 شهادات ومذكرات

بيتر سلوتردايك في سطور

حيدر جواد السهلانيسلوتردايك سيرة وفكر: ولد بيتر سلوتردايك عام 1947 في كارلسرو في ألمانيا، لأب هولندي وأم ألمانية، ودرس الفلسفة واللغة الألمانية والتاريخ في جامعة ميونخ وجامعة هامبورغ من عام 1968 وحتى العام 1975، وقد حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة هامبورغ عام 1975 عن اطروحته (الأدب وتدبير تجربة الحياة، تعدد النظريات والتواريخ في السيرة الذاتية لجمهورية فايمر)، يعمل حالياً أستاذ للفلسفة، ويعد سلوتردايك من الفلاسفة المهتمين بتبسيط الفلسفة وقد شارك في برنامج تلفزيوني شهير عرض على قناة(ZDF) بعنوان في بيت زجاجي، اللجنة الرباعية للفلسفة، والمعروف أيضاً بساحة أثينا الجديدة، وهو يكرس لمناقشة القضايا الفلسفية المعاصرة بصورة معمقة.(1) يوصف سلوتردايك بأنه معجب ويخطي على أثر نيتشه، فهو كنيتشه مشاغب وينقد الأفكار الخطيرة، وقد انطلقت بينه وبين جماعة النظرية النقدية جدالات ساخنة وبالخصوص هابرماس، ويصنفهم ضمن دائرة الوعي التنويري الزائف، واليوم هو لا ينفض الغبار عن نيتشه لكي يحييه كصنم أو مدرسة، بل كفيلسوف بمعنى محب الحكمة، وكآلية تفكير متحررة من كل المدارس، آلية تغتذي بالأسئلة والحيرة وتنفق كل طاقاتها في بعثرة القيم واليقينيات، أن سلوتردايك يجيد الحفر في الكتب المنسية والمهمشة، وله القدرة على ضبط الخيط الرفيع المتقلب بين النصوص والوقائع، وأن ما يميز سلوتردايك هو الخروج عن المألوف، ويتميز أسلوبه بالسخرية، والسخرية هي فلسفة للقضايا الاجتماعية والمشاكل الإنسانية، ويشهد على ذلك أيضاً ما جاء على لسان هابرماس حين عد كتاب سلوتردايك الأول أهم كتاب صادر في مبحث تاريخ الأفكار منذ سنة 1945. ويعد سلوتردايك من فلاسفة ما بعد الحداثة، ويلقب أيضاً بالنيتشوي الجديد، وهو الفيلسوف القاطع لحبل سرة الحداثة والناقد الساخر لأفكار الحداثة والخصم المجادل لقلعة رواد ما بعد الحداثة من أمثال هابرماس وأكسيل هونيث، ولا يفضل سلوتردايك الألقاب، ولا يأبى إلا أن يكون اسماً بلا لقب، وهو الفيلسوف المتأثر بديوجين الكلبي الذي جعل من حياته تجربة فلسفية ومن برميله مسكناً ومقاماً شبيهاً بحياة الكلاب.(2) ومن أهم مؤلفاته: نقد العقل الكلبي 1983، الشجرة السحرية ولادة التحليل النفسي 1985، نحو مجيء العالم واللغة 1987، التاوية الاوروبية المفكر على خشبة المسرح، المادية النيتشوية 1989، عالم معزول عن الواقع 1990، قواعد من أجل حديقة حظيرة الإنسان 1999، الكرات وهو يقع في ثلاثة أجزاء الجزء الأول صدر عام 1998، والجزء الثاني صدر عام 1999، والجزء الثالث صدر عام 2004، تدجين الكينونة 2000، الشمس والموت 2001، الحاضنة الأصلية للبشرية 2001، الإنجيل الخامس لنيتشه 2003، الرأسمالية المتألهة 2007، عالم الأدب الصوفي 2007، الارهاب من الجو 2009، حماسة الله المعركة من الديانات التوحيدية الثلاث 2009، دريدا 2009، مزاجيات فلسفية من افلاطون حتى فوكو 2009، تأملات غير سياسية لا أكثر 2010، لا الشمس ولا الموت 2011. ومن الجوائز التي حصل عليها سلوتردايك وهي 1993 جائزة أرنست روبا للكتاب، 2000 جائزة فريدريش ماركر للكتاب، 2001 جائزة كريستان كلار لمستقبل التفكير الفلسفي، 2005 جائزة فرويد للبحث العلمي، 2007 جائزة أعمال الكتاب، 2008 جائزة لايبرغ مندليسون، 2008 جائزة ليسينغ للنقد، 2008 جائزة شيشرون للشعراء، 2009 جائزة للنقد المعماري، 2013 جائزة لوفيغ بويرن.(2)

توازن فلسفة سلوتردايك بين الأكاديمية الصارمة وبين التعبيرات المناهضة للمعايير الأكاديمية، ويرفض لقب المفكر المثير للجدل والذي اطلقه عليه منتقدوه الكثر ويفضل بدلاً منه لقب الحاسم أو القطعي، ويشار إلى أفكار سلوتردايك بوصفها ما بعد الإنسانية، لأنها تسعى إلى دمج العناصر المختلفة، وقد عرفت فلسفة سلوتردايك بفلسفة عقلانية ساخرة تتوسل بحس المفارقة والمحاكاة الساخرة والعلم المرح، من أجل قلب العقلانية الاداتية والحسابية، وغايتها السعي وراء الحقيقة بدون تنميق، عن طريق الوعي والعمل على إثبات الوجود بالمقاومة بالضحك وبالرفض، وبالسعي إلى العيش ضد كل أنواع الكذب والخداع، واذا كان ديوجين الكلبي هو مؤسس العلم المرح، فإن العلم المرح عند سلوتردايك يتمثل في الذكاء الساخر، وفي الشك وفي التركيز على ضرب من اللهو واللعب المرح والتهكم، وتبعاً لذلك يصبح التهكم والسخرية وسيلتين لإنتاج الحقيقة، وأن اعتماد السخرية كمنهج، يمثل ما يمكن أن نسميه فن معارضة كل ما يقدم نفسه على أنه حقيقي حسابياً، ويعتقد سلوتردايك بفلسفة المقاومة، وهي فلسفة مقاومة للنظرية وليس بالممارسة وإنما بالضحك وبالصمت وبالفعل، أذ إننا نحتاج إلى ما يسميه سلوتردايك بفينومينولوجيا الوعي الساخر، فهي وسيلة لمقاومة سلطة المؤسسات بكيفية فعالة وناجحة، دون الدخول في لعبة الحجاج والبرهان، ويمكن إجمال ما تنتقده العقلانية الساخرة: 1 - انتقاد الرأسمالية ومبدأ التبادل المعمم.2 - انتقاد قيمة المال على كل مناحي الحياة، حيث هو القائل إن المال هو التجديد في حالة العمل.3 - انتقاد نظام المعلومة في المجتمعات المعاصرة التي تتغذى على الكارثة من جهة، وعلى الفضيحة من جهة أخرى وعلى الإثارة في كل الأحوال.4 - الدعوة إلى إعادة التفكير في العولمة.5 - بلورة فكر فلسفي ساخر، ومن ثم تحليل مفهوم السخرية نفساً جديداً للعقلانية المعاصرة.6 - بلورة مفهوم الغضب بوصفه خاصية اساسية للأزمنة الحديثة، حيث عد وسيلة لخلق مقاومة عالمية للرأسمالية، مؤكداً على أن الرهان يمكن أن يكون على ثورة غضب عالمية.7 - مناقشة الضجة التي أثارتها فكرة الحظيرة البشرية وجداله مع هابرماس. ويعتقد سلوتردايك أن الفلسفة تأسست منذ ظهورها مع اليونان على مواجهة واضحة للفكر العادي، فالحقيقة الفلسفية تختلف عن الحقيقة المتداولة لدى عامة الناس، والفلسفة عند سلوتردايك تتعارض مع القواعد الخطابية المتداولة، عكس ما يدافع عنه هابرماس الذي يرى أن الحقيقة ما هي إلا فضيلة الحوار، والخطاب يضل دائماً ممارسة عادية للفكر، بينما الفلسفة تجسد حالة الاستثناء التي يمكن أن يبلغها الفكر البشري، والفلسفة عند سلوتردايك هي فكر قائم على المغامرة والمخاطرة، وليس على بحث التسويات والمهادنة، وأن ما يحدد جوهر الفلسفة هو الدهشة وحالات النشوة والانخطاف، ويرفض سلوتردايك وجود الثنائيات مثل الجسد والروح أو الفاعل والمفعول به أو الثقافة والفطرة، بما أن التفاعل بينها ومساحات الوجود المشترك والتطور التكنولوجي، أدت إلى خلق واقع مندمج تغيب فيه الازدواجية، لذلك يقترح إنشاء ما يدعوه الدستور الوجودي يجمع كافة الموجودات ضمنه، إذ يشمل البشر والحيوانات والنباتات والآلات، وبذلك أن سلوتردايك ليس الفيلسوف الذي يفهم الفلسفة بوصفها حب الحقيقة، وهو ليس معنياً بالمشكلات الميتافيزيقية والانطولوجي والابستيمولوجية ، ويرى أن الموضوعات العظيمة مراوغة وانصاف حقيقة تلك الشواهق الجميلة المتعالية الله(جل جلاله) والنظرية والممارسة والموضوع والكائن والجسم والروح والمعنى والعدم، كلها لا شيء، إنها مجرد اسماء للشباب والغرباء وعلماء الاجتماع ورجال الدين. وقد سعى سلوتردايك إلى دفن التنوير، وليس الثناء عليه، والنتيجة هي نقد صارخ للتنوير والفكر العلمي، ويرى أن قيم التنوير في العصر الحديث، قد تدهورت وانخفضت إلى وعي كاذب مستنير، وإن محاولات التنوير لفهم العالم وتحسينه، قد تحولت إلى سخرية.(3)   

 لا يتبنى سلوتردايك النزعة الكلبية الحديثة المعاصرة كما يعبر عنها العقل الكلبي الحديث، إنه على العكس من ذلك يأخذ بالنزعة الكلبية في صفائها الاصلي ونقائها الحقيقي، أي النزعة الكلبية القديمة كما مارسها ديوجين المتوحد، والنزعة الكلبية الحديثة تمثل الوعي الزائف الذي يعيشه الإنسان الحديث، لذلك عمد سلوتردايك إلى التصدي إلى هذه النزعة المبتدعة، والتي أخذت تنتشر كالسرطان وتتحول شيئاً فشيئاً إلى طريقة حياة كونية وفلسفية وشعبية عاملاً على كشف أوهامها وابطالها، والعودة إلى النزعة الكلبية الاصلية واستخدام ادواته النقدية في نقد وتقويم النزعة الكلبية الحديثة، لذا يمكن القول إن كتاب نقد العقل الكلبي هو كلبي للكلبية، أي أنه يتبنى كلبية تتميز بسعيها الدؤوب إلى تجديد أمل الأنوار في أن يعمل الإنسان الواعي على تغيير اوضاع الإنسان في هذا العالم، أن النزعة الكلبية نزعة مواطنة عالمية تخص الإنسان المتوحد، لذلك أعدها ثورة للعقل على العقل ورفضاً للبلاهة العلمية التي تسجن الحياة في حدود طبقة، كما أعدها مجابهة للاغتراب الناتج عن سيرورة تقدم العقل، ويعتقد سلوتردايك أن النزعة الكلبية هي شكل فلسفي اصيل يسمح للرغبة في الحياة بأن تعرب عن ذاتها وعن حضورها، ومعنى ذلك أنها تدعو الإنسان إلى أن يظل هادئ الطباع صافي السريرة، وإنها تدعوا الإنسان إلا ينساق وراء الأهواء أو الانظمة، حتى لا يفاجأ بما لا تحمد عقباه فيشوب حياته الكدر.(4)

يعتقد سلوتردايك أن السياسة وضعت لترويض البشر ليصبحوا مواطنين صالحين، فهو يعتقد مثل هوبز بأن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان والسياسة تحولهم إلى بشر صالحين، ويرى سلوتردايك أن الإنسانية ليست متجذرة في البشر، ولكن هذه الإنسانية تأتي إلى البشر عن طريق التعليم، فالتعليم هو الذي يشكل المجتمع ويربط أعضاءه المتعلمين بروابط الصداقة والتكافل، ولهذا يطالب سلوتردايك بصياغة دستور من الانثرو - تقانات، وفقاً لمنطق الجينوم الذي يشكل وسيط جديد لقضية التحولات، ولكنه لا يزال في مجال اللغة، ويرى سلوتردايك أن جميع الكائنات تمتلك صفة التعايش، وقضية الكينونة التي ناقشها الفلاسفة بحرارة، يجب أن تطرح في سياق التعايش بين الناس والأشياء في الأماكن التي تضمهم، وهذا يعني وجود علاقة رباعية، الكائن يعني شخص، يكون مع شخص آخر، ومع شيء آخر، وفي شيء، ويشرح سلوتردايك نظريته على المستوى الميتافيزيقي، وهي أن البشر لا يعيشون خارج الطبيعة وإنما يخلقون دائماً نوعاً من الفضاء الوجودي حول أنفسهم، والمساحات الحضرية هي البيئة المؤنسة حيث يتم استبدال الطبيعة بواقع من صنع الإنسان، وهذا يمكن أن يثير نوع من الاغتراب والشعور بالفقد داخل المدن، التي قد تتوقع عادة أن تشعر بها وكأنك في الطبيعة، ويعتقد سلوتردايك أن المرء ليس وحيداً مع ذاته المطلقة، ولكنه أيضاً مع اشخاص آخرين ومع الأشياء والظروف، ويحدد سلوتردايك ثلاث موجات من العولمة، كل واحدة مع أشكالها الجديدة من البنى المصطنعة، الموجة الأولى، هي العولمة الميتافيزيقية لعلم الكونيات اليوناني وأنشأت هندسة باطنية، الموجة الثانية، هي العولمة السحرية منذ القرن الخامس عشر، الموجة الثالثة، وهي الموجة التي نعيشها الآن من تكنولوجيا واتصالات والخ.... من الحداثة التقنية. ويدعوا سلوتردايك إلى اكتشاف المهارات والملكات الكامنة فينا، مؤكداً على قدرة الإنسان على الخروج من الأزمة الاقتصادية والإيكولوجية النووية، ومصدر هذا التفاؤل هو أن الإنسان يمتلك القدرة على تخط ذاته، والإنسان أسير العادة والمألوف والمبتذل، لكنه في الوقت نفسه يستهلك حدود الطقوس اليومية غالباً، وهذا أبلغ دليل على أننا نصنع مستقبلنا كما نصنع داخله بالمثل، ويرى سلوتردايك أن السياسة تتحول أكثر فأكثر إلى شيء لا عقلاني وتمليه الانفعالات.(5)

 

حيدر جواد السهلاني

......................

الهوامش:

1 - ينظر أماني أبو رحمة: بيتر سلوتردايك (الحظيرة البشرية ومكانية الوجود في الألفية الثالثة)، ضمن موسوعة الفلسفة الغربية المعاصرة، إشراف علي عبود المحمداوي، ج2، منشورات الاختلاف، الجزائر، ص1525.

2 - ينظر بيتر سلوتردايك: الإنجيل الخامس لنيتشه، ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، كولونيا - ألمانيا، ص9. وأيضاً من مقاربات في الحداثة وما بعد الحداثة، حوارات منتقاة من الفكر الألماني المعاصر، تعريب محمد الشيخ وياسر الطائري، دار الطليعة، بيروت، ص146.

3 - ينظر أماني أبورحمة: المصدر السابق، ص1525 - 1526.

4 - ينظر من مقاربات في الحداثة وما بعد الحداثة، ص148 - 149 - 160 - 161.

5 - ينظر أماني أبورحمة: المصدر السابق، ص1528 - 1529 - 1533 - 1536 - 1537 - 1544.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5077 المصادف: 2020-07-30 02:11:55