عصمت نصار(1)

درج النقاد على النظر إلى الحكماء والفلاسفة والمفكرين من زاويتين: أولاهما مدى التزام المفكر بنهجٍ يكفل لآرائه وتصوراته النسقية الاتساق. أمّا الزاوية الثانية الوقوف على أثر تلك الأفكار في مجتمعه بخاصة، وميدان النظر أو الحقل المعرفي والبنية الفلسفية بعامة، وذلك كله لتقييم الفيلسوف من حيث الأصالة والاجتراء.

وقد تعددت دلالات مصطلحي الأصالة والاجتراء في معاجمنا العربية؛ فنزع بعض اللغويين إلى أن الأصيل هو ثابت المنبت وعريق الأصول، شأنه شأن الأصيل الثابت القديم، وذهب البعض الآخر إلى أن الأصالة هى موطن الجِدّة والطرافة والابتكار والاجتهاد. وعرفت المعاجم الاجتراء بأنه أقرب إلى الشجاعة منه إلى التهور؛ فالمجترئ على المعتقدات والقيم البالية والأوضاع الفاسدة والأمور الغامضة، هو الشجاع المجتهد والحاذق. أمّا الجاحد لثوابت العقل الجمعي ومشخصات الهوية هو الثائر المتهور الناقم على واقعه والمتطاول على أساتذته ودونه مكانة ورفعة.

وبهذه المعايير وصفت جل كتابتنا «أفلاطون» بأنه فيلسوف على الأصالة ووصفت «لوثر» و«فولتير» و«هيوم» على أنهم فلاسفة مجترئون. وفى ثقافتنا العربية وُصف العلماء والمتفلسفة والأدباء الموسوعيون بأنهم حكماء ورؤساء أهل الرأي وأهل الدربة والدراية، ومنهم «الفارابي»، «ابن سينا»، و«ابن رشد». وفى العصر الحديث لقب «حسن العطار» وتلاميذه ومنهم «رفاعة الطهطاوي»، و«محمد عياد الطنطاوي» بالشيخ الفقيه الحكيم. وأطلق على «محمد عبده» لقب الأستاذ الإمام.

وقد ميّز النقاد بين الفلاسفة والحكماء أرباب الاتجاهات والمدارس والمنابر والمشروعات، وبين المثقفين أصحاب الرؤى والخطابات النقدية، وذلك تبعًا لأصالة المنهج وعمق الأفكار وفاعلية الخطابات، والقدرة على تطبيق المشروعات التى ساهمت بدورها في إصلاح المجتمع وتجديد المعتقدات وتطوير وتحديث المتغيرات، بالإضافة إلى قوة سهامهم وسعة دلوهم في مناقشة القضايا الخمس الرئيسية في الفكر العربي الحديث، ألا وهى (التراث، التجديد، الوعي، الحرية والإصلاح).

ومن هذا السبيل، يمكننا تقييم فكر «مصطفى لطفى المنفلوطي» بوجه عام، فنجده من أكثر معاصريه أصالة في محافظته على المشخصات والهوية من جهة، والأسبق في التواصل مع الأغيار لتجديد البالي من الأفكار، وتحديث ما علق في الأذهان من معارف وتطوير ما ألفه المثقفون من نهوجٍ وآليات وبرامج وتصورات.

شأنه في ذلك شأن «الشيخ حسين المرصفي (نحو 1810م - 1889م)»، و«محمد فريد وجدي (1878م - 1954م)»، و«محمد لطفى جمعة (1886م -1953م)»، و«أحمد حسن الزيات (1885م - 1968م)»؛ فجميعهم لم يدرج في قائمة الفلاسفة بالمعنى التقليدي، غير أنهم كانوا من أكابر المفكرين الموسوعيين، وقادة الرأي في الثقافة المصرية، وكان لهم أثر لا ينكر في تطوير المجتمع وتحديثه، وتجديد الفكر العربي الإسلامي في العصر الحديث، رغم إدراجهم ضمن المحافظين، الأمر الذى نفعنا لتناول أفكارهم بالشرح والتحليل في المقالات التالية.

أمّا «المنفلوطي» فحسبنا أن نلقى مزيدًا من الضوء حيال موقفه من قضية (الأنا والآخر) أو «الفلسفة الغيّرية» أو الفكر الوافد الجديد والتسامح الفكري مع المخالفين، وذلك ليكون دليلًاً متممًاً على وجهته الإصلاحية ونزعته التجديدية رغم ارتدائه عمامة المحافظين الأزهريين.

فها هو يصف المتعصب لدينه والمنتصر لرأيه والمحافظ على وجهته؛ بأنه ذلك الذى يعمل بمقتضى ما يؤمن به؛ فلا يحيد عنه ولا يكفر به إلا إذا ثبت له زيّف ما كان يعتقد وإفك ما ألف تصديقه، وإن جاء برهان الحق على لسان الأغيار أو في حكمة المخالفين.

أما الأحمق هو المنكر دومًا لكل ما يناقض ما يعتقد دون أدنى تدبر أو تعقل بل ويُمعن في مناصبة العداء لمخالفيه ومناظريه حتى وإن كان الحق معهم.

فهو يتفق في ذلك مع «جمال الدين الأفغاني (1838م - 1897م)» في تأكيده أن العصبية ليست بالضرورة تعنى العنف وبغض الأغيار، فالجانب الإيجابي منها هو التمسك والانتماء والاجتماع والاتحاد بالأصيل من المشخصات والعمل بمقتضاه دون كراهية أو عنف تجاه الرأي المناقض لما يعتقد.

فكلاهما ينهى عن الانتصار للباطل أو الإجماع على الأمر المشكوك في صحته، أو التطرف في الخصومة، الأمر الذى يرهب من حرم الله الاعتداء على أعراضهم وأموالهم وحقن دمائهم.

ويميز «المنفلوطي» بين التهاون والتسامح؛ فالتهاون في رأيه هو ترك كل ما يجب التمسك به والحفاظ عليه والانتصار له والحرص على تفعيله من المكارم والفضائل، أما التسامح فهو «لين الجانب ومسالمة المخالفين، بحيث لا تعد تلك الفروق الدينية التى بينه وبينهم وسيلة إلى بغضهم أو مناضلتهم، أو نصب الغوائل لهم، أو سد سبل العيش في وجوههم.

والغضب لا يخرج من دائرة الرذائل إلا إذا كان دفاعًا عن الحق أو صونًا للكرامة.

ولعلّ هذه الكلمات والعبارات المتناثرة في كتابته وأقواله تكشف عن دقته وحرصه على تحديد المفاهيم وتقويم ما علق في الذهن من أوهام السوق (الألفاظ التى يجريها العوام)، وأوهام المسرح (المصطلحات التى ترد في أحاديث المشاهير).

والتدين في رأيه من الفضائل إذا كان صاحبه يأمر بالمعروف بغير منكر وينهى عن المنكر بالمعروف، ويعمل المتديّن بمقتضى ما يأمر به دينه، وما ينهى لمنفعة الناس وصلاح أحوالهم، ومن أقواله في ذلك «الدين لا يزال غريزة من الغرائز المؤثرة في صلاح النفوس وهداها حتى يتمرد على الإنسانية ويعتزلها فإذا هو شعبة من شعب الجنون».

ويرد «المنفلوطي» على كل من يدعى أن الانتماء للوطنية يتعارض مع الولاء للدين، مبينًا أن للولاءات درجات وحلقات متشابكة، فالانتماء للوطن لا ينبغي أن يدفع المرء لمعاداة الجيران أو التعصب للدين إلى درجة كراهية الأغيار من المواطنين؛ فالطائفية ضد الوطنية والدين معًا : «الوطنية لا تزال عملًا من الأعمال الشريفة المقدّسة حتى تخرج عن حدود الإنسانية؛ فإذا هى خيالات باطلة وأوهام كاذبة».

«من لا خير له في دينه لا خير له في وطنه؛ لأنه إن كان بنقضه عهد الوطنية غادرًا فاجرًا فهو بنقضه عهد الله وميثاقه أغدر وأفجر. وإن الفضيلة للإنسان أفضل الأوطان، فمن لا يحرص عليها؛ فأحرى به ألا يحرص على وطن السقوف والجدران».

وحري بنا أن نتساءل : أليست هذه الأفكار خليقة بأن تدرج في برنامجنا المزمع تفعيله؛ لتجديد ثقافتنا وتقويم أخلاقنا؟

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. عصمت نصار

 

محمود محمد علياستطاعت البشرية في سعيها الدائب والتلقائي أن تبلور عدداً من النماذج الإنسانية من خلال شخوص بأعينهم، طرحتهم الأسطورة حيناً، والواقع حيناً آخر . وهؤلاء الشخوص هم في حقيقتهم مجرد أفرد حين نرجع إلي سيرهم، ولكن البشرية حيت تأملت ذاتها – رفعتهم من مستوي الفردية إلي مستوي النموذج . فالنموذج الأوديبى – علي سبيل المثال -  لم يعد هو " الملك أوديب" الإغريقي القديم، بل أصبح نموذجاً إنسانياً وحضارياً عاماً، له مقوماته التي تستطيع أن تراها متحققة في أفراد كثيرين متميزين في أزمنة وأمكنة مختلفة، حفظ لنا التاريخ  سيرهم، ولا أريد أن أقول إنك قد تراها متحققة في نفسك! كما قد تستطيع – في الوقت نفسه- أن تفسر في ضوئها سلوكيات أساسية لشعب بعينه . ولأن الوعي الذي أدرك هذا النموذج أو ذاك قد انطلق في البداية من شخص بعينه، سواء كان أسطورياً أو واقعياً، فقد أصبح النموذج نفسه يحمل اسم هذا الشخص ويعرف به.

وإنه لموقف شديد علي النفس أن يكتب الإنسان عمن يحب من الأشخاص ..لأن في ذلك منزلقات ومهاوي لا يخشاها ويتهيب منها إلا من كان الصدق ديدنه... والوفاء دأبه، وهو إلي ذلك يستشعر شرف الكلمة ومبلغ خطرها.. ولعل تحري العدل في الحكم، والإنصاف في النظر يأتي علي رأس تلك المنزلقات ؛ حيث اعتاد بعض المتحدثين عن أشخاص معينين النظر بعين واحدة من العينين ...إما عين الرضا فتكِلُ عن كل عيب، وتغفر كل كبيرة .. وإما عين السخط فتبدي كل سوأة وتهولُ كل صغيرة؛ وقديماً قال أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة:" إن الكلام عن الكلام صعب.. لأنه يدور حول نفسه.. ويلتبس ببعض".

ولكنني أستعين بالله وأعرض مما تسعفني به الذاكرة عن الدكتور محفوظ علي عزام (أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الدراسات العربية والإسلامية– جامعة المنيا  رحمه الله)، ما يجلو شخصيته وقيمه، ويبرز مكانته وموقعه، ويوضح ريادته وفضله، ليس في مجال الفلسفة الإسلامية فحسب، ولا في مجال نظرية التطور التي اهتم بها، ولا في مجال الأخلاق الإسلامية وحدها، بل في الثقافة العربية الإسلامية بمفهومها الواسع... والواقع أنني عندما أتحدث عن محفوظ عزام في ذلك أجد مجال القول واسعاً، وهذا أيضاً أحد مواطن الصعوبة في الحديث .. إنه كقطعة البلور الكثيرة الجوانب، من زاوية من زواياها نظرت، ورأيت لوناً من ألوان الطيف، فهو الإنسان الفاضل، والأستاذ المتميز، والقدوة الحسنة، والرائد بلا منازع.

وإنه لمن دواعي سروري أنني قد شرفت بأن تعلمت علي يديه في الفرقة الثانية بقسم الفلسفة بجامعة أسيوط (فرع سوهاج سابقا) بجمهورية مصر العربية، إذ كان سيادته يقوم بتدريس نظرية التطور في الفكر الإسلامي ضمن مقررات الفلسفة الإسلامية، وهو أستاذا قديراً وباحثاً متميزاً وعالماً جليل ... حقق العديد من الإنجازات في مجال الفلسفة الإسلامية.. آمن بدور العلم في إسعاد الفقراء، وحل المشكلات التي تعاني منها مجتمعاتهم بالعلم الذي امتلك ناصيته، وهو أيضا المفكر ذو الحس المرهف والأسلوب المميز،صاحب المؤلفات الكثيرة في الفكر الإسلامي، وهو أيضاً الإنسان صاحب المواقف الإنسانية المشرفة الذي عشق بيئته وانطلق منها إلى فضاء العلم .

والدكتور محفوظ علي عزام له العديد من المؤلفات في كافة مجالات التفكير الفلسفي، وله الكثير من الأبحاث والمشاركات التي كانت تعقد في مؤتمرات وندوات علمية محلية ودولية، وأيضاً له العديد من المقالات الدورية في الثقافة الإسلامية، وكذلك العديد من المقالات الدعوية، وله كذلك الكثير من الموضوعات التي لم تنشر، بل مخطوطة بخط يده، له العديد من المشاركات الفعالة خلال البرامج التليفزيونية.

ومن مؤلفات الدكتور محفوظ علي عزام : كتاب التأريخ النقدي لمنطق أرسطو، وكتاب الثقافة الإسلامية في مواجهات تحديات العصر، وكتاب العقيدة الإسلامية في فكر الشيخ محمد الغزالي، وكتاب حقوق الإنسان والحيوان في الإسلام، وكتاب دراسات في الفلسفة والأخلاق، وكتاب في التفكير العلمي، وكتاب في الفلسفة الطبيعية عند الجاحظ، وكتاب مبدأ التطور الحيوي لدي فلاسفة الإسلام، وكتاب نظرات في الثقافة الإسلامية، وأخيرا كتاب نظرية التطور عند مفكري الإسلام " دراسة مقارنة "ثم بعد ذلك كتب سلسلة كاملة عن " مفهوم التطور في الفكر العربي".

علاوة علي أن له مقالات دورية في الثقافة الإسلامية والمقالات الدعوية بمجلة واحة الإيمان، ونذكر منها : إحسان القول، بتاريخ 26 يوليو 2001، والإسراف في تناول الأطعمة، بتاريخ 20 أغسطس 2001، والإسلام حقوق وواجبات " فضيلة الصدق في الأنباء"، بتاريخ 11 يناير 1999، والإسلام منع التلوث بكلمة واحدة ! بتاريخ 4 ديسمبر 2005، والإسلام والأخلاق، بتاريخ 12 يوليو 2001، والإسلام والتجديد، بتاريخ 26 يونيو 2001، والإسلام والعولمة، بتاريخ 28 يونيو 2001، والإسلام والمنهج الغربي، بتاريخ 25 فبراير 2002، والإسلام وحقوق الحيوان، بتاريخ 10 يونيو 2001، والإسلام وحقوق الطبيعة، بتاريخ 31 مايو 2001، وأهمية العقيدة في بناء الحضارات، بتاريخ 30 يناير 2002،والتكبر علي الناس، بتاريخ 16 يوليو 2001، وحوار ديمقراطي، بتاريخ 2 أغسطس 2001، وخلق الحياء، بتاريخ 24 يونيو 2001، والدين ضرورة، بتاريخ 25 إبريل 2001، والدين والعلم، بتاريخ 20 مايو 2001، وسلوكيات لا يرتضيها الإسلام " عدم احترام المرأة " بتاريخ 14 مايو 2001، والشباب وتحديات العصر، بتاريخ 4 نوفمبر 1999، وشتان بين المنهجين، بتاريخ 9 سبتمبر 2003، والشريعة والمنفعة، بتاريخ 1 مايو 2001، وعدم إشاعة البهجة في النفوس، بتاريخ 9 يوليو 2001، وعدم النظافة، بتاريخ 15 مايو 2001،وعلاج الإدمان، بتاريخ 7 أغسطس 2001،وقضية للمناقشة " نجاح الخطاب الديني... كيف؟ بتاريخ 27 يوليو 2002، والكرامة الإنسانية والاعتصام بحبل الله.. لماذا؟، بتاريخ 3 مارس 2002،ولابد من تجديد الثقافة الإسلامية بما يتفق مع الثوابت والقيم، بتاريخ 1 إبريل 1998،والمادة والروح، بتاريخ 12 مايو 2001، والمجتمع المسلم، بتاريخ 29 يناير 2002، والمسلمون والثقافة، بتاريخ 7 يونيو 2001، والمسلمون ومواجهة التحديات، بتاريخ 7 أكتوبر 2003، والمسئولية الاجتماعية، بتاريخ 15 يوليو 2001، والنظر والتطبيق، بتاريخ 16 أغسطس 2001، والنظر والتطبيق، بتاريخ 16أغسطس 2001، والنفاق، بتاريخ 13 يونيو 2001، والوحي والعقل، بتاريخ 2 يونيو 2001، والوسائل والغايات، بتاريخ 24 يونيو 2001 .

وإذا كان لكل شخصية مفتاح فمفتاح شخصية محفوظ عزام هو القوة والبساطة .. كان في كل ما يُسند إليه من مهام أو يكلف به من عمل قوياً أميناً .. كان قوياً في شخصيته.. في قراراته، في عمله، في حجته، في كلامه.. بل حتي في مشيه.

وإلي جانب هذا تميزت شخصية محفوظ عزام بصفات أخري من أهمها: التواضع ولين الجانب .. يقدر الضعف الإنساني ويستجيب لمطالبه.. وينصت باهتمام لكل ما يقوله باحث أو زميل أدني منه؛ مردداً دائماً قول الله تعالي، و" فوق كل ذي علم عليم" .. ولقد يعُزي تواضعه هذا إلي تدينه الشديد، وإيمانه العميق بالقيم التي بحث عليها كتاب الله وسنة المصطفي صلي الله عليه وسلم.

ولعل ما لاحظه الكثيرون إلي ذلك أدبه الجم؛ فلا أذكر أنه ذكر أحداً بسوء في مجال نقده للأفكار الخاطئة، والآراء المخالفة .. بل كان يُحسن الظن بأصحابها ويحاول جهده أن يبدي الأعذار لهم . كان يفرق بين نقده الفكرة الخاطئة ومقارعة الباطل وإيضاح حجة الحق، وبين إساءة الظن بالمخالف، والتشنيع عليه. فكان همه الأول البحث الجاد عن الحقيقة بعيداً عن الخوض في الناس أو النيل من أشخاصهم.

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة وهي أن محفوظ عزام كان نموذجاً لأستاذ الجامعة المعاصر في فكره ... الفلاح في تقاليده.. وفيا لانتمائه.. مجسداً لهويته .. وكان عطاؤه خير تجسيد للتواصل بأصالة أمته مع تفاعلها الإيجابي في عصرها.. فكان مرآة للأصالة ومرآة للمعاصرة.. ولقد تمزت أستاذيته بكثير من الخصائص، ولعل من أهمها : التعمق في التخصص العلمي، حيث كان سيادته أستاذاً لفلسفة العلم بمعية فقيهة .. كان دائم القراءة في كتب الفلسفة الإسلامية.. كان يؤكد لنا أهمية أن يكون أستاذ فلسفة العلوم ومناهج البحث ملماً بعمق في مادة تخصصه وليس فقط في مباحث الفلسفة . وما أكثر ما استشهد أمامنا بالمثل : فاقد الشئ لا يعطيه.. إذ كيف يتسنى لأستاذ ضعيف الفلسفة أن يعلم طلابه طرق تدريسها.. كان يتذوق اللغة الجميلة خاصة ما كان يسمعه في البرامج الإذاعية، مثل برامج الأديب فاروق شوشة.

كان محفوظ عزام يحترم اختصاص الآخرين فلا يتجاسر علي الخوض في اختصاص غيره.. كان يسأل في بعض القضايا فيبادر إلي الاعتذار عن الإجابة ويحيل السائل إلي أهل الاختصاص، حتي كنا نحن طلاب الفلسفة نحال إلي المتخصصين في مجالات قد يكون هو أقدر علي الإفتاء فيها ..  ولا شك في أن احترامه لتخصص الآخرين دليل النضوج العلمي والتواضع الجم، بل واحترام الذات.. وهذا بكل أسف قليل في عصرنا إذ قل من يتوزع عن الافتاء فيما يجهل.

كذلك عُرف عن محفوظ عزام الانضباط الدقيق بمواعيد المحاضرات .. فما عهدنا أنه تخلف عن محاضرة واحدة ولا أنه تأخر عنها ولو لدقيقة ؛ بل كان في بعض الأحيان يدخل إلي المدرج أو القاعة ويجلس علي مقعده حتي يحضر معظم الطلاب.. وهذا بلا شك دليل علي حرصه الشديد علي الاستفادة من كل دقيقة لإفادة طلابه.

كانت محاضراته تتميز بالإلقاء التلقائي، فلم يكن إلقاؤه علمياً جافاُ، بل كان يبدع في عرض الفكرة بما أوتي من قدرة علي فهم السياق وضرب المثل والاستشهاد بمواقف الحياة .. لم يكن حديثه تجريداً متسماً بالغموض أو البعد عن الواقع، بل كان مرتبطاً بالمواقف التدريسية الحية التي يدرك المستمع في ضوئها دلالة ما يقول . لم يكن يقرأ محاضراته من ورقة، بل كان يلقيها بشكل تلقائي مسلسل مرتب الأفكار، واضح العبارات، منهجياً في تناول قضاياه .

وكان سيادته ينظر إلي التدريس نظرة خاصة قلما نجدها في زماننا عند الكثيرين .. لم يكن التدريس بالنسبة له يمثل مهنة ولا احترافاً بقدر ما كان رسالة يؤديها، رسالة تنوير وتبصير وإضاءة عقول، ودعوة إل التفتح وقبول الآخر فكراً وثقافة، والذين يتناولون عملهم كرسالة وليس حرفة يبذلون أقصي الجهد في سبيل عملهم ويمزجون العلم بالغيرة الصادقة وحرارة القلب .. والحب الحقيقي لطلابهم.. لم يبخل علينا بفكر أو رأي أو مشورة .

وإذا كان فيلسوف مثل رينه ديكارت يقول: إن الفكرة الصحيحة هي الفكرة الواضحة المتميزة .. فإن أهم سمات محفوظ عزام هي أن كل فكرة يكتبها، إنما هي فكرة واضحة ومتميزة . واضحة بحيث لا تلتبس وتعطيك أعماقها بسهولة لأنه امتلك الفكرة وامتلك زمامها، ومتميزة بحيث تراها جادة جديدة.

يشعر القارئ لكتابات محفوظ عزام أنه يتدفق كالسيل .. ولا يدري هذا القارئ كم من المعاناة عاناها محفوظ عزام حتي تصدر كتاباته هكذا .. وقد كان يُلاحظ عليه الإعداد الجيد لمحاضراته، فلم يكن يُدرس لنا من كتاب واحد مطبوع، بل كان يجمع المادة العلمية للدرس من المصادر الأصلية.

ولم يكن محفوظ عزام يقنع بالحد الأدنى من الداء فيما يعمله ؛ يظل يجود العمل كلما وضع بين يديه في الوقت الذي يتعجل فيه الآخرون أعمالهم فيبادرون بنشرها. من هنا لا تعجب أن تحظي أعماله العملية بالتقدير.. وأن تتوفر للباحثين كمراجع تحتفظ بقيمتها رغم مرور الزمن .. ولعل مما يعجب له المرء أن يجمع محفوظ عزام بين هذا الاتجاه نحو الإجادة وبين السرعة في إنجاز العمل . فلم تكن الإجادة لديه مسوغاً للإبطاء في عمله. كان ينشد الكمال ما وسعه الجهد، ويتوخي الإتقان ما وجد إلي ذلك سبيلاُ . لم يكن يقنع بكل ما تجود به قرائح طلابه في الدراسات العليا، بل كان شديد التدقيق حريضاً علي الوصول إلي أرفع مستوي من البحث ... وإلي أجود مستوي من الكتابة حتي ما اتصل بتوثيق الاستشهادات أو علامات الترقيم.

رحم الله محفوظ عزام والذي كان واثق الخطوة في كل مواقفه. كان مجدداً ولم يكن مقلداً بأي وجه من وجوه التقليد. والمجدد ينظر إلى الأمام، والمقلد ينظر للخلف والعياذ بالله، المجدد يمثل النور، والمقلد يمثل الظلام، ألم يقل الفيلسوف ابن سينا في دعائه إلى الله تعالى: فالق ظلمة العدم بنور الوجود. ومن حكمة الله تعالى أنه خلق عيوننا في مقدمة أدمغتنا، ولم يوجدها في مؤخرة الأدمغة. كانت كتابته تمثل شلالاً متدفقاً من الحكمة والمعرفة، وإن كان أكثرهم لا يعلمون، وتعد بحراً على بحر، إنها تعد نوراً على نور، ويكفيه أنه حارب طوال حياته حياة الظلام والتقليد، إنه مدرسة كاملة، وإذا كانت روحه قد صعدت إلى السماء خلال الأشهر الماضية، فقد صعدت إلى عالم الخلود والبقاء واستراحت من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

رحم الله فقيدنا الغالي والصبر والسلوان لأسرته ولتلاميذه ومريديه " وإنا لله وإنا إليه راجعون".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود سعيدلم اكن أنوي الكتابة عن هذا البشر المنسي، المحارب، المضطهد، المظلوم في استراليا وأمريكا اللاتينية، إلا أن الحرائق التي انتشرت في القارتين وبلاد آسيوية وأفريقية أخرى، جعلتني أتذكرهم باستمرار، هذه الحرائق الفظيعة اضرت ببيئتهم الطبيعية مع الأسف الشديد، كما أزهقت ارواح بليون طائر ومخلوق نادر في استراليا وحدها، وربما أكثر من ذلك في الأمزون، منها الحيوان المتطور جداً القريب منا، شبيه الإنسان، المدعو "إنسان الغاب".

في آخر يوم لي في العاصمة المكسيكية، رجعت إلى الشقة التي استأجرتها، لأحزم أغراضي، القليلة، فوجدت سيدة ثلاثينية من السكان الأصليين، ومعها ابنتها في الخامسة عشرة تقريباً، تنظفانها، فأدركت من طريقة تنظيهما الدقيق، أنهما لا ينتهيان قبل الخامسة مساءً، فلم أشأ إزعاجهما، وذهبت إلى السوق المجاور، حيث عشرات المطاعم الشعبية، منها ما يقدم الرز وسمكاً مقلياً، ونوعا خفيفا من المرق. لم أدخل، لأني ما كنت في غاية الجوع، بل توجهت إلى دكان صغير، فيه مقعدان في الداخل، و ثلاثة في الخارج، تشغلان نصف العطفة الضيقة. كنت اكتشفته في أول يوم لي في العاصمة، قهوة هذا الدكان شبيهة بالقهوة التركية، طعماً وتتبيلاً، وأظنه يضع فيها قليلاً من القرفة، وحبة مسمار من القرنفل، مع الهيل بالطبع، فتتفجر رائحتها في العطفة عاصفة ذكية مؤججة، وتنتشر مسافة طويلة، لتجذب أمثالي من عشاق القهوة والشاي.

وحين أحسست بقرصات الجوع، ذهبت إلى مطعمي، فوضع لي في كيس ما كنت أريده، ثم وضع طعاماً للعاملتين. قبل أن التقِ المرأتين فكرت أن آخذ قيلولة لنصف ساعة، قبل أن أذهب إلى المطار، لكني بعد إذ رأيتهما قررت أن أذهب بعد الغداء وانتظر الطائرة هناك.

لكني حينما فتحت أكياس الغداء ووضعت الطعام على المنضدة، ودعوتهما رفضتا أن تأكلا معي، بل عانقتني الآم، والبنت، ثم قبلتني غير قبلة، وكادت تبكي، وبعدئذ أخذتا طعامهما إلى المطبخ، وهما منتشيتان تضحكان، غير مصدقتين. الأمر الذي جعلني أفكّر بالبؤس الشديد الذي تعيشان فيه. وبعد ذاك أخذتا تنظمان حقيبتي وحين قررت الذهاب إلى المطار، حملتا كل شيء إلى الشارع، ثم عبرتا الشارع العريض لأن شارعنا وحيد الاتجاه، وتحتاج سيارة الأجرة لكي تصلني إلى دوران بضعة كيلومترات. ثم عانقتاني، وسلمتا علي، مما ترك في داخلي أثراً لا أنساه، مازال يحيى في داخلي حتى هذه اللحظة.

عاش الشعب المكسيكي تحت رحمة الفاتحين الإسبان الجشعين، الذين خلت قلوبهم من الرحمة، ثم جاء الأمريكان البيض القساة الغلاظ، فنهبوا الحي والميت، والثروات العظيمة والتراث الغني، فحطموا البلاد وأفقروا العباد، وعندما قام الحكم الوطني بعد نضال طويل وعنيف ومدمر، قام معه ظلم وظلام دائم مستمر، وسيزداد الفقر والبؤس والظلام بعد الحرائق، وسيفقد ثلاث أرباع الفلاحين الأصليين أراضيهم، ويتخلون عن مزارعهم المقفرة، ومواشيهم، ومراعيهم، وحقولهم مع الأسف، ليعيشوا كالبدو حياة تخلو من الحياة.

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن الدكتور جائي الطحلاوي وحديثنا هنا نركز فيه علي آرائه ورؤاه؛ حيث يقول عنه الدكتور حافظ شمس الدين:" من أن معرفتي اللصيقة بالدكتور رجائي الطحلاوى نيفت على الأربعين عاماً، فأتاحت لى هذه المدة أن أعرف الكثير عنه، وكأنني أعرفه منذ زمن لا أحصيه عدداً، فعرفت فيه الفضل والنبل وعرفت فيه الخلق الطيب، ولم أسأل أحداً عنه، لأن الجواب عن هذا السؤال كان حاضرًا راهنًا، فقد أثنوا عليه قبل أن يروه، فلما عايشوه كانت له المكانة التى تسمو به ويسمو بها، إخلاصه لعمله وأساتذته وتلاميذه ناصع نقي، لم تشبه شائبة مما يشوب الإنسان فى المحيط الجامعى".

ولعل الدكتور رجائي الطحلاوى من القلائل الذين لم ينقطعوا عن عملهم طوال حياتهم، ومؤلفاته، سواء كانت علمية أو عن الإدارة الجامعية أو المستقبليات أو الكتب الأدبية التى تختص بسير بعض الأئمة من المسلمين أو أعلام أسيوط أو غيرها من الكتب، كلها تتسم بالعمق واليسر والتيسير، وقد أتيح لى أن أمتع بصرى وأثرى فكرى بقراءات فيها، فظفرت بخير كثير، ثم أعدت النظر فيها من قريب وبإمعان، فصح مني العزم أن أقتطع لها وقتا أعاود فيه هذه المتعة وهذه المتعة الدانية القطوف.

ويؤمن الدكتور الطحلاوى بأن مصر تحتاج إلى سياسة معرفية، خصوصًا وأن العالم ينتقل الآن من مجتمع المعلومات إلى مجتمع المعرفة حيث ستصبح المعرفة هى الأساس الأول فى توليد الثروة.  وإدارة المعرفة هى التحدى الحقيقي للوصول إلى مجتمع المعرفة.  ويضيف بأن أمام مصر مهمتان رئيسيتان؛ المهمة الأولي كيف نقيم بنية تحتية تسمح لنا بالاستيعاب الفاعل للمعرفة المعاصرة، والمهمة الثانية هى قدرة أبناء مصر على الإسهام فى إنتاج المعرفة العالمية.

وعن فلسفته فى الحياة يقول الدكتور حافظ شمس الدين :"... فالدكتور الطحلاوى ذكر لي خلال لقاءاتنا التى لا أتذكر عددها من كثرتها، إنه يؤمن بأن خير الناس أنفعهم للناس، وأن فضيلة الإنسان أن يصنع خيراً  وللشر عنده غواية، وله فى نفسه فتنة، فليس الخير ابتعادًا عن الشر أو عجزًا عنه، بل الخير هو اختيار الحسن مع القدرة علي فعل السئ، ويضيف الدكتور الطحلاوى، إنما فضل الإنسان على غيره من سائر المخلوقات بقدرته علي التمييز بين الخير والشر والنافع والضار، والناس يتمايزون بما تهديهم طبائعهم من عمل فيه خير لهم وصلاح لغيرهم ونفع للبشرية ورقي لها. والعالم الحقيقي هو الذى تقوده معارفه الواسعة المتجددة إلى مناهج جديدة فى البحث والابتكار تؤدى إلى أفكار تنبت من أرض الواقع وتستشرف آمالا مستقبلية واعدة، حتى يتحول الصلاح إلى إصلاح والحكمة إلى حكم والحقيقة إلى حق والعلم إلى عمل، وأردف الدكتور الطحلاوى قائلاً: كم يكشف تبادل الأحرف الثلاثة للعلم والعمل عن سر عبقرية الإنسان حيث استطاع العلم والعمل أن يجعلا من دول كانت تفتقر الوجود على الخريطة، لكنها بفضل العلم تحولت إلى بؤر مضيئة على خريطة العالم المعرفى المتطور، ولنا فى اليابان وماليزيا والهند وتركيا أسوة حسنة.

ويعتقد الدكتور الطحلاوى أن نهضة مصر ستكون على أيدى أبنائها، لأن العالم المصرى إذا توافرت له الظروف المناسبة للإبداع والابتكار وانجذب إلى بئر المعرفة لينهل منه سوف يكون الناتج متميزًا، ولا بد من متابعة العلماء فى أداء بحوثهم حتي تتحرر البحوث من أسر الرؤية الضيقة، كذلك فان تشجيع العلماء يبعث الأمل ويجدد الهواء فى رئة البحث العلمي للعلماء الشبان وهم فى بداية رحلتهم مع الشقاء فى نعيم العلم، أو قد يكون شحذا للهمم عند بعض الباحثين، ممن يتراءى لهم الاسترخاء العلمي والاكتفاء بما أنجزوه فى سنوات سابقة زعمًا بأن العوائق والصعوبات قد تئد روح البحث العلمي فى نفوسهم، وأن تقدير العلم والعلماء فى مصر لا يتفق مع ما يبذلونه من عصارة فكرهم ونور عيونهم وسني عمرهم لكنه بالإصرار والمثابرة والكفاح والجهاد مع النفس، يستطيع علماء مصر أن يهزموا الإخفاقات وأن يجعلوا مسيرة مصر المستقبلية جديرة بالتأمل والاستيعاب، لأنها تغرس فى نفوسنا الأمل فى تحقيق صحوة علمية حضارية أساسها الإنسان المصرى.

يقول الدكتور حافظ شمس الدين:" بالنسبة لى وعلى المستوى الإنساني، فالدكتور محمد رجائي الطحلاوى يجسد الإنسانية بكل ما تعنيه الكلمة، فهو إنسان كالنسيم، تنتشر أريج مودته فى كل موضع يكون فيه وينعم برفقته كل من يعرفه عن كثب، وأشهد وقد صحبته منذ عام 1965 بأن هذه الصحبة الطويلة الحميمة، لم يشبها فى يوم من الأيام ما يكدرها، ولم يعكر صفوها ما يصيب أحوال الناس من فتور وسأم، بل كانت مثالاً لكل ما هو أصيل وحقيقي، كان بيننا سياج شديد الانضباط بلا رتابة من الود والمحبة والإخلاص، تميزه الجدة والرصانة والمبادرة والوداعة والبشاشة، ويسمو به اللسان العف المترفع عن الصغائر والصغار، ولم أر منه إلا ما يوده الصاحب من صاحبه والأخ من أخيه، وهو شخصية جذابة لا تفارقه روح البساطة، وربما الفكاهة التى تسر ولا تحرج، وتنقد ولا تسخر، لأنه يحرص على مشاعر الآخرين، وفى تعامله مع زملائه ورفاقه وأصدقائه الذين يجيلونه فى العمر، يبقي الدكتور رجائي الطحلاوى الأخ الأكبر لهم دائماً، تظلله هالة من المودة والمحبة والتقدير، فحب الناس وحب الخير يجريان فى دمه ... فكيف يخونه دمه؟  إضافة إلى ذلك كله ... وفوق ذلك كله، هو فى تخصصه موسوعة تمشي على قدمين".

وفى ستينيات القرن الماضي، كان الدكتور الطحلاوى مدرسًا فى كلية الهندسة وكان يشرف على ثلاثة معيدين فى قسم الجيولوجيا بكلية العلوم، فى دراساتهم وبحثهم لدرجة الماجستير، وكنا نجتمع جميعاً فى معمله بكلية الهندسة، والمعمل كان البيت الثاني للدكتور الطحلاوى، وقد استطاع أن يجمع تلاميذه وأسرة معمله لتأتلف علي إخاء ومودة وتجتمع على سماحة ومحبة، وكم كانت هذه الأسرة المعملية تتابع العمل حتي ساعة متأخرة من الليل، ثم تفترق على تحية المساء، لتلتقي بعد ساعات على تحية الصباح وذلك حسب قول يقول الدكتور حافظ شمس الدين.

وكان العمل عند الدكتور الطحلاوى لا يستأثر بعقله فحسب، بل كان يستأثر  أيضاً بقلبه وذات نفسه وبآماله وطموحاته، فأفرغ له جهده طوال زهرة شبابه وصبابته وسني كهولته ورحيق حيويته، لذلك كان يثور إذا لاحظ إهمالاً أو تقاعسًا من أحد أعضاء مدرسته البحثية، لأنه كان دائماً ينشد الكمال فى التميز.

كما أنني أستطيع أن أقول مع الدكتور حافظ شمس الدين بأن الدوحة العلمية للدكتور رجائي الطحلاوى تفتحت لتقول إن مصر فى عطاء دائم، معينها لا ينضب من النابهين والعلماء الذين أثروا مناحي الحياة ببحوثهم وإبداعاتهم وإنجازاتهم التى تدعو إلى الفخر بهم والاعتزاز بأنهم نبتوا من أرض مصر المحروسة وحفروا لوطنهم بجهدهم وانتمائهم مكانة دائمة فى ركب من يسعي إلى التميز والنبوغ.  لذلك تعتز مصر بهؤلاء العلماء النابهين وتباهي بهم، والدكتور محمد رجائي جودة الطحلاوى – بالتأكيد – هو واحد من ألمعهم، فهو مثل وقدوة لعلماء مصر وشبابها..

وثمة نقطة مهمة وجديرة بالإشارة أود ن أشير إليها وهي أن الطحلاوي قد شهد له الكثيرون بأنه يجمع بين صفات المهندس والفيلسوف معا، ومن هؤلاء الدكتور سليمان جزين الذي قال عنه بأن الأستاذ الدكتور محمد رجائي الطحلاوي كانت له بصماته الخاصة فى هذا المجال منذ بداية ولايته وحتى قبل ذلك حين كان أستاذًا وعميدًا لكلية الهندسة بأسيوط.  فهو قد انتشر بمادته العلمية ليعاون بعض المعاهد خارج أسيوط وإلى الجنوب منها بالذات ونحن نعلم أنه قد مد عباءة عمله الجامعى والتعليمي والتدريبي إلى معهد مصانع نجع حمادى للألمونيوم خلال فترة من الزمن قبل ولايته للجامعة، وهو قد مد عونه ومساهمته وإشرافه إلى فروع الجامعة فى سوهاج وقنا وأسوان دون أن ينتقص ذلك من جهده الكبير والموفور فى النهوض بأعباء الجامعة فى أسيوط ذاتها.  ولقد ساهم بذلك كله فى أن يحقق لجامعة أسيوط أن تصبح بحق، وكما رسم لها من البداية، أن تصبح "جامعة الصعيد" بل الجامعة الأم بالنسبة لجامعات الصعيد كله. وهو فوق ذلك لم يبخل فى أن يمد يد الجامعة لتعاون بعض الجامعات فى الشمال، لاسيما معهد التكنولوجيا والهندسة فى بنها وهو معهد جديد تابع للوزارة وقد أنجزته جامعة أسيوط بعد أن كاد العمل أن يتعثر فيه بعد إنشائه وخلال مرحلة بداياته الأولى.

وفضلاً عن ذلك فإن رجائي الطحلاوي قد شق طريق الجامعة إلى عدد من المبادئ والاعتبارات الأخرى التى أثرى بها عمل جامعة أسيوط، ومنها كما يقول سليمان حزين :

1- التوسع فى تطبيق نظام المستشارين العلميين لرئيس الجامعة فى شئون العلم والبحوث التطبيقية والتجديد فى العمل الجامعى الذى يثرى الحياة الجامعية التى تزداد تشعبًا واتساعًا فى كل يوم.  وهذا العمل يقلل من تركيز العمل ويخفف الضغط على رئيس الجامعة الذى تشعبت مهامه وواجباته فى السنوات الأخيرة.  وهو أمر فى صالح الجامعة وإداراتها من جهة، وفى صالح تدريب المعاونين من أعضاء هيئة التدريس وتأهيلهم لتولى واجبات أوسع نطاقًٍا فى سلم العمل الجامعى.

2- التوسع فى نطاق "مستقبليات" العمل الجامعى والقومي.  ولاشك أن هذا هو الاتجاه الحديث فى عمل الجامعات ومهامها على المستويين القومى والإقليمي بل والعالمي.

3- المزيد من الربط بين الجامعة والمجتمع وإنشاء المزيد من الوحدات "ذات الطابع الخاص" فى العمل الجامعى، والسعى إلى المزيد من الربط بين الجامعة وأدوات التحكم المحلى وأجهزته – وهذا اتجاه له قيمته بالنسبة لعمل الجامعة وزيادة فعاليتها فى خدمة الأهداف المحلية والإقليمية بل والقومية العامة.

4- إحياء مشروع جوائز البحث العلمى فى الجامعة وبين أعضاء هيئة التدريس بصفة خاصة. وهو مشروع كان أول مدير منشئ للجامعة قد أنشأه بتبرعات من داخل الجامعة (من الأساتذة الزائرين الأجانب) ومن خارجها، حتى بلغت التبرعات فى عام 1964 نحو 000ر21 جنيه مصرى (وهو مبلغ غير قليل بالنسبة لذلك الوقت) ولكن المشروع بقى معطلاً حتى جاء رئيس الجامعة الحالى فأحياه من جديد.

4- تطوير المكتبة المركزية ومكتبات الأقسام العلمية والتوسع فى المطبعة وتحديثها وتجديد نشاط النشر العلمى حتى أصبحت الجامعة معتمدة على مواردها وأجهزتها الخاصة وهو أمر كانت إقامته صعبة فى بلد بقلب الصعيد مثل أسيوط.

تلك هى العلامات الأساسية التى أشرف بها عمل الطحلاوي منذ بدء ولايته فى عام 1991 وهنا يعقب سليمان حزين فيقول: وإننا لنتمني مخلصين له وللجامعة اطراد مسيرتها الموفقة على طريق التقدم والازدهار خدمة لصعيد مصر وتمكينًا لفلسفة العمل".

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الدكتور محمد رجائي الطحلاوي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ والمهندس والفيلسوف، فتحية طيبة للدكتور الطحلاوي ، الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

بارك الله لنا في الدكتور رجائي الطحلاوي قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره مهندسا وفيلسوفا، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

بدر الدين شيخ رشيدالأشاعرة هي نسبة إلى أبي الحسن الأشعري، المنسوب إلى أشعر، وهي إما نسبة إلى قبيلة يمنية أو إلى جده أبي موسي الأشعري الصحابي المشهور. وكان الأشعريّ أول أمره على مذهب الإعتزال، حيث تتلمذ على يد أبي على الجبائي المعتزليّ، ثم رجع عن مذهبهم وكتب في علم الكلام، حيث قال: في تنزيه الله مثل ما قاله السلف من التمسك بالكتاب والسنة[1].

ويقصد بالسلف الذين تبعهم الأشعري- حسب رؤية الإمام الشهرستاني- الذين لم يتعرضوا للتأويل والتشبيه في صفات الله، ويعرف عند المتكلمين «الصفاتيّة» وذلك لإثباتهم في الصفات القديمة لله. ومنهم الإمام سفيان الثوري [ت161ھ/777م] والإمام مالك بن أنس[ت:179ھ/795م]، والإمام أحمد بن حنبل[ت:240ھ/854م] وداود بن علي الأصفهاني الظاهريّ [ت:270ھ/883م] رحمهم الله ومن تابعهم[2].

ويقال لهم أيضا: أهل الحديث، لأن عنايتهم كانت تحصيل الأحاديث، ونقل الاخبار، وبناء الأحكام على النصوص ولا يرجعون الى القياس الجلي والخفي ما وجدوا خبرا أو أثرا[3].

وأما الدكتور محمد عمارة، فقد حدد ملامح الأشعرية من ناحية الأعتقاد بين الفرق الإسلامية، حيث يمثل تيار الأشاعرة الموقف الوسط بين المعتزلة وبين السلفية (الحنابلة) والجبرية الخالصة (الجهمية). فمثلا قالوا في فعل الإنسان: إن خالقه هو الله، وللإنسان فيه كسب- أي كونه محلا للفعل - فهو فاعلٌ له على سبيل المجاز. وفي التأويل: يجيزون بعضه، فلا يمنعونه كله كما هو حال أهل الحديث. ولا يعتمدونه سبيلا لنصرة برهان العقل على ما يعارضه من ظاهر النقل، كما هو حال العقلانيين. وفي صفات الله: يثبتونه له الصفات بإعتيارها لا هي هو، ولا هي غيره، أى على نحو يجعلهم وسطا بين تنزيه المعتزلة وتجسيد المشبهة والمجسمة[4].

أما الدكتورأحمد محمود صبحي، فهو يفرّق بين الأشاعرة والأشعريّة. إذ الأشعرية تعتبر إسما يستخدم للدلالة على المذهب، بينما الأشاعرة تكون إسما يستخدم للإشارة إلى الشخصيات[5].

وإذا قلنا الأشعريّة هى مذهب إعتقادي، فهناك إشكال مفاده؛ هل المذهب الإعتقادي الأشعري متصل بالإمام الأشعري من حيث التأسيس، أم كان له أسلاف قبل الأشعريّ؟

تؤكد الأشاعرة سواء من المتقدمين أو المعاصرين أنَّ للأشاعرة أسلافا قبل الأشعري في المذهب الإعتقادي في المسائل الكلامية، إذ« تؤكد الأشاعرة من متقدمين ومتأخرين أن مذهبهم ليس مستحدثا من مؤسسه أبي الحسن الأشعري، وإنما كان في ذلك تابعا لمن قبله من الصحابة والتابعين وأئمة الفقه ورجال الحديث»[6].

ومن المتقدّمين الذين يرون وجود أسلاف لهم قبل الأشعري، هم الإمام الأشعري [324ھ/935م] مؤسس المذهب، والبغدادي [429ھ/1037م]، والرازي[606ھ/1209م]. ومن المعاصرين الأستاذ د/ علي النشّار[7].

والإشكال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو:هل الأسلاف الذين تقدموا عن الإمام الأشعري في المذهب الكلامي هم أئمة الفقه؟ أم هم أصحاب الصفاتيّة؟

إذا قلنا أنهم أئمة الفقه، فلا شك أن أئمة الفقه ليس لهم آراء كلاميّة، بل كان دورهم حول مسائل الفقه الذي شغلهم عن علم الكلام إلا ما جاء على سبيل المعارضة لبعض فرق ومذاهب متطرفة،  مثل معارضة أبي حنيفة للخوارج جاء رأيه قريبا من الإرجاء،  ومعارضة الإمام الشافعي للمرجئة، ولبشر المريسي، جاء رأيه في الإيمان موافقا رأي الخوارج والمعتزلة. وجاء رأي أبي حنيفة في التنزيه سخطا على المجسمة. وجاء رأي ابن حنبل في إثبات الصفات نقمة على الجهميّة. وعلى هذا، فمن جهة لم يكن لأئمة الفقه رأي موحد في مسائل الكلام، حتي يُعَدَ لهم أسلافا للأشاعرة، ومن جهة أخري لا تشكل مثل هذه المواقف نسقا متكاملا في مسائل الكلام،  وإن تكليفهم بذلك إنما كان تكليف بما لا يطاق لأنهم كانوا فقهاء لا متكلمين[8].

ويظهر لي أن أسلافهم المتقدمين، والذين أيدهم الأشعريّ مذهبهم، هم المسمي بالصفاتيّة. والصفاتيّة حسب رؤية الشهرستاني [548ھ/1153م]، هم« جماعة كبيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزليّة من العلم، والقدرة، والحياة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والجلال، والإكرام، والجود، والإنعام، والعزة، والعظمة، ولايفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقا واحدا»[9].

هذا و قسّم الإمام الشهرستاني أصحاب الصفاتيّة إلي ثلاثة أقسام:

فريق لم يتعرض للتأويل وأنكر التشبيه مثل مالك بن أنس وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل.

فريق أوّل الصفات الخبريّة مثل اليدين والوجه على نحو يحتمل اللفظ.

فريق أسرف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المُحْدَثَاْتِ[10].

إنّ أسلاف الأشاعرة في المذهب الكلاميّ - حسب رؤية الشهرستاني- قد تمّت بشكل موحد على يد عبد الله بن سعيد الكلابي [ت240ھ/854م]، والحارث بن أسد المحاسبي[ت243ھ/857م]، وأبي العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي [ت255ھ/868م][11]، حيث كانوا يمثلون التيار السلف، المقابل بالتيار الإعتزالي، إذ«كانت بين المعتزلة وبين السلف في كل زمان إختلافات في الصفات. وكان السلف يناظرونهم عليها لا على قانون كلامي، بل على قول إقناعي. ويسمون الصفاتيّه، فمن مثبتٍ صفات الباري سبحانه وتعالى، معاني قائمة بذاته، ومن مشبِّه صفاته بصفات الخلق، وكلهم يتعلقون بظواهر الكتاب والسنة ويناظرون المعتزلة في قدم العالم على قول ظاهر»[12].

كان الأشعري في أول الأمر معتزلي المذهب، ثم« إنحاز الى طائفة السلف (الصفاتيّة) ونصر مذهبهم على قاعدة كلاميّة فصار ذلك مذهبا منفردا. ثم حرر طريقتَهُ جماعةٌ من المحققين مثل القاضي أبى بكر الباقلاني، [403ھ/1012م] والأستاذ أبى بكر بن فورك [406ھ/1015م] والأستاذ أبى إسحاق الأسفرائيني [ت418ھ/1027م]» [13] إلى أن « صار ذلك مذهبا لأهل السنة والجماعة وانتقلت سمة الصفاتيّة إلى الأشعريّة»[14].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

...............................

[1] - القاضي عبد الجبار، المحيط بالتكليف، جمع، الحسن بن أحمد بن متوية، تحقيق، عمر السيد عزمي، بمراجعه، د/ أحمد فؤاد الأهواني،  المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، الدار المصرية للتأليف والترجمة، (بدون رقم الطبعة والتاريخ) ص425.

[2] - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم،  الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت (بدون رقم الطبعة والتاريخ)، ج1/ص93.

[3] - المصدر السابق، ج1/ص206.

[4] - عمارة، د/ محمد عمارة، تيارات الفكر الإسلامي، دار الشروق القاهرة مصر، (دون رقم الطبعة)1411ھ/1991م، ص362.

[5] - صبحي، د/أحمد محمود صبحي، فى علم الكلام، دراسة فلسفية لآراء الفرق الإسلامية، في أصول الدين،  دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط5/1405ھ/1985م، ج2/ص7.

[6] - المصدر السابق، ج2/ص21.

[7] - المصدر السابق، ج2/ص27.

[8] - المصدر السابق، ج2/ص26-27.

[9] - الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت(بدون رقم الطبعة والتاريخ)، ج1/ص92.

[10] - المصدر السابق، ج1/ص92.

[11] - المصدر السابق، ج1/ص32.

[12] - المصدر السابق، ج1/ص32.

[13] - المصدر السابق، ج1/ص32.

[14] - المصدرالسابق، ج1/ص93.

 

محمود محمد علييحكى أن فيلسوفاً كان يجلس بجانب صديقه المهندس في وسط الليل... يتأملان عظمة الخالق... فسأل المهندس الفيلسوف قائلاً: أنظر إلي الأعلي في السماء وقل لي ماذا تري؟ فقال الفيلسوف: أري ملايين النجوم ، فسأله: وماذا تكتشف من هذا؟ ففكر الفيلسوف قليلاً وقال: يدلنا هذا علي وجود مئات وملايين الكواكب والمجرات ... أما بالنسبة للوقت فتقريبا الساعة الآن قبل الثالثة صباحا ، وبالنسبة للجو ... فأظن أن الجو سيكون صحواً وجميلاً غداً ... ثم جال بنظره إلي صديقه المهندس وسأله: قل لي أنت علي ماذا تري في هذا المنظر ..؟ فقال المهندس وهو يتأمل: إنني أري نجوماً في السماء تتشكل بأشكال هندسية رائعة ... وأري رؤوس النجوم المضاءة ... إن هذه السماء تكاد تشبه صفحة من صفحات الدفاتر التي لونت بالأسود ، ثم رش فوقها نقاطا فضية اللون لتبدو لوحة خلابة ... فسأله: وماذا تكتشف من هذا؟ فأجاب: إن الله سبحانه وتعالي يرينا قدرته علي الخلق والتكوين ، ويرينا كم نحن ضعفاء وتافهين بالنسبة لهذا الكون العظيم.

عزيزي القارئ تعمدت أن أحكي هذه الحكاية الطويلة، لغرض في نفسي وهو أن الله سبحانه وتعالي قد جعل من عبادة من يتحلى بأن يجمع بين خصال المهندس وخصال الفيلسوف ، وعندما ترجع في بوصلة التاريخ ونبحث في علماء الفلسفة تجد كثيراً من الفلاسفة  كانوا مهندسين في الأساس أو العكس ، فالهندسة والمنطق شقان متكاملان لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. والفلسفة مرتبطة بالعلوم جميعا فكل العلوم ترمي أولاً وأخيراً إلى اكتشاف الحقائق والبحث عن أصول الأشياء وماهياتها ولعل من أبرز الشواهد بزوغ فلاسفة كبار برعوا في ميادين الهندسة كأرسطو وابن سينا وديكارت .

ومن بين الأعلام العرب المعاصرين الذين يفرد لهم تاريخ البحث العلمي والإبداع الفكري (وبالأخص في الهندسة والفلسفة) ، ويعد ذلك صفحة مضيئة في سجله الخالد، المهندس المصري الأستاذ الدكتور محمد رجائي جودة محمود الطحلاوى والمولود في الأول من شهر سبتمبر لعام 1936 بفارسكور، دمياط ، ذلك العالم الجيولوجي ومهندس التعدين والإداري المصري، الذي عمل رئيس جامعة أسيوط ومحافظ أسيوط في النصف الثاني من القرن العشرين . كان هذا الرجل عبقرية مصرية شعبية خالصة، ارتقى بموهبته ليصبح مهندساً وعالماً موسوعياً كأغلب مثقفي عصره.

واسمح لي عزيزي القارئ أن أحكي لك قصة الطحلاوي (والتي رواها الأستاذ الدكتور حافظ شمس الدين أستاذ الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة عين شمس، والخبير بمجمع اللغة العربية واليونسكو)، وأبدأ حديثي هنا عن نشأته ؛ ففي ليلة العشرين من يوليو عام 1936 كان هدوء الليل يخيم بستائره ويرخيها على قرية الغوابين الواقعة على مشارف بحيرة المنزلة التى تبعد عن مدينة فارسكور كيلومترات قليلة، وبدد هذا الهدوء سعادة طاغية وفرحة غامرة انطلقت من بيت العشماوى عمدة القرية معلنة ميلاد طفل أسموه محمد رجائى، وهو اسم مركب تمشيا مع عرف ساد تسمية الأبناء فى مصر فى تلك الأحيان بأسماء مركبة، ربما لإرضاء الأب بتسمية الطفل حسب رغبته، وإضافة الاسم الثانى تلبية لأمنية من الأم، أو ربما لأمور أخرى.

والده جودة محمود الطحلاوى أستاذ اللغة العربية، ابن قرية الشقر مركز منيا القمح محافظة الشرقية، (حاليا مركز بنها محافظة القليوبية) الذى تخرج فى الأزهر الشريف ودار العلوم.

بدأت مسيرة الطفل محمد رجائى مع التعليم فى مدينة طنطا التى انتقل الوالد للعمل فيها أستاذًا للغة العربية بمدرسة طنطا الثانوية، والتى أصبحت بعد ذلك فى بداية سبعينيات القرن الماضي مقرًا لجامعة طنطا ونواة لكلياتها، وكانت طنطا ولا تزال تشتهر بجوها الروحاني الصافى، وشغف أهلها بحب آل البيت وأولياء الله الصالحين، حيث كانت تنتشر فيها الكتاتيب التى تعلم الأطفال اللغة العربية السليمة وحفظ ما يتيسر من القرآن الكريم بطريقة طيبة، تغرس فى الأبناء طريقة النطق واستقامة اللسان

حصل رجائي على شهادة التوجيهية (الثانوية العامة - شعبة الرياضيات) عام 1953 بمجموع كبير أهله للالتحاق بكلية الهندسة جامعة القاهرة، وانخرط مع زملائه فى الفرقة الإعدادية بالكلية، وبعد نجاحه بتفوق فى الفرقة الإعدادية، التحق بقسم التعدين، ثم تخصص فى هندسة المناجم فى الفرقة الثالثة ثم فى جيولوجيا المناجم فى الفرقة الرابعة، ولا يزال يتذكر أساتذته الذين حفروا فى نفسيته حب الدرس والأخلاقيات وآدابها، وحين يأتي ذكرهم تطفر الدموع من عينيه ويقول: كيف أنسي من أدين لهم بالفضل والولاء بعد الله سبحانه وتعالى ووالدى، وهم مثل العقد الفريد من نوادر الأحجار الكريمة الصافية مثل الأستاذ محمد محمود إبراهيم والدكتور عبد العزيز عثمان والدكتور فخرى نخلة وحامد السنباوي، وحامد البدري، وأحمد عزت المهيري، ومن الأجانب الأستاذ الفريد ريتمان السويسرى الجنسية والأستاذ فيلى ماخو اليهودي النمساوى  وبالرغم من صعوبة الدراسة فى كلية الهندسة، إلا أن إصرار رجائي الطحلاوى على الجمع بين الدرس وتلبية متطلبات شخصيته بما لها من ميول وهوايات، جعلته ينخرط فى فريق الجوالة بجامعة القاهرة حتى صار وكيلا لرهط جوالة كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وربما كانت معسكرات الجوالة هذه هي الحافز والدافع للطالب رجائي الطحلاوى لكي يتطوع فى كتائب الفدائيين، وإتمامه لدورة تدريبية متقدمة فى سلاح المدرعات (الفرسان سابقا).

وإبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 نازعته الوطنية الصادقة التى نشأ فى ظلالها وغرسها فيه والده، فتطوع فى الحرس الوطني وشارك بفعالية حيث اتخذ موقعا فى مسطرد وموقعا آخر فى عزبة النخل.  وشارك فى تدريبات على حدود قطاع غزة مع الأرض المحتلة.

أما من ناحية الخبرة العملية التى اكتسبها الطالب رجائي الطحلاوي فى أثناء دراسته الجامعية، فقد قضى قرابة شهر ونصف فى عام 1955 متدربا فى منجم الذهب بمنطقة الفواخير بالصحراء الشرقية المصرية، ثم تدرب فى مناجم الحديد بولاية كارنتن فى جنوب النمسا على الحدود المتاخمة ليوغوسلافيا، وقضي هناك قرابة شهرين.

فى عام 1958 حصل المهندس محمد رجائي الطحلاوي على درجة البكالوريوس فى الهندسة فى قسم المناجم، شعبة جيولوجيا المناجم من كلية الهندسة جامعة القاهرة، وتخرج ليبدأ رحلة مسيرته الوظيفية العملية، فكلف للعمل فى مصلحة الأبحاث الجيولوجية والتعدينية التابعة لوزارة الصناعة آنذاك؛ وتغير اسمها كثيرا وكأنها ريشة فى مهب الريح، حتى استقر اسمها أخيرا ليصبح هيئة الثروة المعدنية وتتبع وزارة البترول حالياً.  وبدأ ممارسة عمله الحقيقي فى قلب الصحراء الشرقية فى المناطق المحيطة بمرسى علم، على ساحل البحر الأحمر، وقضي هناك عاما كاملا متبتلا بين جبالها ووديانها وأماكن وجود الخامات المعدنية فيها واكتسب خبرة كبيرة فى هذه الفترة، خاصة أن رؤساء رجائي الطحلاوى كانوا من أساطين علم الجيولوجيا الذين لا يبخلون بعلمهم وخبرتهم عن تلاميذهم، ويذكرهم بالعرفان والخير والجيولوجي العظيم محمود فوزى الرملى والجيولوجي جلال الدين مصطفى وعثمان محرم محجوب.

ولأن النشأة والبيئة التى عاش فيها المهندس رجائي الطحلاوي كانت ترتكز على أعمدة من الفضيلة والخلق القويم، وتعتقد أن الزواج فى سن مبكرة جنة لا يعرف فضلها إلا أولوا العزم فتزوج فى عام 1959 من زوجته السيدة سوسن زكي دسوقي جمعة التى أتمت دراستها الثانوية فى مدرسة الليسيه فرانسيه وتفرغت لزوجها ورعاية بيتها وأولادها (بنتان وولد).

وتبرز النزعة التعميرية عند المهندس رجائي الطحلاوى، فقد استقر فى وجدانه مقولة "لولا ظلمة الجهل، ما أشرق نور العلم"، فقد عمل جاهدًا على إنشاء أول مدرسة فى منطقة مرسي علم، قوامها أبناء العمال الذين يعملون مداومة مع المهندس الطحلاوي وتطورت المدرسة وأصبحت ابتدائية – إعدادية، وكأنه يحمل مصباح العلم ليضئ جنبات الجهل التى كانت تسيطر على المكان.

وكان عام 1959 يمثل علامة فارقة فى حياة مهندس المناجم رجائي الطحلاوي، فقد رشح بصفة أساسية فى بعثة دراسية للحصول على درجة الدكتوراه فى المساحة الجيولوجية لحساب جامعة أسيوط الوليدة آنذاك. وسافر الطحلاوى فى شهر أكتوبر عام 1959 إلى سويسرا والتحق بالمعهد العالى الفدرالى للبوليتكنيك بمدينة زيورخ، وهو واحد من أعرق المعاهد العلمية فى أوروبا، وبدأ الدراسة منذ بداية اليوم الأول لوصوله، وكانت همته عالية لا تفتر بعون الله وبمؤازرة زوجته التى كانت له نعم العون والسند، حيث ساعدتها إجادتها الفائقة للغة الفرنسية فى تيسير الكثير من الأمور.  وفى الوقت نفسه بدأ الطحلاوى يتعلم اللغة الألمانية بمخالطته للأجانب وانتظامه فى مدرسة برليتز للغات فى زيورخ، ثم سفره خلال الأجازة بين الفصلين الدراسيين على نفقته الخاصة إلى معهد جوته بمدينة كونستانس الواقعة فى جنوب ألمانيا على بحيرة تحمل الاسم نفسه، كل ذلك أدى إلى تحسن مستواه فى اللغة الألمانية وصار ينطق بها ويتعامل بها مثل أهلها.

وبعد عام واحد من وصوله إلى سويسرا وانخراطه وانهماكه فى الدراسة تقدم لامتحان المعادلة الذى يسمح بالتسجيل لدرجة الدكتوراه وقد دهش أستاذه لجرأته على التقدم للامتحان بعد فصلين دراسيين فقط، لأن الأمر يحتاج إلى أربعة فصول على الأقل لاجتياز امتحان القبول، وتوكل على الله مستعيناً به وبكفاءة استيعابه وإصراره ومثابرته، واجتاز الامتحان بتفوق؛ أهله ذلك للتسجيل  لدرجة الدكتوراه فى ديسمبر عام 1960. ويقول الطحلاوى إن النقد البناء يعد الحافز الأكبر للتقدم والتميز، فهو لا يزال يتذكر الملاحظة التى أبداها أستاذه خبير الهيملايا العالمي الأستاذ جانسر حين قال لرجائي: "أنت ممتاز فى الجانب النظرى، لكنك تحتاج الكثير فى الجانب العملى"، كانت هذه الكلمات بمثابة صاروخ الدفع الذى أيقظ جذوة الحماس للدراسات الحقلية عند رجائي الطحلاوى، فشارك فى رحلات ودراسات عملية حقلية فى جبال الألب واليورا وفى ايطاليا والنمسا وفرنسا وألمانيا، فأكسبته هذه الرحلات الخبرة الرائعة التى جعلته يرتقي قمة علماء جيولوجيا الحقل بعد رجوعه من البعثة وانتظامه فى هيئة التدريس بجامعة أسيوط فيما بعد، وسجل رجائي الطحلاوي لدرجة الدكتوراه على منطقة تقع جنوب جبال الألب على بحيرة كومو شمال ايطاليا، فأتاح له الفرصة لمزيد من الدراسة الحقلية وتعلم اللغة الإيطالية الدارجة.  وبعد انتهائه من رسالة الدكتوراه وفى أثناء طبعها، تدرب عدة أشهر فى مكتب استشارات جيولوجية يهتم بالدراسات الهندسية، وتعلم كيفية كتابة التقارير العلمية بالدقة والإتقان والجدية التى تشتهر بها المدرسة العلمية السويسرية.

ومن الأمر اللافت للنظر، أنه أثناء دراسته الحقلية فى جبال الألب التى تغطيها الثلوج معظم أيام العام، تعلم الطحلاوى تسلق الجبال والتزلج على الجليد، فساعده ذلك على التنقل بين الجبال بعضها ببعض وانجاز العمل فى أقصر وقت ممكن، واستعاض عن التنقل بوسائل النقل المختلفة بتزلجه بين رابية وأخرى.

وفى نوفمبر عام 1965 عاد الدكتور محمد رجائي جودة الطحلاوى إلى مصر بعد حصوله على درجة الدكتوراه فى المساحة الجيولوجية من سويسرا، وسافر يوم 12 نوفمبر عام 1965 إلى مدينة أسيوط، وفى طريقه إلى استراحة الجامعة استقل الحنطور الذى كان وسيلة المواصلات السائدة آنذاك ليذهب إلى استراحة الجامعة فى حي الوليدية، فوجد أنوارًا وزيناتٍ على مبني يقع على النيل، فسأل سائق الحنطور وعرف أن هذا هو نادى بلدية أسيوط وأن المحتفى به هو الدكتور سليمان حزين رئيس جامعة أسيوط الذى عين حديثا وزيرا للثقافة، ولم يدر بخلد الطحلاوي أنه سيخلف هذا الرجل العظيم فى موقعه ليكون رئيسا لجامعة أسيوط بعد 27 عاماً من وصوله لأسيوط.

وذهب الدكتور الطحلاوى لقسم الجيولوجيا الذى كان يرأسه الدكتور محمد كمال العقاد الذي استقبله بترحاب، ونصحه باستلام العمل فى قسم التعدين بكلية الهندسة، وكانت نصيحته غالية لأن نظام الأقسام فى التعليم الجامعى فى مصر ليس كنظيره فى الجامعات الأوروبية.

انضم الدكتور رجائي الطحلاوى إلى هيئة التدريس بقسم التعدين والفلزات بكلية الهندسة جامعة أسيوط ورقي إلى أستاذ مساعد عام 1970 ثم أستاذاً عام 1974، بعدها أعير لجامعة الكويت أستاذاً بقسم الجيولوجيا لمدة خمس سنوات. وهناك فى الكويت بزغ اسمه بين أساتذة الجامعة حيث كان معمله ومكتبه خلايا نحل للطلاب الكويتيين واليمنيين والفلسطينيين، وكان دائم الخروج معهم فى رحلات إلى الصحراء، وأطلقوا علي مكتبه اسم ديوانية الطحلاوى لأنه كان لا يخلو من طالب علم أو مشورة أو نصيحة ما.

وعقب عودته من الكويت عين وكيلا لكلية الهندسة لشؤون التعليم والطلاب لمدة أربع سنوات، ثم انتخب عميداً للكلية ثلاث مرات استمرت قرابة سبع سنوات ونصف، بعدها اختير نائباً لرئيس الجامعة لشؤون الدراسات العليا والبحوث لمدة عام ونصف، ثم عين رئيساً لجامعة أسيوط فى أول أغسطس عام 1991، وكان فى ذلك الوقت فى دورة دراسية فى معهد التعليم العالى بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية. وفى 16 يناير عام 1996 عين محافظُا لأسيوط وكان أول رئيس جامعة يعين محافظاً فى مصر، بعدها عاد أستاذاً متفرغًا بكلية الهندسة اعتباراً من أول نوفمبر عام 1999 حتى الآن.

يتذكر الدكتور الطحلاوى عام 1957 عندما كان لا يزال طالباً فى الفرقة النهائية بكلية الهندسة، وكان يستعد للذهاب إلى كليته وكانت والدته تستمع إلى الراديو (وسيلة الإعلام المسموع الوحيدة فى ذلك الوقت) وقالت لرجائي إن الراديو أعلن عن بدء الدراسة فى جامعة أسيوط اليوم، والتى يرأسها العالم الكبير الدكتور سليمان حزين، الذى كان صديقاً لأخيها محمد العشماوى باشا وزير (المعارف) وأردفت قائلة: "يا رب أعيش وأشوفك رئيساً لجامعة أسيوط" وكأن أبواب السماء كانت ملبية لها رجاءها فقد تحقق حلمها وأمنيتها وصار ابنها الدكتور رجائي الطحلاوى رئيساً لجامعة أسيوط بعد 35 عاماً من تمنياتها، ويتذكر أيضاً أنه لم يكن يدرى أى شئ عن أسيوط سوى النذر القليل عن أبناء أسيوط الذين نبغوا فى ميادين الأدب والفن والفكر مثل مصطفى لطفى المنفلوطي وحافظ إبراهيم ومحمود حسن إسماعيل. ويشاء الله العلى القدير أن تشهد أسيوط نهضة تنويرية  تثقيفية علمية حضارية قام بها الدكتور الطحلاوى حين كان محافظاً لها. ولا تزال مسيرته نشيطة على الدرب، وشواهد ذلك ما نراه فى سلسلة أعلام أسيوط التى أزاحت النقاب عن أسماء بزغ نورها من أسيوط، ولم يكن يعلم بها أحد حتى القريبين، لكن الطحلاوى أماط اللثام عن هذه الأسماء فطفت على السطح وعرفها الكافة من خلال سلسلة أعلام أسيوط.

وحب الدكتور الطحلاوى لتعلم كل جديد لا تخبو جذوته فى نفسيته إطلاقاً، فقد بدأ يتعلم الكمبيوتر وهو فى سن الرابعة والستين ولم يستنكف أو يجد حرجاً فى تعلمه من أبنائه المدرسين بالجامعة أو حتى من حفيده الذى لم يتجاوز السنوات العشر من عمره.... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمد فتحي عبدالعاليقول عنه المقريزي: "فهو الجامع لمحاسن البنيان، الشاهد بفخامة أركانه، وضخامة بنيانه أن منشئه سيد ملوك الزمان، يحتقر الناظر له عند مشاهدته عرش بلقيس وإيوان كسرى أنوشروان، ويستصغر من تأمل بديع أسطوانه الخورنق وقصر غمدان..".

بشارع الغورية يقبع جامعنا بمئذنتيه اللتين لا يعلوان المسجد وإنما فوق باب زويلة (شعار محافظة القاهرة الان) انه جامع المؤيد ...

فمن هو المؤيد؟

هو السلطان المؤيد أبو النصر شيخ بن عبد الله المحمودي الجركسي كان أحد مماليك السلطان برقوق  وقد تدرج في المناصب حتى علا قدره ثم حدثت فتنة الأمير منطاش والذي أطاح ببرقوق لبعض الوقت  فتم القبض على العدد من المماليك الموالين لبرقوق ومنهم مؤيد شيخ حيث اقتيد إلى  خزانة شمايل أو سجن شمايل بالمصطلح العصري وهو يختلف عن السجن العصري في كونه حفرة يقيد فيها السجن ويقضي بها حاجته وحسب..

ولكن ما هو سجن شمايل الرهيب؟

هو سجن مروع بناه علم الدين شمايل أحد فلاحي بعض قرى مدينة حماة، وقد أصبح واليًا على القاهرة في عهد السلطان الكامل مكافأة له على اخلاصه ودوره في نقل رسائل السلطان إلى أهالي دمياط المحاصرين وحثهم على الصمود أثناء الحملة الصليبية الخامسة على دمياط..

نذر المؤيد:

وفي شمايل  تم شكه في الزنجبير!! وهي من كلاسيكيات فن التعذيب المملوكي حيث قيد من يديه وساقيه وعنقه بسلاسل مثبتة في الحائط نهايكم عن العذاب بالحشرات من البراغيت والبق التي حفل بها هذا السجن أو الحفرة   فنذر المؤيد لله نذرا  إن  فك الله كربه وصار له ملك مصر أن يهدم السجن ويقيم مكانه جامع كبير وتدور الايام وويتحقق حلم المؤيد شيخ بحكم مصر

المسجد الحرام:

ويفي المؤيد بنذره فهدم السجن وأقام الجامع مكانه  في عجالة. كان المسجد يحتاج كميات كبيرة من الرخام فهاجم مماليك المؤيد بيوت الناس لخلع الرخام طوعا أو كرها كما أخذ باب السلطان حسن ليكون باب جامعه وكذلك النجفة النحاسية ليضيف مسجده إلى مساجد المماليك الحرام التي تبني من سرقة أموال الناس وأسرع المؤيد بافتتاح الجامع على الرغم من عدم اكتمال البناء....

قاتل ابنه:

وتمضي السنون ويتحول الضحية إلى جاني فقد نجح كاتب السر ابن بارزي في بث سمومه و تأليب المؤيد على ابنه الصارمي ابراهيم وهو الفارس الوسيم الذي وطد ملك أبيه في بلاد الشام واحبه الناس والجيش فقام المؤيد بدس السم لابنه في الحلوى وكان السم بطيئا وحينما بدأت الأعراض تظهر على الابن ندم المؤيد على فعلته وجلس بجانبه يبكيه ولكن الوقت مضى وحانت لحظة الرحيل فمات الابن وخرجت جنازته من القلعة إلى الجامع الذي انشأه المؤيد وبكي المؤيد على ابنه الراحل وهو يسمع خطيب المنبر يروي حديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما فقد ابنه ابراهيم عليه السلام: (إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإننا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون) وحتى يخفف الاب المكلوم من لوعة حزنه على فراق ولده دس لابن بارزي من نفس السم !!

مات المؤيد حزنا في نفس السنة لقد قتل الاب ابنه حتى لا يليه في الحكم فجمعتهما الاقدار للموت في عام واحد وفي نفس القبر !!

الرضيع يحكم مصر:بوفاة المؤيد وابنه ابراهيم تطل علينا واحدة من سخريات القدر حيث اجتمع مماليك المؤيد على  تولية ابنه الرضيع شهاب الدين أبو السعادات أحمد والسعادات نسبة لاسم أمه!! وفي سابقة الأولى من نوعها تولى الرضيع حكم مصر والمثير أن الطفل الرضيع أصابه الحول في حفل تنصيبه على صوت دقات الكورسات!

وصف الجامع: اشرف على بناء الجامع بهاء الدين محمد ابن البرجى ويتكون المسجد من أربع واجهات وبابه من الخشب المصفح بالنحاس والمزين بالذهب والفضة وهو باب مدرسة السلطان حسن كما سبق وأن ذكرنا ويتوسط جدار القبلة محراب مكسو بالرخام الملون وحافل بالزخارف وكان للجامع مكتبة قيمة وكان يدرس به العلوم الشرعية.... وإلى هنا ننتهي بجولتنا في واحدة من أشهر محطات  الفن  المملوكي وتاريخه

 

د. محمد فتحي عبد العال

 

محمد السعديكان تشيخوف يقول لصديقه مكسيم غوركي وهما يغادران مزرعة (إيسيانا بوليانا) .. لماذا تعتقد أن تولستوي يمتدح ما نكتب؟ يضحك غوركي وهو يقول : لانه ينظر ألينا كأطفال، كل ما كتبناه لعب أطفال بالنسبة اليه؛

كلما تعرفت عن قرب على الفنان سامي كمال وجدته يتعامل بكبر مع محبيه وقريبيه . مشوار طويل من الصداقة قبل تكون في خانة النسابة والمصاهرة حافلة بالمواقف والاحداث والمنعطفات . صورة الرجل المشعة دائماً بالأمل ذكرتني بهذا الحوار بين أدباء روسيا الكبار حول الكبار .

ولد الفنان سامي كمال العام ١٩٤٠في قضاء الكحلاء (المسعيدة) التابع لمحافظة ميسان وسط عائلة ميسورة الحال وذات نفوذ أجتماعي وسط أهالي قضاء الكحلاء، والده مناتي أمتهن مهنة خياطة (العباءة العربية)، كباب رزق وعيش لعائلته، والدته ربة بيت لعائلة تتكون من ستة أبناء هو الأكبر بتسلسل الاولاد، فتحمل منذ طفولته الأولى عبأ العائلة في البحث عن مصادر للعمل لتعيين والده لمساعدته في العيش . وفي وعي مبكر بسبب ظروف الحياة الاقتصادية وطبيعة العلاقات في مدينة الكحلاء وظروف العيش والحياة وأحتياجاتها اليومية والعوز في مصادرها وأنعكاس ثورة أكتوبر وأنتصارات الجيش الاحمر على جبهات الحرب العالمية الثانية وبث الافكار الشيوعية في جنوب العراق، جملة تلك العوامل دفعت تلك العائلة الى الوقوف مع قضايا الفقراء والدفاع عن حقوقهم المسلوبة من رجالات الاقطاع والاغوات والمالكين الى الانحياز والايمان بالافكار الماركسية والشيوعية .

في مطلع الخمسينيات من القرن المنصرم أنتقل الفنان سامي كمال مع عائلته من مدينة الكحلاء الى العاصمة بغداد مما شكلت تلك الانتقاله أنعطافة في حياة الفنان على المستوين الفني (الغنائي) والسياسي، وعندما كانت العاصمة بغداد تموج في منتدياتها وشوارعها مخاضات سياسية وثقافية قادمة في التغير، قد تركت إثرها الواضح على حياته، بل أنخرط في تلك الاحداث مبكراً من خلال الاهتمام والانتماء . وعندما وجد المرحوم مناتي والد الفنان سامي كمال الموهبة لدى أبنه في الغناء والفن . دعم تلك الموهبة في داخله وحثه بإتجاه صقلها في الدخول الى مسرح الموسيقى العسكري كمنشد مما شكلت إنطلاقته الأولى في عالم الغناء والتلحين .   

في بغداد العاصمة . تفتحت إمام الفنان سامي كمال أفاق جديدة لتطوير مواهبه الفنية والتي أعتمدها في ذاكرته من شجن وحزن الجنوب العراقي، فلقد تعرف على ملحنين عراقيين من أمثال الراحل كمال السيد، محمد عبد المحسن، عباس جميل . وشعراء أغنية عديدون لازمهم في مسيرته الفنية، ومن أكثرهم قرباً له الشاعر المرحوم كاظم أسماعيل كاطع، وقد سبق هذه الأضاءات بولوجه وقبوله كمنشد في فرقة المنشدين الصباحية . في العام ١٩٧٠ بدأ العراق يخطو بأتجاه تهدئة الاوضاع وما رافقها من تنمية وأصلاحات أنعكست على الحياة الفنية والثقافية في العراق وبناء الأغنية المعبرة والهادفة ومضمونها وتطورها، مما الى الآن يشار لها بالبنان في المعنى واللحن والشعر، وكان الفنان سامي كمال واحد من عشرات الفنانين، الذين تصدروا ألق هذا المشهد في تعزيز أسس الاغنية والفن بشكل عام .

في أستذكار تاريخي لأهم محطات الفنان سامي كمال في بداياتها . حيث يقول .. في بداية تسجيل أولى أغنياتي (بويه عينه شكبرها) . وكان الفنان يحي حمدي مخرجاً لهذه الأغنية ولما أكملت تسجيل هذه الأغنية خرجت الى الكونترول لاستمع أليها في مبنى الاذاعة، وكانوا في حينها الملحن محمد جواد أموري والملحن الشيوعي كوكب حمزة والمغني سعدون جابر يستمعون لي عند إداء التسجيل . فقال الفنان يحي حمدي شهادة مازلت أعتز بها الى يومنا هذا أمامهم (أن هذا هو الصوت المطلوب، ولكنه بأعتقادي سوف لن يكون طريقه سهلاً) . 

في منفاه البارد الموحش في القطب الشمالي، الذي طال سنوات طويلة تداهمه به الذكريات والحنين الى الماضي في جو وحميمية عائلته الهاديء، وعندما تكهرب الجو السياسي العراقي العام في أستهداف القوى الوطنية ومثقفيها وفنانيها من قبل أجهزة النظام في أعتقالهم وتغيبهم . قرر الفنان سامي كمال بحزم حقائبه في الرحيل الى وراء الحدود الى أصقاع الأرض القاحلة، وفي لحظة وداع مؤلمة وصعبة لعائلته، أثنته والدته الطاعنه في السن عن الرحيل متوسله له والخوف عليه من معاناة البعد ووحشة المهجر، مازالت تلك اللحظات الصعبة تداهم الفنان سامي كمال بوجع وربما بندم على فراق والدته كلما تلبسته سنوات اليأس والأحباط، ومما زادت من قساوة وهول الغربة رحيل والدته الى السماء بعيداً عن توديعها وإلقاء النظرة الاخيرة عليها . والانسان يشعر بالعمر وتقادمه عندما تغيب أمه عن الدنيا .

عندما ولج الفنان سامي كمال عالم الفن كمغني وملحن العام ١٩٧٠، وهو أب لاربعة أطفال يعمل من أجل تأمين حياة متواضعة لهم . راح يبحث عن مصدر رزق لتأمين معيشتهم، لأنه في يومها لم يكن للفن معين مالي للعيش ولاسيما كفنان شيوعي يعطي من وقته وفنه للناس وقضاياهم، فأخذ مهنة الحلاقة كباب رزق في تأمين حياة هادئة بفتح محل للحلاقة في مدينة الحرية في بغداد . وكان الملحن طارق شبلي يأتي من البصرة الى بغداد كلما توجب حضوره في  لحن أغنية  جديدة لمطرب جديد في مبنى دار الأذاعة بالصالحية، وكان حينها يرافقه شاب صغير متلمساً طريق فن الغناء هو الفنان رياض أحمد، والذي أصبح مغنياً مميزاً في مسيرة الاغنية العراقية . يستذكر سامي كمال ذكريات تلك الايام، والذي حدث مرة في مبنى الأذاعة بتصرف غريب من الشاب رياض أحمد مما دعا سامي كمال في نهره وقائلاً له أمام جمع من الحضور ” أنت محسوب علينا ” فرد عليه رياض لا أنا بعثي . فاستدرك الفنان سامي كمال الموقف والخروج منه لا أقصد أنت محسوب علينا كفنانين .

في بغداد العراق، وبعد أن ضاقت به فرص الحياة والعمل وحرية التفكير ومساحات الابداع لمعتقده السياسي (الشيوعي) والتمسك به ولم يرضى لنفسه على أي مساومة تجاه معتقده من آجل البقاء في مبنى الأذاعة في الصالحية والتي من فتحات نوافذها يحقق الشهرة والمال، لقد تم أبعاده عن هذا الأفق وهو في بدايات ظهوره وشهرته الى الفرقة القومية للفنون الشعبية، وقد تعرف هناك على بعض الفنانين العراقيين أمثال جبار عكـًار وأمل خضير . وفي الفرقة القومية ألتقى بالفنان عبد الآمير معله وهو اللقاء الثاني به، وتفهم ظروفه ودعمه بأتجاه مشروعه الفني .  

كثير ما يشدنا في أغاني هذا الفنان الرائع هو المذاق العراقي السلس مع لحنه الممتع، والكثير منا يتذكر الفنان سامي كمال في بداياته الفنية وفي أشهر أغانيه (رايح يارايح وين) والحاصلة على جائزة أفضل أغنية عام 1977-1976، والتي لابد من الاشارة هنا الى ملحنها المرحوم الفنان الراحل كمال السيد(ولنا وقفه مع هذا الفنان الراحل) والذي منحه اسمه الفني . في مسقط رأسه بمدينة الكحلاء، وفي عز فتوته بدأت تظهر ميوله نحو متابعة الفن وعمالقة الغناء العربي وتحديداً الغناء، ولموهبته المبكرة بهذا المجال بالتزامن مع ميوله السياسية بتأثير من والده مناتي بحكم طبيعة عمله وأحتكاكه اليومي بالناس وهمومهم، فكان نصيب العائلة بذلك التوجه والانحياز الى قضايا الانسان في العيش والاختيار الحر. في سنواته الاولى للفنان سامي كمال في مجال الغناء والفن وتأثيرات أنتمائه السياسي على مسيرته الفنية في حقبة العراق التاريخية في التكوين السياسي وظهور الاحزاب السياسية الى العلن في العمل السياسي والاحتراب الى حد الخصومة والمواجهة بين القوميين والبعثيين من جهة والشيوعيين وأصدقائهم من جهة أخرى، تركت ظلالها على حياة الفنان سامي كمال في بداياته الفنية بحكم هذا الصراع السياسي وتحديد المواقف . مما تعرض الى الاعتقال والسجن في أحداث ٨ شباط العام ١٩٦٣، بمجيء البعثيين والقوميين الى دفة الحكم بإنقلاب عسكري أطاح بثورة تموز وإنجازاتها ورجالها ليدخل العراق في دوامة طويلة من الانتهاكات والدم .

أرتبط همه السياسي والتعبير عنه في الوقوف مع قضايا الناس وتطلعاتهم من خلال موهبته الفنية

وأصالته العراقية وموسيقاه التي تفيض منها الحانه وصوته الشجي، وهذا  ما نتلمسه في أغانيه على مدى أربعة عقود من العطاء . والفنان سامي كمال متمرس في الغناء منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، حيث دخل الاذاعة كمنشد في فرقة المنشدين الصباحية مع ثمة من الفنانين العراقيين، والذين حجزوا لهم مكاناً في الذائقة العراقية أمثال عبد الجبار الدراجي، صباح غازي، حسين السعدي، عباس حسن، هناء وأختها غادة سالم . وبسبب ظروف العراق السياسية وتقلباتها مما أجبره كسائر الغالبية من المبدعين العراقيين الوطنيين الى مغادرة العراق متوجها  الى المجهول…؟.

المجهول هو المنفى حيث لم ولن يكون أحد منا انه يتوقع انه هذا المنفى هو كما آل اليه الحال ليمتد الى اكثر من أربعون عاماً من الزمان كان الهاجس هو المكان الآمن البعيد عن عيون المخبرين وسطوة الجلادين .

فكانت أغانيه مثل (لبغداد).. (أستمد الشجاعة منك) .. (صويحب) التي اشتهر بها.. (يــابــحــر)... (مشتــاكَ).. (دكَيت بابك ياوطن) ..(شلون بيه وبيك يبنادم)  وغيرها الكثير .. الكثير...اين انتم واين نحن من هــذا الفنان ومتى ... ومتى ننصف مبدعينا الذين اعطوا للانسان والوطن الكثير ودفعوا أجمل محطات حياتهم للوطن .

مسيرة الفنان سامي كمال محطات ودول وأنعطافات وتجارب غنية وطافحة بالذكريات والمواقف تستحق الوقوف عندها ونقلها لتكن تجارب حياة للآخرين .

محطة اليمن … ومراحلها .

قبل أن تطأ قدماه أرض اليمن، كان مروره الأول دولة الكويت، والتي لم يمكث بها طويلاً لاسباب شخصية ومن منطلقات (فنية وسياسية)، ورغم الأغراءات التي قدمت له من سكن ومال وجاه، لكنه لم تثنيه على مواصلة طريقه المنشود، وربما العامل ذو الوزن الأكبر والأكثر تأثيراً هو أنتمائه السياسي (الشيوعي) . فكانت وجهته جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية . 

كانت محطته الأولى في المهجر هي جمهورية اليمن الديمقراطية (اليمن الجنوبي) عاصمتها عدن، تاركاً خلفه عراق مضطرب تحت مفارقات سياسية خطيرة أدت به الى حروب ودكتاتورية متسلطة ووحشه . في منفاه الأول وجد بحبوحة من فضاء واسع للتعبير عن كوامن دواخله في الغناء والتعبير مع رعيل من رفاق فكر وطريق جمعهم اليمن السعيد بعد أن ضاقت بهم أرض بلدهم الخصبة . منذ البدء، وفي الأيام الاولى .. التي وطأت قدماه أرض اليمن أنخرط في النشاط الفكري والفني والسياسي لينقل للعالم معاناة شعبه وما تعرضوا له من أرهاب وتهميش بسب معتقداتهم السياسية، فبادر مع رفاقه بتأسيس فرقة غنائية (سياسية)، أطلق عليها في حينها (فرقة الطريق)، ضمت بين صفوفها سامي كمال، المرحوم كمال السيد، حميد البصري، شوقية، جعفر حسن، المرحوم فؤاد سالم . تعرضت الفرقة بعد عدة نشاطات وأحياء مهرجانات الى عدم الاتفاق مما أدت تلك الخلافات الى تأسيس فرقة جديدة بأسم الطريق الثانية بين صفوفها سامي كمال، والمرحوم كمال السيد، لتميزها عن فرقة الطريق الأولى . وبمرور الأيام باتت أسم يشار لها بالبنان ليس فقط وسط جموع العراقيين الهاربين من بطش الدكاتورية، وأنما أيضا باتت مدار حديث الشعب اليمني، وكان اليمنيين حريصين على مواكبة نتاجات الفرقة بما قدمته من أغاني سياسية هادفة في التعبير عن أرادة الشعوب في التوق الى الحرية . وعندما وصل الفنان سامي كمال الى العاصمة عدن ترك وراءه في بلده العراق زوجة وأطفال صغار بين أهاليهم وأقاربهم، وكلما طالت الايام والذي كان يعتقد كغيره ربما ستمر تلك الايام (أيام الغربة)، كسحابة صيف ستتلاشى بحرارة اللقاء المرتقب بصفقة سياسية بين آمراء القرار السياسيين . كانت ظروف العراق أنذاك مخاضاتها صعبة للغاية في ظل نظام لايتساهل حتى مع همسات معارضيه، فكانت الاتصالات مقطوعة والرسائل ممنوعة بين معارضيه في الخارج وأهلهم في العراق والذين يتلون صبراً وشوقاً الى حنين اللقاء .

كلما أزدادت مسافات البعد ووطأة الغربة بين الفنان سامي كمال وعائلته في العراق تقربت مسافات الشوق بينهما في البحث عن منفذ للقاء يجمعهم في بقعة من معمورة الاراض الواسعة . السيدة أم اولاده (أم فريد)، عانت الآمرين في العراق من العوز المادي لأم في حضنها أربعة أطفال صغار رغم مساعدة أهلها وأخوانها لها . والآمر الثاني الي هو أكثر خطورة هو خوفها الطبيعي على أولادها من ممارسات وأساليب النظام عليهم بأعتبارهم أولاد فنان ومعارض سياسي . بدأ صدى صوته يخترق تطلعات شعبنا المكتوية بقوة الحديد والنار .

في ظل تلك الأجواء المعقدة والمخيفة قامت زوجة الفنان سامي كمال أم فريد بحمل أولادها الأربعة وعبرت بهم حدود العراق بأتجاه العاصمة السورية دمشق للبحث عن زوجها وجمعه بأولاده الذين يحلمون بأمنية لقائه، مثلما أرادت أبنته الصغرى حنان، وفي فراقه لها، أن تعبر بأمنيات تفوق سنوات عمرها لحزنها على فراق أبيها وتعبيراً عن حزن طفلة حرمت من دفء حضن والدها . وعندما حطت الأم رحالها مع أولادها الاربعة في العاصمة دمشق، ولم يعثروا على أثر لوالدهم في دمشق أصابهم الحزن ويأس اللقاء .

الرفاق والمعارف في دمشق هما من دلهم الى وجوده في العاصمة اليمنية الجنوبية (عدن)، وكأي أم عراقية شجاعة ووفية راحت تجرر باذيال أولادها في العواصم العربية غبر مهابة من مخاطر الدنيا ومفاجأتها، فوصلت بهم بعد معاناة  جدية وخطيرة عبر الحدود والمطارات الى العاصمة عدن، ليجتمعوا تحت سقف مهجور لفندق عتيق . وفي أروقة ومداخل هذا الفندق وتحت العوز الى العيش الرغيد والحنين الى الوطن . بدأت حياة تلك العائلة تلملم شتاتها في العيش والتكيف مع ظروف هذا البلد وإهله الطيبيين تحت ربانها الفنان سامي كمال .  

مشى الزمن سريعاً على حياة تلك العائلة في العاصمة عدن، أصبحوا جزء من حياة مجتمع وحركته الدؤوبة بين مئات من عوائل الشيوعيين العراقيين، والذين تركوا وطنهم جبراً من بطش الدكتاتورية . وبعد سنوات وفي ظروف صعبة ألمت بحياة الفنان سامي كمال حزمت العائلة حقائبها باتجاه العاصمة السورية دمشق لتكن محطة أخرى من محطات العائلة تاركه وراءها أصدقاء وذكريات ومدرسة وأثنان من أفراد العائلة فريد و أسمهان . ورغم صغر أعمارهم، لكنهم تمكنوا من شق طرق لحياتهم الى هدفهم المنشود . لم يتوقف طموح الفنان سامي كمال في المضي قدمأً بمعرفة خفايا وخبايا عالم الموسيقى في الدراسة الأكاديمية، لقد تمكن من خلال وجوده في جمهورية اليمن وبأحد معاهدها الموسيقية من أن ينال درجة الدبلوم بآلة (كلارنيت)، ليحقق جزء من طموحه الشخصي، الذي حرم منه في بلده العراق . وفي سنوات وجوده في العاصمة عدن . تعرض الفنان سامي كمال الى وضع صحي طاريء تعذر عن علاجه وتجاوز أزمته في محل أقامته في دولة اليمن الجنوبية، فأرسل من قبل منظمة الحزب الشيوعي العراقي الى دولة لبنان (بيروت) للعلاج أمام تعهد من قبل المنظمة في رعاية عائلته خلال غيابه المؤقت، وقد عانت العائلة من غياب الأب  . 

 في بيروت المحترقة، بيروت العائمة على النار، بيروت الحرب، بيروت المرصد ونقطة الانطلاق من جديد نحو الوطن وهنا كان سامي وغيره من الذين غادروا معه وقبله وبعده من المبدعين خاصة استجمعوا قواهم من جديد ليأسسوا لمرحله مؤقتة (في ذلك الوقت) . وبهذا الوجود المؤقت في هذه المحطة من المنفى لم يهدأ له بال الا ان يقول كلمته، وينشد، ويغني، ليشارك زملاءه في المسرح والموسيقى، أنتج وغنى ولحن العديد من الالحان التي تغني للوطن وتنبذ المنفى وتدعو للعودة مشاركاً في المهرجانات الفلسطينية والوطنية اللبنانية حيث كانت اغانيه تنشد الوطن . وظل صوته ينزف باتجاه وطنه رغم ما تعرض له من أحباطات وأمراض ويتلوى على ما أصابه من أحتلال وطائفية وفساد .

محطة دمشق.. ومراحلها .

وصلت عائلة الفنان سامي كمال الى دمشق في العام ١٩٨٢، بعد أن سبقهم الفنان سامي كمال للبحث عن مآوى وطن أمن لمشقة ظروف العيش في بلاده، كان العراق يومها دخل طاحونة الحرب بين الجارة اللدودة إيران وهيمنة دكاتورية الحزب الواحد . دمشق .. كانت الأكثر قرباً الى بلاده العراق ليس بالقرب الجغرافي فقط، بل كان هناك إمتداد تاريخي وثقافي بين الشعبين العراقي / السوري . كانت على أرض دمشق تنشط عدة أحزاب وتنظيمات وكيانات معارضة لأنظمة بلدانها جمعت العراق، فلسطين، البحرين، وبلدان أخرى . كانت سوريا وهذا موقف يسجل لها أحتضنت كل قوى المعارضة، لكن للأسف الشديد هناك من تنكر لهذه المواقف عندما سوريا وشعبها تعرضوا الى محنة الحرب والوجود . وجد الفنان سامي كمال نفسه على أرض دمشق بين أوساط العراقيين والفلسطينين في البحث والذود عن وطنهم . فبادر مع مجموعة من الفنانيين العراقيين بتأسيس فرقة فنية (فرقة بابل) . وجمعت الفنانيين تحت لوائها وأهدافها وأغانيها السياسية الهادفة . واصل الفنان سامي كمال نشاطه الفني على أرض دمشق دافعه هو حب الوطن والأرض وهن من أساسيات أنتمائه الفكري للحزب الشيوعي العراقي، وإيمان هذا الحزب بالفن وألتزامه وأهدافه (تحزب الفن) .

مشقة العيش الرغيد من خلال البحث عن العمل لتوفير لقمة عيش نظيفة لعائلته، كانت من أولويات حياة الفنان سامي كمال . قام مع مجموعة من الفنانين في دمشق بتأسيس فرقة بابل (سامي كمال، كوكب حمزة، المرحوم كمال السيد، حمودي شربه، المرحوم فلاح صبار، سالم البهادلي، فريد سامي، جنان سامي، حنان سامي) . وفي الوقت نفسه كان رئيساً لفرقة (بيسان) الفلسطينية التابعة الى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والذي طاف بها المدن السورية والمخيمات الفلسطينية بأعذب الألحان وأوسع الاغاني أنتشاراً (من يغسل الدم في الشوارع .. تقدموا .. لون البحر لونك .. ذاهب كي أرى كيف ماتوا .. أغنية مهداة الى الشهيدة سناء المحديلي .. سلام للخليل سلام للجنوب) . وكانت تلك الاغاني من ألحان الفنان سامي كمال، وهي إنعكاس حقيقي للواقع العربي وتداعياته السياسية .

موهبة التلحين عند الفنان سامي كمال زاملته من بداياته الأولى وولوجه عالم الفن الغنائي، راح باحثاً عن قوة اللحن والتي تليق بأدراكه لمعنى الفن ورسالته التاريخية ودوره في ذائقة الناس وصفهم نحو قضايا شعوبهم .

في العاصمة دمشق وعلى أرضها الواسعة كانت تعج بالنشاطات السياسية والصراعات الإيدلوجية بين قوى سياسية معارضة لأنظمتها مما أنعكست فنياً وأبداعياً على قوى الشارع، أي على حالة الفن في العراق وأحتضانه ومتابعته من جمهرة واسعة من العراقيين تحديداً نشاطات وحفلات فرقة بابل . وفي ظل أجواء أجتماعية ونشاطات متنوعة غنية بالوفاء والمحبة كان صوت الفنان سامي كمال الحزين ونغمات أوتار عوده يتدفأ بها العراقيين في ليالي دمشق الباردة . مازالت ذاكرة العراقيين تختزن بجمالية أيام سوريا وأجوائها الحميمية رغم مرور تلك السنيين الطوال في الغربة والتشظي .

وبعد سنوات طوال من العيش والاقامة والعلاقات والدفء في العاصمة دمشق . شد الفنان سامي كمال الرحيل مع عائلته الى القطب الشمالي مجبراً لمقتضيات العيش والتي بدأت تصعب في توفيرها السهل . مما دعته تلك المقتضيات في العام ١٩٨٨ الى ترك دمشق وفي نفسه لوعة لمشاريع لم تتحقق بعد على مستويات الفن والابداع ويأسه من الأعيب السياسة وأمراءها المنتحلون .

محطة السويد.. وصقيع أجوائها .

يقول الفنان سامي كمال في اللحظة الأولى التي رست بها الباخرة العملاقة القادمة من ميناء (سفينوشجه) البولندي الى ميناء مدينة (إيستاد) السويدي، وخزتني نوبات حزن وفرح، فرح غبطني بفرح عائلتي في الوصول بسلام الى أرض السويد (الفردوس) المفقود لنا وتأمين حالهم .. وحزن لازمني طيلة سنوات أقامتي في مملكة السويد رغم كل المميزات والخدمات التي حصلنا عليها، لكني كفنان كنت أحمل في نفسي حزمة مشاريع وتطلعات وحب وطن والقتال من آجله، وفي الوقت الذي حل به الفنان سامي كمال أرض السويد . تدفق أليها جموع من العراقيين الى أرض السويد من عدة بلدان ومن أصقاع الأرض بحثاً عن الآمان والعيش الآمن وضمان مستقبلهم ومستقبل أولادهم، بعد أن ضاقت بهم سبل العيش وشعورهم باليأس من حلول سياسية قريبة تفرج عن أزمات غربتهم ومعاناتهم والتي طالت لسنوات ولا أفق قريب ينذر بالعودة الى الوطن (الأم) العراق . العراق وهو يطوي صفحات الحرب اللدودة مع الجارة إيران، عندما تجرع السم الخميني في قبوله بأيقاف صفارات أنذاراتها، والتي كانت أملا لبعض العراقيين في سقوط الدكتاتورية في العراق، وعندما تلاشى هذا الأمل تدفق العراقيين الى صقيع بلدان القطب الشمالي بحثاً عن مأوى .

في هذه الأجواء الحميمية في وسط العراقيين وعلى أرض السويد ومدنها المزدحة بقدوم العراقيين . أحييت أملاً في روح الفنان سامي كمال في تحقيق جزء من مشاريعه وأهدافها بأحياء الموروث العراقي والتلاقح الثقافي ومد جسوره مع ثقافة السويديين وتطلعاتهم الى ثقافة الشرق الغنية بتنوع تراثها، فقام بوضع عدة نواتات لتأسيس فرق فنية يحيي من خلالها التراث العراقي ولملمة صفوف العراقيين نحو تراث وتاريخ شعبهم جزء من ترسيخ الذاكرة الجمعية للعراقيين . لكن سرعان ما تلاشت الأحلام والطموحات وكهربت الأجواء بين العراقيين بعبور قوات الرئيس صدام حسين حدود الجارة دولة الكويت وإحتلالها وضمها الى الأصل وأعتبارها المحافظة العراقية التاسعة عشر، مما تركت تداعيات خطيرة على المشهد السياسي العراقي وإمتداد تأثيره السلبي على لحمة العراقيين في المهجر وبروز الخلافات في وجهات النظر مما حدت من تطلعات الفنان سامي كمال حول رؤيته الجديدة في أنطلاق فرقة فنية تجوب بين وسط العراقيين في أوربا، وتدفأ أجوائهم الباردة في بلدن الصقيع وتشد أزرهم نحو وطن بعيد .

وما لحق من تبعات هذا المشهد دخول قوات صدام حسين الى الكويت من موقف دولي في التحشيد بطرد قواته من الكويت وتحطيم العراق بنيات مبيته له سابقاً بالنيل من شموخه التاريخي لحصار قاهر أستمر لسنوات عجاف بلا مسوغ قانوني ولا رادع أنساني، تلك التطورات لم يكن عنها بعيداً الفنان سامي كمال بل عاش في صلبها وتفاصيل يومياتها التدميرية تجاه وطنه في البحث عن منافذ لصد الكره عن ما سيصيب وطنه وأهله، كانت معاناته تتعاظم يومياً في البحث عن الحلول وتقديم شيء لشعبه . تداخلت تلك الأحداث بأنهيار حلمه بالتجربة الأشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان المنظومة الأشتراكية، فأنعكست فشل تلك التجربة بعد سبعين عامأ على الأحزاب الشيوعية في بلدان الشرق الاوسط والعالم وحركات التحرر وقوى اليسار، ولم يكن الفنان سامي كمال بمعزل عن تلك الانهيارات لألتصاقه الوثيق بروحية وفكر تلك التجربة الشيوعية . وقد احس بالغدر في آماله وتطلعاته، وكأنه بناء من الكارتون تهاوى على حين فجأة . هذا الأحساس سيبقى منغصاً له ولي ولكل رفاق الطريق . خمسون عاماً .. طيلة تعلقه بالفكر والإيمان بالاشتراكية تذهب هباء؟. كانا لينين وستالين وبوخارين هما رموز تلك التجربة في الاتحاد السوفيتي . وستالين هو الأكثر تمسكاً بكرسي السلطة وقمع معارضيه وقتلهم، أنتهى به المطاف أن يغتال من أقرب الناس له ومشاركه في كل الجرائم بحق رفاقهم هو (بيريا) مسؤول جهازه المخابراتي الخاص .

الفنان سامي كمال في محطته الأخيرة وأستقراره في مملكة السويد في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات ومع حصول عائلته على تحقيق نجاحات على مستويات العمل والأستقرار الأجتماعي، لكنه لم يهدأ باله بأتجاه أحوال العراق وما يبيت له من مكائد مصيرية مما بدت تنهش بجسده القوي، الذي بدأ يضعف أمام الحنين الى الماضي وتألمه على تجارب الحلم التاريخية في الذود عن وطن آمن تسوده العدالة والمساواة .

وفي عجلة الحياة والزمن وصخبهما . كان مصراً على تقديم نتاجات من خلال محاولاته المستمرة والجادة بتكوين صرح فني (غنائي) لاحياء تجارب الماضي وصورة الفن الملتزم في الأغنية الهادفة الى بناء الانسان وجمالية الذوق الراقي في الإحساس والتطلع، لكن كل تلك المحاولات لم ترتقي الى طموحه وحبه للفن والإصالة، وفي صور هذا التوثب الى تحقيق الانجازات داهمته أزمة صحية، كادت أن تعصف بحياته، لكن تشبثه بالحياة وحبه لفنه عبر بهما الى طريق العيش والأمان، تلك الجلطة الدماغية المفاجئة والتي أفقدته أعز ما يملك من مكنونات داخلية في النطق  والصوت والعزف على أوتار عوده، مما عطلت مشاريعه بالكامل الثقافية والفنية.

وبعدها بسنوات معدودة لم تفك المصائب عنه فتعرض الى عملية (القلب المفتوح) على أسرة مستشفيات السويد، مما سببت له أنتكاسة على المستوى الصحي والنفسي رغم معنوياته العالية في الحياة والعيش وتشبثه بهما . ظل متواصلاً مع متطلبات العصر ومحاولاً جاداً كفنان يتنفس هواء الناس النقي في تحقيق أحلامهم والتي هي جزء من تحقيق أحلامه ومن خلال أدواته الرئيسية في الموسيقى والحن والغناء في التعبير على مكنوناته الداخلية تجاه إيمانه المطلق بقدرة الانسان على الابداع والتواصل وتحقيق الأماني .

واصل الفنان سامي كمال طريقه الى التطلعات رغم الأوجاع التي أعترت طريقه في العبور الى الضفة الثانية من عراق معافى بسواعد أبنائه من بناة ميامين في حب الوطن والنزاهة . كان يحلم وملايين من أمثاله العراقيين بعراق آخر بعد رحيل الدكتاتورية عن أرض العراق، لكن سرعان ما تلاشت تلك الاحلام والأمنيات وسنوات النضال، لقد أعتلى دفة الحكم مجموعة من اللصوص وعديمي الضمير وبائعي الوطن في تدمير نسيجه الأجتماعي والثقافي على يد الميليشيات والطوائف المتخلفة في توطيد مفاهيم الطائفية والفئوية والحزبية بدلاً من الوطنية والمواطنة .

محنة الفنان سامي كمال، كان يتلوى وجعاً على ما وصلت آليه الاحداث الى عراق مغيب ومجهول الهوية ومسلوبة الارادة، وكان يعبر دائماً عن حزنه ولوعته في البحث عن وطنه، الذي أفنى طيلة عمره من آجله مضحياً بالغالي والنفيس وبصحته وبمستقبل عائلته . ولقد رأيته وأنا القريب منه وعلى الرغم من أوجاعه بارقات الأمل على وجههه في مواكبة تطورات الاحداث وما سطره شبابنا في ساحات العراق الغاضبة في ثورتهم التشرينية في إعادة وطنا لنا، وما سطروه من ملاحم بطولية فاجأت الاصدقاء قبل الاعداء، وكان الفنان سامي كمال بكل جوارحه في قلب الحدث معتزاً بعراق جديد يعم به الأمل والمستقبل، وهذا ما كان يصبو له طيلة حياته ومن خلال مواقفه النضالية والوطنية وتضحياته الجسام .

وفي معرض قراءاته للاحداث . يعلق الفنان سامي كمال وهو على عتبة الثمانيين من العمر وبحزن تنهمر الدموع من العيون . أريد وطن يعيش به أبناء شعبي وأولادي وأحفادي بحب وسلام بعيداً عن الجهل والطائفية، وعلى أقل تقدير أشعر بالرضا على تضحيات تلك السنوات .

ساسة العراق الجدد بعد العام ٢٠٠٣، والذين جاؤوا مع الدبابات الامريكية في إحتلال أرض العراق الوطنية، وأعتلوا دفة الحكم ونهشوا به وبمعالمه ومؤسساته الحضارية، كانت أولى أولياتهم تحطيم الثقافة الوطنية العراقية وتاريخها العريق وتهميش رموزها من فنانيين ومثقفين ووطنيين، كان من بينهم الفنان سامي كمال وصحبه والأستعاضة عنهم بأشباه من المثقفين والطائفيين ومحدودي الأفق والحاقدين على العراق وأهله .

 

محمد السعدي

مالمو/ كانون الأول ٢٠١٩

 

 

فالح الحجية"باحث ومؤرخ متخصص في التاريخ والحضارة العربية الإسلامية بصورة عامة وفي الدراسات القادرية بتخصص دقيق"، وله عدة دراسات أكاديمية، وأشهرها كتابه جغرافية الباز الاشهب، وهو ينتسب إلى الأسرة الكيلانية التي ترجع بنسبها للسيد الشيخ عبد القادر الجيلاني" الحسني، ومن مواليد العراق في محافظة ديالى عام 1972م، وهو حفيد الإمام ولي الدين القادري[2]، ولقد نشأ وترعرع في قضاء الخالص، وفيه أكمل الدراسة الابتدائية والثانوية، ومنذ طفولته أولع بحب التاريخ، وقراءة الكتب المتنوعة، وتأثر بوالده فالح الكيلاني الشاعر المعروف[3]، ويعد نفسه من تلاميذ عماد عبد السلام رؤوف ومدرسته التاريخية[4]، ومارس التدريس في التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي، كما حاضر في جامعة بغداد والجامعة المستنصرية، واتحاد المؤرخين العرب وجامعات الموصل والقادسية والبصرة وواسط [5] وكذلك في الجامعة الإسلامية العالمية (ماليزيا) وجامعة بكين وجامعة نينغشيا وجامعة عليكرة الإسلامية ودار العلوم ديوبند وجامعة الإسكندرية وجامعة القرويين وجامعة الإسراء [6].

وحصل على شهادة بكالوريوس في التاريخ من كلية التربية ابن رشد (جامعة بغداد)، كما نال شهادة دبلوم في اللغة الإنكليزية من معهد المعلمين، وحصل على شهادة دكتوراه فلسفة في التاريخ الإسلامي، وشهادة الماجستير آداب في التاريخ والحضارة العربية الإسلامية من معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا ببغداد[7]. وحصل على لقب "باحث علمي" من مركز دراسات التاريخ والوثائق والمخطوطات التابع لاتحاد المؤرخين العرب في بغداد سنة 1998[8].

أهتم بتاريخ الأنساب وشغل نفسه بهذا اللون المهم من الدراسات التي تحتاج إلى معرفة بأمور كثيرة[9]. وقد أجيز في مجال دراسة وتدقيق الأنساب من ثلة من الأساتذة العراقيين المعروفين أمثال عماد عبد السلام رؤوف [10] و سالم الآلوسي و أحمد خضر العباسي، وخليل الدليمي، و جمال الراوي، ألتقى بمجموعة من الأعلام مثل عبد الكريم محمد المدرس، و حسين علي محفوظ، و علي الوردي و حسين أمين، و جلال الحنفي، وصالح أحمد العلي و بشار عواد معروف و فاروق عمر فوزي و كمال مظهر أحمد و عبد الرزاق الحسني وماجد عرسان الكيلاني و محسن مهدي و هشام جعيط و سعيد عبد الفتاح عاشور و حسين مؤنس و قاسم السامرائي و عبد العزيز الدوري و محمد عمارة و أحمد شلبي و محمد حميد الله و أكرم ضياء العمري وعماد الدين خليل[11][12][13]، شارك في عدة مؤتمرات علمية وثقافية دولية قدّم فيها بحوثاً ودراسات مختلفة، نشر عشرات البحوث في العديد من المجلات العلمية والاكاديمية والمحكمة [14].

من كتبه

تقييم علمي من مركز احياء التراث العلمي في جامعة بغداد[15]

لديه العديد من المؤلفات والكتب المنشورة. أهمها:

1- كتاب جغرافية الباز الاشهب (كتاب): قراءة ثانية في سيرة الشيخ عبد القادر الكيلاني وتحقيق محل ولادته وفق منهج البحث العلمي "دراسة تاريخية" مراجعة وتقديم الدكتور عماد عبد السلام رؤوف، طبع في المغرب، والكتاب دراسة أكاديمية أثارت نقاشا كبيرا بين صفوف المثقفين والباحثين، لكون الكتاب نفى ولادة الإمام الجيلاني في الطبرستان مؤكدا ولادته في جيلان العراق قرب المدائن، والكتاب لاقى قبولا جيدا بين أوساط المؤرخين والباحثين، مما جعل للكتاب شهرة واسعة، ولقد طبع أربع طبعات ومترجم إلى عدة لغات[16].

2- كتاب الشيخ عبدالقادر الكيلاني رؤية تاريخية معاصرة (كتاب)، تقديم الدكتور عماد عبد السلام رؤوف، مؤسسة مصر مرتضى للكتاب العراقي – بغداد 2011 وله طبعة ثانية في الولايات المتحدة 2014.

3- كتاب بهجة الأسرار ومعدن الأنوار في مناقب الباز الأشهب (كتاب)، دراسة وتحقيق: تقديم الدكتور حسين أمين شيخ المؤرخين – طبع في المغرب 2012.

4- كتاب التاريخ الإسلامي رؤية معاصرة (كتاب)، مراجعة الدكتور حسين علي محفوظ، دار المعرفة 2009.

5- كتاب من الشك إلى اليقين (كتاب)، دراسة في نسب الشيخ عبد القادر الجيلاني، بحث نقدي في مصادر التاريخ الإسلامي الوسيط، تقديم الدكتور حسين علي محفوظ، دار الزنبقة، القاهرة، 2013.

6- كتاب هكذا تكلم الشيخ عبدالقادر الكيلاني (كتاب)، عرض كلام الإمام الجيلاني بصورة عصرية، دار العالمية، داكا - بنغلاديش، 2013.

7- كتاب تحقيق فتوح الغيب (كتاب)، للامام عبدالقادر الجيلاني، دار العالمية، داكا - بنغلاديش، 2013.

8- كتاب التاريخ العثماني تفسير جديد (كتاب)، المنظمة المغربية، الرباط، 2013 .

9- كتاب الأمام أحمد الرفاعي المصلح المجدد (كتاب)، بالاشتراك مع الدكتور زياد الصميدعي، المنظمة المغربية، الرباط، 2013.

10- كتاب الرحلات والرحالة في التاريخ الإسلامي (كتاب)، دار الزنبقة، القاهرة، 2013.

11- كتاب المدخل لتاريخ الفلسفة الإسلامية (كتاب)، دار المصطفى، القاهرة، 2012.

12- كتاب فلسفة الإستشراق (كتاب) القاهرة، 2011 [17].

13- كتاب بديع الزمان سعيد النورسي، قراءة جديدة في فكره المستنير (كتاب)، دار الزنبقة، القاهرة، 2013 .

14- كتاب دراسات في التاريخ الأوربي (كتاب)، تقديم الدكتور كمال مظهر أحمد،القاهرة،2010.

15- كتاب ثورة الروح (كتاب)، دار الزنبقة، القاهرة [18].

16- كتاب خراسان التأريخية: في ضوء المصادر العربية الاسلامية (كتاب)، دار الزنبقة،القاهرة، 2013.

17- كتاب من معالم الحضارة الإسلامية في الصين (كتاب)، دراسة ميدانية_تاريخية، دار الزنبقة، القاهرة، 2016.

18- كتاب نهضة التصوف (كتاب) دراسة في تاريخ التصوف الإسلامي، دار الزنبقة، القاهرة، 2016[19].

مقدمات الكتب

حبر مقدمات لعدد من الكتب منها:

1- الإمام أحمد الرفاعي في التاريخ والسير، ماجد البياتي، دار الكوثر، بغداد،2017.

2- الكنوز النورانية في الأوراد القادرية، مخلف العلي، دار النور، القاهرة، 2016.

3- مقالات ثقافية في التاريخ والأدب، عباس المخزومي، دار الآداب، بغداد، 2016.

4- من تاريخ الطريقة القادرية، حياة الفقيه، دار المجد، تونس، 2016.

5- الأمير، نيكولو مكيافيلي، دار المعارف، بيروت، 2015.

6- المحبة عند الامام الغزالي،نصر الدين أجدير، دار الجمورية، الجزائر، 2015.

7- السادة الرفاعية أصول وفروع، للحلبي، مكتبة جرير، جدة، 2018.

8- الشيخ عبدالقادر الجيلاني ومنهجه في التربية والسلوك، عمر محمود السامرائي، طبعة دار الزنبقة، بيروت، 2018.

9- في الانساب العربية، عهد الكيلاني،مكتبة الصفت، بيروت، 2018.

10- الفيوضات الريانية،إسماعيل القادري،تحقيق مخلف العلي،دار النور، بيروت، 2018[20].

11- تاريخ العائلة الالوسية، جمال طالب الألوسي، مكتبة خالد / حي الجامعة، بغداد، 2020[21].

بحوث ودراسات

كتاب الإمام عبد القادر الجيلاني عبد القادر الجيلاني - تفسير جديد في مجلة فكر حر 2009.

مخطوطة مهجة البهجة ومحجة اللهجة (كتاب) منشورة في جريدة الصباح 2005.

مصطفى جواد ومخطوطة نادرة عن الكيلاني جريدة الصباح 2006.

رشيد عالي الكيلاني ابن ديالى المشورة في جريدة العراق 2002.

المقدادية أصل التسمية المنشورة في جريدة العراق 2002.

" الشرق الأوسط واصل التسمية" المنشورة في مجلة كلية الآداب جامعة عين شمس 2009.

" براغماتية السيد عبد الرحمن الكيلاني النقيب ",مجلة فكر حر2009.

"الشيخ عبد القادر الجيلاني: جيلان العراق لا جيلان طبرستان"، مجلة كلية الآداب جامعة عين شمس 2009.

" تفسير الجيلاني – دراسة في نسبة التفسير للمؤلف"، مجلة رؤى 2010.

"المؤرخ هشام جعيط – دراسة في رؤيته للسيرة النبوية "، مجلة رؤى 2010 .

"لقاء الامامين الغزالي والجيلاني - حقيقة تاريخية"، مجلة جامعة عين شمس 2011[22].

الفكر العربي والفكر الاستشراقي بين محمد أركون وادوارد سعيد، مجلة التربية، 2008

قراءة في كتاب قصة الحضارة، ل ويل ديورانت، مجلة الديار اللندنية،2012.

قراءة في كتاب دراسة للتاريخ،ل أرنولد توينبي، مجلة الرسالة، القاهرة، 2010.

قراءة في فكر محسن مهدي،وكتابه عن الفارابي، مجلة الديار، لندن، 2015.

من تاريخ المسلمين في غوانزو مع دراسة عن ضريح أبي وقاص، مجلة الديار اللندنية،2017.

الرحالة قهرمان البغدادي قصته وضريحه والمتحف الخاص به في ولاية قانسو، مجلة الديار اللندنية،2017.

ضريح قتيبة بن مسلم الباهلي في في وادي فرغانة، في أوزبكستان دراسة ميدانية، مجلة رؤى 2018.

قومية هوي المسلمة: التعايش السلمي في الصين الأندماج والحياة: مشاهدات وملاحظات، مجلة رؤى 2018.

المدينة المقدسة في لاسا دراسة وصفية ميدانية،مجلة الديار اللندنية، 2018 .

ضريح ضياء الدين الجيلاني،في هينان، في مجلة الديار اللندنية، 2019 .

بين إحياء علوم الدين و الغنية لطالبي طريق الحق: قراءة في التواصل الفكري بين الغزالي والجيلاني، في مجلة الديار اللندنية، 2019 .

أضواء على الادب الروائي الاوربي والأمريكي والروسي الكلاسيكي، الديار اللندنية 2013.

"تلمذة الامام الرفاعي أحمد بن علي الرفاعي على الامام الجيلاني - حقائق جديدة" مجلة التراث 2011 [23].

مراقد الأولياء الصوفية في الصين: دراسة وصفية - تاريخية، مجلة الديار اللندنية 2015.

أنتشار القادرية في البلاد الصينية: دراسة ميدانية، مجلة الديار اللندنية، 2015.

التراث الصوفي في ماليزيا ودور القادرية فيها: دراسة ميدانية - تاريخية، مجلة الفكر الحر، الأردن 2015.

التجاور المكاني بين الاسلام و البوذية في التبت، إنموذجا للتعايش السلمي: دراسة ميدانية- وصفية، الفكر الحر، الأردن، 2015.

مدينة لينشيا الصينية "مكة الصغرى" ومكانتها بين المسلمين في الصين: دراسة ميدانية، مجلة الفكر الحر،2015.

جامع شيان الكبير: دراسة آثارية تاريخية وصفية ميدانية، مجلة الديار اللندنية، 2015.

ممر واخان قراءة في الأبعاد "الأستعمارية" للأتفاق التاريخي الذي برمته بريطانيا وروسيا عام 1893 وخلق منطقة عازلة تسيطر عليها أفغانستان للحيلولة دون تلامس الإمبراطوريتين، مجلة الفكر الحر، 2016[24].

مزار الشريف والضريح: جدلية الأسطورة والتاريخ: قراءة أولى في سيرة علي بن أبي طالب البلخي، مجلة الفكر الحر، 2017[25].

من تاريخ المساجد في الصين: دراسة تاريخية - ميدانية، مجلة الديار اللندنية، 2015[26].

لمياء الكيلاني، حوار في التاريخ والأثار، مجلة الديار اللندنية، 2017 .

أحمد السبتي، دراسة في السيرة والضريح،، مجلة رؤى 2018.

مخطوطات منتشلة من نهر دجلة خلال الغزو المغولي لبغداد، مجلة رؤى 2018.

الرحلة العراقية لأحمد البدوي قراءة ثانية، مجلة الفكر الحر، لسنة 2016

ظاهر الرفاعي ودوره في التصوف البغدادي المعاصر، مجلة الديار اللندنية، 2018 .

دراسة في مشجر آل الكيلاني الذي نشره البريطانيين سنة 1915، مجلة الديار اللندنية، 2017 .

الحضرة القادرية وتاريخ الضريح، رد علمي على كتاب المراقد المزيفة، مجلة رؤى 2019.

نوادر التحف الاسلامية في متحف العاصمة بكين دراسة وصفية ميدانية، مجلة الديار اللندنية، 2019[27].

فلسفته

الدكتور الكيلاني مؤرّخاً، ينتمي إلى "المدرسة التاريخية العراقية" ويرى إن وظيفة المؤرخ إعادة تشكيل الحدث التاريخي كما وقع بالضبط. وبشأن منهجه أجرت معه الدكتورة مها ناجي الخفاجي، حواراً في جريدة البيان قال فيه إن ثمة مشاكل تعترض المؤرخ، منها مشكلة الرجوع إلى المصادر الحقيقية، ومشكلة المؤلفات القديمة والتحقيقات المختلفة، ومشكلة تشتّت المخطوطات وتبعثرها. ويعيب الدكتور الكيلاني على المؤرخين أخذهم بالعموميات بدلاً من اعتماد المنهج العلمي، ويضيف أن على المؤرخ أن يدرس التاريخ وفقاً للظروف والحوادث التي وقعت، وليس كما هو الحاضر. ويحذر المؤرخين من تدخّل العواطف وتحكّم المذهبية واصطباغ التاريخ بصبغة عقدية، وعليه نقد الروايات نقداً علميا محايداً ... ثم يقوم بربط الأخبار بعضها ببعض، وشد أجزائها شداً محكماً بأسلوب يتناول كل الوجوه، واعتبار التاريخ تاريخ بشر، وهو حكم وسياسة، والسياسة سياسة في كل وقت ومكان ولن يختلف فيها إنسان عن إنسان"، ويدعو إلى أن يكون المؤرخ، مؤرخا مفكرا لا مؤرخا كلاسيكيا، يستسلم للروايات المتراكمة، بدون نظر وتدقيق،بل ان يضع الشك العلمي منهجا نصب عينه، وهو ما دعى إليه كبار مؤرخي المدرسة العراقية التأريخية[28].

يؤمن، " أن التاريخ لايعرف اليوم والأمس والغد وإنما هو نهر الحياة يمضي إلى الاجل المضروب الذي قدره علام الغيوب، فالتاريخ كله تاريخ معاصر،نعم له تقسيمات علمية، ولكنه يعيش معنا ويهمنا وعلينا أن نستفاد منه في حياتنا كلها ويستند في هذا الرأي على أن استقراء التاريخ خير من التجارب،وان اختيار سنة بعينها أو حدث بذاته لتحديد نهاية عصر من عصور التاريخ أو بداية عصر آخر،يبدو، امرا بعيدا عن الحقيقة والواقع لان التطور التاريخي يمتاز دائما بالتدرج والاستمرار وتداخل حلقاته بعضها ببعض، وان وقائع التاريخ الكبرى عائمات جليد طرفها ظاهر فوق الماء، وكتلتها الرئيسية تحت سطحه ومن يريد استكشافها عليه أن يغوص في الأعماق،و التاريخ هو طريق الإنسانية إلى الحضارة، لأنه ضوء ينير الماضي لرؤية الحاضر والمستقبل، فجذور أنظمتنا السياسية،والاقتصادية والاجتماعية والدينية والعلمية،تمتد عميقا في تربة الأجيال الماضية وان الفرق بيننا وبين الغرب أننا مازلنا نعيش في الماضي وهم يستغلون التاريخ لخدمة مصالحهم ودعم توجهاتهم في الحاضر والمستقبل[22]" [22].

اننا عندما نتابع الانتاج الفكرى والثقافي والعلمي لأهلنا بالعراق، يدفعنا الأمل وتصل بنا السعادة إلى الاطمئنان على بلاد الرافدين التى انتجت علما وادبا انار الارض بمشارقها ومغاربها، و الدكتور "جمال الدين الكيلاني" رافدا قويا ينبع من هذا الجدول الصافي، من بغداد حاضرة العلم والفكر والتراث، أنتم من تبثون في ارواحنا الامل القائل "اننا لازلنا أمة العرب على قيد الحياة".

- فهمي جدعان[29]

عضويات

جمال الكيلاني عضو في عدد من المنظمات و الجمعيات الثقافية منها:

عضو اتحاد المؤرخين العرب في بغداد 1996 .

عضو الهيئة العربية لكتابة تاريخ الانساب 1998 .

عضو جمعية المؤرخين والاثاريين في العراق 1995 .

عضو الجمعية المغربية للتاريح والاثار 1997 .

عضو اتحاد المؤرخين العرب في القاهرة 2004 [30].

جوائز وتكريمات

المجمع العلمي العراقي 1996 .

اتحاد المؤرخين العرب 1997 .

جامعة القرويين 1996 .

الهيئة العربية لكتابة تاريخ الأنساب 2000 .

الهيئة العامة للآثار 1997 .

جامعة بغداد 1999 .

جامعة الموصل 2003 .

جامعة عين شمس 2009 .

معهد التاريخ العربي والتراث العلمي 2010 .

جامعة سامراء 2014 .

جامعة صلاح الدين 2011 .

جامعة كيرلا - الهند 2012 .

مؤسسة عبد الواحد القادري - المغرب 2019.

جامعة تكريت 2017.

جامعة الإسكندرية 2013 .

الجامعة الإسلامية العالمية (ماليزيا) 2014 .

جامعة المنوفية 2014 .

مركز الدراسات الإسلامية ـ قانسو 2014 .

إتحاد المؤسسات الإسلامية ـ البرازيل 2014 .

مركز احياء التراث العلمي العربي 2014 [5].

جامعة قاصدي مرباح _ الجزائر 2015 .

الجامعة الإسلامية العالمية (إسلام آباد) 2015[31].

الجامعة العثمانية _ الهند 2015 .

جامعة عليكرة الإسلامية _ الهند 2015 .

منحته IIOC College of Islamic Studies لندن _ المملكة المتحدة شهادة دكتوراه فخرية، برقم 735615/2014[32].

دار النوادر في حيدر آباد _ الهند 2018.

معهد المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية 2019[33].

تطرقت لأعمالَه دراساتٌ عديدةٌ منها

رسائل النورسي التربوية، د.هاني إسماعيل محمد بجامعة كريسون التركية 2017.

التصوف عند بديع الزمان النورسي، د.عرفان رشيد شريف - جامعة السليمانية - 2016

توظيف الرمز في النص الصوفي، د.كاملة مولاي، جامعة الجزائر، 2017.

القادرية ووجودها في الباكستان، رسالة ماجستير، حامد خان، جامعة فيصل آباد 2014

عبد القادر الجيلاني وجهوده التربوية، رسالة ماجستير - سعادنة سليمة - الجزائر جامعة باتنة سنة 1016.

شِعرية الخطاب الصوفي ديوان عبد القادر الجيلاني أنموذجا عبد الله خضر حمد، رسالة ماجستير جامعة صلاح الدين 2016[34].

كتاب احاديث بغداد، للعلامة مصطفى جواد، بتحقيق د. كاظم المنذري بجامعة القادسية 2017.

الدكتور عماد عبد السلام رؤوف ومنهجه في البحث، رسالة ماجستير - نيشروان كركوكي جامعة صلاح الدين، 2017

الدكتور ماجد عرسان الكيلاني وجهوده الفكرية، محمد يونس حبيب، رسالة ماجستير - بغداد 2018.

تحقيق كتاب نثر الجمان في تراجم الاعيان، تحقيق: د.علي العزوز، أطروحة دكتوراه بجامعة سامراء 2018.

السر الظاهر فيمن احرز بفاس الشرف الباهر من أعقاب الشيخ عبد القادر، أبي الربيع سليمان الحوات/الشفشاوني، تحقيق الحسن بلحبيب وأشراف الطيب الوزاني، دار الكتب العلمية،بيروت 2018.

الإحياء بعد الإنساء، عبد الفتاح فتحى أبو حسن شكر، دار الكلمة، القاهرة 2017.

الأسطورة، عبد الرحمن سعيد الوليلي، اطلس للنشر، القاهرة، 2017.

خمسة عشر مكتوبا للشيخ عبد القادر الجيلاني، تحقيق د.لؤي فتوحي و فائز فتوحي،دار الكتب العلمية بيروت، 2016.

دراسات تاريخية نسبية، د.أحمد محمود الخليل، دار الدراسات الكردية، الولايات المتحدة 2014.

الباحث في التراث القادري جمال الدين فالح الكيلاني، احمد بختي الكيلاني، مركز الدراسات القادرية، الجزائر 2010.

المؤرخ جمال الدين فالح الكيلاني في الميزان، الدكتورة مها ناجي الخفاجي، جريدة البيان، بغداد، 2011.

"المؤرخ جمال الدين الكيلاني وجهوده في خدمة التاريخ العربي والإسلامي" - مدونة الدكتور إبراهيم العلاف- اطلع عليه بتاريخ 2012- 05- 03.

« جمال الدين الكيلاني اور إسلامي علوم كي تحقيق (جمال الكيلاني وخدماته في البحوث العلمية الإسلامية)» د.محمود هاشم قاسمي، مجلة تحقيقات إسلامي، علي جراه، الهند، يناير- مارس 2014 م[35].

المدخل لعلم الأنساب، د.حسام عبد عودة الموسوي، دار الكتب والوثائق، بغداد 2019[36].

 

بقلم : فالح الكيلاني

.....................

مراجع

 الدكتور عماد عبد السلام رؤوف (2009- 12- 27). "الدكتور جمال الدين فالح الكيلاني رؤيته التربوية والتاريخية". مؤلفات الدكتور جمال الدين الكيلاني. Retrieved 2010- 05- 06.

- مخطوطة:سلسلة نسب ال يحيى بن حسام الدين الكيلاني وذريته، 1790 م، محفوظة عند الاسرة الكيلانية، وطولها،7 متر، تحقيق:المهندس عبد الستار هاشم سعيد الكيلاني،1999.

- كتاب بلدروز في الذاكرة، فالح الحجية الكيلاني، مكتبة المصطفى القاهرة، ص241 .

- جريدة البيان، السنة 4، عدد 867, 2, 2012

- أ ب مؤرخ جاد:جمال الدين فالح الكيلاني،الدكتور زكريا الملكاوي،مجلة الفكر الحر،الأردن،2012.

- مصباح الله عبد الباقي (2014م). المدارس الاسلامية واساتذتها في العالم (الطبعة الأولى). القاهرة: مكتبة مدبولي. صفحة ١١٦.

- كتاب: محاظرات في التاريخ الإسلامي،د/ جمال الدين فالح الكيلاني،مكتبة المصطفى،القاهرة،2011،ص672.

- مقالة "جمال الدين فالح الكيلاني" في موسوعة المعرفة العالمية .

- كتاب:الانساب الهاشمية في العراق، عبد القادر فتحي سلطان، نقيب اشراف القدس الشريف، مكتبة الامل،بيروت،ج3،ص242،2010.

- كتاب الحياليون شرف الاسم والتاريخ، طارق الحيالي، دار الوراق، بغداد، 2014، ص 76- 124

- المؤرخ جمال الدين فالح الكيلاني في الميزان، الدكتورة مها ناجي الخفاجي،جريدة البيان،بغداد،2011.

- جريدة الدستور - اتحاد الناشرين يكرم مؤسسات عديدة و د.الكيلاني الشخصية الفكرية المحتفى بها.

- موسوعة المؤرخين العراقيين، الدكتور إبراهيم العلاف،الموصل،2010.، ص33.

- إبراهيم خليل العلاف،. "المؤرخ جمال الدين الكيلاني وجهوده في خدمة التاريخ العربي والإسلامي". مدونة الدكتور إبراهيم العلاف. اطلع عليه بتاريخ 2012- 05- 03.

- « جمال الدين الكيلاني اور إسلامي علوم كي تحقيق (جمال الكيلاني وخدماته في البحوث العلمية الإسلامية)» د.محمود هاشم قاسمي، مجلة تحقيقات إسلامي، علي جراه، الهند، يناير- مارس 2014 م، ص. 21.

- المؤرخ جمال الدين فالح الكيلاني في الميزان، الدكتورة مها ناجي الخفاجي،جريدة البيان،بغداد،2011.

- مقالة " جمال الدين فالح الكيلاني " في موسوعة المعرفة العالمية .

- « جمال الدين الكيلاني اور إسلامي علوم كي تحقيق (جمال الكيلاني وخدماته في البحوث العلمية الإسلامية)» د.محمود هاشم قاسمي، مجلة تحقيقات إسلامي، علي جراه، الهند، يناير- مارس 2014 م، ص. 96.

- جريدة البيان، السنة 6، عدد 653, 2016

- ماجد الكيلاني وجوده، رسالة ماجستير محمد القيسي، جامعة الامام الاعظم، سنة 2018

- كتاب(العطرة الزكية للعائلة الالوسية) للباحث جمال طالب الالوسي بتقديم: الدكتور جمال الدين فالح الكيلاني والدكتور زياد حمد الصميدعي. تتوزع فصوله على بعض من تأريخ آلوس وتراثها وأشهر سكانها وتراجم رجالاتها من العلماء والادباء والشعراء والقضاة في بغداد وآلوس وبرواته وعنة وتكريت وواسط . متوفر في بغداد ...

شارع المتنبي / الكتبي احمد العبادي .

مكتبة خالد / حي الجامعة قرب كلية الادارة والاقتصاد .

- أ ب ت المؤرخ جمال الدين فالح الكيلاني في الميزان، الدكتورة مها ناجي الخفاجي،جريدة البيان،بغداد،2011.

- سيرة الباحث " جمال الدين فالح الكيلاني "، مكتبة أي كتاب الألكترونية، مرام عباسي .

- مقالة منشورة في مجلة الفكر الحر، لسنة 2016

- International Islamic University Islamabad

- معجم المؤرخين العراقيين المعاصرين،د. صباح المرزوك، بغداد، 2013.

- جمال الكيلاني مؤرخا، نصر الدين اجدير، مجلة ورود،2019

- موسوعة المؤرخين العراقيين، الدكتور إبراهيم العلاف،الموصل،2010.، ص33.1

- ، الجامعة الأردنية، 2014.

- الباحث في التراث القادري جمال الدين فالح الكيلاني، احمد بختي الكيلاني، مركز الدراسات القادرية، الجزائر2011.

- Robert U. Ayres Turning Point: The End of the Growth Paradigm. James & James publishers. p. 63. ISBN 1- 85383- 439- 4.

- سيرة الباحث " جمال الدين فالح الكيلاني "، مكتبة أي كتاب الألكترونية، مرام عباسي .

- جمال الكيلاني مؤرخا، نصر الدين اجدير، مجلة ورود،2019

- كتاب جغرافية الباز الاشهب للدكتور جمال الكيلاني بين مادحيه وناقديه بقلم محمد جيلاني، مجلة السبل، السودان، 2014، عدد 895

- * الدكتور ماجد عرسان الكيلاني وجهوده الفكرية، محمد يونس حبيب، رسالة ماجستير - بغداد 2018.

- * المدخل لعلم الأنساب، حسام عبد عودة الموسوي، دار الكتب والوثائق، بغداد 2019، ص252.

 

 

علي القاسميأثر أسرة آية الله محمد رضا فرج الله في حياتي

تكرّم فضيلة الشيخ فلاح الحلفي فطلب إليّ أن أكتب حول ذكرياتي عن النجف وصداقتي مع المرحوم حميد نجل العلامة الشيخ محمد رضا فرج الله. وكتابة الذكريات مسألة شائكة، لأنها إذا كانت تعتمد على الذاكرة فقط، كما في حالتي هذه، فالذاكرة لا يمكن الركون إلى دقتها وصوابها فقد تصيبها الثقوب ويغلب عليها النسيان، فتميل إلى ملء الفراغ بالوهم والخيال؛ أو تلوّنها الأحداث المستجدَّة، فتُقحم شيئاً من أحداث الحاضر وأفكاره في نطاق الماضي. فتعاقُب السنين ومرور الأزمان يصيب الإنسان والبنيان بالوهن والخذلان. أضف إلى ذلك أن عواطف الفرد تؤثِّر في موضوعية ذكرياته ونزاهة تصوراته. وكنتُ قد أحببتُ أسرة العلامة فرج الله ـ ولا أزال ـ حبّاً صافياً من أعماق القلب وحنايا الروح، تماماً كما لو كانوا أهلي وأسرتي.

أمضيتُ السنة الدراسية 1955ـ 1956 في ثانوية النجف، حيث درستُ السنة الرابعة الثانوية في الفرع الأدبي. وكانت الثانوية في العراق تتألَّف آنذاك من خمس سنوات فقط. وكان من حسن حظي وجميل قدري أن ارتبطت بعلاقة مودة وصداقة حميمة مع أحد زملائي هو الشاعر حميد فرج الله. ولأني كنتُ ذلك العام ضيفاً على عائلة أختي التي لا يوجد فيها من هم في مثل سنّي أو مَن له نظير اهتماماتي، فإنني كنتُ أفضّل أن أمضي معظم أوقاتي مع أخي حميد فرج الله، في منزله العامر الذي كان يستقبل كثيراً من الزوار والضيوف، كما يشتمل على مكتبة خاصة عامرة بالمخطوطات والمطبوعات، تعدّ من أكبر وأنفس المكتبات في النجف على كثرتها، وذلك بفضل العلامة الشيخ محمد رضا فرج الله، والد حميد.

فهذا الشيخ الجليل، محمد رضا فرج االله (1902 ـ 1969)، هو سليل أسرة من العلماء الفضلاء، قدِم جدّهم من الجزائر في محافظة البصرة إلى مدينة النجف لطلب العلم في حوزتها. ونشأ الشيخ محمد رضا في النجف وواصل تلقّي العلم على أبيه العالم الجليل الشيخ طاهر فرج الله، وأخيه الشيخ محمد طه، وكبار علماء النجف آنذاك كالسيد أبي الحسن الأصفهاني والسيد أبي القاسم الخوئي اللذين آلت إليهما المرجعية الدينية ورئاسة الحوزة العلمية بالتتابع، وغيرهما حتى نال درجة الاجتهاد وأجازه كبار العلماء كالسيد الخوئي وأغا بزرك الطهراني وأضرابهما. وكان الشيخ محمد رضا فرج الله شاعراً على طريقة العلماء ينظم الشعر في الأمور الدينية والتعليمية، فله منظومة في الأصول، كما كان أديباً ماجداً كتب إبان شبابه مقالات في اللغة والاجتماع في مجلَّة " العرب" للكرملي. وخلّف عدداً من المؤلَّفات المطبوعة والمخطوطة.

كان للشيخ محمد رضا فرج الله أربعة أبناء سعدتُ بالتعرّف عليهم، وهم: الشيخ جعفر فرج الله الذي كان يواصل دراساته في الحوزة العلمية بالنجف؛ وأحمد فرج الله الذي تخرّج في كلية الحقوق ببغداد، وواصل دراسته في فرنسا، والتحق بالدبلوماسية العراقية حتى بلغ رتبة سفير عند تقاعده؛ وعلي فرج الله الذي كان يعمل تاجراً في سوق الشورجة ببغداد؛ وأخي حميد. بيدَ أن الشيخ محمد رضا فرج الله، بدافع من كرمه الأصيل وشهامته وعطفه الإنساني، كان يقول لنا، أنا وحميد عندما نسعد ونتشرَّف بمقابلته:

ـ لي خمسة أبناء.

أي أنه يضيفني إلى أبنائه، لكي يُشعرني بأنني منهم، فلا أتردد في تمضية وقت أطول في منزلهم، وتناول وجبات الطعام اللذيذة التي كانت تقدمها عائلته الكريمة لي وأنا بصحبة حميد، وكذلك لكي أطَّلع بحريّة على محتويات مكتبته النفيسة من مخطوطات ومطبوعات. وكنت أبذل أقصى الجهد لأكون عند حسن ظن الشيخ بي.

لم تضم مكتبة العلامة فرج الله المخطوطات والمطبوعات الدينية والأدبية التي ورثها عن الشيخين أبيه وجدّه فحسب، بل كانت تشتمل على أحدث الكتب والدوريات في مختلف الموضوعات والتخصُّصات والفلسفات والإيديولوجيات كذلك، فقد كان يغذّيها بالمطبوعات الجديدة بانتظام. أذكر أنني، ذات يوم، وجدتُ فيها كتاب "رأس المال " للفيلسوف الاقتصادي الألماني كارل ماركس (1818ـ1883) الذي كانت حيازة كتبه ممنوعة في العراق آنذاك، بحجة أن الماركسية والشيوعية هما نوعاً من الكفر؛ وكان الانتماء إلى الحزب الشيوعي السري يعدّ جريمة تعرِّض صاحبها للسجن سنوات طويلة. وقد أمضى اثنان من أعمام حميد سنواتٍ في الاعتقال والسجن بهذه التهمة.  قلتُ لأخي حميد مازحاً:

ـ كتاب كارل ماركس الشيوعي في مكتبة آية الله!

فقال حميد بجدّيته المعهودة:

ـ وإذا أراد آية الله أو طلابه أن ينقدوا هذه النظرية، ألا ينبغي عليهم دراستها أولاً؟

وهكذا اطلعتُ على كثير من معالم النظرية الماركسية في الاقتصاد. وكنا في درس العلوم الاقتصادية في المدرسة الثانوية، ندرس النظرية الرأسمالية فقط، كما وردت في كتاب " ثروة الأمم" للفيلسوف الاقتصادي البريطاني آدم سميث (1723ـ1790).

ولعلَّ أحد أسباب تنوّع مكتبة العلامة فرج الله، هو أن أخاه مرتضى فرج الله يشتغل في التعليم الرسمي، وأن أخاه الأستاذ محمد حسين فرج الله يعمل في المحاماة في بغداد، بل من أبرز المحامين العراقيين في أواسط القرن العشرين، إضافة إلى تنوع تخصّصات أولاده ومحبتهم لقراءة الكتب واقتنائها. وكانوا جميعاً يودعون معظم الكتب التي يقرؤونها في مكتبة العلامة، ويرفدونها بأفضل الكتب التي تصدر سنوياً، بوصفها مكتبة الأسرة، إضافة إلى علاقات العلّامة الثقافية مع كبار العلماء خارج العراق وشيوخ الخليج الذين يبعثون إليه بهداياهم من الكتب. ويبدو لي أن هذه الأسرة العريقة دأبت في القرن الميلادي العشرين على أن يواصل الابن الأكبر من كل جيل الدراسة في الحوزة العلمية بالنجف، على حين يعمل بقية إخوته في المهن المختلفة داخل النجف وخارجها.

كنا، أنا وأخي حميد، في حوالي الخامسة عشرة من العمر. وفي تلك السنِّ كان حميد يُعدُّ من شعراء النجف البارزين، علما بأن النجف تعجُّ بالشعراء، أو كما قال الشاعر الكبير نزار قباني عنها ذات يوم: "أعرف مدينة في العراق، أهلها كلهم شعراء". وهذه المدينة هي التي أنجبت شاعر العرب الأكبر في العصر الحديث، محمد مهدي الجواهري (1899ـ1997).

كان شعر أخي حميد يمتاز بجزالة اللغة وعمق الأفكار وجدّتها، وفخامة الألفاظ وأناقتها، وجمال المعاني وعذريتها. حاولت أن أقول الشعر مثله، لكي أنال إعجابه ورضاه، فلم أفلح. ولم أعلم آنذاك أنه سليل أسرة توارثت الشعر والأدب والعلوم الدينية. فأبوه الشيخ محمد رضا وجده الشيخ طاهر عالمان شاعران، وعمه الأستاذ مرتضى فرج الله (1914ـ 1984) من كبار شعراء النجف، وله عدّة دواوين قيمة: " أشرعة الفجر" و "مرايا في الأفق" و "وراء الملامح"، و" مرفأ الظل"؛ كما أن له كتابين مخطوطين هما " النهضة الشعرية وتطورها في العراق" و " مفاهيم في الشعر". أما عمّه المحامي محمد حسين فرج الله (1918ـ 1994)، فهو شاعر كذلك له ديوان مطبوع عنوانه " عبث وأنين" وكتاب مخطوط " أبو العلاء في موكب النور". فالشعر وهمومه وأهله هو من تراث هذه الأسرة الكريمة، توارثته كما توارثت الكرم والزعامة.

كان أخي حميد يُدعى للمشاركة في الاحتفالات التي تُقام بالمناسبات الثقافية في النجف والكوفة، فيستجيب للدعوات المختلفة ويقدّم قصيدة من قصائده الجيدة في كل مناسبة.  بيدَ أن شعره لم يقتصر على المناسبات الدينية فقط، فأهمّ الأغراض التي غلبت على شعره، هي: القضية الفلسطينية، والثورة الجزائرية، والشعر القصصي. أذكر أن صديقي المجاهد الجزائري السفير الدكتور عثمان سعدي أهداني ذات يوم كتابه القيم " الثورة الجزائرية في الشعر العراقي"، الذي جمع فيه أكثر من مئة وخمسين قصيدة أبدعها شعراء عراقيون، وكان لمعظمهم قصيدة أو قصيدتان. أما أخي حميد فاختار له المؤلِّف ثلاثة قصائد لجودة شعره الذي يعكس صدق مشاعره تجاه الثورة الجزائرية وشهدائها.

كان أخي حميد يصطحبني معه إلى الاحتفالات الثقافية التي يدعى إليها في النجف، ويشجعني على المشاركة فيها بكلمة. كنتُ أتردد في إلقاء كلمة نثرية تبدو قميئة أمام تلك القصائد العملاقة. ثمَّ، وبإلحاح من أخي حميد، أخذتُ أعدّ بعض الكلمات القصيرة وأعرضها عليه، فيثني عليها، ويعدّلها بفكره ، ويحسِّنها بأسلوبه الجميل. ولما كانت المهارات، جسدية أو فكرية، تتحسَّن وتتطوَّر بالمران طبقاً لمبدأ " كلُّ عضوٍ يُستعمَل ينمو ويكبر، وكل عضو يُهمَل يضمر ويصغر"، فإن كلماتي النثرية تحسّنت تدريجياً، وصار إلقائي أفضل وأجمل؛ حتى أنني وجدتُ في نفسي الجرأة الكافية للمشاركة في المباراة الخطابية التي أقامتها ثانوية النجف لطلابها ذلك العام.

كان رئيس لجنة المباراة الخطابية أستاذنا في مادة اللغة العربية الأديب الشاعر صالح الجعفري (1908ـ 1997) صاحب " ديوان صالح الجعفري" الذي حقَّقه ونشره الناقد العراقي الكبير الدكتور علي جواد الطاهر بمساعدة أحد زملائه. والجعفري من أسرة كاشف الغطاء الشهيرة، ولكنه اتخذ اسم جدِّه جعفر لقباً له. ولشدّ فرحتي أنني فزت بالجائزة الأولى، وتسلَّمت جائزتي من يد أحد أعضاء اللجنة، الأستاذ كاظم الشمرتي المدرس في ثانوية النجف، والذي كان قد درَّسني اللغة العربية في ثانوية الديوانية سابقاً، ثمَّ عُيّن مستشاراً ثقافياً في بيروت بعد حركة 14 تموز العسكرية 1958 (ثورة 14 تموز)؛ ولكنه ترك وظيفته بعد الانقلاب العسكري في بغداد سنة 1963، فلجأ إلى المغرب، وأسَّس مدرسة حُرَّة (أهلية) في الدار البيضاء حقَّقت نجاحاً كبيراً. والتقيتُ معه في المغرب عندما قدمتُ أستاذا زائراً في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط أواخر سنة 1972.

كانت الجائزة التي نلتها في المباراة الخطابية في ثانوية النجف، عبارة عن كتاب " حديث الأربعاء" بأجزائه الثلاثة، لعميد الأدب العربي آنذاك الدكتور طه حسين. وفي اليوم نفسه، قمت بتقديم جائزتي هديةً لأخي حميد، اعترافاً بفضله الأدبي عليَّ، وشعوراً مني بأنه يليق بأجزائه المسفّرة المجلّدة برفوف مكتبة الأسرة، فمعظم كتبها مجلَّدة. وكانت مهنة تجليد الكتب شائعة في النجف، لكثرة المهتمين باقتناء الكتب وتجليدها. ولا أدري إذا كانت تلك المهنة رائجة حالياً أم أن المطابع الحديثة التي تسفّر الكتب قبل تسويقها قد قلّصت من رواج تلك المهنة.

لم أدرِ آنذاك أن أخي حميد لم يقتصر على إبداع القصائد الجميلة في ذلك العام الدراسي فحسب، بل كان أيضاً يدوِّن مذكراته اليومية بنثرٍ فنّي سلس أخّاذ. ولم أعلم بذلك حتى كتب إليّ بالبريد الإلكتروني قبل سنة تقريباً الأديب الأستاذ مسلم عقيل الشاوي يخبرني بأنه عثر على تلك المذكرات وأنه يقوم حالياً بتحقيقها وكتابة الهوامش اللازمة لها للتعريف بأسماء الأعلام التي وردت فيها. ولكثرة ما تردَّد اسمي فيها فقد قرَّر أن يتَّصل بي ويرجوني أن أكتب مقدِّمة للكتاب. وبعث إليّ بالمذكرات، فقرأتُها بتأثُّر عميق، وأدهشتني بلاغة أسلوبها المزدان بتقنيات أدبية يندر وجودها في كتابات مَن هم أكبر سناً وأعلى شهادة من فتى في الخامسة عشرة من عمره ما زال في المدرسة الثانوية. وأعادت إليّ تلك اليوميات سعادة أحداث ومناسبات فقدتْها ذاكرتي المنهكة بعد أن عفا عليها غبار السنين الطويلة، ومنها فوزي بجائزة الخطابة ذلك العام.

في نهاية تلك السنة الدراسية، قرَّر والدي أن أعود إلى ثانوية الديوانية لأمضي سنة البكالوريا بالقرب من أهلي، بيد أنه نصحني باغتنام الفرصة وتمضية العطلة الصيفية في الدارسة بالحوزة العلمية. وعندما أطلعتُ أخي حميد على نيتي، أسرع بتيسير الأمر لي، إذ اتصل بمدير مدرسة الإمام كاشف الغطاء الدينية، الذي خصص لي غرفة في تلك المدرسة أسوة ببقية طلبة العلم القاطنين فيها الوافدين من أنحاء العالم الإسلامي. وكان أخي حميد يحظى بتقدير رؤساء المؤسَّسات الثقافية بالنجف، لا لمكانة والده الروحية السامقة فحسب، بل لكونه كذلك أديبا شاعراً يدعمهم بمشاركاته اللامعة في أنشطتهم الدينية، والثقافية عموماً.

ولكي ألتحق بتلك المدرسة الدينية، كان عليَّ أن أتخلى عن الزي الأوربي الذي كنتُ أرتديه في ثانوية النجف الرسمية. فطلاب مدرسة الإمام كاشف الغطاء يرتدون زي الطلبة في الحوزات العلمية الدينية المكوَّن من الجبّة والعمامة. بيدَ أني شعرتُ بأن درجتي العلمية أدنى بكثير ممن يرتدون العمامة، وسني أصغر منهم؛ ولهذا نصحني أخي حميد أن أعتمر الكوفية والعقال بدلاً من العمامة. وأذكر أن أخاه الأكبر، الشيخ جعفر، كان يعتمر الكوفية والعقال وهو من طلبة العلم في الحوزة الحيدرية. ومع ذلك فقد كنتُ أحسُّ بأنني، وأنا اعتمر الكوفية والعقال بين طلبة العلم المتوَّجة رؤوسهم بالعمائم البيضاء والسوداء، مثل فلاحٍ قرويٍّ عراقي ظلَّ طريقه في أزقّة النجف.

كان طلاب المدارس الدينية يختارون الموضوعات التي يريدون تعلُّمها، وينضمّون إلى حلقات العلم المنبثة في المساجد المختلفة في النجف بعد استئذان شيوخ تلك الحلقات. وقد وقع اختياري على ثلاثة موضوعات: النحو، والمنطق، وعلم الكلام. وتولى أخي حميد اختيار الشيخ الذي أنضمُّ إلى حلقاته، وهو من أصدقاء آل فرج الله، واسمه الشيخ عبد الهادي الفضلي (1935ـ2013)، وأصله من المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية. كان الشيخ الفضلي شاباً دمث الأخلاق، تتوقَّد عيناه ذكاء وطموحاً علمياً، ولم يعُد إلى بلاده إلا بعد أن حاز درجة الاجتهاد في الحوزة العلمية في النجف، والماجستير من كلية الآداب بجامعة بغداد، فقد كان يجمع بين الدارسة الإسلامية التقليدية والدراسة الرسمية الحديثة. وعند عودته إلى السعودية عُيّنَ مدرِّساً في جامعة الملك عبد العزيز بجدّة، التي ابتعثته لمواصلة دراسته العليا في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، فنال منها الدكتوراه بامتياز سنة 1976، وعاد إلى جامعته بجدّة. وانتُدِب للتدريس مدّةً في الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية في لندن. وأمضى أواخر سنوات حياته مع أهله في مدينة الدمام.

في حلقة النحو، كنا ندرس منظومةً في النحو عنوانها " الآجُرُّمية" التي مطلعها:

كلامنا لفظٌ مفيدٌ كاستقِمْ     واسمُ وفعلٌ ثمَّ حرفٌ، الكَلِمْ

ولم أعلم آنذاك أنَّ مؤلّف تلك المنظومة هو فقيه نحوي مغربي أمازيغي ( بربري) اسمه محمد بن آجُرُّوم (672ـ723 هـ) من أهالي فاس، حتى استقر بي المقام في المغرب العزيز. والعنوان الكامل لهذه المنظومة هو: " المقدّمة الآجُرُّمية في مبادئ علم العربية" وهي تلخيص شعري لكتاب أبي القاسم الزجاجي (ت 340) البغدادي داراً ونشأة النهاوندي أصلاً ومولدا، الموسوم بـ " الجُمل في النحو"، الذي ظلَّ النحويون يتصدّون لشرحه أكثر من ثلاثة قرون. وقد ألّف ابن آجُرُّم منظومته في مكَّة المكرَّمة عندما وصلها حاجاً وأقام فيها مجاوراً.

أما في علم الكلام فكنا ندرس " الباب الحادي عشر" المخصَّص لعلم الكلام من أبوب كتاب " منهاج الصلاح في مختصر المصباح" للعلامة الحسين بن المطهر الأسدي المعروف باسم العلامة الحلي (648ـ726هـ). وقد أخذ علم الكلام في عصر العلامة الحلي يقترب من الفلسفة ويتماهى فيها.

وأما في علم المنطق، فكان الشيخ عبد الهادي الفضلي يلقي علينا دروساً يستخلصها من كتاب " المنطق" للعلامة محمد رضا المظفر (1904ـ1964). وكانت تلك الدروس نواة لكتاب " خلاصة المنطق" للشيخ الفضلي، الذي يُعدّ من أشهر كتب المنطق في العصر الحديث، إن لم يكُن أفضلها.

لم تكن في النجف آنذاك وسائل الترفيه كالسينما أو التلفزيون، وكانت الوسيلة الرئيسة لذلك تتمثل في التقاء الأصدقاء في منزل أحدهم في أمسية للمسامرة. وكان أخي حميد يصطحبني معه بين الفينة والأخرى إلى إحدى هذه المسامرات التي تجري فيها مطاردات شعرية. وإحدى صور المطاردة الشعرية هي أن ينشد أحد المتسامرين بيتاً من الشعر، فيسارع آخر بالإتيان ببيت شعر يبدأ بقافية البيت السابق. فمثلاً يقول الأول:

الحربُ أوَّلُ ما تكونُ فتيةً ... تسعى بزينتها لكلِّ جَهولِ

فيقول آخر: اللام، ويأتي ببيت شعر أوله لام:

لا يبلغُ الأعداءُ من جاهلٍ ... ما يبلغُ الجاهلُ من نفسِهِ

فيقول ثالثٌ: الهاء، وينشد بيتاً يبدأ بحرف الهاء:

هل تعلمينَ وراءَ الحبِّ منزلةً ... تُدني إليكِ، فإنَّ الحبَّ أقصاني؟!

والفائز في هذه المطاردة هو من يُسهم بأكبر عدد من الأبيات أو من يورد بيتاً يعجز الآخرون عن الإتيان ببيت يبتدئ بقافيته. ولعل لهذه المطاردة أنواعاً وصوراً وقواعد متعدّدة مختلفة.

في نهاية تلك العطلة الصيفية عدتُ إلى مدينة الديوانية والتحقتُ بالسنة الخامسة في ثانويتها، وهي السنة الأخيرة التي يجري في نهايتها امتحان البكالوريا. وكانت نتيجتي فيه الأول في اللواء (المحافظة) والثالث في العراق لسنة 1956ـ1957. وقد أسهمتْ في هذه النتيجة المشرِّفة عدّةُ عوامل أهمّها في نظري تلك السنة التي أمضيتها في النجف وعلى وجه الخصوص صداقتي مع حميد فرج الله والتحاقي بحلقات العلم في الحوزة الحيدرية. وقد تعلَّمتُ من أسرة العلامة كثيراً من المعارف والأخلاق، مثل محبة الآخرين واحترامهم وإكرامهم وعونهم لأنهم " إخوة لنا في الدين أو نظير لنا في الخَلق"، وطلب العلم لوجه الله ولذة تحصيل المعرفة، ومساعدة الآخرين بها. لقد كان لفضاء النجف الحافل بالعلم والفكر والأدب أثرٌ واضح في توسيع آفاقي الثقافية وتفوُّقي على زملاء لي لم تُتَح لهم فرصة مماثلة تشحذ هممهم وتفتح أمامهم آفاقاً فكرية متنوعة.

بعد الدراسة الثانوية، التحقتُ بدار المعلمين العالية في بغداد، ذات الأمجاد الشعرية والأدبية، فهي مهد حركة الشعر الحرّ بأعلامها الرواد: بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وغيرهم. وتمنيتُ لو أن أخي حميد كان معي في تلك الكلية. ولكن حميد اختار الانضمام إلى كلية الآداب في بغداد، ذات المستوى العلمي الراقي، التي يدرِّس فيها أعلام العراق في اللغة والأدب، كالدكاترة مهدي المخزومي، وإبراهيم السامرائي، وعلي جواد الطاهر وأضرابهم.

في بغداد، كنتُ أسكن في القسم الداخلي التابع لدار المعلمين العالية، وأتناول وجبات الطعام اليومية في مطعمها. فقد كانت هذه الدار تستقبل طلابها من مختلف أنحاء العراق، لإعدادهم مدرِّسين في المدارس الثانوية. أما كلية الآداب فليس لها قسم داخلي ولا يؤمُّها إلا الميسورون من الطلبة أو ممن أهاليهم في بغداد. ولهذا كان أخي حميد يسكن مع شقيقه علي، الذي يقطن في دار قريبة من مكان عمله. وظل أخي حميد يصطحبني إلى دار أخيه في عطلة نهاية الأسبوع لتناول طعام العشاء الذي كان له طعم لا أتذوقه في وجبات القسم الداخلي.

وللمحبّة الراسخة بيننا، كنتُ أشتاق إلى رؤية أخي حميد قبل عطلة نهاية الأسبوع، فأذهب للقائه في كلية الآداب بدار المعظم. وذات يوم ولكي يطول لقاؤنا، اقترح أخي حميد أن أحضر الدرس معه، وتولّى هو استئذان الأستاذ. وهكذا صرتُ أحضر مُستمعاً في عدد من مواد كلية الآداب. ولم أدرِ آنذاك أن الاستماع هو جزء من النظام الجامعي في الدول الغربية، حتى رحلتُ إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمواصلة دراستي العالية. فألفيتُ أن الطالب الذي أدى الأجور الدراسية لعدد من الدروس، في وسعه أن يحضر دروساً أخرى بصفة مستمع ولا يشارك في امتحاناتها ولا يحصل على النقاط عنها. ويسمى هذا النظام في الجامعات الأمريكية بالاستماع (auditing). ولم يدُر في خلدنا، أنا وحميد، آنذاك أننا ابتكرنا نظام الاستماع في جامعة بغداد. ولا يخفى أن الحوزات العلمية الإسلامية، تتيح حرية اختيار الطالب للدروس التي يريد، إضافة ً إلى مجّانية العلم.

بعد تخرّجنا في جامعة بغداد، عمل أخي حميد مدرساً في النجف، وأنا مدرساً في الحلة، وكنّا نتزاور بانتظام. وسرعان ما اختير أخي حميد مديراً لمدرسة متوسطة ثم مديراً لمدرسة ثانوية في النجف، أما أنا فحصلتُ بعد مدة قصيرة على منحة للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت. واغتنمت وجودي في لبنان للتسجيل في كلية الحقوق بجامعة بيروت العربية. وقد فعل أخي حميد الشيء نفسه عندما درس في كلية الحقوق وحصل على شهادتها سنة 1976. ولعل رغبتنا في المعرفة وانجذابها لتنوّعها يعود الفضل فيها إلى مكتبة العلّامة محمد رضا فرج الله وحريتنا في الاطلاع على كتبها. لقد كانت المعرفة في نظرنا مثل شجرة معمِّرة ذات أغصان وفروع متشابكة متداخلة يزداد الفرد متعةً عندما يتسلّقها متنقلاً من غصنٍ إلى آخر مثل طائر حرّ.

في لبنان، قُدّر لي أن ألتقي بفتاة بغدادية، بتول عبد  المجيد إسماعيل البستاني، وفَّقني الله بالزواج منها بعد انتهائي من الدراسة، وقاسمتني غربتي، وأنجبت ابننا حيدر. بعد مراسيم الزواج لدى أهلها في بغداد قمنا بزيارة عددٍ محدود من أهلي، فتشرّفنا بزيارة أسرة أخي حميد. واستقبلت والدته وأخواته زوجتي في جناحهن من الدار، واحتفين وفرحن بها كما لو كانت ابنتهم، وخلعن عليها هدايا عديدة، منها قلادة ذهبية جميلة، فبقيت زوجتي في غاية التأثر، فأخبرتها بأن الجود يجري في دماء هذه الأسرة الكريمة، وتلك هي عادتهم حتى مع الضيوف الأغراب، وينطبق عليهم قول الشاعر:

ونكرم ضيفنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا

ظلّت زوجتي أم حيدر تعتزُّ بذكرى تلك الزيارة السعيدة لأسرة آل فرج الله والعواطف النبيلة والمحبة الأصيلة التي غمرونا بها..

لا أريد أن أتحدَّث عن الحزن الذي ألمَّ بي عندما بلغني النبأ المفجع بالرحيل المبكر لأخي حميد، وأنا في الغربة، فزادني غربة على غربة. وكل غريب يحتفظ، في زاوية من زوايا روحه، ببصيصِ أملٍ في العودة يوماً إلى وطنه والالتقاء بالأصحاب والأحباب. ولكن زوبعة رحيل أخي حميد أطفأت ذلك البصيص وأخمدته بحيث تسربلت حنايا الروح بدامس من الظلمة والسواد.

ومما خفف من وقع غياب أخي حميد وأنين روحي، ما لمسته في مراسلات نجله وسام فرج الله، بعد أن تعرَّفت عليه بالمراسلة بمساعدة الأديب مسلم عقيل الشاوي، من أدب جم، ولطف شفيف، ومحبة سامية. وقلت في نفسي: لا عجب فإن هذا الشبل من ذاك الأسد، وهذا الغصن من تلك الدوحة المثمرة المعطاء.

 

علي القاسمي

مدينة مراكش 1441هـ/2020م

 

المسيرة الطويلة من الجاز والباليه الى الدبلوماسية فـ ..الإسلام !

معرفتي بسيرة ونتاج المفكر الكبير ويلفرد هوفمان، الذي إعتنق الاسلام مطلع ثمانينات القرن الماضي وغير اسمه الى مراد، بدأت مع تلك الحملات الاعلامية الهوجاء التي شنها الغرب ضد الاسلام والمسلمين بكثافة وجرأة غير مسبوقة مستلهما كل طروحاته من "الاستشراق" ومن "الشعوبية" ومن ذيول الكتاب اللادينيين العرب، والتي بلغت ذروتها عام 2007 عندما كرمت ملكة بريطانيا الكاتب القادياني سلمان رشدي، مؤلف رواية (آيات شيطانية) بوسام الفارس مكافأة له على ما ألفه وكتبه من مقالات وروايات تطعن جميعها بالاسلام نبيا وقرآنا واتباعا، ليأتي هذا التكريم حلقة أخرى في مسلسل الاساءات ضد الاسلام ورموزه، اذ سبق هذا التكريم اصدار الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية المسيئة واعادة نشرها مرات ومرات، وسبق الرسوم صدور كتاب رسوم مصورة هزلية للاطفال اظهرت الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) بأشكال معيبة، تلاه مسلسل كارتوني بعنوان (ساوث بارك) أظهروا فيه النبي محمدا (صلى الله عليه وسلم) بشكل يعف اللسان عن ذكره، أعقبه انتاج فلم فتنة الهولندي الذي يسيء الى الاسلام والمسلمين والذي اشرف على انتاجه احد اعضاء البرلمان الهولندي شخصيا!!.

واطلق كتاب –الفرقان الامريكي- لمؤلفه القس أنيس شورش، ولم يتوقف مسلسل الاعتداءات والتجاوزات عند هذا الحد، بل استمر، وبشكل مكثف، وتواصلت الحرب الاعلامية الشعواء ضد الحجاب، بل على كل ما سنه الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بأمر من الله تعالى، والادهى من ذلك كله ان كتّاباً يحسبون على العروبة والاسلام قد نذروا اقلامهم للطعن والتشكيك في الاسلام امثال سيد القمني، وزكريا بطرس، وجمال البنا وغيرهم، واطلق الكيان الصهيوني حملة مسعورة لمحاربة لغة الضاد - لغة القرآن-، واطلق مشروعه المريب لتفسير القرآن الذي اشرف عليه مباشرة حتى انه عد من افضل برامجه الدعائية ضد الاسلام والمسلمين، فانبرى المسلمون يردون على هذه الاعتداءات والتخرصات كل حسب موقعه فبقدر ما استفزتنا واحزنتنا الحملة الغربية الشعواء ضد الاسلام والمسلمين بقدر ما ألقت في روعنا من الشحنات الايمانية والنفحات الروحانية الشيء الكثير ما دفعنا الى ان نمتطي صهوة اقلامنا لنشق غبار الكلمات فحملنا اقلامنا عالياً، وعزاؤنا في ذلك ان الله تعالى قد اقسم بالقلم ولم يقسم بالسيف.. بل قرن قسمه بالدفاع عن نبي الحق وحبيب الخلق (صلى الله عليه وسلم) في قوله تعالى: (ن والقلم وما يسطرون ما انت بنعمة ربك بمجنون.. ) ولله در القائل في فضل القلم شعراً:

ولضربـة من كاتب ببنانه

امضى وأقطع من دقيق حسام

قوم اذا عزموا عداوة حاسد

سفكوا الدمــا بأسنة الأقلام

ولكي لا نتهم بالانحياز، وان كان ذلك شرف لنا، حرصنا على ان نوجز، حصراً ما قاله الفلاسفة، والعلماء، والاعلاميون، والمفكرون، والفنانون العالميون، ممن هداهم الله الى الاسلام، او الى الحقيقة الحقة فوقفوا على الحياد من دون تعصب او انحياز للدفاع عن الاسلام والقرآن، من باب (من فمك أدينك) أو (وشهد شاهد من أهلها) فحب كتاب الله الكريم ورسوله العظيم أغلى وسام نضعه على صدورنا، ولا يفوتنا ان نذكر أن عدد الكتب التي الفت للطعن بالاسلام والمسلمين في أوربا خلال ثلاثة قرون بلغت 60 الف كتاب.

ولعل الدكتور (مراد ويلفرد هوفمان) كان من ابرز هؤلاء واشهرهم لما يتمتع به من كفاءة وخبرة واكاديمية، كيف لا وهو يحمل الدكتوراه في القانون من جامعة هارفرد، اعتنق الدين الاسلامي عام 1980، وكان اول معرفته به في الجزائر، يوم وقف على صمود الشعب الجزائري وصلابته وتضحياته في ثورة التحرير ضد الاستدمار الفرنسي، وكان يتابع الاحداث عن كثب، ولم يع حينئذ من اين يأتيهم كل هذا الدعم الخفي.. ما سر ذلكم الايمان حتى استقر في ذهنه، وترسخ في اعماقه ان السر يكمن في المنهج الرباني الذي سار عليه قادتهم وعلماؤهم آنذاك بدءا بـ عز الدين القسّام فعبد الحميد بن باديس وعمر المختار، وعبد الكريم الخطابي، وغيرهم من العلماء القادة، وبادر بقراءة ترجمات القرآن الكريم فأسلم وقد احدث اسلام هوفمان ضجة كبرى في الغرب، عموما، وفي المانيا، على وجه الخصوص، ليؤلف كتابه الشهير (الاسلام كبديل) الذي ركز فيه على ان الاسلام هو البديل لكل الفلسفات والايديولوجيات،حتى قالت عنه نائبة عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي :(ان هذا الكتاب ما هو الا مرافعة يشيب لها الولدان ضد العالم الغربي.. وان مؤلفه لم يعد ممثلا لألمانيا، التي تدفع له عشرة آلاف مارك شهريا، بل اصبح ممثلا للاسلام الذي آمن به واصبح داعية له)، ولم يكن هذا الكتاب الوحيد له عن الاسلام فقد اعقبه بـ ( يوميات الماني مسلم)، وكتاب (الاسلام في الالفية الثالثة ..ديانة في صعود) وكتاب (رحلة الى مكة)، (مستقبل الاسلام في الشرق والغرب)، (الاسلام عام 2000)، ( في تطور الشريعة الاسلامية )، (الإسلام كما يراه ألماني مسلم)، (خواء الذات والادمغة المستعمرة) .

يقول الدكتور ويلفرد - مراد - هوفمان الذي كان راقصا للباليه ومعلما له وعازفا لموسيقى الجاز وسفيرا لبلاده في دول عدة، وخبيرا في مجال الدّفاع النّووي، الحاصل على الدكتوراه في القانون والذي وافاه الاجل المحتوم أمس عن عمر يناهز 89 عاما : (ان الاسلام يدمج مظاهر الحياة كلها بعضها ببعض، ولهذا فان المشاكل النفسية في البلاد الاسلامية اقل بكثير مما هي عليه في البلدان الاوربية وانا ألتقي يوميا بنساء مسلمات هن اكثر سعادة من نظيراتهن الاوربيات بكثير) .

ولم أجد أجمل من أبيات في قصيدة احمد شوقي قالها في رثاء ابيه لرثاء مراد هوفمان رحمه الله تعالى وأسكنه في عليين :

يا أَبي ما أَنتَ في ذا أَوَّلٌ ...كُلُّ نَفسٍ لِلمَنايا فَرضُ عَين

هَلَكَت قَبلَكَ ناسٌ وَقُرى ..وَنَعى الناعونَ خَيرَ الثِقَلَين

 

 احمد الحاج

 

 

محمود محمد عليبدأ مشهد الحراك الثقافي للمرأة المصرية فاعلاً ومثيراُ بمحاولاته المتحمسة في بواكيره أواسط العقد العشريني المنصرم، قياساً بالسياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي ونتاجاته : فقراً وعوزاُ وحاجة، وحَكماً وإدارة متزمتة، ومجتمع بطريركي في أعلي درجات تطرفه، فما تبرزه الدوريات الصحفية بالخصوص بمرجعياتها المستندة علي الوثائق والصور، والسير والشهادات والتي لم تحظ بالقدر المطلوب بحثاً ودراسة ومُراجعة وتوثيقًا ما سيرشد إلي المشاريع التي تأسست مع ستينيات القرن الماضي رغم تلك الظروف، فمصر علي اتساع رقعتها قدمت رائدات من نسائها جهودهن من أجل نشر الوعي المجتمعي للنهوض بوضع المرأة المصرية وتشجيعها علي الانخراط في المشروع النهضوي، ومن تلك الرائدات نأخذ هنا في هذا المقال أنموذجاً من تلك الرائدة؛ ألا وهي الأستاذة الدكتورة فوقية حسين محمود,

وفوقية حسين محمود رحمها الله؛ مفكرة وكاتبة مصرية، وأستاذة جامعية، وباحثة لا يشق لها غبار، ونموذج نادر وفريد للمرأة الصعيدية، والتي نجحت في أن تثبت ذاتها، فمن طفلة صغيرة تلهو على شاطئ النيل في المنيا في جنوب مصر، إلي امرأة قادرة علي صناعة العالم؛ وذلك عندما تمكّنت من خلق نموذج للمرأة يتجاوز مستوى الشكل، والذي ظهر في كتاباتها ومقالاتها ودراساتها وترجماتها وتحقيقاتها في مجال الفلسفة عامة والفلسفة الإسلامية خاصة.

انضمت فوقية حسين إلى دراسة الفلسفة بقسم الفلسفة، وكان انضمامها يمثل نموذجاً ساطعاً لمسيرة الفتيات في التعليم في مصر في ذلك الوقت، وهى رائدة بكل المعايير والمقاييس، وهى من الجيل الثاني الذى اقتحم الجامعة المصرية، حيث كانت الجامعة المصرية لا تسمح للبنات بدخول الجامعة، حيث كان أحمد لطفي السيد خلال الجيل الأول لا يستطيع مواجهة المجتمع بإدخال البنات للدراسة في الجامعة، وقد كانت هناك حالات فردية على نطاق محدود جداً من الفتيات يدخلن للدراسة في الجامعة، وكانت فوفية حسين ترغب في أن تكون باحثة لتدرس الفلسفة في الجامعة بعد أن تعلّقت بهذا الأمر، حيث كانت تذهب يوميا للمكتبة العامة وقرأت فيها هناك أغلب كتب الفكر الفلسفي.

كانت فوقية حسين شخصية مقاتلة فقد كانت ترغب فى أن تثبت للعالم بأن المرأة قادرة على صناعة العالم، وبالفعل تمكنت من أن تحصل علي درجة الدكتوراه في القرن الماضي من جامعة أدنبره بإنجلترا،إلى أن صارت أستاذاَ للفلسفة الإسلامية ورئيس قسمها بكلية البنات جامعة عين شمس، كما درَّستْ في العديد من الجامعات العربية في السعودية، وكلية الآداب جامعة محمد بن عبد الله بفاس بالمملكة المغربية، والسودان، وشاركت فى كثير من المؤتمرات العلمية على المستوى المحلي والدولي؛ فكانت تكتب بلغات مختلفة .

كما كانت فوقية حسين (بشهادة كثير من تلاميذها) تجمع بين اللين والعفو تجاه الآخر، وكأنها تقرأ الإنسان، فكانت تستمتع ببصيرة كشف للآخر، وكانت أيضاً تهتم بالمشاكل الخاصة بطلابها، وبالنواحي النفسية للباحثين.. كانت دقيقة فى توجيها .. لا تجبر الباحث على شئ لا يريده.. كانت تدفع الطالب إلى البحث عن ذاته وإبداعاته فيما يكتب ... فكان التوجيه من منطلق البناء وليس من منطلق فرد ثقافة الاستاذ على تلميذه.. بل كانت تقدم الأمانة العلمي على آرائها وأفكارها وآرائها..  كانت تدفع باحثيها إلى النقد المنهجى... وكانت تجمع بين الشدة فى المواقف التى تلتزم الشدة والحزم بما فيه استقامة المعوج لا كسره ...لقد كانت تشترى كتب لطلابها منمالها الخاص .. وكانت توزع راتب على بعض الباحثين الذين لا يعملون فى الجامعة، وكانت تدفع تذاكر القطار لطلابها وخاصة المناطق النائية – مثل طلاب الصعيد.. كانت تقسم الطلاب إلى مجموعات أو حلقات علمية هذه الحلقات عبارة عن طلاب السنة التمهيدية للماجستير.. فكانت تقوم بالتدريس لهم .ثم طلاب الماجستير فكنا مجموعات سواء كان طلاب الوجه البحري أو القبلي ... وكان يتم النقاش مع كل طالب فى موضوعه وعلى الباقي أن يسمع ويسجل ملاحظاته وتتحول المسائل إلى حلقة علمية رائعة تقوم على المساجلات والخلاف العلمي الدقيق .. كما نمت لدى طلابها الحث النقدى الأمين القائم على التكاملية. كانت تراجع كل كلمة في البحث.. لا يحصل الطالب على أمر الطبع إلا حين انتهاء البحث.. كانت تدافع عن طلابها وإذا أحد الطالب على رأيه كانت تناقشه فى ذلك.... إلي آخره.

تركت فوقية حسين محمود وراءها ما يربو على أكثر من عشرين كتابًا في علم الكلام والتصوف وفلسفة الحكماء علاوة علي الدراسات الفقهية والإسلامية والأدبية والتاريخية، فلها مؤلفات في الفلسفة الإسلامية أبرزها: مدخل إلى الفلسفة الإسلامية ـ وكتاب الجوينى إمام الحرميين، وكتاب الفلسفة الإسلامية فى المشرق والمغرب، وكتاب غاية الإنسان فيشته، وكتاب دراسات فى علم الأخلاق، وكتاب دراسات فى القيم، وكتاب مقالات فى أصاله المفكر المسلم ...وهلم جرا.

وقد حققت الكثير من النصوص والوثائق والمخطوطات، ونذكر منها : كتاب الإبانة عن أصول الديانة أبو الحسن علي بن إسماعيل البصري الأشعري، وكتاب الكافية في الجدل إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني، وكتاب لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة إمام الحرمين الجويني، وكتاب لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول أبو الحجاج يوسف بن محمد المكلاتي.

علاوة علي مقالاتها المنشورة في القضايا الإسلامية المعاصرة باللغة الإنجليزية والفرنسية بمجلة الأزهر الشريف جريدتي الأهرام المصري والوفد، كما لها مقالات فى قضية الأصالة بحوليات كلية البنات جامعة عين شمس.

وقد صفها العلامة عبد العظيم الديب رحمه الله بـ"الدكتورة النابهة"، كما وصفها الدكتور السيد محمد عبد الوهاب :" مشعل فريد لأنه نموذج رائع للمرأة المصرية الصعيدية التى أثبتت كيانها وكينونتها، وأثبت آرائها وأفكارها بل انتقلت من مرحلة الدفاع من كونها أمراءه تفكر إلى مرحلة إثبات الذات فى المساهمة بفكرها وعلمها فى مسيرة العمل الإسلامي، بل أثبتت وأكدت مفاهيمها الإسلامية التى لم تفارقها رغم أنها أكملت دراستها العلمية خارج مصر، فقدمت طرحاً فكرياً لا يرفض حضارة الغرب مع الاحتفاظ بالخصوصية الخلقية للمرأة المسلمة .

كما تميزت فوقية حسين  بأنها أكثر جرأة فى الرأي ‏وشدة فى اقتحام القضايا‎ ‎الأكثر حساسية مع تحليل خاص ‏للصحوة الدينية وتاريخ حركات الإصلاح الحديثة، ‏خصوصاً‎ ‎عندما يدور الحديث حول مرحلة أصالة الفكر الإسلامي ؛ إذ ما تميز به هذا الفكر في اعتقاد فوقية حسين من نظرة إلي الواقع تجعله مخالفاً في صميمه لما كانوا يردونه إليه من فكر يوناني علي وجه الخصوص.

وتقصد فوقية حسين بالواقع" فتقول هو :" ذلك الوجود المستقل عن الذات العارفة، أي الواقع الخارجي، واقع الموجودات في الطبيعة التي تحيط بالإنسان، ولا يعني تخصيص القول في هذا " الواقع" الذي حددته دون غيره، وهو الواقع الخارجي المادي، أن أنماط الواقع تقل عنه من حيث أهمية واقعيتها، وإنما يعني أنني قصدت التبسيط باتخاذ هذا الواقع موضوعاً للدراسة علي أساس أن كثيراً مما سننتهي إليه بصدده يمثل أهم معالم موقف المفكر المسلم من أنماط الواقع الأخرى علي اختلافها.

وتستطرد فوفية حسين فتقول : ويحق لنا أن نسجل أن مجرد ظهور التعبيرات الدخيلة في مجالي " الكلام"، والفلسفة" قد جعل الكثيرين يظنون أن المفكر المسلم، فيما يتعلق بإنتاجه في هذين المجالين: يوناني أرسططاليسي في مفاهيمه.

والهدف من أصالة الفكر الإسلامي في نظر فوقية حسين : بيان ما يوجد من خلفية فكرية إسلامية وراء ما تعثر هنا وهناك من بعض ألفاظ وتقسيمات ذهنية دخيلة علي الفكر الإسلامي؛ بحيث يصير في مقدورنا أن نقول أن التعبيرات اليونانية قد وردت في تراثنا – في حقيقة الأمر كلباس لمفاهيم إسلامية أصيلة، وأنها انتشرت علي هذا النحو كأثر من آثار سماحة العقلية الإسلامية بالنسبة لما لا يتعارض مع العقائد، وتلبية في الوقت نفسه لحاجة عقول الجموع إلي ما هو جديد .

وقد تمثل هذا الجديد كما تري فوقية حسين في هذه الثقافة الدخيلة اليونانية – علي وجه الخصوص- التي كانت دون غيرها علي مستوي يناسب – إلي حد كبير – ما وصلت إليه العقلية الإسلامية من درجة صقل عميق يحكم تكونها أصلاً مع المفاهيم الإسلامية المنزلة : فالدين الحنيف قد اهتم بالتشريع لحياة الفرد في جميع نواحيها الفكرية، وغير الفكرية تشريعاً يحقق النضوج الكامل لمن يجتهد.

فلقد الفكر كما تقول فوقية حسين يمثل نضجاً كبيراً لناحية من نواحي الفهم الإنساني وهي الناحية النظرية، فأقبل عليها المفكر المسلم، ولكنه لم يفته قط، أن هذا الفكر الدخيل يقوم علي أسس مبتورة، لأنه فكر لم يعبأ بربط النظر بالعمل مثلاً، ولم يبين بوضوح ما للموجودات من حقيقة مستقلة عن الذات العارفة .

لقد كان للمفكر الإسلامي كما تقول فوقية حسين وقت لقائه بالتراث اليوناني، من خلال الترجمات – علومه التي عرفها وترعرت نفسه في ظلها، وهي " علوم  القرأن والسنة "، وقد حققت هذه العلوم، لمن أقبل عليها، مسلما كان أم غير مسلم، عربياً كان أعجمياً قدراً من الصقل الذهني الرفيع المتكامل لم يتوافر لأهل الثقافات الأخرى، فإذا كانت هذه هي قوة هذه العلوم، وهذا هو أثرها، فلا يملك الباحث إلا أن يدعو إلي وقفة قصيرة عند مصدري هذا التراث وهما : " القرآن المعجزة وسنة النبي المصطفي محمد صلي الله عليه وسلم "، لتتكشف في جملتها معالم المفاهيم التي أراد الله سبحانه وتعالي أن تقود الإنسان في فكره وعمله علي العموم، وفي موقفه تجاه الواقع الخارجي .

إن تدبر آيات الذكر الحكيم، وسنة الرسول الكريم، تبين في نظر فوقية حسين ثراء كبيراً يؤكد ببساطة ويسر، أن الواقع الخارجي من خلق الخالق الأعلي، سبحانه وتعالي، وأن وجود هذا الواقع حقيقي يؤكد مقدرة الله عز وجل علي الخلق والإيجاد، فالواقع الخارجي له وجوده الذي أراده الله له بمشيئته تعالي، وقد اعتمدت العلوم الإسلامية هذا المفهوم اعتمادا كليا، ولم تحد عنه، فعلوم القرآن وعلوم الحديث، وكذلك العلوم التي تتعرض لنواحي الحياة، حياة الفرد والطبيعة : من كيمياء إلي طب إلي دراسة نباتات، الخ . كل هذه واجهت الواقع الخارجي مواجهة المعترف بوجوده وجوداً مستقلاً، وجودا يعرف بذاته، وعلي العقل أن يواجهه ويتعرف علي ما يقدمه من حقائق تجريبية تعتمد علي استقراء الموجودات في وجودها الكلي العيني، وليس أبلغ من علوم التفسير التي تشرح الحقائق المنزلة مستعينة بواقع الحقائق الموجودة أو التي وجدت . وليس أدق من علوم الفقه، التي نكشف ببصيرة المستنير بالنص المنزل، ما يجب أن يكون في أمور الناس . وليس أصح من منهج المفكر المسلم تجاه الواقع في دراسته لقوانينه التي تحكم جزئياته، وهي سنة الله التي ليس لها تبديلا.

فإذا ما بدأنا كما تقول فوقية حسين بعلم الكلام، ونقبنا عما يشمله هذا العلم من تعبيرات دخيلة متعلقة بـ " الواقع" وجدنا تعريفا للعالم ينسب عادة في كتب علماء الكلام إلي الخلف وهو : " العالم جواهر وأعراض"، ووجدنا كلاما كثيراً حجول " الجوهر" و" العرض" وأصول ارتباطها، ومثل هذا التعريف للعالم، ومثل هذه التقسيمات والأصول، توحي في ظاهرها بالنقل عن مفاهيم الفكر اليوناني.

ولا حاجة بنا إلي الوقوف وقفة تفصيلية عند مفاهيم الفكر اليوناني، فيما يتعلق بالواقع الخارجي ويمكننا حسب اعتقاد فوقية حسين ما تميزت به نظرة اليونانيين إلي الواقع في أن قبول العالم الخارجي علي ما هو عليه موقف في اعتبارهم ساذج فهم لم يتبينوا أبدا أنه الموقف الوحيد الذي يضمن للإنسان علاقة متسقة مع الوجود الخارجي .

ثم تستطرد سيادتها فتقول : وقد فسروا الموجودات من خلال مقولات ذهنية بحتة فشطروا الموجود العيني إلي جوهر وعرض، وأعطوا لكل وجوداً منفصلاً عن الآخر فترتب علي ذلك افتقاد الهوية، أي هوية الموجود العيني كما يظهر للعين المجردة . إنهم لا يعترفون بما تقدمه حواسنا من صورة عن العالم، وتعالوا علي المعرفة الآتية عن طريقها، ورأوا أن المقولات تعبر عن الأسس الأولي للعلم والوجود، واتجهوا إلي الجوهر وجعلوه معبرا عن ماهية الموجود فالجوهر هو التعبير عن الطبيعة الحقيقية أو العلمية للأشياء.

وهذا يعني أن الفكر اليوناني في نظر فوفية حسين يعطي أولوية ظاهرة للجواهر أو للوجود المعرفي علي الوجود الخارجي في ذاته، فهو ميال بحكم ما قام عليه من أسس إلي هدم الانطباعات الأولي عن الطبيعة الخارجية ليحل محلها فكرة ما سماه بالجوهر الأصلي أو الحقيقة، واتجه الفكر الأرسططاليسي إلي جعل الجواهر كلها تتحرك شوقا إلي محركها الأول الذي تماثله في القدم . فصار الواقع الخارجي غير مخلوق وغير موجود وجودا في ذاته، مستقلاً عن الذات العارفة.

هذه هي أهم معالم نظرة اليونانيين إلي الواقع في نظر فوقية حسين، وهي نظرة تقوم علي أصول تخالف العقائد، وتتمثل في الوقت نفسه اتجاها واضحاً إلي اعطاء أولوية للذات العارفة في تفسير الوجود دون الواقع في ذاته.

وثمة نقطة جديرة بالإشارة نود أن نشير إليها، وهي أن فوقية حسين من المفكرين المصريين الذين يؤمنون بأن الفيلسوف المسلم هو ابن الطبيعة الفكرية الإسلامية، بيئة علوم القرآن الكريم والحديث – قد اعتاد موقفا من العالم الخارجي مستمدا من توجيهات " الكتاب  الكريم" للعقل الإنساني، يقوم علي احترام حقيقة الموجودات الخارجية في ذاتها، لأنها من خلق الله عز وجل وايجاده، وبالتالي إذا كان المنهج الاستدلالي مستساغاً في علم الكلام، فهو ليس كذلك بالنسبة للمفكر المسلم، وهو يواجه موقف تفسير الوجود حيث يجب أن يكون المنهج هو القائم علي التجربة من أجل تدبر الموجودات في ذاتها، أي : أن يكون استقرائيا، يهدف إلي كشف حقيقة الموجودات عن طريق ما تقدمه له من واقع، ترتبط جزئياته بعضها ببعض، طبقاً لسنة الله التي ليس لها تبديلا، وهي ما سمي فيما بعد بالقانون العلمي.

وهنا تتساءل فوقية حسين، إذا كان الفيلسوف المسلم لا يواجه التراث الدخيل، وهو خلو من الصقل الذهني الراسخ، والوعي المتكامل المتين، لما يجب أن تكون عليه دراسة حقيقة الموجودات من أجل أن يصل بصددها إلي نتائج إيجابية تنتهي إلي التعرف علي الواقع لماذا لم يعزف عن أسلوب اليونان، مرجحا أساليب القرآن، في تناوله لتفسير الواقع ؟ وهو الذي قدم للتراث الإسلامي الكثير من المجهود لدعم الفهم التجريبي للموجودات.

وهنا تقول فوقية حسين: يبدو أن الفيلسوف المسلم الذي عرف جيدا قيمة التجربة، قد عرف أيضاً كيف يفرق بين أسلوبين في مواجهة الموجود: أسلوب تجريبي إسلامي، وأسلوب تأملي يوناني، ويبدو أنه قد سمح لنفسه بالخوض فيما لا يستسيغه تكوينه الأصلي، من أجل المساهمة في عرض ما يعرف بالفلسفة لدي اليونان – وهو المعني الضيق للفلسفة – عرضا يعصم القارئ المسلم العادي من الانزلاق في متاهاتها التي تقوم علي أصول مخالفة للإسلام، فيكون الفيلسوف المسلم بذلك قد ساهم بطريق غير مباشر في خدمة الدين.

من كل ما تقدم تصل فوقية حسين إلي النتيجة التالية : لذلك يحق لنا أن نقول أن المفكر المسلم – متكلما كان أن فيلسوفاً – قد تبين أن الفكر اليوناني، علي ما له من عظمة ودقة كبيرتين، ليس له جدوي من ناحية تفسير الواقع فهو يمسخه ويقضي علي حقيقته، لذلك فهذا المفكر المسلم قد أقبل علي التراث اليوناني، وهو في الوقت ذاته يلفظه بحكم طبيعة تكوينه، أي طبيعة صقله الذهني الإسلامي وكان " الواقع" في هذا كله هو الركيزة التي قامت عليها جهوده من أجل بيان أصالة الفكر الإسلامي، ولقد كان لموقفه هذا كل الأثر في توجيه الأذهان إلي قيمة استقراء الوقع في عينيته، ويصح أن نقول أن ما هر من نهضة علمية أوربية في العصر الحديث ما هو إلا أثر من آثار هذا الموقف الواضح تجاه واقع الأشياء من قبل المفكر المسلم,

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذة الدكتورة فوقية حسين محمود لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة للبك الأستاذة الفاضلة التي كانت وما تزال تمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لامرأة لم تستهوها السلطة، ولم يجذبها النفوذ؛ ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف تبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

صالح الرزوقبقلم: سكوت ماينار*

ترجمة: صالح الرزوق

لسبع سنوات، عشت وعملت في إلميرا، نيو يورك، حيث  قبر سام كليمنس - ومعه قبور أفراد عائلته وكذلك أقاربه الذين يتوسط أسماءهم اللقب “لانغدون”. وفي بعض الأيام كنت أمتطي دراجتي الهوائية من جامعة إلميرا إلى مقبرة وودلون لتناول الغداء بجوار مقابر كليمنس /لانغدون، وللتفكير بمشاكلي وبالموضع الذي وصلت إليه خلال هذا التاريخ الحافل، بجانبيه الشخصي والعام - أو لأنظر لاتساعه وجسامته، وكان شيئا يفوق التوقعات. كنت متشردا برأس فارغ، وعلى علاقة ضعيفة بكل جوانب التاريخ: الشخصي والأدبي والوطني.

وودلون مكان فاتن بقدر ما يمكنك أن تتصور: منفصل وينطوي على نفسه، وتغطيه أشجار سنديان طويلة وصفصاف مهيب يوفر ظلا لا يستغنى عنه، ويحده مستطيلات عشبية خضر جميلة يتخللها ممرات من الحصى والإسفلت الرمادي، وكانت جذور الأشجار تنمو هناك بشكل أقواس فوق الأرض كأنها موجات متتابعة أومتتالية. هدوء يدخل للعظام، ولا يرعب أحدا ولكنه أيضا غير اعتيادي. وكنت أرتاح له كثيرا.  وكنت أجلس على منصة حجرية، وكانت تبدو منها دراجتي كأنها متطفل أو شيء دخيل على لوحة رسمتها الطبيعة. ولكن دائما يخامرني الشعور أنني لست من هنا.. دون علاقة عضوية مع نيويورك. فمسقط رأسي هو كليفلاند، ونحن ندفن أقاربنا في مقبرة ليكفيوعلى مقربة من الضريح المشهور لجيمس غارفيلد (الرئيس العشرون للولايات المتحدة - المترجم). ولكن لهذا السبب لا أشعر أنني بعيد تماما عن جوي.

خلال تلك الساعات أشعر بالحنين والحزن لكليمنس وأفراد عائلته - ليفي، لانغدون، سوزي، كلارا وجين.  ولكن إلميرا نقطة تقاطع مدهشة بين الناس والأفكار. فهنا وعلى مسافة غير بعيدة جرى لقاء كليمنس مع هارييت بتشرستاو وفردريك دوغلاس، وصديق عمره، الاشتراكي الطوباوي وليام دين هولز. الأمر الذي يؤكد أن نيو إنغلاند كانت في القرن التاسع عشر مكانا مؤثرا. وهي بالنسبة لي اليوم ككائن “أدبي” هي الجنة.   

**

(حيثما وجدت نفسك مع الأغلبية، يكون الوقت مناسبا للتمهل والتفكير).. مارك توين.

قرابة موعد وجبات الغداء وعلى الممشى المغطى بالحصى، كان يدير فيك دواينو (هو فيكتوردوانيو - المترجم) من جامعة نيويورك الحكومية في بوفالو، جلسات نقاش استمرت أسبوعين. موضوعها هو: ما هي أفضل طريقة لتدريس مغامرات هكلبري فين. كان فيك في تلك الحقبة واحدا من أهم المراجع الأدبية الحية بما يخص توين في أمريكا. وحينما حصلت المعجزة واكتشفت مسودة للنصف الأول من رواية لتوين في سقيفة في كاليفورنيا عام 1990، وربما كانت بين ممتلكات أحد أقارب توين البعيدين، أرسلت المسودة لمكتب فيك دواينو، في جامعة نيو يورك الحكومية، بوفالو، للتدقيق بها. وكان آنذاك مشغولا بمحاضرة تعليمية في مزرعة كواري. وهي من أملاك سام وليفي ومشيدة على سفوح تلال قريبة من مكان آل لانغدون، وعلى مشارف إلميرا تماما، وتشرف على وادي نهر شيمونغ - منظر فاتن من مناظر نيو إنغلاند، ويمتد من تلك النقطة حتى مدرجات حجرية على أعتاب بيت واسع ل شرفة أمامية عريضة ومهيبة. وخلال غدائنا معا، كان فيك دوانيو أحيانا يبكي كلما تذكر المعاملة السيئة التي تلقاها الملونون في الجنوب  بعيد الحرب الأهلية فورا. ومنه سمعنا عن القوانين العنصرية المحلية في الجنوب، والتي كانت أحيانا قاسية جدا، وتعمل على اعتقال العبيد المحررين (وتجويعهم)، قبل أن يبتعدوا عدة أميال نحو الشمال. وكانت العقوبة، وهي أقسى مما تتصور، تستمر لعدة شهور من السخرة في حقول القطن حتى لا يكرروا جريمتهم. وطبعا، لم يكن عند هؤلاء اللاجئين نقود. ومن أين لهم بها؟. ومن الظاهر أن حشونة تلك القوانين كانت أقسى من أن تهضمها معدة  دوانيو. 

وفي مناقشة أعقبت إحدى تلك المحاضرات سأل دواينو إذا كنا نعتقد أن شخصية هكلبري فين قد تبدلت من بداية الرواية حتى نهايتها. بكلمات أخرى سأل: هل لمغامرات هاك أي تأثير على شخصيته، ووجهة نظره للعالم، وتفكيره.أجاب معظم الحاضرين بالنفي، بمعنى أن هاك لم يتبدل على الإطلاق. والدليل متوفر في أقواله التي عبر بها عن رغبته بمواصلة المشوار مع توم سوير و خططه المتعبة. و تجد ذلك في نهاية الرواية. فقد كان يريد “العمل” على تحرير جيم من الأسر، وتعامل مع المشكلة وكأنها عمل خطير وحرج، كما ورد على لسان توم. ولذلك أخذت المسألة طابعا رومنسيا. وأي شخصية قادرة على الاستمرار مع خطة مبيتة، وتخاطر بمصير جيم، وتشعر بالمتعة من جراء ذلك، لا يمكن أن تتعرض لأي تبدل ظاهر. إنه لا يمكنها أن تنضج أصلا. وعلى هذا النحو استمرت المناقشة - ورأت جملة الآراء أن هاك يافع جدا ومنهك،  ولا يمكنه أن يتعلم أي درس مفيد من مغامراته. ولكن أنا وحدي انفردت بموقف مختلف لأنني شعرت أن السبب الأول ألغى الأبعاد الشخصية لهاك، وربما أفرط بتبسيط قضيته وظروفه. لقد كان، في النهاية ابنا لبابا فين، وهو والد كحولي وعدواني  يضرب ابنه،  ويجبره على أن يعيش معه. أضف لذلك أن هاك شاهد نفسه بمرتبة اجتماعية وظروف خاصة أدنى من توم سوير. وخلال الأحداث أوضح أنه يرغب أن يقايض بحياته وسمعته لإنقاذ جيم. إن شخصية هاك، بعكس توم، مرت بحالة معاناة شديدة، ولكنه لم يرتدع عن التضحية والمخاطرة، حتى ولو كان هذا على حسابه الشخصي. وأرى أن اتباع توجيهات توم مجرد خطيئة، وهي خطيئة علينا  توقعها من طفل لديه فكرة سيئة عن نفسه.

وفي خاتمة الرواية، يعلن هاك أنه لا يرى “أملا أفضل بمغادرة فضائه”. وكانت خالته سالي تخطط لتبنيه و“تمدينه”. ومن الواضح أن آخر جملتين في الرواية هما إشارة لـ “تحضيره”. يقول بهذا المعنى:”لا يمكنني الاحتمال. كنت هناك من قبل”. إن رفض هاك لثقافة نهر المسيسيبي تصرف صبياني لكن له معنى. وربما يدل على أن شخصيته غير مستقرة. وهذا رأي معقول، لأنه بنظري، يجعل الرواية أعمق، ويأتي بعد تضحيات شخصية جسيمة، رغم حقيقة أنه صغير، ولا يمكنه استيعاب كل المغزى. ومع أن مثل هذه المناقشة البسيطة أدبية ولا شيء غير ذلك، هي ذات مغزى عندي لأسباب لم تكن واضحة تماما في حينه. ثم انتبهت أنني أنا بالذات أشترك معه بعدة خصال وصفات.

**

(الشجاعة مقاومة ضد الخوف، و أداة لنتحكم بها بخوفنا، ولكن ليس لنلغيها).. مارك توين.

كنت وسط الطريق في رحلة عالمي المصغر - متوجها إلى الجزء الشمالي من نيويورك، ونحو عدة محطات بدأت من نيو فاوند لاند وكندا، ثم بلدات لها أسماء مثل أثينا وييلو سبرنغز، وكلتاهما لعب دورا مؤثرا في توجيه خط  قطار الأنفاق. وحينما أقف قرب نهر أوهيو اليوم (يمكن مشاهدته من نافذة مكتب زوجتي في بورتسماوث)، كل ما يمكنني أن أفكر به هو الشجاعة التي دفعت أولئك الأشخاص للقيام بعبوره باتجاه الضفة المقابلة، ولا سيما في شتاء القرن التاسع عشر. لقد مات عدد منهم وهم يحاولون العبور، وعدد آخر وقعوا بأيدي صيادي العبيد ببساطة وأعيدوا لعبوديتهم من سينيساتي ودايتون وأماكن مماثلة.

بالنسبة لتوين كل الرحلات التي تخللت حياته تنتهي بالمياه - الميسيسيبي، والهادي، والأطلنطي، وذلك ليدفع تكاليف استثمارات خاسرة، حتى لو أنه لم يكن مضطرا لذلك. كانت الحياة صعبة لو نظرت لتاريخ توين من زاوية أسفاره وتعدد مساراته، وقد حاصرتني تلك المتاهة أنا أيضا، ووضعتني بمواجهة شجاعته التي قاوم بها الموت. مات لانغدون ابن آل كليمنس وهو في شهره التاسع عشر، وماتت ابنتهما سوزي وهي ابنة أربع وعشرين عاما. وتبعتها جين وهي بعمر تسعة وعشرين عاما. ولم تبقى على قيد الحياة غير كلارا. ثم توفيت في كاليفورنيا عام 1962. وأحد أهم الخصال المتعلقة بسام كليمنس هو التالي: كيف يمكن لكل ذلك المرح أن يأتي من حياة مليئة بالتراجيديا الشخصية، وبالمعاناة على نطاق شامل وكوني.

حينما امتطيت دراجتي وأسرعت بها لموعد الغداء عند ضريحه وأضرحة زوجته وأولاده، فعلت ذلك على أمل أن أتعايش مع شيء من أخلاقهم الشخصية، ربما لأنني كنت بحاجة لذلك أنا بالذات. ولكن كما ذكر توين نفسه: الشجاعة ليست دائما الشيء الواضح أو النقي الذي نتخيلها به. كان تذكر  الانتهاكات، التي وقعت ضحية لها في طفولتي، أسهل لحد ما وأنا تحت تلك الأشجار وبين تلك الممرات في مقبرة وودلون. إنه يصعب علي الكلام عن الاعتداء على الأطفال، بكل درجاته وأشكاله، وأنا  رجل ناضج. هناك شيء له علاقة بهذا البرد القاسي على ما أفترض.  لقد كان الثلج يحاصرني ويحولني لأعمى، وأنا أقف في تلك المساحة المتجمدة لدرجة الضرر والأذى.     

يمكن للأطفال أن يكونوا هم الناجين. هم/ ونحن نتحلى بهذه المنة التي تؤهلنا للانزواء والتخيل، وأحيانا لإسقاط صور مثالية على أنفسنا وعلى غيرنا. نحن نعوم في التيار ونحاول أن نبقي رؤوسنا فوق الماء، وأن تجنب النتيجة المحتومة إذا سقطنا للقاع. كنت هكذا أعوم بمساعدة طوف من صنع يدي، وهو ما سمح لي بالحركة والحياة.

إن آليات التأقلم مثل أطواف خشبية في الماء.

وعندما توجب علي أن أتخلى عن ذلك الطوف، وأشق طريقي لليابسة، أصبحت الظروف قاسية. وقد كافحت ومرارا فقدت الإحساس بالاتجاه لفترة من الوقت، وفقدت نفسي أيضا في ممرات غريبة تغطيها أوراق النباتات، وأحيانا كنت أفرط بالنضوج وينتابني الحنين. والكآبة كذلك. وتعلمت في خاتمة المطاف أن هذا لا يكفي لأطفو. وعليك أن تعرف كيف تعوم للأمام وتتابع طريقك بسرعة، وأن تنهض حينما تجرك قوة التيار للأسفل. ثم بمعجزة تنهض مجددا وأنت تتنفس الهواء المتجمد بهدوء وثقة. وإن كنت محظوظا، تجد معك صديقا هناك - أكبر منك وأكثر حكمة. شخصا عانى أيضا وتعلم من معاناته.  أما السخرية المرة والمثمرة  التي نجمت عن هذه التجارب فقد علمتنا أشياء لا نمتلكها إلا بالمعاناة. المعاناة وحسب. وهو ما لا يمكننا الحصول عليه بأي وسيلة مختلفة. هذا هو أفضل معلم وطريق لنا، إنه خط الحياة الملقى أمامنا. خط المستقبل. وهذا ما يعنيه توين الأمريكي لي: فهو من كتب قصصا عن انتصارات عظيمة أو بسيطة، وعن آلام تنتهي بالنجاح، وعن شخوص لديها شجاعة كافية، وهذه أداة مدهشة تنطوي ضمنا على --- الفرح المؤجل.

**

(أخبار موتي مبالغ بها كثيرا).. مقولة شائعة تعزى لمارك توين.

واحد من الأمور التي أحبها في البوذية فكرة التقمص. كنت أتكلم مع طلبة قسم الأدب أحيانا عن الفرق بين الإنقاذ والتنوير. وأخبرتهم أن البوذيين المؤمنين بدينهم لا يخافون من الموت، لأنهم يعرفون أنهم عائدون لهذه الحياة. ولكن ينتابهم الرعب من أن يعودوا بشكل نملة أو حلزون. وهذا يحدث إذا لم تكن حياة الإنسان السابقة صحيحة وملائمة لاستكمال دورة التطور. وبهذه الطريقة، قد تكون الشائعات حول موتهم أو نهايتهم الأخيرة، كما أفترض، مبالغا بها. كان توين شكاكا بالدين ومنتقدا له، ولا سيما الدين الغربي الذي توقف عنده بعدة مقالات، ضمنا مقالته “تأملات في الدين”. ذكرت كلارا ابنة كليمنس أن أسباب منع المقالة التي حجبت عن العامة  لعدة سنوات بعد وفاة أبيها، هي جزئيا لمحتواها واحتمالات فهمنا له، فقد نفهم منها على سبيل الخطأ أنه أيد الاتحاد السوفياتي، ونهجه الأرثوذوكسي.

ثم إن فكرة أن الشائعات عن وفاته مبالغ بها تنطوي على طرفة كوميدية بمعناها. ولا سيما إذا تصورت ممثلا يؤدي دور مارك توين بتمثيلية يقوم بها شخص واحد في أرجاء البلاد. ويلقي أقوال توين هذه على مجموعة من الحاضرين الأحياء.

ولكن غرابة الفكرة تتساوى مع مثاليتها. وربما هي تود أن تخدعنا - أن تكون غريبة بمقدار ما فيها من معنى ومقاصد. وقد أكد لنا شكسبير، وهو واحد ممن كانوا هدفا لمزاح توين بين حين وآخر، أن الكوميديا والمرح طريقة من طرق التعامل مع الحقيقة، والتعبير عنها وإدارتها في ظل أصعب الظروف. ومن الواضح، هذه هي استراتيجية من استراتيجيات حياة توين. وأنا أفهم أن المرح كان أساسيا في حياتي وأنا أدين له بالبقاء. فأنا مدمن على القهقهة من القلب. ولا زلت أحفظ عن ظهر قلب مشاهد من عدد من الأفلام وأحاول ما بوسعي تقليد الأصوات والحركات الكوميدية التي رأيتها. ومثل مارك توين، أخفيت أحزاني وأسفي جيدا، وهو ما كان غالبا يدهش ويفاجئ أصدقائي الذين سمعوا بما أعاني منه. ورأيت أن خيارات توين في المرح والحرب من أجل البقاء رغم التراجيديا الشخصية، صفة أمريكية، وجزء مما أبحث عنه بجولاتي على الدراجة، كما أنه جزء من تأملاتي في أرجاء وودلون - حيث أجد معنى البقاء والنجاة والهواء المنعش بالرغم من كل المآسي. بعض المقابر تبدو حزينة، ولكن معظمها جميلة. وبهذا الإحساس أنفقت وقتا طويلا فيها.  إنه لشيء مدهش أن يمضي إنسان حي وقته بين الأموات. ألست معي أن هذه خصلة تدل على العشق والتمسك بالحياة، أو لنقل على إرادة البقاء والأمل.  

**

مع أنني أعيش الآن في أوهايو، أحيانا أعود إلى وودلون وأتجول بين الأضرحة. هناك الرياح تهب بين الأشجار ولكن الشمس تلهب المناطق الظليلة بالدفء. وأستطيع أن أسمع صوت عزيف الرياح الذي لا يمكن ترجمته. ثم أنظر للسماء التي هي أمامي، وأجد أسماء عديدة وكثيرة، واحتفظ القليل منها بالنقوش الغرانيتية حوله. كان توين يعلم أنه في أعماق قلوبنا رغبة للعناية بالحياة والتعبير عنها بنقش كلمات على الحجارة. وكان يعلم أن الأطفال مثل أي كاتب لهم قيمة يمكن للتاريخ أن يحفظها لنا. وكان يؤكد أنه لا بد من تقديم الحماية ضد الظروف القاسية. إننا كائنات قابلة للمعرفة والثقافة، ويكفل لنا ذلك مرور الوقت أو مقاعد الدراسة. وأعتقد أن كل الحكمة المرجوة من “مغامرات هكلبري فين” هو تمرير هذه الفكرة.. إن حياة أي إنسان، سواء هو رجل أو امرأة أو طفل تكون طويلة أو قصيرة. غير أنها ذات معنى مكتوب له أن يبقى. وما يجعلها محتملة أنه في مرحلة من المراحل نتأكد أننا سنرى  كل شيء في النهاية.

 

(الترجمة تمت بمشاركة المؤلف).

.....................

* شاعر وأكاديمي أمريكي. المقال سينشر في مجلة “Meuseum History Journal”

 

حسن العاصيبحكم موقعه الجيوستراتيجي المتميّز كملتقى للحضارات بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، هُيّئ للمغرب القيام بأدوار تاريخية وحضارية وثقافية وعلمية مرموقة على امتداد العصور.

فمنذ الحضارة الآشولية في العصور الحجرية القديمة، مروراً بالفترة الفينيقية في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، حيث قام الفينيقيون ببناء مدن تجارية لهم على سواحل البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، بدءًا من أواسط القرن الثاني عشر قبل الميلاد، فقامت مدن فينيقية كثيرة أهمها أرواد وبيروت وجبيل وصيدا وصور على المتوسط، ومدن ليكسوس (العرائش)، موغادور (الصويرة)، سلا (قرب الرباط)، إلى قيام دولة الأدارسة الإسلامية العام 788م في المغرب بعد اعتناق المغاربة الإسلام، حيث قام الشريف مولاي ادريس ابن عبد الله. إلى دولة المرابطين، دولة الموحدين، دولة المرينيين، دولة الشرفاء السعديين، إلى قيام الدولة العلوية التي أسسها محمد بن الشريف الحسني 1638م، إلى مرحلة الاستعمار الفرنسي والإسباني، ثم مرحلة النضال والكفاح ضد قوات كلا الاستعمارين، ثم مرحلة الاستقلال في 2آذار 1956، صولاً إلى العصر الحديث، فإن المغرب ومنذ أن وًجد كان بوتقة تنصهر فيها الحضارات القديمة والحديثة، خصوصاً الامبراطوريات الفينيقية والرومانية القديمة، ثم مركزاً لالتقاء الحضارات الأفريقية والشرقية والأوروبية.

نحن نحب المغرب لأن الشعب المغربي منذ اعتناقه الدين الإسلامي، تحول إلى مبشر وداعية إلى وحدانية الله والرسالة المحمدية. والمغاربة اضطلعوا بهذا الدور وقاموا به على أكمل وجه، لا حباً في مكسب أو مغنم ولا طمعاً في زعامة، إنما إيماناً راسخاً أن ما يقومون به هو عمل شريف ورسالة نبيلة وعبادة لخدمة الدين وصونه وانتشاره وحمايته. ولذلك شهد المغرب نهضة دينية وعلمية أسهمت في إثراء الحركة العلمية بمطبوعات ومؤلفات لها وزنها العلمي في الميدان الديني والعلمي والثقافي. وكانت جامعة القرويين مقصداً لكل من يرغب في الحصول على العلم والمعرفة من ينابيعها.

ولأن الإسلام لم يكن ليصل ويستقر في بلدان غرب أفريقيا إلا عبر المغاربة أبناء الشمال الأفريقي عموماً والمغرب الأقصى على وجه الخصوص. فكما حمل طارق بن زياد مشعل الإسلام من يد عقبة بن نافع ووصل به إلى الضفة الأخرى من المتوسط. كذلك قام مغاربة شجعان بالتوغل في أدغال الصحراء وما وراءها إلى أن وصلوا أرض السودان الغربي.

بالرغم من تعدد المذاهب والقراءات والآراء داخل المنظومة الإسلامية والتي تعكس خصوصيات المناطق المختلفة، إلا أن هناك مبادئ وقيم مشتركة وعقائد عامة لكل المسلمين، ولكن لا شك أن الإسلام قد تأثر بالبيئة وخصوصيات الدول والمناطق التي دخلها.

لقد اختار المغاربة منذ أربعة عشر قرناً المذهب المالكي ﻤﺫﻫباً رسمياً للدولة المغربية، ﻤﻨﺫ عهد الأدارسة ل وترسيخ هذا المذهب في عهد المرابطين. ورغم معرفتهم ببقية المذاهب الأخرى، إلا أنهم استقروا على المذهب المالكي كونه يتسم بالمرونة في معالجة كثير من القضايا الشائكة والمستعصية، والسماحة والتيسير في أحكامه، والوسطية والاعتدال.

ولا زال التدين المغربي أو الإسلام في المغرب، الأكثر اعتدالا وتسامحا من غيره، قائم على الوسطية والتوازن، ورفض كافة أشكال التشدد والتطرف والعدوانية، وهو ما يعود إلى عدة عوامل من قبيل الموقع الجغرافي للمغرب وتراكماته التاريخية ولتنوعه العرقي.

وفي خطاب العرش العام 2003 ذكر جلالة الملك محمد السادس أن المغاربة "منذ أربعة عشر قرنا، ارتضى المغاربة الاسلام دينا لهم، لقيامهم على الوسطية والتسامح وتكريم الانسان والتعايش مع الغير، ونبذ العدوان والتطرف والزعامة باسم الدين".

لأن المغرب مرتبط بفلسطين وملتصق بالقدس الشريف بعمق وجداني منذ التاريخ القديم للعصر الحديث، فقد قام جلالة الملك الراحل محمد الخامس رحمه الله وأحسن مثواه الذي بزيارة مدينة القدس الشريف وصلى بالمسجد الأقصى. وتعمقت أواصر العلاقات الفلسطينية المغربية في عهد جلالة الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه الذي كان له دوراً محورياً في دعم القضية الفلسطينية وقضية القدس الشريف، وترأس لجنة القدس التي يرأسها حالياً جلالة الملك محمد السادس نصره الله ورعاه الذي وضع مدينة القدس الشريف والحفاظ عليها، وكذلك دعم القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني في مقدمة أولوياته.

لأن المملكة المغربية تتمتع بمصداقية وحضور قوي سياسياً واقتصادياً وثقافياً ودبلوماسياً ودينياً لدى الدول والشعوب العربية، وداخل القارة الأفريقية، خاصة مع دول غرب ووسط أفريقيا. والمملكة تراهن وتعي دورها الاستراتيجي في مد جسور التواصل مع بقية الدول الأفريقية، وتسعى لإقامة شراكات مع عمقها الأفريقي تحت شعار رابح- رابح، من خلال المشاريع التنموية الكبرى، وبرامج التنمية البشرية. فقد أصبح المغرب ثالث أكبر شريك ومستثمر في أفريقيا بعد الصين والإمارات العربية المتحدة.

لأن المملكة المغربية واحدة من أهم الدول العربية الأفريقية، وكأرض خصبة للخبرات والكفاءات والمواهب التي تسعى دول العالم إلى استيرادها وتوظيفها.

لأن المغرب من أكثر الدول أمنا وأماناً واستقراراً وتصالحاً وتسامحاً وتعايشاً بين مختلف مكوناته الاجتماعية والعرقية والثقافية، ومع الآخر.

لأن الشعب المغربي أكثر الشعوب قاطبة التي تشعر معه أنك في بلدك مهما كانت جنسيتك. فهو شعب ودود وكريم ومضياف ويغمرك بالمحبة ولطف المشاعر ودفئها. في المغرب أنت دوماً مرحب بك، فالكرم والضيافة هما أسلوب حياة عند المغاربة. شعب عريق مثقف ومطلع ومتعاون ومبدع.

لأن المغرب ورغم إمكانياته المحدودة فإنه يمد يد المساعدة للآخرين وللشعوب الأخرى عبر قنوات إنسانية متعددة، لعل واحدة من أبرزها هي الوكالة المغربية للتعاون الدولي، التي توفر آلاف المنح الدراسية سنوياً لطلبة من دول مختلفة نصفهم من القارة الأفريقية.

لأن المغرب بات من بلدان المقصد على نحو متزايد للاجئين والمهاجرين، فقد تحول من بلد مصدر للهجرة، إلى بلد يستقبل أيضاً لاجئين من 38 جنسية بلغ عدد المسجلين منهم في العام 2019 حسب أرقام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 8700 لاجئ، نصفهم من اللاجئين السوريين الهاربين من ويلات الحرب في وطنهم. إضافة إلى الآلاف من المهاجرين من بلدان عدة.

لأن المغرب العظيم أنجب عدد كبير من كبار الفلاسفة والمفكرين والعلماء في العصر الحديث لهم بصمات واضحة في مسيرة الفكر الإنساني أهمهم المفكر محمد عابد الجابري، عبد الله العروي، عبد الإله بلقيز، علي أومليل، المهدي المنجرة، طه عبد الرحمن، بنسالم حميش، رجاء ناجي مكاوي، محمد عزيز لحبابي، محمد بنسعيد العلوي، محمد وقيدي والعشرات سواهم.

وعدداً من الباحثين والأكاديميين والأدباء وشعراء والفقهاء وقادة ورجال دولة ورياضيين واقتصاديين وقانونيين ومؤرخون ولغويون وسواهم الكثير من المبدعين الذين لا يتسع الحيز هنا لذكرهم جميعاً. لكن لا يمكنني الحديث عن الأكاديميين والباحثين وأساتذة التعليم العالي في المغرب دون أن أذكر فضل أستاذي الكبير الدكتور محمد الداهي رئيس تكوين فنون وآداب متوسطية في مختبر الدكتوراه التابع لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس بالرباط.

لأن هناك علماء مغاربة أدهشوا العالم بإنجازات واكتشافات كان لها وقع كبير في مجالات بحثهم واشتغالهم. ومن أبرزهم الدكتور الفيزيائي رشيد اليزمي، وعالمة الفيزياء النووية الدكتورة كوثر حافظي، عالم الفضاء ومهندس الاتصالات كمال الودغيري، الدكتورة رجاء الشرقاوي عالمة الفيزياء النووية، عالم الأحياء الدكتور عدنان الرمال، عالمة الفلك المغربية مريم شديد وغيرهم.

لأنه يمكنك السفر وزيارة المغرب في كافة الفصول، في الربيع حيث الشمس تتألق في معظم أيام العام. في الربيع يستمتع الزائر للمغرب بدرجات حرارة ما بين 23 و26 درجة في مدينتي مراكش وأغادير. وفي الصيف بهجة السفر المنعش نحو سفوح إفران على ارتفاع 1650 متراً فوق سطح البحر. وفي فصل الشتاء المناخ معتدل على مدار العام وعلى طول الشواطئ الخلابة ة على ضفاف البحر المتوسط والمحيط. في فصل الشتاء بالمملكة المغربية يمكنك أن تستمتع بالتزلج على الجليد في مدينة إفران، وبنفس الوقت يمكنك الذهاب والسباحة في بحر أغادير. أما في الخريف فالليالي طوية وتنخفض فيه درجات الحرارة في المدن الداخلية عما هي خلال الصيف وبذلك يمكنكم التجول في المناطق الداخلية والاستمتاع بالثراء والتنوع الجغرافي والثقافي والبيئي.

لأن الطعام المغربي لذيذ وشهي وصحي ومتنوع، والحلوى المغربية الشهية والمعجنات التي غالباً ما يصاحبها الشاي المغربي بالنعناع وتقدم في المناسبات الخاصة وعند استقبال الضيوف. المطبخ المغربي يستحوذ على ترتيب الصدارة عربياً وأفريقياً، ويحتل المرتبة الثانية عالمياً بعد المطبخ الفرنسي. حيث ينتج المغرب مجموعة كبيرة من الفواكه والخضراوات المتوسطية وحتى بعض الاستوائية. وينتج أيضا كميات كبيرة من الأغنام والدواجن والماشية والأسماك التي تشكل قاعدة المطبخ، إضافة إلى استخدام مجموعة واسعة من التوابل.

لأن طارق بن زياد أشهر القادة العسكريين في التاريخ الإسلامي كان مغربياً. فهو الذي دخل الأندلس أول مرة، ونسبة إلى اسمه سُمي "جبل طارق" الشهير. وهو من أكثر الشخصيَّات الوطنيَّة إجلالًا في المغرب العربي، عند العرب والأمازيغ على حدٍ سواء.

لأن ابن رشد، واسمه أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي، الذي كان واحدًا من أشهر الفلاسفة الأندلسيين في العصور الوسطى هو مغربي ولد في مدينة قرطبة الأندلسية في 14 نيسان/ أبريل 1126 وتوفي بمدينة مراكش المغربية في 10 كانون أول/ ديسمبر 1198.  ويُعتبر ابن رشد ظاهرة علمية متعددة التخصصات حيث كان طبيباً وفقيهاً وفيلسوفاً وفيزيائياً وفلكياً. ترجم فلسفة أرسطو وأفلاطون. وعلى عكس الرأي العام السائد حينذاك، اعتبر ابن رشد أن الفلسفة والدين كلاهما أدوات تمكن الإنسان من البحث ومعرفة السبيل للخلاص البشري.  وقام برد الاعتبار للفلسفة بعد أن أصابها الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة، ووضع هذا الجهد في كتابه تهافت التهافت.

ولأن العالم والمُخترع والفيلسوف والشاعر أبو القاسم عباس بن فرناس كان مغربياً أندلسياً، ولد في مدينة رندة عام 810م ونشأ وتوفي في مدينة قرطبة الأندلسية عام 887م واشتهر بمحاولته الطيران، كما برع في الفلسفة والكيمياء والفلك.

لأن مسلمة المجريطي، واسمه أبو القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي وقيل سلمة بن أحمد، أحد أهم علماء الرياضيات والكيمياء والفلك في الأندلس كان مغربياً. ولد بمدينة مجريط التي تعرف اليوم بمدريد عام 950م وتوفي عام 1007 م، وكان يُلقب بإمام الرياضيين في الأندلس. كان أول من أجرى التجارب على أكسيد الزئبق الثاني، وأول من أشار إلى قانون بقاء المادة.

ولأن أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي، الذي كان واحداً من أهم وأعظم الجراحين الذين ظهروا في العالم الإسلامي كان مغربياً أندلسياً ولد في مدينة الزهراء عام 936م وعاش وتوفي في مدينة قرطبة عام 1013م. اخترع العديد من أدوات الجراحة، وكان أول من ابتكر واستخدم خيوط الجراحة الداخلية، وابتكر ملاقط الجراحة، وله إسهامات مهمة في جراحة الفك والأسنان. ويُعتبر الزهراوي طبيباً شاملاً ومن أكثر الأطباء إجادة للطب. له العديد المؤلفات التي ظلت مرجعاً علمياً أساسياً لدراسة الطب في القارة الأوروبية لغاية القرن السابع عشر.

لأن ابن حزم واسمه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، الفيلسوف والفقيه والمؤرخ الأندلسي كان مغربياً. ولد في مدينة قرطبة عام 994 م وتوفي في مدينة نبيلا عام 1064 م. وهو أكبر علماء الإسلام تصنيفاً وتأليفاً بعد الطبري. كان ابن حزم ينادي بالتمسك بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة ورفض ما عدا ذلك في دين الله، ويعتبره الكثير من الباحثين أنه كان صاحب مشروع لإعادة تأسيس الفكر الإسلامي من فقه وأصول وفلسفة.

ولأن أبو عبيد البكري، واسمه أبو عبيد عبد الله بن أبي مصعب عبد العزيز بن عمر البكري، الجغرافي والموسوعي والأديب الأندلسي الذي ولد في مدينة ولبة قرب اشبيليا عام 1030 م وتوفي في مدينة قرطبة عام 1094 م كان مغربياً. وهو أكبر جغرافي أنجبته الأندلس التي كان ملوكها يتهادون كتبه.

لأن ابن الزرقالي واسمه أبو أسحاق إبراهيم بن يحيى التّجيبيّ النقّاش، الفلكي الأندلسي وأعظم راصدي الفلك في عصره كان مغربياً أندلسياً، ولد في مدينة طليطلة عام 1029 م وتوفي في مدينة اشبيليا عام 1087 م. ألهمت أعماله جيلًا من الفلكيين الإسلاميين في الأندلس، وانتشر تأثير هذه الأعمال إلى أوروبا بعد أن تُرجمت إلى العديد من اللغات الأوروبية، كما سُميت حفرة القمر أرزاشيل تيمنًا باسمه وتقديرًا له. استمدّ الزرقالي شهرته الواسعة من أعماله البارزة في مجال الفلك والجغرافيا، فهو أول من قاس طول البحر الأبيض المتوسط قياسًا دقيقًا. كما كان أوّل من حسب مسار ميل أوج الشمس بالنسبةِ للنجوم الثابتة. واخترع أنوعًا جديدًا من الأسطرلابات المعروف بالصفيحة الزرقالية والتي يشار اليه بعلم الفلك بأسطرلاب الزرقالي، وألّف جداولاً للكواكب تعرف بالجداول الطليطليّة.

ولأن الشريف الإدريسي، واسمه أبو عبد الله محمد بن محمد الإدريسي الهاشمي القرشي، مؤسس علم الجغرافيا كان مغربياً ولد في مدينة سبتة المغربية عام 1099 م وتوفي فيها عام 1165 م. استخدمت مصوراته وخرائطه في سائر كشوف عصر النهضة. قام بتحديد اتجاهات الأنهار والبحيرات والمرتفعات وحدود الدول. وبالإضافة إلى شهرته كعالم جغرافيا فقد كتب الشريف الإدريسي في التاريخ والأدب والشعر والفلسفة وعلم النبات.

لأن الفيلسوف والطبيب الألمعي الأندلسي الاشبيلي ابن زهر أبو مروان عبد الملك بن زهر، الذي ولد في اشبيليا عام 1094 م وتوفي فيها عام 1162 م كان مغربياً. وقد كان أستاذاً للفيلسوف ابن رشد. كان لأعماله الأثر الكبير والهام في تطور الطب الغربي لقرون عدة.  وهو مـن نوابغ الطب والأدب في الأندلس. ومن أعظم علماء الطفيليات.

ولأن ابن البيطار ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد، من أعظم علماء الصيدلة والنباتات الذين ظهروا في القرون الوسطى كان مغربياً أندلسياً. ولد في مدينة ملقا عام 1197 م وتوفي في مدينة دمشق عام 1248 م. تلقى علومه في اشبيليا، وترك مؤلفات عديدة مهمة أشهرها الموسوعة النباتية التي تضمنت وصف لأكثر من 1400 عقار منها 300 من صنعه. أثرى المعجم الطبي العربي الذي أصبح فيما بعد مرجعاً للطب الغربي.

لأن أبو العباس الاشبيلي واسمة أبي العباس شهاب الدين أحمد بن فرح الإشبيلي والمشهور بابن فرح، الفقيه والعالم الذي ولد في مدينة اشبيليا عام 1227 م وتوفي في مدينة دمشق عام 1300 م كان مغربياً أندلسياً. كان أستاذاً لابن البيطار. عالم مشهور بعلوم الحديث والفقه والنباتات وعلم العقاقير حتى صار المرجع في هذا المجال للعلماء في عهده، ودفعه شغف العلم والمعرفة إلى الأسفار والاتصال بشيوخه، وميله إلى تحري منابت الأعشاب وجمع أنواع النبات، إلى أن وصل مدينة دمشق التي توفي فيها.

ولأن الحسن المراكشي واسمه أبو علي الحسن بن علي بن عمر المراكشي عالم الفلك والرياضيات والجغرافيا كان مغربياً، ولد في القرن الثاني عشر ميلادي بمدينة مراكش التي توفي فيها عام 1262 م. اشتهر بصناعة الساعات الشمسية، وكان أشهر الموقتين في عصره. وضع خريطة جديدة للمغرب العربي، وصحح ما ورد من أخطاء بعض الجغرافيين القدامى، ولاسيما الخريطة التي رسمها بطليموس. وهو أول من وضع خطوط الطول ودوائر العرض على خريطة الكرة الأرضية.

لأن ابن زيدون واسمه أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون المخزومي، الشاعر والوزير الأندلسي الشهير كان مغربياً. ولد في مدينة قرطبة عام 1003 م وتوفي في مدينة اشبيليا عام 1071 م. من أبرز شعراء الأندلس المبدعين وأجملهم شعرًا وأدقهم وصفًا وأصفاهم خيالا، كما تميزت كتاباته النثرية بالجودة والبلاغة، وتعد رسائله من عيون الأدب العربي. وكان من الصفوة المرموقة في قرطبة. كان والده من فقهاء قرطبة.

لأن ابن الفرضي أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف، الذي ولد في مدينة قرطبة عام 962 م وتوفي فيها عام 1012 م كان مغربياً أندلسياً. المؤرخ والجغرافي والحافظ والأديب. من مصنفاته تاريخ علماء الأندلس، والمؤتلف والمختلف في الحديث، والمتشابه في أسماء رواة الحديث وكناهم، وأخبار شعراء الأندلس.

ولأن الطبيب والفيلسوف والشاعر الأندلسي أبو عبد الله محمد بن الحسن بن الحسين القرطبي المعروف بابن الكتاني كان مغربياً. ولد في مدينة قرطبة عام 951 م وتوفي فيها عام 1029 م. كان باحثًاً إسلامياً معروفًا وفيلسوفًا وطبيبًا ومنجمًا ورسامًا وشاعرًا. وكتب كتبًا عن المنطق والاستدلال والاستنتاج.

ولأن ابن مسرة واسمه أبو عبد الله محمد بن مسرّة الجبلي، المفكر والمتصوف والفيلسوف الأندلسي كان مغربياً. ولد في مدينة قرطبة عام 883 م وتوفي فيها عام 931 م. وبالرغم من الطعن في أفكاره واتُهم أنه يقوم بتلقين تلاميذه بدعة الاعتزال، كما قيل إنه ينشر آراءً وأفكاراً إلحادية، إلا أنه كان فيلسوفاً زاهداً وصاحب طريقة صوفية. بل يُعتبر أول شخصية صوفية محورية في تاريخ التصوف الأندلسي.

ولأن ابن طفيل وهو أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد، الفيلسوف والطبيب وعالم الفلك والرياضيات والأديب الأندلسي كان مغربياً. كان رجل دولة ومن أشهر المفكرين العرب. ولد بالقرب من مدينة غرناطة عام 1105 م وتوفي في مدينة مراكش عام 1185 م. تولى مناصب وزارية وكان معاصراً للفيلسوف ابن رشد. من أشهر أعماله قصة "حي بن يقظان" عمل فلسفي حاول عبره ابن طفيل التوفيق بين الدين والفلسفة، حظي هذا العمل باهتمام الغرب منذ القرن السابع عشر وتمت ترجمة القصة إلى لغات عديدة.

ولأن ابن باجة أبو بكر محمد بن يحيى بن الصائغ، الذي ولد في مدينة سرقسطة عام 1085 م وتوفي في مدينة فاس المغربية عام 1138، كان مغربياً ومن أبرز الفلاسفة المسلمين، اهتم بالطب والرياضيات والفلك والأدب والموسيقى، كان وزيراً وقاضياً في الدولة المرابطية. وكان ضليعاً بالفلسفة، حيث قاد ابن باجة مشروع العودة بالفلسفة إلى أصولها الأرسطية مبتعداً عن الأفلاطونية المحدثة. ومن أشهر تلاميذه ابن رشد.

 ولأن الإمام القرطبي واسمه محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح كنيته أبو عبد الله، كان مغربياً أندلسياً. ولد في مدينة قرطبة عام 1214 م وتوفي في مصر عام 1273 م. ويعتبر من كبار المفسرين وكان فقيهًا ومحدثًا ورعًا وزاهدًا متعبدًا، متواضعاً جريئاً في قول كلمته. صاحب أمانة علمية واجتهاد كثير المطالعة.

لأن أبو حيان الغرناطي وهو العلامة محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان كان مغربياً أندلسياً. ولد في غرناطة عام 1256 م وتوفي في مدينة القاهرة عام 1344 م. وكان أبو حيان أمة وحده، جامعاً للمعارف الإسلامية، ملماً باللغات الشرقية. شهر أعمال أبي حيان وأعظمها هو تفسيره الضخم البحر المحيط الذي يُعد قمة التفاسير التي عُنيت بالنحو، وليس له مثيل.

ولأن ابن الخطيب، الشاعر والأديب والمؤرخ الأندلسي كان مغربياً. ولد في مدينة لوجا عام 1313 م وتوفي في مدينة فاس المغربية عام 1374 م. واسمه محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد بن علي بن أحمد السّلماني الخطيب الشهير لسان الدين. كان علامة أندلسياً، شاعراً وفقيها ومؤرخاً وفيلسوفاً وطبيباً ورجل دولة. ترك حوالي 60 مؤلف بين مطبوع ومخطوط في الأدب والتاريخ والجغرافيا.

وجب الذكر

أنه لأسباب وعوامل دينية واقتصادية وسياسية فقد تحولت مراكز الإشعاع الحضاري العربي- الإسلامي تاريخياً من المدينة المنورة إلى دمشق ثم إلى بغداد ثم إلى الأندلس ثم إلى إسطنبول ثم إلى القاهرة ودمشق وبغداد. وفي العصر الحديث يمكننا بثقة القول إن هذه المراكز الإشعاعية الحضارية موجودة اليوم في دول المغرب العربي وخاصة في المملكة المغربية التي تشهد فيها الحركة الفكرية نمواً وتطوراً ملحوظاً، وتصاعداً في الإنتاج الفكري والإبداعي، في مناخات تشجع على ازدهار الفكر وتنشيط حركة الترجمة.

المغرب الذي يحتضن أول جامعة في التاريخ، ويضم نخبة من أبرز المفكرين والفلاسفة، ويقع في أهم بقعة جغرافية بالقارة الأفريقية، ويستقطب الملايين من السائحين سنوياً يفدون للتمتع بالمناخات الرائعة والمناظر الطبيعية الخلابة، وفيه شعب عريق عظيم، أنعم الله على هذا البلد بالأمن والأمان والقيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله.

لهذا ولغيره الكثير، نحن نحب المغرب.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك

 

عبدالاله فرح

جاء الأستاذ الباحث ابراهيم حمداوي من الجنوب الشرقي محاولا فهم المشاكل الاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي. حيث قرر أن يشق لنفسه مسارا علميا مليئا بالتحديات والصعوبات، خصوصا عندما قرر الاشتغال على ظاهرة الجريمة التي تعتبر من أعقد القضايا السوسيولوجية. فقد أنجز في سنة 2009 أطروحة الدكتوراه في علم الاجتماع حول موضوع: "التغير الاجتماعي والجريمة في المغرب: دراسة استكشافية في أسباب الجريمة والانحراف" تحت إشراف الأستاذ بوزيان بوشنفاتي. وأصبح حينها واحدا من الباحثين القلة الذين يهتمون بدراسة الظواهر الاجتماعية التي ترتبط بالجريمة والعنف بالمجتمع المغربي.

فمن هو الباحث إبراهيم حمداوي؟

هو أستاذ باحث في علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، ومنسق ماستر سوسيولوجيا التنمية المحلية بنفس الجامعة. ومن أهم الباحثين المختصين في قضايا الجريمة والتغير الاجتماعي. له العديد من الأبحاث والدراسات المنشورة في الكتب والمجلات المحكمة. كما للباحث مجموعة من المشاركات العلمية داخل وخارج المغرب، واسهامات حوارية في البرامج التلفزية.

يعتبر إبراهيم حمداوي أنه لفهم ظاهرة الاجتماعية لا بد من العودة إلى المقاربة التاريخية، ذلك أن المجتمعات على الرغم من تقدمها وتغيرها، فإنها لها تاريخ وماضي يحكمها. وفي نظره، ليس هناك مجتمع لا يخلوا من الجريمة، فالأفراد يمارسون مجموعة من الانتهاكات والخروقات إما بطريقة قصدية أو غير قصدية. وهذه الانتهاكات والخروقات لا تتوقف فقط على عامل أو سبب واحد وإنما على عدة عوامل وأسباب، فالجريمة تعبر عن الخلل الوظيفي في المجتمع، وهذا الخلل نابع أساسا من اختلال النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمجالية التي يعرفها المجتمع المغربي.

ويرى الأستاذ الباحث حمداوي أن اختلال النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمجالية، يؤدي إلى تعميق المشاكل الاجتماعية ويجعل من الأفراد يحسون بالضغط الاجتماعي، وهو ما قد يؤدي بهم في كثير من الأحيان إلى ارتكاب الجريمة. ما يعني أن كل شخص قابل أو معرض في أي وقت أن يمارس الجرم ضد المجتمع إما عن وعي أو بدون وعي.

وتكمن أطروحة حمداوي، أن الجريمة تتغير بفعل عوامل كثيرة وأن المجال الحضري يساهم في انبثاق العنف بسبب طغيان المجهولية بين أفراده، وأن ذلك يساعد في زيادة ارتكاب الأفراد للفعل الإجرامي وإلى احتكار وسائل العنف على الرغم من تعارض ذلك مع القيم والمعايير الاجتماعية والضوابط القانونية. فالجريمة تعني ذلك الفعل الذي يعتقد المجتمع أنه يشكل ضررا على مصلحته الاجتماعية، أي أنه عبارة عن ممارسة شاذة تتميز بالانحراف عن القيم الأخلاقية والمعايير الاجتماعية والضوابط القانونية.

ويلاحظ في أعمال ابراهيم حمداوي أنه دائما ما يدقق في المفاهيم، متنقلا بين الأدبيات العلمية ومنفتحا على العلوم الاجتماعية مثل علم النفس والتاريخ والقانون، لكي يقدم لنا في الأخير مقاربته الإجرائية حول المفاهيم التي يستخدمها. ومنتقدا في أعماله الأبحاث الكسولة التي تقوم على فكرة إسقاط المفاهيم والمقاربات النظرية على المجتمع المغربي دون فحصها وتمحيصها ونقدها.

أما الدرس السوسيولوجي عند الباحث ابراهيم حمداوي، فإنه يتميز بالمرح والمغامرة، فتدريسه قائم أساسا على معارضته للتلقين السلبي الذي يشعر الطلبة بالملل والكسل والنفور من المادة المعرفية. ولهذا، يجعل من درسه السوسيولوجي مغامرة فكرية، ويدفع الطلبة على استخدام خيالهم حتى يعيشوا الأحداث والوقائع التي ساهمت في بناء المعرفة العلمية، خصوصا ما يرتبط بمأسسة علم الاجتماع، إلى جانب حديثه عن أهمية هذا التخصص المعرفي في بلورة المشاريع التنموية. ذلك أن دور العلوم الاجتماعية هو المساهمة في الارتقاء الاجتماعي وتحقيق إنسانية الإنسان كما يعبر ذلك الأستاذ حمداوي.

كما أن حمداوي يجعل من درسه بعيدا عن الحس المشترك وكل ما يرتبط باليقينيات. بالإضافة إلى أنه كثيرا ما يشجع الطلبة في درسه على ممارسة النقد للأفكار التي تطفوا إلى السطح، حتى وإن ظهرت للعين البيولوجية بأنها عادية، معتبرا بأن من مهام السوسيولوجيا ممارسة النقد، والبحث عن الحقيقة، وليس الارتكان أو الوقوف على الأفكار الجاهزة. فالحقيقة تبقى نسبية وغير ثابتة.

إن الأستاذ حمداوي في نظر طلبته، هو تعبير عن خصال مثل الطيبة والتواضع والصبر والإلتزام. وهو صديق الكل قبل كل شيء، فمحبة حمداوي من طرف طلبته تتجاوز جدران الجامعة بسبب نبل أخلاقه وتواضعه. وهذا الرجل الذي لا تفارقه الابتسامة في كل زمان ومكان، لا يستطيع أحد أن ينكر فضله على العديد من طلبة العلم، لأنه واحد من الأساتذة الذين يقومون بتشجيع الطلبة الباحثين على ممارسة حرفة القلم والورق. ويتمثل تشجيعه للطلبة الباحثين من خلال إشرافه على مجموعة من الأعمال الجماعية التي يعمل دائما على إصدارها، وذلك قصد الاحتفاء بهم (الطلبة الباحثين)، ودفعهم نحو التميز. فهو مثال على الرجل العالم الملتزم بأحقية الآخرين في ممارسة الشغب الفكري.

هذا هو الأستاذ الباحث ابراهيم حمداوي. إنه الرجل الذي يتصف بسعة الصدر على الرغم من النزاعات والاختلافات التي تميز الحقل الأكاديمي، وهي صفة قلما تتوفر في الرجل الأكاديمي هذه الأيام. ومن يعرف الأستاذ حمداوي عن قرب يدرك أن هذا الرجل كثيرا ما ينتصر للطلبة في درسه الأخلاقي والمعرفي، فهو يجعل من الممارسة السوسيولوجية تتميز بالحرية والإبداع، ودائما ما يعطي الحرية للطلبة في اختيار ما يقتنعون به على مستوى الدرس والبحث السوسيولوجي. وكثيرا ما يدافع عن حق الطلبة في الولوج إلى المعرفة السوسيولوجية.

إن الملاحظ سوف يجد ابراهيم حمداوي أكثر قربا من الطلبة، وأكثر عطاء وكرما عندما يحتاجون إليه. فهو ليس أستاذا فقط، بل هو رفيق وصديق في نظر طلبته وزملائه من الأساتذة.

وفي الأخير، يمكن إدراج مجموعة من الأعمال المميزة التي أنجزها الأستاذ الباحث إبراهيم حمداوي وهي كالتالي:

* من بين مؤلفاته:

- الجريمة بالمجتمع المغربي: دراسة سوسيولوجية.

- مدخل إلى سوسيولوجيا الجريمة: مفاهيم و نظريات.

* من بين مقالاته ضمن الكتب الجماعية والمجلات العلمية نجد:

ـ ماذا عن تربية الأطفال أمام تحولات النسق التربوي في الأسرة المغاربية : من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية.

ـ التغير الاجتماعي وظاهرة الجريمة بالمغرب.

ـ التحولات الاجتماعية والثقافية بالمجتمع الصحراوي.

ـ في حاجة العلوم الاجتماعية إلى علم المقاصد من أجل السعادة والاستقرار الاجتماعي.

ـ الهجرة غير الشرعية : الأبعاد الإنسانية والأمنية.

ـ نحو مأسسة الكتابة على الجدران: قراءة في كتاب "الكتابة على الجدران المدرسية" للأستاذ أحمد شراك.

ـ خصائص الحياة الحضرية وعلاقتها بالجريمة.

ـ خصوصية وضعية جنوح الأحداث بالمغرب.

 

بقلم عبد الإله فرح

 

محمد فتحي عبدالعالعصر الخديو: لا يمر الحديث عن نهضة مصر إلا وقرين بها ذكر الخديو إسماعيل ولكن هل كانت هذه النهضة حقيقية؟ ..

من هو الخديو إسماعيل؟.

هو إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي باشا الكبير. ولد بحي الجمالية وتحديدا في قصر المسافرخانة وهو الابن الأوسط لإبراهيم باشا والأخ غير الشقيق للاميرين أحمد رفعت ومصطفى فاضل من والده غير والدتيهما. كانت نشأة إسماعيل أوروبية فقد شاء القدر ان يصاب برمد صديدي يدفع أبيه إلى إرساله في رحلة علاجية وتعليمية أيضا إلى فينا ومنها لباريس عاصمة الحضارة والعلوم ومن هنا نشأت ميوله الباريسية التي رافقته طيلة حياته فأتقن اللغة الفرنسية بشكل كامل  وصار حلمه أن يحول القاهرة إلى باريس جديدة.. وعاد في حياة ابيه ابراهيم إلى مصر والصورة الباريسية الفخمة لا تفارقه وبوفاة ابيه انتقل الحكم إلى عباس الأول ونظرا لإنغلاق عباس وكراهيته لمظاهر الحضارة والتعليم وولعه بإنشاء القصور في الصحاري وقد تسمت العباسية الحي الشهير بمصر باسمه وكانت انتشار الجاسوسية في عهده بشكل صارخ فكان لا يأمن أحدا على عاقبة ما يسره في نفسه أو ينطقه بلسانه فقد كان الجزاء هو النفي إلى السودان حيث الموت المحقق لاستيطان الامراض بها فكان من الطبيعي أن تكون الفجوة بين عباس واسماعيل... بمقتل عباس في قصره ببنها بيدي خدمه آل الحكم إلى سعيد باشا والذي كان إصلاحيا كبيرا فتعود إليه اللائحة السعيدية والتي منحت الفلاح المصري لأول مرة في تاريخه حق تملك الأراضي الزراعية وحرية التصرف في حاصلاته الزراعية بالبيع كيفما يشاء وليس حصرا على الدولة كما كان بالسابق وسداد الضريبة نقدا. كما وضعت لائحة المعاشات للموظفين المتقاعدين... وفي إحدى خطب سعيد يقول :(أيها الأخوان إني نظرت في أحوال هذا الشعب المصري من حيث التاريخ فوجدته مظلوما مستعبدا لغيره من أمم الأرض وحيث أني اعتبر نفسي مصريا فوجب على أن أربي أبناء هذا الشعب وأهذبه تهذيبا حتى أجعله صالحا لأن يخدم بلاده خدمة صحيحة نافعة ويستغني بنفسه عن الأجانب وقد وطدت نفسي على إبراز هذا الرأي من الفكر إلى العمل).

ولانه ليس بالنوايا الحسنة تبني الأوطان فوقع سعيد في شراك الإستدانة من الخارج كما منح امتياز حفر قناة السويس إلى صديقه الفرنسي المسيو دلسبس وهو الذي حول موقع مصر ليكون هدفا للهجمات الاستعمارية فضلا عن ارباكه لمالية مصر .... وقد تحمس سعيد للمشروع على الرغم من معارضة الباب العالى بإيعاز من اللورد بالمرستون وزير خارجية بريطانيا آنذاك والذي خشي من تفشي النفوذ الفرنسي في مصر...

قصة أول قرض:

كانت ثقة سعيد باشا بالأجانب كبيرة إلى حد منح برافاي وكان فرنسيا جاهلا كل ثقافته مجموعه من النكات والفكهات يلقيها على مسامع سعيد فحصل على امتياز مناجم البحر الأحمر وقد تمكن بفضل نفوذه لدى سعيد من تكوين ثروة كبيرة أوصلته لقبة البرلمان في فرنسا. وكان يكفي لاي مخادع أجنبي أن يدعي أن ضررا مادي قد حدث له في الماضي أو الحاضر مشفوعا بمذكرة من قنصل بلاده ليحصل علي ما يشاء من تعويض من خزينة مصر والنتيجة الحتمية هى إفلاس الخزانة لتوقع مصر أول قرض خارجي في تاريخها الحديث مع مصرف أوبنهايم الألماني بمبلغ ٢,٥ مليون جنيه استرليني بفائدة ١١ في المائة وبضمان حصيلة ضريبة أطيان الدلتا بالطبع لم يكن هذا القرض بدافع التنمية إلا إذا اعتبرنا أن شراء أسرة فضية كهربائية لسعيد بمناسبة زفاف ابنه أو استيراد نظارات معظمة من باريس بمبالغ طائلة من قبيل التنمية! ..

حكم الاقدار:

تبعا لنظام الحكم في الأسرة العلوية لم يكن إسماعيل الأحق بالحكم بعد عمه سعيد باشا ولكن حادثا ربما كان قدريا وربما كان بتدبير إسماعيل نفسه قد أزاح الأمير أحمد رفعت ولي العهد فقد غرق إثر سقوط عربة كانت  تقله عند كفر الزيات في طريق العودة من حفلة أقامها سعيد واعتذر عنها إسماعيل أثر وعكة صحية!!.... وبوفاة أحمد رفعت أصبح إسماعيل ولي العهد رسميا... ثم بوفاة سعيد صار واليا لمصر.

العلاقات مع الباب العالى :بدأ إسماعيل عهده بزيارة للباب العالى للقاء السلطان عبد العزيز لتقديم فروض الولاء والطاعة وكان يبذل المال الكثير في سبيل كسب ود السلطان وحاشيته ورد السلطان عبد العزيز الزيارة بأخرى لمصر عام ١٨٦٣ لمدة عشرة أيام لاقي فيها من حفاوة إسماعيل الكثير وقد تسمى شارع عبد العزيز الشهير بمصر بهذا الاسم  تيمنا بهذه الزيارة التي عظمت من شأن إسماعيل....

عرش في المزاد:

سعى إسماعيل إلى تغيير نظام توارث العرش ليكون في أكبر أبنائه بدلا من أكبر أبناء الأسرة العلوية سنا ولقد صادف هذا المأرب هوي في نفس السلطان والذي كان يسعى هو الآخر لتغيير نظام توراث الحكم ليتولى ابنه من بعده.... كان أبرز اسباب إسماعيل في هذا السعي حرمان ابن أخيه الأمير مصطفى فاضل  ولي العهد والامير عبد الحليم عمه من وراثة العرش... وقد أغدق كلا الطرفان على الباب العالى  لكسب وده ففيما أنفق إسماعيل أموال طائلة للحصول على فرمان بجعل الوراثة في أكبر أبنائه أنفق مصطفى فاضل وعبد الحليم أموالا كثيرة في المقابل لاحباط مطامع إسماعيل لتكون الغلبة في النهاية لاموال إسماعيل والتي هي في النهاية أموال مصر ..

ولم تتوقف طموحات إسماعيل عند هذا الحد فقد استغل مشاركة مصر للباب العالى في الحرب على جزيرة كريت في الحصول على حق تعيين سفراء لمصر بالخارج فرفض الباب العالى بشدة خشية استفحال النفوذ المصري مما اغضب إسماعيل وظهرت الفجوة جلية بين الطرفين في دعوة إسماعيل المنفردة لملوك أوروبا إلى حفل افتتاح قناة السويس دون وساطة تركية...

زخرفة مصر!:

كان إسماعيل يريد استئصال مصر من محيطها الافريقي وتحويلها إلى باريس فأنشأ الأوبرا احتفالا بافتتاح قناة السويس وقد صنعت من الخشب  وقد اشترك المعماريان بيترو أفوسكاني وروتسيي في تصميمها وكان اول عرض أوبرالي بها هو معزوفة ريغوليتو لفيردي ثم أوبرا عايدة لفيردي أيضا... كان اختيار مكان الأوبرا  بين الازبكية وميدان التحرير وهي مناطق شعبية مكتظة بالسكان ويتحدث ألفريد جاشوا بتلر في كتابه: الحياة في البلاط الملكي المصري أن الخديو إسماعيل حصل على أرض دار الأوبرا بإضرام النار خلسة في بيوت أهل المنطقة ليرغمهم على قبول ترك منازلهم مقابل تعويض مناسب... ويشاء الله أن يلحق بالاوبرا التي شيدها المصير نفسه بعد ذلك بعقود وتحديدا عام ١٩٧١ حينما شبت فيها النيران.

أنشأ إسماعيل مسرحا بحديقة الازبكية على أن يكون هزليا فقط إلا أن يعقوب صنوع أو موليير مصر لم يرتضي أن يقتصر المسرح على الكوميديا فخرج عن الخط الموضوع له وقدم مسرحية الوطن والحرية والتي سخر فيها من فساد القصر وسلطة الخديو المطلقة كما أنشأ عدد من الصحف المعارضة مثل أبو نضارة وأبو صفارة وأبو زمارة والثرثارة المصرية فضلا عن انشائه جمعيتين ادبيتين هما محفل التقدم ومحفل محبي العلم مما أثار سخط  إسماعيل عليه فنفاه لفرنسا...وهو مايكشف لنا عن ديكورية بناء في عهد إسماعيل الذي لم يحتمل أي معارضة في عهده..

قد يعتبر إنشاء مجلس شورى النواب عام ١٨٦٦ سابقة تاريخية تحسب للخديو غير أنه جاء مفرغا من أية صلاحيات كما أنه لم يمثل الشعب بشكل حقيقي فقد أوكل انتخاب النواب لعمد البلاد ومشايخها  مما أسفر عن انتخاب غالبية نواب المجلس من العمد والأعيان لضمان الولاء التام لسلطة الخديو المطلقة وسط غياب للنخب المتعلمة وممثلي الصناع والتجار مما يجعله مجلس للاعيان أكثر من كونه مجلسا لنواب الشعب ويسوق المسيو جليون دنجلار في رسائله عن مصر الحديثة أن نائبان خالفا رأي الحكومة فطردا بأمر الخديو باعتبارهما خطر على الأمن العام.

لا يمكن إغفال دور الخديو في النهوض بالتعليم النسائي فقد أقام المدارس للنهوض بهذا الغرض الذي سبق به عصره

إفلاس مصر:

ورث اسماعيل الديون عن سلفه وبدلا من أن يعيد دفة الدولة إلى رشادها توسع في الاقتراض ...

كان تولي اسماعيل عام ١٨٦٣ وكانت الحرب الأهلية الأمريكية مشتعلة مما أدى لانخفاض الصادرات من القطن الأمريكي لمصلحة القطن المصري وكانت الفرصة عظيمة أمام إسماعيل  لكن اسماعيل لم يعتمد علي موارده في سد عجز الخزانة بل  عقد قرضا خارجيا بمبلغ ٥,٧ مليون جنيه عام ١٨٦٤ وليبلغ حجم ديون اسماعيل عام ١٨٧٦ واحد وتسعون مليون جنيه مما أوقع المالية المصرية في براثن المراقبة الأوروبية...وكان جل الأموال ينفق في مشاريع البنية التحتية كتشييد القصور الفارهة وتجميل الشوارع والميادين والحفلات دون الالتفات إلى الصناعة ما عدا صناعة السكر والتي شهدت توسعا في عهده.

بلغ الخديو إسماعيل مبلغا كبيرا في الإسراف والتبذير وعدم الإكتراث  جعل من مصر قبلة للطالمحين من المفلسين الأوربيين ليكونوا ثروات لا تخطر على بال فبحسب اللورد كرومر في كتابه مصر الحديثة أن إسماعيل أنفق على إصلاح ميناء الإسكندرية ٢٥٠٠٠٠٠ جنيه عبر شركة جرنفلد الإنجليزية في حين كانت التكلفة الحقيقية ١٤٤٠٠٠٠ جنيه.

وفي الوقت الذي  كانت تبني المدارس في عهده بجمع التبرعات من الأهالي دون مساهمة الدولة ويوجد بكتاب تقويم النيل لأمين باشا سامي جداول تفصيلية لتبرعات العديد من المشايخ والعمد والوجهاء بالجهات المختلفة لصالح انشاء المدارس الأهلية بمناطقهم إلا أنه في المقابل نجد اسرافا لا مثيل له في التاريخ بمناسبة حفل افتتاح قناة السويس وقد قدرت ب ١٤٠٠٠٠٠ جنيه وهو مبلغ مهول بتقديرات هذا الزمان.

وصلت الخزانة المصرية إلى حد الإفلاس عام ١٨٧٥ ورهن إسماعيل موارد الدولة ووصل الأمر إلى حد بيع أسهم مصر في قناة السويس للحكومة البريطانية وفاءا لبعض الديون وتعهد بنك روتشلد بلندن بأداء القيمة للخديو. وقد اعتبرت بريطانيا احتواذها على هذه الأسهم فوزا مؤزرا على الأطماع الفرنسية في مصر... ومع أزمة فرنسا بعد خروجها مهزومة من الحرب السبعينية مع الألمان وجد الخديو أنه بحاجة لتوطيد مركزه المالي المتهاوي عبر الإستعانة بحليف قوي هو بريطانيا كبديل لفرنسا فطلب من بريطانيا إيفاد موظفين لضبط الإيرادات والمصروفات ولكنها أرسلت بدلا من ذلك  لجنة لدراسة حالة الحكومة المصرية المالية وكان في ظنه أن الاحتفاء باللجنة قد يغير من نتيجة تقريرها ويجعله مسوغا لإعادة الثقة في حكومته أمام البيوت المالية الأوربية وأمام بريطانيا فيعاود الأقتراض مجددا ولكن تقرير لجنة (ستيفن كيف عضو مجلس العموم) الإنجليزية كان مخيبا لآماله فقد خرج التقرير بتيجة هي سوء حالة المالية المصرية وضرورة وضعها تحت الرقابة الأوروبية.... خشيت فرنسا من هذا الظهور البريطاني وقررت هي الأخرى إيفاد بعثة أوتريه القنصل الفرنسي السابق في القاهرة ووافق إسماعيل بعد أن تأكد أنه لن يحصل على المال الذي يريده من بعثة (كيف)..

انتهى الأمر بإنشاء صندوق الدين ومهمته أن يكون خزينة فرعية للخزانة العامة تتولى تسلم مبالغ الديون من إيرادات المديريات والكبار والجمارك والسكك الحديدية فضلا عن توحيد الديون لتكون دينا واحدا وقيمته ٩١٠٠٠٠٠٠ جنيه انجليزي تسدد في ٦٥ عاما وفائدة سبعة في المائة... وإنشاء مجلس أعلى للمالية مكونا من عشرة أعضاء نصهم من الأجانب والنصف الثاني من الوطنيين ثم اتخذت إجراءات لاحقة منها فرض الرقابة الثنائية الإنجليزية والفرنسية على المالية المصرية وتشكيل لجنة مختلطة لإدارة السكك الحديدية وميناء الإسكندرية. وتشكيل وزارة مختلطة برئاسة نوبار باشا لها صلاحيات كاملة ومسئوليات مستقلة عن سلطة الخديو وضمت الوزارة وزيرين أوروبيين أحدهما للمالية..

مقتل الخديو الصغير :مع الرقابة الثنائية اضطر الخديو إسماعيل إلى التضحية بوزيره للمالية وأخيه في الرضاعة إسماعيل باشا صديق المفتش أو الخديو الصغير كما أطلق عليه المؤرخون وإقالته ونفيه إلى دنقلة ثم دبر لقتله كان الرجل الذي تولى قتل إسماعيل المفتش خنقا ثم إلقاء جثته في اليم هو إسحاق بيك مقدم العسكر وقد استبسل إسماعيل في التشبث في الحياة فعض أحد أصابع إسحاق بيك حتى فصله عن كف يده فصارت يده مشوهه وقد تم إلحاقه بخدمة الأمير محمود قبيل ابن إسماعيل كما تناقل البعض أن من قام بهذه المهمة هو مصطفى بك فهمي شريك عرابي في ثورته لكن الرواية الأولى هي الأكثر شهرة واتفاقا لدى المؤرخين.. ولقد انقسم الكثيرون حول شخصية المفتش فرأي البعض أنه سببا رئيسيا في الأزمة المالية بكونه أداة لسيده الخديو في العبث بمالية مصر وأن الخديو أراد بقتله إهالة التراب على الماضي وأسراره بينما رأي البعض أن المفتش كان وطنيا ورافضا للرقابة الثنائية بإيعاز من تركيا وأنه كان على وشك الفرار للاستانة مما عجل بقتله خشية فضح أسرار الخديو..

أعظم أخطاء إسماعيل:

تعتبر حرب الحبشة من الأخطاء التي لا تقل ضراوة و فداحة عن الأزمة المالية التي تسبب فيها إسماعيل فقد كبدت الدولة المصرية خسائر فادحة في الأموال والأرواح.. بدأ الصراع برغبة إمبراطور الحبشة يوحنا في بسط نفوذه على البحر الأحمر عبر إنشاء ميناء خاص ببلاده عليه فرأي إسماعيل في ذلك تهديدا لنفوذه فأضمر في نفسه احتلال الحبشة فأرسل حملتين واحدة تلو الأخرى الأولى بقيادة أرندروب بك على جونديت والثانية بقيادة منزنجر باشا ومنى إسماعيل بهزيمة ساحقة في الحملتين وابيد أكثر القوات المصرية المرسلة كما قتل قائدا الحملتين.. قرر إسماعيل الثأر لكرامته للمرة الثالثة فحرك جيشا جرارا بقيادة السردار راتب باشا والجنرال الأمريكي لورنج باشا والامير حسن ابن الخديو لتتكرر المأساة ويهزم الجيش المصري في بلدة قورع وانتهى الأمر بالصلح بين البلدين ولكن نالت الهزيمة من هيبة مصر بشكل كبير.

للشعب رأي أخر:

قامت وزارة نوبار بضغط النفقات عبر إحالة ٢٥٠٠ ضابط إلى الأستيداع فلجأوا إلى التظاهر واعتدوا على نوبار باشا بالضرب فتدخل الخديو لانهاء الأزمة وحل مشكلة الضباط وشكل وزارة برئاسة ابنه توفيق مع منح الوزيرين الأوربيين بها حق الفيتو على أي قرار يصدر من مجلس النظار دون موافقتهما...

ضاق المصريون ذرعا بالتدخل الأجنبي  فاجتمع عدد من ممثلي الشعب في مقدمتهم شريف باشا وقرروا وضع مشروع وطني لسداد الديون عرف باللائحة الوطنية وقدموه للخديو إسماعيل فقبله وزاد عن ذلك بتشكيل وزارة وطنية برئاسة شريف باشا  وكان هذا الانحياز من إسماعيل تجاه الاحرار من شعبه وإن جاء متأخرا للغاية موغرا لصدر بريطانيا وفرنسا وباقي الدول الأوروبية فعزموا على عزل إسماعيل  واستصدروا بالفعل فرمانا من الباب العالى بعزله عام 1879.

حاول إسماعيل استجداء الباب العالى بالعدول عن عزله بالهدايا ولكنها لم تكن من العظمة والثراء الذي يثير لعاب الباب العالى كما في المرات السابقة كما أن اجماعا دوليا انصب على عزل إسماعيل ورحل إسماعيل إلى منفاه بايطاليا ثم انتقل بعد سنوات للاستانه

ديانة إسماعيل: من المباحث الطريفة والتي لا يقترب منها الباحثون هي الديانة الحقيقية للحكام باعتبارها شأنا خاصا بأصحابها لكنها في واقع الأمر قد ترصد نفاقا داخليا في نفوس أصحابها وحقيقة نظرتهم لشعوبهم والتي تحمل أحيانا قدرا كبيرا من الاستخفاف  ففي كتاب ألفريد جاشوا بتلر: الحياة في البلاط الملكي المصري وكان من خاصة الخديو توفيق ينقل نصيحة قصة مفاداها أن إسماعيل كان غاضبا من ابنه توفيق لميوله الدينية الإسلامية معترفا بكونه مسيحيا قائلا :( أنا لست مسلما بل إني مسيحي كما نصحه: عندما تتولى العرش تظاهر بأنك مسلم جيد فسيحبك الشعب من أجل ذلك. هذه سياسة جيدة!!)

توسلات الخديو:

داهم إسماعيل في منفاه مرض الاستسقاء وكان الأمل في شفائه ضعيفا فبذل مساعي حثيثة لدى حفيده خديو مصر عباس حلمي الثاني في سبيل عودته لمصر لقضاء أيامه الأخيرة بها لكن رغبة إنجلترا دولة الاحتلال والباب العالى في عدم عودته ذهبت بمساعيه ومساعي عباس أدراج الرياح ووقف عباس مكتوف الأيدي أمام توسلات جده المريض والذي توفي عام ١٨٩٥ لينقل ميتا إلى مصر ويدفن في مسجد الرفاعي...

وهكذا كانت نهاية رجل حاول أن يبني وطنا هشا من زجاج مزخرف   بدلا من أن يشيد وطنا قويا مستقلا بسواعد أبنائه وموارده..

 

د. محمد فتحي عبد العال

 

عصمت نصاراجتمع أهل الرأي - علماء ومحدثون - على أن الحقائق تطلب من مصادرها، والأدلة لا تكون سندًا إلا بقوة البرهان المؤيد لها، والحكم على الرجال وتصنيف اتجاهاتهم ونقد آرائهم لا نستدل عليه بالإجماع أو بشهرة الناقد أو مكانته، بل بقراءة ما سطرته أقلامهم وما صرحوا به من أقوال وما تحقق من آثارهم، ومن هذا السبيل نؤكد أنه ليس كل ما رويِ عن «مصطفى لطفى المنفلوطي» (١٨٧٦-١٩٢٤م) يخلو من الذاتية فى النقد والمذهبية فى الرأي والهوى فى الحكم.

فقد ذهبت العديد من الدراسات إلى اعتبار المنفلوطي أحد أئمة الاتجاه المحافظ، وبالغ بعض الكتاب فى وصفه بأنه الرجعيِ فى الآراء والمتقعّر فى اللغة والمقلد فى الأدب، غير أن الواقع يشهد بغير ذلك، وسوف نقدّم فى السطور التالية البراهين التى تؤكد أصالة وطرافة آرائه وتبيان أن كل ما أثير من حوله من اتهامات كان وليد المثاقفات والمناظرات الأدبية والفكرية التى خاضها.

فالمنفلوطي كان حداثيًا غير مُفارق لمجتمعه، فطالما تحدث عن مشكلات الشباب وعواطفهم الملتهبة، وأثر الطبيعة الاجتماعية على العلاقات بين الجنسين وألاعيب الشباب الماكر والمخادع الذى يستحل كل أشكال المجون، ويرتكب الموبقات والفحش فى القول والعمل باسم الحب تارة، والدفاع عمّا يعتقد فى صحته تارة أخري. وانتشله من برَك الرذائل وارتقى بذوقه وأريحَيته حتى أجلسه على عرش الفضائل، وذلك فى العديد من قصصه مثل «غرفة الأحزان» و«التوبة» و«الجزاء»؛ ذلك فضلاً عن أقاصيصه وترجماته الروائية التى دافع فيه عن الأخلاق المثالية، وقد أراد من ذلك غرسها فى أرواح الشباب وسلوكهم.

أمّا عن أسلوبه؛ فكان أقرب إلى اللغة الأدبية القشيبة التى تحفل بالبيان والجرّس فى استخدام البديع دون تكلف أو صنّعة، الأمر الذى كان وراء إقبال الأدباء الشبان على كتاباته النثرية وتفضيلها عن غيرها، فمقالاته لم تكن محاكية للموروث العربي القديم، بل كانت مجددة فى تراكيب العبارات وترتيب الأفكار وتنوع الموضوعات.

وقد حاكيَ أسلوبه معظم أصحاب الأقلام فى الربع الأول من القرن العشرين، محافظين ومجددين مثل «مصطفى صادق الرافعي»، «طه حسين»، «عبدالعزيز البشري».

أضف إلى ذلك وجهته الإصلاحية التى ترمى إلى التوجيه، وليس التلقين أو الحفظ أو إعلان الوصاية أو الحجّر على آراء المخالفين؛ فقد دأب على مخاطبة العقل والإرادات الحرة التى تميَز بين الإلزام والالتزام. وما ينبع من المجتمع ومشخصاته، وما يؤمن به الفرد ويعبًر عن هويته.

وحسبنا ألا ننسى دفاعه عن العدالة الاجتماعية، وانصاف ذوى الكفاءات من العصاميين، والتهكَم على من افتتنوا بمظاهر الحياة المدنية الأوروبية، فراحوا يقلدون قشورها دون لبابَها، وظنوا أن المدنية والتقدم فى تقليد الأغيار، واعتقدوا أن جحد مشخصاتهم التليدة هو سبيلهم إلى العلم والرقي.

وقد حذر فى العديد من أعماله القصصية؛ الطبقة الارستقراطية المصرية التى شجعت أبناءها من الجنسين على تقليد الأجانب فى لغتهم ولباسَهم وعوائدهم، حتى أضحوا مسوخًا لا انتماء، ولا ولاء فى أفكارهم للوطن الذى نشأوا فيه.

ولعل كتابته النقدية الإصلاحية تبدو بوضوح فيما حَوته مقالاته فى «كتاب العبرَات» و «كتاب النظرَات»، تلك التى تناول فيها عشرات القضايا مثل (السفور والحجاب، التجديد والتبديد، الحرية والفوضوية، الشجاعة والتهور، المّدنية والتفرّنج، العلماء والأدعياء، النقاد والنقاض، المصلحين والمضللين، رجالات الصحافة وتجار الكلمة)، وغير ذلك من قضايا اللغة والأدب والفكر والسياسة. وليس أدَل على صدق خطاب الرجل من اجتماع شيوخ عصره على تباينّ وجهاتهم على أنه المعلم الأريب والمفكر الحصيف والمجدد الصادق الذى حمل خطاب «محمد عبده» الإصلاحي، فجدّده وطوّره لاسيّما فى مجال الأخلاق.

فقد اتفق «العقاد» و«سلامة موسي» على أنه أديباً مبدعًاً جمع بين الأصالة والمعاصرة، وإن كتابته كانت أقرب إلى الديكارتية فى العرض والكانطيّة فى المعالجة.

وإذا كان مفكرنا من أخلص تلاميذ الشيخ «محمد عبده» فى حمل رسالته فى ميدان التجديد والإصلاح؛ فإنه قد اتخذ من إحياء الفضائل العربية الإسلامية فى أذهان الشباب وقلوبهم وسلوكهم سلاحًاً للثورة على فساد العادات، وانحطاط القيم التى لوّثَت الثقافة المصرية من جرّاء الجهل والتخلف وضيق الأرزاق والابتعاد عن أصل الدين والتأثر بتقاليد المُحتَل، كما نجح إلى حد كبير فى تقوّيم سلوك المتصّوفة والمُتنطعين فى الدين، وبيّن مع أستاذه أن التصَوّف الحقيقي هو الذى يعبّر عن أخلاق الإسلام ويطبق مقاصده ويرتقى بأخلاق الأمة، إلى عشق اللذّات الروحيّة ومحبة العمل النافع للناس، ونشر روح التسامح فى المجتمع، بمنأى عن الطائفية والعنف الملي والتعصب المذهبي.

وقد أدرك رفيقه «سعد زغلول (١٨٥٩م-١٩٢٧م)» أثر كتابات «المنفلوطي» فى العقل الجمعي، فاتفقا معا على صياغة وبناء برنامج الثورة المصرية، تلك التى انطلقت من أجل الحرية والكرامة والاستقلال.

فقد فطّن كلاهما إلى أن الثائر المستنير الحقيقي، هو المدفوع بفضيلة الشجاعة والحياء والعفّة وإنكار الذات، وليس العنف والفوضى والانتهازيّة، وأن الحرية تطلب من مُنكريها وتُنتَزع بالجهاد من مغتصبيها.

وقد سجّل التاريخ لهذيّن الرجلين فضل إيقاظ وبعث الروح الثورية فى عزائم الشباب.

وقد صرح «المنفلوطي» فى عديد من المحافل بانتصاره للفلسفة وحركة الاستنارة والثورات الأدبية الإصلاحية التى تعمل على تجديد الفكر وتقويم الجانح فى سلوك الفرد والمجتمع وتحديث الغَث البالي من الأفكار والمعتقدات والآراء. وتحارب بالعلم والوعي كل قلاع الاستبداد، دفاعًا عن الحرية.

ولم يتحَرجّ من أن يُشيد بفلاسفة التنوير الأوروبيين وعلى رأسهم «فولتير (١٦٩٤م - ١٧٧٨م)» ذلك على الرغم من اختلافه معه فى الكثير من آرائه العقَدّية، الأمر الذى يؤكد أن «المنفلوطي»، كان يطلب الحكمة من كل صَوّبٍ ودرب، وإنْ امتلكها الأغَيار المخالفين. ومن أقواله فى ذلك (جئنا لنرفع شأن المدنيّة ونكرم الفلسفة إكرامًا ينفعها ويفيدها، جئنا لنكَرم المجاهدين والعاملين المخلصين، وجملة القول إنا ما اجتمعنا هنا إلا لنمجد العاطفة الشريفة السامية، عاطفة السلام العام، إنا نمجد السلام حبًا فى المدنيّة وحرصًا على رونَقها وروائَها؛ فإن السلام فضيلة المدنيّة والحرب رزيلتها، فلا قوة إلا قوة الضمير ولا مجد إلا مجد الذكاء، ذلك فى سبيل العدل وهذا فى سبيل الحق).

وأضاف «المنفلوطي» أن عظمة «فولتير» تتمثل فى حَملته على العنف والاستبداد العقّدي، وتَجبر الساسة الذى مكَنّ رجال الدين وساندهم لخرس الألسنة وسَجن العقول باسم الربّ ومقدساته وقطع الرؤوس والتمثيل بأصحاب الرأي والتنكيل بكل من يخالف السائد من المعتقدات. (تقدَم «فولتير» وحده وأثار حربًا عَوانًا على هذا العالم القوى المخيف، ولم يرَه أكبر من أن ينخَذّل ولم يرَ نفسه أصغر من أن ينتصر. أتدرى ما كان سلاحه؟ ما كان له سلاح غير تلك الأداة التي تجاري العاصفة فى هبوبها وتسبق الصاعقة فى انقضاضها. ما كان له سلاح غير القلم، فبالقلم حارب وبالقلم انتصر، «فولتير» محا الخرافات الدينية والعادات الفاسدة وأرغم أنف الكبرياء، وأذل عزّ الرؤساء، عَلمّ ومَدّن وهَذّب ولقي فى سبيل ذلك من الشدائد والمحَنّ والنفي والقهر ما يكسر النفس فلم تنكسر...، إنّ أولئك القوم «التنويريين» علموا الناس النظر فى حقائق الأشياء والتفكر الموصل إلى إتقان الأعمال وعلموهم أن صَلاح القلب أثر من آثار صلاح العقل فأجادوا وأفادوا، أجل إن الثورة روحهم، والمظهر الساطع المتلألئ بحكمتهم ومبادئهم، فهم فى الحقيقة أبطال الثورة المقدّسة التي هى خاتمة الماضي وفاتحة المستقبل).

وبذلك برهن مُفكرنا «مصطفى لطفى المنفلوطي» على أن عمامته وعباءته الأزهرية لم تحُل بينه والانتصار لحرية العقيدة والعقلانية فى الاجتهاد والبوح بالرأي، ولم يقده ميله للفلسفة وجلاله لفلاسفة التنوير الأوروبي إلى التخلي عن أصول دينه، ووسطيته العقدية المعهودة فى جل الأزهريين المجددين، شأن بعض معاصريه من التغريبيين الذين ساروا فى ركاب فلاسفة الغرب دون نقد أو تمحيص.

«وللحديث بقية»

 

بقلم : د. عصمت نصار

 

شاكر فريد حسنفازت الشاعرة والكاتبة بروفيسور نداء خوري بجائزة الإبداع من مجمع اللغة العربية في البلاد. فمن هي هذه الشاعرة المبدعة المميزة، والصوت المختلف الغريب الخارج عن المأنوس في الأدب – على حد قول الناقد الكاتب الدكتور نبيه القاسم ؟!

ب. نداء خوري من بلدة فسوطة في أعالي الجليل، حيث الطبيعة الخلابة الملهمة، ولدت العام 1959 وعاشت وترعرعت وتعلمت فيها، وتعد من الأسماء الشعرية ذات الحضور البارز في المشهد الشعري والأدبي والثقافي الفلسطيني الحديث، عرفناها بصوتها المميز وثقافتها الواسعة الشاملة، التي تتجلى في قصائدها، منذ سبعينات القرن الماضي، من خلال نشاطها الثقافي ومشاركاتها في الأمسيات والندوات الأدبية وكتاباتها الشعرية التي نشرتها في الصحف والمجلات والملاحق الثقافية وأدبيات الحزب الشيوعي، ولفتت أنظار القراء والمهتمين والنقاد والدارسين، الذين كتبوا عنها العديد من الدراسات والمراجعات والإضاءات النقدية.

باشرت نداء خوري عملها في جامعة بئر السبع العام 2005، وتدرجت في سلم العمل الأكاديمي، وتم تعيينها محاضرة كبيرة معتمدة في قسم الأدب العبري بمجال الإبداع الأدبي. وتوجت نشاطها الأكاديمي بنيلها شهادة بروفيسور لتكون احدى الشاعرات والأديبات العربيات الفلسطينيات في بلادنا التي تحصل على هذه الدرجة الاكاديمية العالية. وتحظى بتقدير كبير من الطلاب العرب واليهود والمؤسسة الجامعية.

ترجمت قصائدها وأشعارها إلى عشر لغات عالمية، وتم ترشيح كتابها " الخطايا "، الصادر في أمريكا العام 2011 لنيل جائزة الشعر العالمية.

صدر لها في مجال الشعر : " أعلن لك صمتي، جديلة الرعد، النهر الحافي، زنار الريح، ثقافة النبيذ، خواتم الملح، أجمل الالهات تبكي، الخلل، وتر الماء، والخيول ".

قصائد نداء خوري هي صرخات ضد القبح والانحطاط والظلم والقهر المجتمعي، وتعبير عن عالمها الداخلي والروحي، وعن الهم والقلق الجمعي العام، وهموم وعذابات المرأة/ الأنثى المغبونة في مجتمع رجعي متخلف لا يعرف الحرية ولا الديمقراطية ولا حرية التعبير والرأي، ويحرم الانثى من حق القرار وكأن ذلك يجب أن يكون مرهونًا طوال الوقت برغبة وإرادة الرجل. ونجدها في أشعارها تمعن بالشكوى والتذمر، وتعلن ثورتها على الصمت وضد المسلمات والتقاليد البالية والأفكار المتوارثة، وعلى المجتمع ومصير الأنثى.

وما يميز قصيدتها الايجاز والتكثيف واستخدام الرموز واللجوء للغموض والايحاءات العميقة، والبناء السردي الدرامي والسبك القوي واللغة المدهشة والصياغة الفنية المتينة. وتزخر نصوصها بالمعاني والتعابير الشعرية الأنيقة والصور الدينية، وفيها تناص ودلالات تراثية ونفس أسطوري واضح، وكل ذلك بصور شعرية وفنية جمالية خلابة، حادة وأصيلة.

ومن أشعارها، قولها في قصيدة " ليلة وليل وشتاء ": يدقُ على بابي

يخربشُ على بابي

يموءُ في بابي

إمطارُكَ الآتي

منَ السماءِ الى السماءِ .

 

أخرجْ مني قليلاً

لأراكَ أميراً بعيداً

لأراكَ غيماً كثيراً

واشتهيكَ شتاءً

غزيراً غزيرا..

وفي قصيدة " زوبعة الروحِ " من ديوانها " الخيول "، تقول :

هبّت للنزولِ من مطالعِها

زوبعةٌ

تقطّرَتْ في البياضِ

مدامعُها

انهمرت مع الماءِ

خيولَا

تُراجعُ مضاجعَها

وتنامُ

عند حافةِ الأشياءِ

إنني إذ اهنئ وأبارك للصديقة الشاعرة ب. نداء خوري، فوزها بجائزة مجمع اللغة العربية للعام 2019، أتمنى لها المزيد من العطاء والابداع والتألق، ولها الحياة.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

جعفر المظفربداية السبعينات حضرت المهرجان الشعري الذي إنعقد تكريما للشاعر العظيم أبي تمام في ألفيته الأولى، كان من ضمن المشاركين شعراء كبار من أمثال البردوني شاعر السودان وأيضا جميل الشعراء نزار قباني والشاعرة العراقية الرائعة لميعة عباس عمارة وغيرهم.

كان جميع الشعراء قد شاركوا بقصائد رائعة وجميلة، غير أن الأمر الذي لفت أنظاري هو وجود رجل كان يرتدي، خلاف كل الحاضرين، دشداشة بيضاء و(قبوطا) اسودا كذلك الذي إعتاد الحراس الليلين إرتداءه في ليالي الشتاء الباردة. كان كريم العينين، غامق السمرة، طويل القامة، أما وجهه فكان خصما عنيدا للوسامة، إذ لم يترك الجدري مكانا فيه دون أن يثقبه بيده اللعينة.

لكن "لميعة عباس عمارة" بدلا من أن تتجه بالرجل إلى خارج القاعة، إتجهت به به نحو المسرح لتتركه واقفا خلف منصة الإلقاء التي كان غادرها توا أحد الشعراء الكبار، ثم إذا بعريف الحفل يعلن أن الوقت قد حان للإستماع إلى شاعر من اليمن بإسم (عبالله البردوني) وقصيدة تتحدث عن عروبة اليوم وعن وضاح اليمن.

صبرنا على الرجل وهو يأخذ رشفة ماء من قدح أتى به عريف الإحتفال. نظر الجميع إلى الجميع مستغربا من بروده وهدوئه. أزاح الرجل بِكُم ردائه ما تبقى من الماء على شفتيه، ثم بدأ قراءته لقصيدة المذهلة، عن "صنعاء" و"وضاح اليمن" الذي راح ضحية للعشق مدفونا بأمر من السلطان.

وكمحاكاة لقصيدة أبي تمام الشهيرة (السيف أصدق إنباء من الكتب..) بدأ البردوني قصيدته:

ما أصدقَ السيف إنْ لم ينْضِهِ الكذِبُ / وأكذبَ السيف إن لم يصدق الغضبُ

أدهى من الجهل ، عِلْمٌ يطمئنُّ إلـى / أنصافِ ناسٍ طغوا بالعلم واغتصَبوا

قالوا همُ البَشَرُ الأرقَى، وما أكلوا / شيئاً، كما أكلوا الإنسانَ أو شـــربوا

ثم قال وقال وقال، وكنا مذهولين، ظنّاً منا بأن الرجل لم يحضر إلا طمعاً بوجبة عشاء مجانية، فإذا به وقد أنسى الحاضرين جوعهم، ثم رأيناه، حينما نزل بصحبة سيدتنا "عمارة"، وقد صارأكثر وسامة من كل الشعراء.

وأذكر أن القاعة كلها وقفت تصفق للرجل حينما قال:

ماذا أحدث عن صنـــــــعاء يا أبتي / مليحة عاشقاها الســــلُ والجربُ

ماتت بصندوق وضاح بلا ثمن / ولم يمت في حشاها العشقُ والطربُ.

أما وضاح اليمن فقصته معروفة. قيل أن شبابيك الحي كانت تُفتح إذا سمعت نساؤها وقع أقدامه، فقد كان غاية في الوسامة حتى أن زوجة السلطان كانت قد أغرمت به، فقرر الأخير مفاجأة زوجته بالعودة عن قصة السفر التي كان إخترعها، فلما طرق سمعها خبر عودته أمرت وضاح أن يختفي في صندوق ملابسها ظانة أن السلطان لن يفكر بتفتيشه.

لكن السلطان، وعيناه تتجولان في كل أرجاء الغرفة، لم يخبرها عن سر عودته المفاجئة، فالإتيان على الخبر كان سيأكل منه الكثير، مفضلا أن يرى الجند المرافقون خلو الغرفة من وضاح لكي يكونوا شهودا على عفة زوجته، ولكنه قبل أن يغادر طلب منها أن تهديه الصندوق، فأسقط في يدها، ثم أمر الجند حينما وصلوا خارج أسوار القصر أن يحفروا قبرا لينزلوا الصندوق فيه.

وقبل أن يغادر وقف السلطان على حافة القبر مخاطبا نزيل الصندوق:

يا وضاح، إن كنت فيه فخير لنا، وإن لم تكن فيه فخير لك.

مات البردوني الكبير قبل سنوات، وأظنه يدري أن وضاح اليمن لم يمت بعد، فها هويتسلل في كل ليلة من صندوقه لكي يتغلب على كل السلاطين الذين يحاولون أن يدفنوه حيا.

 

جعفر المظفر

 

1278 برناردين أفيريستوبرناردين أفيريستو

ترجمة: صالح الرزوق

***

خلال عملي المهني غالبا ما انتابني الشعور أنني أشبه الحلزون المحاصر بعدة قطط برية. لم أربح، تماما، من الإعلام الاهتمام الذي طالما حلمت به، حتى نشرت ثالث كتاب لي وهو (دلال الإمبراطور) عام 2001. ثم دخلت مرحلة الكتابة الاحترافية عام 1982، وبدأت من المسرح. ومنذئذ لم أتوقف عن الكتابة. فقد وجدت أنها تحفزني على الحياة وترضيني ماديا. وأحببت أن أصبح صوتا يسمع العالم إبداعه. وكان علي أن أحفر عميقا وأن أومن بنفسي، لأن النفس مثل الموهبة، تحتاج للرعاية. وتلقيت دروسا شخصية لتطوير الذات. واستمعت لأشرطة تسجيل تأهيلية. وفي النهاية بدأت أشق طريقي دون توقف. وعلى امتداد عدة عقود من تدريس الكتابة الإبداعية للطلبة، رأيت أن الأكثر التزاما بتطوير حرفتهم هم أصحاب الفرص الأقوى بالنجاح، وأنا أعني بكلامي أولئك الذين يحسنّون كتاباتهم حتى تصل للناشر وما بعد النشر. إن الطالب الهادئ والمجد، الذي يلتزم بما يتلقاه من توجيهات، هو غالبا الذي يتخطى الطالب الموهوب الذي كما يبدو ينتج كتابة عالية المستوى وبلا جهد يذكر، والذي يحصد ثناء مفرطا، وبالتالي لا يجهد نفسه بعمله لتطوير مهاراته. الموهبة هي بذرة تحتاج للسقاية. وإذا أنبتت بسهولة دون بذل مجهود، يمكن أن يكون مصيرها الإهمال والذبول. نحن جميعا بحاجة للمديح، ولكن المديح أحيانا يكون أسوأ شكل من أشكال التشجيع. وفي بدايات صباي، كنت دائما أحصل على التقريظ من القراء، أو على الأقل ما يكفي لأعرف كيف كانوا يتلقون كتاباتي. ولكن نحن الكتاب ننمو بشكل أفضل بعد النقد البناء. وحتى يومنا هذا كنت أعتمد على المحررين في هاميش هاميلتون - بنغوين لنقد عملي قبل النشر. نحن الرواة نحترم دائما زملاءنا الكتاب ونقرأ لهم أو نتابع الأعمال الممثلة والمصورة. وهكذا نهضم الأدب ونتعلمه ثم نصبح مبدعين لأنفسنا. بمعنى أننا لاحقا نصنع أنفسنا. ومؤلفو الكتب هم أولا قراء لها، وهذا ما يكون عليه الحال حتى النهاية وإلى الأبد. وعلى المسرحيين متابعة العروض المسرحية. يا فناني الكلمات المنطوقة - مرحبا!!.. ويا كتاب السيناريو - أهلا. كنت قارئة نهمة منذ بدأت أعرف كيف أقرأ جملة. فالقراءة كانت أسلوبي للتواصل مع عالم بعيد. فقد كنت أعيش في ضاحية صغيرة. والقراءة الآن هي الطريقة التي أضاعف بها ربط نفسي مع حياة الآخرين الداخلية والخارجية. كان عملي هو الذي يتحكم بانتقاء قراءاتي، أو بالكتابة عن مادة منشورة أو بطبيعة المناقشة التي أشارك بها أو حتى للمشاركة في لجنة تحكيم، ولكن هذا قد يكون أحيانا محنة. وإذا ما أحببت كتابا، أجد في قراءته متعة فائقة. فهذا يفيض  بالطمأنينة على روحي ويغنيها.   

لقد ساعدتني كل التجارب الأدبية لبلورة كتاباتي، إما من خلال تقديم نموذج أو بإرشادي لأمكنة الخلل الممكنة في أي رواية. أما الكتب التي أحببتها فقد ساعدتني على امتلاك زمام ثلاثة عناصر أساسية في تكويني وهي - اللغة والبنية والشخصية. والكتب المفضلة عندي هي التي ساعدتني على امتلاك البنية وصياغة الجمل. وهي مؤلفات لكتاب يصنعون سردا متميزا، تتألق فيه الشخصيات والسلوك البشري والفضاء النفسي. أما الجمل العابرة والسريعة، والتشخيص النمطي أو قليل الكثافة، والحبكة المتوقعة، فتصيببني بالضجر. ودائما أبحث عن طرق جديدة وأصيلة وقيّمة لمتابعة تطورات العالم مع صفات غير معرفة وسحرية، وهي التي تساعد الفضاء الأدبي على التحليق والغناء. 

المكان الذي تنتمي له - ثقافتك، طفولتك، بيئتك، علاقاتك، تعليمك، دراستك، أساليبك وهويتك طوال الحياة - يصنع الكاتب الذي أنت عليه. فهذه هي المكونات السحرية التي توجد داخل شخصيتك وحياتك وبها يكتمل إبداعك. ومهما كانت مشاعرك حيال ذاتك، ومهما حصل لك في الحياة، والقرارات التي تتخذها أو التي تكون هدفا لها، وخلفياتك، عرقك، سلالتك، ثقافتك وجنسك وتفكيرك الجنسي وكل تفاصيل عالمك - هو الرافعة التي يصعد عليها إبداعك المتفرد. إنه لا يمكننا تغيير الماضي، ولكن يمكننا قبوله على ما هو عليه وقبول كتابتنا من أجله على ما هي عليه. بدأت حياتي في بيت يمتزج فيه العرق الإنكليزي مع النيجيري، ثم تابعتها في منطقة بيضاء من لندن، حيث كانت عائلتي تبدو لهم من الأغراب وعليه كانت معزولة. وقد أثر ذلك في تشكيل اختياراتي الإبداعية ككاتبة طوال حياتي في فترة البلوغ، ولن أغير هذا الأسلوب الأداتي لأن عالمي - ككاتبة - يدين له بكل شيء. عليك أن تمتلك ما أنت عليه، ويجب أن تعلم أنك تستعمل خلفياتك، بقصد أو دون قصد، لتكتب من زاوية نظرك الخاصة والمتميزة. إن الصور والأفكار هي عضلات تتطور بقدر استعمالك لها. فكر ببطل سباحة. وفكر بتعلم اللغة. وفكر بالطهي والعناية بالحديقة. وفكر بعالم فاز بنوبل. كل شخص لديه خيال، ودائما الأفكار تسبح من حولنا. ونحن بحاجة لترويضها واستئناسها واستيعابها في طفراتنا ونحن نتطور باتجاهها. ولن أخلو من الأفكار لأنني أنفقت كل حياتي بإنتاج تلك الأفكار والوصول إليها. وفي الواقع، لدي العديد من الأفكار وأحيانا أجد أنه من الصعب أن أستقر على واحدة منها. وها هو كتاب جديد يتشكل في داخلي بعد الانتهاء من آخر نسخة لي من رواية جديدة هي “بنت وامرأة وآخرون” في شباط عام 2019. وكان ذهني باستمرار مجالا خصبا للأفكار منذ تلك اللحظة. وهذا يعني أنه يجب علي تسجيل ملاحظات، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه يجب أن أعود لتوسيعها في نهاية العام. وفي العام القادم، حينما أبدأ بكتابة كتابي الجديد، سأختبر هذه الأفكار وأشاهد أي فكرة تثير اهتمامي أكثر من سواها. وككاتبة أنحو لاختبار أفكاري وركوب المخاطر، وهكذا إن ما يثير انتباهي أكثر من غيره سيكون هو نواة الأفكار التي أركز عليها لتوسيع حدود معانيها والتي أشعر أنها تستحق المخاطرة والتجريب.             

الكتاب هم حرفيون. ونحن نبني ببطء أجزاءنا الأدبية حتى نصل لنهايتها. ورواياتي تتكرر غالبا بأربع مسودات، ولكن كل جملة أو فقرة تمر بعدة مسودات مركبة قبل الوصول لأول مسودة نهائية. ماذا أعني بكلمة مركبة؟. 30،20، 10 مسودة، حتى أخنق التعديلات، وأصل لمرحلة علامات التنقيط، وأشعر أنني أكملت دوري. ينظر القراء للنتاج المتكامل ويعتقدون أن كتابته مسألة بسيطة، هل هذا صحيح؟. فأنت تبدأ مع أول صفحة وتتابع حتى تنتهي، وبذلك تكون مهمتك قد اكتملت. ولكن بالنسبة لي، لا شيء يمكنه أن يتخطى الحقيقة. وأسمع أن غيري من الأدباء ينجزون أعمالهم بسرعة تفوق الصوت. لكن الأدباء الطموحين يتعلمون بسرعة معنى أن “الكتابة هي في إعادة الكتابة كذلك”. أنا مغرمة بإعادة الكتابة. أولا تجد فيها بذرة تدفق الروح الإبداعية، ثم يأتي الاختزال والصيانة حتى تشكيل المادة الخام. أخذت “بنت وامرأة وآخرون” من وقتي خمس سنوات، وأنا منكبة عليها فوق طاولتي. لقد كتبتها على الشاشة، وطبعتها، ثم بدأت أضع العلامات على الورق. ومعظم طلبتي في المرحلة الجامعية الأولى لا يملكون طابعات، وعدد كبير منهم لا يحبون استعمال الطابعات في مكتبة الجامعة. وأشجعهم على البدائل. أحيانا يكتبون بهواتفهم ويرسلونها بالبريد الإلكتروني لي بشكل وظيفة منزلية، ودائما دون مراجعة أو تدقيق. أنا متأكدة من ذلك. ولكن شاشات الحواسيب وبكل أحجامها مخادعة. فالحرف على الشاشة يبدو لماعا، وحرفيا، ومنتهيا. ومع ذلك، ما أن تقوم بالطباعة يتضح لك الفشل والإخفاق. كن دائماعلى استعداد لاحتمال تحسين كتابتك بما يتخطى قدراتك الجنونية على التخيل إن استفدت من ساعات وقتك، وكن جاهزا للمراجعة، ومستعدا للطريق الطويل الذي يمتد أمامك. واسمحوا لي بإعادة صياغة جملتي لو أنها ليست واضحة: إن كنت مستعدا للقيام برحلة نحو ينابيع إبداعك التي تنتظرك كي تملأ الفراغ. المبدعون بحاجة لاحترام طموحاتهم أو أنها ستبلى في داخلنا. وأنا أعرف أشخاصا هجروا الكتابة بالعشرينات من العمر وندموا على ذلك في أربعيناتهم. ولكن لا يوجد توقيت لبداية العمل الفني. ويمكننا البداية مع الكتابة في أي عمر أو مرحلة من حياتنا. ولم أندم أبدا على اختيارالاستمرارمع الكتابة، مع أنها كانت تعني اقتصاديا القليل من النقود وتهميش وجودي في حياتي المهنية. وقد اعتدت أن أكون في بداية كل عام غير مرتاحة فيما يتعلق بإعالة نفسي.  حتى في احتياجاتي الأساسية - المسكن والطعام والمواصلات وما تبقى. ولدي قناعة تامة أن هذا سيرعب معظم الناس. ولكن هكذا عشت حياتي وأصبحت مدمنة على ذلك. ولم أحصل على الدعم من شريكي، ولم أعتمد على عائلتي الكبيرة فعائلتي بلا نقود. وفي النهاية تبدل الحال وأصبح لي راتب شهري بصفة أستاذة باختصاص الكتابة الإبداعية في الجامعة. ومع ذلك لم أصل لهذه النقطة إلا بعد معاناة ثلاثة عقود. وقد تعرفت على كتاب ملهمين انهزموا أمام أول رفض وهو شيء متوقع بالنسبة لمعظمنا في بعض المراحل من سيرتنا المهنية. إما أن يطحنك الرفض وتتوقف عن الكتابة، أو أنه يشد من عزم إصرارك على تطوير مهاراتك وقصصك، إلى أن تصل بمستوى كتابتك للضفة الثانية. والمرونة هي من أهم خصال الكاتب الجيد، فهي تعني أنه بمقدورك تطوير قدراتك الداخلية ومصادرك حتى تتمكن من الاستمرار رغم كل التحديات التي تضعها الحياة أمامك، والحياة مع الفن يمكنها أن تكون صخرة صعبة بأقل تقدير.  والنجاح الفوري لا يساعد الناس لمقاومة المصاعب المتوقعة. وأنت، وحدك أنت، من يعلم مدى قدراتك حينما تكون موضع الامتحان، وحينما تذوب أحلامك وخططك ولكن ترفض تماما أن تيأس وتستسلم. 

وإن لم تنجح بالنشر أو النتاج الأدبي أو الأداء، ولكن الكتابة بقيت هي هدفك الأسمى، ما عليك إلا أن تستمر، حتى لو لنفسك. أو لبضعة أصدقاء. أو لمجموعة من الأصدقاء الكتاب أو في المنتدى والمدونة وبالنشر الذاتي. وربما ذات يوم ستصل بصوتك لدائرة أوسع، إذا كانت هذه هي رغبتك. وربما في وقت ما ستفهم أنك لست مستعدا لمزيد من التضحيات في سبيل الكتابة، وتعلن يأسك ونهاية علاقتك الغرامية معها. أو بداية علاقة بديلة مع شكل فني آخر تفضله. أو تشعر أنك مخدوع بالبريق الظاهري للكتابة وأن الواقع لا يتوازى معها. وقد أخبرت طلابي أن ينتظروا في الخلف، ليس حينما تحين ساعة السقوط والفشل، ولكن حالما ينتابهم الشعور أنهم في خضم السقوط. وأنا أفعل ذلك كل الوقت وأتبع ما أسميه ـ م. ع. إ. (موقف عقلي إيجابي). وأصارح نفسي بأي شيء يزعجني في حياتي المهنية - الرفض والتهميش والتكبر والتجاهل. وأقول لنفسي: سيحين دوري. يومي قادم.

 

 

....................

بيرناردين أفيريستو Bernardine Evaristo: كاتبة بريطانية. لها ثماني روايات. حازت على المان بوكر عام 2019.