 شهادات ومذكرات

عاصم الدسوقي.. مفكراً ليبيرالياً (2)

محمود محمد عليفي حياة الأفراد في كل أمة من الأمم وفي كل عصر من العصور، هناك نوع من الرجال لا يرتضي لنفسه أن يكون مجرد مقلد للآخرين، وبحيث يعيش كالعامة من الناس، بل إنه يؤمن إيماناً راسخاً بفكرة يسعي إلي تحقيقها أو هدف نبيل يسعي من أجله لإسعاد الآخرين، وبحيث يفضل الغيرية علي الأنانية ويعمل في صمت دون طبل أجوف أو منصب زائل أو شهرة عمياء .

والأستاذ الدكتور عاصم الدسوقي خير من يمثل هذا النوع من الرجال خير تمثيل، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات،فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

وعاصم الدسوقي صاحب رؤية خاصة فى قراءة وتفسير مستجدات الواقع المصري المعاصر، وذلك من اللقاءات التلفزيونية والصحفية، ويمكن أن نضرب بعض الأمثلة، وذلك علي النحو التالي :

1- أجرت بعص الصحفيات المصريات حديثاً معه نشر في صحيفة ملحق الخليج الثقافي بعنوان "عاصم الدسوقي: التاريخ يبدأ عندما تنتهي السياسة" فقال : إننا لا نتعامل بشكل علمي عند الحديث عن التاريخ وهذا خطأ كبير، فليست هناك اجتهادات في عملية البحث عن الأحداث والوقائع الحقيقية المتعلقة بالأشخاص والرموز، وتقصي الأمور بشكل موضوعي. وللوقوف على ضرورات وآليات البحث التاريخي الموضوعي كان للخليج معه الحوار التالي.. إن العلم مستقل عن السياسة والدين، وفي التاريخ على الدراس ألاَّ يصدر حكماً، وأن يفسر الوقائع بالرجوع إلى الظروف المحيطة، ويرصد الحقائق فقط، إضافة إلى تقصي الأشياء بموضوعية، من دون الحكم على الشخص الذي يؤرخ له. وعلى سبيل المثال عندما تقول «سعد زغلول كان مهادناً» فهذا عنوان خاطئ، الأفضل للمؤرخ أن يرصد الحدث فقط دون أن يضيف رأيه.. لا توجد اجتهادات في التاريخ، اللهم إلا في جمع الوقائع التاريخية، لا ينبغي الحكم على الأشخاص، الحكم - دائماً - يكون للقارئ، أما المؤرخ فيتحدث عن النسبي وليس عن المطلق، وليس له إبداء رأيه، لأن إبداء الرأي يخرجه من حيز «المؤرخ»، وإن حدث ذلك يكون خطأ كبيراً، وبعيداً عن المنهج العلمي السليم.

2- سئل عاصم الدسوقي هذا السؤال : هل هناك قداسة عند كتابة تاريخ الأشخاص؟ .. فأجاب قائلاً:  تقديس الشخصيات ليس في العلم أبداً، وما تم في ذلك لا يمكن اعتباره تاريخاً، فكل الشخصيات يؤخذ منها ويرد عليها، لأنها في النهاية بشر، لهم إيجابيات ولهم أيضاً سلبيات، وحدود النقد مرتبطة بالوقائع التي يجب أن تتوافر للباحث، الذي عليه أن يتجرد من الأهواء الشخصية، والانحيازات العصبية، والأفكار المسبقة، لأن هذه الأمراض لو دخلت أو تسربت إلى البحث التاريخي، فسنجد تشويهاً متعمداً للأحداث، كما سنجد لياً لعنق الوقائع، من أجل تجميل أشخاص بعينهم، وهذا تزوير في التاريخ يضر بعملية البحث العلمي، ويضر بالأجيال التالية. على المؤرخ أن يكون كاشفاً وراصداً بحيادية تامة، دون تحزب أو انحياز لعصر ما، أو شخصية ما، حتى تجيء كتابته وأقواله مطابقة للواقع.

3-  وسئل عاصم الدسوقي كذلك: ما أهمية الاستناد إلى مراجع تاريخية؟ فأجاب قائلاً:  كتابة التاريخ هي ذكر الوقائع من مصادرها من أرشيف الدولة، حسب المجال. لو تكتب في الزراعة يجب أن ترجع لوثائق وزارة الزراعة، أو عن وثائق دولية، يجب أن ترجع للمنظمات العالمية، ويجب الرجوع إلى وثائق متعددة، وعدم إسقاط وثائق بعينها، لو تم خلاف ذلك فسيكون تدليساً غير مقبول على الإطلاق،لا بد من البحث العلمي الدقيق، لكن للأسف الشديد كثير من الباحثين والمتحدثين في التاريخ يغفلون جوانب مهمة عند تناولهم لبعض الأحداث التاريخية، كذلك لابد أن أؤكد أن من يتصدى للقضايا التاريخية لا بد أن يكون متخصصاً، ومتأكداً من المعلومة التي يوردها، حتى لا تُحدث بلبلة أو تشويشاً للرأي العام.

4-سئل عاصم الدسوقي : هل يتم تدريس التاريخ عندنا بالشكل المطلوب؟.. فقال : هناك فرق بين مادة التربية الوطنية ومادة التاريخ، في أمريكا يضعون صور رؤساء أمريكا في المدارس لتذكير الطلاب بزعمائهم ورموزهم التاريخيين، وفي تلك الأثناء يتم إسقاط المثالب والسلبيات. المدارس في مادة التاريخ تذكر وقائع فقط. عندنا العيب هو المزج بين السياسة والتاريخ، فالتاريخ يبدأ حين تنتهي السياسة، إضافة إلى أنه من المفترض أن يكون المقرر الدراسي التاريخي يشمل كل التواريخ قبل 2011، أما كتبنا المدرسية التاريخية منتهية عند حرب أكتوبر 1973.

5- وسئل كذلك عاصم الدسوقي هذا السؤال: بعض المؤرخين يرى في التاريخ أحكاماً مطلقة.. كيف ترى ذلك؟.. فقال سيادته: التاريخ نسبي، ليست هناك حقائق مطلقة. البعض كتب عن بعض الزعماء بشكل فيه مبالغة، وهذه رؤية غير دقيقة. فقد يكون الزعيم ناجحاً في السياسة الخارجية، لكنه يغفل الحياة الاجتماعية لدولته، والعكس، كثير من المؤرخين في عصور سابقة كتبوا من هذا المنطلق. أعتقد أن هناك جيلاً من الباحثين في أقسام التاريخ المختلفة في الجامعات العربية، يملكون الآن جرأة في البحث، وقدرة فائقة على المصداقية في التناول، وكذلك في المراكز المتخصصة في التاريخ العربي، سواء في مصر أو غيرها من الدول التي تعنى بهذا الجانب.

6- وسئل : كيف ترى تناول الدراما للشخصيات والرموز التاريخية؟.. فقال الدراما في خصومة مع التاريخ، لأنها تعبر عن وجهة نظر كاتبها، حيث يدخل إليها بفكرة مسبقة، ثم يجيء السيناريست ليغيّر في الموضوع، ثم تكون وجهة نظر المخرج، والمنتج كذلك، حيث يختار المشاهد المؤثرة لجذب المشاهد. ويضع خلطة جاذبة للجمهور؛ لأنه في الأساس يبحث عن شباك التذاكر، والعائد المادي، ولا يهتم كثيراً بصحة الوقائع أو الأحداث. الدراما تقوم على «تهويل» الأحداث وتكبيرها، دون النظر إلى صدق هذه الوقائع وصحتها في الأساس، فهي تعمل على دغدغة مشاعر المشاهد وجذبه بطريقة متنوعة.. الصورة الدرامية تختلف عن الحقيقة المدونة في التاريخ، التي يعتمد في الأساس على وثائق حقيقة. ولذلك نرى كثيراً من الأعمال الدرامية التي تناولت رموزاً وشخصيات تاريخية لم تتحر الصدق في أوقات كثيرة..

7-وسئل عاصم الدسوقي في أحد القنوات المتخصصة عن ثورة 23 يوليو فقال : ثورة 1952 أفرزت حياة برلمانية ديمقراطية، حيث إن المجالس النيابية التي كانت موجودة قبل ثورة 1952 لم تكن برلمانات تعبر عن الشعب، ولا بالمفهوم المتداول حاليًا، ولم تحظ بأي دور تشريعي أو تمتلك سلطة حقيقية.. وعقب ثورة 1952 تم إلغاء النظام الجديد الأحزاب القائمة ورسخ فكرة التنظيم الحزبي الأوحد، وفي عام 1956 صدر الدستور الجديد، وتم بمقتضاه تشكيل مجلس الأمة في 22 يوليو1957 من 350 عضوًا منتخبًا.. وأشار إلى أن المجلس لم يستمر سوى سبعة أشهر فقط وتم حله في عام 1958 لتأليف الوحدة بين مصر وسوريا، وألغى دستور 1956، وصدر دستور مؤقت للجمهورية العربية المتحدة في مارس سنة 1958، شكل على أساسه مجلس أمة مشترك من المعينين 400 عضو من مصر و200 عضو من سوريا.

8- وسئل كذلك عن حريق القاهرة فقال أن «جمعة الغضب» فى يناير 2011 كانت «سيناريو مكرراً للفوضى» التى شهدتها مصر من قبل فى 26 يناير عام 1952، وأن جماعة الإخوان المسلمين كانت «صاحبة مصلحة» فى الحريق لإزاحة حكومة الوفد «عدوها التقليدى» عن المشهد السياسى. وإلى الحوار.. يظل حريق القاهرة واحداً من الألغاز التى لم يستطع أحد حتى الآن فك رموزها.. كيف تنظر إلى هذا الحدث بعد 64 عاماً على وقوعه؟.. حريق القاهرة من الحوادث الغامضة فى تاريخ مصر الحديث. وكون نتائج التحقيقات تصل إلى قيده «ضد مجهول» معناها أن الفاعل "معروف".. بمعني أن الفاعل معروف، ولكن لا يمكن الإشارة إليه، على الأقل فى هذا التوقيت. وهذا الحادث تقريباً مثله مثل موت أسمهان «حادث يقيد ضد مجهول»، ومن بعده يبدأ البعض فى التكهن وتوجيه الاتهامات.

9- وسئل عاصم الدسوقي عن ثورة 25 يناير فقال : إن ما قام به شعب مصر في 25 يناير هو قلب رأس الحكم وتغيير النظام وفلسفته في الحكم، مشددًا على أن ما حدث في 25 يناير حالة من الغضب وليس ثورة، مبررا بأن الثورة هي تغيير جذري في المجتمع وليس رأس النظام فقط كما حدث في يناير 2011.. وأكد «الدسوقي» أنه تم تشكيل لجنة من دار وثائق الكتب لتوثيق ثورة يناير ولكن لم يظهر شيء، وأن التقارير الأمنية من أحد أساليب توثيق الثورة، موضحا في الوقت نفسه أنه لا يمكن توثيق ثورة يناير الآن حتى إغلاق جميع ملفاتها.

10- وسئل عاصم الدسوقي هذا السؤال: هل نعتبر أن «30 يونيو» 2013 هى السيناريو المكرر لتعامل عبدالناصر مع الإخوان فى 1954؟.. فأجاب الدسوقي طبعاً.. فعبد الناصر  تنقل بين مختلف التنظيمات بما فيها الإخوان، وله «كارنيه» فى مصر الفتاة. وانضم إلى الحركة الشيوعية وكان اسمه الحركى «موريس»، وذلك مثبت تاريخياً. والأزمة بين عبدالناصر والإخوان عندما تحالفوا مع «محمد نجيب» ضده. وكان صعباً على عبدالناصر أن يحارب على جبهتين فى وقت واحد لأنه كان مشغولاً بمفاوضات الجلاء مع الإنجليز. وعقب توقيع الاتفاقية والتصديق عليها فى أكتوبر.. أعفى «نجيب» من منصبه. ولو حدث ذلك أثناء المفاوضات لقلب الإخوان الطاولة. وهنا ذكر رئيس الوزراء البريطاني أنتونى إيدن فى مذكراته «إننا كنا نعتمد على الإخوان فى إثارة القلاقل أثناء التفاوض مع ناصر لإحداث فوضى تدفعنا للخروج من التفاوض» !.. ومن قبل ذلك تحدث حسن الهضيبى مباشرة إلى «عبدالناصر» طالباً منه أن يرسل أى مشروع قرار مزمع صدوره عن مجلس قيادة الثورة إلى «مكتب الإرشاد» لدراسته.. وهو ما تكرر بعد أكثر من نصف قرن عندما أصبح «مرسى» رئيساً، والحاكم الفعلي كان «مكتب الإرشاد»!

ويطول بنا الحديث في المواقف والشواهد الدالة علي عمق ومتانة أفكار الدكتور عاصم السوقي الليبرالي، وفي نهاية حديثنا لا نملك إلا أن نقول:  إذا أردت عزيزي القارئ أن تتعرف علي بعض جوانب وقدرة ومهارة الدكتور عاصم الدسوقي في النقد والتحليل، وإذا أردت أن تتعرف علي براعته التاريخية وطريقته الفريدة في البحث وراء معاني التصورات والمفاهيم في بحر التاريخ المصري الحديث والمعاصر العميق المترامي الأطراف، فعليك بقراءة كتبه علها تفتح شهيتك لقراءة المزيد من كتاباته وتستحثك للخوض بنفسك في بحار الحكمة ومحيطات المعرفة.

فتحية طيبة لأستاذنا الدكتور عاصم الدسوقي الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5018 المصادف: 2020-06-01 03:18:44