 شهادات ومذكرات

الشيخ الناصري، الصوت العراقي الأعلى

سليم الحسنيكان الشيخ محمد باقر الناصري رحمه الله، الصوت العراقي الأعلى في أجواء المعارضة. وقد اعتمد في نشاطه وتحركه على مبدأين أساسيين ظل ملتزماً بهما على طول الخط حتى سقوط نظام صدام حسين:

الأول: إصراره على ان المواقع القيادية يجب أن تخضع للإنتخاب وليس عن طريق التعيين. وقد سبب له هذا الإصرار الكثير من المشاكل مع الشخصيات والجهات الإسلامية. خصوصاً بعد تشكيل جماعة العلماء في أوائل الثمانينات، حيث أفرزت الانتخابات عن فوزه بالأمانة العامة، وهو ما جعل بعض الشخصيات الأخرى تتحسس من شعبيته الواسعة في أوساط العراقيين، وتنظر اليه على أنه يمتلك مواصفات الزعامة التي ستكتسح الأسماء الأخرى.

الثاني: إلتزم الشيخ الناصري رحمه الله باستقلالية القرار العراقي، وأصر على ذلك طوال فترة معارضته. وقد دفع الشيخ ضريبة هذا الإصرار الوطني بأن تعرض الى مضايقات كثيرة، وقد استغلتها بعض الأجنحة النافذة في إيران لمحاربته وحصاره.

كما تسبب منهجه هذا في حدوث خلافات مع شخصيات وجهات إسلامية ابرزها مع السيد محمد باقر الحكيم رحمه الله الذي استند الى أن ما تقرره الجمهورية الإسلامية يجب الإلتزام به، بينما كان الشيخ الناصري يرى أن القضية العراقية منفصلة عن القرار الإيراني، وأن رجالها وابناءها هم من يقررون شؤونهم ولا حاجة لهم الى الوصاية، فلكل ساحة خصوصياتها وظروفها ورجالها.

بعد تشكيل المجلس الإسلامي الأعلى، كان الشيخ الناصري أحد أعضاء لجنته المركزية، وخلال فترة تدوين النظام الداخلي للمجلس وتحديد أسسه، وقف الشيخ رحمه الله معارضاً بشدة الفقرات التي تسلب استقلاليته وتنتقص من عراقية التشكيل الجديد. وكانت أشد اعتراضاته على (لجنة الاسناد) وهي لجنة عليا تشرف على قرارات المجلس الأعلى ويكون لها حق الرفض وتتشكل من أعضاء إيرانيين يرتبطون بالحكومة الإيرانية.

لم يكن الشيخ الناصري بتوجهاته الوطنية العراقية وبإيمانه الضارب الجذور بعمق المجتمع العراقي ليوافق على وجود هذه اللجنة، مع إيمانه بقيادة الإمام الخميني وبالثورة الإسلامية في إيران، لكن ذلك حسب قناعته لا يعني تسليم القضية العراقية لموظف ومسؤول إيراني مهما كانت درجته ومستواه.

في أحد أيام الشتاء من عام ١٩٨٣ تشرفتُ مع الصديق العزيز وعديلي (أبو سحر) باستضافته في بيتنا المشترك قرب ميدان الحرية (ميدان آزادي) بطهران. وقد كان الحزن يغطي وجهه، وغيمة من الهموم لا تفارقه. انهمك في كتابة عدة أوراق. توقف عن الكتابة في فترة الغداء، ثم عاود الكتابة حتى الساعة الرابعة تقريباً. نظر الى ساعته وقال: (صار وقتي ضيقاً) ثم خرج مع مرافقه آنذاك (أبو أحرار) الشاب المجاهد المخلص للشيخ ولعائلته.

علمتُ فيما بعد أن الشيخ كان منهمكاً في كتابة استقالته من المجلس الأعلى، وقد ضمّن كتاب الاستقالة ملاحظاته على المجلس وقناعته عن الشكل الذي يجب أن يكون عليه.

بقي الشيخ الناصري على نفس المنهج، مؤمناً بأن القضية العراقية يجب أن تكون بقرار أبنائها وقيادة رجالها.

بقي الشيخ الناصري طوال سنوات هجرته، الصوت العراقي الأعلى بوطنيته، والقامة المنتصبة التي ترسم صورة الجنوبي الثابت في أصالته وارتباطه بالناس والأرض والقيّم. كان نخلة سومرية هاجرت وعادت وتوفيت واقفة.

 

سليم الحسني

٣١ تموز ٢٠٢٠

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5079 المصادف: 2020-08-01 01:05:22