 شهادات ومذكرات

عباس منصور.. الإنسان والعالم

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي، بأن هناك رواد تنحسر عنهم أضواء الشهرة من أساتذة الجيولوجيا بسرعة لافتة للنظر، مع أنهم أسهموا قدر استطاعتهم في الارتقاء بالبحث والدرس في مجالها، وعملوا قدر طاقتهم علي أن ينقلوا ما عرفوه إلي تلاميذهم، وعلي أن يبدعوا في أكثر من مجال مثل أقرانهم الأكثر شهرة الذين كان عليهم الإسهام في كل مجال من مجالات الجيولوجيا المختلفة، استجابة إلي تحديات الركود الفكري في مجتمعهم ورغبة في الوقت نفسه في الارتقاء بهذا المجتمع من خلال نشر التنوير.

والأستاذ الدكتور الأستاذ الدكتور "عباس محمد محمد محمد منصور"- أستاذ جيولوجيا الرسوبيات البيئية بكلية العلوم قسم الجيولوجيا– جامعة جنوب الوادي  بجمهورية مصر العربية)؛ قلما يذكر اسمه خلال هذه الأيام، مع العلم أن هذا الرجل العظيم كان من أهم المؤسسين لجامعة جنوب الوادي؛ حيث نقلها من وادي ذي زرع، إلي جامعة تضاهي الجامعات الأوربية والأمريكية؛ علاوة علي أنه كان واحداً من الأساتذة الجامعيين العظماء الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في جيولوجيا الرسوبيات البيئية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص العلمي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

علاوة علي أن عباس منصور (مع حفظ الألقاب) يعد واحداً من أهم وأشهر النجوم الكبيرة المتلألئة في سماء جيولوجيا الرسوبيات البيئية خلال أكثر من نصف قرن، حيث يمثل لنا مفكراً أصيلاً وعالما كبيراً في هذا التخصص الدقيق؛ لقد كان عباس منصور يمتلك الكثير من عمق المعرفة الجيولوجية وجدية الأدوات المنهجية، فهو يمثل صاحب مسيرة طويلة وممتدة في تاريخنا الجيولوجي، فله أكثر من خمسين بحثاً علميا في جبولوجيا الرسوبيات وباقي فروع الجيولوجيا.

ولد عباس منصور بمحافظة قنا في 14/12/ عام 1958، وتدرج في مراحل التعليم الإبتدائي والثانوي والجامعي، حيث دخل كلية العلوم – قسم "الجيولوجيا"، وحصل منها علي درجة البكالوريوس فى العلوم "جيولوجيا" بتقدير عام جيد جداً- دور مايو 1980، ثم عين معيداً في ذات السنة، وسجل لدرجة الماجستير بعد ذلك، حيث نالها بتقدير ممتاز في عام 1985، وفي ذات السنة عُين مدرساً مساعداً، وأكمل بعد ذلك تسجيله لدرجة الدكتوراه في فلسفة العلوم البيولوجية، وحازها بتقدير "مرتبة الشرف الأولي " عام 1989، وخلالها عُين مدرساً، وأخذ بعد ذلك يتدرج  في المناصب العلمية والإدارية، فحصل علي درجة الأستاذية عام 2000م، ثم وكيلاً لشؤون البيئة عام 2004ن، ووكيلاً لشئون الطلاب عام 2006م، واستمر في عملية الترقي في العمل الإداري، حتي أصبح رئيساً لجامعة جنوب الوادي، طيلة خمسة عشر عاماً حتي بلوغه سن المعاش .

وللدكتور عباس منصور إسهامات كبيرة في علم الجيولوجيا، حيث شارك فى إعداد كتاب القرن للجمعية المصرية لعلم الرسوبيات - الجزء الأول - عن جيولوجيا الرسوبيات تطبيقاتها واقتصاداتها، كما شارك في مؤتمرات علمية كثيرة في معظم الجامعات الأوربية والأمريكية، وهو علي إلمام تام وتمكن قوي في اللغة الإنجليزية والألمانية، وهذا الأمر مكنه من أن ينال عدة جوائز علمية منها : حائز على جائزة سليمان لأفضل البحوث جبولوجيا الرسوبيات المصرية عدد 7 لسنة 1999، وحائز  الدولة التشجيعية فى الجيولوجيا في ذات العام، علاوة علي نيله لجائزة خاصة في جبولوجيا الرسوبيات المصرية عام 2003، وقد رشحته جامعة جنوب الوادي لجائزة الدولة التقديرية خلال العام الماضي ..

ولم يكن عباس منصور منعزلاً داخل جدران الجامعة، بل كانت له مشاركات في كثير من الهيئات والجمعيات العلمية؛ فكان رئيساً للجنة اختيار رؤساء الجامعات المصرية، ومشاركاً فعالاُ في كثير من المنتديات العلمية في الشرق والغرب وأعمال كثيرة أخري يطول شرحها..

ولم يكن عباس منصور ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان في عمله العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكان في ذلك متسقاً مع نفسه تمام الاتساق، فقد كان يبحث دائماً عن النوعية من الحياة، ويعرف كيف يتذوقها ويُرضي بها حسه المرهف. ولكن لعل السبب الأهم في عزوفه عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليه، هو أنه كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث.

كما كان عباس منصور قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

ولقد شهد له زملاؤه ومعاصروه له بالدقة، والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة ..إلي جانب ما يتمتع به من خلق رفيع، ولا غرو في ذلك فهو يمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثاً ومنقباً، محققاً ومدققاً، مخلفاً وراءه ثروة هائلة من الكتب العلمية، والبحوث العلمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطاهم خلاصة فكره وعلمه.

ولم يكتف عباس منصور بالإلمام بمقتضيات البحث العلمي في مجال الدراسات الجيولوجية أو ترسيخها في قلوب وعقول تلامذته وكل من يستمعون إليه، بل كان له السبق في استبطان عقول من يشرف علي رسائلهم؛ بمعني أنه كان مقتنعاً تماماً بأن لكل باحث شخصيته وميوله، فمنهم من يميل إلي المنهج المسح، ومنهم من يميل إلي التحليل والتعمق، في حفر الأفكار والقضايا العلمية، فلم يحرم هؤلاء أو هؤلاء من ميولهم، ولكنه أضاف إليها، فحافظ علي شخصية تلامذته والقواعد العلمية في آنا واحد، مما يندر أن يتوفر عند أساتذة كثيرين..

وفي نهاية مقالي أتقدم إلي بطلب رجاء إلي سيادة الرئيس "عبد الفتاح السيسي"، أن ينظر إلي ما حققه عباس منصور، حين حول جامعة جنوب الوادي من جامعة تابعة لجامعة أسيوط، وتحوي بعض الكليات التي لا موارد لها إلي جامعة عريقة وعظيمة؛ بحيث تضاهي الجامعات في أوربا من حيث المكان ومن حيث الجودة، وهي لا يقل شأنا عن الدكتور سليمان حزين رحمه الله الذي أسس جامعة أسيوط، فلو قلنا أن حزين أسس جامعة أسيوط، فعباس منصور يعد بحق المؤسس الحقيقي لجامعة جنوب الوادي،  وهنا من منبر صحيفة المثقف الزاهرة أُرشح الدكتور عباس منصور لجائزة الدولة التقديرية فهو يستحقها بجدارة .

وفي نهاية حديثنا لا أملك إلا أن أقول تحيةً مني للأستاذ الدكتور عباس منصور الذي لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا فيه قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4996 المصادف: 2020-05-10 03:42:01