 شهادات ومذكرات

عراقيون مروا بموسكو (29): فكري بشير

ضياء نافعحملت لنا الانباء قبل أيام خبر رحيل فكري بشير، العنقود الاخير في عائلة بشير الموسيقية العراقية الشهيرة، العائلة التي أعطتنا تلك الباقة الرائعة من الموسيقيين العراقيين الكبار - جميل بشير ومنير بشير وفكري بشير .

خبر رحيل فكري أعادني الى أيام موسكو في بداية ستينات القرن الماضي، حيث كان فكري ضمن الطلبة العراقيين الاوائل هناك، و تذكرت طبعا كيف كان فكري يقف بهدوء وهو يقود تمريناتنا على اداء الاغاني العراقية لتقديمها في حفلات الطلبة العراقيين وبقية طلاب العالم من حولنا في قاعات جامعة موسكو وبقية الجامعات الروسية، وتذكرت كيف كان يجري امتحانا لكل واحد على حدة لاصواتنا، وتذكرت روح المرح الشبابي (كلنا كنا بعمر الورود الربيعية !!!) عندما (يسقط !) احدنا في ذلك الامتحان عند فكري، و نحاول جميعا ان نقنعه ان يمتحنه مرة اخرى، وكيف كان فكري يقول لنا، ان صوته لا ينسجم مع المجموعة ولا يمتلك قابلية الغناء الجماعي، وكيف كنا نكرر له - (انه خوش ولد، وسيواصل معنا التمارين بانتظام !) ....

كان فكري هادئا دائما، وكان يستمع الى مختلف الآراء وهو يبتسم، ولم يكن محبا للظهور والشهرة والتبجح ابدا، ولم يقل يوما امامنا انه من عائلة فنانين مشهورين كبار، وقد استمر هكذا طوال حياته، وهي صفة رائعة من صفاته . انهى فكري دراسته الموسيقية في الاتحاد السوفيتي بنجاح وضمن المدة القانونية للدراسة، وهي مسألة كبيرة جدا لم يستطع كل الطلبة تحقيقها (خصوصا طلبة الفنون الجميلة من زملائه العراقيين الآخرين، والذين اضطر بعضهم الى تبديل اختصاصهم)، وعاد فكري الى العراق مع زوجته أكنيس السوفيتية، وعملا معا في مجال تخصصهما، وهي الموسيقى، واصبحت اكنيس ايضا ضمن عائلة بشير العراقية الموسيقية، وبرزت معه في مدرسة الموسيقى والبالية الفريدة في العراق، وكان تلاميذ تلك المدرسة يحبونهما ويعتبرونهما مثل الاصدقاء الكبار لهم (وانا كنت شاهدا على ذلك). استمرت علاقاتنا في العراق (عن بعد)، وكنت متابعا لنشاطات فكري الفنية والتربوية في مدرسة الموسيقى والبالية، وكذلك في مشاركته (مع اكنيس طبعا) بالعزف في الفرقة السمفونية العراقية، وأذكر مرة اني كنت مرافقا لوفد سوفيتي كبير بناء على طلب شخصي من المرحوم أمير الحلو من وزارة الاعلام، وكان ضمن اعضاء هذا الوفد مجموعة من العازفين الموسيقيين لتقديم بعض الفقرات الموسيقية، وشاهدت فكري جالسا في القاعة، فطلبت منه (بحكم علاقات الود القديمة معه) ان يساعدني بتقديم العازفين السوفيت، اذ انه موسيقيّ محترف ويعرف دقائق المصطلحات والتسميات الموسيقية، فقام فكري من مكانه بكل تواضع واخذ يقدمهم للجمهور العراقي مستخدما التعابير الموسيقية الدقيقة والمناسبة والصحيحة بالعربية والروسية مما أضفى على الحفلة رونقا جميلا جدا، وقد شكرته جزيل الشكرعلى موقفه النبيل ذاك و تلك المساعدة القيّمة، فقال فكري بهدوء وصدق – (لا شكر على واجب).

اضطر فكري وعائلته ان يهاجر من العراق نتيجة الوضع الصعب المعروف، فانتقل الى الاردن، وعمل هناك مع اكنيس في مجال الموسيقى، ثم انتقل بعدئذ الى اوربا كما هو حال الكثير من العراقيين، وانقطعت اخباره، وفجأة استلمت منه رسالة الكترونية قبل فترة قصيرة جدا يطلب فيها صداقتي عبر الفيسبوك، وقد فرحت جدا بها، وارسلت له رأسا جوابي الايجابي، وهكذا بدأنا نتراسل بودّ، ولكن هذه المراسلات استمرت عدة اشهر ليس الا، اذ اصطدمت بخبر رحيله ...

الرحمة والسكينة لروح الفنان الهادئ والمتواضع والاصيل فكري بشير، والذكر الطيب والخالد لاسمه ومكانته في عالم الموسيقى في العراق عموما، وفي تاريخ مدرسة الموسيقى والبالية العراقية والفرقة السمفونية العراقية، وتاريخ العراقيين الذين مرّوا بموسكو ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4662 المصادف: 2019-06-11 05:24:47