خلال الخمسينيات من سنوات اقامتي في المانيا، كان بعض اساتذتي الكرام، يطعًمون محاضراتهم الطبية بشذرات من الفلسفة الاجتماعية، واتذكر ان احداها كانت تدور حول مفهوم السعادة، فتعلمت في حينها ان السعادة اما ان تكون ذاتية مادية صرفة، يسعى صاحبها الى اشباع ملذاته الشخصية ليس إلا، لكن هذا الضرب من السعادة لا قيمة له. واما ان تكون جمعية اي ترمي الى خدمة المجتمع، حينذاك تعتبر السعادة، سعادة روحية وهي السعادة المنشودة،  تنشأ حينما يمارس الانسان عملا من شأنه ان يؤدي الى اسعاد نفسه والاخرين كذلك.

 لقد الّف الاديب الامريكي دوس هكسلي في القرن الماضي كتابا حول تأثير مادة الميكالين على الانسان، وهي مادة مخدرة، تستخرج من نبات الككتوس، اي الصبًير المعروف بالتين الشوكي، لكنه يختلف عن بقية المخدرات كونه يخدر الجسم فقط، لا العقل، وبذلك يرى الانسان النور اضوء والزهر انضر ووجه الحبيب اجمل والاحساس بالرضى اكمل، وهذا الاسترخاء يجعل صاحبه يشعر بالسعادة - - ونعني هنا السعادة المزيفة - -  وواضح ان الرجل السعيد حقا هو ذلك الذي تنبع السعادة الحقيقية من قلبه دون ان يحتاج الى خمر او مخدر.

  لذا فاننا نشعر بهذه السعادة عندما يرتقي وطننا ويزدهر المجتمع ويصل ابنائه الى مراتب سامية، كأن  يكتشف احدهم دواء لمرض عضال او عندما يكون في استطاعتنا ان نقضي على الأمًية ونكافح التخلف والعقائد البالية او عندما يزول حكم ظالم عن كاهل شعب غُلب على امره، او يعم البشرية بركة السلام ونحو ذلك.

  كان نبينا محمد عليه الصلاة والسلام نموذجا حيا في السعي لتحقيق السعادة الروحية، تجلت في سلوكه، وهي خدمة بني البشر، بغية تطويرهم نحو حياة احسن، فعندما وصل النبي الى مدينة يثرب في عامه الاول للهجرة وجد القبائل العربية في تناحر دائم، كانت قبائل الاوس والخزرج النصرانية، اشدها عنفا واقتتالا، فبدأ النبي الكريم يرشدهم فأسمعهم ما يهذب اخلاقهم، ويصلح حالهم ويطهر قلوبهم ويلم شعثهم عبر توضيح معان بعض الايات القرآنية لهم،  وعندما اصغوا فهموا وتعلموا و اهتدوا وتصالحوا مع خصومهم واعتنقوا الاسلام دينا وتحضروا تدريجيا، وعندما بان للعيان حجم التغير الايجابي للقوم، وقد تحرر من تقاليد وعادات الجاهلية،  امتلأ قلبه غبطة وشعر بالسعادة الروحية تغمره، فغير اسم مدينة يثرب الى المدينة المنورة اي المدينة التي اصبح شعبها متنورا.

 لم تشمل صفة العظمة الانبياء والصالحين فحسب بل اولئك الرجال الوطنيين الذين يقودون شعوبهم بضمير حي ونزاهة مفرطة. فدرب الاستقامة الذي نهجوها، قاد شعوبهم بالتالي الى السعادة الحقة.

 اتذكر اني شاهدت في قناة CNN الامريكية في التسعينيات مقابلة صحفية للمستشار الالماني الاسبق السيد كول، بطل الوحدة الالمانية المعروف، جرت في داره في العاصمة الالمانية برلين. فبعد ان وصل الصحفي الامريكي ودخل بيت كول، وجده وحيدا، اي لم يجد عنده من يخدمه، وبعد ان رحب بضيفه، ذهب الى المطبخ بنفسه ليهيئ له القهوة الصباحية. لكن الصحفي شاهد ان هناك رجلا آخر، يدخل المطبخ من الباب المقابل، ويهمّ هو الاخر في عمل قهوته، مما اثار هذا المشهد فضول الصحفي الذي جعله يسأل السيد كول عن هوية هذا الطارئ، فقال له انه جاري، فاستغرب الامريكي لهذا الجواب وقال: وكيف؟،  لِم لَم يكن لكل منكما مطبخه الخاص به؟ فقال المستشار السابق:

 (كانت فكرتي الاولى ان استأجر دارا لوحدي، فيها كل شيء، لكنني وجدت نفسي امام مأزق مادي، بعد ان اكتشفت ان راتبي التقاعدي لا يكفي لذلك، فبدل ايجارها سيرتفع 200  مارك اكثر. وبما اني اريد ان اعيش عيشة مريحة، اقتنعت بالمطبخ المشترك وشكرا.

 وهذا يعني ان السيد كول وهو المستشار الذي حكم المانيا الاتحادية سنوات عدة لم يجرأ يوما ان يمد يده على (بيت المال) للشعب الالماني، هذا (البيت)، الذي يدعم ويطور اقتصاديات الكثير من دول العالم، بأمكانياته المالية الهائلة.

اقول ان هذه السيرة المثالية لأمثال هؤلاء الحكام الشرفاء، هي السر في سعادتهم وسعادة شعوبهم، وبالتالي في ازدهار حضارتهم وتقدم بلادهم، كما نراهم اليوم.   

 

بقلم د. رضا العطار

 

 

   

يسري عبد الغنيفاتح الأندلس طارق بن زياد

تكاد شخصية طارق بن زياد، الرجل الذي ينسب له فتح الأندلس، مليئة بالغموض، فهناك العديد من القصص والحكايات المتعلقة بحياته الشخصية أو موضعه التاريخي، ونهايته غير معروفة بوجه الدقة إلى اليوم.

لقد ارتبطت شخصية طارق مبدئياً بالبطولة وتحقيق حلم كبير كدخول العرب إلى بلاد - الفرنجة، التي ظلّ بها المسلمون لحوالي ثمانية قرون منذ أوائل القرن الثامن الميلادي إلى القرن الخامس عشر بسقوط دولة بني الأحمر في غرناطة سنة 1492.

وعرف طارق كأحد قادة جيش موسى بن نصير في بلاد المغرب في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك، وقد أبدى مهارة في القيادة لفتت الانتباه له، ما دعا إلى اختياره حاكماً لمدينة طنجة مكافأة له، وهو يبذل الصبر والإصرار ويظهر المواهب.

لكن شهرته الأساسية ارتبطت بالأندلس وعملياته الاستطلاعية التي سبقت الحملة، بحيث يمهد الطريق إلى هناك بناء على رؤية واقعية بالأرض، ولا يزال جبل طارق المسمى باسمه شاهداً إلى اليوم على تاريخ الرجل، الذي ولد سنة 675م / 55هـ وتوفي سنة 720م / 101هـ، حيث عاش حوالي 45 سنة ومات شاباً.

وقد خلد الشاعر المصري علي محمود طه، قصة طارق بن زيادة في قصيدة مشهورة طويلة جاء فيها:

من علّم البدوي نشر شراعها

وهداه للإبحار و الإرساء

أين القفار من البحار وأين من

جنّ الجبال عرائس الدّأماء؟

يا ابن القباب الحمر ويحك!

من رمى بك فوق هذي اللّجة الزّرقاء

تغزو بعينيك الفضاء وخلفه

أفق من الأحلام والأضواء

جزر منوّرة الثّغور كأنّها

قطرات ضوء حفاف إناء

والشّرق من بعد حقيقة عالم

والغرب من قرب خيالة رائي

ما بين المولد والنهاية

ولد طارق بمنطقة بولاية وهران غرب الجزائر، وقد كان طويل القامة وضخم الهامة وأشقر اللون. ولكن ثمة ثلاث روايات حول أصوله، الأولى تنسبه إلى البربر الأفارقة، والثانية إلى الفرس من همدان، والثالثة إلى العرب من حضرموت. ما يدل على هوية الرجل العابرة للأجناس، وهي سمة إيجابية تحسب لصالحه في التاريخ.

وكما مولده ونسبه فإن نهاية الرجل أيضا محفوفة بالغموض، فمن المعروف أنه عاد إلى دمشق بصحبة موسى بن نصير بعد ان استدعاهما الخليفة الوليد بن عبد الملك، وقيل إن السبب هو خلاف بين طارق وموسى، وقد عزلا في نهاية الأمر.

ويبدو أن ثمة صراعا حول السلطة والمطامع وراء الأزمة بكليتها، ونقل أنه في أيامه الأخيرة عاش فقيراً ومعدماً إلى أن مات، بل إنه شوهد يتسول في المساجد، وهي المفارقة المدهشة التي لو صدقت فإنها تصوّر إجحافاً كبيراً تم بحق هذا القائد العظيم من السلطة الأموية.

تعتبر علاقة موسى بن نصير بطارق بن زياد من العلاقات المرتبكة، فالرجل الذي اهتم بطارق في البدء وهيأ له المراقي، وبه استطاع موسى أن يحقق الانتصارات في المغرب، عاد ليحسده بعد أن وجده يصعد إلى أعلى. هكذا تبدو الصورة من بعض الوجهات. وفي بعض الروايات أن موسى غضب على طارق وسجنه وهمّ بقتله لولا شفاعة مغيث الرومي مولى الوليد بن عبدالملك.

وهناك قصة أخذت طابعاً أسطورياً، تُروى عن سبب الصراع بين الطرفين، وهي خلافهما حول مائدة من الذهب مرصعة بالأحجار الكريمة، بحسب القصة إنها تعود للنبي سليمان بن داود، وأن طارقاً استولى عليها في غزواته، وفي النهاية فإن المائدة – بحسب الرواية – استقرت في قصر الخليفة الأموي بدمشق.

أما الحكاية الكبيرة فهي قصة حرق الأساطيل البحرية بعد عبور البحر إلى الأندلس، التي كثيرا ما روّج لها، وأن طارق هدف إلى دفع جنوده إلى الاستبسال وعدم التفكير في العودة إلى الوراء. وقد تكون القصة ذات مغزى رائع، لكن هل كانت حقيقة؟

وفي أغلب الروايات فهي ليست صحيحة، حيث لم ترد سوى في مصدر واحد هو كتاب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" للإدريسي، الذي عاش بعد خمسة قرون من فتح الأندلس.

وترفق قصة حرق السفن بخطبة شهيرة منسوبة لطارق قال في مطلعها: "أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر".

برغم كل شيء، فإن طارق قد دخل التاريخ وخلد اسمه في العديد من الأماكن، وعلى رأسها الجبل المسمى باسمه، وفي عام 2012 أصدر البنك المركزي البريطاني لحكومة جبل طارق ورقة مالية تحمل صورته من فئة 5 جنيهات استرلينية.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

جميل حسين الساعديفي أوائل السبعينات من القرن المنصرم تعرفت على الشاعر عبد الأمير الحصيري صدفة في سوق السراي، وهو سوق شعبي لبيع الكتب، يتفرع من شارع المتنبي، الذي يضمّ أكبر وأشهر المكتبات في بغداد مثل مكتبة المثنى ودار البيان ودار التربية وغيرها من المكتبات، كنت كثيرا ما أتردد على سوق السراي لشراء الكتب القديمة، التي كانت تباع بأسعار رخيصة، وكان لي هناك صديق صاحب (كشك) لبيع الكتب القديمة هو الأديب عبد العزيز القديفي مؤلف كتاب (شوقي في الميزان)، كنت بعد أن أنهي تطوافي في السوق، أذهبُ إلى محلّه الصغير، الذي يتوسط أحد جانبي السوق لأمضي عنده بعض الوقت نتجاذب فيه أطراف الحديث في مواضيع عديدة، وعلى رأسها الأدب والشعر . كنت أذهب إلى السوق مرتين كلّ أسبوع، لأبحث عما هو جديد من الكتب والمجلات مثل: مجلة الفكر المعاصر وتراث الإنسانية والهلال وسلسلة (كتابي)، وكنت في كلّ مرة أزور صديقي عبد العزيز القديفي . وفي إحدى تلك الزيارات عرّفني بالشاعر عبد الأمير الحصيري، الذي التقيته فيما بعد مرّات كثيرة، كان آخرها في اتحاد الأدباء العراقيين في العلوية قرب ساحة الأندلس . كان مخمورا كالعادة، ووقف غير بعيد عني، وهو يشير بيده إلى شفيق الكمالي وزير الثقافة والإعلام في زمن النظام السابق، الذي كان يلقي محاضرة في ذلك المساء في اتحاد الأدباء العراقيين، صارخا بأعلى صوته (لقد أفسدت اللغة العربية يا شفيق). ثمّ استمر الحصيري في مقاطعة الكمالي وتصحيح الأخطاء اللغوية، وحين انتهت المحاضرة، قامت حماية وزير الثقافة والإعلام شفيق الكمالي، الذي كان عضوا كذلك في القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم في العراق باقتياد الشاعر الحصيري إلى خارج مبنى الإتحاد وانهالوا عليه ضربا، حتى سقط على الأرض والدماء تسيل من أنفه وفمه على قميصه وسترته.

2629 عبد الأمير الحصيري 1كان الشاعر عبد الأمير الحصيري حجة في اللغة العربية، أبصر النور في العام 1942 في النجف الأشرف، المدينة التي أنجبت كبار الفقهاء والشعراء والأدباء. أمضى سنوات شبابه الأولى فيها يحضر مجالسها الأدبية ويصرف معظم وقته في قراءة الشعر العربي قديمه وحديثه، وقد أخبرني في أحد لقاءاتي معه، أنّه كان يحفظ أكثر من 150 ألف بيت من الشعر عن ظهر قلب، ثمّ انتقل إلى بغداد في العام 1958 ليبدأ حياة مختلفة تماما عن تلك التي عاشها في النجف، حياة أقلّ ما يقال عنها أنّها حياة صعلكة وتشرد وعدم استقرار، مارسها الشاعر، ليعلن بذلك رفضه للواقع والتمرد عليه، ويهيم على وجهه متنقلا بين الأرصفة والحدائق والحانات . وقد وصف حاله بهذه الأبيات، المقتبسة من قصيدته، (أنا الشريد):

ما زلت طفلا غريرا، كيف تقربني

أنا التشرد والحرمان والأرق؟!

أنا الشريد!! لماذا الناس تذعر من

وجهي؟ وتهرب من أقداميَ الطرق؟!

وكنت أفزع للحانات، تشربني

واليوم!! لو لمحت عينيّ، تختنق

2629 عبد الأمير الحصيري 2

كان الحصيري متأثرا بسيرة شاعر الصعاليك في العصر الجاهلي عروة بن الورد، حتى أنه أصدر في العام 1973 مجموعته الشعرية (مذكرات عروة بن الورد)، والتي عبّر فيها عن نزعته إلى التمرد وإلى تمجيد الصعلكة والإشادة بشعرائها، حتى نعته بعض شعراء الستينات ب (عروة زمانه) . فالصعلكة في منظوره منهج حياتي، ومنظومة قيم جديدة، تتصدى لقيم المجتمع المفروضة من قبل علية القوم، فشعراء مثل تأبّط شرا والسليك بن سلكة وغيرهم من شعراء العصر الجاهلي كانوا أصحاب قضية تنتصر للمحرومين والمظلومين وتسعى إلى كسر شوكة الأقوياء على طريقتها الخاصة .

في العام 1978 عثر على أمير الشعراء الصعاليك، عبد الأمير الحصيري جثة هامدة في فندق شعبي في منطقة الكرخ . وبرحيله فقد الشعر العراقي شاعرا تفرّد بأسلوبه الشعري وبطاقته الشعرية المتميزة، التي ضخّت دماء جديدة في عروق الشعر العمودي، فجعلته ينهض ويندفع إلى الأمام قاطعا أشواطا بعيدة على طريق الحداثة والتجديد مع الإحتفاظ بالأصالة وفخامة اللغة.

 

جميل حسين الساعدي

 

 

محمود محمد عليما بين الأدب والدبلوماسية مشترك كبير، إذ يتفاوت هذا المشترك بين كاتب وآخر، ولعل هذا المشترك يتقاسمه كثير من الرجال العظام الذين هم هدية النعيم للإنسانية في بعض المناسبات، وهم يمثلون في التاريخ الأقطاب الذين ينتصبون عادة عند مفارق الطرق فيرشدون المسافرين إلي الطريق الصحيح، وفد كان الأستاذ الدكتور "سامي مصباح الدروبي" أحد هؤلاء الرجال الذين لم يبعثوا فقط لشعوبهم وحدها، بل لإرشاد الجنس البشري بأسره، وقد حملت رسالته الروح الحقيقية للعروبة والقومية العربية، وقد أعلنت علي الملأ في وقت كان فيه العالم بصورة عامة، والوطن العربي بصورة خاصة يعاني أحوالاً سيئة بسبب قوي الشر في القرنين التاسع عشر والعشرين.

يقف المفكر والفيلسوف والأديب السوري "سامي الدروبي" في طليعة المثقفين العرب الذين دفعتهم الظروف إلي الإقامة في الغرب الأوروبي، ويكاد يكون أكثر هؤلاء صلة بالواقع العربي من حيث إلحاحه المستمر علي البحث في قضايا هذا الواقع وتقديم صورة موضوعية له تُظهر العالم الغربي علي مبلغ ما يمكن أن يقدمه العرب للعالم، وما يستطيعون أداءه من رسالة إن هم تجاوزوا ما هم فيه من ضعف وشتات هما لدي النظر نتاج غربي بالدرجة الأولي . وقد اتسمت دراسات الدكتور سامي الدروبي بملمحين أساسيين لا يستطيع قارئ كتبه العميقة إلا التسليم بهما، وهما: الإخلاص ثم الشمول . إذ لا يمكن ومهما اختلفت معه في كثير من مقدماته أو في كثير مما يخلص إليه إلا أن تقر له بهذه اللهجة الصادقة التي تُنبئ عن نفس ممتلئة ألما لما يتهدد أمتها من أخطار، فضلاً عن منهجه الذي امتزج فيه المنطق بالتحليل بالوقائع علي نحو نفتقده في كثير مما نقرءه من كلام عن مجتمعنا ومشاكله وتطوراته.

ولذلك أقول:  يمثل الدكتور "سامي الدروبي" علماً مهماً من أعلام التجديد والإصلاح الفكري العربي المعاصر، وغدت نتاجاته الفكرية والفلسفية والأدبية مرجعيات مهمة في تأصيل الذات والمحافظة علي الهوية، وفي التعبير عن شخصية المفكر العربي في ظل المواجهات الحضارية التي عاشها، ولكن لعل أبرز أفكاره الممتازة أنه كان "يعتقد اعتقاداً جازماً بأن نهضة الأمة العربية، وبعث تراثها وأمجادها يقتضيان الاطلاع الشامل علي الحضارة الحديثة، وتمثل وجوهها المختلفة فكراً وفلسفة وأدباً وفناً "(1).

ولذلك من الوفاء في نظري لجهود الإصلاح الفكري العربي المعاصر، إحياء ذكري الدكتور " سامي الدروبي" بعد ما يزيد علي أكثر من عقد كامل من وفاته، بطريقة علمية تعرض وتحلل الحياه الفكرية والتوجهات الإصلاحية لسامي الدروبي الذي أسهم بدور فعال في الأدب والنقد والترجمة، والدبلوماسية التي ساعدته بعد ذلك في بلورة الهوية والتأسيس لفكرة الدولة السورية؛ لا سيما وأن جيلا كاملا من أدبائنا العرب خاصة في القرن الماضي كان يتغني بترجماته الرائعة لجميع أعمال دوستويفسكي، والتي تعد الترجمات الأشهر بالنسبة له، حيث يروي عن الدكتور " طه حسين " عندما سأله أحد الصحفيين قبل وفاته: ماذا تقرأ ؟، فأجاب أقرأ دوستويفسكي، معرباً بقلم سامي الدروبي، وأضاف: كأني بسامي الدروبي مؤسسة كاملة، حيث يقرأ الفكرة في أصلها باللغة الأجنبية، ومن ثم  يضفي عليها من فكره الخلاق وأسلوبه السامي فتخرج فكرة جديدة، فكانه القارئ يقرأ نصاً عربياً أصيلاً لأديب عربي مشرقي الأسلوب، قوي العبارة، جزل الألفاظ، وهو ما سمي (:مدرسة سامي الدروبي) التي تميزت برصانتها وأسلوبها المميز، وإتقانها، وتعابيرها المعبرة، هذه المدرسة التي تضع الفائدة والمعرفة للقارئ العربي قبل كل شئ آخر ؛ وقد تمني الأديب "رجاء النقاش" أن تقوم مؤسسة قومية باسم (مؤسسة سامي الدروبي للترجمة) تكون مهمتها ترجمة عيون الفكر العالمي بالأسلوب نفسه وعلي الأسس نفسها التي وضعها سامي الدروبي (2).

ولذلك وجدنا الأستاذ " جورج صدقني" يقول عنه:" كان سامي الدروبي يجب أن يترجم، ولكنه لم يكن مترجماً هاوياً، ولا كانت الترجمة هواية لديه . كانت الترجمة في نظره رسالة حضارية . ولطالما بشر في هذا العصر من تاريخ العرب يجب أن يكون عصراً للترجمة، ولطالما حلم بأن يكون هذا العصر عصر الترجمة الثاني بعد عصر الترجمة الأول أيام العباسيين . ورأيه في ذلك أن الأمة العربية بأمس الحاجة إلي أن تفتح نوافذها للهواء والشمس . ولم تكن الترجمة لديه رسالة يبشر بها بالكلام وحسب، بل انبري بنفسه إلي حمل لوائها فكان علما من أعلامها البارزين (3).

وُلد الدكتور سامي الدروبي في عام 1921 وتوفي في عام 1976، أديب وناقد ومترجم ودبلوماسي سوري من مواليد مدينة حمص، وقد درس  سامي الدروبي في مدارس حمص الابتدائية والثانوية، ثم واصل دراسته في تجهيز دمشق، القسم الثانوي للبكالوريا، وتابع دراسته في دار المعلمين العليا لمدة عامين، وعمل معلمًا سنة واحدة قبل أن يوفدَ إلى مصر أواخر عام 1943 ليدرس في كلية الآداب- قسم الفلسفة في القاهرة. تخرَّج سنة 1946، وعمل خلال عامي 1948 – 1949 بدمشق معيدًا في الجامعة، ثم أوفِدَ إلى باريس خلال الأعوام 1949 – 1952 لتحضير الدكتوراه في الفلسفة، وعاد من باريس وعُيِّنَ مدرّسًا في كلية التربية، ثم أستاذًا لعلم النفس.. بعدها أنجز الدروبي مهمته كمترجم فذّ وسط زحام وانشغالات عمل لا ينتهي وخبرات توزعت بين الجامعة وكواليس العمل الدبلوماسي، فقد عمل أستاذا جامعيا للفلسفة في حمص، ثم عميدًا لكلية التربية بجامعة دمشق فوزيرًا للمعارف، ثم سفيرًا لسوريا في يوغسلافيا، مصر، إسبانيا، والمغرب، ومندوبا لسوريا في جامعة الدول العربية في القاهرة التي كانت أقرب المدن لمزاجه وقلبه.

وخلال إقامته بالقاهرة منحه الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر ما لم يمنحه لأي شخص آخر، فقد عامله كصديق أتاح له أن يجالسه وقتما يشاء، بحثا عن "خبرة إنسانية" أو سعيا لمشورة، وفي كل اللقاءات التي جمعت بينهما كان ثمة مقعد يشغله في المخيلة.. كاتب روسي يجري استدعاؤه في أي حديث بين الرئيس وصديقه المترجم الذي كان سفيرا لبلاده في القاهرة. وبلغت درجة الصداقة بينهما أن عبدالناصر عرض عليه، بعد انفصال سوريا ومصر عقب فشل الوحدة بين البلدين، منصب سفير في الخارجية المصرية ليبقى إلى جواره، وقد توفي 1976، ومُنح جائزة لوتس في عام 1978، أي بعد رحيله.

وقد أنجز الدكتور "سامي الدروبي" مهمته كمترجم فذّ وسط زحام وانشغالات عمل لا ينتهي وخبرات توزعت بين الجامعة وكواليس العمل الدبلوماسي، وخلال إقامته بالقاهرة منحه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر ما لم يمنحه لأي شخص آخر، فقد عامله كصديق أتاح له أن يجالسه وقتما يشاء، بحثا عن "خبرة إنسانية" أو سعيا لمشورة، وفي كل اللقاءات التي جمعت بينهما كان ثمة مقعد يشغله في المخيلة.. كاتب روسي يجري استدعاؤه في أي حديث بين الرئيس وصديقه المترجم الذي كان سفيرا لبلاده في القاهرة. وبلغت درجة الصداقة بينهما أن عبدالناصر عرض عليه، بعد انفصال سوريا ومصر عقب فشل الوحدة بين البلدين، منصب سفير في الخارجية المصرية ليبقى إلى جواره.

وتحفل مذكرات زوجته إحسان البيات بالكثير من التفاصيل الكاشفة عن عمق العلاقة مع عبدالناصر وعائلته، لدرجة أن عبد الناصر كان يهتم بالحالة الصحية لسامي الدروبي كما كان يدعوه بعد إصابته بمرض القلب، بل بعث إليه دواء يابانياً أرسل في طلبه خصيصا؛ يقول د. عمر عبدالسميع في مقال له نشر في الأهرام عنوانه «حين بكى عبدالناصر» عند تقديم الدكتور سامي الدروبي أوراق اعتماده للرئيس جمال عبدالناصر سفيرًا لسوريا في الجمهورية العربية المتحدة في الأول من سبتمبر عام 1966 أي بعد الانفصال بكى السفير سامي الدروبي وهو يقول: إذا كان يسعدني ويشرفني أن أقف أمامكم مستشرفًا معاني البطولة والرجولة فإنه يحز في نفس أن تكون وقفتي هذه كأجنبي، كأنني ما كنت في يوم مجيد مواطنًا في جمهورية أنت رئيسها، ولكن عزائي في هذه الوقفة التي تطعن قلبي يا سيادة الرئيس والتي يمكن أن تشعرني بالخزي حتى الموت، ومضى الدروبي في كلمته بصوت متهدج يبكي، وفي أثناء كلمته بكى جمال عبدالناصر، ورئيس مجلس الوزراء علي صبري ووزير الخارجية محمود رياض، ونشرت الصحف الأجنبية صور تقديم أوراق الاعتماد في صدور صفحاتها الأولى مسجلة أول حادث في التاريخ يبكي رئيس جمهورية في أثناء تسلمه أوراق اعتماد سفير يبكي هو الآخر (4).. وللحديث بقية..

 

أ.د محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – بجامعة أسيوط.

.................

1- جورج صدقني: سامي الدروبي مترجماً، الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، ع 59,6، 1976، ص 6.

2- أحمد سعيد هواش: الدكتور سامى الدروبى بين الإبداع الفكري والنضال القومي 1976 – 1921، الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، مج 45 , ع 53، 2016، ص 92.

3- جورج صدقني: المرجع نفسه والصفحة نفسها.

4- د. عمر عبدالسميع: حين بكى عبدالناصر، مقال منشور بالأخرام المصرية.

 

2625 محمود فهمي حجازياللقاء الأول: التحقتُ بجامعة الرياض في العام الدراسي 1973ـ1974 للعمل بقسم اللغة الإنكليزية في كلية التربية، وبعد سنة تقريباً حصلت بدايات ما يُسمى بالطفرة البترولية، فازدادت مداخيل الدول المنتجة للبترول، وتكاثرت اليد العاملة الوافدة إلى هذه البلدان، لاسيّما دول الخليج، من الغرب والشرق.

التقيت بشابٍ سعودي اسمه الدكتور محمود إسماعيل صيني كان قد حصل على الدكتوراه في اللسانيات التطبيقية من جامعة جورج تاون في واشنطن العاصمة، وعُيّن مدرساً في كلية الآداب بجامعة الرياض في السنة الدراسية التي عُيِّنتُ انا بكلية التربية. وربطت بيننا علاقة ودية بفضل أخلاقه الرفيعة، ومحبته الآخرين، وتشابه تخصُّصنا وخبراتنا.

وذات يوم تحدَّثنا ـ أنا والدكتور صيني ـ عن عدم وجودِ مدرسةٍ تعلّم العمّال الوافدين اللغة العربية، واتفقنا على أن نتبرّع بتعليمهم العربية في المساء. وهكذا حصلنا على غرفتيْن دراسيتيْن في بناية كلية الآداب بحي الملز في مدينة الرياض. وقسَّمنا المتعلِّمِين على قسمَين:

ـ قسم لمَن يعرفون الحروف العربية، ومعظمهم من الآسيويين الذين تستعمل لغاتهم الحروف العربية في كتابتها، واضطلع الدكتور محمود إسماعيل صيني بتدريسه.

ـ وقسم لمَن لا يعرف الحروف العربية، وأغلبهم من البلدان الغربية، وكنتُ أنا الذي أتولى تدريسه.

وقد لقي هذا البرنامج إقبالاً كبيراً في الفصل الثاني. وبعد سنة تقريباً، قرَّر مدير الجامعة، الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الفدا، أن يؤسِّس في الجامعة معهداً لتعليم العربية لغير الناطقين بها. وعهد إلى لجنة للإعداد لمؤتمر من كبار المتخصِّصين لوضع تصوّرٍ لهذا المعهد: أهدافه، مناهجه، أنواع الدراسة فيه، الشهادات التي يمنحها، إلخ. فقد كان هذا المعهد أول معهد لتعليم العربية لغير الناطقين بها في المملكة العربية السعودية..

شارك عشرات من كبار الباحثين في هذا المؤتمر الذي عُقد في جامعة الرياض سنة 1977 لتقديم البحوث، التي صدرت في كتابٍ بجزئَين[1]، والمشاركة في الجلسات الاستشارية حول هيكلة المعهد. وهناك تشرَّفتُ بلقاء الدكتور محمود فهمي حجازي الذي استُقدِم من مصر حيث كان يدرّس بقسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة القاهرة. وأُلقِيتْ في المؤتمر بحوثٌ كثيرة. ومن عجائب المصادفات، أن بحث الدكتور محمود حجازي كان عن " التعابير السياقية" في حين كان بحثي عن " التعابير الاصطلاحية" وهو مكمِّل للبحث السابق. ويُعدُّ هذان البحثان رائديْن في اللسانيات العربية الحديثة، كما يقول الدكتور زكي كريم[2].

ومنذ اللقاء الأوَّل بيننا وأنا أشعر بأنَّني كسبتُ صديقاً حقيقياً في شخص الدكتور محمود فهمي حجازي على الرغم من وجودِ عددٍ كبير من العلماء في ذلك المؤتمر، من مصر وغيرها من البلدان. ويعود الفضل في ذلك إلى شخصية الدكتور محمود الجذابة والمخلصة، وأخلاقه الرفيعة، وعلمه الغزير. ولا أجد وصفاً لهذه الشخصية المتميزة أفضل من وصف أحد طلابه، الدكتور إبراهيم عبد المعطي، وهو يرثيه في مقالٍ بجريدة "الوفد" حيث يقول:

" أستاذي الدكتور محمود فهمي حجازي: وجهٌ تعلوه البشاشة، قامةٌ مرتفعة فيها شموخ، شخصية راقية تحمل ملامح الأرستقراطية لكنه مصري أصيل، لديه اعتزاز بالنفس يخلو من التكبُّر، روح طيبة تتسم بالتواضع، بسيط في التعامل مع تلاميذه بساطة لا تنزع هيبته من القلوب، وإنما ترفع قدره في نفوسهم، يصحبهم ويفتح لهم بيته، ويطرقون بابه في أي وقت عندما يحتاجون إليه، يتدفق العلم على لسانه في جمل مرتبة خالية من الغموض،..."[3] 

مولده ومدينته:

ولد محمود فهمي حجازي سنة 1940 في مدينة المنصورة مركز محافظة الدقهلية في شمال مصر. وتقع المنصورة على بُعد 120 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي من القاهرة. وهي تحتلُّ الضفة الشرقية لنهر النيل فرع دمياط، وتقابلها في الضفة الغربية من النهر، مدينةٌ أقدم منها تُسمّى "طلخا". فقد أُنشِئَت مدينة المنصورة سنة 616هـ/ 1219م من لدن الملك الكامل (حكم من 1218ـ 1238م)، وهو ابن أخي صلاح الدين الأيوبي، وخامس ملوك الدولة الأيوبية في مصر. وقد بناها الملك الكامل عند مفترق النيل على دمياط وأشموم، في مواجهة الغزاة الصليبيين (الإفرنج) الذين حاصروا دمياط أثناء الحملة الصليبية الخامسة. بناها في بقعة كانت تسمى " جزيرة الورد"، لأنَّ المياه تحيط بها من ثلاث جهات وفيها أشهر مزارع الورد في مصر؛ وسميت المدينة بالمنصورة تفاؤلاً بالنصر على العدو الغازي. وقد انتصر المصريون فعلاً على الغزاة الذين عادوا إلى بلدانهم.[4]

ولكن الأوربيين عاودوا الكرَّة في حملة صليبية سادسة، وأخيراً في حملة صليبية سابعة (1249ـ1250م) يقودها الملك لويس التاسع، ملك فرنسا بنفسه، ومعه أخوه روبرت دي أرتوا الذي كان يقود فرقة من فرسان المعبد، ومعه كذلك الأمير الإنجليزي وليم أوف ساليزبري الذي كان يقود فرقة إنجليزية. وفي بداية تلك الحملة الصليبية السابعة توفي الملك الصالح سلطان مصر، فأمسكت زوجته شجرة الدر بزمام الأمور بعد الاتفاق مع قائد الجيش ورئيس القصر، وقرَّرت إخفاء نبأ الوفاة حفاظاً على معنويات الجيش، وأرسلت إلى توران شاه ولي العهد الذي كان في حصن كيفا (في تركيا اليوم) راجية قدومه، وتولت بنفسها إدارة البلاد، والتخطيط للمعارك مع قادة الجيش لحين وصول الملك الجديد. وحقق أبناء الشعب المصري العظيم من الجنود والفلاحين المتطوعين، إنزالَ الهزيمة الماحقة بالغزاة، وقُتِل الأميران الفرنسي والإنجليزي وبقية المحاربين الغزاة إلا مَن استسلم منهم فأخذوا أسرى، ومن بينهم قائد الحملة الصليبية السابعة لويس التاسع ملك فرنسا. وهكذا دخلت شجرة الدر التاريخ بحكمتها وشجاعتها.

ولا تزال (دار ابن لقمان)[5] قائمة وسط مدينة المنصورة؛ وهي الدار التي سُجِن فيها لويس التاسع مدَّة شهر حتى دفعت زوجته الفدية المطلوبة، فأُطلِق سراحه في 7 مايو/أيار 1250م. وانتهت الحملة الصليبية السابعة على مصر وتوقَّفت الحملات الصليبية عليها بعد ذلك. فالصليبيون وأشباههم من الذين يتذرَّعون بالدِّين وسيلةً للغزو وقتل الآخرين والاستعمار والاستيطان في أراضي الغير وسرقة ممتلكاتهم، لا يفهمون إلا لغة القوة التي أوصلتهم إلى أراضي الغير واستغلالها، والقوّة هي التي تخرجهم منها كذلك.[6]

وهكذا يكون محمود فهمي حجازي وردة من بقعة جزيرة الورد المباركة "المنصورة"، حلّت بالقاهرة وغيرها من البلدان، وهي تعبق بالخُلق والعِلم وتحمل بين بتلاتها صفحات ناصعة من تاريخ مصر العظيم. 

دراسة الدكتور محمود فهمي حجازي:

حاز محمود فهمي حجازي شهادة البكلوريا الثانوية سنة 1954 أي وعمره حوالي أربعة عشر عاماً فقط، لأن نظام التعليم القديم في مصر، كان يسمح للنابهين من الطلاب أن يتقدَّموا لامتحان البكالوريا بعد سنة واحدة من الدراسة بدلاً من ثلاث سنوات[7].

لم تكن في مصر آنذاك سوى ثلاث جامعات: جامعة القاهرة، وجامعة الإسكندرية، وجامعة عين شمس بالقاهرة.[8] ولم يُقبَل آنذاك بالجامعة الأمّ، جامعة القاهرة، إلا الأوائل المبرَّزين. فَقُبِل محمود في قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة القاهرة، ودرسَ على كبار أساتذتها آنذاك مثل الدكتور طه حسين، والدكتور شوقي ضيف، والدكتورة سهير قلماوي. وفي دراسته الجامعية هذه ألمَّ بالدراسات اللغوية والأدبية في التراث العربي كلّه. وأمضى في كلية الآداب أربعة سنوات من 1954ـ1958، ثم أمضى فيها السنة التمهيدية للماجستير من 1958ـ1959.

وقد ذكر في إحدى مقابلاته التلفزية أنَّه تَّأثر بشخصية الدكتور شوقي ضيف. (ولكنّه ألَّف كتاباً عن طه حسين بعنوان " طه حسين: حياته وفكره"(1998)، ولم يؤلِّف كتاباً عن شوقي ضيف، على ما أعلم." ) وكان حلمه وهو طالب في جامعة القاهرة أن يمثِّل مصر أو البلدان العربية في الخارج. فقد كان له إحساس قوي بالانتماء الى الوطن العربي.[9] 

ومما يدلُّ على همّة محمود فهمي حجازي العالية ومحبّته اللغات عامَّة، أنَّه أثناء دراسته في كلية الآداب التحق بمدرسة الألسن[10] وتابع جميع مقررات اللغة الألمانية فيها، وحصل على شهادتها سنة 1958، علماً بأنَّه كان يجيد اللغتيْن الإنجليزية والفرنسية.  فاضطلع بتدريس اللغة الألمانية في التعليم العام مدة سنة هي 1958ـ1959 في الوقت الذي كان معيداً في كلية الآداب بالقاهرة، ويدرس فيها السنة التمهيدية للماجستير.  ما رسخ اللغة الألمانية وقواعدها في فكره.

وفي سنة 1960 نال بعثةً دراسية إلى ألمانيا مدّتها خمس سنوات (1960ـ 1965) للحصول على الدكتوراه في جامعة لودفيغ مكسمليان في ميونيخ[11] ـ قسم الدراسات اللغوية السامية (اللغات الجزيرية، كما يسميها التأثيليّون العرب اليوم، أي لغات شبه الجزيرة العربية، ومنها اللغة العربية)[12].

درس محمود علم اللغة المقارن في جامعة ميونيخ، ومن اللغات التي درسها هناك إضافةً إلى التعمق بدراسة اللغة الألمانية وآدابها: اللغة اللاتينية، واللغة العبرية واللغة الآرامية. وحصل على شهادات باللغة الألمانية واللغة العبرية، وأخيراً حاز الدكتوراه بتقدير الدرجة العظمى، بعد أن أجيزت أطروحته عن " منهج التحليل اللغوي عند العرب في ضوء شرح السيرافي على كتاب سيبويه" عام 1965م بإشراف أستاذ علم اللغة القارن في جامعة ميونيخ الدكتور أنطون شبيتالر Anton Spitaler .[13]عضو أكاديمية بافاريا للعلوم والإنسانيات ثم نائب رئيسها. 

زواجه وعائلته:

عندما أكتب عن أحد العلماء من الأصدقاء لا بدُّ أن أذكر زوجته، فأنا من المؤمنين بمقولة " وراء كل عظيم امرأة ". فالزوجة الصالحة أحد عوامل نجاح المفكّر والعالم والمبدع. وقد وفَّق الله الدكتور محمود بالزواج سنة  1971 من سيدة رائعة خَلقاً وخُلقاً وعلماً، هي الأستاذة فردوس عبد المنعم منصور الحاصلة على ليسانس الآداب في الآثار المصرية، وشهادات دراسات عليا في المكتبات والوثائق، وهي عضو اتحاد كتّاب مصر، وعضو اتحاد المكتبات، والرئيس السابق والمؤسِّس لمكتبة القاهرة الكبرى، التابعة لوزارة الثقافة المصرية. وقد وفّرت هذه السيدة الرائعة الجوَّ العائلي السعيد الذي ساعد الدكتور محمود على البحث والتأليف وما يتطلَّبه من تضحية من قبل العائلة، كما أسرَّ إليَّ في مناسبات عديدة.

وأحسب أن إخلاص السيدة فردوس لزوجها وقيامها بتوفير المناخ العائلي الذي يمكّنه من الإبداع والعطاء هما نتيجة حبٍّ مزدوج، فهي تحب زوجها حباً جما وتحب المعرفة التي يعشقها وينتجها زوجها في شكل بحوث وكتب تهدف الى تنمية اللغة العربية وثقافتها، فالسيدة متخصِّصة في علوم الكتاب والمكتبات.

وقد منَّ الله عليهما بابنتين ملئتا البيت فرحاً وسعادة، وأحسنت أمهما تربيتهما، وهما:

ـ   رانية حجازي، التي ورثت حب المعرفة من والديها، فحصلت على ماجستير إعلام من الجامعة الأمريكية بالقاهرة سنة 1995، وعلى دكتوراه في السلوك والقيادة التنظيمية من جامعة لافيرن في الولايات المتحدة الأمريكية.

ـ   مروة حجازي التي حصلت على باكلوريا الثانوية من المدرسة الألمانية بالدقي في القاهرة سنة 1993، وليسانس إعلام من جامعة القاهرة سنة 1997.

 عمله في التدريس:

بعد عودته من ألمانيا، انضمَّ الدكتور محمود فهمي حجازي إلى الهيئة التدريسية في قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة القاهرة، وتدرَّج في الدرجات الأكاديمية في ضوء الخبرة التدريسية والمؤلَّفات العلمية: مدرِّس 1966، أستاذ مساعد 1972، أستاذ 1978. [14]

وبوصفه أستاذاً، كان الدكتور محمود فهمي حجازي من خيرة الأساتذة لأنَّه عالِم بموضوعه، واضح بأفكاره، منطقي بمنهجيته، محبٌّ لطلابه وعمله. يقول عنه أحد طلابه السابقين الكاتب إيهاب الملاح:

"كانت المرة الأولى التى أدرس فيها أفكارا منظَّمة وواضحة عن اللغة؛ وأدرك معنى وقيمة المنهج العلمى والرؤية الكلية وضرورة فهم الظواهر أو أي موضوع يخضع للدرس وفق طريقة مخصوصة فى البحث، وسياق منظم للدراسة، وترتيب واضح فى تناول المسائل أو الموضوعات المدروسة.. إلخ."[15]

وفي أثناء عمله التدريسي في كلية الآداب بجامعة القاهرة، عُهِد إلى الدكتور محمود بعدة مسؤوليّات إدارية وأكاديمية من أهمها: 

1ـ أستاذ زائر، جامعة آرلنجن، نورنبرغ، ألمانيا، 1969ـ1970، لتدريس اللغة العربية للألمان فيها.

2ـ أستاذ زائر، جامعة الكويت، 1970 ـ 1974، وعملت زوجته في مكتبة الجامعة.

3ـ مستشار، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) بالقاهرة 1969ـ1979، خبير غير متفرغ في تعليم العربية لغير الناطقين بها.

4ـ أستاذ زائر، جامعة قطر في الدوحة 1980ـ1984؛ وعملت زوجته الفاضلة بتطوير مكتبة الجامعة.

5ـ مستشار تحرير، "مجلة الدراسات العربية" التي تصدر في جامعة هايدلبرغ بألمانيا (1981ـ2019) وكان المستشار العربي الوحيد لدى هيئة تحرير المجلة.

6ـ مستشار، المنظَّمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، 1984ـ 1992، لتنمية تعليم اللغة العربية في ماليزيا.

7ـ وكيل كلية الآداب في جامعة القاهرة من (1989ـ1994)، وأميناً لمجلس الدراسات العليا، بالكلية.

8ـ رئيس تحرير مجلة كلية الآداب، خلال مدَّة عمله وكيلاً لكلية الآداب (1989ـ1994)، وقد اضطلع بتطوير المجلَّة فجعل ما يُنشر فيها محكما، وصارت فصلية تصدر أربع مرات في السنة.

9 ـ رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة (1994ـ1997)

وهذه الدار أسسها الخديوي إسماعيل (حكم 1863ـ1879م) بوصفها مكتبة عمومية سنة 1870م/1286هـ. وكان للدكتور حجازي اهتمام خاص بالبرديات المصرية، فأعاد نشر فهرسة البرديات في هذه الدار بعد أن تولّى رئاستها. وتضمَّ هذه الدار الآن أكثر من 60 ألف من نفائس المخطوطات، منها أكثر من 3 آلاف من البرديات العربية تعود إلى القرن الأول حتى الخامس الهجري.

كنتُ آنذاك أعمل مديراً لإدارة الثقافة والاتصال في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) بالرباط. فرأيتُ أن أعقد أحد اجتماعات المنظمة في ضيافة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية المصرية، دعما لصديقي رئيسها الجديد، الدكتور محمود حجازي، من جهة، وحصولاً على أفضل الشروط لصالح منظَّمتي. وقد عُقد هذا الاجتماع باسم (ندوة مديري مراكز المخطوطات في العالم الإسلامي) وحضره أكثر من أربعين مديراً من جميع الدول الأعضاء بالمنظمة في المدة من 26ـ31/5/1966. ويقيناً أن الاجتماع كان أفضل اجتماع عقدته المنظمة في تاريخها، أو كما قال أ.د. حسن دومان ممثل تركيا في الندوة: " هذه أهم ندوة في تاريخ المخطوطات".[16]

ويعود الفضل في ذلك إلى نشاط الدكتور محمود، وخبراته التنظيمية، ومعرفته المعمقة في قضايا المخطوطات والوثائق، وعلاقاته الوثيقة مع كبار رجال الدولة المصرية، وتواصله العلمي مع محقّقي المخطوطات وخبرائها.  وقد انتُخِب في بداية الاجتماع رئيساً للمؤتمر بعد أن قمتُ بترشيحه، طبقا لتقاليد المنظمة في اضطلاع ممثل الدولة المضيفة برئاسة الاجتماع.

وفي الجلسات العلمية للندوة ألقى كلُّ مدير مركز تقريراً عن المخطوطات في بلده، والخطط المتبعة لجمع المخطوطات بالحرف العربي وصيانتها وإصدار التشريعات القانونية لحمايتها، وتدريس علم المخطوطات... إلخ. ثم اختتمت الندوة بإصدار توصياتها، وعملت إدارة الثقافة والاتصال بالإيسيسكو على متابعة تنفيذ تلك التوصيات، مثل تزويد مراكز المخطوطات في الدول الفقيرة بأجهزة صيانة المخطوطات وترميمها، وتدريب العاملين فيها على استعمالها.

وأصدرت الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، جريدة يومية باسم "المخطوطات" مدّة ستة أيام وزِّعت كل صباح على أعضاء المؤتمر وفيها أخبار المؤتمر وأنشطته الثقافية والاجتماعية. ونظَّمت الهيئة رحلات يومية لاطلاع المشاركين على أبرز المعالم الثقافية في القاهرة، وما أكثرها. وكذلك اقامت احتفالات حضرها محقِّقو المخطوطات وخبراؤها المصريون للتعارف مع المشاركين في الندوة، والتواصل والتعاون فيما بعد. 

10ـ الرئيس المؤسِّس لجامعة نور مبارك للدراسات الإسلامية، في ألماتا، كازاخستان، في حين تولَّت زوجته الفاضلة تأسيس المكتبة الجامعية وتنظيمها.(2001ـ2014).

11ـ أستاذ زائر في الدراسات العليا لمُدد قصيرة في جامعة بودابست (المجر)، وجامعة أمستردام (هولندا)، وجامعة ليون (فرنسا)، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، والجامعة الأمريكية بالقاهرة.

12ـ عضو المجلس العلمي لـ "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" (2013ـ2019). وهو المجلس الذي تتخذ الهيئةُ التنفيذية للمعجم توصياتِه أساساً للمنهجية العلمية التي تتبعها، وقد جُمعت هذه التوصيات في " الدليل المعياري للمعالجة المعجمية والتحرير" الذي أصدرته الهيئة التنفيذية. 

ونجح الدكتور محمود نجاحاً باهراً في جميع هذه المهمات بفضل أخلاقه العالية، وذكائه الفائق، وعلمه الغزير، وشخصيته الجذابة، ودبلوماسيته الرفيعة.  ومن الأمثلة على ذلك أننا عندما بدأنا بالترويج لتعليم اللغة العربية لغير العرب، واختلفنا بتسمية هذا المجال، فبعضنا فضل مصطلح "تعليم العربية لغير الناطقين بها"، ولم يستسغ بعضهم الآخر عبارة "غير الناطقين"، فاستعمل مصطلح " تعليم العربية للناطقين باللغات الأخرى"، ولم يحظَ هذا المصطلح بقبول الجميع. أما الدكتور محمود فأطلق على هذا المجال اسم " تعليم العربية لأبناء اللغات الأخرى". ولم يسعَ إلى فرضه، لأنَّ من أرائه الرصينة في علم المصطلح، وهو من أبرز المشتغلين فيه، أنَّ المصطلح المولَّد لا يُفرَض بقانون أو من قبل سلطة، بل ينتشر بالاستحسان والقبول لدى الجمهور المُستعمِل، فالمصطلح كالسلعة التي يعتمد رواجها على خصائصها الذاتية، وقد يُسهم الإعلان (الإشهار) التجاري قليلاً في رواجها. 

الإشراف على الرسائل الجامعية:

في مشواره التدريسي في الجامعات المختلفة، يفتخر الدكتور محمود فهمي حجازي ـ وهو محقّ بذلك ـ بأنه أشرف على أكثر من 140 رسالة جامعية لدرجات الماستر والدكتوراه في موضوعات مختلفة: علم اللغة، علم اللغة التطبيقي، التراث العربي الإسلامي، مناهج التدريس، وطرائق التدريس. وإذا كانت معظم هذه الرسائل والأطروحات أنجزت بإشرافه في كلية الآداب بجامعة القاهرة، فإن كثيراً منها قد أُعِدَّ في جامعات مصرية وعربية أخرى، وأحياناً بالإشراف المشترك مع جامعات أوربية. وقد أجرى هؤلاء الباحثون من طلبة الدراسات العليا، أبحاثهم الأكاديمية انطلاقاً في الأساس من دروس الدكتور محمود ودراساته العديدة ومؤلفاته القيمة ومنهجيته البحثية في علم اللغة العربية، بحيث يمكن القول إنهم شكَّلوا مدرسةً لغويةً معاصرة متميزةً.

وفي الثمانينيات من القرن الماضي، وقبل أن يُنتخَب عضواً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، وقبل أن يعلن اتحاد المجامع اللغوية والعلمية العربية، بعقدَين كاملَين من الزمن، عن إحياء اهتمامه بتصنيفِ معجمٍ تاريخيٍّ للغة العربية، أخبرني الدكتور محمود ذات مرَّة أنَّه يشجّع طلابه في الدراسات العليا على البحث في المصطلحات اللغوية وكيف تتغير معانيها واستعمالاتها عبر عصور اللغة المتعاقبة؛ مثلاً المصطلحات الجغرافية في الشعر الجاهلي، ثم نفس المصطلحات في عصر صدر الإسلام (الخلفاء الراشدين والخلفاء الامويين) وتطور تلك المصطلحات ومفاهيمها وتغيّرها بمرور الزمن، والقوانين والأسباب اللسانية والاجتماعية والمناخية وغيرها التي تحكَّمت في ذلك التغيُّر والتطوُّر؛ من أجل توفير المادَّة اللازمة لتصنيف معجم تاريخي للغة العربية في المستقبل.

 مؤلَّفات الدكتور محمود فهمي حجازي

أ ـ الكتب:

سأتناول هذه المؤلَّفات في دراسة مستقلة لاحقا؛ ولكني سأذكر عناوينها هنا وتاريخ صدور الطبعة الأولى:

المعجم الألماني العربي، بالاشتراك (فايسبادن، 1974)[17]

اللغة العربية عبر القرون (القاهرة، 1968)

علم اللغة بين التراث والمناهج الحديثة (القاهرة، 1970)

علم اللغة العربية: مدخل تاريخي مقارن في ضوء التراث واللغات السامية ( الكويت، 1973)

مدخل إلى علم اللغة (القاهرة، 1975).

فؤاد سيزكين. تاريخ التراث العربي، ترجمة د. محمود حجازي (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1441 هـ/ 1991م). اضطلع الدكتور محمود بترجمة عدة مجلدات من الكتاب.

الأسس اللغوية لعلم المصطلح ( القاهرة، 1993)

كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، ترجمة نخبة من العلماء وأشرف على الترجمة: محمود فهمي حجازي (القاهرة: الألكسو/الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993).

البحث اللغوي (القاهرة، 1993)

أصول الفكر العربي الحديث عند الطهطاوي (الكويت/القاهرة، 1995)

اللغة العربية في العصر الحديث (القاهرة، 1997)

طه حسين: حياته وفكره (القاهرة، 1998)

أصول علم اللغة (القاهرة، 1998)

حوار الثقافات: عن المؤلفات الألمانية عن التراث العربي الحديث، وعن الدراسات الألمانية في البلاد العربية، بمناسبة معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، 2004.

اتجاهات السياسة اللغوية (الرياض، 2015). 

ب ـ الدراسات والمقالات:

إنَّ الدراسات والمقالات التي كتبها الدكتور محمود ونشرها في الصحف والمجلات أو ألقاها في المنابر الإذاعية والتلفزية، لا تقلَّ أهمية عن الكتب التي ألّفها، لا لأن هذه الدراسات والمقالات تُعَدُّ بالمئات، بل لأنها كذلك تتناول قضايا ذات أهمية بالغة، وتمَّت صياغة بإيجاز غير مُخلٍّ. ولكي أوضّح هذه النقطة، أروي الطرفة التالية:

عندما كان الدكتور محمود رئيساً لجامعة الدراسات الإسلامية في ألماتي، كازخستان[18] (2001ـ2013)، واظب على حضور مؤتمرات مجمع اللغة العربية السنوية بالقاهرة التي تعقد عادة مدّة أسبوعَين في أواخر شهر مارس.. وكانت هذه المؤتمرات تشتمل على جلسة مغلقة في الصباح، وعند الظهر جلسة مفتوحة يلقي بعض الأعضاء بحوثاً سبق أن أعدوها. ولم يكن تحصيل الدكتور محمود في ألماتي يقتصر على تعلُّم اللغتين الكازاخية والروسية، بل كذلك بعض التقاليد العلمية. وكان الوقتُ المخصص في مجمع القاهرة لكل باحث لإلقاء بحثه ساعةً كاملة تعقبها نصف ساعة للمناقشة. وكنا نحرص على استنفاد الساعة المخصصة لنا لتقديم بحوثنا، ولكننا فوجئنا بأن الدكتور محمود فهمي حجازي قدَّم بحثه في عشر دقائق فقط. طبعاً سألناه في بداية المناقشة عن السر في ذلك. فشرح لنا أنها عادة أكاديمية روسية، فالباحث يقدّم الجديد في بحثه، فما الفائدة في تقديم معلومات معروفة لدى الحاضرين، ومن أراد المزيد يمكنه التواصل مع المحاضر أو الاطلاع عليه في المراجع.

 الجوائز والأوسمة وأوجه التكريم الأخرى:

خلال رحلة الدكتور محمود فهمي حجازي العلمية، لفتت منجزاته أنظار العلماء وأصحاب الشأن فكرّموه بأرفع وسائل التكريم ومنها:

عضوية اتحاد كتاب مصر (منذ 1985)

عضوية المجمع العلمي المصري بالقاهرة (منذ 1995).

عضوية مجمع اللغة العربية بدمشق (منذ 1995).

وسام الاستحقاق الألماني الاتحادي من الطبقة الأولى (1997)

(Verdienstorden der Bundesrepublik Deutschland Bundesverdienstkreuz

عضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة (منذ 1999). وفي هذا المجمع تولّى الدكتور محمود رئاسة لجنتَين هامتَين إحداهما لجنة من كبار أعضاء المجمع لتأليف قسم من " المعجم الكبير " الذي يعمل على إعداده المجمع منذ عقود من الزمن، والأخرى رئاسة لجنة اللهجات والبحوث في المجمع.

الجائزة التقديرية لجامعة القاهرة في العلوم الإنسانية (1998).

دكتوراه فخرية من جامعة العلاقات الدولية واللغات العالمية، ألماتي، جمهورية كازخستان (2004 )

وسام من رئيس جمهورية كازخستان (2013).

جائزة الملك فيصل للغة العربية وآدابها (2019 ).

 جهود الدكتور محمود فهمي حجازي في نشر اللغة العربية في العالم

مما قدَّمتُه من معلومات حول دراسات الدكتور محمود فهمي حجازي، واللغات التي تعلّمها، والبحوث اللغوية التي أجراها، والخبرات الميدانية التي اكتسبها؛ يمكننا القول بكل ثقة إن الرجل كان مؤهَّلاً لمهمة كبرى هي نشر اللغة العربية في العالم. بيدَ أن المجال لا يتسع للحديث عن جميع جهوده في ذلك. ولهذا سأقتصر على الحديث بإيجاز عن ثلاث قضايا فقط هي:

أ ـ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) وخبيرها الدكتور حجازي وتأسيس معهد الخرطوم الدولي للغة العربية.

ب ـ المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإسيسكو) وخبيرها الدكتور حجازي، ومناهج تعليم اللغة العربية في ماليزيا.

ج ـ جامعة نور مبارك للدراسات الإسلامية، ورئيسها المؤسِّس الدكتور حجازي ونشر اللغة العربية في آسيا الوسطى. 

وهذه بعض المعلومات عن كل نشاط من هذه الأنشطة:

أ ـ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، وخبيرها الدكتور حجازي وتأسيس معهد الخرطوم الدولي للغة العربية:

أثناء عمله أستاذاً، أشتغل الدكتور محمود فهمي حجازي خبيراً في الإدارة العامة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) خلال سنوات السبعينيات من القرن العشرين. ولم يكن ثمة خبيرٌ باللغة العربية آخر غيره في الإدارة العامة.  بدأت علاقته بالمنظمة أيام مديرها العام الأول المصري الدكتور عبد العزيز السيد (1970ـ1975) وتوطدت هذه العلاقة أثناء تولّي السوداني الدكتور محي الدين صابر الإدارة العامة للألكسو سنة 1976، وانتهت علاقة حجازي بهذه المنظمة سنة 1979، بعد انتقال الإدارة العامة من القاهرة إلى تونس. بيد أن جميع ما فعله الدكتور محي الدين صابر في خدمة اللغة العربية ونشرها في العالم حتى نهاية عهدته مديراً عاماً للألكسو سنة 1988، كان من مبادرات وتخطيط الدكتور محمود فهمي حجازي، فقد كانت العلاقة وثيقة بين الرجلَين، والثقة مكينة، والاهداف واحدة. وفيما يأتي أهم المشروعات التي خطط لها الدكتور حجازي في الألكسو: 

1ـ مشروع النهوض بتعليم اللغة العربية في باكستان (1975).

كان هذا المشروع بطلبٍ من حكومة باكستان التي كانت ترغب دوماً منذ استقلال باكستان سنة 1947 في تعميم تعليم اللغة العربية واستعمالها لغة وطنية بدلا من الإنجليزية وذلك بسبب تعدد اللغات الوطنية التي يربو عددها على ستين لغة في باكستان. ونظراً لعدم تمكن البلدان العربية آنذاك من مساعدة باكستان في تحقيق رغبتها، اضطرت حكومتها إلى الإبقاء على اللغة الإنجليزية في دوائر الدولة وإضافة اللغة الأوردية إليها بوصفهما لغتَين رسميتَين. وتعدُّ اللغة الأوردية لغة مشتركة للمسلمين في الهند وباكستان لاحتوائها على نسبة كبيرة من المفردات والتراكيب العربية، ولكن لا يتكلمها بوصفها لغة أمّ سوى 7 بالمئة من السكان. وأغلبية الأطفال الباكستانيِّين يبدؤون بتعلم القرآن الكريم في صغرهم.[19]

وهكذا بقي تعلم لغة القرآن الكريم واستعمالها رغبة مكبوتة في نفوس المسلمين في باكستان. وقد تُوّجت هذه الرغبة بقانون 2020 الذي أقرّه مجلس الشيوخ الباكستاني والقاضي بإلزامية تعليم اللغة العربية في جميع سنوات التعليم العام من السنة الأولى الابتدائية إلى السنة الثانية عشرة الثانوية.[20]

2ـ معهد الخرطوم الدولي لتعليم اللغة العربية:

كان الدكتور محيي الدين صابر وزيراً للتربية في السودان (1969ـ1972)، وتأكَّد له أنه لا بد من تطوير تعليم اللغة العربية في السودان للاستجابة لاحتياجات السودانيين ممن لغتهم الأم ليست العربية. فتقدمت الحكومة السودانية بمذكرة إلى مؤتمر وزراء التربية العرب سنة 1972 تدعوهم إلى إنشاء مركزٍ لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها. وافق المؤتمر على الطلب، وتبنت الألكسو المشروع سنة 1973، وافتتح المركز في الخرطوم وبدأت الدراسة فيه بتاريخ 15/10/1974. وعندما أصبح الدكتور محي الدين صابر مديراً عاماً للألسكو سنة 1976، عهد الى الدكتور محمود فهمي حجازي خبير المنظمة بتطوير المركز. فاضطلع الدكتور محمود بوضع خطة شاملة للمركز تقضي بتحويله إلى معهد دولي لإعداد المسؤولين عن إعداد معلمي اللغة العربية لغير الناطقين بها، أو ما يسميه الفرنسيون بـ "تكوين المكوِّنين"، مستفيداً بذلك من معاهد إعداد المعلمين للغة الفرنسية بوصفها لغة أجنبية، وكذلك من تخطيط معاهد غوته الألمانية التي تتَّخذ إدارتها العامَّة مقرها في مدينة ميونيخ، حيث درس الدكتور محمود.

وهكذا أصبح " معهد الخرطوم الدولي للغة العربية" بالإضافة إلى تعليم العربية لغير الناطقين بها، يقبل الخريجين الجامعيين المتخصّصين باللغة العربية من جميع أنحاء العالم، من أقصى الصين وإندونيسيا إلى أدنى السنغال وجنوب إفريقيا، لإعدادهم إعداداً خاصاً يمكّنهم من تطوير تعليم العربية وإعداد أساتذتها وتدريبهم في بلدانهم. وقد بذل الدكتور محمود جهوداً فكرية جبارة في إنجاز ذلك وسافر إلى الخرطوم عدّة مرّات لتدريب أساتذة المعهد أنفسهم. وقد تطوَّرت برامج هذا المعهد، فأصبح يمنح البكالوريوس، والماجستير، والدكتوراه، وأنواعاً متعدّدة من الدورات التدريبية والشهادات بما في ذلك دبلوم دورات تعليم العربية للدبلوماسيين غير العرب.[21] 

3ـ إنشاء صندوق تنمية الثقافة العربية في الخارج:

تقدّم الدكتور محمود فهمي حجازي، بوصفه الخبير اللغوي في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) بالقاهرة، بالخطوط العريضة لفكرة إنشاء صندوق تنمية الثقافة العربية في الخارج، للدكتور محي الدين صابر الذي تولى منصب المدير العام للمنظمة في مطلع سنة 1976، ونال موافقته لإعداد المشروع. فاشتغل عليه، مع أشغال أخرى، وأمضى سنتين تقريباً في استكمال المشروع: أهداف الصندوق، هيكلته، مجالات عمله، أماكن العمل، موارده، إلخ. وانتهى من إعداد المشروع وتقديمه للمدير العام أواخر سنة 1978. وكان المشروع يركِّز على نشر اللغة العربية، بوصفها جوهر الثقافة العربية ووسيلتها، في الدول الأخرى، خارج الدول العربية الأعضاء في المنظمة. والدول المستفيدة هي جميع الدول غير العربية، وذلك لنشر اللغة العربية بين سكانها بمَن فيهم الجاليات العربية المهاجرة.

في 19/11/1977 قام الرئيس المصري أنور السادات بزيارة إسرائيل وإلقاء خطاب في الكنيست الإسرائيلي من أجل السلام بين مصر وإسرائيل. رحّبت إسرائيل بذلك لإخراج مصر من معادلة الصراع الإسرائيلي ـ العربي.

في 17/9/1978، وقَّع الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل باستراحة الرئيس الأمريكي في كامب ديفيد بحضور الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.

في 2ـ5 /11/ 1978، اجتمعت الدول العربية، ما عدا عُمان والسودان والصومال، في بغداد وقرّرت مقاطعة مصر ونقل مقر جامعة الدول العربية إلى تونس.

في مطلع سنة 1979 انتقلت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم من القاهرة إلى تونس ممثلة في شخص مديرها العام محي الدين صابر ومعه حوالي 12 موظفاً من غير المصريين. أمّا الموظَّفون المصريون الذين يبلغ عددهم حوالي ثلاث مئة موظف فبقوا في القاهرة.

كنتُ أعمل خبيراً في مكتب تنسيق التعريب بالرباط التابع للألكسو آنذاك. وكانت الألكسو في القاهرة قد تلقت طلباً لترشيح أثنين من كبار الأساتذة العرب للتدريس في "الدورة الصيفية الرابعة للسانيات" التي ستعقد في " معهد أبو رقيبة للغات الحية " الواقع في شارع الحرية بتونس العاصمة، طوال شهر تموز/ يوليو 1979، وهي دورة مصمَّمة لتدريب نخبة من طلبة الدكتوراه من جميع البلدان العربية. وشارك في تدريبهم اثنان من الأساتذة الأمريكان، واثنان من الفرنسيين، واثنان من البريطانيين واثنان من العرب.  وقد رشحت الألكسو أستاذين للتدريس في تلك الدورة هما خبيرها في مقرها بالقاهرة وخبيرها في مكتبها بالرباط، أي الدكتور محمود فهمي حجازي وأنا، علي القاسمي. وأحسب أنَّ الدكتور محمود هو الذي اقترح الاسمين على المدير العام.

كنتُ خلال العام الدراسي 1978ـ1979 أعمل في الصباح في مكتب تنسيق التعريب بالرباط، وأدرس مساءً اللغة الألمانية في معهد غوته بالرباط. وحصلتُ على منحة من المعهد لدراسة اللغة الألمانية في معهد غوته في بلدة (روتنبرغ أوب در تاوبر)[22] في ألمانيا خلال شهر آب/ غشت.َ

وهكذا عندما سافرت إلى تونس للتدريس في الدورة الصيفية للسانيات، قمتُ في اليوم الأول بزيارة الدكتور محي الدين صابر المدير العام للألكسو الذي اكترى مقراً مؤقتا يقع خلف فندق إفريقيا في شارع أبو رقيبة بتونس العاصمة. ووجدت معه 12 موظفاً من موظفي الألكسو الذين جاءوا معه من القاهرة، وهم من غير المصريين. أما بقية الموظفين من المصريين فقد بقوا بالقاهرة. وكان الدكتور صابر وموظفوه منهمكين في العمل لأنهم كانوا يحضّرون لعقد الدورة الخامسة للمؤتمر العام للمنظمة في تونس في المدّة من 24ـ29/12/1979 لإقرار برامج المنظمة المقبلة. وهكذا وجدتُ نفسي أعود إليهم كل يوم بعد أن أنهي حصصي التدريسية في الدورة الصيفية لأساعدهم في إعداد الوثائق اللازمة للمؤتمر. فكان الدكتور محي الدين صابر يخبرني بنوع الوثيقة المطلوبة، فأعدّ مسودتها، وأعرضها عليه للموافقة، ثم أقوم برقنها على الآلة الكاتبة على ورق الاستنساخ (الاستنسل)، وسحب النسخ بالعدد المطلوب منها على جهاز الاستنساخ، ثم أضع كل نسخة في ظرف وأكتب العنوان عليه، ثم أحمل الظروف إلى البريد في الشارع نفسه، لإرسالها. وكنا جميعاً نعمل طوال النهار وطرفاً من الليل.

وعلى الرغم من العلاقة الشخصية الحميمة بين الدكتور محي الدين صابر والدكتور محمود فهمي حجازي، فإن الأخير لم يلتقِ بالأول في تونس. فقد اعتبر أن علاقته بالمنظمة قد انتهت بانتقالها من القاهرة ومقاطعتها مصر. فالدكتور محمود فهمي حجازي مصري عروبي، ولكنه مصريّ أولاً. أضف إلى ذلك أن الدكتور محمود صحب عائلته معه إلى تونس. فهو يحرص دائماً على إعطاء عائلته الوقت المستحق لها. فإذا اضطلع بمهمات تدريسية أو علمية خلال العطلة الدراسية الصيفية فإنه يصحب عائلته (زوجته وكريمتيه) معه، على نفقته الخاصة، لتمضية وقت الراحة معهن والاستمتاع برفقتهن. وهذا ما فعله، مثلاً، في الدورة العالمية الرابعة للسانيات في تونس (كامل شهر تموز/يوليو 1979)، والدورة التدريبية لمفتشي اللغة العربية ومدرسيها في ماليزيا (كامل شهر تموز/ يوليو 1984). فقد كان الدكتور حجازي رجل العلم والمعرفة، وهو في الوقت نفسه رجل الأخلاق والمبادئ والإنصاف.

وفي أثناء عملي مع الدكتور صابر في تونس ورضاه عن نشاطي، فقد أسرَّ لي ذات مرة أنه يأمل أن يكون صندوق نشر الثقافة العربية في الخارج، أهم أجهزة الثقافة العربية في الألكسو بعد أن يوافق عليه مؤتمر المنظمة، وأنه ينوي أن  ينقلني من مكتب تنسيق التعريب بالرباط إلى مقر المنظمة في تونس لأتولى إدارة الصندوق، لا سيما أنني بدأت أحد الأنشطة التي هي في صلب عمل هذا الصندوق عندما التحقتُ بمكتب تنسيق التعريب، وهو تصنيف معجم عربي ـ عربي لغير الناطقين بالعربية هو " المعجم العربي الأساسي".[23] وطلب مني أن  أقوم بزيارة الإدارة العامة لمعاهد غوته لتعليم اللغة الألمانية في ميونيخ، حينما أذهب إلى ألمانيا لدراسة الألمانية في شهر آب/ أغسطس والتعرف على أنشطتها، وبعث بخطاب إلى مديرها العام بذلك. وفعلا رتبت لي الإدارة العامة في ميونيخ زيارة مدتها يومان اطلعتُ فيها على اقسامها الرئيسة: إعداد المعلمين، تأليف المناهج التعليمية، إنتاج الوسائل السمعية البصرية، إلخ. وحملتُ معي وثائق عديدة تتعلق بأنشطة معاهد غوته.

وافق المؤتمر العام للمنظمة في كانون الأول/ ديسمير 1979، وهو أول مؤتمراتها الذي انعقد في تونس، على مشروع صندوق تنمية الثقافة العربية في الخارج الذي أعدّه الدكتور محمود فهمي حجازي،[24]مع تفويض المجلس التنفيذي للمنظمة بمتابعة التفاصيل.[25] وحصل تغيير طفيف في المشروع وهو تسميته بـ " جهاز التعاون الدولي لتنمية الثقافة العربية الإسلامية". وفي أواخر تلك السنة وصلت إلى مدير مكتب تنسيق التعريب بالرباط، العلّامة عبد العزيز بنعبدالله، برقية تلكس من المدير العام للمنظمة تنصُّ على نقل علي القاسمي من مكتب تنسيق التعريب بالرباط إلى مقر المنظمة بتونس. ولكني لم أكن مستعداً للانتقال لعدة أسباب، منها أن ولدي حيدر التحق السنة الفائتة بالمدرسة العراقية الابتدائية في الرباط كما بدأ دراسته في السنة السادسة ذلك العام الدراسي، ومنها أنني أحببتُ المغربَ وأهله ونسجت وشائج صداقة مع كثير من أعلام الثقافة فيه، ومنها أنني استشرتُ، العلامة عبد العزيز بنعبدالله مدير مكتب تنسيق التعريب، الذي أثق في حكمته ونزاهته، فقال لي ثلاث كلمات: " ستكون أسعد بالمغرب".

ولهذا توليتُ الإجابة على برقية التلكس بنفسي بدلا من مدير المكتب، لأعتذر فيها عن عدم استطاعتي الانتقال لأنه لا توجد مدرسة عراقية لابني في تونس.  وأعترف الآن أنني أخطأتُ عندما وافقت على اقتراح المدير العام وجهاً لوجه في تونس خلال شهر تموز/ يوليو. ولم يكن صديقي الدكتور محمود فهمي حجازي موجوداً في المنظمة ليصلح ذات البين. وشعرتُ بأن علاقتي ساءت بالمدير العام الذي كان محقّاً في غضبه عليَّ. وأخيراً أدّت تلك العلاقة السيئة إلى استقالتي من الألكسو، والتحاقي بالمنظَّمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو). 

الدكتور محمود فهمي حجازي وعمله مستشارا للإيسيكو:

بدأت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) عملها في مقرِّها بالرباط في شهر مايو 1982. وكنتُ من أوائل العاملين فيها. وفي بداية العمل كان عددنا خمسة أشخاص مع ثلاث كاتبات وفرّاش/ شاووش، وسائق. وهؤلاء الأشخاص هم: المدير العام، العلامة الدكتور عبد الهادي بوطالب[26]، ومدير ديوانه الأديب المغربي مصطفى القصري[27]، والمسؤول الإداري أبو بكر الصقلي، والأستاذ الجامعي محمد الفاسي الفهري، وأنا.

عمل الدكتور محمود فهمي حجازي مستشاراً للإيسيسكو في المدة من 1984ـ1991. واضطلع بثلاث مهمام بارزة: 

1ـ إدارة الدورة التدريبية لمفتشي ومدرسي اللغة العربية في ماليزيا:

اختار المدير العام للمنظمة، الدكتور عبد الهادي بوطالب، إقامة أول دورة تدريبية للمنظمة في ماليزيا، ربّما لأن هذه الدولة كانت مترددة في الانخراط في الإيسيسكو. وعهد بالتنفيذ إليَّ وطلب مني أن أشرف على الدورة طوال انعقادها مدة شهر. وبعد التواصل مع الحكومة الماليزية، تم الاتفاق على عقد الدورة التدريبية لمدة شهر خلال صيف 1984، ويشارك فيها 100 من مفتشي اللغة العربية ومدرسيها في ماليزيا. واختارت وزارة التربية الماليزية بلدة (نيلم بوري) في ولاية كلنتان الواقعة في الشمال الشرقي من دولة ماليزيا على الحدود مع تايلند والمطلَّة على بحر الصين الجنوبي.

وصلتُ العاصمة كوالا لامبور قبل ثلاثة أيام من بدء الدورة التدريبية، لمقابلة وزير التربية الوطنية الطبيب الدكتور داوود سليمان، ووزير الثقافة أنور إبراهيم. وكان الوزير أنور إبراهيم، من قبل، رئيس منظمة الشباب الإسلامي الماليزية، وزعيما في المعارضة، وقد سُجن مدة سنتين في السبعينيات بدون محاكمة لقيادته مظاهرة حاشدة ضد الفقر والتهميش، وبعد أن أُطلق سراحه، زادت شعبيته. وهنا أرسل إليه رئيس الوزراء محمد مُحاضِر، وهو رئيس الحزب الحاكم وأخبره بأنه يرى أن رئيس الوزراء المقبل ينبغي أن يكون أنور إبراهيم، لأنه يتمتع بالذكاء والنزاهة والشخصية اللازمة لهذا المنصب، ولكي يتحقّق ذلك لا بد أن ينخرط أنور إبراهيم في الحزب الحاكم، وسيدربه مهاتر في دواليب الدولة، ويعينه وزيراً في مختلف الوزارات، لا سيما وزارة التربية التي تقتضي التقاليد الحكومية في ماليزيا أن يكون رئيس الوزراء قد خدم وزيراً للتربية من قبل. وهذا ما كان.

وعندما قابلتُ أنور إبراهيم، الذي كان وزيراً للثقافة، شعرتُ أنه صديقي منذ مدة طويلة وأنا لم ألتقِ به من قبل. فقد كانت له شخصية جذّابة تجعلك تشعر بأنه أخوك المخلص الصادق. وعلى الرغم من أن وقت العمل قد انتهى الساعة السادسة مساء، فإن الوزير أعطاني كتاباً عن ماليزيا لأقرأه حتى ينهي جميع أعماله ذلك اليوم ثم يصحبني معه إلى منزله لتناول طعام العشاء معه ومع عائلته.

أسرَّ إليّ أنور إبراهيم الذي كان محباًّ كبيراً لرئيس الوزراء الدكتور محمد مُحاضِر ومعجباً شديدَ الأعجاب به، أن محاضر تولى رئاسة الوزارة سنة 1981 بوصفه رئيس الحزب الأكثر شعبية في البلاد، المنظمة الوطنية الملاوية المتحدة؛ وأنه أخبر وزراءَه من أعضاء حزبه، أنه سيحوِّل ماليزيا من بلد زراعي فقير، إلى بلد صناعي غني، خلال عشرين عاماً فقط وأنه سيعتزل السياسة بعد ذلك. (وفعلا حقق ما يريد، وتخلى عن الحكم سنة 2003)؛ وأنه أخبرهم أن العرب يحبونهم وهم يحبون العرب، ولكن ينبغي لماليزيا ألا تنضمّ إلى منظماتهم الدولية، لأنهم سيغرقون في المشاكل بين العرب، ونصحهم بأن ينظروا إلى الشرق للتعاون، وقصد اليابان. ولكن أنور إبراهيم أضاف أن الإيسيسكو هي الاستثناء الوحيد من منظمات العرب، لأن ماليزيا تريدها أن تعلّم الماليزيين اللغة العربية، وأن ماليزيا لا تريد أي مساعدة مالية، بل تدفع جميع ما يلزم من مال لتعلّم اللغة العربية.

وفي ذلك اليوم اتصل الدكتور داوود سليمان، وزير التربية بأنور إبراهيم وزير الثقافة، يرجوه أن يتولى افتتاح الدورة التدريبية في بلدة نيلم بوري، لأن أنور إبراهيم خطيب مفوّه باللغتين الماليزية (البهاسا) وبالإنجليزية، وهو يطعّم خطبه بآيات من القرآن الكريم، ويترجمتها الى اللغة الماليزية، ما يجعله أكثر قبولاً لساكنة تلك الولاية المعروفين بتديّنهم خصوصاً، وللماليزيين عموماً.

توجّهتُ مع مَن وصل من أساتذة الدورة التدريبية بطائرة واحدة من كوالا لامبور إلى نيلم بوري في ولاية كلنتان، فوجدتُ بعض المسؤولين في انتظارنا بالمطار، وصحبونا إلى أفضل فندق في نيلم بوري وأخبرونا بأنهم حجزوا للأساتذة في هذا الفندق المريح على حساب الوزارة الماليزية. فسألتهم:

ـ وأين يسكن المتدربون؟

ـ في القسم الداخلي للمعهد الإسلامي حيث تقام الدورة.

فقلتُ: إن أساتذة الدورة يودّون أن يقيموا في القسم الداخلي نفسه، ويتناولون وجباتهم اليومية مع المتدربين الماليزيين، ويمضون السهرات الليلة معهم في مشاهدة أفلام الفيديو العربية، ويقيمون صلواتهم الخمس معهم.

وفي الحال، فهم الدكتور محمود فهمي حجازي المقصود من كلامي، وأيدني بشدة، ما جعل المسؤولين الماليزيين يصحبوننا إلى القسم الداخلي . وفي المطعم، طلبت ترتيب موائد الطعام بشكل تستوعب فيه كل مائدة 11 شخصاً: عشرة من المتدربين الماليزيين، وأستاذا عربيا من المدرِّبين، لتكون المحادثة أثناء تناول الطعام بالعربية. وكانت الدراسة تتكون من ست ساعات يومياً، مع لقاء لمشاهدة الأفلام العربية بعد العشاء ومناقشتها بعد انتهاء كل فيلم. وكنتُ قد اخترتُ الدكتور حجازي مديراً لتلك الدورة التدريبية.

لقد كانت دورة تدريبية مكثَّفة ناجحة بفضل إدارة الدكتور محمود فهمي حجازي، وتخصصه في الموضوع.

وفي اثناء هذه الدورة التدريبية كنا ـ الدكتور محمود وأنا ـ نلتقي بانتظام لتدارس مسألة تأليف مناهج تعليم اللغة العربية في المدارس الماليزية وكتبها المدرسية. مستعينين بدراساتنا وخبراتنا السابقة في هذا المجال هو عند دراسته وتدريسه العربية في ألمانيا، وأنا في دراستي وتدريسي العربية في الولايات المتحدة الأمريكية[28]. واتفقنا على الأسس اللازمة لذلك. 

2ـ تأليف كتب تعليم اللغة العربية للمدارس الماليزية:

كانت أهم المبادئ التي اتفقنا عليها في تأليف تلك الكتب كما يلي:

1ـ أن يضطلع بتأليف الكتب المدرسية لتعليم اللغة العربية في المدارس الماليزية أساتذة ماليزيون، يختارهم الدكتور فهمي حجازي ويدرّبهم على أصول التأليف، وأن تُكتب أسماؤهم على أغلفة الكتب.

2 ـ أن تكون لكل سنة دراسية ثلاثة كتب: كتاب الطالب، كتاب المدرّس، كتاب التمارين.

3 ـ أن يكون كتاب الطالب مدعَّماً بوسائل الإيضاح اللازمة: الرسوم والصور والأشرطة الصوتية. (لم تكن الشابكة قد استُعملت في التعليم عن بُعد).

4 ـ أن يمكِّن محتوى الكتاب الطالبَ من استيعاب الحضارة العربية الإسلامية والتعبير عنها، وفي الوقت نفسه استيعاب الثقافة الماليزية والتعبير عنها.

5 ـ وهذا يستلزم أن يكتسب الطالب المهارات الأربع: الفهم (فهم المسموع، وفهم المقروء) والتعبير (التعبير تحدُّثاً، والتعبير كتابة).

6 ـ اعتماد الطريقة التواصلية والاستعانة ببقية الطرائق كذلك (وكانت الطريقة التواصلية أحدث الطرائق آنذاك).

 تولّى أنور إبراهيم حقيبة وزارة التربية في ماليزيا في المدة من 1986ـ 1991. وتعدّ وزارة التربية أهم وزارة في خطة التنمية البشرية التي كانت ماليزيا تتبناها، فالتعليم هو أساس التقدّم. وأحد الشروط الواجب توافرها في مَن يتولى رئاسة الوزراء أن يكون قد تقلّد منصب وزارة التربية. فالدكتور محمد مُحاضِر، رئيس الوزراء آنذاك، ونائبه موسى هيثم[29]، كانا قد توليا منصب وزير التربية من قبل، وكذلك عبد الله أحمد بدوي[30] الذي تولى رئاسة الوزارة عندما تركها الدكتور محمد مُحاضِر سنة 2003، كان وزيراً للتربية. وعلى الرغم من أن جميع الوزراء الماليزيين متحمِّسين لتعليم اللغة العربية في مدارسهم، فإن أنور إبراهيم كان أكثرهم حماساً، فهو خطيب مفوّه بلغة البهاسا (لغة ماليزيا وإندونيسيا، التي نال شهادة الماجستير بآدابها)، ويستعمل كثيراً من الاستشهادات بالعربية من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف في خطبه. وأحسب أنه حفظ القرآن الكريم أو قسما كبيراً منه قبل أن يلتحق بالمدارس الحديثة. وكانت خطبه تسهم في شعبيته السياسية وشعبية الحزب الذي ينتمي إليه.

في صيف 1986، عقدت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) دورةً تدريبيةً ثانية في ماليزيا لمفتشي ومدرسي اللغة العربية. وطبعاً أخترتُ صديقي الدكتور محمود فهمي حجازي على رأس الأساتذة الجامعيين الأحد عشر الذين اضطلعوا بالتدريب. ولكن لم يتولَّ هذه المرة أية مسؤوليات إدارية فقد كانت مهمته اختيار فريق المؤلِّفين الماليزيين وتدريبهم على تأليف الكتب المدرسية باللغة العربية. وإذا كانت الدورة قد انتهت بعد شهر واحد فقط، فإن الدكتور حجازي أمضى شهراً ونصف. وبدأ فريق المؤلِّفين الماليزيين بتأليف الكتب ذلك العام بإشرافه وتوجيهه. وكان وزير التربية الماليزي أنور إبراهيم حريصاً على الانتهاء من تأليف الكتب في أسرع وقت ممكن والبدء باستعمالها في المدارس. ولهذا لمّا أصبح الدكتور محمود فهمي حجازي وكيل كلية الآداب بجامعة القاهرة، وحالت مسؤولياته الإدارية دون سفره إلى ماليزيا، أخذ الوزير أنور إبراهيم بإرسال فريق المؤلفين الماليزيين إلى القاهرة للاجتماع مع الدكتور حجازي. إضافة إلى ذلك، لم يطلب الدكتور محمود حجازي من الإيسيسكو طوال تلك المدة مكافآت عن عمله في تأليف الكتب أو مقابلاً لرحلاته إلى ماليزيا للاجتماع بفريق المؤلِّفين. فتأكّد لي أن وزارة التربية الماليزية قامت بذلك، وفهمت كلام أنور إبراهيم: " إن ماليزيا ستدفع ما يلزم من مال لتعلّم اللغة العربية."

وفعلاً أنتهى تأليف الكتب قبل أن يتحوّل أنور إبراهيم من وزارة التربية الى وزارة المالية سنة 1991. وعندما وصلتني الكتب، قرأت المقدمة التي كتبها مدير التعليم العربي في وزارة التربية الماليزية، وشعرتُ بالخجل، لأنه وجّه الشكر ليّ، في حين أن صاحب الفضل في تأليف هذه الكتب، هو الدكتور محمود فهمي حجازي وفريق المؤلفين الماليزيين. وبعد عشر سنوات تقريباً من تركي العمل في الإيسيسكو، التقيتُ بأحد المشاركين في ندوة عُقدِت في مدينة مراكش وهو أستاذ جامعي ماليزي يعمل في الجامعة الإسلامية بكوالالمبور وسألته عن تلك الكتب، فدُهِش لسؤالي عن كُتب مدرسية تمَّ تأليفها قبل خمسة عشر عاماً، لأنَّ ماليزيا تغيّر مناهجها المدرسية كلَّ ثلاثة أعوام تقريباً، فالعلم في تطوّر والمعرفة في تغيّر، وكلُّ شيءٍ يتغيّر!!!

 ج ـ جامعة نور مبارك الإسلامية في ألماتي في كازاخستان:

في أثناء زيارة نور سلطان باييف، رئيس جمهورية كازخستان[31]، لمصر سنة 1993، تمَّ الاتفاق بين الحكومتين على بناء جامعة إسلامية في كازخستان. وأُنجِزت المرحلة الأولى من البناء الذي اضطلعت به شركة المقاولين العرب المصرية، سنة 2000. وبعد تجهيز الجامعة فتحت أبوابها للطلاب سنة 2003، واضطلع الدكتور محمود فهمي حجازي برئاسة الجامعة حتى 2014، وأُسند إنشاء مكتبة الجامعة إلى زوجته المكتبية الماهرة الأستاذة فردوس، فالمكتبة هي قلب أية جامعة حديثة. أما بعد الدكتور حجازي ورئاسته التي دامت أحد عشر سنة،  فإن رؤساء هذه الجامعة يُرسلون من مصر لمدة أربع سنوات فقط.

وقد حدّثني الدكتور محمود حجازي عن الكيفية التي استطاع أن يقنع بها الرئيسين الكازاخستاني والمصري على تحمل نفقات إنشاء جامعة إسلامية وتسييرها. فقد حدَّث الرئيس الكازخستاني أثناء زيارته لمصر، عن العلاقات الوطيدة القديمة بين المسلمين التي لعبت كازخستان دوراً هاماً في إرساء العلم والحرية في البلدان العربية، وفصّل في شخصيتين كازاخستانيتَي الأصل هما: الفارابي والظاهر بيبرس.

ولد مؤسس الفلسفة الإسلامية أبو نصر محمد الفارابي (260ـ339هـ) في مدينة فاراب (في كازاخستان اليوم)، وتعلَّم في بغداد فبرز في علوم عديدة كالطب، والفلسفة، والفيزياء، الموسيقى، وصار أحد كبار الفلاسفة المشرفين على دار الحكمة ببغداد، وهي مكتبة ومجمع ومركز أبحاث أسسه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور (حكم 137ـ158 هـ).  وتنقَّل الفارابي إلى دمشق والقاهرة وتطوان في المغرب، ولقي رعاية خاصة من سيف الدولة الحمداني في حلب. ولُقِّب بالمعلِّم الثاني لاهتمامه بشرح كتب المعلِّم الأول، أرسطو. ويعزى إليه تصميم وصناعة آلة القانون الموسيقية. وأثَّرَ في جميع الفلاسفة المسلمين بعده.

أما الملك الظاهر بيبرس سلطان مصر والشام (حكم من 658ـ676هـ/ 1260ـ 1277م)، فقد كان قائدأ عسكرياً فذاً يتصف بالشجاعة والحكمة وهو أيضا مولود في الجغماق (كازاخستان اليوم)، عندما تعرَّض قلب العالم الإسلامي إلى هجمتين شرستين من الشرق والغرب:

ألأولى، هجمة المغول من الشرق الذين أسقطوا بغداد سنة 656هـ/1258م، فأوقف تقدمهم السلطان قطز وقائد جيشه الظاهر بيبرس، وهزماهم في معركة " عين  جالوت" الشهيرة وتتبعهم قائد الجيش بيبرس وقضى على فلولهم في الشام، ثم هزمهم في معركة الأبلستين سنة 1277م؛

والثانية، هجمة الصليبيّين من أوربا الذين انتصر عليهم قائد الجيش المصري الظاهر بيبرس في معركة " مصيدة المنصورة" الشهيرة سنة 1250م وهزمهم وقتل قادتهم العسكريين وأسر لويس التاسع ملك فرنسا قائد الحملة الصليبية السابعة، وسجنه شهراً كاملاً إلى أن دفعت زوجته الفدية. كما استولى على الإمارة الصليبية في إنطاكية، عقاباً لأميرها الصليبي الذي ناصر المغول وساعدهم في معركة عين جالوت.

وكان الظاهر بيبرس رجلآ عادلاً يساعد الفقراء، متحلياً بالشجاعة والدهاء، مُحبّاً للعلم ومكرِّماً للعلماء، وهو الذي أسَّس المدرسة الظاهرية والمكتبة الظاهرية بدمشق، وضريحه في الأخيرة إلى الآن. وإيماناً من الظاهر بيبرس بأهمية الوحدة الإسلامية، أحيا الخلافة العباسية بالقاهرة عندما تولى الحكم، رمزاً لوحدة المسلمين.

ثم عرض الدكتور محمود حجازي فكرة إنشاء جامعة إسلامية في عاصمة كازخستان آنذاك، الماتي[32]، لتحمل اسمي رئيسي كازاخستان ومصر، " جامعة نور مبارك الإسلامية[33]"، وتكون نفقتها مناصفة بين مصر وكازاخستان. ومعروف أن هذا الاسم المقترح، يكفي لموافقة الرئيسين على المشروع.

تقع الجامعة في منطقة نظيفة بالمدينة عند سفح جبال آلاتو، في شارع الفارابي. وتتوفر الجامعة على مبنيَين تعليميَّين، ومكتبة فيها قاعات للمطالعة، ومركز لخدمة الطلاب، ومطعم ومبنى لسكن الطلاب، ومطعم، ومجمَّع رياضي وصالة ألعاب (كرة قدم، كرة سلة، حلبة للتزلج على الجليد)، وللجامعة الأراضي اللازمة للتوسع.

يوجد في الجامعة أربعة أقسام: قسم اللغتين العربية والإنجليزية وتُعلَّم هاتان اللغتان إلزاميا لجميع طلاب هذه الجامعة، قسم علوم الدين، قسم الدراسات الإسلامية، وقسم الدراسات الإنسانية. في الجامعة حالياً 1733 طالباً وطالبة. كما يؤم هذه الجامعة بعض الطلاب من جمهوريات آسيا الوسطى لاسيما من قيرغيزستان وأوزبكستان. ويؤطر الطلاب 104 من أعضاء الهيئة التدريسية[34]، وتمنح الجامعة شهادات الإجازة، والماجستير (سنتين بعد الإجازة) والدكتوراه (لمن يروم مزاولة القضاء). وتستجيب برامجها لاحتياجات وزارة التعليم والعلم في كازاخستان. وللجامعة مجلس أمناء، نصف أعضائه من المسؤولين الكازاخستانيين والنصف الآخر من المصريين.

 خاتمة:

وخلاصة القول إنني سعدت شخصياً بمعرفة معظم روّاد تعليم اللغة العربية لأبناء اللغات الأخرى في النصف الثاني من القرن الميلادي العشرين والربع الأول من القرن الحادي والعشرين، واطلعتُ على كثير من جهودهم القيمة في هذه المجال الحيوي، بحكم تخصصي وعملي. وهؤلاء الرواد هم من العرب ومن غير العرب، وازعهم عشقهم للغة القرآن الكريم، ودافعهم عظمة هذه اللغة وجمالها وروعة نظامها الصوتي والصرفي والنحوي، فهي أمُّ اللغات البشرية جميعاً وأطولها عمراً وخلوداً[35]. ولكل واحد من هؤلاء الرواد خصائصه المميزة التي يتفرَّد بها من حيث تركيزه على التخطيط واتخاذ القرار[36]، أو تناول الجانب النظري في التأليف، أو ممارسة الجانب التطبيقي في التعليم، أو إعداد المواد التعليمية الأساسية والمُعينة كبرامج التعليم عن بُعد بالمراسلة أو بالشابكة. وهم جميعاً يستحقون التقدير والتنويه بأعمالهم القيمة، واحداً واحداً.

بيد أنني أعدُّ صديقي الدكتور محمود فهمي حجازي من أكثرهم نشاطاً وإنتاجاً وتأثيراً في هذا المجال (ولعل ذلك نتيجة محبتي لشخصيته الفذة، وحسن اطلاعي على نشاطه وأعماله). فقد اشتغل على الجانب الاستراتيجي في هذا المجال، مثل تأسيسه الجامعة الإسلامية في كازاخستان، والجانب النظري عن طريق مؤلفاته اللسانية عن اللغة العربية تاريخاً وحاضرا، فأرسى قواعدَ مدرسةٍ لسانية عربية معاصرة من خلال طلابه الذين كوّنهم في جامعة القاهرة وغيرها من الجامعات العربية، والرسائل الجامعية التي أشرف عليها وهي تزيد عن 140رسالة وأطروحة. وكذلك الجانب التطبيقي إذ مارس تعليم اللغة العربية للألمان وغيرهم، وتدريب مفتشي ومعلمي اللغة العربية لأبناء اللغات الأخرى، وإعداد المواد اللازمة، الرئيسة كالكتب المدرسية، والمعينة كالمعاجم الأحادية اللغة (رئاسته لجنة تصنيف " المعجم الكبير" في مجمع اللغة العربية بالقاهرة)، والمعاجم الثنائية (كاشتراكه في تصنيف " المعجم العربي ـ الألماني").

عندما كان محمود فهمي حجازي طالباً في كلية الآداب بجامعة القاهرة، كان يحلم بأن يكون ممثلاً لبلاده أو للأمة العربية لدى الأمم الأخرى، كما ذكر في إحدى مقابلاته المتلفزة. ويطيب لي أن أخاطبه الآن، بعد أن رحل إلى جوار ربه، والدمع يترقرق في عينيَّ، قائلا: أخي محمود! نم قرير العين خالداً في الفردوس الأعلى، فإنك حقّقتَ حلمك كاملاً: لم تكن سفيراً لحاكم أو ملك أو سلطان. لقد كنتً سفيراً فوق العادة للغة القرآن الكريم، وثقافتها العربية الإسلامية لدى أمم العالم شرقاً وغرباً، وكنتَ أعظم سفير في الدنيا. وأي سفير يبقى في مهمته، كما بقيتَ أنت في كازاخستان، مثلاً، أحد عشر عاماً وأنت تؤسس جامعةً رائعة ستواصل رسالتك الخالدة. ولهذا فإن رئيس جمهورية كازاخستان، منحك أسمى وسام في الدولة، وهو وسام لا يُمنح لأعظم السفراء. وسيذكرك تاريخ الثقافة العربية الإسلامية بأحرف من نور[37].

 

بقلم: الدكتور علي القاسمي

........................................ 

[1] محمد حسن باكلا (المحرر) السجل العلي للنذوة العالمية الأولى لتعليم العربية لغير الناطقين بها (الرياض: عمادة شؤون المكتبات ـ جامعة الرياض، 1400هـ/1980م) بجزئين.

[2] يقول الدكتور كريم زكي حسام الدين في مقدمة كتابه " التعبير الإصطلاحي" (القاهرة: مكتبة الأنجلوـ مصرية، 1985)، إنه لم يسبقه إلى البحث في هذا المجال باللغة العربية سوى الدكتور محمود فهمي حجازي وعلي القاسمي.  والدكتور كريم زكي حسام الدين درس في جامعة القاهرة على الدكتور محمود فهمي حجازي ثم واصل دراساته العليا في الولايات المتحدة الأمريكية ونال الدكتوراه. وعاد إلى جامعته ليتحفنا بعدد من الكتب اللسانية المتميزة. 

[3] إبراهيم عبد المعطي، " أستاذي الدكتور محمود فهمي حجازي" في جريدة "الوفد" القاهرية، الشابكة:     alwafd.news/essay/50363. شوهد بتاريخ 15/5/2021.ش 

[4] أحمد بن علي المقريزي ( ت 845هـ/1442م)، في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ( القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2002) ج1 ص 402.

[5] تحوَّلت دار لقمان اليوم إلى متحفٍ يضمُّ صوراً ولوحات وأشياء تعود إلى فترة الحروب الصليبية.

[6] للوقوف على تفاصيل معارك الحملات الصليبية، تُنظَر المراجع العربية والأجنبية، مثل:

ـ ابن تغري. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2005). و

Chronicles of the Crusades, Villehardouin and de Joinville, translated by Sir F. Marzials, Dover Publications 2007.-

 [7] كما أوضحت لي الأستاذة فردوس عبد المنعم منصور زوجة الدكتور محمود حجازي رحمه الله. 

[8]  بدأت الدراسة في كلية الطب بالمنصورة بوصفها فرعاً لجامعة القاهرة سنة 1962، ثم صدر قانون بجامعة المنصورة المستقلة سنة 1972/1973. 

[9] ذكر ذلك بنفسه في مقابلة متلفزة مع الإعلامية المصرية منى الشاذلي بعد حصوله على جائزة الملك فيصل سنة 2019،

[10] أنشأها في القاهرة الشيخ رافع الطهطاوي باسم مدرسة المترجمين، وفي سنة 1957 صار اسمها مدرسة الألسن العليا، وتمنح شهادة اللسانس، وفي سنة 1973 أُلحقت بجامعة عين شمس وسمّيت بكلية الألسن.

[11] Ludvig Maximilian Universität Münchenمن أرقى الجامعات العالمية للبحوث، تأسست سنة 1472, وتحتل في أحد التصنيفات العالمية للجامعات المرتبة 32، ويبلغ عدد هيئتها التدريسية أكثر من خمسة آلاف باحث، وميزانيتها السنوية 735 مليون يورو تقريباً.

[12] وضعَ مصطلح " اللغات الجزيرية" بديلاً لمصطلح " اللغات السامية"، عالم ُالآثار اللساني العراقي طه باقر (1912ـ1984) المتخصِّص بلغات العراق: العربية، السومرية، الآرامية، الأكدية) ومترجم " ملحمة جلجامش" السومرية إلى العربية. 

[13]  كانت الحكومة المصرية تبعث بعض الطلبة المتفوقين إلى إنجلترا لدراسة اللسانيات ومن أمثلتهم الدكتور إبراهيم أنيس والدكتور تمام حسان  والدكتور كمال بشر. أما طلاب الدراسات الاستشراقية، لدراسة اللغات الجزيرية مثلاً، فقد فضَّلت ابتعاثهم إلى ألمانيا ومن أمثلتهم الدكتور رمضان عبدالتواب والدكتور محمود فهمي حجازي، وذلك لعوامل عديدة منها أن الاستشراق الألماني أقل تأثراً بالتوجهات التبشيرية والاستعمارية لحركة الاستشراق في الدول الأوربية الأخرى، كإنجلترا وفرنسا، حيث يُعيّن المستشرقون مستشارين في وزارة المستعمرات أو لدي الكنيسة لتعليم المبشرين اللغات التي تلزمهم. فحركة الإصلاح الديني البروتستانتي التي تزعمها القس الألماني مارتن لوثر برسالته التي نشرها 1517، نتج عنها ابتعاد الوسط العلمي الأكاديمي الألماني عن تأثير الكنيسة والسياسة؛ إضافة إلى أسبقية الألمان في الدراسات الفيلولوجية (بهدف توحيد اللهجات الألمانية في لغة مشتركة فصيحة)، وكذلك دراستهم لغات الشعوب الأخرى وتراثها بموضوعية وحياد أكبر مما في الدول الأوربية الأخرى.  (يُنظَر: محمد سعدون المطوري، " الاستشراق الألماني ودوره في الدراسات الشرقية" في مجلة " دراسات استشراقية"، ع 3، س 2، (2015) ص

[14] يبدو أن النظام الجامعي المصري الحالي لا يتضمَّن رتبة " أستاذ مشارك " الموجودة في بعض الجامعات العربية والأمريكية. 

[15] إيهاب الملاح " محمود فهمي حجازي...تحية إلى عالم كبير"، جريدة الشروق، بتاريخ 10/11/2017، تم الاطلاع عليه في الشابكة بتاريخ 6/6/2021:

https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=10112017&id=a8617998-edfa-4101-ad08-e93c659c7feaالجامعة.

[16]  مقابلة مع أ.د. حسن دومان ممثل تركيا، في جريدة "المخطوطات" بتاريخ 31/5/1996.، وهو اليوم الأخير من المؤتمر.

[17] ألَّف هذا المعجم المستعرب الألماني، غوتس شراگله Gotz Schragler  (1923 ـ       ) بعد التحاقة بالهيئة التدريسية في جامعة لودفيغ ماكسمليان بميونيخ سنة 1960 مستعينا بأربعة من الطلاب العرب، وفي مقدمتهم محمود فهمي حجازي. وحظي هذا المعجم بالإقبال. أُعيدت طباعته في مكتبة لبنان ناشرون في بيروت، سنة 1977.

[18] كازاخستان، جمهورية استقلت عن الاتحاد السوفيتي سنة  1991برئاسة نور سلطان. تبلغ مساحتها 2,724,900 كيلومتر مربع، تقع في أوراسيا، أي بين أوربا وآسيا، وتطل على بحر قزوين. ويبلغ عدد سكانها قرابة 20 مليون نسمة. كانت عاصمتها الماتي، ولكن الرئيس نور سلطان نقل العاصمة شمالاً سنة 1997إلى مدينة (أستانا)، التي سماها الرئيس الذي تولى السلطة بعده، مدينة (نور سلطان) تكريماً له. اللغة الرسمية فيها : القاقزانية والروسية. والجمهورية غنية بالبترول والغاز.

[19] النسب المئوية التقريبية للسكان الناطقين باللغات الوطنية الكبرى في باكستان كالآتي: البنجابية   38.78، البشتوية 18.24، السندية14.57 ، السَرَيكية 12.19، الأوردية 7.08، البلوشية 3.02، لغات أخرى 6.12. (من موقع باكستان على الشابكة شوهد في 7/6/2021

https://en.wikipedia.org/wiki/Pakistan#Languages

 [20] جريدة " رأي اليوم" بتاريخ 2/6/2021، شوهد في الشابكة تاريخ

2/6/2021https://www.raialyoum.com/index.php/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D9%8F%D9%84%D8%B2%D9%85-%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D9%91%D8%A9-%D8%A5/

[21] عندما كان الدكتور محيي الدين صابر في زيارة عمل للملكة العربية السعودية سنة 1977، التقى زميل الدراسة القديم في مصر، عالم التربية المصري الدكتور أحمد المهدي عبد الحليم الذي كان أحد زملائي في كلية التربية بجامعة الرياض، وأخبره بأنه يبحث عن أستاذ متخصص في المعجمية ليشتغل خبيراً في "مكتب تنسيق التعريب بالرباط" التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. فأخبره الدكتور عبد الحليم عني، بوصفي حاصلاً على الدكتوراه في هذا الموضوع من أمريكا ولي فيه بحوث. فالتقى بي الدكتور صابر واتفقنا على ذلك. وعندما ذهبتُ ذلك الصيف إلى القاهرة لاستكمال أوراق التعيين بالمنظمة للعمل في مكتبها بالرباط، أجرى معي الدكتور صابر عدة مقابلات بطريقة غير مباشرة، ثم عرض عليّ أن أعمل في معهد الخرطوم الدولي للغة العربية بدلاً من مكتب تنسيق التعريب بالرباط. ولئلا أجيبه بالرفض، أخبرته بأنني سأفكر في الموضوع تلك الليلة، وأوافيه بجوابي صباح الغد. خرجتُ من مكتبه وتوجهت فوراً إلى مكتب صديقي الدكتور محمود فهمي حجازي القريب من مكتب المدير العام، وأخبرته بالموضوع وأنني أفضل العمل بالرباط، وما على صديقي إلا ترتيب ذلك، ففعل المطلوب بطريقته الدبلوماسية اللطيفة، والتحقتُ بمكتب تنسيق التعريب في 1/9/1978م. 

[22] تقع بلدة روتنبرغ أوب دَر تاوبر على ارتفاع 430 متراً من سطح البحر في شمال بافاريا في ألمانيا، وهي بلدة قروسطية بنيت من الطوب والخشب سنة  1274م، وعدد سكانها أقل من عشرة آلاف نسمة، وتحتفظ بطابعها القديم ، لذا تُعدّ بلدة سياحية، ولمعهد غوتة  مركز هناك لتعليم اللغة الألمانية للأجانب.

[23] علي القاسمي، المنسِّق وآخرون. المعجم العربي الأساسي (تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1989) وتولت لاروس توزيعه. وقد شارك في تأليفه أحمد العايد، وأحمد مختار عمر، الجيلالي بن الحاج يحيى، داود عبدة، وصالح جواد الطعمة، ونديم المرعشلي. وتولى التحرير، أحمد مختار عمر، وقام بمراجعته: تمام حسان عمر، وحسين نصار، (وقد اخترتُ بنفسي فريق المؤلفين والمراجعين ما عدا نديم مرعشلي والجيلالي بن الحاح يحيى اللذين اختارهما المدير العام من تونس، بعد أن انسحب من الفريق رشاد الحمزاوي قبل بدء العمل.

[24] جرت العادة أن تقدّم المشروعات للمجلس التنفيذي والمؤتمر العام للمنظمة باسم المدير العام للمنظمة ولا يُذكر اسم الخبراء الذين أعدّوها.

[25]  كان نظام الألكسو يقضي باجتماع المؤتمر العام المكوَّن من وزراء التربية أو الثقافة في الدول الأعضاء مرة مدتها خمسة أيام كل ثلاث سنوات، أما المجلس التنفيذي للمنظمة الذي يمثل فيه كل دولة وكيل الوزارة المعنية، وزارة التربية عادة، فيجتمع مرّتَين في السنة ومدة كل اجتماع عشرة أيام. ولهذا فإن المؤتمر العام قد يوافق على مشروع من المشاريع من حيث المبدأ، ويترك دراسة التفاصيل ومناقشتها للمجلس التنفيذي.

[26]  عبد الهادي بوطالب (1923ـ2009): مفكّر وسياسي ودبلوماسي وأديب مغربي، نال العالمية من جامعة القرويين الإسلامية، والدكتوراه من كلية الحقوق بالرباط. مناضل من أجل استقلال المغرب فقد كان أحد زعماء حزب الشورى والاستقلال. كان مستشاراً للملك محمد الخامس، وأستاذا ثم مستشاراً للملكين الحسن الثاني ومحمد السادس. تولى وزارة الأشغال في أول حكومة وطنية، واضطلع بمناصب وزارية عديدة، ورئيس مجلس النواب، وسفير المغرب لدى الولايات المتحدة الأمريكية. له أكثر من ستين كتاباً في الفكر الإسلامي، والقانون، والسياسة العربية.

[27]مصطفى القصري (1923ـ2009): شاعر، وصحفي، وأستاذ، ودبلوماسي، ومترجم، ومناضل من أجل استقلال المغرب، اعتقلته السلطات الفرنسية عدة مرات. اشتهر بترجمة الشعر الفرنسي إلى العربية، من أشهر ترجماته " زهور الألم" لبودلير، و" الأمير الصغير" لأوكزبري.

[28] عندما درستُ علم اللغة التطبيقي في جامعة تكساس في أمريكا، عملتُ مساعد تدريس TA    لتعليم العربية للطلبة الأمريكان. كما اشتغلت مساعداً لمؤلفي كتاب Modern Standard Arabic, Intermediate Level  من تأليف بيتر عبود وآخرين خلال صيف 1971 في جامعة مشيغان ـ آن آربر. وكتبوا على غلافه، أسماء المؤلفين الستة، وأسماء مساعديهم الثلاثة من طلبة الدكتوراه.

[30]  كتبتُ عن عبد الله أحمد بدوي في كتابي " طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات" (الرياض: دار الثلوثية، 2016)، الطرفة رقم 50. والكتاب متوافر في موقع " أصدقاء الدكتور علي القاسمي" على الشابكة.

[31] كازخستان: أقوى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق اقتصادياً ، ناتجها المحلي 60% من ناتج المنطقة كلها، استقلت سنة 1991، مساحتها أكثر من مليون ميل، وسكانها قرابة 20 مليون نسمة ( قرابة 70% منهم كازاخ مسلمون). رئيسها بعد الاستقلال نور سلطان نزارييف 1991ـ 2019، ورئيسها الحالي قاسم جومارت توكاييف. لغتها الرسمية: الكازاخية والروسية).

 

[32] قرر الرئيس الكازاخستاني نقل العاصمة من  مدينة ألماتي إلى مدينة أستانة التي يبلغ عدد سكانها مليون نسمة وتقع شمال وسط البلاد، ثم قرر الرئيس الذي أعقبه تسميتها مدينة " نور سلطان" تكريما للرئيس السابق.

[33] بعد تنحي الرئيس حسني مبارك إثر الحراك الشعبي ، المسمى بـ " ثورة 25 يناير" 2011، أسمى المصريون هذه الجامعة بـ " الجامعة المصرية للثقافة الإسلامية نور مبارك " في ألماتي.

[34] عندما كان الدكتور محمود حجازي رئيساً للجامعة، كان يستعين بأساتذة زائرين، لا سيما من مصر، لمدة شهر لكل واحد منهم، وقد بعث إليّ بدعوة لتمضية شهر في الجامعة لإلقاء محاضرات على طلبتها. فكّرتُ في الموضوع وقررتُ الاعتذار، لعدة أسباب منها أن ما أعرفه يعرفه غيري في كازاخستان أو مصر فلماذا أغيّر برنامجي الشخصي؟، وثانياً أن الأساتذة المصريين بالقاهرة سينتقدون الدكتور محمود لاستعانته بأساتذة من غير المصريين بأموال المصريين، وهم على حق. فكتبتُ إليه أن الأساتذة المصريين أولى بالدعوة. فأجابني أن لديه مخصصات لهذا الغرض من خارج ميزانية الجامعة التي تساهم فيها مصر. ولم أستجب للدعوة الكريمة.

[35] أجرت جامعتا ليدز في بريطانيا وبورتو في البرتغال بحثاً علمياً مشتركاً استغرق سنوات عديدة لمعرفة ما إذا كانت البشرية من سلالة واحدة أو عدّة سلالات، وثبت لديهما أن البشرية نشأت وترعرعت في جنوبي شبه جزيرة العرب، ومنها انتشرإلى بقية المعمورة التي لم تكن معمورة آنذاك. تُنظَر مجلة American Journal of Human Genetics, Feb. 2012 أو مقال " نحن جميعاً عرب " في المجلة الفرنسية " لو بوان":

https://www.lepoint.fr/journalistes-du-point/frederic-lewino “ Civilisation; Nous sommes tous des arabes” , Le Point, Fev. 2012.

أو الاطلاع على خلاصة البحث في كتابي: " علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية" ط2 (بيروت، مكتبة لبنان ناشرون، 2019). 

[36] من القرارات التي تساعد في نشر اللغة العربية في العالم، قرار اتخاذها لغة رسمية في المنظمات الأممية، وهنا يُذكَر الأستاذ الفقيه محمد الفاسي، مندوب المغرب في المجلس اتنفيذي لليونسكو في باريس الذي اضطلع برئاسة ذلك المجلس في مطلع السبعينيات، واستطاع الحصول على موافقة أعضاء المجلس بالأغلبية المطلقة (50% +1) على إضمّ اللغة العربية إلى اللغات الرسمية الخمس في اليونسكو، مما مهدّ لإضافتها إلى اللغات الرسمية لمنظمة الأمم المتحدة في نيويورك، وبقية المنظمات الأممية. ( ينظر في ذلك كتابي " طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات" ( الرياض: دار الثلوثية، 2018).

[37] يشكر الكاتبُ الأستاذةَ فردوس عبد المنعم منصور على تكرمها بتزويده ببعض الوثائق، والشروح المتعلقة بدراسة زوجها المرحوم حجازي. 

 

يسري عبد الغنيالكتاب الذي معنا صدر في القاهرة  سنة 1946 م، ويقع في مجلدين، وعنوانه هو (تاريخ المساجد الأثرية)، أما مؤلفه فهو العالم الجليل / حسن عبد الوهاب، الذي عمل كبيرًا لمفتشي الآثار الإسلامية في الحكومة المصرية، كما كان عضوًا بارزًا في المجلس الأعلى للآثار المصرية (وزارة الآثار المصرية حاليًا)، وبعيدًا عن المناصب الحكومية الزائلة، فقد كان الرجل خبيرًا فنيًا متميزًا، وعالمًا موسوعيًا في مجال الآثار الإسلامية .

مؤلفاته في العمارة الإسلامية:

للأستاذ حسن عبد الوهاب دراسات مهمة في العمارة الإسلامية، نذكر  منها:

1 ـ (التأثيرات المعمارية بين آثار سورية ومصر): بحث ألقاه في الحلقة الدراسية الأولى والتي كانت بعنوان (التاريخ والآثار )، و عقدها المجلس الأعلى للفنون والآداب والشئون الاجتماعية بالقاهرة (المجلس الأعلى للثقافة حاليًا)، في المدة من 4 ـ 9 فبراير 1961 م، ونشرها المجلس ضمن الكتاب الذي نشر عن هذه الحلقة البحثية في سنة 1962 م .

في هذا البحث تناول التأثيرات المعمارية التي وقعت بين آثار سوريه ومصر في العصرين الأموي والعباسي، ثم عقد مقارنات مهمة بين التفاصيل المعمارية في الدولتين، مشيرًا إلى انفراد مصر بطرزها المعمارية الرشيقة .

وبهذا البحث أيضًا مقارنات على درجة كبيرة من الأهمية بين تفاصيلها مثل المقارنة التي عقدها بين محراب مسجد السيدة / رقية (رضي الله عنها) بالقاهرة العاصمة المصرية، ومحراب المدرسة الحلاوية بحلب السورية والمقارنة بين تابوت (مقام أو قبر ) السلطان الناصر / صلاح الدين الأيوبي بدمشق العاصمة السورية ومعاصريه: تابوت (مقام أو قبر) المشهد الحسيني، تابوت (مقام أو قبر) الإمام الشافعي بمصر وغير ذلك من المقارنات .

هذا، وألحق الأستاذ / حسن عبد الوهاب بالبحث 74 صورة فوتوغرافية بمختلف التفاصيل المعمارية في مصر وسورية .

2 ـ سلسلة من الأبحاث عن العمارة الإسلامية، نشرت في مجلة (العمارة المصرية) وكانت هذه المجلة من أرقى المجلات الهندسية في مصر، وإليك بيان بهذه الأبحاث:

أ ـ العمارة في الدولة الطولونية: مقدمة وتاريخ ووصف الجامع الطولوني بالقاهرة، نشر البحث في العدد الثاني من المجلة، والصادر سنة 1940 م.

ب ـ العصر الفاطمي: مميزاته ومنشآته، نشر في العدد (5 ـ 6) من المجلة، والصادر سنة 1940 م .

ج ـ البناء بالطوب في العصر الإسلامي: نشر في العدد (3 ـ 4) من المجلة، والصادر سنة 1940 م .

د ـ العمارة في العصر الأيوبي: مميزات العمارة في هذا العصر و آثاره، نشر البحث في العدد (7 ـ 8 )، من المجلة والصادر سنة  1940 م .

هـ ـ العمارة في عصر المماليك البحرية: مميزات العمارة في هذا العصر وأشهر آثاره، نشر هذا البحث في الأعداد (9 ـ 10) من المجلة، والصادرة في سنة  1940 م، واستكمل في العدد الثاني الصادرفي سنة  1941 م، ثم في العدد  (7 ـ 8 ) الصادر في نفس العام، وواصل نشر البحث في العدد    (1 ـ 2)، الصادر سنة 1942 م، والعدد (3 ـ4)، والعدد (5 ـ 6 )، الصادران في نفس العام .

ز ـ العمارة في دولة المماليك الجراكسة: نشرت هذه الدراسة في الأعداد     (1 ـ 2)، والصادرة سنة 1946 م، واستكملها في الأعداد (3 ـ4) الصادرة في نفس العام، ثم واصل نشرها في العدد الأول من المجلد التاسع، والصادر سنة 1949 م .

ونحب أن نشير هنا أن الأبحاث المشار إليها مجموعة قيمة تشتمل على دراسات تاريخية فنية ومقارنات معمارية مزودة بطائفة كبيرة من الرسومات والصور الفوتوغرافية، وكل ذلك في مجمله منهل عذب لمن أراد أن يدرس أو يبحث في العمارة الإسلامية وفنونها المتفردة .

ح ـ مجموعة من البحوث الكاملة عن أشهر العمائر الحديثة في مصر، وقد نشرت في أعداد متفرقة من المجلة المشار إليها .

3 ـ طرز العمارة الإسلامية في ريف مصر: وهو بحث ألقاه في المجمع العلمي المصري (شارع القصر العيني) بالقاهرة، في يوم الخامس من نوفمبر سنة 1956 م، وتم نشر البحث في مجلة المجمع العلمي المصري في المجلد 38 الصادر في عامي: 1956 ـ 1957 م، مع ثلاثين صورة فوتوغرافية، تناول فيها دراسة طرز العمارة في كافة أقاليم (محافظات) مصر، ومميزات كل إقليم (محافظة)، والثروة الفنية الموزعة في أنحائه، وطرق البناء بالطوب في الوجهين القبلي والبحري، وخاصة في مدينة رشيد التاريخية، ووضح امتياز الريف المصري بمحافظته على الطرز المعمارية الصحيحة في العصر العثماني الذي وقعت تأثيراته على القاهرة، وبخاصة على بناء المنائر الخاصة بالمساكن .

قراءة في كتاب تاريخ المساجد الأثرية:

قدم الأستاذ / حسن عبد الوهاب الجزء الأول من كتابه عن تاريخ المساجد الأثرية بمقدمة ضافية عن نشأة المساجد، وأول مسجد بني في الإسلام، والمساجد التي شيدت في فجر الإسلام، ثم نشأة المدارس بمصر وتصميمها، وبعد ذلك تناول أثر الدولة الإسلامية بمصر في الارتقاء بفن العمارة منذ الفتح العربي لها .

وقد تناول المؤلف بالدراسة المعمارية أشهر المساجد الأثرية في مصر في مختلف العصور التاريخية منذ فجر الإسلام حتى العصر العثماني، مع مقدمة تاريخية معمارية لكل عصر، فتناول الحديث عن جامع عمر بن العاص، والجامع الطولوني (الذي بناه أحمد بن طولون)، والجامع الأزهر الشريف بالقاهرة .

وتكلم عن الجامع العتيق بمدينة إسنا في صعيد مصر، ومسجد العطارين، والجامع الأقمر، والجامع الأفخر (المعروف بالفكهاني)، والمشهد والجامع الحسيني (نسبة إلى الإمام / الحسين [رضي الله عنه]، حيث يقال أن رأسه الشريفة مدفونة به )، ومشهد الإمام / زيد بن زين العابدين (رضي الله عنه)، وجامع الصالح طلائع بن رزيك .

وتحدث عن قبة ومسجد الإمام / الشافعي (رضي الله عنه)، ومدرسة وقبة السلطان المملوكي / قلاوون، والخانقاه الجاولية، وخانقاه بيبرس الجاشنكير، ومسجد الماس الحاجب، وجامع قوصون، وجامع بشتاك، ومسجد الطنبغا المارداني، وجامع آق سنقر (إبراهيم أغا)، وجامع الأمير شيخو  الناصري، ومدرسة وجامع صرغتمش، ومدرسة ومسجد السلطان حسن، ومدرسة أم السلطان شعبان، ومدرسة ألجاي اليوسفي،ومدرسة وخانقاه الظاهر برقوق، ومسجد الإمام / الليث بن سعد (رضي الله عنه)، والمدرسة الباسطية، ومدرسة المؤيد شيخ، والمدرسة الفخرية (مسجد أو جامع البنات)، وجامع جاني بك الأشرافي، ومدرسة الأشرف بارسباي بالأشرافية .

ويواصل حديثه فيحدثنا عن خانقاه الأشرف بيرسباي بالقرافة الشرقية، وعن مسجد الأشرف بيرسباي بالجانكاه، ومسجد زين الدين يحيى بشارع الأزهر، ومسجد زين الدين يحيى بحي بولاق، ومسجد زين الدين يحيى بالحبانية، ومسجد سلطان العاشقين الصوفي / عمر بن الفارض بجبل المقطم، ومدرسة قايتباي بالقرافة الشرقية، وقبة يشبك بن مهدي بكوبري القبة شرق القاهرة، قجماس الإسحاقي، ومسجد سلطان شاه، والقبة الفداوية، ومسجد قايتباي  الروضة (حي المنيل) .

ويتابع فيتكلم عن مسجد أبي العلاء في حي بولاق، ومسجد قاني باي الرماح، ومسجد السلطان قنصوة الغوري، ومسجد المحمودية، ومسجد الشعرواي (الشعراني)، ومسجد سنان باشا، الملكة صفية، ومسجد يوسف الحين، مسجد عقبة بن عامر، المدرسة الفاراقانية، ومسجد ذو الفقار، ومسجد كتخدا، ومسجد عبد الباقي جوربجي، ومسجد النبي دانيال، ومسجد كريم الديم الحلوتي، ومسجد السيدة عائشة، ومسجد البيومي، ومسجد محمد بك أبي الذهب، ومسجد حسن باشا طاهر، ومسجد سليمان أغا السلحدار، ومسجد أحمد الرفاعي، ومسجد الفتح (حي عابدين)، ومسجد محمد على باشا الكبير بالقلعة .

وفي كل أثر من هذه الآثار يتحدث مؤلفنا عن تاريخ بناء الأثر مع التعريف بمنشئه، وأحيانًا يذكر أسماء المهندسين والصناع الذين شاركوا أو عملوا في بنائه أو أشرفوا عن عمليات البناء، ثم يتحدث عن تاريخ الجامع أو الأثر من حيث الزيادات التي أدخلت عليه على مر العصور .

يضاف إلى ذلك وصفه المعماري للأثر مع المقارنات المعمارية والتأثيرات الواقعة على الأثر، ولا يفوته تناول وصف الزخارف الفنية وعناصرها في شتى أجزاء الأثر، مع الإشارة إلى ما حدث فيها من ترميم.

وعند كلامه عن التصميم العام والتخطيط الهندسي للعمارة، يورد لنا مساقط وتفاصيل للعمارة تساعدنا كقراء على تفهم الأثر فهمًا تامًا، ويذكر في النهاية قائمة مهمة بالمراجع العربية والإفرنجية مما يجعل الكتاب مرجعًا علميًا بمعنى الكلمة .

أما الجزء الثاني من الكتاب، يمكن أن نطلق عليه جزء الملاحق أو الجزء التوضيحي، فهو يشتمل على 177 لوحة بها عدد 275 من الصور الفوتوغرافية لكل أثر مع ذكر تفاصيل العناصر المعمارية المصورة، وما بها من زخارف، وكتابات، وملحق بهذا الجزء فهرس تفصيلي لبيان الصور الواردة باللوحات .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغنييحيى بن محمود الواسطي (-) رسام عراقي ولد في بلدة واسط في جنوب العراق بداية القرن الثالث عشر الميلادي. اختط نسخه عام 1237 م، من مقامات الحريري وزينها بمائة منمنمة من رسومه تعبر عن الخمسين مقامة (قصة). وكان عمله هذا أول عمل في التصوير العربي نعرف اسم مبدعه. وقد عاصر جيل من مفكري العراق وعلمائه كابن الأثير وابن الرزاز الجزري وياقوت الحموي وغيرهم.

كان الواسطي مثقفاً واسع الاطلاع، عمل رساماً لدى الخليفة المستنصر بالله العباسي، وقام بترجمة الصور الذهنية إلى واقع، وقد عرضت أعماله في مكتبات الجامعة المستنصرية ببغداد، وتسابق المقتنون على اقتنائها في الأندلس والمغرب العربي؛ ولاسيما ملوك الموحدين في مراكش.

والكتاب محفوظ في المكتبة الأهلية بباريس تحت رقم 5847 عربي. وتوجد نسخة أخرى من مقامات الحريري مزينة برسوم الواسطي في مكتبة سانت بطرسبرگ بروسيا، إلا أنها وقعت فريسة الإهمال وربما كان سبب ذلك حز رقاب المخلوقات الحية فيها بخطوط سود للدلالة على أنها ميتة كى لتتجنب المنع أو التحريم. وزوق اكثر من نسخة من مقامات الحريري وغيرها من أمهات الكتب العربية، ويعتبر مؤسس مدرسة بغداد للمنمنمات ويبرز كاستاذ فن شخصي بدلاً من أن يخضع إلى القواعد والأصول الفنية التقليدية، وكان مثقفا واسع الاطلاع وترجم الصور الذهنيةالى واقع، عاصر جيلاً من مفكري بلاد الرافدين

وكان الواسطي يستعمل الحبر الأسود ويخلطه ببقايا حرق ألياف الكافور ويمزجها بزيت الخردل وبعض الألوان الأخرى التي كان يقوم بتحضيرها بنفسه.

ويعتبر الواسطي من أوائل فناني مدرسة بغداد للتصوير.

«الواسطي»، وفق المراجع العربية والإسلامية، هو يحيى بن محمود بن يحيى بن الحسن الواسطي من آل «كواريها». وهذا النسب الأخير هو الذي جعل الكثير من الباحثين يستدل على أن الواسطي من أصل أرمني. ولكن، سواء كانت هذه الفرضية صحيحة أم لا، فإن دراسة رسوم المقامات في شكل معمق، تكفي للتشديد، إما على الأصل الأرمني للواسطي، وإما على تأثره الحقيقي بالأيقونات الأرمنية، والفن البيزنطي في شكل عام.

وتقول سيرة الواسطي إنه نشأ كما يدل اسمه في مدينة واسط التي تقع في موقع وسط بين الكوفة والبصرة شرق نهر دجلة. وعاش في القرن السابع الهجري، (الثالث عشر الميلادي). وهو تعلم الرسم منذ طفولته، ويبدو أن جوه الأسري كان يشجع على ذلك وأن الرسم كان مهنة بعض الكبار في عائلته. وفي وقت لاحق، ويقيناً بعد نضوج أسلوبه كرسام، توجه الواسطي إلى بغداد وعاش وعمل فيها. وهو أدخل جديداً إلى فن رسم المنمنمات الذي كان سائداً في عاصمة الدولة، تحديداً عبر قدرته على المزج بين شتى التأثيرات التي تحدثنا عنها، والتي كانت ولا سيما في تلك المرحلة جزءاً من العناصر التي بنت الحضارة الإسلامية بفنونها وآدابها وعلومها. اعتبرت رسوم الواسطي صورة تعكس مشاهد الحياة في عصره. لكن المؤسف أننا لا نعرف أعمالاً كثيرة للواسطي خارج تحقيقه لرسوم مقامات الحريري.

إذا كان هناك كثر، من بين المستشرقين، وحتى من بين المفكرين العرب والمسلمين، يعتقدون أن التصوير كان - أو لا يزال حتى الآن - ممنوعاً في الإسلام، فإن رسوم الواسطي لمقامات الحريري، تبدو وحدها كافية لتكذيب هذا الزعم. ومن ناحية ثانية، لئن كان البعض قال إنه من المسموح تصوير الزهور وأشياء الطبيعة وربما الحيوان أيضاً في لوحات وزين جدرانية ولكن ليس الإنسان، فإن الواسطي صوّر في لوحات رائعة ولا تزال تنبض حتى اليوم بالحيوية والبهاء، مشاهد من الحياة اليومية في مدن الإسلام في زمنه وفي الأرياف في بعض الأحيان أيضاً، يدور بعضها في الأسواق والبعض داخل البيوت والقصور، بينما تدور أحداث بعض ثالث، حتى داخل دور العبادة، ونعرف طبعاً أن عدداً كبيراً من تلك الرسوم إنما كان تعبيراً عن حكايات ونصوص أدبية تضمه كتب ومخطوطات من دون أن يخطر في بال أحد في ذلك الحين - بالطبع - إمكانية تحويل المشهد المرسوم إلى لوحة تعلق على الجدران.

وفي هذا السياق، تظل منمنمات الواسطي بين أعمال أخرى، شاهدة على معرفة المسلمين فن الرسم وممارستهم إياه، حتى وإن كان من الصعب، في هذا الإطار، الحديث عن لوحة عربية، بالمعنى الغربي للكلمة، تنتمي إلى تلك الأزمان. ومهما يكن من أمر فإن الواسطي لم يكن وحيداً، إنما كان هناك عشرات من الفنانين غيره، وكانت هناك أيضاً وفق المؤرخين، مدارس في التصوير، منها «مدرسة بغداد» التي ينتمي الواسطي إليها، وكانت تضم وفق الدراسات المتنوعة، أعداداً كبيرة من الرسامين المحترفين إلى أعداد كبيرة من الفتيان المتمرنين يعملون جنباً إلى جنب مع الوراقين والنسّاخين ممن امتهنوا حرفة تصنيع الكتب ونسخها وتجليدها. وعلى رغم تلك الوفرة في عدد «الفنانين» الذين كانوا يحيطون بالواسطي أو سبقوه زمنياً أو أتوا تالين له، من الواضح أن أهمية هذا الأخير تعود إلى أن عمله على «مقامات الحريري» وصلنا أكثر اكتمالاً، وأنه عرف فيه كيف يجدد ويبدع في فن، كان لا بد له من أن ينهل من مصادر عدة حتى تكتمل لغته. ومما لا شك فيه - في هذا الإطار - أن رسوم الواسطي تنم عن ذلك التمازج الضروري والخلاق، في ذلك المجال، بين عناصر ثلاثة: الحياة اليومية كما تراها عين الفنان في بغداد ذلك الحين، وفي أماكن أخرى أيضاً «زارتها» المقامات وعبرت عنها، والتأثيرات الفارسية في زمن كان الامتزاج قد نما في بغداد، والعراق عموماً، وبالتالي بالنسبة إلى الحضارة الإسلامية كلها، بين الروافد العربية والفارسية والتركية، وأخيراً فن الأيقونات المسيحية، ولا سيما الشرقية الأرمنية، إذ إن علينا هنا أن نأخذ في الاعتبار ما يشير إليه كثيرون من أن الواسطي كان أرمني الأصل ومسيحياً بالتحديد، اعتنق والكثير من أفراد عائلته الإسلام وعاش في أجوائه وأضاف إلى فنه ما حمله معه من تراث أرمني مسيحي بل بيزنطيّ كذلك.

ومن البديهيّ القول هنا إن هذا كله كان هو ما خلق ذلك المزيج، الذي يمكننا تأمله اليوم في عشرات المنمنمات التي تصور، خصوصاً مقامات الحريري، والتي - في رأي المفكر المصري الراحل، ثروت عكاشة، الوارد في كتاب كبير من اللافت أنه يتضمن الكثير عن أعمال الواسطي وأساليبه وتأثيره في الفنون الإسلامية ناهيك بتأثره هو نفسه بفنون المناطق المحيطة ببغداد التي كانت مركز الحضارة العربية - الإسلامية في ذلك الحين، لكنه لا يتضمن ما قد يبدو لنا في هذا السياق أساسيا وضرورياً، أي سيرة لصاحب الرسوم نفسه (!) - تنتمي إلى «مدرسة بغداد» التي «يصفونها بأنها مدرسة تغلب عليها الرسوم الآدمية بما فيها من حياة وقوة غير ملقية بالاً بتفاصيل أجزاء الجسم، ولا بتفاصيل التشريح ولا بالتزام النسب بين الأعضاء ولا بمظاهر العواطف والانفعالات، وكما هي الحال في التصوير «القوطي - البيزنطي» تصور الوجوه الآدمية بملامح غفل من التعبير وكأنها أقنعة». وعكاشة الذي يحدد هنا أهم السمات الشكلية التي تسم رسوم الواسطي للمقامات، يجمل موضوعات الرسم على الشكل الآتي: مشاهد طبيعة الحياة اليومية، مشاهد الحياة الدينية وأخيرا مشاهد الحياة القضائية، انطلاقاً من واقع يقول لنا إن العدد الأكبر من مقامات الحريري إنما كان يتضمن أحداثاً وخلافات وضروب احتيال كان لا بد للواحدة منها أن تنتهي في المحاكم أمام القاضي، ما كان يشكل فرصة للرسام تمكنه من تصوير لوحات لعلها الوحيدة التي ترينا نماذج من حياة الإدارة خارج نطاق لوحات رسمية كثيرة أخرى تجعلنا على تماسّ بصري مع حياة القصور واحتفالاتها.

ولعل في إمكاننا هنا أن نقول إن الرسوم التي ثمة اتفاق تام على عزوها إلى الواسطي، إنما تنقل أجواء العدد الأكبر من المقامات، باستثناء مقامتين، كما تقول ناهدة النعيمي الباحثة العراقية التي وضعت عن رسوم الواسطي للمقامات دراسة لا تقل أهمية عن دراسة عكاشة. وتقول النعيمي إن المقامات في حد ذاتها «لعبت دوراً كبيراً في حفظ التراث في الفن الإسلامي، لأنها حظيت باهتمام المصورين وعنايتهم (هم الذين شجعتهم شعبية المقامات على) أن يزيدوا من ذلك الاهتمام برسم صور جميلة توضح النصوص (...)، فأقبلوا على رسم حوادث المقامات بوحي مما دار فيها وطبعوها بطابع فني اختلف وفق أسلوب كل فنان وفهمه للنص (...) في ثقافة عالية واطلاع كبير». والحقيقة أن في إمكاننا بصورة عامة أن نستعين برسوم الواسطي وكذلك بمجموعات أخرى من الرسوم المتعلقة بالمقامات في شكل عام إذا ما شئنا اليوم أن ندرس، بصرياً، المجتمعات العربية والإسلامية كما كانت عليه أحوالها في تلك الأحايين، وهو على أية حال ما فعله عدد كبير من المستشرقين في أزمان تالية حين اعتمدوا على الرسوم للعثور على تفاصيل تتعلق بالأزياء والديكورات. علماً أن سيكون من الطريف هنا أن نذكر كيف أن العاملين في ديكورات الأفلام السينمائية ومن بعدها المسلسلات التلفزيونية، حين أرادوا استعادة الأجواء التاريخية في أعمالهم، اعتمدوا نقوش المستشرقين الممتزجة بفانتازيات هجينة، كمصدر لإلهامهم، بدلاً من اعتماد رسوم الواسطي وزملائه في شكل مباشر. غير أن هذه حكاية أخرى بالطبع. إنما حكايتنا هنا فهي الواسطي نفسه الذي نعرف أن رسومه المقامات أضفت على هذه أبعاداً بصرية مدهشة، لم يفت الذين موسقوا المقامات لاحقاً أن يستلهموها في موسيقاهم بطرق فذة.

 

بقلم/ د. يسري عبد الغني

......................

مراجع

د. ثروت عكاشة "فن الواسطي من خلال مقامات الحريري"، دار الشروق، 1992.

 

 

يسري عبد الغنيالرجل الذي لم تتسع مقاعد مجامع اللغة لاحتضانه !!!!

أقولها مجرداً من كل عاطفة شخصية كان بحق إماماً من أئمة اللغة وقطباً من أقطابها، ومات ولم تك مقاعد المجمع اللغوي في عاصمة العروبة تتسع لاحتضانه، كما احتضنت المئات من قبله ومن بعده.

يعتبر العلامة العربي عادل زعيتر رمزاً لجيل كامل من المثقفين والمفكرين العرب الملتزمين الذين تركوا بصماتهم الجلية في الثقافة والفكر العربي، ولكنهم حرموا من حقهم في التخليد والتعريف بهم وتعريف الأجيال العربية المتلاحقة بإبداعاتهم وعطاءاتهم!

شهدت مدينة نابلس الفلسطينية منطلق حياته، تنفس فيها أول أنفاسه خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي وتحديداً في العام 1897م. وفيها أيضاً لفظ آخر أنفاسه في العقد الخامس من القرن العشرين وتحديداً في العام 1957م، وما بين البداية والنهاية أمضى ستين عاماً عاشها جندياً شريفاً، ومناضلاً جواداً في عالم الوطنية والثقافة والترجمة، وأضحى بموهبته الخلاقة، وعروبته الصادقة، مدرسة مستقلة، وجامعة مهيبة لكل هذه الصفات والفضائل.

لقد وهب زعيتر حياته كلها لخدمة أمته، فعزف عن بهارج الحياة وزخارفها، واغتنم أيامها ولياليها، بل وساعاتها، في البذل والعطاء، ولم ينل من ملذاتها إلا تلك التي يستشعرها ساعة إنجازه لجانب من ذلك العطاء، ويكفيه افتخاراً أنه أجزل لتلك الأمة وبصورة فردية مبهرة ما عجزت عن أدائه مجامع علم وهيئات ثقافة وإعلام، وبالنظر للثقة في كفاءته فقد عهدت إليه منظمة اليونيسكو بترجمة «روح الشرائع» لمونتسكيو، و«العقد الاجتماعي» لـ «جان جاك روسو». وقد يكون أول من ترجم هذا الكتاب الأخير إلى العربية عام 1954م. وبأسلوب عربي مبين، ومفردات جزلة منتقاة، وبعبارات مشرقة الديباجة، بليغة المعنى.

قدم زعيتر للمكتبة العربية على امتداد أربعين عاماً ثمانية وثلاثين مجلداً، قام بترجمتها من اللغة الفرنسية الأم إلى اللغة العربية، بعد أن اختار عناوينها بعناية أقل ما توصف به أنها «فائقة »، فقد كان زعيتر حريصاً على اقتران ترجماته بروائع الكتب والموضوعات التي أبدعتها عبقريات شوامخ الفكر في العالم أمثال: جوستاف لوبون، فولتير، جان جاك روسو، مونتسكيو، دورمنجهم، وإميل لودفيج وغيرهم، ولعمري بأن الإنسان الذي يترجم لمثل هؤلاء العمالقة لابد أن تكون قامته صنواً لقاماتهم، وهامته تعادل هاماتهم.

يزخر ماضي مدينة نابلس وحاضرها بأسماء المئات من الوجوه ذات العطاء الفاعل في شتى النشاطات الإنسانية ومن بينها عمر حسن زعيتر والد عادل، الذي عمل في شرخ شبابه قاضياً في محكمة الحقوق، وقبل وفاته في عام 1924 كان يشغل منصب رئيس بلدية نابلس. أما شقيق عادل الأصغر فهو المؤرخ والسياسي، والأديب أكرم زعيتر (1909 - 1996)، والذي شغل عدة مناصب سياسية رفيعة، سفيراً للمملكة الأردنية الهاشمية في العديد من العواصم العربية والإسلامية، ووزيراً للبلاط الهاشمي، وعضواً في مجلس الأعيان، ورئيساً للجنة الملكية لشؤون القدس، وله عدة كتب بالغة القيمة عن القضية الفلسطينية. أما صاحب هذه السيرة فقد أنهى دراسته الابتدائية في نابلس، وواصل تعليمه في المعهد السلطاني ببيروت، متتلمذاً على العلامة اللغوي الشيخ مصطفى الغلاييني 1885 1944-، وقد ظهر تفوقه الدراسي على كافة أقرانه وبشكل خاص في مادة اللغة العربية، فنال إعجاب أستاذه الشيخ وكافأه بإهدائه نسخة ممهورة بتوقيعه من مؤلفه «اللورد كرومر»، والذي رد فيه الغلاييني بالحقائق والأسانيد على المعتمد البريطاني في مصر، الذي تحامل على الإسلام والمسلمين من خلال كتابه المسموم «مصر الحديثة».

ومن بيروت شخص عادل إلى استنبول عاصمة الخلافة العثمانية آنئذٍ، والتحق بالجامعة السلطانية، وبعد دراسته المعمقة فيها حصل على شهادتها العليا في الآداب، وكانت الدراسة فيها باللغة التركية التي أتقنها جيداً، إضافة إلى إجادته المطلقة للغة الفرنسية التي أحبها وتفاعل معها، ونبغ فيها.

ولما نشبت الحرب العالمية الأولى في عام 1914 استدعي عادل لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش التركي ضابط احتياط، وعندما اشتعل أوار الثورة العربية الكبرى في العاشر من يونيو عام 1916 ، عاد عادل إلى نابلس إبان تقلد أبيه رئاسة البلدية، وفي تلك الأثناء تصاعد البطش التركي في المنطقة العربية، وهبت رياح الثورة العربية فاشتعل الحماس في الصدور، فالتحق عادل مع صديقه صالح الصمادي (1893 - 1933) بقوات الثورة التي كان يقودها الأمير الثائر فيصل بن الحسين ببلدة «أبي الألسن» في سورية.

ولا يتسع المجال لشرح ظروف المعاناة التي عاناها الشابان الثائران حتى وصلا إلى غايتهما، وقضى عادل فترة من الزمن مع الأمير فيصل، ولكن نفسه تاقت إلى المزيد من العلم، فاستأذنه في السفر إلى مصر «بلد الإمام محمد عبده، والطهطاوي، وعبدالله النديم»، وتحقق له ما أراد بصورة جزئية، حيث اضطر للعودة إلى فلسطين بعد احتلال الانجليز لها، وتم انتخابه نائباً عن نابلس في المؤتمر السوري العام بدمشق الذي عقد عام 1920، وتم الإعلان فيه عن استقلال سورية «بحدودها الطبيعية» وبُويع الأمير فيصل ملكاً عليها، وقد أسهم عادل زعيتر في وضع وصياغة دستور المملكة السورية لذلك العهد. وقد ثمَّن له الأمير/الملك مواقفه العروبية الصادقة، وتفانيه في خدمة أمته، فبعث له برسالة شخصية أعرب له فيها عن شكره وتقديره، وهذا نص الرسالة المورخة في 2 آذار/مارس عام 1920: «أيها السيد الكريم، إن الأمة العربية لتفخر برجالها المخلصين الذين يجاهدون في سبيل تحريرها، وإعادة مجدها، وقد بلغنا ما قمتم وتقومون به من الأعمال الجليلة في تحقيق هذه الأمنية الشريفة، الأمر الذي يستدعي الشكر والتقدير، وإننا لنأمل من همتكم المثابرة على هذه الخطة الحميدة، ولا ريب أن مستقبل كل أمة هو بأيدي أبنائها، فعلينا ألا نفتر عن المطالبة بحقوقنا، والدفاع عن وحدتنا، والله يتولاكم بتوفيقه».

ومرة أخرى ترنو عينا زعيتر لتلقي المزيد من العلم فالتحق بكلية الحقوق بجامعة السوربون، وأثناء دراسته قام بترجمة كتابي «روح الاشتراكية» و«روح السياسة» للعلامة الفرنسي الشهير «جوستاف لوبون». وفي عام 1925 نال شهادة الحقوق بتفوق وشرع يعد لرسالة الدكتوراه، ولكن جاءه نعي والده الشيخ عمر زعيتر، فقفل راجعاً إلى نابلس، وخاض غمار الحياة العملية ليصبح محامياً من ألمع المحامين الذين يشار إليهم بالبنان، إلى جانب قيامه بالتدريس في معهد الحقوق بالقدس على مدى أحد عشر عاماً.

وكتب الكثير من المقالات في جريدة «فلسطين»، مدافعاً عن الدين الإسلامي وعن عروبة فلسطين، وله في ذلك مواقف مشرفة. ومرة أخرى يتشظى عادل شوقاً إلى الترجمة، بعد أن فكر في «تطليق» المحاماة، فكتب بذلك رسالة إلى شقيقه «أكرم» مؤرخة بتاريخ 19/2/1947م، قال فيها: «لقد بلغت التاسعة والأربعين من عمري، وأصبحت بذلك على أبواب الخمسين، ولا أدري ماذا بقي لي من العمر، ويكاد قلبي يتحرق من أنني لم أقم بشيء مما تطمئن إليه نفسي في عالم العلم والسياسة، فتروني عازماً على تطليق المحاماة، وسلوك السبيل الذي كتبت لك عنه».

وبالفعل طلّق المحاماة، واستقال من التدريس في معهد الحقوق، وانقطع إلى العلم والأدب، وانكب على أشرف رسالة يمكن لإنسان عربي أن يقدمها لأمته الغالية، وعاد إلى قواعده في نابلس، متفرغاً للترجمة على أنها مصدر هوايته، وعاش بين شوامخ الكتب معالجاً الأدب والسياسة والاجتماع بقلم المفكر الناضج، وزود المكتبة العربية بعيون وأمهات كتب لم تعرفها من قبل «أم اللغات في كافة عصورها».

وحرص زعيتر على ترجمة الكتب التي تهم العرب كتلك التي تتحدث عن بلادهم وحضارتهم ومعتقداتهم، كما حرص في الوقت ذاته على اختيار مؤلفين ذوي منزلة رفيعة وكفاءة عالية. واستطاع خلال أربعين عاماً أن يترجم سبعة وثلاثين كتاباً لثلاثة عشر كاتباً من بينهم: اثنا عشر كتاباً لـ«جوستاف لوبون» من أشهرها: «حضارة العرب، حضارات الهند، روح الاشتراكية، روح السياسة، فلسفة التاريخ، اليهود في تاريخ الحضارات الأولى»، وسبعة كتب لـ «إميل لودفيج» من أشهرها: ابن الإنسان، البحر المتوسط، النيل، الحياة والحب، كليوباترا»، وثلاثة كتب لـ «جان جاك روسو» هي: العقد الاجتماعي، أصل التفاوت بين الأجناس، إميل، وكتابان لـ «فولتير» هما: الرسائل الفلسفية، كنديد، وكتابان لـ «أناتول فرانس» هما: «حديقة ابيقور، الآلهة عطاش»، وكتابان لـ «كرادفو» هما: الغزالي، ابن سينا، ومفكرو الإسلام (مخطوط)، وكتاب واحد لكل من «مونتسكيو» روح الشرائع، و«آرنست رينان» ابن رشد والرشدية، و«إميل درمنجهم» حياة محمد، و«سيديو» تاريخ العرب العام، و«بوتول» ابن خلدون وفلسفته الاجتماعية.

كيف كان زعيتر يختار المادة التي يزمع ترجمتها؟، وكيف كانت تتم الترجمة؟. أجاب عن ذلك شقيقه أكرم، أقرب المقربين إليه دماً ونبوغاً وثقافة وإبداعاً: كان عادل في اختياره كتاباً للترجمة يُعنى بأن يكون مما تحتاج إليه الأمة العربية، وألا يكون له نظير في لغتها، وفي المستوى الذي لا يستطيع عربي أن يؤلف مثله، فإذا عزم على ترجمته قرأه ثانية، وقرأ كثيراً مما كتب في موضوعه، وعاش في أجوائه أياماً، وإذا شرع في نقله انكب على العمل فقضى يوماً في صومعته لا يبرحها إلا إلى طعام أو نوم أو لقاء صديق». ويواصل أكرم حديثه قائلاً: ولعادل في عامه فرحتان، أولاهما يوم يُنجز ترجمة الكتاب، وثانيهما ساعة الفراغ من طبعه، وتكون الفرحة الثانية على قدر الإتقان في الطبع والجودة في الورق والنفاسة في الإخراج، وكان ينكب على الإشراف بنفسه على الطبع، ويصحح التجارب «البروفات» مرات، ويبذل في هذا جهوداً مضنية، وتراه يتنقل من مطبعة إلى أخرى ولا يتناول من الطعام إلا وجبة واحدة

وكان يعد الساعات التي قضاها في كل كتاب فهو مثلاً يحدثك أنه قضى ألفين وخمسمائة ساعة في ترجمة «حضارة العرب»، وقضى مثلها في ترجمة «نابليون»، وقضى ثلاثة آلاف ساعة في نقل «حضارة الهند»، وانقطع له خمسة أشهر. وكما كان زعيتر دقيقاً في اختيار نوعية الكتب التي ينوي ترجمتها، كذلك كان حريصاً في اختيار ألفاظه، الأمر الذي جعل فهم بعضها شاقاً على القارىء العادي، وكان في استطاعته تبسيطها، لكنه يأبى ذلك احتراماً لمنهجه الذي يأنس به من ناحية وتقديراً لكرامة وقدسية لغة القرآن من ناحية أخرى.

تقول الدكتورة عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطىء) معلقة: لقد ظل عادل زعيتر في أفقه العالي حريصاً على الأمانة، معتزاً بكرامة قلمه، ضنيناً بمستواه على النزول جاذباً قراءه إلى بعيد الآفاق، وعالي الذرى، دون أن يدخل في حسابه قط مسألة الكم والعدد والربح والرواج، ولكم حاول بعض الناشرين أن يغروه بالنزول عن مستواه ليكسب مزيداً من القراء، لكن المحاولة ضاعت سدى وبقي حيث هو مصعداً، فمن أطاق من قرائه أن يشارف آفاقه فهو به سعيد وراض ومغتبط.

وبرغم الصعوبات الجمة التي كان يواجهها أثناء الترجمة، إلا أنه كان يستهين بها إذا قارنها بهدفه الأسمى، وهو خدمة أمته في السياسة والعلم والأدب، وكان يلتزم بحرفية الترجمة كما وردت في النص الفرنسي الأصلي في أغلب أعماله، ولكنه عند الضرورة يلج إلى تهذيب النص وصقله باختصار بعض فقراته، وتقديم أو تأخير بعضها الآخر ليجعله أكثر توافقاً، وأسهل فهماً، وأحسن أسلوباً، وأجزل عبارة حسب تعبيره

وللتدليل على مدى دقته في الترجمة أنه عندما ترجم كتاب «حضارات الهند»، بعث لأحد أصدقائه في الهند رسالة يستفهم فيها عن نطق بعض الكلمات الأردية ولما عرفها التزم بها مثل: «بُدّه» بدلاً من «بوذا»، و«هماليه» بدلاً من «همالايا»، و«دهلي» بدلاً من «دلهي»، وهلم جرا.

ويخطر على البال سؤال موضوعي: ما دام زعيتر يمتلك هذه العبقرية فلماذا لم يؤلف؟ يجيب نفسه: عندما تكون مؤلفاتي على مستوى الكتب التي أترجمها سأتوقف عن الترجمة!

وبرغم الجهد المضني الذي بذله عادل زعيتر من أجل رفعة أمته ونهضتها، إلا أن هذه الأمة الجحود أدارت له ظهرها، وتنكرت لكل ما بذله من أجلها، وضنت عليه بالقليل القليل من التقدير، بل إنه عاش غريباً أو كالغريب فيها، وتولد لديه طموح في عضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة، لكن بعض «الأباطرة» المتنفذين حالوا دون انتمائه إليه لاعتبارات سياسية واجتماعية، برغم أنه أحق من بعض المتربعين على مقاعد المجمع ممن لا يملكون الأهلية الموضوعية، لكنه يعزي نفسه بحرمان علمين من أعلام اللغة والأدب حُرما مثل حرمانه وهما شاعر القُطرين خليل مطران، وأديب العربية محمد اسعاف النشاشيبي.

لكن الحرمان الذي واجهه في مجمع القاهرة قابله ترحيبان به من مجمعي بغداد ودمشق، حيث انتخب عضواً في المجمع العلمي العراقي عام 1953م، وانتخب في عام 1955 عضواً مراسلاً للمجمع العلمي العربي بدمشق.

كان عادل متديناً بلا تعصب، يصلي بانتظام ويقرأ القرآن الكريم بتدبر وتمعن، ويطلع على أشهر التفاسير، ويحتفظ في مكتبته بركن خاص لكتب الفقه والفتاوى والسير، وإذا عُرضت عليه قضية شرعية فهو الحجة التي لا تُقرع، وهو إلى جانب تقواه وأدائه الفروض الدينية أداء كاملاً، مستنير التفكير، إصلاحي النزعة، قادراً قدْر سنن التطور ونواميس الاجتماع، وكان معجباً بعقل الإمام محمد عبده وبسعة إطلاع تلميذه الإمام رشيد رضا الذي كانت تربطه بعادل رابطة صداقة وأستاذية.

اللاءات في سلوكياته كثيرة، لا يدخن، ولا يشرب القهوة، ولا يحتسي المشروبات المُسكرة، ولا يصادق إلا الأكفاء، ولا يسهر خارج منزله، ولا يسافر إلا في الدرجة الأولى، ولا ينزل إلا في الفنادق الفخمة ذوات النجوم الخمس، لا يسف في مزاحه، ولا يتعامل مع الأمراض الاجتماعية التي تعصف بالأغلبية من الناس. وفي المقابل فهو وقور بلا استكبار، وجواد بلا تبذير، ومتحدث بلا ثرثرة، وكما كان يتأنق في مترجماته فهو كذلك يتأنق في ملبسه ومظهره ومأكله.

وبرغم ما اتسم به عادل زعيتر من جد وصرامة إلا أنه كان يأنس لسماع النكتة اللطيفة ويمارسها بنفسه أحياناً، وحدث أثناء وصوله مطار القاهرة الدولي في إحدى رحلاته أن سأله موظف الجمارك عما يحمل في حقيبته الكبيرة، فأجابه مداعباً: «البحر والنهر ومَلِكَتكُم!»، فبهت الموظف الذي لم يفقه مضمون العبارة، ففتح الحقيبة، ووجدها تحوي نسخاً من الكتب التي ترجمها وهي: البحر المتوسط والنيل وكليوباترا، فطرب للنكتة ورجاه أن يسارع إلى إقفال الحقيبة خشية أن يغرق المطار في مياه البحر والنهر!.

وفي إحدى إقاماته القاهرية التي لا تُنسى من ذاكرته والتي اشتعل رأسه شيباً جراءها ليلة احتراق فندق  شبرد، حيث كان ينزل فيه ليلة 26 من يناير عام 1952م، ومعه أصول بعض كتبه، وفي نحو الساعة الثالثة صباحاً استيقظ من نومه فجأة وهو يشعر باختناق في نَفَسه، فعمد إلى مفتاح الكهرباء ليشعل النور، فالنور منطفىء، ففتح النافذة فإذا بدخان أسود كثيف يغمرها، فاتجه نحو المصعد ليستعمله في الهبوط، لكن المصعد كان معطلاً بفعل انطفاء الكهرباء، فسمع وسط الظلام الدامس صوتاً يوجهه إلى الدرج، وبعد دقائق وجد نفسه في حديقة الفندق، والنار تلتهم الفندق بأكمله، وكان ذلك من مشاهد حريق القاهرة المشهور، فكتب الله لعادل النجاة للمرة الثانية بعد مأساة الظمأ التي تعرض لها في الصحراء أثناء رحلته إلى سورية

ومن المصادفات الغريبة أن أخاه أكرم كان بدوره نزيلاً في نفس الفندق لكنه كان في ضيافة أحد أصدقائه خارج الفندق أثناء الحريق. ولم يبرح هذا الحادث ذهن عادل وقد آمن أن كل يوم يحياه بعد الآن فضل من الله، ويجب أن يقضيه في خدمة الأمة، وظل يحتفظ بمفتاح حجرته في شبرد، وكان أن اشتعل رأسه شيباً فإذا سئل عن سببه قال: ذلك هو حادث شبرد!.

وقبل أن نطوي آخر صفحة في حياة عادل زعيتر سنعرض لموقف نبيل ومؤثر أثاره صديقه الوفي الأديب /وديع فلسطين، والذي كان طرفاً مباشراً فيه، فأثناء سياق الحديث عن صدور أحد كتب زعيتر وصفه وديع بـ «الأديب النابلسي» نسبة إلى مدينة نابلس مسقط رأس زعيتر، فاستشاط الرجل غضباً، وانفجر معنفاً: لماذا تستصغر شأني إلى هذا الحد يا أستاذ وديع؟! أنا لا أقبل أن يقال عني حتى بأنني أديب فلسطيني لأنني أديب عربي، بالله عليك هل تصف أستاذ الجيل عندكم أحمد لطفي السيد باشا بأنه الأديب البرقيني نسبة إلى القرية التي جاء منها؟! يا أستاذ: نحن أدباء عرب، ننتمي إلى أمة العرب الكبرى، فلا «تسخطنا» بحصرنا في مدننا وقرانا!.

ولقد تبدت رحمة الله تعالى به أن جنّبه مشهد صدمتين عنيفتين إحداهما قومية وأخراهما عائلية. أما الأولى فهي كارثة يونيو عام 1967م ، وما تمخض عنها من ويلات ومآسٍ لامست نخاع الأمة. وأما الثانية فحدثت عام 1972م وتمثلت في استشهاد ابنه الشاب الأديب وائل زعيتر معتمد حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح في إيطاليا، الذي اغتاله إرهابي صهيوني من جهاز الموساد الإسرائيلي ساعة عودته إلى منزله في روما. استطاع وائل بحنكته أن يشيّد جسوراً متينة من التواصل مع بعض قادة الفكر والسياسة في الحزبين الإيطاليين الرئيسيين الاشتراكي والشيوعي، خاصة «البرتو مورافيا» الذي رثاه فور استشهاده. وأصدرت عنه كاتبة إيطالية كتاباً بعنوان «إلى فلسطين.. تخليداً لذكرى وائل زعيتر». ثم إن الشاعرة الكبيرة فدوى طوقان جعلته عنواناً لأحد دواوينها: على قمة الدنيا وحيداً.

أثناء عكوفه على إنجاز الصفحات الأخيرة من كتاب كرادفو «مفكرو الإسلام»، داهمته نوبة قلبية قاسية حالت دون انتهائه من الترجمة، ففاضت روحه إلى بارئها صباح الحادي والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 1957م. ونعاه أصدقاؤه في نابلس إلى هيئات البلاد وأعيانها ومفكريها، وأذاعت الإذاعة الأردنية من القدس نبأ الوفاة، وشيعت نابلس جثمان ابنها البار، بمشاركة وفود عديدة من مختلف أنحاء الوطن.

وبعد مرور أربعة أشهر على وفاته، وتحديداً بتاريخ 14/3/1958م أقيم مهرجان ضخم لتأبينه شارك فيه بعض أعلام الأدب واللغة في مصر والعراق وبلاد الشام والمهجر، وبعدئذ طبعت وقائع المهرجان ومقالات الإشادة في كتاب «ذكرى عادل زعيتر» وتحدث في المهرجان كل من الدكتورة عائشة عبدالرحمن «بنت الشاطىء»، محمد عبدالغني حسن، عادل الغضبان، محمد الشريقي، مصطفى جواد (ممثل المجمع العلمي العراقي)، قدري طوقان، نظير زيتون، وكامل مروة، وممثلة الهيئات النسائية، عصام عبدالهادي، ونقيب المحامين فؤاد عبدالهادي، وعجاج نويهض عريف الحفل. وتلقى شقيقه أكرم زعيتر عشرات البرقيات المعزية من بينها برقية من شكري القوتلي رئيس الجمهورية السورية الأسبق، وحشد من الشخصيات العربية المرموقة، وهذه مقتطفات مما كتب عن شخصيته:

لعل عادل زعيتر هو أول مترجم يتفرغ للترجمة على أنها مصدر هوايته وحياته وعيشه، فقد كان محامياً فلسطينياً مشهوراً، ثم ترك المحاماة للترجمة، فأصبح في طليعة المترجمين، بل أحد الخمسة الأوائل الذين يعتد بهم فيها، ومع ذلك اضطر أن يبيع أرضاً له حتى يعيش قبل أن يموت منذ أيام في نابلس.

نود الإشارة في نهاية هذا التطواف المختصر بمناشدة مُلحّة لمن يهمهم أمر الثقافة بإعادة طباعة كتبه وبيعها بسعر رمزي لتعم فائدتها على الأمة العربية التي أفنى الراحل حياته من أجلها، رحم الله أبا عمر وتغمده في أفياء نعيمه.

 

بقلم/ د. يسري عبد الغني

 

2614 نيك فيوتنش 1نيكولاس جيمس فيونتش والمعروف باسم نيك فيونتش، ولد نيك في 4 ديسمبر 1982 بمدينة "بريزبن" بأستراليا، وقد ولد نيك وهو حامل لمرض متلازمة نقص الأطراف، وهي متلازمة نادرة وتشوه خلقي يعاني فيه المصاب من فقدان أطرافه الأربعة (الأيدي والأرجل)، الشيء الذي جعل نيك يعيش طفولة جد صعبة بسبب إعاقته، فأحينا لا يقدر البعض منا ونحن أصحاء على تحمل الأحزان والمآسي فما بالك بشخص يعاني جسديا ونفسيا، فقد رأى نيك أنه سيكون عبئا على أسرته وسوف لن يعرف طعم الاستقلال الذاتي والاعتماد على نفسه يوما....

وقد منع نيك من الذهاب إلى المدرسة بسبب القانون الأسترالي آنذاك، الذي يمنع ذوي الإعاقات من الالتحاق بالمدارس العامة على الرغم من كونه سليما عقليا، إلا أن والديه لم يستسلما وكافحا للحصول على تصريح يمكنهما من إدخال ابنهم للمدرسة العامة، وتمكنا بفضل جهدهم وإصرارهم النجاح في ذلك حيث تم اعتماد الطلب وكان نيك من أوائل الأطفال المعاقين الذين يلتحقون بمدارس الأصحاء ويتعامل معهم على أنهم أشخاص طبيعيين، وكان لهذا الحدث تأثير من نوع أخر على نفسية نيك وتحدي من نوع أخر، إذ لم يتقبله الأطفال بالمدرسة بالبداية فقد كان محل سخريتهم بسبب إعاقته، الشيء الذي كان يحز في نفسه ما جعله يفكر في الانتحار وأن يضع حدا لمعاناته النفسية والجسدية وهو في سن 10 سنوات، فقد كان يشعر دائما أنه محط سخرية الأطفال كما كان يشعر أنه يتعرض للشفقة والتعاطف من طرف الآخرين، فهو لا يستطيع الاعتماد على نفسه في أبسط الأشياء التي يعتبرها الإنسان العادي أشياء لا تحتاج إلى مجهود، لذا باتت فكرة الانتحار تملئ حيزا كبيرا في تفكيره ويرى فيها الخلاص الوحيد من حالته وما يشعر به، ولحسن حظه فقد لاحظت عائلته ما يحدث له وذهبت به إلى الأخصائي النفسي بالمدرسة، وقد سعى والديه إلى مساندته واستخدام كل السبل الممكنة التي من شأنها الحد من تلك الأفكار السلبية وجعله يستشعر النعم المتوفرة لديه بدل من التركيز على الأشياء التي تنقصه، كما عمل والديه دورا أساسيا لتخيف عنه ومساعدته، فقد كان والده يشتري له الكتب الخاصة بالتنمية الذاتية، وقد تأثر نيك بكلمات " نورمان فينسنت بيل"، وكان يرددها كلما استولى عليه الحزن واليأس (علينا المحاولة مادمنا على قيد الحياة )، وعلى الرغم من أن نيك رأى العديد من التجارب لأناس ربما أشد صعوبة من حالته، إلا أنه عندما عرضت عليه أمه صورة لشخص تعرض لحادث ألزمه السرير بشكل دائم ولم يعد في مقدوره تحريك أي عضو في جسمه أو يتكلم، شكر نيك ظروفه لأول مرة وقال في نفسه على الأقل هو يستطيع التحدث والذهاب والعودة من المدرسة، فعلى الأقل يملك أمورا كثيرة عكس ذلك الشخص طريح الفراش، لذا فقد وصل نيك لمرحلة أمن بأن عليه تقبل الوضع كما هو وقرر التصالح مع نفسه حيث بدأ في تقبل نفسه وحالته كما هي، إذ لم يكن نيك في صغره يتقبل نفسه ووضعه ولذلك كان يرى أن لا أحد يتقبله إلا أنه بمجرد قبوله لنفسه كما هو بدء الآخرين يتقبلونه وبدأ في تكوين صدقات مع أطفال كانوا بالأمس يسخرونه، فقيمة الإنسان لا تكمن فيما يملك أو ما هو عليه من مظهر خارجي، إن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن بداخله فهي جوهره الحقيقي، لقد أدرك نيك أنه ليس صدفة أو عبثا أن خلق هكذا بل هناك غاية فكل منا خلق لغاية ولابد له أن يدرك الغاية التي خلق لشأنها....

2614 نيك فيوتنش 2

 بدأ نيك مسيرته في تحدي إعاقته من خلال الاعتماد على أصابع قدمه الصغيرة الظاهرة في أسفل جذعه من الجهة ليسرى في الكتابة وتعلم استخدام الحاسوب والعزف على الطبل ورمي كرات التنس...لقد كان لنيك قدرة عجيبة في استخدام هذا الجزء (القدم) من جسمه، كما تعلم ركوب الأمواج ولوح التزلج والغوص، وبتغير تفكيره بدأت حياته تتغير شيء فشيء بشكل ملحوظ وجدري، ففي الصف السابع في مدرسة "ماكجريجوز" في "كوينزلاند"، تم انتخابه كابتن للمدرسة وقام بجمع التبرعات مع الجمعيات الخيرية وبدأ في تكوين صدقات مع أقرانه بالمدرسة، وفي سن 14 سنة قرر والديه الانتقال إلى الولايات المتحدة، وفي سن 17 سنة كانت نقطة التحول الكبرى حيث ألهمه وشجعه حارس المدرسة بالمدرسة الثانوية على أن يبدأ في التحدث عن إعاقته وإيمانه وتغلبه على الشدائد، فَأُعْجب نيك بالفكرة ورحب بها وبدأ بالعمل على تطويرها، وكانت انطلاقته بالتحدث داخل مدرسته ثم بدأ يذهب إلى مدارس أخرى ويلقي بها الخطب التحفيزية ثم الكنائس وغيرها من الأماكن، وفي نفس السنة سعى إلى تأسيس منظمة "الحياة بدون أطراف"، وهي منظمة غير ربحية قدم من خلالها الخطابات في أماكن مختلفة من العالم دعا فيها إلى التعايش مع الإعاقة وتقبل الذات وحبها كما هي والعيش بإيجابية، وفي سن 21 سنة تخرج نيك من جامعة "جريفيث" في "لوجان" بأستراليا، وحصل على بكالوريوس تجارة في التخطيط المالي والمحاسبة عام 2003، ونشر في 2010 كتابه الأول Life without limits، كما بدأ العمل في مجال الأفلام القصيرة بفيلم cirus The Butterfly، الحائز على جائزة Doorpost film project’s عام 2009، وحاز الفيلم كذلك على جوائز عديدة، وفي نفس العام حصل نيك على جائزة أفضل ممثل أفلام قصيرة، كما أصدر أغنية بصوته بعنوان : Something More، وفي عام 2005 رشح نيك لجائزة (الشاب الأسترالي للعام )، التي تحظى بشعبية واسعة في أستراليا، وترعى هذه الجائزة الشباب وتنقل نجاحاتهم إلى المجتمع المحلي، وتخضع هذه الجائزة إلى قوانين صارمة ليتم توجيهها إلى أناس ملهمين حقا .

في عام 2012 تزوج من كاني ميياهارا، ولديه أربعة أطفال منها: ديجان- كييوشي - جيمس - أوليفيامي – إيلي لوريل .

 لقد تحدى نيك إعاقته الجسدية بإرادته القوية، حيث أصبح اليوم من أكثر الشخصيات تأثيرا في العالم، ومتحدث تحفيزي ناجح على الصعيد الدولي، ومحاضر متنقل، ومؤسس لمنظمة الحياة بدون أطراف، وكاتب لمجموعة من الكتب تتصدر قوائم الكتب الأكثر مبيعا، ورئيس لأكبر المؤسسات الأهلية في أمريكا الداعمة لذوي الإعاقة، ورئيسا لشركتين من أكبر الشركات المهتمة بمجال الاقتصاد في بلده أستراليا، فقد استطاع نيك من جعل ظروف حياته الصعبة والاستثنائية سبب في تحقيق نجاح استثنائي وقدوة للتمسك بالأمل وعدم الاستسلام والصبر، وتحقيق الأحلام رغم الصعاب وأن لا شيء مستحيل مع الإنسان... وإذا استطاع نيك وهو بدون أطراف تحقيق كل ذلك وتحدي المعجزات فأين المانع في تحقيق أحلام الأصحاء .

 

مديحة العسكري

 

الثورة هي أسلوب من أساليب التغيير الاجتماعي تشمل الأوضاع والبنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وتحدث الثورة نتيجة وجود مقدمات وشروط محددة تبرز في إطار تطور المجتمع، تؤدي إلى وجود تناقضات أساسية نتيجة الشعور بالظلم والاستغلال يؤدي إلى أزمة سياسية عميقة تحمل معها نشوء حالة ثورية تتجسد بنشاط الجماهير السياسي الواسع من خلال التمرد على الواقع بأشكال ومظاهر متعددة مثل المظاهرات والاجتماعات المعبئة والاعتصام، فالحالة الثورية هي تعبير عن التناقضات الموجودة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وهي تمثل ذروة تفاقمها. ولكن مع الأسف فان معظم الثورات تحصد أرواح أصحابها الحقيقيين وتترك ورائهم القليل من الضعفاء والبسطاء والجنود المنهكين القوة.. والكثير من الجبناء والطامعين أيضاً والذين يختبئوا بعيداً عن المواجهه ويندسون في مصاف المراكز الآمنة ومستعدون للانقضاض على النتائج والتنعم بالمراكز ونهب المكاسب؛ او كما قال (نجيث محفوظ) "الثورات يخطط لها الدهاة وينفذها الشجعان ويجنى ثمارها الجبناء" . وهذا ما ينطبق تماما على الثورة العراقية الكبرى عام 1920 . فهذه الثورة التي أجبرت البريطانيين على تغيير سياستهم في العراق واجبرتهم على  تأسيس الدولة العراقية كما قالت (الخاتون) مس بيل في أوراقها بهذا الخصوص: "لم يكن يدور بخلد أحد ولا حكومة صاحبة الجلالة، أن يمنح العرب مثل الحرية التي سنمنحهم إياها الآن كنتيجة للثورة " . ولكن بريطانيا عرفت كيف تحول الثورة لمصلحة اعوانها ومعاقبة جميع من شاركوا في الثورة لا بحرمانهم من ان ينالوا حقهم في بلادهم فقط بل وفي حرمانهم من ان يذكر حقيقة دورهم في الثورة لتحولهم الى محموعة (مهوسجية) ينتظرون من يقودهم ممن لم يشارك في الثورة لا بل ممن حاربوا الثورة والثوار واتهموهم بانهم (عجم) . ولمعرفة ما جرى فلنرجع للتاريخ . بالطبع سوف لن ندخل في تفاصيل التحركات العسكرية للثوار الا بالقدر الذي يتطلبه توضيح موقف مختلف الأطراف مع او ضد الثورة .

ان من اول ملامح سرقة الثورة العراقية الكبرى ان يجعل بدايتها حادثة اطلاق سراح الشيخ (شعلان أبو الجون) شيخ عشيرة الظوالم وبطل الثورة الميداني . فهذه الحادثة وان كانت هي انطلاق الشرارة الأولى للثورة الا انها في الحقيقة كان نتيجة تداعيات وتحركات بدات منذ دخول البريطانيين الى العراق ومحاولتهم فرض تنظيماتهم على مستقبل العراق . ومحاولة التركيز على اطلاق سراح الشيخ شعلان أبو الجون هي محاولة للتغطية على الأسباب الحقيقة والاخداث التي أدت الى انطلاق الثورة والتغطية على ابطالها باختراع بطولات لاعلاقة لها بالثورة أساسا . فبعد احتلال الإنكليز للعراق وهزيمة العثمانيين ارتفعت اكثر من راية انطلقت من النجف تدعو لمقاومة الاحتلال . كان من ضمن تلك الجهود الاجتماع الذي عقد في 22 كانون الأول من عام 1918 في دار شيخ الشريعة الاصفهاني لمناقشة المطالب التي سيكتبها العلماء  في مضبطة لارسالها الى الحاكم السياسي [1]. وفي 23 كانون الثاني من عام 1919 اصدر المرجع الشيخ محمد تقي الشيرازي فتوى بعدم جواز انتخاب غير المسلم للامـارة والسلطنة . كما ان تحركات المطالبة بالاستقلال اخذت طابعا دوليا حيث قام المرجعان الميرزا محمد تقي الشيرازي وشيخ الشريعة الاصفهاني في 7 شباط من عام 1919 بارسال رسالة مشتركة الى الرئيس الامريكي، يطلبان فيها تدخل الولايات المتحدة الامريكية للحصول على الاستقلال وتشكيل دولة عربية في العراق. وتم ارسال الرسالة عن طريق السفارة الامريكية في طهران.

في 30 حزيران 1920، انطلقت اول رصاصة في الثورة عندما دخل الرميثة عشرة أفراد من عشيرة الظوالم فقتلوا شرطيين من حرس السراي واخرجوا الشيخ شعلان أبو الجون الذي أوقفته السلطة في الرميثة يوم 29 حزيران . ثم امتدت الثورة الى مناطق أخرى . قرر الشيخ محمد تقي الشيرازي التوسط لإيقاف  القتال فأرسل مبعوثين إلى بغداد هما (هبة الدين الشهرستاني وأحمد الخراساني) لمقابلة (ويلسن)، وضع مبعوثا الشيخ  الشيرازي شرطين لإيقاف القتال هما:

سحب القوات البريطانية من مناطق القتال.

إعلان العفو العام وإطلاق سراح المنفيين وعودته إلى ديارهم

وقد رفض الإنكليز هذه الشروط فاصدر الشيخ الشيرازي فتواه التي نصت على أن "مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين  ويحق لهم ضمن مطاليبهم  رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل  بالقوة الدفاعية إذا أمتنع  الأنكليز  عن قبول مطاليبهم" [2]. أدت تلك الفتوى الى من الرميثة إلى مناطق الشامية  والحلة والكوفة . كما متدت إلى مناطق الديوانية والناصرية بعد الأنتصار الكبير في معركة (الرارنجية) في 24 تموز 1920، كما أخرج الحكام السياسيين البريطانيين  بالقوة  من مدن كربلاء والنجف وما حولهما بعد وصول مبعوثين للشيرازي إلى هذه المناطق للتحريض على الثورة ونشر فتواه. وتمكن السيد محمد الصدر من مد الثورة الى ديالى واتخذ من (ديلتاوه) الخالص مقراً له بعد أن حاولت السلطات البريطانية القاء القبض عليه يوم الخميس 12 آب 1920، وقد استطاع الهروب وتوجه الى ديالى يضاف الى ذلك فقد التحق بعض رجال الدين وفي مقدمتهم الشيخ مرتضى الخالصي . قام النجفيون بزعامة المرجعية الدينية للشيخ فتح الله شيخ الشريعة الاصفهاني بتشكيل ثلاثة مجالس تمثل الحكومة المستقلة للثورة على نطاق مدينة النجف الاشرف، هذه المجالس هي المجلس التشريعي والمجلس التنفيذي والمجلس العلمي الاعلى، وقد تم انتخاب المجلسين التشريعي والتنفيذي من قبل أهالي النجف في 25 آب / اغسطس 1920، واما المجلس العلمي الاعلى فمسؤوليته هي الاشراف على شؤون الثورة العامة وإدارة أمورها وإصدار التعليمات المقتضية لهذين المجلسين والقضاء في المشكلات التي تحصل آنياً، وقد كان هذا المجلس برئاسة المرجع الاعلى شيخ الشريعة الاصفهاني .

شملت الثورة كافة المناطق الجنوبية واستمر القتال لغاية 20 تشرين الأول 1920 حيث تم توقيع اتفاق بين الثوار والقوات البريطانية وكان اخر من استسلم من الثوار الحاج عبد الواحد ال سكر . وكان الاتفاق ينص على تشكيل حكومة عربية وإصدار عفو عام عن كافة الثوار على ان لايتم مطالبتهم باية خسائر وان يتم اعفائهم من الضريبة لسنة 1920 مقابل تسليم 2400 بندقية [3].

بالنسبة لمواقف الأطراف الأخرى من الثورة فسنتناولها استنادا الى ماذكره الذين كتبوا عن الثورة، يقول وميض عمر نظمي، نقلاً عن وثيقة بريطانية: "إن الضباط القوميين في جمعية العهد الذين كانوا يقيمون في الشام، بعد فشل الثورة العربية (بقيادة الشريف حسين)، تطوعوا بإمرة القوات البريطانية لمقاتلة الثوار في الفرات الأوسط. فأوعزوا إلى أحد أعضاء الجمعية وهو (ثابت عبد النور) للاتصال بوزارة الخارجية البريطانية، عارضاً عليها "إن جمعية العهد يمكن أن تقدم مساعدة قيمة للإنكليز في تهدئة الأوضاع ما بين النهرين". ومع ذلك وبالرغم من اللحظات الدقيقة التي كانت تمر بها السلطات البريطانية في العراق، فقد رفضت هذا العرض. وكان رأي ولسن وكيل الحاكم الملكي البريطاني في العراق "أن هؤلاء السادة- الضباط العراقيين- يرغبون في جذب انتباه الحكومة البريطانية إلى أنفسهم، بأمل أن تؤدي تهدئة الوضع الراهن في الفرات، إلى حصولهم على مناصب جديدة، في ظل الإدارة العراقية". ويضيف: "وكان نوري السعيد قد كتب في الأول من أيلول عام 1920 خلال الثورة انه يضع نفسه للمرة الثانية تحت تصرف المندوب السامي[4]."

اما بالنسبة للطبقة السياسية فنكتفي بذكر موقف احدهم الذي تمت مكافئته بعد ذلك . ففي نهاية العام (1920) وقف (مزاحم الباجه جي) يتلو خطابه الذي ودع فيه الكولونيل ولسن (وكيل المندوب السامي البريطاني، بعد ثورة العشرين) قال فيه (ان كل شيعي هو إيراني)، كما كتب في مذكراته التي جمعها ابنه (عدنان الباجه جي) " أن ثورة العشرين بدأت وطنية الأهداف إلا انها وقعت فيما بعد تحت النفوذ الايراني بتأثير بعض علماء النجف وكربلاء الذين كانوا من أصل فارسي مما اعطاها طابعاً طائفياً شعبوياً، وأن الغايات التي كانوا يتوخون الوصول اليها لم تكن لخدمة الاماني والمصالح العربية بقدر ما كانت لتوطيد النفوذ الفارسي في البلاد" . و(مزاحم الباجه جي) هذا سيصبح عام 1948 رئيس وزراء العراق .

اما بالنسبة للمحافظات الغربية فبعد انتصار الثوار في معركة الرارنجية في تموز 1920 ارسلوا مندوبا الى شيوخ الفلوجة وهو يحمل فتوى الشيرازي وكتابا للشهرستاني يحثهم على الجهاد الا ان شيخ الدليم علي السليمان حال دون ذلك، وقام بطرد (ضاري المحمود) من منطقة الدليم بعد مقتل (لجمن)، مما اضطره الى القدوم الى كربلاء ثم النجف ثم الاختفاء في البادية متنقلا بين القبائل حتى القاء القبض عليه عام 1927 . بالنسبة لحركة الشيخ نجرس الكعود ضد الإنكليز فيقول المؤرخ العراقي علي الوردي: "هناك قولان في تعليل هذا العداء من نجرس للإنكليز. أحدهما أنه كان بينه وبين علي السليمان منافسة على رئاسة عشائر الدليم. ولما كان علياً موالياً للإنكليز، صار نجرس بطبيعة الحال معادياً لهم، والثاني أن نجرس كان له ثأر مع الإنكليز لأن ليجمن كان قد قتل أخاه "صبار".

بالنسبة لمقتل (لجمن) والشيخ ضاري فقد كان اول ذكر للجمن خلال ثورة الحاج نجم البقال في النجف عام 1918 ، بإعتباره رئيس المحكمة التي حكمت على (11) شخص بالاعدام من ضمنهم الحاج نجم البقال والشيخ كاظم صبي. ويروي علي الوردي في كتابه (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) ان الانكليز اختاروا عقب احتلالهم بغداد عام 1917 الشيخ ضاري المحمود كشيخ عموم لعشيرة زوبع، وخصصوا له راتبا شهريا قدره (750) روبية، واستمروا بالدفع له حتى عام 1918، ثم انقطع الراتب فجأة . وبعد اندلاع ثورة العشرين اعادوا له دفع الراتب ولكنه (500) روبية فقط . في هذا الوقت عين على الرمادي الكولونيل ليجمن الذي عرف عنه التهور وسرعة الغضب، وكان لايتردد في اهانة الشيخ ضاري حتى انه خاطبه ذات مرة بالشيخ (ض......ط)!! كما طرده ذات مره من صدر المجلس في احدى المناسبات امام الشيوخ [5] . وقد افاد الشيخ ضاري نفسه قصة مقتل لجمن كما وردت في سجلات المحكمة فيقول " قام علي يسبني ويشتمني وبصق في وجهي واشهر علي المسدس ورفسني وكنت مريضا في ذلك اليوم وكنت أقول له : ترحم علي ياصاحب انا دخيل عليك ياصاحب ولكنه سحبني والقاني في الحجرة وحبسني وغلق باب الغرفة وبعد مدة قليلة سمعت ثلاث طلقات او اربعا وكنت في داخل الغرفة ثم جاء صليبي وفتح الباب فخرجت وشاهدت الكولونيل مقتولا " [6].هذه اقوال الشيخ ضاري في المحكمة كما نقلها عبد الحميد العلوجي وعزيز جاسم الحجية في كتابهما (الشيخ ضاري) الصادر في بغداد عام 1968 الصفحة 93 .  لكن بعد ان وصل عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف  وهما ابني اخت الشيخ ضاري فعملت أجهزة الدعاية على خلق قصص عن دور الشيخ ضاري في الثورة بحيث كانت صورته تتصدر الصحف في كل ذكرى سنوية للثورة وقد قال السيد عبد الرزاق الحسني الذي اكد تلك الحادثة بالقول "وقد حدث انقلاب عسكري في العراق في 14 تموز 1958؛ اطاح بنظام الحكم الملكي القائم؛ وأعلن النظام الجمهوري. وكان العقيد عبد السلام محمد عارف؛ أحد مدبري هذا الانقلاب؛ واحد أقارب الشيخ ضاري المحمود. فلما تسلم رئاسة الجمهورية العراقية في حادثة 8 شباط 1963 م؛ عمل عملا متواصلا على إحياء ذكرى الشيخ ضاري" .

وفي عام 1982 قامت وزارة الثقافة والاعلام بإنتاج فلم يختص بثورة العشرين اسمه (المسالة الكبرى) جعل الثورة تنطلق من خان ضاري وبعد مقتل لجمن وكان ضاري هو القائد لتلك الثورة وفي حينها قال الشاعر الجنوبي

موش بخان ضاري كامت الثورة..من ارض الرميثة المسعلة الكبرى

ولون شعلان يدري انباكت الثورة…جا فج التراب وطلع من كبرة

ها ها.. ذوله ايتام من العشرين الشاهد هذا الشاهد

 

زهير جمعة المالكي

.......................

[1]   النجف الاشرف والثورة العراقية الكبرى 1920، كامل سلمان الجبوري ـ ص181.

[2]  عبد الرزاق الحسني، الثورة العراقية  الكبرى،ص106

[3]  محمد مهدي البصير، تاريخ القضية العراقية، ص 320 .

[4] وميض عمر نظمي، الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية، ص 159 عن وثيقة بريطانية.

[5]  الدكتور علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث 1-8 ج6، ص 84 .

[6] علي الوردي، المصدر السابق، ص 89 .

 

 

يسري عبد الغنياسمه الكامل هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم الربضي، بن هشام بن عبد الرحمن (الداخل) أبو المطرف، الناصر لدين الله الأمير الثامن من أمراء الدولة الأموية بالأندلس. أمه أم ولد اسمها (ماريا) أو (مزنة) كما تسميها الروايات العربية.

تولى الخلافة عقب وفاة جده الخليفة عبد الله بن محمد (275 - 300هـ ، 888 - 912م).

 انكب عبد الرحمن الناصر مع ما بذله من جهد في معالجة أمور السياسة الخارجية وتثبيت وحدة البلاد، على تطوير دولته وتقويتها في جميع المجالات، ويعدّ عصره مع ما شغَله من حروب وفتن عصر عظمة ورخاء وأعظم عصور الإسلام في الأندلس. وقد اهتم بالأعمال الإنشائية العظيمة التي تظهر الملك الباذخ، فبنى مدينة الزهراء العامرة زينة مدن الدنيا آنذاك، وهي التي تطلّب بناؤها عهد الناصر ومعظم عهد خلفه الحكم المستنصر.

وأصلح الجيش وبنى أسطولاً صار من أقوى أساطيل ذلك العصر، ينافس الأسطول الفاطمي في السيطرة على الحوض الغربي للبحر المتوسط، وانبسطت السكينة وعم الأمن وبدا غنى مالية الدولة

وازدهرت الزراعة والصناعة والتجارة وشاع الترف، وقسم الناصر مالية الدولة إلى ثلاثة أقسام: قسم للجيش، وقسم لنفقة المنشآت العامة، وقسم ثالث يدّخر للطوارئ.

ونظر الناصر في تثبيت العملة وتنظيمها من دار سكة وأوزان وغيرها.

وبلغت مساجد قرطبة ثلاثة آلاف وحماماتها العامة ثلاثمئة، وكان لقرطبة سبعة أبواب وقد حفلت بالقصور والمتنزهات وطارت شهرتها في الآفاق.

وحظيت العلوم والفنون والآداب بالرعاية والتشجيع، وقدم إليها من المشرق العلماء والمفكرون والأدباء والفنانون، كمجيء اللغوي الشهير أبي علي القالي سنة 330هـ، وقد اتبعت الدولة الأموية منذ عبد الرحمن الداخل نهجاً ظل يتبعه الناصر وهو اصطناع الموالي والصقالبة والبربر واتخاذهم أداة وبطانة، وذلك استرابة بالعرب خشية على الزعامة والإمارة، وكان الناصر يعهد بالمناصب إلى رجال من الصقالبة (الأسرى والخصيان من الجنس الصقلبي السلافي) والموالي الُمعتَقين أو الأرقاء الذين لا إرادة لهم إلا إرادة سيدهم، أو من النصارى الإسبان والألمان واللومبارديين والفرنسيين والإيطاليين الذين يؤتى بهم أطفالاً على يد القراصنة وتجار الرقيق من الجنسين ويربون تربية عربية ويلقَّنون الإسلام ونبغ بعضهم في حقل الثقافة العربية وكان منهم الحرس الخليفي ورجال الخاص والحشم. وكان يدير الدولة وزراء يبلغون العشرة أحياناً كلٌّ في مجال من المجالات.

قضى على الفتن وثورات في ولايات الأندلس وأعادها إلى حكم الدولة الأموية.

تمكن من هزيمة الجلادقة الإسبان القشتاليين والنڤاريين والليونيين وردهم إلى ثغورهم.

بنى مدينة الزهراء المدينة الملكية التي تعتبر رمز الحضارة الأندلسية.

حمل إلى المدينة الرخام من أقطار الغرب، وأقام فيها أربعة آلاف وثلاثمائة سارية، وأهدى له ملك الفرنجة أربعين سارية من رخام.

كان الناصر يملك كفاية باهرة سياسية وعسكرية وإدارية، وكان عالماً أديباً يهوى الشعر وينظمه ويقرب الشعراء والأدباء ويدعو إلى نصيحته رجالاً من غير المسلمين، وكان شاعر الدولة الفقيه الشهير ابن عبد ربه صاحب كتاب «العقد الفريد»، وكان الناصر سمحاً جواداً شهماً معروفاً بحسن العهد وبتوقيعاته البليغة، غير أنه مع صفاته الرفيعة كان حريصاً جداً على سلطته غيوراً عليها يسحق كل من تحدثه نفسه بالوقوف في سبيله ولو كان أقرب الناس إليه، ومثال ذلك أن كبير أولاده عبد الله، وكان فهيماً عاقلاً بصيراً بالأمور أخذ يأتمر بأبيه مع بعض فتيان القصر ورجال الدولة بسبب إبعاده عن ولاية العهد لمصلحة أخيه الحكم الذي يليه، وبايعه جماعة من أهل قرطبة، وعلم الناصر بالأمر فقبض على المتآمرين وقتل ابنه وأمر بقتل الآخرين بمن فيهم أخوه القاضي ابن محمد وبعض أبناء عمومته.

قال عنه الذهبي:

« كان لا يمل من الغزو، فيه سؤدد وحزم وإقدام، وسجايا حميدة، أصابهم قحط، فجاء رسول قاضيه منذر البلوطي يحركه للخروج، فلبس ثوبا خشنا، وبكى واستغفر، وتذلل لربه، وقال: ناصيتي بيدك، لا تعذب الرعية بي، لن يفوتك مني شئ.

فبلغ القاضي، فتهلل وجهه، وقال: إذا خشع جبار الأرض، يرحم جبار السماء، فاستسقوا ورحموا.

وكان - رحمه الله - ينطوي على دين، وحسن خلق ومزاح»

 

بقلم/ د.يسري عبد الغني

 

يسري عبد الغنيفي القاهرة توفي وفي المجاورين دفن. الرجل الذي تحدث عن الخروج الاندلسي. خلَّف ثروة هائلة من المؤلفات كتبها في مدن مختلفة: تلمسان، وفاس، ومصر، والحجاز، والشام.

نشأ الإمام أبو عبد الله الشريف التلمساني في مدينة تلمسان - المغرب بلد لسان الدين الخطيب

المؤرخ والأديب الحافظ أحمد بن محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي العيش بن محمد المقري التلمساني ، يكنى بأبي العباس ولقبه ” شهاب الدين ” ، وهو صاحب الكتاب الشهير ” نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب ” .

تعود أصول عائلة شهاب الدين المقري إلى قبيلة قريش، وقد أخذت اسمها من قرية مقرّة الواقعة في إقليم الزاب بين بسكرة ومسيلة (تتبع حاليا ولاية قسنطينة)، وكانت موطن أجداده قبل أن ينتقل جده الخامس «عبد الرحمن المقري» إلى تلمسان في القرن 6هـ/ 12م في صحبة شيخه «أبو مدين شعيب الغوث».

استقر المقري في مدينة تلمسان عاصمة الدولة الزيانية، وبمرور الوقت كبرت أسرته وكثر أولاده فأصبحت من كبار الأسر العلمية في تلمسان، وقد عمل أبناء المقري في التجارة واختصوا بتجارة الصحراء التي أدرت عليهم الأموال الطائلة وأكسبتهم سلطة ونفوذاً، خاصة لما اتصل بعض أفرادها بالأمراء والسلاطين في أفريقيا.

وقد أنجبت عائلة المقري الكثير من الشيوخ والعلماء، لعل أشهرهم على الإطلاق «أبو عبد الله محمد المقري» وهو جدّ شهاب الدين الذي كان من كبار شيوخ الوزير الأندلسي «لسان الدين بن الخطيب»، وعمه «سعيد المقري» مفتي مدينة فاس.

ولد شهاب الدين المقري بمدينة تلمسان لكن المصادر القديمة التي ترجمت له لم تحدد تاريخ ولادته، في حين رجح بعض المؤرخين المعاصرين أن مولده كان سنة 986هـ / 1578م تقريبا.

وللأسف وعلى أيام شهاب الدين المقري لم تعد عائلته تتمتع بالنفوذ والثراء الذي كان لها من قبل حيث فقدت صولتها مع فقدان مدينة تلمسان لمكانتها كعاصمة وحاضرة من حواضر العالم الإسلامي؛ إذ أصبحت منذ القرن 10هـ/ 16م تخضع للحكم العثماني بالجزائر، واستطاعت عائلة المقري أن تحافظ في ظل هذه الظروف على مكانتها العلمية، فتوارث أبناءها مكتبتها العظيمة التي استفاد منها شهاب الدين المقري كما استفاد منها أبوه من قبله.

 أما عن نشأته؛ فقد كانت بتلمسان حيث تعلّم وأخذ عن شيوخها في طليعتهم عمّه سعيد المقري، الذي شجعه للارتحال إلى فاس لاستكمال مشواره التعليمي، لما رآه فيه من نباهة وفهم وحب للتعلم وصبر عليه.

 ارتحل شهاب الدين المقري إلى مدينة فاس مقصد طلاب العلم سنة 1009هـ / 1600م وهناك التقى مع الكثير من العلماء فأخذ عنهم، مثل: «علي بن عمران السلاسي» (ت. 1065هـ) الذي ناقشه في بعض مسائل الفقه، واعترف له هذا الأخير بالتفوق عليه وأقر له بقوة الحجة والنباهة، كما لقي أيضا المؤرخ والفقيه «أحمد بابا التنبكتي» (ت. 1036هـ) الذي كان حينها يتردد على مدينتي مراكش وفاس فلازمه وأخذ عنه.

ومن فاس انتقل شهاب الدين المقري إلى مدينة مراكش عاصمة السعديين، وهناك اتصل بالسلطان «أحمد المنصور الذهبي» (986- 1012هـ/ 1578- 1603م) أشهر سلاطين السعديين الذي عرفت المغرب في عهده نهضة حضارية عظيمة، وقد استقبل السلطان المقري وقرّبه إليه وأكرمه بضيافته، كما تعرف فيها على العديد من العلماء والأدباء والفقهاء وجرت بينهما المنقاشات والمناظرات الطويلة.

لم يطل المقام بشهاب الدين المقري في مراكش فقد غاردها بعد أشهر قليلة نحو فاس، ومنها عاد إلى تلمسان سنة 1010هـ/ 1601م مقتفيا بذلك سنة جدّه في السفر.

وفي أوائل سنة 1013هـ/ 1604م؛ عاد شهاب الدين المقري مرة أخرى إلى مدينة فاس، لكن هذه المرة بغرض الاستقرار فيها، وقد اختار هذه المدينة لما كانت تشهده من حركة ثقافية وتوافد العلماء عليها، فقضى هناك فترة مهمة من حياته، صادف أثناء إقامته أحداثا سياسية بارزة في تاريخ المغرب، فقبل مقدمه بسنة توفي السلطان المنصور الذهبي وانقسم أبناءه الثلاث (أبو عبد الله المأمون، أبو فارس عبد الله الواثق، زيدان الناصر) وتصارعوا على الحكم، فدارت بينهم نزاعات كبيرة أضرت باستقرار البلاد.

وكان شهاب الدين المقري مقربا من السلطان زيدان الناصر حيث كان هذا السلطان بدوره فقيها وله اسهامات في العلوم الدينية وتفسير القرآن، وبسبب قربه منه استفاد المقري من مكتبته الخاصة التي تزخر بالعديد الكتب القيمة، وخلال إقامته بمدينة فاس اُسندت إليه الخطابة والإمامة في جامع القرويين، فضلاً عن توليه الإفتاء بها.

أثّرت حالة عدم الاستقرار في المغرب نتيجة صراع أبناء المنصور الذهبي حول الحكم على شهاب الدين المقري الذي لم يطق تلك الأحداث فقرر مغادرة البلاد تاركاً خلفه زوجته وأولاده وأصدقاءه واتجه بغير رجعة إلى المشرق.

شقّ المقري طريقه نحو مصر التي بلغها سنة 1028هـ/ 1619م وانتظر فيها موسم الحج لينتقل إلى الحجاز وبعد فراغه من أداء فريضة الحج عاد إلى القاهرة واستقر بها، وبعد مدة تزوج فيها من سيدة من أسرة الوفائيين إحدى الأسر الشريفة هناك، وأنجب منها بنتا إلا أن هذا الزواج قدّر له أن ينتهي بالانفصال.

ومن القاهرة؛ صار شهاب الدين المقري يتردد بين الحين والآخر على مختلف المدن والحواضر في: الحجاز، والقدس، والشام، وخلال هذه الرحلات كان المقري يشتغل بالتدريس في كبريات المساجد الجامعة فيها؛ فدرّس في المسجد الحرام بمكة، وأملى الحديث النبوي بالمدينة، ولازم خدمة العلم بالأزهر الشريف، وألقى عدة دروس بالمسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة، وأملى صحيح البخاري بالمسجد الأموي بدمشق، فتتلمذ على يده كثيرون منهم: «المولى أحمد شاهين»، والأديب «يحيى المحاسني الدمشقي».

خلّف شهاب الدين المقري ثروة هائلة من المؤلفات كتبها في مدن مختلفة: تلمسان، وفاس، ومصر، والحجاز، والشام وهي على قدر اختلاف المدن التي كتبت فيها اختلفت وتنوعت مواضيعها، فكتب في الأدب، والتاريخ، والفقه، والعقائد ما يدلّ على سعة اطلاعه وتبحره.

لعل أشهر مؤلفاته التي ارتبطت باسمه كتابه الضخم «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب» وهو موسوعة تاريخية وأدبية، وكان سبب تأليفه بغرض الترجمة للسان الدين بن الخطيب خاصة بعد حديثه الطويل عنه أمام تلاميذه في دمشق، ولما أراد أن يمهد له بمقدمة عن تاريخ الأندلس طال به الحديث فقرّر أن يجعله كتابا شاملا؛ خصص القسم الأول للحديث عن تاريخ الأندلس، وأفرد القسم الثاني للحديث عن وزيرها لسان الدين بن الخطيب.

 ويعتبر “نفح الطيب” مرجعاً أساسياً في تاريخ الأندلس إذ وصفه أحدهم بأنه: «أعظم مراجع تاريخ الأندلس»؛ بحيث احتوى الكتاب على معلومات ثرية عن حياة الأندلسيين وعن خروجهم الأخير من أرض الأندلس، ورجع فيه المؤلف إلى كتب تعتبر مفقودة الآن، وتُرجم الكتاب إلى الانجليزية من طرف المستشرق الاسباني كاينكوستحت بعنوان: «تاريخ الدول العربية في الأندلس» سنة 1843، وحققه الدكتور إحسان عباس وطبع في 8 مجلدات سنة 1968.

ويليه كتاب «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» وهو كتاب ضخم لم يقتصر على ترجمة القاضي عياض فحسب بل جعله دائرة معارف مغربية، تحدث فيها عن الحركة العلمية والأدبية بالمغرب وترجم للعديد من علماءها وفقهاءها.

أما كتابه «روضة الآس العاطرة الأنفاس، في ذكر من لقيته من أعلام الحضرتين: مراكش وفاس» فهو أول أعماله، ألفه بعد عودته من رحلته الأولى إلى مراكش وفاس، خصصه للترجمة للعلماء الذين لقيهم هناك  على أن يقدمه هدية للسلطان المنصور الذهبي، ولكن عند عودته إلى فاس كان المنصور قد توفي.

وكتابه «فتح المتعال في وصف النّعال» وجاء تأليف هذا الكتاب بعد مجلس جمعه ببعض علماء القاهرة في حديث حول النّعال النبوية، ولما كانت معلوماته فيه غزيرة فكّر في أن يجمعها في كتاب مفصل منظّم.

ومن مؤلفاته أيضا: «إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة»، و«رحلة المقري إلى المغرب والمشرق»، و«النفحات العنبرية في وصف نعال خير البرية»، و«أزهار الكمامة في أخبار العمامة ونبذة من ملابس المخصوص بالإسراء والإمامة»،و«اتحاف المغرم المغرى بتكميل شرح الصغرى»، وغيرها من الكتب التي ما زالت مخطوطة أو مفقودة.

ظل أحمد المقري التلمساني شهاب الدين يتردد على الشام والحجاز لمدة 14 سنة إلى غاية وفاته بالقاهرة في جمادى الآخرة سنة 1041ه/ 1631م، وكان قبلها ينوي الانتقال إلى بيت المقدس للعيش بها تحت إلحاح طلبته هناك، خاصة بعد وفاة ابنته وطلاقه من زوجته فلم يعد يربطه شيء بالقاهرة، إلا أن المنية سبقته بها ودفن هناك بمقبرة المجاورين.

توفي صاحب نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب في مدينة القاهرة.

الاسانيد :-

* الحبيب الجنحاني، المقري صاحب نفح الطيب دراسة تحليلية، دار الكتب الشرقية.

* عبد الغني حسن، المقري صاحب نفح الطيب، الدار القومية للطباعة والنشر.

* عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر، مؤسسة نويهض الثقافية.

* مقدمة محمد بن معمر لتحقيق كتاب رحلة المقري إلى المغرب والمشرق، مكتبة الرشاد للطباعة والنشر.

* اسماعيل باشا البغدادي، هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، مؤسسة التاريخ العربي.

* تصدير كتاب روضة الآس العطرة الأنفاس فيمن لقيته من أعلام الحضرتين: مراكش وفاس، أحمد بن محمد المقري، المطبعة الملكية.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

محمود محمد عليالثورة الجزائرية لم يخدمها مثقفوهـا فقط، وإنما هناك مـن الفرنسيين سخر قلمه وعمله للوقوف مع شعب جرد من حقوقه منهم “فرانز فانون” ومـن هنا جاءت رغبتنا تسليط الضوء علي فرانز فانون تلك الشخصية العظيمة التي لا يعرفها الكثير من الشباب، وهنا في هذا المقال نكمل حديثنا فنقول :" في 1960 صار سفير الحكومة الجزائرية المؤقتة في غانا. توفي فانون عن عمر يناهز الـ36 بمرض سرطان الدم ودفن في مقبرة مقاتلي الحرية الجزائريين. يعد أحد أبرز من كتب عن مناهضة الآخرين في القرن العشرين. ألهمت كتاباته ومواقفه كثيراً من حركات التحرر في أرجاء العالم, ولعقودٍ عديدة. آمن فرانز فانون بأن مقاومة الاستعمار تتم باستعمال العنف فقط من جهة المقموع، فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة (16).

وتوفي فانون في الحكومة الجزائرية المؤقتة صار سفير 1960 وفي عن عمر يناهز الـ 36 بمرض سرطان الدم ودفن في مقبرة مقاتلي الحرية الجزائريين، ولم يعش ليرى بنفسه تحرر بلده بالتبني من الهيمنة الاستعمارية الفرنسية، وهو شيء كان يعتقد أنه أصبح أمرًا حتميًا. وكان هذا المفكر الراديكالي والثوري قد كرّس نفسه وجسده وروحه للتحرر الوطني الجزائري، وكان يُعَدّ مرآة من خلالها فهِم عدد كبير من الثوريين الموجودين في الخارج الجزائر، وأحد الأسباب التي ساهمت في أن تصبح البلاد مرادفًا لثورات العالم الثالث.

وقد قال فرانز فانون وهو على فراش المرض، قبل وفاته: “ما أريد أن أقوله هو أن الموت يلازمنا دائما، فليست المسألة هي كيف نهرب منه؟، لكن ما إذا كنا حققنا أقصى ما نستطيع للأفكار التي عملنا من أجلها. والذي يهزني حقيقة في سرير مرضي ليس حقيقة أنني سأموت، لكن أن أموت بمرض اللوكيميا في واشنطن، بينما كان يمكن أن أموت منذ ثلاثة أشهر في مواجهة الاستعمار الفرنسي (17).

وكان "فانون"، قد نمّى روحه النضالية وموهبته للكتابة، من خلال احتكاكه بالشاعر البارز والمختص في قواعد اللغة الفرنسية، إيمي سيزار، الذي يعتبر من المناهضين البارزين للاستعمار والتمييز بين الشعوب والأعراق، وتوفي بعد صراعه مع مرض سرطان الدم، ودفن بمقبرة مقاتلي الحرية الجزائريين، تنفيذاً لوصيته التي سجلها بالجزائر، حيث عاش فيها، وظل يحلم على أرضها بأمرين: استقلالها، ووحدة كل الأفارقة (18).

إن المتمعن في تطور كتاباته يجد فيها تفسيراً لكيف ولماذا أصبح فرانز فانون شخصية ملهمة في منظري الافكار الثورية و الأخلاقية لحياة الشعوب , ولهؤلاء المناضلين الذين يواصلون العمل من أجل العدالة الاجتماعية للمهمشين والمضطهدين علي مستوي العالم حتي يومنا هذا (19).

كما ألهمت كتاباته ومواقفه كثيرًا من حركات التحرر فى أرجاء العالم، ولعقودٍ عديدة، حيث كان من المؤمنين بأن مقاومة الاستعمار تتم باستعمال العنف فقط من جهة المقموع، فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، ومن مؤلفاته نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : كتابه "  بشرة سوداء أقنعة بيضاء، وكتاب "علم  اجتماع الثورة"، وكتاب " العام  الخامس للثورة الجزائرية أو سوسيولوجيا ثورة، وكتاب " من أجل أفريقيا"، وروايته " معذبو الأرض".. الخ. ولا يمكن التطرق لسيرة فرانز فانون دون الحديث عن دفاعه وفكره المقاوم والمستميت ضدّ الاستعمار، وهو الفكر الذي صقلته تجربة مقاومته للاستعمار الفرنسي في الجزائر؛ فقد آمن فرانز فانون بأنّ فكرة التحرّر من الاستعمار، هي حركة ذات طبيعة عنيفة تتخذ أشكالاً متعددة، أهمها المقاومة الثقافية، وهذه القناعة استمدها من تجربته الشخصية، فهو الطالب الأسمر القادم من جزر المارتنيك المستعمرة الفرنسية (20).

وفلسفة فانون مستمدة من تراكمات عاشها وعايشها، وكانت الإهانات التي تعرّض لها من طرف أساتذته في كلية الطب بمدينة ليون الفرنسية، بسبب لون بشرته، مدخله إلى دراسة الفكر الكولونيالي الذي قال عنه إنه يهدف إلى تشييئ تصوّر المستعمَر عن نفسه. (21).

وهناك العديد من العوامل التي أثرت علي فكر فانون  بدأت باستقطابه الأفكار الماركسية والأفكار الوجودية التي من شأنها أن تنشيء الحركات الراديكالية الرافضة للانقسام والسيطرة من قبل فصيل علي الاخر (برجوازية وبروليتاريا) , والذي اورده في مقدمة كتابه “بشرة سوداء وأقنعة بيضاء” المناهض للعنصرية بشتي أشكالها (22). .

لقد استطاع فانون أن يصل بأفكاره التحرّريّة إلى جميع أنحاء العالم، ويؤثّر في العديد من المجتمعات والشعوب بأفكاره التحررية ونقده لوضع مأساوي كارثي سببه الدول الاستعمارية التي تدعي أنها تصدر الحضارة والديمقراطية لمستعمراتها وهي في الواقع تسبب لها الجهل والفقر والأمية. كما كانت كتاباته وأفكاره خارطة طريق لحركات التحرر وقوى محاربة الظلم والاستبداد والاستعمار في جميع أنحاء المعمورة. من خلال كتاباته حارب فانون الاستلاب والاغتراب والذوبان في الآخر، أي المستعمِر الذي عمل جاهدا على محاربة الثقافات الأصلية المحلية وفرض ثقافته وقيمه والتي هي في الأساس أنظمة وقيم لا تصلح إلا لموطنها الأصلي، إن كانت تصلح أساسا (23) .

وقد كان الحل الوحيد للخروج من الاستعمار من وجهة نظر فانون والتي أوردها في كتابه “معذبو الأرض” هي العنف فهو يري أن العنف هو السبيل الأوحد للقضاء على الاستعمار (24) ؛ فهو يري أن الجلوس على موائد التفاوض لن يكون إلا في صالح بروز استعمار جديد تمثله البرجوازية الوطنية والتي ستحكم بعد الاستعمار وتكون ذراعاً له , ومن خلفها جماهير ذليلة ضاعت هويتها في غمار الثقافة الاستعمارية التي فرضت نفسها (25)؛ ويقول فرانز فانون: “أنا أريد شيئا واحدا، ألا وهو نهاية استعباد الإنسان للإنسان، واستعباد الآخر لي، ذلك سيضمن لي أن أكتشف وأن أجد الإنسان في أي مكان يكون”، وبهذا أعلن وقوفه ضد المستعمر الفرنسي (26).

وقد ذكر فرانز فانون في هذا الشأن  “إن محو الاستعمار وهو يستهدف تغيير نظام العالم إنما هو، كما ترون، برنامج لقلب النظم قلبًا مطلقًا. ولكنه لا يمكن أن يكون ثمرة عملية سحرية أو زلزالًا طبيعيًا أو تفاهمًا وديًا؛ أي إنه لا يمكن أن يعقل، ولا يمكن أن قوتين تستمد كل منهما صفتها الخاصة من ذلك التكوين الذي يفرزه الظرف الاستعماري ويغذيه، إن التجابه الأول الذي تم بين هاتين القوتين إنما تم تحت شعار العنف” (27).

وأخيرا نجد أن فانون كان أكثر عنفا ودموية  في التعامل مع المستعمر حين نادي بالعنف المطلق والعنف المطلق هذا يقترب فكريا من سلوك الجماعات الإرهابية مثل “داعش” و “القاعدة”، ففانون لم يقتصر فقط بالمطالبة بالعنف إزاء المستعمر بل طالب باستخدامه ضد بعض الطبقات الموجودة في المجتمع في إشارة منه إلى ضرورة الاتجاه نحو شن الحروب الأهلية في المجتمعات الأفريقية حتي يتسني تحقيق توجهاته الماركسية التى يحاول إخفاؤها، إذا في النهاية يحمل فانون الكثير من المتناقضات الفكرية التى لا يمكن بأي حال من الأحوال تطبيقها في الدول الأفريقية حاليا (28).

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة وهي أنه في كتابه " بشرة سوداء أقنعة بيضاء" يرى فرانز فانون أن الاغتراب تجربة فردية أولًا، وتجربة جمعية ثانيًا حين تمتد إلى تحنيط ثقافات عاشت آلاف السنين في نفوس أبنائها. وحيوية الثقافة، وبالتالي قدرتها على مقاومة الإفناء، مرهونة أساسًا بشرط معرفة أبنائها لماهية ذواتهم وماهية هويتهم. ويصبح ذلك مستحيلًا حين يتمّ إحلال أساطير الدونية الثقافية (التي يصنعها ويروّج لها المستعمِر) محلّ الوعي الجمعي عند أبناء البلد الأصليين. وهنا «لا تكون العنصرية رفضًا لجسد ابن البلد ونفسه فحسب، بل تنقلب إلى حكم عليه بعقدة الذنب الأبدية )29).

وكذلك تفاعل  فانون كثيرا مع أفكار الزنوجة، التي علمه إياها إيمي سيزار، الناقد الشهير في مارتينيك للاستعمار الأوروبي، مما شكل أفكاره  والتي كانت ممزقة في البداية بين كونه من ذوي الطبقة المتوسطة في مارتينيك الفرنسية وانشغاله مع الهوية العرقية التي روجها مفكري عصره (30) .

وبناء على فكرة الزنوجة اتجه فانون في فترة لاحقة إلى الإعتماد على أليات الزنوجة في البحث عن مرجع حضاري مناوئ ومنافس للحضارة الأوروبية لكي يعترف الاسود بذاته دون الحاجة إلي أن تفرض عليه ثقافة أخري برضخ لها؛ وتجلي ذلك في كتابه ” بشرة سوداء وأقنعة بيضاء” الذي حاكي فيه فانون المؤثرات الإنسانية البالغة التعقيد للاستعمار والعنصرية على الدول الأفريقية وبناء على فكر الزنوجة اتجه فانون في مرحلة لاحقة إلى الإعتماد على أدوات الزنوجة في البحث عن مرجع حضاري مناوئ ومنافس للحضارة الأوروبية وفي هذا الاتجاه أولي فانون عناية واهتمام خاص بطبقة الفلاحين في الجزائر ودورها المحوري في الثورة الجزائرية بل وصل الأمر إلى اعتبارها الطبقة الثورية الوحيدة الموجودة في الجزائر، حيث أن عفوية القرويين (الريفيين) تدفعهم في الغالب إلى التحرك بعفوية شديدة دونما أي ترتيب من أي قوي سياسية وتقوم بمداهمة مراكز ومخافر الاحتلال وتقتلهم جميعا مما يؤدي إلى استنفار المستعمر ويرسل أرتال جيوشه إلى المناطقة الريفية من أجل وأد الثورة في مهدها إلا أنه في الغالب يفشل في القضاء عليها وتكون تحركات الريفيين متقدمة خطوة أو اثنين على أقل تقدير عن خطوات النقابيين وأعضاء الحركات الثورية (31).

يختلف الكثيرين حول فانون فمنهم من يراه بأنه مستقل الفكر لم يتم استيعابه في فكر معين من أفكار السائدة في أوروبا في تلك المرحلة التى عايشها فانون والبعض الأخر ينفي ذلك معتبرا أن فانون كان بمثابة شخص ملئ بالغربة الذاتية يحاول جاهدا أن يلقي نفسه في أي فكر أو تيار سياسي سائد في تلك المرحلة فمثلا في البداية تأثر بالزنوجة إلا أنه ما لبث أن انقلب عيها عندما انتقل بعد ذلك إلى باريس والجزائر وذلك لتأثره بأفكار معلمه الجديد بول سارتر بل قد يذهب البعض إلي اعتبار أن كتاب “بشرة سوداء وأقنعة بيضاء” ما هو إلا تجرمه حقيقية لأفكار إيمي سيزار عن الزنوجة، أما كتاب”معذبوا الأرض” فكان واقع تحت تأثير واضح من أفكار الفلسفة الوجودية والماركسية لبول سارتر، وأن الرأي الأخير الرامي إلى الدفع بعدم استقلالية فكر فانون هو ما يراه الباحث مناسبا لفكر فانون الذي غلبت عليه افكار الأخريين ولم يكن هناك أية استقلالية حقيقية في فكر فانون ولعل السبب في الدفع عند البعض بالادعاء بقول الاستقلالية الفكرية لدي فانون هو البروبجندا الإعلامية التى صاحبت فانون أينما ذهب حيث يعد فانون من المفكرين القلائل الذين قرروا التنازل عن جنسيتهم الفرنسية واعلان الانقطاع التام بالوطن الأم فرنسا لصالح قضية الاستقلال والتحرر الوطني كما أن البعض عادة ما يوصف فانون بأنه مفكر الثورة الجزائرية مثلما فعل روسو مع الثورة الفرنسية وهو الأمر الذي لانزال نلمسه إلي اليوم حيث أن العديد من الكتاب خاصة اليساريين منهم يحاولون بشتى الطرق الربط بين موجات الربيع العربي وفكر فرانز فانون (32).

هذه شخصية “فرانز فانون” المناضل والفيلسوف والطبيب الذي أمن بالإنسان الجزائري  وحريته فدافع عنه وضحى من أجله وأصبح يرى في نفسه جزءا من القضية الجزائرية وجزءً لا يتجزأ منها فاحتضنته بدورها الثورة الجزائرية لتبوئه المكانة التي يستحقها، وهو ما يؤكد أن الثورة الجزائرية لم يخدمها مثقفوها فحسب وإنما هناك الكثير من الفرنسيين من سخر قلمه وعلمه وحتى روحه للوقوف بجانب شعب جرد من حقوقه المشروعة (33).

 

أ.د محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – بجامعة أسيوط.

................

(16) شعبان ياسين: المرجع نفسه.

(17) فيصل شيباني: فرانز فانون.. الثوري الأسمر الذي رافع للثورة وآمن باستقلال الجزائر، أوراسر، 06/12/2020

(18) مختار بوروينة: فرانز فانون.. فرنسي كافح الاستعمار وحلم بحرية الجزائر-جريدة الاتحاد-الجمعة 9 ديسمبر 2016 14:13

(19) محمد عبد المجيد حسين، حنان ابراهيم امام المراكبي: ايديولوجية فانون واثرها علي فكره السياسي،  المركز الديمقراطى العربى..12. مايو 2019

(20) فيصل شيباني: المرجع نفسه.

(21) المرجع نفسه.

(22) محمد عبد المجيد حسين، حنان ابراهيم امام المراكبي : المرجع نفسه.

(23) محمد قيراط : فرانز فانون..الاستلاب..الاغتراب والثورة، الشرق، ١٠‏/١٢‏/٢٠١٦

(24) الوطن , “فرانز فانون , الرائي من بعيد.. قراءة في كتاب معذبو الأرض “, اخر دخول 3/3/2018 في 5:5 ص , متاح علي : http://www.wattan.tv/news/140277.html .

(25) المرجع نفسه.

(26) المرجع نفسه.

(27) المرجع نفسه.

(28) محمد محمود محمد الدابولي: فرانز فانون ومقاومة الإستعمار في أفريقيا : قراءة في جدلية العنف الثوري، المركز الديمقراطى العربى16. ديسمبر 2017

(29) محمد قيراط : المرجع نفسه.

(30)  Blake T. Hilton ,” Frantz Fanon and Colonialism: A Psychology of Oppression” , Journal of Scientific Psychology (Oklahoma : University of Central Oklahoma, VOL1 , 2011)P.45.

(31) طه طنطاوي، مقاومة الاستعمار في فكر فرانز فانون، رسالة ماجستير( جامعة القاهرة، معهد البحوث والدراسات الأفريقية، قسم السياسة والاقتصاد، 2009.

(32) محمد محمود محمد الدابولي: فرانز فانون ومقاومة الإستعمار في أفريقيا : قراءة في جدلية العنف الثوري، المركز الديمقراطى العربى16. ديسمبر 2017

(33) شعبان ياسين: المرجع نفسه.

 

 

محمود محمد عليتعد الثورة الجزائرية من أهم الحركات الثورية على الساحة الدولية العربية في القرن العشرين، والتي استطاعت تكسير حاجز الصمت الذي فرضته عليها وسائل الإعلام والدعاية الفرنسية، فقد رفع شعارها كل ثوار العالم لتصبح نموذجا للمستعمرات في نضالها ضد الاستعمار، لأنها "أحيت الضمائر الميتة وحركت العقول الجامدة فكان لها الصدى عند عديد من البلدان والهيئات" (1).

وبعد نجاح الثورة الجزائرية في إطلاق حرب تحريرٍ واسعةٍ ضد استعمارٍ استيطانيٍّ عنيف دام لأكثر من 130 عاماً، بدأت تستقطب دعم الكثير من عربٍ وأوروبيين وغيرهم. تراوح ذلك الدعم بين جمع التبرّعات والتأييد المعنوي والانخراط في صفوف جيش التحرير الوطني من جهة، ومن بعض الجزائريين من ذوي الأصول الأوروبية المختلفة (من أبناء أو أحفاد المستوطنين الذين فاقت أعدادهم المليون أثناء الثورة) من جهةٍ أخرى، مثل بيار شولي وزوجته كلودين، وإيميل شكرون... وبعضهم قدّم روحه فداءً لها، كالشهيد هنري مايو، وفرناند إيفتون (2) .

لكن طبيباً مارتينيكياً شاباً إسمه فرانز فانون انفردت قصة انتمائه للثورة الجزائرية بتميّزٍ جعل منه واحداً من مُثقّفيها، فلم يكتف بالدفاع عنها أو دعمها، بل تبنّاها بالكامل ونظَّر لها، فمَن هو إبراهيم فرانتز فانون؟

وفي الإجابة علي هذا السؤال يمكن القول بأنه يعد شخصية متعددة الأبعاد، فهو إلى كونه أفريقيّاً، وجزائريّاً، وفرنسيّاً..  هو رجل أممي بامتياز. وهذه الشخصية المتعددة الأبعاد.. لعبت أدواراً ذات شأن في مجالات وميادين علمية وإنسانية ومهنية شتى. فهو الطبيب النّفسي والسوسيولوجي والفيلسوف وكذلك هو المناضل في ميدان الحرب والسياسة (3).

علاوة علي أنه يعد واحداً من ن أبرز المفكرين الذين دعموا حركات النضال المسلحة والشعبية من اجل انهاء الاستعمار في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولا تزال كتبه وأفكاره من بين الادبيات الأكثر قراءة علي مستوي العالم، والافكار الاكثر تأثيراً في أذهان الشعوب وبخاصة الافريقية منها، فلقد كانت حياته القصيرة مفعمة بالكفاح سواء بسبب مشاركته الصادقة في نضال الاستقلال الذي قام به الشعب الجزائري ضد فرنسا وكذا تحليلاته العميقة والمؤثرة لإثارة الدافع البشري نحو الحرية في السياق الاستعماري (4).

ولهذا كان اسمه من أشهر المفكرين خلال الخمسينيّات والستينيّات من القرن الماضي، جنبا إلى جنب مع "تشي جيفارا" و"باتريس لومومبا" و"جون بول سارتر" و"إيميه سيزار" و"أميلكار كابلار"…وغيرهم، حيث كانت هذه النخبة من أصحاب الفكر الثوري التحرري تمثّل آنذاك "صيحة الفكر التحرّريّ العالميّ"، التي توازي نضال "حركات التحرّر الثوريّة" في دول آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، بقيادة "جبهة التحرير الوطنيّ" في الجزائر، و"منظمة التحرير" في فلسطين، و"جومو كينياتا" زعيم ثورة الماوماو في كينيا، و"سامورا ميشال" في موزمبيق، و"روبرت موجابي" في زيمبابوي، و"فيدال كاسترو" في كوبا و"جمال عبدالناصر" في مصر، و"هو شي منه" و"الجنرال جياب" في فيتنام وجواهر لال نهرو في الهند وجوزيب بروز تيتو في يوغوسلافيا، و"نيلسون مانديلا" في جنوب إفريقيا وغيرهم.

تاريخ فرانز فانون يمثّل سجّلا حافلا من المشاركات الفكريّة في التعبئة الثوريّة لطلائع المجتمعات المستضعفة الثائرة ضد الاستعمار، حيث استطاع هذا الرجل الزنجيّ، القادم من جزر المارتينيك أن يجد له مكانا وسط المناضلين ضدّ القمع والبطش والاستغلال، الذي كانت تمارسه قوى الاستعمار ضدّ الشعوب المستعمرة على مدى عقود طويلة، ورغم مشاركته القصيرة في الكفاح المسلّح ضمن صفوف جبهة التحرير الوطنيّ في الجزائر بين سنتي 1957 و1961، غير أنّ الرجل ترك بصمة واضحة في تاريخ الثورة الجزائريّة تحديدا، وتاريخ حركات التحرّر العالميّة عامّة، وهو لا يزال حاضرا بفكره حتّى الآن، وسط مفكّري الحركة التحرّرية العالميّة المعاصرة (5).

ورغم ذلك لم يكن فانون شخصية مركزية أو قائداً في جبهة التحرير الوطني الجزائرية، ومن ثم لم تكن له علاقة بالقرارات القيادية،  كما أنه لم يكن دبلوماسياً مهماً، مع أنه قام فعلاً بتمثيل الحكومة الموقتة الجزائرية في غانا؛ بل انه لم يكن خبيراً استراتيجياً عسكرياً، مع أنه كان منخرطاً بصورة فعلية في العمل العسكري،  حيث عمل على تنظيم رحلة استطلاعية مهمة بهدف فتح جبهة جديدة في الجنوب الغربي (6) ؛ وقال عنه الفيلسوف والمفكر الفرنسي في مجلة المجاهد:" إذا استبعدتم ثرثرة  سوريل الفاشستية فستجدون إن فانون هو منذ إنجلز أول من ألقي ضوءً ساطعاً علي أكبر عامل في  دفع التاريخ إلي الأمام وهو العنف (3)، وقال " جون بيار ميسيي – أستاذ في علم الاجتماع لجمهورية كونغو برازافيل: " لقد حافظ علي ثقافتنا كأفارقة.. شخصيا تأثرت كثيرا بكتابات فانون خاصة كتابه المعنون " مغذبو الأرض" (7)؛  وقالت عنه سيمون دي بوفار: " من أجل الصداقة التي كانت بيننا، لقد  شعرنا نحوه، وكذلك ماذا يستطيع أن يقدم لمستقبل الجزائر أفريقيا .. حقيقة أنه كان رجل قذ" (8)

وفانون بلا شك هو رجل في مظهره هدوء، وفي داخله غليان، أنيق اللباس، لطيف الحركة .. اعتنق الاشتراكية وأمن بها مصيراً أفضل لكل الشعوب، مثل ما آمن بالوحدة كضامن  طريق لشعوب أفريقيا، مرهف الحساسية، لكنه مؤمن بضرورة العنف للقضاء علي الاستعمار .. قدس المبادئ التي اعتنقها لدرجة إن طبقها في حياته، ولم يجعلها مجرد نظريات يخلو معها فوق المكتب، طبقها رغم ما تعرضه له من متاعب كان في غني عنها كطبيب نفسي ناجح وككاتب شاب لا مع أمامه مستقبل ملئ بالأضواء والآمال (9) ؛ وقد عُرف بنضاله من أجل الحرية وضد التمييز والعنصرية؛ وقد خدم خلال الحرب العالمية الثانية في جيش فرنسا الحرة،  وحارب ضد النازيين .

ولد فرانز فانون في 20 يوليو 1925 وتوفي في ديسمبر 1961 وهو طبيب نفسانيّ وفيلسوف اجتماعي من مواليد فور دو فرانس Fort-De-France - جزر المارتنيك،  كان أبواه المنحدران من العبيد البائسين الذين استقدموا قبل ثلاثة قرون من أفريقيا، ينتميان إلى برجوازيةٍ جديدة (كان أبوه مفتشاً في الجمارك وزاولت أمّه تجارة صغيرة في المدينة) شكّلتها الإدارة الفرنسية لدعم مشاريع إدماج الأهالي المحليين التي باشرتها في مستعمراتها. هكذا انضمّ فانون الشاب إلى المقاومة الفرنسية ضد النازيين سنة 1943 باعتباره مواطناً فرنسياً وهو الذي تعلَّم أن يردِّد في المدارس الفرنسية، (كما أقرانه من الجزائريين وباقي أبناء المستعمرات الفرنسية)، قصص أمجاد الآباء الغاليين les Gaulois كما كتب في كتابه "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء (10).

وقد عرف فرانز فانون بنضاله من أجل الحرية وضد التمييز والعنصرية. خدم خلال الحرب العالمية الثانية في «جيش فرنسا الحرّة وحارب ضد النازيين. التحق بالمدرسة الطبية في مدينة ليون، وتخصّص في الطبّ النفسي ثم عمل طبيباً عسكرياً في الجزائر في فترة الاستعمار الفرنسي، عمل رئيساً لقسم الطبّ النفسي في مستشفى البليدة ـ جوانفيل في الجزائر، حيث انخرط مذ ذاك الحين في صفوف جبهة التحرير الوطني الجزائرية. وعالج ضحايا طرفي الصراع، على الرغم من كونه مواطناً فرنسياً (11).

وفي عام 1951 أنهى أطروحته وحضر لامتحان الداخلية لمستشفيات الطب النفسي، وتزوج سنة 1952، رزق ولدا اسمه ” أوليفييه ”، كما أنهى تخصصه مع الدكتور الاسباني “توسكيل “، وقد ساعده كثيرا في تطوير معارفه في العلاج الاجتماعي (12).

في سنة 1953 نجح في مسابقة الالتحاق (ميديكا،Medicat) لمستشفيات الأمراض العقلية، والتمس منصبا في مدينة البليدة (جوان فيل سابقا)، والذي سبق أن عرض عليه من الوالي العام للجزائر، ويعد هذا المستشفى من أهم مستشفيات المنظومة الطبية الفرنسية،والاهم من نوعه على مستوى إفريقيا، وقد عين مديرا للعلاج العقلي (13).

وفي عام 1955، انضم فرانز فانون كطبيب إلى جبهة التحرير الوطني الجزائرية   (F.L.N).  غادر سرّاً إلى تونس، وعمل طبيباً في مشفى منوبة، ومحرراً في صحيفة «المجاهد» الناطقة باسم الجبهة، كما تولى مهمات تنظيمية مباشرة، وأخرى دبلوماسية وعسكرية ذات حساسية فائقة (14).

وفي مارس 1959 شارك في المؤتمر الثاني للكتاب والفنانين السود في روما، ثم شارك ضمن الوفد الجزائري في المؤتمر الثاني للكتاب والفنانين السود بروما، ثم شارك  ضمن الوفد الجزائري في المؤتمر الثاني لشعوب إفريقيا الذي عقد في تونس شهر جانفي 1960، وهذا بعد فترة نقاهة قضاها اثر حادث سيارة تعرض له أثناء قيامه بمهمة كلفته بها جبهة التحرير الوطني على الحدود المغربية (15)..وللحديث بقية..

 

أ.د محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – بجامعة أسيوط.

................

(1) شعبان ياسين: "فرانز فانون" مناضل الثورة الجزائرية… البشرة السمراء والقلب الأبيض، رأي اليوم.

(2) عبد الله بن عمارة: فرانز فانون.. حفيد "العبيد "الذي صار أيقونة ثورية- الميادين نت 11 شباط 2020 10:48

(3) علي قصير: فرانز فانون: الفيلسوف السياسي والمناضل الأممي، مجلة الاستغراب، 2018، ص 11.

(4) دافيد كوت، عدنان كيالي(مترجم)،” فرانز فانون” (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1971) .

(5) محمد قيراط: فرانز فانون.. الاستلاب.. الاغتراب والثورة، جريدة الشرق.

(6)-عمراني: جان بول سارتر، ص 71.

(7)- بسكري نعيمة: التعذيب أثناء الثورة الجزائرية من خلال منظور فرانس فانون، مذكرة مكملة لنيل شهادة الماجستير في التاريخ المعاصر، جامعة محمد خيضر، بسكرة، الجزائر، 2013، ص 29.

(8) عمراني: جان بول سارتر، ص 71.

(9) بسكري نعيمة: المرجع نفسه، ص 30.

(10) طهيري عماد الدين: الكولونيالية وخطاب التحرر في فلسفة فرانز فانون (فانون وتثقيف الثورة الجزائرية)،  قرطاس الدراسات الحضارية والفكرية، المجلد الرابع العدد الثامن، الجزائر، 2017، ص 58-60.

(11) حياة ثابتي: الدكتور فرانز فانون والثورة الجزائرية)،  قرطاس الدراسات الحضارية والفكرية، المجلد الرابع العدد الثامن، الجزائر، 2017،  ص 155-173.

(12) شعبان ياسين: "فرانز فانون" مناضل الثورة الجزائرية… البشرة السمراء والقلب الأبيض، رأي اليوم.

(13)  المرجع نفسه.

(14) حياة ثابتي: المرجع نفسه.

(15) المرجع نفسه.

 

محمود محمد عليفي "مدينة بلا قلب"، لا نقرأ سيرة مدينة بذاتها، ولا فرد بعينه، بل نقرأ سيرة ضياع الإنسان المعاصر في زحام المدن الكبيرة المعولمة التي يحدق فيها كل واحد بالآخر ولا يراه، والناس يمضون سراعاً، ويحدقون في اللاشيء وكأنهم أشباح أنفسهم. ولذا فقد لا يحفل أي منهم بفتى ضل الطريق إلى بيته في الزحام، أو بمقتل صبي بائس تحت عجلات عربة عجلى. وإذ تحمل المجموعة من بعض زواياها أبعاداً فلسفية ورؤيوية عميقة، تذكّرنا ببعض أعمال شلي وووردسوورث وغوته وريلكه وكافكا، حيث يقف الأدب على المفترق الصعب بين بساطة الماضي الرومانسي وتعقيدات الحاضر وتحولاته الشائكة (5).

ثمة في شعر عبد المعطي حجازي من جهة أخرى ما يخترق سقف الأيديولوجيا التي يعتنقها، ليقيم في مناطق المكاشفات الداخلية والرؤيوية الأشد غموضاً والتباساً من سطوح السياسة المتقلبة العابرة. فالشاعر الذي أعجب بعبد الناصر، وبكى غيابه عبر غير قصيدة ومرثية، والذي تفتحت موهبته في ظل الحقبة الناصرية، والذي خاض مع وريثه مواجهات قاسية أدت إلى هجرته الطويلة إلى فرنسا، لم يخفِ فيما بعد نقده القاسي للواقع العربي المتردي بفعل تغييب العقل وغياب الحرية، وتعطيل القوى المهيمنة لأي فرصة جدية للتغيير. وقد بدا ذلك واضحاً في قصيدة حجازي المتميزة «مرثية للعمر الجميل»، التي يدمج فيها الشاعر بنجاح بين صوت الشاعر وصوت الجماعة، كما بين مأساته كإنسان ومأساة أمته التي لم تزل تجد في البطل الفرد طريق خلاصها الأنجع (6).

إن التطور الذي لحق لغة الشعر العربي المعاصر وصوره وإيقاعاته، تزامن مع تطور بناء القصيدة الفني، فالقصيدة أو التجربة كل لا ينفصل، وكل ما فيها من عناصر رؤيوية مؤثرة في العناصر الأخرى وأنماط البناء الفني في القصيدة المعاصرة تتعدد وتتسع وتتفق في الانبثاق من النزعة الدرامية، ولقد وعى أحمد عبد المعطي حجازي هذه الحقيقة التي تربط عناصر التجربة بعضها ببعض فوجد في الحوار وأنواعه أحد أشكال الدراما الشعرية المعاصرة، واجتهد في استثمارها في متنه الشعري على نحو شكل علامة بارزة وظاهرة في قصائده، من منطلق أن الحوار في النص الشعري ليس مجرد تعاطي الكلام أو حالة مقابلة بين شخصيتين أو أكثر (7) .

وتعرض الشاعر عبد المعطي حجازي إلى هجوم وانتقادات شديدة من قبل الشعراء المصريون، منددين بأهمية تنحي حجازي عن رئاسة لجنة الشعر "بمؤتمر الشعر العربي" لأنه يرفض الاعتراف بقصيدة النثر واعتبارها شكلاً من أشكال التجريب الذي لا زال يبحث عن نفسه وعن نقاده وجمهوره. (8).

وعن مفهوم السعادة بالنسبة إليه قال: "الأيام السعيدة في حياة الإنسان كثيرة، والسعادة تقاس بمقاييس مختلفة منها الرضا عن النفس والاطمئنان للحاضر، والمستقبل"، متابعًا: "وأسعد الأوقات التي مرت عليّ حين أجد من حولي، ليس فقط من أهلي وأصدقائي ولكن من مواطني، حين أجدهم سعداء، وحين أجدهم حققوا ما أرادوا أن يحققوه، وأسعد الأوقات بالنسبة لى شخصيًا هي الأوقات التي نظمت فيها ما أحببت أن أنظمه من قصائد، فالقصائد التي وفقت في كتابتها تمثل لي سعادة كافية (9).

وعن الأحداث التي لا ينساها حجازي، قال: "في حياتي الأدبية لا أنسى اليوم الذي رأيت فيه قصيدتي الأولى منشورة وكان هذا في عام 1955، واليوم الذي ظهر فيه ديواني الأول، وكذلك اليوم الذى اختارتني فيه جامعة باريس لأدرّس فيه الشعر لطلاب الدراسات العربية، ومن أيامي السعيدة كذلك اليوم الذي التقيت فيه بزوجتي، واليوم الذي رأيت فيه ابنتى، وكذلك اليوم رأيت فيه حفيدي (10).

وعن حلم مؤجل للشاعر الكبير قال "حجازي": "إذا كان لى عمر أتمنى أن أكتب عملًا مسرحيًا شعريًا، وأن أكتب سيرتي الذاتية، وكان من المفترض أن أبدأ كتابة هذه السيرة قبل ذلك، وقد حدث، وقد كتب فصولًا من سيرتي الذاتية لكنى لم أجمعها حتى الآن في كتاب، ولم أضعها في سياقها (11).

وفي كتاب صدر عنه بعنوان "شجرة حياة" قال حجازي:" إنني أشتغل كثيرا جدا على عملي الشعري، ولا أكتب القصيدة لمجرد القدرة الحرفية أو الخبرة أو المعرفة أو العلم أو مجرد سيطرة على الأدوات بل أكتب القصيدة بكل كياني، بعقلي وجسدي وبقلبي وبيدي، أكتب أنا اقرأ، أكتب الصوت كما اكتب المعني أكتب الصورة كما أكتب الإيقاع، أشعر كما لو أنني الغريق والقصيدة هي الجزيرة التي أقف عليها في هذا البحر الطامي، كما لو أن الحياة انتهت والقصيدة هي آخر ما بقي من هذه الحياة، إحساسي قوي بأنني بالرغم من اهتمامي الكبير في المرحلة الأخيرة بأدوات الكتابة موغل في الجمال بما هو قيمة إنسانية"(12).

وعن نزعته المستقبلية للشاعر الكبير قال "حجازي :" لا طريق إلى الماضى إلا فى الأوهام. والمستقبل هو الطريق الوحيد المفتوح أمامنا وأمام البشر، ليس فى هذا العصر وحده، وإنما فى كل عصر. ويوم ظهر الإسلام قبل أربعة عشر قرنا لم يكن أمام المسلمين إلا المستقبل الذى اقتحموه قبل أن يعرفوه فامتلأت الأرض والسماء براياتهم الخفاقة من شواطئ الأطلنطى إلى داخل حدود الصين. وهذا هو الدرس الذى يجب أن يتعلموه من الماضي. أن يقتحموا المستقبل من جديد ليكون لهم ماض جديد يفخرون به (13).

وفي مقاله له بعنوان " قضيتي هي الثقافة " أكد حجازي علي أن :" هناك حقيقة أخرى يتجاهلها الذين يعتبرون الثقافة ترفا زائدا عن حاجة رجل الشارع، وهى أن رجل الشارع إن كان يفتقر لثقافة حية يعرف بها العصر ويعيش فيه ويتفاعل معه وينال ما يحتاج إليه بدنه وروحه وعقله فهو فريسة لثقافة أخرى تغيب وعيه وتهمشه وتحوله إلى كائن عاجز لا يبالى بشئ ولا يمتثل لمبدأ أو قانون. إن الأسوأ من غياب الثقافة الرفيعة هو حضور الثقافة المنحطة. والقضية التى نتحدث عنها ليست إذن سهلة، والمشكلة مركبة نحتاج لأن نواجهها فى صورتها السلبية المتمثلة فيما هو شائع وسائد من الخرافات والأوهام والتقاليد البالية والعادات السيئة نكشفها ونحاصرها ونتخلص منها بقدر ما نستطيع، ونواجهها فى صورتها الإيجابية، فنشجع الإنتاج الثقافي الرفيع، ونضمن له حرية التعبير عن نفسه، ونفسح المجال أمامه ونفتح طريقه إلى الجمهور، ونفتح طريق الجمهور إليه. وبهذا الحوار الحى تزدهر الثقافة وينهض المجتمع ويتحرر ويترقي. وبدونه يكون العكس. لأن الثقافة الرفيعة لن تزدهر والمجتمع لن ينهض ولن يترقى ولن يتحرر فى وجود الثقافة المنحطة التى تملك الكثير لتضمن لنفسها البقاء والغلبة مستعينة بالكثير الذى تملكه وتستخدمه. تستخدم الجمهور الواسع الذى توارثها جيلا بعد جيل. وتستخدم الدين، وتستخدم النظم الحاكمة المستبدة التى تستخدم بدورها هذه الثقافة التى تكبل الناس بالقيود وتجعلهم رعية مستسلمة للحاكم تسمع له وتطيع. وعلى أساس فهمنا هذا للثقافة وللدور الفاعل الخطير الذى تؤديه في حياة البشر أفرادا وجماعات نتناول أوضاعنا الثقافية الراهنة. ونحن على يقين من أنها منبئة عن أوضاعنا في مختلف المجالات. وهذا ليس مجرد منطق وإنما هو واقع نعرفه بحواسنا الخمس. فإذا كان حقا ما أقول فقضية الثقافة ليست قضية فئوية أو مكتبية أو نقابية تخص المشتغلين بالنشاط الثقافي، وإنما هى قضية قومية تهم كل المصريين الذين يحتاجون أشد الحاجة لنهضة قومية جديدة لن تتحقق إلا بنهضة ثقافية جديدة يدعونا لها فى كل يوم داع جديد ومناسبة جديدة (14).

وحول دور المرأة في النهضة العربية قال حجازي :" ونحن نرى أن الحديث عن المرأة يستدعى الحديث في الدين والسياسة والتاريخ والمجتمع والثقافة والتربية والأخلاق والاقتصاد. هذا الارتباط العضوي بين حرية المرأة والحرية فى كل أشكالها وارتباطاتها بغيرها هو الذى يجعل قضية المرأة قضية محورية تهمنا جميعا، ليس فقط باعتبارها حركة نؤرخ لها، ولكن باعتبارها تحديا دائما وسؤالا مطروحا علينا بعد أن قمنا بثورتنا وأفقنا من غفلتنا أن نلم بأطرافها ونتذكر أيامها ونستعيد وعينا بها لنعرف أننا قفزنا فيها قفزة واسعة من عصور الظلام إلى عصور النور، ولنعرف من جهة أخرى حين نقارن بين ما حققناه فى أيام النهضة وما صرنا إليه الآن أننا لم نواصل السير فى الطريق ولم نحافظ حتى على المكاسب التى حققناها فيه وانتقلنا بها من حال إلى حال، بل فقدنا الكثير ورجعنا القهقرى إلى ما كنا عليه فى أيام الترك والمماليك. وعلينا إذن بعد أن نعى هذا الوضع المؤسف أن نستأنف النهوض وننخرط فى السباق من جديد (15).

وفي مقال له بعنوان قال حجازي :" ليس عيبا أن يقع الإنسان فى الخطأ. لكن العيب ألا يصححه بعد أن يقع فيه.. ونحن نقع فى الخطأ لأننا لا نبنى أحكامنا على ما نراه بحواسنا وحدها، وإنما نبنيها على ما نراه نحن وما يراه غيرنا ممن نتصل بهم ونستمع إليهم، ومما نستنتجه مما نراه ومما رأيناه من قبل. وأخيراً فنحن نبنى هذه الأحكام على ما نحبه ونتمناه. وفى هذا كله نحتاج لمعلومات لا تتوافر لنا دائما، ثم لا نضمن صحة ما نملكه منها، لأن حواسنا ليست معصومة، ولأننا قد نخدع أنفسنا فنرى الشيء كما نحب أن نراه وليس كما هو فى الحقيقة، ولأن الآخرين يقعون فيما نقع فيه، وقد يخدعون أنفسهم ويخدعوننا قاصدين أو غير قاصدين.. والحياة الإنسانية سلسلة متواصلة من الأعمال التى نصيب فيها ونخطئ، ونخطو إلى الأمام بقدر ما نتعلم من أعمالنا وتجاربنا فنعترف بالخطأ الذى نقع فيه، ونبحث عن أسبابه، ونتجنبها ولا نكررها فى خطوة قادمة. وبتوالي التجارب التي نخوضها تتوالى الدروس وتتراكم الخبرات، وتنضج وتتحول إلى وعى أو عقل ننتقل به من وضع إلى وضع، ومن طور إلى طور جديد. الوقوع في الخطأ إذن ضمن هذه الحدود ليس عيبا، وإنما العيب هو أن نقع في الخطأ ونستسلم له ونكرر الوقوع فيه كأنه قدر لا نستطيع رده أو فطرة فطرنا الله عليها (16).

وفي مقال له " أين كنا وكيف أصبحنا قال حجازي :" العلم فى الدولة الوطنية هو الاحتكام للعقل، ووضع القوانين، واكتشاف العالم والتواصل مع الآخرين، والسيطرة على الطبيعة واستثمار عناصرها وتسخير قوانينها لتلبية مطالب الناس، وسوى ذلك من الأهداف التى قامت الدولة الوطنية لتحقيقها. والعلم بناء على هذا ركن من أركان الدولة الوطنية لا يقل أهمية عن الأمن. وكما تسهر الدولة الوطنية على الأمن وتحفظه وتضمنه للمواطنين جميعا تسهر الدولة الوطنية على العلم وتضمنه لكل مواطن. لأن الدولة الوطنية لا تقوم إلا به. وهل تكون الدولة وطنية إلا بدستور يحكم به المواطنون أنفسهم بأنفسهم؟ وهل يؤدى المواطنون واجباتهم الوطنية إلا بأفكار يقتنعون بها وبرامج يضعونها ونشاط سياسي ينخرطون فيه، وخدمات وتضحيات يؤدونها ولا يستطيعون أن يؤدوها كما يجب إلا بالمعارف والمهارات التى يتلقونها فى المدرسة الوطنية؟ (17).

 

د. محمود محمد علي

................

5- بيمن خليل: معارك عبد المعطي حجازي.. من العقاد إلى شعراء القصيدة النثرية.. المرجع نفسه.

6- المرجع نفسه.

7-بومالي حنان : الحوار الشعري عند أحمد عبد المعطي حجازي، مجلة الآداب والعلوم الإجتماعية، المجلد 15 ، العدد 3، ص 164-173.

8- بيمن خليل : المرجع نفسه.

9- إلهام زيدان:  أحمد عبدالمعطي حجازي: أتمنى كتابة سيرتي الذاتية، مقال منشور بجريدة الوطن.

10- المرجع نفسه.

11- المرجع نفسه.

12- أنظر حوار عبد القادر الشاوي : شجرة حياة تجربة الذاكرة والوجه الآخر ، وكالة الصحافة العربية ، ص 167.

13-أحمد عبد المعطى حجازى: تجديد الفكر والخطاب الدينى ،الاربعاء 2018/06/20

14- أحمد عبد المعطى حجازى: قضيتى هى الثقافة، الاربعاء 2018/02/28

15- أحمد عبد المعطى حجازى: رسالة منصور فهمى، الاربعاء 2017/09/13

16- أحمد عبد المعطى حجازى: الخطأ ليس عيبا.. العيب تكراره!، الاربعاء 2017/08/02

17- أحمد عبد المعطى حجازى: أين كنا.. وكيف أصبحنا؟! .. الاربعاء 2017/03/29

 

يسري عبد الغنيمحمود محمد مصطفى أبو الوفا الشريف (1318 هـ - 1400 هـ / 1900 - 1979م)، شاعر مصري معاصر، ولد في قرية الديرس بمركز أجا محافظة الدقهلية، عاش في مصر وفرنسا وتوفي في القاهرة.

توفي والده وهو طفل صغير، وبعدها بسنوات كسرت ساقه وهو يلعب الكره مع أقرانه، ونظرا للجهل المتفشي وعدم مقدره أمه على الذهاب به إلى طبيب أو مستشفى مع عدم تقدير الموقف حق تقديره فقد وضعوا على قدمه بعض العجائن المسماة في الريف (لبخة) أملا في شفائها إلا أن ذلك أدى إلى حدوث غرغرينا في القدم مما استدعى بترها، وهو في سن العاشرة، ولقد كانت تلك الإصابة سببا مباشرا في تأخر شهرته، بالرغم من جودة أعماله الشعرية، ففي عام 1927 يشارك الشاعر في مسابقة أقيمت لتكريم أمير الشعراء أحمد شوقي، وهو يقول فيها:

وخالد الشعر سوف يبقى مرايا تجتلى في صفائها الأشياء

يا أمير البيان إن بياني فيك أعشت عبرته الأضواء

وتختار اللجنة التي كان من أعضائها شاعر النيل حافظ إبراهيم، وشاعر القطرين خليل مطران هذه القصيدة ليلقيها الشاعر في حفلة التكريم الرسمية، إلا أن شوقي يرفضه بسببب جلبابه البلدي وعكازته.كما قيل ..!!!!!

حفظ القرآن الكريم وتلقّى تعليمه الأولي في كُتّاب قريته، وكان صاحب كرامه وعزه نفس منذ سنواته الأولى، فلم يستطع أن يمشي في القرية بين أقرانه وقدمه مبتورة، فترك القرية دون أن يعلم أحد وهو في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمره ونزح إلى دمياط وبالذات منطقه رأس البر وعمل في المقاهي هناك فكان حاله مثار عطف وشفقة أصحاب المقاهي فكان يجلس على "البنك" لتحصيل الحساب. وفي دمياط التحق بمعهدها الديني لكنه فُصل منه بعد ثلاث سنوات بسبب ما ينظمه من شعر له فلسفة خاصة.

ترك دمياط ونزح إلى القاهرة وهو في عمر أقل من عشرين عاما، وشارك قهوجي بلدي على مقهى في شارع عبد الخالق ثروت، فكان له نصف المقهى، وقد حوله إلى صالون أدبي وملتقى ثقافي. كان قد قصد القاهرة لإتمام دراسته بالأزهر لكنه انشغل بأحواله المعيشية ولم يتمها. كان يتكسب قوت يومه بالتنقل بين عدة مهن صغيرة منها: بائع فول مدمس، عامل في مقهى، بائع سجائر، وسيط أراض زراعية، كما عمل متعهدًا لإقامة الحفلات مدة من حياته، حتى استقرت أحواله بالانضمام إلى أسرة تحرير مجلة المقطتف، حيث تتيح له مجلة المقتطف عام 1930، فرصة نشر قصيدته "الإيمان"، وسرعان ما تتناقل خمس مجلات كبار قصيدة الإيمان، مما ُيعد نصرا صحفيا للمقتطف،

دعا الدكتور فؤاد صروف – رئيس التحرير وقتئذ – إلى دعوة أبو الوفا للانضمام لأسرة تحرير المجلة، حيث عُهد إليه بتحرير باب "مكتبة المقتطف". تقيم له رابطة الأدب الجديد حفل تكريم، يجده أمير الشعراء فرصة للتكفير عما أقترفه في حق أبوالوفا، يوم أن طرده من حفل تكريمه، ويرسل أمير الشعراء لجريدة الأهرام قصيدة في تكريم أبو الوفا، يشيد ببراعته الشعرية وأنه رغم سيره على عكاز تقيد خطواته، فإن صاحب خيال متحرر، يطوى البلاد وينتشر في جميع الأفاق، ويبدى إعجابه بجمال بيان الشاعر وهو بحالته هذه (مقيد الخُطا)، فكيف إذا أسترد ساقه وتمكن من التنقل بحرية أكثر؟ ويرى أن الأطباء لو يستسيغون لما في أشعاره من حلاوة، لصنعوا له بدلا من الساق المفقودة جناحا يطير به، ونشرت القصيدة كاملة في الأهرام في 21 فبراير عام 1932، وكان منها الأبيات التالية:

البلبل الغرد الذي هـز الربى وشجى الغصون...وحرك الأوراقا

خلف البهاء على القريض وكأسه تسقى بعذب نسيبه العشاقا

في القيد ممتنع الخطا وخياله يطوي البلاد وينشر الآفاقا

سباق غايات البيان جرى بلا ساق فكيف إذا إسترد الساقا

لو يطعم الطب الصناع بيانهأ ولو يسيغ – لما يقول – مذاقا

غالى بقيمته فلم يصنع له إلا الجناح محلقا خفاقا

وتبدأ صفحة جديدة من حياة أبو الوفا، فيسافر إلى باريس في يونيو 1932، ليعود منها في بدلة إفرنجية وجهاز صناعى بدلا من جلبابه البلدي وعكازه الخشبي، وفي نفس العام يُصدر مجموعته الشعرية "أنفاس محترقة"، وتفتح له المجلات والصحف صدرها وتتسابق إلى نشر ما يقول، ويغني له الموسيقار محمد عبد الوهاب قصيدة "عندما يأتي المساء"، وتطلب منه وزارة المعارف إستكمال ما كتبه أمير الشعراء من شعر للأطفال (وكان أمير الشعراء قد تُوفي)، فيستجيب أبو الوفا لهذا الطلب بمجموعة شعرية، قررت الوزارة تدريسها ما يقرب من ربع قرن، ضمن المجموعة التي عرفت باسم "المحفوظات المختارة". ثم عمل مذيعًا بالإذاعة المصرية.

كان عضوًا في بعض الأحزاب السياسية، وكذا في عدة جماعات أدبية منها: رابطة الأدب الجديد التي أنشأها أحمد زكي أبو شادي عام 191، وجماعة أبولو الشعرية التي أنشئت عام 1932، حيث كان عضوًا في مجلس إدارتها وفي اللجنة التنظيمية لها. نشط في العمل السياسي فشارك في ثورة 1919 شاعرًا ومثقفًا. يعد من الشعراء المجددين والمؤثرين في الثقافة المعاصرة.

الإنتاج الشعري

له عدة دواوين ومجموعات شعرية مطبوعة منها:

الحرية، 1919،

جمال المرأة في القصيدة اليتيمة، 1922،

"أنفاس محترقة" - دار الهلال - القاهرة 1932،

"أعشاب" - مطبعة الإخاء - القاهرة 1933،

"أشواق"، 1941،

"عنوان النشيد" ويضم مطولة في 351 بيتًا - القاهرة 1952،

"شعري" - دار المعارف - القاهرة 1962،

"أشعاري في الحب"، 1981م، نشرت بعد وفاته

مجموعتان من الأناشيد هما: أناشيد دينية، القاهرة، 1937، وأناشيد وطنية، القاهرة، 1939،

جمعت أعماله الشعرية وضمنت كتاب "محمود أبوالوفا، دواوين شعره ودراسات بأقلام معاصريه" - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1977، وله عدد كبير من القصائد المنشورة في مجلة الرسالة وأبوللو والثقافة وجريدة الأهرام.

الأعمال الأخرى

له منظومة في النفس بعنوان "إنسان الفصل الخامس" - مطبعة مصر - القاهرة 1957، وحقّق الجزء الثاني من ديوان "الهذليين" والجزء الثالث من الشوقيات.

نظم على الموزون المقفى، ونوّع في قوافيه وأبنيته فقارب الموشحة والأغنية في بعض منها، وأعطى اهتمامًا واضحًا للموسيقى الداخلية، فتنوعت إيقاعاته، واكتسبت معانيه قدرًا من الحيوية والكثافة الشعرية، تتسم قصائده بنزعة إنسانية وميل إلى المناجاة والتأمل والتحليل، وإلى النزعة الفلسفية والنزعة الدينية. لغته سلسة وخياله خصب متجدد فيه إفادة من مظاهر الطبيعة على نحو ما نجد في قصيدة "عندما يأتي المساء"، وتخيم مسحة من الأسى والحزن على مجمل معانيه.

التكريم والوفاة

يتذكر أولو الأريحية الشاعر أبو الوفا عام 1967، فيقلده الرئيس جمال عبد الناصر وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى، ثم يمنحه الرئيس محمد أنور السادات عام 1977 جائزة الجدارة في الفنون، وتلبي محافظة القاهرة أمله في الحصول على شقة بها تليفون في الإسكان المتوسط المتميز، فينقل من حي العمري (باب الخلق) إلى مدينة نصر عام 1978، بالإضافة إلى جائزة أكاديمية الفنون، وقيمتها ألف جنيه، فإن الشاعر البائس الذي كان فقد نور عينيه أيضا، أقام في الشقة أياما، ومات قبل أن يتسلم الألف جنيه حيث يلبي نداء ربه في 26 يناير 1979، فيدفن حيث تمنى في بلدته الديرس، في مقام جده العارف بالله سيدي أبو الوفا الشريف.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

محمود محمد عليفي هذه الأيام تحتفل الأوساط الأدبية بذكرى ميلاد الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي، الرائد في مجال وتطوير الشعر الحديث منذ منتصف القرن الماضي وحتى الآن، فقد أسهم حجازي بالعديد من المؤتمرات الأدبية في كثير من العواصم العربية، وأثرى حياة الشعر مع زملاء جيله من الشعراء مثل صلاح عبد الصبور وغيره، وتعرض في مسيرته لانتقادات شديدة، وواجه خصومات كبيرة، وعمل بالصحافة لسنوات عديدة، ومن ثم سافر خارج البلاد ليكمل دراسته في العلوم والأدب، وحصد جوائز كثيرة، وتم الاستعانة به للتدريس في جامعات خارج مصر، ويعد أحد أهم رواد حركة التجديد الحديث للشعر العربي على مدار سنوات طويلة.

والشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي، هو أحد عصافير الشرق، تعلم كيف يولد كل يوم من كلماته، صوته كان شعراً، وشعره كان رقياً، تجمعت في صوره الفنية ثقافة عربية أصيلة بأجنحة الفكر الحر الغربي، تسبع بثقافة فولتير، وغيره والتقي أعلامهم وتحدث عن سارتر .. لم تكن قصائده شباك علي الحرية ن بل كان ميدانا وحديقة لها، أختار عبد المعطي حجازي مسيرة التميز الأدبي بلغة تعانق في بهائها أجمل الحدائق .. عبد المعطي حجازي .. صوت لا يهاب الإرهاب ولا أصحابه وقلم أوجده صاحبه للمواجهات الفكرية .. عمر عايش حلم الثورة وانتكاساتها ..

يعد أحمد عبد المعطي حجازي في طليعة شعراء المدرسة الحديثة في الشعر العربي، ومن الرواد في حمل لوائها، وله تجربة شعرية طويلة واكبت مختلف التحولات التي عرفتها القصيدة العربية الحديثة، فتطورت من بنية ورؤية واقعة ملتزمة إلى بنية تتنامى وتتعمق فيها القيمة الجمالية واستبطان التجربة الذاتية، مما أضفى عليها خصوصية مميزة دون أن يحد ذلك من القدرة على التوصيل.

كما يُعد أحمد عبدالمعطي حجازي أحد رواد حركة التجديد الشعري في مصر والعالم العربي والتي برزت في النصف الثاني من القرن العشرين، إضافة لكونه صاحب صوت شعري متفرد، وله بصمات واضحة ومؤثرة في الحياة الثقافية المصرية والعربية.

قال عنه الأستاذ شوقي بريع – الناقد المصري المعروف :" إذا كان القلق والتوتر هما السمتين البارزتين اللتين تلازمان الشعراء والفنانين في علاقتهم باللغة والحياة، فأكاد أذهب جازماً إلى القول بأن هاتين السمتين لا تنطبقان على شاعر من الشعراء كما هو الحال مع أحمد عبد المعطي حجازي. فوراء الهدوء الظاهري الذي يشي به سلوك الشاعر، ودماثته وابتساماته الودية، ثمة مزيج من الحزن والقلق الغاضب الذي يتبدى في النظرات الحادة، كما في خطوط الوجه وملامحه الحيرى. وإذا كان الشعر من جهته قد تكفل بتفريغ بعض ما تحمله شخصية حجازي من شحنات عصبية عالية، وتحويلها إلى قصائد نابضة بالتوتر والاندفاع العاطفي، فإن البعض الآخر من تلك الشحنات كان يتم تفريغه عن طريق المواقف السياسية الحاسمة، أو الكتابات النقدية الجريئة، بحيث تحوّل صاحب "مرثية العمر الجميل" إلى طرف شبه دائم في معظم المعارك السياسية والفكرية والأدبية التي شهدتها بلاد الكنانة عبر ستة عقود من الزمن. وما يلفت في هذا السياق هو أن الشاعر الذي يحتفل الآن بالذكرى الرابعة والثمانين لميلاده ما يزال رغم تراجع إصداراته الشعرية حاضراً بقوة في المشهد الثقافي المصري والعربي، حيث ما يزال يخوض حروباً وسجالات بلا هوادة، دفاعاً عن قناعاته المتعلقة بقضايا الأدب والشعر من جهة، وبقضايا الحرية والتنوير، وبناء الدولة المدنية، ومواجهة قوى التكفير الظلامي، من جهة أخرى" (1).

وعبد المعطي حجازي شاعر وناقد مصري، ولد عام1935 بمحافظة المنوفية بمصر، وقد كتب حجازي الشعر فى سن الـ15، وأول قصيدة نشرها عام 1955بعنوان «بكاء الأبد». قرأها الأب ولم يتحمس لها خشية أن يسرقه الشعر من الدراسة، رغم أن مكتبة هذا الأب كان لها دور كبير فى تكوين شاعرنا، حيث قرأ فيها مبكرا ديوان حافظ ابراهيم، وأعمال عبدالله بن المقفع، كما كان رجلا متسامحا يملك نسخة من الإنجيل بجانب القرآن، مما كان له الأثر فى اتساع أفق شاعرنا وتكوينه الفكري بعد أن حفظ القرآن وعمره تسع سنوات.

كان حجازي بدأ رحلته العملية في مجلة صباح الخير فى نفس العام والتقى هناك صلاح عبدالصبور تحت رئاسة أحمد بهاء الدين. ورغم أن اللقاء الأول بينهما كان فاترا فإنهما امتزجا فنيا وإنسانيا ليقودا معا حركة تجديد الشعر العرب، يقول حجازي عن علاقته بعبدالصبور: كنا زميلين متكاملين كثيرا ومتنافسين أحيانا، وقد تعلمت منه شيئا نافعا هو أن حاجتنا للحلم لا تحمينا دائما من وقوع الكابوس.

في العام 1956 كان أحمد عبدالمعطي حجازي على موعد مع صاحبة الجلالة، التي التحق ببلاطها محررًا في مجلة "صباح الخير"، بمؤسسة "روز اليوسف"، قبل أن يُسافر لسوريا بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1959 للمشاركة في إحياء ذكرى "عدنان المالكي"، أحد الضباط السوريين المؤيدين للوحدة العربية بين مصر وسوريا، وألقى حينها قصيدة "في ملعب دمشق البلدي".

عمل حجازي في جريدة "الجماهير" السورية منذ أبريل 1959 إلى أن توقفت الجريدة عن الصدور في سبتمبر من ذات العام، ليعود بعدها مباشرة لمصر ويواصل عمله في كمدير تحرير لمجلة "روز اليوسف"؛ لينضم لكُتاب الأهرام في العام 1990، كما شغل في العام ذاته منصب رئيس تحرير مجلة "إبداع" الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، واستمر رئيسًا لتحريرها حتى العام 2014؛ إضافة إلى انضمامه لعضوية المجلس الأعلى للثقافة، ورئاسة لجنة الشعر بالمجلس.

كما أسهم في العديد من المؤتمرات الأدبية في كثير من العواصم العربية، ويعد من رواد حركة التجديد في الشعر العربي المعاصر. ترجمت مختارات من قصائده إلى الفرنسية والإنجليزية والروسية والإسبانية والإيطالية والألمانية. حصل على جائزة كفافيس اليونانية المصرية عام 1989، جائزة الشعر الأفريقي، عام 1996 وجائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة، عام 1997.

عمل مدير تحرير مجلة صباح الخير. سافر إلى فرنسا حيث عمل أستاذاً للشعر العربي بالجامعات الفرنسية. عاد إلى القاهرة ليعمل بتحرير جريدة الأهرام. ويرأس تحرير مجلة إبداع التي تصدر عن الهيئة المصرية للكتاب. عضو نقابة الصحفيين المصرية ولجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان. دعي لإلقاء شعره في كثير من المهرجانات الأدبية.

وقد خاض الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي معارك كثيرة منذ بداية مشواره الأدبي ولا ننسى بالطبع أولى معاركه وأشدها، حين اصطدم بقامة أدبية كبيرة مثل عباس العقاد في ذلك الوقت حيث لم يتجاوز عمره حينها الـ 20 عامًا، فدافع عن الشعر الحديث؛ إيمانًا منه بقيمة هذا النوع من الشعر، والذي كان يقدمه الشاعران الشباب صلاح عبدالصبور وحجازي (2).

ولم تنته معارك عبد المعطي حجازي برحيل العقاد عن الحياة بل أخذت المعارك مسارات أخرى وكأن التاريخ يعيد نفسه، كأن الماضي الذي شهد الخلاف الشديد بين العقاد وحجازي يعيد نفسه من جديد ويشهد خلاف مشابه له، فنفس المنصب الذي كان يشغله العقاد شغله عبد المعطي حجازي مقررًا للجنة الشعر بعد سنوات طويلة، ولكن كانت معركة عبد المعطي حجازي هذه المرة مع شعراء القصيدة النثرية أشد وأسوأ على حد قول الكثيرين، عن سابقتها مع العقاد، وكان رد حجازي حينها: "أن الصراع بين الجديد والمحافظ سمة كل عصر، ولكن الفرق بيني وبين العقاد أنّه استخدم سلطة الدولة لمواجهة النص الذي كنّا نكتبه، ولكنني أظن بأنَّني لم أستخدم سلطة الدولة لفرض تصوراتي (3).

من مؤلفات أحمد عبد المعطي حجازي: محمد وهؤلاء؛ وإبراهيم ناجي، وخليل مطران، وحديث الثلاثاء، والشعر رفيقي، ومدن الآخرين، وعروبة مصر، وأحفاد شوقي.. الخ.. ومن دواوين احمد عبد المعطي حجازي: مدينة بلا قلب 1959، أوراس 1959،  لم يبق إلا الاعتراف 1965،  مرثية العمر الجميل 1972..

وفي تلك المؤلفات والدواوين يحرص عبد المعطي حجازي كل الحرص على المواءمة بين مقتضيات الجمال التعبيري وقدرة المعنى على التحقق، دون أن يطمسه تعسف الهندسة أو زخرف الأشكال. ولا بد من الإشارة إلى أن اهتمام الشاعر بالفن التشكيلي أسهم إلى حد بعيد في تحويل صوره إلى مشاهد محسوسة قابلة للتمرئي على شاشة المخيلة، وإلى أن اهتمامه بالمسرح أبعد نصوصه عن التنميط ورتابة الصوت الواحد، وحولها إلى محاورات درامية بين الشاعر وذاته، أو بينه وبين العالم، وإلى أن اهتمامه بالموسيقى ساعده على كبح جماح الرخاوة الغنائية في قصائده، وعلى رفد أوزانه بعناصر الغنى الإيقاعي والتناظر الداخلي، وعلى التحكم الماهر بقوافيه، الساكنة بغالبيتها، التي يبرع في استخدامها ووضعها في المكان الملائم. وهذه التقنيات العالية للقصيدة "الحجازية" قد أثرت في كثير من التجارب المصرية والعربية اللاحقة، ومن بينها أمل دنقل الذي أعلن غير مرة عن تأثره بحجازي (4).. وللحديث بقية..

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

................

1- بيمن خليل: معارك عبد المعطي حجازي.. من العقاد إلى شعراء القصيدة النثرية.. 8-6-2021 | 19:05

2- المرجع نفسه.

3- شوقي بزيع: أحمد عبد المعطي حجازي شاعر اللغة المتوترة والمكابدات "الليلية"، مقال منشور بجريدة الشرق الأوسط، بتاريخ الأربعاء - 8 شوال 1440 هـ - 12 يونيو 2019 مـ رقم العدد( 14806).

4-المرجع نفسه.

 

 

يسري عبد الغنيالشيخ أمين الخولي (1 مايو 1895 - 9 مارس 1966) أديب من كبار حماة اللغة العربية، ومناضل شارك في ثورة 1919 ونُفي مع سعد زغلول إلى سيشل.

الشيخ أمين الخولي عُرف بزيه الأزهري المميز، ووقاره المهيب، وبريق عينيه وملامحه المتفردة. وبحكم رياسته للقسم ووكالته لكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول والقيام بأعمال العميد لفترات قصيرة.

أمين إبراهيم عبد الباقي عامر إسماعيل يوسف الخولي وُلد للمزارع "إبراهيم الخولي" والسيدة "فاطمة بنت الشيخ علي عامر الخولي" من عائلة "الخولي" أبا وأما من "قرية شوشاي – مركز أشمون – محافظة المنوفية" – كان "أمين" طالبا بمدرسة القضاء الشرعي وقريبا من قلب وعقل ناظرها "عاطف بركات" إبن شقيقة زعيم الأمة "سعد زغلول".

إعتقل مع "سعد باشا" في 8 مارس 1919م في سيشل وإشتعلت الثورة بداية من يوم 9 مارس 1919 حمل "أمين الخولي" علم مدرسة القضاء الشرعي، وقاد المظاهرة إلى (الأزهر)، حيث تقرر أن يتجمع طلاب مدارس القاهرة. وحاصرهم حكمدار القاهرة بجنوده وهددهم بإطلاق الرصاص إذا لم يتفرقوا. وتقدم إليه "الخولي" قابضا على العلم وكاشفا صدره قائلا (ها أنا ذا) وتماسك الطلاب وتراجع الحكمدار وإنسحب الجنود وسارت المظاهرة تهتف للإستقلال وبحياة سعد، وتطالب الإفراج عن زعيم الأمة، وعندما وصلت المظاهرة إلى ميدان باب الحديد (رمسيس حاليا) قاد "الخولي" المظاهرة إلى حي الفجالة، وهو يهتف بصوته القوي بحياة الأقباط.. الإخوة في الوطن.. وبحياة الهلال مع الصليب.

كان "أمين الخولي" وظل يرى: (أن الشخصية المصرية عقيدة يخفق بها قلب المصري، ويرى أن ما بين مسلمي مصر وأقباطها أقرب مما بينهم وبين المسلمين الأتراك). وقتل الإنجليز صبيا صغيرا لأب فقير يبيع القباقيب. حملت المظاهرة جثمان الصبي وإندفع "الخولي" يهتف (فلتسقط بريطانيا السفلى)، وعندما ولد "فاروق" عام 1920 ومنحت المدارس إجازة للإحتفال بهذها المناسبة حرض "الخولي" طلاب المدرسة ألا يشاركوا في الإجازة. وأن يحضروا إلى المدرسة مشاركة في الهمس العام الذي كان يحيط بظروف مولد "فاروق".

كان "أمين الخولي" إبن قرية (شوشاي) وإبن (مدرسة) القضاء الشرعي مصريا أصيلا معاديا للإحتلال الإنجليزي مطالبا بإستقلال الوطن ومؤمنا بوحدة الشعب العظيم، وإبنا بارا للثورة الشعبية الكبري 1919. ووقف في صف الديموقراطية فرأى بعض قادة ثورة 23 يوليو 1952أن يبعدوا "الخولي" عن الجامعة فأصدر قرار في 22 يونيو عام 1952م بأن ينقل "أمين الخولي" إلى دار الكتب مستشارا – لا يستشار- ثم مديرا عام لإدارة الثقافة التابعة لوزارة التربية والتعليم إلى أن أتم الخدمة الحكومية في أول مايو عام 1955م (ولد عام 1895م).

عاطف بركات إبن شقيقة زعيم الأمة "سعد زغلول" وناظر مدرسة (القضاء الشرعي)، والذي تخرج على يديه "أمين الخولي" وأحمد أمين وعبد الوهاب عزام وأحمد فرج السهنوري وعبد الحميد العبادي" كان هذا الناظر الوطني (نفي إلى سيشل عام 1921 مع سعد زغلول ومصطفى النحاس وسينوت حنا وفتح الله بركات ومكرم عبيد) يغرس في نفوس تلاميذه أن يبحثون عن أنفسهم في جذورهم العميقة بأرض مصر، ويثير فيهم روح الجدل والحوار ولا يهتم بأن يقولوا له نعم أو آمين، وكان ينمي فيهم الشخصية القويمة والرأي المستقل. ونشأ تلميذه "أمين الخولي" فيما بعد هذه الصفات حتى قيل عنه (الثائر الأول بين الأساتذة والتلاميذ على السواء).

لم يكن مجرد محاضر أو مدرس وإنما كان "أستاذا" بكل ما تحمله الكلمة من معان. لم يكن يهتم بتدوين المحاضرات وتلقين المعلومات قدر ما يهتم بتربية النفوس والضمائر وبناء القيم. كتب عنه تلميذه الشاعر "صلاح عبد الصبور": "كان أكثر ما يؤلمه أثناء الدرس أن يجد طلابه يسلمون برأيه، لا يجادله أحد فيهم، عندئذ تنقطع الدائرة وتخبو النار. أما إذا إرتقت العقول، وإصطرع الرأي بالحجة، عندئذ ينفجر وجه الخولي المقطب، ويشتد لمعان عينيه، وتفيض الفتوة العقلية والذهنية من مكامنها وتتألق الحكمة".

وقال عند "الدكتور لويس عوض": ( كل من جلس بين يديه يتلقى العلم عليه إرتبط به المسحور بالساحر.. من عرفه لا يمكن أن ينساه).

كان أمين الخولي يؤمن إيمانا عميقا بالشباب، ويؤمن أنهم أصحاب الغد، فدعاهم إلى إيجاد القادة الصادقين . وعاش يفكر في الغد لا في الأمس.. يدفع أبناءه ومريديه إلى العيش في المستقبل برأيهم لا برأي يملى عليهم أو يستوردونه من بلد آخر..

كان من أجهر الدعاة إلى الحرية الفكرية.. ويرى الحرية وسيلة الحياة الكريمة. لقد أخذ منهاجه في أستاذيته عن "عاطف بركات" من المحدثين وعن "الإمام الشافعي" من المجددين القدامى. وكان الأساس النظري عنده في الرأي والرأي الآخر: (أن الإختلاف في الآراء والتقاتل على المبادئ من نواميس الحياة على الأرض، وليس ظاهرة تحلل ولا إشار فساد)، وكان يؤمن بوحدة أصل البشرية. وبجودة المصير الإنساني، فلا يصح تداعي بعض الناس في مختلف الأسر بأفضلية تميز، وأجمل زميله وصديقه "أبو الفرج السنهوري" صـفاته التي تميز بها هذا الأستاذ" (جبار العقل، عميق الفكر، حلو المنطق، قوي الحجة، رصين الكلام، غزير العلم في أدب عظيم).

كان الأزهر موجودا عنده في ثقافته وزيه. وفي (بروكسل) إنعقد (مؤتمر تاريخ الأديان الدولي) من 16-20 سبتمبر عام 1925، فبعث الأزهر مندوبين يمثلانه هما الشيخ مصطفى عبد الرازق والشيح أمين الخولي. وعام 1934 أصدر محاضرته عن (الفلسفة وتاريخها) وأهداها إلى (روح الأستاذ الإمام الشخ محمد عبده)، وفي عام 1935م قدم لطلابه بكلية أصول الدين (تاريخ الملل والنحل) وتتوطدت صلته بالأزهر بهذه الدراسة، وأعلنت الحكومة في عام 1936م عن مسابقة بين المفكرين والكتاب في موضوعات منها (رسالة الأزهر في القرن العشرين) وإختير عضوا في لجنة التجكيم وقال هو مداعبا.. (لماذا في القرن العشرين الميلادي وليس الرابع عشر الهجري ولا العاشر القمري من حياة الأزهر!؟) وشدته أهمية الموضوع إلى أن يدلي بدلوه فيه. وأفسحت له (جريدة المصري) صفحاتها على مدى ثلاثة أشهر يشرح فيها رسالة الأزهر الإجتماعية، وبين العلاقة بين الدين والحياة وأوضح أن رسالة الأزهر من حيث هو مركز ديني هي.. حماية الدين ومحاوره الإجتماعية، وأن يمكن الإنسانية من أن تسعد بأثره في الحياة، ويكون ذلك بالتدبير المحكم في التعريف بالدين ونشر الإسلام على أيدي رجال لهم الصفة الدينية المتميزة. ورسالته من حيت هو بيئة إجتماعية. وهي أن يحمي الروح القومية لمصر والشرق الإسلامي حماية عاقلة متبصرة متدينة.

وعن رسالته العلمية تحدث عن إعداد الإسلام الواعظين به الناشرين له، وأن تكون دراسته المعلمية مرجعا للشرق كله والغرب كله. وحرص على ربط حاضر الأزهر بماضيه. ويشرح الدين الإسلامي المرجو بأنه تدين إنساني القلب نبيل العاطفة، يؤيد التعاون البشري، ولا يعوق الإخاء الإنساني.

في 7 نوفمبر 1923م عين إماما للسفارة المصرية في روما، وأبحر من الإسكندرية في 14 ديسمبر، وتعلم اللغة الإيطالية حتى أجادها. وفي يناير عام 1926م نقل من روما إلى مفوضية مصر في برلين وأتقن الألمانية. وعاد إلى مصر عام 1927 حيث تسلم وظيفته في القضاء الشرعي في 19 مارس 1927م.

وفي إيطاليا وألمانيا عطف على دراسته الفكر الديني الأوروربي، وتوصل إلى أن سر عالمية الإسلام تكمن في صلاحيته لكل زمان ومكان وأنه يحمل عناصر التجدد والتطور على أساس التطلع إلى المثالية السامية.

ودعا إلى جعل الإجتهاد أساسا للحياة الإسلامية، وإلى التسامح الديني الرحب، وإلى حرية الإعتقاد وحق الفهم الصحيح للدين. وفهم الدين على أنه إصلاح للحياة لا مجرد طقوس وإجراءات. وإيمانا منه بالحديث الشريف : " إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها.." – أو هذا ما معناه-، لجأ الخولي إلى فهم القدماء للتجديد وإهتم بما قدموه للحياة الدنية من حقائق كالتطور الديني والتسامح الديني وحرية الإعتقاد وإصلاح الحياة والشعور بالوحدة الإجتماعية وسعة الأفق وإجلال العلم.

وأصدر كتابه المهم ( المجددون في الإسلام) أصدر منه الجزء الأول ووعد بالجزء الثاني الذي يبدأ من (الإمام أبو حامد الغزالي)، ولكن الخولي ترك دنيانا عام 1966م ولم يقدر للجزء الثاني أن يصدر.

وقدم "الخولي" ترجمة لعدد من المجددين القدامى.. "عمر بن عبد العزيز" والإمام الشافعي وابن سيرج. وأبو سهيل الصعلوكي والباقلاني وأبو الحسن الأشعري وفي هذا العمل المهم أشاد بالإمام الشافعي ومنهاجه في حفز إخلاص الذين يشعرون بأبويته المعنوية.

وبعد أن عرض "الشيخ الخولي" لثبت المجددين الذين ترجم لهم بين دور مصر (المتجددة بجهاد شبابها) في ذلك وأسهمت فيه بالنصيب الأكبر على سعة البلاد الإسلامية، وعندما إشترك مع نخبة متميزة من الكتاب والمفكرين في تأليف (تاريخ الحضارة المصرية) الذي أصدرته في أجزاء متفرقة (المؤسسة المصرية العامة للتأليف) أعد "أمين الخولي" البحث الخاص (الحياة الدينية في مصر الإسلامية من ظهور الإسلام إلى مطلع العصر الحديث).. والمصريون كما قال هيرودوت – أشد البشر تدينا، ولا يعرف شعب بلغ التقوى درجتهم فيها وصورهم بجملتهم تمثل المصريين يصلون أمام الآلهة، وكتبهم على الجملة أسفار عبادة وتنسك.

عندما إشتعلت ثورة 1919م تولت (جميعة إخوان الصفا) التي تكونت في مدرسة القضاء الشرعي، تولت تنظيم الطلاب وتحريضهم للإشتراك في المظاهرات الوطنية، وتكونت الجمعية من "أمين الخولي" وعدد من زملائه وقد عرف "الخولي" أسلوب (الجمعيات) في التعبير عن مشاعره الوطنية، أو دعواه إلى الإصلاح الإجتماعي. وإشتغل أعضاء (جمعية إخوان الصفا) بالأدب والفن وتعلم اللغات الأجنبية – بالمدرسة الفرنسية بباب اللوق. وإعتاد أعضاؤها أن يلتقوا في بيت أحدهم مرة في الأسبوع وتمتد أحاديثهم من الظهيرة إلى المساء. وفي بداية الثلاثينيات أعلن "سلامة موسى" عن تأسيس (جمعية المصري للمصري) تدعو إلى تشجيع البضائع المصرية ومقاطعة البضائع الأجنبية وإنضم إليها "أمين الخولي"، ويقول "الأستاذ الخولي" أإنه تعرف إلى الشيخ حسن البنا ولكن لم يشترك في (جماعة الإخوان المسلمين) لأنه يريد الإستقلال الفكري وإن كان قد إشترك في (جمعية الشبان المسلمين)، وذلك لإحياء الرابطة بين الشعوب الإسلامية.

وعام 1944 تأسست (جماعة الأمناء) والتي دعمها التلاميذ الذين تخرجوا من قسم اللغة العربية في الخمسينيات. أصبحت تعنى بالفن والحياة عندما ثارت معركة (الفن للحياة) التي قال بها "الدكتور محمد مندور" أو (الفن للفن) التي قال بها أستاذنا "الدكتور رشاد رشدي"

المهم أن جماعة الأمناء ظلت نشيطة حتى رحل "الأمين الأول – أمين الخولي" في الساعة الثالثة بعد ظهرا الأربعاء التاسع من مارس عام 1966م، وعاد جسده إلى قريته (شوشاي)، وتولى الإشراف على (الجماعة) تلميذه النجيب "د. شكري محمد عياد".

وكان "أمين الخولي" يؤمن أن الريف هو مصر، فسعى إلى الدعوة لمعالجة مشكلات الريف فأسس عام 1945 (جماعة حياة القرية) في قريته (شوشاي).

إذا كانت خطوات "الشيخ الخولي" شابة تحمل معنى القوة والعزم والثبات، وإذا كان صوته جهوريا يصدم صداه جدار الغرفة، وإذا كان منهجه مع تلاميذه تميز بالصرامة فإن قلمه في الصحف التي كتب فيها تتميز بإستقامة المنطق وسلامة التفكير والتعبير.

كتب في مجلة (القضاء الشرعي) ورأس تحريرها وكتب في مجلة (السفور) التي أصدرها "عبد الحميد حمدي" عام 1915م إمتدادا ل(الجريدة) التي توقفت في ذلك العام، وظلت السفور تصدر حتى عام الثورة 1919م. وكتب في مجلة الرسالة التي أصدرها ورأس تحريرها "أحمد حسن الزيات"، وكتب "الخولي" على صفاحاتها مقاله الشهير في أول فبراير عام 1933م عن (التجديد في الدين).

وكتب في السياسة الأسبوعية والبلاغ. قبل ثورة 1919 بأسبوعين كتب في السفور يقول: إن الوجود الأجنبي أصاب بلادنا بتمزق نفسي واسع المدى، وأصيب الكثيرون بنزلات فكرية حادة.. وعلى أبناء هذه الأمة أن يتطلعوا إلى ماضيهم ليستروحوا ريح المجد ويستشرفوا شرف الكفاح، ويتخذوا من تاريخ بطولاتهم سبيلا إلى غد آخر وأكرم.

وسنة 1956 أصدرت (جماعة الأمناء) مجلة (الأدب) التي ظلت تصدر لعشرة أعوام على نفقة "الشيخ أمين الخولي".

في إبريل سنة 1956 أصدر "الأستاذ أمين الخولي" مجلة الأدب مدرسة للفن والحياة على نفقته الخاصة ولتعيش عشر سنوات إنتهت في مارس عام 1966 عام رحيل الأستاذ نفسه.

وبدأ "الشيخ أمين الخولي" مشوار حياته في أول مايو عام 1895 في قرية (شوشاس) مركز أشمون، محافظة المنوفية. في القاهرة دخل مدرسة لافيسوني ثم مدرسة المحروسة. حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره. وتخرج من مدرسة القضاء الشرعي، وعين مدرسا بها في 10 مايو عام 1920. وعام 1923 عين إماما للسفارة المصرية في روما ونقل إلى مفوضية مصر في برلين عام 1926. وعاد عام 1927 إلى وظيفته في القضاء الشرعي. وإنتقل إلى قسم اللغة العربية بكلية الآداب 1928. وأصبح رئيسا لقسم اللغة العربية، ثم وكيلا لكلية الآداب في 1946م. وعام 1953 عين مستشارا لدار الكتب، ثم مديرا عاما للثقافة حتى خرج إلى المعاش أول مايو 1955.

كتب في عديد من الصحف والمجلات وأصدر العديد من الدراسات والأعمال الإبداعية وأسس جماعة الأمناء عام 1944 ومجلة الأدب عام 1956، عضو مجمع اللغة العربية في القاهرة عام 1966. وفي الساعة الثالة بعد ظهر يوم الأربعاء التاسع من مارس عام 1966 رحلت روحه عن دنيانا وعاد جسده إلى قريته شوشاي.

وتقول الكاتبة الكبيرة تلميذته وزوجته الثالثة "د. بنت الشاطئ": "على عيني اقتحم ناس غرباء مخدعه لتجهيز جسده للرحلة الأخيرة".

 

بقلم: د.يسري عبد الغني

.......................

الأسانيد

أمين الخولي: المجددون في الإسلام.

د. بنت الشاطئ: على الجسر.

د. حسين نصار: أمين الخولي.

د. فاضل الأسود: الرجل والقمة.

د. كامل سعفان: أمين الخولي.

د. مهدي علام: المجمعيون في خمسين عاما.

لمعي المطيعي: موسوعة هذا الرجل من مصر، دار الشروق، 2006.

 

 

محمود محمد عليفي المقال السابق تحدثنا بشكل عام عن الحياة الفكرية عند فريدة النقاش، وهنا في هذا المقال نركز حديثنا عن وموقفها البطولي في الدفاع عن قضايا المرأة، ونبدأ حديثنا من خلال ما كتبته عن " إنصاف النساء "، حيث تذهب فريدة النقاش إلي أن:" أوضاع النساء المصريات شهدت بعد موجات الثورة التي شاركن فيها على نطاق واسع شهدت تحولات متناقضة، فكانت هناك ولا تزال قوى تدفع بالنساء إلى الأمام، وأخرى تجرهن إلى الخلف. فقد بدأ إعداد المجتمع لهذه الحالة منذ موجة الهجرة إلى بلدان الخليج التي عرفها المصريون على نطاق واسع بعد حرب أكتوبر 1973، وفورة النفط التي شهدتها إثر الارتفاع المتواصل فى أسعاره، وانقسام الوطن العربي بين دول غنية جداً وأخرى فقيرة (10).

وفي عام 2011 تغير ذلك الواقع إلى الأفضل كما تري فريدة النقاش، وذلك جراء العمل الثوري الذي شاركت فيه النساء بكل قوة .. ورغم أن الدستور المصري الجديد الذي تضمن مادة لإنشاء مفوضية ضد التمييز جعل من المواطنة مبدأ حاكمًا، إلا أن قوانين الأحوال الشخصية وممارسة العنف ضد النساء تهدر هذا المبدأ باسم ثوابت الدين، وتجعل من التغيير الجذري للعادات مهمة صعبة، فما بالنا بالتطلع إلى تغيير مجمل العلاقات الاجتماعية من أجل العدالة والكرامة الإنسانية للجميع.. ورغم الجهود المخلصة التي بذلتها وتبذلها المنظمات الديموقراطية والنسوية لتغيير قوانين الأحوال الشخصية، لتستند هذه القوانين إلى المعايير الحديثة، وتتحرر من مفاهيم سيادة الرجل ودونية المرأة، إلا أنها لا تزال جهودًا مبعثرة وخائفة من إبتزاز المجتمع المحافظ والمؤسسات الدينية معاً. وربما تحتاج هذه الجهود إلى المزيد من الجرأة والشجاعة والعمل المشترك لتستقوى ببعضها البعض، وهي تكافح من أجل قانون جديد موحد يأخذ من الأديان أفضل ما فيها، فلا يستمد مشروعيته من دين واحد ويستند على القيم العليا فى كل الديانات والفلسفات والثقافات الإنسانية، وينهض على أساس مبدأ المواطنة، وسوف يشكل هذا كما تري فريدة النقاش القانون نقلة كبرى على طريق الخلاص من الصراع الطائفي، ويفتح الباب أمام ملايين النساء للتقدم والتحرر، ومناهضة الأسباب المركبة للعنف ضد النساء من أجل إنصافهن، وإنصاف النساء هو انتصار للمجتمع كله ولمبادئ وأهداف الموجات المتعاقبة من الثورة. (11).

وفي كتابها الشهير " دافعت عن قيثارتي" تقول فريدة النقاش: إنها "في نهاية الستينيات كتبت دراسة تنتقد صورة المرأة في أدب إحسان عبد القدوس الذي غضب منها، وقال لكثير من أصدقائه إن أحدًا آخر كتب المقال "انتقامًا منه" ووضع عليه اسمها". (12) ؛ وتضيف «النقاش»، أنها اتهمت بأن رجلا يكتب لها، أو على الأقل يوحي لها وهو ما وضعني طويلا في حالة دفاع عن النفس ساعية لإثبات ذاتي، لأن الاتهام يعني أنني عاجزة عن أن أقدم كتابة أصيلة خاصة بي... كان هذا الاتهام يولد في شعور خفي بالرضا، لأن الاتهام يعني كما تقول فريدة النقاش أن:"ما أكتبه جدير في ذاته بالقراءة"

(13).

وترى فريدة النقاش، أن بعض الكتاب يخافون أن تلتحق المرأة الكاتبة وتصير ندا لهم، "لأن في تحققها إفلاتا من الوصاية والفخاخ المنصوبة للسيطرة الأبوية عليها باسم حمايتها" في مجتمع عربي تقول، إن المرأة فيه تضطهد مرتين.. الأولى لأنها إنسان كما يضطهد الرجل والثانية لأنها امرأة ؛ وتسجل، أنها سعت في دراساتها لأدب المرأة إلى اكتشاف الفروق بينه وبين كتابة الرجال ومعرفة قدرات الكاتبات على التعامل مع "القيد المركب والاضطهاد المزدوج الواقع على جنسهن في المجتمع الطبقي الأبوي والكيفية الفنية لا الخطابية التي كشفن بها الوجوه المتعددة للأعراف الاجتماعية المسكوت عنها". (14)، وترى فريدة النقاش، أن "الكاتبة العربية رغم ما حققته من إنجازات في مجال الإبداع مازالت مشدودة إلى المجال الخاص، وهو عالم البيت والأسرة والأطفال بسبب تاريخ من القهر والأساطير التي نسجها المجتمع حول المرأة وجسدها، حيث لا يولد الإنسان امرأة "وإنما يصير امرأة"، كما قالت الكاتبة والمفكرة الفرنسية سيمون دي بوفوار (15).

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة نود الإشارة إليها هنا في هذا المقال، ألا وهي اعجابها الشديد بشخصية الدكتورة نوال السعداوي، فهي تري أن:" نوال السعداوي أضافت لقضية التنوير بصفة عامة، حيث أن التقدم العربي وتحرر المرأة هي قضية محورية ومرتكز أساسي في الوطن العربي.. وهي نظرها ليست ليست كاتبة نسوية وانما كاتبة وطنية أيضا، لافتة إلى أن أفكارها التنويرية رغم كل الظروف التي تعرضت لها واشكال الحصار الظلامي المعادي استطاعت أن تصل إلى الأجيال الجديدة (16).

وأكدت فريدة النقاش أن نوال السعداوي كفأت من قبل الجمهور على جميع ما قدمته من أعمال أدبية؛ وتسجل، أنها سعت في دراساتها لأدب المرأة إلى اكتشاف الفروق بينه وبين كتابة الرجال ومعرفة قدرات الكاتبات على التعامل مع "القيد المركب والاضطهاد المزدوج الواقع على جنسهن في المجتمع الطبقي الأبوي والكيفية الفنية لا الخطابية التي كشفن بها الوجوه المتعددة للأعراف الاجتماعية المسكوت عنها" (17).

وليس هذا فقط كما تقول فريدة النقاش، بل طرحت “نوال السعداوي” القضايا الكبرى والشائكة مستندة إلى العلم والعقل في مطالبتها بالعدل للنساء, وأثارت في كل ما كتبته جدلا واسعا في الحياة السياسية والثقافية مازلنا بحاجة لاستعادة وهجه, لأن غالبية القضايا التي أثارتها مازالت لم تحسم بعد لصالح العقلانية والتقدم, بل إنها مازالت القضايا الرئيسية في الصراع بين القوتين الرئيسيتين في ساحة الفكر والسياسة وهما قوي التقدم والاستنارة من جهة وقوي التأخر والجمود من جهة اخري.. ولن يكون بوسعنا أن ندفع بمجتمعنا الي الأمام وانتشاله من حالة التأخر إلا إذا تعاملنا بشجاعة مع كل القضايا المسكوت عنها خوفا من القوي المحافظة والمعوقة للتقدم, وهما القوتان اللتان يدور بينهما الصراع في مجتمعنا صاخبا حينا وخافتا في معظم الأحيان.. وندرك جميعا عبر التجربة وقراءة التاريخ ان مثل هذا الصراع لكي يصل الي نتائج مرضية لقوي التحرر والتقدم الإنساني يحتاج الي الحرية في المجتمع من أجل انضاجه بطريقة صحية. وتعلمنا التجارب والتاريخ الانساني أن المعيار الأهم للتحضر في أي مجتمع هو وضع المرأة في هذا المجتمع (18).

ومن الجوانب البطولية التي حملتها فريدة النقاش في الدفاع عن المرأة، هي نقدها الشديد لقضية ختان المرأة، فهي تري تشجب الاعتقاد بأن "النساء يحملن ثقافة أن الختان عفة للفتاة أكثر من الرجال"، وقالت بأننا نحتاج احتشاد الرأى العام كله ويقتنعوا بأن هذه جريمة فى حق النساء، وأنه لا يزال هناك قطاع لا يستهان به من المصريين يعتقدون أن  هذا العمل فى مصلحة المرأة ولصيانة عفافها.. وأشارت أن هذه القضية لها جانبان جانب قانونى اجرائى وجانب يخص وعى المصريين، فهى عملية صراعية طويلة المدى ولن تنتهى بسهولة.. وأكدت أن الثقافة حول عفت المرأة متجذرة منذ آلاف السنين والنساء يحملن هذه الثقافة ربما أكثر من المجتمع كله ولتتغير هذه الثقافة يحتاج مجهود كبير فى الوعى والتعليم وإبراز حقوق المرأة والدفاع عنها. . ونوهت أن تغليظ عقوبة ختان الإناث ومعاقبة من يطالب به سوف يحد إلى حد ما ولكن ليس نهائيًا واللجنة الوطنية للقضاء على ختان الإناث دورها صعب لأن هذه الثقافة متغلغلة فى المجتمع (19).

وكذلك من الجوانب البطولية التي حملتها فريدة النقاش في الدفاع عن المرأة، نقدها الشديد لفكرة أن جسد المرأة عورة، وهي تري أن قوي الإسلام السياسي قد سجنت المرأة في صورة جسدها الذي تراه رمزاً للشرف القومي والشخصي، وتعتبرها لذلك " عورة"، الأمر الذي جعل ملايين النساء يندفعن بوعي أو بدون وعي إلي ارتداء الحجاب الذي يتجاوز في هذه الحالة كونه زيا من أزياء، وليصبح (شاءت النساء أم أبين) رمزاً سياسياً متحركاً لهذه القوي (20).

وفي سبيل تأصيل ازدراء " جسد المرأة العورة"  ترجع فريدة النقاش إلي كتاب " خلف الحجاب" للكاتبة سناء المصري التي رجعت إلي النصوص الأصلية للمفكرين والدعاة المعتمدين لدي الجماعات الإسلامية  ؛ خاصة " حسن البنا"، و" أبو الأعلي المودودي، و" سيد قطب"، ومن التراث القديم تعود لابن تيمية لتأتي بنصوص استشهاداتها من مصادرها الأولية، ثم تقوم فريدة النقاش بنقل عبارة سناء المصري التي تقول فيها:" .. وهم حينما يطالبونها بإخفاء جسدها العورة ويسبوها بأفظع الشتائم وأبشع الصفات .. يغازلون لديها في نفس الوقت المثيرات الحسية ويطالبونها بأن تكون عاهرة للزوج في مواع أخري، والمادة التي تدور حول تصورهم هذا من الغزارة والفجاجة بحيث كان يكفي تجميعها  ووضعها إلي جوار بعضها البعض لتعطي صورة صارخة عن هؤلاء الذين يدعون للدفاع عن المرأة ويتحدثون باسم الحفاظ عليها (21).

وتحت عنوان " استبداد  الأساطير "، راحت فريدة النقاش تؤصل لفكرة "جسد المرأة العورة " المرتبط بأول خطيئة ارتكبتها حواء أول أنثي، وفي ذلك تقول:"  ورغم أن العلم قد أثبت منذ زمن بعيد، أن الفروق البيولوجية بين الرجل والمرأة لا ترتب أي فروق ذهنية أو عقلية، وهي ليست . ولا يجوز أداة لطمس إمكانيات المرأة وقدرتها . فقد بقيت الأساطير القديمة حية لا فحسب حول طبيعة المرأة، وإنما وهو الأهم حول ارتباط جسدها بالخطيئة، فهو جسد نجس، وهو كجنس مسئولة عن إخراج أدم من الجنة لأنها أغوته بأكل التفاحة المحرمة، وفتحت له أبواب الجحيم، وتأسياً علي هذه الحكايات (وأقول الخرافات)  التي شجبتها البشرية في ليلها الطويل قبل أن يبدأ التاريخ تراكمت حكايات شر المرأة وقدرتها علي الإيذاء، بل وعرف الأدب العالمي حكاية الموت عن طريق المرأة وهلاك الذكر بالأنثي (22).

وتخلص فريدة النقاش اليسارية لنجدها في النهاية تنزع إلي أن " الحجاب" هو في جانب أساسي منه رمز الفهر وتغييب العقل والتحكم الذكوري ( باسم الدين )، ولا ينفي هذه الحقيقة كون بعض النساء يمكن أن يلجأن للحجاب والنقاب وكأنهن مختارات، فخلف عملية اللجوء للحجاب والنقاب تجري صنوف من القهر المعنوي والتخويف باسم الدين تنفي كلها هذا الاختيار من أساسه، وتجعل منه إجبارا في شكل الاختيار، بل إن هناك إجبارا واقعيا تمارسه مؤسسات العمل التي تملكها الجماعات الإسلامية وتفرض الحجاب والنقاب علي المرأة حتي تقر المرأة نفسها بأنها " عورة وحرمة وحرام "، وما كان الحجاب لينتشر في مصر بهذه الصورة الجنونية لو لم يرتبط بهجوم الأموال النفطية والاستراتيجية   (23).

وتذهب فريدة النقاش إلي أن الفقهاء اختصروا معظم التشريع القرآني المتعلق بالمرأة، وحصروه في موضع الحجاب ( مثل قولهم أن الحجاب فريضة كالصلاة، وحجابك هو دينك وحجابك هو إسلامك، والحجاب هو الفارق الوحيد بين إسلامك وكفر السافرات ...) وكأن القرآن لم ير في المرأة إلا جسدها، ولم ينزل إلا ليجبرها عن الانزواء في بيتها، ويعزلها عن مجتمعها، ويحولها إلي أمة أو رقيق (24).

وتلاحظ فريدة النقاش أن المرأة السافرة تجد نفسها محاصرة بالفتاوي التي تضيق عليها الخناق، وتحد بصورة معنوية قاهرة من حريتها الشخصية في اختيار الزي الذي ترتديه وتصادر عمليا حقها في الاختيار . وتتكأ علي أن المستشار سعيد العشماوي قد أثبت في أكثر من بحث أن الحجاب كان مفروضا فحسب علي نساء النبي ( صلي الله عليه وسلم ) إلا أن الشيوخ الذين يعدون من المستنيرين لا يتوقفون عن تقديم الفتاوي للنساء حول ما يجوز وما لا يجوز لها أن تظهره من الشعر والوجه والكفين (25).

وتعتقد فريدة النقاش أن " المسألة الأخطر في الحجاب والنقاب والخمار هي استجابة المرأة نفسها لفكرة تغطية جسدها بصورة مبالغ فيها باعتبارها عورة، وتقبلها لنفسها كعورة، حتي أن الدكتور زينب رضوان كما تقول فريدة النقاش حين أجرت في بداية الثمانينات من القرن الماضي بحثا كبيرا حول الحجاب في الجامعة، تلقت ردا استوقفها بسبب تكراره، وهو أن الفتاة حين تضع الحجاب تشعر براحة نفسية عميقة وتتخلص من قلق كان يساورها . أي أن نساء كثيرات يقمن طواعية بقهر أنفسهن واستساغة هذا القهر باعتباره هو الحلال (26).

يتضح مما سبق عرضه أن فريدة النقاش ترفض شرعية الحجاب . من الناحية الدينية والناحية الاجتماعية . كساتر لجسد المرآة التي اعتبرها الفقهاء حرمة وحرام وعورة، مع أنها إنسان كامل الأهلية ( قبل أن تكون أنثي ) شقائق للرجال وأمهاتهم التي أنجبتهم وساهمت في تربيتهم وتعليمهم وتثقيفهم .

تحيةً لفريدة النقاش تلك المرأة العظيمة التي لم تغيرها السلطة، ولم يجذبها النفوذ، ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف تبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........

10- فريدة النقاش: إنصاف النساء، الحوار المتمدن-العدد: 5603 - 2017 / 8 / 7 - 22:27.

11- المرجع نفسه.

12- فريدة النقاش: دافعت عن قيثارتي، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2013، ص 12.

13- المرجع نفسه، ص 16.

14- المرجع نفسه، 166.

15- المرجع نفسه، ص 221.

16- بسام رمضان: فريدة النقاش: أفكار نوال السعداوي التنويرية وصلت للأجيال الجديدة، مقال منشور بتاريخ يوم الأحد 21-03-2021 22:26

17- المرجع نفسه.

18- فريدة النقاش: نوال السعداوي، الحوار المتمدن-العدد: 6850 - 2021 / 3 / 24 - 23:12

19- أمل مجدى: فريدة النقاش: النساء يحملن ثقافة أن الختان عفة للفتاة أكثر من الرجال، مقال منشر بتاريخ الأثنين 08/فبراير/2021 - 07:03 ص

20- فريدة النقاش: حدائق النساء في نقد الأصولية، ص 64.، وأنظر أيضا بهاء الدين سيد علي: فريدة النقاش في نقد الأصولية، أدب ونقد،  حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، العدد 355، 2016، ص 39.

21- المصدر نفسه، ص 65.

22- المصدر نفسه، ص 206.

23- المصدر نفسه، ص 27.

24- المصدر نفسه، ص 126.

25- المصدر نفسه، ص 46.

26- المصدر نفسه، ص 45.

 

 

يسري عبد الغنيمحمود الخفيف: هو مؤرخ وناقد وشاعر وروائي. قدم العديد من الكتابات التاريخية والأدبية والنقدية المتميزة.

ولد في مدينة الشهداء بمحافظة المنوفية عام ١٩٠٩م، وحفظ القرآن الكريم في كُتاب القرية، ثم انتقل مع أسرته إلى القاهرة، والتحق بمدرسة عثمان  باشا ماهر بالقلعة، ثم انتقل إلى مدرسة خليل آغا الابتدائية، ثم مدرسة فاروق الثانوية، فمدرسة المعلمين العليا عام ١٩٢٨م التي التحق فيها بقسم التاريخ، وحصل منها على الليسانس عام ١٩٣١م.

عُيِّن الخفيف مدرسًا للتاريخ بالقسم الثانوي في المعاهد الدينية الأزهرية، ومدرسًا بمدارس شبرا الثانوية، وسوهاج الثانوية، ومصر الجديدة الثانوية، وقد تقلَّد العديد من المناصب، حيث عمل مديرًا لإدارة التعاون الشرقي بوزارة المعارف، ثم انتُدِبَ للعمل بالأزهر الشريف ليشغل وظيفة سكرتير تحرير مجلة الأزهر، وقد كلَّفته وزارة المعارف بإعدادِ كتابين لإصلاح تاريخ مصر القومي، ثم سافر إلى لندن في بعثةٍ لإعداد المعلمين، وبعد عودته عملَ مفتشًا أول للمواد الاجتماعية بوزارة المعارف، ثم أصبح ناظرًا للمدرسة الإبراهيمية الثانوية.

وقد أثرى محمود الخفيف بحر الشعر الزاخر بالعديد من القصائد الشعرية: منها؛ «الطائر السجين»، «على شاطىء الحبيب»، «جميلة بوحريد»، «شهيد كربلاء»، وله رواية أيضًا بعنوان «الثائرة»، وله عدد من القصائد القصيرة التي نشرها في مجلة الرسالة منها؛ «قال الواعظ وحكم القاضي»، وتتسم أشعاره بتعدد قوافيها وتنوع أبياتها، ورصانة إيقاعها، كما اتسمت صوره ومعانيه بالكثافة والتنوع، ووضوح الرؤية والنزوع إلى التجديد.

وله عدة مقالاتٍ نقدية تزيد على الأربعين، كما ترجم عددًا من الأعمال الإبداعية في الآداب العالمية منها سجين شيلون، وله العديد من المؤلفات الثقافية العامة منها عمله التاريخي «أحمد عرابي الزعيم المُفْتَرَى عليه» الذي أشاد به المستشار طارق البشري. وقد وافته المنية ١٩٦١م، ولكنه بقي مخلدًا بأعماله السنية.من مؤلفاته:

أبراهام لنكولن

أبراهام لنكولن رجل غيَّر مجرى التاريخ، ويعتبر المؤسس الثاني للولايات المتحدة الأمريكية. بدأ لنكولن حياته من كوخ بسيط بولاية «كنتاكي» فى ١٢ فبراير ١٨٠٩م، وقد عمل في عدة مهن منها؛ الصيد وتقطيع الأشجار والزراعة والتجارة والمحاماة. وأخيرًا قرر الانخراط في السياسة؛ حيث أصبح عضوًا بالكونجرس، ثم أصبح رئيسًا للجمهورية فى انتخابات ١٨٦٠م. كانت فترة رئاسته عصيبة؛ فقد أصر على إلغاء الرق؛ مخلدًا اسمه في التاريخ؛ الأمر الذي دفع بإحدى عشرة ولاية جنوبية للانفصال؛ فدخل حربًا ضروسًا لإعادتها إلى الاتحاد، لكنه لم يعش طويلًا ليهنأ بنصره، حيث تم اغتياله عام ١٨٦٥م، وصدق لنكولن حينما قال معظم الرجال تقريبًا يمكنهم تحمل الصعاب، لكن إن أردت اختبار معدن رجل فاجعل له سلطة

فصل في تاريخ الثورة العرابية

يتناول محمود الخفيف في هذا الكتاب تاريخ الثورة العرابية باعتبارها حركة وطنية قومية بُعثت في أواخر القرن التاسع عشر، حيث ثار الوطنيون من المدنيين والعسكريين على التدخل الأجنبي في شئون مصر الداخلية، كما ثاروا على حكم الخديوي وما آلت إليه البلاد من فساد في عهده. وقد انتهت ثورة عرابي بعد أن أخمدها الاحتلال واستطاع بالتعاون مع القصر أن يشوه صورة هذه الثورة ويحط من القيمة الوطنية لزعيمها. وقد عمد محمود الخفيف من خلال هذا الكتاب إلى إنصاف التاريخ الوطني المصري عبر استعادة الحقيقة التاريخية، واسترداد الكرامة الوطنية، حيث أعاد الاعتبار لزعيم الثورة أحمد عرابي، وبيَّن دوره الوطني الكبير في مواجهة الاحتلال والحكم الداخلي الفاسد

أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه

يُوَثِقُ هذا الكتاب لزعيمٍ خلَّدته صيحات نضاله في صفحات تاريخ الزعماء الوطنيين، حيث يستحضر الكتاب المشهد النضالي الذي خاضه عرابي ضد الاحتلال الإنجليزي، وضد الخديوي توفيق، كما يتطرق الكتاب إلى المعارك التي خاضها عرابي في كفر الدوار، ومرارة الهزيمة التي تعرض لها في معركة التل الكبير، تلك المعركة التي جسدت أهمية الدور الذي تلعبه الخيانة في تحويلِ رحى الحرب من ساحة النصر إلى ساحة الهزيمة، كما يبيّن الكتاب كيف تُأْسرَ الزعامة بين قضبان الخيانة؛ فيجسد لنا معاناة عرابي في «قشلاق عابدين» والمسرحية الهزلية التي تعرض لها في محاكمته، التي أعقبها رحيله إلى المنفى في جزيرة سرنديب الذي استمر تسعة عشر عامًا تحول فيها في أذهان الأجيال من صورة الزعيم الوطني المناضل إلى المتهم الذي جلب الاحتلال إلى تراب الأوطان.

من وراء المنظار: صور انتقادية فكهة من حياتنا الاجتماعية

عجيبة هي البسمات! كم تتخذ من واقع الحياة الاجتماعية المأساوي مادةً لبسمة ترسمها صور انتقادية فكهة اصطفاها الكاتب من حياتنا الاجتماعية؛ ليعرض لنا من خلالها العديد من القضايا الاجتماعية والقومية التي تتصدر المشهد الاجتماعي المصري بصورة تزخرفها بسمة ولَّدتها مأساة حياة أشخاصٍ كانوا أبطالًا لمشاهدات الكاتب. ومَنْ يتأمل موضوعات هذا الكتاب يجد أن الكاتب قد ترسَّم في أبطاله مبدأ الواقعية الذي يبرهن أنَّ للبسمات فلسفةً عميقة منها تتولَّد المشاهد الواقعية للمجتمع في صورة شخصياتٍ تنبض بحركة الحياة فيه. وقد برهن الكاتب من خلال هذا الكتاب على أنَّ الفكاهة العاقلة هي التي يستطيع الإنسان من خلالها أن يشاهد قضايا مجتمعه بمنظارٍ من الواقعية مُغلَّف بمشاهد تسلط الضوء على قضايا المجتمع بواسطة مشاهداتٍ من واقع الحياة الإنسانية.

 

بقلم /د.يسري عبد الغني