخاصة. بينما ظل الأكراد مطية التوجيهات الأمريكية. وفي كلتا الحالتين دفعت الدولة العراقية والشعب العراقي ثمنا باهظا. والنتيجة الأكبر والأوسع أثرا على مصير العراق ومساره اللاحق يقوم في تعرضه لهزيمة تاريخية شاملة وجدت انعكاسها الأولى في تشديد الحصار المطلق عليه ومن ثم خنق كل ما فيه بصورة تدريجية انتهت بغزوه عام 2003. وفي كل تلك المرحلة ما بين 1991 و2003 كان الهدف المعلن لقيادة الحزب الشيوعي هو إسقاط النظام. بينما لم يملك هو أية امكانية على الاطلاق لتنفيذ هذا الشعار. وبهذا كان هذا الشعار أكثر خدمة لأطراف أجنبية أخرى. بينما كان الأمر يفترض الدفاع عن العراق عبر رفع شعار رفض الحصار والدعوة لإنهائه، والدعوة لإنهاء حكم مجلس قيادة الثورة. بينما كان سلوك قيادة الحزب يكشف عن تمازج الخيانة والغباء السياسي في قيادته، ومن ثم تبريرها وتسويقها للحرب والعدوان والحصار.

العدوان الامريكي واحتلال العراق

منذ عام 2000 بدأت مرحلة جديدة على النطاق العالمي تتطابق مع "أمركة" العالم بقوة السلاح. فبعد انهيار وزوال الاتحاد السوفيتي، أخذت الولايات المتحدة تبلور استراتيجية عدوانية تجاه العالم ككل. وهي استراتيجية أخذ بالالتزام بها الحزب الجمهوري ومنظري الاستراتيجية الأمريكية الجديدة.

وكان العراق في صلب هذه الاستراتيجية. وهي مواقف وخطط كانت موجودة ومتبلورة قبل الحادي عشر من أيلول عام 2000. وبدأت بزيارة ديك جيني نائب الرئيس الأمريكي وجورج بوش الابن للسعودية في تموز عام 2000، حيث نوقشت آنذاك فكرة احتلال العراق. وبالتالي، يمكننا القول، بأن العدوان الأمريكي على العراق كان بداية لعدوان أمريكي على العالم. وإن فشل العدوان الأمريكي في العراق كان وما يزال فشلا للعدوان الأمريكي على العالم.

لقد كان غزو العراق هدفا استراتيجيا أمريكيا هاما وخطيرا يعادل معنى "أمركة" العالم بقوة السلاح. وإذا كانت هذه الخطة لم يجر تنفيذها قبل أحداث نيويورك عام 2001 ، فإنه جرى استغلال هذه الحادثة ذريعة إضافية للغزو. وكشفت وسوف تكشف "الحرب السرية" على العراق كل حيثيات هذه الظاهرة مع مرور الزمن. فقد كان هناك تحضيرا سياسيا وعسكريا لغزو العراق. وتكشف مراسلات توني بلير مع جورج بوش الأهداف الحقيقية من غزو واحتلال العراق. فوفقاً لتوني بلير فإن الهدف الحقيقي من غزو واحتلال العراق هو إقامة نظام عالمي جديد بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي. وتوظيف هجمات الحادي عشر من أيلول لعام 2001 لهذا الهدف. في حين نرى لاحقا اعتراف توني بلير المبكر بالمأزق العراقي. وطالب بإجراءات فورية لمواجهة هذا المأزق الذي لم يكن متوقعاً له نفسه ولجورج بوش الابن.

وقد شاركت في الحرب مختلف القوى العالمية (أمريكا وبريطانيا) والإقليمية (السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت و"إسرائيل") والمحلية الداخلية العراقية. ولكل مصالحه وغاياته. لكن النتيجة الأساسية لكل ذلك هو دفع العراق ثمن المغامرة الصدامية والدكتاتورية البعثية، وتحلل المجتمع، وارتزاق الأحزاب "العراقية" وخياناتها. ولعل دور المؤتمر الوطني العراقي واحمد الحلبي في غزو واحتلال العراق نموذجا لدور الخونة واللصوص والانتهازية في الحرب السرية والعلنية ضد العراق. فقد كانت كمية الخيانة في "النخب السياسية" هائلا جدا. وتعرض الكثير منهم لاغتيالات بعد بلوغ الولايات المتحدة مآربها الأولية في الغزو. إذ جرى قتل عبد المجيد الخويي ومحمد باقر الحكيم. وكان عبد المجيد الخوئي عميلا للمخابرات الأمريكية وفقاً لمقابلة مع احمد الجلبي.كما كان لمحمد باقر الحكيم علاقات مع الدوائر الإيرانية المختلفة. وما بعد احتلال العراق كان الدور السري لإيران يفوق الدور الأمريكي.(يتبع....).

 

يوسف محمد طه

 

الانقلابات العسكرية وتعطيل المسار التاريخي للدولة العراقية

لقد كان لظاهرة الانقلابات العسكرية وقعها وأثرها، ومن ثم أدوارها وأهدافها المختلفة في حياة الدول، لكنها تتوحد في الخروج على قواعد النظام الديمقراطي والشرعي. فلكل منها ظروف وأدوار وأهداف خاصة ومتباينة نسبيا في أمريكا اللاتينية والعالم العربي والباكستان وغيرها من الدول.

فمن الناحية التاريخية كانت الانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية فاتحة هذه الظاهرة على الصعيد الدولي. واتسعت لاحقاً لتشمل العديد من البلدان. وكانت الانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية جزء من استراتيجية وتكتيك الولايات المتحدة في اخضاع القارة اللاتينية لسيطرتها.

أما في العراق وسوريا ومصر فقد كانت ضد الحياة السياسية الديمقراطية. وكان هذا سبب أساسي لانتكاساتها وأزماتها المختلفة. إذ لم تكن جميع هذه الانقلابات العسكرية تهدف إلى إقامة حياة سياسية ديمقراطية. ومن ثم تعمل على اجازة مختلف الأحزاب السياسية وإنهاء الفترة الانتقالية بأسرع ما يمكن عبر القيام بانتخابات حرة تحضر لجمعية تأسيسية من اجل بناء دولة دستورية قانونية. وقد اتسمت كل الانقلابات العسكرية بعملها بالدستور المؤقت والفترة الانتقالية المفتوحة. بحيث حولت المؤقت إلى دائم، بل أبدي! والاستثناء النموذجي الوحيد في الانقلابات العسكرية هو ما حدث في البرتغال عام 1974.

وفي العراق أصبح الانقلاب العسكري بعد الاطاحة بالملكية (وهو أيضا بأثر انقلاب عسكري فتح بدوره الطريق لهذا النمط في التحولات السياسية) النموذج السائد والفعال في الانتقال إلى السلطة والتحكم بها. ولعل الانقلاب الذي قاده حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1963 و1968 النموذج الأكثر "كمالا" لهذا النوع من انتقال السلطة والتحكم بها. والمميز له انه جرى بأثر تحالف حزب البعث وعمله مع السفارات الأجنبية وشركات النفط وجمال عبد الناصر من اجل إجهاض الجمهورية ونظامها السياسي الجديد. وهو انقلاب يتحمل مسؤولية الأساسية كل من عبد الكريم قاسم وقيادة الحزب الشيوعي. وليس مصادفة ان تكون أول أعمال هذا الانقلاب القضاء على عبد الكريم قاسم وقيادات الحزب الشيوعي. إذ جرى اعتقال سلام عادل في العشرين من شباط واستشهد بعد أربعة أيام من التعذيب الوحشي. وكذلك جرى اعتقال وقتل جمال الحيدري ومحمد صالح العبلي في الحادي والعشرين من تموز لنفس العام.

غير أن الانقلاب الدموي لحزب البعث المتحالف مع مراكز القوى الامبريالية آنذاك (بريطانيا والولايات المتحدة) لم يمر، كما يقال، مرور الكرام! إذ جرت مواجهته بصورة اجتماعية من جانب الجماهير، وبصورة فردية وجماعية من جانب اعضاء الحزب ومؤازريه وليس من جانب قيادة الحزب المتبقية. ولعل حركة وانتفاضة معسكر الرشيد في الثالث من تموز لنفس العام (1963) بقيادة البطل الشهيد حسن سريع النموذج الأكثر تجسيدا ورفعة لذلك. ولهذا قيل "حسن حي ومثلك لا يموت". ولا يغير من طبيعة الحكم عليه تعرضه للهزيمة.

إن السبب الرئيسي لإخفاق حركة حسن سريع يعود إلى انهيار احد الجنود المكلفين بالاستيلاء على الإذاعة من اجل إذاعة البيان الأول. وتوجه عبد السلام عارف على دبابة رئيس العرفاء المنهار بعد الاستفادة من كلمة السرّ التي سلمها للانقلابين. مما سهل عليهم السيطرة على معسكر الرشيد. وهناك روايات مختلفة بهذا الخصوص. فهناك من يعتبر إن إخفاق الحركة يعود إلى عدم تنسيقها مع الحزب. وهو رأي منافق ومختلق وكاذب ومظلل. وذلك لأن حركة حسن سريع طلبت التعاون والمساندة من تنظيمات الفرات الأوسط وفقاً لمذكرات عدنان عباس. كما لم تستطع تأمين الصلة مع الحيدري. أما أولئك الذين ينتحبون في المدرسة الحزبية في موسكو والذين يعتبرون أنفسهم القيادة المرتقبة، فقد كانوا جميعهم عناصر تتسم بقدر هائل من الانحطاط المعنوي والأخلاقي والسياسي. وفيهم يمكن البحث عن كوارث الحزب اللاحقة.

ولعل اجتماع براغ الذي "انتخب" اسوء شخصية في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي سكرتيراً له هو نتيجة منطقية لهذه الروح الخربة. فقد اعاد هذا الاجتماع الاعتبار لأعضاء الكتلة الرباعية بدلاً من طردهم باعتبارهم يتحملون مسؤولية شل إرادة الحزب. أما المجموعة التي حضرت لاجتماع براغ فهم كل من عزيز محمد وباقر ابراهيم وعامر عبد الله وبهاء الدين نوري وناصر عبود وحسين سلطان ونزيه الدليمي وآرا خاجودور وصالح دكلة وثابت حبيب العاني. وأقر الاجتماع صيغة وضعها عامر عبد الله وباقر ابراهيم. وعندما نتأمل الأشخاص الذين حظروا وشاركوا في مؤتمر براغ يرى هذا الخليط العجيب، الذي يعكس مع ذلك عدم مبدئية الحاضرين جميعاً دون استثناء. الأمر الذي ترتب عليه لاحقا نتائج سلبية مدمرة لم يخرج الحزب منها وعليها لحد الآن. لقد كشفت حركة حسن سريع إلى أي مدى كانت قوة الحزب الشيوعي، وكذلك إلى أي مدى شل التكتل الرباعي إرادة الحزب، ومن ثم كم كان مسئولاً عن انتكاسة الحزب الشيوعي نفسه. فقد امتلك حسن سريع الشاب البالغ من العمر آنذاك خمسة وعشرون عاما الجرأة والشجاعة في ظروف جداً صعبة وقاسية، لم تمتلكها القيادة "الرسمية" للحزب الشيوعي. إذ تمكن بما يقل عن مائتي عسكري من احتلال معسكر الرشيد واعتقال حازم جواد وزير الداخلية وطالب شبيب وزير الخارجية ومنذر الونداوي قائد الحرس القومي.

ويذكر عدنان عباس في مذكراته إن ثوار حركة الثالث من تموز بقيادة البطل الشهيد حسن سريع طلبت التعاون والمساندة من قبل تنظيمات الفرات، والتي كانت على استعداد لدعم الثوار. أما ثابت حبيب العاني فقد أكد على أن الحركة خير شاهد على الطاقة الثورية التي تختزنها جماهير الشعب العراقي، والتي شكلت تحدياً شجاعاً ومظهراً من مظاهر معارضة ردة شباط. كما كانت هناك تحركات في كتائب الدبابات الثالثة والرابعة في معسكر ابو غريب. أما أسباب إخفاقها فيعود بنظر العاني إلى كل من افتقارها للتخطيط الدقيق، وأنها حدثت في وقت غير ملائم، إذ انها جرت بعد الضربات الشديدة للحزب الشيوعي، وان من تبقى من قيادة الحزب لم يستطع المشاركة في الحركة لغياب الصلة.

لقد ركزت حركة حسن سريع على السجن رقم واحد، حيث كان فيه عدد كبير من الضباط. وهو مؤشر على قوة الحزب الشيوعي العراقي الفعلية في الجيش العراقي بصورة عامة وفي صفوف الضباط بشكل خاص. وهذه إدانة إضافية للتكتل الرباعي الغارق في نزاعه الضيق والأناني مع سلام عادل. أما ما يسمى بالعجالة في حركة حسن سريع، فإنها ليست دقيقة، وذلك لأن الحركة عرفت بأن الانقلابين كانوا يخططون لنقل سجناء السجن رقم واحد يوم الخامس من تموز عام 1963. بمعنى أنها تسرعت من اجل انقاذ الضباط ومن ثم اشراكهم في انقاذ الثورة من رذائل الانقلابيين. وليس غريبا أن تكون هذه الحركة قد اثارت الرعب في صفوف الحكم الانقلابي. وفي الوقت نفسه أدت هذه الحركة، كإحدى سلبياتها، إلى التسريع بالكشف عن جمال الحيدري ومحمد صالح العبلي وعبد الجبار وهبي وإعدامهم.

وبأثر ذلك ظهر ما اطلق عليه لاحقا اسم "قطار الموت"، بوصفه احد أشنع الجرائم التي اقترفها عملاء الثامن من شباط عام 1963على أثر فشل حركة حسن سريع. حيث جرى نقل أكثر من مائة شيوعي معتقل في سجن معسكر الرشيد إلى السماوة في قطار من عربات الشحن الحديدية في شهر تموز. وهو شهر يتميز في العراق بارتفاع درجة الحرارة إلى اقصى درجة. مما عرض المعتقلين لخطر الموت. وقد استشهد فعلاً عدداً منهم.

إن جريمة "قطار الموت" كانت وما تزال وينبغي أن تبقى مادة حية للإلهام الفكري والسياسي والأدبي والفني والسينمائي. (يتبع....).

***

يوسف محمد طه

 

محمد الدعميلم أخفِ سروري لحظة تسلمي الأمر الجامعي بتعييني رئيساً لقسم اللغة الإنكليزية بكلية التربية للبنات عام 1999، فهذا الموقع التربوي يشرف المرء، ويترك آثاراً طيبة في نفوس مئات الطالبات الدارسات في القسم المعني، بيد أني ما لبثت أن اكتشفت أني قد دخلت بهذا التعيين حقل ألغام، لا يمكن للمرء الخروج منه سالماً، نظراً لأن هذا القسم الدراسي كان مزدوجاً: (1) القسم الرسمي الأصلي؛ (2) القسم الظل.

أما القسم الأول، فقد تمرست على إدارة مثيل له بكلية اللغات ـ جامعة بغداد قبيل بضعة أعوام من تسلمي العمل بهذا القسم “البناتي” الجديد. وقد اكتشفت بسرعة خاطفة أنني قد عينت رئيساً لقسمين: الأول هو القسم الرسمي، ويحتوي على مئات الطالبات؛ أما القسم الظل، فلا تدرس فيه سوى بضع طالبات من أسر أقارب وأفراد حمايات الرئيس السابق صدام حسين، وكما اسلفت، كانت تلك التجربة أشبه باختبار اجتياز حقل ألغام، يصعب الخروج منه بسلام دون فقدان أحد الأطراف أو معاناة الإعاقة المستديمة.

أما قصة القسم الثاني “الظل”، فتعود الى بضع سنوات سبقت تعييني أعلاه، إذ رغبت كبرى بنات الرئيس السابق صدام حسين بالالتحاق بدراسة اللغة الإنكليزية وآدابها، بعد أن أكملت الدراسة الثانوية، لذا، فقد تأسس هذا القسم بطالبة واحدة فقط؛ وهي طالبة يصعب حضورها صفوف الدراسة مع عامة الطالبات في الكلية؛ وعليه اضطر هذا القسم العلمي ذو الطالبة الواحدة الى إرسال الأستاذات “من الإناث” فقط لتدريس هذه الطالبة المفردة في صف دراسي خاص أطلق عليه اسم “الصف الخاص” داخل مجمع القصر الجمهوري بكرادة مريم في بغداد.

إلا أن ذلك لم يدم طويلاً، إذ جرفت قوة جذب القسم الجديد جميع بنات أقارب الرئيس السابق من المتنفذين والموظفين في “ديوان رئاسة الجمهورية”، زيادة على بنات أفراد حمايته الخاصة، نظراً لأن أغلبهن ينتمين الى أسرة الرئيس نفسها “بنات أعمام وأخوال، من بين آخرين)”.

وقد أتاحت هذه التجربة لكاتب هذه المقالة فرصة الاطلاع عن كثب على طرائق السلطة نحو المواطنين، ليس على النحو القاسي أو مستديم التدمير، وإنما على النحو الذي يضطر المرء فيه الى المناورة والحركة السريعة الحذرة والتمويه؛ لتجنب أي احتكاك بهؤلاء المسؤولين القساة “من الحلقة المحيطة القريبة من الرئيس”، وذلك من خلال تحول رئاسة هذا القسم العلمي الى شيء اشبه ما يكون ببرامج “طلبات المستمعين”: فآباء وأعمام وأخوال الطالبات جميعاً هم من محظيي الرئيس المقربين، وهم لا يتأخرون في تلبية اي رغبة لبناتهم اللائي يداومن في صفوفهن الخاصة بالقسم الظل، لذا لم أكن أتفاجأ بزيارات خاطفة من قبل هؤلاء المتنفذين طلباً للكتب الدراسية مجاناً أو رجاءً بنقل إحدى الأستاذات، عن طريق إعفائها من التدريس في الصف الخاص، ذلك الصف الذي صار صفاً مزدحماً بعد تسلمي لشرف إدارة القسم، أضف إلى ما تقدم، اضطرار المرء للإجابة عن اية استفسارات أو إيضاحات مطلوبة غالباً ما لا تقدمها الطالبة بنفسها، وإنما تطلب من والدها المتنفذ طلبها مني مباشرة “العقيد فلان والمدير العام فلتان، والمستشار الرئاسي علاّن، وهكذا”، وبذلك، كان النجاح في هذه المهمة ليس بحليفي لأنه اشبه بالمشي على زجاج مهشم ممدود على صفيح ساخن.

عليه، كنت شديد الحذر شخصياً، زيادة على توصية جميع الزميلات المشاركات في التدريس بالصف الخاص بالحذر وعدم التمادي في التحديق على الطالبات، نظراً لوجود عدد كبير من بنات المسؤولين من الوزراء وقادة الدوائر الأمنية، من اللائي لا يترددن في إخبار آبائهن عن كل صغيرة وكبيرة قد تحدث داخل الصف الدراسي الخاص، أو اثناء سير التدريس.

وقد بذلت أقصى جهودي للــ”تحرر” من رئاسة هذا القسم، وهذه ليست بالمهمة الهينة لأن “هؤلاء”، إن شعروا برغبتك بالتخلص من هذه المهمة “الوطنية والقومية”، فانهم لا يتأخرون في إنزال أقصى العقوبات بي، حتى إن تطلب الأمر اصطناع تهمة كاذبة.

وهكذا تواصل عملي المضني هذا حتى سنحت فرصة إفلاتي من هذه المهمة “بوصفي ذي الرئاستين”، إذ استفزت إحدى المدرسات المبتدئات واحدة من طالبات “نخبة” الصف الخاص، عندما طلبت منها إغلاق دفترها الامتحاني أثناء المراقبة في قاعة الامتحانات: إذ أقامت هذه الطالبة الدنيا ولم تقعدها: “من هي هذه المدرسة؟”، “عليك بفصلها أو طردها من الخدمة فوراً”، زد على ذلك ما كرره لي المهاتفون”من الجهات الخاصة” على أسماعي من كلمات نابية ضد المدرسة المعنية التي تجرأت على طلب الالتزام بالتعليمات والضوابط الامتحانية، من طالبة الصف الخاص ذاتها.

وهكذا، وبعد مرور بضعة أيام، استدعاني عميد الكلية “وكان هو كذلك من أقارب الرئيس” للاستفسار وللمداولة بحضور عدد كبير من المشرفين على “الصف الخاص”، فيما أقدمت عليه المدرسة المسكينة من إجراء، وإذا كنت قد بررت ودافعت عن هذه المدرسة الشابة لحمايتها وقتذاك، فاني لم أكن أتوقع أمرا جامعيا ثانيا باعفائي من رئاسة هذا القسم، وتعيين شخص آخر ليحل محلي.

ولكن برغم ما اعتراني من سعادة وحبور يوم تسلمي كتاب الإعفاء، كان يتوجب عليّ “تمثيل” دور الحزين والمنزعج مما حدث، كي أحظى بخروج آمن من رئاسة ماكان يسمى بــــ”الصف الخاص”.

 

أ.د. محمد الدعمي

كاتب وباحث أكاديمي عراقي

 

الحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم: اسباب ونتائج الخلاف والصراع

لقد استفز مطلب مشاركة الحزب الشيوعي بالحكم عبد الكريم قاسم. وهو مطلب مشروع بحد ذاته. وبالتالي، كيف كان يمكن توقع موقفه من شعار إسقاطه؟ فقد كان لهذه القضية أبعادا ومداخلات عديدة متشابكة تتعلق بموقف التيار القاسمي من السلطة والجماهير، وموقف التيار القومي وإمكانية تحالفه مع التيار القاسمي، وموقف مرجعية النجف من استلام الحزب الشيوعي للحكم في العراق، وموقف إيران وتركيا والسعودية والأردن، وموقف القوى الإمبريالية وشركات النفط.

بعبارة اخرى، لقد كان لهذه اللقضية أبعاد عديدة. غير أن الأمور قد جرت بطريقة أخرى. وإذا كان بإمكان زمرة مغامرة من القضاء على الحكم الوطني المتذبذب والتحكم بالسلطة من خلال انقلابات عديدة داخلها لعقود طويلة من الزمن، فإن الحلول كانت فيما يبدو أسهل بكثير بالنسبة للحزب الشيوعي العراقي لو أن قادته كانت تتمتع بإرادة مستقلة وحازمة ومتنورة بمشروع وطني يتخطى خلل ونواقص الحكم القاسمي.

لقد تخوف قادة الحزب بعد الهزيمة التاريخية عام 1963، وبالأخص بعد عام 1967، مما اسموه بالحرب الأهلية المحتملة. وهو تخوف يعكس خوف القادة من مواجهة التحديات المصيرية آنذاك وليس مخاوف الواقع كما هو. فقيمة الحزب الثوري، بل كل حزب سياسي، تقوم أولا وقبل كل شيئ في شكيمة الإرادة والعمل بمعاييرها من أجل تحقيق مشروعه السياسي التاريخي. فحتى في حال احتمال نشوب حرب أهلية، فإن من المتوقع أيضا أن تكون نتائجها لصالح الحزب والشعب. فهي أفضل من مجزرة شباط لعام 1963 التي اختارت فيها قوى الردة تفجيرها في وقت وظرف ملائم لها. فقد كان بإمكان الحزب الشيوعي أن يطالب بإنهاء المرحلة الانتقالية وكتابة الدستور الدائم، وكذلك الاستعداد لكل التطورات والاحتمالات. إلا أن إرادة الحزب نتيجة وضعه القيادي والموقف السوفيتي حالت دون ذلك. مما أدى إلى أن يدفع الحزب والعراق ثمناً باهضاً. فعندما نتأمل الواقع وأحداثه ومجرياته وقواه الفاعلة نتوصل إلى أن تلك الفترة كانت من أفضل الفترات في تاريخ الحزب لاستلام الحكم. وعند تحليلها بعمق نجد فيها أيضا الكثير من المخاطر. كما أن فيها الكثير من الإمكانيات الناجحة. وفن وعلم اختيار القرار الذي يراعي مختلف الأطراف والظروف والأسباب والنتائج والاحتمالات ضروري جداً.

فما هو يا ترى موقف مختلف القوى الداخلية والخارجية في حال استلام الشيوعيين للحكم في العراق خلال أعوام 1959-1960؟ وما هي خطط الشيوعيين في مواجهة مختلف المؤامرات ضد الجمهورية؟ وما هي مواقفهم وآرائهم تجاه مختلف احتمالات التطورات العراقية؟

كان الوضع العراقي آنذاك يفرض ويتطلب من الحزب اليقظة والحذر والاستعداد لمختلف الاحتمالات. بمعنى انه كان يتطلب الحصول على معلومات أمنية واستخبارية. وكان الحزب قادرا آنذاك بالفعل على توفيرها. كما كانت تتوفر إمكانية وجود قوة حزبية مسلحة على الأقل في بغداد لمواجهة مختلف الاحتمالات ولصيانة إمكانيات الحزب الهائلة. إضافة إلى الاستعداد الحزبي في مختلف المحافظات العراقية تجاه مختلف التطورات والاحتمالات التي كان يحملها الوضع العراقي. بينما جرى إهمال إمكانيات الحزب الهائلة التي كانت حصيلتها الكارثة الكبرى لعام 1963. لم تكن هذه النتيجة الكارثية معزولة عن تأثر الصراع الداخلي في الحزب الشيوعي حول خططه في مواجهة مختلف تطورات الوضع العراقي.

إن ما حدث في العراق من سقوط مريع للجمهورية يتحمله بصورة كبيرة موقف عبد الكريم قاسم. إضافة إلى الحالة السياسية القانونية والدستورية. ففي حال إرساء أسس الدولة الدستورية القانونية كان بإمكان الانتخابات أن تؤدي لحالة ووضع دستوري قانوني للحزب الشيوعي في الحكم والدولة. ومن ثم ينهي فردية عبد الكريم قاسم في الحكم.

وفي كلتا الحالتين اليمينية واليسارية في الحزب الشيوعي كانت هناك خلفية فكرية سياسية خاصة بكل منهما. فقد كانت قيادات الحزب في مختلف المراحل تفتقد للخلفية الفكرية النظرية والعملية التاريخية الواسعة. وهذا ما ينعكس في فهمها ومواقفها. لقد اخفقت قيادة الحزب الشيوعي في تنظيم أمكانياتها الكبيرة لمواجهة مختلف التطورات والاحتمالات العديدة في مسار العملية السياسية في العراق. وكان أحد اكثر الشعارات دويا في سماء العراق السياسية يقول "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة" (أي لا يمكن لمؤامرة أن تنجح وحبال المشانق بيد الشعب). لكن الأحداث أظهرت انه لا حبال ولا خطة لمواجهة أية مؤامرة. وبالتالي لم يكن هذا الشعار أكثر من عبارة مخدّرة للوعي الاجتماعي السياسي. إذ كشفت الأحداث انه لا وجود لأية خطة في مواجهة المؤامرات.

فمنذ أواخر شهر أيار عام 1959 أخذ الحزب يتخذ مواقف لينة تجاه عبد الكريم قاسم. في حين كان عبد الكريم قاسم يرسم خطته للمستقبل. في حين اخذت إمكانيات الردة بالنمو، بينما كان الحزب يفقد الجرأة على المواجهة. وهي مقدمات الهزيمة. فوفقاً لحنا بطاطو كان عبد الكريم قاسم يعتقد أن تصفية الشيوعيين هي مقدمة تصفيته من قبل "القوميين". وإن دفع الشيوعيين نحو التشدد يمكن أن يؤدي إلى إسقاطه. وكانت أحداث كركوك ايام الرابع عشر- السادس عشر من تموز عام 1959 جريمة كردية ضد التركمان باسم الشيوعيين. وقد كان ذلك اول استغلال كردي للحزب الشيوعي العراقي لأهداف قومية ضيقة. كما أنها أول جريمة يقترفها الأكراد تحت واجهة الحزب الشيوعي العراقي. في حين تخاذلت قيادة الحزب وانقسمت في مواقفها من جريمة الأكراد بحق التركمان تحت عباءة الحزب الشيوعي العراقي.

ووجد المسار الجديد في تطور الأحداث في العراق آنذاك انعكاسه في نتائج الاجتماع الكامل للجنة المركزية في تموز عام 1959. ويمكن تلخيص نتائج هذا الاجتماع بما يلي:

- تشجع عبد الكريم قاسم في الاستمرار في نهجه المعادي للحزب الشيوعي، اعتقادا منه بأن ضغطه على الحزب له جدواه. ومن ثم لابد من الاستمرار في هذا النهج وتوسيعه.

- قتل روح الجرأة عند الرفاق وأنصارهم في مواجهة معاداة الشيوعيين.

- إصابة الحزب بالتردد. ومن ثم كان خطوة في مسار التراجع الذي انتهى بانكساره وهزيمته التاريخية عام 1963.

وفيما يبدو أن سلام عادل أصيب بالتردد نتيجة الصراع مع التكتل الرباعي. فبعد رفض عبد الكريم قاسم مشاركة الحزب في الحكم كان يجب طرح مسالة ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية والدستور المؤقت. بمعنى العمل من اجل تنظيم الحياة السياسية الحزبية تحضيراً لانتخاب جمعية تأسيسية تسن دستور دائم للبلاد. بينما كان عبد الكريم قاسم يرفض مشاركة الحزب في الحكم، كما رفض إنهاء المرحلة الانتقالية وتنظيم الحياة السياسية الحزبية الديمقراطية بإجازة الأحزاب السياسية. وعندما تكلم عن هذه القضايا في وقت لاحق، فقد تبين انه لم يكن جاداً. وأنه كان يهدف لكسب الوقت والتحضير لخطوات لاحقة.

وقد تناول كل من عزيز سباهي وجاسم الحلواني في دراستهما عن (عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي) إشكالية العوائق الأيديولوجية القائمة أمام إمكانية البديل السياسي في تلك المرحلة. حيث نراهما يعتبران المواقف الأيديولوجية للحركة الشيوعية العالمية المعارضة لتلك البدائل الممكنة والضرورية هي نتاج فهم قاصر، أو أنها نتيجة تعميمات غير صحيحة. أما في الواقع، فإن ضعف الإمكانيات الفكرية والسياسية لدى قيادات الحزب إلى جانب التكتل الرباعي هي الأسباب الأساسية التي عرقلت وأعاقت وحطمت إمكانية البديل آنذاك.

وليس مصادفة أن يقول دالاس عن زمن 1959، بأن العراق أخطر ما في عالم اليوم وذلك بسبب النفوذ الهائل للحزب الشيوعي. وضمن هذا السياق يمكن القول، بأن نجاح اغتيال عبد الكريم قاسم كان يمكن أن يؤدي إلى تسلم الحزب الشيوعي العراقي للسلطة. الأمر الذي يشير إلى غباء من خطط لاغتياله الفاشل. فقد كان الحزب الشيوعي قوة ضاربة في الجيش وبالأخص في الفرقة الأولى المسئولة عن البصرة والناصرية والديوانية. وكذلك في الفرقة الثانية والثالثة والرابعة. كما انه كان يتمتع بهيمنة شبه تامة في القوة الجوية، إضافة إلى قوته الحاسمة بين الجماهير وفي المقاومة الشعبية وفي قاعدته الحزبية. وضمن هذا السياق يمكننا الوصول إلى استنتاج دقيق يقول، بأن كفّ القوى الداخلية والخارجية المعادية للجمهورية والثورة عن اغتيال عبد الكريم قاسم والانتقال الى أسلوب المؤامرة الانقلابية يعكس حنكة القوى الامبريالية (الأمريكية بشكل خاص). فعندما يصرح رئيس المخابرات الأمريكية عن أن العراق هو البلد الأخطر آنذاك، فذلك يعني بأن الانقلاب الذي جرى عام 1963 بمخطط امريكي وبريطاني (شركات النفط البريطانية بشكل خاص) كان يدرك خطورة الاغتيال الفردي للزعيم عبد الكريم. وذلك لأن قتله الفردي سيؤدي بالضرورة، كما أشرت أعلاه، إلى انتقال الحكم للشيوعيين. من هنا أصبح الانقلاب الكامل بقتل شخصيات الجمهورية والثورة والشيوعيين هو الأسلوب الوحيد للقضاء على النظام الجمهوري وقواه الحية آنذاك.

لهذا يمكن فهم قول آلن دالاس مدير المخابرات المركزية الأمريكية في وصفه للوضع في العراق في منتصف عام 1959 بأنه أخطر ما في عالم اليوم. كما يشير حنا بطاطو في كتابه إلى أن عبد الكريم قاسم قد شاهد وتوصل إلى أن الحزب الشيوعي هو بديله الفعلي والجاهز في حال نجاح محاولة اغتياله. وهذا كان واضحاً بالنسبة للجميع. وكان هذا أيضا سبباً في تأجيل محاولة اغتيال قاسم أكثر من مرة. وذلك لأن من كان يخطط لاغتياله توصل إلى تقدير دقيق عن أن مقتل الزعيم يصب في مصلحة الحزب الشيوعي.

أما عبد الكريم قاسم فقد اخذ بمواجهة الحزب الشيوعي بصورة واضحة عندما رفض طلب إجازة الحزب الشيوعي. ففي كانون الثاني عام 1960 جرى رفض إجازة الحزب الشيوعي ضمن خطة شخصية لعبد الكريم قاسم نفسه. انه بدأ يلعب بالنار في ظل وقت كانت ملامح الموت البطيء تختبئ في كل جوانح قادة الحزب الشيوعي. بينما كانت إجازته وإجازة كل الأحزاب السياسية مهمة وطنية خالصة من اجل تأسيس حياة سياسية ديمقراطية. ومن ثم انتخاب جمعية تأسيسية لسن دستور دائم للبلاد. مع ما كان يترتب عليها من صنع دولة دستورية قانونية تصون الجمهورية وعبد الكريم قاسم نفسه والحزب الشيوعي والشعب العراقي. وبالتالي كان بإمكانها اختصار أو شبه إلغاء لمآسي العراق اللاحقة. كما كان بإمكانها تقديم نموذج متميز في العالم العربي آنذاك. إلا أن عبد الكريم قاسم لم يكن جاداً في ذلك. وإنما كان يهدف لكسب مزيد من الوقت لإيجاد مخرج ما. لكنه اخطأ في ذلك ففشل. إذ لا وقت كان يمكن توفيره آنذاك. فعدم إجازة الأحزاب السياسية والقيام بانتخابات لجمعية تأسيسية تؤسس لدولة دستورية قانونية قد أدى إلى استمرار الوضع المتأزم كما هو حتى انهيار وهزيمة عبد الكريم قاسم والجمهورية. وبذلك ذهب هدراً الوقت الذي أراد عبد الكريم قاسم كسبه. مما يظهر عجزه عن إيجاد مخرج وفقاً لرؤيته وأهدافه الشخصية. ففضل الاستسلام لعبد السلام عارف على المقاومة وتسليح الشعب. لكن الغريب كيف طاوعه في ذلك عباس المهداوي وطه الشيخ احمد وغيرهم من الضباط الشجعان في ذلك الوقت؟ وانتهت مسيرة عبد الكريم قاسم بهذا الصدد بمسرحية سمجة أجاز فيها بعض الأحزاب السياسية، بينما منع منها أهم وأكبر حزب سياسي عراقي وهو الحزب الشيوعي. وهي مفارقة عجيبة وغريبة. لكنها واقعية ومخزية! إنها تعكس عنجهية عبد الكريم قاسم وتنكره للواقع وإنكاره إياه. الأمر الذي يشير إلى أن عبد الكريم قاسم لم يكن يفكر بإنهاء المرحلة الانتقالية وتسليم السلطة للشعب. لأن ذلك كان يؤدي بالضرورة حينذاك إلى فوز الحزب الشيوعي ومن ثم وصوله إلى الحكم بطريقة شرعية وديمقراطية.(يتبع....)

***

يوسف محمد طه

 

الإرادة السياسية وإشكالية القيادة في الحزب

لقد تطرقت في الحلقة السابقة إلى اشكالية الإرادة والقيادة والأقلية، من خلال التركيز على فكرة الإرادة واهميتها، بل جوهريتها بالنسبة للكفاح السياسي من اجل بلوغ الأهداف المعلنة للحزب السياسي. وفيما لو طبقنا هذه الفكرة النظرية العامة على واقع العراق وضمن سياق الرؤية التقيمية لتاريخ الحزب الشيوعي، فإننا نلاحظ ارتباط حالة المد والجزر الفعلي في تأثيره على مجرى الأحداث بما يمكن دعوته بقوة الإرادة السياسية أو ضعفها في قياداته.

يكشف الاستعراض الظاهري والسريع لهذه الحالة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي عن صدق هذه الفرضية، التي لم تعد مجرد قاعدة أو مبدأ لتفسير الماضي، بل وذات قيمة كبرى بالنسبة لاستخلاص العبرة السياسية تجاه المستقبل. فقد نشأ الحزب الشيوعي وتوسع تأثيره خلال فترة وجيزة نسبيا. إذ استطاع قيادة احدى الوثبات التاريخية الكبرى في تاريخ العراق الجديد عام 1948، أي بعد حوالي أربعة عشر عاما من تأسيسه عام 1934. وبأثرها استطاع اسقاط معاهدة جائرة وحكومة صالح جبر. وهو إنجاز كبير يعبّر عن حقائق جديدة. وفي مقدمتها هو عدم وصول التلوث إلى قيادات الحزب، كما سيحدث لاحقا في ما يسمى بالتكتل الرباعي أو قيادة عزيز محمد للحزب بعد 1980. فقد كانت هذه المرحلة الأخيرة برهانا ساطعا على غياب الإرادة السياسية الفاعلة بمعايير الفكرة الاجتماعية والوطنية التي جعلت فيما مضى من الحزب الشيوعي القوة الأكثر تأثيرا وفاعلية في الحياة السياسية والاجتماعية للعراق على مدار عقود. بينما سعت قيادة عزيز محمد للحزب بنقل كامل قواه وتأثيره لخدمة مآرب قومية ضيقة لقومية صغيرة. الأمر الذي أتاح لعزيز محمد وزمرته من توظيف إمكانيات الحزب لهذه النوازع (القومية الكردية).

لقد نشط الحزب الشيوعي العراقي ضمن ديناميكية اجتماعية سياسية وثقافية كبيرة، وضمن تطورات عاصفة على المستوى الإقليمي والعربي والعالمي. فقد كان ينشط في العراق تيارات وأحزاب وقوى عديدة، متناقضة ومتنافسة، وفي كلها كانت تعمل على تنشيط الحيوية الفاعلة في الحياة السياسية العراقية. إذ نعثر فيه على حركات وطنية واجتماعية مؤثرة مثل "جمعية الإصلاح الشعبي" و"عصبة مكافحة الصهيونية" وأصحاب "جريدة الأهالي" وحزب التقدم، وبالمقابل رجال العهد الملكي مثل فيصل الأول والملك غازي والوصي عبد الإله وفيصل الثاني وعبد الرحمن الكيلاني، إضافة إلى وزرائه مثل نوري السعيد وجعفر العسكري وعبد المحسن السعدون وياسين الهاشمي وبكر صدقي ورشيد عالي الكيلاني. وما يقابلها من شخصيات وطنية وفكرية مثل جعفر ابو التمن وعبد الفتاح إبراهيم وكامل الجادرجي وغيرهم.

وعلى الصعيد الإقليمي نرى انعكاس هذا الصراع في تأسيس الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن عام 1958 بوصفه رداً على الجمهورية العربية المتحدة لعام 1958 بين مصر وسوريا. ولم يكن كل هذا التشويش السياسي في الواقع سوى انعكاس لخلل النظم السياسية وعقائدها ورؤيتها للواقع والمستقبل ومضمون المصالح. فإذا كان الاتحاد الهاشمي هو رد على الاتحاد العربي المصري السوري، فإن المساعي السورية آنذاك كانت محكومة بتخوفها من القوة الصاعدة للشيوعيين في سوريا. بمعنى خشية البعث السوري من تقدم الشيوعيين هو الذي دفعهم للوحدة. كما إن للنظام الناصري بواعثه الخاصة. مما أدى إلى انحلال هذه الواحدة سريعا. كما كانت دعوة حزب البعث في العراق للوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة محكومة بالخوف من قوة الشيوعيين في العراق آنذاك. بعبارة أخرى، إن كل هذه المواقف السياسية كانت محددة بغايات حزبية ضيقة وأنانية. بمعنى طرح فكرة الوحدة للاختباء خلف جمال عبد الناصر في مواجهة نفوذ الشيوعيين. كل ذلك أدى إلى النتيجة المعروفة عن انهيار الجمهورية العربية المتحدة عام 1961. وبموازاة ذلك ظلت جامعة الدول العربية مصابة بالعجز التام فيما يتعلق بأي مشروع وحدوي أيا كان مستواه. وهو مرضها العضال المزمن الذي لازمها لحد الآن. بمعنى أن وجودها الفعلي هو موت سريري دائم.

أما داخل العراق فقد كانت تتراكم شحنة العداء ضد النظام الملكي. وظهرت آنذاك للمرة الأولى حركة الضباط الأحرار التي اشترك فيها الكثير من رجال الجيش، إلا أنها لم تكن موحدة في رؤيتها للمستقبل وطبيعة النظام السياسي وكثير غيرها ما يؤهلها للاستمرار بوصفها قوة سياسية. ومع ذلك أدت إلى انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958. وتحول هذا الانقلاب الى ثورة، لكنها ثورة ناقصة ومغدورة.

لقد بقي النظام السياسي العراقي يعاني بعد انتصار ثورة تموز من خلل داخلي ظهر بصورة جلية في حالة ازدواجية السلطة. وقد أدى هذا الخلل إلى الإطاحة بها من قبل زمرة صغيرة وعابرة ومغامرة. وقد كان لهذا الخلل سببه السياسي والاجتماعي الغائر في التاريخ السياسي الحديث للعراق. وهو يكشف عما أسميته بقيمة الإرادة بالنسبة للتطور التاريخي. فقد كانت الحركة الجماهيرية في العراق بحالة نمو مستمر ومتصاعد كما نراها في وثبة كانون أول عام 1948، وانتفاضة عام 1952، وانتفاضة 1956. وكانت تمتلك إمكانيات نمو كبيرة لأسباب داخلية وخارجية. وإن نموها كان بإمكانه ان يسقط النظام الملكي وينهي الاحتلال البريطاني للعراق ويجري تحولات عميقة في مختلف المجالات الداخلية والخارجية. ويحقق ثورة كاملة.

كما كان بإمكان الحزب الشيوعي أن يكمل النصف الثاني لثورة تموز. إلا إن الخلل القيادي في الحزب حال دون تحقيق ثورة كاملة. وهو السبب القائم وراء الإخفاق في تحول انقلاب تموز إلى ثورة كاملة يصعب الغدر بها. كما أن انقلاب تموز لعام 1958 أو الثورة الناقصة لم يكن ضروريا لإنجاز تحولات عميقة في العراق. بل على العكس أظهرت ثورة تموز الناقصة أيضاً عما كان يكمن فيها من ضرر هائل بالنسبة للعراق وشعبه وحركته الاجتماعية السياسية.

إن السمات المتناقضة للانقلابات العسكرية في مصر وسوريا والعراق جلية. انها ساهمت في إثارة تطورات مختلفة وبالقدر نفسه أجهضت تطورات أخرى. وبمجملها كانت هذه الانقلابات مناهضة للديمقراطية، ومرتع للأزمات والهزائم والانتكاسات. فقد كانت التطورات السياسية الداخلية في هذه البلدان تمتلك إمكانيات كبيرة لتحقيق تحولات عميقة في مختلف المجالات الداخلية والخارجية. لكن هذه الانقلابات أجهضت مسيرة التحولات الجذرية والعميقة التي كان يمكن بلوغها بطرق سياسية. ولا يغير من ذلك شيئا مظاهر عداءها للاستعمار. وبأثر هذه الانقلابات تراجعت الحياة السياسية الحزبية في هذه البلدان. وظهر قادة الانقلاب وكأنهم آباء مالكون للشعوب في تقرير مصيرها. وحكموا بالدساتير المؤقتة وبعقليات سياسية غير ناضجة.

 فقد كان انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 أو ثورة تموز الناقصة نصف انتصار لتحالف الشعب ضد الاستعمار وشركات النفط والإقطاع. ومن ثم كان ينبغي لهذا الانقلاب أن يتعمق أكثر خصوصاً في ما يتعلق بقضية السلطة. بمعنى انه كان من الضروري أن تصبح تعبيرا عن تحالف شعبي، لا أن تستمر كسلطة انقلاب عسكري خالص، كما لو انه هدفه الوحيد هو الوصول إلى السلطة.

فمن الناحية الواقعية والتاريخية آنذاك كان الحزب الشيوعي العراقي أكبر قوة سياسية في العراق. الأمر الذي أدخله بالضرورة في تنافس وصراع مع عبد الكريم قاسم الذي برز كزعيم وطني بعد الثورة. غير أن الدفاع عن الثورة ومسارها ظل الباعث الأعمق في سلوك الحزب الشيوعي تجاه السلطة الوطنية لعبد الكريم قاسم.

لقد واجه العراق وسلطته الوطنية الجديدة معارضة متنوعة الأشكال والمستويات، داخلية وإقليمية وعالمية. فقد وقف حزب البعث العراقي وجمال عبد الناصر موقفا معارضا للحكم القاسمي. وسعى كل منهما بطريقته الخاصة لفرض قيادة ناصر والجمهورية العربية المتحدة على العراق، في وقت كان الشعب السوري ومختلف قواه يعانون من هذه الجمهورية.

إن محاولة فرض التنظيم القومي للناصرية أيضاً في العراق لم تأت بثمارها. بل على العكس أنها أدت إلى نتائج عكسية. وقد نظر الشيوعيون إلى أهداف الاتحاد الفوري ووقوف حزب البعث العراقي وراءه مجرد شعار طوباوي، خصوصاً بعد فشل وحدة الجمهورية العربية المتحدة. لقد كان العجز الفعلي لحزب البعث أمام الشيوعيين هو السبب الأساسي لرفع هذا الشعار. لكن محاولة سد هذا العجز بأساليب وتوجه خاطىء وغير عملي قد أدت لاحقا إلى نتائج كارثية بما في ذلك بالنسبة لفكرة الوحدة وحزب البعث نفسه. فقد أدى إلى انشقاق الحزب إلى تيارين متصارعين في سوريا والعراق. وفشل حزب البعث نفسه في تحقيق وحدته الحزبية والسياسية ولاحقا القومية (بين العراق وسوريا عندما كان كلاهما في هرم السلطة). كل ذلك يكشف إما عن زيف الإدعاء وإما العجز الفعلي في إنجاز هذه المهمة. وإذا كان الأمر كذلك فكيف يا ترى يمكن تحقيق وحدة العرب في ظل تباين واختلاف ظروفهم الداخلية والخارجية. وعموما كانت النتيجة وما تزال بهذا الصدد تشير إلى فشل العرب في اقامة وحدتهم القومية أو حتى أبسط نماذج الاتحاد والتضامن والجمعية. كما عجزوا وفشلوا في مواجهتهم للصهيونية وبقايا الكولونياليات القديمة والإمبريالية الامريكية. بل نرى على العكس اشتداد مظاهر التفكك والخلاف والصراع بما في ذلك الدموي كما رأيناه على مثال العراق وسوريا، واستمراره القذر في الحرب السعودية الاماراتية على اليمن. إننا نقف أمام مفارقة تمثل بحد ذاتها نموذجا للرذيلة المطلقة في سلوك السعودية والإمارات تجاه اليمن. فالسعودية أسد على أطفال اليمن وعبد وضيع أمام امريكا ونعامة أمام الكيان اللقيط "اسرائيل".

كل ذلك يكشف عن طبيعة التحولات والمخاطر التي كانت كامنة في مواجهة إشكاليات الحلول الوطنية والقومية في العراق. وفيما يخص الحزب الشيوعي العراقي فقد نجح في تكوين حركة شعبية جماهيرية واسعة جداً في العراق ومن ثم نتائجها الإقليمية الكبيرة. غير انه فشل في إقامة نظام سياسي دستوري قانوني في العراق. انه فشل في حماية الجمهورية، كما فشل في حماية نفسه، وبالتالي فشله في حماية الشعب. ولم يكن ذلك معزولا عن المحاولات العديدة والهائلة لضرب وتحطيم الحركة الجماهيرية للحزب الشيوعي. فقد كان ذلك هو الهدف الذي اجتمعت حوله قوى عديدة ومختلفة. واتخذ هذا التدخل والصراع بعدا عالميا أيضا. فقد كان الموقف السوفيتي ضد التدخل العسكري الأمريكي في العراق في تموز عام 1958. لكنه اتخذ لاحقا أشكالا عديدة، ولعل أهم نتائجه هو انقلاب الثامن من شباط عام 1963.

لقد مر عراق ما بعد انقلاب تموز بعوائق ومشاكل عديدة وصاخبة من حيث تأثيرها المباشر وغير المباشر على مسار الحركة الاجتماعية السياسية ومصير الأحزاب السياسية بمن فيها الحزب الشيوعي العراقي. فعندما نتأمل، على الأقل من حيث مجرى الأحداث وجردها، تتبين خارطة أو مسار هذه الأحداث. فبأثر المقاومة الشعبية للخطط المعادية للسلطة الوطنية قدم عبد الكريم قاسم في شهر آب من عام 1958 بتجريد عبد السلام عارف من مناصبه المختلفة. حيث جرى تجريده من منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة في الثاني عشر من أيلول عام 1958 ومن منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية في الثلاثين من نفس الشهر والعام. ومن ثم تعيينه سفيراً للعراق في بون، بل واعتقاله في الرابع من تشرين أول عام 1958 لعودته غير المأذون بها إلى بغداد. ومحاكمته لاحقا وصدور عقوبة الإعدام بحقه مع توصية بالرحمة به في الخامس من شباط عام 1959.

كما قامت المقاومة الشعبية، بأثر أحداث الموصل في آذار 1959 التي كانت ترفع في شعاراتها مضمون الدعوة الى توحيد أعداء الزعيم عبد قاسم والشيوعيين. لكن القضاء على تمرد الشواف في الموصل قد أدى إلى نتائج تتعارض مع المسار المنطقي الضروري بالنسبة لتوحيد المقاومة والدفاع عن الجمهورية والحكم الوطني. فبأثر هزيمة القوى المعادية للجمهورية والحكم الوطني ومسيرة الأول من أيار عام 1959 الكبرى، نرى الرفض الحاسم لعبد الكريم قاسم لفكرة مشاركة الحزب الشيوعي في الحكم. وهو رفض لم يكن مبرر على الاطلاق. ولم يكتف بذلك، بل استمر بهذا النهج الذي من نتائجه كان انقلاب الثامن من شباط الدموي.

فقد دعت الجماهير، والشيوعيون بشكل خاص، عبد الكريم قاسم إلى تسليحها من أجل الدفاع عن الجمهورية وعنه أيضاً. لكن الزعيم ظل يحكم بفترة انتقالية مفتوحة، طالت أكثر مما كان ينبغي أو ضروري. وظلت هذه المرحلة الانتقالية سارية حتى القضاء عليه، أي البقاء والحكم في ظل غياب دستور دائم.

لقد أثار هذا الواقع أمام الحزب الشيوعي، كما هو الحال عند غيره، إشكالية السلطة والموقف منها. فإذا كان أعداء عبد الكريم قاسم متوحدون وبلا جدل أو خلل في سعيهم للقضاء عليه، فإن الأمر كان مختلفا بالنسبة للشيوعيين. لكنه سؤال أخذ بالظهور واحتل موقعه المناسب في المواقف الحزبية السياسية واختلاف وصراع قواه. بمعنى انعدام الوحدة والصرامة في اتخاذ موقف عملي واحد. وإذا كانت هناك روايات عن دور السوفييت في تراجع الحزب عن المشاركة في الحكم، فما بالك يا ترى في الموقف من اسقاط حكومة عبد الكريم قاسم والقضاء عليه؟ وعادة ما يجري تفسير الموقف السوفيتي آنذاك بأسباب عديدة عراقية وعربية ودولية. ويحتوي كتاب حنا بطاطو في أجزائه الثلاثة عن العراق عن تلك الفترة الكثير ما يمكن تسليط الضوء على هذه القضية.

ففيما يتعلق بشخصية عبد الكريم قاسم وسياسته، فقد كانت هناك مخاوف من إمكانية تغير تحالفاته الدولية. فقد طرح آنذاك سياسة الحياد. كما أن الحكومة البريطانية بدأت بمغازلته. في حين كان خطابه في كنيسة مار يوسف عام 1959 يتسم بنزوع هجومي شديد ضد الشيوعيين. كل ذلك قد دفع إلى الأمام مهمة تحديد موقف الحزب الشيوعي من شخصية عبد الكريم قاسم ومن قضية السلطة. وبما انهما مترابطان، من هنا أصبحت القضية واحدة، بمعنى إن ازالته من السلطة يعني إعادة ترميم النظام السياسي وتحديد آفاقه، كما إن الحصول على السلطة سوف يضع بالضرورة إشكاليات العراق جميعها أمام مهمة النظر فيها بمعايير الموقف الاستراتجي. بينما كانت كافة هذه الأمور والجوانب والأسئلة، إن لم تكن خارج الاهتمام النظري والسياسي العملي للحزب الشيوعي، فإنها على الأقل لم تشغل باله بقدر ما كانت تشغله قضية السلطة. وهذه بدورها كانت محل تجاذب واختلاف. فقد كان سلام عادل وجمال الحيدري إلى جانب ضرورة استلام السلطة وإزاحة عبد الكريم قاسم، بينما وقف كل من عامر عبد الله وزكي خيري وبهاء الدين نوري وحسين ابو العيس بالضد من ذلك. وعندما وضع عامر عبد الله سؤاله بعد فوات الأوان، لماذا لم يستلم التيار الداعي لإزاحة عبد الكريم قاسم استلام الحكم، فإنه يبدو تجاهل أو يتجاهل موقف التكتل الرباعي الذي شل إرادة الحزب آنذاك بصدد هذه القضية، أي التكتل الذي كان هو أحد عناصره الأساسية. بمعنى نسيانه مواقفه التي شلت إرادة الحزب وأصابته بالتردد. وبالمقابل يمكن مواجهته بالسؤال التالي: لماذا وكيف أيد عامر عبد الله فكرة وشعار "العمل الحاسم" عام 1965؟ وهل بإمكانه ان يحدثنا عن كيفية تأييده لشعار "العمل الحاسم"؟ (يتبع....).

***

يوسف محمد طه

 

الحزب الشيوعي العراقي: إشكالية القادة والإرادة والأقلية1

السؤال الجوهري الذي يتبادر إلى الذهن هو هل أن هناك جدوى وإمكانية لإعادة تقييم تاريخ الحزب الشيوعي العراقي من أجل المستقبل؟ وبالتالي، هل هناك إمكانية فعلية ومستقبلية لحزب شيوعي مكافح من اجل الحقوق الطبقية للكادحين والثورة الاشتراكية والشيوعية؟ وهل الحزب الشيوعي العراقي الراهن هو حزب شيوعي بالمعنى الكلاسيكي للفكرة الشيوعية والعملية؟

لكل حزب سياسي تاريخه الخاص ومن ثم مآثره وآثاره، نجاحه وخسارته، انتصاره وهزيمته، آفاقه المفتوحة أو المنغلقة. وبالتالي لكل حزب أسبابه الخاصة في كل هذه العملية الدرامية. فما هو السبب الجوهري القائم وراء ما تعرض له الحزب من فوز وهزيمة في مسار التاريخي الفعلي.

إن السبب الأساسي في اعتقادي هو التشوه الفعلي في قيادة الحزب، الذي جعل من قوى قومية وعرقية ودينية ومذهبية أقلية التمكن من قيادته. فقد كان صعود الحزب التاريخي منذ نشوئه حتى ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 وما بعدها مرتبط أساسا بهيمنة القوى الاجتماعية والفكرية والثقافية للجنوب والوسط العراقي، أي مصدر ومنبع ومرتع الحركة الشيوعية في العراق. وحالما جرى تغير هذه المعادلة، من خلال احتلال الأقليات في الحزب، حينذاك بدأت الهزائم. وهي ظاهرة لا علاقة لها في حالة العراق بالأكراد أو التركمان أو النصارى أو السنّة وغيرهم بهذه العملية ونتائجها، بقدر ما انها ترتبط بظاهرة هيمنة الأقلية أيا كان مصدرها ومحتواها. وهي أقرب ما تكون إلى قانون ثابت حالما نتأمل تاريخ الحركات اليسارية والشيوعية في كل مكان تعرضت فيه للهزيمة، ونجاحها في حال عدم تعرضها لهذا الخلل. بعبارة أخرى، إن إشكاليات الهزائم في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي ترتبط بوقوعه في ظل ظروف مزرية بين التعريب الوطني العراقي والتكريد العرقي. فهي الطاحونة الخفية التي طحنت قواه وكشفت عن طبيعة الخطأ التاريخي في مساره الفعلي.

لقد كانت تلك القضية ذات أهمية منذ البدايات الأولى لتأسيس الحزب. بل وما قبل ذلك عندما نضعها ضمن سياق الصيرورة التاريخية للحركة الشيوعية وشعاراتها المحلية الخاصة. فبالنسبة للعراق وضعت من قبل الكومنترن مهمة تعريب الماركسية والشيوعية. وكما ينقل لنا حنا بطاطو، فإن الكومنترن كان يوصي بتعريب الحزب الشيوعي العراقي. وبغض النظر عن أن بعض شخصياته التأسيسية الأولى من أصول اقلية مثل فهد وبعض الشخصيات اليهودية، إلا أن القوى الجارفة والعامة ما قبل فهد ومعه وبعده كانت من عرب الجنوب والوسط. وهكذا ظل الأمر حتى بداية دخول بعض الأكراد في الحزب. ومع ذلك لم تستفحل ظاهرة تكريد الحزب إلا على أيدي عزيز محمد وكريم أحمد، أي في مرحلة الهزيمة والهزائم.

إن الجذر الأعمق لإشكاليات الحزب الشيوعي، بما في ذلك العراقي، تكمن فيما وراء الظواهر التي جرى التطرق إليها. الأمر الذي يستلزم إعادة النظر بمفهوم الحزب الشيوعي نفسه، بوصفها المهمة النظرية التي يتوقف على حقيقة فهمها إدراك طبيعة المسار التاريخي للحزب الشيوعي العراقي وما تعرض له من هزائم قاتلة. 

فمن الناحية النظرية المجردة والعامة إن الحزب الشيوعي هو منظم الطبقة العاملة من أجل الثورة الاشتراكية وبناء الشيوعية، بوصفها بديلا نافيا وشاملا للرأسمالية. وقد كانت تلك الفكرة العامة عند ماركس ولحد ما عند لينين. وتكشف التجارب التاريخية للأحزاب الشيوعية بأن التوازن الحقيقي والمعتدل في شخصية وسلوك الحزب الشيوعي الماركسي تتوقف على تعادل الإرادة الذاتية والظروف الموضوعية. وعلى هذا التعادل أو التوازن تتوقف إمكانيات ونوعية وآفاق التغيير الفعلية.

فقد كانت أغلب إن لم يكن جميع الأحزاب الشيوعية التي تشكلت بعد ثورة اكتوبر في روسيا وتسلم الحزب اللينيني (البلاشفة) السلطة، نسخا متنوعة ومختلفة من حيث القوة والأصالة لهذه الطبعة الأولية. ومع صعود الستالينية أصبح أغلب هذه الأحزاب مطبوع بها بوعي أو بدون وعي. وجذر القضية هنا يقوم في أن الستالينية ليست نتاجا واعيا وأصيلا ضمن سياق المفهوم السليم للحزب الشيوعي الماركسي. فقد كان ماركس أكبر شارح وناقد للرأسمالية. إلا أن الرأسمالية أظهرت قدرة أكبر بكثير مما كان ماركس يتصوره. بينما نشأت وتطور اللينينية وحزبها السياسي في ظل ظروف تاريخية واجتماعية واقتصادية وثقافية أخرى تختلف عما كان عليه الأمر زمن ماركس من جهة، والحالة الأوربية من جهة أخرى.

لقد جعلت اللينينية من الحزب قوة ما فوق تاريخية. وفي المجال الاجتماعي السياسي جعلت منه بديلاً للطبقة العاملة نفسها. بل اعتبرت الحزب هو "عقل وضمير الطبقة العاملة". الأمر الذي جعلها بالضرورة قوة إرادوية خالصة. بمعنى تغليب الإرادة على الظروف الموضوعية. فالحزب الشيوعي اللينيني أكثر إرادة من الحزب الشيوعي الماركسي. وهذا هو الجذر السياسي الفاعل وراء ظهور الستالينية في الأحزاب الشيوعية اللينينية. وقد كان تأثيرها فاعلا بدرجات وأشكال مختلفة ومتنوعة. لكنه تأثير قائم وفاعل. وقد كانت الستالينيبة بهذا المعنى استيعابا مشوها لفكرة الإرادة اللينينة. غير أن سيادتها وتغلغلها في النسيج النظري للفكرة الشيوعية الصاعدة على النطاق العالمي جعلها أيديولوجية مقبولة. لقد انتهك ستالين المبادئ والرؤية والفكرة اللينينية عن الإرادة والحزب. ومنه تعلمت الأحزاب الشيوعية الناشئة وطبقوها بأثر أسباب ولأهداف مختلفة تبعاً لظروفهم ومساعيهم وغاياتهم المحددة.

يختلف تقدير ماركس السياسي واستنتاجاته عن تقدير لينين السياسي واستنتاجاته. فقد كان الحزب الشيوعي عند ماركس يختلف من حيث البنية والتركيب والدور والوظيفة عن الحزب الشيوعي عند لينين. الحزب الشيوعي عند لينين أكثر إرادوية مما عند ماركس. وضمن هذا السياق يمكن فهم الحوافز والقوة القائمة وراء انقلاب اكتوبر عام 1917. بعبارة أخرى، لقد كانت ثورة اكتوبر، رغم الظروف الموضوعية، هي بالدرجة الأولى نتاج فكرة الإرادة السياسية اللينينية. وقد كانت تلك إرادة تاريخية جبارة. وعليها سارت احزاب لها دورها التاريخي الكبير مثل الحزب الشيوعي الصيني والفيتنامي والكوبي. وقد اثبتوا براعة وتجانسا في هذا الميدان رغم كل الثقل الهائل الذي واجهوه من جانب القوى الامبريالية الكبرى آنذاك ولحد الآن، أي على خلاف الحزب الشيوعي السوفيتي وأحزاب أوربا الشرقية الشيوعية. التي ابتعدت عن روح البلاشفة الثورية وفكرة الإرادة اللينينية. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن أسباب أخرى كثيرة لعل أهمها هنا هو نجاح الإصلاح الاجتماعي في أوربا الغربية المجاورة لأوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي. كل ذلك يكشف عن انه لا الثورة الاشتراكية ودكتاتورية البروليتارية بالمفهوم الماركسي قد انتصرت في أوربا الغربية، ولا الثورة الاشتراكية ودكتاتورية البروليتارية بالمفهوم اللينيني قد تحققت في أضعف حلقات الرأسمالية العالمية. وبالمقابل نرى واقع القدرة الهائلة على التكيف والتطور من جانب الرأسمالية العالمية. إذ استطاعت بمعنى ما ايجاد أساليب وطرق جديدة بعيدة تجاوزت التقديرات والاستنتاجات الماركسية أو اللينينية.

غير أن ذلك لا يعني ضياع أو خطأ الحصيلة النظرية للماركسية واللينينة فيما يتعلق بالرأسمالية وآفاق مسارها التاريخي. لقد تغيرت الظروف ومن ثم ينبغي للرؤية النقدية والسياسية الواقعية أن تتغير بالشكل الذي يجعلها قادرة على مواجهة وتحدي الوقع بما يتناسب مع إمكاناتها الفعلية المحكومة بدورها بالقيم العليا لفكرة الإنسانية والعقلانية الكامنة في الماركسية واللينينية.

فالوضع العالمي الجديد للرأسمالية يصنع إمكانيات واحتمالات متعددة. واستطاعت الرأسمالية العالمية تجاوز الكثير من الفرضيات السياسية والتاريخية للماركسية واللينينية، فضلاً عن تجاوزها للكثير من التيارات الماركسية الجزئية من ماوية وتروتسكية وجيفارية وأمثالها. كما استطاعت الرأسمالية العالمية إعادة الكثير من الدول والشعوب التي تمردت عليها إلى حظيرتها من جديد. وبالتالي فإن التحولات الكبرى في مختلف الميادين وعلى كافة المستويات تجري اساسا ضمن نظام رأسمالي عالمي ومحكومة في الأغلب بالمراكز الرأسمالية.

غير أن ذلك لا يعني استحكام الهيمنة المطلقة للرأسمالية ومراكزها القديمة والجديدة، انطلاقا من أن الرأسمالية نفسها تبقى في نهاية المطاف مرحلة من مراحل التطور التاريخي للأمم. كما أنها، شأن كل نظام اجتماعي اقتصادي سياسي، لم ولن تنف الإمكانيات الكامنة في الإرادة الإنسانية للبحث عن بدائل أفضل.(يتبع.....)

 

يوسف محمد طه

.....................

1- ان الرؤية المتكاملة عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي تفترض المراجعة والتقييم والنقد المتعدد الجوانب والمستويات منذ تأسيسه وحتى اليوم. مما يتطلب بدوره القيام بتشكيل لجنة علمية وفكرية وسياسية متخصصة، تعرض نتائج ما تتوصل إليه على مؤتمر حزبي مخصص لهذا الغرض. وعلى هذه الخلفية فقط يمكن صياغة رؤية استراتيجية مستقبلية لانتشال العراق من المأزق التاريخي الذي وقع فيه، منذ ثورة الرابع عشر من تموز ولحد الآن.

 

لقد توفي يوسف اليوم. لهذا لا يمكنني إرسال المقال إليه وهو على فراش الموت لكي يرى ما كتبه. إلا أن ذلك لا يعيق نشر كل ما كتبه بهذا الصدد. لاسيما وأن كل ما فيه عميق الارتباط الوجداني والعقلي بالمصالح الكبرى للعراق والعالم العربي. فقد أرسل لي قصاصة (الكترونية) قبل موته بيوم يقترح فيها تعديل العملية السياسية في العراق وضرورة بلورتها في مقال أو برنامج سياسي. ولا غرابة في الأمر، فقد كانت تلك هي شخصيته على الدوام. وأملي في أن الموت يحاصر روحه الهائجة ويعطي لها الهدوء والسكينة. على أمل أن تأخذ الأجيال اللاحقة هذه المهمة على عاتقها. فللعراق والعالم العربي أهله على الدوام.

ميثم الجنابي

***

بداية الهزيمة التاريخية للحزب

لقد كانت بداية الهزائم السياسية الكبرى والصغرى مرتبطة بأسباب عديدة اجتماعية وبنيوية وثقافية واقتصادية وسياسية. لكنها في الوقت نفسه كانت أيضا جزء من تعمق التجربة السياسية. ومع ذلك كانت تحتوي على عناصر بنيوية ملازمة للخلل الجوهري الذي سيكشف عن نفسه للمرة الأولى بصورة قوية بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958. حزب جماهيري هائل والأقوى في العراق آنذاك ويقابله قادة بلا إرادة مستقلة ولا جرأة ولا شجاعة. لاسيما وأنها صفات ينبغي ان تكون عضوية وجوهرية في الشخصية القيادية. ووجد ذلك انعكاسه التاريخي الأكبر في تعرض الحزب عام 1963 إلى هزيمة تبين لاحقا بأنها هزيمة تاريخية قصمت عموده الفقري، بحيث لم يستطع الإفاقة منها لعدة عقود وحتى اليوم.

إن تعرض الأحزاب السياسية لصدمات وهزائم مريرة حوادث طبيعية ولا يمكن التحرر منها بصورة كلية ومطلقة. غير أن الأهم من ذلك هو كيفية الصمود وتذليل الهزيمة.

فما الذي جرى بعد عام 1963 على مستوى القيادة الشخصية وبرامج البدائل؟ إن البديل الأول والأكبر آنذاك كشف في وقت لاحق عن خوائه وطابعه التخريبي الشامل. لقد ابتدأ ببديل في مجال القيادة هو الأكثر سخافة وتفاهة في تاريخ الحزب بتولية عزيز محمد القيادة والتي استمرت من عام 1964 حتى 1993، أي كل تلك المرحلة المفصلية التي جعلت من الحزب قوة خائرة ومتحللة وآيلة إلى الدمار الذاتي والانحلال شبه التام. 

وبدأ ذلك باجتماع براغ للجنة المركزية، التي جرى فيه انتخاب عزيز محمد سكرتيراً للجنة المركزية. وهو قرار "نموذجي" للخطأ والخطيئة دفع الحزب ثمنا باهظا له فيما مضى وحتى الآن ولفترة مستقبلية قد تطول أو تقصر ما لم يجر القضاء التام على هذا النوع والنمط من القيادة الحزبية. ولم يكن ذلك معزولا عن الطبيعة "الشريرة" القائمة في نفسية وذهنية قيادات الخط الأول الممثلة الفعلية للمؤامرة والمغامرة من اجل السلطة الضيقة والمبتورة عوضا ان يكون سلوكها محكوما بفكرة الدفاع عن المصالح الاجتماعية والوطنية. فقد كان "انتخاب" عزيز محمد نتاج مناورة مؤامرة قام بها عامر عبد الله وبهاء الدين نوري. وهو أمر يكشف عن التقاليد الانتخابية في الحزب آنذاك، ولحد الآن. انها مجرد استمرار لتقاليد عتيقة ميتة ومن ثم مليئة بقيح الفردية الأنانية الضيقة وحب "الزعامة" التافه، والذي كشف المسار اللاحق عما فيها من كمون يقترب من معنى الجريمة والخيانة الفعلية.

لقد كان عزيز محمد "الوسطي والتوفيقي" مجرد خدعة سياسية تكشف بلادة "الأذكياء" من قيادة الحزب آنذاك الذين اعتقدوا بأنهم يتعاملون مع دمية يمكن التحكم بها، أي دون أن يدركوا بأن التقاليد الشيوعية القديمة والحالية لا علاقة لها بالذكاء والكفاءة، بل هي محكومة بقوة "المركز" و"الموقع". وذلك لأن نمط "القيادة" مبني على اساس علاقة التابع بالمتبوع والسيد بالمسيود والعبد بمالك العبيد! من هنا يمكن لأكثر الناس بلادة وغباء وانعدام للكفاءة ان يكون "قائدا فذا" يحكم الجميع بما في ذلك بمعايير البلادة!

وليس مصادفة أن يتحول عزيز محمد في مجرى الصراع والخبرة إلى بهلوان وداهية في آن واحد. فبعد ان عاد بهاء الدين نوري ومهدي الحافظ في تشرين الثاني عام 1964 إلى العراق، أي بعد ما يسمى "بخط آب" عندما كان عمر الشيخ المسئول الحزبي الأول بالوكالة. وعندما جرى اعتقاله في أواخر كانون الأول أصبح بهاء الدين نوري المسئول الحزبي الأول. وقد تحول هذا التقاليد الذي اتبعه عزيز محمد إلى نمط ونهج متواصل وسائد في تعاقب الأكراد على قيادة الحزب. حيث بات مصدر "المركز" والقوة" بيد الأكراد كما نراه على نماذج عزيز محمد وكريم احمد وعمر الشيخ وبهاء الدين نوري. ولاحقا سوف تستفحل بصورة يصعب تفسيرها بمعايير الانتماء الصادق أو الكفاءة والاحتراف والمعرفة.

لم يستمر خط آب لعام 1964، على الاقل من الناحية الظاهرية فترة طويلة. إذ جرت محاولة تصحيحه عام 1965 والتي قادها آنذاك عامر عبد الله. لقد كانت تلك أقرب ما تكون إلى محاولة التكفير عن الذنوب السابقة. حيث جرى اجتماع الهيئة القيادية في بغداد في الثامن عشر من نيسان عام 1965 والذي استمر لأربعة أيام، حيث اقرت فيه وثيقة "العمل الحاسم". لكنها محاولة لم تخل من تقلبات وتراجع يمكن العثور على مختلف حيثياتها في ما اورده حنا بطاطو عن تفاصيل مراسلات مركز بغداد مع مركز براغ حول "العمل الحاسم".

إن هذا التذبذب مرتبط اولا وقبل كل شيئ بعدم نضوج القيادة السياسية والفكرية للحزب، وهيمنة الأقلية والاطرافية في مركز الحزب، ونفسية الهزيمة، وضعف البنية الاجتماعية للعراق ككل. ولعل تذبذب الحزب في سياسته العملية المبنية في أغلبها على رد الفعل وليس على اساس رؤية استراتجية بعيدة المدى وقدرة تكتيكية مناسبة هو دليل على ذلك. لهذا نرى انعدام المبادئ الثابتة والقواعد المتغيرة. من هنا تطرف القيادة باتجاه "اليسار الثوري" عندما يكون هناك تراجع في المد الجماهيري، وبالمقابل تراجع صوب "اليمين" عندما يكون هناك نهوض جماهيري!

وهذا كله ليس فقط نتاج ضعف إمكانيات التقدير السياسي عند "أطفال الشيوعيين"، بل والطبيعة الرخوية للقيادة المشبعة بتقاليد الرثة الاجتماعية. من هنا كان الاهتمام الأكبر فيما يمكن دعوته بلعبة القيادة، كما لو أن العملية السياسية المعقدة التي كان يمر بها العراق، يمكن حلها على اساس لعبة المسترخين على وثائر التضحيات الجسام للمجتمع، في غرفة الشطرنج الحزبية. ومن الممكن التدليل على ذلك في ما تورده مذكرات القادة الحزبيين آنذاك. إذ يشير بهاء الدين نوري، على سبيل المثال، في مذكراته عن أن منظمة اقليم كردستان للحزب الشيوعي كانت أكبر منظمات الحزب الشيوعي عام 1966. وفي نفس العام يعود عزيز محمد ليصبح سكرتير اللجنة المركزية لبغداد. وبالمقابل ينتقل بهاء الدين نوري لقيادة منظمة اقليم كردستان. وأخذ عزيز محمد بتأييد اتجاه "العمل الحاسم" في مرحلة عارف، بعد ان كان يرفضه في رسائل براغ لعام 1965، كما نقل لي ذلك باقر إبراهيم في أحد احاديثه الشخصية معي. وفي عام 1967 يجري اجتماع اللجنة المركزية في بغداد بقيادة عزيز محمد، وبأثره يجري رفع عزيز الحاج إلى عضو المكتب السياسي. وفي صيف نفس العام يغادر عزيز محمد العراق، وعوضا عنه يصبح زكي خيري في قيادة الحزب بالوكالة. وبأثرها يعود بهاء الدين نوري إلى بغداد، بينما يصبح كريم احمد في رئاسة قيادة منظمة الإقليم.

وبعد هزيمة حزيران عام 1967 يرفع عامر عبد الله شعار "حكومة دفاع وطني". ويجري استكمالها بانشقاق أيلول من نفس العام بقيادة عزيز الحاج. وقد كان آنذاك من أعضاء المكتب السياسي في بغداد كل من زكي خيري وبهاء الدين نوري وعزيز الحاج نفسه. حيث يأخذ عزيز الحاج باعتقال بهاء الدين نوري وزكي خيري حسب رواية بهاء الدين نوري نفسه في مذكراته. وجرى عقد الاجتماع الطارئ للجنة المركزية في الثالث من تشرين أول عام 1967 في بغداد بغياب زكي خيري، الذي كان آنذاك معتقلا لدى عزيز الحاج كما جرت الإشارة إليه أعلاه. وفي نفس العام يجري عقد الكونفرنس الحزبي الثالث في نهاية كانون أول، حيث يجري فيه اقرار تجديد قيادة عزيز محمد للحزب. وبأثر انقلاب تموز عام 1968 وطبيعة الظروف والأسباب الداخلية والخارجية القائمة وراءه يأخذ توجه الحزب الشيوعي من جديد نحو "العمل الحاسم".

إننا نقف هنا أمام مراهقة سياسية لم تنضج في تاريخ الحزبي وقياداته في مجرى أشد المراحل دموية وديناميكية. الأمر الذي يجعلنا قادرين على افتراض مستوى إدراك القادة الجدد للانقلاب (البعثي) لعام 1968 لطبيعة الحزب وقادته. ويمكن رؤية ذلك في الطريقة الجديدة لمواجهة الحزب الشيوعي. حيث بدأت مرحلة ما يمكن دعوته باحتواء الشيوعيين بدلاً من البطش بهم كما كان الحال في الماضي (منذ انقلاب الثامن من شباط عام 1963). فقد كان آنذاك عبد الرزاق النايف مدير الاستخبارات العسكرية ورجل المخابرات البريطانية. بينما كان إبراهيم الداوود آمر لواء الحرس الجمهوري ورجل المخابرات الأمريكية. وبالمقابل ظهر موقفان في قيادة الحزب الشيوعي تجاه سلطة البعث الثانية، تيار رافض لهذه السلطة، وآخر يدعو للتريث وينتظر تطور الأحداث. ووجد ذلك انعكاسه في المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي في أيلول عام 1970 ونتائجه وقراراته. والحصيلة هي موقف توفيقي بين التيارين. ونرى هذه الملامح أيضا في الموقف من الجبهة الوطنية، حيث كان التصويت في الاجتماع الطارئ للجنة المركزية في تموز عام 1973 بخصوص إقرار الجبهة الوطنية هو الفوز بأغلبية ثمان أصوات مقابل سبعة معارضة.

أما الأحداث اللاحقة فقد سارت بمسارها الدرامي والدموي والمجهول بقدر واحد. ففي البداية حدث انهيار الحركة الكردية المسلحة في آذار 1975 بعد اتفاقية الجزائر بين صدام حسين وشاه إيران. وفي عام 1976 جرى انعقاد المؤتمر الوطني الثالث للحزب الشيوعي في بغداد. وفي آيار 1978 بدء تفكك وانهيار الجبهة الوطنية بأثر إعدام واحد وثلاثين شخصا من اعضاء الحزب الشيوعي وأنصاره بذريعة كاذبة.

لم يكن سلوك السلطة البعثية (وصدام بالأخص) عشوائيا، بل كان قرار مبنيا على اساس استراتيجية تفكيك الجبهة الوطنية وسحق الحزب الشيوعي في وقت وظروف اعتقد حزب البعث وقادته آنذاك، بأنه الاكثر ملائمة للقيام به من اجل الانفراد المطلق بالسلطة. غير أن التطور اللاحق أظهر كم كانت الجبهة الوطنية حاجة ضرورية للشعب والعراق. ولم يدفع الشعب والعراق ثمن ذلك القرار، بل وحزب البعث وصدام نفسه، سواء في مجرى الحروب الدائمة والحصار ونهايته في الغزو الامريكي. والنتيجة هي اعدام صدام والبعث، عبر تقنين "اجتثاثه" أو  اعدامه السياسي والأخلاقي التاريخي والمستقبلي.

وحالما نعود إلى تلك الفترة وتقييمها بمعايير السلوك السياسي التكتيكي للحزب، فإن الشيئ الأول والظاهر للعيان هو أن الحزب لم يكن يمتلك ولم يتقن اسلوب وتكتيك الانسحاب المنظم. لقد جرى كل ذلك آنذاك بصورة عشوائية حيث ترك اعضاء الحزب وجماهيره فريسة "للخلاص" الفردي والهروب الهائج. وقد كان من الممكن تخفيف وتخفيض كمية الخسائر فيما لو كان للحزب رؤية عملية بصدد كيفية التراجع. أما قرار "الذهاب" إلى كردستان من اجل اسقاط السلطة فقد كان يحتوي بقدر واحد على رؤية وهمية  لا علاقة لها بالواقع وإمكاناته من جهة، وأسلوبا لتفريغ أية إمكانية نقدية لسياسة الحزب زمن "الجبهة الوطنية" وما تلاها من أحداث. فقد كان قرار الذهاب إلى كردستان قرارا "كرديا" لا علاقة له بإمكانية المواجهة الفعلية ضد السلطة الدكتاتورية الآخذة في التكامل. وذلك لأنه تم ليس من خلال دراسة الواقع وإشكالاته وآفاقه وحالة الحزب وإمكاناته الفعلية، بل باتفاق شخصي وفردي جرى في لقاء عزيز محمد مع بهاء الدين نوري في موسكو في عام 1987 وفقاً لمذكرات بهاء الدين نوري نفسه.

 تكشف هذه الحالة النموذجية عن الأثر السلبي الجلي للتركيبة القومية في قيادة الحزب. لقد كانت مظاهرها ونتائجها تتصف بقدر هائل من التخريب. واستفحلت هذه الظاهرة لكي تصبح قضية جوهرية في الجدل الظاهر والمستتر ومن ثم تستقطب الطاقات في اتجاه لا علاقة له بطبيعة الحزب الشيوعي وأيديولوجيته وفلسفته وغاياته. غير أن الواقع فرض هذه "الفريضة الغائبة" والقائلة، بأن المسار الطبيعي والضروري للأحزاب الاجتماعية الكبرى ينبغي ان تعتمد على الفئات والطبقات الاجتماعية القادرة على مدّها بالقوى والطاقة. وفي حالة العراق لم يكن بإمكان اية قوى تقديمها غير قوى الوسط والجنوب العراقي. ولعل الأحداث الدامية بما في ذلك في ظروف العراق الحالية بعد الاحتلال قد جعلت من هذه النتيجة أقرب ما تكون إلى بديهة سياسية.

ففي اجتماع اللجنة المركزية لعام 1990، طرحت للمرة الأولى مهمة مراعاة التركيب القومي في قيادة الحزب. ووفقاً لمذكرات بهاء الدين نوري، فقد جرى انتخاب حميد مجيد موسى باعتبارها خطوة في تخليص الحزب من سياسة التكريد الغبية. وهي خطوة اتخذت تحت ضغط الخروج شبه الجماعي للكوادر الحزبية العربية من الحزب الشيوعي. لقد بات الحزب كردياً، أي ليس شيوعيا بالمعنى الدقيق للكلمة. بل لا يمكنه أن يكون كذلك. بحيث لم يعد هناك أي مبرر لبقاء الشيوعيين العرب في حزب شيوعي مستكرد. وجرت الموافقة على قيادة حميد مجيد موسى للحزب في المؤتمر الخامس عام 1993. مع أن ذلك لم يغير شيئا. فقد استمر الخط التنازلي للهزيمة، وذلك بسبب تسوس الحزب الذي جرى اساسا لتكريده وتحويله إلى تابع ذليل للأحزاب الكردية القومية (العرقية والاثنية). وهي حالة فريدة في تاريخ الحركة الشيوعية العالمية! وليس مصادفة أن تكون فترة الحزب ما بين 1980 وعام 2017، أي ما بعد انهيار الجبة الوطنية وانحسار الدور التاريخي للحزب وحتى الظروف الحالية هي سنوات العجاف والجرائم والخيانة الوطنية. فقد كانت تلك مرحلة القيادة الباهتة لعزيز محمد ولاحقا لحميد مجيد موسى، أو حميد البياتي كما كان يسمى سابقاً. وبالتالي، فإن الإبقاء على الاسم دون اللقب كان يحوي في اعماقه على خجل مبطن وسياسة مستمرة لما سبق.

لقد ارتكب عزيز محمد وحميد البياني جرائم كبرى بحق الحزب الشيوعي. واتسم سلوكهم بوعي او دون وعي بمواقف تتسم بالخيانة وليس بأخطاء سياسية يمينية أو يسارية. أما السبب الجوهري لما اسميته بالسنوات العجاف فيرتبط بالشعار الاستراتيجي الخاطئ للقيادة آنذاك. فقد كان شعار وإستراتيجية الحزب حينذاك تقوم على اساس إسقاط النظام البعثي في ظل ظروف غير ملائمة وإمكانات محدودة وضعيفة وهشة، أي ليست واقعية على الاطلاق. وبالتالي تحول الى شعار وإستراتيجية كم الأفواه النقدية عبر احراجها بمهمات "الذهاب لكردستان" من اجل اسقاط الدكتاتورية! وهي مهمة لا تختلف كثيرا فيما لو جرى مطالبة رفاق الحزب بإسقاط السلطة من خلال تجميعهم في جزيرة سوقطرة اليمينة! لقد كانت قوة النظام الدكتاتوري هائلة للغاية. بينما كان الشمال العراقي لا علاقة جوهرية له بالعراق، كما لم يكن اكثر من جبال ومغارات للأحاديث الحزبية واللغو السياسي الفارغ وأكل البرغل! فالتجربة التاريخية اللاحقة سواء من حيث مجرياتها ونتائجها كشفت عن ان اسقاط نظام البعث الصدامي كان بحاجة إلى قوة هائلة. ولم يستطع القيام بها، على الأقل من الناحية العسكرية، سوى التحشيد الامريكي الهائل وتجميع قوى "التحالف الدولي"، أي مراكز الكولونيالية القديمة تحت غشاء "ديقراطي" مهلهل. لكنه ناجح. ذلك يعني أن سياسة الحزب السابقة في الصراع العسكري مع النظام لم تكن أكثر من محرقة استراتجية وسياسة زج بها قوى الحزب وأنصاره العربية أولا وقبل كل شيئ. أما قيادة رائد فهمي، بدأ من المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي المنعقد في كانون اول عام 2016 فقد كانت من حيث دوافعها وأساليبها وغاياتا استمرارا لما سبق. إذ بقى حميد مجيد موسى البياتي السكرتير الفعلي. بمعنى قيادة خنيث لمجموعة خنثى. الأمر الذي يضع مهمة الاجابة على السؤال المتعلق بكيفية تقدم رائد فهمي وجاسم الحلفي من مزبلة عزيز محمد وحميد البياتي. فضلاً عن ان جاسم الحلفي مازال مخلب كردي مغروز في جسد الحزب الشيوعي. ومع ذلك تبقى إمكانية الواقع تحتوي على كافة الاحتمالات. الأمر الذي يشرعن السؤال المتعلق عما إذا كان بإمكان الحزب الشيوعي ان يتعافى، وعما إذا كان ذلك ممكنا وضروريا؟

 لقد استمعت لمحاضرة رائد فهمي في الجالية العراقية في مالمو/ السويد في التاسع عشر من تشرين أول عام 2018. وفيها يمكن تلمس وجود رؤية سياسية ناضجة نسبيا وتحتمل إمكانية التطوير. لكن من الضروري التوكيد هنا على ان هذا التحول الإيجابي أو النبتة الأولية أو البذرة القابلة للنمو تبقى في نهاية المطاف نتاج الضغط الخارجي للواقع وأنصار الحزب أكثر مما هي إعادة نظر نقدية وبنيوية عميقة لتاريخ الحزب وتأمل المستقبل. بعبارة اخرى،يمكن لهذه الضغوط أن تستمر. وبالتالي تفرض تطوراتها المختلفة. غير أن هذا يتطلب التخلص من كل النتائج التي ترتبت على الأخطاء السابقة. وخصوصاً الموقف من الاحتلال الأمريكي للعراق. فهل رائد فهمي ورفاقه على قدر هذه المسؤولية والمهمة؟ إن الإجابة على هذا السؤال متروك لأحداث الحاضر ومجريات المستقبل. وهي امور وجوانب تثير التشاؤم أكثر من التفاؤل. وذلك لإننا نقف في الواقع أمام استمرار حميد مجيد موسى سكرتيرا فعليا للحزب الشيوعي. وهو الشيئ الذي يضع علامات استفهام عديدة أخرى. فضلاً عن انه يجري الحديث عن إمكانية عودته مرة ثانية سكرتيراً للحزب الشيوعي. بمعنى استنساخ تجارب الديمقراطية الصورية، أي المزيفة. وخطورة هذه الظاهرة تقوم في أن جميع المعلومات المتوفرة عن شخصية حميد مجيد موسى كانت من الناحية الفعلية تشير إلى انه السكرتير الفعلي للحزب. بمعنى تخفيه خلف رائد فهمي. وبالتالي، فإن رائد فهمي هو مجرد واجهة أو ألعوبة بيد حميد مجيد موسى. وهذا يعني أن مزبلة عزيز محمد مازالت تحكم الحزب الشيوعي العراقي. إلا أن العمل السياسي العلني ولأسباب عديدة اخرى، لن يسمح فيما يبدو، أو كاحتمال أكبر ان تتحكم مزبلة عزيز محمد بالحزب الشيوعي العراقي لفترة طويلة قادمة!! إذ للعمل السياسي العلني روافعه في تصحيح الحياة الحزبية الداخلية لمختلف الأحزاب. كما يمكن للعمل السياسي العلني تصحيح الحياة الداخلية لمختلف الأحزاب السياسية الموجودة حاليا. وبغض النظر عن الإمكانية الإيجابية الكامنة فيما اسميته بالنبتة المحتملة لتطور وازدهار قوة الحزب من جديد، فإنها لا يمكن أن تكون نبتة الاشتراكية والشيوعية أو لأجلهما. (يتبع....)

***

يوسف محمد طه

 

استمرار العمل القيادي الفردي

لقد جرى تسليم قيادة الحزب إلى كريم أحمد بعد اعتقال بهاء الدين نوري في نيسان عام 1953. في حين جرى تسليم القيادة إلى حميد عثمان بعد هروبه من السجن. لقد استلم هؤلاء الثلاثة (الأكراد) قيادة الحزب خارج سياق الثقل الفعلي لقاعدة الحزب وهي الجنوب والوسط وبغداد. وكان كل منهم يورث قيادة الحزب للآخر في حالة غريبة وشاذة. وتجدر الاشارة هنا، استباقا للأحداث اللاحقة، إلى أن حميد عثمان انتهى في نهاية المطاف في حضن مصطفى البرزاني، وكريم أحمد بطل هزيمة وجريمة بشتاشان، الذي كان على الدوام ثنائي لعزيز محمد.

كان الموقف الاستراتيجي في وثائق المؤتمر الأول للحزب عام 1945 يدعو الى "إقامة حكومة وطنية ديمقراطية". بينما رفعت انتفاضة تشرين عام 1952 شعار إسقاط الملكية وإقامة الجمهورية. وقد كانت تلك الفترة زمن الاعتقال والسجن لأغلب قيادات الحزب وشخصياته. فقد جرى آنذاك اعتقال عزيز محمد وحبسه في سجن بغداد. وكان في سجن "نقرة السلمان" كل من سلام عادل وزكي خيري وعزيز الحاج وآرا خاجودور وعمر الشيخ وحميد عثمان. حينذاك ظهرت مجموعة من المطبوعات السياسية مثل "الجمهورية الشعبية" في سجن نقرة السلمان، التي كان المسئول عنها القائد الحزبي الأول ومؤسسها ورئيسها حميد عثمان. ويقال إن سلام عادل هو من كتب نشيدها الوطني. كما ظهرت في تلك الفترة "راية الشغيلة" التي اسسها جمال الحيدري بعد هروبه من سجن بغداد عام 1953. وقد انتمى إليها آنذاك كل من عزيز محمد ونافع يونس وغيرهم. وحينذاك أصبح بهاء الدين نوري المسئول الحزبي الأول في السجن. وقام بحل "الجمهورية الشعبية" باعتبارها فكرة يسارية صبيانية. ولم تخل تلك الأيام من صراع خفي بين حميد عثمان وبهاء الدين نوري. لكن الأمور تغيرت نسبيا بعد استلام سلام عادل لقيادة الحزب ما بين اعوام 1955 حتى اعدامه عام 1963.

كان سلام عادل بديلاً لحميد عثمان. وبعد انتصار ثورة تموز عام 1958 كان في اعضاء المكتب السياسي كل من بهاء الدين نوري وجمال الحيدري وعامر عبد الله، الذي كان في درجة صديق، أي حتى ليس عضوا بسيطا، قبل خمس سنوات من انتمائه للحزب كما ينقل بهاء الدين نوري في مذكراته. أما بهاء الدين نوري فقد بقي على رأس لجنة التنظيم المركزي منذ أيلول 1958 حتى تشرين أول عام 1960. حيث غادر العراق للاتحاد السوفيتي.

إن الأمر الجلي كما تكشفه الأحداث والرؤية النقدية المعاصرة هو أن الكادر القيادي والتنظيمي للحزب آنذاك لم يكن بإمكانه استيعاب المد الجماهيري المتصاعد ومواجهة مختلف التطورات الفعلية والمحتملة. ومع ذلك جرى اتخاذ بعض الإجراءات التنظيمية والسياسية لمواجهة تلك الحالة. فقد خلت حكومة عبد الكريم قاسم في البداية من مشاركة الحزب الشيوعي. ولازمت تلك المرحلة نشاط حزب البعث الارهابي والاغتيالات السياسية. وهو حال لم يكن معروفا ومألوفا في تقاليد العمل السياسي في العراق. كما انحازت عناصر كثيرة من الأجهزة الموروثة من العهد الملكي للقوى المعادية للشيوعية. ومن الأخطاء الكبرى والجوهرية للحزب آنذاك انه لم يعمل على ردع هذا النشاطات والتجاوزات التي كانت تحدث ضده. وكان بإمكانه أن يفعل ذلك. مما سهل استمرار التجاوزات بحقه.

كما تجدر الإشارة هنا إلى تفكك جبهة الاتحاد الوطني. ولم يجر البحث والعمل على انشاء بديل لها يعمل بمعايير الإدراك الواقعي لطبيعة المرحلة الجديدة في العراق. ومن الأسباب الرئيسية لهذا الاخفاق تجدر الإشارة إلى ما يمكن دعوته بطبيعة البنية والرؤية السياسية لقيادات الحزب والتدخل الاجنبي (السوفيتي) في تحديد مسار الرؤية العملية للحزب تجاه السلطة وبدائلها في العراق آنذاك.

فقد كان زكي خيري وأبو العيس وعبد القادر إسماعيل أول من انظمّوا إلى اللجنة المركزية. وجرى ترفيع زكي خيري وأبو العيس لعضوية المكتب السياسي. وفي عام 1959 جرى ضم عزيز محمد للمكتب السياسي. حيث طالب السوفييت في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي من الحزب الشيوعي العراقي الإشادة بعبد الكريم قاسم في كلمته أمام المؤتمر. وفي نفس العام حدث تمرد عبد الوهاب الشواف في الموصل. كما لعب جمال عبد الناصر دورا مهما في تشويه العملية السياسية في العراق.

تبنى المكتب السياسي في اليوم التالي بعد تمرد الشواف مهمة المشاركة في الحكم، كمقدمة لاستلام السلطة. إلا أن السوفييت انتقدوا موقف الحزب الشيوعي العراقي مما اضطره للتراجع عن مطلب المشاركة في الحكم، وفقاً لمذكرات بهاء الدين نوري.

وقد تكون المعلومات التي اوردها ثابت حبيب العاني في مذكراته الأكثر أهمية من اجل رؤية القوة الفعلية للحزب في الجيش آنذاك وما ترتب عليها من مواقف مختلفة أدت في نهاية المطاف إلى انقلاب شباط الدموي عام 1963.

فقد كانت قوة الحزب الشيوعي في الجيش العراقي مقارنة بغيرهم كما يلي: الشيوعيون في المرتبة الأولى، ثم يليهم الإخوان المسلمون، ثم القوميون والبعثيون وأخيرا القاسميون.

وحدث الاجتماع الأول بين سلام عادل وثابت حبيب العاني لمناقشة قضية "الاستيلاء على السلطة وإسقاط عبد الكريم قاسم" في الخامس من تموز عام 1959. وكان رد المكتب السياسي في حزيران 1961 على اقتراح اللجنة العسكرية مخيبا للآمال.

استغرق رد المكتب السياسي على اقتراح اللجنة العسكرية للحزب حوالي سنتين وفقاً لمذكرات ثابت حبيب العاني! وهو أمر مثير للغاية. ومن ثم يستدعي التوضيح والتفسير. واعتبر باقر ابراهيم أن موقف ثابت حبيب العاني كان مع التكتل الرباعي، الذي كان يضم كل من بهاء الدين نوري وعامر عبد الله ومحمد حسن ابو العيس وزكي خيري. اما رواية مهدي السعيد عن موقف ثابت حبيب العاني، فإنها تختلف تماماً عن رواية ثابت حبيب العاني نفسه بصدد موقفه من قضية الاستيلاء على السلطة. اما عطشان ضيول الإيزرجاوي  فهو شخصية لها قصتها الخاصة، بحيث تستدعي بحد ذاتها التحقيق وكشف ملابسات حياته واغتياله. لاسيما وانه شخصية هامة، ومن هنا بالتالي ضرورة اعادة تحقيقها.

وضمن هذا السياق تجدر الاشارة إلى أن جلال الأوقاتي من بين أوائل من قال بأن "عبد كريم قاسم سوف يدمرنا ويدمر نفسه". ومن ثم ليس عفوياً أو مستغرباً أن تبدأ ساعة الصفر لانقلابيي الثامن من شباط الدموي عام 1963 باغتيال جلال الأوقاتي.

لقد أرعبت انتكاسة الرابع عشر من تموز جماهير الحزب الشيوعي ومختلف القوى الداخلية والخارجية المعادية للحزب الشيوعي بمن فيهم عبد الكريم قاسم. فقد كانت سلطة الانقلاب العسكري الفردية (ثورة تموز) أساس وسبب انتكاسة الانقلاب أو الثورة نفسها. فقد كان بهاء الدين نوري، على سبيل المثال، يرى أن الوضع كان يمكن أن يكون أفضل فيما لو نجحت محاولة اغتيال قاسم في السابع والعشرين من تشرين أول عام 1959. فقد كان سلام عادل في المدرسة الحزبية في موسكو بعد رئاسته لوفد إلى الاتحاد السوفيتي. وقد كانت الإقامة هناك شكل من أشكال إبعاده عن القيادة التي دبّرها زكي خيري، حسب مذكرات بهاء الدين نوري.

لقد رجع سلام عادل إلى العراق في نفس العام (1959). وحسب رواية بهاء الدين نوري حول التكتل الرباعي الذي دخل فيه كل من بهاء الدين نوري نفسه وزكي خيري وعامر عبد الله وحسين ابو العيس، يتبين بأن الوضع القيادي للحزب الشيوعي العراقي في تلك الفترة لم يرتق بأكمله إلى مستوى الخيار والاحتمالات الممكنة. كما تكشف المادة التاريخية والوثائقية للحياة الحزبية الداخلية بأن الطلبة الشيوعيين كانوا أكثر معرفة في مجال النظرية من قيادة الحزب الشيوعي الرسمية. ولا غرابة بالتالي أن يمر الحزب في مرحلة ما يسمى "بالشيوعيين الأطفال". كما يمكن الاستنتاج بأن قيادات الحزب الشيوعي كانت السبب الرئيسي في انتكاسات الشيوعيين.

إلا أن الذي انقذ الحزب الشيوعي، رغم مفارقة الظاهرة، هو صمود الأفراد المخلصين في الحزب واستشهادهم في أحلك ظروف المواجهة الفعلية للأنظمة القمعية. وليس مصادفة أن يجري اطلاق وصف "حزب الشهداء" عليه كما لو انه يحاكي تاريخ الشهادة المميز لتاريخ العراق في جنوبه ووسطه منذ بدايات المواجهة الأخلاقية والسياسية لشراسة الحكم القمعي والإرهاب الأموي. فللتاريخ مدرسته وعبرته ومأثرته الخفية، والجلية في مصائر افراده وجماعاته. وقد ارتقت اسماء فهد وحازم وصارم وسلام عادل وجمال الحيدري وصفاء الحافظ وصباح الدرة وغيرهم من شهداء الحزب الشيوعي، إلى مصاف النماذج الرفيعة والممثلة لحقيقة الحزب الشيوعي ونضاله من اجل المبادئ الاجتماعية والسياسية والوطنية. وأصبحوا بالتالي أقرب ما يكون إلى جذوره وأشجاره وأعمدته الراسخة.

إننا نقف هنا أمام لوحتين أو تيارين، الأول هو التيار الثوري المخلص والمفعم بروح العمل والاستعداد للتضحية من اجل المصالح الوطنية والاجتماعية العليا كما نراه في كل تلك الشخصيات والجماعات التي مرت بدهاليز السجون والتعذيب. ولكل منهم قصته الخاصة، وبمجموعها هي حكاية البطولة والرومانسية الواقعية والثورة المغدورة. بمن فيهم أبطال العمل السري الذين اجتازوه بكل شجاعة وشارك فيه ليس اعضاء الحزب فقط، بل والآباء والأمهات والأخوة والأخوات والأقارب والأصدقاء. فهو التيار ومكوناته التي تشكل السرّ الفعلي لاستمرار الحزب وتواصله. والتيار الثاني سبيكة من المؤامرة والجبن والخيانة المعجونة بمراهقة سياسية وطفولة حزبية وجهل معرفي وشبه امية ثقافية. وقد كان هؤلاء في أغلبهم من الأكراد مثل حميد عثمان وبهاء الدين نوري وعزيز محمد وكريم احمد. "قادة" حزبيون يفتقرون لأبسط المؤهلات القيادية، وعاجزون عن إدراك وحل المشكلات الكبرى اللتي يواجهها الحزب. وبالتالي، فإن ضعف الحزب الشيوعي العراقي وتعرضه إلى خسائر بشرية هائلة وهزائم سياسية كبرى ينبع أولا وقبل كل شيئ من ضعف قياداته. فهي على العموم شخصيات ليست ذات كفاءة لتولي القيادة الفعلية للصراع السياسي على المستوى الاجتماعي والوطني. وقد تكون جريمة وخيانة التكتل الرباعي المؤلف من عامر عبد الله وزكي خيري وبهاء الدين نوري وحسين ابو العيس النموذج الكلاسيكي لهذه الظاهرة. فهم يتحملون مسؤولية خاصة في انتكاسة الثامن من شباط عام 1963. لقد ادى سلوكهم الجبان والخائن تجاه استلام السلطة إلى زج العراق على امتداد عقود ولحد الآن في تخريب شبه شامل للدولة والمجتمع والنظام السياسي. كما انهم يتحملون مسؤولية اغلب التضحيات والخسائر الرهيبة التي تعرض لها العراق بما في ذلك ما يجري حاليا بأثر الاحتلال الامريكي وصعود نخب من نفس الطينة، أي طينة الخراب والخيانة.

ومع أن التاريخ لا يعرف كلمة "لو" غير أن التقييم النقدي يفترض رسم معالم الاحتمال الممكن فيما لو جرت الأمور بطريقة أخرى. لاسيما وانه كان من الممكن أن يجري بطريقة أخرى مغايرة. والمقصود من وراء ذلك هو الكشف عن الجريمة التاريخية والفعلية والكبرى التي اقترفها هؤلاء الأربعة بحق الحزب الشيوعي العراقي وشعب العراق والعراق. ومن ثم يستحقون أكبر إدانة وعقوبة. إذ كان يجب طردهم من الحزب ومحاكمتهم بجريمة الخيانة الكبرى للحزب والشعب. لا أن يستمروا في مواقعهم الحزبية. هذه الزمرة الجبانة شلت عمل الحزب وروح المبادرة والتصدي في وقت كان الحزب في تصاعد ومد وجماهيري هائل. ومن ثم قتلت روح الحزب والجماهير مرتين. مرة ضد الحزب. ومرة ضد الجماهير. وإن استمرارها في النشاط الحزبي كان جريمة وخيانة أكبر من جريمة وخيانة هذه الزمرة. كل ذلك يشير إلى أن استمرار هذه الزمرة في نشاطها الحزبي يعكس نوعية الوضع القيادي للحزب الشيوعي العراقي وإلى أي مدى كان يتسم بالانحطاط والجبن والذيلية والتردد. فلا عجب ان تظهر قيادة عزيز محمد ولاحقا حميد مجيد موسى اللذين يمثلان الصيغة "الكاملة" للانحطاط.

لقد مرت جريمة الثامن من شباط لعام 1963 مرور الكرام. ولم تجر محاسبة ومحاكمة حقيقية لقادة هذه الزمرة الجبانة والخائنة. لاسيما وأن سلوكها كان من حيث دوافعه الأساسية يتسم بقدر كبير وأساسي من المصالح الشخصية الضيقة. وهي مصالح نفسية لا علاقة لها بالفكرة السياسية والاجتماعية والوطنية، أي بالاجتهاد السياسي. إذ كان كل منهم يعتقد بصورة جازمة بأنه الأولى والأجدر بقيادة الحزب من سلام عادل. فقد كان ثابت حبيب العاني نموذجا لفقدان الجرأة ومن ثم المشاركة في تحمل مسئولية ما جرى على خلاف ما جاء في مذكراته عن اجتماع براغ عام 1965. اذ ينقل حنا بطاطو قول ثابت حبيب العاني كيف انه فقد الجرأة ومن ثم يحمل نفسه هذا النقص الذي قضم إمكانية الانتصار في تلك المرحلة الهامة من تاريخ العراق.

إن فقدان الجرأة على الانتصار كانت المقدمة الفعلية للهزيمة والانكسار في الثامن من شباط لعام 1963.  أما ما سطّره ثابت حبيب العاني في مذكراته لاحقا، فإنها تختلف عما جاء في كتاب حنا بطاطو! لكن من المسئول عن هذا الاختلاف؟ ثابت حبيب العاني أم دار الرواد التابعة للحزب الشيوعي العراقي التي نشرت مذكراته؟ والشيئ نفسه يمكن قوله عن ضياع أو اختفاء مذكرات عامر عبد الله. وليس معروفا لحد الآن من هو المسئول عن ذلك. وهذا بدوره يشير إلى إشكالية فكرية وسياسية مهمة. فقادة الحزب الشيوعي جميعا بدون استثناء لم يكتبوا غير مذكرات، أي حكايات وروايات يقدر عليها كل امرئ، بما ذلك الأمي في حال العثور على من يدّون حكايته الشفوية. بمعنى أن يكتب عن حياته وملابساتها ولقاءاته وأحاديثه وقصصه بالطريقة التي تحلو له. غير انه لا أحد بينهم ترك لنا مبحثا أو دراسة واقعية وعلمية ونقدية للتاريخ السياسي للحزب. فسيادة المذكرات دليل على خواء الرؤية العقلية والنقدية والتحليلية والتوليفية. إنها مجرد أكياس يرمي كل منهم فيه ما في جعبته. من هنا ركاكتها واحتمال عدم دقتها. إنها في أفضل الأحوال وثائق يمكن اعتمادها ولكن بعد تمحيصها واختبارها على محك الواقع والتاريخ وأحداثه، والأهم من ذلك نتائجه. (يتبع......)

***

يوسف محمد طه

.......................

1- كان عطشان ضيول الأيزرجاوي أحد الشيوعيين العسكريين الذين امتازوا بالجرأة والشجاعة والإقدام، لذلك كان محبوباً من قبل الضباط والجنود. أُلقي القبض عليه وأودع السجن، حيث تعرض لتعذيب قاس على يد شرطة بهجت العطية مدير التحقيقات الجنائية. وكان سلام عادل يعتمد عليه كثيراً، وكان محسوباً على توجهه الثوري. وحين اصطدم الزعيم عبد الكريم قاسم بالشيوعيين كان سلام عادل وجمال الحيدري وعطشان ضيول مع فكرة إزاحة الزعيم من السلطة وإبعاده عن الحكم. أما الأحكام التي يطلقها ثابت حبيب العاني عنه فإنها تتسم بالنزعة النفسية التي لا تخلو من روح التشفي والانتقام. ويمكن اعتبار موقفه من عبد الكريم قاسم وإبعاده عن السلطة الأكثر تجانسا من جميع القيادات الشيوعية آنذاك في العراق. اغتيل عطشان في المانيا الديمقراطية وما زال مقتله غامضا ولم يجري التحري عنه وفيه.

 

الحزب الشيوعي العراقي وتقييم تجاربه النظرية والعملية

لقد كان الحزب الشيوعي احدى القوى السياسية الفاعلة والمؤثرة في توسيع وتعميق الوعي السياسي العراقي الوطني والاجتماعي. وتمرس في مجرى اكثر من عقدين من الزمن في المرحلة الملكية، التي جعلت منه بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 القوة السياسية الأكبر في العراق.

إن دراسة وتحليل تاريخ الحزب الشيوعي العراقي يفترض استناده إلى رؤية تاريخية واقعية دقيقة لكي يجري تلافي ما هو مميز للحزب من غلبة التحليل الطبقي السياسي على التحليل السياسي الدستوري القانوني. فالأخير غائب تماماً في التحليل والممارسة المميزة للحزب الشيوعي العراقي. بينما هي قضية عضوية أو بنيوية. وفيما لو يمكننا الحكم على مجمل مسيرته ضمن سياق هذه القضية، فإنه قد خسر في نهاية المطاف كل من الطريق الثوري والراديكالي والليبرالي.

والسؤال الأكثر عملية، الذي يبرز ضمن هذا السياق هو هل أن الحزب الشيوعي العراقي حزب الطبقة العاملة العراقية الهادف لبناء الاشتراكية والشيوعية؟ أم هو حزب التحرر الوطني من الاستعمار البريطاني ونظامه الملكي التابع؟ أم هو حزب ليبرالي لإقامة دولة دستورية قانونية؟ أم هو حزب جامع لكل هذه النوازع؟

وعندما نتأمل تجربته العملية على مدار عقود مديدة، فإن النتيجة الجلية تقوم في انه كان ضائعا بينها جميعا. وقد كان هذا الجانب الفكري المنهجي أحد الأسباب الرئيسية لإخفاقاته شبه الدائمة.

فمن الناحية الاجتماعية والتاريخية الثقافية كانت اغلب الشخصيات الماركسية والشيوعية من جنوب العراق ووسطه، كما نراه على مثال حسين الرحال ومحمود احمد السيد وزكي خيري وعبد القادر إسماعيل ويوسف إسماعيل وغالي زويد وعاصم فليح وقاسم حسن وعباس الكرباس وجميل توما ونوري روفاييل وعبد الله مسعود وعلي شكر  وعبد تمر وغيرهم.

فمن الوقائع والحقائق التاريخية بهذا الصدد هو أن الحركة الشيوعية العراقية قد تراكمت وتشكلت بصورة هيئة سياسية في البصرة والناصرية. ففي عام 1927 جرى تجميع وتأسيس الجماعة الماركسية الأولى في البصرة. وكان بين صفوفها عبد الحميد الخطيب وزكريا الياس وسامي نادر مصطفى وعبد الوهاب محمود. وبعدها بعام (1928) تشكلت مجموعة أخرى في الناصرية تكونت من يوسف سلمان وغالي زويد واحمد جمال الدين. حيث صدر عنها منشوراً كتبه يوسف سلمان (فهد،) بعنوان (يا عمال وفلاحي البلاد العربية اتحدوا). طبع بهيئة منشور عام 1932 موقعا باسم الحزب الشيوعي العراقي.

ومن ثم كانت الولادة الفعلية للحزب الشيوعي في جنوب العراق كما هو واضح مما سبق. وأقيم الكونفرنس الأول للحزب الشيوعي في آذار عام 1944 في بيت علي شكر في الشالجية. بينما جرى المؤتمر الأول للحزب في آذار 1945 قي دار يهودا صدّيق في الكرخ. وقد كانت القيادة الأولية والتأسيسية للحزب من الجنوب أيضا بشخصية يوسف سلمان يوسف (فهد). فقد كانت  مقدرة فهد السياسية والتنظيمية تفوق قدرات الآخرين بصورة كبيرة جدا. الأمر الذي اعطى له إمكانية القيادة الفاعلة والمهيمنة على الآخرين. وهي حالة أدت إلى نتائج سلبية أيضا ظهرت للمرة الأولى عام 1946 وما تلاها لاحقا، بما في ذلك قبل وبعد ثورة 1958. ومن الممكن الاشارة هنا إلى كل من (رابطة الشيوعيين العراقيين) بقيادة داود الصايغ، و(اللجنة الوطنية الثورية بقيادة) زكي خيري فهي مؤشرات على حب الزعامة بأثر التأثير الخفي والغير المباشر للتقاليد التي جرى غرسها بأثر الهيمنة شبه المطلقة لسلمان يوسف (فهد)، أو تكونت بطريقة عادية في ظل البنية الاجتماعية البسيطة والأبوية في العراق آنذاك. كما أن من الممكن رؤيتها في كل تاريخ الحزب وبنيته التنظيمية التي تتميز بالخضوع شبه التام للقيادة أيا كان مستواها المعرفي والتنظيمي والسياسي والذهني والأخلاقي.

 فبعد اعتقال فهد في كانون ثاني عام 1947 تحولت قيادة الحزب الى يهودا صديق. غير انه كان من الصعب آنذاك للأغلبية استساغة هذه القيادة. بينما طالب فهد من السجن أن يتولى مالك سيف قيادة الحزب. وترتب على ذلك انتقال مالك سيف من البصرة إلى بغداد لقيادة الحزب الشيوعي.

لقد ماطل يهودا صدّيق في تسليم قيادة الحزب لمالك سيف. لكن وثبة كانون الثاني 1948 غيرت مسار الأمور. وكما ينقل حنا بطاطو، فإن فهد طالب بتكليف كامل قزنجي للتحضير لوثبة 1948. وقد كان الشيوعيون بالفعل القوة الأساسية للوثبة. وبهذا تكون هذه الوثبة أيضا أول اختبار كبير للحزب الشيوعي، إذ وضعته من الناحية الفعلية على هرم الأحزاب السياسية. بعبارة أخرى، إنها رفعته إلى مصاف القوة السياسية الأكثر فاعلية وقوة في العراق. وفي الوقت نفسه، وضعته أمام مجابهة القمع من جانب السلطة. فقد اصيب يهودا صدّيق ومالك سيف بالانهيار المعنوي والسياسي بأثر ارهاب السلطة الملكية. وجرى استكمال هذه العملية بإعادة محاكمة قادة الحزب آنذاك (فهد وحازم وصارم) أمام محكمة عسكرية في العاشر من شباط عام 1949 ثم إعدامهم في الرابع عشر والخامس عشر على التوالي من نفس العام. واستكملت هذه المرحلة المتناقضة من صعود الحركة الثورية والهجوم المضاد في ظاهر كبرى متلازمة آنذاك مثل أحداث فلسطين وتقسيمها، والأحكام العرفية، وضرب الحركة الوطنية العراقية، وإعدام فهد قائد الحزب منذ تأسيسه عام 1934.

لقد أدت قيادة فهد للحزب إلى وضع أسس الإمكانيات اللاحقة الكبرى في التاريخ السياسي للحزب والحركة الاجتماعية والوطنية العراقية ككل. لقد كانت عوناً في سد فراغ القيادة السياسية. فقد اعانت شخصيته ما قام به الحزب عشية انتصار ثورة تموز 1958. كما أعانت ذخيرة جيل السبعينيات من الشيوعيين الحزب لحين تتوفر ظروف وإمكانية تصحيح مساره ومواقفه الخاطئة. ولعل أهمها هو ايقافها ظاهرة وعملية تكريد الحزب الشيوعي من قبل اشخاص مؤثرين آنذاك. مع أنها مهمة مستحيلة التحقيق. وكذلك توظيف وتوريط الحزب في مواقف سياسية خاطئة وغير وطنية، أو نحره بين عجلات القوى الكردية المسلحة، كما يقول عزيز شريف.

فمن الناحية الفعلية افتقدت أغلب هذه القيادات السياسية إلى الكفاءة النظرية والعملية. فقد كان كل من حميد عثمان وبهاء الدين نوري يفتقدون لأبسط مقومات القدرة الفكرية والسياسية والتنظيمية لسد الفراغ الذي انتجه إعدام فهد. وفي الوقت نفسه كان التطور الاجتماعي والثقافي في العراق يفوق إمكانياتهم بدرجة يصعب وصفها.

والسؤال المترتب على ذلك هو كما يلي: كيف كان من الممكن سد هذه الثغرة الواسعة جداً بين إمكانيات قيادية محدودة وتطور اجتماعي سياسي كبير ونمو سياسي للحزب الشيوعي؟

إن المسار الفعلي للحزب الشيوعي العراقي بهذا الصدد يكشف عن أن مرحلة ما بعد فهد انتجت شخصيات حزبية وليست سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة. أما بمعايير الفكرة السياسية الرفيعة فإننا نقف أمام ما يمكن دعوته بفترة الشيوعيون الأطفال. وأن قادته الجدد هم صبية ومراهقين. ويمكن رؤية أهم ملامحها آنذاك في ثلاث ظواهر وهي ظهور هيئات غير مفوضة؛ وانشقاقات عديدة كما جرت في تشرين ثاني عام 1948 وحزيران  1948؛ وكثرة الأكراد في اللجان غير المفوضة.

ففي مجرى قيادة حميد عثمان للحزب، كما يقول بهاء الدين نوري في مذكراته، جرى تحطيم خمس مراكز قيادية، إضافة إلى إعدام قادة الحزب الثلاث (فهد وحاز وصارم) ما بين تشرين أول 1948 وحزيران 1949. وبقي المركز الحزبي السادس بقيادة بهاء الدين نوري بتوصية من حميد عثمان قائد المركز الخامس للحزب. يقول بهاء الدين نوري انه كان يفتقد لأية خطة متعلقة بالنشاط السياسي أو العمل التنظيمي. وهنا يظهر السؤال التالي: من الذي وضع حميد عثمان في المركز القيادي الخامس؟ ومن هم قادة المراكز الأربعة الذين سبقوه؟ لماذا اختار حميد عثمان بهاء الدين نوري لقيادة المركز الحزبي؟

كل ذلك أدى إلى فقدان الحزب لقيادة سياسية لفترة طويلة. ويذكر بهاء الدين نوري انه شكّل لجنة مركزية بعد تحطم اللجنة المركزية التي جرى تشكيلها في المؤتمر الأول للحزب عام 1945 والتي كانت تضم ناصر عبود وصادق جعفر الفلاحي وكريم احمد ومحمد شبر وسليم الجلبي وكاكا فلاح. بينما غابت هذه الأسماء كلها في جداول اللجنة المركزية التي شكلها بهاء الدين نوري، وفقاً لحنا بطاطو. كما أن بطاطو نفسه لا يتوقف طويلا عند هذه الفترة. أما مذكرات بهاء الدين نوري عن هذه الفترة فمبتورة أو ناقصة. كما لم يجر تغطية هذه الفترة من جانب أي طرف آخر في الحزب. فهي فترة تتسم بالغموض وإنعدام معلومات مفصلة عنها.  (يتبع...)

****

يوسف محمد طه

 

تقييم تاريخي لنشوء العراق الحديث وبنيته السياسية

 شكلت حقبة الاحتلالين البريطاني والأميركي للعراق مائة عام، كانت مليئة بالتحولات العالمية والإقليمية والعربية والعراقية. ونظراً لدور الحزب الشيوعي العراقي في تاريخ العراق، من هنا أهمية تقييمه التاريخي بما يتناسب مع المرحلة الأولى في تاريخ العراق الحديث، والتي تختلف اختلافا جذرياً عما هو مميز للمرحلة الثانية، أي ما بعد الاحتلال البريطاني والأمريكي. والغاية من وراء ذلك استشراف إمكانية البديل الواقعي للعملية السياسية الحالية المترتبة على الاحتلال الامريكي ونتائجه. بمعنى كيفية اعادة بناء العملية السياسية على أسس جديدة.

 إن احد الطرق الفعلية لإنهاء جميع نتائج الاحتلال الأمريكي للعراق تقوم في إعادة بناء عملية سياسية قادرة على القيام بهذه المهمة وانجازها. أما الطريق الآخر لإنهاء كل نتائج الاحتلال الأمريكي للعراق فيمكنه ان يكون عبر إسقاط كل العملية السياسية الراهنة، وإقامة بديل وطني ديمقراطي سياسي. كما ان هناك إمكانيات وطرق أخرى أوسع وأشمل، مثل ما يمكنه ان يكون نتاجا للتطور والتحولات الإقليمية.

ان استعراض وتحليل التطورات العراقية والإقليمية والعربية والعالمية التي جرت في غضون مائة مهمة شاقة وصعبة جداً، تستدعي جهداً جماعياً. وبما ان هذا الجهد لم يتوفر أو لم يحدث لحن الآن، من هنا قيمة الاجتهاد الفردي بهذا الصدد، على امل اشتراك أولئك الذين تشكل قضايا العراق الوطنية الكبرى مضمون وغاية همومهم الفكرية والسياسية.

فالفكر السياسي العراقي الحالي وبالأخص من جانب اليسار، لم يعمل لحد الآن على بلورة خطة عمل جماعية. وما نراه هو مجرد آراء ومواقف وتعليقات حول قضايا الساعة واليوم. بينما المهمة تقوم في بلورة رؤية حول مختلف الإشكاليات الكبرى التي مر بها العراق ويمر بها حاليا وما يكمن في آفاقه المستقبلية. باختصار، إن المهمة تقوم في دراسة ونقد الماضي والحاضر والمستقبل. والعمل الجماعي من جانب قوى اليسار ضروريا من اجل التمهيد لعقد مؤتمر تأسيسي عام يقر وثيقة تقيميية لنشاط الشيوعيين منذ التأسيس ولغاية اليوم، وكذلك بيان سياسي حول الوضع الدولي والإقليمي والعراقي. وكذلك برنامج وطني ونظام داخلي. وبموازاته العمل على تشكيل هيئة الرابطة الفكرية العلمية العراقية، بوصفه تنظيما فكريا علميا يستهدف التقييم التاريخي للعراق وآفاقه. بمعنى هيئة غير حزبية إطلاقاً. وتقوم خطة عمل هذه الهيئة باشتراك كل من هو قادر بهذا الصدد بما يتوافق ويستجيب لرغباته وإمكانياته في دراسة هذا الجانب أو ذاك من جوانب القضايا المثارة. واستكمالها بالمناقشة العامة لمختلف الوثائق التي تم الانتهاء من إعدادها، تمهيداً لعرضها في المؤتمر العام لإقرارها بصورتها النهائية.

وما لا شك فيه إن هذه الأشياء كانت وما تزال أمنية ورغبة وحاجة الكثيرين. إلا انها لم تتحقق بشكلها الجماعي الضروري، بمعنى مهمة استثمار كل قوى اليسار بشكل عام والشيوعي بشكل خاص من جانب مختلف اجياله. لذا اضطررت خوض غمار هذه المهمة الضرورية بصورة فردية، عسى وان يجري استكمالها بهذه الطريقة او تلك لاحقاً.

إن احدى نتائج الحرب العالميّة الأولى هي ظهور العالم العربي الجديد وصعود أو نشوء مختلف دوله على انقاض الامبراطورية العثمانية. بمعنى تلازم هذه العملية الظاهرية (الحرب الإمبريالية الأولى) والمستترة (معاهدة سايكس بيكو). و"وعد بلفور".

والسؤال الأول الذي يبرز بأثر كل هذه العملية الدرامية هو لماذا جرى تأسيس ممالك وليس جمهوريات بعد احتلال وتقسيم العالم العربي؟ ممالك ليس لها أسس مادية. من هنا اصطناع قاعدتها المادية، لكنها مع ذلك لم تصمد طويلا. كما لم تتمكن من تطوير أسس تكوينها الذاتي. فقد اندلعت الثورات بصورة مبكرة في مصر عام 1919، والعراق عام 1920، وفي سوريا عام 1925 ضد الهيمنة الإمبريالية. كما نلاحظها في مختلف البلدان العربية مثل ثورة عبد القادر الجزائري في الجزائر، وعمر المختار في ليبيا، وعز الدين القسام في فلسطين. وفيما يخص العراق، يبرز السؤال التالي: لماذا لم يجر رفض تنصيب فيصل الأول الحجازي ملكاً على العراق؟

 لقد تحركت الدوائر الإمبريالية وبسرعة في مخططاتها الاستعمارية ضد العالم العربي، في وعد بلفور وزرع الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي من أجل شل حركته ووحدته. إن زرع الكيان الصهيوني في هذه البقعة، فلسطين، من العالم العربي كان يسعى لبلوغ أهداف جيوسياسية كبرى ضد العالم العربي، في فصل مشرقه عن مغربه. وأثبتت التطورات اللاحقة وأظهرت ذلك بكل وضوح. كما ان سايكس بيكو كانت تقسيما هندسيا بارعا لتشتيت العالم العربي وعرقلة إعادة وحدته، بل وإدخال مختلف وحداته في صراعات جانبية عديدة ومختلفة كما جرى ذلك لاحقاً. إلا أن العرب لم يستكينوا وواجهوا المخططات الإمبريالية بانتفاضات شعبية بصورة مبكرة. في مصر والعراق وسوريا وليبيا وفلسطين والجزائر. وكلما تطور كفاح العرب من اجل التحرر والتقدم والديمقراطية، كلما شحذت الإمبريالية من وسائلها وأدواتها في مواجهة العرب وتقدمهم بوسائل جديدة ومبتكرة. وقد مر كفاح العرب في مراحل متعددة، واتخذ أشكال عديدة ومتنوعة، فضلاً عن اصطفاف داخلي وخارجي متعدد نتيجة متغيرات عديدة، داخلية وخارجية، اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية. ويقف العرب اليوم في مجرى تحول عالمي كبير، تشترك فيه مختلف الشعوب في كفاح عالمي واعي، بل هو أكبر تحول واعي عالمي في تاريخ البشرية. والسبب الأكبر لهذه الظاهرة مرتبط بتكون منظومة عالمية جديدة لها صفاتها الخاصة.

 

"ثورة" اللاشريف حسين اللاعربية: سايكس بيكو ووعد بلفور

  لقد اسهم اللاشريف حسين بن علي وأبنائه في تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو. وكان سلوكهم يتصف بسذاجة وغباء لا نظير له. حيث وفروا الغطاء "العربي" المهلهل للسياسات البريطانية في العالم العربي. كما كان لهذه العائلة دورها الخياني في تنفيذ وعد بلفور. وينطبق هذا على كامل دورها في التطورات العربية بشكل عام والفلسطينية بشكل خاص. لقد وضع اللاشريف حسين وأبنائه كل بيضهم في السلة البريطانية بطريقة غبية وساذجة وتفتقد لأبسط مقومات الحصافة السياسية. كما لم يعرفوا المناورة حتى مع اسيادهم البريطانيون في كل مسيرتهم. هذه الأسرة الكريهة التي لم تستطع تثبيت قدمها في سوريا، وأسقطت لاحقاً في العراق، مازالت تحكم بلداً عربياً واحداً هو الأردن.

لقد كان الهدف الاستراتيجي البريطاني من احتلال العراق، هو تأمين مختلف الطرق للهند درة التاج البريطاني، في إطار صراع القوى الرأسمالية الدولية آنذاك على مناطق النفوذ في العالم، وبالأخص مع فرنسا وروسيا وألمانيا. فقد كانت هناك طريقتان للاستعمار البريطاني من اجل بلوغ غاياته وهما الطريق الهندي والطريق المصري.

فقد اعلنت بريطانيا وفرنسا وروسيا الحرب على الدولة العثمانية تشرين الثاني 1914 وجرى احتلال بغداد في الحادي عشر من آذار عام 1917. وبلغت ضحايا بريطانيا في احتلال العراق ما يقارب المائة الف رجل. أما النفقات المالية فقد بلغت مائتي مليون جنيه. وأكبر انكسار بريطاني في مجرى احتلال العراق حدث في معركة الكوت، حيث بلغ عدد الأسرى البريطانيين 13309 ما بين ضابط وجندي. واعتبرت تلك هزيمة شنيعة للمدرسة الهندية للاستعمار البريطاني. وأثارت هزيمة الكوت في بريطانيا نقاشات وإجراءات خاصة لتلافي هذا الانكسار. وكان للدعم الامريكي دوراً كبيراً في تلافي اخطاء الإمبراطورية البريطانية في كيفية مواجهة ألمانيا في الغرب والشرق. أما الأسباب الحقيقية للاحتلال البريطاني للعراق فقد كان مرتبطا بموقعه الجغرافي والنفط. وجرى الاحتلال البريطاني للعراق بعد ثلاثة قرون من النشاط التجاري والدبلوماسي. وبعد نقاشات سياسية وعسكرية بريطانية وضعت فيها الخطط العسكرية والسياسية لاحتلال العراق، قبل ان تندلع الحرب العالمية الأولى بفترة طويلة. وكان مبدأ ولسن (1918) عن حق تقرير المصير الخروج الامريكي الأول صوب الخارج.

وكان من الصعب آنذاك بالنسبة للعرب الحصول على استقلال حقيقي. إذ لم تكن فكرة ووثيقة الانتداب سوى الاسم المستعار للاستعمار. حيث جرى بلورة ثلاثة أنواع من الانتداب على يد عصبة الأمم في الثامن والعشرين من حزيران عام 1919، إلا أنها تعرضت لاحقا للفشل وانهارت في عام 1945، أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

فقد كانت عصبة الأمم ثمرة إنكليزية فرنسية أمريكية، بخلاف هيئة الأمم المتحدة، التي اشترك الاتحاد السوفيتي في تكوينها. وبذلك اختلفت الأهداف فيما بينهما. وتعزز دور الأمم المتحدة مع ازدياد الدول المستقلة نتيجة انتصارات حركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وقد جرى اختيار الملكية الدستورية شكلا للحكم في سوريا ولبنان وفلسطين والعراق، من جانب الدول الاستعمارية. وجرى اقرارها في مؤتمر سان ريمو في الخامس والعشرين من أيار عام 1920. وما ان أعلنت مقررات مؤتمر سان ريمو الاستعمارية، والتي خالفت كل وعود بريطانيا وفرنسا، حتى ثارت ثائرة العرب. وقبلها كان البلاشفة قد فضحوا اتفاقية سايكس بيكو.

واجه العراقيون الانتداب البريطاني بانتفاضة كبرى اطلق عليها لاحقا عبارة ثورة العشرين. فقد كانت هذه الثورة موجهة في آن واحد ضد الاحتلال البريطاني وسلطة خونة دستور الاحتلال. وقد جرى لاحقا الغدر بثورة العشرين وبالأخص من جانب مرجعية النجف في موقفها من الدولة والسلطة.

لقد كانت انتفاضة العشرين أول ثورة عراقية. كما انها كانت الثورة الأولى المغدورة نتيجة قلة الوعي بأهمية السلطة والدولة في الفكر السياسي لمرجعية النجف. ومع هذا كانت ثورة العشرين بداية حقيقية لتبلور روح وطنية جديدة في الوعي السياسي العراقي. إذ كانت الخطوة الأولى على هذا الطريق الوطني، والذي أخذ يتبلور بصورة سريعة في مجرى الأحداث والتطورات اللاحقة. وأصبح عامل داخلي فعال في التطور السياسي العراقي. وكلما يأخذ الوعي الوطني العراقي بالتبلور، كلما كانت المتغيرات العراقية أوسع وأعمق وأدق.

لقد كانت الأسباب الأولية والظاهرية لثورة العشرين ونتائجها تكمن في إخلاف بريطانيا وفرنسا بوعودهما من تحرير العراق، وبإعلانها وضع العراق وفلسطين تحت سلطة الانتداب البريطاني، وسوريا ولبنان تحت سلطة الانتداب الفرنسي. وكانت تلك الشرارة في اندلاع الانتفاضة في العراق ولاحقاً في سوريا وفلسطين.

لقد غابت المرجعية الشيعية وقادة الانتفاضة العامة وكذلك قيادات انتفاضة "الطوب أحسن لو مكواري" عن المساهمة المباشرة في صنع سلطة الدولة العراقية الحديثة. وكان لهذا الغياب الأثر الكبير في طبيعة وكيفية التطورات العراقية اللاحقة. وقد حصد نتائج انتفاضة العشرين كل من فيصل بن الحسين وعبد الرحمن الكيلاني ومن بعدهم نوري السعيد.

لماذا أنشأت سلطة فيصل بن الحسين وعبد الرحمن النقيب ونوري السعيد؟ وأين كان الخلل في تكوين الجيش العراقي؟ وأين كان قادة ثورة العشرين في تكوين السلطة العراقية الجديدة؟

إن الخلل في تكوين الجيش العراقي هو نتيجة الخطأ في تكوين سلطة فيصل بن الحسين وعبد الرحمن الكيلاني ونوري السعيد. فقد جاؤوا جميعهم من خارج سياق ثورة العشرين، التي كانت يجب ان تنشأ سلطتها ومن ثم تحديد تطور العراق القادم بما يستجيب لأهدافها وقواها. لقد تم اختطاف انتفاضة العشرين. وكان لبريطانيا دور في هذا الاختطاف. فقد كانت السلطة الجديدة في العراق من المخلفات العثمانية بثوب عربي مهلهل. وبالتالي فإن هذا الخلل والاختطاف الذي نتج عنه، انعكس على مختلف التطورات اللاحقة. وعندما توفرت إمكانية معالجة هذا الخلل في ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، جرى اجهاضها مرة ثانية.

فقد كانت الحكومة المؤقتة احد نتائج ثورة العشرين، والتي جرى تشكيلها برئاسة عبد الرحمن الكيلاني لتقرير شكل الحكم الذي يلائم العراق. وتشكلت في الخامس والعشرين من تشرين اول عام 1920. وكانت تحت هيمنة برسي كوكس الحاكم العام الجديد في العراق.

 جاء البريطانيون بفيصل بن الحسين الذي فقد عرشه في سوريا بأثر حادثة ميسلون في الخامس والعشرين من تموز عام 1920 من اجل تشكيل حكومة عربية مؤقتة في العراق. ووصل فيصل بن الحسين بغداد في التاسع والعشرين من حزيران عام 1921. وعلى اثرها اجتمعت الحكومة المؤقتة وأعلنت فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، على أن تكون حكومته "حكومة دستورية برلمانية ديمقراطية يحكمها القانون". هكذا قيل كذباً. وعلى اثرها جرى استفتاء شعبي أقر فيصل بن الحسين ملكاً على العراق. وتم بعد ذلك تتويجه ملكاً في الثالث والعشرين من آب عام 1921.

لقد كان هذا الاستقلال شكليا. ففي الظاهر كان حكما وطنيا عراقيا، بينما كان في الواقع خاضعا للحكم البريطاني. وبعدها جرى حل الحكومة المؤقتة وشكلت حكومة جديدة برئاسة عبد الرحمن الكيلاني، التي فاوضت الحكومة البريطانية على معاهدة تنظم العلاقة بين الطرفين. وتم التوصل إلى معاهدة في العاشر من تشرين الاول عام 1922. وبعدها دخل العراق عصبة الأمم في الثالث من تشرين اول عام 1932. حينذاك جرى إلغاء الانتداب البريطاني رسمياً.

الحالة السياسية القلقة في العراق الملكي

كيف واجه فيصل الأول (1922-1933) معضلة أو إشكالية السلطة والمجتمع والتغيير؟ اننا نعثر عليها في ما نشره هو بهذا الصدد. لكن الأمر الجلي هنا هو ضعف السلطة في العهد الملكي. إذ لم تستطع سلطة النظام الملكي الهيمنة على المجتمع. وكان لضعف السلطة الملكية نتائج عديدة.

لقد كانت إمكانيات السلطة الملكية تجاه المجتمع تتسم بالضعف الكمي والنوعي. فقد كان، على سبيل المثال، ما يقارب مائة الف بندقية لدى الشعب، مقابل 15 الف بندقية لدى سلطات الدولة. هكذا كان الوضع عشية تكوين الدولة العراقية الحديثة.

التحديث يتطلب تطوير حماية الدولة لمشاريعها. وهذا يتطلب بدوره تطوير إمكانيات الجيش والشرطة. فالجيش هو العمود الفقري لتكوين الدولة. وقد انخرط الجيش العراقي بصورة مبكرة في النشاط السياسي. ومفارقة الظاهرة تقوم في أن تطوير امكانيات الدولة (الجيش والشرطة) والمجتمع قد أدى إلى الاصطدام بسلطة الملك وحاشيته. مع ما ترتب عليه من صراع بينهما.

اخذت التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والعسكرية خلال هذه الفترة تتقدم، ومن ثم أدت إلى نتاج متضاربة، أثرت بدورها على مجرى الصراع وتحولاته. ففي زمن الملك غازي (1934-19329) نلاحظ ظهور وتطور الاتجاه العروبي في الدولة. فقد اخذ الجيش بالنمو بعد تنظيم الخدمة الالزامي أو التجنيد الإجباري عام 1934. كما اخذت تتسع وتتطور شبكات السكك الحديد وطرق المواصلات. ومن ثم تطور صلات وترابط العراق الداخلية والخارجية. وأدى مقتل الملك غازي إلى تولي الحكم عبد الإله (1939-1953). وفي مجرى هذه الحقبة حدثت انقلابات في الجيش مثل انقلاب بكر صدقي عام 1936 وحركة مايس (حركة رشيد عالي الكيلاني 1941) ثم حرب الثلاثين يوم وانقلاب المواقف والمشاعر.

لم يكن الاهتمام الضعيف بالجيش من جانب السلطة الهاشمية معزولا عن جملة أسباب من بينها ضعف روح العروبة. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن نفسية وعقلية العائلة الغريبة عن العراق وتقاليد الخيانة الكامن فيها. فقد تحالفت السلطة الهاشمية مع القوات البريطانية ضد الجيش والشعب. مما أدى إلى تعمق تحالفها وتبعيتها لبريطانيا والعشائر والإقطاع. في حين أدى التطور الملموس في العراق إلى توسيع وتعميق مدى الصراع الاجتماعي والسياسي. مع ما لازمه من تغير في الاصطفاف السياسي. ونلحظ ذلك في وثبة كانون عام 1948، وانتفاضة 1952 و 1956. الأمر الذي دفع بالعائلة المالكة إلى توسيع وتمتين العلاقة ببريطانيا والنظام الاقطاعي العشائري. كل ذلك كان يكشف عن أن الملكية باتت عامل تخلف اجتماعي ورجعي. (يتبع.....)

****

يوسف محمد طه