 شهادات ومذكرات

عبد الحميد صبرة: فيلسوف مصري في جامعة هارفارد (2)

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عبد الحميد صبرة ؛ حيث نقول:  لم يكتف "عبد الحميد صبرة"  بذلك يؤكد بأنه من منطلق هذ الفهم للعلم، فإنه عندما نطل علي العبقرية العربية في مجال العلوم الطبيعي، ونحاول أن نتعرف علي أبرز قسمات، أو ملامح هذه العبقرية، تود أن نتساءل: هل كانت لديهم منهج بحث؟، وهل كان لديهم أسلوب في التكفير العلمي؟، وهل كان لديهم إنجاز معين أو انجازات معينة؟ ؛ وماذا كانت عبقرية العرب؟..

وهنا يجيبنا صبرة قائلاً : الواقع أن العلم العربي، كان مزيج من كل هذا.. نعم العلم العربي قام علي أسس كانت موجودة من قبل ؛ حيث استقاها العرب من حضارات كانت سابقة عليهم، أهمها كان العلم اليوناني .. لكن كانت توجد عناصر مهمة جداً جاءت من الهند ومن فارس .. العنصر اليوناني كان أهم هذه العناصر.. أهميته تمثلت في الكيفية التي وصل إليها العلم اليوناني بإخراج عباقرة من أمثال إقليدس، وبطليموس، وأرشميدس، وأبولونوس .. كانوا عباقرة في الرياضيات بكل المستويات، ولكن آيا كانت المستويات التي يمكن أن تحكم بها .. العرب اطلعوا علي هذا التراث كله وبرمته ولم يطلعوا علي أجزاء منه كما قيل .. العرب نجحوا في أن يدخلوا أجزاء أخري في هذا التراث اليوناني، وذلك  بعد أن استوعبوه كله ودرسوه، بحيث إنه كان في استطاعتهم أن يستخدموه استخداماً مستنيراً، أي استخدموه استخداماً يدل علي تمكن لا فقط مجرد الفهم والتقليد! ..

وهناك أمثلة كثيرة .. ولكن في نفس الوقت اطلعوا علي نتائج علمية جاءتهم من الهند لم تكن معروفة عند اليونان، ونتيجة هذا أن نشأت مشكلات! .. هي فعلا مشكلات علمية نتجت من وجود عناصر متباينة في الظاهر، أصبحت الآن تجسد لنا مفكراَ واحداَ هو المفكر العربي! .. ماذا يفعل هذا المفكر أمام تلك العناصر المتباينة في قطاعات كثيرة مثل حساب المثلثات .. بعض الدوال جاءتهم من الهند، وحتي الأرقام والتي كان يسمونها الأرقام الهندية والتي نسميها الآن الأرقام العربية، هي التي انتقلت إلي أوربا عن طريق العرب واستخدمها العرب  .. العرب أخذوا هذا النظام ووضعوه جنباً إلي جنب مع النظام الستيني، والذي كان يوجد عند البابليين، ثم انتقل إلي اليونان، وظهر في علم الفلك اليوناني، وأخرجوا نظام جديد لم يكن معرفاً لا للبابليين، ولا للإغريق، ولا للهنود،وهو الذي قامت عليه كل التطورات العلمية في أوربا بعد انتقال العلم العربي إلي اللاتين ..

وثمة نقطة مهمة يؤكد عليها "عبد الحميد صبرة"  وهي كما يقول : إذا سألت عن المنهج هل كان هناك فرق في المنهج ؟ ؟.. والإجابة علي هذا السؤال في الحقيقة تختلف بالاختلاف الميداني للبحث .. في بعض الميادين يمكن القول بأن المنهج الذي اتبعه العرب كان شبيه جداً بالمنهج اليوناني في بعض الفروع .. لكن هناك فروع أخري نشأت نتيجة هذا المزج بين الثقافات المختلفة.. نعم كان لديهم منهج جديد وهو "المنهج التجريبي"، وهذا المنهج لا يعتبر خاصة من خواص العلم اليوناني البارزة .. فالخاصية المعروفة عن العلم اليوناني بأنه علم نظري غير أكاديمي ..

لكن الطابع التجريبي واضح جداً في العلم العربي؛ حيث تجده في بعض جوانب الدراسات الميكانيكية.. وتجده أيضاً في المعادن والبصريات وفي فروع كثيرة .. لكن الاهتمام بالرصد والأرصاد فقد كان من اهتمام اليونان، ولكن اتخذ أهمية خاصة في الحقبة العربية .. إذن كان هناك تجديد في المنهج عند العرب.. وهذا التجديد في المنهج كان له تأثير فيما بعد علي التطور العلمي في أوربا بعد الترجمة العربية إلي اللاتينية ..

أما فيما يتعلق بالإنجازات فقد كانت هناك إنجازات للعرب، مثل حساب المثلثات، حيث لم يكن فرعاً رياضياً بذاته قبل أن يبحث فيه العرب، وكانت لديهم نظريات في الفلك؛ حيث يبحث مؤرخو العلوم بعلاقاتها بإنجازات كوبرنيقوس، وهذا يمثل بحث تاريخي موضوعي قائم علي الوثائق الموجودة والمعروفة أمامنا .. كذلك العرب كانت لديهم نظريات في حساب الأعداد، وكذلك إنشاؤهم لعلم الجبر الذي شيده وبناه محمد بن موسي الخوارزمي وهذا لم يكن موجوداً لا عند اليونان ولا عند الهنود ..

لم يكتف فيلسوفنا المصري عبد الحميد صبره بذلك، بل يعطينا نموذج آخر من روائع العلم العربي ألا وهو كتاب المناظر للحسن بن الهيثم، والذي يقول عنه بأنه من "أنفس ما أنتج العلماء العرب في مجال الفيزياء". والله يعلم كيف استثمر ابن الهيثم تجربته في ادّعاء الجنون فوضع "أشمل وأنضج نظرية في سيكولوجية الإدراك الحسي وصلتنا من العصر القديم والوسيط" ..

وبفضل بصيرة ابن الهيثم، نصل "بالتدرج والتلطف إلى الغاية التي يقع عندها اليقين"، فندرك تعقيدات تشغل بالنا اليوم من خلال شرحه التالي لاختلاف النظريات بصدد البصر: "كل مذهبين مختلفين إمّا أن يكون أحدهما صادقاً والآخر كاذباً، وإما أن يكونا جميعاً كاذبين والحق غيرهما جميعاً، وإما أن يكونا جميعاً يؤديان إلى معنى واحدٍ هو الحقيقة، ويكون كل واحد من الفريقين القائلين بذينك المذهبين قد قصّر في البحث فلم يقدر على الوصول إلى الغاية فوقف دون الغاية، ووصل أحدهما إلى الغاية وقصّر الآخر عنها، فعرض الخلاف في ظاهر المذهبين، وتكون غايتهما عند استقصاء البحث واحدة".

ثم يؤكد "عبد الحميد صبرة" بأن شخصية ابن الهيثم تمثل شخصية عملاقة في تاريخ العلم  سواء في فلسفته ومنهجيته معاً. كتب في الحساب والفلك والموسيقى والأخلاق والشعر. وكانت الهندسة، أو الجومطريا بتعبير العرب هي ميدانه الأثير، بحث في هندسة السطح المستوي أو أصول الهندسة لإقليدس وأيضاً في هندسة المجسمات أو القطوع المخروطية لأبلونيوس، وفي مصنفات لأرشميدس. رفض سلطة الكتابات القديمة فيقول إن (طالب الحق ليس هو الناظر في كتب الأقدمين، المسترسل مع طبعه بحسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم).

حقق صبرة كتاب ابن الهيثم (الشكوك على بطليموس- 1971). هكذا دخلت الشكوك في عناوين ابن الهيثم، فضلاً عن شكوك أخرى ترد فعلاً فيما أسماه (تعليقات) على كذا. إن الشكوك وجه آخر للنزعة النقدية التي هي عصب العقلية العلمية. لقد لازمته النزعة الشكية منذ مطالع الصبا، وأشار صبرة إلى أن نشأته وسط تضارب بين ملل ونحل شتى، سببت له بلبالاً واضطراباً، ولم يعصمه من الحيرة إلا جناحا العلم الفيزيائي: صرامة الرياضيات ومتانة التجريب، أو العقلانية على الإجمال. وبالتالي خرج ابن الهيثم من الأزمة بخيار حاسم هو التفكير العقلاني، كما تتمثل أروع صوره في البحث العلمي.

وقبل أن أنهي مقالي هذا أشيد بالدراسة القيمة التي كتبها عنه زميلنا الدكتور خالد قطب (أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب جامعة الفيوم) بعنوان "فلسفة تاريخ العلم العربي : عبد الحميد صبره رائداً "، وفي هذه الدراسة ناقش خالد قطب أطروحة عبد الحميد صبره حول مركزية العلم العربي أو الديالكتيك بين الاسـتيعاب والتجـاوز داخل العلم في العصور الوسطي الإسلامية. يهتم عبد الحميد صبره بتفسير تحول المعرفـة العلمية عبر الثقافـات. فهو يحاول أن ينتقـد الاتجاهات المعاصـرة في التأريخ للعلم العربي لكي يقدم وجهة نظر جديدة والتي تعكس البيئة العقلانيـة العامة. إن الأبعاد الاجتماعية والسياسية لها تأثيرها علي الإنتاج العلمي الذي يقدمه العلماء أنفسهم. حيـث يشير عبد الحميد صبره إلي مصطلح العلم العربي ليعني به تلك المساعي العلمية التي قدمها العلماء والمؤسسات العربية الإسلامية. كما يتعامل عبد الحميد صبره مع الـدروس الابستمولوجية داخل العلم العربي.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي "عبد الحميد صبرة" هذا الفيلسوف المصري الذي شرفنا بجامعة هارفارد الأمريكية حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا العملاق، فتحية طيبة للدكتور حامد طاهر الذي الذي خطفته منا كورونا، والذي يمثل لنا نموذجاً فذاً للفيلسوف الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله "عبد الحميد صبرة" الذى رحل عن عالمنا يوم 12 ديسمبر عام 2013 تاركاً لنا إرثاً عظيماً من تاريخ العلوم ممثلاً في مئات من الطلبة والعديد من الكتب والمقالات والأبحاث العلمية ... فهل نستفيد من هذا الإرث؟ أم نكتفي بقراءته والترحم على عصر جميل قد مضى؟ أم نستفيد منه لبناء المستقبل؟

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...................

المراجع

1-  خالد قطب: فلسفة تاريخ العلم العربي: عبد الحميد صبره رائداً (دراسة)

2- أمسية ثقافية فاروق شوشة مع د عبد الحميد صبرة أستاذ تاريخ العلوم عند العرب (يوتيوب).

3- محمد زهران: الدكتور عبد الحميد صبرة... وتاريخ العلوم (مقال).

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5044 المصادف: 2020-06-27 04:02:44