 شهادات ومذكرات

جمال رجب سيدبي ومنهجه في تجديد الخطاب الديني

محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتور "جمال رجب أمين سيدبي" (أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب – جامعة السويس بجمهورية مصر العربية)،  أحد الأسماء الهامة واللامعة في سماء الفلسفة الإسلامية . أسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، وتعد لبناته الفكرية والأدبية التي وضعها بالجهد والعرق بمثابة الأساس الذي بني عليه الكثيرون من تلامذته مشاريعهم الفكرية، ورؤاهم الفلسفية في الفكر العربي المعاصر. كما كان واحداً من الأساتذة الجامعيين المصريين الذين يقومون بتدريس الفلسفة الإسلامية من وجهة نظر إسلامية خالصة، بعد أن كانت تُدرس من خلال الدرس الإستشراقي الذي ربط الفلسفة الإسلامية بالتراث اليوناني، وأهم من نادوا بالبحث عن أوجه الأصالة والابتكار في الفلسفة الإسلامية، وهو بالإضافة إلي ذلك نموذج للأستاذ الجامعي كما ينبغي أن يكون سواء في التزامه بأداء واجباته الوظيفية الاكاديمية علي أحسن ما يكون الأداء، أو في ارتباطه بطلابه في علاقة إنسانية رفيعة المستوي في هدي من التقاليد الجامعية التي يحرص عليها كل الحرص، إذ هي دستوره في كل معاملاته مع كل من هو في الوسط الجامعي .

وجمال سيدبي رجل غزيز الانتاج، موسوعي المعرفة لديه دأب علي البحث والتنقيب وشهوة لا تقاوم لتعلم كل ما هو جديد ومبتكر، هو رجل منضبط في فكره ومفرداته، أثيني في توجهاته ومعتقداته، وهو خلاف لمظهره الذي قد يراه البعض متجهما أو عابسا هو رجل يتمتع بروح دعابة وخفة دم ونظرة ساخرة للحياة والكون والحق أنني أجد في هذه المقالة فرصة للتعبير عما أكنه لهذا الرجل من حب واحترام وتقدير، فهو بالنسبة لي أخ أكبر ومفكر مبدع قادر دائما علي أن يدهشك وهو في هذه المرحلة المتقدمة من العمر .

وقال عنه أستاذنا الدكتور عاطف العراقي في تصديره لرسائل الجنيد التي قام بتحقيقها سيدبي: " د. جمال سيدبي أعرفه عن قرب، لقد شاركت في مناقشة رسالته للماجستير، تلك الرسالة التي أشرف عليها الأستاذ الدكتور إبراهيم مدكور، وكانت الزميلة الدكتورة زينب الخضيري، كما أشرفت علي رسالته للدكتوراه، وكانت في موضوع موقف أبي البركات البغدادي النقدي من الفلسفة الإلهية عند ابن سينا كما كانت رسالته للمجاستير تدور حول مشكلة خلود النفس بين ابن سينا والغزالي وهذا إن دلنا علي شيئا فإنما يدلنا علي الاهتمام البالغ من جانب الدكتور حمال سيدبي بالتراث الفلسفي العربي الإسلامي . لقد درس أراء مجموعة كبيرة من المفكرين كابن سينا أبي البركات الغزالي بالإضافة إلي اهتمامه بعد حصوله علي درجتي الماجستير والدكتوراه وبأعلى التقديرات اهتمامه بدراسة الكثير من القضايا والمشكلات في محيط الفلسفة العربية. إن هذا يدلنا علي ان د، جمال سيدبي قد أعد نفسه إعدادا دقيقا لدراسة مجالات عديدة وقضايا كثيرة من مجالات وقضايا الفلسفة العربية. لقد سار واثق الخطوة حين تصدي لتلك القضايا والمشكلات وواثق الخطوة يمشي ملكا كما نقول . نعم كان واثق الخطوة، لأنه لا يعرف أمانة الكلمة وذلك يتمثل في أنه لا يتصدي للكتابة في أي موضوع إلا بعد قراءات تحليلية مستفيضة خلال سنوات وسنوات".

ولم يكن جمال سيدبي مجرد فيلسوف نذر حياته للبحث عن الحكمة متذرعاً بمبادئ الحق والخير والجمال، لكنه كان – قبل كل ذلك وبعده – إنساناً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى؛ فهو إنساناً في تفلسفه، وفيلسوفاً في إنسانيته. وبين الإنسان والفيلسوف تتجلى شخصية سيدبي متعددة الأوجه، كمؤلف وكناقد وكأديب.

وفي هذه المقال نحاول أن نرصد هذه الملامح التي تميز شخصية جمال سيدبي بشكل يميل إلى الإيجاز ويبعد عن التطويل والإسترسال، بحيث يكون التركيز علي ما هو اساسي وجوهري.

ولد جمال سيدبي في الرابع والعشرين من شهر يوليو عام 1956، حيث حصل علي درجة الماجستير دفعة 1989،وحصل علي دكتوراه الفلسفة الإسلامية عام 1993، وتقلد عدة وظائف إدارية مهمة في الجامعة نذكر منها مثلا:، ثم وكيلاً لكلية الآداب لشؤون التعليم والطلاب، ثم وكيلاً لكلية الآداب لشؤون الدراسات العليا، ثم تقلده رئيس قسم العلوم الاجتماعية، ثم عميداً لكلية الآداب والعلوم الإنسانية، ثم نائب رئيس جامعة السويس لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة.

له مؤلفات كثيرة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: منهج تجديد الخطاب الديني، والمسلمون والتحدي الحضاري، في علم الكلام منهج وتطبيقه، درسات إسلامية، مقدمة في التفكير العلمي، والنزعة النقدية في فلسفة محمد إقبال، وموقف ابن رشد النقدي العالم والعلم الإلهي عند ابن سينا والغزالي، موقف ابن رشد النقدي من الإشاعرة، مالك بن نبي وفلسفته الإصلاحية، مشكلة الموت وعلاقتها بحال الفناء عند الصوفية، المنهج الوسطي عند الماتريدية، مشكلة الاتصال بين ابن باجة وابن طفيل، نظرية الوسط الأخلاقي بين مسكوية والغزالي، موقف سعيد النورسي النقدي من الحضارة الغربية، منهج ابن حزم الكلامي في دراسة مشكلتي الذات والصفات والجبر والاختيار، العقل والدين في النسق الكلامي... وهلم جرا.

كتب الدكتور جمال سيدبي كتابا بعنوان: منهج تجديد الخطاب الديني: رؤية نقدية جديدة، وفي هذا الكتاب كما يقول سيدبي: نبتت فكرته في نفسي منذ ما يقرب من عشرين عاما أو يزيد، قدمت قضية تجديد الخطاب الديني بدراسة في مجلة منبر الإسلام التي يصدرها المجلس الأعلي للشئون الإسلامية في مصر، وإذاعة القرآن الكريم في برنامج ندوة الأسبوع ولما سنحت لي الفرصة أردت أن أقدم رؤيتي حول هذه القضية بمنهج نقدي تجديدي يعمد إلي الوسطية والاعتدال في معالجة القضايا والمشكلات الخاصة بتجديد الخطاب الديني وتحريره مما أصابه من غبش ونبرز الصورة الصحيحة . ويستطرد سيدبي فيقول إن : تجديد الخطاب الديني أصبح من أبرز القضايا الأساسية التي تهم الشأن الإسلامي في الآونة الأخيرة إن لم يكن أبرزها‏،‏ الإسلام في عمقه حوار مستمر بين النصوص الدينية الثابتة من جهة‏. والحياة الواقعية المتغيرة من جهة أخري، أو هو جدل دائم بين ثابت أزلي ومتغير متجدد، الفرق واضح بين الثابت والمتغير، والمنطقة المحرمة لا يختلف عليها اثنان، من هنا لابد أن نضع المفاهيم والضوابط والمحددات أمام المسلم حتي لا يختلف في أي قضية، إذ أن باب الظن هو الذي اجتهد فيه المجتهدون.

ويوضح سيدبي ذلك فقال: هناك فرق بين القواعد الكلية في المقاصد، وبين الاشتغالات في بعض أحكام العلم. قال تعالي: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، إذن نحن نقول لله وللرسول سمعنا وأطعنا: هذه واحدة، لذلك حتي لا يختلط الأمر علينا لابد أن نحدد الفرق بين الثابت والمتغير، حيث أن المنطقة المحرمة لا يختلف عليها، ولكن نري من ينادي بتجديد الخطاب الديني، وهو لم يقرأ في علوم الدين وبضاعته مفلسة.. كيف؟! لذلك لابد أن نضع المفاهيم والضوابط والمحددات أمام المسلم حتي لا يختلف في أي قضية، فباب الظن باب عظيم اجتهد فيه المجتهدون.

والمقصود بباب الظن كما يقول سيدبي: أي باب المتشابه في القرآن الكريم مثل النظر في وجه الله الكريم، وهنا ندرك أن لله وله المثل الأعلي يد، ولكن ليس ككل الأيدي، وهذا موضوع كبير عند علماء الكلام في تأويل النص المتشابه، وليس النص المحكم. وأما فيما يخص المنطقة المحرمة فقال: المنطقة المحرمة عند علمائنا الأوائل الذين كانوا يعرفون معني الدين، ومعني الشريعة الغراء هي التي لا يجترئ عليها ولا يقترب منها أحد أبدا أما في باب الاجتهاد سواء في علوم الدنيا أم علوم الدين فنحن مأمورون بالاجتهاد ولا يوجد فصل بين الدين والدنيا، ولكن نحتاج إلي البحث عن فقه المقاصد في الشريعة الغراء، وهناك من يجتهد في استنباط الحكم الشرعي، ولابد أن يكون عالما بالمقاصد والقواعد الأصولية التي تضبط اجتهاد الفقيه مثل النحو عندما يضبط لغة المتحدث، والنحو والصرف عندما يضبطان لغة المتكلم، والقواعد الأصولية مع المقاصد تضبط استنباط الحكم الشرعي. ويعطينا سيدبي مثلا للقاعدة الأصولية فيقول: قاعدة لا ضرر ولا ضرار وفي ضوء هذه القاعدة يجتهد العلماء في حكم التدخين، هل له ضرر؟ فنجد بعض العلماء يقول هو في مرتبة الكراهة، والبعض يقول انه في مرتبة التحريم، وفي ذلك يجتهد المجتهدون، ومثلها قاعدة الضرورات تبيح المحظورات عند أصول الفقه.

وأما فيمن يدعي ويفتي بغير علم علم فقد قال عنه سيدبي: هذا هو الضرر بعينه وهم كثر وبضاعته من العلم مفلسة، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، كان العلماء الأوائل عندما يسأل أحدهم كان يفتي في مسألة ويعتذر عن مئات المسائل لأنه يعرف أن الفتوي في الدين أمر جلل وسيحاسب عنه. وهذا يعني في رأي سيدبي أن الإسلام لا يريد إنسانا متبلدا يأخذ ويتلقي فقط ثم ينفذ، لكن يعطيه لمحة للتأمل ودعوة للنظر والبحث، قال تعالي قل سيروا في الأرض فانظروا ونحن ندعو إلي تجديد الخطاب الديني لكن لابد أيضا من عدم إطلاق العنان لمن لا يعرف أن يتحدث باسم الدين.

وأما عن مواصفات الداعية في رأي سيدبي فيقول: لابد للداعية أن يكون رصينا، يعرف لغة عصره وأمته وقضاياها، ولديه ثقافة متنوعة وثرية من علم النفس والفلسفة، وأن يكون متخصصا في بابه الأصيل ومتمكنا فيه حتي يستطيع أن يقتحم عقل ونفس الانسان المعاصر حيث أن لديه تحديات من النظريات العلمية وإبداعات الحضارة الجديدة، لذلك لابد لمن يتصدى للخطاب الديني أن يواكب العصر ويواكب الرأي والرأي الآخر، ويستفيد من علوم العصر لا أن يكون متخلفا.

وهذا يعني أن الخطاب الديني في نظر سيدبي يتضمن ثلاثة عناصر: عالما ورسالة ومتلقيا؛ بمعني أنه لا بد أن يكون هناك نوع من التفقه في الدين أو الفقه العام لأحداث العصر بالعلم وذلك بشرط أن يكون هناك دعوة، وفقه الدعوة ليكون علي علم بما يقال للعامة ولا يقال للخاصة ومتي يقول الكلمة، وفي أي موضع يقولها، فيكون العالم واعيا بقانون التوازن في الدعوة، ما بين الترغيب والترهيب، فتجديد الخطاب الديني يحتاج إلي لغة جديدة في الخطاب، وطرح القضايا والموضوعات التي تساهم في بناء عقلية إسلامية معاصرة تجمع بين الدين والدنيا. وهذا المنهج العظيم الذي في لغة الخطاب فيه توازن وتناغم قال تعالي وابتغي فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسي نصيبك من الدنيا فتلك التعادلية بين الدنيا والآخرة لابد أن تتضمنها لغة الخطاب حتي نستطيع أن ننتج جيلا متوازنا ومتناغما يستطيع أن يساهم في إبداعات الحضارة.

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة يؤكد عليها سيدبي وهي أن تجديد الخطاب يجمع بين العلم والأخلاق في بوتقة واحدة ويبرر ذلك قائلا:" مناط الدعوة الإسلامية أو القرآن الكريم مبني علي النظرية الأخلاقية أو القيمة الأخلاقية يقول رسول الله (صلي الله عليه وسلم) إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، ومنظومة العلوم عند العرب والمسلمين كان لها باع طويل في مزج القصة الأخلاقية بالعلم، لذلك لابد من العقلية العلمية والإسلامية أن تجمع بين الأخلاق والعلم في لغة الخطاب، والخطاب الديني لأن الدين في نظر سيدبي هو  هو المحرك للشعوب.. المحرك للأمة ولا يمكن أن يتقدم المجتمع ويحقق الآمال بدون التمسك بالدين، بعبقريته وبعظمته وبجماله، الأمة تعاني من انهيار أخلاقي ولابد من تجديد في الخطاب الديني حتي ننقذ الأمة، وذلك من خلال هدفي النبي (صلي الله عليه وسلم) وإنك لعلي خلق عظيم ولابد أن ننتقل من التنظير إلي التطبيق، ومن الكلام إلي السلوك وهذه تحديات. ويستطرد سيدبي فيقول: الآن الفرصة سانحة من خلال وسائل التقنية المعاصرة من وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، فلو أجرينا إحصائية علي مستوي العالم الإسلامي لوجدنا أن الأمة الإسلامية تضيع أوقاتها للأسف فيما لا يثمن ولا يغني من جوع، والخطاب يجب أن يرشد الأمة نحو استثمار الوقت، نحو المحافظة علي ممتلكات الدولة والأمن العام، حيث إن تلك الممتلكات يجب أن تكون جزءا من تجديد الخطاب.

ويؤكد سيدبي بأن المرجعية التي بإمكانها أن تنهض بهذه المهمة هو الأزهر الشريف الذي يمثل مرجعية مهمة حيث يمثل الوسطية للأمة والمسلمين في العالم وتعقد الآن دورات لشباب الدعاة نحو آليات التجديد للخطاب وثقافة الداعية؛ فلا بد من من إعداد الخطيب نفسيا وثقافيا وتربويا ونمده بالكتب والمراجع ولو الأمر بيدي لأعطيتها له مجانا، ولغة الخطاب تكون من خلال التطبيق العملي في سلوكه، وأن يكون أمينا فيما يقول وما يفعل، أن يكون متنوع الثقافات، ولنا في ذلك مثل أعلي في الشيخ الشعراوي رحمه الله نراه كيف يدخل في علم الكيمياء والفيزياء والأحياء أو الكون والفلك والأجمل أنه يربط الأشياء بالدين ويظهر جمال الدين فيها.

ثم يقدم لنا بعد ذلك سيدبي وسائل تجديد الخطاب الديني، حيث يري أنه من الوسائل المهمة لتجديد الخطاب الديني التنوع مع اليسر فمن الأمور المؤسفة في نظر سيدبي أن البعض لا يحسن عرض الإسلام ومن لا يملك النصاب فكيف يزكي؟ ومن ثم ينبغي أن تتنوع وسائل الخطاب الديني في حياتنا المعاصرة وفيما نعتقد أن الطريقة الوعظية المباشرة لم تعد هي الطريقة الوحيدة وإنما هناك وسائل أخري أشد تأثيرا في النفس، مثل الأعمال الدرامية الجادة التي تهدف إلي إبراز قيم وجماليات الإسلام في حسن الإنسان المعاصر واعتقد أننا في امس الحاجة إلي هذا في ظل التحديات الشائكة والمعقدة.

كما أن الخطاب الديني كما يري سيدبي في حاجة إلي أن يجدد نفسه، وبخاصة الدعوة والتأكيد علي القضايا التي هي بمثابة قاسم مشترك بين شعوب الأرض قاطبة مثل الدعوة إلي الحب الإنساني بمعانيه السامية، الدعوة إلي مكارم الأخلاق، الدعوة إلي الحب الإنساني بمعانيه السامية، الدعوة إلي مكارم الإخلاق، الدعوة إلي الأخد بالعلم، الدعوة إلي التعاون، الدعوة إلي المساهمة في سعادة إنسان العصر، ويؤكد سيدبي أن هذه القواسم المشتركة بين كافة الشعوب ومن ثم فإن هذه الموضوعات وطرحها بطريقة عصرية مشوقة جديرة بأن تغير نظرة الغرب عنا ونحن محتاجون إلي أن يغير الغرب نظرته عنا بالفعل لأننا نحتاج إليها وهم يحتاجون إلينا ولا غني لأحد عن الآخر ويجب أن ننبذ ظهريا فكرة الدونية عن انفسنا، وأن نعود الغرب علي عدم النظر إلينا باستعلاء نتاج موروثه الحضاري.

أيضا من الأمور المهمة لتجديد الخطاب الديني في حياتنا المعاصرة كما يري سيدبي: إفساح المكان للخطاب الديني المستنير والمعتدل والمتوازن لكي يتبوأ مكانته عبر وسائل الإعلام المختلفة لأن الأمم العظيمة هي التي تحافظ علي هويتها والإسلام هو خير سياج للمحافظة علي بنائنا الاجتماعي في ظل متغيرات سريعة وعولمة عاتية لا ترحم – إلا من رحم ربي، ومن ثم فإن إفساح المكان والزمان للخطاب الديني في وقتنا المعاصر لمن المهام العظام التي ينبغي أن نتحلي بها في حياتنا المعاصرة.

من مهام الخطاب الإسلام المعار في نظر سيدبي تحديد الهدف والبعد عن الخلافات فثوابت الإسلام وأصوله واضحة ولا مانع من أن يجتهد حول الفروع وينبغي أن يكون واضحا أن الاختلاف آفة الأمم والشعوب، والأمة الناضجة هي التي تتوحد حول الهدف المنشود، ومن ثم فإن توحد الأمة عل قلب رجل واحد لمن مهام الخطاب الديني المعاصر وهذا ما تعلمناه عبر تاريخنا الحضاري.

من المهام الكبري لتجديد الخطاب الديني في حياتنا المعاصرة ما يطلق عليه سيدبي فقه الأولويات، وهنا في نظره ينبغي علي رجل الفكر والدعوة أن يكون عالما بصيرا بأمراض الأمة، فرجل الفكر والدعوة مثل الطبيب الذي يصف العلاج الناجع للمريض وكما يقولون لكل مقام مقال، ومن ثم فلا يقم نافلة علي فرض ولا مندوبا علي واجب، ويجب أن نسلط الضوء علي القضايا الكبري للمة مثل التكافل الاجتماعي والنهوض الاقتصادي والتقدم العلمي وبث روح العمل والعطاء .. أو الإخلاص والتفاني في حب الوطن لمن أعظم المهام لرجالات الدعوة والفكر لتجديد الخطاب الديني.

تحيةً للدكتور جمال سيدبي، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة فلسفية ووطنية وشخصية موسوعية، ما جعل زملاءه وتلاميذه من المفكرين والكتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته في تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.

وتحيةً مني لرجل  لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا فيه قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4904 المصادف: 2020-02-08 00:42:45