 شهادات ومذكرات

الشيخ عبد الحليم محمود.. رائد التصوف العملي في مصر (1)

محمود محمد علييعد الشيخ الأستاذ الدكتور الحليم محمود (الإمام الأكبر وشيخ الجامع الأزهر) من أهم وأشهر أساتذتنا المعاصرين الذين كتبوا عن رواد التصوف على مر العصور الإسلامية المختلفة حتى لقد قيل من بعد وفاته: مات الإمام العارف بالله أبو التصوف فى العصر الراهن لتسكن من بعده المطابع عن نشر تراثنا الصوفى‏.‏ فقد تناول الإمام سير وحياة أئمة التصوف العظام، كلٌّ فى كتاب مستقل بذاته، نذكر منها على سبيل المثال: "إمام السائرين.. الحارث المحاسبى"، " أبو البركات أحمد الدرديرى"، و" ذو النون المصرى"، و"الفضيل بن عياض"، «الإمام عبد الله بن المبارك"، "أبو بكر الشبلى"، "السيد أحمد البدوى"، "أبو مدين الغوث"، "أبو اليزيد البسطامى"، "سهل التسترى"، و"بشر الحافى".. وقد كنا كقراء نجد بسهولة تلك المؤلفات فى دار المعارف وبأسعار فى متناول نفقتنا في ذلك الوقت.

كما يعد الدكتور عبدالحليم محمود من العلماء الذين قلما يتفق عليهم علماء السنة والشيعة، فوصف بالعالم الورع، والإمام التقى الذي لا يعرف للحق سوى طريق واحد، واسع الأفق زاهد، متصوف يعى حقيقة التصوف؛ حيث قال عنه الإمام الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي:" عالِم، ذكي، ذو شخصية جارفة، مهيب، صاحب رأي في العلم، وصاحب رأي في السياسة، بليغ الأسلوب، أما صوته في الخطابة وفي الدرس، فإنه نغمةٌ موسيقية عذبة، ولعل الإذاعة تتنبه إلى ذلك فتعيد إذاعة ما عندها من خطبه وأحاديثه، بين الحين والحين، لينعم الناس بنعمة جميلة، ويستفيدوا علمًا غزيرًا."

كما قال عنه الإمام الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرزاق:" عالم، فيلسوف، حيي، حليم، كريم بماله ووقته لطلبة العلم، خرَّج جيلًا من النابهين في الجامعة، وأسهم في الحركة العلمية بجهود عظيمة؛ ألَّف، وحاضر، وكتب المقالات، ووجَّه تلاميذه إلى التحقيق، والتأليف، والترجمة، وفتح مكتبته الغنية بشتى الكتب، ونوادرها، لكل طالب علم مجدّ.

كذلك قال عنه الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومى: «لا يفارقك وأنت فى مجلس الإمام عبد الحليم محمود إحساسك أنك مع إنسان يعرف ربه وأنه بهذه المعرفة الحقيقية قد ارتفع إلى مستوى وضىء فأنت معه فى مكان واحد، ولكن شعورك يدعوك إلى أن ترى أنه فى السماء وأنك فى الأرض. هيبته تملأ مشاعرك وتواضعه يزيده لألاء ويزيدك إجلالاً للعارفين بالله فتحاول أن تسمع منه ليعطيك مفضلاً مأثرة السكوت الناطق أمام وجه مضئ الملامح طاهر القسمات تنطق أساريره المؤمنة بمعان لا تعرفها الأرض، لأن بوارقها الفاتنة تلوح فى الأفق الأعلى كما تلوح أشعة الشمس وضياء القمر، ومن الإنسان ما يتألق ويشع ويضئ مثل محمد عبده وعبد الحليم محمود".

وكتبت عنه الأستاذة سناء البيسى بأسلوبها السلس الرشيق: «فيلسوف الفقهاء وفقيه الفلاسفة من لم يعرف الخصام إلى نفسه سبيلا‏،‏ ولا البغض إلى قلبه طريقا‏، ولم تعرف تصفية الحسابات إلى حياته بابا‏..‏ حليمًا ودودًا محبا سمحا مخلصا يجمع خصائص الأئمة من أصحاب الفكر المستنير الذين لا يموتون‏،‏ وإن توارت عنا أجسادهم فأعمالهم وعلمهم يذكرنا دومًا بهم ليحق فيه قول أحمد شوقيى:‏

والناس صنفان: موتى فى حياتهم وآخرون ببطن الأرض أحياء.

وُلد الشيخ عبد الحليم محمود في قرية أبو احمد من ضواحي مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ= 12 من مايو 1910م)، ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، التحق بالأزهر، وظل يتنقل بين حلقات شيوخه، حتى افتتح أول معهد ديني بمدينة الزقازيق، عام 1925، ليكون بمثابة بداية الرحلة بالنسبة له، فالتحق الشيخ بالمعهد ، ثم التحق بعدها بمعهد المعلمين المسائي، فجمع بين الدراستين، ونجح في المعهدين، ثم عُيِّن مُدَرِّسًا، ولكنه تقدم لامتحان إتمام الشهادة الثانوية الأزهرية فحصل عليها في عام 1928م في سنة واحدة.

درس الشيخ في تلك الفترة التفسير، والحديث، والتوحيد، والتصوف، والفقه، وأصول الفقه، وعلم الكلام، والنحو، والصرف، والعروض، والمعاني والبيان، والبديع والأدب، والتاريخ، والسيرة النبوية، وفى عام 1932م حصل على العالمية ثم سافر إلى فرنسا على نفقته الخاصة لاستكمال تعليمه العالي ودْرس هناك تاريخَ الأديان والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس وفي عام 1938م التحق بالبعثة الأزهرية في فرنسا، ونجح في الحصول على درجة الدكتوراه في سنة (1940م) في الفلسفة الاسلامية.

بعد عودته عمل مدرسا بكليات الأزهر ثم عميدا لكلية أصول الدين سنة 1964 م وتولى أمانة مجمع البحوث الإسلامية، ثم تولى وزارة الأوقاف، وصدر قرارٌ بتعيينه شيخًا للأزهر في (22 من صفر 1393هـ= 27 من مارس 1973م) حتى وفاته.

كانت حياة الشيخ عبد الحليم محمود جهادا متصلا وإحساسا بالمسئولية التي يحملها على عاتقه، فلم يركن إلى اللقب الكبير الذي يحمله، أو إلى جلال المنصب الذي يتقلده، فتحرك في كل مكان يرجو فيه خدمة الإسلام والمسلمين، وأحس الناس فيه بقوة الإيمان وصدق النفس، فكان يقابل مقابلة الملوك والرؤساء، بل أكثر من ذلك؛ حيث كانت الجموع المحتشدة التي هرعت لاستقباله في الهند وباكستان وماليزيا وإيران والمغرب وغيرها تخرج عن حب وطواعية لا عن سوق وحشد وإرهاب.

كما جعل الشيخ عبد الحليم محمود من التصوف جوهرًا للدين يُعد الشيخ رمزًا وقيمة كبيرة لدي الصوفيين، فيوم ميلاده يُعد بمثابة عيدًا لهم، فهو الرجل الذي عرف بقوته وورعه ترك الكثير من المجلدات دفاعًا عن الوسطية وحفاظا على التصوف من المبتدعة ومدعى الروحانية، فكانت مجلداته خليطا بين الفكر وإعمال العقل، وبين التصديق والاتباع فيما يخص العقيدة التي تصل إلى حد اليقين بمبدأ الاتباع وعدم الابتداع كونها مكتملة لا نقص فيها.

في ظل هذا النشاط الجم والرحلات المتتابعة لتفقد المسلمين شعر بآلام شديدة بعد عودته من الأراضي المقدسة فأجرى عملية جراحية لقي الله بعدها في صبيحة يوم الثلاثاء الموافق (15 ذو القعدة 1397 هـ / 17 أكتوبر 1978م) تاركا ذكرى طيبة ونموذجا لما يجب أن يكون عليه شيخ الأزهر.

يقولون المواقف لا تعرف بالرجال، إنما الرجال هم من يعرفون بالمواقف، هكذا كان شيخ الأزهر السابق وغزالى القرن العشرين الدكتور عبدالحليم محمود، فرغم أن الظروف دائمًا ما كانت تضعه في صدامات، إلّا أن اسمه سُطر في كتب التاريخ كأحد المناضلين، فلقد كان هدفه الوحيد، ومحرك الثورة داخله حبه وغيرته على الكيان الذي نسب إليه - الأزهر - حتى لقب بـ"هبة الأزهر".

اتسم الإمام الأكبر بغزارة إنتاجه الفكري الذي يربو على مائة كتاب تأليفًا وتحقيقًا وترجمة، معظمها في التصوف ويُعَدُّ من أسبق رواده في العصر الحديث في الكتابات عن الصوفية، فقد تبدى مثالًا للصوفية المُقَيَّدةِ بكتاب الله، البعيدة عن الإفراط والتفريط، حتى لُقِّبَ بـ"غزالي مصر"، و"أبي المتصوفين"، فكانت كتاباته الصوفية لها الحظ الأوفر من مؤلفاته، بالإضافة إلى الكتب الفلسفية، وبعض الكتب باللغة الفرنسية، ومنها: محمد رسول الله ، قصة ترجمها عن الفرنسية، من تأليف أندريه موروا، عام 1365هـ - 1946م، وكان أول ما نُشر له، بالإضافة إلى كتابه أسرار العبادات في الإسلام ، وهو من أهم المراجع التي تتناول علم الفلسفة من منظور إسلامي؛ حيث يؤرخ فيه للفكر الفلسفي في الإسلام، ويستعرض التيارات المذهبية المتعددة فيه؛ ليبين أصالة الفلسفة الإسلامية، وسَبْقَها الفلسفة الغربية في كثير من طرق التفكير؛ ومن أشهر كتبه: "أوروبا والإسلام"، و"التوحيد الخالص "أو "الإسلام والعقل"، و"التفكير الفلسفي في الإسلام"، و"القرآن والنبي"، و"المدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي".. وهلم جرا.

وكما قلنا يعد الإمام عبد الحليم محمود ممن تناول  قضية التصوف بالشرح والتحليل في منهج الإمام الغزالي وسفيان الثوري، وأبي الحسن الشاذلي، وأبي مدين الغوث ويذكر بدايته مع التصوف عندما اختار  موضوع رسالته للدكتوراه قائلا "بعد تردد بين هذا الموضوع أو ذاك، هداني الله - وله الحمد والمنة - إلى موضوع التصوف الإسلامي، فأعددت رسالةً عن (الحارث بن أسد المحاسبي) فوجدت في جوِّ (الحارث بن أسد المحاسبي) الهدوءَ النفسي، والطمأنينة الروحية، هدوء اليقين، وطمأنينة الثقة، لقد ألقى بنفسه في معترك المشاكل، التي يثيرها المبتدعون والمنحرفون، وأخذ يصارع مناقشًا مجادلًا، وهاديًا مرشدًا؛ وانتهيت من دراسة الدكتوراه، وأنا أشعر شعورًا واضحًا بمنهج المسلم في الحياة، وهو منهج الاتباع، لقد كفانا الله ورسوله كل ما أهمنا من أمر الدين، وبعد أن قرَّ هذا المنهج في شعوري، واستيقنته نفسي، أخذتُ أدعو إليه كاتبًا ومحاضرًا، ومدرسًا، ثم أخرجت فيه كتاب "التوحيد الخالص" وما فرحت بظهور كتاب من كتبي، مثل فرحي يوم ظهر هذا الكتاب، لأنه خلاصة تجربتي في الحياة الفكرية".

ويقول عن التصوف:  "إنه نظام الصفوة المختارة، إنه نظام هؤلاء الذين وهبهم الله حسًّا مرهفًا، وذكاءً حادًّا، وفطرة روحانية، وصفاء يكاد يقرب من صفاء الملائكة، وطبيعة تكاد تكون مخلوقة من نور".

ويعرف الصوفي بقوله "الصوفي هو الذي التزم بتعاليم الإسلام سيرةً وسلوكًا، وقولًا وعملًا، وهو الذي يستحضر ذكر ربه في كل وقت؛ فإذا وصل المؤمن إلى إسلام حقيقي يجعله مستحضرًا ربه في كل وقت فلن يهتم بمعصيته، ولن يأمر بمنكر، ولن ينهى عن معروف"

وقال أيضًا:" فالصوفي لا يكون صوفيًّا بالقراءة أو الدراسة والبحث، حتى ولو كانت هذه القراءة والدراسة في الكتب الصوفيَّة نفسها، وفي المجال الصوفي خاصَّة، وقد يكون شخص من أعلم الناس بهذه الكتب، درسها دراسة باحث متأمل، وعرف قديمها وحديثها، وميز بين الزائف منها والصحيح، وصنفها زمنًا وميزها أمكنة، وهو مع ذلك لا سهم له، في قليل ولا في كثير في المجالات الصوفية",.

وقال: "التصوف ليس ثمرة لثقافة كسبيَّة؛ إن الوسيلة إليه ليست هي الثقافة، ولكن الوسيلة إليه إنما هي العمل، إن الطريق إليه إنما هو السلوك، والمعرفة الناشئة عن العمل والسلوك هي إلهام، وهي كشف، وهي ملأ أعلى انعكس على البصيرة المجلوَّة فتذوقه الشخص حالًا، وأحس به ذوقًا، وأدركه إلهامًا وكشفًا"

وحول مصدر التصوف يقول: إن مصدر التصوف الأصلي هو الذوق والمشاهدة، اللذان يصل الإنسان إليهما عن طريق الخلوة والرياضة والمجاهدة والاشتياق بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب لذكر الله تعالى، وليس الثقافة الكسبية أو كتب القوم، فهذه الثقافة والكتب تكمن أهميتها في كونها محفزة للسالك على الاستمرار في الطريق والصبر على السير فيه، وأن النزوع إلى التصوف فطرة واستعداد في الإنسان.

ودافع محمود عن قضية وحدة الوجود التي يؤمن بها الصوفية بأن القضية التي يثيرها معارضو التصوف تفهم على نحو خاطئ، فالذي يعترض عليه معارضو التصوف، لم يقله الصوفية أنفسهم بما فيهم ابن عربي والحلاج، فهم يسمونه وحدة الموجود، أما الآخرون فيخلطون بينهما، فالموجود متعدد سماء وأرض وجبال وأناس، أما الوجود الواحد فلا شك فيه، هو وجود الله المستغنى بذاته عن غيره، الذي منح الوجود لكل كائن وليس لكائن غيره، وأن الخلط جاء من أن فريقًا من الفلاسفة مثل: هيراقليطس وماكس شيلر قال بوحدة الموجود.

وأوجد شيخ الأزهر الراحل للتصوف أصلا في الإسلام، حيث يستشهد بقول الشيخ عبدالواحد يحيى "رينيه جينو": "الصوفية ليست شيئا أضيف إلى الدين الإسلامي، إنها ليست شيئا أتى من الخارج فألصق بالإسلام، وإنما هي، بالعكس تكون جزءا جوهريا من الدين، إذ أن الدين بدونها يكون ناقصا، بل يكون ناقصا من جهته السامية، أعنى جهة المركز الأساسي، لذلك كانت فروضًا رخيصة تلك التي تذهب بالصوفية إلى أصل أجنبي: يوناني أو هندي أو فارسي".

ويضيف: إن كل من لم ينطلق من الشريعة الصادقة والاتباع الدقيق فإنه لا يصل إلى شيء من درجات الصوفية، إن الصوفية لا تتأتى إلا بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، مستطرداً لا يوجد تصوف إلا في المحيط الإسلامي، وأن التصوف المسيحي أو اليهودي لا يمت للتصوف الإسلامي بصلة، فالتصوف الإسلامى هدفه المعرفة، بخلاف التصوف المسيحي الذي هدفه الحب، ثم إن المسيحي الذي اتخذ  الـ (mysticism) الذي يطلق عليه التصوف المسيحي سبيلاً في الحياة ينهج في سلوكه منهجا سلبيا، إنه يقتصر على تلقى ما يأتيه دون أن يكون له أثر شخصي، ومن أجل هذا لم يكن في المسيحية طرق صوفية، ولذلك لا يتخذ المسيحي "شيخا"، وليس عنده فكرة عن السلسلة أو الإسناد، الذي بواسطته يصل إليه التأثير الروحي، الذي لا بد منه في التصوف... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5104 المصادف: 2020-08-26 03:10:11