عصمت نصار(1) مارون عبود: كثيرون أولئك التنويريين العرب الذين أضاءوا حياتنا العقلية فى شتى دروب الثقافة، ومع اعتراف بعضنا بفضلهم إلا أن معظمنا لم يعمل على إحياء رسالتهم، ولم يسر على ضربهم وتركناهم وحكمتهم فى دائرة الظل. نعم أهملناهم رغم احتياجنا لإرشاداتهم النابعة من وعيهم ودربتهم ودرايتهم بمعالجة العديد من المشكلات التى ما زالت تعيننا فى حياتنا المعاصرة.

أجل أنادى بإحياء سنن أهل الفضل من قادتنا، وأعلام نهضتنا الذين نجحوا فى إخراجنا من طور العزلة الحضارية والجمود والتعصب والتخلف فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر - ووضعونا على أول طريق المدنية الحافل بأنوار التسامح والحرية والفلسفة والعلم والعدالة الاجتماعية. غير أننا جنحنا عنه فعدنا أسوأ مما كنا عليه فتقدمنا إلى الخلف ندك بأيدينا كل ما بنيناه، ودفعتنا حماقتنا إلى تحطيم ثوابتنا وجميل أخلاقياتنا وجليل عوائدنا، فتمردنا على مشخصاتنا فزادنا ذلك انحطاطًا. ومن ثم كان لزامًا علينا إعادة البناء لانتقاء النافع من هويتنا لنحييه، وإحصاء الضار لنتخلص منه ومن طريقنا نخليه.

واليوم أحدثكم عن نموذج فريد فى ثقافتنا العربية، مفكر وأديب وشاعر جمع كل أزاهير الحب والمودة والتسامح من فوق قمم جبال الشام، وغرسها منمقة فى جل أقواله وكتاباته، ثم عصرها فأضحت ترياقًا شافيًا من الأحقاد والصراعات السياسية والفتن الطائفية - لمن يرتشفها - قابل خصومه بالود، وجابه قادحيه ومنكريه بجميل الرد، فاستحق وسام التسامح الذى لم ينله فى حياته بل نقدّمه له اليوم وفاءً وبرًا واعترافًا بجميل لا يُنكر.

هو المعلم والصحفي والخطيب والناقد والمؤرخ «مارون حنا الخورى يوحنا عبود» (١٨٨٦-١٩٦٢م)، نشأ فى كنف أسرة مسيحية لبنانية متدينة غير أنه رغب عن دراسة اللاهوت وسجن ذهنه المتوقد بين تفاسير اصحاحات الكتاب المقدس، وراح ينهل من كل أروقة الأدب والفلسفة والعلم قدر طاقته.

جمع فى أفكاره بين الأصالة والمعاصرة، ورغب فى نقداته عن لغة الهجوم والشجب والطعن والقدح وفضّل عليها أسلوب الحوار والتقويم العلمي والحجج البرهانية والاقتراحات الإصلاحية الواقعية.

أجاد السريانية وهضم فى صباه أمهات الكتب اللغوية والأدبية العربية. جمع الكثير من مآثر العرب ومناقب علمائهم وترجم عن الفرنسية العديد من أقوال الفلاسفة والمبدعين المستنيرين، ومن أقواله الناقدة للتقليد والمحفزة للتجديد «أخشى على كتابنا الناشئين من تأثير همنجواى وسارتر، فإنهم يضيعون فى فضائهما الغريب .. والأدب العربى عندى انعكاس لمظهر حياتي، فكيف يمكننا أن نوفق بين جونا الخاص وجو الغرباء عنا. وأخاف أن يصيبنا ما أصاب الغراب الذى حاول أن يقلد الحجل (وهو طائر يشبه السمان)، فما نجح بتقليده بل نسى مشيته»،

ومن أقواله فى إصلاح التعليم «أشعر ويا للأسف أن التعليم صار واسطة بعد أن كان غاية ... والدليل هذه الشهادات الغالية اسمًا الرخيصة فعلاً - كنا نتعلم لنعرف واليوم يتعلمون ليحملوا شهادة، ويحصلوا على لقب علمي». حفظ المزامير وآمن بجوهر المسيحية، ولم يمنعه ذلك من الاستماع للقرآن مجّودًا ومرتلاً وتدبر آياته ومدح سنة النبي والإشادة بتعاليمه. اتخذ من الصحافة والتدريس فى المدارس والمعاهد سبيلاً لنشر فلسفته فى الوطنية والتسامح الملى بحرية البوح والتضامن الاجتماعي.

وظل طيلة حياته مؤمنًا بأن المخالفين فى الفكر والعقيدة - وإن كانوا قلة - لهم نفس الحقوق التى ينعم بها الكثرة، وأن المواطنة لا ينبغي أن تؤسس على العصبية العرقية أو الحمية الدينية بل على الألفة والحب ووحدة العوائد والمنافع العامة وحسن الجوار؛ كما بيّن أن خطاب السماء لم يتنزل على البشر لشقائهم وغرس الأحقاد فى قلوبهم بل لإسعادهم وتراحمهم وإيمانهم بأن الله هو المحبة وأن رسله وإن تباينت كتبهم؛ فإن مضمونها واحد ألا وهو حُسن المعاملة، وأن الإحسان مقدم على العمل بالأركان، وأن أجراس الكنائس، ومآذن الجوامع لا طائل منها إذا لم تفش السلام والرحمة ومكارم الأخلاق فى قلوب وسلوك وأعمال المنتمين إليها.

تأثر بـ (أفلاطون، والجاحظ، وأحمد فارس الشدياق، وأناتول فرانس) ومع ذلك كان له أسلوبه الرصين فى السرد ونهجه المتميز فى النقد الساخر والإصلاح، تشهد به مؤلفاته التى تجاوزت الستين. وليس أدل على تصالح الرجل مع نفسه من شهادة معاصريه الذين أكدوا أنه كان صاحب فلسفة يعيشها ويدافع عنها، وكان دائم التحذير من خطر الفتنة الطائفية على سوريا ولبنان، لذا لم يتحرّج من أفراد عائلته الكهنة الذين أمضوا حياتهم فى خدمة الكنيسة المارونية من أن يسمى ابنه الأوسط محمد وابنته الصغرى فاطمة إجلالاً واحترامًا للنبي المصطفى، وإعلانًا عن برّه واحترامه للشيعة بمختلف طوائفهم والدروز، وكأنه أراد أن يجعل من بيته وعائلته أنموذجًا للمواطنة التى لا يحيا فيها إلا من آمن بدستور الحب. ولما سُئل عن علة ذلك، قال: «نكاية فى الطائفيين». وكيف لا وهو القائل عن حكمة الإيمان: صلوا من أجل الرب فهو أصل كل محبة، الذى علمنا التضحية من أجل الآخرين فصلوا من أجل برّهم وإسعادهم. ومن أقوال حفيده وليد عبود عن تدين جده «إنه مع رجال الدين المناضلين ضد السلطات الغاصبة على أنواعها، لا مع رجال الدين الخانعين، الخاضعين، المتآمرين مع السلطة المدنية على الرعية. إنه مع المسيحية الحق، مع اشتراكية المسيح، لا مع تحويل الكهنوت وسيلة للإثراء والصعود الاجتماعي والاقتصادي والمادي».

وما أحوجنا الآن لأمثال مارون عبود لتعليم الطوائف المتناحرة فى شتى أنحاء العالم العربى أصول الإيمان وفلسفة الحب.

تُرى .. هل يستحق هذا الرجل وسام التسامح؟

(2) نظمي لوقا جرجس:

لا نكاد نلمح من بين الفلاسفة الغربيين من هو أعمق من الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (١٦٣٢ - ١٧٠٤م) فى ربطه بين الحقيقة النسقية - التى تؤكدها التجربة المباشرة ولا يعيبها الإضراب والتناقض. والتسامح - باعتباره الدرب المعرفي الأخلاقي للوصول لليقين - والعقلانية والموضوعية والحدس الواعي غير المتحيز، وقوة الإيمان المستمد من قناعات الأنا بأن الله محبة، وأن شرائعه هداية وتهذيب وإفشاء للسلام وتراحم بين الناس.

أما فى ثقافتنا المصرية المعاصرة؛ فلا يمكننا تجاهل الفيلسوف نظمى لوقا سفير المحبة الأرثوذكسية فى الفكر الإسلامي المعاصر؛ ذلك المصباح الذى يجب علينا إخراجه من دائرة الظل ووضعه فى ذروة ثقافتنا التى أعياها العنف وضللها الجاهلون وأقعدها عن المصالحة بين الدين والعلم، فباتت بين كفى الرحى التعصب والارتياب.

هو الأديب والشاعر والفيلسوف المصرى نظمى لوقا جرجس (١٩٢٠-١٩٨٧ م)، وُلد بدمنهور فى كنف عائلة مسيحية أرثوذكسية، نشأ نشأة دينية، وفى صباه تردد على مساجد مدينة السويس، وجلس فى حلقات العلم لاستيعاب التراث العربى الإسلامي فحفظ القرآن فى التاسعة من عمره والعديد من الأحاديث، رغبة منه فى التعرف على الدين الإسلامي عن قرب. ومع ذلك لم يترك المسيحية لأنه أدرك أن ليس هناك فارقًا بين الشريعتين من حيث الجوهر وثوابت المعتقدات والمقاصد والغايات. وقد أتم دراسته الثانوية فى الإسكندرية ثم انتقل للقاهرة فالتحق بكلية الآداب جامعة القاهرة وتخرج فيها عام ١٩٤٠م.

ولعلّ عشقه للدراسات النفسية والاجتماعية والفلسفية هو الذى مكنه من الوصول إلى هذه الحقيقة؛ فقد درب ذهنه على استيعاب الأفكار المتباينة والربط بينها فى نسقية تزيل ما يعتليها من اضطراب وتناقض، كما أدرك أن دراسة اللاهوت المسيحي عن طريق دروس الأحد التقليدية لا يوصل الذهن إلى اليقين الإيماني، بل البحث عن الحقيقة الروحية بمنأى عن الجمود والتعصب، ومن أشهر أقواله فى هذا السياق: «لئن كنت أنصفت الإسلام ـ فى كتاباتي؛ فليس ذلك من منطلق التخلي عن مسيحيتي بل من منطلق الإخلاص لها والتمسك بجوهرها وأخلاقياتها» ... «وإذا كان جوهر جميع الأديان السماوية هو التوحيد؛ فإنّ القرآن الكريم لا يدع شائبة من ريب فى مسألة وحدانية الله، وقد أفصح عن ذلك فى سورة الإخلاص التى عبّرت عن جوهر الله الأحد الفرد الصمد»، الأمر الذى لا يتعارض مع حقيقة المسيحية فـ «لم يرد على لسان المسيح فى أقواله الواردة فى بشارات حوارييه (الأناجيل) إشارة إلى ألوهية المسيح، بل كان يدعو نفسه على الدوام (بابن الإنسان)، وأما البنوة لله عز وجل فما ورد لها ذكر إلا على سبيل المجاز المطلق وبمعنى يشمل البشر كافة، حين أوصى أن تكون صلاة الناس إلى الله بادئة بقولهم: (يا أبانا الذى فى السماء)».

وقد أراد بذلك التأويل نفى تهمة الشرك التى ألصقها الجهلاء بالمسيحية أولئك الذين زعموا أن المسيحيين يعبدون ثلاثة أقانيم ويعتقدون بأن المسيح ابن الله على شاكلة البشر: «لا بد من رد الناس إلى بساطة الاعتقاد، ولا بد من نفى اللبس وشوائب الريب عن العقيدة المسيحية، وهو التوحيد مطلق التوحيد» ... «الدين لسواد الناس وما كان الدين للمجادلة الذهنية. وإنما هو نبراس الهداية للكافة»، ويضيف «لا بدّ للدين أن يثبت قلوب الناس بالطمأنينة إلى عناية الله بالخلق، وإلى قدرته، وإلى سلطانه المطلق على الكون كله، فقرّر القرآن فى عزم وحسم أن (الله خالق كل شيء)، (وكان الله على كل شيء قديرا)».

كما ناشد المسلمين وذكرهم بأن العقيدة الإسلامية تنأى عن التعصب والعنف أو إيذاء المخالفين، وانطلاقًا من ذلك فهى لا تضمر الشر إلى أحد وتوأمّن الجيران وتآخى بين جميع البشر ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى.

حصل على الدكتوراه فى الفلسفة، وعمل مدرسًا فى معهد المعلمين بالقاهرة، ثم كلية الآداب جامعة عين شمس. وراح يرغب تلاميذه فى دراسة الفلسفة باعتبارها طوق النجاة من الخرافة والنزعات الإلحادية والنظريات المادية، ومن أقواله فى هذا السياق: «البحث الموضوعي فى نشاط العقل لا بد أن يوصلنا إلى حتمية وجود الألوهية، وذلك لأن للعقل أعداء كثيرون من الجنسيين والماديين».

أمّا عشقه للرسول - صلى الله عليه وسلم - فذلك من الأمور التى كانت سببا مباشرا فى شهرته وذيوع أخباره، إذ كتب عام ١٩٥٩م كتابًا بعنوان (محمد الرسالة والرسول)، صرح فى مقدمته بتلك الرابطة الروحية التى ربطت بينه وسيرة المصطفى منذ صباه، وأنه لم يمدح النبي ولم يثن على دينه تملقًا أو مداهنة، بل لعظم رسالته المتممة لمكارم الأخلاق، مؤكدا أن أصول النقد والإنصاف تقضى بإعطاء كل ذي حق حقه من أهل الفضل والبر والإحسان، فيقول: «لست أنكر أن بواعث كثيرة فى صباي قرّبت بيني وبين هذا الرسول، وليس فى نيتي أن أنكر هذا الحب أو أتنكر له، بل إني لأشرف به وأحمد له بوادره وعقباه».

ولم تقف كتابات "نظمى لوقا" عند هذا الحد، بل تخطت ذلك إلى الدفاع عن الإسلام ضد هجمات غلاة المستشرقين والمتعصبين.

ظل طيلة حياته مؤمناً بأن جبلة الشعب المصرى تختلف عن سائر الشعوب من حيث التسامح الخلقي، وطيبة الطباع، وميله للألفة والعشرة والتعاون والتعاطف، وعزوفه عن العنف والشجار وغلظة القلب، أضف إلى ذلك شخصية المصرى المرحة وتفاؤله الدائم وسخريته من الأحداث، وإبداعه لفلسفة الممكن التى تحوّل كل الصعوبات بل والمستحيلات إلى إبداعات ومبتكرات؛ لذلك كله كان نظمى لوقا دائم تحذير المصريين من الفتن والمؤامرات التى ترمى إلى الإيقاع بين المسلمين والمسيحيين وإفساد ما بينهم من مودة وحب وتراحم، وقد سخّر قلمه لتنبيه العقول وإرشاد الأذهان لخطر الفتنة الطائفية على المجتمع المصري.

وحسبي أن أهمس فى أذن أولئك الذين يغرسون بذور الفرقة والفتن فى أحاديثهم التليفزيونية وكتاباتهم الصحفية من المتعصبين الذين لا يقدرون مسئولية الكلمة، ولا سيما فى ميدان العاطفة الدينية. أقول لهم انصتوا واستوعبوا رسالة هذا الفيلسوف، ثم قلدوه وسام المحبّة العاقلة.

(3) رشيد سليم الخوري:

لم يطرد أفلاطون من مدينته كل الشعراء، بل أولئك الذين زيفوا الوعى وغلّبوا الشهوة على العقل ونقلوا أخبارًا كاذبة عن الآلهة. وعلى النقيض من ذلك، نجده ينظر إلى المصلحين منهم بإجلال واحترام، ويعلى من شأن أقلامهم الملهمة، تلك التى ترشد الناس إلى مواطن الجمال والجلال فى الكون، وتحثهم على التضحية من أجل الوطن، وتذكرهم بأمجاد الأبطال والحكماء والعلماء والمصلحين.

وأحسب شاعرنا من الذين حرص أفلاطون على وجودهم فى طليعة قادة الفكر المستنيرين.

هو الشاعر والصحفي القروى رشيد سليم طنوس الخورى (١٨٨٧-١٩٨٤م)، الملقب بـ «قديس الوطنية العربية»، «شاعر القومية والإنسانية»، أما أشهر ألقابه فهو «الشاعر القروي»، وقد أراد أحد النقاد ذمه بهذا اللقب فأضحى نعتًا يفتخر به صاحبه. ولد فى قرية البربارة فى لبنان، تعلم فى صيدا والتحق بمدرسة الفنون الأمريكية ببيروت، ومنها إلى الكلية السورية الإنجيلية هناك، غير أن ضيق ذات اليد حرمه من إتمام دراسته الجامعية، فراح يعلم الصبية فى المدارس الأولية، وجمع عشرات الكتب العلمية والتاريخية والأدبية وعكف عليها حتى ثقف ذاته.

وفى عام ١٩١٣ رحل إلى البرازيل، فاشتغل بالتجارة من بائع أقمشة متجول إلى صاحب وكالة تجارية، بالإضافة إلى تعليمه اللغة العربية لغير الناطقين بها، واشتغل كذلك بالصحافة ورأس تحرير مجلة «الرابطة» وعضوية العصبة الأندلسية فى سان باولو ورئاستها بعد ذلك، ثم عاد إلى الوطن عام ١٩٥٨.

أمّا شعره الذى راح ينشده منذ نعومة أظافره؛ فقد وجهه إلى عدة قضايا أهمها القومية والوطنية والوحدة العربية والحملة على الصهيونية والماسونية والمطامع الاستعمارية الغربية، ثم الطائفية وكل أشكال التعصب، أضف إلى ذلك مناهضة الاحتلال اليهودي لفلسطين ومساندة الكفاح الفلسطيني، ومن أشهر قصائده التى ألقاها احتجاجًا على وعد بلفور الغاصب:

عد من تشاء بما تشاء فإنما .. دعواه خاسرة ووعدك أخسرُ

فلقد نفوز ونحن أضعف أمة .. وتؤوب مغلوبًـا وأنـت الأقـدرُ

فلكم وقـى متواضعًـا إطراقـه .. وكبـا بفضــل ردائـه المتكــبرُ

يا مصدر الكذب الذى ما بعده .. كذبٌ، تعالى الحق عما تنشرُ

....

يا عُربُ، والثاراتُ قد خُلقت لكم .. اليوم تفتخر العلا أن تثأروا

يدعوك شعبك يا صلاح الدين قم.. تأبى المروءة أن تنام ويسهروا

نسى الصليبيـــون ما علّمتهم .. قبل الرحيـل، فعُد إليهم يذكروا

للسلم نحن كما علمتِ وللوغى .. منا المسيح أتى، ومنا عنتــرُ

تجنى على وطن المسيح مدمرًا .. وتذيع أنـك فى البــلاد معمّرُ

....

صعد رشيد المنابر خطيبًا فى بلاد المهجر، وقد بلغت شهرته ذروتها على أثر قصائده وخطبه عن عظمة الإسلام ودور حضارة المسلمين فى نهضة الإنسانية وفضائل النبي وحكمة القرآن.

ومن أشعاره عن الوحدة الوطنية والتسامح الديني بين الإسلام والمسيحية:

يا قومُ هذا مسيــحيٌّ يذكّركم .. لا يُنهِض الشرقَ إلا حبُّنا الأخوي

فإن ذكرتم رسول الله تكرمــة .. فبلّغوه ســلام الشاعــر القــروي

وقد تصدر الشاعر القروى للكثير من القضايا العربية والإسلامية فذهب فى إحدى خطبه فى سان باولو فى عيد المولد النبوي: إلى أن حب المسلمين للنبي لا ينبغي أن يكون بكثرة الصلاة عليه شفاهة أو التغني بقصائد مدحه فى حفلات الذكر والمواسم الدينية، فحب النبي فعلا وسلوكا وليس غناء وطربا، فعلى كل مسلم أن يتخذ من سنة النبي وسيرته العطرة زادا ليعمُر قلبه بالإيمان والتسامح مع الأغيار وحب من شاركوه فى الحياة والجوار، وعلى كل مسيحي أيضا أن يتأمل رسالته التى لا تختلف فى عطرها وأنوارها وجوهرها وصلبها عما جاء به موسى وعيسى، وذلك لأن السراج واحد ومصابيح الإيمان تضاء بزيت رباني يدعو إلى وحدة الجنس البشرى والعدل بين الناس كافة، واقتلاع العنف والعصبية والمطامع البربرية من سلوكنا، فنصبح بذلك خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر «أيها المسلمون، يَنْسب أعداؤكم إلى دينكم كلَّ فِرْية، ودينُكم من بُهْتانهم براء. ولكنكم أنتم تصدِّقون الفِرْية بأعمالكم، وتقرُّونها بإهمالكم. دينُكم دينُ العِلْم، وأنتم الجاهلون. دينُكم دينُ التيسير، وأنتم المعسِّرون. دينُكم دينُ الحُسْنَى وأنتم المنفِّرون. دينُكم دينُ النصر، ولكنكم متخاذلون. دينُكم دينُ الزكاة، ولكنكم تبخلون ..

يا محمدُ يا نبيَّ اللهِ حقًا، يا فيلسوفَ الفلاسفةِ، وسلطانَ البلغاء. ويا مَجْدَ العرب والإنسانية، إنك لم تقتل الروحَ بشهواتِ الجسد، ولم تحتقر الجسدَ تعظيمًا للروح. فدينُك دينُ الفِطْرةِ السليمة، وإني موقِنٌ أن الإنسانية بعد أن يئست من كلِّ فلسفاتِها وعلومِها، وقنطت من مذاهب الحكماء جميعًا؛ سوف لا تجد مخرجًا من مأزقِها وراحةِ روحِها وصلاحِ أمرِها إلا بالارتماء بأحضان الإسلام».

وقد فطن الشاعر القروى إلى أن ما يعانيه الشوام فى سوريا ولبنان والأردن وفلسطين من جور وعنت وتعالٍ من الأتراك العثمانيين - فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر - ليس من الإسلام فى شيء، وذلك لأن التفاضل بين الناس فى الإسلام ليس باللون أو الجنس أو العرق، بل المفاضلة بينهم فى التقوى والورع والصدق فى محبة الله وطاعته، ومن ثم راح يبصر بنى قومه بأن سبيلهم لدفع ظلم الأتراك ومطامع الغزاة المستعمرين هو الوحدة والتآخي والجهاد فى صف واحد دفاعا عن عروبتهم ضد مؤامرات الصهيونية والحملات التغريبية التى ترمى لطمس هويتهم.

إذا حاولتَ رفعَ الضيم فاضرب

بسيف محمــدٍ واهجر يسوعـا!

أحبوا بعضكم بعضًا وُعظنا

بها ذئبًـا فمــا نجَّـت قطيعــا

والجدير بالإشارة فى هذا السياق، أن رشيد لم يكن هو الشاعر المسيحي الأوحد الذى مدح النبي فى القصائد وفى المنتديات الثقافية وعلى منابر الساسة فى بلاد الشام، ومنهم ميخائيل ويردى (١٨٦٨-١٩٤٥ م)، نقولا فياض (١٨٧١-١٩٣٠ م)، خليل مطران (١٩٧٢-١٩٤٩ م)، شلبي ملاط (١٨٧٥-١٩٦١ م)، أنيس الخورى المقدسي (١٨٨٠-١٨٧٧ م)، إلياس فرحات (١٨٩٣-١٩٧٦ م)، جورج سلستي (١٩٠٩-١٩٦٨ م).

وحقيق بي أن أؤكد أن أثر أولئك الشعراء فى الرأى العام لا يمكن إنكاره أو تجاهله، فقد نجحوا جميعا فى إيقاظ العقل الجمعى وتوعية الجمهور وتجييش المثقفين للإصلاح وإعادة البناء. وعليه لا مجال للمقارنة بين ما يتغنى به أبناؤنا اليوم من كلمات منحطة وصور متدنية ومقاصد عفنة، وما كان من أمر هؤلاء الشعراء وسامعيهم، فشاعرنا يستحق بجدارة وسام الشاعر المستنير.

ولسير الأعلام بقيّة

 

بقلم: د. عصمت نصار

 

محمود محمد عليالأمة التي ينشط فيها العقل ويتحرك فيها الفكر، أمة لا يخشي عليها من شئ، لأنها تكون حية حياة عقول أبنائها، متحركة بحركة أفكارهم. وفي مثل هذا المناخ الفكري السليم يختفي التعصب الأعمى وما يصاحبه من ضيق في الآفق وتحتجر في الفكر، ويحل محل ذلك التسامح واحترام وجهات نظر الآخرين، وافتراض حسن النية فيما يصدر عنهم من آراء وأفكار حتى فيما يتصل بأمور الدين؛ وهنا نشهد في واقعنا المعاصر عدداً من الأساتذة الاكاديميين الجاديين يقدمون لنا رؤي ومناهج من واقع خبراتهم للعديد من القضايا التي لا يستطيع المفكر والإنسان العربي المعاصر أن يغض الطرف عنها وفي مقدمتها : العقلانية، والحرية، وإعادة النظر في التاريخ والواقع، والمفاهيم اللامحدودة التي تمتلأ بها الثقافة العربية والفكر العربي المعاصر" .

ومن هذا النوع نذكر الأستاذ الدكتور "بهاء جلال السيد درويش"- أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة المتفرغ بكلية الآداب – جامعة المنيا بجمهورية مصر العربية، والذي أشرف بالكتابة عنه في هذه السطور، فهو يمثل واحداً من زملائنا المفكرين المصريين المعاصرين، الذين قدموا لنا منهج عقلاني تكاملي متفتح، ورؤية فلسفية ملتزمة : تؤكد التسامح، والحوار، والتعددية، وتفسح المجال للآخر.

وقديماً قال الكندي الفيلسوف (250 هـ) الفلسفة هي علم الأشياء بحقائقها، ويحتاج طالب العلم إلي ستة أشياء، حتي يكون فيلسوفاً، فإن قُصت لم يتم ؛ ذهن بارع، عشق لازم، صبر جميل، روع خال، فاتح مُفهم، مدة طويلة؛ وأحسب أن بهاء درويش (مع حفظ الألقاب) قد تحققت له وفيه هذه الشروط التي فرضها فيلسوف العرب، في دارس الفلسفة وطالبها .. إذا كان النبوغ هو المقدرة علي تحمل الجهد المستمر، علي حد قول تشارلز ديكنز ؛ فإن بإمكاننا القول إن بهاء درويش كان واحداً من النابغين المصريين الذين أضافوا كثيراً إلي الثقافة الإنسانية.

فبهاء درويش من الباحثين المتميزين الذين أحب أن أقرأ لهم أو أسمعهم حين يحاضرون .. منذ وقت قريب حضرت معه مؤتمراً بقسم الفلسفة بجامعة المنوفية دعاني إليه صديقي الأستاذ الدكتور "صلاح عثمان"، وجاءت الكلمة علي بهاء درويش ليلقي كلمته عن الفلسفة التطبيقية .. ادهشني حديثه وكلامه فهو من النوع الذي تلمحه علي المنصة في وقفة الحزم والعزم .. وقبالته الأفواج المرصوصة.. مشدودة الأحداق نحوه.. مرهفة الأسماع إليه .. ترقب ما يلفظ من قول .. كأنها بحر يزخر بالموت مسته عصا ساحر .. فأمسك عن الحركة بغتة .. وران عليه سكون عميم.. هنالك يبدأ حديثه وكلامه .. ناعم الصوت .. ثابت المقطع .. يرسل الكلمة تلو الكلمة .. والجملة بعد الجملة .. تتجاوب بها أرجاء الفضاء الفسيح .. فإذا هي تبلغ شغاف القلوب وتنفذ إلي مكامن الشعور .. ما أجله مشهد تنقل فيه بصرك بين الخطيب وجمهوره .. وقد استولت مهابة واكبار.. إنه في هذه الوقفة الجبارة .. في هذا السمت الأشم وهو مستسرل يجلجل بنبراته .. يروعك أول ما يروعك قسمات وجهه .. إذ تتشكل في طواعية معبرة وتأدية مصورة .. كل خلجه ترف علي محياه كأنما هي مرآة الكلمة التي ينطق بها لسانه .. وروح المعني الذي يريد الإعراب عنه .. فما هذه الخلجات التي تتعاقب علي صفحة وجهه إلا ترجمة حسية لتلك الكلمات التي تنبس بها شفتاه لا يعوزها البيان والإفصاح .. حسبك أن تراه  وتسمعه ..

بهاء درويش وإن كان أكبر مني بسنوات قليله فهو من جيلي الذي احترمه وأهابه .. فنشاطاته البحثية كثيرة ؛ خاصة في الندوات والمؤتمرات .. فلم أتمكن من أن ألاحقه بكل ورقة بحثية كتبها .. اسهاماته كثيرة ؛ فمثلا في سبتمبر 2007، تم تكليفه من هيئة اليونسكو، بمراجعة أكاديمية للترجمة العربية لكتاب " أخلاق البيئة والسياسة الدولية " الذي صدر باللغة الإنجليزية عن هيئة اليونسكو، وذلك قبل صدور هذه الترجمة العربية عن الهيئة نفسها.. وفي 12 – 14 فبراير 2008 شارك ضمن مجموعة خبراء من مختلف الأقطار العربية في وضع توصيات لتقنين استخدام الخلايا الجذعية في العلاج وفي البحث العلمي  وذلك  بترشيح من مكتب اليونسكو بالقاهرة.. وفي 8 – 16 سبتمبر 2008 تم اختياره عضوا ممثلا لجامعة قطر في لجنة تقييم المتقدمين  للحصول على تراخيص إنشاء مدارس مستقلة والتابعة للمجلس الأعلى للتعليم في قطر.. وفي 18 – 19 – مايو 2009، تمت دعوته ضمن مجموعة خبراء من مختلف الأقطار العربية لحضور اجتماع الخبراء العرب للنانوتكنولوجيا والأخلاق بالدوحة وذلك  بترشيح من مكتب اليونسكو بالقاهرة، باعتباري استشاري لهيئة اليونسكو في ميدان أخلاقيات العلم  البيولوجيا... وهلم جرا.

وحتي لا ينسينا الحديث الجميل عن بهاء درويش فاسمح لي عزيزي القارئ أن أقدم لك نبذة عن سيرته الذاتية .. بهاء درويش هو من مواليد 03  – 02 – 1959، حصل علي ليسانس فلسفة، 1980، كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، تقدير عام جيد جدا، ثم حصل درجة الماجستير في الفلسفة  فلسفة، 1987، تخصص (فلسفة حديثة ومعاصرة، كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، تقدير عام ممتاز)، ثم حصل بعد ذلك علي درجة  دكتوراه فى الفلسفة المعاصرة (من جامعة الإسكندرية 1995 بمرتبة الشرف الأولى مع توصية اللجنة بطبع الرسالة على نفقة الجامعة).. تدرج في عمله بالجامعة حيث حصل علي درجة أستاذ مساعد، فبراير 2003 حتى أغسطس 2010، وحصل علي الاستاذية في تخصص فلسفة حديثة ومعاصرة، أغسطس 2010.. ثم شاءت الأقدار بأن يكون أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة ( فبراير 2003 حتى يونيو 2004)، ثم أعُير بعد ذلك إلى كلية الآداب والعلوم – جامعة قطر ( في سبتمبر 2004 حتى يونيو 2012 )... وعندما عاد إلي أرض الوطن ترأس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنيا (من 27 يناير 2014 إلى 26 فبراير 2018)، ثم تقلد منصب وكيلا لكلية الآداب للدراسات العليا والبحوث ( من 27 فبراير 2018 حتى 30 يوليو 2018)، وكذلك تقلد بعد ذلك وكيلا لكلية الآداب لشؤون الطلاب ( من 31 يوليو 2018 حتى 31 يوليو 2019).. الخ..

من مؤلفات بهاء درويش علي سبيل المثال لا الحصر : كتاب في الفكر المعاصر، وكتاب التفسير الطبيعي المعاصر للوعي، وكتاب ألفريد جولس آير من الوضعية المنطقية إلى التحليل الفلسفي، وكتاب الهوية التصورية كأساس لنظرية المعنى بين القبول والرفض، وكتاب فلسفة اللغة عند دونالد دافدسن، وكتاب فلسفة نيقولاي هارتمان النظرية..الخ.

علاوة علي كثير من الأبحاث والدراسات ونذكر منها : الأسس الفلسفية لتحليلات حجر التاريخية، هل يمكن لضحى  التنوير عند حسن حنفي أن يرى شمسا؟"، مفهوم التحليل عند جورج ادوارد مور، مشروعية وحدود العلاج الوراثي، الوعي الذاتي عند إرنست توجندهات، المردود الفلسفي لأبحاث أبي زيد الأنثربولوجية، رفاعة الطهطاوي مترجما، مارتن هيدجر بين تحليلاته الأنطولوجية وممارساته السياسية، النزعة الوظيفية في فلسفة ويليم ليكان، أخلاقيات الميديا: دعاوي التنظير ومبررات التفعيل، تهافت ما بعد الاستعمارية: نحو مبادئ أخلاقية للتعامل مع المرأة والبيئة، الاختلاف سنة كونية تكتمل بالائتلاف: رؤية فلسفية، الليبرالية المصرية التي جسدتها ثورة 1919” ، حوارات تأسيسية حول علم الاستغراب، الدور المعاصر للمؤمن في مواجهة الإلحاد واللاأدرية، دافيد هيوم كممثل لمعضلة التنوير، المبادئ الأخلاقية الموجهة للاقتصاد الإسلامي، كيف نجعل من حراك يناير نواة مشروع تنويري؟ .. وهلم جرا..

وله ترجمات كثيرة من أهمها : كارل بوبر" الحياة بأسرها حلول لمشاكل. ترجمة عن الألمانية، ألفرد جولس آير "الفلسفة في القرن العشرين " دراسة و ترجمة عن الإنجليزية،  والاستعمارية والاستعمارية الجديدة" في "نحن وأزمنة الاستعمار: نقد المباني المعرفية للكولونيالية وما بعد الكولونيالية لكوفي أنكوما، العلم والدين بداية كل الأشياء. هل يمكن أن تكون هناك نظرية واحدة لكل الأشياء؟ لهانز كونج... الخ.

وبهاء درويش هو واحد من عشاق النسوية الإيكولوجية الذين يؤمنون بأنها تمثل تيار فلسفي له امتداداته في تاريخ الحركة النسائية العالمية، وتعتبر “فرنسوا دوبون Françoise d’Eaubonne” أول من استخدمت مصطلح ” النسوانية الإيكولوجية “L’ecofémimnisme” في كتابها المشهور «النسوانية أو الموت Le féminisme ou La mort » في عام 1974، من خلال تحليل أفكار”سيمون دو بوفوار”Simone De Beauvoir”،  حيث ربطت بين ما أطلقت عليه “فكرة الهيمنة الذكورية” بالهيمنة على الطبيعة، فالنسوانية البيئية غايتها الدفاع عن البيئة ومقاومة التلوث والتغيرات المناخية التي تسببها مختلف الانشطة الصناعية للإنسان، ونشأ هذا التوجه نتيجة الوعي بالمخاطر التي تعرضت إليها البيئة في المجتمعات  الصناعية .

ويتفق بهاء درويش بأن “الايكوفمنزم” قد بدأت كحركة سوسيو- سياسية معنية بقضايا اضطهاد المرأة والطبيعة في آن، لتتحول إثر ذلك الربط الموضوعي بين الحركتين (بيئية/نسوانية)، إلى حركة تحررية كبرى صارت تعنى بمناهضة كل ما يشي بالتفرقة أو الاضطهاد العرقي أو الجنسي  أو الطبقي أو البيئي.ّ

كما يتفق أيضا  وتشير الإيكولوجية النسوانية إلى مظلّة تغطي تنوعًا من المواقف التي تمتد جذورها إلى نظريات وممارسات نسوانية مختلفة، وأحيانًا متنافسة. وتعكس هذه المنظورات الإيكولوجية المختلفة منظورات (مثلاً، النسوانيات التحرريات أو الماركسية، والجذرية، والاشتراكية، والمضادة للكولونيالية). لكن على الرغم من التباينات بين النسويين/ات الإيكولوجيين/ات، فإنهم/ن يتفقن/ون على فرضية فلسفية أساسية، بـأن النسـاء أقـرب إلـى الطبـيعة من الرجال، بفضل طبيعتهن الأساسية، والتـزامهم/ن باستكشـاف العلاقـة بين النساء والطبيعة وبتطوير فلسفات نسوانية بيئية.. وتحولت على المدى القصير إلى حركة سياسية وفكرية نقدية حملت على عاتقها الاهتمامات الملحة بقضايا النساء والسلامة البيئية، والقيم، والتطور والثقافة، ومعاملة الحيوانات، والسلام، والنشاط المضاد للأسلحة النووية والنزعة العسكرية.

واسمح لي عزيزي القارئ أن أقدم لنا جانباً من اهتمامات بهاء درويش في النسيوية الإيكولوجية وذلك من خلال بحثه الذي نشره في مجلة "الاستغراب"، والتي يترأس تحريرها المفكر اللبناني المبدع صديقي الدكتور محمود حيدر، وهذا البحث بعنوان (تهافت ما بعد الاستعمارية- نحو مبادئ أخلاقية للتعامل مع المرأة والبيئة)، حيث يحاول بهاء درويش في هذا البحث ـ بمقاربة مستقلة ـ الوصول لمجموعة من المبادئ الأخلاقية يري  بهاء درويش أنّها ما يجب أن يحكم التعامل مع المرأة والبيئة، وذلك في مواجهة المنظور الغربي للنزعة النسوية البيئية  ecofeminism  . وفي هذا يقول بهاء درويش :" لن نحاول في هذه المقاربة الاستناد إلي أي مبررات دينية أو تاريخية، ولكن ستكون مبرراتنا مبررات عقلية صرفة. ومبرات ظهورها ـ هذه المقاربة تتطلب منا أولاً تأريخاً سريعاً لظهور النزعة البيئية ومبررات ظهورها والتي نتجت عن الاهتمام بالبيئة والقلق عليها وهو الاتجاه الذي ظهر حديثاً في الغرب، ثم مبررات ربط النزعة النسوية البيئية المرأة بالبيئة ومراحل تطور هذه النزعة ثم ننتقل من شأنها أن تحدد الصلة بني النساء والبيئة وتبرر أو تدحض دعوى الغرب بأن القهر شمل كلاً من النساء والبيئة، وهي الفكرة الأساسية التي تبني عليها النزعة النسوية البيئية اتجاهها" .

ثم يتحدث سيادته عن صلة النزعة " النزعة النسوية البيئية بما بعد الاستعمارية فيقول : تعد هذه النزعة »النزعة النسوية البيئية ذات صلة بالفكر ما بعد الاستعماري ذلك لأنه أصبح من الواضح أن هناك صلة بين تعامل الاستعماريين مع الحياة النباتية والحيوانية للبلاد المستعمرة وتعاملهم مع المناطق المستعمرة. فاستعمار المكان هو ما مهد السبيل لاستعمار الشعوب. بل ويمكن القول أن التدمري الذي حاق بالبيئتين الفيزيقية والبشرية مازال حتى الآن.

وأما فيما يتعلق بالنزعة البيئية ونشأتها فيقول بهاء درويش : لا شك ّ أن النزعة البيئية قد نشأت بعد أن بدأ المفكرون والعلماء يلاحظون تأثّر  البيئة بأشكال التلوث المختلفة. يمكن العودة بالاهتمام بالبيئة إلي عصر التصنيع وبداية إدراك الضرر الذي أحدثه وسيحدثه التلوث الناتج عن التصنيع. انتقل الاهتمام بالبيئة نقلة هامة في القرن العشرين مع صدور كتاب ريتشل كارسون   Rachel Carson "الربيع الصامت" The Spring Silent  سنة 1962،إذ لاحظت عاملة البحار  الأمريكية أن الطيور التي كانت تملأ فضاء مدينة ما في الولايات المتحدة رحلت ولم تعد تغني في الربيع كما كانت وأن الاستخدام المفرط للمبيدات الحشرية ـ ومعظمها كان ساماً مثل الدي دي تيDDT  ـ أدى إلي تدمير في نسق الطبيعة بأسره وليس فقط إلي هروب الطيور..

ثم تطرق بهاء درويش للحديث عن النسوية الإيكولوجية فيقول : اتخذ الاهتمام بالبيئة أشكالاً مختلفة منها تعاطف نسوي زعم أن ما أصاب البيئة من ظلم واستنزاف قد أصاب النساء أيضاً وهو الاتجاه الذي عرف بالنسوية الإيكولوجية ecofeminism، بدأت النسوية الإيكولوجية تحظى بقدر من الانتباه في العالم الغربي في السبعينيات من القرن السابق، فمنذ أن قدمت فرنسوا دوبون مصطلح النسويّة الإيكولوجية عام 1974 كي تلفت الانتباه إلي إمكان أن تُحدث النساء ورمزية، استُخدم المصطلح ليعني أن ثمة ارتباطات مهمة – تاريخية ورمزية- بين الهيمنة علي النساء والهيمنة علي الطبيعة.. وقبل أن تظهر النسوية الإيكولوجية كفلسفة ٍ مستقلة، يؤكد بهاء درويش أن هناك ثلاثة اتجاهات مهدت لاكتمالها. هذه الاتجاهات هي: أخلاقيات الحيوانات، أخلاق الأرض، ثم الاتجاه الذي عرف بـ «الإيكولوجيا العميقة«....تنطلـق أخلاقيات الحيوان مـن الافتراض بأن الحيوان كائن يشترك مع الإنسان في أنـه كائـن أخلاقي، لـه حقـوق. رأى بيتر سـنجر  P .Singer، في كتابـه "تحرير الحيـوان: أخلاقيات التعامـل مـع الحيـوان« أن صيـد الحيـوان والتجريـب على الحيـوان وتربيـة الحيوانـات في أماكـن مغلقة من أجل تسـمينها ممارسـات لا داعي لهـا لأنهـا تسـبب ألمـاً للحيـوان الذي يشترك مـع الإنسان في خاصية الإحساس والشـعور بالألم.

ثم يؤكد بهاء درويش فيقول : إذا ما حاولنا الآن عرض خصائص الفلسفة النسوية البيئية كفلسفة مستقلة ما حدث من أواخر ثمانينات حتى منتصف تسعينات القرن الماضي ـ أي بعيداً عن ارتباطها بأخلاقيات الحيوان أو أخلاق الأرض أو الإيكولوجيا العميقة – فإنه يمكننا أن نجد أنها تتصف بعدة ملامح رئيسية:

1- التفكير الهرمي القيمي لكائنات أعلي وأخرى أقل: هذا التفكير الديني كان يضع الرجل في مكانة أعلي، بينما يضع النساء والطبيعة في مكانة أسفل. هذا التفكير الذي نسب قيمة عليا للرجال في منظومة فيها ما هو أعلي وما هو أدني يبرر لنفسه عدم المساواة بني ما هو أعلي وما هو أدني. بينما الحقيقة أن ما هو موجود هو تعددي كيانات وليس كيانات أعلي وأدنى.

2- الثنائية الاستبعادية: ينسب هذا التفكري قيمة أعلي ألحد طريف علاقة الفصل هذه. هذه الثنائية التي أنتجتها الفلسفة الغربية بين النساء والرجال، وبين الثقافة والطبيعة نسبت قيمة أعلي للرجال والثقافة علي النساء والطبيعة، بينما الحقيقة أن العلاقة علاقة تكامل وليس عالقة فصل.

3- السلطة والتميز: ينسب هذا التفكري قيمة أعلي لمن يمتلك السلطة والتميز ـ وهم بالضرورة الرجال والثقافة ـ أي من هم أعلى. ففي مجتمع ما، نجد أن الأكثر ثراء هم من يتحكمون في المجتمع ويحركون الموارد وفقاً لغايات تخدم مصالحهم، وقد يحدث أن ينسوا ضرورة مساواتهم بالفقراء، فينظرون للفقراء علي أن فقرهم هو خطؤهم وبالتالي يبررون عدم إعطائهم الفرص ذاتها التي يعطونها أنفسهم.

ويطول بنا الحديث وفي النهاية لا نملك إلا أن نقول بأننا لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شملة ومستوعبة لكل جهود الأستاذ الدكتور بهاء درويش في الفكر النسوي الإيكولوجي، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر فلسفي، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطولها وعرضها لخدمة الفلسفة، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمه من جهود ونتمي له التوفيق والسداد .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

بليغ حمدي اسماعيلتُعرَفُ تَقوى الرجل بثلاثة أشياء؛ في أخذه ومنعه وكلامه، وما أجمل أن تعقد التقوى بالتوكل حيث يطمئن قلب العبد بموعود الله تبارك وتعالى، وهذه التقوى وإن كانت هبة ومنحة من الخالق عز وجل فهي لا تمنح إلا للعاقل الذي وصفه صاحبنا شقيق البلخي بصفات محددة هي: أن يكون خائفاً لما سلف منه من الذنوب، وأن لا يدري ما ينزل به ساعة بعد ساعة، وأن يخاف من إبهام العاقبة، لا يدري ما يختم له. و يعد الشيخ الجليل أبو علي شقيق بن إبراهيم الأزدي من أبرز من تحدث عن التقوى وخصال المتقين من أهل التصوف الإسلامي، ولسوء حظ الثقافة الدينية في مصر أن أهل الحب الإلهي والمعروفين بالمتصوفة يعانون قدراً كبيراً من التجاهل الإعلامي والغياب الثقافي لأنهم ارتبطوا فقط بالموالد والاحتفالات الشعبية البعيدة عن تعاليم الشريعة الإسلامية السمحة . وبات من الضروري إلقاء الضوء على هؤلاء الذين ظلمهم إعلام غافل وثقافة باهتة .

وشقيق البلخي هذا من أهل بلخ، لذلك سمي بالبلخي، وصار إماماً وشيخاً كبيراً من مشاهير الرجال في خراسان لاسيما  بين أعلام التصوف السني، وكان شقيق البلخي أستاذاً لحاتم الأصم، وهذا الأخير هو أحد علماء أهل السنة والجماعة ومن أعلام أهل السنة  في القرن الثالث الهجري. ويروى أن سبب سلوك شقيق البلخي طريق التصوف والزهد أنه قد خرج يوماً إلى تركيا التي عرفت في هذه الأوقات ببلاد الأتراك، لتجارة يطلبها، فلقي خادماً هناك فبادره بقوله: ليس يوافق قولَكَ فِعلُكَ . فقال له شقيق البلخي: كيف ذاك؟ . قال الخادم الذي نراه في بعض المصادر الأخرى ككتاب جوزيبي سكاتولين راهباً بوذياً، زعمت أن لك خالقاً رازقاً قادراً على كل شئ، وقد تغيبت إلى هنا لطلب الرزق، ولو كان كما تقول فإن الذي رزقك هاهنا هو الذي يرزقك ثَمَّ، فتربح العناء ! .

ولقد سئل شقيق البلخي عن سر زهده وسلوكه نحو التصوف فقال: وكان سبب زهدي كلام هذا الخادم التركي وما تركه في صدري من أثر وتأثير .  ولما سمع شقيق كلام الخادم رجع إلى مسقط رأسه على الفور، فتصدق بجميع ما ملكه من متاع الدنيا وفتنتها ويقال أن له وقتها ثلاث مئة قرية تحت أمرة وإمرته، فتركها جميعها للفقراء والمحتاجين، واستبق في طلب العلم والمعرفة .

وتذكر كتب التأريخ الصوفي أن شقيق البلخي هو أول من تكلم في علم الأحوال ببلاد خراسان، ولقد تتلمذ على يد شيخ الصوفيين الباهر إبراهيم بن أدهم المتوفى في 161 هجرية، وله قصة مع هذا الأخير نوردها في هذه السطور، التقى إبراهيم بن أدهم وشقيق بمكة فقال إبراهيم لشقيق: ما بدو أمرك الذي بلغك هذا؟ قال: سرت في بعض الفلوات فرأيت طيراً مكسور الجناحين في فلاة من الأرض فقلت: أنظر من أين يرزق هذا فقعدت بحذاه فإذا أنا بطير قد أقبل في منقاره جرادة فوضعها في منقار الطير المكسور الجناحين فقلت لنفسي: يا نفس الذي قيض هذا الطائر الصحيح لهذا الطائر المكسور الجناحين في فلاة من الأرض هو قادر على أن يرزقني حيث ما كنت فتركت التكسب واشتغلت بالعبادة.

فقال له إبراهيم: يا شقيق ولم لا تكون أنت الطير الصحيح الذي أطعم العليل حتى تكون أفضل منه قال: فأخذ يد إبراهيم يقبلها ويقول: أنت أستاذنا. ولقد اشتهر شقيق بالتوكل وله أقوال كثيرة فيه، ولعله ألزم نفسه بأشد أنواع التوكل وأقساه، كما تحدث عن الزهد والخوف، إلا أنه وضع قمة تجربته الصوفية التعبدية قولاً وفعلاً في الشوق والمحبة . 

وله قصة أخرى مع سلطان زمانه الخليفة هارون الرشيد الذي يعد من أمتع الخلفاء في تاريخ الدولة الإسلامية لما انفرد به عصره من وجود النوابغ في شتى صنوف المعارف والعلوم، وتقول القصة أن شقيق البلخي  دخل على هارون الرشيد يوماً،  فقال له هارون الرشيد: أنت الزاهد؟ فقال: أنا شقيق، ولست بزاهد. قال هارون: أوصني . فقال له شقيق: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قد أجلسك مكان الصديق رضي الله عنه، وإنه تعالى يطلب منك مثل صدقه، وإنه تعالى أعطاك مكان عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه، وهو يطلب منك الفرق بين الحق والباطل مثله، وإنه تعالى أقعدك مكان ذي النورين عثمان رضي الله عنه، وإنه يطلب منك حياءه وكرمه، وإنه أقعدك موضع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وإنه يطلب منك العلم والعدل كما يطلب منه. قال له الرشيد: زدني من وصيتك. فقال شقيق: نعم، إن لله داراً تعرف بجهنم، وإنه جعلك بواب تلك الدار، وأعطاك ثلاثة أشياء لترد عباده عنها: أعطاك بيت المال، والسوط، والسيف، وأمرك أن تمنع الخلق من دخول النار بهذه الثلاثة، فمن جاءك محتاجاً إلى طعامٍ حلالٍ فلا تمنعه حقه في بيت المال، حتى لا يسرق ويقتل. ومن خالف أمر دينه تعالى، وخرج على حدود الله فأدِّبْه بالسوْط. ومن قتل نفساً بغير حق فاقتله بالسيف، بإذن ولي المقتول. فإن لم تفعل ما أمرك الله – تعالى – فأنت تكون الغريم لأهل النار، والمتقدم إلى أهل البوار.

فقال له الرشيد: زدنا. فقال له شقيق: يا أمير المؤمنين، مثلك كمثل معين الماء، ومثل سائر العلماء كمثل السواقي على منبع الماء، فإذا كان المعين صافيا لا يضر كدر السواقي، وإذا كان المعين كدرا لا ينفع صفاء السواقي. فبكي هارون الرشيد من قوله، وأمر له بمال، أبي أن يأخذه، وتركه وانصرف.

وما يعنينا دوماً عند ذكر أهل وأقطاب التصوف ملامح تجربتهم الصوفية والتي تتجسد في أحوالهم اللفظية ومقاماتهم الكلامية التي تعبر عن خلاصة معارفهم وعلومهم، ولشقيق البلخي جملة من الحكم الصوفية الجامعة في التوكل والزهد والشوق والمحبة والخوف والتقوى، ففي التوكل يقول: " التوكل أن يطمئن قلبك بموعود الله " .

 ويقول في الزهد: " الزاهد الذي يقيم زهده بفعله، والمتزهد الذي يقيم زهده بلسانه "، ويقول أيضاً: " مبتدأ الدخول في الزهد أدب النفس بقطع الشهوات من الطعام والشراب على القوت الكافي، ومنعها من الشبع بالليل والنهار، حتى يصير الجوع لها شعاراً والطعام لها دثاراً، فيجعل لنفسه طعاماً معلوماً، ويطرح مؤنة الآدام، ويجعل طعامه قوتاً، والصوم أقوى وأسرع في السير، وامتلاء جوفه ىمشغل لجسده عن العبادة والصلاة، ولكن ليجوع نفسه حتى يشتغل بالجوع عن التطلع إلى فضول الشهوات والتمني " .

ويرى شيخنا شقيق البلخي الزهد والخوف متلازمين وفي حالة اتصال دائمة، فنجده يقول في أحواله: " الزهد والخوف أخوان ؛ لا يتم واحد منهما إلا بصاحبه، وهما كالروح والجسد مقرونان، لأن الزهد لا يكون إلا بالخوف، وإذا لزم الخوف اقترن به الزهد، فصار زاهداً، والتقى نور الخوف ونور الزهد " .

ونجده في موضع آخر يقرن الزهد بالخوف اقتراناً تاماً، يقول: " ومبتدأ الخوف أن يلزم قلبه ذكر الموت حتى يرق، ويلزم نفسه الخشية لله والحذر والفرق من الله، حتى يخافه خوفاً كأنه يراه، فإذا مضى به يوم واحد وهو آخذ في الرياضة والخوف لطلب منزلة الخوف نظر الله إليه إذا علم منه النية والصحة فألزمه شيئاً من المهابة، وألزم قلبه نور الخوف، فإذا مضى به يوم آخر وهو على ذلك زاده الله مهابة وزاده في القلب نوراً، فصارت المهابة على وجهه".

وكعادة أهل التصوف أن يصورون تجربتهم الروحية ومكابداتهم الصوفية في أحوال عادة ما تدور حول الشوق والمحبة، لذلك لقب المتصوفة بأهل الحب وإن وجدوا مخالفة واعتراضاً من أهل زمانهم والأجيال المتعاقبة، إلا أنهم يرون الشوق إلى الجنة من صفات أهل الصدق . فنجد شقيق البلخي يتحدث عن حال الشوق بقوله: " ومبتدأ الشوق إلى الجنة أن يتفكر في نعيم الجنة وما أعد الله فيها لساكنيها من أنواع الكرامة والنعيم والخدم، ويشوق نفسه إلى الحور العين والنعيم الدائم المقيم " . ويعتبر شقيق البلخي حال الشوق منزلة مهمة للعبور إلى حال المحبة، وهي منزلة المحبة لله، فيقول: " فإن كثيراً من الناس جازوا منزلة الخوف والشوق إلى الجنة فصاروا إلى منزلة المحبة لله، فليس كل واحد يصير إلى هذه المنزلة، لأنها أرفع المنازل وأشرفها وأبهاها، ولا يصيِّر الله إلى هذه أحداً إلا من تقوَّى قلبه عليها باليقين الصادق والفعال الفائق المطهر من الذنوب، فإذا صيره الله إلى هذه المنزلة كان في قلبه نور المحبة فغلب عليه من غير أن يكون فارقه نور الزهد والخوف والشوق إلى الجنة ولا نقص منها شئٌ " .

ونختتم سطورنا هذه عن شقيق البلخي بمقولة بليغة شديدة الإيجاز قوية التأثير وهو يتحدث عن المعرفة بالله، يقول: " من أراد أن يعرف معرفته بالله، فلينظر إلى ما وعده الله ووعده الناس، بأيهما قلبه أوثق " .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

داود سلمان الكعبيالفقر احياناً يكون مصدر عوز للعلم وللثقافة معاً، وربما للتخلف ايضاً، وهذه قاعدة قد تكون عامة. لكن هناك من يكسر هذه القاعدة، يكسرها بمعول الارادة والتحدي والصبر، فيشق طريقه نحو آفاق معرفية، عجز سواه عن الوصل اليها، ممن هم درسوا وتعلموا ودخلوا الجامعات من اوسع ابوابها، وهم كثر، لكنهم لم يتركوا لنا أي شيء يُذكر، وهذا لا اريد أن اعممه، قطعا: كلا، فهناك من ترك للأجيال ارثا كبيرا: في العلم والمعرفة والآداب والقضايا الانسانية الاخرى، ما لا نستهان به، وهؤلاء من علمونا ودرسنا على ايديهم.

الذين كسروا تلك القاعدة (قاعدة الفقر) التي اسميناها بهذا الاسم، هم قليل ويعدون على اصابع الكف الواحدة. فهم رغم الظروف القاسية التي مرت بهم والتي عاشوها بقسوة رغما عنهم، وتلك اسبابها الفقر والعوز، فالفقر وصاحبه العوز يشلان حركة الانسان الفكرية قبل الحركة الجسدية ويقضيان عليهما، وقد لا يدرك حجم هذه المعاناة الا الذي اكتوى بنارهما واحترق بلهيبها، فهو يدرك الامر ويقيس مدى تأثيره. فمن الذين كسروا تلك القاعدة هو جاكوب بوهمه الفيلسوف والمتصوف الخيميائي.

ولد بوهمه سنة 1575 في قرية قرب غزلتتز الألمانية وهو من أبوين فقيرين لم يستطيعا تثقيفه ولم تُتاح له فرصة أن يعرف الجامعة. ولما اصبح يافعا عمل اسكافيا في محل صغير يعود لأحد التجار، لبيع وتصنيع الاحذية. وكان وهو منهمكا في عمله غير منقطعا عن التأمل والتفكير، وكان كل من ينظر اليه يعده مجنونا او مصابا بلوثة.

اسطورتان أو معجزتان

مرت في حياة بوهمه حادثتان غريبتان اعتبرهما كولن ولسن: اسطورتين. تلكما الحادثتين دلتا على نبوغه اولا، وعلى قوة مخيلته ثانيا.

1- قضية الكهف:

إن بوهمه كان من الطراز الحالم في صباه وكان يغيب عن الوعي ويغفل حين كان يرعى الماشية؛ فذات يوم تسلق تلا يُدعى لاندسكرون ووجد فيه كهفاً يتألف سقف مدخله من أربعة صخور وعثر- خلف الأعشاب التي كانت تملأ المدخل- على وعاء كبير ملئ بالنقود فأنطلق، مذعوراً خارج الكهف وأخبر الصبية الآخرون بذلك وعاد معهم إلى قمة التل، ولكن كان قد اختفى واختفت معه النقود، ويعتبر براكنبرغ- الذي ينقل القصة- هذه الحادثة بشيراً بدخول بوهمه إلى كنز الحكمة المقدسة، على الرغم من اتهامه من قبل البعض بأنه شديد الخيال في طفولته بصورة غير عادية وإن ذهنه ملئ بالخيالات عن العصابات والكنوز ولعله قد أخترع قصة الكهف وصدقها بعدما أعادها على مسامع الأولاد. (كولن ولسن، سقوط الحضارة ص 195).

2- مع رجل غريب:

لما كان بوهمه نحيلاً لا يصلح للعمل في الحقول، ولذلك فقد دربه والده على صناعة الأحذية، فقد عمل في محل للأحذية لفترة من حياته، وذات يوم في ليلة كان لوحده في المتجر ودخل عليه رجل غريب الهيئة غير معروف في بلدته، أخذ يسأله عن أجود الأحذية لشراء زوج من الأحذية، ففكر بوهمه أن لا يبيعه، فقرر رفع سعر الحذاء بشكل لا معقول وهو يعلم في قرارة نفسه بأنه لا يحق له ذلك في غياب سيده، ولكن الرجل المجهول لم يكن ليوقفه هذا السعر فاشترى الحذاء، بالقيمة التي طلبها بوهمه. وعند خروجه توقف عند باب المتجر ونظر بنظرة حادة إلى بوهمه، وقال بصوت ومهيب: بوهمه، تعال إلى الخارج، فصُعق بوهمه لمعرفه الغريب اسمه ولحق به إلى الخارج. شعر بوهمه بنظرات الغريب الحادة تخترقه، اقترب منه وحدق مباشرة بمحياه وقال الغريب له: جاكوب  أنت صغير الآن.. ولكن سوف يأتي اليوم الذي ستصبح فيه عظيماً حتى تدهش العالم، واردف على الفور: كن تقياً وخاف الله وعليك بالمواظبة على قراءة الكتاب المقدس. (المصدر ذاته)

صراع مع رجال الكنيسة

ومذ لقاء جاكوب بذلك الرجل الغريب تبدل مزاج جاكوب وتغيرت نفسيته، حيث اصبح مزاجه حادا، وليس له رغبة بمواصلة العمل بهذا المتجر الصغير. ولما لاحظ صاحب المتجر ذلك من جاكوب طلب منه ترك المتجر ومغادرة المكان.

طفق جاكوب يجوب المدن ويلتقي ببعض المثقفين للتزود بالمعرفة، والاحتكاك مع اهل المعرفة عن كثب، فضلا عن تأمله والمواظبة على قراءة الكتاب المقدس، حتى اصبح لديه مزيد من المعرفة.

حتى أخيرًا قرر الزواج، فتزوج من فتاة طيبة، شعر أنه بحاجة ماسة اليها، وكان سنه آنذاك خمسة وعشرين عاماً، فولدت له اربعة اولاد.

دخل يومًا الكنيسة، بعد أن اصبح معروفاً في الاوساط الثقافية والمحافل المعرفية، سيما وأنه قد اصدر كتابه اول (الفجر). انتبه القسيس لحضوره فراح يكيل له الكلام البذيء متهما اياه بالهرطقة والتجاوز الدين؛ معتبرا كتابه هذا "مملوء بدهان الاحذية القذرة" فجاء اعضا مجلس المدينة فقاموا بسجنه يوما واحدا، ثم افرجه عنه شريطة أن لا يعود الى الكتابة. الا أنه واصل التأليف والكتابة، وسط تشجيع من اصدقاءه وقراءه والمتعاطفين معه.

محاولة الايقاع به

اصدر أحد اصدقاءه اعماله كاملة في مجموعة كبيرة، واخذت الناس تتلقفها، وتنهل منها كلٌ بحسب رغبته، رغم ما فيها من بعض ما قيل عنها أنها طلاسم وكلام مبهم، وفيهم من اعتبر جاكوب كان يتقصد في ذلك، وآخر حسب أن قصر معرفة الناس هو ما يحول بينهم وبين ما يكتبه هذا المتصوف العارف. فوقعت نسخة من كتبه بيد القسيس الذي كان له بالمرصاد فهو يتحين له لاصطياده والنيل منه، كون رجال الدين لا يروق لهم رجالات الفكر الحر من الفلاسفة والمتصوفة وارباب الاختراعات، وهذا هو ديدنهم، اذ يعتبرونهم مهرطقين مخالفين تعاليم الانجيل.

بعث له اعضاء مجلس المدينة يستجوبوه ويستفسروا ما في كتاباته، فجاؤوا بأمهر ما لديهم من اهل الخبرة والمعرفة، لينظروا هل أن كتابات جاكوب  فيها شيء من الهرطقة. وعندما راح يشرح ويفسر لهم ما قاله في كتابته، ذهلوا حيث رأوا أن افكار بوهمه فوق مستوى فهمهم ومعرفتهم الثقافية، وأنهم تنقصهم تلك المعرفة، والاتزان الفكري، فقرروا الافراج عنه وعدم التعرض له مستقبلا.

لكن الكهنة لم يرق لهم الامر، فراحوا يتبعون خطواته، وينظرون له بالشك والريبة ويقتنصون اللحظة للإيقاع به. وهذا هو ديدنهم فتاريخهم حافل بالكراهية لأصحاب الفكر الحر منذ وجدوا على وجه البسيطة؛ وقد وصفهم الفيلسوف الالماني نيتشة بقول:"  إنهم لأعداء خطرون، وما من حقد يوازي ما في اتضاعهم من ضغينة، وقد يتعرض من يهاجم إلى تلطيخ نفسه، ولكن بيني وبينهم صلة الدم وأنا أريد أن يبقى دمي مشرفًا حتى في دمائهم.. إنني أشفق على هؤلاء الكهنة، وأنا لا أزال أنفر منهم، ولكنني تعودت الإشفاق مرغمًا نفوري منذ صحبت بني الإنسان، ومع ذلك فأنا أتألم مع الكهنة؛ لأنهم في نظري سجناء يحملون وسم المنبوذين في العالم، وما كبَّلهم بالأصفاد إلا من دعوه مخلصًا لهم، وما أصفادهم إلا الوصايا الكاذبة والكلمات الوهمية، فليت لهؤلاء مَن يُخلِّصهم من مخلِّصهم". (زرادشت ص 109 ترجمة فليكس فارس) عالم نفس

تحليل بوهمه الخيميائية والنفسية تدل على أنه كان عالم نفس من طراز خاص، الا أن علم النفس حينذاك لم يكن معروفا في عصره، ومن هذا المنطلق فأن بوهمه حينما يصف مكنونات الانسان حينا، فهم لا يفهمون المغزى ابدا، وما المقصود فيما يقول، لذلك يعدون كلامه مبهما، يقول بوهمه في وصفه الانسان:" أن "الانسان مؤلف من قوى الله. من ارواح الله السبع. تماما كالملائكة، لكنه يجد الآن أنه محلل. لذلك فأن التحرك المقدس لا يكشف عن نفسه فيه دائما ولا يعمل عمله. وبالرغم من أنه يتبع فيه، بل أنه قد يشع فيه؛ الا أن الطبيعة المتحللة لا تستطيع أن تفهمه". (سقوط الحضارة ص211) يقول ايضا:" لو لم يتم تنظيف أبواب الإدراك فإن كل شيء سيجعل الإنسان كما هو، محدوداً في قدراته "

ونختم كلامنا بما قال كولن ويلسون: "أن بوهمه يعتبر رائداً في علم النفس، وكان يدرك أشياء كثيرة تحدث في نفسه ويدرك كيف ينتقل من الحالة الذهنية العادية إلى ذهنية مصاحبة للرؤى دون أي مجهود، بالرغم من أنه لم يكن هنالك علم نفس في زمانه، ولهذا أخترع لغته الخاصة ليصف ما كان هنالك، يقول بوهمه". وربما قد استفيد فرويد من نظريات جاكوب فيما وصل اليه من التحليل النفسي.

 

داود السلمان

 

داود سلمان الكعبيعصفت به رياح الشك، أخذت شطرًا كبيرًا من حياته، كغيره من الفلاسفة ممن مرت بهم تلك الرياح العاتية، وبعد أن هدأت تلك الرياح، وانجلت غيومها فأرست سفينة شكله على شاطئ اليقين، ليعود الى ايمانه الذي وجد فيه الطمأنينة والراحة النفسية، فعاد ليمارس حياته الايمانية المبنية على الدين المسيحي وكقديس كاثوليكي، وكفيلسوف لاهوتي يؤمن بالكتاب المقدس وبما جاء به من تعاليم، واعتبر أن تعاليم ذلك الكتاب هي التي ستفضي به الى الملكوت الاعلى، وذلك هو المستقر الاخير. كما خلص بالنتيجة الاخيرة.

وما أشبه حياة هذا الرجل بحياة الفيلسوف الخيميائي جاكوب بوهمي (1575-1624)، من الناحية الايمانية، الرجل الذي لم يدخل المدارس ولا الجامعات، فقط كان يقرأ ويتأمل في الكتاب المقدس، لأنه كان من اسرة موغلة بالفقر بل تكاد أن تكون معدومة، كون والده كان يعمل اسكافيا لترقيع الاحذية الممزقة، المهنة التي تدر على اسرته الصغيرة ما يسد قوت يومها، فأورث ولده هذه المهنة البسيطة جاكوبي، ولم يطرأ على بال هذا الاب أن ولده سيصبح ذو شأن كبير في الاوساط الفلسفية والفكرية، بل وحتى الصوفية.

ولا نلوم اوغسطين على ايمانه هذا، لأن لكل انسان اختياره الخاص به، في قضية الايمان او عدم الايمان، ويعود ذلك لثقافته ولثقافة عصره وللبيئة التي عاش فيها. وقد ادرك اوغسطين ذلك عن اعتقاد راسخ بنتائج قبلها بنفسه.

مولده

ولد القديس اوغسطين(354- 430) في طاجسطا من اعمال نوميديا، والتي هي اليوم ما تسمى بـ سوق الاخرس من اعمال الجزائر. وكان ابوه يدين بدين محلي، - وقبل كان وثنيا - واما امه فكانت مسيحية، بحيث ربت ولدها على محبة المسيح، حتى تغذى بهذا الدين فاشتد ساعده، لكنه ما كانت ترضيه تلك التعاليم ولا الطقوس العبادية. فغادر هذا الدين وطفق يدين بالديانة المانوية.

والمانوي هو الذي يؤمن بالمانوية كدين ويثبت أصلين أزليين للعالم: هما النور والظلمة. ثم اتسع  معنى المانوية من بعد ذلك اتساعا كبيراً حتى أُطلق على كل صاحب بدعة وكل ملحد. بل انتهى به الأمر أخيراً إلى أن يطلق على من يكون مذهبه مخالفاً للمذهب المخالف، أو حتى من كان يحيا حياة المجون من الشعراء والكتاب ومن إليهم. وقد كتب الأستاذ هانز هينرش شيدر فصلاً ممتعاً من أصل هذا اللفظ واستعماله عند الكتاب. كما يذكر ذلك الاستاذ احمد امين في كتابه "فجر الاسلام".

العودة الى الايمان

ولى أوغسطين وجهه صوب روما، اختاروه استاذا للبيان في ميلانو، اخذ يختلف الى الكنيسة الكاثوليكية، فانصت جيدا الى القديس وهو يشرح الكتاب المقدس، وينتقد بشدة التعاليم المانوية، هزته تلك المواعظ، فشعر في قرارة نفسه، أنّ عرض شرح الكتاب المقدس اقرب للعقل واودع للراحة النفسية. فقطع صلته بالمانوية وهجرها مليا. لكن الحيرة باتت تمزق فؤاده، الى اين يتجه؟، لا يدري. وقع بين يديه – اثناء هذه – كتاب "المقالات الاكاديمية" لشيشرون. وفي هذا الكتاب مواقف كثيرة للشكاك، اهتز موقفه، راح ينصاع لتلك الشكوك، كما نوهنا. لكن شك اوغسطين لم يتناول وجود الله من عدمه، لأن الرجل كان يتعقد أن وجود الله قضية بديهية، ومفروغ منها، لأن الله الهم عباده بهذا الوجود، فراح الكل يقر بهذا الوجود، فهو اذن لم يشك بذلك طرفة عين. فعاد الى تعاليم الكنيسة، واعتقد أن فيها تعاليم تشير الى ذكر المعاجز والى وجود الانبياء، فتيقن أن هذا الدين هو نجاته للوصول الى الضفة الاخرى، وهي الخلود الدائم بعد الممات.

فوخزة الشك هذه (ودعونا نسميها بهذا الاسم) قد مر بها الفيلسوف المسلم الغزالي، كذلك فيما بعد الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، ثم عاد الى حظيرة الايمان، وقال مقولته الشهيرة أنا افكر إذن أنا موجود، معتبرا التفكير قاعدة اساسية من قواعد الوجود، ودليل صارخ على وجود مهندس لهذا الكون.

أوغسطين والغزالي

أمين الريحاني في كتابه "الريحانيات" يعقد مقارنة بين الغزالي والقديس أوغسطين، يعدهما من كبار الأساتذة في علم الكلام الذي هو مصدر كل هذه التفاسير والشروحات، على أن روحانياتهما الصافية المجيدة لَتشفع بما جاءا به اهل التفسير. ومن الغريب أنهما يتشابهان في كثير من طباعهما وأطوار حياتهما، فالغزاليُّ مثل القديس أوغسطين كان في أيام حداثته في ضلال مبين على ما يقول، فقد جاء في كتابه «درر القرآن» هذا الكلام الجميل في فئة من الناس. «لم يدركوا أشياء من عالم الأرواح بالذوق إدراك الخواص ولا هم آمنوا بالغيب إيمان العوامِّ، فأهلكتهم كياستهم، والجهل أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء وكياسة ناقصة، ولسنا نستبعد ذلك، فقد تعثرنا بأذيال هذه الضلالات مدة؛ لشؤم أقران السوء وصحبتهم حتى أبعدنا الله عن هفواتنا ووقانا من ورطاتها.» أما القديس أوغسطين فعد إلى كتابه الذي يُدْعى «الاعترافات» تجد في كل صفحة من صفحاته شيئًا من هذا الجهر المدهش المفيد. وقد قال الغزالي- مشيرًا إلى علم الطب وعلم النجوم وعلم الهيئة والحيوان إن هذه علوم «ولكن لا يتوقف على معرفتها صلاح المعاش والمعاد» ولكنه قال أيضًا: كما يستحيل الوصول إلى اللب إلا من طريق القشر، فيستحيل الترقي إلى عالم الأرواح إلا بمثال عالم الأجسام.

شكه لا ينكر العناية الالهية

وكما يذكر يوسف كرم أن شك أوغسطين لم يتناول وجود الله وعنايته بالمخلوقات، إذ كان يرى وجود الله أمرًا بديهيًّا أو كالبديهي، فعاد ونظر في الكنيسة فرأى فيها علاماتٍ أربعًا تدل على أنها من عند الله: ففيها تتحقق نبوءات العهد القديم، ويتمثل الكمال الروحي، وتصنع المعجزات، وهي قد انتشرت بالرغم مما لقيت من عنت هائل، فآمن أن النجاة في الكنيسة، ولكن إيمانه لم يبدد شكوكه، فقد كان مترددًا في إمكان اليقين.

شغلته اوغسطين مسألة الخير والشر كثيرًا، اذ كان  قد بنى فلسفته على الاسس والتعاليم الافلاطونية، فهو افلاطوني المذهب، لكنه يفسر الافلاطونية على تعاليم الكتاب المقدس، ويحسب أن تلك التعاليم لا تخالف الكتاب، كما فعل ابن رشد ذلك خصوصًا كتابه "فصل المقال فيما للشريعة من اتصال" اذ اعتبر ابن رشد أن الشريعة الاسلامية جاءت منسجمة مع مبادئ الفلسفة، فهناك اشارات واضحة في القرآن وآيات صريحة دعتنا الى التفكير والتفكر، والتدبير والتدبر، الى العقل والتعقل، بحسب ابن رشد.

بغضه لأبيقور

ابيقور الفيلسوف اليوناني المادي، الذي تأثر في فلسفته معظم الماديين في عصرنا هذا وقبل عصرنا هذا كذلك، بما فيهم ماركس صاحب المدرسة الماركسية الحديثة. وابيقور هذا ينكر الله انكارا مطلقا بل ايمانه بالطبيعة ايمان لا يضاهيه ايمان آخر، أوغسطين قرأ فلسفته، واطلع على آرائه فكان يحتقره احتقارًا شديدًا، كما يذكر يوسف كرم، ويعجب-أوغسطين- كيف أمكن لرجل يدعي الحكمة أن ينكر النفس وعظمتها وعلوها على الطبيعة المادية إلى حد أن يجعل منها أمة للجسد، وكيف جرؤ أن يزعم أن اللذة الجسمية هي الخير الأعظم ولا سعادة إلا سعادة الشهوات الجسدية، إن التجربة لتدل على أن اللذة لا تسعدنا، فالحواس لا تقنع أبدًا بما تناله منها، ولكنها تطلب المزيد دائمًا وتتمرد على الحياة، وهنا يستشهد أوغسطين بخبرته الشخصية، فقد كان أبيقوريًّا في فترة من شبابه، فهو يتكلم عن بينة، يستشهد بالعقل فيقول إنه يرى أوضح رؤية أن الجسد مرتب للنفس، لا أن النفس مرتبة للجسد، فخير ما يملكه الجسد، أي النشاط والجمال والحس، ليس آتيًا منه هو، بل من النفس منبع صفاته وعواطفه، ومركز هناءه وسعادته، والنفس هي الجزء الأهم في الإنسان، وهي التي يجب مراعاتها عند تحديد الأخلاق.

وأخيرًا رحل عنا هذا الفيلسوف الذي فاض ايمانا بخالقه في 18 آب 430 عن عمر يناهز 75 عاما، تاركا لناً اعظم كتابين في الفكر الانساني والفلسفي معا، هما: الاعترافات و ومدينة الله، وغيرهما.

 

داود السلمان

........................

* فصل من كتابي (بالفلسفة نقضي على الجهل)

 

ضياء نافعالتقينا مرات ومرات، د. خليل عبد العزيز وانا، فهو زميل الدراسة في جامعة موسكو بالستينيات، وكتبت عدة مقالات تفصيلية ونشرتها عن احاديثه السياسية الممتعة وشبه المجهولة بالنسبة للتاريخ السياسي العراقي المعاصر، ورغم ان تلك الاحاديث كانت تدور عن قضايا صغيرة، الا انها مهمة للتعمق في مسيرة التاريخ السياسي العراقي الحديث وتحليل وقائعه والقاء الضوء على اسراره (انظر مقالاتنا العديدة عنه ومنها على سبيل المثال وليس الحصر – خمس ساعات في موسكو مع د. خليل عبد العزيز)، وأذكر اني قلت له مرة، انك سياسي قبل كل شئ وبعد كل شئ، فضحك خليل وقال نعم، هذا صحيح، فانا امارس السياسة منذ عام 1952 ولحد الان . ولكن يجب القول – مع ذلك – اننا تحدثنا في تلك اللقاءات العديدة عن بعض الاحداث الجانبية ايضا، البعيدة نسبيا عن السياسة رغم ارتباطها بالسياسة - بشكل او بآخر- في نهاية المطاف، ويبدو لي انها تستحق التسجيل ايضا، اذ انها ممتعة اولا كما اظن، وثانيا، ربما تضيف تلك الاحاديث شيئا جديدا للقارئ، وها انا ذا اروي واحدة من تلك الاحاديث الطريفة هنا –

 حدث ذلك في موسكو عند وفاة الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت في عام 1963 . كلّف تنظيم الحزب الشيوعي العراقي / فرع الاتحاد السوفيتي خليل عبد العزيز بالذهاب الى قاعة الاعمدة في مركز موسكو لتمثيل الحزب في تأبين الشاعر، حيث كان جثمان ناظم حكمت مسجّى في تلك القاعة المهيبة بمركز موسكو لوداعه من قبل اهله واصدقائه، وذلك حسب التقاليد الروسية للدفن . ذهب خليل طبعا، ووقف مع الحاضرين، وقام بدوره كمندوب للحزب الشيوعي العراقي. في هذه الاثناء شاهد  فجأة الكاتب السوفيتي الشهير ايليا ايرنبورغ، او اهرنبورج كما يكتبه بعض المترجمين العرب . استطاع خليل طبعا التعرّف عليه، اذ انه معروف اعلاميا، واراد ان (ينتهز!) هذه الفرصة النادرة للحديث معه . لم يكن خليل يتصور هذا اللقاء او يتوقعه، ولم يكن طبعا مستعدا له بتاتا، ولكن ومن اجل عدم تفويت فرصة مثل هذا اللقاء الطريف والتاريخي بالنسبة له،  اقترب خليل من ايرنبورغ، ولم يستطع ان يقول السياسي خليل لارنبورغ سوى جملة واحدة  تعكس فعلا شخصية خليل السياسي في كل شئ، وتعبّر عن ذلك خير تعبير، والجملة هي  - هل انت ايليا ايرنبورغ، الذي كان ضد ستالين؟ اندهش ايرنبورغ  من هذا الشخص الغريب في مأتم ناظم حكمت، ومن طبيعة سؤاله الغريب ايضا، وغير المتلائم بتاتا مع هذا الموقف، واستنتج ايرنبورغ طبعا، ان هذا الشخص، الذي يطرح مثل هذا السؤال عام 1963(اي بعد كل هذه السنوات من وفاة ستالين، وفي تأبين الشاعر التركي ناظم حكمت) لا يمكن ان يكون سوفيتيا باي حال من الاحوال، فابتسم ايرنبورغ وسأله – من اين انت؟ فاجاب خليل، انا من العراق، فقال له ايرنبورغ، وانتم تعرفون في العراق اني كنت ضد ستالين؟ وتركه وهو يبتسم، وذهب للاستمرار بالمشاركة في عملية تنظيم التابين تلك .

ضحكت أنا، عندما حكى لي د. خليل عبد العزيز هذه الحادثة، وحكيت له، باني ساهمت ايضا في ذلك التابين، اذ كنت مع مجموعة من طلبة كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو (وكانت قريبة من تلك القاعة في مركز موسكو)، وعندما سمعنا بوفاة ناظم حكمت، قررنا الذهاب الى التأبين والمشاركة به تعبيرا عن حبنا واحترامنا لهذا الشاعر الكبير، وشاهدت هناك ايرنبورغ طبعا، الذي كان نشيطا بالمشاركة في مراسم التابين، لان ناظم حكمت كان صديقه ورفيق دربه الفكري، ولكني لم اتجاسر ان اقترب منه والتكلم معه، بل كنت انظر الى جثمان ناظم حكمت المسجّى بملابسه على سرير وسط القاعة، وكانت زوجته الروسية تجلس جنبه وهي تبكي بصمت وتمسّد وجهه بيدها، اما زوجته التركية وام ابنه، فقد كانت تقف على بعد مترين تقريبا وهي تبكي بصمت ايضا وتنظر اليه والى زوجته الروسية الجالسة عند رأسه بحزن واضح .

اتمنى ان تسنح لي الفرصة لاحقا للحديث عن لقاء د. خليل عبد العزيز مع الموسيقار السوفيتي الارمني الشهير آرام خاجاتوريان، وماذا قال لخليل عن الموسيقار محمد عبد الوهاب ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

سوف عبيدهذا الأديب التونسي الكبير 1920م ـ 2005 م الذي يُمثّل أحسن ما يكون مقولة ـ الأدب هو الأخذ من كل شيء بطرف ـ فقد خاض قلمُه غمار الشّعر والقصة والرّواية والسّيرة والنّقد والتّحقيق إلى جانب المقالة والخطابة والمحاضرة في النوادي والندوات والجمعيات وفي الإذاعة وفي المحافل وغيرها من المناسبات ممّا جعل مدوّنة المطوي متعدّدة المواضيع متنوّعة الأجناس والمشاغل فهو يمثّل الأديب الشامل الجامع بل وله قَصَب السّبق في بعض نواحي الاِبتكار والتجديد سواء في الشّعر أو في السّرد .إلى جانب ذلك الرّصيد الثريّ من الأعمال الأدبية فإنّ لمحمد العروسي المطوي إسهامات واضحة في الحياة العامة الاِجتماعية منها والسياسية إضافة إلى قيامه بتدريس التاريخ والأدب سنوات عديدة لطلبة جامع الزيتونة خاض بعدها إثر اِستقلال تونس المجال الدبلوماسي فجميع هذه النواحي جعلتْ منه شخصية متميّزة كنتُ محظوظا بالاِقتراب منها في مناسبات وفترات مختلفة وعديدة منها الخاصة والعامة ضمن النشاط الثقافي وكم كنت سعيدا بمرافقة سِي العروسي في الحِلّ والتّرحال إلى بعض البلدان فأنِستُ بطيب مَحْتَدِهِ وعِشرته ونَهلت من معرفته وخبرته واِهتديت أحيانا ببعض مواقفه منذ عهد شبابي الأوّل إلى أن شاب رأسي وإلى سنوات ـ سِي العروسي ـ الأخيرة .ـ سِي العروسي ـ كذلك كنت أسمّيه سواء عند حضوره أو في غيابه و ـ سي ـ هذه أعتبرها عنوان التقدير والإجلال وأتحدّث بها ـ إلى وعن ـ أساتذتي الكبار مثل سيّدي البشير العريبي وصالح القرمادي وتوفيق بكّار ومنجي الشّملي ومحمد البعلاوي وسعد غراب وغيرهم أولئك الذين أدين لهم بالكثير من وطابي الأدبي .

ـ 2 ـ

أوّل ما لقيت سي العروسي كان في النادي الثقافي أبي القاسم الشابي بضاحية الوردية وهو النادي الذي تأسّس مع جملة من النوادي الثقافية التي أُنشِئت عند مطلع ستّينيات القرن العشرين ومن بينها النادي الثقافي الطاهر الحدّاد الذي كان مقرّه في مدخل حديقة البلفدير ثم تحوّل إلى  المدينة العتيقة في أوائل السبعبنيات والنادي الثقافي علي البلهوان في شارع فلسطين وكان نادي أبي القاسم الشّابي مقصد الكثير من الأدباء والمثقفين التونسيين والعرب فذهبت إليه مع جملة من التلاميذ مرافقين أستاذنا سي البشير العريبي الذي كان يدرّسنا العربيّة في معهد الصّادقية في ما أذكر سنة 1968 ومن حينذاك صرت أتردّد على المكتبة الثريّة في النادي الثقافي أبي القاسم الشّابي وأحضُر كلّما تسنّى لي ذلك في  مناسباته الأدبية وشيئا فشيئا صرتُ قريبا من سِي العروسي خاصة بعد أن أصبحت طالبا بكليّة الآداب بتونس ففي سنة 1973 اِنعقد بتونس أول مؤتمر للأدباء العرب مع مهرجان الشعر العربي وكانت بعض الأمسيات الشعرية تنتطم بدار الثقافة اِبن رشيق والأبواب محروسة بالشرطة فلا يسمح بالدخول إلا بالدعوات الخاصة فكنت من ثلّة من الأدباء الشّباب والطلبة الذين اِجتمعوا محتجّين أمام دار الثقافة فإذا بنا نرى سي العروسي وسي الميداني بن صالح يخرجان من داخل القاعة ويسمحان لنا بالدخول ومتابعة الأمسية من الطابق الأول .

حدّثني سي العروسي مرّات عن دراسته في جامع الزّيتونة وعمّا كان يعانيه الطلبة من شظف العيش إذْ لم يكن طعامهم أحيانا إلا حفنة من بسيسة القمح والشّعير يعجنونها بالماء فقد عاشوا سنوات ضنكة على وجبات نزر قليل من التّمر أو من التّين المجفّف أو الزّيت والزّيتون والهريسة فكانوا في الشّتاء يتقاسمون في اليوم صحفة لبلابي ساخنة ما فيها إلا حبّات حمص ومرق .

وذكَر مرّة أنه عندما كان داخلا من باب جامع الزيتونة إذ هبّت ريح قويّة خلفه رفعت طَرَفَيْ بُرنسه عاليا فرآه شيخه على تلك الحال فقال له مازحًا ـ الحمد للّه يا عروسي …لوْ لم تكن المَطويَّ لَطيّرتْك الرّيح !!

ـ 3 ـ

من مواقف سي العروسي المطوي الوطنية الغير معروفة وذلك لتواضعه ولضُمور النزعة الأنانية لديه أذكر أنه كان من جملة المثقفين التونسيين الذين شجّعوا الشّباب ودفعوهم إلى التطوّع في حرب فلسطين سنة 1948 وعندما كان سِي العروسي سفير تونس بالعراق نالت الكويت اِستقلالها عن بريطانيا فاِعترفت تونس بذلك الاِستقلال لكنّ حكومة العراق وقتذاك اِعترضت عليه لأنها اِعتبرت أن الكويت تابعة للعراق ممّا أوقع خلافا سياسيا كبيرا بين الرئيس الحبيب بورقيبة والرئيس العراقي عبد الكريم قاسم وقد وجد حينذاك سي العروسي إغراءات كبيرة ليخالف موقف بلاده ويبقى في بغداد مُعزّزا مُكرّما لكنه لم يستجب وعاد إلى تونس منشغلا بالحياة الثقافية وصار نائبا عن ولاية قابس في البرلمان ضمن لجنة التربية والثقافة وساهم في الإذاعة الوطنية التونسية ببرنامج خصّصه لمختلف مراحل تاريخ تونس وعصورها وكان الرئيس بورقيبة حريصا على الاِستماع إليه وحتّى عندما لا يتمكن من ذلك مباشرة فإنّ مدير الإذاعة كان يرسل إليه ما فات من الحلقات مسجّلة ووصل البرنامج إلى الحديث عن الدولة الحفصية فاِتصل بورقيبة بسي العروسي ملاحظا له أنه قد أطنب وفصّل القول كثيرا في التاريخ وأنه أبطأ في الحديث عن تاريخ الحركة الوطنية وإبراز تفاصيل نضال الرّئيس فكان جواب سِي العروسي أن التاريخ يجب أن يكون متسلسلا لذلك لا يمكنه أن يتجاوز العصور ويقفز على الأحداث بسرعة وأنه سيصل إلى ذكر تاريخ تونس المعاصر لا محالة وسيذكر ـ الزعيم المجاهد الأكبر ـ بورقيبة ـ إلا أنه يبدو أن الرئيس كان يريد العجلة في الحديث عنه فلم يتواصل البرنامج بعد تلك المكالمة .

ـ 4 ـ

أذكر مرّة أنّي كنتُ جالسّا معه في إحدى المقاهي بالعاصمة تونس وعندما أقبل النّادل بالطّبق ووضع أمامه الفنجان قال له ـ تفضَل يا سي العروسي ـ وبعدما تحادثنا وهَمَمْنا بالاِنصراف بادر سِي العروسي بنقد النادل ورقةً من فئة الخمسة دنانير راجيا منه بلطف أن يترك الباقي لديه وعندما غادرنا المقهى قلت لسي العروسي إنّ النادل كان يرضى ويبتهج بما يتبقّى له من دينار واحد على أساس أن القهوتين معًا لا ﻻيتجاوز ثمنهما نصف الدينار ! فما كان منه إلا أن قال لي ـ يجب أن أكرمه لأنه عرفني وقال لي ـ سي العروسي

وهو لئن بدا على غاية من الكرم في هذا الموقف فإنّه على عكس ذلك في موقف آخر عندما يطلب أحدُنا منه ورقةً ونحن في  جلسة باِتحاد الكتّاب التونسيين أو في النّادي الثقافي أبي القاسم الشّابي فإنه يأخد ورقة ويقسمها نصفين أو على أريع ويقول إن تلك تكفي لكتابة ملاحظات أو أسئلة فسأله أحدهم  – مُمازحا – لماذا هذا التقتير وأراد اِستفزازه  بحضورنا فكان ردّ سِي العروسي أنّ حسن التصرّف في المال العام واجب وأنّ نصف ورقة أو ربعها كاف لكتابة بعض السطور الضرورية أما من يريد كتابة قصة أو رواية أو ديوان أثناء الاِجتماع فما عليه إلا أن يحضر معه كرّاسًا !ذاك زمن…

ـ 5 ـ

عندما حضرت لأول مرة مؤتمر اتحاد الكتاب التونسيين في آخر سنة 1981 بدار الثقافة اِبن خلدون كان عدد المؤتمرين من الأدباء لا يتجاوز الثمانين ودام المؤتمر يوما واحدا وكان الغداء ـ شاطرا ومشطورا ـ وبينهما هريسة وبعضُ الفَتْفَتَات من التُنّ أو السّردين وقطراتِ رذاذٍ من الزيت لا غير وكنا سعداء ولم نبال لأننا عقدنا مؤتمر الاتحاد وأصدرنا بيانا يتضمن المطالبة بحرية الكلمة وبدعم نشر الكتاب وتوزيعه وتضمين التعليم في جميع مراحله قدرًا أكبر من الأدب التونسي وفتح فروع للاتحاد في مختلف ولايات البلاد والتفكير في إنشاء مجلة خاصة تصدر عن الاِتحاد والعمل على ترجمة مختارات للأدباء التونسيين المعاصرين فكان المؤتمر نقلة نوعية في تاريخه ثم بعد أن تولّى الأستاذ محمد مزالي الوزارة الأولى اِستقال من رئاسة الاتحاد وخَلَفه نائبُه سي العروسي واِنتقل مقر الاتحاد من مكتب صغير في دار الثقافة باب العسل إلى مقره الحالي بجانب المعهد العالي للموسيقى ودار الثقافة ابن رشيق في قلب تونس العاصمة وهو مقرّ محترم وكان حلما للأدباء المؤسسين ويعود الفضل الأكبر لاِكتساب هذا المقرّ وهو من أملاك الدولة إلى مَسعى الأستاذ بشير بن سلامة وزير الثقافة في حكومة مزالي وبِحِرصٍ كبير من الأدباء محمد العروسي المطوي ومحمد المرزوقي والجيلاني بالحاج يحي وغيرهم…

وباِنتقال اِتحاد الكتّاب إلى مقرّه الحالي 20 شارع باريس وبرئاسة سِي العروسي اِنطلق في طور جديد وذلك بإنشاء عديد النّوادي والفروع وإصدار مجلّة  ـ المسار ـ

ـ 6 ـ

 في آخر سنة 1989 بدأ الاِستعدادات لعقد المؤتمر فطلب منّى سي العروسي ذات يوم بعد اِنتهاء جلسة أحد النوادي أن آتي إلى الاِتحاد من غدٍ باكرا لمراجعة بعض مواد مجلة المسار قبل طبعها فذهبت من غدٍ ولكن لم يُسلّمني ملفّ المجلة بل مدّ لي رسالة من اِتحاد أدباء العراق والثانية وكانت بالفرنسية من المعهد العربي بباريس وقال لي هل بإمكانك الإجابة عنهما مضمّنا موافقة اِتحادنا على ما فيهما فقلت له ـ حسنا ولكن هذه مهمّة الكاتب العام سي مصطفى الفارسي ـ  فقال لي إنه منشغل بمسؤوليته في اِتحاد كتّاب إفريقيا وآسيا والأخ مصطفى لا ينوي أن يكون في الهيأة المديرة القادمة ثم أردف قائلا بشىء من الحزم – إنّ اتِحادنا في حاجة إلى كلّ أعضائه -وسلّمني ورقتين فأخذتهما مع الرسالتين واِنصرفت إلى المكتبة لأردّ عليهما وما كادت نصف ساعة تمضي حتى رأيت سي العروسي يدخل المكتبة قائلا هل أتممتَ ؟ فقلت ـ نعم وسلّمته الإجابة عن الرسالتين الأولى بالعربية طبعا والثانية بالفرنسية ورافقته إلى مكتبه فجلس وقرأهما ثم أبدى اِنشراحه وقال لي مبتسما ـ ما قصّرتش يعطيك الصحّة ـ فشعرت كأنني نجحت في الاِمتحان فسِي العروسي حريص على الدقة وحسن ضبط الكلمات وتنسيق الفقرات مع مراعاة بروتوكولات المقام والمناسبة وقد عَلِمتُ كل ذلك من خلال إملاءاته وملاحظاته عندما كنت أراجع معه بعض المراسلات… وأمر لي بقهوة ثمّ مال بالحديث إلى شؤون المجلة فإذا به يأخذ ورقةً صغيرة ويكتب فيها بقلم الحبر ويمدّها إليّ كالسِرّ دون أن ينبس بأيّ كلمة فأخذتها كالوديعة وقرأت ما فيها….جملة واحدة فقط هي:

– الترشّح إلى الهيأة المديرة –

وبدون تردّد وبسرور كبير قلت له ـ نعمْ… ولكن بشرط أن أكون معك يا سِي العروسي !

وكان المؤتمر في آخر ديسمبر 1989 بدار الثقافة اِبن خلدون وبعد الاِنتخاب كان نصيبي أكبر الأصوات وتولّى سي العروسي الرّئاسة وسي الميداني بن صالح نائبه والأخ محمد العاشمي بلوزة تولّى أمانة المال والأخ جلول عزونة تولّى مسؤولية العلاقات الخارحية أما الكتاية العامة للاِتحاد فكانت مسؤوليتي وضمّت الهيأة أيضا الأدباء أبا زيان السّعدي وسمير العيادي وعبد الحميد خريّف والطيب الفقيه ونور الدين بن بلقاسم والتابعي الأخضر فحاولنا قدر المستطاع الإضافة والعمل على تحسين منزلة اِتحاد الكتّاب التونسيين وإشعاعه سواء داخل البلاد أو خارجها فقد ضمّ الاِتحاد في تلك السنوات العدد الأكبر من الأدباء والشعراء والجامعيين على توالي أجيالهم واِختلاف قناعاتهم الفكرية واِنتماءاتهم السياسية وعلى تنوّع ألوانهم الأدبية والفنيّة وتعددّها وقد تولّى أيضا اِتحادنا رئاسة الاتِحاد العام للأدباء والكتّاب العرب فأصيح سِي العروسي رئيسه في ظروف خلافات عربية حادّة إبّان حرب الخليج كادت تعصف بالاِتحاد أيضا .

 من كان يظنّ أنّ ذلك الشّاعر الشّاب الواقف مع جَمْعٍ من الأدباء الشبّان وقد مُنعوا من دخول الأمسيات الشعرية عندما اِنتظمت بمناسبة مهرجان الشّعر العربي بتونس سنة 1973 سيكون من بين الفاعلين في تنظيم ذلك المهرجان سنة 1991

ما كنتُ أحسب يوما أنّني سأكتب البعض من هذه الذكريات بما فيها من معاناة وتحدّيات ولكن ما أمتعها…!

رحم الله سي العروسي !

 

سُوف عبيد

 

 

صالح الطائيفي رحاب البناية الجديدة للجامعة المستنصرية في بغداد، في أقسام الدراسة المسائية، ومع مشارق عام 1971 شاءت إرادة الله أن ألتقي شابا رشيقا أبيض الوجه أصفر الشعر حلو الملامح طيب السجايا هادي الصوت يتحاشى الزحمة ويبتعد عن التجمعات متألق ومتأنق في ملبسه ومهتم بمظهره كان اسمه يحيى فتفاءلت بهذا الاسم الدال على دوام الحياة في بلد كانت تطاردنا فيه حتى حيطانه وتتلصص علينا شوارعه وترقبنا عيون جلاديه لمجرد أننا لا نعاقر العبث ولا نصفق للطغاة ولا نهتف نفاقا ولا نتظاهر من أجلهم.

كان كل اجتماع بيحيى يمثل مجازفة تترتب عليها الكثير من المخاطر، وكان خوفي عليه أكبر من خوفي على نفسي لسبب وجيه وهو أن الأمن التابع لمديرية الأمن العامة وأمن الجامعة كانوا يرصدون حركاتي وسكناتي بدقة خبير، اكتشفت فيما بعد أن سبب ذلك هي التقارير التي رفعها إلى اتحاد الطلبة في الجامعة رفاقهم الذين زاملوني أثناء الدراسة الاعدادية. لهذا السبب كنت أدعو الله أن يبعد هذا الشاب الجميل البريء عن طريقي لكي لا يؤخذ بجريرتي لمجرد أنه استلطفني وأراد أن يوآخيني، ولاسيما وأني شاهدت تكثيفا غير مسبوق للمراقبة بما يوحي بأن الجلادين يتحينون الفرصة للانقضاض علينا وافتراسنا في دهاليز الأمن العامة ومصادرة مستقبلنا.

1420 الطائي والسماوي

كان هذا قبل أن أكتشف معلومة في غاية الخطورة والأهمية، أرعبتني في بداية الأمر كثيرا؛ وهي أن زميلي وصديقي الجديد يحيى كان يساريا معروفا، موضوعا مثلي تحت مراقبة الأمن، والكثافة الرقابية التي شخصناها مؤخرا كان سببها اتحاد الجهتين الرقابيتين بجهة رقابية واحدة. يومها اضطربت مشاعري واصبت بحيرة شديدة وقلق كبير، فمن جهة كنت أعتقد أن تقارب الإسلامي واليساري قد لا يثير شكوك الطغاة طالما أن لكل منهما طريقا يختلف عن طريق الآخر ولو في حدود فهم رجال الأمن، فضلا عن وجود عداء متوارث بين الخطين ضمن نطاق إسلامي/ علماني. وفي أحيان أخرى كنت أرى أن هذا التقارب يوحي لرجال الأمن بأن أعداءهم يسعون للاتحاد والوقوف سوية بوجههم، وهذا ما سيجعلهم يستعجلون إلقاء القبض علينا، لذا كان القلق سيد الموقف ومهيمنا على اللقاءات بيننا.

لم تكن لقاءاتي بالسماوي كثيرة ولا طويلة ومتشعبة وإنما اقتصرت على أوقات الفرص بين المحاضرتين، وربما في أوقات المحاضرات الشاغرة، ولم تكن في أماكن مخفية بل كانت مفضوحة أمام الجميع في وسط الساحة العامة وأحيانا في ممرات الكلية الأخرى، وكل الأماكن تتيح للمراقبين رصد أصغر الحركات، وكنا نتحدث بصوت مسموع ليفهم الطغاة أننا نتحدث في أمور عامة لا شأن لها بالسياسة وبالحكام، نعم كنا نستغل الجو العام للحوارات لإطلاق بعض الملاحظات المهمة التي كانت تمر عادة دون أن يشعروا بها او يفهموا معناها ولكن بشكل عام كان حديثنا مسموعا ومفهوما من قبلهم.

الأعم الأغلب من اللقاءات كانت ثنائية أنا ويحيى فقط لا نشرك معنا احدا من الزملاء لأننا على يقين أن اتساع الدائرة سيثير جنون الجهات الرقابية ويجعلهم يستعجلون اتخاذ قرار الاعتقال، ووضع نهاية مأساوية لفرحتنا وإخوتنا، ولا أدري لحد الآن لماذا أحجموا عن اعتقالنا، وتركونا وشأننا طوال تلك المدة.

في تلك الحقبة من التاريخ لم يكن الهاتف الجوال معروفا، ولذا كنا نفترق في العطلة الصيفية ولا يزور أو يرى أحدنا الآخر لعدة أشهر ولاسيما وأن يحيى مقيم في السماوة وأنا مقيم في بغداد، لأن أمن المناطق كانوا أكثر تشددا من غيرهم، وهم مدعومون بأعضاء الحزب المتفرغين للرصد ورفع التقارير، وكلانا كان في منطقة سكنه معروف الميول ومؤشر كمعادي!.

أما في أيام الدراسة فكان اللقاء يوميا، كنا نستغله أحيانا لنتمشى على أرصفة حدائق الجامعة التي لا يصلها رجال الأمن؛ الذين يوجهون في أحيان أخرى عنايتهم ورصدهم لأشخاص آخرين غيرنا موضوعين تحت المراقبة مثلنا، وحينما كان آذان المغرب يرفع ويحين وقت الصلاة، كنت أختلي بزاوية مهجورة لأؤدي الصلاة، وكان يحيى يقف بعيدا عني يراقب حركاتهم، فإذا اقترب أحدهم بدأ يحيى بالسعال لينبهني، فكنت أقطع الصلاة وأشغل نفسي بالنظر إلى الأشجار وغير ذلك.

كانت هذه اللقطة التاريخية واحدة من أهم محطات صداقتنا، حيث يتحمل العلماني اليساري مهمة المراقبة على خطورتها من أجل حماية صديقه الإسلامي، وهذا برأيي أحد أهم الأسباب التي دفعتني إلى النظر للآخر بشكل بعيد عن الرؤية الإسلامية العامة المتشددة التي تؤمن بنظرية (إما دين وإما طين)، فالآخر بالنسبة لي ممكن أن يكون حاميا ومضحيا وسندا وصديقا وأخا، ولا يشترط ان يكون عدوا، وقد أثَّرَت هذه المنهجية على توجهي البحثي العام، فسعيت في كل مؤلفاتي التي أصدرتها والتي فاق عددها الخمسين كتابا على بث ثقافة القبول وتحسين العلاقة بالآخر وفق قاعدة (نظير لك في الخلق) فالإنسانية هي الهدف الأسمى التي يجمع القلوب المتباغضة ويوحد النوايا الطيبة، وكل الذي يهمني من أمر شريكي في العيش والوجود، هو مدى احترامه لي ولإنسانيتي ولعقيدتي ولفكري ولرؤيتي، وما يشغلني أكثر من أي شيء آخر هو أن أرد على جميل هذه السجايا بأجمل منها لتتجلى صور الإنسانية مشرقة بكل ذلك البهاء الرائع الذي يميزه عن الحيوان.

لحد تلك اللحظة لم أكن أعرف أن يحيى شاعر مفوه كبير، لكن الاسترسال بالحديث كشف ميزته الجميلة المضافة هذه، فازددت افتخار به وحبا له، ثم في واحد من تلك اللقاءات البينية أخرج من جيبه كتابا صغيرا كان اسمه "عيناك دنيا" وأهداه لي فتبين أنه ديوانه الشعري الأول؛ الذي كتبه في مرحلة الدراسة الثانوية، وكم كانت فرحتي كبيرة ودهشتي واسعة، فهي المرة الأولى التي يُهدى لي فيها كتاب من يد كاتبه وديوان من يد شاعره، وفي الأيام التالية استرسلت في قراءة وحفظ قصائد الديوان، وقد حفظت الكثير منها.

وفي أحد الأيام وأنا في طريقي إلى الجامعة استوقفني رجال الأمن الذين كانوا يستقلون سيارة ماركة بيجو فرنسية، وتم اعتقالي، وحينما أفرج عني بعد أيام قلائل قررت أن أقاطع الجميع وابتعد عنهم خوفا عليهم، فافترقت عن يحيى وعن جميع أصدقائي ولم أعد اتحدث حتى مع زملائي وزميلاتي في القسم، وهكذا فرقت الأيام بيني وبين يحيى سنينا طويلة.

بعد هذا الاعتقال، تكرر اعتقالي عدة مرات، ووضعت تحت المراقبة المشددة حتى أن رجال الأمن كانوا قد اتخذوا من مطعم شعبي يبيع المشويات يقع قبالة دارنا ويعود لشخص اسمه ناصر الانباري مقرا، فإذا رأوني أخرج من الدار يبدؤون بالسير خلفي، وانا غالبا كنت أذهب إلى أحد بيوت إخوتي أو أخواتي وهي قريبة من بيتنا ولا تبعد كثيرا، وحينما أخرج من الدار لأعود إلى بيتنا أجدهم لا زالوا يتربصون وينتظرون خروجي، وقد تكررت هذه الحالة مرات عديدة. دفعا للأذى عن أصدقائي قاطعت الكثير منهم، بل أغلبهم وأقربهم دفعتهم بعيدا عني خوفا عليهم، وقد حاولت بعد أن استتبت الأمور وزالت المراقبة ان أبين هذه الحقيقة لواحد منهم كان الأقرب إلي هو الدكتور العسكري رؤوف قاسم الذي شغل إدارة الطب العدلي لحين إحالته على التقاعد، حيث ارسلت له كتابي الموسوم :نظرية فارسية التشيع" موشحا بإهداء جاء فيه: ثق أيها العزيز أني أبعدتك خوفا عليك لا خوفا منك، ولكن الظاهر أنه كان شديد الزعل بسبب موقفي المتشدد معه فلم يستجيب لدعوتي. أقول هذا لدخل من خلاله إلى قصة صداقتي بيحيى، فيحيى الذي أبعدته مثل غيره كان موضع امتحان، وكنت أبحث عنه وأخاف أن يكون موقفه مشابها لموقف دكتور رؤوف ولكني لم أعثر عليه، مع أني اتخذت في تسعينات القرن الماضي وتحديدا بعد الانتفاضة الشعبانية خطوة جريئة ومتهورة جدا يوم قررت الذهاب إلى السماوة بحثا عنه، ونفذت الأمر فخرجت بعد منتصف الليل متوجها إلى السماوة على أمل أن أصلها صباحا في وقت لا زال فيه رجال الأمن تحت وطأة لياليهم القلقة التي يحرمهم النوم فيها تأنيب ضمير ميت وأشباح الضحايا وصرخات المعذبين وبكاء الأيتام والحبيبات. وكان توقيتي سليما حيث دخلت السماوة في الصباح الباكر وذهبت إلى وسط البلد أسأل عن يحيى الذي لا أعرف له عنوانا أو مقرا، فسألت كل من صادفني، وانكر الجميع معرفتهم به إلى أن التقيت برجل كبير في السن وحينما سألته عن شاعر اسمه يحيى عباس السماوي، بدت مظاهر القلق على وجهه، فسألني: من أين أنت؟ قلت: من بغداد ويحيى كان زميلي في الجامعة، وأتيت أسأل عنه. فقال بصوت خافت: يا ولدي أنا أعرفه، يحيى مات، فعد إلى أهلك ولا تسأل أحدا بعدي!. وفي طريق العودة إلى بغداد كانت صورة يحيى عالقة في بالي، وضحكته الهادئة ترن في أذنيَّ وكأنها صوت رعد قادم من خلف جبال الهم، ودموعي تسيل بلا انقطاع، والأسف يأكل قلبي.

مرت عدة سنوات أقسم أن اسمه وصورته لم تفارق خيالي، والغريب أن كل ما حفظته من قصائد ديوان عيناك دنيا تلاشي من ذاكرتي وكأن يدا مسحته؛ ربما رحمة بي لكي لا تثير قراءة القصائد شجوني، وكنت خلال هذه السنين وإلى ما بعد 2003  ولاسيما بعد أن اشتريت حاسوبا وربطت خط انترنيت، اتابع ما ينشره الشعراء من قصائد فوقعت عيني مصادفة على صورة كهل او شيخ مرفقة بقصيدة، كان صاحب الصورة يحمل الكثير من ملامح يحيى، واسمه أيضا يحيى السماوي بدون اسم والده (عباس)، فمنيت النفس أن يكون هو صاحبي، راسلت الموقع بعد أن شرحت لهم قصتي مع يحيى مختصرة، فلم يجيبوني، كررت الطلب، فأهملوه. لم أكن يومها أجيد البحث في الانترنيت، ولكني بدأت ابحث بشكل ساذج عن صور وقصائد اخرى لهذا الرجل، وصدف أن وجدت له صورة اخرى في موقع آخر، وكان موقفهم مشابها لموقف الموقع الأول، يومذاك لم أكن أعرف شيئا عن موقع صحيفة المثقف وعن سادنه المبجل الأخ ماجد الغرباوي، وقد قادني البحث المستمر إلى هذا الموقع، وكالعادة أرسلت لهم رسالة أسأل فيما غذا كانوا يعرفون اسم والد هذا الشاعر، وشرحت لهم بشكل مبتسر قصتي معه، انتظرت يوما يومين ثلاثة أيام وإذا برسالة طويلة جدا تأتيني من يحيى شرح فيها ما مر عليه من قهر وجور الطغاة وقصة حمله السلاح ومن ثم لجوئه إلى معسكر رفحاء وهجرته إلى بلد آخر، وابان لي أنه يقيم الآن في أستراليا وأنه متزوج ورزق بذرية ويكتب الشعر وأشياء كثيرة أخرى ووعدني بأنه متى ما يزور العراق سوف يزورني، وهنا أجهشت بالبكاء وبحرقة شديدة لا حزنا بل فرحا وأنا أردد عبارة: سبحان من يحيي العظام وهي رميم، سبحان من قلب المعادلات والموازين، سبحان الذي جعلني أعثر من جديد على أخي وصديقي يحيى الذي بكيته كثيرا.

استمرت المراسلات بيننا زمنا طويلا وفي كل عام أنتظر طلته علي ويعدني هو بأنه غذا زار العراق ولم يزرني فكأنه صلى بغير وضوء، إلى أن أصابني اليأس فقد تقدم العمر ولم تعد في العمر بقية، ومن دياجير ظلمة الأسى واليأس طل صوته يبشرني بلقاء، وفعلا زارني مع مجموعة من الأصدقاء وكانت من أجمل ساعات عمري لأنها أعادتني إلى الوراء خمسين عاما.

بالأمس حال الطغاة دون لقائنا.. واليوم حالت طغوة وباء كورونا دون لقائنا وكلي أمل ان نجتمع مرة أخرى، وأمنية ان تتحقق هذه الأمنية.!

 

صالح الطائي

 

جمال العتابيكل من يعرف الغراف، النهر القادم من مقدم سدة الكوت التي شيدت على نهر دجلة عام 1939، يدرك أن النهر يمشي الهوينا، مثل أسراب الطيور التي تحطّ على ضفافه تارة، وتعلو تارة أخرى، دون مشاكسة مع الماء المتدفق نحو مدن امتدت على ضفافه، متواضعة وصغيرة أولاً، ثم توسعت بتشوه، في اعوام الحروب والحصارات، تبدأ بالحي ذكرها الجواهري، وبوركت فيها انتفاضات، وقبلها الموفقية، كل اسمها (أم التبن)، مع بعض التحسين فيما بعد، فسميت (محيرجة)، استقر فيها الكاتب الراحل شمران الياسري، أو اختفى عن ملاحقات السلطة، ثم الفجر(سويج شجر)، مقيمة على بؤس وداء، مصير اهلها متعلق ب(سلك معدني) يدفع العبارة الخشبية ليتصلوا بالعالم، حشد من اهلها استقبل المتصرف في سنوات الستينات، بهتاف واحد (مطلب جماهير الفجر سيمات للطبگة تجر) قلعة سكر، على خلاف ازلي مع الرفاعي (الكرادي) الذي يليها بالموقع، بشأن احقيتها بمركز القضاء، منذ السقيفة الثانية وللآن، ثم النصر(الغازية)، وبدايتها (سويج شكبان)، ما أروع اشراقتها في ذاكرة الطفولة، ويذهب النهر نحو ناظم البدعة الذي انجز العمل فيه عام1929. وقبل الناظم، كان الغراف يهب الماء الحلو لأهلنا في البصرة بقناة مبطنة بالاسمنت، جف ماؤها للأسف بجفاف السنين.

عند الناظم يذهب النهر للانشطارات والتلاشي، في أرض يقلقها المصير والقدر، مودعاً الشواطئ التي تحفل بالأسماك، والنوارس، الفرع الرئيس منه يذهب يميناً نحو الشطرة، ولأنه يشطرها الى صوبين، جاءت تسميتها هكذا! حسب ما يذكر الباحث يعقوب سركيس، سمّاها حسين الهلالي عروس الغراف، ومنها الى عالم فسيح لا تلوثه الطحالب والأشنات.

  لكل من هذه البلدات حكايات وإرث طويل من أحجار سومر، وطين أكد، و(أصنام) لكش (تلو)، تلوح هنا وهناك، مساحة من العصور والتواريخ، تكمن في الأعماق، هنا قبل الميلاد بآلاف السنين، بدأت الثورة المدينية، ودشن الانسان عصر الابتكارات الأولى، والمنجزات الفنية في النحت والاختام الاسطوانية، وأقدم الامثلة من الكتابة على الرقم الطينية، في هذه البقعة من الكون، شرّع الإنسان أول نظام قانوني في تاريخ البشر، وعزف أول موسيقى، وغنى أول أغنية حب في العالم. ولم يكتمل شرط وجوده الانساني إلا بعد أن تدفق الماء، فإغتسل السومري بمياه الغراف، وصلى لواهب الحياة. ل (أنكي) إله المياه العذبة.

الغراف في تلك الربوع، متقلب المزاج، غيّر مجراه نحو الشمال او نحو اليمين، دون خوف أو حذر، ينطفىء حيناً، ويجف حيناً اخرى، يتدفق بعنف تارةً، ولا يني تياره الغاضب عن الإرتطام بالشواطئ بقسوة، وتارة أخرى يشح علينا بعد أن يثمله الطمى، ويغيب المطر.

من نافذة صغيرة تطل على (لكش)، خرجنا الى الدنيا، بسطاء، سمر، مغمورين، أهلنا يعرفون تماماً بأنهم أولئك الآتون من أقاصي ذلك التاريخ، الى أداني هذا الحاضر، وشيوخنا منهم مازالوا يحملون صناديق أسرارهم القديمة، يخفون فيها لميم الأسفار والأشعار، والرؤى والحكايات، والأساطير، وحكمة الحياة، على تلك الضفاف عزف طالب بريد القره غولي ابن الغازية اولى أغانيه، بناي ينوح بما علق به من أيام، وعلى مقربة منه في الشطرة، كان حضيري أبو عزيز يؤدي حلماً يبنيه على صوت ماكنة خياطة، منه ولدت (حمام لتون على روس المباني)، كان حضيري يدعو الورد ينمو على شرفات جنائن شط الشطرة ب(عمي يبياع الورد كلي الورد بيش)، كان يغار منه داخل حسن، وحدهما يتحاوران في واحدة من أعذب الثنائيات الغنائية التي تمسح الحزن والإختناق (يحضيري بطل النوح شالت هدية)، فيرد عليه حضيري بذكريات ترسم صورة الحب المنتهك، ينوحان معاً في الليالي التي ينهمر فيها ضوء القمر، ليهزما الظلمة من شواطىء الغراف، حيث تصعد القوارب القادمة من الجنوب نحو الشمال، من أهوار الجبايش، والغموكة تحمل القصب والبردي، وعصيره المجفف (الخريط)، والخلال المطبوخ أولئك سكان الهور(الشكون)، يهجرون وطنهم حين ينحسر الماء، وتبتعد أسراب الطيور فتندفع القوارب محملة بأماني اهلها الضائعة، يندفعون بقوة أجسادهم ومتانة الحبال التي تسحب القوارب المثقلة بالقصب، يلهثون مثل جمر الدلال التي ظلت بلا بنٍ أو رنين، يدجنون الصعاب بالأغاني، أغان لا تشبه أغاني الأخرين، انها أشبه بسحابات حزن لا تمطر غير الدموع، والقرى التي يمرون عليها، غارقة هي الأخرى في الجوع، تتكسر تعبانة من فرط أحزانها.

كنا صغاراً نلهو برمل الضفاف نبني بيوتاً مثل ما نهوى، وننفعل بالمياه شداً وانبساطاً، تعيش في أحلامنا على مدارات الفصول، فهي الملاذ في صيف لا يعرف مذاقه إلا أبناء الجنوب، ومخازن الحبوب (المناثر) أشبه بوطن نائم، تمتد غير مبتعدة عن الضفاف، كأنها بقايا آثار مهدمة بأسوارها الطينية، مكشوفة، تسبّح بحمد للشمس التي تنضج السنابل، لتأتيها حباً مقدساً.

يا مدن الغراف، يا موطن الأحلام، إذ تعيش قصص الحب والاساطير، ندور على ضفافك، نبحث عن أسرار وجودك، لعل الماء يطفىء حر لظانا، فالزمن يعصف بالضحكات وبالشهقات، والغول يطبق فكيه يقضم شفاهك، والريح تفح سموماً تسيل رعافاً، يا لهذا الزمن القاسي ! يستجيب لطعم الأذى .

 

جمال العتّابي

 

نور الدين صمودأحاول في هذه المداخلة إظهار الحظوة التي كان يلقاها علماء القيروان لدى حكام عصرهم من بغداد إلى إفريقية، وهذه الحظوة تبلغ أحيانا درجة السلطة على أصحاب السلطة، وقد دعمت كلامي هنا بما التقطته من خلال أخبار طريفة يعثر عليها القارئ لكتب الأدب والتاريخ والأخبار، بين الحين والآخر، وهي أخبار نادرة يمكن أن نعتبرها طرائف ونوادرَ أو مُلحا، فنمر بها مستطرفين مستندرين، دون أن نعيرها كبير اهتمام، ولكننا إذا تأملناها فإننا سنستخلص منها أشياءَ ذاتَ قيمةٍٍ حضارية هامة، تكشف عن أشياء أخرى ذات أهمّية كبرى.

يقول لنا المؤرخون: إن علماء القيروان كانت لهم حرمة كبيرة لدى حكامهم، بل سلطة حتى على أصحاب السلطة فيها، ولكن هذا الحكم تقييمي لا تدعمه وتؤكده، ولا يَشـُدُّ أزرَه شيء مثلما تـَسنِده تلك الأخبار المستندرة التي سأسوق طُرَفا منها لتأكيد ما ذهبت إليه في هذا التقديم:

أ) سلطة العلماء على أصحاب السلطة

1) عالِمٌ قيرواني يحرج أبا جعفر المنصور هذا خبر يدل على أن لأحد علماء القيروان دالةً بل سلطةً على السلطة التي كرست السلطة الأغلبية في القيروان، فقد رووا عن رجل من قدماء علماء القيروان، سمع من جِلّة التابعين وتولى قضاء إفريقية مرتين، وكان قبل ذلك قد زاول التعلُّم بالكوفة والبصرة صحبة أبي جعفر المنصور، ثاني خلفاء بني العباس، الذي تولى الخلافة بعد أخيه السفاح، وقد أسر الروم هذا العالِم القيرواني في البحر ففداه المنصور تقديرا لقيمته ومنزلته عنده، ولهذا العالِم أخبار مشهورة مدونة، وقد توفي سنة 161هـ 778م.

اسم هذا العالم: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري، قال أبو العرب: (حدّث عبد الله بن الوليد عنه؛ قال: خرج في وفد أهل القيروان للشكاية مما نال إفريقية من مظالم الولاة، فدخل يوما على الخليفة أبي جعفر المنصور العباسي، فقال له: يا ابن أنعُم، ألا تحمد الله ربك الذي أراحك مما كنت ترى بباب هشام وذوي هشام من بني أمية؟ فأجابه عبد الرحمن: ما أمْرٌ كنت أراه بباب هشام إلا أرى اليوم منه طَرفا، رأيت ظلما فاحشا وأمرا قبيحا، فقال المنصور: لعله فيما بَعُدَ من بابي؟ فقال له عبد الرحمن: بل كلّما قربت من بابك استفحل الأمر وغلظ. فقال المنصور: فما منعك أن ترفع ذلك إلينا، وأنت تعلم أن قولك عندنا مقبول؟ فقال عبد الرحم: إني رأيت السلطان سوقا، وإنما يرفع إلى كل سوق ما يروج فيها.(1) فقد أراد المنصور أن يسمع من هذا العالم القيرواني كلمة تحط من قيمة حكم الأمويين الذين أطاح بهم العباسيون وتنوه بحكم بني العباس الذين أزاحوهم، ولكنه لم يستجب لهذه الرغبة وأعلمه بأن الظلم في عهد العباسيين قد تفاقم وزاد على ما كان عليه في عهد بني أمية، وهذا الموقف لا نجده لدى المطبّلين والمزمرين في أمثال هذه الحالة.

2) مؤسس الدولة الأغلبية يطلب براءة من القاضي وهذا خبر طريف آخر عن مؤسس الدولة الأغلبية إبراهيم بن الأغلب بن سالم التميمي(140/196هـ) وقد كان عالما شاعرا خطيبا مصقعا، قرأ على الإمام الليث بن سعد(94/175 هـ)  إمام أهل مصر في عصره، وتولّى إمارة إفريقية بعهد من هارون الرشيد، ولم يلِ البلادَ أحسنُ سيرةً ولا أرأفُ بالرعية منه، وتمهدت البلاد في أيامه. وتوفي سنة 196هـ 812م وعمره 56 عاما. جاء عنه في الورقات نقلا عن المالكي: ( كان إبراهيم بن الأغلب الأكبر، يصلي بالجامع المكتوباتِ كلَّها، فخرج ليلة من الليالي من دار الإمارة بالقيروان ـ وكانت ملاصقة لمسجد عقبة ـ فدخل الجامع لصلاة العشاء الأخيرة، وكان مشغول القلب، فعثر في حصير فسقط، فلما صلى بالناس وانصرف إلى منزله بعث في طلب قاضيه عبدِ الله بن غانم، (وهو قاضٍ فقيهٌ ورعٌ من سكان إفريقية، دخل الشام والعراق في طلب العلم، وولاه هارونُ الرشيد قضاء إفريقية سنة 171هـ فاستمر قاضيا إلى أن مات في القيروان، وأخباره كثيرة وهو من الثقات، جمع ما سمعه من الإمام مالك بن أنس في كتاب سمي"ديوان ابن غانم" ولد سنة 128 وتوفي سنة 190هـ) قال المالكي: "فلما أتاه الرسول وقال له: الأمير يدعوك، تغّير ابن غانم عند ذاك وقال: "في مثل هذا الوقت يوجه ورائي؟" ولم يجد بدا من قام إليه، فلما دخل عليه قال الأمير: "يا أبا عبد الرحمن، إني لم أبعث إليك إلا لخير، إني لما دخلت المسجد اشتغل قلبي عن حفظ نفسي، فعثرتُ في حصيرٍ فسقطتُ، فظننت بالناس أنهم حسبوا أني متَـنَـبّـِذٌ،(أي شاربٌ للنبيذ) فأحببت أن تكون براءتي عندك، فاستنكهي. (أي شـُمَّ فمي) فاستنكهه القاضي ابن غانم فوجده بريئا، فشكر له ذلك"، وهذا غاية التحفظ والاحتياط من الأمير.)(4) لقد عثر مؤسس الدولة الأغلبية في حصير بالجامع عند دخوله لأداء صلاة العشاء، فخشي أن يظن الناسُ أنه تعثر لأنه متنبّذ أي من أثر شرب النبيذ، فأرسل إلى قاضيه عبد الله بن غانم في تلك الليلة وطلب منه أن يشم فمه ليعرف هل توجد به رائحة النبيذ، فلما شمه القاضي فوجده بريئا، "وهذا غاية التحفظ والاحتياط من الأمير".كما قال المالكي راوي الخبر في رياض النفوس.

3) سؤال محرج  من أحد الأدباء الظرفاء إلى أمير القيروان قال البكري: (لما آلتِ الإمارة الأغلبية إلى إبراهيمَ الثاني كان من أوَّليات أعماله أنْ نقل عاصمة المُلك إلى "رقَّادة" سنة 264 هـ وترك سكنى العباسية وكان من أثر هذه النقلة أن تقدمت العلوم والآداب والفنون الجميلة تقدما حثيثا لم يُعهد له مثيل في تاريخ البلاد. وأرسل إبراهيم، من أول عهده، سفارات متعددة إلى المشرق بقصد تجهيز عاصمته الجديدة بكل ما تحتاج إليه من أسباب وأثاث ورياش، وكذا سعى في جلب علماء رياضّيين وفنّانين مضاهاةً لما كان يشاهد بحواضر المدن الكبرى: أعني الفسطاط، وبغداد، وسرّ من رأى، ومن الإرساليات المذكورة في التاريخ سفارة"أبي بحر بن أدهم"أحد رجالات الدولة، وقد أخرجه إبراهيم إلى مصر والعراق في سنة 283هـ 896م)- وبعد غياب أشهر عاد الرسول يجر وراءه الأطباء والفنّانين، ومن ضمنهم"مؤنس" المغني. وكان قبل ذلك في خدمة"موسى بن بغا" القائد العباسي المشهور، علاوة على ما جلبه الرسول إلى مخدومة من الجواري الحسان والكتب والآلات والأعلاق النفيسة. وبفضل هذه العناية أصبحت"رقّادة" الباعثَ القوي في النهضة الفنية لإفريقية، وبقيت مدينةُ القيروان أمَّ البلاد للعلوم الشرعية ومركزَ المحافظة على التقاليد الإسلامية والمبنية على الحياء والمروءة والأخلاق العلية، بحيث كنتَ ترى في"رقّادة"، مقرِّ الإمارة الجديدة، الإقبالَ على العلوم الرياضية من تحرير حركة الأفلاك بآلات الرصد، والاهتمامَ بالفنون الجميلة والمستظرفة، وكنتَ تمرّ في بعض أحيائها فتشاهد محلاّتِ اللهوِ والخلاعةِ ومجالسِ الطرب والعزف والمجون، وبجانب ذلك الخمّارات يباع فيها النبيذ علانية حيثما حرص الأمير على منع تداول المسكرات في العاصمة الدينية الكبرى، مما جعل بعض الظرفاء من أدباء القيروان يخاطب إبراهيم الثاني بقوله[منسرح]:

يا سيدَ الناس وابـنَ سيدهمْ             ومَن إليه الرقابُ  مُـنـْقـادهْ

ما حرّم الشُّربَ في مدينتنا            وهو حـلالٌ بأرض رقـادهْ؟)(2)

ذكر حسن حسني عبد الوهاب هذا الخبر في القسم الثاني من "ورقات" نقلا عن البكري ص 28 ثم قرأت نفس الخبر موجزا في القسم الأول من ورقات ص 369 حيث قال: وقد رخّص الأمير للشباب ولأهل الخلاعة واللهو أن يرتادوا الحاناتِ في مدينة رقادة، وكان قد أذن بهذه الحانات أو غض الطرف عنها في أرجاء المدينة، على حين بَيْعُ النبيذ كان محظورا في مدينة القيروان، وذلك ما بعث أحد ظرفاء الشعراء من أهلها أن يسأل الأمير (وذكر البيتين على الوجه الصحيح، فهذا الشاعر يقدم سؤالا محرجا إلى إبراهيم الثاني، حاكمِ القيروان مؤسسِ مدينة "رقادة")(3) وقد علق ح ح  عبد الوهاب على الخبر بقوله: "ولم ينته إلينا بماذا أجاب الأميرُ عن هذا السؤال." والخبر في كتاب "ورقات" يكاد يكون منقولا عن ياقوت في معجم البلدان، وعجز البيت الثاني فيه، وفي القسم الأول من ورقات، صحيح على المنسرح.

4) جواب للقاضي بن فروخ يحرج أمير إفريقية وهذا خبر آخرُ طريف عن عبد الله بن فروخ (115 ـ 176 هـ ) وهو فقيه من علماء الحديث من أهل إفريقية، قيل إنه ولد بالأندلس وسكن القيروان، وعرض عليه روح بن حاتم القضاء فأبى وخرج حاجا فمر بمصر في عودته، فتوفي بها ودفن بسفح المقطم، وله ديوانٌ يعرف باسمه جمع فيه مسموعاته وسؤالاته للإمامين أبي حنيفة ومالك، وكتابٌ في الرد على أهل البِدع والأهواء" كما جاء في الأعلام للزركلي، وجاء عنه في كتاب ورقات التعليق رقم 2 ص 332: أنه نشر آراء أهل العراق ـ أي المذهب الحنفي ـ في إفريقية، وكان عالما فاضلا صالحا قليل الهيبة للملوك في حقٍ يقوله، وهذا الخبر يؤكد هذا الكلام:

(أرسل يزيدُ بن حاتم- أميرُ إفريقية- إلى عبد الله بن فرّوخ يسأله عن دم البراغيث في الثوب، هل تجوز الصلاة به ؟ فقال: "ما أرى به بأسا" وقال لأصحابه بحضرة الرسول: "يسألوننا عن دم البراغيث ولا يسألوننا عن دماء المسلمين التي تسفك!" (5) وقد قرأت هذا الخبر، في مكان آخر، أن ابن فروخ أجاب بشكل ثان أشد جرأة وهو: (سبحان الله يسألوننا عن دم البراغيث وفي أعناقهم دماء المسلمين!)

5) اللحياني يفحم أمير إفريقية

قال أبو العرب في الطبقات: (كان أبو الربيع اللحياني عظيم اللحية جدّا، وكان من أجَـلِّ أصحاب سحنون، دخل يوما على محمد بن الأغلب أمير إفريقية، فكلّمه ووعظه، فقال له ابن الأغلب: ما طالت إلا حمقت!

فأجابه أبو الربيع: "لا تفعل أيها الأمير، فإن الله عزّ وجلّ يقول: (والبلدُ الطيبُ يَخرُج نباتُه بإذن ربه، والذي خَبُثَ لا يَخرج إلا نَكِدًا)(6)(الأعراف 58) وكان محمد بن الأغلب وجهه كوسجا ليس فيه إلا شعرات يسيرة، فخجِل الأمير ولم يعد إليه. والكوسج: هو الرجل الذي لا نبات له في عارضيه، كالأمرد في الغلمان.

6) قاض يُذكّر أمير القيروان بالفقراء

ونسوق هذا الخبر الطريف الآخر الذي يؤكد ما نحن بصدده:

قال المالكي في رياض النفوس: (ختن الأمير إبراهيم بن أحمد الأغلبي أولاده، فمضى أهل العلم من شيوخ القيروان لتهنئته في مدينة"رقّادة" وكان فيمن مضى إليه؛ عبد الجبار بن خالد، فلما أتى إلى الأمير أكبره وعظّمه وسُرّ برؤيته، وأخرج إليه أولاده فدعا لهم وبارك عليهم، ثم قال: أيها الأمير. هل علمت مقدار هذه النعمة التي أنعم الله تعالى عليك بها؟ فإنه أعطاك هؤلاء البنين، وعلّمتهم كتاب الله وأحييت فيهم سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد بلغني أنك أكثرت فيما عملت من الطعام، ودعوت إلى ذلك الأغنياء والأعيان فقال الأمير: أجل! لموضع المسرّة بذلك فقال له عبد الجبار: فلو استكملت هذه المسرة بأن تذكر الفقراء فيها؟ فقال له: صدقت وبررت ثم دعا بكيس فيه خمسمائة دينار ودفعه لعبد الجبار وسأله أن يفرّقها على الفقراء والمساكين، فأجابه عبد الجبار إلى ذلك، فسرّ الأمير بفعله وشيعه إلى باب القصر، وقال لغلمانه: احملوا الشيخ على دابته وقال: والله ما برحت حتى تركب! فركب عبد الجبار والأمير قائم، فلما استوى مركوبه وأصلح الغلمان ثيابه وانصرف، التفت الأمير إلى كاتبه رجاء ابن محمد وخاطبه: يا رجاء! أرأيت ما أعقله وما أظرفه؟ أتعرف في رعيتى مثله؟ إنه قضى ذمامنا، وتعافى عن طعامنا، وأخرج مالنا فيما يُرضي الله ويُرضينا!" وقد تصدّق عبد الجبار بجميع الدنانير على من يستحقها من المساكين.(7)

7) ابن أمير يعلن توبته على يدي القاضي ابن فروخ وهذا خبر طريف آخر يدل على قيمة القاضي ابن فروخ لدى أمراء بني الأغلب، فقد روى المالكي عنه في رياض النفوس أنه خرج يوما يصلي على جنازة في مقبرة باب نافع من القيروان، فرأى إسحاق بن الأمير يزيد بن حاتم وقد أغرى كلابا كانت معه على ظبي ليُضَرِّيَها به، فنهشت الكلاب الظبي ومزقت جلده، فلما انصرف ابن فروخ من الجنازة لقيَ إسحاق بن يزيد الذي كانت كلابه معه، فاستوقفه ابن فروخ، فوقف له إسحاق فما كنّاه ابن فروخ ولا زاد على أن قال له:"يا فتَى، إني رأيتك آنفا تُغري كلابك بشيء من البهائم، وما أُحبُّ لك ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أشد النهي عن ذلك" فقبل منه إسحاقُ وقال له: "صدقت يا أبا محمد، جزاك الله خيرا". مُكَنِّيًا ومعظما ثم قال الفتى: "والله لا فعلت ذلك بعدها أبدا." ثم مضى لوجهه. (8) الملاحظ أن القدماء إذا خاطبوا شخصا ولم يريدوا احترامه لم يكنوه ودعوه باسمه مباشرة، وقد خاطب ابنُ فروخ إسحاقَ ابن الأمير يزيد بن حاتم باسمه دون أن يكنيَه ليُشعره بسلطته عليه، وبغضبه على ما قام به من فعل لا يرتضيه، وهذا ما جعله يعتذر للقاضي بن فروخ، ويكنيه بقوله: يا أبا محمد ويعظمه عند جوابه له.

9) سخرية كاتب أحد أمراء بني الأغلب من إصراره على الجهل وهذا خبر طريف آخر يبدو فيه جهل أحد أمراء بني الأغلب وعندما أصلح كاتبه له الخطأ أصر على الجهل وأصلح جهله بجهل مركب.

فقد روى عنه ابن الأثير في كتاب التاريخ هذا الخبر: "كان أبو العباس بن الأغلب أمير إفريقية قليلَ البصر بالعلم، غيرَ عارف بالنحو والرسم على خلافٍ من آل بيته، لكنه كان منصورا مؤيدا في حروبه وغزواته.

ذكر أن رجاء الكاتب كان يوما بين يديه، فكتب الأمير: (لحم ضبي) مسقوطة، (أي بالضاد) فلمّا خلا المجلس قال له كاتبه: (أيّد الله الأمير، الظبي يكتب بظاء مرفوعة) فقال الأمير: "قد علمنا فيه اختلافا، فأبو حنيفة يجعله بالظاء ومالك يجعله بالضاد." فعجب رجاء من جسارته.(10) فقد حسب أنه صوب ٍهذا الخطأ في الرسم بقول مكذوب نسبه إلى مالك وهو إمام في الفقه المالكي ولم يعتمد قول أبي حنيفة فيه، لأنه من أتباع مذهب مالك، فعجب كاتبه رجاء من جسارته.

ب) طـُرَفٌ من ذكاء أمراء القيروان

وليس معنى هذا أن أكثر هؤلاء الحكام جهال يرتكبون أمثال هذه الحماقات، فقد عثرت على أخبار أخرى تدل على سعة علم وهذا يبدو في أجوبتهم البارعة في بعض محاورتهم وأحاديثهم مع علماء عصرهم، وهكذا نرى أنه إذا كان الأمير أبو العباس بن الأغلب أمير إفريقية قليلَ البصر بالعلم، غيرَ عارف بالنحو والرسم على خلافٍ من آل بيته، مع تشبث بالجهل وإصرار على التعالم، فإننا نجد منهم من له مكانة في العلم.

9) صاحب إفريقية أبلغ من عالم القيروان: المروذي وهذا الخبر يؤكد ما ذهبنا إليه، فقد روى أبو جعفر المروذي، وهو من علماء القيروان في القرن الرابع الهجري في عهد الفاطميين العبيديين،  قال: (خرجت مع مولانا إسماعيل المنصور صاحب إفريقية "وهو رابع ملوك الفاطميين" يومَ هَزم أبا يزيد صاحب الحمار.(11) فسايرت الأمير وكان بيده رمحان، فسقط أحدهما مرارا، فكنت امسحه في كل مرة وأناوله إياه، وأنشدته متفائلا: [الطويل]

فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى     كما قرّ عينا بالإياب المسافرُ

فالتفتَ إليّ وقال: هلا قلت ما هو ابلغ من هذا وأصدق؟ فقلت له: وما هو؟

قال: قول الله عزّ و جلّ: (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون؛ فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين)؟(12) فقلت: يا مولانا؛ أنت ابن رسول الله قلتَ ما عندك من العلم؛ وأنا قلتُ ما عندي.) (13)

11) أمير القيروان يعزل قاضيا لجهله

وهذا خبر يدل على تفوق بعض أصحاب الحكم على بعض العلماء وحتى من تولى القضاء عن غير جدارة، فهذا "أحمد بن وهب من أبناء القيروان، وُلّيَ قضاء طرابلس في مدة الأمير إبراهيم بن الأغلب. وقيل إنه كان قليل العلم، كتب مرة إلى الأمير من ضمن رسالة:"حفضك الله" ولم يرفع الظاء، فقال الأمير: "خفضني خفضه الله." ثم عزله.

والضاد المخفوضة أو الساقطة ضد الظاء المرفوعة أو القائمة أو المُشالة، لذلك رأى إبراهيم بن الأغلب أنه لما كتب له كلمة: "حفضك الله" بالضاد جعلها أقرب إلى خفضك الله منها إلى حفظك الله، وقد عزله لجهل هذا القاضي، ولتشاؤم الأمير من كتابة تلك الكلمة بذلك الشكل.(14) وأختم هذه الأخبار المستندرة التي تؤكد سلطة علماء القيروان على أصحاب السلطة بهذا الخبر الذي ننقله من كتاب "الحلل السندسية في الأخبار التونسية" للوزير السراج، مرويا عن محمد بن سحنون قال: (ولي سحنون القضاء بعد أن أُدِيرَ عليه حولا، وأغلظ عليه أشد الغلظة، وحلف عليه محمد بن الأغلب بأشد الأيمان، فوليَ يوم الاثنين الثالث من رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين 234 هـ : قال سحنون: "لم أكن أرى قبول هذا الأمر حتى كان من الأمير معينان: أحدهما أعطاني كل ما طلبت وأطلق يدي في كل ما رغبت، حتى أني قلت له: "أبدأ بأهل بيتك وقرابتك وأعوانك، فإنّ قِبَلَهم ظُلاماتٍ للناس وأموالاً لهم منذ زمن طويل، إذ لم يجترئْ عليهم من كان قبلي". فقال لي: "نعم لا تبدأ إلا بهم وأجْرِ الحق على مفرق رأسي! " فقلت له: "الله!" ثلاثا. وجاءني من عزمه مع هذا ما يَخاف المرء على نفسه، وفكّرت فلم أجد أحدا يستحق هذا الأمر، ولم أجد لنفسي سعة في رده.)(15) وأخيرا فإن المطلع على أمثال هذه الأخبار الطريفة، التي تـُذكر على سبيل النكتة والطرفة والنادرة، يَشعر شعورا حقيقيا عميقا بما كان يتمتع به علماء القيروان، في تلك العهود القديمة، لدى ذوي السلطان من تقدير واحترام يصلان إلى درجة التحكم فيهم، لما لهم من دالة عليهم وقيمة لديهم، تقديرا للعلم واحتراما للعلماء.16)

 

د . نور الدين صمود - تونس

 

ضياء نافعيمكن القول ان الكتابة عن المرحومة أ. د. حياة شرارة قد بدأت لتوّها - ليس الا- في العراق، وقد لعبت دار (المدى) باعادة اصدار مؤلفاتها دورا بارزا بلا شك في هذه العملية، ولكنها (اي الكتابة عن حياة شرارة) لازالت تنتظر الباحثين العراقيين للتعمق في تراثها  واكتشاف وتحديد قيمته الحقيقة في تاريخ الادب الروسي ومسيرته في العراق، واريد ان اكرر – مرة اخرى واخرى - مقترحي السابق لقسم اللغة الروسية في كلية اللغات بجامعة بغداد بضرورة كتابة اطروحة ماجستير عن دور أ. د. حياة شرارة في تاريخ القسم العلمي باعتبارها  واحدة من أبرز الاسماء وأعمقها في مسيرته، واكرر ايضا استعدادي للتعاون مع المشرف العلمي وطالب الماجستير لانجاز هذا العمل العلمي الرائد .

هذه المقالة هي واقعيا ذكريات وانطباعات خطرت لي بعد قراءة بحثها الموسوم – (يسينين في الربوع العربية)، المنشور في مجلة الاقلام العراقية (العدد الصادر في شباط (فبراير) لعام 1989)، التي أعدت الان الاطلاع عليه بمحض الصدفة، بعد كل تلك السنوات الطويلة التي مرّت، اطلعت عليه اعتزازا بذكرى المرحومة حياة (ام مها) واسمها ودورها في مسيرة قسم اللغة الروسية الحبيب الى قلبي وقلبها طبعا، واظن،ان هذه الانطباعات ربما ستكون مفيدة حول هذا البحث المهم في تاريخ دراسة الادب الروسي في العراق، وهو موضوع اهتم به طوال مسيرة حياتي، منذ ان بدأت بدراسة اللغة الروسية وآدابها في جامعة موسكو عام 1959 ولحد الآن .

تذكرت رأسا، ان المرحومة حياة طلبت منّي (اي مصدر روسي حديث عن الشاعر يسينن في مكتبتي الشخصية)، فجلبت لها في اليوم التالي كتابا يتضمن دراسة عن ثلاثة شعراء روس هم كل من ماياكوفسكي وبيدني ويسنين، والكتاب هذا صادر في مدينة لينينغراد (بطرسبورغ حاليا) العام 1980 . لقد أشارت حياة الى هذا الكتاب في مصادر البحث ضمن الكتب الروسية التي استخدمتها عند كتابة بحثها المذكور، علما انها كانت تعتمد دائما على مصادر باللغات العربية والروسية والانكليزية في بحوثها وكتاباتها، وهذه ملاحظة مهمة وجديرة بالتذكير بها عند الكلام عن حياة وعمق كتاباتها العلمية.

وتذكرت ايضا حديثنا عندما انجزت حياة بحثها، اذ انها اخبرتني عن رغبتها بنشره في مجلة الاقلام ، ولكني قلت لها، ان المجلة غير معتمدة بالنسبة للترقيات العلمية، ولكنها قالت، انها لا تهتم بذلك، وان هناك الكثير من القراء، الذين يتابعون هذه المجلة، وان هذا البحث ينسجم مع الصفة العامة لهذه المجلة، وان تقييم البحث من قبل القراء هو المهم وليس مكان النشر . وانا بشكل عام أؤيد هذه النظرة العلمية والموضوعية للبحث العلمي، ولكن الاجواء الاكاديمية الصارمة، التي كانت محيطة بنا لم تكن تؤيد ذلك (لغة البحث يجب ان تكون بلغة الاختصاص والنشر في مجلات معتمدة)، وأذكر اني ناقشت اللجنة العلمية في قسم اللغات الاوربية بكلية الاداب حول هذا الموضوع، عندما كان فرع اللغة الروسية هناك ضمن ذلك القسم قبل عام 1987، وهي سنة تأسيس كلية اللغات (انظر مقالتنا بعنوان – كلمة ليست متأخرة عن كمال قاسم نادر) . لقد اصطدمت حياة بهذه المشكلة عندما قدّمت هذا البحث للترقية العلمية (للحصول على مرتبة الاستاذية)، ولكن اسمها ومكانتها وتعاون لجنة الترقيات وتعاطفها معها (كانت برئاسة المرحوم أ. د. علي منصور) والظروف السياسية المحيطة بالعراق آنذآك، والتي أدّت الى عزل البلاد عن العالم، كل ذلك قد ساعدها على تخطي هذه العقبة البيروقراطية في نهاية المطاف .

تسمي حياة بحثها عن يسينين  (مقالا)، ولكن واقعيا، ان ماقدمته هناك هو بحث علمي صرف ومتكامل ومبتكر وأصيل في مجال الادب الروسي وجهود المترجمين العرب بتقديم هذا الادب بالعربية، اذ انها قارنت ترجمة حسب الشيخ جعفر وعبد الرحمن الخميسي وترجمتها الشخصية لقصيدتين مشهورتين من قصائد يسينين، وكانت المقارنة موضوعية وعلمية وصارمة فعلا، لدرجة انها اشارت الى ان ترجمة حسب الشيخ جعفر لاحدى مقاطع يسينين جاءت افضل من ترجمتها هي وترجمة الخميسي مرة، وكذلك اشارت، الى ان حسب اخطأ في فهم النص الروسي عند يسينين في مقطع آخر . وتحدثت حياة ايضا عن الفرق بينها وبين الخميسي، اذ اعتبرالخميسي ان قصائد يسنين (من الشعر السوفيتي)، بينما حياة تقول، انها اعتبرتها (من الشعر الروسي)، وتستشهد بموقف طه حسين من بعض الشعراء العرب وهل هم   من شعراء صدر الاسلام ام من شعراء الجاهلية، وهو موقف علمي شجاع جدا ومقارنة مبتكرة بكل معنى الكلمة ودليل على سعة الآفاق الثقافية لها، ولكن حياة لم تتطرق الى تفصيلات هذا الموضوع الشائك والحساس في ذلك الوقت، والذي اصبح في وقتنا الحاضر واضحا (انظر مقالتنا بعنوان – حول مصطلح الادب السوفيتي).

لقد تمتعت جدا وانا اعيد قراءة بحث حياة شرارة الموسوم – يسينين في الربوع العربية، اذ اني تذكرت الايام الخوالي، وتذكرت صحة افكارنا حول طبيعة البحوث العلمية بغض النظر عن لغة البحث ومكان نشره، وتذكرت تلك المرأة العراقية اللبنانية الهادئة، ولكن الأحزان غمرتني بعدئذ، عندما تذكرت نهايتها المأساوية ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

جمال العتابيفي الذاكرة أشياء تحيا مثل مذاق الخبز، لها خطى تجوب الرأس ،تستريح تارة، وتلوب أخرى، في خمسينات القرن الماضي، كانت الكتب تزاحم مشاجب الثياب، كان بعضها ملوناً يأسر القلب ،وبعض يمنح نفسه لكي لا يغيب.

كانت مجلة (المعلم الجديد)، أول التجارب في التصفح، وجدتها مليئة بالرموز والألغاز، بعدسنوات ..المجلة التي تصدرها وزارة المعارف، كانت اشارة دالة على المستوى الثقافي العراقي، وتجربة فريدة جمعت كبار الاساتذة الاكاديميين في هيأة تحريرها.

مصطفى جواد، كمال ابراهيم، علي جواد الطاهر، جعفر الخياط، احمد مطلوب، علي الشوبكي، ضياء ابو الحب، وكتب فيها المئات من الادباء والمفكرين أنذاك .

 وكان الدكتور ابراهيم السامرائي احد أعمدة المجلة لسنوات طويلة، القراءة الاولى للمجلة توقظ في النفس عوامل جذب ودهشة للأسماء، إمتد تأثيرها منذ تلك اللحظة حتى الافاق الرحيبة التي امتدت امامنا نحن ابناء ذلك الجيل .

 الأسماء لم تكن عابرة، بل كانت موجة صاعدة في الادب واللغة والفن، في حقبة زمنية محتدمة، لتؤكد ان تيار الثقافة العراقية الجديد، إتخذ مساره العميق بين ثقافات الشعوب، وبعبارة أدق بدأ إنعطافته الجديدة، يسطع في بواكيرها نور أخاذ .

 وكان صوت ابراهيم السامرائي قد بدأ أشد وضوحاً وتألقا حين إكتشف وجوده خلال مشتبكات اللغة والشعر في قاعات الدرس وخارجها. فأطلّ علينا من نافذة سعة معارفه ب (39) مؤلفاً، و (22) كتاباً محققاً، ومئات المقالات والدراسات. هذه الاعمال لا تعبّر عن إمتلاك الحلم وحده، ولا ادوات المعرفة وحدها، بل هي تؤلف إيقاعاً منسجماً مع ذاته المبدعة، حين لا يقيم له ابناء جلدته أعلى المنازل، أو تماثيل من الحب والتقدير.

 في عام 1944بدأ السامرائي دراسته في دار المعلمين العالية، ثم أتم دراسته العليا في باريس، وعاد الى وطنه استاذاً جامعياً مرموقاً وفاضلاً، وعلما من اعلام الأدب واللغة، عاش حياته غير متحيز، صلباً عنيداً، شديد الإحساس، زاهداً في الدنيا والألقاب والمناصب، صريحا جريئاً، دمث الاخلاق، كريماً مضيافاً.

 تقديراً لعلمه، انتخب عضواً في مجمع اللغة العربية المصري، ومجمع اللغة العربية الأردني، ومجمع اللغة العربية بدمشق، والمجمع العلمي الهندي، والمحزن حقاً ان لا ينتخب عضواً في المجمع العلمي العراقي، لتظل في صدره صرخة محبوسة، وهو الذي حفر اسم وطنه في عروق النخل، وأنسجة الورد!!

 في ايام الحروب المرعبة، يوم كانت ارض العراق نارا ورصاصا، تقدم ابراهيم السامرائي باستقالته الى عمادة كلية الآداب عام 1980،لقد اصبح امراً عسيرا ان أواصل العمل،، هكذا ورد في طلب الإستقالة، وراح الى عمّان ليدرس في جامعاتها حتى عام 87. ثم قصد صنعاء محتجاً على اجراءات الإقامة الأردنية المتعسفة لينشد :

 يا ويل من يشقى بلا وطن        بل ويله يسعى الى بدل

هذا العالم الجليل عاش مغترباً على مدى سنوات طوال، وانكره مجمع بلاده، وهي اشد جنايات السياسة على العلماء وأكثرها غباءً وحماقة، السامرائي طوحت به ظروف الحياة وقسوتها متغربا عن بلاده غير متمكن من الإستقرار ، كل معنى من معاني الكلمات التي دونها ابراهيم، تضيع هنا في اجواء القتل، وسط اصوات البنادق، وطغيان الطوائف، ماالذي يكتبه السامرائي لمدينته العمارة، التي ولد فيها؟ ماالذي يكتبه لبغداد الحزينة؟ التي خلطوا (دجلتها) بالدم!

اشتهر السامرائي لغوياً ومعجمياً، مؤمناً بتطور اللغة وانتقالها من حال الى حال، شارك في تحقيق اهم معجم لغوي هو (تاج العروس)، وأسهم في تحقيق كتاب العين للفراهيدي مع زميله مهدي المخزومي، وديوان الجواهري ،وعمد الى تصنيف معاجم فريدة في موضوعاتها، وهو من كبار نحاة عصره، تناول قضايا النحو، وما عسر منها على نحاتنا الأوائل، وخالف جمهرة الدارسين فيه، الذين قالوا ان النحو وضع بسبب اللحن، ورأى ان النحو نشأ بسبب من الدرس القرآني، في كتابه(من أساليب القرآن).

اسلوب السامرائي، اسلوب الادباء المجيدين، أما الشعر، فحلق به عالياً، وقل من يعرف ذلك.

 كان عفيف النفس واللسان، سمحاً متواضعاً ، عميق التفكير، وواسع العلم، سديد الرأي. توفي في عمان عام 2001 ودفن فيها، بعد تشييع متواضع من قبل قلة من معارفه!

 قبل أيام من وفاته، وحين اشتد به المرض، كتب:

 وطني، اني حزين   ها انا ابكي عليك

 هم من ضيعوك !! ياصاحب المروءات ، ياابراهيم السامرائي !

 

جمال العتّابي

 

 

 

بليغ حمدي اسماعيلحينما يذكر اسم طه حسين، فأنت أمام حقيقة تمثل أوبرا ثقافية متنوعة ومقهى حكائي يعد رافداً لكل الأدباء والمفكرين الذين جاءوا من بعده،  ومن الصعب محاولة تصنيفه أدب وفكر العميد الدكتور طه حسين وفق هوس وهوى النقاد بحمى التصنيف وقولبة الإبداع، فأنت أمام عالم مزدحم بغير ملل أو صخب حكائي بالأحداث والوقائع الجدلية، هذه الأحداث وإن بدت بسيطة في بعض الأحايين إلا أن كل حدث منها يفجر طاقات من الأسئلة المثيرة التي تستدعي التفكير ولا تجعل العقل بمأمن عن التأويل والتفسير. حقاً مجموعة ضخمة من الأعمال الفكرية والأدبية وحياة إنسانية واجتماعية تمثل مغارة من الأسئلة التي يصعب تصنيف كاتبها تحت مظلة قاصرة مانعة.

لذا فطه حسين هو بحق مزار سياحي يستقطب المعارضين قبل المؤيدين وهو مؤسسة شعبية أدبية تنصر بداخلها كافة التيارات الأدبية بغير انحناء أو محاولة انهزام داخلية. وإذا كانت كتابات وأعمال عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين قد حققت ولا تزال الشهرة والصيت وبلوغ المأرب من حيث جودتها ورصانتها وإثارتها لأسئلة سابرة تغوص في المجتمع، فإن عميد الأدب العربي نفسه يشبه الحكاية، بل قلما نجد أديباً ومفكرا صار الاهتمام بشخصه مثل الوعي بأعماله وهذا تحقق بالفعل لطه حسين كما تحقق لكتاب آخرين مثل نجيب محفوظ، والعقاد، وتوفيق الحكيم، ويوسف إدريس.

طَه حسين.. مِن عزبة الكيلو إلى القاهرة المحروسة:

طه حسين ابن المنيا تحديداً عزبة الكيلو التي تقع على بعد كيلو متر واحد من مركز مغاغة بمحافظة المنيا، والتي ولد فيه في الرابع عشر من نوفمبر عام 1889، لأب هو الشيخ حسين علي سلامة الموظف بشركة السكر، وقد أصيب طه حسين في حوالي السادسة من عمره تقريبا بمرض الرمد، فلم يهتم أهله بعلاجه في بادئ الأمر، ثم عولج علاجاً بدائياً ذهب بعينيه. وكانت عادة أهل الريف آنذاك إلحاق أبنائهم بالكتاتيب، وفي كتابه الماتع الرائع الأيام يحكي ويروي طه حسين حكاياته المثيرة في عالمه الثقافي الصغير الأول وهو الكتاب والتي كثيرا ما تم توصيفها بقدر كبير من الدهشة والمبالغة وأحيانا السخرية فهو الثائر الذي لا يهدأ، والصبي الذي كف بصره لكن انفتح عقله منذ الصغر بالنقد والتأويل والمعارضة.

ولاشك أن بدايات القرية قد أثرت بشكل كبير في عالم طه حسين فيما بعد، فلقد روى في كتابه الأيام الذي يعد من درر الأدب الحكائي على مر عصوره العربية جلسات القرية المسائية التي كانت تجمع أهل قريته حول راوي العصر وقتئذ وهو شاعر الربابة الذي كان يقص على مسامعهم سيرة عنترة بن شداد، وسيرة سيف بن ذي يزن، والأميرة ذات الهمة، وأخبار سيرة بني هلال، وما شد وجذب انتباه الصبي طه حسين هو قدر المهابة التي كان يحظى بها أولئك الذين يغدون ويروحون إلى القاهرة للقرية ذهابا وإياباً مما جعله مفتونا منذ صغره بعالم سحري هو القاهرة . ولا شك أن تلك الجلسات الثقافية الشعبية والحكايات التي استمع إليها وهو صغير شكلت ملمحا مهماً  أصبحت بعد ذلك رافداً مهماً وخصباً من روافد تكوين طه حسين الإبداعية.ومما ساهم في خلق التكوين الثقافي لطه حسين حفظه للكثير من الأوراد والأدعية التي كان يسمعها، كذلك الكثير من الابتهالات الصوفية التي كانت تنشد في هذا العهد.

وما أن جاء طه حسين إلى القاهرة ليكمل تعليمه مع أخيه الأكبر أحمد في الأزهر الشريف حتى بدأت المرحلة الثانية والأكثر أهمية في حياة العميد والتي أكسبته بقدر الجانب الثقافي والعلمي خصائص نفسية أبرزها حب الاستطلاع والفضول الاستكشافي والقدرة على تحمل المشقة والصعاب، وعلمته هذه الفترة العناد بغير فجور والثورة الفكرية.

ولا شك أن مرحلة الأزهر الشريف ومكوثه لأول مرة بالقاهرة العامرة هي التي فجرت طاقات الثورة الذهنية عند طه حسين، ولعل سر إعجابه بالشيخ المرصفي معلمه الأول بالأزهر كان مفاده أنه أطلق لحريته وحرية زملائه النقدية العنان، وفك قيود الرتابة التعليمية لديهم عن طريق إثارة الأسئلة أو ما يعرف الآن بمصطلح العصف الذهني وإمطار الدماغ، وهي تلك الملازمة العلمية التي أكسبت طه حسين قدرا كبيرا من الجرأة في النقد والحرية المطلقة في إبداء الرأي العلمي بغير حرج.

وجدال طه حسين من شيوخه بهذه الفترة أكسبته الجرأة في الجهر برأيه مهما كانت النتيجة، ونمى ما كان مركبا فيه من استعداد للعناد والتحدي، كما يلوح في الجزء الثاني من الأيام من مساجلات بينه وبين شيوخه بالأزهر الشريف وهي المساجلات التي شكلت اتجاهه الفكري صوب الجديد والقديم في الطرح الفكري العربي.

الجامعة ومرحلة التنور الثقافي في حياة العميد

في الجامعة اختلفت حياة طه حسين ابن المنيا اختلافا كبيرا، فتعرف على عالم متباين عما شاهده وعاينه بالقرية والأزهر الشريف، وربما ضيقه بالدراسة في الأزهر هو الذي دفعه إلى النهل من روافد العلوم المدنية والتي برع فيها بقدر براعته وتميزه في العلوم الدينة لاسيما السيرة والتراجم، ولعل استماعه لدروس الحضارة المصرية القديمة، والحضارة الإسلامية، وأدبيات الجغرافيا والتاريخ، وفي اللغات السامية، وتاريخ الفلك عند العرب، ثم تاريخ الفلسفة وعصورها، هو الذي أكسبه التنوير الذي صار بعد ذلك علما رائدا له لعقود طويلة.

وفي الجامعة أتيح لطه حسين أن يتعلم على أيدي أساتذة متميزين لهم مقام رفيع في العلم والمعرفة وهؤلاء شكلوا إطارا فكريا وثقافيا جديدا لطه حسين بجانب الثقافة التي نهلها من القرية ثم الأزهر. ومن هؤلاء الأستاذة أحمد زكي باشا، وأجناسيو جويدي، ونللينو، وسانتلانا، ولوي كليمان الذي درس له الأدب الفرنسي، وكان لقاؤه بأستاذ الجيل أحمد لطفي السيد هو مرحلة التحول الكبيرة في حياة العميد طه حسين، وصاحب الريادة في انفتاحه على ثقافات أخرى جديدة وبيئات فكرية متنوعة.

وفي الجامعة، كان طه حسين صاحب أول رسالة للدكتوراه ناقشها يوم الثلاثاء الخامس من مايو 1914 عن أطروحة علمية في تاريخ أبي العلاء المعري، وبعد مناقشة ساخنة يمكن توصيفها بالمضطربة أيضا تم منحه درجة جيد جدا في الرسالة ودرجة فائق في الجغرافيا ودرجة فائق في الروح الدينية عند الخوارج.

في فرنسا.. تميز ونبوغ:

وبحصول طه حسين على درجة الدكتوراه تقدم بطلب بغرض إيفاده لبعثة للخارج، عزمت الجامعة إرسالها إلى أوروبا، لكن تعذر السفر بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى، ثم سافر بعد ذلك إلى مونبلييه واهتم هناك بدراسة اللغة الفرنسية وآدابها، وحصل على الليسانس في الآداب من السوربون عام 1917، وفي يناير من عام 1918 ناقش أطلاوحته للدكتوراه عن فلسفة ابن خلدون الاجتماعية وحصل على مرتبة الشرف الممتازة مع تهنئة لجنة الحكم والمناقشة. وهو الأمر الذي حفزه للحصول على دبلوم الدراسات العليا في تاريخ القانون المدني الروماني في يونيو 1919 بتقدير ممتاز.

إلى مصر الجميلة:

ثم عاد طه حسين إلى مصر ليصير أستاذا للتاريخ القديم، وعين بعد ذلك أستاذا لتاريخ الأدب العربي الذي نبغ فيه وتفرد وأبدع كتبا ومئات المقالات الصحفية في هذا الميدان، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة أخرى في حياة العميد وهي مرحلة الإنتاج والإبداع الفكري والأدبي، وفي هذه الفترة الخصبة من حياة طه حسين انخرط في العمل السياسي وكذلك العمل الاجتماعي التنموي من خلال إلقائه العشرات من الندوات والمحاضرات خارج الجامعة مثل الجمعية الملكية الجغرافية، واستطاع طه حسين فور عودته أن يحجز لنفسه مكانا ومكانة بين أهل الثقافة والمعرفة بصورة رسمية وغير رسمية، فلقد مثل مصر في مؤتمر المستشرقين بأكسفورد، وآخر في فيينا، وثالث في مؤتمر الآثار السورية في بيروت، ورابع في ليدن، وخامس في الاحتفال المئوي الرابع لكلية دي فرانس، ورغم هذه الفترة التي كان طابعها العام السفر المستدام إلا أن عطاءه الفكري لم يتوقف أو ينضب بل استطاع أن يؤلف أبرز وأهم كتبه على الإطلاق مثل كتابه المشكل في الشعر الجاهلي، الذي لا يزال يحدث صخبا نقاشيا وجدالا واسعا حتى لحظتنا الراهنة.

طه حسين وتطوير التعليم المصري:

رغم أن هذه السطور القليلة لا تفي حجم ومكانة عميد الأدب العربي وما هي إلا إطلالة سريعة جدا على سيرة ومسيرة هو بطلها، إلا أنه بات من الضروري التأكيد على الدور التعليمي والتنويري الذي لعبه طه حسين في المشهد التعليمي والذي لازلنا نطبق أفكاره ورؤاه واجتهاداته التربوية حتى الآن. فكما يذكر الأستاذ الدكتور مصطفى رجب صاحب أفضل كتاب عن فكر طه حسين والمعنون بفكر طه حسين التربوي بين النظرية والتطبيق، أن فكره التربوي يمثل حلقة متميزة في تطور الفكر التربوي في مصر خلال القرن العشرين بأكمله.

ويمكننا أن نضيف بأن طه حسين باجتهاداته التربوية شكل بوصلة التعليم في هذا الوقت والعصر، ولعل براعته الأدبية هي التي مكنته من معالجة القضايا التعليمية بقدر من المرونة والتوفيق، وجل هدف طه حسين التعليمي هو التنوير وتثوير العقول وتنقية الأذهان من الضلالات الفكرية والثقافية التي كانت سائدة، وسعى لأن تكون لمصر نهضة ثقافية تمثل النواة للنهضة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بعد ذلك. ويمكن تحديد السمات العامة للفكر التعليمي والتربوي النهضي لطه حسين في سمتين رئيستين هما الديموقراطية، والحرية.

ولاشك أن قضية الديموقراطية قد شغلت إنسانا كطه حسين فتناولها في كثير من كتابته وجعلها منهجا نقديا يمكن تناول التاريخ الإسلامي في ضوئه، وهو المنهج الذي اتبعه في كتبه الفتنة الكبرى بجزئيها والشيخان، ورغم أن الديموقراطية في أساسها تضمين سياسي إلا أن طه حسين استطاع أن يستغل هذا المنحى في سياقه التعليمي الأمر الذي جعله يعلن شعاره الخالد بأن التعليم كالماء والهواء وأنه حق لكل إنسان. ورغم مناداته بذلك إلا أنه واجه حربا شرسة شنها عليه رجال التعليم آنذاك.

وليس بغريب على شخص كطه حسين أن ينادي بمبدأ الحرية وهو الطفل المحروم من التدليل والرفاهية، والطالب العاجز المقهور بالأزهر، وحبيس الثقافة العربية بالقارة الأوروبية، فأخذ على عاتقه المناداة المستدامة بالحرية التعليمية وإتاحة الفرص التعليمية المختلفة لأبناء الشعب المصري بقصد التنوير. وتلك الحرية الفكرية هي التي دفعته على المستوى الشخصي لينهل من كل روافد الثقافة وتياراتها المتباينة بغير خجل ويقول في ذلك بإن الحرية لا تستقيم مع الجهل والتعليم أصبح ضرورة لا رفاهية، ويكفي أن نقول بإن التعليم الجامعي قد لقي على يدي العميد النابغة كثيرا من التطوير والتنظيم الذي كان يهدف لتحقيق مزيد من الحرية والاستقلال.

 

د. بليغ حمدي إسماعيل

 

ضياء نافعقلت له مبتسما، اني نادرا ما التقي بسائق روسي في سيارات الاجرة بموسكو، اذ ان معظمهم يكونون عادة من الشعوب السوفيتية سابقا، فقال لي، نعم، ان الامر فعلا كما تقول، وانا سائق (طارئ!!) على هذه المهنة، وهكذا بدأنا ندردش مع بعضنا. حكي لي هذا السائق الروسي قصته التي تعكس بلا شك وضعا خاصا في روسيا الاتحادية اليوم، ونحن في بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. وتبين من حديثه هذا، انه خريج كليّة الادارة في احدى الجامعات الروسية، وكان موظفا حسب اختصاصه وتحصيله الجامعي، ولكن الراتب في دائرته لم يكن يكفي بتاتا لمتطلبات الحياة، فاضطر ان يترك الوظيفة، و بدأ يبحث عن وظيفة اخرى أفضل، لكنه لم يجد عملا ملائما كما كان يرغب، فقرر ان يصبح سائقا لسيارة اجرة . سألته، ألم يندم بعدئذ على هذا القرار، فقال لي - الان احصل على دخل اعلى (رغم انني مضطر ان اعمل طوال الوقت كي اكسب عيشي)، لكنني واقعيا نادم طبعا على كل ذلك، واحاول دائما ان أجد بديلا لعملي هذا، ولكن الابواب مغلقة مع الاسف امامي في مجتمعنا المعاصر، ولا اريد ان أترك روسيا واهاجر الى الخارج كما يقولون لي وكما فعل الكثيرون من زملائي .

 ثم بدأ يحدثني عن معاناته في مسيرة الحياة، واخبرني، انه وزوجته يعملان طوال الوقت من اجل تسديد ايجار الشقة ومصاريف الحياة ليس الا، وانهما بالكاد يستطيعان تدبير الامور، وان متطلبات الحياة تتوسع أكثروأكثر، فسألته، هل هذه المتطلبات تتوسع بشكل سريع، بحيث تجبركما على الصرف أكثر من المعتاد، فقال، نعم، اذ بدأت ابنتنا الدراسة في المدرسة المتوسطة، وهذا يقتضي ان يكون لها عدة مدرسين خصوصيين بمواد متنوعة، وكل واحد من هؤلاء المدرسين يكلف الكثير، وان المدرسة لا تقوم بتدريسهم كما يجب، فالمدرس هناك يستلم ايضا راتب لا يكفي لحياته الاعتيادية، لذلك فانه لا يقوم بواجبه كما ينبغي، من اجل ان يجبر التلاميذ على الذهاب الى التدريس الخصوصي، وان جميع تلاميذ المدرسة واقعيا يدرسون عند مدرسين خصوصيين . قلت له، ان هذه مشاكل موجودة بشكل عام في الكثير من بلدان العالم، فاعترض رأسا على كلامي وبشدة، وقال، ان روسيا دولة كبيرة وعملاقة وغنيّة جدا بمواردها، ويجب الا تكون فيها مثل هذه الظواهر الموجودة في بلدان ضعيفة التطور، وان اسلوب المقارنة مع هذه البلدان هو مفهوم عتيق، وقد ملّ الناس منه، ولا نتقبله الان بتاتا ولا نعتبره منطقيا بتاتا، واننا يجب ان نقارن روسيا مع دول متطورة لا توجد فيها مثل هذه الظواهر السلبية، وقال بأسى – في تلك البلدان المتطورة، يحقق اللاجئون الروس نجاحات علمية هائلة، وهم يعملون في أرقى الجامعات والمؤسسات العلمية هناك، وقد حصل قسم منهم على جوائز متميّزة، منها حتى جائزة نوبل، ولكنهم كانوا في بلدهم روسيا منسيين تقريبا، ولم يهتم أحد بهم ويساندهم من اجل اظهار امكانياتهم العلمية وتوظيفها لتطوير روسيا.

 ساد الصمت بيننا قليلا بعد هذه الاحاديث التراجيدية ان صح التعبير، ثم قطعته أنا و قلت له، انك تتحدث عن قضايا كبيرة وكأنك سياسي معارض ومحترف، وانني لم اقابل سابقا سائقا يتحدث مثلك وبهذا المستوى عن قضايا مصيرية وجوهرية عميقة حول مسيرة الحياة في روسيا المعاصرة، فقال لي، انه لا ينتمي الى اي حزب سياسي لأن الانتماء الى اي حزب سياسي يلغي السمات الشخصية للفرد ويجب عليه ان يخضع لارادة ذلك الحزب واهدافه، ولكنه يصوّت للشيوعيين في الانتخابات التي تحدث في روسيا، لانهم من وجهة نظره – (أفضل السيئين !!!)، كما قال بالضبط . ضحكت انا من هذا التعبير السياسي الغريب والطريف، ثم سألته عن هذا (المصطلح !) السياسي الجديد، الذي استخدمه، وتفسيره، فقال لي، ان جميع القوى والاحزاب السياسية يساهمون في هذا الفساد الاداري السائد في بلدنا بشكل او بآخر، وانهم جميعا مسؤولون عن هذا الوضع الحالي لروسيا ويكسبون منه، الا ان الشيوعيين – نظريا على الاقل – يعارضون ذلك، اي انهم أقرب القوى السياسية لمعارضة هذا الواقع، وعلى الرغم من قناعتي، انهم لن يصلوا الى السلطة، و انهم لن يستطيعوا تغيير هذا الواقع المرير، ولهذا، فانا اسميهم (افضل السيئين)، واصوت لهم، رغم اني لست منتميا اليهم .

عندما اقتربنا من العنوان المطلوب، اعطيته الاجرة وقلت له، ربما ساكتب مضمون حديثك هذا وأنشره، فقال ضاحكا، لم اتوقع انك اجنبي، فسألته، هل تخاف ان أنشر حديثك ؟ فاجاب رأسا، كلا ابدا، فقد انتهى زمن الخوف في روسيا، وأضاف، بل اني ساكون سعيدا ان يعرف القارئ الاجنبي الوضع الحقيقي في روسيا، لان روسيا دولة مهمة للعالم...

 

أ.د. ضياء نافع

 

علجية عيشكان لعلماء وارجلان دورا رياديا في إحياء الأمة وحمايتها من الدعوات الضالة ومن يخدمون المخططات اليهودية والنصرانية والطاغوتية والذين ابتعدوا عن أهل السنة والجماعة، ومنهم الشيخ أبويعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي الورجلاني صاحب القصيدة الحجازية المشهورة وهو من أبرز علماء الإباضية في إفريقيا الشمالية، تقول الكتابات أن الإباضيون أولى الفرق التي تصدت لـ: "الأزارقة" وهي فرقة من أشهر فرق الغلاة اشتهرت بالبدع والأباطيل، فقد كفرت عليًّا واعتبرت عبد الرحمن بن ملجم الذي اغتال علي رضي الله عنه شهيدا، فحياة الشيخ الوارجلاني كانت عامرة بالأفكار والأحداث والحِكم، كما كانت حياة تعبد وتأمل، لدرجة أن البعض قال أنه تأثر بفكر إخوان الصفاء، لمجرد ذكرهم في قصيدته الحجازية الشهيرة

تعتبر زاوية (تايغلا) اليوم قـِبْلـَةً للإباضيين في المواسم والمناسبات، لأن الاهتمام بالتراث هو عنوان التمسك بالأصالة والقيم وتمجيد السلف الصالح والكشف عن الهوية الوطنية بحكم أن التراث هو القاسم المشترك بين مختلف الفئات والمذاهب والشرائح الاجتماعية، فمن تيهرت إلى سدراتة إلى وادي ميزاب نجد مجتمعا مترابطا له جميع المقومات الاجتماعية والثقافية لم تؤثر فيها رياح التغيير ولا الأحداث السياسية ولا التنوع المذهبي،  حسب المصادر من شيوخ المنطقة نقرأ عن الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني هو نفسه أبويعقوب يوسف بن إبراهيم بن الطان الذي كان قاضيا في ورجلان، والشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي الورجلاني من مواليد واحة ورجلان من مدينة سدراتة، (ورقلة حاليا) وفيها حصل علومه الأولى قبل أن ينتقل إلى قرطبة لدراسة اللغة العربية والحساب، ولد بين 500 هـ / 1106 للميلاد، تعلم على يد الشيخ أبي سليمان أيوب بن إسماعيل ثم أبي زكريا يحي بن أبي زكريا، وعلى يد أبي عمار الكافي التناوتي الورجلاني، كما عاصر الشيخ الورجلاني الشيخ أبا عمرو عثمان بن خليفة السوفي المزغني، وهو من أشهر علماء الإباضية ومن رواد علم الكلام.

عرف الشيخ برحلاته الثلاث التي قام بها إلى الأندلس وغرب إفريقيا والمشرق العربي، وفي الأندلس مكث خمس سنين حتى لقب بجاحظ الأندلس، ومكنته هذه الرحلات من تأليف عدة كتب، أهمها (الدليل والبرهان لأهل العقول، وهوبحث في علم الكلام يقارن فيه بين الإباضية والفرق الإسلامية الأخرى، ويهتم بمسائل البدع المتعلقة بالآذان في جبل نفوسة، ويبحث خصوصا في قضية المبتدعة النكار الذين هم فرع من الفرق الإباضية، طبع هذا الكتاب في مصر في ثلاثة أجزاء في 1503 صفحات عام 1888/1889)، وكتاب العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف، وهوبحث في مسائل الفقه التي لها اعتبار خاص عند الإباضيين) وكتب أخرى فضلا عن القصيدة الحجازية المشهورة، وهي مؤلفة من 360 بيتا حسبما ذكره المؤرخ (تاديوس ليفيتسكي) الذي أرّخ للمؤرخين الإباضيين، وفي مصادر أخرى يذكر صاحبها أنها تحتوى على 374 بيت ومنهم الأستاذ يحي بن بهون حاج أمحمد في كتابه رحلة الوارجلاني (متحدثا عن الشيخ أبويعقوب يوسف بن إبراهيم السّدراتي الوارجلاني، ومن علماء وارجلان أيضا نجد الشيخ أبا زكريا يحي بن أبي بكر الوارجلاني عاش في النصف الثاني من القرن الخامس، وقد عاصر الشيخ أبا زكريا الشيخ يوسف بن موسى الدرجيني، وهوراوٍ ومفتي إباضي ينتمي إلى عائلة إباضية بربرية تقية عالمة، والدرجيني نسبة إلى درجين، وشهدت هذه المنطقة ظهور علماء أكفاء منهم أبوالعباس أحمد بن سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف الدرجيني، وهم من الرواة انتقلوا إلى وارجلان، وحظوا باحترام كبير من قبل "العزّابة"..

زاوية "تايغلا" قبلة الإباضيين

كما نجد الشيخ أبوعمار عبد الكافي الوارجلاني واضع قائمة الشيوخ، حسب ما أشار إليه المؤرخ المستشرق تاديوس ليفيتسكي فإن اسمه الحقيقي هو  أبوعمار عبد الكافي التناوتي الوارجلاني بن أبي يعقوب التناوتي، وهو مؤرخ وفقيه، يعود أصله إلى قبيلة تناوت البربرية، كان قسم منها يسكن في واحة وارجلان، وهو من مواليدها،  ويذكر الشيخ الورجلاني نسبه مفتخرا به فيقول في قصيدته الحجازية وبالضبط في البيت 299 والبيت 300: (أبي من بني برٍّ بن قيس بن باغطٍ وجدّ جدودي قيس عيلان بن آصر، ووالدتي من جدّ غسّان نسبها، وكان أبوها صالحا غير خاسر) إلى أن يقول في البيت 304: (لنا هِمَّةٌ تعلوا على كل همة وأموالنا توفي على كل دائر)، وكان الشيخ الورجلاني  يسكن في قرية تسمى: (تايغلا) إحدى واحات وارجلان، وتوفي فيها عام 1926، وقبره يوجد على بعد 10 أمتار من مغارة كان أبوعمار يقضي فيها أوقاته في التعبد والتقرب إلى الله، حتى تحولت إلى" زاوية " يقوم إباضيوا ارجلان اليوم بالزيارة إليها كل سنة، نظرا للدور الذي لعبه في تنظيم السلطة داخل المجتمعات الإباضية، وله الفضل في إعداد نظام الحلقة، ومن أعلام وارجلان كذلك نجد الشيخ أبوموسى بن سجميمان النفوسي الوارجلاني، أحد رواة قبيلة نفوسة ومن سكان واحة وارجلان، عاش في نهاية القرن الخامس والحادي عشر، وسجميمان اسم بربري غالبا ما يحمله الإباضيون.

تقول الكتابات أن الإباضيون أولى الفرق التي تصدت لـ: "الأزارقة"، والأزارقة هم أتباع نافع بن الأزرق الذي كان من بين حنيفة، وكانوا أقوى الخوارج شكيمة، وأكثرهم عددا، وفرقة الأزارقة من أشهر فرق الغلاة اشتهرت بالبدع والأباطيل، فقد كفرت عليًّا واعتبرت عبد الرحمن بن ملجم الذي اغتال علي رضي الله عنه شهيدا، فسر الأزارقة القرآن على هواهم وكفروا عثمان وطلحة والزبير وعائشة وعبد الله بن العباس، وأباحوا قتل أطفال المخالفين لهم والنساء أيضا، كما أسقطوا الرجم على الزاني لأنه لم يرد في القرآن بنص، وحرّموا على أنفسهم الصلاة مع غيرهم فحادوا عن الصواب، وخرجوا عن تعاليم الإسلام فكانوا خطرا على الإسلام، مما جعل جميع المسلمين في مواجهتهم ومنهم "الإباضيون" الذين أنكروا علاقتهم بفكر الخوارج الغلاة، وأثرت الحياة في مذهب الإباضية وأفكارهم حتى اقتربوا من مذهب أهل السنة في الكثير من الأمور والمسائل.

هل تأثر الشيخ الورجلاني بأفكار "إخوان الصفاء"؟

يذكر الشيخ الوارجلاني في قصيدته الحجازية وهي من الشعر العمودي بعض القبائل البربرية ومنهم قبيلة من معد بن عدنان يقال لهم (الحمراء) وقبيلة (مغراوة) إحدى بطون قبائل (زناتة) التي تعد من أكثر القبائل البربرية وهي بطن من لواتة، يعيش معظمها في المغرب، وقد سكن بعضها البحيرة بالديار المصرية على النهر بين الإسكندرية والعقيق الكبير ببرقة، ومنتشرة أيضا في الجزائر، كما يذكر قبائل زهانة البربرية التي سكنت شمال أفريقيا وبني فركال، وهي قبيلة بربرية وصفها الشيخ الوارجلاني بأسد البرابر على غرار بعض القبائل الأخرى، ويذكر قبيلة بني عامر ويصفهم بالمجد والشجاعة مثل الجواهر وأنهم قوم متدينون، حيث يرى النور في وجوههم، وأنهم ذوي أخلاق حسنة، إذ يقول في البيت الـ: 155 : (وجوههم مثل الدنانير زينة وأخلاقهم مثل النجوم الزواهر)، كما يذكر قبائل البُجَا وهي قبائل تعيش في مصر والسودان، ويبدوا أن الشيخ الورجلاني كانت له صلة بإخوان الصفاء حين ذكرهم في البيت 207 وذكر بعض منهم في البيت الذي قبله، ومنهم آس ولاس وابن الأعرك وعمر بن جابر.

أما المدن والقرى يذكر الشيخ الوارجلاني مناطق عديدة زارها في رحلاته ومنها (فزّان) ليبيا حاليا بين الفيوم وطرابلس الغرب ويسدي لأهلها الخير كما ذكر في البيت الـ: 32 بقوله: (جذى الله عنا جرمة وبلادها وفزان خيرا شاكرا غير كافر)، كما يذكر منطقة (الوطية) بمصر، يقال أن المسيح عيسى عليه السلام اغتسل فيه، ويذكر (الحَوْرَاء) وهي إحدى كور مصر القبلية، ومنطقة (حِسْمِي) وهي ارض ببادية الشام، ويبدوا من قول صاحب الحجازية أن هذه المنطقة جبلية، حيث وصف جبالها بأنها منيعة محصنة، ويوجد بها ضريح شيخ صالح لم يذكر اسمه في القصيدة..، ويذكر في قصيدته قرية الحُلـِيفَة بالمدينة المنورة عندما أدى مناسك الحج وزيارته قبر الرسول (صلعم) في البيت 71 عندما قال: (إلى قبر خير الخلق من نسل آدم..الخ، ويؤكد في البيت (من 102 إلى 110) قيامه بمناسك الحج، ثم يعود إلى ذكر بلده (وارجلان) في البيت 240 ويثني على أهلها بأنهم أهل الخير وأبوابها مفتوحة لكل طالب الخير.

    ويصف الشيخ الورجلاني مدينة وارجلان بأنها مدينة الخير والتمر وفيها تصلح التجارة فيقول في البيت 242 و243 : (فمن كان يبغي الحج فليأت وارجلان يجد سيلها رحبا وخضرة خافر) (من الضجّ أي الثمار والريح هي الغاية القصوى لجار مجاور) وهويذكر هذه المنطقة يشتد حنينه إلى الوطن والأرض والأهل فلا يجد من العزاء سوى التقرب إلى الله ومناجاته فيقول في البيت 252: (إلى الله أشكو طول همي وغمي وبنّي أي (البعد) وحزني من أمور سواجر، ولم يستثن الشيخ الورجلاني ذكر العراق وما حدث بشعبها، وعن الموصل يشير إلى مجيء الدجال وظهوره وظهور ياجوج وماجوج..، وفي أبيات أخرى يذكر الشيخ الورجلاني نسبه مفتخرا به فيقول في البيت 299 والبيت 300: (أبي من بني برٍّ بن قيس بن باغطٍ وجدّ جدودي قيس عيلان بن آصر، ووالدتي من جدّ غسّان نسبها، وكان أبوها صالحا غير خاسر) إلى أن يقول في البيت 304: (لنا هِمَّةٌ تعلوا على كل همة وأموالنا توفي على كل دائر). (للمقال مراجع).

 

علجية عيش

 

 

محمد السعديفي مطلع السبعينيات وعلى التخوت العتيقة لمقاهي قرية الهويدر في محافظة ديالى، كان يدب همس حديث يومي بين جالسيه تلك المقاهي حول آمور البلد السياسية مقروناً بالتحليل والتنبؤات عن شراكة سياسية قادمة بين البعثيين والشيوعيين، وطوي صفحة الماضي القريب المخضبة بالدم والعداء. كان أسم المرحوم عامر عبدالله هو الأكثر تردداً على مسامعي، وأنا الصغير ومازال عودي غضاً في الفهم والأستيعاب، لكنه في الأيام القادمة ترك علامة في مسيرتي السياسية ليس لي وحدي بل مئات من شيوعيي فترة الجبهة الوطنية مع البعثيين، كان أسماً لامعاً في صدارة تلك الاحداث ومعطياتها .

عامر عبدالله.. الشخصية الشيوعية والمفكر الأهم وربما الأوحد في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية على مدى صفحات تاريخها. ولد العام ١٩٢٤ في مدينة عانه لواء الدليم في عائلة عربية عريقه في تقاليدها وأنتمائها الوطني . أنتقل الى العاصمة بغداد في مقتبل شبابه وأنخرط في العمل السياسي في وقت مبكر . تعرف في بغداد على أبن مدينته عانه عزيز شريف رئيس حزب الشعب وجريدته (الوطن)، وبسبب ظروفه الصعبة في العاصمة بغداد وفر له أبن مدينته عزيز شريف سكن داخل بناية جريدة الوطن بين أكوام الحبر والورق وركامات المطبعة . ومن نوافذها بدأ يرصد الاحداث ويكتب ويحلل ويشارك في المظاهرات ضد سياسة النظام الملكي مما تعرض الى الملاحقة والأعتقال . سافر الى بيروت بعد رؤيته مشانق ساحات أعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي (فهد، حازم، صارم، يهودا صديق)، في ١٤ شباط ١٩٤٩ .

في بيروت تعرف على قادة الحزب الشيوعي اللبناني وشخصيات من القوى الوطنية وللأطلاع على ظروف البلد السياسية قربته أكثر من الفكر الماركسي وتعمقه به، وعندما عاد الى العاصمة بغداد أنضم الى الحزب الشيوعي العراقي ليتدرج في أعلى تراتيبه وليصبح من أهم قادة الحزب ومن ألمع مفكريه .

في سنوات لاحقة من مسيرة النضال تعرفت بشكل قريب ووثيق على الراحل عامر عبدالله، وذاكرتي مليانه بصور مختلفة الابعاد بعضها مغطاة بالغبار . في دمشق عام ١٩٨٨ وعن طريق بعض الرفاق والاصدقاء ألتقيت بالراحل عامر عبدالله لأول مرة في بيته الكائن في منطقة محي الدين، وجدته كما قرأت عنه وسمعت من بعض المقربين منه بتواضعه الجم ودماثة أخلاقه وبساطته المتواضعة وعمق موسوعته الفكرية والسياسية وقدرته على تحليل الأحداث وأبعادها التاريخية . كثرت لقاءاتنا بزياراتي المستمرة الى بيته في دمشق، وتعززت أكثر بعد معرفته أني أبن أخت الشهيد الضابط الشيوعي خزعل السعدي، وأطلاعه بشكل مفصل على مواقفي وتعرضي الى الاعتقال في بناية الشعبة الخامسة وأساليب التعذيب التي تعرضت لها ونجوت بأعجوبة .

وفي فحوى تلك اللقاءات ومصير حياتي في العيش الصعب في دمشق، بدأ الرجل يقترح عليه جملة حلول بالمساعدة في ترتيب حياتي بتجاوز الأزمات المتلاحقة التي لاحقتني من تجربة الجبل الى التسلل الى بغداد والإختفاء بها الى ظروف الاعتقال والى أن وطأت رجليه أرض دمشق بلا عمل أو أفق قريب يلوح بحل قريب لوضعي المعيشي . كانت أكثر الحلول القريبة والممكنة هو حصولي على الجواز اليمني لأتمكن من خلاله السفر من سوريا باتجاه أوربا، في وقت صعب قررت به الحكومة اليمنية الجنوبية بوقف منح جوازات سفر الى العراقيين والفلسطينيين للضبابية في مواقفهم وعلى ضوء تلك التداعيات على الاحداث الخطيرة التي شهدتها اليمن والأحتراب الداخلي بين رفاق الأمس أدت ضياع أفق تلك التجربة الفريدة من نوعها في المنطقة . 

في هذا الأثناء من بدايات العام ١٩٨٩ . سافر المرحوم عامر عبدالله الى العاصمة عدن على ضوء دعوة رسمية من حكومة اليمن الجنوبية الجديدة (علي سالم البيض) أثر الأقتتال الداخلي الرفاقي شهر يناير ١٩٨٦ قتل على أثرها عبد الفتاح أسماعيل وعلي عنتر وعلي شايع هادي وهرب علي ناصر محمد ورفاقه الطرف الثاني في الصراع والتصفيات الى اليمن الشمالي ليستقر به الحال في دمشق العاصمة، فذهب المرحوم عامر للاطلاع على مقتضيات الوضع الجديد بعد حمامات الدم التي سالت في شوارع عدن، ووضع خطة خمسية للبلد لتجاوز عقبات أحداث الماضي والنهوض بالبنية التحتية في البلد، كان قد أملني المرحوم عامر عبدالله في حال وصوله الى عدن سيبذل جهود مع المسؤولين هناك من أجل حصولي على جواز يمني، بعد أيام من وصوله أتصلت بي السيدة بدور (أم أريج) زوجة عامر عبدالله الموظفة في السفارة اليمنية بدمشق . وأبلغتني مع باقات تهاني لقد تمت المواقفة على حصولي على جواز يمني وما عليه الأ أن أذهب الى السفارة اليمنية في دمشق حاملاً صور شخصية لأجل أستلام الجواز .

بعد أيام عاد الى العاصمة دمشق الراحل عامر عبدالله حاملاً في ذهنه عبأ ثقيل عن تداعيات الاحداث في اليمن وتأسفه على ما أصاب شعب اليمن من ويلات وتشظي وضياع التجربة ومواقف الرفاق، وأعلن عن رغبته في الأنتقال الى العاصمة التشيكية (براغ) حسب قوله .. سأقضي آخر عمري هناك وسأجهد نفسي في كتابة مذكراتي حول تجربتي السياسية، وأضاف لي أملاً، عندما أجد هناك فرص متاحة في براغ من خلال الرفاق للسفر الى بلدان اللجوء سأبعث لك خبراً في المجيء لنا . وفي غضن عدة أسابيع، أستلمت رساله من باقر أبراهيم (أبو خولة) أن أتوجه الى العاصمة (براغ)، وسعدت بها ولملمت حالي وحزمت حقيبتي بإتجاه العاصمة (براغ) . وصلت لها يوم ١٥ آيار ١٩٨٩ الى مطار العاصمة، وكان في أستقبالي الراحل عامر عبدالله في المطار، وكان يوم مشمس ودافيء، ورافقته في سيارة تاكسي الى بيته الجميل في أطراف مدينة براغ .

في مساء اليوم ألتقيت مع الرفاق بسهرة في قصر الثقافة التشيكية، بالاظافة الى عامر عبدالله، المرحوم حسين سلطان، عدنان عباس، عبد الحسين شعبان، رواء الجصاني، نجم الدليمي .. وآخرون . بقيت عشرة أيام في مدينة براغ الجميلة، كنا يومياً نتجول في المدينة نلتقي برفاق وأصدقاء وأحبة، والشوارع تغص بالشبيبة الشيوعية فرحين مسرورين، يتعانقون بقبل طويلة للتعبير عن حبهم للحياة، لكن لم يدر في خلدهم أن بعد عام ستغتال تلك التجربة، والحديث الذي يستهوينا والطاغي هو العراق ونية النظام في توجهات جديدة حول التعددية والمفاوضات والعودة بعد نهاية الحرب العراقية / الإيرانية، ووصول الوسيط الدائم  للوساطة والمفاوضات، الشخصية الشيوعية مكرم الطالباني حاملاً في جعبته توجهات جدية في الخروج من الأزمة والعودة الى الميثاق الوطني . وعلى آثر تلك التطورات أخرت قليلاً من أندفاعي نحو التوجه الى مملكة السويد، أملاً في إيجاد صيغ للتفاهم والأعلان عن أنفراج سياسي، ففضلت العودة الى بغداد بدلاً من التوجه الى طلب اللجوء السياسي . وكان هناك توجه عام بهذا الاتجاه بما ضمنهم الحزبين الكرديين الأتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، لكن في اللحظات الأخيرة أحبط المشروع، عندما حمل المرحوم عبد الرزاق الصافي وثيقة الأتفاق الى العاصمة دمشق، هناك توقف كل شيء ؟. وأنتهى .

كان المرحوم عامر عبدالله لايخفي توجساته من أزمة فكرية وسياسية ستحل في بنية الحزب وتطلعاته وعلاقته بالجماهير مما حصل في خيمة المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي العراقي في منطقة (آرموش السفلى)، وشبهها بأحداث قاعة الخلد عام ١٩٧٩، عندما ذبح صدام حسين رفاقه . في خيمة المؤتمر الرابع تم عزل ٢٦ عضو لجنة مركزية، وشمل حتى ممن رحل عن الحياة . ومنح عزيز محمد بعد أن أعيد تعينيه سكرتيراً للحزب بأختيار عشرة رفاق جدد للجنة المركزية، مما أطلق عليهم العشرة المبشرة في الجنة، وأستمروا لسنوات واحد داخل والآخر خارج رافضه عزرائيل . 

بدأت أبحث عن مخارج للوصول الى السويد، فذهبت برفقة الدكتور عبد الحسين شعبان الى السفارة البولندية في العاصمة براغ للحصول على فيزة لجوازي اليمني، فتعرقلت في غياب السفير اليمني، وفي عودتنا الى بيت عامر عبدالله، توصلنا الى حل، قام به الدكتور شعبان فحصلت على الفيزة، وبعد يومين ودعني المرحوم عامر في المحطة العالمية لحركة القطارات بإتحاه العاصمة وارشوا . في يوم ٣ حزيران ١٩٨٩ وطأت قدماي رصيف مدينة إيستاد السويدية في رحلة مضنية وصعبة عبر باخرة بولونية عملاقة .

عاش الراحل عامر عبدالله أخر أيامه في العاصمة لندن، ولم تنقطع زياراته الدائمة الى العاصمة (أستوكهولم) ضيفاً عند قريبته السيدة هيفاء (أم هند)، وكنت على تواصل دائم معه لحين رحيله المر في شقته بالعاصمة لندن يوم ٢٩ كانون ثاني ٢٠٠٠ .

ومازال حول رحيله سجالاً، وأراء وأفكار وكتب ورسائل أطروحه حول منجزاته الفكرية الكبيرة ودوره السياسي البارع ورؤيته الثاقبة للاحداث .

سطور من كتاب في قيد الاعداد .

 

محمد السعدي – مالمو

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن أمين الخولي بين سلبية التقليد وإبداعية التجديد، وفي هذا يمكن القول: كان أمين الخولى يجسد أزمة دعاة الإسلام السياسي الذين يرفعون شعار «الإسلام هو الحل» دون امتلاك برامج حقيقية تكشف كيف يكون الإسلام هو الحل، ولكنهم بهذا الشعار يستطيعون امتلاك قلوب العامة، والسيطرة على الرأي العام، مطالبًا بضرورة التعميق في النظر إلى الإسلام لأنه محاولة إصلاحية كبرى لتنظيم روابط الجماعة الإنسانية (وذلك حسب قول سلمي كحيل في مقالها بفيتو بعنوان أمين الخولي المجدد بما لا يخالف شرع الله).

تقول عنه حفيدته الدكتورة يمنى طريف الخولي، أستاذ فلسفة العلوم المتفرغ بكلية الآداب فى جامعة القاهرة في كتابها "أمين الخولى – الأبعاد الفلسفية للتجديد"، إن " جدى شخصية عملاقة في تاريخ النهضة المصرية والحداثة العربية، عطاؤه باذخ فى كثير من المجالات، متعدد الزوايا، والصلب المحوري والإطار الهيكلي يتلخص فى كلمتين هو أنه شيخ المجددين بلا منازع، فهو شيخ المجددين في الأصولية وشيخ الأصوليين في التجديد".

وتقول د. يمنى طريف فى كتابها: «كان الخولى يبث أصول التجديد في كل المجالات المتصلة بإسهامه: التجديد فى اللغة ونحوها، فى البلاغة وجمالياتها، فى الأدب ونقده، فى تفسير القرآن وفى الفكر الديني وقد تشكلت معالم تجديد الفكر الدينى فى خريطة الفكر العربي الحديث بفعل جهود دءوبة للرواد، يتقدمهم الشيخ محمد عبده «1849-1905» والذى يؤكد على هذا الاتجاه العلمي فيقول: «لو أردت سرد جميع الآيات التى تدعو إلى النظر فى آيات الكون لأتيت بأكثر من ثلث القرآن بل من نصفه»، ومن هنا كان الأصل الأول من أصول الإسلام عند محمد عبده هو النظر العقلي لتحصيل الإيمان، والاصل الثاني هو تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض بينهما، وكان محمد عبده بهذا يعلن حقوق الفكر الحر، كما أبرز جناية الجمود ونتائجه على اللغة والنظام والاجتماع والشريعة وأهلها وعلى العقيدة ونظم التعليم.

وتشير يمني الخولي (مع حفظ الألقاب) إشارة مهمة وهى حاجتنا إلى مناخ يؤكد على التعدد وحرية التفكير والتعبير وإعمال الملكة النقدية فى النظر إلى الأمور فتقول: «لقد كانت مرحلة توهج الثقافة العربية، والتوثب الطامح للعقل فيها فى أعقاب ثورة 1919 حيث انطلقت الجهود فى جملتها من الثابت البنيوي فى حضارتنا / النص الديني والتراث نحو استشراف روح العصر وقيم الحداثة التي تبلورت فى تجربة الحضارة الأوروبية و كانت انطلاقة أسهمت فى ترسيمها خطوط متفاوتة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، مواءمة من أعمق جذور الأصالة إلى أبعد آفاق المعاصرة، خطوط سلفية وإصلاحية وتحديثية وعلمية وعلمانية توفيقية وليبرالية واشتراكية تحاورت جميعها فى أجواء متفتحة مواتية نجدها الآن أكثر مواءمة لقيم العقلانية النقدية واشد نزوعا لغاية «التجديد".

وتقول يمني الخولي :" أن تجديد الفكر الديني عند الخولى قد انطلق من نقطة شديدة الأهمية والتميز في تراثه ألا وهى تشغيله الحذر البارع لمقولة التطور والانتخاب الطبيعي، النشوء والارتقاء والبقاء للأصلح وهى النظرية التي قال بها دارون، وهى محاولة لوصف وتفسير نشوء ظاهرة الحياة على سطح الأرض، وارتقائها عن طريق الانتخاب الطبيعي" .. وقد استلهم الخولى هذه النظرية وطبقها على مظاهر الحياة المختلفة من المعنويات العقلية والأمور العملية فرأى أن سُنة النشوء والارتقاء تجرى فى جميع أعمال الأفراد والأمم، وتغيرات حياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأدبية ووفق هذه النظرية وتطبيقاتها كما يرى الخولى أن الجماعات ترقى، وتنشأ الحكومات والصناعات، والمتاجر والآداب والعلوم والفنون من أصل بسيط تغير وتطور وتنافس على البقاء والحياة مع غيره فيبقى الصالح للحياة ويفنى العاجز منها، ومازال الأمر على ذلك.

ومن الأطروحات المهمة فى كتاب د. يمنى طريف الخولى التركيز على ارتباط تجديد الفكر الدينى بالتطوير التجديدي لقضايا اللغة العربية ونحوها وبلاغتها وقد رآهما أمين الخولى قطبين متعامدين وأن تجديد الفقه مقدمة لتجديد النحو لأن أصول النحو قائمة على الفقه عند القدماء، فقد كان الدرس اللغوى الحلبة الأولى لنضاله من أجل الاجتهاد والتجديد وتأثيم التقليد، مستندا إلى أصل عريق هو إجماع النحاة القدامى على ذم التقليد، وحتى فى عصور الانحطاط أغلق الفقهاء باب الاجتهاد ولم يفعل النحاة مثلهم، ورأوا الاجتهاد قائما فى كل آن ومكان وإلا عجزنا عن ضبط وتفهم ما نقوله، وهكذا أعمل سنة النشوء والارتقاء فى اللغات ورأى أن التفسير التطوري للغة هو مفتاح من مفاتيحها هافا لبيئة الطبيعية المادية التى تعيش فيها اللغة والظروف النفسية والعقلية لمتكلميها وأنماط الحياة التى يحيونها، وتوارثها بين الأجيال وعوامل عديدة يصعب حصرها تؤثر فى تطور اللغة.. ومن هنا خلص الخولى إلى أن مواجهة الإسلام للتغيرات لا مفر منها فالبيئات المتغيرة لها حاجات متغيرة ومتطورة، ولذا كان الاجتهاد أساسا لمواجهة التغيرات وكذلك الاعتراف بحق الإنسان فى تفسير وتدبير حياته، وتخلص الباحثة إلى أن تشغيل الخولى الحذر البارع لمقولة التطور جعلته يرى التجديد التطوري ينفصل تماما عن تصور قديم له يحصره فى مجرد إحياء ما اندثر أو إعادة قديم كان.. فالتجديد عنده هو اهتداء إلى جديد سواء أكان هذا الجديد بطريق الأخذ من قديم كان موجودا أم بطريق الاجتهاد فى استخراج هذا الجديد بعد أن لم يكن.. ورأى الخولى أن فكرة التجديد أصل من أصول الدين حتى أنه لا يجوز فى عُرف" السيوطى" خلو العصر من مجتهد، بل نظم السيوطى شعرا أسماه «تحفة المهتدين فى بيان أسماء المجددين» ويلاحظ الخولى أن الكثرة المطلقة منهم " رجال أنجبتهم وعلمتهم مصر ذات الفضل العتيد على المد نية منذ عرفها بنو آدم".

وتضيف يمني الخولي: التجدد عند أمين الخولى فلسفة للفكر والخطاب الدينى ورسالة حضارية ومهمة ثقافية، فالنص الدينى عنده رحلة حضارية يطلق عليها الدوائر المعرفية التى تجعله يحلق حول هذا النص.

وتستكمل: «الخولى يعطينا مثالا نموذجيا منشودا عن حديث الأصالة وتأصيل الحداثة، لا شطط لا ذات اليمين ولا ذات اليسار، لا يميل إلى الحداثة الغربية ولا يميل للأصالة، فينجرف إلى الاغتراب عن الزمان، فهو رائد التنوير الفعال الذى يعنى تأصيل الحداثة وتحديث الأصالة، وكان ميدان عمله وخامة بحثه هو التجديد والبحث عن الأفكار الجديدة، كما انه احترم الخصوصية الثقافية للأمة الإسلامية وسعى لتحديث الواقع استجابة لتحديات العصر الراهن".

وترى «الحفيدة» أن جدها كان لديه تصور للفكر والحياة كإنسان فذ الشخصية، وكعالم لغوى لا يُشق له غبار، وكأستاذ من جيل الرواد الذين اضطلعوا بعبء تمصير الجامعة، وكمفكر هو واحد من التجديديين العِظام. وتقول: كنت طبعًا قد قرأت له وعنه بعض الشيء، فى إطار قراءاتى الغزيرة المتنوعة، ومنذ بواكير الصِّبا لا يمر عليَّ يوم دون أن أفتح كتابا له.

وتتابع: أعترف بأنني لم أكن أتوقف إزاء قضية التجديد ومجدديه وضرورته الحضارية، وأبعاده الفلسفية وتشغيلها فى منظومتنا الثقافية، لم أكن لأتوقف بإزاء هذا منذ البداية وحتى لقائى الحقيقى الواعد بأمين الخولي.

وعندما تطلع على «كتاب الخير» و«مناهج تجديد» و«المجددون فى الإسلام» تجدها كتبا متقدمة فى مجالها، ومن يقترب من الجذوة المضرمة فى عقليته وفى أسلوبه لطرح الأفكار القادرة على تثوير كل خلجة بعقل المتلقي، فى خضم وابل من المنهجية والرصانة والدقة والعمق والاستنارة التى تفيض بها أعمال الخولي، كذلك توضح حفيدته: أنا أتتبع الخولى فى جولاته بأنحاء التراث وصولاته لتجديده، كنت أستجمع فرائد كنز من الأصول المنهجية للنظرة الحضارية التى لا تنفصل أبدًا عن ذاتها وعن تراثها، ما دامت تراه قابلًا للتجديد والتطوير، وأدركت كم كان بصرى حسيرًا، وكانت تلك فاتحة لسلسلة من الزلازل.

وتختم د. يمنى الخولى كلمتها عن جدها، فتقول: «رفع الخولى شعاره الشهير والسديد «أول التجديد قتل القديم فهما وبحثا ودراسة»، أما إذا مضى المجدد برغبة فى التجديد مبهمة، وتقدم بجهالة للماضى وغفلة عنه، يهدم ويحطم، فذلكم - وقيتم شره - تبديد لا تجديد، هكذا كان الخولى يبث ويشمئز ويتهكم على كل من لا يفعل ذلك".

وحول فكر التجديد عند الشيخ أمين الخولي، يقول الدكتور أحمد سالم، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة طنطا وصاحب كتاب " الإسلام العقلاني التجديدي الديني عند أمين الخولي": " التجديد عند الخولى هو حماية للدين، وجعله مسايرا لتغيرات الحياة، ويبدأ التجديد عنده من استيعاب القديم وتجاوزه، وضرورة التحرر من الماضي، والتقيد به والوقوف عند حدوده التى وقفت بطبيعة الأمور عند المستوى العقلي والاجتماعي لأهل هذا الزمن الماضي، ويتجه التجديد بعد ذلك من خلال إدراك الكليات العامة التى جاء بها الإسلام، وتقديم رؤية مستنيرة لها وفقًا لظروف المجتمع، ومتطلبات الواقع".

ويضيف "أحمد سالم" (مع حفظ الألقاب): «تمحورت دعوة التجديد عند أمين الخولى فى التركيز على البعد الاجتماعي للإسلام، أى على البعد الدنيوي، ولم يخض كثيرا فى الإطار الغيبي للإسلام إلا باعتباره دافعا للحياة الدنيا، وبدا له الإسلام محاولة إصلاحية كبرى لتنظيم روابط الجماعة الإنسانية، وتنسيقا للنفس البشرية فى صور وجودها المختلفة، من وجود فردى مستقل، ووجود جماعي شامل، على اختلاف أحوال الجماعات التى يندمج المرء فيها، ويرى الخولى أن الإسلام لم يأت في المشكلات الاجتماعية بغير الكليات العامة القابلة للتفسير فى كل زمان، فالقرآن عودنا فى تدبيره الاجتماعي ألا يمس سوى الأصول الكبرى للإصلاح تاركا وراء ذلك من تفصيل للتدرج الحيوي، والجهاد العقلي الإنساني، لينتفع فى ذلك بكل ما يسعفه عليه نشاطه، ويؤهله له تقدمه، ويقدر الإسلام في ذلك اختلاف الأحوال وتغير الزمان، وفى ضوء الكليات العامة للقرآن رأى الشيخ أمين الخولى مشكلة المال فى القرآن، فيرى أن القرآن قدر للإنسان حب التملك».

ويشكل مفهوم التطور مفهوما أساسيا في بنية خطاب النظر والتحليل عند الخولي، ولا يرتقي لأن يمثل مفهوما تفسيريا ف بحثه عن التجديد الديني، يقيس عليه، ويرجع إليه دائما، وينظر إلي القضايا من خلال نسبتها إليه، وهو من أكثر المفاهيم تواتراً في كتابه:" ( المجددون في الإسلام)،، وبشكل يلفت الانتباه حقا لشدة بروزه وحضوره .

وحين توقف أحمد سالم عند هذه الملاحظة، أرجع تفسيرها إلي تأثر الخولي بنظرية التطور عند دارون، حيث عقد فصلا في كتابه:" الجذور العلمانية في الفكر التجديدي عند امين الخولي)، تناول فيه أثر نظرية التطور علي فكر الخولي . وفي هذا الفصل أشار أحمد سالم إلي ما أسماه دفاع الخولي عن نظرية التطور، وتأكيده علي أن دارون وأتباعه من الدارونيين لم ينكروا الألوهية، ورفض القول بأن الإسلام يعارض نظرية التطور، وسعيه لتأصيل هذه النظرية ليتخذ منها رؤية منهجية وفلسفية، يستعين بها في التجديد اللغوي، والتجديد الديني، وفي دراسة تاريخ الأديان .

وعلي أساس هذه الفرضية بني أحمد سالم أطروحة ( كما يقول زكي الميلاد في دراسة له بعنوان أمين الخولي والمجددون في الإسلام) كتابه المذكور، وأخذ يشرح أثر نظرية التطور في موقف الخولي من التجديد اللغوي والديني، وفي العديد من القضايا الأخرى، وخلص إلي أن الخولي وظف نظرية التطور من أجل إعادة بث الحياة والروح في الفكر الديني، ولهذا كان تأثر الخولي بهذه النظرية في نظره، عاملاً فعالاً في تجديده للتفكير الديني.

وبعد أن اختار الخولي مفهوم التطور في التعبير عن معني التجديد، جاء حديثه عن أسس الطتور في الإسلام، بدل عنوان أسس التجديد في الإسلام، ويعد هذا البحث من أكثر مباحث كتاب الخولي تميزاً، وأكثرها تعبيراً عن جوهر أطروحته في التجديد الديني، ويعتقد الخولي أن من ينظر بعمق وسعة أفق إلي الصورة العامة للإسلام بوصفه ديناً ونظاماً اجتماعياً عملياً، يتضح له انه يحمل أسساً للتطور تهيئه لذلك، وتعده لتحقيقه في يسر، ودون مصادمة لشئ من تطور الدنيا حوله نظرياً وعملياً، لتطور الذي يمضي متوثباً جريئاً حسب قوله ؛ لأن الواقع الذي لا مفر منه ولا محيد عنه .

وفي نهاية حديثي عن سلبية التقليد وإبداعية التجديد عند أمين الخولي لا أملك إلا أن أقول: رحم الله أمين الخولي والذي كان واثق الخطوة في كل مواقفه. كان مجدداً ولم يكن مقلداً بأي وجه من وجوه التقليد. والمجدد ينظر إلى الأمام، والمقلد ينظر للخلف والعياذ بالله، المجدد يمثل النور، والمقلد يمثل الظلام، ألم يقل الفيلسوف ابن سينا في دعائه إلى الله تعالى: فالق ظلمة العدم بنور الوجود. ومن حكمة الله تعالى أنه خلق عيوننا في مقدمة أدمغتنا، ولم يوجدها في مؤخرة الأدمغة. كانت كتابته تمثل شلالاً متدفقاً من الحكمة والمعرفة، وإن كان أكثرهم لا يعلمون، وتعد بحراً على بحر، إنها تعد نوراً على نور، ويكفيه أنه حارب طوال حياته حياة الظلام والتقليد، إنه مدرسة كاملة، وإذا كانت روحه قد صعدت إلى السماء، فقد صعدت إلى عالم الخلود والبقاء واستراحت من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

فتحية طيبة للمفكر المبدع أمين الخولي الذي كان يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

بارك الله لنا في أمين الخولي قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين"، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنسانا نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد علييعد الدكتور أمين الخولي (1313-1385هـ-1895-1966م) واحداً من أهم وأشهر المفكرين المصريين المعاصرين الذين أرسوا دعائم منهج التجديد والاستنارة، فهو أول من رفع شعاره الشهير والسديد "أول التجديد قتل القديم فهما وبحثا ودراسة، أما إذا مضى المجدد برغبة فى التجديد مبهمة، وتقدم بجهالة للماضي وغفلة عنه، يهدم ويحطم، فذلكم - وقيتم شره - تبديد لا تجديد"، وهذا ما جعله يجتهد وفق اجتهاد عصره ويهتم بجملة من القضايا الدينية المعاصرة ليصبح إمام المجددين.. ولقد كان رحمة الله ظاهر الرجولة، بارز الشخصية في آرائه، معتدا بها معتزا بنفسه وبامتيازه في فكره وعلمه، رصين الأسلوب قوي الحجة، متصل الجدل لا يهين لطوله ولا اللدود في خصمه .

كان أمين الخولي (مع حفظ الألقاب) عظيما في كل شئ : في عقله، وفي رهافة حسه، وفي شجاعته، وفي اعتداده بكرامته، وفي عزة نفسه .. كان رجلا منفتح الفكر يؤمن بكرامة العقل الإنساني، ويثق في قدرته علي اختراق الحجب . وكان أبي النفس، شامخ الهامة، لم يتزلق قط إلي أدني بادرة يشتم منها التزلف، أو حتي التقرب إلي أحد .. خاض أقرانه معارك السياسة، وتلونوا ما شاء لهم الهوي، ولكن الأستاذ ظل عزيز النفس، مؤمنا بمصر وحدها، يترفع عن الاشتراك في مهاترات الأحزاب، ويوجه للشباب منذ أكثر من ربع قرن نداءه الحكيم: "أيها الشباب آمن بالوطن واكفر بالسياسة ".. وكان صلب الرأي يؤمن بالمبادئ لا بالشخاص، لا تفلح قوة - كائنة ما كانت – في زحزحته عما كان يؤمن به .. وكان الأستاذ علي صلابته إنساناً عظيما حقا، يوحي إليك شعور الأبوة الحانية الحازمة في آن واحد .. كان كريما جوادا بشهادة كل تلاميذه، واسع العقل .. وكان أكثر أبناء جيله حدباً علي الشباب وعناية بهم، يفتح لهم صدر مجلته " الأدب"، ولكنه لا يتواني عن أخذهم بالشدة كلما لمس منهم تهاوناً أو فتوراً .. وكان حكيماً قوي العقل، ولا يضطرب لأحداث الحياة، ولا يفلت منه زمامه قط .. وكان شخصيته مزاجاً فريداً من القوة والرحمة .. كان متعدد الجوانب، واسع الثقافة .

كما كان أمين الخولي أديب من كبار حماة اللغة العربية، ومصريا أصيلاً معادياً للاحتلال الإنجليزي مطالبا باستقلال الوطن ومؤمناً بوحدة الشعب العظيم، وابناً باراً للثورة الشعبية الكبرى 1919.. ونُفي مع سعد زغلول إلى سيشل..عُرف بزيه الأزهري المميز، ووقاره المهيب، وبريق عينيه وملامحه المتفردة... وقال عند "الدكتور لويس عوض": (كل من جلس بين يديه يتلقى العلم عليه ارتبط به المسحور بالساحر.. من عرفه لا يمكن أن ينساه). كان أمين الخولي يؤمن إيماناًً عميقاً بالشباب، ويؤمن أنهم أصحاب الغد، فدعاهم إلى إيجاد القادة الصادقين . وعاش يفكر في الغد لا في الأمس.. يدفع أبناءه ومريديه إلى العيش في المستقبل برأيهم لا برأي يملى عليهم أو يستوردونه من بلد آخر.. كان من أجهر الدعاة إلى الحرية الفكرية .. ويرى الحرية وسيلة الحياة الكريمة. لقد أخذ منهاجه في أستاذيته عن "عاطف بركات" من المحدثين وعن "الإمام الشافعي" من المجددين القدامى. وكان الأساس النظري عنده في الرأي والرأي الآخر: (أن الاختلاف في الآراء والتقاتل على المبادئ من نواميس الحياة على الأرض، وليس ظاهرة تحلل ولا إشار فساد)، وكان يؤمن بوحدة أصل البشرية. وبجودة المصير الإنساني، فلا يصح تداعي بعض الناس في مختلف الأسر بأفضلية تميز، وأجمل زميله وصديقه "أبو الفرج السنهوري" صـفاته التي تميز بها هذا الأستاذ" (جبار العقل، عميق الفكر، حلو المنطق، قوي الحجة، رصين الكلام، غزير العلم في أدب عظيم).

وكتب عنه تلميذه الشاعر "صلاح عبد الصبور": "كان أكثر ما يؤلمه أثناء الدرس أن يجد طلابه يسلمون برأيه، لا يجادله أحد فيهم، عندئذ تنقطع الدائرة وتخبو النار. أما إذا إرتقت العقول، وإصطرع الرأي بالحجة، عندئذ ينفجر وجه الخولي المقطب، ويشتد لمعان عينيه، وتفيض الفتوة العقلية والذهنية من مكامنها وتتألق الحكمة".

وقد ولد أمين الخولي في الأول من مايو سنة 1865م في قرية شوشاي في مركز أشمون بمحافظة المنوفية، ثم دخل مدرسة لافيسوني في القاهرة ثم مدرسة المحروسة. حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره. وتخرج من مدرسة القضاء الشرعي تزوج الدكتورة عائشة عبد الرحمن وأنجب منها 3 أبناء. وقد الخولي عين مدرساً في مدرسة القضاء الشرعي في 10 مايو عام 1920 م، وفي 1923، ثم عين إماماً للسفارة المصرية في روما، ثم نقل إلى مفوضية مصر في برلين عام 1926، وبعد ذلك عاد عام 1927إلى وظيفته في القضاء الشرعي، وعلي إثر ذلك انتقل إلى قسم اللغة العربية بكلية الآداب 1928، وأصبح بعد ذلك رئيسا لقسم اللغة العربية، ثم وكيلا لكلية الآداب في 1946، ثم عين عام 1953 مستشارا لدار الكتب، كما عمل مديراً عاما للثقافة حتى خرج إلى المعاش أول مايو 1955م، وقد كتب في عديد من الصحف والمجلات وأصدر العديد من الدراسات والأعمال الإبداعية، ثم أسس جماعة الأمناء عام 1944، ومجلة الأدب عام 1956، وقد اختير عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1966.. إلي أن توفاه الله في الساعة الثالثة بعد ظهر يوم الأربعاء التاسع من مارس عام 1966 ودفن في قريته شوشاي. وتقول الكاتبة تلميذته وزوجته د. بنت الشاطئ:«على عيني اقتحم ناس غرباء مخدعه لتجهيز جسده للرحلة الأخيرة...».

لقد رحل عنا أمين الخولي بعد أن فتح لنا ميادين الأدب والبلاغة واللغة والتفسير مجالات عديدة ملآها بما كان له فيها من فكر مبتكر، ورأي محكم، وبيان رصين، مما اقتضاه عملاً دائباً، ودعوة مدوية في تأليف متتابع وبحوث متساندة، ضمنها كثيرا من آرائه في اللغة والأدب والنحو والتفسير، وهي آراء تشهد له بسمو الموهبة وعمق التكفير وسلامة الوزن ورائع البيان ؛ مما جعله إماما من أئمة نهضتنا الأدبية الحديثة – التي يراد بناؤها علي ما في القديم وخير ما جاءت به الحضارة والمعرفة من جديد – ورائدا في الدراسة المنهجية الفكرية التي هدي إليها في دروسه وأيدها بخبرته وبيانه ومقاييسه، وكان ذلك فيما نشره علي الناس في المجلات المختلفة، وفيما أخرجه من رسائل قيمه  وذلك حسب  قول ما الأستاذ الشيخ علي الخفيف بمجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1969 .

اشتهر أمين الخولي بقلة كتاباته رغم أهميتها البالغة،منهجيا وفكريا ومعرفيا، وكان يقول أنه مثل سقراط ومعرفيا، وكان يقول أنه مثل سقراط يفضل أن يعيش في تلاميذه وليس في كتبه . ومن أهم مؤلفاته في الأدب واللغة والمنهج :" اللاغة وعلم النفس" عام 1939، و"علم النفس الأدبي " عام 1944،و" وهذا النحو " عام 1934م، و"رأي في أبي العلاء" عام 1944م، و" فن القول عام 1946، و" مشكلات حياتنا اللغوية " عام 1958، و" مناهج التجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب"، ومالك بن أنس عام 1951 في ثلاثة مجلدات، وأصدر ملخصاً عام 1962 بعنوان " مالك، تجارب حياة" مع مقدمة جديدة انتقد فيها طريقة عباس العقاد في كتابه سير حياة أو تراجم الأعلام، و" المجددون في الإسلام" عام 1965. وفيه كتب عن خلفاء: كعمر بن العزيز وأئمة الفقهاء (كالشافعي الإمام)، وكتبه الثلاثة في التفسير تحت عنوان :" من هدي القرآن"، وهي : " في أموالهم" ثم " في الحكم" ثم " القادة والرسل" عام 1952.

كما أن له عدداً من المسرحيات، إذ كان مهتما بفن المسرح، وأكد أنه فن يكتمل بالعرض المسرحي، وليس نوعا أدبيا وأنه فن يعتمد علي: مقارعة الحجة بالحجة وعلي حوار الأفكار . إضافة إلي عشرات من الأبحاث في مختلف مجالات اهتمامه العلمية والفكرية . وكتب تسعة مقالات بالغة الأهمية في الطبعة العربية من دائرة المعارف الإسلامية، هي مقالات عن مواد :" بلاغة " و" التفسير" و" سلام" و"سيرة " و"شريعة" و" صالح و" صحيح " و" طرق". ورغم أن أمين الخولى لم يكتب "فلسفته" أو منهجه النظري العام الذي تطور عنده على طول حياته العلمية والعملية الحافلة، فإنه يمكن استخلاص الركائز والعلامات الرئيسية لهذا المنهج النظري الذي أثر من خلاله علي من جاء بعده .

ومن أهم كتابات أمين الخولى والتي نعول عليه بشده هنا كتابه: (المجددون فى الإسلام)، وهو الكتاب الذى يعيد فيه قراءة تاريخ المجددين في الإسلام والذى بدأ مبكرا منذ حوالى القرن الثالث الهجرى، وقد أصدر هذا  الكتاب لعدة أسباب منها: أنه لم تعد فكرة التجديد بدعا من الأمر يختلف الناس حوله فتخسر الحياة ضحايا من الأشخاص والأعراض والأوقات مما ينبغى أن تدخره هذه الحياة لتفيد منه فى ميادين نشاطها، ولا تضيع الوقت والجهد فى مهاترات تُسخف كل محاولة جادة لدفع الحياة الدينية أو الحياة الاجتماعية إلى ما لابد لها منه من سير، وتقدم، وتطور، ووفاء بما يجد من حاجات الأفراد والجماعات»، والسبب الثانى  هو إحياء نص من هذا التراث وعرضا للون من تفكير أصحابه، وتناولهم للقضايا الحيوية، وتعبيرهم عنها فى تلك  العصور على نحو ما عُرض فى كتاب السيوطى فى القرن العاشر الهجرى، وكتاب المراغى وهو أحدث (ق 13هـ) والكتابان هما (التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل  مائة)  للسيوطى (911 هـ)، وكتاب (بغية  المقتدين، ومنحة المجدين على تحفة المهتدين) للمراغى الجرجاوى (ق13 هـ).

وقد كان أمين الخولى يريد من هذا الكتاب أن يدع أصحاب هذا التراث المؤمن بالتجديد يتحدثون هم أنفسهم عن التجديد الدينى، يصفونه، ويسلسلون روايته، ويعينون أصحاب التجديد على رءوس المئات خلال الأربعة عشر قرنا التى عاشها الإسلام حتى اليوم قائلا : (وإذا ما أسس السلف لفكرة التجديد وسموا رجاله، حق لنا أن نكمل الفكرة فى التجديد فنلتمس من تفكير المفكرين فيهم ما نرى فيه من أضواء يبعثها الماضى فيضىء  بها طريق المستقبل).

وكانت ترجمة الخولى لهؤلاء المجددين فيها تتبع خاص لأعمالهم فى التجديد فإذا كان المجدد حاكما كعمر بن عبدالعزيز مثلا، كانت العناية فى ترجمته بالأعمال التى فهم بها الإسلام، وفسره، وإذا كان المجدد عالما كالشافعي والغزالي مثلا كانت العناية فى ترجمته بالأفكار التى أبداها فى فهم الإسلام وتفسيره، ويؤكد الخولي: (أننا واجدون فى تصرفات المجددين وتفكيرهم ما لم تصل إليه الحياة اليوم، أو قل ما لم تجرؤ عليه لأن المقلدين قد ألقوا بجمودهم فى الفهم والتصرف ضبابا أو ظلاما أخفى حقيقته، وحجبه عن الأنظار فلم يُعرف، ولم يشتهر)

ولم يكتف بذلك بل قال الخولى في دعوته التجديدية للدين: «ملك النفس شعور الحياة بالحاجة الماسة الملحة إلى تجديد تطوري يفهم به الإسلام، الذي يقرر لنفسه الخلود والبقاء فهمًا حيًا يتخلص من كل ما يعرض هذا البقاء للخطر ويعوق الخلود إذا ما صح العزم على هذا الفهم الجديد الذي مضت سنوات في تقرير أصوله وأسسه درسًا وتعليمًا وتدوينًا، ولابد أن نحرص على سلامة هذا الفهم وبقائه ونجاته كذلك من تلك المهاترات وما تحدثه من خسائر تكبدتها الحياة في كثير من خطوات سيرها، التي لا مفر لها منه ما دامت حياة".

ويستطرد الخولى فيقول: «وما يحسنُ اليوم أن يكثر الحديث فى الزكاة والصوم عن الفقراء، والبر بهم، وإدخال السرور على أنفسهم، وصونهم عن الاستجداء يوم العيد لأن ما يؤدى لهم إنما هو حق، وحق معلوم بتعبير القرآن الكريم، والجهد مبذول فى أداء حقوقهم لا فى إغنائهم عن التسول يومًا أو بعض يوم فقط».

وتطوير المعاملات يقول الخولي: " والأمر فى المعاملات على كل حال ليس إلا أمر مصلحة واقعة حيث وجدت فثم حكم الله كما يقولون بصريح اللفظ، وتطور عرض العقائد والعبادات والمعاملات يهدف إلى أن لا يبدو الجو الدينى فى صور منعزلة عن الحياة فليجتهد رجال الأديان فى كل مكان فى سبيل المشاركة العلمية والعملية فى الحياة مع الاحتفاظ بالطابع الدينى، والحظ الكامل من الثقافة الدينية دون أن يجور شيء من الثقافات الأخرى على ما يجب تحصيله من ثقافات دينية بحتة، فى بيئة مخلصة لذلك، والتماس ما قد يصيب رجال الدين من ثقافة علمية فى بيئة علمية مخلصة لذلك" .

وفى أحد كتبه، قال «أردت أن أدع أصحاب هذا التراث المؤمن بالتجديد يتحدثون هم أنفسهم عن التجديد الدينى، فإذا حدث أصحاب القديم عن التجديد حديثهم الذي ترى نصوصه وبدأ حديثهم عن التجديد هذا مبكرًا منذ نحو القرن الثالث الهجري، لم يبق بعد ذلك مقال لقائل ولا اعتراض لمعترض ولم تعد فكرة التجديد بدعًا من الأمر يختلف الناس حوله فتخسر الحياة ضحايا من الأشخاص والأعراض والأوقات مما ينبغى أن تدخره هذه الحياة لتفيد منه في ميادين نشاطها ولا تضيع الوقت والجهد في تلك المهاترات التي تكثر وتسخف حول كل محاولة جادة لدفع الحياة الدينية أو الحياة الاجتماعية إلى ما لابد لها منه من سير وتقدم وتطور ووفاء بما يجد دائمًا من حاجات الأفراد والجماعات».

كذلك استند الخولى في كتابه «المجددون في الإسلام» إلى نماذج إسلامية قديمة قامت بالتجديد، منها الخليفة عمر بن عبد العزيز، والإمام الشافعي، وأبو الحسن الأشعري، وابن سريج، والباقلاني، وغيرهم من المجددين القدامى، الذين كانوا من منارات الإسلام التجديدي وذلك حسب ما ذكرته د. زكي بدر في مقالها عن أمين الخولي الذي نشر بجريدة روزرا يوسف بعنوان أمين الخولى وتجديد الفكر الدينى.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

عبد الجبار الرفاعي

توفي مساء الجمعة 28-2-2020 في القاهرة الصديق الدكتور محمد عمارة، تغمدّه الله برحمته الواسعة. أحزنني رحيلُه، على الرغم من اختلافي الفكري معه، لأن خسارة الوطن والعالَم بفقدان العالِم تفوق كلَّ خسارة.

لأننا محكومون بالتراثِ وقيمِه وأحكامِه، ترسخت لدينا تقاليدُ الاحتفاءِ المبالَغ به بالأموات، والإفراطِ في الثناء على آثارهم، والإعلاءِ من قيمة منجزهم، وتجاهلِ ما أنتجته هذه الآثارُ من تعصبات وكراهيات وأحقاد وجروح نازفة، في حياتهم وبعد وفاتهم.

كتبتُ هذه المقالةَ بعد ان قرأتُ عشراتِ المقالات الرثائية للمرحوم محمد عمارة، الغارقةَ بالتبجيل والثناء، وبعضها كتبها باحثون أحترم تكوينهم المعرفي وخبرتهم الجادة بالتراث، وأعرف كتاباتِهم النقدية، لكن رهبةَ الموت والخوف من بطشه المفاجئ تربكنا لحظةَ موت الكبار، فنضطر لحذف كل ما يزعجنا في صورتهم، لأن الكبارَ في مخيالنا لا يموتون، فننسى كلَّ شيء كتبوه وفعلوه، وننشغل بتسطير مناقب أكثرها مفتعلة لهم. ارتكبت أنا ذلك قبل سنوات، عندما كتبت مقالة، كلها مناقب، لأحد أصدقائي، بعد أن أربكني الموتُ، فأنساني كلَّ أخطائه لحظة وفاته.

لم يتنبّه بعضُ من يكتب عن محمد عمارة لتحولاته، ورحلتِه الفكرية الطويلة من الماركسية إلى السلفية، ومحطاتِه الاعتقادية المتعددة، وكيف كانت آثارُه المتأخرة تنقض كتاباتِه المبكرة. لذلك نقرأ كتاباتٍ تصنّفه على أنه مفكرٌ تنويري، وعقلاني، ومجدِّد، وأحدُ رواد النهضة، وغيرُ ذلك من توصيفات، لا ينطبق أيُّ توصيف منها عليه في محطته الاعتقادية الأخيرة.

تقلّب محمد عمارة في عدة محطات اعتقادية، كان ينتقل منذ خمسينيات القرن الماضي من تفكيرٍ عقلاني واسع إلى تفكيرٍ ضيق، إلى أن أرستْ سفينتُه منذ سنوات عند التراث، الذي أمسى يتعاطى معه بمنطق مغلق يبدأ بالتراث وينتهي بالتراث، لا يرى رأيا خارج التراث، ولا يفكر تفكيرا خارج مداراته، ولا يصغي لسؤال خارج أسئلته، ولا يبحث عن جواب خارج أجوبته المكررّة، ولا يرى مسارا خارج مسالكه، ولا يقبل معرفةً في الدين خارج معارفه، ولا يقبل علما في الدنيا مالم يكن ممهورا ببصمته.

1387 الرفاعي وعمارة

كان محمد عمارة مفكرا ملتزما، عاش كلَّ حياته وفيّا لمعتقداته، يتحمّس في كل مرحلة من حياته الفكرية لما يتبنّاه من معتقدات، حتى لو كانت على الضدّ من معتقداته السابقة، ويكرّس كتاباته للدعوة إليها والتثقيف عليها.

أعترف أن محمد عمارة كان مناضلا شجاعا في إعلان آرائه والدفاع عنها، ففي كل محطة اعتقادية ينتقل إليها، يتمسك بها بقوة، ويدعو إليها ويبشّر بها، سواء في مرحلته الماركسية التي قادته إلى السجن أواخر الخمسينيات أيام عبدالناصر، ومكث فيه لسنوات 1959-1964، أو في تحوله الى الاعتزال، وكتابة رسالته الماجستير سنة 1970 عن "المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية" في ضوء الدراسة والتحقيق لمجموعة "رسائل العدل والتوحيد"، وأطروحته للدكتوراه 1975 حول: "نظرية الإمامة وفلسفة الحكم عند المعتزلة". أو في تحوله الى وسطي محافظ في عقيدته الدينية في الثمانينيات، أو رؤيته السلفية أخيرا للتراث، وتبنّي كل شيء في التراث على ما كان عليه، والتعاطي معه بوصفه منجما يزودنا بكل شيء تتطلبه حياتُنا في الدنيا والآخرة، وفي الحاضر والمستقبل. والتنكّر لكل علم ومعرفة تنتمي إلى العصر، بذريعةِ أصالة ِكل ما ينتمي للماضي، واتهام ِكل معرفة تنتمي للحاضر.

يفرض محمد عمارة عليك أن تحترم عصاميتَه وزهدَه، فقد زهد بالوظيفة، وتخّلى عن التدريس بالجامعة طوعيا،كما يقول، لأنه أراد أن يتفرّغ لمهمته الفكرية، كما حدّثني عن ذلك سنة 1998 قائلا: "آثرت منذ البدايات ان لا اهتم بالوظائف، وكنت اعتبرها لونا من الرق، فتحررت منها، وعكفت على مشروع الفكر والعمل التأليفي، ولم اذهب الى التدريس، لا في جامعاتنا، ولا في جامعات النفط والخليج والاغراءات المالية. عشت للمشروع الفكري".

عندما كان يحلم بالثورة، على طريقة اليسار في مجتمعاتنا، حقّق ونشر سلسلةً مختارةً من أعمال رواد عصر النهضة، في سلسلة مجلدات في سبعينيات القرن الماضي. إذ نشر آثار: رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الافغاني، ومحمد عبده، وقاسم أمين، وعبدالرحمن الكواكبي، وعلي مبارك. وكتب عن شخصيات إسلامية متعددة، ونشر ذلك في كتاب كبير هو "مسلمون ثوار".

وإن كان محمد عمارة عاش أكثر مراحل حياته الفكرية في سجن الايديولوجيا، لكن انتقالَه من سعة العقل المعتزلي ورحابته إلى انغلاق العقل السلفي واختناقه، يدعونا للتساؤل، ليس عن تكوينه المعرفي ومنطق تفكيره الذي كان يفرض عليه أن يهرب للماضي كلّما تقدّم به العمرُ ، بل عن شيوعِ هذه الظاهرة في الفكر العربي الحديث والمعاصر، والبنيةِ العميقة لمنطق تفكير عدة مفكرين لم يجدوا ملاذا لهم، بعد تقدّم أعمارهم، إلا بالهجرة الكلية إلى الماضي، بعد حياة فكرية في المراحل الأولى تسودها العقلانيةُ النقدية، وأحيانا الدعوةُ للقطيعة مع التراث لدى بعضهم.

إن الرحلة الفكرية لمحمد عمارة لم تكن الاستثناءَ من مفكري جيله الذين تنقّل غيرُ واحد منهم في عدة محطات، إذ بدأ بعضُهم عقلانيا نقديا، متحرّرا وربما متمرّدا، يفكر في فضاء رحب، بلا أطر أيديولوجية، وبلا مرجعيات اعتقادية، وبلا قيود صارمة، وبلا حدود مغلقة، وبلا سقف نهائي تتعطل عنده كلُّ الأسئلة، وتموت فيه كلُّ الأجوبة. لكن عقل هؤلاء بدأ ينغلق بالتدريج مع كهولتهم وتقدّم أعمارهم، إلى أن غادر العقلُ تساؤلاتِه ومواقفَه النقدية وبصيرتَه النافذة، وجرأتَه في اقتراح الأجوبة، وكأن بعضَهم تابَ من إثمٍ عقلي ارتكبه، فدخل نفقا، أو آوى إلى كهف في المرحلة الأخيرة من حياته، يعتكف به، ليحتمي به من قلق الموت الوشيك الذي بات يهدّد شيخوختَه، ويلوذ بالماضي من وهن جسده، وضعف قدراته، وعجزه وغربته ووحدته.

الاحتماءُ بالتراث والدعوةُ للعودة لماضي الأمة وعلوم ومعارف الآباء هو المشترَكُ بين محمد عمارة وهؤلاء المفكرين التوابين من إثم التفكير العقلان ، ومشترَكٌ آخر ينصبّ على التحذير من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة، بذريعة أن تراثَنا يختزن كلَّ ما تتطلبه حياتُنا، وكلَّ حلول مشكلاتنا، وأن المعرفةَ والعلومَ الحديثة مادامت وُلدت في بيئة غربية، فهي غريبةٌ عن معتقداتنا وثقافتنا وبيئتنا ومشكلات عالمنا. وهي ذريعةٌ يردّدها كلُّ هؤلاء، بأساليب متنوعة وعبارات مختلفة، وصياغات ملتوية أحيانا، تتوحد في أنها تدعونا لأن نرفض كلَّ معرفة أنتجها العقلُ البشري خارج عالَمنا، بنحو أمسى تكرارُها المبتذَل في كتابات القوميين والإسلاميين يصيبك بالغثيان، فهم مازالوا يردّدونها منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم.

وهذه الذريعة يكذّبها الواقع، فلا نحن اكتشفنا فلسفتَنا وعلومَنا ومعارفَنا التي تستجيب لواقعنا، وتولد في سياقات ديانتا وثقافتنا وهويتنا وخصوصيتنا وراهن مجتمعاتنا، ولا نحن تحرّرنا من عقدة الارتياب من العلم والمعرفة الحديثة.

في المعرفة والعلم الحديث ما هو كوني عابر لمعتقد وثقافة الإنسان الذي اكتشفه. إنه يعبّر عن جوابٍ لأسئلة الحياة واحتياجات الإنسان، بغضّ النظر عن الزمان والمكان الذي يعيش فيه. الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة أعادت تشكيلَ العقل الذي قدّم للبشرية كلَّ هذه الاكتشافات الباهرة، ووضع الإنسانَ في مسار جديد، مكّنه من أن يكون أشدَّ حذاقة في إجابة أسئلة الطبيعة الصعبة وتحدياتها المنهكة، وأذكى في إجابة أسئلة حياته الحائرة.

محمد عمارة من أغزرِ الكتّاب الإسلاميين إنتاجا، وأكثرِهم مثابرة، وأغناهم تنوعا، بلغت آثارُه نحوَ 250 عنوانا في مختلف الموضوعات. ففي كل مراحل حياته الفكرية ومحطات اعتقاده سجّل حضورا لافتا في الصحافة والدوريات ودور النشر.

كانت مواقفُه في ربع القرن الأخير من حياته لا تطيق المختلِف في اجتهاده،كموقفه الشديد من فكر صديقنا المرحوم نصر حامد أبو زيد، ولا تطيق المختلِف في معتقده. وكأنه لا يعرف أن الله مطلق، لكن معرفة الإنسان بالله نسبية، لأنها محدودة: بوجوده المحدود، وطبيعته البشرية، وآفاق وعيه، وثقافته، ونمط رؤيته للعالم، والزمان والمكان الذي يعيش فيه.وان نسبية معرفة الإنسان بالله تعني تنوع وتعدد الطرق إلى الله.

يعرّف محمد عمارة الكفرَ، في كتابه: "فتنة التكفير بين الشيعة والوهابية والصوفية"، كما ينقل عن الغزالي، هكذا: "الكفر هو تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام في شئ مما جاء به، والإيمان بتصديقه في جميع ما جاء به، فاليهودي والنصراني كافران لتكذيبهما للرسول صلى الله عليه وسلم.. وهذا لأن الكفر حكم شرعي، كالرق والحرية مثلاً، إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار، ومدركه شرعي، فيدرك إما بنص أو بقياس على منصوص، وقد وردت النصوص في اليهود والنصارى..". يتبنى محمد عمارة هذا التعريف ولا ينقده أو يناقشه، لذلك أثار كتابه هذا ضجة كبيرة عند صدوره[1].

يستخدم محمد عمارة لغةَ هجاءٍ عنيفة في الحديث عن المفكر الذي لا يستسيغ أفكارَه أحيانا، فمثلا يصف سلامة موسى بالوقاحة والنفاق، عندما يقول: "هكذا تكلم سلامة موسى، فبلغت صراحته حد الوقاحة، وكانت له فضيلة الإعلان عن كثير مما يبطن المنافقون من المتغربين"[2].

يسود كتابات محمد عمارة تفكيرٌ تبسيطي، يتوقف عند السطح، ولا يشأ أن يتوغل في اكتشاف الطبقاتِ التحتية المولّدةِ للأفكار والظواهر المجتمعية. تتحكم بتفكيره أدواتٌ نهائيةٌ يفسِّر فيها كلَّ شيء، ولا يتردّد في إطلاق أحكام اتهامية، لا صلةَ لها بالفكر، عندما يتحدث عن بعض المفكرين وكتاباتهم، ففي حديثه عن طه حسين مثلا يتهمه بأنه وقع تحت تأثير زوجته الفرنسية وعمّها القسيس، بقوله: "الرجل تزوج امرأة فرنسية، وعمها قسيس أثّر فيه بعمق"[3]، ولا تخلو لغتُه من هجاء لمن يكتب عنهم.

ترك محمد عمارة بصمتَه الفكرية في كل مؤسسة أو مركز أبحاث أو مجلة انخرط فيها، ففي المعهد العالمي للفكر الإسلامي ومشروعه لإسلامية المعرفة الذي كان أحدَ مستشاريه، تغلبّت على مشروع إسلامية المعرفة نزعةٌ تراثيةٌ مغلقة، تراجعت معها آفاقُ التفكير الاجتهادي النقدي الذي كان يعدُ به المعهد عند تأسيسه. فقد كان محمد عمارة ضدّ طباعة كتاب "المنهجية المعرفية القرآنية"، الذي كتبه صديقنا المرحوم محمد أبو القاسم حاج حمد، تلبية لطلب رئيس المعهد وقتئذٍ الصديق المرحوم طه جابر العلواني، ولبث الكتاب سنوات طويلة غير مطبوع. بعث لي الصديق محمد همام بنسخته المصورة عبر البريد، من المغرب "أغادير"، وعند استلامي الكتاب طالعته مباشرة، فتحمست لنشره، واستأذنت طه العلواني، فأجاز لي طباعته وتوزيعه. وكان المؤلف شديد الحرص على طباعته، فأصدره مركز دراسات فلسفة الدين، خلافا لإرادة ادارة المعهد التي حجبت مخطوطته سنوات طويلة عن القراء. ألفَ حاج حمد كتابه سنة 1991، ولبث في المخطوطة حتى سنة 2013 عندما بادر مركزنا لنشره.

وهكذا رأيتُ أن تأثيرَه طغى على مجلة المسلم المعاصر[4]، هذه الدورية التي غامرتْ بمناقشة قضايا منسية عند صدورها، وأثارت أسئلةً جريئةً، وفتحت نافذةَ ضوءٍ لتفكير عقلاني نقدي، يتخطى المتعارفَ في أدبيات الإسلاميين المبسطة.كانت تربطني علاقةٌ شخصية بصاحبِ المسلم المعاصر ورئيسِ تحريرها المرحوم جمال الدين عطية، وبأخيه محيي الدين عطية، وكنت حريصا على مطالعة أعدادها، وترقب صدورها. فوجئت عند صدورها بدعوة هذه المجلة إلى اجتهادٍ معاصرٍ يتجاوز التراثَ مرتين: يتجاوزه مرةً بالتحرّر من ركام القراءات المختلفة، مما أنجزه المسلمون منذ عصر التدوين إلى اليوم في علوم المنطق والفلسفة والكلام والتصوف، والتفسير والحديث، والفقه وأصوله، والتي حجبت الكتابَ الكريم والسنّةَ الشريفة، وشكّلت بالتدريج جدارا صلدا يحول دون استلهامهما والاتصال المباشر بهما. ويتجاوز الاجتهادُ الذي تدعو إليه "المسلم المعاصر" التراثَ مرةً أخرى بالتحرّر من مشاغله وهمومه التاريخية، والاندماج بالعصر، ناهلاً من معارفه ومكاسبه العلمية، ومتفاعلاً مع قضاياه، وواعيًا لمشكلاته، ومستشرفًا لمستقبل أمثل.[5]

سألت محيي الدين عطية عن سبب تأخر صدور أعداد المجلة في الثمانينيات من القرن الماضي، فأخبرني بافتقاد المسلم المعاصر فجأة لعدد كبير من الاشتراكات لمكتبات الجامعات السعودية. المسؤول المباشر في الوزارة عن الاشتراكات أوقفها كلها، لأنه يرى الأفكار التي تنشرها المجلة منحرفة ضالة. وأضاف عطية ان أحد الأصدقاء نقل له عن محمد قطب "المتوفى 2014 " الأخ الأصغر لسيد قطب قوله: "إن مجلة المسلم المعاصر تأسست لمواجهة فكري وفكر أخي سيد قطب".

لكن بعد أن أضحى محمد عمارة أحدَ أعمدة هذه المجلة، تقلّص فضاءُ التفكير الحر فيها، وانحسرت مساحةُ الاجتهاد والنقاش والأسئلة الكبرى على صفحاتها. لفت نظري هذا التحولُ في نهج هذه المجلة التي كانت غريبةً بين ركام المجلات الإسلامية المعروفة، فسألتُ صديقا من محرّري المسلم المعاصر، قبل عشرين عاما، عن سرّ هذا التحول المثير الذي افتقدتْ معه المجلةُ رسالتَها المعلنة، وانكفئت على نفسها، وانطفأ ألقُها، وغاب عنها بعضُ كتّابها الجسورين، والذي حدث بعد مرور سنوات على صدورها، فأجابني: إن دخول محمد عمارة الفاعل والمؤثر على تحرير المجلة، عمل على توجيه بوصلتها باتجاهٍ على الضدِّ من وعود هذه المجلة عند صدورها، فهو لا يستسيغ ما كانت تنشره من اجتهادات ونقاشات وأسئلة في سنواتها الأولى.

رحم الله محمد عمارة، الذي كان فكرُه فاعلا ومؤثرا على مدى ستين عاما، ومهما اختلفنا معه، ينبغي أن نعرب عن الأثر الفائق الأهمية لآثاره في تدافع الأفكار وتصارعها في عالَمنا. وإن كان محمد عمارة يضيق ذرعا بالاختلاف في محطته الاعتقادية الأخيرة، وكأنه لا يدري أن الاختلافَ شرطُ حياة كلِّ فكر حي، وضرورةٌ لتجديده، لأن طاقةَ الحياة الخلاقة في اختلافها، وجمالَها في تنوّع ألوانها، وحيويتَها في تعدّد أشكال تجلياتها، وفي تضادّ تعبيراتها نكتشف المنبعَ الأثرى لديناميكية تغييرها[6].

لا ينبغي أن ننسى بعضَ مواقف وكتابات محمد عمارة في محطته الاعتقادية الأخيرة، التي كانت تحريضيةً قاسيةً ضدّ مفكرين عقلانيين، بل ضدّ كل من يراه خارجا على فهمه للدين والتراث. كان محمد عمارة أحد الموقعين على بيان يتهم فرج فودة بالارتداد، ويستبيح دمه. "بالتحقيق مع أحد من قتلوا فرج فودة أعلن أنه قتل فرج فودة بسبب فتوى دينية بقتل المرتد. وحينما سأله المحقق، لماذا قتلت فرج فودة؟، أجاب: لأنه ينشر كتبا تدعو إلى الكفر والإلحاد. تابع المحقق: هل قرأت هذه الكتب؟، فأجاب القاتل: لا، أنا لا أقرأ ولا أكتب". وبسؤال القاتل عن اختيار موعد الاغتيال قبيل عيد الأضحى، أجاب "لنحرق قلب أهله عليه أكثر"[7].

وتورط محمد عمارة بترديده عبارات السلفيين الجاهزة لمعتقدات وتراث المسلمين الذين يؤمنون بمعتقد لا يطابق معتقدة. ففي محطته الاعتقادية الأخيره انخرط محمد عمارة في موجة الهجوم العنيف ضد الشيعة واتهام معتقداتهم وتراثهم، على الرغم من أنه يعرف التراث الشيعي بشكل ممتاز، وكانت تربطه صلات مع علماء الشيعة، وقد أعرب أمامي عن احترامه لهذا التراث، واعجابه بالتعليم الديني في الحوزات، وتبجيله للنزعة العقلانية فيه، غير أنه تمادى في كلامه ضد الشيعة، وترديد عبارات السلفيين الجاهزة واتهاماتهم المكررة لمعتقداتهم وتراثهم[8].

كما لا ينبغي أن ننسى اصطفافَه مع الأخوان المسلمين، ودعمَ مواقفهم، بلا شروط أو تحفظ أو نقد، بمواقفه وكتاباته، حتى اليوم الأخير من حياته. وتناغم َكتاباته ومواقفه مع السلفيين، فلم نقرأ له مراجعاتٍ نقدية، وهو الخبير بتراثنا البعيد والقريب، للسلفية الجهادية والقاعدة وداعش، والجماعات الدموية، أو إدانةً لمذابحهم وتدميرهم للمدن في سوريا والعراق، وسبيهم واستعبادهم للنساء من غير المسلمين من المواطنين، واستباحتهم لأمن مجتمعاتنا، وتهديدهم للسلام العالمي[9].

عملَ محمد عمارة في محطته الاعتقادية الأخيرة على نشر التشدّد بين من يُصغي إليه من الشباب الإسلاميين، وهم ليسوا أقلية قليلة. وبعد وفاته لم نقرأ من ينبّه هؤلاء الشباب إلى أن الرجلَ في محطته الاعتقادية لم يكن مجدِّدا، ولا عقلانيا، ولا تنويريا، بل كان سلفيا مغلقا، فوجدتُ من الضروري تنبيه من كان له عقلٌ سليمٌ على ذلك.

المنهجُ الذي كُتِبَت فيه رثائياتُ محمد عمارة هو المنهج ذاتُه الذي كُتِبَت فيه مآثرُ ومناقبُ رجال السلف. منهجٌ يتساوى فيه الكلُّ، بغضّ النظر عن كلِّ ما فعلوه في حياتهم، يتساوى فيه العادلُ والظالمُ، والمجرمُ والبرئُ، والصالحُ والفاسدُ، بنحو نقرأ في كتابٍ واحد فصلا يسوق مآثرَ ومناقبَ المقتول بجوار فصلٍ يسوق مآثرَ ومناقبَ القاتل، وفصلا يسوق مآثرَ ومناقبَ العادل بجوار فصلٍ يسوق مآثرَ ومناقبَ الظالم.

أتذكر أن أولَ من نبهني إلى ضرورة المراجعة النقدية لفكر سيد قطب هو حسن الترابي، عندما كنتُ تلميذا في المرحلة الأخيرة من الثانوية، بعد أن قرأت مقابلةً معه في مجلة المجتمع الكويتية أواخر سبعينيات القرن الماضي، إذ أشار بجملةٍ في سياق حديثه الى وهن بعض مقولات سيد قطب، ومنذ ذلك الوقت بدأت المراجعةَ التقويمية لكتابات سيد قطب. كان حسن الترابي مفكرا عقلانيا شجاعا، لكن فكرَه كان ضحيةَ براغماتيتِه السياسية، وتلوّثِ سيرته بمراوغات السياسة ومكائدها.

إيقاظُ الشباب وتحريرُ عقولهم ضرورةٌ يفرضها علينا الكمُّ الهائل من المفاهيم المتشدّدة والشعارات المتطرّفة التي يتلقونها كلَّ يوم عبر وسائل الإعلام، وما يُنشر من كتاباتِ أمثال محمد عمارة في محطته الاعتقادية الأخيرة، والتي تُسهِم بتنويمِهم، وتضييعِ أعمارهم في صراعات عبثية ضدّ مجتمعاتِهم، والعقلانيةِ والعلومِ والمعارف الحديثة، وقيمِ الحريات وحقوق الإنسان.

هذا المقال موجّهٌ للجيل الجديد، الذين لا يعرف عن سيرة محمد عمارة ومحطاته الاعتقادية شيئا. يستمع بعضُ النابهين من الجيل الجديد الى تجارب الآباء، وذلك يفرض على الآباء أن يكونوا أكثرَ صدقا وشجاعةً في نقل تجاربهم المريرة إلى أبنائهم.

أعمالُ محمد عمارة مكتبةٌ كاملة، ومتوفرةٌ في كلّ المكتبات، وكتابتي عنه بهذا الأسلوب ضرورةٌ أخلاقية، لإيقاظ الشباب الذين تغويهم لغتُه، ومجادلاتُه الواضحة، المصاغة بأساليب المغالطات، وإن كانت تبدو لغير الخبير منطقية.

محمد عمارة باحثٌ متمرّس في التراث، يمتلك خبرةً أفقية واسعة في مختلف حقوله. يكتب بأسلوب ذكي، يموهه بقناعٍ إصلاحي. كان في محطته الاعتقادية الأخيرة مهووسا بالتحريض على التشدّد والعنف، مثلما يدعو السلفيون، لكنه كان يكتب بلغة مراوغة.

الدينُ جاء ليحمي الإنسانَ من التشدّد والعنف، والفكرُ السلفي في كلّ الأديان والمذاهب عنيفٌ ببنيته الاعتقادية العميقة[10]، لذلك هو على الضدّ من رسالة الدين في الحياة التي تنشد العدلَ والسلامَ والمحبةَ والرحمةَ والجمال. أكثرُ الكتابات السلفية وسلوكُ السلفيين تفرض على القلب النفورَ من الله، خلافا لأكثرِ شذراتِ المتصوّفة وسلوكِهم، وكتاباتِ التصوف "الفلسفي وليس الطرقي" التي تفرض على القلب الوقوعَ في حبّ الله.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

..............................

[1] محمد عمارة، فتنة التكفير بين الشيعة والوهابية والصوفية، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وزارة الأوقاف المصرية، القاهرة، طبعة أولى، 2006، 120 ص.

[2] عمارة، محمد، الانتماء الحضاري للغرب أم للإسلام؟، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2009، ص 52.

[3] عمارة، محمد. طه حسين: ما بين الانبهار بالغرب والانتصار للإسلام، دار الفكر العربي، القاهرة، 2015، ص24.

[4] صدر العدد الافتتاحي لمجلة المسلم المعاصر في بيروت، في يناير 1974.

[5] راجع كلمة التحرير في العدد الافتتاحي لمجلة المسلم المعاصر، الصادر في يناير 1974. وشهادتنا في تكريم مؤسسها جمال الدين عطية، بمناسبة مرور ربع قرن على صدور المسلم المعاصر: "من جمال الدين الأفغاني إلى جمال الدين عطية: العروة الوثقى تستفيق في المسلم المعاصر"، والمنشورة في أحد أعداد المسلم المعاصر.

[6] ناقشتُ محمد عمارة في مجلة قضايا إسلامية معاصرة، وحاورتُه حول "الاتجاهات الجديدة في علم الكلام"، عندما خصصت الأعداد من 14 إلى 18 "للاتجاهات الجديدة في علم الكلام"، ونشرتُ حوارَه في العدد المزدوج 16-17 الصادر سنة 2001 لمجلة قضايا إسلامية معاصرة. العدد متاح على صفحة مركز دراسات فلسفة الدين: http://www.rifae.com/ ، وعلى قناتي في التلغرام: https://t.me/refaee.

[7] راجع مقالة: عبدالحكيم، أحمد، قصة المناظرة التي قتلت المفكر المصري فرج فودة، جريدة الأندبندت، الصادرة في الاثنين 10 يونيو 2019.

[8] للاطلاع يمكن مراجعة أحاديثه وحواراته الكثيرة المحفوظة على اليوتيوب.

[9] يقول الدكتور محمد حسين عويضة، رئيس نادي أعضاء التدريس بالأزهر في تصريحات لـجريدة الوطن: "رحم الله الدكتور عمارة، فلا نملك في هذه اللحظة إلا الترحم عليه، فهو بين يدي الله جل وعلا، وقد طالبناه في نادي أعضاء التدريس بالأزهر بالانسحاب من هيئة كبار العلماء، وعبرنا عن رفضنا وجوده بها، وضرورة إقالته أو تقديمه لاستقالته، لما كان يمثله من مرجعية للجماعة الإرهابية، فقد كان صاحب فكر مخالف للأزهر، ولكن للأسف استمر في عضويته بهيئة كبار العلماء حتى وفاته". الوطن، القاهرة، 1-3-2020.

[10] كررت في عدة مواضع من كتاباتي هذا المضمون: "حين أتحدث عن السلفية في كتاباتي ولا أخصها بسلفية جهادية أو غيرها، فأعني بها ما يشمل كلَّ قراءة سلفية للنصوص الدينية، وكلَّ محاولة لاستدعاء للماضي أيًا  كان، ودسِّه في الحاضر كما هو، السلفية عندي معنى عام، مهما كانت الفرقة أو المذهب الذي يدعو لها ويتبناها. ‏أعني بالسلفية ماهو أعم من المعنى المتداول اليوم الذي تنصرف فيه لمن يتبع ابنَ تيمية ومدرستَه خاصة. إنها تشمل كلَّ تفسير حرفي تبسيطي للنص الديني قابعٍ في الحرف، عاجزٍ عن تذوق مقاصد النص وأهدافه، مهما كانت الفرقةُ أو المذهب الذي ينتمي اليه صاحبُ التفسير، سواء كان سنيًا أو شيعيًا أو اباضيًا أو زيديًا. السلفيةُ اتجاهٌ في التفكير الديني حاضرٌ في كلِّ تفسير حرفي للنصوص الدينية، يتفشى في كل الأديان والفرق والمذاهب، يرسم صورتَه الخاصة لله، وهي صورة يشدّد على تعميمها وفرضها على الكلّ بالاكراه. صورةٌ تتصف ملامحُها بالقسوة والشدّة والعنف ومطاردة الانسان ومحاربته لأن معتقده لا يتطابق مع معتقد السلفي، لا تحضر في ملامح هذه الصورة الرحمةُ والمحبة والشفقة والجمال والسلام.

هذا نص ما كتبته في مقدمة الطبعة الثانية من كتابي الدين والظمأ الأنطولوجي، دار التنوير ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، الطبعة الثانية مهذبة ومزيدة، 2017، ص 10.

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن خطاب الدكتور محمد عمارة بين دفتي الفكر، وفي هذا نقول: لقد خاض الدكتور محمد عمارة معارك فكرية على جبهات كثيرة جداً، وفي وقت واحد. خاض معركة الإحياء والتجديد، كما ذكرنا، وخاض معركة الدفاع عن أصول الإسلام وعقائده ومبادئه العليا، وخاض كذلك معركة الدفاع عن الأمة ومصالحها في الميدان السياسي، وميدان الجهاد والاستقلال، ومحاربة الاستعمار والتدخل الأجنبي في شئوننا الداخلية، وكذلك كانت له اهتمامات على جبهة رابعة، وهي جبهة الاجتهاد والتجديد، فهو قد أسهم في تجديد كثير جداً من القضايا؛ منها قضايا التعددية في النظام الحزبي وفي الحياة الاجتماعية بشكل عام، وقضايا العلاقة مع الغرب والموقف من الغرب، والموقف من الحضارة الأوروبية، ورأي الإسلام في الفن والفنون الجميلة.. إلخ .. كما خاض معركة المصطلحات، وحذرنا وحذر أجيالاً عديدة من خطر استخدام المصطلحات الوافدة والمستوردة من الخارج. وأدلى برأيه في كل القضايا المهمة، ليس مدافعاً فقط وإنما مجدداً أيضاً، في كل هذه الساحات مرة أخرى هو قلعة حصينة من قلاع الإسلام، ذلك حسب قول إبراهيم البيومي غانم في مقاله المفكر الإسلامي الراحل الدكتور «محمد عمارة».

 وفي مناظرة متلفزة جمعته بالناشطة النسوية والكاتبة المصرية، نوال السعداوي، قال إن "فلسفة الميراث لا ترجع إلى معيار الذكورة والأنوثة".، إلى ذلك انتقد عمارة تركيز التيارات الإسلامية على السياسة، وإهمالها المشروع الإصلاحي، وتجاهلها مسألة العدالة الاجتماعية.، كما خاض سجالات مع البابا شنودة والكنيسة القبطية، ودعا المسيحيين إلى الخروج عن "وصاية الكنيسة والانخراط في نشاط المجتمع المدني" على حد قوله.

  وقد مر محمد عمارة بتحولات فكرية عديدة، فرغم نشأته الدينية والأزهرية، إلا أن عمارة كان في بداياته يسارياً عروبياً منظراً للفكر الماركسي؛ ففي ثلاثينات القرن الماضي انضم عمارة إلى حزب "مصر الفتاة" وكرس نشاطه دفاعا عن العروبة ومحاربة الاستعمار. ثم انضوى عام 1949 تحت "الحزب الاشتراكي".

 وبعد ثورة 23 يوليو التي أطاحت بالملكية في مصر، انخرط في التيار اليساري الذي ناضل فيه نحو عقد من الزمن، حيث تسببت أفكاره ومواقفه السياسية في فصله عن الجامعة، لتقوده في عام 1959 إلى السجن، واستغل عمارة فترة سجنه، التي ناهزت ست سنوات، في الكتابة فألف أربعة كتب كانت بمثابة إرهاصات لتحول فكري جديد. وانتهى به المطاف إلى مغادرة الجبهة اليسارية والانضمام إلى التيار الإسلامي، واقترن اسمه منذ الستينات بلقب المفكر الإسلامي، وتميزت تصريحاته في تلك الفترة بانتقاد من يسموهم بغلاة العلمانيين، وعن تحوله الفكري، قال عمارة في تصريح صحفي أنه " دخل اليسار من باب الدفاع عن القضايا الثورية والعدالة الاجتماعية. لكنني اكتشف أن حل المشكلة الاجتماعية هو في الإسلام وليس في الصراع الطبقي والماركسية".

  ظلت المفاهيم والشعارات الاشتراكية كالحرية والعدالة الاجتماعية حاضرة في تصريحات ومقالات عمارة؛ فعلى على سبيل المثال، يرفض المفكر الوظيفة العمومية ويعتبرها نوعا من أنواع العبودية، رغم أنه تقلد أكثر من منصب رسمي فقد كان عضوا في مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ورئيس التحرير السابق لمجلتها.

 وقد أفرد مغردون وسما باسمه، عددوا من خلاله خصاله ودعوا للترحم عليه معتبرين أنه لعب دورا لافتا في إحياء أعمال مدرسة التجديد الإسلامي التي أسسها رفاعة الطهطاوي وطورها محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، وغيرها من الأسماء، ويرى محبوه أنه نجح في الحفاظ على حياده، ما جعله مرجعا للكثير من الباحثين، ممن وجدوا فيه "العقل المستنير القادر على تقديم مشروع حضاري عربي إسلامي كبديل لفكرة التغريب" حسب تعبيرهم، كما نوهوا بإسهاماته في إثراء المكتبات الإسلامية بعشرات الكتب التي نجحت برأيهم في إحياء الفكر المعتزلي القائم على تقديم العقل على النقل.

 وقد وصفه إبراهيم البيومي غانم قائلا : : إن الدكتور عمارة كان من كبار رواد مدرسة الإصلاح والتجديد في العصر الحديث. هو من الذين تابعوا وأضافوا على اجتهادات الإمام محمد عبده وغيره من رواد هذه المدرسة. وهو من الذين كتبوا كثيراً، وحاضروا كثيراً، ونشروا أصول القضايا الكبرى التي اعتنت بها مدرسة الإصلاح والتجديد في العصر الحديث، وخاصة في القضايا المتعلقة بالمبادئ السياسية للرؤية الإسلامية؛ بأنها رؤية جوهرها الاعتدال، وسمتها الثقة بالذات الحضارية. رؤية تتوافق مع الفطرة الإنسانية وتتطابق معها. كان رحمه الله يؤكد هذه الصفات الأساسية، ويفند كل الدعاوى الأخرى التي تتطرف يميناً أو يساراً عن هذه المنطقة الوسطية.

 وقال عنه محمد جمال حليم في مقال له بعنوان" وداعًا الدكتور محمد عمارة.. مفكر وهب حياته للدفاع عن أمته":" نبغ عالما ربانيًا محبا للعلم يكرم العلماء ويتواضع لهم، أقبل على العلم نهما كأنما يلتمس فيه ضالته روئ مشغولا بهموم الأمة الإسلامية واضعًا على عاتقه هم إخراجها من العقبات التي ابتليت بها ولا تزال، فدافع عن الإسلام بقلمه وحرر الكثير من الشبهات التي تعترض طريقه وعقد من اجل ذلك الكثير من المناظرات الفكرية للذود عن الإسلام وتنقيته من شبهات المغالين والمنحرفين من العلمانيين والملاحدة".

 ويستطرد محمد جمال فيقول: الدكتور محمد عمارة امتاز بالنبوغ منذ صباه وكانت له ثقافة واسعة جعلته نهمًا في طلب العلم والمعرفة التي سخرها للدفاع عن قضايا أمته وتبرئة ساحة الإسلام مما ألصق بها من شبهات.. استوى الدكتور محمد عمارة مفكرًا إسلاميًا ناضجًا، ومؤلفًا محققًا ثبتًا فجذب إليه أنظار العلماء فراح يعقد الندوات ويحاضر في المؤتمرات متحررًا من قيود التبعية الفكرية مظهرًا وسطية الإسلام التي تسع الجميع.

 وأخيرا يختم محمد جمال فيقول: "امتازت ثقافته بالشمولية والتعددية فهو مثال حي لقبول الآخر؛ ولأجل هذه الثقافة كان دائما ما ينادي بالوسيطة الفكرية وعدم التشدد، وهو من حقق لأبرز أعلام اليقظة الفكرية الإسلامية الحديثة، جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهم الكثير.. اشتهر بأسلوبه الجميل وصوته المميز وهدوئه في غير ضعف كما اشتهر بإكرامه الباحثين وإسدائه النصيحة للباحثين ومساعدتهم وتشجيعهم لمواصلة طريق العلم فكان بيته بمثابة صالون ثقافي كبير يفيد إليه كل من يريد الاستزادة وطلب المشورة التي يسديها فرحًا مستبشرًا.

 وفند بعضهم ما يردده أنصار عمارة عن "اعتداله" قائلين إن آراءه خدمت "الرجعية والأصولية بل وحتى الطائفية ضد المسيحيين والشيعة".، كذلك يعيب عليه منتقدوه ابتعاده عن "العقلانية" بتقديمه تنازلات لصالح المدرسة السلفية التي شنت عليه حملة بسبب مناصرته لفكرة تقديم العقل على النقل، في حين ينتقد مفكرون أمثال عمار بن حمودة "نزعة محمد عمارة التمجيدية للفكر المعتزلي"، قائلين إنه "اكتفى في البحث بما يميزهم ليسقط بذلك في دائرة التقديس المطلق".ن في حين قال عنه آخرون عمارة» صاحب التناقضات العديدة، كانت حياته سلسلة من التقلبات الفكرية، بدأها ماركسيًا متشددًا، ثم تحول للفكر الاعتزالي، ونهاها منظرا ومفكرا لجماعة الإخوان الإرهابية، حيث كان أبرز داعميه وناشري أفكاره ومطبقيها، كما كان صاحب أول بيان لرفض ثورة 30 يونيو، وساند تنظيم الإخوان الإرهابي.

  وأشار همام عبد المعبود في مقال له بعنوان " في تكريم د. عمارة.. قراءة لأهمية تفنيد الشبهات" إلي أهمية ومكانة محمد عمارة في "الذود عن حياض الإسلام"، و"تفنيد الشبهات التي يثيرها أعداؤه"، وأشار إلى "جهده الكبير في مواجهة معاول العلمانية الهدامة، وخطط الفكر التغريبي المدمر"؛ مؤيدين ترشيح مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف له لنيل جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، في مجال الدراسات الإسلامية وحقوق الإنسان لعام 1432 هجريًّا و2012 ميلاديًّا.

 وفي السنوات الأخيرة اختلفت مع الدكتور محمد عمارة بشدة حين اعتبر ما حدث في 3 من يوليو 2013 "جنوحا عن مدنية الدولة وانقلابا على مطالب الجماهير"، حيث نشر آنذاك بيانا طالب فيه الجيش بالعودة إلى ثكناته واحترام المسار الديمقراطي. وهو موقف جر العديد من الانتقادات على الدكتور محمد عمارة وعده كثيرون موقفا إيديولوجيا كشف عن ميوله السياسية.. وحتى بعد رحيله، لا تزال مؤلفاته ومواقفه السياسية محل خلاف بين المصريين.. فمنهم من يراها أطروحات "تروج لجماعة الإخوان المسلمين" .. ومنهم من يعتبرها امتدادا للمدرسة الدينية التقليدية، والحقيقة كنت أعجب به عندما كان يساريا،ولكن لما أصبح يتبني أفكار أبو الأعلي المودودي وسيد قطب وحسن البنا ذهب هذا الإعجاب، حتي أنه يقال عنه "عمارة" صاحب التحولات الفكرية.. من الماركسية إلى "منظر الإخوان"...وفي نهاية حديثي لا املك إلا أن أقول غفر الله للدكتور محمد عمارة وأدخله فسيح جناته .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط