 شهادات ومذكرات

بهجت عباس: كانت لنا أيام!.. بعضً من رحلة الحياة.. طريق لم يتّخذْه آخرون

2890 كنعان محمد جميلالدكتور كنعان محمد جميل والتعيين في كلية الطبّ

زرتُ بغداد ذلك الوقت (ربيع 1978) لغرض إيجاد مقعد تدريسي في كلية الطب أو الصيدلة ، فلذا زرت صديقي المرحوم الدكتور يوسف عبو رئيس قسم الفارماكولوجي في كلية طب بغداد الذي قدّمني بدوره إلى رئيس قسم الكيمياء الحياتية الدكتور فاضل (كما أتذكّر) وتركني معه . قلت للدكتور فاضل إنني حصلت على شهادة الدكتوراه في الكيمياء الحيوية (أريتُه الأطروحة) وأنا الآن في الأشهر الأخيرة من دورة الماجستير في (الباثولوجي التجريبي والفارماكولوجي) - مستشفى همرسميث - لندن . فأجابني بأنه لم يرني في مستشفى همرسميث أثناء زيارته لصديقه فخري (أبو عمر) وهو صيدلي عراقي من الموصل يعمل في مستشفى همرسميث لنيل شهادة (زميل كلية الباثولوجيين الملكية) فأجبته بأن فخري صديق لي أيضاً تعرفت عليه حديثاً في المستشفى المذكور وباستطاعته (الدكتور فاضل) أن يسأله عني . فلم يقتنع ورفض تعييني . أخبرت الدكتور يوسف بالأمر ، فاستغرب وأخذني إلى الدكتور كنعان محمد جميل رئيس قسم الكيمياء الحياتية الطبية في كلية الطب – الجامعة المستنصرية وقدمني إليه . رحّب الدكتور كنعان بي وقبلني فوراً، فسررت لذلك جداً وشكرته وأخبرته أنني سأبدأ العمل في الكلية في هذه السنة الدراسية التي تبدأ في أيلول القادم. كان الدكتور كنعان مخلصاً في عمله إلى أبعد الحدود، فهو لا ينظر إلى الشخص من ناحية حزبية أو طائفية ولا يهمّه من يكون، بل إلى ما يستطيع أن يقدّم  من معرفة وعلوم يستفيد منها الطلاب ليعلو قسمه في الكلية. وهو حريص وجادّ في عمله إلى أقصى حدود.  رجعت إلى لندن فرحاً منتصراً . وبعد شهر تقريباً من عودتي  رمقت الدكتور فاضل خارجاً من مستشفى همرسميث ورمقني داخلاً فيها ، فلم يُحيِّنِ ولم أحيِّـه . وعلمت بعدئذ من السيد فخري أنّه كان في طريقه إلى براغ للتعاقد مع بعض الأساتذة للتدريس في بغداد ولا أدري أفي الكيمياء الحيوية أم غيرها!

أحرامٌ على بلابلهِ الدّوْحُ**حلالٌ للطير من كلّ جنسِ؟ (أحمد شوقي)

ترجمة وتأليف

معاهدة أو اتّفاقية كامب ديفيد التي عقدها الرئيس المصري أنور السادات مع إسرائيل (مناحيم بيغن) برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر عام 1979 أغضبت صدّام حسين فقام بفسخ عقود الأساتذة المصريين وطردهم من العراق. وكان بعضهم في كليتنا مشاركاً في ترجمة كتاب (الكيمياء الفسلجية)ً تأليف (ليلنجر) وكان محرر الترجمة الدكتور كنعان محمد جميل. فحدث فراغ ، حيث أنّ أحد الأساتذة المصريين كان مكلّفاً بترجمة قسم الهورمونات من الكتاب، وهو أطول فصول الكتاب. ولمّا غادر العراق، سألني الدكتور كنعان إن كنتُ أرغب في ترجمة هذا الفصل، فأبديت استعدادي. وكنتُ في الحقيقة أستعدّ لمغادرة العراق نهائيّاً عند انتهاء السنة الدراسية، فالوضع متأزّم بين العراق وإيران. وكنتُ أعمل لتصفية أموري في العراق بحذر دون جلب أيّة ريبة، فقد أُمنع من السفر إن انكشف أمري. لذا وافقت على الترجمة (للتغطية على مشروع المغادرة) وأنا أعرف (ثقلها) ففصل الهورمونات، هذا الطويل من الكتاب، يزيد على مئة صفحة، وعليّ أن أترجمه في شهرين أوثلاثة. فبدأت أعمل فيه فأنهيته في أقلّ من ثلاثة أشهر وزملائي المترجمون الآخرون لم يكملوا ترجماتهم التي بدؤوها منذ سنوات، لذا جاء طبعه متأخّراً وبسبب الحرب العراقية- الإيرانية أيضاً. ثمّ إنّ الدكتور كنعان، وهو جادّ في عمله، رغب أن نؤلف كتاباُ في (الكيمياء الطبية)، بالاشتراك مع الدكتور خالد سلطان عبد القادر،فكانت حصتي أن أكتب قسم الكيمياء الحياتية من الكتاب، فكتبته في شهر واحد. صدر الكتابان، الكيمياء الطبيّة، والكيمياء الفسلجية (الترجمة جاءت بثلاثة أجزاء) في الأعوام 1986 و1987 و1988 (بعد مغادرتي العراق عام 1980)  هذا ما ورد في المذكرات التي (لم تُطبع بعد)2889 بهجت عباس

الرّحيل

استمرّ التواصل مع الدكتور كنعان طوال السنين التي أعقبت، وزارني في كندا عام 1985، وبعد عام 2003 غادر العراق إلى الولايات المتحدة – كاليفورنيا واستقرّ فيها وكان التواصل قائماً وخصوصاً خلال إقامتي في سان دييغو- كاليفورنيا (جنوب) وكان في شمالها. كان إنساناً لطيفاً ودوداً يساعد من هم بحاجة إلى مساعدة يستطيع القيام بها. ولكنّ القدر لا يرحم في أكثر الأحايين، فقد تسلمت إيميلاً صباح يوم 24 أيلول بخبر صادم صاعق ينعى هذا الصديق الذي قضيت معه أطيب الأيام، ففقدت إنسانا وصديقاً لم يزل في خاطري وبقيت غير مصدّق أنني سوف لن أراه بعد هذا اليوم ولن أسمع صوته الدافئ الهادئ خلال الهاتف أبداً، وهل سيكون نسياً منسيّاً؟ فلأردّد مع الشريف الرضي في رثائه أبا اسحق الصّابي:

أَعزِزْ عَلَيَّ بِأَن نَزَلتَ بِمَنزِلٍ**مُتَشابِهِ الأَمجادِ وَالأَوغـادِ

أَعِزِزْ عَلَيَّ بِأَن يُفارِقَ ناظِري** لَمَعانَ ذاكَ الكَوكَبِ الوَقّادِ

مِمّا يُطيلُ الهَمَّ أَنَّ أَمامَنا**طــولَ الطَريــقِ وَقِلَّةَ الأَزوادِ

بَردُ القلوب بمَنْ تُحبّ بقاءهُ **ممّا يجرُّ حرارة الأكبادِ

يا ليت أنّي ما اقتنيتُكَ صاحباُ** كم قِنيةٍ جلبتْ أسىّ لفؤادِ

فاذهب كما ذهب الربيعُ وإثرُهُ**باقٍ بكلِّ مهابطٍ ونِجادِ 

وإذا ذهب الجسد وتلاشى، فهل ستبقى الروح؟ هذا ما حار فيه البشر في كلّ العصور، ولربّما أستطيع أنْ أقول:

لكنِ الإشفاقُ حقّـاً أن تظنَّ الروحَ تفـنــى

فَهِيَ الطاقةُ لا تعرف غيـر الخلد معنـى

وهيَ الطائر في الأجواء مرحى تتغنّـى

حطّمتْ أصفادَها من جسد قد كان سِجْنا

 

د. بهجت عباس

26 أيلول 2021

 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

العالم الاديب الدكتور بهجت عباس
ذكريات جميلة وقد ذكرتنا بأيام كان العراق فيها بخير، تلك حقبة السبعينيات من القرن الماضي.

لكنِ الإشفاقُ حقّـاً أن تظنَّ الروحَ تفـنــى
فَهِيَ الطاقةُ لا تعرف غيـر الخلد معنـى
وهيَ الطائر في الأجواء مرحى تتغنّـى
حطّمتْ أصفادَها من جسد قد كان سِجْنا

احسنت عرض فلسفتك عن الروح وانها طاقة لا تفنى، الارواح الحميلة تبقى خالدة في اجساد غيرها.

دمت بصحة وطول عمر أستاذنا الجليل.

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع الدكتور عادل الحنظل
ألف تحية وشكر على مرورك الكريم وتعليقك الجميل الذي تلقّيته هذا الصباح بفرح غامر فسيكون يوماً جميلاً حقاً. أتمنّى لك الصحةّ الجيدة والابداع المستدام.
ودمت بخير وباقات ورد.

بهجت عباس
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذنا الجليل الشاعر والعالم بهجت عباس
ودّاً ودّا
مذكراتك غنيّة بالعلم والأدب والتاريخ , التاريخ القريب وليس البعيد .
لو احتفظ العراق بك وبأمثالك من أصحاب الإختصاصات العلمية والأدبية وغيرها لكان
العراق في خير ولم ينحدر الى ما انحدر اليه رغم الحروب والكوارث .
لو عادت عقول العراق الى العراق وكانت لها حريّة التصرف في حقلها لتمكّن العراق
من معالجة نزيفه الحاد أو تخفيفه على الأقل , ولكن بلادنا طاردة للمواهب مع الأسف .
دمت في صحة وعلم وإبداع استاذي المبجل .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي الشاعر والناقد الجميل جمال مصطفى
ألف ود وتحية على ما سطّره قلمك الفياض الرهيف من جميل الكلمات التي أنا مدين لك بها، فإنّه شعورك الانساني لواقع الحياة. الحقيقة إنني كنت واهماً في ذهابي إلى العراق، فلم أكنْ مضطراً للذهاب، حيث لم أستلم ولا فلساً واحداً من الحكومة العراقية خلال دراستي ، فلذا لم يكنْ لي أي (ارتباط) معها. ولكنّي ظننت أنني سأقوم بأبحاث في مجالات عدة تتعلق بالخلية البشرية (السرطان) وبالخلية الجرثومية (السّموم) أو إحداهما. ولكنْ: هاك ما وجدت هناك :
مدرس في كلية الطب – الجامعة المستنصرية (من المذكرات ص 147)
(باشرت في الدوام في كلية الطب للجامعة المستنصرية الواقعة في الزعفرانية (بعد جسر ديالى) في أيلول 1978 وكانت الرحلة من بيتي الواقع في حيّ القادسية في سيارتي تستغرق 30 دقيقة تقريباً. ولكنّ عميد الكلية الدكتور داود الصانع خصّص سيارة تنقل التدريسيّين من بيوتهم إلى الكلية وترجعهم إليها، وهو عمل جيد. ولكنّي لم أستعمل هذه الخدمات، حيث كنتُ في طريقي إلى الكلية وعودتي إلى البيت بعد انتهاء الدوام أشتري بعض الموادّ الغذائية التي أجدها متوفرة. وليس كلُّ شيء كان متوفّـراً ذلك الحين، أو أنّه متوفّـر صباحاً ومفقود مساءً، فنقصان المواد الغذائية كان سائداً واعتُبِـر أمراً عاديّاً ومألوفاً. كان مبنى الكلية بسيطاً جداً، فحسب ما علمت ، كان مستشفى للأمراض الصدرية، فهو يفتقـر إلى خدمات ضرورية لا توجد، وخصوصاً دورة المياه الصحيّة وغرف الأساتذة البائسة والخالية من الأثاث تقريباً علاوة على عدم وجود مختبرات للبحوث أو حتّى إنْ وُجِدتْ فهي تفـتـقـر إلى الألات والمكائن اللازمة عدا بعض الأشياء البسيطة التي يستعملها الطلاب في تجاربهم الأوليّة. لذا لم أفكر في (البحث) العلمي الحقيقي الذي (تخيلت) القيامَ به وأنا في إنكلترا. كنّا بعد الفراغ من المحاضرات التي نلقيها على الطلاب نتحدثُ عن المواد الغذائية وعن أماكن وجودها ، فالبرتقال ، مثلاً، موجود في الكرخ، والموز في الأعظمية و التفاح في الكاظمية وهكذا ، فترانا نتجول بعد الدوام في هذه المناطق لـ (لملمة) اكثر ما يُمكن من هذه المواد. وعلاوة على ذلك فهناك (العيون) الراصدة في الكلية والآذان مسترقة السمع عن أيّ تذمّر أو انتقاد لسلطة البعث الحاكمة بقبضة صدام حسين الفولاذيّة ولو كان أحمد حسن البكر الرئيس الرسمي. فبدأتُ أفكّر في الخروج من هذه الشرنقة، ولماذا لا؟ وحكمتي أو نظرتي أنّ العيش بكرامة واستنشاق نسيم الحرية دون حسيب أو رقيب هما أثمن ما في الحياة وهو مبدئي ، فلماذا الاختناق إذا كان التخلّص منه مستطاعاً، وكان بمستطاعي. فأنا أعيش مرة واحدة وأموت مرة واحدة ، فلماذا العيش بذلّة وخوف والموت مرات عديدة ؟ كانت السنة الأولى ملاى بالمشاكل ولو كان بعضها بسيطاً، فمثلاً أستغرق تسجيل سيارتي الفولفو التي جلبتها معي والتي كانت تحمل رقماً إنكليزياً إلى سيارة تحمل رقماً عراقياً مدة شهرين . واستغرقت المعاملات لحساب راتبي ثلاثة أشهر، ذلك أنّ وزارة التعليم العالي لم تحسم الاعتراف بشهادة الماجستير لغرض العلاوة (خمسة دنانير) بحجة أنّ الشهادة حصلتُ عليها بعد حصولي على الدكتوراه. لذا لم أتسلّم رواتب الأشهر الثلاثة الأولى إلا بعد الاعتراف الذي جاء متأخراً. كان العام التدريسي 1978/1979 حلواً مرّاً ذا تجربة بجوانب كثيرة متناقضة، فيها الجميل والقبيح، والعمل المتواصل مع (ترتيب) لمغادرة الوطن ، وقد بانت حقيقة أصدقاء لم يحافظوا على أواصر الصداقة فخاب ظنّي بهم ، وصداقة أناس لم أعرفهم من قبل (غرباء) كانوا ذوي ودّ ووفاء.)

تحياتي وتمنياتي لك بالصحة والرفاهية والابداع.

بهجت عباس
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ المتميز بهجت عباس المحترم
تحية طيبة
بهدوء وثقة العلماء وصفاء الطرح كتبتَ صفحة واحدة من مسيرة كنتَ فيها واثق في إعطاء كل ذي حقٍ حقه باتزان وروية و وضوح
..............
انتظر صفاحات اخرى كما هذه صافيات صادقات موثوقات موَّثقات
رافقتكم السلامة والصفاء والهنا وتمام العافية

عبد الرضا حمد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الأديب عبد الرضا حمد جاسم المحترم
تحية من القلب على مرورك الكريم وثقتك الغالية بما قدّمت من بعض ما مررت به وما كانت عليه الحياة في العراق حينذاك وهو غيض من فيض وهناك الكثير. وسأنشر بعضاً آخر منها، وهي مقتطفات من المذكّرات
الشخصيّة مقرونة بالحوادث الحقيقية حسب ما رأيته حينذاك.
دمت إنسانا طيّباً موفوراً بالصحة والهناء والخير العميم.

بهجت عباس
This comment was minimized by the moderator on the site

عمرك أيها العالم والشاعر الفذ بهجت عباس
عمرٌ حاشد بكل غريب وجميل ومريب !
(( معاهدة أو اتّفاقية كامب ديفيد التي عقدها الرئيس المصري أنور السادات مع إسرائيل (مناحيم بيغن) برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر عام 1979 أغضبت صدّام حسين فقام بفسخ عقود الأساتذة المصريين وطردهم من العراق.))
هل هذا ممكن ؟ وما علاقة السياسة ومغامراتها بالطب والعلم والمعرفة لكي يُطرد أساتذتُها وأعلامها وذووها ؟
سِفر شائق رغم مشاعر الحزن التي تعتصر القلب ...
ولك مني الود والتقدير

سامي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الغرّيد سامي العامري
نعم يا عزيزي! هكذا كانت سياسة صدام حسين، فالغضب من الحكومة المصرية يشمل الغضب على المصريين الذين لا ذنب لهم جرّاء سياسة حكومتهم . وهناك أشياء كثيرة غريبة في سياسته وطريقة حكمه.
أتمنّى لك صحة وعافية وإبداعاً ثرّاً
تحياتي ودمت يخير وبنفسج.

بهجت عباس
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5513 المصادف: 2021-10-09 03:56:26


Share on Myspace