 شهادات ومذكرات

إنتزال الجبوري: زينبُ الشموخِ والإباءِ لا الخنوعِ والبكاء

نهضة الحسين (ع) ذات بعدين؛ حسيني وزينبي؛ فالحسيني تجسّد بقيادة جيش المواجهة المباشرة بحمل سيف المبارزة في ميدان الحرب، ضد قوى البغي والظلام بعدما استبدت وتمادت مع الظلم وهضم الحقوق، والتمرّد على لغة الحوار الهادئ. ومآل الحال بعد أن وضعت الحرب أوزارها هي شهادة الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه (رض) في كربلاء. والزينبي تجسّد بقيادة زينب موكب السبايا بحمل سيف الكلمة لمواجهة العدو في ميدان الإعلام؛ ومسؤولية الإعلام مسؤولية جسيمة، ومآلها كشف الحقائق المزيفة أمام المُغرَّر بهم، وفضح سلطة فراعنة الفساد، عاملة بمعنى النص المقدس عن الكتاب الكريم (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا)[1].

فمن هي زينب هذه المرأة التي اختارها الحسين (ع) لتكون رفيقة دربه، ومسيرته الطويلة الى كربلاء؟

هل هي المرأة الخانعة، النوّاحة، البكّاءة، التي تعلوها سياط العدو؛ فتوجعها لأنها أنثى؟

أم لأنه أدرك في شخصها مزايا وسمات فاقت بها جنس الأنثى حملته على اصطحابها الى كربلاء؛ حيث الملحمة التي خلّدها التاريخ؟

لنتوقّف لحظات، ونتأمّل في محطات من حياة زينب (ع).

مولدها: زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وأمها فاطمة الزهراء (ع) بنت الرسول محمد (ص). أبصرت النور في المدينة المنورة في 5 جمادي الأولى سنة 5 للهجرة النبوية.

زواجها: تزوجت من ابن عمها عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، وأنجبت منه أربعة ذكور هم (علي، عون، عباس، محمد) وبنتا واحدة هي أم كلثوم[2].

ألقابها: عقيلة بني هاشم، العالمة غير المتعلمة، العارفة، الموثقة، الفاضلة، الكاملة، البليغة، الفصيحة، عابدة آل علي، المعصومة الصغرى، أمينة الله، نائبة الزهراء، نائبة الحسين، عقيلة النساء، شريكة الشهداء، شريكة الحسين، أم المصائب.[3]

دورها الاجتماعي: كانت زينب مثقفة عالمة في زمانها، تقيم مجالس تفسير القرآن لنساء الكوفة إبان حكم أبيها[4]. رأت وشاهدت أدوار أمها في المنزل وفي المجتمع، وسمعت خطبتين لأمها في المسجد النبوي في المدينة المنورة، فتلقّت عن أمها الفصاحة، والبلاغة، والشجاعة، والعلم، والإيمان، والتقوى.

مقامها وشأنها: نُقل في الأخبار: "أن الحسين كان اذا زارته زينب يقوم إجلالا لها وكان يجلسها في مكانه".[5]

وورد في الأخبار أنها اذا دخلت على أخيها الحسين وكان يقرأ القرآن وضع القرآن على الأرض وقام إجلالا لها[6].

علمها: تذكر كتب التاريخ أن "حبر الأمة عبد الله بن عباس (رض) كان كثيرا ما يرجع اليها في بعض المسائل، وعندما ينقل عنها شيئا يقول: حدثتني عقيلتنا زينب بنت علي، وهي إشارة الى جلالة قدرها، وغزارة علمها الذي استقته من علم أبيها وأمها"[7]. وكانت راوية للحديث في القرن الأول الهجري، وذُكرت في إسناد كثير من الروايات. وقد روت أحاديث عن الإمام علي، والسيدة فاطمة الزهراء، والإمامين الحسن والحسين (عليهم السلام). وقد تلقّت علمها عن أبيها علي، وأمها الزهراء، وأخويها الحسن والحسين. وروى عنها محمد بن عمرو، وعطاء بن السائب، وفاطمة بنت الحسين وغيرهم[8].

قالوا فيها: ذكرها خير الدين الزركلي في كتابه "الأعلام" قائلا:

حضرت زينب مع أخيها الحسين وقعة كربلاء، وحملت مع السبايا الى الكوفة، ثم الى الشام وكانت ثابتة الجنان، رفيعة القدر، خطيبة فصيحة، لها أخبار". وقال فيها ابن الأثير (630هـ): "وكانت زينب امرأة عاقلة لبيبة جزلة"[9].

قال فيها السيد محسن الأمين العاملي:"كانت زينب (ع) من فضليات النساء، وفضلها أشهر من أن يُذكر، وأبين من أن يسطر، وتُعلم جلالة شأنها، وعلو مكانها، وقوة حجتها، ورجاحة عقلها، وثبات جنانها، وفصاحة لسانها، وبلاغة مقالها، حتى كأنها تُفرغ عن لسان أبيها أمير المؤمنين (ع) من خطبها بالكوفة والشام، واحتجاجها على يزيد وابن زياد"[10].

قالت فيها بنت الشاطئ (عائشة عبد الرحمن): بطلة استطاعت أن تثأر لأخيها الشهيد العظيم، وأن تسلط معاول الهدم على دولة بني أمية وأن تغيّر مجرى التاريخ)[11].

وفاتها: توفيت زينب (ع) في 15 رجب عام 62هـ، وهناك روايات عدة في قضية وفاتها، منها أن السيد محسن الأمين ذكر في أعيان الشيعة أن زينب توفيت في المدينة وأكّد الرأي القائل أن زينب بعد وصولها الى المدينة لم تخرج منها فقال" يجب أن يكون محل قبرها في المدينة المنورة؛ فإنه لم يثبت أنها بعد رجوعها الى المدينة خرجت منها، وإن كان تاريخ وفاتها ومحل قبرها في المدينة مجهولين، ويجب أن يكون قبرها في البقيع، وكم من أهل البيت أمثالها من جُهل محل قبره وتاريخ وفاته خصوصا النساء"[12]. وقيل: توفيت في الشام حيث مشهدها الشاخص في جنوب دمشق عاصمة سوريا[13]. وقيل: توفيت في مصر، ولها مرقد ومزار باسم السيد زينب في القاهرة[14].

نستنتج بعد اطلاعنا على سيرة مختصرة من حياة زينب أنها توفّرت لها كل مقومات التربية الرصينة، والتهذيب المتين، فهي:

سليلة بيت النبوة، ومهبط الوحي، ومعدن الرسالة، ومنجم العلم الإلهي. تربّت في أحضان منزل كان ربه هو باب مدينة علم رسول الله، وحكمته، وعبقريته. وقد حملت ثقل بيت النبوة والإمامة من خُلق، وسلوك، وفضائل، وعلم، وإيمان في مسيرة حياتها.

تُوّجت زينب بألقاب وكانت هي الأجدر والأكفأ بها؛ وهذه الألقاب انطبعت في شخصها، فصيّرتها منجما للحكمة، والوعي، والصبر، وقوة التحدي، وهي سمات انفردت بها لاستعدادها الذاتي الخاص؛ فليس كل بنات بيت النبوة انطوت على الخصال التي حملتها زينب. ويمكن القول أنها امرأة ذات شخصية عبقرية.

شهدت في بواكير حياتها الأحداث والفتن، وأهمها فقدان جدها الرسول (ص)، ثم وفاة أمها الزهراء وهي صبية صغيرة، ثم مقتل أبيها في محراب صلاته، ثم شهادة أخيها الحسن مسموما. وصاغت منها المحن والفتن التي شهدها عصر أبيها علي وأخيها الحسن امرأة واعية، وصلبة، وحكيمة، ونعلم أن المحن والتحديات تصنع الإنسان.

أفرزت تلك الحيثيات امرأة ذات شخصية متزنة، مستقيمة، مثقفة، مسؤولة؛ فحملت رسالة جدها، وأبيها، وأخويْها بكل كفاءة وجدارة وشجاعة.

زينب المرأة الكاملة القيادية

أدرك الحسين (ع) أن مسيرته ليست مسيرة وقتية تتوقف على مساحة من الأرض، وبضع ساعات فيها يواجه العدو فيَقتل ويُقتل؛ ثم تمضي ويلفّها التاريخ في طي النسيان. انما أراد لنهضته البقاء والخلود، وصار لزاما أن يختار لسانا ناطقا معرِّفا رسالة ثورته على الطغيان، فاضحا لسلطة الاستبداد والاستعباد والبغي، فالثورة التغييرية يعرّفها السيف والكلمة؛ فاختار أخته زينب بصفتها أخته الكبرى التي توفّرت على عناصر الاختيار المميز، وكانت الكفوءة والجديرة بحمل المسؤولية، ومواجهة التحديات، حاملة سمات البيت المحمدي العلوي/ الفاطمي؛ لتؤدي دورها الرسالي التوعوي الحركي بعده، وتبيّن مقاصد ومبادئ ثورة أخيها، وتبلور رأيا اجتماعيا عاما يحمي الرسالة الإسلامية، ويصحح مسار الأمة التي كانت على شفا جرف هار، فالسلطة الفاسدة أعمت الضمائر والقلوب، وخّدرت العقول عن إدراك الحقيقة، لتكشف الضوء على صراط الحق الصحيح، متميزا عن الباطل المزيف.

فلنواكب حركتها ودورها في المسيرة الحسينية بكل أمانة وثقة وإخلاص.

بينما كانت الحرب تدور رحاها في صحراء كربلاء، وقفت زينب تنظر في ساحة المعركة بصبر ورباطة جأش، وكانت تتابع أخبار من استشهد من آلها وأصحاب أخيها. وكانت صابرة قوية وتبث في نفوسهم القوة.

في ساحة المعركة في يوم الطف كان لزينب دور ثقيل حينما كانت تُطحن فلذات كبدها، تارة تتلقى أجساد الشهداء من آلها، فما أن يلفظ أحدهم النفس الأخير حتى تحتضن جسد شهيد آخر، وكان فيهم أبناؤها وأخوتها وأبناء أخوتها؛ وأخرى تتلقى أخبار شهادة أصحاب أخيها واحدا تلو الآخر. لم تضطرب، أو ترتبك، أو تستسلم لعاطفتها في تلك اللحظات الحرجة، التي تتطلب منها الصبر والثبات سيما وهي ساعد أخيها الأيمن، بل استسلمت لحُسنِ ظنها بالله، ولعقلها الذي يُلزِمها بضرورة الصبر والتحمل، فالموقف لا يستدعي الضعف والاستسلام للعاطفة.

فور انتهاء الحرب، وشهادة أخيها وأهل بيته وصحبه ال (72) شهيدا يوم العاشر من محرم؛ شرع دورها الإعلامي متجليا بإيمانها، وصبرها، وصلابتها، فتجلس أمام جسد أخيها المُسجّى، وتضع يدها تحت جسده المقدس رافعة رأسها الى السماء قائلة: "اللهم تقبل منا هذا القربان"، وندبت جدها الرسول:

وامحمداه! بناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفي عليهم ريح الصبا، وهذا حسين محزوز الرأس من القفا مسلوب العمامة والرداء[15].

وفي بعض الأخبار أنها قالت: بأبي من عسكره في يوم الاثنين نهبا، بأبي من فسطاطه مقطع العرى، بأبي من لا هو غائب فيُرتجى ولا جريح فيداوى، بأبي من نفسي له الفداء، بأبي المهموم حتى قضى، بأبي العطشان حتى مضى، بأبي من شيبته تقطر بالدماء، فأبكت والله كل عدو وصديق[16].

وتجلّى دورها الأسري المسؤول بعد أن ودّعت الجسد الطاهر عادت الى المخيم، لتكمل مهمتها الجسيمة؛ وهي حماية وحراسة العائلة ومن بقي من أهل بيتها من النساء والأطفال، وشحذ القوة والصبر في نفوسهم، وإقامة المأتم على أرواح الشهداء. وختمت ليلتها الليلاء الموحشة المهولة تلك بالتهجّد، والعبادة، والمناجاة حتى انبلج عمود الفجر.

وتجلّت حكمتها وبلاغتها بعد أن انطفأت نار الحرب باستئناف خط أخيها الحسين الإصلاحي، فكان على عاتقها أن تأخذ دورها القيادي، ومواصلة مسيرته التغييرية؛ في كشف فساد بني أمية وفضحهم، باستفزاز روح اليقظة والوعي والبصيرة في نفوس الناس، وتفجير طاقة التحدي والرفض، في دورها الإعلامي الجريء؛ وذلك بإلقاء الخطب النارية في مجالس السلطة، وكانت لا تخشى في الله لومة لائم، وكان هذا أهم أدوارها في المسيرة الحسينية. ففي مجلس عبيد الله بن زياد في الكوفة حينما دخل موكب آل بيت رسول الله، ضج أهل الكوفة بالبكاء؛ "فأشارت إليهم أن اسكتوا، فطأطؤا رؤوسهم خزياً وندماً، على حين مضت هي تقول: أما بعد يا أهل الكوفة، أتبكون؟ فلا سكنت العبرة ولا هدأت الرنة... أي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فقد ذهبتم بعارها وشنارها، فلن ترحضوها بغسل أبداً، وكيف ترحضون قتل سبط خاتم النبوة ومعدن الرسالة، ومدار حجتكم ومنار محجتكم، وهو سيد شباب أهل الجنة...".[17]

كانت زينب قد تقدمت في مهابة دون أن تلقى بالاً إلى الأمير الطاغية، وأخذتها عيناه وهي تجلس بادية الترفع، قبل أن يؤذن لها في الجلوس، فسأل: من تكون؟، فلم تكلمه، وأعاد السؤال مرتين وثلاثاً، وهي لا تجيب، احتقاراً له واستصغاراً لشأنه، وأجابت إحدى إمائها: هذه زينب ابنة فاطمة، قال لها ابن زياد وقد غاظه ما كان منها: الحمد لله الذي فضحكم، وقتلكم، وأكذب أحدوثتكم. فردت عليه ونظراتها تقطر احتقاراً: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه صلى الله عليه وآله، وطهرنا من الرجس تطهيراً، لا كما تقول أنت، إنما يفضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا والحمد لله[18].

وتستأنف زينب دورها الإعلامي المسؤول حاملة فصاحة جدها، وشجاعة وبلاغة أبيها، وثقافة أمها في فضح سلطة البغي؛ فكان لموكب الأسرى من آل بيت الرسول محطة أخرى في الشام حيث مجلس الطاغية يزيد بن معاوية، ويتقدم الركب رأس الحسين ورؤوس أهل بيته وأصحابه، وكان قد أعدّ لهذا المجلس العدة فجمع أهل الشام في الجامع الأموي رجالا ونساء معلنين فرحهم وابتهاهجهم بنصر يزيد حيث رفعت البيارق والدفوف والأهازيج. ووصل الركب الحسيني، وأمر بأن يدخل ركب السبايا من نساء الحسين وأهل بيته مع الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع).

عندما"كشف يزيد عن رؤوس الشهداء، وانثنى يعبث بقضيب في يده، بثنايا الإمام الحسين منشدا:

ليت أشياخي ببدر شهدوا.. جزع الخزرج من وقع الأسل

فبكت نساء هاشم إلا زينب فإنها انتفضت تصيح: صدق الله يا يزيد: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ)[19]. أظننت يا يزيد أنه حين أخذ علينا بأطراف الأرض وأكناف السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى، أن بنا هواناً على الله، وأن بك عليه كرامة؟.. إن الله إن أمهلك فهو قوله: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِين)[20] أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك بناتك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله كالأسارى؟... ستعلم أنت ومن بوّأك ومكنك من رقاب المؤمنين، إذا كان الحكم ربنا والخصم جدنا، وجوارحك شاهدة عليك، أينا شر مكاناً وأضعف جنداً، فلئن اتخذتنا في هذه الحياة مغنماً، لتجدننا عليك مغرماً حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، تستصرخ بابن مرجانة ـ عبيد الله بن زياد ـ ويستصرخ بك، وتتعاوى وأتباعك عند الميزان وقد وجدت أفضل زاد تزودت به: قتل ذرية محمد صلى الله عليه وسلم وآله.[21]

وتجلّى إيمانها العميق بالله وحسن ثقتها به أولا، وفخرها بأن الله اختارهم ليكونوا شهداء شاهدين على الأمة ثانيا؛ كي تخلد رسالة السماء بجدها وأبيها وأمها وأهل بيتها، فخاطبت يزيد بن معاوية في مجلسه بالشام قائلة:

كد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنها عارها[22].

خطبت زينب في مجلس يزيد خطبتها المشهورة وهي من أبلغ خطبها وأجرئها كشفت فيها زيف السلطة الأموية بكل شجاعة "فلم تمض زينب الا بعد أن أفسدت على ابن زياد، ويزيد، وبني أمية لذة النصر، وسكبت قطرات من السم الزعاف في كؤوس الظافرين؛ فكانت فرحة لم تطل، وكان نصرا مؤقتا لم يلبث أن أفضى الى هزيمة قضت آخر الأمر على دولة بني أمية"[23].

واستمر دور زينب الإعلامي حتى بلغت المدينة المنورة مع ركب السبايا وهناك أقامت المآتم على أرواح الشهداء، فألّبت بخطبها في المجالس الرأي العام الاجتماعي وفضحت السلطة الأموية؛ فأمر حاكم المدينة الأموي بإخراجها، فاقترحت عليها نساء من أهلها بضرورة الهجرة من المدينة؛ فسارت مع ثلة من أقاربها من النساء الى الشام، وربما فيها توفيت ودُفنت، أو الى مصر وربما فيها توفيت ودُفنت -حسب بعض الروايات[24].

لا يمكن التصديق بأن زينب بكت أمام العدو في ساحة الطف بكربلاء، أو في مجلس عبيد الله بن زياد في الكوفة، أو في مجلس يزيد بن معاوية في الشام، دون نكران كونها أنثى، والأنثى بطبعها العاطفي تضعف أمام حدث الحزن. حينما عادت زينب الى المدينة أقامت مآتم النياحة والبكاء على الشهداء من آلها، واجتمعت النساء في دارها من كل حدب وصوب يندبن ويبكين الحسين وآله وصحبه. ولايمكن التصديق بأن سياط الشمر كانت تعلو ظهر زينب وبنات رسول الله، فهي امرأة مهيبة، عصامية، شجاعة، وصبورة، وحكيمة، ولا يمكن للشمر وأمثاله أن يتجرّأ ويرتكب مثل هذا الفعل الأحمق بعد أن قتل أخيها، لأنه سوف يواجه موقفا من زينب الشجاعة البطلة يندم عليه. مصادر البحث في الثورة الحسينية تحتاج الكثير من التوثيق والتدقيق والتشذيب مما بها من أخبار ملفّقة، وخزعبلات، وبدع، وأكاذيب كثيرة، القصد منها إثارة المشاعر، وإلهاب العواطف البريئة لعامة الناس.

زينب قدوة الرجل العبقري العظيم كونها تحمل شجاعته، وحكمته، وقوته، وصبره، وقدرته على صياغة القرار، واتخاذ الرأي الشجاع في مواقف التحدي. وقدوة المرأة العبقرية العظيمة القادرة على الوقوف بصلابة، وصمود، وصبر، وتحد نادر، ومقاومة بوجه القوة المعاكسة.

زينب أوصلت صوت الحق الى كل أرجاء المعمورة؛ لأنها أرادت للثورة الحسينية أن لا تندثر، أن تبقى حية في الضمير البشري اليقظ، ونبراسا يهتدي به الثائرون في التاريخ على كل وجوه الشر والفساد والباطل. وقفة زينب البطولية في كربلاء وما بعدها هي وقفة شجاعة أمينة أمام الله، والتاريخ، والإنسانية؛ لهذا خلّدها التاريخ، وحفر اسمها عميقا في سجله.

زينب نموذج ساطع لكل الرجال والنساء المتطلّعين لأن يتركوا بصماتهم العميقة في سجل تاريخ الإنسانية الطامحة لتنوير سبيل الحق، والحرية، والعدل، والكرامة، والعزة، والإباء؛ فالثورة الحسينية بدْءا حسينيةٌ وزينبيةُ الوجود، وختامًا أبديًا حسينيةٌ وزينبيةُ الخلود.

 

إنتزال الجبوري

..........................

[1] الأحزاب- 39.

[2] ا رياحين الشريعة، ج3، ص41). ترجمة زينب الكبرى، ص89.

[3]ابن عساكر. أعلام النساء، ص190. الجزائري، نور الدين. الخصائص الزينبية، ص48. القرشي. السيدة زينب، ص39.

[4] الطبري، دلائل الإمامة. ج3، ومحلاتي، ذبيح الله. رياحين الشريعة، ص57.

[5] وفيات الأئمة، مجموعة من علماء البحرين، ص436.

[6] وفيات الأئمة، ص437.

[7] عبد الله العجمي. صحيفة الرؤية (15/8/2018).

[8] ابن أبي الحديد. نهج البلاغة، ج16، وسائل الشيعة، ج1، ص13، و14، بحار الأنوار، ج6، ص107.

[9] أسد الغابة في معرفة الصحابة، الجزء الخامس، ص469.

[10] أعيان الشيعة، الجزء 7ـ ص137.

[11] لبيب بيضون. موسوعة كربلاء، ج2، ص652-653

[12] جريدة النهار. أعيان الشيعة، ج7. كذلك محمود الزيباوي (26/7/2013).

[13] القريشي. السيدة زينب بطلة التاريخ، ص298-303.

[14] مغنية، محمد جواد. مع بطلة كربلاء زينب بنت أمير المؤمنين. بيروت: دار التيار الجديد، ط5، 1412هـ- 1992م، ص 91.

[15] أبو مخنف. واقعة الطف، ص259. المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار، ص45، ص59.

[16] نفس المصدر والصفحة.

[17] السيد ابن طاووس. اللهوف على قتلى الطفوف.

[18] بنت الشاطئ (عائشة عبد الرحمن). بطلة كربلاء زينب. القاهرة: دار الهلال، 121.

[19] الروم-10.

[20] آل عمران- 178.

[21] مغنية، محمد جواد. نفس المصدر، ص63.

[22]نفس المصدر، ص63-64.

[23] بنت الشاطئ. مصدر متقدم، ص158.

[24] القزويني، محمد كاظم. زينب الكبرى من المهد الى اللحد. بيروت: دار المرتضى، 2005م، ص591.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5502 المصادف: 2021-09-28 02:07:29


Share on Myspace