 شهادات ومذكرات

الفيلسوف والشاعر الروسي خومياكوف

ضياء نافعخومياكوف - اسم كبير ومتميّز ومتعدد المواهب في تاريخ الفكر الروسي بالقرن التاسع عشر، القرن الذي كان غنيّا جدا بالاسماء الروسيّة الكبيرة، و لكن خومياكوف لم يعد نجما ساطعا في سماء الفكر الروسي، بل انه الان  شبه منسي حتى في وطنه روسيا نفسها في الوقت الحاضر رغم العديد من المصادر الروسية عنه، أمّا في عالمنا العربي بشكل عام، فلا يعرفه تقريبا سوى بعض الاشخاص الذين درسوا الفلسفة الروسية وتاريخها وتخصصوا بها في المعاهد والجامعات الروسية، وهم واقعيا بعدد أصابع اليد كما يقول التعبير العربي الطريف، ويعرفه كذلك الذين درسوا الادب الروسي وتاريخه وتخصصوا به في روسيا (الادب الروسي وليس اللغة الروسية، وهذه مسألة مهمة جدا رغم شبه التلاحم تقريبا بين هذين الاختصاصين)، وهؤلاء ايضا ليسوا نسبة كبيرة بين الخريجين العرب من الجامعات الروسية بشكل عام، بل وأخذوا بالانحسار تدريجيا نتيجة عوامل عديدة لا مجال للحديث عنها ضمن هذه السطور عن خومياكوف  .

ولد اليكسي ستيبانوفيتش خومياكوف عام 1804 وتوفي عام 1860، واستطاع ان يصبح – خلال هذه السنوات القصيرة نسبيا – شاعرا وكاتبا مسرحيا وفيلسوفا وفنانا تشكيليّا وصحافيا ومؤرّخا ومترجما، بل انه ابتدأ مسيرة حياته متخصصا في علم الرياضيات بجامعة موسكو، ونتيجة لهذا التنوع الموسوعي الفكري حاز خومياكوف على موقع خاص في اكاديمية العلوم الروسية في السنوات الاربع الاخيرة من حياته، اذ اختارته اكاديمية العلوم في مدينة بطرسبورغ

عام 1856 ليكون عضوا مراسلا فيها.

سبق وان قدّمنا تعريفا وجيزا عن خومياكوف في مقالتنا بعنوان – (الادباء الروس في تاريخ الفلسفة الروسية)، ونريد هنا ان نتوسع في رسم الصورة القلمية عن هذا المفكّر الموسوعي الكبير، اذ لم نجد بلغتنا العربية مصادر كافية تتناوله وتدرس ابداعاته المتنوعة وتقدّمه للقراء العرب كما يجب مع الاسف .

خومياكوف – فيلسوف قبل كل شئ، وقد أشرنا في مقالتنا تلك، الى انه وضع اسس النزعة السلافية في الفكر الروسي، هذه النزعة التي لعبت دورا هائلا في مسيرة الفكر الروسي في القرن التاسع عشر، وفي الادب الروسي بالذات، والتي يرتبط بها (اي بالنزعة السلافية) اسم عملاق من الادباء الروس وهو دستويفسكي . خومياكوف وصل الى افكار واساسيات هذه النزعة الفكرية عن طريق التفاعل المطلق مع الكنيسة الروسية الارثذوكسية، حتى ان بعض الباحثين الروس يعتبرونه (رجل دين)  قبل كل شئ، رجل دين متعمق ومتبحّر في فلسفة الكنيسة الارثذوكسية بالذات وتاريخ الارثذوكسية بشكل عام، اي يمكن ان نطلق عليه ما نسميه بالعربية (لاهوتيّ) (ان صحّ التعبير) . لقد وصل تفاعله وتعامله مع الكنيسة الروسية الى التقبّل الكامل لموقف الكنيسة في كل شئ، بما فيها الموقف السياسي الواضح من النظام القيصري، اذ انه كان يرى، ان (روما حافظت على الوحدة بثمن الحرية)، (اما البرتستانت فقد حصلوا على الحرية بثمن الوحدة)، ولهذا فان خومياكوف كان الى جانب النظام القيصري والحفاظ عليه وتعزيزه من اجل وحدة الدولة وجبروتها وقوّتها، ولهذا ايضا، اعتبر الرأسمالية والاشتراكية معا (انعكاسا سلبيا للسقوط والانحطاط في اوربا الغربية)، واستنادا الى هذه المفاهيم قدّم الطروحات النظرية الاساسية للنزعة السلافية في الفكر الروسي، والتي تؤكد على الطريق الروسي الخاص و البحت، الطريق الذي سيؤكد دستويفسكي عليه لاحقا، ويبدأ بالكلام في كتابه الشهير (مذكرات كاتب) كيف  ان موسكو يجب ان تكون (روما الثالثة!)، اذ لا يمكن ان تكون في العالم (روما رابعة)، وان الكنيسة الارثذوكسية الروسية هي التي يجب ان تكون القوة الفاعلة والمحرّكة لتلك الظاهرة العالمية.

اما خومياكوف الشاعر، فانه بدأ مبكرا جدا، وبالذات عندما كان يدرس علم الرياضيات في جامعة موسكو عام 1821، اذ نشر عندها محاولاته الاولى في الشعر وكذلك في ترجمة الشعرالى الروسية ايضا، ومن الطريف ان نذكر هنا، ان خومياكوف قد تزوّج اخت الشاعر الروسي المعروف يازيكوف، الذي يعدّ واحدا من الشعراء الروس المحيطين ببوشكين في ذلك الزمان، اي ان خومياكوف كان يختلط واقعيا مع اوساط الشعراء الروس ويتعامل معهم  الند للند كما يقولون، بما فيهم بوشكين نفسه، وتوجد في المكتبة الروسية عدة كتب بعنوان – بوشكين وخومياكوف، وقد ظهر قسم منها  حتى في نهايات القرن العشرين، اي في الاتحاد السوفيتي بالذات، وتبحث هذه الكتب بالاساس في موضوعة علاقة بوشكين بالنزعة السلافية وموقفه منها (وهي موضوعة حساسة جدا في النقد الادبي السوفيتي)، وتحدثت هذه الكتب حتى عن العلاقات الشخصية بينهما واللقاءآت العديدة التي حدثت بين خومياكوف وبوشكين، بما فيها بعض النقاشات التي جرت بينهما، والتي تبيّن عدم اتفاقهما بشكل عام رغم العلاقات الوديّة بينهما، ونختتم مقالتنا هذه بالاشارة الى واحدة من تلك النقاشات الطريفة –

قال خومياكوف – في روسيا يوجد حب مسيحي اكثر مما في الغرب، فأجاب بوشكين قائلا – لم أقم  بقياس كمية هذا الحب في روسيا او في الغرب ..، لكني أعرف ... في الغرب يوجد اناس وضعوا اسس ذلك ...، ولو ظهروا عندنا، لكان ذلك مفيدا لنا ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4582 المصادف: 2019-03-23 01:19:08