 شهادات ومذكرات

في ثقافة الاعتراف بالجميل التربوي

سعيد توبيرمثال في بيداغوجيا الابداع.. الأستاذ: حمادي أشيبان أنموذجا.

يقول ايمانويل كانط:

(ثمة اكتشافين أساسيين يحق للمرء أن يعدهما من أصعب الأمور هما: فن حكم الناس وفن تربيتهم).

إذا كان أرسطو يعتبر أن البشر يسعون الى المعرفة بحكم طبيعتهم البشرية، فإن السؤال حول حقيقة الطبيعة البشرية قد ظل مفتوحا، في غياب جواب كافي وشافي حول حقيقة علاقتها بالمعرفة وانتاجها. وبالتالي سيبقى السؤال ما "الانسان " مشروع عمل في جدول أعمال الفلاسفة والباحثين للنظر فيه بدلالة درجات الانفتاح والتجديد أو التزمت والانغلاق التي تميز عصرا دون آخر.

لكن مع انبجاس أشعة الازمنة الحديثة، ظهرت ملامح فلسفية جديدة في اوربا الغربية للإنسان الحديث، ولعل أقربها الى تعريف الانسان الحديث، هي مقاربة كانط التربوية من خلال عمله "تأملات فيي التربية ". والتي ستسهل علينا بطبيعة الحال عملية الاهتداء الى ما يميز روح "إنسان عصر جديد" في أفق تحقيق أبعاده الانسانية من خلال المدخل الفلسفي الرئيس: "الحرية" و"العقل" " والدولة".

وعليه ستكون ملاحظات كانط الفلسفية، حول التربية الحديثة توقيعا مناسبا عن ميلاد روح تربوية أنوارية جديدة، فنجده يقول: (الانسان هو الكائن الوحيد الذي يجب تربيته... وأقصد بفعل التربية الرعاية، التغدية والتعهد بالانضباط والتعليم المقترن بالتكوين). والحال هو أن هذا التقديم الفلسفي العام للموضوع الرئيس "ثقافة الاعتراف بالجميل التربوي"، لا يستهدف فقط إثبات مدى أهمية وأصالة وإمكانيات " العلاقة التربوية" في إنضاج التجربة الانسانية في أي لحظة تاريخية أو اجتماعية ما. وإنما التأكيد على أهمية ودور الاستاذ الطبيب والفنان في الاكتشاف المبكر للمواهب والدفع بها بشكل واعي نحو التطور والتنوير والابداع، والتي من دونها لا يمكن تصور امكانيات تكوين وتأهيل نخب من الباحثين أو المفكرين أو المثقفين أو الديبلوماسيين الكبار مستقبلا.

و أما اليوم في زمننا المغربي، فما نشهد عليه اليوم هو "واقعة موت المدرسة العمومية"، والذي تجهز فيها مراسيم الموت وطقوس الدفن " لمدرستنا الحلوة"، لما عانته وتعانيه من مشكلات بنيوية، وتناقضات ثقافية وتربوية، في تحقيق مجموع الاهداف التي سطرتها عبر مجموع برامجها الاصلاحية. غير أننا والحالة هذه لانعدم أثر بعض التجارب التربوية المستنيرة، والتي يمكن أن تسعفنا في أن لن نلعن الظلام بل أن نشعل الشمعة.

وعليه تعود قصة " الاعتراف بالجميل التربوي" الى تجربة بين " أستاذ مثقف نشيط / تلميذ طموح ملحاح.

لقد بدأت القصة نهاية الثمانيان من القرن الماضي بإعدادية " المسيرة" بمدينة خريبكة " مدينة الفوسفاط" بالمغرب. بحيث يهم الأمر الأستاذ الرائع "أشيبان جمادي" أستاذ مادة الاجتماعيات، والحاصل على جائزة الاستحقاق المهني من طرف وزارة التربية الوطنية الرتبة الاولى 2016 . والذي كان يشكل استثناء تربويا من جيث انشغاله الدؤوب بالحياة المدرسية داخل القسم وخارجه، أي اشرافه التطوعي على لجنة ثقافية وفنية بالمؤسسة، وقد توجت بمبادرة اطلاق الموسيقي في لحظات الاستراحة للتخفيف من ضغط الدروس والحد من امكانيات العنف في الساحة، إضافة الى "مجلة حائطية". لقد كان المدرس " أشيبان" محبا للثقافة والتاريخ والجغرافية وعلوم التربية، وتهمه سعادة تلاميذه. فقد كان مجدا في عمله، ينجز دروسه الرشيقة داخل القسم في تجاوب تفاعلي كبير بينه وبين مجموعات القسم، عبر مقاربة تشاركية روعة في التنافس التطوعي لخدمة الصالح العام، واكتساب روح المبادرة والمحاولة الجريئة عبر أنشط تربوية غاية في الاهمية. في حين ان تلك الفترة التاريخية  88.89 قد شهدت تحول عدد من أساتذة الرياضيات والفيزياء واللغة العربية والتربية الاسلامية بطبيعة الحال الى " دعاة" للخلافة الاسلامية ورفع شعار الاسلام هو الحل على شاكلة المجاهدين الأفغان.

إلا ان "الشرارة التربوية" التي ستقدح حب القراءة والكتابة في نفسي والحلم بدراسة الفلسفة في الجامعة. هي اللحظة التي كان يدعونا فيها الى ضرورة المشاركة الابداعية في "المجلة الحائطية". لأشارك بمقال مبعثر وخط ردئ بعنوان " لماذا أكتب؟ "، وبعد تنقيحه ثنائيا وتصحيحه، فقد كتبه بخطه الجميل، ليعلق في " المجلة الحائطية" المشرقة. لقد كان حدثا استثنائيا في تجربتي الخاصة، بحيث شعرت بفرحة منقطعة النظير أمام نفسي والاخرين. لم تكن هذه " الظاهرة الابداعية" نتيجة للصدفة وإنما تتويج لمسلسل من الأنشطة التي كنا نقوم بها في السنة الثانية والثالثة اعدادي : من عروض تاريخية ونقاشات مبكرة حول قضايا المجاعة والهجرة والحرب الباردة داخل القسم، والفضل كله يرد الى تقنيات التحفيز من حيث هو " لين وحزم" للتحريض على القراءة، قراءة المراجع التي كان يأتي بها من خزانته الخاصة بهدف البحث فيها وتنظيم العروض والمسابقات.

إن روعة الاستاذ المنهجية تربويا، مكنتنا مبكرا من تذوق طعم الثقافة العامة الميل الى القراءة للتخفيف من ضغط التحولات المراهقتية " مجلات العربي، اقلام، المزمار، الدوحة، السياسة الدولية"، . وهي الثقافة التي كانت تجد صداها بشكل كبير في مادة الاجتماعيات في الاعدادي خصوصا. لقد كان أنموذجا في الانضباط المدرسي: من حيث احترام الدخول المبكر للقسم، وكتابة التاريخ والعنوان، ناهيك عن " بيداغوجيا المرافقة " وتفهم تداعيات المراهقة. وهو الواقع الذي يدفعه الى المناورة التربوية التفاعلية على قاعدة خلق أجواء التفاعل والمشاركة والتنافس على حفظ التواريخ العالمية الدالة، عواصم ودول القارات الخمس والمسابقات الثقافية فيما يهم الأنهار الكبرى وشخصيات وأحدث التاريخ القديم والحديث. لكن عندما نقارن منهجه التربوي بآخرين في نفس المادة، نجده مسكون بالهاجس التربوي الانساني لما يبذله من مجهود اضافي او ما يخلق من فرص للمناورات الاستكشافية للانفتاح على عوالم التلميذ النفسية والاجتماعية والثقافية وشده الى "معارك" القراءة المفيدة والمطالعة المثمرة أي تدريبه على البحث الشخصي بدل من ان يصبح مهيمنا عليه في ثقافة الخضوع والامتثال الطوعي للمطلقات، بهدف شل قدرات الشباب على التفكير النقدي والشك الابداعي.

هكذا تقررت "هواية الكتابة" في هويتنا الفكرية والشخصية في تلك اللحظة التاريخية المفصلية، لتصبح هما وانهماما حقيقيا بالمشاركة في تجاوز التخلف والوعي به. لقد مكنتنا القراءة المبكرة في مجتمع مجهول موقفه العام من تميز الفرد وحريته وووعيه بضرورة الانخراط في البناء الاجتماعي، من أن نشق طريقنا نحو التطوير والتنوير والثتوير عبر دراسات شاقة وطويلة.

إننا نشكره من أنفسنا العميقة على منهاجه الرشيق في تفجير الطاقات الكامنة لدى المراهقين، فأنا مدين له بأهمية تمارينه التربوية المبكرة، مما حولها فيما بعد الى قوة دفع غير مسبوقة في قراءة " عبد الله العروي" من مدخل مادة التاريخ وقراءة مقالة بديعة لارنولد توينبي " التحدي والاستجابة" . واكتساب حس سوسيولوجي مبكر متعلق باشكالية طبقة عمالية تشتغل في نظام انتاجي حديث، لكن الثقافة الاجتماعية المهيمنة كانت مفارقة تماما لثقافة الانتاج الحديثة. وهو ما دفعنا الى الاتجاه لدراسة الفلسفة والعلوم الانسانية.

إننا نحييه عاليا على رسالته النبيلة والوطنية واختلافه البيداغوجي عن دعاة وملاك الحقيقة، التي يوثر روادها آليات الشحن والتخويف والرعدة، ومركزية الاستاذ "المحدث" الحائز على المعرفة بالمطلقات، أي خلق جيل من المريدين والمرددين من خلال افكار ومفاههيم او مقولات خطابية غير قابلة للتحليل او التفكيك او حتى الفهم.و عليه فإن الدرس المستفاد من هذه التجربة المتواضعة هو ضرورة اعادة الاعتبار "للمدرس المثقف" بتكوينه معرفيا وتأهيله تطبيقيا ليقوم بواجبه التربوي كفن لا تظهر نتائجه الثقافية والفكرية الا بعد جيل أو جيلين. وتؤكد هذا الطرح قولة أثيرة " لتوماس الاكويني " إذا كانت التربية فنا، فإن هذا الفن لا يعمل في مادة جامدة، كفن النحث، بل في مادة حية تنطوي في داتها على مبدأ نموها".

فتحية لكل مدرس مغربي أو عربي وسم الشباب بميسمه الخاص. أي قام بواجبه التربوي والثقافي، وعمل على الاجتهاد والتكيف مع التحولات لدفع الشباب الى القراءة والكتابة والتفكير . ألسنا نحن اليوم في المغرب نعاني من تصحر فني وهشاشة ثقافية في غياب طاقات ثقافية وابداعية جديدة في كل مجالات الثقافة؟ لماذا تعجز كل من المدرسة والاستاذ والمجتمع والدولة على إنتاج عقول علمية وثقافية وسياسية في مستوى تحديات اللحظة التاريخية؟ أما آن الاوان لنفكر في مشروع مجتمعي واضح المعالم قائم على فلسفة تربوية واعية بتحديات العصر وقادر على النهوض بمستحقات التاريخ الحديث؟ ألسنا اليوم في الوقت الحالي يحتاج وطننا منا أن نكون جميعاً يداً واحدة تبني ولا تهدم، تعَّمر ولا تخَّرب، تزرع ولا تحرق، تربي ولا تقتل، إذ الناتج من ذلك كله لن يحصده سوانا، ولسوف يكون حصاداً مثمراً إذا نحن أحسنا الغراس؟

نبدة عن شخصية وأعمال وانشطة كتابات "الأستاذ حمادي اشيبان":

* تكريم الشخصيات المتميزة 2018 من طرف مؤتمر السفراء الشباب والمرأة " العرب دولي" امال المستقبل . جمهورية مصر العربية.

* شهادة تقديرية من وزارة الشباب والتعليم بسلطنة عمان.

* تكريم من طرف المهرجان الاقليمي للمسرح والفنون. الدورة21 مدينة خريبكة. ماي 2019*

* بحث: المغرب في ظل الاحتلال الامبريالي . مجلة أبحاث

* بحث تربوي: بيداغوجيا العنف، المراهق بين الأسرة والمؤسسة التعليمية.

***

سعيد توبير

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5155 المصادف: 2020-10-16 11:33:47