محمود محمد علي"الأسس والمنطلقات"

يعد سيد القمني واحدٌ من أكثر المفكرين المصريين إثارة للجَدل بآرائه التصادمية الجريئة مع رجال الدين المسلمين وحركات الإسلام السياسي من جِهة، واحتسابِه ضمنَ التيارِ العقلانيِ والتنويري، مثل فرج فودة من جهةٍ أخرى.. يتأرجحُ الموقفُ منه.. علاوة علي أن معظم أعماله تناولت مرحلة حساسة من التاريخ الإسلامي، فالبعض اعتبره باحثاً بالتاريخ الإسلامي من وجهة نظر ماركسية، في حين أنه يعتبر نفسه من أتباع فكر المعتزلة.

كما ينتسب سيد القمني إلى طائفة من الباحثين في علوم الدين واجتماعيات الشريعة الإسلامية، ممن يفكرون خارج مناطق الصندوق التقليدي للفهم الديني، وهو ما جرّ عليه مصاعب حياتية قصوى جعلته في مرمى التكفير والتهديد بالقتل، كما فعلت في العام 2005 "جماعة الجهاد"، التي اتهمته بالخروج عن نواميس الشريعة، وبأنّه "مارق" و"ملحد" و"مرتد"، ولكن ذلك لم يمنعه من مواصلة دق جدران خزّان المسكوت عنه في التاريخ الإسلامي، مواصلاً مسيرة مفكرين عرب وإسلاميين بعضهم قضى نحبه في هذه الطريق الوعرة.

راح القمني، منذ حصوله على الدكتوراه في تأريخ علم الاجتماع الديني، يبحث في مناطق إشكالية في التاريخ الإسلامي، وفي النصوص الدينية، أسفرت عن عدد من الكتب جرى مصادرة أغلبها من قبل الأزهر، وتعرض بسببها إلى المحاكمة باعتباره "مرتداً".

وقد وصفه الأستاذ مجدي حسنين (في مقال له بعنوان " د. سيد القمني راهب في محراب الأديان المقارنة") بأنه واحد من الباحثين الذين وهبوا حياتهم للأسطورة والتاريخ والبحث في سراديب الأديان المقارنة ،كاشفا عن الجواهر التي تختفي وراء الانقطاع المعرفي والاغتراب عن النسق . آثر البقاء في صومعة البحث العلمي ، راهباً في محراب تاريخ المنطقة التي شهدت الأديان السماوية الثلاثة الكبرى اليهودية .. المسيحية .. الإسلام . رافضاً العمل في الجامعات ومراكز الأبحاث ، ويرجع السبب في نظره إلي رفض أساليب التعليم ليس في الجامعات المصرية فحسب، بل في الجامعات العربية كلها ، خاصة أن المادة العلمية التي يبحث فيها والمنهج الذي يستخدمه له من التميز والخصوصية ما قد يتعارض مع أساليب التعليم المعمول بها في مصر أو الوطن العربي ، بل يري أن المنهج ، وهذه المادة العملية قد لا تعترض عليها مؤسسة الجامعة فحسب ، بل قد يحدث معه ما هو أنكي من ذلك .. وأبحاث الدكتور القمني ترتكز علي دراسة تاريخ الأديان والتاريخ المقارن وأساطير مصر القديمة ، أي قي نفس المنطقة الحضارية الأولي ، التي بعثت الدراسات فيها منذ أواخر القرن الماضي ، وأوائل القرن الماضي ، وأوائل القرن الحالي ، سعيا لإثبات هذه الوحدة الحضارية في ديانات ، وثقافات الشرق القديم.

كما وصفه الأستاذ أسامة خيي في مقال له بعنوان "سيد القمني.. رجل في الجبهة الأمامية لمعركة الفـكـر والتنويـر" قائلا:" يحمل الرجل عدته المنهجية المستنبطة من التعقيل التاريخي وينزل إلى أعماق تراث يفيض بالخرافات والأساطير مثلما يكتنز ذخائر الفكر المتنور والعقلانية الفلسفية والإبداع الأدبي.. لا يفرق في تحليلاته بين ما ينتمي إلى السجل الخرافي ولا ذلك المحسوب على العقل، وإنما يموضعهما معا في إطار الشروط التاريخية والثقافية التي فعلت في إنتاجهما. إنها المسافة الضرورية واللازمة مع التراث التي تجعل الإنسان يدرك أن ذلك المأثور في كليته ما هو إلا نتاج اجتهادات أهل عصوره.. عمل إنساني.

ويستطرد فيقول : " في جل كتاباته ثمة فضح لهذا الجنون الإسلاموي المستشري اليوم بوسع العالم والمستعدي على الحقوق والحس السليم ومنطق الأشياء. لذلك، لا يتنازل المفكر عن نبرته الساخرة وهو يرى كيف أن وضع الأحكام في غير سياقها التاريخي يجعل الجنون يأخذ أبعادا سريالية. تطبيق الشريعة. إنزال الحدود. الجهاد. الخلافة... لا يمكن إلا أن تتمخض وقد تم إسقاطها عن واقع اليوم، سوى مفارقات دونكيشوتية، لكن مأساوية ومدمرة كما هو الحال مع القاعدة وداعش وباقي متطرفة الجنون الأصولي... هذا النقد العميق للإسلام السياسي والمراجعة التفكيكية للتراث الديني جعلت محمد سيد القمني في عين العاصفة باستمرار. ولم يكن صدفة أن يهدر دمه قبل عشر سنوات ولا أن يلاحقه محتسبة الإخوان والنظام معا في محاكمة شهيرة ترافع فيها، ليس عن نفسه، وإنما عن الفكر الحر بمعرفة عميقة بالفقه والشريعة والأصول. وهو ما فعله مع صنوه في جبهة التنوير، المفكر الراحل نصر حامد أبو زيد يوم كالوا له تهمة الخروج عن الملة وسعوا لتطليقه من زوجته.

وأخيراً حديثه قائلاُ:" يجسد سيد القمني، الذي ساهم في إحياء تراث المعتزلة، امتدادا لتلك المدرسة والمنارة الشاهقة التي وضع حجرها الأساس مفكرون في قامة طه حسين وعلي عبد الرازق ولطفي السيد وسلامة موسى ومحمود أمين العالم وفرج فودة وسواهم كثير. وهو إذ يزور اليوم «بيته» الأحداث المغربية فلصلة الرحم بمنبر مستقل حرص منذ انبثاقته على أن يكون واحدا من أصواته التي يفكر بها ويسترشد بتحليلاته النقدية في معركة مستسرلة بين التنوير والعماء الأصولي".

وُلِدَ سيد محمود القمني في مدينةِ الواسطي بمحافظةِ بني سويف عام ١٩٤٧م، وظل يدرسُ حتى حصَلَ على الدكتوراه من جامعةِ جنوب كاليفورنيا (ويجادل البعضُ في مِصْداقيةِ حصولِه على تلك الدرجة). تخصَّصَ القمني في الكتابةِ عن بواكيرِ التاريخِ الإسلامي، محلِّلاً وناقِدا بجُرْأةٍ الكثيرَ من مَحطاتِه التاريخيةِ حتى هُدِّدَ بالاغتيالِ عام ٢٠٠٥م على إثرِ اتِّهامِه بالكُفر والإلحادِ من قِبَلِ بعضِ خُصومِه. آثر القمني بعدَها السلامةَ وأعلَن اعتزالَه الفِكرَ والكِتابة، ثم تراجَعَ عن قَرارِه فيما بعد. وأخيرا وبعدَ جهدٍ طويلٍ جاءَ تقديرُ الدولةِ له بمنحِهِ جائزةَ الدولةِ التقديريةَ عام ٢٠٠٩م، وقد صحب ذلك زلزالٌ عنيفٌ مِنَ الرفضِ والاعتراض.

ومن أبرزِ دراسات ومقالات وكتب القمني ، ومنها: النبي إبراهيم والتاريخ المجهول، قصة الخلق/ منابع سفر التكوين، رب الزمان، شكراً بن لادن، مدخل إلى فهم الميثولوجيا التوراتية، الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية، الأسطورة والتراث، العرب قبل الاسلام، حروب دولة الرسول في جزئين، وأهل الدين والديمقراطية: صدر 2005، والجماعات الإسلامية رؤية من الداخل: صدر 2004، والإسلاميات: صدر 2001، والإسرائيليات: صدر 2002، وإسرائيل، الثورة التاريخ التضليل: صدر 2000، وقصة الخلق: صدر 1999،والنبي موسى وآخر أيام تل العمارنة: صدر 1999، وحروب دولة الرسول: صدر 1996، والنبي إبراهيم والتاريخ المجهول: صدر 1996، والسؤال الآخر: صدر 1998,, وهلم جرا.

علاوة علي المقالات الكثيرة التي كتبها ؛ حيث اتسمت مقالات القمني باللهجة الزاعقة المتصاعدة ضد الإسلام السياسي، وكان أكثر هذه المقالات حدّة المقال الذي كتبه على أثر تفجيرات طابا في أكتوبر 2004. وكان عنوانه: «إنها مصرنا يا كلاب جهنم!»، هاجم فيه شيوخ ومدنيي الإسلام السياسي، وكتب: «أم نحن ولاية ضمن أمة لها خليفة متنكّر في صورة القرضاوي أو في شكل هويدي تتدخل في شؤون كل دولة يعيش فيها مسلم بالكراهية والفساد والدمار، ويؤكد وجوده كسلطة لأمة خفية نحن ضمنها».

وبعد هذا المقال، تلقى القمني العديد من التهديدات. إلى أن أتى التهديد الاخير باسم «أبو جهاد القعقاع» من «تنظيم الجهاد المصري»، يطالبه فيه بالعودة عن أفكاره وإلا تعرّض للقتل ، فقد أهدر دمه ففي 17 يونيو - حزيران 2005 وعلى اثر ذلك كتبَ سيد القمني رسالة بعثها إلى وسائل الإعلام والى مجلته روز اليوسف، يعلن فيها توبته عن أفكاره السابقة وعزمه على اعتزال الكتابة، صوناً لحياته معلنا ان توبته واستقالته ليس من القلم وحسب، بل ومن الفكر أيضاً.

وقد منح سيد القمني في عام جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية عام 2009 والتى تبلغ قيمتها مائتى ألف جنيه مصرى. وعقب فوزه بجائزة الدولة التقديرية مؤخرا واجه القمني هجوما كاسحا من قبل جماعات التكفير المحسوبة علي التيار الديني الي الحد بإهدار دمه وإقامة دعاوي التكفير ضده الامر الذي دفع القمني بإرسال نداء استغاثة الي كل الهيئات والافراد والمنظمات الحقوقية في العالم وذلك من خلال مواقع اليكترونية وقال فيه أهيب بضمير الإنسانية الحر فى كل العالم أن يهب لنجدتى أنا وأولادى بالمساندة المعنوية والتنديد بالفكر الراديكالى، مع تقديم حلول سريعة لإنقاذنا من الخطر الذى يتحدق بنا".

وقال سيد القمني: "منحى جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية أثار ضدي التيار المتشدد، وطالبوا بسحب الجائزة منى مع إعلان ارتدادي وتكفيري، وهو ما يعنى فى بلادنا أننى أصبحت مهدور الدم، يمكن لأى مواطن قتلى ويكافئه الله بدخول الجنة خاصة بعد ان اعلنت دار الإفتاء المصرية فتوى بتجريمى وهدر دمى بتهمة إهانة نبى الإسلام ورب الإسلام، وقال إن تكفيره أمر يحتمل التطور إلى ما هو أبعد وأخطر فى الأسابيع القادمة، فى إشارة إلى احتمال سعى بعض المتطرفين لاغتياله.

كما دعت المؤسسات المتضامنة مع موقف سيد القمني الأدباء والمفكرين المصريين إلي مساندة القمني دفاعا عن حرية الرأي ورفضا لمصادرة الآراء والأفكار حتي لا تتكرر مآسي إهدار دم الادباء مثلما حدث مع الكاتب الراحل نجيب محفوظ والمفكر فرج فودة الذي دفع حياته ثمنا لأفكاره علي يد احدي الجماعات المحسوبة علي التيار الديني في مصر ... وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل.

 

 

في صيف عام 1974عندما اشتدت حرارة جو بغداد، بدأت افكر بالأجازة السنوية، حينذاك كنت مواظبا على عملي في مستشفى الرمد (مستشفى ابن الهيثم بعدئذ) وانا طبيب اخصائي في طب وجراحة العيون، فكنت أتسائل مع نفسي، اذهب الى اي مكان في العالم هذا العام لقضاء فترة الاستجمام والراحة؟، مرهونا ان لا يكون المنتج السياحي المقترح ضمن الاماكن التي زرتها من قبل، فطال أمد البحث والتأمل حتى دخت في متاهات الحيرة وراجعت الخرائط الجغرافية قديمها وحديثها، الى ان استقر الاختيار في النهاية على جزيرة غرين لند، موطن الاسكيمو، الكائنة داخل دائرة القطب الشمالي للكرة الارضية.

كنت وانا صغير تستهويني صور الاسكيمو وهم يعملون خارج اكواخهم الثلجية، اهفو الى رؤية عالمهم الغريب الذي لم يمت بغيرهم في عالم البشر بشيء، وعندما كبرت، استبدت فيً هذه الرغبة اكثر فاكثر، حتى وضعت الفكرة ضمن برنامج حياتي القادمة. و الان ارى نفسي في مرحلة عمر ملائمة مستعدا للخوض في غمار المخاطرة، بعد ان اصبحت الفرصة متاحة للقيام بمهمة التنفيذ، محاولا الوصول الى هناك لارى هؤلاء القوم وهم يعيشون في اصقاع من الارض يغطيها الصقيع طيلة ايام السنة، اي على مقربة من المحيط المتجمد الشمالي من قطب اليابسة، نعم لأرى بنفسي اطر حياة الاسكيمو ووالوقوف على شكل ومستوى بدائية معيشتهم وكيف ان هذه الجماعات من الناس قد تكيفوا مع هذا المناخ، القارص في برودته، القاسي في شدته، وهل ان الحياة داخل قبب من الثلج الصالد، قابلة للتحمًل ، خاصة خلال اشهر الظلام الستة من السنة ؟

كانت هذه الملاحظات قد ازدحمت في رأسي وبدأت تشغل بالي كثيرا، فشكلت عندي بالتالي الاندفاع الذاتي والقرار الحازم والعزم الاكيد للاقدام على تحقيق الحلم العتيد، حلم الطفولة الملحاح ! مجازفا بالمخاطرة، هكذا غادرت بغداد في الاول من تموز وهي تتلوًى في درجة حرارة 50 فوق الصفر متوجها نحو جزيرة غرين لند الكائنة في اقصى الشمال من المحيط الاطلسي، المنطقة القطبية ودرجة حرارتها 50 تحت الصفر، بل واكثر.

لم يكن امر الانتقال الفجائي من منطقتنا الساخنة الى المنطقة المتجدة في القطب الشمالي مزحا و وميسرا، بل كان عسيرا وشاقا، بل شاقا جدا، محفوفا بمصاعب جمة، تمت على عدة مراحل. كانت لندن، مرحلتها الاولى تلتها بلاد ايسلندة التي تبتعد عن اوربا بطيران طويل وهي كائنة تحت الدائرة القطبية الشمالية بشكل مباشر، ومن هناك وبعد انتظار دام ايام واصلت الرحلة عبر طيران غير مريح بواسطة طائرة صغيرة خاصة للخدمات الاستكشافية. والى ان بلغنا المقصد، جزيرة غرين لند القطبية. كان ثمن المعاناة الروحية باهظا.

ففي لندن، المحطة الاولى التي قضيت فيها بعض يوم، جهزت نفسي بكل مستلزمات الرحلة التي كانت تتطلب ملابس واحذية وغطاء راس خاص تفرضها ظروف مناخ القطب. بعد ذلك واصلت الرحلة جوا بأتجاه الشمال في طائرة حديثة، في طيران مريح دام لساعات عدة، حتى وصلت الطائرة ايسلندة وحطت في عاصمتها ركافيك، فأقمت فيها ثلاثة ايام، كانت حافلة بالمفاجئات السارة، والمشاهدات الفريدة، وقد تحدثت عنها في مقال سابق، مؤكدا على ابرز معالمها السياحية بشيء من التفصل.

لم تكن نية الاقامة الطويلة في ايسلندة امرا مطروحا في بدأ الرحلة لكن ظروف تهيئة الطائرة الاستشكافية الخاصة للخدمات القطبية لم يكن سهلا، بل انها هي التي فرضت هذا الانتظار.

وفي صباح اليوم الرابع من اقامتي في ايسلندة، كان كل شيء يخص الرحلة قد تهيئ، ففي اليوم نفسه وفي الوقت المحدد نقلتني سيارة الشركة من الفندق الذي اقيم فيه الى المطار. وبعد تأكد ضابط السفر من وجود الفيزا الدانيماركية في جواز سفري، امتطأت الطائرة ( كانت غرينلند يومذاك مستعمرة ).

كانت الطائرة صغيرة الحجم، وذات محرك واحد، تحوي على خمسة مقاعد فقط، وتاريخ صنعها قديم، واظن انها كانت تفتقد الى جهاز التكييف، فكان علينا نحن المغامرين الاربعة ان نسعف انفسنا بأغطية الصوف المطروحة بين المقاعد، فإلتحفنا بها صاغرين.

بيد ان معاناتي الذاتية كانت اكثر من غيري من رفاق السفر، بسبب موقع مقعدي الذي كان بجنب الباب، التي لم تكن محكمة السد، تحدث صريرا مزعجا لا ينقطع، ناهيك عن الهواء البارد الذي تمرره داخلا، فكنت الف اطرافي بمزيد من الاغطية تحاشيا من البرد القارس، فقد وجدت نفسي امام مشكلة، لا تجد سبيلها الى حل. فلم يخطر بالبال ان يجد المرء في الطائرة الاستكشافية، هذا الكم من الاهمال البالغ وقلة الاهتمام براحة المسافر، لذلك ضاق صدري ضيقا شديدا.

كان الطيران من اول وهلة طيرانا مضطربا غير مستقرا، كثيرة الحركة لا تخلوا من مطبات، فلم تستقر في سيرها طيلة الرحلة ولم تهدأ ابدا، كان تحليق الطائرة على ارتفاع خفيض، كان الطريق طويلا، اشعرني بالملل والضجر، فلم اشاهد في ساعات الرحلة، اثرا للملاحة البحرية، فمعظم المسطحات المائية كانت متجمدة، تعج بجبال ثلجية، هائلة الاحجام، غريبة الاشكال، كانت اشعة الشمس المنعكسة عن سطح المحيط، تملأ الدنيا ضوءا وهاجا، شديد السطوع والانبهار. كان المشهد مهيبا مرعبا، يكتنفه الغموض وخشية المجهول، فاضطربت قليلا دون ان اهاب، وقد ذهلتُ بما رأيت، وكان فكري معظم الوقت شاردا، جعلني لم انتبه بطول الوقت، لكنني افقت من شرودي بعد حين بسبب شعوري بتيبس حنجرتي، فلم اكن اقوى على بلع ريقي وعطشت، دون أن يتيسر لي جرعة من الماء.

كانت ظروف الرحلة بالغة الشدة، وفي غمار هذه الشدة، حاولت التعلق بشيء يصرف انتباهي، فعمدت التمعن في كنه المشاهد الغريبة خارج دائرة محيطي، ينسيني وضعي النفسي التعيس، ولم يمر وقت طويل إلا ووجدت نفسي منغمرا بفيض من الخشوع الروحي، يملأ جوارحي، فغدوت مأخوذا في حيرتي امام عظمة الكون ورهبته، وجمال الوجود ومهابته.

وبينما انا بهذه الحال من الطيران (الأكشر)، بدأت طائرتنا المهلهلة تهبط تدريجيا،

بيد ان خط سيرها قد تغير، ولم يخطر ببالي ابدا، من ان الطائرة سوف تتوجه نحو جبل ثلجي قائم امام عيني، فتسائلت مع نفسي القلقة عن السبب، لكن الطائرة استمرت في سيرها حتى اقتربت الجبل المذكور شيئا فشيئا، فحبست انفاسي واصبت بالذعر وبدأ قلبي يخفق خفقانا قويا. وخشيت النهاية.

لكن ما كان اشد اندهاشي واعظم ذهولي حينما (وكًرتْ) الطائرة في لحظة خاطفة فوق قمة ذلك الجبل واستقرت عليه فورا، وتوقف المحرك ـ ـ ـ فتنفسًت الصعداء.

كانت تلك البقعة التي هبطت عليها طائرتنا، عبارة عن قطعة ارض، ذكرتني ابعادها بمساحة ملعب كرة القدم، انها كانت رقعة اليابسة الوحيدة في تلك المنطقة القطبية، التي تكشف نفسها للعيان، بعد انحسار الجليد عنها في فترة زمنية محددة، لا تتجاوز ايام معدودات من شهر تموز كل عام.

لم اجد هناك احدا، ولا أثرا لكائن حي، بل وجدت نفسي واقفا وسط المغامرين الامريكان الثلاث في ذروة ذلك المرتفع، تحيطنا الثلوج من الجهات الاربعة، وكان البرد في شدته مثلجا، رغم ان الوقت كان ظهرا والشمس ساطعة في كبد السماء، كان الجليد القريب من اقدامنا صقيلا صلبا، فحذرنا القبطان من الحركة، تفاديا من خطر الانزلاق.

كانت الدنيا من حولنا تسبح في بحر من النور الوهاج، يسطع بشدة، يخشع الابصار، فكان كل شيء فيه يتلألئ، كان الجليد البراق، ناصع البياض يغطي وجه الارض على امتداد الافق، وكانت مسطحات الصقيع القريبة والبعيدة متناغمة في قوة لمعانها لدرجة كان من الصعب على المرء ان يعرف اين ينتهي البحر و تبدأ اليابسة، علما ان مكان وقوفنا كان محاذيا للساحل الغربي للمحيط المتجمد الشمالي.

كان منظر الطبيعة في بهائها و صفائها آسرا، وقد تجلى سحرها الفتان في حلة من الجمال المطلق، وهي السمة التي تنفرد بها البيئة القطبية.

لكننا صُعقنا وطاش صوابنا، عندما ابلغنا القبطان بعدم السماح لنا بمخالطة عوائل الاسكيمو، رغم انهم الان امام اعيننا وعلى بعد، لا يتجاوز عشرات الامتار، كون ان قبائل الاسكيمو يتحاشون الغرباء، حرصا على صحتهم، فالاسكيمو يعتقدون ان غيرهم حمال امراض.

فقد نشأ عندهم هذا الاعتقاد، بعد ان قدم الى بلادهم تجار فرو اوربيون خلال القرن التاسع عشر، وتم تبادل البضائع معهم عن طريق المقايضة، لان الاسكيمو لا يعرفون العملة، الاوربيون حصلوا على كميات كبيرة من فرو الحيوانات القطبية، مقابل حصول الاسكيمو على بنادق وحاجيات اخرى. وخلال التماس الذي جرى بينهما، نُقلت امراض الوافدين الى شعب الاسكيمو، ولم يستطع هؤلاء مقاومتها، مما تسبب الى هلاك أعداد غفيرة من شعب الاسكيمو. ومنذ ذلك الحين يتفادى الاسكيمو لقاء الاجانب !

وبعد ان تلقيا هذه المعلومات، صار يقينا اننا سنمكث في مكاننا واقفين، ومن موقعنا فقط، يمكننا رؤية مجتمع الاسكيمو في منطقة سكناهم، ونلاحظ ما يجري فيه من نشاطات اجتماعية، ضمن بيوتهم الجليدية، كما يمكننا ان نستنبط عبر المظاهر الحياتية التي نراها، طبيعة علاقاتهم مع بعضهم، انهم كانوا منشغلين في ممارسة اعمالهم، وقد علمنا ان طبيعة هذه الاعمال كانت متعلقة بامور الصيد وتهيأة الغذاء اليومي، وهو في الغالب يشمل على ما يحصلون عليه من صيد البحر في الاغلب والبر في الاقل. انهم يعيشون على الارض الثلجية في اقسى الظروف المناخية شدة.

كانت منطقتهم تتكون من مجمعات (سكنية) وهي عبارة عن قبب ثلجية، تناثرت على مساحات واسعة من السفوح الشمالية، تفصل المجمعات عن بعضها ممرات متقاطعة، ولم نجد هناك ما يمت بالحياة العصرية من أثر. يكفي ان نعرف ان منطقتهم خلت من اصغر بناء. انهم قبائل بشرية مقطوعة عن العالم الخارجي، ولم يتسنى لنا معرفة ما يجري داخل قببهم الجليدية من عادات وتقاليد، لكن دليلنا السياحي المتمثل بقبطان الطائرة كان يزودنا بالمعلومات اللازمة عن حياة هؤلاء البشر بشكل شبه مفصل.

كانت بيوت الاسكيمو، عبارة عن اكواخ ثلجية قبوية الشكل تدعى (Igloo). والأجلو عبارة عن قطع من المكعبات الجليدية تكوًن جدران الكوخ من الخارج، ثم يبطنون الكوخ من الداخل بمخلفات الصيد البري من جلود الحيوانات كالوعل والدب القطبي، فيصبح اقرب الى الخيمة ثم يفرشون ارضه بالفراء. فتصبح درجة الحرارة في الداخل مقبولة لديهم. ولا يوقد الاسكيمو النار داخل الكوخ، كي لا تذوب المكعبات.

يصعب على المرء ان يتصور كيف يعيش هؤلاء القوم. فمنطقتهم لا تحصل إلا على اقل كمية من اشعة الشمس، فخلال فصل الشتاء الذي يدوم ستة شهور في القطب الشمالي للكرة الارضية، يخيم الظلام الدامس على منطقتهم، فتتعقد حياة الاسكيمو وتتعسر سبل توفير الغذاء. ففي مثل هذه الظروف القاهرة تقوم بعض قبائل الاسكيمو بالاحتفاظ بالحوت المصداد بعد طمره بكميات هائلة من الثلوج الهشًة، حتى يبدو من بعيد وكانه هضبة ثلجية كبيرة، هذا هو مؤونهم الوحيد لجميع اشهر الشتاء، يغتذون من لحمه كل يوم. هذه الحقيقة المذهلة، تصوًر لنا سعة المعاناة التي يكابدها افراد الاسكيمو، بغية الحفاظ على استمرارية حياتهم !

ينحدر شعب الاسكيمو اصلا من المناطق القطبية لشمال سيبريا، فأجدادهم نزحوا منذ آلاف السنين وتفرقوا في سواحل المحيط المتجمد الشمالي، فسحنتهم آسيوية. واصولهم منغولية، فهم قصارى القامة، اجسامهم ضخمة واكتافهم عريضة ووجوههم واسعة ووجناتهم بارزة والبشرة داكنة والعيون منحرفة ضيقة والشعر اسود.

ارى الاسكيمو رجالا ونساء في بملابسهم التقليدية الخاصة بهم، انها لم تكن في ثقل ملابسنا التي كانت لا تقل عن معاطف فرو سميكة، رأينا اطفالهم يرتدون ملابس صارخة الالوان، يلعبون ويمرحون. وقد تكيفوا في محيطهم القطبي مع قسوة المناخ منذ الصغر. الذي لا نطيق شدته نحن.

يصنع الاسكيمو ملابسهم من الجلود والفراء، فيلبسون شتاءا ردائين من الفراء، يتجه فراء الرداء الداخلي نحو الجسم في حين يتجه فراء الرداء الثاني نحو الخارج، وهذه الملابس متقنة الصنع تفصيلا وخياطة فلا تسمح للماء بالنفاذ من مواضيع الخياطة منها.

تعني كلمة اسكيمو (آكلي اللحم النيء) وقد تكيفت جماعات الاسكيمو على قسوة الحياة في المنطقة القطبية، معتمدين في غذائهم على ما يصطادون، وفي مقدمتها لحوم الوعل والدببة وحصان البحر ولحم الحوت والفقمة ومختلف انواع السمك والطيور المائية.

كما انهم يصنعون من جلود الصيد البري اغطيتهم وافرشتهم، كما بستفادون من صيد الحوت، زيته في الطبخ والاضاءة. ومن عظامه يصنعون الاقواس و الهروالات والسكاكين والرماح والحراب. ومن جلود حيوان الرن يصنعون الزلاجات التي تجرها الكلاب في نقل المؤون والتنقل بين قبائل الاسكيمو المتفرقة.

قد يظن البعض ان محدودية و نوع الغذاء الذي يتناوله الاسكيمو قد يؤدي الى مشاكل صحية، لكن العكس هو الصحيح، حيث ظهر ان فرد الاسكيمو الذي تتمتع رئتيه بانقى هواء على سطح الارض، مصان من هذه المشاكل، فانسان الاسكيمو نادرا ما يتمرض، وبذلك يُعد الاسكيمو من اكثر الشعوب التي تتمتع بصحة جيدة في العالم.

اما في النواحي العاطفية فنقول: اذا اراد شخصان من افراد عائلة الاسكيمو ان يقبلا بعضهما، اظهارا للمشاعر، فانهما يكتفيان بملامسة الانفين فقط، لأن التقبيل العادي يجمد لعابهما ويؤدي الى التصاق الشفتين.

اما اذا اراد شخصان ان يتعرف احدهما على الاخر، اكتفوا بشم الخدود ليس اكثر.

اما عن معتقدهم، فإن شعب الاسكيمو يعتقد انه سيعيش حياة ثانية بعد الموت. وان للبحر والشمس والقمر ارواح تتحكم في مصيره.

وعندما حان وقت الظهيرة بقليل، بدأت الشمس تميل باتجاه الغروب، فأنبسط الشفق الجميل على الافاق المترامية، وقد ابهجنا بروعة الوانه البديعة وسحر منظره الآخاذ.

ثم بدأ النور ينحصر والظلام ينتشر، وزاد البردُ من شدته، وبدأت جماعات الاسكيمو يختفون في قببهم الجليدية افرادا وجماعات، فأخبرنا القبطان بنفاذ مدة اقامتنا في غرينلند والتي حددت بساعتين فقط، ودعانا الى صعود الطائرة، وبعد دقائق من الاقلاع، كنا نحلق ثانية فوق المحيط المتجمد للقطب الشمالي، تحت اجواء حالكة الظلام، في طريق عودتنا الى ايسلندة.

لم يسمح لي رجال الاسكيمو ان التقي بهم، لكن ما يبعث السلوان، ان الرحلة رغم معاناتها القاسية، قد اكسبتني فهما جديدا للأنسان والطبيعة، لم اكن اعرفه من قبل، فضلا عن انها كانت طافحة بفيض من المشاهد الجغرافية، مناظرها كانت خاقة للمألوف فريدة النوع في الدنيا، لا يرقي الى جمالها وصف.

 

د. رضا العطار

.......................

* ان ما ذكرته اعلاه عن جماعة الاسكيمو، يعود تاريخه الى زهاء خمسة عقود مضت، ولا علم لي فيما اذا حصل عندهم خلال هذه الفترة من الزمن شيء من التغيير والتطور.

 

 

عبد الحسين شعبانكلّمــا اختلفـت معه ازددت محبّة لــه

" الصديق اللدود"، عبارة كنت أذيّل بها رسائلي له حين تتباعد بنا السبل والمدن والقارات، وعندما كنت أزوره في منطقة الجسر الأبيض " بداية حي العفيف" في طريق المهاجرين بدمشق، ولا أجده أترك له ورقة أكتب عليها " صديقك اللّدود"، وهي الإشارة التي كانت بيننا، أو كلمة السرّ التي تجمعنا، في حين كان هو يردّد "صديق الخلاف" وهو ما كتبه إلى لجنة حفل التكريم الذي أقيم لي بمناسبة منحي "وسام أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي" (القاهرة، 20 آذار/مارس 2003).

يقول طارق الدليمي" ... وفقط من هذا المنظور الملموس، بدأت رحلة علاقتنا الإنسانية التي أخذت صفة (أصدقاء الخلاف). ومرّت هذه الأواصر بأجواء مفعمة بالتباين ومكتظّة بأنواع السجالات التي لا ترحم بالمعنى السياسي المجرّد، والذي يحتفظ علناً بقدراته على الإغناء والعطاء". ويضيف: "... وكان شعبان لديه الطاقة الخاصة على المبادرة ضمن عقله الأكاديمي الجديد المنصهر في بوتقة الحياة الثريّة والمندغم مع المنظومة الفكرية التي رعاها مبكّراً وبشجاعة تثير الإعجاب. (من كتاب عبد الحسين شعبان - صورة قلمية: الحق والحرف والإنسان، إصدار البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان، القاهرة، 2004).

لم أجد أمتع وأجمل من الحوار مع طارق الدليمي، وبقيت أفتقد إلى ذلك حين تحرمنا الظروف من التواصل المباشر، على الرغم من التواصل الوجداني وعبر الانفعال الإنساني لكل ما نكتب أو نقرأ، فالجلسة معه لها نكهة خاصة وطقوس أكثر خصوصية وفضاء شديد الرحابة، فكل شيء لدى الدليمي ينبض بالحيوية والسؤال، خصوصاً حين تكون معه بضيافة على كأس عرق أو قدح نبيذ، حيث كان يتفنّن أبا زياد في صنع المازات اللذيذة شرقيها وغربيّها، وعنده تعرّفت على الأرضي شوكي " الأنغنار" أو "الخرشوف"، و"الزيتون المكلّس" الذي لم أعرفه من قبل.

كانت شقته الصغيرة الجميلة مفتوحة لاستقبال الأحبّة في كل الفصول: في الشتاء والخريف حيث تجد الدفء يملأ المكان، وفي الصيف والربيع وبدايات الخريف أيضاً كان سطح شقته العامر هو المكان المناسب لأماسي الدليمي بنسماتها العذبة، حيث يلتقي أدباء ومفكرون ومثقفون وسياسيون من شتى الألوان والأجناس: رجالاً ونساءً، عراقيون وسوريون وعرب، خليجيون ومن شمال أفريقيا في "منتدى ثقافي فكري جامع ومنبر مفتوح ومتنوّع تتعدّد فيه الرؤى والاختيارات"، وبقدر ما كانت همومه عراقية متميّزة كانت أجندته العربية مزدحمة باستمرار، حتى أن السطح يمتلئ أحياناً بمتناظرين، مختلفين ومتّفقين، والمهم أن يكون الحوار جاداً ومسؤولاً، حتى وإن اتّسم بالحدّة العراقية المألوفة.

II

شلّة طارق الدليمي التي كانت مستمرّة ومكانها محفوظاً، حتى وإن غابت لأسابيع أو أشهر تتكوّن من : مظفر النواب وقيس السامرائي وهادي العلوي وكاظم السماوي وجمعة الحلفي وسعدي يوسف وعدنان المفتي ومحمد عبد الطائي وعبد الحسين شعبان وآخرين.

ويتردّد عليها كثيرون منهم: جواد الأسدي ومنذر حلمي وماجد عبد الرضا وعبد اللّطيف الراوي وفوزي الراوي وعلي كريم وعادل مراد ومحمود عثمان ومحمود شمسه وهاشم شفيق ومحمد الحبوبي ومخلص خليل وشاكر السماوي وعزيز السماوي ورياض النعماني وعوني القلمجي وعامر بدر حسون ووائل الهلالي (حكمت) وشفيق الياسري (هاشم) وناهدة الرماح وزينب ولطيف صالح وشوقية وحميد البصري ووليد جمعة وجليل حيدر وعبد الكريم كاصد وأحمد المهنا وعبد المنعم الأعسم وسامي كمال وكمال السيد وكوكب حمزة وعلي عبد العال وأبو أيوب وساهرة القرغولي وقيس الزبيدي وفاضل الربيعي ورشاد الشيخ راضي وصاحب الحكيم ومحمد جواد فارس ورحيمة السلطاني وعبد الرزاق العاني وعلي الصرّاف ونبيل حيدري، وقسم كبير من هؤلاء أعضاء في " رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين" التي تأسست بعد هجرة اليساريين والشيوعيين أواخر العام 1979 وغيرهم، ومن كان قادماً من كردستان أو ذاهباً إليها يجد في شقّة طارق الدليمي الصغيرة الدافئة الأنيسة الأليفة ملاذاً في إحدى الأماسي.

وكان طارق الدليمي يستمع إلى القادمين ويحاورهم لمعرفة المزيد عن الأوضاع والساحات، لتبدأ جلسة حوار مفتوحة في موضوعات شتّى ونستمع أحياناً إلى قراءات شعرية أو عرض لمشهد مسرحي أو اقتراح لمشروع ثقافي، أو رؤية سياسية جديدة أو فكرة عن تحالف أو اتحاد أو انشقاق أو تكتّل... كل ذلك كان يجري بحميمية وإخلاص، حتى وإن كان الطريق الذي يتم اختياره والتوقيت والزمان خاطئاً، لكن منزل طارق الدليمي يجعل الكثيرين يبوحون بما يحتفظون به من أسرار، أو هكذا يتصوّرون حين يحاولون إخفاءها،وبعد حوارات ونقاشات بعضها أقرب إلى الاستنطاقات يبدأون بالحديث والبوح حتى وإن ترددّوا في بداية الأمر، بفعل الأجواء الثقافية والفكرية الجادة والحميمية، فالأسرار للتنظيم فقط، لاسيّما ما هو ضروري، أما في الفكر والسياسة فكل شيء ينبغي أن يكون علانية وواضحاً ومفهوماً، بل وينبغي أن يكون منطقياً ومقنعاً وليس ثمة أسرار في ذلك .

كان بعض متشدّدي الأحزاب المعارِضة الموجودة في دمشق يعتبرون تلك الجلسات خطراً عليهم ويحذّرون "أتباعهم" من الاقتراب منها، خصوصاً إذا ما تعرّضت لبيروقراطيتهم وكشفت بعض المخبوء أو المستور الذي لم يُسلّط عليه الضوء الكافي، ولاسيّما إذا كان جوهرياً وخارج دائرة الاصطفافات المُسبقة، ووصلت أخبار هذا المنتدى الثقافي - الفكري إلى أوساط غير قليلة، حتى ممن تم تحذيره فيزداد فضوله، فيغامر ويخادع ليجد فرصة لدعوته أو يلصق نفسه بأحد المدعويين في خميس أحد الأسابيع، فعلى الأقل يحظى بسهرة أو أمسية واحدة ليكتشف ذلك السر الدفين في محبّة أصدقاء كثر لطارق الدليمي، حتى وإن اختلفوا أو تخاصموا معه، لكن الرغبة في التواصل تبقى قائمة لديهم وتلمّست ذلك مع العديد منهم.

وعلى المستوى الشخصي لم يحصل أن حدث بيننا خصام طيلة نحو ستة عقود من الزمان عرفته فيها، حتى حين كانت تتأزم المواقف سياسياً وتتباعد التوجّهات، فأتجنب زيارته لأسبوعين أو أكثر، لكنه كان يتصل ويتواصل لنتناسى ما يحصل أحياناً من حدّة الخلاف، وفي أكثر الأحيان كنت أنا المبادر فيفتح طارق الدليمي صدره وقلبه وعقله وضميره وبيته ليستقبلني بالأحضان.

III

حين تعرّفنا على بعضنا كان الاختلاف هو الجامع، وتلك فرادة في الصداقة بحد ذاتها، وكان اللقاء على منصّة الجدل ساخناً والسجال شديداً، حيث كان طارق الدليمي قد بدأ حياته في حزب البعث أواخر الخمسينات، وهو من الشخصيات العروبية الشديدة الاعتزاز بآرومته، إضافة إلى ثقافته الموسوعية وعقله الناقد، وأستطيع القول إنه مثقف رؤيوي بامتياز وصاحب مواقف متميّزة حتى وإن كانت خاطئة، وكان شجاعاً وغير هيّاب، جريئاً لا يخشى في الحق لومة لائم.

وبقدر ما كان مؤمناً بالأمة العربية ورسالتها الحضارية وبالهويّة الثقافية للقومية العربية في كل تحولاته وتقلّباته الفكرية، فقد كان في الوقت نفسه شديد الإيمان بالبعد الاجتماعي لقضية التغيير، لاسيّما وإن قضية الحرّية والعدالة جوهرا النهضة هما مسألتان كونيتان وأمميّتان، ولذلك ظلّ مع كوكبة لامعة من البعثيين يبحثون عن طريق آخر، ربما طريق ثالث، فالتغيير بالنسبة لهم وعلى حد تعبير المفكر ياسين الحافظ: "حفرٌ في العمق وليس نقراً في السطح"، لكن ذلك لم يشفِ غليله، فقد كان قلقه المعرفي وثقافته المتنوّعة وقراءاته الفلسفية مائزة ورائزة على أقرانه، بما فيها لغته الإنكليزية التي كان يقرأ بها، وكان يعتقد إن الجانب الاجتماعي لا بدّ أن يُضاف ويُستكمل ويتعمّق إلى الفكر العروبي.

وهكذا تململت تلك الثلّة المتميّزة من الشباب البعثي، فاختارت الطريق الوسط بين الحركة الشيوعية والحركة القومية بتأسيس "حركة الكادحين العرب" ومن أبرز رموزها عبد الاله البياتي وحبيب الدوري ومحمد الزيدي وطارق الدليمي ومحمد حسين رؤوف ووثاب السعدي ودرع ظاهر السعد ومزهر المرسومي وصادق الكبيسي وسعيد جواد الرهيمي وقيس السامرائي وهناء الشيباني (التي استشهدت بعد التحاقها في المقاومة الفلسطينية / أواخر العام 1969)، ثم اتخذ هؤلاء خطوة أخرى بالاتجاه نحو اليسار فأطلقوا على حركتهم اسم "المنظمة العمالية" التي دخلت انتخابات الطلبة ضمن قائمة اتحاد الطلبة في ربيع العام 1967 وفاز بعضهم ضمن تشكيلات الاتحاد، وقد انضموا إلى "حزب القيادة المركزية" بعد انشقاقه عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في 17 أيلول (سبتمبر) 1967، خصوصاً وإن الاتجاه "اليساري" الذي اختطته القيادة المركزية، إضافة إلى التوجّه الجيفاري الذي عبّرت عنه باختيارها الكفاح المسلح، داعب مخيلتهم حتى قبل تأسيسها، الأمر الذي وجدوا مكانهم الطبيعي فيها مع بعض الاختلافات بشأن العروبة وجوهرها التقدمي، والتمييز بينها وبين الاتجاهات القومية المتعصّبة .

وكان طارق الدليمي قد سبقهم إلى ذلك، حين كان بصلة خاصة داخل التنظيم الحزبي منذ العام 1964، ومع حسين جواد الكمر تحديداً، على الرغم من اعتراضاته على خط آب (أغسطس) العام 1964، الذي عُرف بالخط اليميني- الذيلي- التصفوي، كما اصطلح عليه ورفضته غالبية القواعد الحزبية، ويوم حدث الانشقاق كان طارق الدليمي في المواقع الأولى الذي دعمته، وكان قد أحيط علماً بتوجّهات لجنة منطقة بغداد التي كان على صلة بها وبالعديد من أعضائها، وقد عمل مع القيادة المركزية بخط خاص، وكانت له آراؤه الخاصة، ويومها كان طارق الدليمي طالباً في الصف الخامس في الكلية الطبية، وقبل أن ينتقل إلى الصف السادس، تم اعتقاله وبعد خروجه من المعتقل التحق بحركة الكفاح المسلح، ثم بدأت رحلته في الغربة التي منعته من إكمال السنة المتبقية له، سواء في دمشق أم عدن أم القاهرة، وشخصياً كنت وما أزال أعتبره أمهر طبيب، على الرغم من أنه لم يحصل على الشهادة النهائية، وكنتُ أثق بتشخيصاته وألتزم بنصائحه الطبية. وعلى الرغم من مضي أكثر من 5 عقود على تركه مقعد الدراسة، لكنه ما يزال يقرأ وبنهم الكثير من المصادر والمجلات الطبية، مثلما يقرأ القضايا الفكرية والأعمال الأدبية بطريقة منهجية تثير الإعجاب.

IV

حين كان طارق الدليمي بعثياً كنت شيوعياً، ويوم التحق بالقيادة المركزية، كنت على ملاك اللجنة المركزية، وكانت السجالات مستمرة بيننا بصورة مباشرة وغير مباشرة، إضافة إلى كوكبة من الوجوه والشخصيات الطلابية والثقافية والمنشغلة بقضايا الأدب في مقاهي بغداد وحاناتها وكلّياتها وأروقتها الجامعية، ونتنقل أحيانا وفي اليوم الواحد لعدّة مقاهٍ: من البلدية إلى عارف آغا، ثم إلى البرلمان والشابندر والبرازيلية والمربعة، وفي المساء نمرّ على مقهى ليالي السمر ومقهى المعقّدين، ثم نفترق لنتوزّع على الحانات التي نختارها: آسيا، بلقيس، كاردينيا، الجندي المجهول، الشاطئ الجميل، رومانس، فندق سميراميس، وأحياناً سرجون وحسب شلّة الأصدقاء، وكان ذلك يحدث مرّة على الأقل كل عشرة أيام أو أسبوعين، ولكن النقاش يستمر هو ذاته،وأتذكّر في إحدى المرّات والقصة بطلها سلام مسافر، احتدم النقاش حول أحقية القيادة المركزية أم اللجنة المركزية وأيهما أفضل عزيز الحاج أم عزيز محمد؟

ولا أدري كيف انتبه سلام مسافر إلى أن المتحاورين حملوا اسم عزيز، وهم كل من: عزيز حسون عذاب وعزيز السماوي وعزيز خيّون وعزيز السيد جاسم، فما كان منه إلّا أن يقول: قفوا عن أي عزيز تتحدّثون : فكل عزيز (كذا)، وضحكنا جميعاً وكأن قالباً من الثلج وزّع على المتحاورين أو المتلقّين في يوم قائظ وشديد الحرارة، وهي النكتة التي بقينا نردّدها ونقولها تورية أحياناً " كل عزيز - كذا" واستعدتها مؤخراً مع سلام مسافر خلال زيارتي لموسكو، وكانت دعابة مثل تلك كافية لتحسم النقاش ودّياً، بدلاً من الاختصام .

V

في الذكرى الأولى لعدوان 5 حزيران (يونيو) 1967 قرّرت الأحزاب والقوى السياسية والنقابات الخروج بتظاهرات بالمناسبة، ولم يتم الاتفاق بيننا وبين القيادة المركزية، فذهبت أنا إلى تظاهرة اللجنة المركزية بالاتفاق مع البعث اليساري (الجناح السوري) وذهب طارق الدليمي إلى تظاهرة القيادة المركزية، وقد انطلقت بعد تظاهرتنا بساعة أو أكثر، وسارت متساوقة مع تظاهرة للحركة الاشتراكية العربية واتحاد نقابات العمال (هاشم علي محسن)، وحين انتهت تظاهرتنا في الباب الشرقي (ساحة التحرير) وكانت قد انطلقت من ساحة الأمين بدأت تظاهرة القيادة المركزية من ساحة الميدان، وعدت لأشاهد تظاهرة القيادة المركزية وشعاراتها لكي أرى حجم المتظاهرين وهتافاتهم التي كانت تردّد: "باسم القيادة ننادي يسقط الحكم العسكري" و"يا فاشي شيل إيدك كل الشعب ميرديك".

وكنت قد ركبت الباص المتوجّه من الباب الشرقي عبر شارع الرشيد لأصل بالقرب من الشورجة، حيث كانت التظاهرة قد تجاوزت سوق الصفافير، وحين نزلت من الباص وجدت طارق الدليمي يسير بالقرب من نرجس الصفار في التظاهرة وسلّمت عليهما وكان معي ثلاثة أصدقاء قدموا من النجف والتقيت بهم بالصدفة في الباص، وجاءوا في زيارة خاصة إلى بغداد، وحين عرفوا وجهتي انضموا إليّ، خصوصاً وكان اثنان منهما يعتبران على ملاك الحركة الشيوعية وهما السيد علي الخرسان والسيد باسم كمونة، وهما ينتسبان إلى عائلتين دينيتين مثل عائلتي، والعوائل الثلاثة لها حق الخدمة في حضرة الإمام علي منذ قرون بفرامين سلطانية من الدولة العثمانية.

وحين دوهمت تظاهرة القيادة المركزية وتفرّقنا ذات اليمين وذات الشمال، ولحظتها كنتُ أسير برفقة طارق الدليمي، لكننا قطعنا حديثنا إثر ظهور بوادر هجوم على التظاهرة، فقفز الدليمي إلى جهة اليمين وقفزت أنا نحو الشمال، وحسبما ما يبدو كان مرصوداً وربّما هناك من شاهده يودع مسدسه عند نرجس الصفار، فتجمّع حوله نحو خمسة رجال أمن وحاولوا سحبه إلى السيارة المتوقفة قرب مقهى البرازيلية، لكنه حاول مقاومتهم رافضاً ذلك، فانهالوا عليه ضرباً وأدموه، حتى سقط أرضاً فحملوه بقوة وهو يرفس مقاوماً الصعود إلى السيارة.

وقد أطلقتُ العنان لساقيّ كي تسابق الريح بالاتجاه الآخر، بعد أن خاطبني الصديق عبدالرزاق سلمان (السعدي) بقوله: اركض لكي لا يلقى القبض علينا، وبدوري نبّهت الخرسان وكمونة، بذات العبارة التي كلّمني بها السعدي، ودخلنا في الأزقة المتفرّعة حتى وصلت إلى شارع الجمهورية، وانتقلت إلى الرصيف الآخر، وبقيت أراقب خروج الصديقين الخرسان وكمونة، ولكنهما لم يخرجا وقلت مع نفسي لعلّهما استمرّا في نقاشهما أو تعبا من الركض ففضّلا المسير ببطء، وسيتصلان بي في مساء اليوم ذاته أو في اليوم التالي، لكنهما لم يتّصلا وقلت مع نفسي ربما لم يسمح لهما الوقت للاتصال فعادا إلى النجف .

وحين زرت النجف بعد أكثر من شهرين لانجاز معاملة نقل النفوس التي ظلّت معلّقة، علمت من الصديق الثالث (محسن الشرع) أنهم دوهموا من شخص يحمل رشاشة وضعها في صدورهم، وكان اثنان آخران يحملان مسدساً حيث تم تفتيشهم، وقد أخلي سبيله بعد أن أعطاهم هويته وكان حينها معلّماً، أما هما فقد اقتيدا إلى جهة مجهولة، وفي المساء جيء بهما إلى فندق قصر النيل حيث كانا قد استأجراً غرفتين وتم تفتيش حقائبهما، ثم نقلا إلى سجن الفضيلية، وهناك إلتقيا بطارق الدليمي وتعرّفا عليه وعرفا منه أنه صديقي وعرّفاه بنفسيهما باعتبارهما من أصدقائي، ومن المفارقة أنهما حين اعتقلا احتسب أحدهما على ملاك القيادة المركزية والآخر على ملاك اللجنة المركزية، حتى أنهما افترقا في المعتقل، وتلك واحدة من أجواء الصراعات غير العقلانية التي عشناها.

وحين عرفت بمعلومة اعتقالهما وبأن النجف عرفت القصة التي شاعت فيها وكيف التقيتهما في الباص واصطحبتهما معي إلى التظّاهرة، قرّرت العودة أدراجي وتركت المعاملة التي ظلّت معلّقة حتى عودتي من الدراسة في نهاية العام 1977 والتي لم تنجز إلّا في مطلع العام 1978، حيث كان والدي قد أضاع أولوياتها، ولم يطلق سراح طارق الدليمي بعد 17 تموز (يوليو) 1968 مباشرة حتى حين تم إطلاق سراح المعتقلين والسجناء، وقد تأخّر بضعة أسابيع قياساً لأقرانه، وحين صدر الأمر بإطلاق سراحه وجاء شقيقه خالد لكفالته، وتم ترتيب الإجراءات القانونية، نقل إلى مديرية الأمن العام، وبعد أن تكفّله شقيقه، أسرعا الخطى لمغادرة المبنى وفي الممر العريض فوجئا بأحد مسؤولي الأمن ينادي من خلفهما بصوت عال: طارق.. طارق، وحاول أن يتجاهله بحجة أنه لم يسمع صوته، لكن هذا الأخير صرخ بأعلى صوته : أبو زياد.. أبو زياد، فاضطرّ الدليمي التوقّف ملتفتاً إلى الخلف، حتى فاجأه ضابط الأمن بالقول: لدينا 6 طوابق تحت الأرض أتعلم ذلك؟ فلا تعد إلينا وإلّا سيكون مصيرك أسوداً، وردّد على مسامعه: أقولها لك محذّراً أتفهم ذلك "ستة طوابق" وهو ما كنّا نتندّر به وغالباً ما كان يغمز طارق بعينيه وبإشارة من يده " ستة طوابق" .

حاول طارق الدليمي العودة إلى الكلية، وكنتُ قد تخرجت حينها، لكن أسر "الجملة الثورية" من جهة والخشية من الاعتقال مجدّداً من جهة أخرى، لاسيّما وأنه كان معروفاً وناشطاً، هما وراء تغيير مسار حياته، علماً بأن القيادة المركزية استمرت في رفع شعار إسقاط السلطة مندّدة بالانقلاب المشبوه، وهو ما دفعه للتفتيش على مكان آمن لممارسة عمله فاختار منطقة الأهوار، وحاول التوجه إلى الريف تحضيراً لبدء عملية كفاح مسلح من تلك البؤر الثورية، وبقي هناك لبضعة أسابيع حتى وصلته التعليمات بضرورة السفر إلى الخارج، فتوجّه إلى دمشق، التي ظلّت قاعدته الأساسية مهما تغيّرت الاختيارات من القاهرة إلى عدن ثم إلى صوفيا، لكن الشام هي التي حظيت بعشق طارق الدليمي فاختارها إقامة "عشاً" له، مثلما اختار "قدس" اسماً لابنته.

وأتذكّر أن الدكتورة سعاد شعبان التي كانت زميلة له وإن التحقت بالكلية الطبية في بغداد بعده، سألتني عنه حين التقيتها وزوجها الدكتور محمد موسى خلال زيارتي إلى بريطانيا في أواسط السبعينات، حيث كانت تدرس في ليدز، وكذلك الدكتور ناهض شعبان الذي استفسر عنه وكان يعرفه أيضاً ويتابع نشاطه وإن سبقه في التخرّج.

في العام 1973 زرت دمشق للقاء العائلة (الوالد والوالدة وأختي سميرة وأخي حيدر)، وكنت حينها قد بدأت دراسة الدكتوراه في براغ، والتقيت به وكان قد تغيّر وقد أخذت منه الغربة الكثير، فبدا أكبر سناً وأكثر معاناة وأشدّ مزاجاً، وبدأ الشيب يتسلّل إلى مفرقيه، وفي دمشق نسج علاقات واسعة مع ابراهيم علاوي ومظفر النواب والحركة الكردية والبعث السوري والحركة الاشتراكية في إطار ما سمّي بالتجمّع الوطني العراقي الذي تأسس لاحقاً، لكنه ظلّ ناقداً ومبادراً وغير متلقٍ، لأن عقله مؤسس على النقد : نقد الفكر ونقد السياسات ونقد السائد واليومي من الظواهر والممارسات. كما توسّعت علاقاته مع المقاومة الفلسطينية، وخصوصاً "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين" بحكم صلاته مع قيس السامرائي صديقه الحميم والذي ظلّ على علاقة وطيدة به واستمرّت حتى الآن.

VI

وبعد هجرة الكثير من اليساريين العراقيين في أواخر العام 1978 وبداية العام 1979 أسّس طارق الدليمي مع مجموعة من الشيوعيين السابقين تنظيماً باسم " حركة الطليعة الديمقراطية"، وأصدروا جريدة شهرية كانت مقروءة في حينها واحتوت على أخبار مهمة، وكان من بين الذين تعاونوا معه سليم مطر وأبو علي درعا وإياد السعيدي، وآخرين التقاهم في دمشق منهم وهاب شعبان الذي نطلق عليه " الشيخ" وصادق الحسني البغدادي الذي كنّا نسميه " الحجّة" والإثنان كانا شيوعيين سابقين وظلّا متعاطفين مع الحركة الشيوعية وناقدين لسياساتها، وعرفت منهما أنهما كانا يزوّدان جريدة "الطليعة " التي يصدرها بأخبار ومعلومات عن الأوضاع في العراق، وزارا دمشق أكثر من مرّة، حيث التقيت بهما حين وصلت دمشق في العام 1980، قادماً من بغداد، كما كان الرافد الفلسطيني مصدراً آخر لبعض الأخبار الطازجة، وسافر أكثر من سفرة إلى ليبيا في زيراة "معلنة" وغير معلنة في إطار العلاقات مع المعارضة العراقية، لكنه بعد حين لم يواصل العمل في هذا الإطار الذي بدى عبئاً عليه فقرّر تركه.

وحين بدأت الحرب العراقية - الإيرانية تفاوتت المواقف بيننا أيضاً باختلاف مراحل الحرب ومواقع القوات العسكرية وأهدافها، وإذا كانت الحرب عدوانية وهجومية من النظام العراقي 1980-1982، فإنها بعد معركة المحمّرة " خرمشهر " وانسحاب الجيش العراقي إلى الأراضي العراقية، واختراق القوات الإيرانية للأراضي العراقية والتبشير بالمشروع الحربي والسياسي الإيراني الذي يقوم على تصدير الثورة، أصبحت عدوانية توسعية من جانب إيران ووطنية دفاعية من جانب العراق (1982-1988) حتى تم وقفها بعد عام على صدور قرار مجلس الأمن 598 في العام 1987، علماً بأنها في جميع المراحل لم تخدم سوى الإمبريالية والصهيونية، حيث تم تدمير طاقات البلدين الجارين وتحطيم قدراتهما الدفاعية وهدر أموالهما، فضلاً عن خسارة نحو مليون إنسان في حرب عبثية لم يكن لها مبرّر على الإطلاق، وكان يمكن حلّ الخلافات بصورة سلمية وبالمفاوضات وطبقاً للقانون الدولي وليس عبر الحرب والنزاع المسلح.

وإذا كانت اتفاقية 6 آذار (مارس)1975 المعروفة باسم " اتفاقية الجزائر" مجحفة ومذلّة بشأن العراق، وهي التي وقعها صدام حسين نائب الرئيس العراقي حينها مع شاه إيران محمد رضا بهلوي لكن الحرب ليست الوسيلة المناسبة لاستعادة الحقوق التي تنازل عنها ذات النظام في شط العرب بموجب ما سمّي بخط الثالويك، وهو خط وهمي يقع في أعمق نقطة في وسط مجرى النهر وحتى البحر، ناهيك عن التنازل عن أراضي عراقية في اليابسة.

وفي الوقت الذي كنّا ندين غزو القوات العراقية لإيران، إلّا أن تورّط صدام حسين في مثل تلك الحرب قاد إلى الاعتقاد أن بالإمكان الإطاحة به، الأمر الذي كانت تراهن عليه قوى كثيرة، بل أن بعضها اعتبره " آيلاً إلى السقوط" وما على المشروع البديل إلّا أن يحضّر نفسه في محاولة لتضخيم الذات واستصغار شأن الخصم، وحاول طارق الدليمي في المرحلة الأخيرة من الحرب التنسيق مع اللواء حسن النقيب ومصطفى جمال الدين وشخصيات أخرى، لم تكن بعيدة عن التوجّه السوري، حيث تمت دعوتنا ماجد عبد الرضا وكاتب السطور للتوقيع على بيان مشترك، لكننا لم نتّفق على الصيغة والتوجّه وبعض الأسماء، وهو الأمر الذي اختلفنا حوله بشأن غزو القوات العراقية للكويت، وربما كانت مواقفنا متطابقة إلى حدود كبيرة خلال فترة الحصار الدولي الجائر المفروض على العراق.

 

VII

وحين انتقلت إلى لندن زارني طارق الدليمي وحلّ ضيفاً عليّ بعد أن وجّهت له دعوة خاصة، وناقشنا مواقف المعارضة العراقية، وكان موقفه متحفظاً على عدد من الشخصيات التي بدأت تظهر على السطح وبعضها في إطار " لجنة العمل المشترك" في لندن، بل إنه وضع علامات استفهام على بعضها تلك التي انخرطت بالمعارضة بعد غزو الكويت أو عشية ذلك، بما فيها بيان الشخصيات العراقية الـ28 الذي صدر العام 1989 ووقّعه من طرف الحزب الشيوعي عزيز محمد ورحيم عجينة وعبدالرزاق الصافي، وشخصيات أخرى مثل هاني الفكيكي وأحمد الجلبي ومحمد بحر العلوم وليث كبّة وجلال الطالباني وعدنان المفتي ومحمود عثمان ورشاد الشيخ راضي وآخرين.

وأتذكّر أن طارق الدليمي حاصرني بالأسئلة وأمطرني بالتساؤلات حول البيان الذي صدر لنا في العام 1981 مع "جهة عراقية" لم ترغب بالإعلان عن نفسها، وكنت حينها مسؤولاً عن علاقات الحزب العامة خلال وجودي في دمشق، لكنني حلفت له بأغلظ الأيمان بأنني لم أكن حينها أعرف تلك الجهة، وبالمناسبة فقد امتنعت من إيصال البيان إلى القوى السياسية العراقية والعربية والأجنبية، ولأنني لم أحصل على إجابة كافية عن "الجهة المجهولة" التي لا تريد أن تفصح عن نفسها وعن هويّتها، ففي ذلك إحراج لم أرتضه لنفسي، فضلاً عن ذلك عدم تقدير لمسؤوليتي، وعدم احترام للحزب الذي كنت أمثّله.

وحاول الدليمي أن يقلّب الأمور معي كثيراً، لكنه تأكّد من عدم معرفتي للجهة الموقّعة على البيان، وأنني لا أخفي اسمها، علماً بأن حدسنا الأوّلي كان ثمة مجموعة من داخل النظام كانت تحاول مدّ الجسور مع الحزب، ولهذا السبب لم ترغب أن تعلن عن نفسها وتلك واحدة من الإحراجات غير القليلة التي فتحت علينا التباسات وتقوّلات كنّا في غنى عنها، الأمر الذي زاد في موقفنا ارتباكاً، خصوصاً بعد تجميد عضوية الحزب في "جوقد" (الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية) التي مثلنا الحزب فيها عبد الرزاق الصافي وكاتب السطور وحضرنا اجتماعين بعد انعقادها كانت عاصفة، حيث تم تجميدنا وتلك قصة أخرى. واتّضح لي بعد حين أن تلك الجهة التي حاولت لبس "طاقية الإخفاء" تعمل مع أجهزة دولية جاء دورها بعد غزو القوات العراقية للكويت العام 1990.

وقد سألني بخصوص تشكيل " الجبهة الوطنية الديمقراطية" (جود) التي تأسست في كردستان بعد أسبوعين من تشكيل جوقد، بسبب استبعاد الحزب الديمقراطي الكردستاني من جوقد لموقف ضاغط من الاتحاد الوطني الكردستاني وجلال الطالباني تحديداً، علماً بأن الجبهتين لا تختلفان عن بعضهما كثيراً، باستثناء الحساسيات السياسية والارتياحات الشخصية وبعض المواقف المسبقة، وكان رأينا الذي أبلغناه في لقائنا مع عبدالله الأحمر (الأمين العام المساعد لحزب البعث)، زكي خيري وعبد الحسين شعبان، قد اشتمل على ثلاث مقترحات يكون الأخذ بأي منها تسوية للخلاف ونزعاً للفتيل ودرءًا للأزمة التي عصفت بالمعارضة في حينها: الأول- توحيد الجبهتين وإنهاء المشكلة، الثاني- ضم الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) إلى جوقد وحلّ جود لأن الحزبين الأساسيين المتبقين هما الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي الكردستاني أعضاء في جوقد أساساً وكانت وجهات نظرهما منذ البداية ضم " البارتي" وإضافة حزب الباسوك إلى جوقد لتكوين أوسع إطار للمعارضة، والثالث – تشكيل لجنة تنسيق بين الجبهتين، والهدف هو إنهاء الخلاف المحتدم في صفوف المعارضة، وتطبيع العلاقات بين أطرافها، خصوصاً الخصومة التاريخية بين " حدك" و"أوك".

وكان رأي طارق الدليمي ما دام هناك " صقور" في الفريقين فلن يتحقق ذلك، وهو ما حصل فعلاً حيث انفجر الخلاف وتحوّل إلى صراع حاد وجرت مناقلات من جانب بعض الأطراف وساد جو من الكراهية والبغضاء والإساءات، لم يكن له مبرّر على الإطلاق.

VIII

لم يكن مفاجئاً لطارق الدليمي حين اتخذت قراراً مع ثلّة من الرفاق بالعمل على تأسيس منبر شيوعي من داخل الحزب لفتح حوار ونقاش حول سياسة الحزب بشكل عام والحرب العراقية- الإيرانية بشكل خاص، وذلك بالتعاون مع عدد من الرفاق والأصدقاء وبعض الوجوه الثقافية التي كانت تدعم توجهنا، ووقّع عدد كبير منها ( 75 مثقفاً بينهم طارق الدليمي) على مذكرة احتجاجية بشأن السياسة الثقافية، وفي مقدمة الشخصيات التي شاركت في تأسيس حركة المنبر: نوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وخالد السلام وماجد عبد الرضا وآخرين. وكانت ثمة اختلافات بعضها نظري يتعلق بالماركسية وطريقة التعاطي معها بهدف تجديدها انطلاقا من الواقع وبما ينسجم مع ظروف العراق وأوضاع العالم العربي، وبعضها عملي يتعلق بشكل خاص بالموقف من الحرب العراقية- الإيرانية حيث اعتبرنا موقف " إدارة الحزب" ممالئاً للحركة الكردية ولإيران. وكذلك في الموقف من التحالفات التي رأينا فيها خفّة وتسرعاً، إضافة إلى اعتراضاتنا على عملية " عسكرة الحزب" و"الحرب بالطليعة" تحت عنوان "الكفاح المسلح"، ناهيك عن تحفظاتنا إزاء عمل الداخل والخسائر التي منينا بها، والاندساسات التي أصبحت شائعة، فضلاً عن الصراعات الداخلية والتغوّل على الرفاق بأساليب "غير رفاقية" وهو ما كان طارق الدليمي لديه معلومات واسعة عنه. وحين أصدرنا صحيفة "المنبر" وكنت مشرفاً على تحريرها وطبعها كان الدليمي متعاطفاً معنا على الرغم من بعض تحفظاته إزاء بعض مواقفنا، لكنه كان يقدّر إعلاننا عن توجهاتنا .

وكان طارق الدليمي يعرف الكثير من آرائي ووجهات نظري بخصوص العديد من القضايا الفكرية والسياسية، وكان موقفي من الحرب العراقية- الإيرانية أخذ يزداد تباعداً عن القيادة الرسمية على الرغم من أنني ممثلها في الشام، وكان ذلك واضحاً منذ إصدار كتابي "النزاع العراقي- الإيراني : ملاحظات وآراء في ضوء القانون الدولي" والذي كتب مقدمته الرفيق باقر ابراهيم (1981) الذي تعرّف عليه الدليمي في وقت لاحق (أواخر الثمانينات).

وكم كان منفعلاً حين عرف بقصة ثابت حبيب العاني " أبو حسان" الذي كان ينزّهه عن مثل تلك الاتهامات الرخيصة ويردّها إلى الأجواء غير الصحية والتسلطيّة التي كانت تبحث عن كبش فداء لسياسة التحالف السابقة والخاطئة، وكان يقول ذلك أمام زائريه من الشيوعيين وأحياناً يستأذن منّي كي لا أنزعج أو يتعامل معي من باب " الميانة"، لأنني لم أكن أحبّذ أو أرتضي مثل تلك المداخلات أو التراشقات، لكنه بلا شك كان ينطلق من حرص واجتهاد، مثلما كانت لديه معلومات مثيرة ونادرة ودقيقة في الكثير من الأحيان، وكانت مواقفه حادة، خصوصاً فيما يتعلّق بكرامته الشخصية و"شرفه الثوري"، ففي إحدى المرات، وفي أوائل التسعينات وأمام عدد من الموجودين في مقهى فندق الشام استشاط غضباً من "أحدهم" فقال له لقد نقلتم رحيلكم من الـ KGB إلى CIA والآن تحاولون النيل من مواقفي، وقد حدث ذلك بعد تصريحات بشأن تبرير العلاقة مع القوى الخارجية تحت عنوان "العامل الدولي". وكم أبدى ارتياحه حين نشرنا في "المنبر" مقالة كتبها مهدي الحافظ دفاعاً عن "أبو حسّان" وكشفنا فيها تلك التهم الكيدية التي استخدمت في الصراع الحزبي الداخلي، وكنتُ قد رويت ذلك في مكان آخر لأكثر من مرّة.

وحين علم أنني قبلت حضور مؤتمر فيينا 1992 للمعارضة العراقية دخلنا في نقاش طويل، بشأن توجهات المعارضة والاختراقات التي تتعرّض لها، وكان رأيه صائباً وقد لمست ذلك بنفسي، فمناهضة الدكتاتورية لا تفترض الارتماء في أحضان الضفة الأخرى، فذلك دليل عجز وقصور نظر، وقد كان هادي العلوي الذي زرناه يردّد " لعلّ صوتاً واحداً شجاعاً أغلبية"، وهو ما ذكره مرّة أخرى خلال زيارتي الثانية له مع الصديق رياض النعماني.

وحينها كنّا قد توقفنا عن إصدار المنبر واعتبرنا تحركنا استنفذ أغراضه وكان العلوي قد سألني: هل يعني هذا العودة إلى " الجماعة" أو باتفاق معهم؟ وهل ثمة ترتيب ما؟ فقلت له : لقد استنفذ الصراع أغراضه وثمة ظرف جديد علينا التحرّك لتجميع القوى بمختلف اتجاهاتها، فبلادنا أمام خطر داهم، وبالنسبة لي فإنني كنت منذ زمن أفكّر في اتخاذ موقف مستقل خارج إطار الكليشيهات والقيود التي ليس لي القدرة على تحمّلها، فقد ضقت ذرعاً بسياسات لم أنسجم معها وبممارسات كنت أرفضها، ولهذا سأبقى خارج إطار أي تنظيم وخارج أي إطار، وقد وجهنا رفاقنا لاختيار كل منهم الموقف الذي يريده، بما فيه العودة إلى الحزب، فالطريق مفتوح أمامهم وعليهم أن يختاروا ما يريدونه ويرتضونه، وذلك في رسالة كتبتها لهم بالاتفاق مع نوري عبد الرزاق في 27 كانون الأول (ديسمبر) 1990 وبعد الاتصال بمهدي الحافظ، وكان آخر عدد للمنبر قد صدر في وقتها ( قبل شهرين من ذلك، واحتوى نتائج الاجتماع الموسع لحركة المنبر الذي عقدناه بعد غزو الكويت).

وللعلم لم يكن العلوي ميّالاً لموقفنا وتوجهاتنا وكان أقرب إلى إدارة الحزب، بل اجتهد في نقدنا، لكنه كان يحترم أشخاصنا وخياراتنا، منذ إعلان تحركنا في البيان الذي أصدرناه حول الحرب العراقية- الإيرانية في العام 1986 ووقعه ستة رفاق هم: نوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وأحمد كريم وخالد السلام وماجد عبد الرضا وعبد الحسين شعبان، وقبله التقييم الذي أصدرناه في العام 1984 "من وحي اليوبيل الذهبي للحزب الشيوعي - حديث صريح في الهموم والآمال لمجموعة من قادة وكوادر الحزب" وظلّت العلاقة مع العلوي قائمة بزيارات متكررة من جانبنا ماجد عبد الرضا ومحمد جواد فارس وكاتب السطور .

ومن القضايا التي أذكرها لأول مرّة أن عمود "نقطة ضوء" في صحيفة المنبر كان في الغالب حوارات بيني وبين طارق الدليمي، أذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض العناوين منها: الثورة الاجتماعية والجغرافية السياسية (العدد 4) و" التحالفات وضياع الرؤيا" (العدد5) و"الرهانات الخاسرة والموقف المسؤول" (العدد 6) و"المشروع والصراع" (العدد 9).

IX

من الشخصيات التي أحبتها والدتي نجاة شعبان هو طارق الدليمي وذلك خلال الأشهر التي أقامت فيها مع أختي سميرة وعائلتها في دمشق انتظاراً لكي أُكمل أمر إقامتها معي في لندن بعد أن تركت العراق بليل بهيم، حيث تعرضت للاعتقال والاستجواب عدة مرّات، وعلى مدى عقدين من الزمان، وكان طارق الدليمي يزورها باستمرار ويهتم بها، وكانت بكل اتصال معي تشيد به ومن تعليقاتها الطريفة: إنه صاحب معشر حلو وابن خير ويعرف كل شيء عنّا وكأنه عاش معنا طوال حياته، وبالطبع كانت علاقته بالعائلة قوية جداً بأختي سلمى وأخي حيدر وكل ما يتعلق بالأقارب والأصدقاء القريبين، فإنه يعتبرهم عائلته أيضاً، مثلما هي علاقتي بوالدته وخصوصاً خلال زيارتها إلى دمشق وشقيقه خالد.

لم أر الجواهري الكبير يوماً بمزاج وردي مثلما رأيته عند جلوس طارق الدليمي إلى جانبه، فثمة شيء من الكيمياء حصلت بين الرجلين، خصوصاً والجلسة كانت في منزل شقيقتي سلمى، حيث دعوت الجواهري وعائلته وبحضور شقيقته نبيهة (أم كاظم ولواء وصفاء ورواء الجصاني) وصادق الجواهري وعائلته وجمال الجواهري، إضافة إلى الفنان سامي كمال والشاعر الشعبي جمعة الحلفي وزوجته (أم زينا)، إضافة إلى المثقف الفلسطيني اليساري داوود التلحمي رئيس تحرير مجلة الحرية وطارق الدليمي .

وحين دارت " الأكؤس من صغرى ومن كبرى "، كان الجواهري يضحك من القلب ما أن يهمس طارق الدليمي في إذنه، وكلّما كان الفنان سامي كمال يتحفنا بألحانه ويشنّف أسماعنا بطربه، كانت الابتسامة تكبر على فم الجواهري، وبين وصلة وأخرى كان جمعة الحلفي يسمعنا "المحمّداوي" في حين كانت أم زينا تبهجنا بصوتها العذب والأغاني الشعبية، وشيء ما بالفارسية التي كانت تعرفها. وظلّ الجواهري يسأل عن الدليمي باستمرار، علماً بأن الأخير كان من محبّي الجواهري في الشعر والمتابعين له، وإنه يحتفظ بجميع دواوينه في مكتبته العامرة.

وبالعودة إلى العنوان، أختتم هذه السردية بما كتبه طارق الدليمي إلى لجنة التكريم في الحفل الذي أقيم لي في العام 2003 في القاهرة عن صديق الخلاف المعتّق "... ولكن الذي لم يكن مفاجئاً هو أننا سرعان ما نلتقي في فواصل أخرى، أكثر حميمية وأعمق إنسانياً وأهم حياتياً، وبذلك يصحّ القول أن شعبان الذي يجمع بين برودة العقل وحساباته المنطقية المزعجة، كان يحمل بين جنبيه قلباً دافئاً ينبض بهموم الناس (وأهل) القضية كيفما كانت أو ستكون. ومن هذه الشرفة كانت عزيمته لا تلين وإصراره على الحوار للوصول إلى النتائج الحاسمة ..."

ويضيف الدليمي :" فالسياسي لدى شعبان لم يكُن يتناقض مع القانوني وأكاد أصرّ أن هذه الحالة الجدلية الخاصة كانت تستفزه شخصياً قبل أن تثير حفيظة الآخرين ولم نتحمّل نحن أصدقاؤه هفواته الصغيرة، وذلك ليس بسبب المحبّة الاجتماعية والاحترام الشخصي، ولكن أيضا لمعرفتنا الجادة إن الطاقة الذاتية للمراجعة والمحاكمة الداخلية لا بدّ أن تصاحبها احتواءات إنسانية ذات هدف إنساني... لا يمكن قطعاً الحديث بالتفاصيل عن المحطّات العديدة التي كنّا سوية فيها ونحن ننتظر قاطرات متغيّرة ومغايرة ".

لعلّ خاتمته متناظرة مع خاتمتي في حديثي عن صديقي اللدود المثقف الرؤيوي الذي كان يتحسّس بروحه وقلبه وعقله في آن، فقد كنّا لا نتوقف عند الأشياء الصغيرة والاختلافات العابرة والملاحظات الظرفية، لأننا كنّا مدفوعين بثراء التفاصيل وعمق الصداقة وأفق المعرفة المفتوح، وهناك قول أثير "فالصديق إنسان هو أنت إلّا أنه بالشخص غيرك"

كان طارق الدليمي أنيساً، ظريفاً، خفيف الظلّ، لمّاحاً، صاحب قلم جميل وجملة رشيقة وفكر أنيق، ويحمل من المواصفات الشخصية خصالاً تكاد تكون نادرة، لاسيّما إذا اجتمعت بشخص واحد، فهو شجاع بلا حدود ولكن دون ادعاء، وكريم على نحو تلقائي دون تكلّف، وصاحب رأي في كل الأوقات أخطأ أم أصاب، وكان طيب القلب وإنساني النزعة ومحبٌ للخير ومتفان ومخلص للصديق رغم حدة مزاجه أحياناً، كما كان صاحب مروءة "وعلى شرف قدر الناس تكون المروءة" حسب الإمام علي، فهو لا يقبل بظلم أحد أو إهانته أو استضعافه وقد يكون مستعداً للدخول في معركة دفاعاً عن شخص لا يعرفه، لمجرد أنه يشعر بأن إجحافاً ما أصابه أو غبناً ما لحقه أو تعرّض لإساءة.

طارق الدليمي وهو على مشارف الثمانين، كل متاعه من هذه الدنيا، بضعة كتب وحفنة أصدقاء وضمير حي ومروءة لا تنقطع.

 

عبد الحسين شعبان - كاتب وأديب عربي

 

بليغ حمدي اسماعيلهل فكرت يوماً في أن تكون فاشلاً؟ بالقطع لم ولن تفكر في هذا، ببساطة لأن كل واحد منا قد تعرض لتجربة أو محاولة فاشلة في حياته، سواء الدراسية أو المهنية أو حتى العاطفية، لكننا دائماً اعتدنا إخفاء هزائمنا المتواترة في هزائم الآخرين، وهي سمة متأصلة لدى المصريين.

لكن هل فكرت يوماً أن تصير عبقرياً؟ نعم فلا تظن أن العبقرية وراثة فطرية، بل هي تكوين وصناعة وإعداد، ولأنك ضحية سياسات تعليمية جاهزة تفتقر التخطيط والمنطق والمنهج والرؤية الاستشرافية، فلا أعتقد أنك فكرت يوماً في هذا. كما أنك في ظل ثقافة تربع على عرشها الوزير السابق الفنان فاروق حسني منذ أمد طويل لا أعرف عدد سنواته لكثرتها وكثرة حوادثها ويومياتها، ومن خلفه من وزراء لم يصنعوا شيئاً للثقافة باستثاء مجهود ضئيل يقوم به بعض الذين لم يسعوا للمنصب على استحياء متعمد، لا يمكن أن تلتقط بعض الأسماء الزاهرة المنسية في تاريخ حضارة مصر.

بالإضافة إلى ما تمارسه بعض وسائل الإعلام الفضائي الفراغي من هوس بكل ما يدغدغ المشاعر ويلعب على العواطف الرخيصة، ويثير مشكلات مثل البالوعات، وحجب المواقع الإباحية، وحرق الأعلام والشعارات الدعائية لبعض أعضاء مجلس النواب وهم يقتربون من مصيدة الحساب في نوفمبر الجاري، واستقبال الفرق الرياضية الفائزة بقوة الحظ بالورود. فكل ما سبق يجعلنا مضطرين إلى الجهل بقامات وهامات فكرية وحضارية في مصر المحروسة.

التاريخ يكتبه أحمد قدري:

ومن بين هذه القامات ما أردت الحديث عنه في عجالة وهو الدكتور أحمد قدري أحد الضباط الأحرار فى حركة 23 يوليو 1952وعالم المصريات المشهور فيما بعد ورئيس هيئة الآثار المصرية الأسبق. ولأننا نمتلك بحق ثقافة عميقة تتمتع بتناقض شديد في الاحتفاء بشخصياتها، على سبيل المثال الاحتفاء والاحتفال بالشخصيات الرياضية والفنية، نجد إهمالاً وتجاهلاً مقصوداً تجاه بعض الشخصيات مثل هذا العالم الجليل، الذي أثرى الحياة الثقافية والأثرية بأعماله ومؤلفاته الأكاديمية.

وفي الوقت الذي يتمتع به كثيرون الآن بالنرجسية تميز هذا الرجل بالتواضع الشديد وهو يشرف على مشروعات إنقاذ معابد فيلة و النوبة في المدة من 1970 إلى 1977 في إطار الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة مع اليونسكو. دون التفكير في نقل تمثال رمسيس الثاني من مكانه، أو إقامة فنادق ربحية تحجب علاماتنا التاريخية كقلعة صلاح الدين، وكأنها مؤامرة لطمس هويتنا التاريخية والحضارية، لاسيما أننا منذ وقت طويل لم نشيد صرحاً عملاقاً يكون شاهداً على تاريخية مصر حتى الآن.  والأغرب في سيرة الدكتور أحمد قدري أن منظمة اليونسكو والتي فشل الوزير السابق فاروق حسني في الفوز بمنصب مديرها، لجأت إليه بشأن الإشراف على إدارة التراث العالمي لمشروعي إنقاذ آثار مدينتي صنعاء باليمن الشمالية و فاس بالمملكة المغربية .

وفي نفس الوقت الذي نكتفي فيه بمشاهدة آثارنا الهاربة والمهربة إلى متاحف العالم، أسهم هذا الرجل في تسوير و تبويب و إغلاق شارع الرفاعي  المحصور بين مسجدي الرفاعي و السلطان حسن حيث كان شارعا مسفلتاً تمر منه السيارات و المواصلات العامة فتم جعله للمشاة فقط و تم تسويره بأسوار معدنية حديدية سوداء و تبليطه للمشاة كدرجات بالحجر الجيري الأبيض الضخم .

وما أجمل الدكتور أحمد  قدري حينما يتحدث عن الوطنية عندما قال إن الوطنية مفهوم ثقافي، من هنا لا يمكن أن نتصور وطنية بدون رؤية ثقافية، و بدون فهم و بدون ارتباط فكرى بالمكان و التاريخ، و الوعي التاريخي جزء مهم جداً من الشعور بالوطنية. أما اليوم فالوطنية لا تعني سوى تعليق الأعلام المصرية الصينية الصنع فوق شرفاتنا، وعلى زجاج سيارات شباب الفيس بوك، حتى أن أكثر الأشياء التي أضحكتني عند زيارتي مؤخراً لمدرسة سمعت فيها تلميذا صغيراً ينظر إلى العلم القديم والممزق فوق ساريته وهو يقول لزميله: أنا شفت العلم ده في ماتش محمد صلاح .

الله على الوطنية التي نكرسها في نفوس النشء بمدارسنا، فالعلم قديم وممزق، وكل ما يعرفه غير عن منتخب بلاده أنه فريق أبو  تريكة، مع احترامي الشديد للاعب على سلوكه وأخلاقياته الرفيعة .

ومن أبرز ما ذكره هذا الرجل العالم هو إن التاريخ هو الذاكرة الجماعية للشعوب، و إننا إذا تصورنا إنساناً بلا ذاكرة فلا نستطيع أن نتصور شعباً بلا ذاكرة جماعية، و إن عدم الوعى بالتاريخ يمثل خللاً خطيراً فى القوام الوجداني و الفكري لأى شعب من الشعوب. إن الأوهام التى تترسب فى وجدان شعب غير واع ٍ عن تاريخه و الأخطاء و المفاهيم الخاطئة التى يتصورها، كل هذا يشكل عبءً على ضميره و عبءً على وجدانه و عبءً على فهمه الصحيح للأشياء، فمن خلال الوعى التاريخي يتطور مفهوم هذا الشعب.

ولأننا اعتدنا أن نقدم كبش فداء لكل كوارثنا طبقاً للإرث التاريخي منذ عروس النيل، فكان الدكتور أحمد قدري ضحية سقوط قطعة حجر من كتف تمثال أبي الهول بعد أن أتهم في سقوط هذا الحجر من كتف وقامت الدنيا ولم تقعد إلا علي جثة الدكتور قدري  .ووفقاً لهذا المنطق علينا أن نحاسب نابليون بونابرت وجنوده لأنهم تسببوا في سقوط أنف أبي الهول، وكذلك نحارب عوامل التعرية لأنها أسقطت أجزاء من جسده.

وبقي أن نذكر أن من إنجازات هذا الرجل هو حديقة الخالدين، وحديقة الحوض المرصود، وصدور عدد كبير من السلاسل الثقافية وقت ما كان المصريون يقرأون مثل سلسلة المائة كتاب، وسلسلة الثقافة الأثرية والتاريخية، بالإضافة إلى أعمال الترميم التي أقيمت في عهده مثل قبة المدرسة الجوهرية الملحقة بالجامع الأزهر‏، و مسجد محمد علي وبئر يوسف‏، ومسجد الناصر محمد بن قلاوون بالقلعة، وسور مجري العيون‏،وقلعة قايتباي برشيد، و‏مسجد القاضي يحيي بباب الخلق‏، ومسجد أحمد بن طولون، ومن الآثار القبطية قام بترميم ‏دير ماري جرجس بأرمنت، دير الشهداء بإسنا‏، ودير العذراء بأخميم. ‏‏

وإنه من الخجل أن نعلن صراحة بأن المبدع في ظل هيمنة تسييس الثقافة صار موظفاً، وأن الإبداع الذي كان قديماً حالة انفراد وخصوصية وإشراق صار عملاً روتينياً قد تحركه الأهواء والمزاعم والغايات الشخصية.

ولقد فاجأني صديق بسؤاله عن رأس الفارس النبيل سليمان الحلبي الموجودة بصندوق زجاجي بمتحف اللوفر وهل من الممكن المطالبة باسترجاعها وعودتها إلى مصر، ودون تفكير عميق أو طويل تذكرت ما قاله الدكتور قدري عن الوطنية، واكتشفت حجم التجاهل والإهمال لرموزنا الحضارية وهم بين أيدينا، فكيف نهتم بشئ منذ قرون مضت.

الفارِسُ .. جَمَال حِمْدَان:

وربما لا تغيب عن ذهنيتنا العربية الأصيلة صورة العبقري الجغرافي الدكتور جمال حمدان الفارس الذي تصدى للكيان الصهيوني بكتاباته الفريدة التي قال فيها عن كيان يبدو خبيثا أن السرطان الإسرائيلي سرطان مدني وطائفة خلاسية من طفيليات المدن بلا جذور بيئية . وهو نفسه الذي يرصد ويصف ويجيد في توصيفه للكيان الصهيوني بأن إسرائيل من وجهة وعلى أساس جغرافية المدن ليست في الحقيقة إلا مدينة شيطانية ضخمة تجمعت فيها " حثالة مدن " العالم، وأن المدينة الإسرائيلية ليست إلا استقطابا " لحارة اليهود " في العالم ابتداء من الملة المغربية إلى القاع اليمني، ومن حارة اليهود الألمانية إلى الجيتو الأوروبي.

إنه جمال حمدان الجغرافي الذي فاق خبراء اللغة وأساطينها بأسلوبه وتراكيبه الفريدة، من مثل عباراته الاستثنائية المحفوظة والمسجلة تاريخيا باسمه كـ " مشاتل للتخمر السياسي ومواطن للوعي القومي "، وعبارته " بوتقة للانصهار الحضاري وجبهات للتصادم الجنسي "  باختصار هو أكاديمي يماثل المتصوفة في عزلتهم، حيث لا يشوبه التقصير في مشروعه الوطني المخلص، وباختزال لا يتعريه طول التفسير في توصيف قضايا الجغرافية والسياسية، هو بحق  فارس المكان، وهو وفقا لتقدير معاصريه وربما أيضا منتقديه وأعدائه وخصومه المهمشين الذين نسيهم كتاب التاريخ في الذكرى ـ البوصلة القادرة على التحشيد بغير انتفاضات شعبية نحو عشق الوطن وافتراس تفاصيله الجميلة بجنون، جمال حمدان حينما نتكلم عنه فإننا لا شعورياً نتجه باتجاه الوطن ونلامس أراضيه، وتأبى اللغة أن تتحدث عنه بلغة نثرية علمية جافة بل تجبرنا كتاباته ومسيرة حياته أن نتخلى ولو نسبياً عن جفاف اللغة العلمية ونلجأ إلى اللغة الشاعرية التي بحق تناسب مقامه ومكانته وتوازي عشقنا وعشقه للوطن.

إن ما يميز الجغرافي العربي الدكتور جمال حمدان ليس كتاباته الجغرافية الأكاديمية التي لا تهم سوى جملة قليلة من المتخصصين، لكن تلك الوصايا الاستثنائية المهمة التي تفيد أصالة التكوين العربي وهويته الأصيلة القوية وكيفية الحفاظ على مقوماتها، وتلك الأسلحة الثقافية والحضارية المهمة الكفيلة بالتصدي للكيان الصهيوني وتبدو مشكلة من تصدى لكتابات جمال حمدان أنه قصر النظر والتأويل على الاهتمام بالموقع الجغرافي وحدود البلدان وطبيعة الأنهار والنمو المدني والريفي للسكان بغير إطلالة مباشرة على الدور الريادي لجمال حمدان في تأصيل الكراهية الصهيونية للعرب والعروبة بوجه عام، وبتقدير هذا الكيان الصهيوني الذي يعطيه بعض العرب مكانة لا يستحقها لا سياسيا أو حضاريا.

رَسَائِلُ الجُغْرَافِيِّ:

والمدهش أن قراءتنا بغير تأويل أو عقد نقدية تجرنا لمساحات بعيدة عن الوطن، لكتابات المفكر الجغرافي الدكتور جمال حمدان هي قوة إجبارية تفرض علينا التفكير في واقعنا المصري المتسارع سياسياً والبطئ نحو النهضة والارتقاء، فجمال حمدان من خلال ما سطره من كتابات مثل الموسوعة العبقرية شخصية مصر، والقاهرة، والعالم الإسلامي المعاصر، واستراتيجية الاستعمار والتحرير، والمدينة العربية، وكتابه المتميز عن اليهود كلها تؤكد أولاً نظرته العميقة للمستقبل وكأن ما سطره كان أشبه بصيحات التحذير لما نحن فيه الآن من أزمات ومثالب سياسية واجتماعية.

فمكانة مصر التاريخية والاستراتيجية الراهنة تجدها في هذه الكتابات المتميزة، التحذير من فوضى التعصب والتطرف تلمسها في سطور متناثرة خطها بقلمه حينما تحدث عن وسطية هذا الوطن العظيم، فهو يقرر أن مصر لموقعها الجغرافي المتوسط بين قارات العالم اتخذت لها موضعاً أكثر وسطية، ونجحت بالفعل لسنوات بعيدة أن تحافظ على هذه الخصوصية التي تحتوي متناقضات ومتضادات عجيبة في صورة أعجب وأبلغ، وإذا استقرأنا مهاد مصر لاكتشفنا أنها لم تعرف أبداً طوال تاريخها الضارب في القدم أنصاف الحلول أو المغالاة في التمايز لطرف في أقصى اليمين أو أقصى اليسار، بل كانت وسطاً دائماً في النظرة والتفكير والاختيار، وربما هذه الوسطية هي التي أفرزت لنا قاماتنا الفكرية بتعددها الأيديولوجي كالشيخ محمد عبده وطه حسين والعقاد وسلامة موسى وزكي نجيب محمود وغيرهم مما تحفظهم الذاكرة .

كما يشير عبقري المكان الدكتور جمال حمدان إلى أن هذه الوسطية التي تميزت بها مصر حفظت لها وحدتها السياسية، مع وجود مساحات متفاوتة زمنيا من الجدال السياسي لا كالذي نشاهده ليل نهار إما في برلمان المرجعية الدينية المنحل، أو في برامج الفضائيات المكرورة التي توصف دوماً بأنها فراغية الجوهر،كالفراغ الذي الذي لا حيز له ونحترف في إهداره بمهارة فائقة تشبه إضراباتنا واعتصاماتنا ومليونياتنا الثورية التي تصيب جسد هذا الوطن بسهام نافذة مميتة .

مِنْ وَصَايَا الفَارِسِ:

استطاع الجغرافي الفريد الدكتور جمال حمدان أن يقدم جملة متميزة من الوصايا للحكومات العربية لاسيما تلك الوصايا التي تتعلق بمشكلاتها الداخلية مثل البطالة على سبيل المثال، وجدير بالذكر ما أشار إليه جمال حمدان في كتابه المدينة العربية بشأن البترول العربي حينما رصد حالة البترول التي توجهها السياسة الاحتكارية الأجنبية ويسلبها إمكانياتها الصناعية .ويشير جمال حمدال إلى حقيقة واقعية لاتزال ممتدة وهي أن المدن البترولية هي مدن تعدين وليست مدن صناعة ويضيف أن أن مصير هذه المدن رهن بمستقبل خزان الزيت الذي تقوم فوقه، ولهذا لا يمكن أن ينتظر لها عمر طويل أو مستقر .

مِصْرُ التِّي فِي خَاطِره:

يؤكد جمال حمدان في مجمل أعماله ويقرر أن مصر محكوم عليها بالعروبة والزعامة، وأن من قدرها أن تكون رأس العالم العربي، وقلبه، وضابط إيقاعه، وفي هذا الصدد يقر حقيقة بالغة الأهمية في ظل ظروفنا السياسية الراهنة وهي أن مصر أكثر من عضو ضخم في الجسد العربي، بل هي رأسه المؤثر، وجهازه العصبي المركزي الفعال والنشط والمحرك. ولم ينس العبقري جمال حمدان مرحلة أكتوبر بانتصاراتها المجيدة فنجده يعتبر مصر أكتوبر دليلاً قاطعاً على الشعب المحارب، وتكذيباً دامغاً لنظرية الشعب غير المحارب.

ورغم هذا العشق المستدام الذي يربط الدكتور جمال حمدان بمصر وطناً ومكاناً متميزاً، نجده شديد التأثر مرارة وحزناً بواقع مصر أيامه والتي تتشابه كثيراً مع واقعنا الراهن المحموم والمستعر غضباً واحتجاجاً، فهو يرى ـ في وقته ـ أن مصر بحاجة ماسة إلى إعادة التفكير وإطالة النظر بعمق وتدبر في كيانها وهويتها ومصيرها، وهذا يدفعنا للتأكيد على أن مصر بعمقها وحضارتها وتاريخها وطن يصعب مراسه وتطويعه ولي ذراعه بتيارات وأفكار تسعى إلى إجهاض تنويره واستنارته، فإن هذا يتطلب مزيداً من العمل الدءوب بشأن تثوير الطاقات المنتجة، والعقول الأكثر إنتاجاً، وهذا لا ولن يتحقق إلا من خلال منطلقات ومرتكزات ثابتة نسبياً تشترك في إطلاقها مجموعة من المؤسسات الرسمية والمدنية وبعض الفئات المنوطة بتطوير هذا الوطن ومنتسبيه.

وها هو عبقري المكان جمال حمدان أو كما يصفه الدكتور محمد عبد الرحمن الشرنوبي بعاشق تراب مصر يكتب عن الخصية المصرية وكأنه يقرأ المستقبل ويستشرفه، وهي قراءة ملؤها الشجاعة في وقت نرى الشجاعة فيها مجرد أصوات عالية وصراخ غير منقطع وممارسات سياسية تستهدف تقويض الوطن ذاته، لكنه في قراءته للوطن مكاناً لم يغفل عن قراءة مرتكزات ومقدرات الوطن البشرية من سكان، ذلك حينما أشار إلى أن الشخصية المصرية تستغل فقط تاريخها حينما تواجه عدواً خارجياً لكنه من الأحرى استغلال والإفادة من هذا الإرث التاريخي في النهوض بالبلاد وفي استثارة عزائمنا الفاترة وفي إدراك مكانتنا والوعي بها باستمرارية بغير انقطاع أو تغييب عمدي ومقصود.

وهو يعمد دائماً إلى استنهاض الطاقات ويحذر من خطر الهروب من الحاضر إلى الماضي، ويشبه هذا الهروب بالمخدرات التاريخية التي تجعلنا أكثر عرضة للافتراس الذاتي لأننا نكون قد تخلينا عن مواجهة الحاضر بإحداثياته ومتغيراته المتسارعة.وليتنا نخجل من أنفسنا ونحن نعيد قراءة الطروحات الفكرية الجغرافية للعبقري جمال حمدان لاسيما وهو يصر على جعل مصر سيدة الحلول الوسطى وملكة الحد الأوسط، وهي أمة وسط بكل معنى الكلمة، بكل معنى الوسط الذهبي، وليست أمة نصفاً، ومصر جغرافياً وتاريخياً تطبيق عملي لمعادلة هيجل تجمع بين التقرير والنقيض في تركيب متزن أصيل .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

 

جودت هوشيارفي عام 1912 كانت آنّا أخماتوفا في الثالثة والعشرين من عمرها. إمرأة جميلة، مفعمة بالأنوثة والبراءة، وشاعرة رقيقة ذات موهبة عظيمة، وتحب النزول في وقت متأخر من الليل الى قبو مقهى "الكلب الضّال" في العاصمة بطرسبورغ، وعلى كتفيها شال، وفي جيدها عقد من اللؤلؤ .وكانت قصائدها تعكس عمق شخصيتها، وتنطوي على حقائق نفسية ووجدانية قوية، تثير رغبات حسية دفينة وموجعة، عبر شكل شعري متألق، بوسائل لغوية بسيطة . كانت الأحلام ما تزال ممكنة التحقيق، ولم يدر بخلدها في ذلك الحين، إن المستقبل محمّل بالمصائب .

ولدت آنّا اخماتوفا في 23 يونيو عام 1889 في إحدى ضواحي مدينة أوديسا . وكتبت في سيرتها الذاتية تقول :" ولدت في العام ذاته الذي ولد فيه تشارلي شابلن وصدرت رواية تولستوي (كريتزر سوناتا)، وبني برج إيفل ."

كان والدها أندريه غورينكو مهندساً بحريا متقاعدا، ووالدتها اينّا ستوغوفا سليلة عائلة تترية عريقة، وينتميان الى الطبقة العليا في المجتمع . ولكن العائلة انتقلت الى العاصمة بطرسبورغ بعد سنة واحدة من ولادتها . قضت طفولتها ومراهقتها في بطرسبورغ وكييف، وتعلمت الفرنسية في سن مبكرة، وكتبت أولى قصائدها عام 1904. درست اللاتينية والتأريخ والقانون

وفي عام 1910 تزوجت الشاعر نيقولاي غوميلوف (1886-1921)، وسافرا الى باريس لقضاء شهرالعسل.، وقامت برحلة أخرى الى باريس عام 1911، وزارت ايطاليا عام 1912 . وقد التقت خلال رحلتيها الى باريس بالفنان والنحات الإيطالي اميديو موديلياني (1884-1920) الذي خلدها في 16 لوحة فنية رائعة بعضها بالألوان وأخرى تخطيطية . كانت تلك فترة ذهبية في حياتها

وعندما بدأت بنشر اعمالها عام 1911 اختارت الشاعرة لنفسها " أخماتوفا " كاسم فني - بدلاً من لقب والدها غورينكو - اعتقاداً منها أن أحد أسلافها " احمد خان " كان اميراً تترياً ينتمي الى سلالة " جنكيز خان .

في عام 1912 أنجبت ابنها ليف، ونشرت أول ديوان لها بعنوان " المساء " .وسرعان ما ذاعت شهرتها في الأوساط الأدبية الروسية . وقال النقّاد الروس عنها، إن موهبة جديدة قد ظهرت في الشعر الروسي . وقد تعززت مكانتها الأدبية بصدور عدة دواوين شعرية لها في السنوات اللاحقة .

لم تكن الحياة تنبأ بعد بأية مصائب . كتبت الشعر، وسهرت الليالي، وشربت الشمبانيا، ولكن الحرب الاهلية التي رافقت ثورة اكتوبر، وضعت حداً لكل هذا. اللوحات ضاعت أو احترقت خلال الحرب الأهلية .ولم تبق لدى الشاعرة سوى لوحة واحدة فقط، كانت تعلقها على أحد الجدران في غرفة نومها حتى آخر يوم في حياتها .

وتقول أخماتوفا إن موديلياني كان يعيش في فقر مدقع، حتى انه لم يكن قادراً، على دعوتها الى أحد المقاهي ودفع ثمن فنجانين من القهوة . ومع ذلك فقد كانت السعادة تغمرها بصحبة العبقري الايطالي الوسيم الذي توفي بعد ذلك بسنوات قليلة، وترك ندبة لا تندمل في قلب اخماتوفا. ففي أيامها الأخيرة كتبت في مذكراتها : " كانت حياة موديلياني قصيرة، وحياتي طويلة "

في اغسطس عام 1918 انفصلت الشاعرة عن زوجها الشاعر نيقولاي غوميلوف، أبرز أعضاء " ورشة الشعراء " الشهيرة، ومؤسس مدرسة " الأكميزم " أو " الذروة الروحية " في الأدب الروسي، والذي أعدم في عام 1921 بتهمة الانضمام الى تنظيم سري للضباط (البيض)، فقد كان غوميلوف ضابطاً لامعاً في العهد القيصري .

وفي ديسمبر من العام ذاته تزوجت فلاديمير شيليكو، العالم المتخصص في حضارة وادي الرافدين، وأول مترجم لملحمة جلجامش الى اللغة الروسية. ولكن هذا الزواج لم يدم سوى ثلاث سنوات، فقد كان شيليكو يضيّق الخناق عليها، ويقيّد حريتها الشخصية .

وفي عام 1922 تزوجت المؤرخ نيقولاي بونين . وكان زواجاً موفقاً، ولكنه اعتقل في عام 1938 وحكم عليه بالسجن خمس عشرة سنة، وقضى نحبه من الانهاك الجسدي في أحد معسكرات العمل الاجباري الشاق.. وكان ابن الشاعرة الوحيد، ليف غوميلوف سجيناً أيضاً في هذا الوقت .

خيّم الظلام والوحدة والياس على حياتها وظهر في شعرها (المحظور من النشر والتداول منذ منتصف العشرينيات) صرخات الألم والشعور بالوحدة . وعاشت دون أن يلوح لها في الافق بارقة أمل . شعرها في هذه الفترة كان يعبرعن الحب الأنثوي المأساوي، حيث تمتزج العاطفة والحزن بالأمل .

قوة شخصية الشاعرة وثباتها، سمحت لها بالبقاء على قيد الحياة في سنوات القمع الرهيبة، رغم فقدان زوجها واعتقال إبنها، وحظر نشر قصائدها .

 قداس جنائزي

في عام 1935 بدأت بكتابة قصيدتها الطويلة الرائعة " قداس جنائزي" وهي قصيدة سيرة ذاتية وتعكس معاناتها الداخلية . هنا تجلت عظمة أخماتوفا كشاعرة مبدعة . هذه القصيدة، التي قضت الشاعرة حوالي عشر سنوات في كتابتها، هي دليل على نضجها كشاعرة . كانت تعيش في فقر مدقع، تعاني من الجوع والبرد، وتشعر بالنفور من الواقع الكئيب، الذي كان يعج بالمخبرين السريين، لكنها لم تفقد احترام الذات. في هذه الظروف الصعبة كانت تكافح ضد الواقع المرعب بسلاح الشعر: " وقفت آنذاك مع شعبي وتقاسمت معه محنتي " . "

لم تحاول الهجرة إلى إحدى الدول الغربية، كما فعل العديد من الأدباء الروس المعروفين من أصدقائها، وظلت في الاتحاد السوفيتي، وأحرقت جزءاً كبيًرا من أرشيفها، الذي كان الإحتفاظ به يعرض حياتها للخطر، لكن الناس حفظوا أشعارها عن ظهر قلب، وكانوا يتذكرون صوتها وقصائدها .

في عام 1945 زارالفيلسوف والمفكر والدبلوماسي البريطاني السير أشعيا برلين ( 1909-1997) الشاعرة في مسكنها بمدينة لينينغراد، عندما كان سكرتيراً أول في سفارة بلاده لدى موسكو . وخلال المحادثة الطويلة التي استغرقت عدة ساعات، تحدثت اخماتوفا خلالها عن حزنها وعدم موافقتها على النظام القائم، ودفعت ثمناً غالياً لحديثها مع " جاسوس أجنبي " حسب زعم السلطة، حيث اعتقل ابنها مرة أخرى، وحكم عليه بعشر سنوات سجن مع الأشغال الشاقة. وتم وضع الشاعرة تحت مراقبة الشرطة السرية وعندما كانت تطل من الشباك الوحيد لشقتها المؤلفة من غرفة واحدة، ترى عدة مخبرين سريين جالسين على مصطبة مقابل مدخل العمارة لمراقبتها . ولكنها لم تستسلم لليأس والقنوط .

وقد كتب اشعيا برلين لاحقاً عن لقائه بالشاعرة العظيمة، وكيف إنه لاحظ بإعجاب شديد صمودها وانشغالها بعملها الإبداعي، ووصفها بأنها " ملكة ذات طابع مأساوي " .

كتبت أخماتوفا قصيدة " قداس جنائزي " بلغة مجازية للغاية. بدت وكأنها أجزاء انتزعتها من نفسها من أجل إدخالها في نص القصيدة. وقد واجهت في هذه الفترة أشد المحن . حيث فقدت زوجها . وكان ابنها ما يزال سجيناً. وتحملت كل أعباء حياتها بكرامة، ولم تجد العزاء سوى في الأدب .

في مقدمة قصيدة " قدّاس جنائزي " كتبت أخماتوفا عما دفعتها الى كتابتها: " طوال سبعة عشر شهراً في زمن يزوف الرهيب (الذي كان وزيراً للامن والمخابرات بين عامي 1937، 1938) كنت أقف في طوابير طويلة من أجل السماح لي بزيارة السجن في لينينغراد . امرأة مزرقة الشفاه من البرد، لم تسمع عني من قبل قط، خرجت من حالة الذهول التي كنا فيها جميعاً، وسألتني همسا:

هل يمكنك الكتابة عن هذا ؟

أجبت: نعم

حينها ارتسمت شبه ابتسامة على هذا الذي كان يوماً ما وجها .

بعد سنوات من التضييق والصمت والتجاهل، نشرت قصيدة " قداس جنائزي " في ميونيخ عام 1963، في كتاب صدر عن دار نشر "فيرلاج " الألمانية ..

. بعد أسابيع قليلة من النشر تحولت القصيدة إلى صرخة حزن ليس فقط للشاعرة نفسها، ولكن أيضًا لملايين النساء الروسيات اللائي عشن كل أهوال النظام الذي حطم حياتهن، وحياة أزواجهن وأبنائهن .

" اليوم لدي الكثير لأفعله: يجب قتل الذاكرة حتى النهاية، ويجب أن نجعل الروح لا تابه، ويجب أن نتعلم كيف نعيش مرة أخرى " .

جائزة جمعية الكتّاب الأوروبيين

 في أواخر ديسمبر 1964 أقيم احتفال مهيب في مدينة تاورمينا الواقعة بجزيرة صقلية الايطالية، تم خلاله تقليد الشاعرة جائزة جمعية الكتّاب الأوروبيين في مجال الشعر، بحضور جمع كبير من الكتّاب والشعراء من معظم البلدان الأوروبية . ألقت اخماتوفا مختارات من قصائدها، التي قوبلت بحماس عظيم، ونهض الحضور وقوفا لتحيتها، رغم أن معظمهم - باستثناء الوفد السوفيتي – لم يكن يعرف اللغة الروسية - وكان ذلك تحية لملكة الشعر وللأدب الروسي العظيم .

شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة اكسفورد

في 5 يونيو 1965 منحت جامعة أكسفورد شهادة الدكتوراه الفخرية في الأدب لآنا أخماتوفا

ولأول مرة في تاريخ الجامعة، كسر البريطانيون التقليد الأكاديمي الراسخ: لم تصعد آنا أخماتوفا الدرج الرخامي لأستلام شهادتها من يد رئيس الجامعة، على النحو المعتاد، بل إن رئيس الجامعة هو الذي نزل اليها .كما أن اخماتوفا اعتذرت عن وضع القبعة التقليدية على رأسها لأنها – كما قالت - لا تلائمها، ووافق رئيس الجامعة على استثناء ملكة الشعر من هذا التقليد الراسخ أيضاً .

في اليوم التالي كتبت الصحف البريطانية: إن جامعة اكسفورد منحت شهادة الدكتوراه الفخرية 

إلى "أعظم الشعراء الروس المعاصرين - آنا أخماتوفا البالغة من العمر 76 عاماً، والتي يعكس شعرها ومصيرها، مصير الشعب الروسي" –

توفيت اخماتوفا بنوبة قلبية في مصحة بالقرب من موسكو في 5 مارس 1966 . لكن عملها استمر في العيش والقتال

أخماتوفا وجائزة نوبل في الأدب

دأبت أكاديمية العلوم السويدية – مانحة جوائز نوبل – على الحفاظ على سرية وثائقها الأرشيفية لمدة خمسين عاماً . وكما يتضح من الوثائق المنشورة في ينايرعام 2016 أن اخماتوفا كانت ضمن لائحة المرشين لنيل جائزة نوبل في الأدب عام 1965

وجاء في تلك الوثائق أن رئيس لجنة نوبل " أندرس أوسترلوند " قال خلال تقييم قصائد أخماتوفا : " لقد تأثرت كثيراً بالإلهام القوي للشاعرة، وتأثرت أكثر لمصيرها وارغامها على الصمت الاجباري لسنوات طويلة " . وقد ذهبت الجائزة في ذلك العام الى مرشح الدولة السوفيتية " ميخائيل شولوخوف "، بعد أن حشّد الاتحاد السوفيتي تأييد الأوساط الأكاديمية، والفائزين بجائزة نوبل من الكتّاب والشعراء اليساريين .، ومارس ضغوطاً دبلوماسية واقتصادية على السويد . وهذا لا يعني بحال من الأحوال أن شولوخوف لم يكن يستحق الجائزة .

كما تشير وثائق الاكاديمية السويدية التي كشف النقاب عنها عام 2017 أن اخماتوفا كانت من أبرز المرشحين لنيل الجائزة عام 1966 . ولكن وفاة ألشاعرة في مارس من ذلك العام أدى الى صرف النظر عن ترشيحها.

ذكرى أخماتوفا

يتمتع إبداع اخماتوفا بتبجيل عظيم في بلادها، وفي العالم الغربي . وقد خلدت روسيا ذكرى الشاعرة بطرق شتى. فهناك متحف اخماتوفا في بطرسبورغ، وتمثال أو جدارية لها في كل مدينة روسية عاشت فيها ولو لبضع سنوات، منها ثلاثة تماثيل في مدينة بطرسبورغ وتمثال في موسكو. وفي كل مدينة من تلك المدن شارع يحمل اسمها . كما أطلق الفلكيون الروس اسمها على كويكب اكتشف عام 1982، وعلى فوهة بركان في كوكب الزهرة . إضافة الى عدد من المكتبات العامة وحتى بعض البواخر السياحية . وثمة العديد من لوحات البورتريه للشاعرة رسمها كبار الفنانين الروس، وأفلام سينمائية تصور حياتها المليئة بالأحداث الدراماتيكية .

كما حولت قصائدها الى أوبريتات وباليهات وأغان يصعب حصرها . وكتبت عنها عشرات الكتب والأطروحات العلمية . وتحتفل روسيا في 23 يونيو من كل عام بذكرى ميلاد الشاعرة حيث تقام فعاليات ثقافية جماهيرية، يلقي خلالها أشهر الممثلين والممثلات الروس قصائدها الوجدانية التي تهز المشاعر بصورها الفنية المدهشة .

 

د. جودت هوشيار

 

جمال العتابيمنذ سبعينات القرن الماضي، كنت ما أزال أذكر تلك النشوة السحرية التي كانت تمتلك حواسي، أنصت لصوت هاشم الطّعان، حين ينقّب في كنوز الكتب والمعارف واللغة، هو يعرف أوصافها تماماً، يستعيد أسرارها بمفتاح صغير ليدخلها إلى هذا العصر.

كان الطعان مثل المتشبث بالصخر والتراب والجذور، لياذاً من طوفان وشيك، كان يبحث عن أيما مكان لايبعده عن تاريخ نسجته العصور، لكن هاشم لملم زمانه، وإنطوى في زاوية من زوايا التاريخ المثخن بالجراح، والنسيان، والإهمال، ورحل مبكراً في عام 1981، وهو في قمة عطائه .

هاشم الطعان وطن يسكنه من نوع آخر، هو كذلك رمز لوطن صغير في القلب، الزمن لم يعد عاشقاً كما كان من قبل، ولأن تلك العاطفة البدائية لم تعد قابلة للمارسة الحيّة كي يستمر دفق الزمن إلى المستقبل، ومع ذلك لابد للحياة أن تستمر، دون أن تغير من نواميسها الأزلية شيئاً .

هذا الإنسان المتيم بالتراث الفكري العربي، يستمر في حواره معه، ما دمنا نصغي اليه، وجعلنا أقدر على فهم ترتقي فيه اللغة والتجربة الغنية، يستعيد فيه حبّات التراث الضائعة، حتى وهو في أصعب الظروف والمواقف، إذ سلك الطريق الصعب في حياته، يقبل على التراث إقبال العاشقين على مدام الوجد، يبحث في ينابيع المعرفة، ليغمس في مدادها النوراني قلمه وأنهار الحكمة ليترع كؤوسه، في نمو إيقاعي منظم، تستحيل كريم المنثور، وفرائد الشعر، وصافيات الحكم والكلمات، إلى منازل تتجه صعداً الى الأعلى، كأنها تدخل في مدارات من الأنوار الساطعة، قد تغيب عن الأبصار، لكنها لا تغيب عن البصائر، انها صورة الحروف وأقلامها، وموازينها، ومساحاتها وألقابها، وهي تنساب على الرقوق .

إنتماؤه اليساري قاده الى سجن (نكرة) السلمان ما بعد إنقلاب شباط عام 63، مثل مئات من المثقفين – شعراء وأدباء – ومفكرين، في السجن كان يشدد على رفاقه ضرورة قراءة ودراسة وإستيعاب أهم كتب التراث العربي، ويوجه بالنصح الى الشعراء الشباب من السجناء، بأهمية قراءة المعلقات السبع (شرح الزوزني)، أما السجين الراغب في ان يكون قصاصاً أو روائياً، عليه أن يبدا بـ ( كليلة ودمنة لأبن المقفع )، وكتب الجاحظ، وألف ليلة وليلة .

في السجن يراجع ما يكتبه سجناء آخرون، يقرأها بعناية فائقة، ويسجل عليها ملاحظاته النقدية الصارمة، فأعتبره رفاقه (اتاتورك الأدب )، لتشدده في المعايير النقدية، وتطوع الطعان كذلك لتعليم السجناء من أصول ريفية، القراءة والكتابة .

أكمل هاشم دراسته الأولية في الموصل، وعُين معلما، ثم درس الأدب في كلية الآداب، وتخرج منها عام 1960، نال شهادة الماجستير بوقت متأخر من حياته، عن تحقيقه لكتاب (البارع في اللغة )، وهو الكتاب الذي شرح فيه ابو علي القالي البغدادي معجم (العين) للفراهيدي، ونال دردجة الدكتوراه بتفوق وإمتياز، عن اطروحته (الأدب الجاهلي بين لهجات القبائل واللغة الموحدة)، ورفضت السلطة من نقل خدماته الى الجامعة، والإفادة من تخصصه العلمي، بسبب إنتمائه، وموقفه المعارض منها، أثنى على جهوده العلمية استاذه العلامة مهدي المخزومي، كتب الشعر، وله ثلاثة دوواين مطبوعة، تتراوح بين القصيدة العمودية، وقصيدة التفعيلة، كما نشر مع مجموعة من زملائه (قصائد غير صالحة للنشر) عام 1956، وهم شاذل طاقة، يوسف الصائغ وعبد الحميد لاوند، منعته السلطات من التداول حينذاك، كما صدرت لهاشم الطعان العديد من الكتب في التراث، ونشر عشرات الدراسات في تخصصه الأكاديمي، بعد أن هجرالشعر، وانصرف لجهده العلمي .

غادر هاشم الطعان، وهو لايحمل غير بياض كفنه، فيما تنتهي رحلته الأبدية الى حالة من الغياب عن الأنظار، وحضور في مرايا القلوب، متجهاً الى ذلك الأثير الكوني الذي انيطت بالروح مهمة إرتياده، حيث ينتمي الذاهب الى قدرة قادر.... سنقف خاشعين أمام حلم عابر، ربما في صورة كتاب، أو مخطوط خطته يده الكريمة، أراقت دفقاً من انوار الحب في سطوره، حينذاك ندرك ان روحه تقاسمنا الضوء والشوق والوفاء . ومن دون شك لايمكن ان تزول ازمنة المثقف المبدع، لأنها سنوات خلق وعبور للزمن .

 

د. جمال العتّابي

 

شاكر فريد حسنتحل هذه الأيام الذكرى الثانية عشرة لرحيل الكاتب الناقد المصري العربي البارز رجاء النقاش، الذي وافته المنية في شباط العام 2008، بعد صراع مع مرض السرطان.

يعد رجاء النقاش من أبرز واهم النقاد في مصر والعالم العربي، بدأ ممارسة النقد الأدبي وهو طالب في السنة الأولى بالجامعة، وكان ينشر مقالاته آنذاك في مجلة " الآداب " البيروتية.

ولد النقاش في محافظة الدقهلية شمال مصر العام 1934، وتخرج في قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1956.

بدأ مشواره مع الصحافة في مجلة " روز اليوسف "، وفي جريدة الاخبار المصرية، ثم تولى رئاسة تحرير مجلة " الهلال "، وهي أقدم مجلة ثقافية عربية. وفي العام 1971 أشغل رئيس تحرير مجلة " الإذاعة والتلفزيون " التي جعل منها مطبوعة ذات توجه ثقافي، حيث نشر رواية " المرايا " لنجيب محفوظ سلسلة قبل صدورها في كتاب.

بعد ذلك سافر النقاش إلى قطر وعمل مديرًا لتحرير مجلة " الراية "، ثم أسس مجلة " الدوحة "، التي ذاع صيتها حتى اغلاقها العام 1986، ثم عاد إلى مصر وعمل كاتبًا في مجلة " المصور " في نهاية ثمانينيات القرن الماضي. وفي التسعينيات تولى رئاسة تحرير مجلة " الكواكب "، وفي سنواته الاخيرة كان كاتبًا متفرغًا في صحيفة " الأهرام " المصرية العريقة.

ألف النقاش العديد من الكتب النقدية، من أبرزها وأهمها : ثلاثون عامًا مع الشعر والشعراء، أبو القاسم الشابي .. شاعر الحب والثورة، عباقرة ومجانين، نساء شكسبير، عباس العقاد بين اليمين واليسار، وقصة روايتين، وهي دراسة نقدية فكرية مقارنة لروايتي " ذاكرة الجسد " للجزائرية احلام مستغانمي، ورواية " وليمة لأعشاب البحر " للسوري حيدر حيدر.

وبرز النقاش منذ كان في مطلع العشرينات من حياته ناقدًا يعبر من خلاله الأدباء العرب إلى الحياة الأدبية، وقدم عددًا من ابرز المبدعين الذين يكبره بعضهم سنًا، منهم الروائي السوداني الطيب صالح الذي أعاد النقاش اكتشاف روايته الشهيرة " موسم الهجرة إلى الشمال "، والشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي الذي كتب له مقدمة ديوانه الاول " مدينة بلا قلب "، والشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش الذي أصدر عنه عام 1969 كتابه " محمود درويش شاعر الارض المحتلة ".

وينتمي الراحل رجاء النقاش إلى أسرة ضمت مثقفين بارزين فكان أخوه الراحل وحيد النقاش مترجمًا وناقدًا، وأخوه فكري النقاش كاتبًا مسرحيًا، واخته الناقدة والكاتبة والمناضلة المصرية اليسارية المعروفة فريدة النقاش، التي تولت رئاسة تحرير مجلة " أدب ونقد "، ثم رئاسة تحرير صحيفة " الأهالي " لسان حال حزب التجمع الوطني اليساري.

قال عنه الشاعر فاروق جويدة : " جاء النقاش بين جيلين الاول انبهر بالحضارة الغربية وسار في نهجها، والآخر سار في طريق آخر وتقوقع على نفسه، أما النقاش فقد كان قلمًا مبهرًا ولم ينشئ مدرسة جديدة أو يخترع الفاظًا جديدة، وظل عربيًا غاص في اعماق هذه الثقافة، لم يكن يساريًا ولا يمينيًا، ولا ليبراليًا، ولكن كان انسانًا في كل ما كتب".

وكان الشعر هو الميدان المحبب لرجاء النقاش، ويتمتع برصيد كبير بين كتاباته ومؤلفاته، ولعل ما اتسم به نقده أنه جمع صاحبه بين صفتي الناقد والصحافي، وحضوره الكبير في ريادة الصحافة الثقافية العربية، وهو ما طبع كتاباته عمومًا وبالأخص عن الشعر بطابع شعبوي، وانحاز للغة المبسطة البعيدة عن التعقيد النقدي والاكاديمي.

وكان قد صدر للدكتور رجب أو العلا في ذكرى النقاش العاشرة العام 2018، كتاب " نقد الشعر عند رجاء النقاش " رصد فيه جهوده في نقد الشعر.

رجاء النقاش كاتب مثقف واسع الاطلاع، وناقد أسهم في اثراء المشهد النقدي والثقافي المصري والعربي بكتاباته وطروحاته النقدية الصحافية ذات اللغة المبسطة المشوقة والقريبة والعميقة في آن، وقدم خدمات جليلة للصحافة والنقد والثقافة العربية المعاصرة. فسلامًا لروحه، وعاشت ذكراه خالدة.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

ناجي ظاهرتصادف هذه الايام الذكرى السنوية  الثانية عاشرة لرحيل الشاعر الصديق نزيه خير ابن دالية الكرمل، وقد سبقني في الاشارة الى هذه الذكرى العطرية عدد من الكتاب والشعراء الاصدقاء.. فاليهم كل التحيات. انتمى نزيه خير، الى الجيل الثاني من الشعراء العرب في بلادنا، بعد قيام اسرائيل. وقد اصدر خلال عمره القصير (1946- 2008)، سبع مجموعات شعرية لافتة، كما ترجم نماذج من الشعر العبري، ضمنها كتابا حمله عنوان "الذاكرة الزرقاء". وتولى خلال سنوات عمره الاخيرة ادارة برنامج تلفزيوني ادبي، استضاف فيه معظم مبدعينا، وكان من المفروض ان اكون ضيفا على برنامجه هذا، الا ان مرضه حال دون هذه الاستضافة.

تعود علاقتي بالشاعر الراحل الى سنوات الستينيات المتأخرة. 1968 تحديدا.. حين اصدر مجموعته الشعرية الاولى "اغنيات صغيرة"، فكتبت عنها مقالة نقدية، لاقت هوى طيبا في نفسه، ما عزز الرغبة في التعارف فيما بيننا، لهذا عندما التقينا بعد نشر مقالتي هذه في احدى مجلات تلك الفترة، اشعرني انه يعرفني جيدا وانني ضيف مرحب به في منزل الاصدقاء.. كذلك انا شعرت.

بعدها زرته عدة مرات في بلدته دالية الكرمل، برفقة الصديق الراحل ميشيل حداد ابن بلدتي الناصرة، وزارنا هو ايضا في الناصرة، كما التقينا في العديد من الندوات والامسيات في مدن وبلدات مختلفة لتتوطد العلاقة بيننا.. لقاء بعد لقاء وسنة بعد سنة. واذكر في هذا السياق ان نزيها كان انسانا ودودا، ارتبط بمعظم الكتاب والشعراء في بلادنا وخارجها ايضا، بعلاقات احترام ومحبة. ويشار انه كرّس معظم قصائد احدى مجموعاته الشعرية اهداءات لأصدقاء شعراء منهم الشاعر العراقي المرحوم عبد الوهاب البياتي.

اتصف ما خلفه شاعرنا الراحل بنوع من الغنائية الحداثية. القريبة من غنائية الشاعر السوري سليمان العيسى، وقد كتبت عنها دراسات قليلة، علما انها استحقت اهتماما بحثيا اوسع نطاقا، واعتقد ان عمل نزيه في الاعلام المرئي في العقد الاخير من عمره، قد صرف الانظار عنه شاعرا جديرا بالمزيد من الدراسة والبحث الادبي.

كان نزيه مقلا في كتابته للشعر. مقارنة بسواه من نظرائه الشعراء، الا انه كان يعمل طوال الوقت على تجويد عطائه الشعري، كما كان يحرص على ان يقدم في كل مجموعة جديدة ما هو جديد.. لافت ومثير.

العلاقة الطيبة التي جمعت بيننا في الاتحاد العام للكتاب العرب في بلادنا ايضا، استمرت حتى ايامه الاخيرة تقريبا. وقد دأب على اهدائي واهداء الزملاء الكتاب كل مجموعة شعرية جديدة، وقد اهدانا شقيقه الصديق الاعلامي رشيد خير، مجموعته "رجوعيات" التي صدرت بعد رحيله.. احياء لذكراه.

عندما رحل نزيه قبل دزينة من السنوات. كتبت عنه مقالة وجدانية، عبرت فيها عن مشاعري الطيبة تجاهه شاعرا وانسانا، وقد ادرجت هذه المقالة في كتابي الاثير على نفسي القريب من قلبي وروحي "حياض غثيم- سيرة ذاتية من خلال اخرين".

رحم الله الصديق نزيه، فقد كان صديقا للجميع، وكان شاعرا مجليا بين ابناء جيله... استحق ان نذكره دائما.. وحق علينا ان نحيي ذكراه.. بأكثر من مقالة...

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

ولد محمود المسعدي بمدينة  تازركة بولاية نابل بالجمهورية التونسية  يوم 28 جانفي سنة 1911. وهو اديب ومفكر تونسي لامع وسياسي تقدمي فذ لا يشق له غبار.  له العديد من العمال المأثورة والمؤلفات الهامة والتي برزت في الحياة الفكرية التقدمية التونسية...وحتى العربية... والعالمية من أبرزها مسرحية "السُّدْ"، كتاب "حدث أبو هريرة قال" الذي اختير كتاسع أفضل 100 رواية عربية من اتحاد الكتاب العرب.  لقد بدأ المسعدي رحمه الله تعليمه في كتّاب القرية (مدينة تازركة حاليا) انذاك، حيث أتم حفظ القرآن الكريم وذلك  قبل أن يبدأ مرحلة التعليم الابتدائي في مدينة قربة التي تبعد بعض الكيلومترات عن مدينته الام.. ثم رحل الى تونس العاصمة طلبا لمواصلة العلم، وهناك اتم الدراسة الثانوية في المعهد الصادقي وذلك سنة 1933 وفي نفس السنة سافر الى باريس والتحق بكلية الآداب بجامعة  السوربون  ( Sorbonne)  "وهي جامعة باريسية رفيعة المستوى...ومن أعرق وأرقى الجامعات في العالم. والتي تأسست سنة   1253م في القرون الوسطى  وهي أول جامعة تقدم شهادة الدكتوراه. كما أن الجامعة تمتاز في تخصصات التاريخ والشؤون الدولية والآداب والعلوم الاجتماعية. وتعد شهادتها مفتاحاً للمناصب العليا الرفيعة وللشهرة".... وتخرج منها متحصلا على الاجازة سنة 1936...وعاد الى تونس ليدرّس اللغة العربية وآدابها ومن ثم شرع في إعداد رسالته الأولى " مدرسة أبي نواس الشعرية "، ورسالته الثانية حول " الإيقاع في السجع العربي "، إلا أن الحرب العالمية الثانية قد حالت دون إتمامهما. ونشرت الثانية لاحقاً، بالعربية والفرنسية. وتحصل على الدراسات العليا عام 1946 والتبريز عام 1947، ابتدأ محمود المسعدي التدريس سنة 1936 بتونس وذلك بمعهد كارنو والمعهد الصادقي، وانتُدب للتدريس بمركز الدراسات الإسلامية في باريس عام 1952. كما قام بالتدريس الجامعي في كل من تونس وفرنسا.

لقد تقلد الاديب الراحل محمود المسعدي رحمه الله عدة مسؤوليات في نطاق حركة التحرير الوطني، وانضم إلى الحركة النقابية رئيسا للجامعة القومية لنقابات التعليم، وأمينا عاما مساعدا للاتحاد العام التونسي للشغل من سنة 1948 إلى 1954. كما شارك في المفاوضات التونسية الفرنسية التي أفضت إلى الاستقلال الداخلي سنة 1955. وإلى جانب التدريس الجامعي، انخرط المسعدي في السياسة، حيث تولى مسؤولية شؤون التعليم في حركة الاستقلال الوطني التي التحق بها مناضلا ضد الاستعمار الفرنسي، كما لعب دورا قياديا في العمل النقابي للمعلمين سنة   1956بعد الاستقلال. وفي سنة 1958 تقلد محمود المسعدي وزارة التربية القومية، وبقي في هذا المنصب إلى غاية سنة 1968 حيث تمكن من إقرار مجانية التعليم لكل طفل تونسي. وهو اول من اقر ذلك وبفضله عمم التعليم المجاني في كامل تراب الجمهورية التونسية. ثم أسس الجامعة التونسية . كما انتخب عضوا بالبرلمان من سنة 1959 إلى سنة 1981.. وتقلد أيضا وزارة الشؤون الثقافية من سنة 1973 إلى سنة 1976. وأنهى حياته السياسية وهو رئيسا لمجلس البرلمان. الذي عين على رئاسته من سنة 1981 إلى غاية سنة 1987 .وبالإضافة إلى تلك المسؤوليات الجسام، كان للأديب الراحل محمود المسعدي رحمه الله أنشطة مكثفة، ومسؤوليات سامية في منظمتي اليونسكو والألكسو منذ سنة 1958 و مجمع اللغة العربية الأردني "وهو مؤسسة أردنية مقرها عمّان تهتم بشؤون اللغة العربية محافظة وتطويرا وتشجيعا في مجالات مختلفة من الفنون والآداب والعلوم. تأسس المجمع بإرادة ملكية في 1 جويلية 1976  وبدأ بمزاولة أعماله بصورة رسمية في 1 نوفمبر من نفس السنة. وفي سنة 1977  انضم إلى اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية".

بدأت علاقة الأديب محمود المسعدي من خلال تأثره بأدب الأدباء العرب القدامى والمفكرين المسلمين الذين سنحت له فرصة التعرف على آثارهم اثناء دراسته في المعهد الصادقي العريق في تونس، وبعد دراسته في كلية الآداب بجامعة "السوربون" بباريس. و يعتبر المسعدي من أهم وابرز أعلام الأدب العربي الحديث، في تونس والبلدان العربية والعالم. وقد ركز أدبه على بعض قضايا الإنسان، كالحياة والموت، والإرادة، والحرية،  والمسؤولية، والخلق، والفعل، والإيمان وغيرها من المشاكل التي تحير وجود الإنسان، وتحثه دوما على البحث عن ذاته، وإمكاناتها وحدودها. لقد كتب أهم مؤلفاته الأدبية بين سنتي 1939 و1947 وذلك خلال عمله مدرسا في معهد كارنو، والصادقي، وتكشف هذه الأعمال عن مدى التأثير القرآني الشديد على تكوينه الفكري والعقائدي، وعلى أسلوبه. كما تنم أعماله عن إحاطته بأعمال المفكرين المسلمين في مختلف العصور، وبالأدب العربي القديم الذي بدأ اهتمامه بها منذ مرحلة دراسته الثانوية...بالإضافة إلى اطلاعه الواسع والعميق على الآداب الفرنسية خاصة والغربية عامة. ولم يمنعه إنتاجه الأدبي من الاهتمام بشؤون وطنه الرازح تحت الاستعمار الفرنسي. ورغم أنه توقف عن الكتابة تقريبا في الأربعينيات، خلال فترة تقلده لبعض المناصب والمسؤوليات، الا أنه لم يفقد مكانته الرائدة في المشهد الأدبي العربي حتى وفاته.

لقد استحق محمود المسعدي عن جدارة ان يخلد ذكره في سجل كبار المبدعين والفنانين هذا بالإضافة إلى كونه من كبار المثقفين الذين أثروا الساحة الثقافية و الادبية، ومن كبار المناضلين الوطنيين الذين قدموا خدمات جليلة لوطنهم وشعبهم سواء في زمن الاستعمار او في مرحلة الاستقلال وبناء الدولة الوطنية الحديثة.

من أهم أعمال الاديب "حدث أبو هريرة قال" الذي صدر سنة 1938، ومسرحية "السد" صدرت سنة  1940 وهي من أهم وأشهر أعماله  و"مولد النسيان"، و"السندباد والطهارة" و"من أيام عمران". نشر عام 1982 وبحثا بالفرنسية بعنوان "الإيقاع في السجع العربي"   ثم نشر مترجما سنة 1996، وكذلك كان رئيس تحرير مجلة " المباحث "  1944 والمشرف عليها وكاتب افتتاحياتها، ثم مشرفا على مجلة "الحياة الثقافية" سنة   1975والتي لا تزال تنشر الى يومنا هذا، وهي اهم مجلة، وألقى محاضرات جمعت في كتاب بعنوان "تأصيلا لكيان" المنشور سنة 1979.

كل التونسيون مدينون له بمجانية التعليم وتعميمه مع مساهماته في ايجاد المكتبات المدرسية المجانية في جل المدارس التونسية وايجاد المطاعم المجانية للتلاميذ و تتكون من فطور الصباح والغداء ويطلق عليها  (cantina). مع توزيع الكتب المقررة في برنامج التعليم والادوات المدرسية مع الميدعات و الاحذية للتلاميذ المعوزين مجانا...قال فيه الكاتب و الشاعر لطفي عبد الواحد يوم  28 جانفي سنة 2011 قصيدة القاها في اربعينيته المنتظمة بمسقط راس الاديب محمود المسعدي "تازركة" في مطلع شهر فيفري 2005 إثر وفاته وكانت بعنوان:

"في ذكرى ميلاد الأديب الكبير محمود المسعدي  28 جانفي1911"

مضى راحلا طامحا لغد

كانه ماغاب عن موعد

تراه هنا بيننا حاضرا

بروح تسامت بها نقتدي

مريدا ابى ان يرى جامدا

وفي النفس توق الى المنجد

تمثل اشواق جيل تحدى

صنوف التخلف لم يقعد

وامن بالخلق حين تصدى

وحاز البلاغة في المقصد

كذلك كان على عهده

كذلك يبقى هنا المسعدي

عظيما بما صاغه مبدعا

تفرد في الحرف و المشهد

يقيم سدودا من الفن صدت

سيول الرداءة اذ تعتدي

فكان الخلود خلود العظام

نشيدا تقدس في المعبد

من بين مؤلفات المسعدي، واهمها التي نالت شهرة اخترقت الافاق، حدّث أبو هريرة قال : والتي تم تأليفها قبل شهر جوان 1940  صدرت سنة 1939، وطبع العمل وصدر كاملا عن الدّار التّونسية للنّشر كاملا سنة  1973أوّل مرّة وعن دار الجنوب للنشر سنة 1979 حلّته مقدّمة توفيق بكار، وترجم الى الألمانية و صدر في  شهر نوفمبر سنة  2009 . وهو عمل أدبي بث من خلاله الكاتب التونسي محمود المسعدي  أفكاره الفلسفية الوجودية وذلك من خلال البطل أبو هريرة معتمدا على لغة مكثفة وقديمة. اعتبرها الناقد توفيق بكار أهم مغامرة روائية في القرن العشرين واختيرت كتاسع أفضل 100 رواية عربية من اتحاد الكتاب العرب. نسبها بعض النقّـاد إلى الأقصوصة تارة وإلى الحديث الأدبي تارة أخرى. وادمجت في المقرر الدراسي لتلاميذ الباكالوريا آداب. ثم صدرعمله الادبي الثاني تحت عنوان "السُّـــــدْ"  وذلك سنة  1940، وطبع كاملا سنة  1955، وترجم الى  الألمانية و نشر في أكتوبر 2007، وهي مسرحية ذهنية كتبت سنة   1938وتعد  أهم وأشهر عمل أدبي للكاتب التونسي محمود المسعدي، إلا أنها لم تنشر إلا في الخمسينات من القرن العشرين. وهذه المسرحية ذات نفس روائي مميز وتعتبر صياغة جديدة لأسطورة سيزيف اليونانية، لكن بأبعاد حضارية أخرى متعمقة في التراث العربي الإسلامي .وتميزت المسرحية بشخصيات واضحة ودالة ذات نفس شكسبيري كالبطل غيلان وزوجته ميمونة والطيف ميارى والبغل. كما نجحت في توظيف كل الإمكانيات المسرحية من خلال النص حتى أن أحد النقاد عبر عن ذلك بالقول "مهرجان كامل هو السد". ثم صدر عمله الادبي الثالث  بعنوان "مولـد النسيــان" :  الذي نشر للمرة الأولى سنة 1945، وترجم إلى الفرنسية سنة 1993 والى الهولندية سنة 1995 وترجم الى الألمانية وصدر في مارس سنة 2008. ثم تلاه العمل الادبي الرابع بعنوان "تأصيــلا لكيـان"  الذي جمع فيه محمود المسعدي شتات كتاباته الأدبية والفكرية طوال حياته.اما عمله الادبي الذي يحمل عنوان "من أيام عمران " الصادر سنة 2012 بعد وفاة الاديب محمود المسعدي والذي جمع نصوصه الأديب محمود طرشونة. نشرت بالألمانية مع العملين "المسافر" و"السندباد والطّهارة" في شهر أكتوبر سنة 2012.وترجمت جل أعمال المسعدي إلى عدة لغات منها الفرنسية والألمانية والهولندية .

حصل المسعدي على الصنف الأكبر من وسام الاستقلال، والصنف الأكبر من وسام الجمهورية، وجائزة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة لسنة 1979، ووسام الاستحقاق الثقافي، وجائزة الألكسو، وجوائز وطنية ودولية أخرى. وقد كتب عنه ما يفوق 30 كتابا ورسالة جامعية فضلا عن عشرات المقالات، والتسجيلات الإذاعية، والتلفزيونية، وترجمت آثاره إلى الفرنسية والإسبانية، والهولندية وغيرها من اللغات. ومن اقواله المأثورة : (("أعطوني زراعة أضمن لكم حضارة"... "مقدار من الجنون لابد منه من أجل مقدار من الحرية"... "الأرض طواعية للرجال الذين يملكون الأمل ويقدرون على تحدي المستقبل".)).

 

بحث بقلم الاديبة فوزية بن حورية

....................

 توفي محمود المسعدي يوم 16 ديسمبر سنة 2004 عن عمر يناهز 93 سنة، في مدينة المرسى بتونس العاصمة.

 

رحيم الساعديمقال لـ (بروس بنينجتون)

ترجمة الدكتور رحيم الشياع الساعدي


هناك من يتحدث كيف نصف فيثاغورس، هل هو المخادع أم المبتكر الفكري ام المشعوذ البارع أم رائد الفلسفة، وهناك من يرى إن فيثاغورس لا يزال الاسم الأكثر شهرة عند بوابة البداية للفلسفة الغربية ولمدة النصف من زمن الألفية، فقد كان نجما والمعروف عنه أنه الأب المؤسس للرياضيات والموسيقى وعلم الفلك والفلسفة. ويُزعم أنه صاغ عبارة "الرياضيات" و "الفلسفة".

عرف فيثاغورس على أعتاب تقسيم التاريخ المكتوب شفاهيا، ومن غير المفيد معرفتنا أنه أصر على عدم تدوين أي من تعاليمه، وكان أتباعه يؤدون اليمين بسرية. وتكتنف حياته وأفكاره   الأساطير والتشوهات والمبالغة والأكاذيب الصريحة، ومن المستحيل معرفة أي منها. ومع ذلك فقد استمرت صدى أذهانه الفكرية لمدة ألفين ونصف العام. 

يعتقد العديد من العلماء بأن أفلاطون استرق ثم أعاد رؤية فيثاغورس. على سبيل المثال، يستكشف سقراط مصير الروح او الارواح المحتمل، والتي كانت واحدة من الأساسيات التي كان تشغل فيثاغورس (كما سنرى).

 وفي كتابه طيماوس فان افلاطون يستكشف ويوسع مفهوم الكون على أنه رياضيات - الفكرة التي لا يزال يشتهر بها فيثاغورس في العصر الحديث. والأكثر شهرة في الفكر الفيثاغوري هو ان "كل شيء هو رقم".

لا يعتقد الجميع بانتحال أفلاطون لآراء فيثاغورس، فمجموعة أخرى ترى أن أفلاطون ومعاصريه يعيدون اختراع فيثاغورس الغامض ثقافيا ويخبئونه في الاسطورة، بطريقة شبه إلهية، نتيجة لذلك، وفي القرون التي تلت العصر الذهبي لليونان، يشار الى ال"فيثاغوريون الجدد" و ال"أفلاطونيون الجدد" وهي غالبًا إشارة إلى نفس المدارس الفكرية، والاسم المستخدم يعتمد على وجهة نظر فردية.

ومع تقدم القرون، نجد مناهج القرون الوسطى مقسمة إلى طرق ثلاثة او طرق أربعة وتستند على وجهة نظر فيثاغورس للكون في دراسة الحساب، والهندسة، والموسيقى وعلم الفلك.

في وقت لاحق لا يزال لثورة كوبرنيوس أصداء تحمل وجهة نظر فيثاغورس القديمة لعلاقة الأرض بالشمس. وفي الواقع، لا يشير كوبرنيكوس أبداً إلى نظرته إلى العالم باسم النظام الكوبرنيكي"؛ ان تسميتها في علم الفلك هي الفيثاغورية. بعد فترة وجيزة، يقوم يوهانس كيبلر، وهو أيضًا فيثاغوري واعي، باكتشافاته بدافع التأكيد على أن الكون مبني بشكل رياضي، هذه الفكرة التي تبناها غاليليو وعززها، أصبحت منذ ذلك الحين موضوعًا ثابتًا طوال تاريخ العلوم. ويؤكد العلم مرارًا وتكرارًا أن الكون لديه نوع من المودة الحميمية للرقم وهذا هو بالضبط ما تدرسه الفيثاغورية منذ وقت طويل، لسوء الحظ، قد تكون فكرة فيثاغورس المثالية المذهلة مجرد خيال للعباقرة.

تتألف حياة فيثاغورس أيضًا من قصص رومانسية وشظايا من الحكايات المتكررة وغالبًا ما يتم تحسينها. ومن المفارقات أن النظرية الوحيدة التي يعرف بها معظم الناس اسم فيثاغورس هي النظرية المتعلقة بجوانب مثلث قائم الزاوية، و قد تم اكتشافها من قبل المصريين، وليس بواسطة فيثاغورس.

في الواقع لم تصور وفاة فيثاغورس بمعزل عن الجانب التخيلي، وهناك ما يصل إلى عشرة إصدارات في الأدب القديم تتعلق بكيفية ومتى وأين مات فيثاغورس. فعلى الرغم من أن وفاة فيثاغورس تتوقف في منتصف الطريق بين الأسطورة والتاريخ، إلا أنها كانت معلقة على ثقل حبة فول، وفيثاغورس مات بسبب هذه الحبة وقد كانت تلك الحبة تحتوي على رؤية جديدة للكون قد تتسلل إلى معتقدات الناس، وتلمح إلى العالم وتستمر لأكثر من ألف عام.

كان هناك العديد من القواعد التي يجب اتباعها إذا تم قبولك في جماعة فيثاغورس، قد تفشل في أي منها، وكان من المحتمل أن يتم إخراجك منها في جنازتك فقط، أحد تلك القواعد التي لا يمكن كسرها هي قاعدة الامتناع عن تناول الحبوب، وهذا نابع جزئياً من مبدأ فيثاغوري الذي يدعو كل شخص إلى السعي لتحقيق السكينة والهدوء، لتذوق الانسجام الذي عكس انسجام السماوات والحدود الخارجية للكون، لكن هذا لن يكون وانت تأكل طبقاً من الفاصوليا، فانظر ماذا يجلب لك هذا! ستصبح القرقرة والضغط على الأمعاء عدوا للهدوء. بالإضافة إلى ذلك، كان هدف فيثاغورس الوحيد هو تنقية الجسم والنفس بحيث يمكن للمرء العودة إلى الشمس والارتفاع وراء الشمس إلى النجوم وطريقة درب التبانة، والتي لا تستقم مع اكل الفول والحبوب وكان هناك سبب أعمق لحذف الفول من النظام الغذائي، فقد اعتقد فيثاغورس أن أكل الفول هو أقرب إلى أكل اللحم البشري.

عندما كان شابًا، تأثرت فيثاغورس بثلاثة أساتذة عظماء، الأول كان أكبر منه سناً، وكان اسمه فيرسديس السيروسي.  كان لديهما نظرتان متشابهتان للحياة، وكلاهما كان يميل الى علوم الباطن بعد أن سافر كثيرا في جميع أنحاء الشرق الأوسط وإلى الهند، تعلم فيرسديس مذاهب التناسخ وخلود الروح، وجلبت هذه المعتقدات الجديدة لموطن الجزر اليونانية لتعليم الراغبين بها والاستماع اليها.

تم أخذ فيرسديس ينتبه لاستفسارات فيثاغورس النشيطة وسرعة تفكيره. وأخبره فيثاغورس أنه أدرك أن التناسخ موجود لدى إيثاليدس المشؤوم نجل الإله هيرميس ويعتبر الإيثاليدس أول إنسان يمشي على الأرض (آدم اليوناني) ونتيجة للثناء والتقدير الكبير من قبل معلمه فان فيثاغورس قبل كل جانب من جوانب التناسخ، وتوسع في هذا المفهوم، مضيفًا أن هناك 216 عامًا بين كل تناسخ، ويساوي ستة مكعبات، وهو عدد زوجي

كان فيثاغورس قادرًا على تذكر كل حياته السابقة. وذكر أنه قبل أن يكون الإنسان الأول كان سلسلة من النباتات والحيوانات، وهكذا ولد فيثاغورس في جزيرة ساموس ، التي تقع في بحر إيجه على طول ساحل هو الآن في تركيا. اعتبرت الجزيرة مهد الإلهة هيرا الجميلة والمزاجية والانتقامية، التي كانت أخت وزوجة لزيوس وتسرد العديد من القصص عن هيرا، مثل غضبها تجاه هرقل البريء، بسبب خيانة زيوس مع والدة هرقل.

كان والد فيثاغورس مناركوس، والذي كسب رزقه كتاجر ومالك سفينة بحث عن رزقه في جميع أنحاء جزر البحر الأبيض المتوسط ، وفي كثير من الأحيان قضى فيثاغورس شبابه على متنها، وكانت والدة فيثاغورس تسمى بارثينيس، العذراء. ويذكر في قصة أخرى، انه أبلغ (مناركوس) والد فيثاغورس أن زوجته ستنجب طفلاً رائعًا وهامًا. 

 كان لدى فيثاغورس الدليل على ولادته البطولية، وقد كشف هذا الدليل طالما انه لمصلحته فكان على فخذه الأيسر علامة ذهبية واسعة. وكان الإغريق في ذلك الوقت يؤمنون بعلامة الألوهية. كان الذهب مرتبطًا بـ ابولو وبالتالي تم قبول العلامة الذهبية كدليل على علاقة فيثاغورس بهذا الإله المتوهج.

لم يكن من المستغرب أن يرتبط فيثاغورس ويلتحق بمعلمه فيرسديس السيروسي بعد عدة سنوات، عند سماع أن فيرسديس يرقد في جزيرة ديلوس (التي اشتهرت بتضرعها للآلهة لمضاعفة حجم المعبد الخاص بهم) ، هرع فيثاغورس لرعايته وعندما طرق فيثاغورس بابه ،كشف بفيركيدس بتردد إصبعه الجسدي ليحذر فيثاغورس من خطورة مرضه ، كان بيركيديس يموت من مرض التسمم بالزهور وكان يأكله الدود وهو على قيد الحياة.

معلم آخر في وقت مبكر كان له تأثير هائل على حياة فيثاغورس وأفكاره وهو طاليس، أحد حكماء العصور القديمة السبعة وكان طاليس رجلاً عجوزًا عندما صحبه فيثاغورس، وكانت نصيحته أن يكون فيثاغورس على خطاه والسفر إلى مصر لتعلم كل ما بوسعه من الكهنة هناك. وأسرع فيثاغورس لمتابعة هذه النصيحة. لقد بدا وكأنه غريبا عندما غادر إلى مصر بشعر طويل يتدفق ولحيته التي أطلقها. كان يرتدي عمامة شرقية، وسراويل فارسية مصنوعة من الكتان - لا تُرى عادة في جزيرة ساموس أو في أي مكان آخر في اليونان وفي مصر كان يغطي قدميه في ورق البردي ولم يستخدما جلود الحيوانات على الإطلاق (ربما بسبب التناسخ – المترجم -) .

أمضى فيثاغورس هناك 22 عامًا هناك، وكان شاهداً على الفتح الفارسي لمصر والزوار اليونانيين لمصر، (بما في ذلك فيثاغورس) تم جمعهم كعبيد من قبل الجيش الفاتح ونقلوا إلى بابل. هناك كانت مغامرات فيثاغورس مع دراسات غامضة سمحت له بالاستمرار، ربما بسبب جاذبيته ومواهبه. لم يحاول الهرب، كما كان الكثير من العبيد، لأنه لم يكن لديه ميل كبير للمغادرة، وبدلاً من ذلك تعايش واستوعب نفسه في هذه الثقافة الغريبة واستمر في النمو. بعد ست سنوات تمكن من شراء حريته وازف الوقت أخيرًا للعودة إلى الوطن إلى جزيرة ساموس.

ونظرًا لإيمانه المتواصل بتناسخ النفوس، اضطر فيثاغورس إلى أن يصبح نباتيًا، لتجنب فرصة تناول صديق أو قريب عن طريق الخطأ. يقال إن فيثاغورس في يوم من الأيام واجه رجلاً يضرب كلبه. عندما كان الكلب يهتف ويصرخ من الألم، تعرف فيثاغورس على الضجيج باعتباره كان صوت صديق توفي مؤخرًا. تدخّل بقوة لإطلاق سراح الكلب، مما سمح لصديقه المجسد بالهروب من الضرب.

فيثاغورس النباتي لم يمتنع عن اللحم فقط، ولم يأكل الفول أيضًا. هذا لأنه كان يعتقد أن البشر والبقوليات قد ولدوا من نفس المصدر، وأجرى تجربة علمية لإثبات ذلك. لقد دفن كمية من الفاصوليا في الوحل، ودعهم يبقون هناك لبضعة أسابيع، ثم استعادها. وأشار إلى تشابهها مع الأجنة البشرية، وبالتالي إقناع نفسه بالعلاقة الحميمة بين الفول والبشر. لذا فإن أكل حبة الفول سيكون أقرب إلى أكل اللحم البشري. على قدم المساواة، للسحق أو للتحطيم، أو إيذاء الإنسان. وبالتالي فإن القاعدة الصارمة للغاية هي الامتناع عن الفول.

في أحد الأيام المشرقة، نظر فيثاغورس الى ثور قوي يتغذى على الفول في مرعى في منطقة تارنتوم في جنوب إيطاليا، أبلغ فيثاغورس الرعاة بأنه يجب إيقافه وسارع عبر حقل موحل وبدأ يتحدث إلى الثور بصوت هادئ في أذنه لفترة طويلة. وبدأت تنتاب الرعاة نوبات من الضحك.

استغرق الأمر بعض الوقت لمهنة فيثاغورس لتتألق، ولم يجد سوى نجاحا حقيقيا عندما احضر أتباعه المتحمسين إلى الساحل الشرقي لإيطاليا، حيث أقام في مستعمرة كروتون اليونانية وهناك تمكنت جماعة فيثاغورس (الإخوان) من الحصول على قاعدة قوية، وسرعان ما أصبح نفوذها واسع النطاق. وبوقت قصير، أصبح اسم فيثاغورس معروفًا في جميع أنحاء اليونان وخارجها.

كان كايلون نجل رجل دين ثري كروتوني. ولد في طبقة النبلاء، اعتاد على الحصول على أي شيء يريده. ويمكن أن يصبح عنيفًا، مستبدًا وصعبًا. على الرغم من أن كايلون كان لديه إمكانية الوصول إلى مستويات عليا من التعليم، إلا أنه أثبت أنه كان بلا قيمة. ومع ذلك، فقد جاء وأراد أن يصبح جزءًا من جماعة الإخوان لفيثاغورس. ولأنه كان شابًا يتمتع بامتياز، فقد اعتقد أنه يجب السماح له بتجاوز سنوات التدريب والصمت والتأمل العميق الخاص بالمعبد الداخلي لجماعة الإخوان. رفض فيثاغورس بصراحة عقد تعاون معه. غضب كايلون واراد الانتقام. وسرعان ما ألقى خطابات وهمية حول الأفكار والمعتقدات لفيثاغوريات – تلك الخطابات التي وصفت سكان كروتون بأنهم كالماشية يتم التحكم فيهم والسيطرة عليهم من قبل قادة فيثاغورس. وتلاعب كيلون نفسه بمشاعر أصدقائه وسكان البلدة، حتى أنهم، وبطريقة غوغائية، نزلوا على مجموعة من المنازل التي عاش فيها الإخوان (جماعة فيثاغورس) والتي درسوا وناموا فيها، فقام الغوغاء الغاضبين بإحراق المباني، مما أجبر أعضاء جماعة الإخوان الى الفرار من النيران المرعبة. وخرج الأعضاء من الحرائق، وطُعن الكثير منهم حتى الموت وهرب الذين فروا من النار إلى المناطق الريفية المحيطة. كان فيثاغورس أحد المحظوظين: فقد شكل أتباعه جسرًا إنسانيًا لمساعدته على التسلق خارج أحد المباني المحترقة.

فجأة توقف فيثاغورس. ليشاهد حقل فاصوليا شاسع امتد أمامه وقف متجمدا، لا يعرف ما يفعل. ركز عيناه على حبة واحدة تتدلى قرب بوصة من قدميه المغطاة بالبردي، لم يكن يرغب في الصراخ من اجل حبة واحدة، عندما كان ينظر إلى تلك الحبة النابضة بالحياة، والشمس تنخفض بهدوء في السماء، تخيل أن الحبة تنضج بصورة سماوية، وبينما كان واقفًا هناك، مترددًا، يفكر في خطوته التالية، داهمه مطاردوه وقاموا برفع أسلحتهم، وطعنوه بقوة، وامتد دم فيثاغورس على النباتات – وقد انهوا حياته من أجل حبة فاصوليا. 

 

....................

1-  بروس بنينجتون، مؤلف هذا المقال، هو مدرس رياضيات يعيش في ولاية نيويورك.

2-  ما ورد في المقال يمثل راي صاحب المقال.

3-  فيرسديس السيروسي كان مفكرًا يونانيًا من جزيرة سايروس، ألف كتاب نشأة الكون، وهو مستمد من ثلاثة مبادئ إلهية، زاس وكثوني وكرونوس، والمعروفة باسم "بنتميتشوس". لقد شكلت جسرا بين الفكر الأسطوري لهزيود وفلسفة ما قبل سقراط. وضاعت أعماله، لكنها بقيت حتى الفترة الهلنستية ويمكن الاطلاع على جزء من محتواها بشكل غير مباشر.

 

جميل حسين الساعديربعُ قرنٍ مضى على زيارتي الأولى والوحيدة لمدينة الأهواز، تلك الزيارة التي تركت لها أثراً في نفسي، وأخذت لها مكاناً في دهاليز الذاكرة إلى جنب الذكريات الأخرى للمدن الجميلة، التي زرتها في رحلاتي العديدة في هذا العالم المترامي الأطراف .

ما لفت انتباهي للوهلة الأولى ساحتها الجميلة  ساحة القدس، التي زادتها أشجار النخيل الباسقة، المصطفّة على جوانبها جمالاً وسحراً . قبل أن أواصل رحلتي إلى أطراف المدينة، توقّفتُ قليلاً أتأمّلُ أشجار النخيل المشرئبّة بأعناقها إلى السماء.

كانَ الوقتُ ظهراً وقدْ أخذِ منّي التعب كلّ مأخذ، فقد قطعتُ مسافاتٍ طويلة بدون توقّف. أرهقتني الرحلة الطويلة، كنتُ أشعر بشيئٍ من الضيق في صدري، وكانت أعصابي متوترة بسبب قلّة النوم، لكن بمجرد أن وطأتْ قدماي أرض الأهواز، شعرتُ بارتياح وانشرحَ صدري، فنسيتُ متاعب السفر وتنفّستُ الصعداء... حمداً للّه .. هذا هو النخيل، وهذا هو الفضاءُالرحب !!

انبجسَ في داخلي ينبوعٌ من الحنين ممتزجاً بفرحٍ صافٍ، وكأنّني هبطتُ على كوكب آخر. لمْ يطُلْ مكوثي في وسط المدينة، فقد غادرتهُ وواصلتُ رحلتي إلى أطرافها.. هناكَ أحسستُ لأولّ مرّة أنني دخلتُ في الفردوس المفقود، الذي كنتُ أبحثُ عنهُ منذ زمنٍ طويل .. ما أجملَ أن يعودَ الإنسان إلى فردوسهِ المفقود !

مرّتْ السنوات سراعاً، وفي زحمة الحياة والمشاغل اليومية، أُ ُسدلَ ستار النسيان على أحداثٍ كثيرة، منها ما هو مُفرح، ومنها ما هو مؤلمٌ، لكنَّ للصدفة دورها في بعث الذكريات من مخابئها، وللقدر سطوته وقدرتهُ على إيقاظ ما غفا فينا على سرير النسيان وتدثّرَ بدثارهِ. هنالك لحظات تجسّدُ لنا الزمن في كلّ امتداداته، فنعيش ماضيه وحاضره ونستشفُّ مستقبله .

وهكذا عادت الأهواز من جديد حيّةً أمامي، مثلما هي قبل ربع قرن، بعد أن شاهدت قبل أيّام (فيديو) للمطرب الريفي العراقي رعد الناصري  الزمان:

العام 2003  المكان: الأهواز. تحرّكتْ فيّ المشاعر قويّةً، وأنا أتأمّلُ في الأهوازيين، وهم يترنّمون ويهتزّون طرباً للغناء الجميل الأصيل، كانت لتعابير وجوههم وعفويّة حركاتهم في التعبير عن مشاعرهم وطيبتهم سحرٌ أسرٌ، ذكّرني بسنوات حياتي قبل أن أغادر العراق وأغترب.

عالم الطيبة والأصالة  فردوسنا المفقود  كانَ حاضراً في صوت رعد الناصري، المنبعث من أعماق ذلك العالم السحري الجميل النقيّ الأصيل، في ملامح وجوه الأهوازيين، في فرحهم الفطري، في كرمهم الحاتمي، وهُم ينثرون الأوراق النقديّة بابتهاج في حضرة الفنان رعد الناصري، وكأنّهم يريدون أن يقولوا لنا: ما قيمة المال أمام  الإبداع والمبدعين؟

الإبداع هو حركة الحياة الدائمة، التي لا تُقدّر بمال .. هو تجلّي الحياة بأجمل صورها ومعانيها.

ما أجمل الأهواز وأهلها ! وما أجمل صوت رعد الناصري!  صوت الريف الأصيل ، الذي ذكّرنا بفردوسنا المفقود  فردوس الطيبة والأصالة.

 

جميل حسين الساعدي

............................

* نشر هذا النصّ في مجلة المداد الأهوازية  العدد: 25

 

كل شيء طبيعي، عندما تجتاز طريق الجسر الى بغداد القديمة حيث تنتصب مدينة الطب على نهر دجلة كانها قلعة تطل على المياه الهادئة لدجلة ويمكن رؤيتها قبل عبور الجسر المؤدي الى بغداد القديمة .

 تضاعفت اعداد قوى الامن بشكل ملفت في الايام الاخيرة . وانتشرت حواجز جديدة تقطع الشارع الواحد احيانا الى اجزاء، كاننا في حرب، وتلقي بظلال من الشك حول دورها بحفظ الامن، رغم صخبها المظاهرات والاحتجاجات سلمية، لا تعكر سلميتها سوى اختراقات هنا وهناك غير مهمة يمكن ان تحدث في اي مكان، ما بالك بهذه الاعداد الهائلة من المتظاهرين والحشود التي تسد الشوارع الرئيسية ومنافذها معلنة عن مطالبها التي اصبحت ملازمة في جميع الحشود سواء المتجهة الى ساحة التحرير او الميادين التي اتسع نطاقها لتشمل اغلب الساحات الشهيرة والمعروفة في بغداد .

جلسنا بمقهى الوثبة، وطلبنا من صاحبه كود الانترنيت .

 مال علينا وقال: يعني انترنيت بلاش!

وسرعان ما عاد وكرر الكود عدة مرات الى ان استطاع قاسم الاتصال بالانترنيت، علق بعد ان ذهب صاحب المقهى حتى لو دفعت له عن الانترنيت لا يقبل . لا ياخذ سوى ثمن الشاي و الاركيلة . واكمل قاسم: يعني انترنيت بلاش!

وزاد لا يأخذ عن الانترنيت ولو تحولت المقهى الى مقهى انترنيت، والجميع اتوا بحواسيبهم الى المقهى . وظل يبحث في صفحات لم اشاهدها من قبل، وعلى الفيسبوك وتويتر الى ان وصل الى ما يريد قوله فقال بتذمر:

 ساريك احد الابطال الشعراء سرق احدى قصائدي، وجيرها باسمه .

وحين بدأت بمتابعة القصيدة، تذكرت انني سمعت مقاطع منها، وقرأت ابياتا منها كذلك على قصاصة ورق .

سرقها رغم ان تاريخ القصيدة كان مرفقا بها . ولم اجد ما اواسيه به سوى دهشتي وتعجبي من جرأة نشر قصيدة باسم غير صاحبها، رغم انها منشورة ومعروفة سابقا .

لا بد ان هناك خطأ ما في مثل هذه السرقات الجريئة رغم سهولة كشفها، ولكن كل ذلك لم يهدأ من مرارته وسخطه، رغم ان ليس امامه سوى ان يقبل بواقع اختلط فيه الحابل بالنابل، يجهل حقوق الملكية الفكرية وما شابه من قوانين تمس الجهود الفكرية والابداعية للكتاب والادباء والفنانين، نبدو فيه اننا لا ندراك اهمية الحقوق في واقع مهما جمل سرعان ما يظهر قبحه الى العلن ويفضح جوهره المرائي المختفي بنبالة مما يفقده صدقه امام الصديق قبل العدو .

صاحب مقهى الوثبة منسجم مع نفسه بثقة، كان الانترنيت احد المصادر الرئيسية والمهمة خاصة مواقع التواصل الاجتماعي لانتشار الشعارات الجديدة والقصائد الوطنية والاغاني الوطنية عن انتفاضة تشرين الشبابية، وطالما راينا الافلام المصورة في الاعتصامات والمظاهرات تدور فيها وتصوير الاغاني مع اللقطات العفوية التي تحمل الكثير من الدلائل تؤكد الروح الوطنية للشباب وعنفوانها او من خلال تجمع شبابي يصغي ويردد مقاطع من قصائد وطنية واناشيد جديدة بساحة التحرير والنفق و جبل "احد"، وعازفون اكثرهم من الشباب وقلما نجد بينهم محترفون فهم قله ولا يمكنهم مجاراة عنفوان الشباب وانتفاضته وهتافاته .

حين يطوف صاحب المقهى بالشاي يسال عن اخر القصائد والاغاني ويفرح فرحا طفوليا لكل خبر يأتي من ساحة الوثبة القريبة او شارع الرشيد اما ما تأتيه من اخبار من ساحة التحرير فانه على استعداد ان يتوقف عن العمل للاصغاء لها بكل جوانحه وكيانه لتنقله الى عالم اخر من الحرية لا يطاله الظلم والفساد والاسعباد خاصة لدى الشباب والاجيال الجديدة المنتقضة لاجل حقوقها الممتهنة من الاحزاب والتيارات الفاسدة على مدى 17 عاما مضت .

2

 تبدو الانتفاضة بين حين واخر بين صعود وهبوط، لكثرة محاولات تخريبها من الاحزاب والتيارات الفاسدة، وتدخل اصحاب القبعات بحجة حماية المتظاهرين والمعتصمين، وهم في الحقيقة بلطجية وحثالات وقمامة المجتمع يجهلون حقوقهم، ويسيرون وفق اوامر لا يدركون اساءتها لهم ومستقبل بلدهم تأخذ اوامرها من دولة اجنبية تسعى لتثأر من شباب العراق على يد هؤلاء الافاقين .

تضاعفت نشاطاتهم التخريبة مؤخرا لدرجة حرق خيم المعتصمين والاعتداء على المتظاهرين في ساحة التحرير وساحات وميادين التظاهرات والاعتصامات في محافظات الوسط والجنوب .

3

كنت ساذهب الى الكرادة .. وحين عدت كان شارع الرشيد والخلاني يشتعلان بحركة المتظاهرين والهتافات، تصل الى شارع امانة بغداد وساحة الوثبة، ولم استطع الوصول من ساحة الوثبة الى الرشيد، توقفت عند نهاية الاستدارة دون ان اتمكن من دخول الشارع .

 قنابل الدخان ترسم اقواسا رمادية متبددة قبل ان تسقط خلف ساحة الخلاني او قرب شارع امانة بغداد، تبدو عشوائية ومرتبكة دون ان تصيب هدفها، كأنها تتفادى اصابته، وان قوة ما خفية تدفعها بعيدا عنه لا تترك اثرا سوى خطوط فضية في السماء وفي مكان ارتطامها بالارض، وثتير زوبعة من الدخان الرمادي الكثيف يبقى مشتعلا عدة دقائق قبل ان ينطفئ ويتبدد بعيدا عن الحشود واماكن تجمعهم في ساحة الخلاني وقرب شارع الرشيد وأمانة بغداد .

4

سألني قاسم: هل تذكر الكنيسة في الميدان او "الخرابة" كما يسميها؟

قلت اذكرها .

قال اذا رايتها سوف لا تعرفها . رممت وازيلت الانقاض منها ومن حولها، واعيدت كما كانت واحسن، كانت تبدو البقعة الوحيدة في الميدان الهادئة تقع خلف الشارع الرئيسي للميدان بعيدا عن صخبه والحركة الدائبة فيه ليلا ونهارا . طليت جدرانها بالوان زاهية ومبهجة كانها تحفة ملقية وسط خرائب الميدان وقصورها المهجورة .

5

كراج السنك ..

استدرج مئات الشباب من ساحة التحرير وجبا "احد" الى كراج السنك بخدع دنيئة، وحوصروا في الكراج غير بعيد عن جسر الجمهورية المؤدي الى المنطقة الخضراء:

قال قاسم:

غدروا على يد مجرمي الاحزاب والتيارات ومليشياتها واصحاب القبعات .

حوصروا في الكراج من قبل من يدعي حمايتهم "اصحاب القبعات" وفتحوا النار عليهم عشوائيا .. قلت يا لها من خسة . فقال قاسم: ماذا تتوقع من مليشيات احزاب فاسدة نهبت البلاد .

قلت له صحيح ولكن الجريمة تفوق كل الجرائم التي ارتكبتها مليشيات الاحزاب والتيارات الفاسدة وجرائمها ضد المتظاهرين السلميين .

وختم ما قاله مؤكدا:

جرائمهم قد تشمل الجميع لانهم لا يؤمنون بالحوار والسلمية،، معبؤون ضد الاخر غير المؤيد لهم ولاحزابهم وتياراتهم الفاشلة ..

ولكنه سرعان ما استدار بالحديث وقال: اصبحت المنطقة اسفل جسر الجمهوية منتجعا ومحطة استراحة للمتظاهرين على شواطيء دجلة، من عناء التظاهر والهتافات في ساحة التحرير .

سويت مساحات رملية واسعة على ضفاف دجلة لتكون ملاعب للكرة الشاطئية يرتادها الشباب بين حين واخر مع الاراكيل والكراسي والمظلات الشمسية بالوانها الجذابة في حالة استرخاء ولعب ولهو تستفز  المليشيات والقتلة المأجورين، ويستفزهم اكثر الحضور النسوي الدائم على ضفاف وشواطيء دجلة وساحات اللعب والتسليات على رمال الشواطيء القريبة من ساحة التحرير وخيم المعتصمين .

ما ابشع واشنع واجبن ما فعله المجرمون بحق الشباب العزل؟!

ليسوا مجرمين فقط، بل مرضى يكرهون الحياة والشباب .

6

 لا شيء من ماضي العراق، وانتفاضاته الخالدة ومظاهراته، التي رافقت جميع العهود الماضية تقريبا، يشبه ما يحدث في ساحات وميادين بغداد، انه تاريخ جديد يكتبه الشباب للحاضر والمستقبل بوضوح وبساطة .

7

ما ابعد واقصر المسافة

بين الميدان وساحة الوثبة

بين الخرائب والانقاض

وقلب ينبض بالتغيير

يمتد من الخلاني وساحة الوثبة وشارع الرشيد 

الى ساحة التحرير،

تنتفض جموع الشباب بعنفوان

وتردد الشعار الوطني

باصرار وأمل:

"اريد .. حقي"

و"اريد .. وطن" .

تلخص مطالب شباب العراق

في الساحات والميادين

رافعين علم العراق عاليا

في سماء بغداد .

***

قيس ال ابراهيم العذاري

..................

هوامش:

ساحة ومحلة الميدان:

تشير بعض المصادر التاريخية إلى ان تسمية المحلة والساحة المشهورة باسم (الميدان) يعود إلى المدة العباسية حيث أسست الساحة على مقربة من قصور خلفاء وأمراء العباسيين لتسليتهم من خلال ممارسة الرياضة. بينما ينسب بعض تسميتها إلى تحولها لساحة لتدريب واستعراض الجيش العثماني أيام حكم العثمانيين، وهو ما يعرف في الأعراف والمصطلحات العسكرية بالميدان.

ويشير الباحث في تاريخ بغداد (إبراهيم عبد الرحمن) إلى ان "الساحة حُولت فيما بعد من مكان لتدريبات للجيش العثماني إلى سوق لبيع الأعلاف لخيول العربات التي تنقل السلع والبضائع والمسافرين إلى بغداد حيث كانت ساحة الميدان المحطة الرئيسة لمدخل بغداد الشمالي .

وكانت تستخدم أيضا لعرض وبيع العبيد المستقدمين من بلدان روسيا والقوقاز وأرمينيا ووسط آسيا ..

اشتهر فيها "طوب ابو خزامة" في يوم عشرة كانون الثاني 1968 نصب (طوب ابو خزامة) في ساحة الميدان على قاعدة كونكريتية .

يبلغ طول المدفع اربعة امتار ومحيط فوهته نصف متر وهو مصنوع من النحاس وقد كتب على ظهره مما يلي الفوهة ما نصه: عمل برسم السلطان مراد خان بن السلطان احمد خان سنة 1047 .

وما زالت محلة وساحة الميدان تنبض بالحركة وتنشط فيها اسواق وصناعة التحف والمنتجات المحلية والفلكلورية العراقية، تمتاز بيوتها بالشناشيل والواجهات المعمارية ذات الهندسة النادرة، ولكن معظم قصورها وبيوتها ذات الشناشيل اصبحت عبارة عن انقاض وبعضها ايل الى السقوط والاندثار .

تقع محلة وساحة الميدان مقابل مبنى وزارة الدفاع القديمة سابقا وسط بغداد .

 

 

محمود محمد علييعد إبراهيم إبراهيم محمد ياسين (أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب - جامعة المنصورة بجمهورية مصر العربية)، أحد الأسماء الهامة واللامعة في سماء الفلسفة العربية ؛ حيث أسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، وتعد لبناته الفكرية والأدبية التي وضعها بالجهد والعرق بمثابة الأساس الذي بني عليه الكثيرون من تلامذته مشاريعهم الفكرية، ورؤاهم الفلسفية في العربي المعاصر.

لم يكن إبراهيم ياسين مجرد مفكر مبدع نذر حياته للبحث عن الحكمة متذرعاً بمبادئ الحق والخير والجمال، لكنه كان – قبل كل ذلك إنساناً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى . إنساناً في تفلسفه، ومفكراً في إنسانيته، وبين الإنسان والفكر تتجلى شخصية إبراهيم ياسين متعددة الأوجه، كمترجم وكناقد وكأديب.

والدكتور إبراهيم ياسين هو واحداً من الأساتذة الجامعيين الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة الإسلامية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلى أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

ليس هذا فقط، بل إن الدكتور إبراهيم ياسين من المفكرين الذين يملكون رؤية واضحة عن تطور تاريخ الوعي الفلسفي والفكر العربي المعاصر وهو لا يعرف الحلول الجاهزة والاجابات المسبقة ولا يؤمن بالمطلقات الانسانية أو الدوائر المغلقة للفكر، منذ ثمانينيات القرن الماضي . وهو قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

وفي هذا المقال نحاول أن نرصد هذه الملامح التي تميز شخصية إبراهيم ياسين (مع حفظ الألقاب) بشكل يميل إلي الإيجاز ويبعد عن التطويل والاسترسال، بحيث يكون التركيز علي ما هو أساسي وجوهري في شخصيته وإنتاجه وفكره ؛ وبخاصة طريقته في تجديد الخطاب الصوفي .

وإبراهيم ياسين من مواليد محافظة المنصورة سنة 1945، حيث كان جاد في دراسته في كلية الآداب في قسم الفلسفة حيث حصل الليسانس بتقدير جيد في 1971، ثم الماجستير في عام 1980 في موضوع ” حال الفناء في التصوف الإسلامي، ثم الدكتوراه 1986، وتم تعيينه مدرس مساعد بقسم الفلسفة بالمنصورة في عام 1983، عُين مدرسا بعد ذلك في عام 1986م في موضوع “صدر الدين القونوي وفلسفته الصوفية” تحت إشراف أستاذنا الدكتور أبو الوفا الغنيمي التفتازاني، ثم رقي إلي درجة أستاذ مساعد في عام 1991، ثم أستاذا في عام 1994م، وعقب حصوله علي الأستاذية تولي منصب رئيسا لقسم الفلسفة إلي أن أضحي أستاذا متفرغا عام 2005، وخلال تلك الفترة نال إبراهيم ياسين عدة جوائز منها شهادة التفوق فى البحث العلمي من شهادة التفوق في البحث العلمي، من كلية الآداب بجامعة بنجامتن، نيويورك، المتحدة الأمريكية، يوليو 1995 (المشاركة فى البحث والتدريس كأستاذ زائر) في 1/7/1995.

وكان إبراهيم ياسين عضوا باللجنة الدائمة للترقيات على مستوى التحكيم الدورة التاسعة والعاشرة في مصر – من 1/1/2000، كما كان رئيساً شعبة مؤتمر الجمعية الفلسفية الأمريكية المعروفة اختصاراً E.S.B في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في مصر – من 1/1/1995، كذلك كان عضوا بهيئة تحرير المجلة العلمية بكلية الآداب – جامعة المنصورة من عام 1994م وحتى الآن في مصر. وقد شارك إبراهيم ياسين في مئات المؤتمرات بمصر والعالم العربي وأوربا وأمريكا .

كما كان إبراهيم ياسين أحد الأسماء الهامة واللامعة في سماء تخصص الفلسفة الإسلامية في مصر والعالم العربي؛ حيث أسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، وتعد لبناته الفكرية والأدبية التي وضعها بالجهد والعرق بمثابة الأساس الذي بني عليه الكثيرون من تلامذته مشاريعهم الفكرية، ورؤاهم الفلسفية .

ولإبراهيم ياسين مؤلفات كثيرة نذكر منها : كتاب عالم أنيس منصور الروحي والخفي، وكتاب تأنيس الإنسان في الفكر الصوفي المتفلسف : رؤية حضارية، وكتاب دلالات المصطلح في التصوف الفلسفي : اشارات فلسفية في كلمات صوفية، وكتاب تسامي الأنا والحب الإلهي عند صوفية المسلمين، وكتاب حال الفناء في التصوف الإسلامي، وكتاب مشكلات في التصوف الفلسفي والفلسفة الروحية في الإسلام، وكتاب مدخل الى الفلسفة الاسلامية والتصوف الفلسفي : صدر الدين القونوى وفلسفته الصوفية، وكتاب المدخل إلى التصوف الفلسفي : دراسة روحية سيكو ميتافيزيقية، وكتاب دراسة على طبيعة وتطور الوعي الروحي عند الإنسان، وكتاب عالم أنيس منصور الروحي والخفي، وبحث عن المشيئة الالهية ومفهوم الحرية والحتمية في الفكر الإسلامي، وبحث عن خصائص التصوف الفلسفي وبحث عن الحالة الكونية وقواها، وبحث عن الارتسام، وبحث عن تسامي الأنا والحب الإلهي عند صوفية المسلمين، وبحث عن موقف الشيرازي من الفلاسفة، وبحث عن تسامى الأنا والحب الإلهي، وبحث عن الخيال في التصوف الإسلامي، وبحث عن تجديد الرياضيات الروحية في الإسلام، وبحث عن التوجه السفر إلى الله…الخ.

وقد ترجم إبراهيم ياسين العديد من الكتب نذكر منها : كتاب عن دراسة على طبيعة وتطور الوعي الروحي عند الإنسان، وكتاب استكشاف البوذية لكريسماس همفري، وكتاب عن فلسفة الدين، مقال مترجم من كتاب ما هو الدين ؟ ..الخ.

وننتقل إلي موضوعنا الرئيس في المقال وهو أن الدكتور إبراهيم ياسين يعد رائداً في تجديد الصوفية، حيث كان يردد في كتاباته بأن التصوف ليس رقص الراقصين ولا طبل وزمر وتصخاب وتهييج ولا هو الذكر بألفاظ ساذجة محرفات، ولا صعق وتشنيج ولا مواكب رايات ملونة فيها لما يغضب الله ترويج، ولا هو العمة الكبرى، ولا سبح حول الرقاب، ولا التعطل أو دعوى الولاية أو صنع الخوارق أو كذب وتدبيج ووشاح وعكاز، ولا نسب إلى النبي من البهتان منسوج، ولا الإجازات تشرى بالدراهم أو وظائف صرفها بالزيف ممزوج ولا مظاهر آثام الموالد، أو تكاثر برجال خيرهم عوج، وليس بالفلسفات الهوج ينقلها كالببغاوات جهلاً.

وأوضح إبراهيم ياسين في كتابه مدخل إلي التصوف الفلسفي دراسة سيكو ميتافيزيقية حقيقة تؤكد بأن التصوف فقه الدين قاطبة، والفقه بالدين توثيق وتخريج، هو الكتاب وما جاء النبي به وكل شيء سوى هذا ممجوج، إن التصوف سر الله يمنحه من قد أحب، وحب الله تتويج. وكان يرى أن التصوف ترميم بناء الباطن بعد أن تحطم من داخله، وكان يقول” من قال برفع التكليف عنه هو نصاب، ومن قال ليس عليه صلاة فهو كذاب أشر”.

من أجمل ما أثار انتباهي في قدرات إبراهيم ياسين في تجديد التصوف الإسلامي، دراسته الرائعة عن مفهوم الحاسة الكونية في أقوال الغربيين وتجلياتها في التصوف الإسلامي، حيث يؤكد لنا أن مفهوم الحاسة الكونية مفهوم استخدمه لأول مرة كل من وليم جيمس بشكل غير مباشر حيث قدم وصفا دقيقا للحالة النفسية التي يعانيها الصوفية والرهبان عندما يغلقون حواسهم المادية، وعندما يتم للصوفي عبور حواجز الذات إلى دائرة الكون فيما نصفه إصلاحا بالوعي الكوني وكانت ملاحظة جيمس لوجود مثل هذه الحالة مقترنة باعتقاده الجازم أن صوفية السكر والفناء، يصابون بأمراض عصبية الهستيريا، ومع ذلك فقد شكك في أن تكون أمراضا حقيقية لأنها أشبه بأعراض البقرية أو هي حالة من الوعي الصوفي العميق.

ثم يؤكد إبراهيم ياسين بأن هذا المفهوم تطور عند إيفلين أندر هل لتصفها بأنها نشاط عصبي خارق يقاوم الحواجز التي يفرضها الجسد على الروح محاولا إخمادها ويظل هذا النشاط مستمرا حتى تنشط حاسة سيكو فيزيقية فائقة تعبر حدود الحواس العادية، وهنا يعلق إبراهيم ياسين علي فيقول بأنه يذكرنا هذا بما يقوله ابن سينا عن الحس المشترك الذي يعد عنده مركزا للحواس منه تتشعب وإليه تؤدي الحواس، أو هو بلغة ابن سينا الوهم أو القوة الوهمية، التي تكون سبيلا إلي نوع من الإدراك القادم من مصدر علوي علي سبيل المثال الفائض على النفوس من المبدأ المفارق.

ثم يقدم إبراهيم لنا وصفا لتلك الحاسة عند ولتر ستيس وجاكون نيدلمان، حيث يصف ستيس بأنها عمل الحاسة الكونية بأنها لحظة تقترن بفيضان النظام الإلهي علي النظام الطبيعي بحيث يعاين الصوفي مشاهدات من عالم مقدس ويتمكن من أن يعود هذا إلي دائرة الزمان، أما جاكوب نيدلمان فيجعل من هذه الحاسة همزة الوصل بين العلم والتصوف، ويري فيها القدرة التي يفتقر إليها العلم في محاولته تفسير الكون بطريقة لا مثيل لها وحيث لا يعمل العقل . ثم يجعل منها مساندة لعلم النفس المعاصر في علاج الحالات النفسية العصية علي العلاج .

ثم يؤكد إبراهيم ياسين بأنه قد عرفت هذه الحاسة عند الصوفية المسلمين مقترنة بنظرية الكمال في التصوف الفلسفي، وبنظرية الفناء في التصوف الديني، وكذلك نراها صلب نظرية الإدراك والمعرفة الذوقية في نظرية القطب والإنسان الأكمل الذي تدور حوله أفلاك الوجود.

والباحث المدقق في التصوف كما يرى إبراهيم ياسين يستطيع أن يقرر أن معظم الصوفية قد أضافوا أنفسهم إلي الكون في رحلتهم إلي المطلق، ثم هم قد حاولوا دائما نقل الكون إلي بواطنهم بحيث أصبح الباطن معادلا للبحث في الكون أو هو أوسع مدي، يساعد الصوفي على ذلك انتماؤه لنفس العناصر التي يتركب منها الكون وخضوعه لنفس المؤثرات التي يخضع لها، بحيث أمكن وصف الإنسان من هذه الناحية بأنه كون أصغر قد اتفق علي هذا صوفية الشرق والغرب.

فالصوفي في اعتقاد إبراهيم ياسين يعرف دائما ذلك الإنسان بمعنى من المعاني، وهو الشخص الذي يطارد وعياً عميقاً ويعي في بداية وعيه أنه يعي، وأن هناك وعيا يعبر عن رغبة أكيدة في نفس الصوفي في كشف أعماق الوجود والاندماج مع المطلق كما هو الحال في دراسات هيلاري إيفانز؛ والإنسان الكوني ليس أنا بالضرورة، وإنما هو ذلك الإنسان هناك، والواقف على عتبة القوانين الحاكمة للكون بحيث تصبح كل الأبعاد سواء كانت زمانية أو مكانية تحت سيطرة الحاسة الكونية العميقة.

ثم يؤكد إبراهيم ياسين بأن صوفية المسلمين يتحدثون عن الحاسة الفائقة فيصفونها بأنها البصيرة أو اللطيفة الربانية أو السر الإلهي أو الوهم أو الهمة.. وتعمل كل هذه المصطلحات لتشكل أبعاداً لمعاني الملكة التي تعمل حال الفناء عن العالم، والأغيار والذات، فلا يثبت الصوفي وجودا أصلا، بل هو في هذه الحال يعبر كل الحواجز والقيود سواء كانت مادية، أو معنوية أو مكانية أو زمانية.

ويطول بنا المقال غير أني لا أملك في نهاية حديثي عن الدكتور إبراهيم ياسين إلا أن أقول تحية طيبة لهذا الرجل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخرى مني لهذا الرجلٍ العظيم الذي لم تجز به السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتور "جمال رجب أمين سيدبي" (أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب – جامعة السويس بجمهورية مصر العربية)،  أحد الأسماء الهامة واللامعة في سماء الفلسفة الإسلامية . أسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، وتعد لبناته الفكرية والأدبية التي وضعها بالجهد والعرق بمثابة الأساس الذي بني عليه الكثيرون من تلامذته مشاريعهم الفكرية، ورؤاهم الفلسفية في الفكر العربي المعاصر. كما كان واحداً من الأساتذة الجامعيين المصريين الذين يقومون بتدريس الفلسفة الإسلامية من وجهة نظر إسلامية خالصة، بعد أن كانت تُدرس من خلال الدرس الإستشراقي الذي ربط الفلسفة الإسلامية بالتراث اليوناني، وأهم من نادوا بالبحث عن أوجه الأصالة والابتكار في الفلسفة الإسلامية، وهو بالإضافة إلي ذلك نموذج للأستاذ الجامعي كما ينبغي أن يكون سواء في التزامه بأداء واجباته الوظيفية الاكاديمية علي أحسن ما يكون الأداء، أو في ارتباطه بطلابه في علاقة إنسانية رفيعة المستوي في هدي من التقاليد الجامعية التي يحرص عليها كل الحرص، إذ هي دستوره في كل معاملاته مع كل من هو في الوسط الجامعي .

وجمال سيدبي رجل غزيز الانتاج، موسوعي المعرفة لديه دأب علي البحث والتنقيب وشهوة لا تقاوم لتعلم كل ما هو جديد ومبتكر، هو رجل منضبط في فكره ومفرداته، أثيني في توجهاته ومعتقداته، وهو خلاف لمظهره الذي قد يراه البعض متجهما أو عابسا هو رجل يتمتع بروح دعابة وخفة دم ونظرة ساخرة للحياة والكون والحق أنني أجد في هذه المقالة فرصة للتعبير عما أكنه لهذا الرجل من حب واحترام وتقدير، فهو بالنسبة لي أخ أكبر ومفكر مبدع قادر دائما علي أن يدهشك وهو في هذه المرحلة المتقدمة من العمر .

وقال عنه أستاذنا الدكتور عاطف العراقي في تصديره لرسائل الجنيد التي قام بتحقيقها سيدبي: " د. جمال سيدبي أعرفه عن قرب، لقد شاركت في مناقشة رسالته للماجستير، تلك الرسالة التي أشرف عليها الأستاذ الدكتور إبراهيم مدكور، وكانت الزميلة الدكتورة زينب الخضيري، كما أشرفت علي رسالته للدكتوراه، وكانت في موضوع موقف أبي البركات البغدادي النقدي من الفلسفة الإلهية عند ابن سينا كما كانت رسالته للمجاستير تدور حول مشكلة خلود النفس بين ابن سينا والغزالي وهذا إن دلنا علي شيئا فإنما يدلنا علي الاهتمام البالغ من جانب الدكتور حمال سيدبي بالتراث الفلسفي العربي الإسلامي . لقد درس أراء مجموعة كبيرة من المفكرين كابن سينا أبي البركات الغزالي بالإضافة إلي اهتمامه بعد حصوله علي درجتي الماجستير والدكتوراه وبأعلى التقديرات اهتمامه بدراسة الكثير من القضايا والمشكلات في محيط الفلسفة العربية. إن هذا يدلنا علي ان د، جمال سيدبي قد أعد نفسه إعدادا دقيقا لدراسة مجالات عديدة وقضايا كثيرة من مجالات وقضايا الفلسفة العربية. لقد سار واثق الخطوة حين تصدي لتلك القضايا والمشكلات وواثق الخطوة يمشي ملكا كما نقول . نعم كان واثق الخطوة، لأنه لا يعرف أمانة الكلمة وذلك يتمثل في أنه لا يتصدي للكتابة في أي موضوع إلا بعد قراءات تحليلية مستفيضة خلال سنوات وسنوات".

ولم يكن جمال سيدبي مجرد فيلسوف نذر حياته للبحث عن الحكمة متذرعاً بمبادئ الحق والخير والجمال، لكنه كان – قبل كل ذلك وبعده – إنساناً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى؛ فهو إنساناً في تفلسفه، وفيلسوفاً في إنسانيته. وبين الإنسان والفيلسوف تتجلى شخصية سيدبي متعددة الأوجه، كمؤلف وكناقد وكأديب.

وفي هذه المقال نحاول أن نرصد هذه الملامح التي تميز شخصية جمال سيدبي بشكل يميل إلى الإيجاز ويبعد عن التطويل والإسترسال، بحيث يكون التركيز علي ما هو اساسي وجوهري.

ولد جمال سيدبي في الرابع والعشرين من شهر يوليو عام 1956، حيث حصل علي درجة الماجستير دفعة 1989،وحصل علي دكتوراه الفلسفة الإسلامية عام 1993، وتقلد عدة وظائف إدارية مهمة في الجامعة نذكر منها مثلا:، ثم وكيلاً لكلية الآداب لشؤون التعليم والطلاب، ثم وكيلاً لكلية الآداب لشؤون الدراسات العليا، ثم تقلده رئيس قسم العلوم الاجتماعية، ثم عميداً لكلية الآداب والعلوم الإنسانية، ثم نائب رئيس جامعة السويس لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة.

له مؤلفات كثيرة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: منهج تجديد الخطاب الديني، والمسلمون والتحدي الحضاري، في علم الكلام منهج وتطبيقه، درسات إسلامية، مقدمة في التفكير العلمي، والنزعة النقدية في فلسفة محمد إقبال، وموقف ابن رشد النقدي العالم والعلم الإلهي عند ابن سينا والغزالي، موقف ابن رشد النقدي من الإشاعرة، مالك بن نبي وفلسفته الإصلاحية، مشكلة الموت وعلاقتها بحال الفناء عند الصوفية، المنهج الوسطي عند الماتريدية، مشكلة الاتصال بين ابن باجة وابن طفيل، نظرية الوسط الأخلاقي بين مسكوية والغزالي، موقف سعيد النورسي النقدي من الحضارة الغربية، منهج ابن حزم الكلامي في دراسة مشكلتي الذات والصفات والجبر والاختيار، العقل والدين في النسق الكلامي... وهلم جرا.

كتب الدكتور جمال سيدبي كتابا بعنوان: منهج تجديد الخطاب الديني: رؤية نقدية جديدة، وفي هذا الكتاب كما يقول سيدبي: نبتت فكرته في نفسي منذ ما يقرب من عشرين عاما أو يزيد، قدمت قضية تجديد الخطاب الديني بدراسة في مجلة منبر الإسلام التي يصدرها المجلس الأعلي للشئون الإسلامية في مصر، وإذاعة القرآن الكريم في برنامج ندوة الأسبوع ولما سنحت لي الفرصة أردت أن أقدم رؤيتي حول هذه القضية بمنهج نقدي تجديدي يعمد إلي الوسطية والاعتدال في معالجة القضايا والمشكلات الخاصة بتجديد الخطاب الديني وتحريره مما أصابه من غبش ونبرز الصورة الصحيحة . ويستطرد سيدبي فيقول إن : تجديد الخطاب الديني أصبح من أبرز القضايا الأساسية التي تهم الشأن الإسلامي في الآونة الأخيرة إن لم يكن أبرزها‏،‏ الإسلام في عمقه حوار مستمر بين النصوص الدينية الثابتة من جهة‏. والحياة الواقعية المتغيرة من جهة أخري، أو هو جدل دائم بين ثابت أزلي ومتغير متجدد، الفرق واضح بين الثابت والمتغير، والمنطقة المحرمة لا يختلف عليها اثنان، من هنا لابد أن نضع المفاهيم والضوابط والمحددات أمام المسلم حتي لا يختلف في أي قضية، إذ أن باب الظن هو الذي اجتهد فيه المجتهدون.

ويوضح سيدبي ذلك فقال: هناك فرق بين القواعد الكلية في المقاصد، وبين الاشتغالات في بعض أحكام العلم. قال تعالي: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، إذن نحن نقول لله وللرسول سمعنا وأطعنا: هذه واحدة، لذلك حتي لا يختلط الأمر علينا لابد أن نحدد الفرق بين الثابت والمتغير، حيث أن المنطقة المحرمة لا يختلف عليها، ولكن نري من ينادي بتجديد الخطاب الديني، وهو لم يقرأ في علوم الدين وبضاعته مفلسة.. كيف؟! لذلك لابد أن نضع المفاهيم والضوابط والمحددات أمام المسلم حتي لا يختلف في أي قضية، فباب الظن باب عظيم اجتهد فيه المجتهدون.

والمقصود بباب الظن كما يقول سيدبي: أي باب المتشابه في القرآن الكريم مثل النظر في وجه الله الكريم، وهنا ندرك أن لله وله المثل الأعلي يد، ولكن ليس ككل الأيدي، وهذا موضوع كبير عند علماء الكلام في تأويل النص المتشابه، وليس النص المحكم. وأما فيما يخص المنطقة المحرمة فقال: المنطقة المحرمة عند علمائنا الأوائل الذين كانوا يعرفون معني الدين، ومعني الشريعة الغراء هي التي لا يجترئ عليها ولا يقترب منها أحد أبدا أما في باب الاجتهاد سواء في علوم الدنيا أم علوم الدين فنحن مأمورون بالاجتهاد ولا يوجد فصل بين الدين والدنيا، ولكن نحتاج إلي البحث عن فقه المقاصد في الشريعة الغراء، وهناك من يجتهد في استنباط الحكم الشرعي، ولابد أن يكون عالما بالمقاصد والقواعد الأصولية التي تضبط اجتهاد الفقيه مثل النحو عندما يضبط لغة المتحدث، والنحو والصرف عندما يضبطان لغة المتكلم، والقواعد الأصولية مع المقاصد تضبط استنباط الحكم الشرعي. ويعطينا سيدبي مثلا للقاعدة الأصولية فيقول: قاعدة لا ضرر ولا ضرار وفي ضوء هذه القاعدة يجتهد العلماء في حكم التدخين، هل له ضرر؟ فنجد بعض العلماء يقول هو في مرتبة الكراهة، والبعض يقول انه في مرتبة التحريم، وفي ذلك يجتهد المجتهدون، ومثلها قاعدة الضرورات تبيح المحظورات عند أصول الفقه.

وأما فيمن يدعي ويفتي بغير علم علم فقد قال عنه سيدبي: هذا هو الضرر بعينه وهم كثر وبضاعته من العلم مفلسة، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، كان العلماء الأوائل عندما يسأل أحدهم كان يفتي في مسألة ويعتذر عن مئات المسائل لأنه يعرف أن الفتوي في الدين أمر جلل وسيحاسب عنه. وهذا يعني في رأي سيدبي أن الإسلام لا يريد إنسانا متبلدا يأخذ ويتلقي فقط ثم ينفذ، لكن يعطيه لمحة للتأمل ودعوة للنظر والبحث، قال تعالي قل سيروا في الأرض فانظروا ونحن ندعو إلي تجديد الخطاب الديني لكن لابد أيضا من عدم إطلاق العنان لمن لا يعرف أن يتحدث باسم الدين.

وأما عن مواصفات الداعية في رأي سيدبي فيقول: لابد للداعية أن يكون رصينا، يعرف لغة عصره وأمته وقضاياها، ولديه ثقافة متنوعة وثرية من علم النفس والفلسفة، وأن يكون متخصصا في بابه الأصيل ومتمكنا فيه حتي يستطيع أن يقتحم عقل ونفس الانسان المعاصر حيث أن لديه تحديات من النظريات العلمية وإبداعات الحضارة الجديدة، لذلك لابد لمن يتصدى للخطاب الديني أن يواكب العصر ويواكب الرأي والرأي الآخر، ويستفيد من علوم العصر لا أن يكون متخلفا.

وهذا يعني أن الخطاب الديني في نظر سيدبي يتضمن ثلاثة عناصر: عالما ورسالة ومتلقيا؛ بمعني أنه لا بد أن يكون هناك نوع من التفقه في الدين أو الفقه العام لأحداث العصر بالعلم وذلك بشرط أن يكون هناك دعوة، وفقه الدعوة ليكون علي علم بما يقال للعامة ولا يقال للخاصة ومتي يقول الكلمة، وفي أي موضع يقولها، فيكون العالم واعيا بقانون التوازن في الدعوة، ما بين الترغيب والترهيب، فتجديد الخطاب الديني يحتاج إلي لغة جديدة في الخطاب، وطرح القضايا والموضوعات التي تساهم في بناء عقلية إسلامية معاصرة تجمع بين الدين والدنيا. وهذا المنهج العظيم الذي في لغة الخطاب فيه توازن وتناغم قال تعالي وابتغي فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسي نصيبك من الدنيا فتلك التعادلية بين الدنيا والآخرة لابد أن تتضمنها لغة الخطاب حتي نستطيع أن ننتج جيلا متوازنا ومتناغما يستطيع أن يساهم في إبداعات الحضارة.

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة يؤكد عليها سيدبي وهي أن تجديد الخطاب يجمع بين العلم والأخلاق في بوتقة واحدة ويبرر ذلك قائلا:" مناط الدعوة الإسلامية أو القرآن الكريم مبني علي النظرية الأخلاقية أو القيمة الأخلاقية يقول رسول الله (صلي الله عليه وسلم) إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، ومنظومة العلوم عند العرب والمسلمين كان لها باع طويل في مزج القصة الأخلاقية بالعلم، لذلك لابد من العقلية العلمية والإسلامية أن تجمع بين الأخلاق والعلم في لغة الخطاب، والخطاب الديني لأن الدين في نظر سيدبي هو  هو المحرك للشعوب.. المحرك للأمة ولا يمكن أن يتقدم المجتمع ويحقق الآمال بدون التمسك بالدين، بعبقريته وبعظمته وبجماله، الأمة تعاني من انهيار أخلاقي ولابد من تجديد في الخطاب الديني حتي ننقذ الأمة، وذلك من خلال هدفي النبي (صلي الله عليه وسلم) وإنك لعلي خلق عظيم ولابد أن ننتقل من التنظير إلي التطبيق، ومن الكلام إلي السلوك وهذه تحديات. ويستطرد سيدبي فيقول: الآن الفرصة سانحة من خلال وسائل التقنية المعاصرة من وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، فلو أجرينا إحصائية علي مستوي العالم الإسلامي لوجدنا أن الأمة الإسلامية تضيع أوقاتها للأسف فيما لا يثمن ولا يغني من جوع، والخطاب يجب أن يرشد الأمة نحو استثمار الوقت، نحو المحافظة علي ممتلكات الدولة والأمن العام، حيث إن تلك الممتلكات يجب أن تكون جزءا من تجديد الخطاب.

ويؤكد سيدبي بأن المرجعية التي بإمكانها أن تنهض بهذه المهمة هو الأزهر الشريف الذي يمثل مرجعية مهمة حيث يمثل الوسطية للأمة والمسلمين في العالم وتعقد الآن دورات لشباب الدعاة نحو آليات التجديد للخطاب وثقافة الداعية؛ فلا بد من من إعداد الخطيب نفسيا وثقافيا وتربويا ونمده بالكتب والمراجع ولو الأمر بيدي لأعطيتها له مجانا، ولغة الخطاب تكون من خلال التطبيق العملي في سلوكه، وأن يكون أمينا فيما يقول وما يفعل، أن يكون متنوع الثقافات، ولنا في ذلك مثل أعلي في الشيخ الشعراوي رحمه الله نراه كيف يدخل في علم الكيمياء والفيزياء والأحياء أو الكون والفلك والأجمل أنه يربط الأشياء بالدين ويظهر جمال الدين فيها.

ثم يقدم لنا بعد ذلك سيدبي وسائل تجديد الخطاب الديني، حيث يري أنه من الوسائل المهمة لتجديد الخطاب الديني التنوع مع اليسر فمن الأمور المؤسفة في نظر سيدبي أن البعض لا يحسن عرض الإسلام ومن لا يملك النصاب فكيف يزكي؟ ومن ثم ينبغي أن تتنوع وسائل الخطاب الديني في حياتنا المعاصرة وفيما نعتقد أن الطريقة الوعظية المباشرة لم تعد هي الطريقة الوحيدة وإنما هناك وسائل أخري أشد تأثيرا في النفس، مثل الأعمال الدرامية الجادة التي تهدف إلي إبراز قيم وجماليات الإسلام في حسن الإنسان المعاصر واعتقد أننا في امس الحاجة إلي هذا في ظل التحديات الشائكة والمعقدة.

كما أن الخطاب الديني كما يري سيدبي في حاجة إلي أن يجدد نفسه، وبخاصة الدعوة والتأكيد علي القضايا التي هي بمثابة قاسم مشترك بين شعوب الأرض قاطبة مثل الدعوة إلي الحب الإنساني بمعانيه السامية، الدعوة إلي مكارم الأخلاق، الدعوة إلي الحب الإنساني بمعانيه السامية، الدعوة إلي مكارم الإخلاق، الدعوة إلي الأخد بالعلم، الدعوة إلي التعاون، الدعوة إلي المساهمة في سعادة إنسان العصر، ويؤكد سيدبي أن هذه القواسم المشتركة بين كافة الشعوب ومن ثم فإن هذه الموضوعات وطرحها بطريقة عصرية مشوقة جديرة بأن تغير نظرة الغرب عنا ونحن محتاجون إلي أن يغير الغرب نظرته عنا بالفعل لأننا نحتاج إليها وهم يحتاجون إلينا ولا غني لأحد عن الآخر ويجب أن ننبذ ظهريا فكرة الدونية عن انفسنا، وأن نعود الغرب علي عدم النظر إلينا باستعلاء نتاج موروثه الحضاري.

أيضا من الأمور المهمة لتجديد الخطاب الديني في حياتنا المعاصرة كما يري سيدبي: إفساح المكان للخطاب الديني المستنير والمعتدل والمتوازن لكي يتبوأ مكانته عبر وسائل الإعلام المختلفة لأن الأمم العظيمة هي التي تحافظ علي هويتها والإسلام هو خير سياج للمحافظة علي بنائنا الاجتماعي في ظل متغيرات سريعة وعولمة عاتية لا ترحم – إلا من رحم ربي، ومن ثم فإن إفساح المكان والزمان للخطاب الديني في وقتنا المعاصر لمن المهام العظام التي ينبغي أن نتحلي بها في حياتنا المعاصرة.

من مهام الخطاب الإسلام المعار في نظر سيدبي تحديد الهدف والبعد عن الخلافات فثوابت الإسلام وأصوله واضحة ولا مانع من أن يجتهد حول الفروع وينبغي أن يكون واضحا أن الاختلاف آفة الأمم والشعوب، والأمة الناضجة هي التي تتوحد حول الهدف المنشود، ومن ثم فإن توحد الأمة عل قلب رجل واحد لمن مهام الخطاب الديني المعاصر وهذا ما تعلمناه عبر تاريخنا الحضاري.

من المهام الكبري لتجديد الخطاب الديني في حياتنا المعاصرة ما يطلق عليه سيدبي فقه الأولويات، وهنا في نظره ينبغي علي رجل الفكر والدعوة أن يكون عالما بصيرا بأمراض الأمة، فرجل الفكر والدعوة مثل الطبيب الذي يصف العلاج الناجع للمريض وكما يقولون لكل مقام مقال، ومن ثم فلا يقم نافلة علي فرض ولا مندوبا علي واجب، ويجب أن نسلط الضوء علي القضايا الكبري للمة مثل التكافل الاجتماعي والنهوض الاقتصادي والتقدم العلمي وبث روح العمل والعطاء .. أو الإخلاص والتفاني في حب الوطن لمن أعظم المهام لرجالات الدعوة والفكر لتجديد الخطاب الديني.

تحيةً للدكتور جمال سيدبي، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة فلسفية ووطنية وشخصية موسوعية، ما جعل زملاءه وتلاميذه من المفكرين والكتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته في تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.

وتحيةً مني لرجل  لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا فيه قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علي (رسالة المحاماة)

نعود ونكمل حديثنا عن فيلسوف المحاماة والمحامين في هذا المقال الثاني، والذي نستهله بمفهوم المحاماة في فكر الأستاذ رجائي عطية، وذلك كما ورد في كتابه رسالة المحاماة، فهو في هذا الكتاب يحدثنا حديثا قد يبدو غريباً عما تعودناه .. فهو يحدثنا فيه عن المحاماة التي كانت والتي يجب أن تكون .. ومرجع هذا الحرص هو إيمانه الشديد بأن جيلنا يسلم الراية عالية خفاقة للأجيال القادمة، وبالتالي لا تأخذنا الدهشة حينما يتحدث رجائي عطية عن أشياء لم تعد موجودة الآن، لماذا؟ لأن مهمتنا كما يقول :" أن نتقدم بالمحاماة وأن نلزم كل من نتعامل معه بأنها تمثل رسالة .. رسالة ينهض بها المحامون فرسان الحق والكلمة .. يخوضون فيها الغمار، ويسبحون ضد التيار! .. يحملون راية العدل قي صدق وأمانة وذمة ووقار.. يناصرون الحق ويدرأون الظلم.

وكلمة رسالة في نظر رجائي عطية لا تقال هنا اعتباطا فلا هي في نظره مهنة ولا حرفة ولا صنعة، وإنما هي بالفعل في نظره رسالة كرسالات الأنبياء والرسل.. فحينما نفهم ونعرف ما هي المحاماة! وكيف يجب أن تكون كما كانت وأحببناها!!، من أجل ذلك سنفهم الفارق الواضح كما يقول رجائي عطية "بين ما سوف نطرحه وبين المعاناة الجارية"، وله في هذا الأمر هدفين (وهو يعتبر نفسه قد نجح إذا ما وصل لتحقيق كل منهما)، الهدف الأول ويوجهه رجائي عطية لكل المحامين في الشرق والغرب فيقول : عليكم أن تحبوا وتعشقوا المحاماة، فلا رجاء للمحاماة ولا رجاء للمحامي، إلا إذا كانت المحاماة هي المعشوقة، والمحامي هو العاشق، وهذا العشق هو وحده الذي يكفل التقدم بالمحاماة والنهوض برسالتها، أما الشق الثاني والمطلب الثاني الذي نسعي إليه وهو أن نقدم من واقع خبرته التي تجاوزت حوالي 60 سنة في ممارسة هذه الرسالة مفاتيح أدائها أو مفاتيح المعرفة التي يجب أن تتوافر فيها.. مفاتيح التعامل في محرابها .. مفاتيح التعامل في ساحات المحاكم... مفاتيح التعامل في غير محاكم نيابات كانت أو سلطات استدلال .. مفاتيح الأداء .. مفاتيح المرافعة .. مفاتيح الإلقاء" .

هذه بعض مفاتيح أداء رسالة المحاماة كما يؤكد رجائي عطية، ولكن من حقنا أن نسأله: ما مرجع إصراره علي أن المحاماة رسالة،، وما الفارق الذي بيننا وبين الطبيب أو المهندس، أو الحرفي أو الصيدلي أو الباحث في العلوم، أو الزراعي.. وهلم جرا؟

ويجيبنا قائلاً :" كل هؤلاء المهنيون أو الحرفيون يؤدون عملاً جديراً بالاحترام، ولم يزعم أحد منهم أن قيامهم بما يقومون به يدخل في باب الرسالة" .

وهنا نسأل رجائي عطية لماذا يصر علي أن المحاماة رسالة.. ويجيبنا قائلاً :" لأن المحاماة نيابة ودفاع وحماية للغير"، ولفظ الغير هنا في رأي رجائي عطية هو مفتاح الرسالة والفارق بين أي مهني وبين المحامي، أن المحامي في رأيه لا يعمل لحساب ذاته، وإنما يعمل علي الدوام للغير ونيابة عن الغير ودفاعاً عن الغير وحماية للمحاماة لحقوق الغير، ومن أجل هذا كانت المحاماة في نظر رجائي عطية رسالة، وهذه الرسالة لا يمكن أن يقوم بها من يؤثر أن يسير في الصف، والمقصود يسير في الصف في نظره ؛ أي أنه يستطيع الموظف أن يذهب إلي عمله في ميعاده، ويؤدي العمل الموكول إليه،  وينتظر العلاوة في موعدها والترقية في موعدها، أو يسعي إلي سفرية أو بدل سفر  ... الخ.. ولكنه يظل في طابور.

أما المحامي كما يؤكد رجائي عطية فلا يمكن أن يكون في طابور ولا يمكن أن ينفع في هذا الطور، والسبب لأنه يجب علي المحامي أن يغرد خارج السرب، والمقصود بالتغريد خارج السرب هنا كما يقصده الأستاذ رجائي عطية أن المحاماة تقوم بعمل مجيد جداً ومتميز جداُ؛ بحيث لا يستطيع الأوساط من البشر (أي متوسطي الكفاءة أو العلم والمعرفة) أن يقوم بها .

وهنا نسأل الأستاذ رجائي عطية لماذا ؟ ويجيبنا لأن المحامي قد يتحدث إلي قضاة قد يكونوا أسبق منه تخرجاً وأكبر منه سناً وأعرق منه خبرة، ولكن المطلوب منه في مرافعته الشفوية أو المكتوبة أن يزحزح عقيدة ربما تكونت في ذهن القاضي أو القضاة، وهذه الزحزحة لا يمكن أن ينجح فيها أحد إلا أن يكون من المتميزين، والتميز في نظر رجائي عطية هنا ليس مجرد شعار أو حلية، وإنما التميز يمثل واقع، وهذا الواقع هو أساس  مشروعية المحاماة، فالمحامي في نظر شأنه شأن الذي يقف في الطابور أو شأن الموكل الذي لجأ إليه أو شأن القاضي الذي يترافع أمامه وشأن وكيل النيابة ... الخ وإلا كما يقول رجائي عطية فقد مشروعية وجوده ووجود المحاماة .لماذا؟ يقول رجائي عطية : لأنه يحلق فوق السحاب ليصل بقناعة المتلقين عنه إلي ما يبتغي أن يدخله في صفحة ثانية، استحالة ينهض علي ذلك ويحققه إلا إذا كان متميزا ولابد أن يقتنع المحامي والمحامين أنه يتعين عليه أن يكون متميزا لأنه في هذا التميز كما يري رجائي عطية يمثل مشروعية الوجود... مشروعية الضوء ... مشروعية الأداء ... مشروعية الرسالة.

وهنا نسأل رجائي عطية : كيف يحدث هذا التميز؟ ويجيبنا : التميز موهبة والموهبة كما قد تكون مخلوقة هي أيضا نتيجة دربة ومران .. نتيجة صبر ورياضة للنفس .. نتيجة اطلاع وقراءة وتحرك في الحياة بما أسميه "شوق" إلي المعرفة ..هذا هو الفارق بين المحامي وبين من سواه لأنه يتحرك في حياة تملؤها أشواق المعرفة، وهذا الشوق هو الذي يجعله لا يترك شيئاً يمر أمامه دون أن يسعي إلي معرفته، وهذا السعي الحثيث، هو الذي يكون التراكمات الثقافية التي تجعل من المحامي صورة متميزة .

ثم يؤكد رجائي عطية بأنه سيبقي رائعاً وعظيماً ومنشوداً أن يكون العدل مهجة وضمير وغاية ولسان وقلم القاضي فيما به يحكم، بيد أنه ليس يكفي المحامي أن يكون العدل مهجته وضميره وغايته، وإنما عليه أن يكون مفطوراً علي النضال من أجله، وأن يسترخص كل عناء، ومجاهدة وخطر في سبيل الوصول إليه، القاضي حسبه أن يقتنع بالعدل فيحكم به، فالكلمة به صادرة من لسانه وقلبه، ثم هو محصن بالاستقلال والحصانة القضائية وبالمنصة العالية التي إليها يجلس، أما المحامي فيخوض غماراً عليه أن يقف فيه شامخاً منتصباً رغم أنه بلا حماية أو حصانة، يكافح من أجل الحق الذي ينشده ويستصغر في سبيله مصالحه ويستهين بما قد يصيبه في شخصه وحريته، وربما في حياته نفسها، وتاريخ المحاماة شاهداً علي ذلك في كل العصور!

لذلك كانت المحاماة في نظر رجائي عطية رسالة تستمد هذا المعني الجليل من غايتها ونهجها .. فالمحامي يكرس موهبته وعلمه ومعارفه وقدراته لحماية "الغير" والدفاع عنه ..قد يكفي المهندس أو الطبيب أو الصيدلي أو المحاسب أو المهني بعامة أن يملك العلم والخبرة، والجد والإخلاص والتفاني، وعطاؤه مردود إليه .. معني " الغير" والتصدي لحمايته والدفاع عنه ليس حاضراً في ذهن المهني أو الحرفي، ولكنه كل معني المحاماة وصفحة وعي المحامي .. الداعية الديني مسلماً كان أو مسيحياً يجلس إلي جمهور المتلقين المحبين المقبلين الراغبين في الاستماع إليه، لا يقاومون الداعية ولا يناهضونه، ولا يناصبونه عداء ولا منافسة، أما المحامي فإنه يؤدي رسالته في ظروف غير مواتية ما بين خصم يناوئه، ورول مزدحم قد يدفع إلي العجلة أو ضيق الصدر، ومتلقِِ نادراً ما يحب سماعه، وغالباً ما يضيق به، وقد يصادر عليه، يري أنه يستغني بعلمه عن الاستماع إليه !! لذلك كانت المحاماة رسالة، الكلمة والحجة أدائها والفروسية خلقها وسجيتها .

ويستطرد رجائي عطية فيقول : يستطيع المهني أن يؤدي مهمته متي دان له العلم والخبرة بتخصصه بالطب إذا كان طبيباً، فذلك يكفيه للتشخيص وتحديد العلاج، وبالهندسة إذا كان مهندساً، فذلك يكفيه لإفراغ التصميم ومتابعة التنفيذ وهكذا، أما المحامي فلا يكفيه العلم بالقانون وفروعه ولا تكفيه الموهبة وهي شرط لازم، وإنما يتوجب عليه أن يكون موسوعي الثقافة والمعرفة، لأن رسالته قائمة علي " الإقناع" يتغيا به التأثير في وجدان غيره، والوصول إلي غاية معقودة بعقل وفهم وضمير سواء، وهذه الغاية حصاد ما توفره الموهبة ويدلي به العلم وتضافره الثقافة والمعرفة مجدول ذلك كله في عبارة مسبوكة وشحنة محسوبة لإقناع المتلقي، وما لم يصل المحامي إلي الإقناع، فإن مهمته تخفق في الوصول إلي غايتها. لذلك فإن المحامي لا يمكن أن يكون من الأوساط أو الخاملين، وإنما هو شعلة نابهة، متوقدة، متيقظة، موهوبة، ملهمة، مزودة بزاد من العلوم والمعارف لا ينفذ، مستعدة علي الدوام لخوض الصعب وتحقيق الغاية مهما بذلت في سبيلها ما دامت تستهدف الحق والعدل والانصاف.

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل فلسفة الأستاذ رجائي عطية بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة لرؤيته ورؤاه في فلسفة المحاماة والمحامين.

تحيةً مني لأستاذي رجائي عطية الذي لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في رجائي عطية قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين"، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنسانا نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.... وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

بليغ حمدي اسماعيل (التَّجْرِبَةُ الصُّوفِيَّةُ بَيْنَ العَقْلِ والقَلْبِ)

1 ـ بِطَاقَةُ تَعَارُفٍ:

 (قلْبي يُحدّثُني بأنّكَ مُتلِفي    ***    روحي فداكَ عرفتَ أمْ لمْ تعرفِ

لم أقضِ حقَّ هَوَاكَ إن كُنتُ الذي *** لم أقضِ فيهِ أسى ً، ومِثلي مَن يَفي

ما لي سِوى روحي، وباذِلُ نفسِهِ، *** في حبِّ منْ يهواهُ ليسَ بمسرفِ

فَلَئنْ رَضيتَ بها، فقد أسْعَفْتَني؛   ***  يا خيبة َ المسعى إذا لمْ تسعفِ

يا مانِعي طيبَ المَنامِ، ومانحي ***  ثوبَ السِّقامِ بهِ ووجدي المتلفِ)

كل شخوص المشهد الصوفي في تاريخ الإنسانية يسبق الحديث عنهم تقدمة يسيرة إلا سلطان العاشقين عمر بن الفارض، فأبياته وحدها كفيلة بخير تقديم له، وكلما اقترب المطالع والمريد والمحب من سبر أغوار التصوف كلما اصطدم بمقام المحبة التي يعد عمر بن الفارض خير وأصدق تمثيل لهذا المقام بغير منافسة أو اشتراك أو منازعة .

إن عمر بن الفارض كما يقول عنه رائد الدراسات الصوفية جوزيبي سكاتولين ليس بمجهول في الأوساط الصوفية وغير الصوفية أيضاً عربية أم غير عربية، فهو علم من أعلام التصوف الإسلامي، ويكاد وحده الملقب بسلطان العاشقين، مثله في الانفراد كمثل محي الدين بن العربي الذي لقب بسلطان العارفين علماً وحكمة وتجربة استثنائية متفردة . وعمر بن الفارض يعد أحد أقطاب الصوفيين الوحيدين الذين ولدوا في القاهرة ونشأ بها وترعرع وصار صاحب حال ومقام وبها توفي أيضاَ، وله من الأسماء والكنى والألقاب ما تشتهيه الأسماع، فاسمه عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي، وكنيته أبو القاسم، وأبو حفص، ولقبه شرف الدين، وله من النسب حبل متصل ببني سعد، وبنو سعد هم قبيلة السيدة حليمة السعدية مرضعة رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) .

ولقد عاصر عمر بن الفارص أحداثاً مجيدة في التاريخ الإسلامي، أو تلك الحقبة التي شهدت انتصارات عرفت بالنصر الإسلامي، فالبداية أنه أينع زهره في فترة الصعود البطولي للناصر صلاح الدين الأيوبي لسدة مجده وذروته، وعاش في ظل وكنف الملك الكامل في مصر، وشاء الله أن يقبض روحه قبيل سقوط الدولة الأيوبية العتيقة على أيدي المماليك .

والحياة العلمية والبيئة الصوفية والمعرفية لم تكن بجديدة على عمر بن الفارض، حيث تذكر كتب التأريخ لأقطاب ومشاهير الصوفية أن أباه عمل بالفقه حتى أصبح فقيهاً مشهوراً لاسيما وأنه صاحب قضية إثبات ما فرض للنساء على الرجال من حقوق، فكان بذلك أشهر رجال عصره من الفقهاء ولقب في هذا الوقت تحديداً بالفارض، وتولى بعد هذا الإثبات الفقهي نيابة الحكم، ومن الدهشة أن نرى كيف عُرض عليه أن يتولى منصب قاضي القضاة في مصر، وهو أسمى وأرفع المناصب في الحكم، لكنه أبى وانقطع للعبادة في قاعة الخطابة بالجامع الأزهر وظل كذلك حتى مات . وهذا الأب الذي آثر الزهد في المنصب والولاية وفضل الورع والتقوى والانقطاع للعبادة والتفكر والاطلاع والبعد كل البعد عن مظاهر الجاه والسلطان وفتنة الدنيا كان كفيلاً لأن يكون خير مرشد ومرب لهذا الفتى الذي سيصير فيما بعد سلطاناً للعاشقين ومحباً بغير انقطاع أو ملل . يقول بن الفارض:

( ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا *** سر أرق من النسـيم إذا سرى

وأباح طرفي نظرة أملتها         *** فغدوت معروفا وكنت منكرا

فدهشت بين جماله وجلاله      *** وغدا لسان الحال مني مجهرا) .

وواصل عمر بن الفارض رحلته وسياحته العلمية والمعرفية في مصر، ولك أن تعرف أنه تعلم الحديث على يدي واحد من كبار محدثي عصره وهو العلامة الشافعي أبو محمد القاسم بن علي بن عساكر الدمشقي .. والغريب في أمر شهرة عمر بن الفارض أنه لم يترك لنا من آثار تجربته الصوفية سوى ديوان واحد فقط اشتمل على ست عشرة قصيدة، ولم يعثر له على أية رسالة أو كتاب صغير يمكن أن نتلمس آثار تلك التجربة والرحلة الروحية توضح لنا مذهبه واتجاهه الصوفي، ورغم ذلك يظل أرق من تحدث عن العشق الإلهي.

2 ـ العَصْرُ الذَّهَبِيُّ للتَّصَوُّفِ:

ولقد ولد عمر بن الفارض في القرن السابع الهجري، وهو القرن المعروف تاريخياً بالقرن الذهبي للتصوف الإسلامي، إذ أن التصوف وصل فيه إلى قمة  التعبير عن نفسه في مختلف نشاطه عملاً وفكراً . والواقع أن هذه الحقبة كما يشير المؤرخون ظهر فيها أساطين وأقطاب التصوف الإسلامي عبر عصوره، ومنهم عبد القادر الجيلاني، ومحي الدين بن عربي، وأبي حفص السهروردي، وشهاب الدين السهروردي،  وجلال الدين الرومي، وفريد الدين العطار، ويونس إمري،  وشاعرنا الصوفي الكبير عمر بن الفارض .

وفي هذا القرن الاستثنائي في تاريخ التصوف اتخذ التصوف الإسلامي ملامح جديدة ومغايرة للقرون السابقة، فأصبح للتصوف بعد نظري واضح وعميق عما كان عليه من قبل، وفي هذا القرن انفتح التصوف الإسلامي على تجارب ثقافية ومعرفية متميزة ومتباينة أيضاً، فتأثر بكثير من التيارات الفكرية والدينية المنتشرة في ذلك الزمان، ولقد تأثر التصوف الإسلامي جد التأثر في هذا القرن بالتيارات الإيرانية الدينية لاسيما التي عرفت بحكمة الإشراق . ولا شك أن هذه التيارات المختلفة استطاعت أن تكسب التجربة الصوفية المعرفية أنماطاً معرفية جديدة وعمقاً وسعة وشمولية في التفكير لم يعرفها من قبل على حد توصيف المستشرقين بذلك . وفي هذا القرن وجدنا التصوف الإسلامي يطلق العنان لتجاربه والتي تجسدت في ميادين أخرى غير التأليف النثري وبيان الأحوال والمقامات، مثل الشعر والموسيقى والفن المعماري .ولقد أطلق على هذا العصر لقب عصر التصوف الفلسفي .

3 ـ التَّائِيَّةُ .. رِحْلَةُ ابن الفَارِضِ تِجَاه المَعْرِفَةِ:

وكعادة أهل الحب، أعني الصوفيين نجد كلامهم غامضاً بعض الشئ وهم يصفون تجربتهم ويتحدثون عن تفاصيلها، وهو ما نلمحه في قصائد ابن الفارض التي تفوح منها الغموض والمدلولات غير المفسرة لمعانيها المقصودة، ومن ذلك قصيدته الأشهر المعروفة بالتائية الكبرى، والتي يقول فيها:

( سقتني حميَّا الحبِّ راحة َ مقلتي *** وكأسي محيَّا منْ عنِ الحسن جلَّتِ

فأوهمْتُ صَحبي أنّ شُرْبَ شَرَابهِم *** بهِ سرَّ سرِّي في انتشائي بنظرة ِ

وبالحدقِ استغنيتُ عنْ قدحي ومنْ *** شمائلها لا منْ شموليَ نشوتي

ففي حانِ سكري، حانَ شُكري لفتية ٍ *** بهمْ تمَّ لي كتمُ الهوى مع شهرتي) ..

وفي هذه القصيدة الشهيرة تنقسم التجربة الصوفية عند عمر بن الفارض إلى ثلاث مراحل رئيسة، هي: مرحلة الفَرْقِ وفيها يصف الشاعر الصوفي  حالة التفرقة والتمييز عن محبوبه الذي يخاطبه هو بلغة حب عميقة وواسعة، ومرحلة الاتحاد وفيها يصف الشاعر حالة الوحدة بينه وبين محبوبه، أما المرحلة الأخيرة والمسماة بالجمع فيصف الشاعر فيها حالة الوحدة والاندماج بين ذاته هو وكل الموجودات . ويجتهد جوزيف سكاتولين في رصد لغة الحب في تائية ابن الفارض، حيث يقوم بدراستها دراسة دلالية حيث أشار إلى تعدد الدلالات اللفظية للأصول اللغوية: ( حـ ـ ب ـ ب)،   و( حـ ـ بٌ)، و(هـ ـ وـ ى)، و( وـ ل ـ ي) وهي الأصول اللغوية الثابتة التي تشكل مراحلة الثلاث التي سبق سردها .

بجانب بعض الألفاظ التي تشكل محوراً مهماً في القصيدة الأهم في الشعر الصوفي المعروفة بالقصيدة التائية لابن الفارض، ومن هذه الألفاظ: (نفس ـ روح ـ ذات)، وحينما نجد ابن الفارض يتحدث عن ذاته فهو يكشف عن ذاتيته العميقة من خلال عملية يندمج بها مع حبيبته، وهي عملية يسميها النقاد وأهل التأويل النصي بالصيرورة نحو الذات، ولقد عبر عمر بن الفارض عن هذه الصيرورة بعباراته مثل: أنا إيَّاها، وهي إياي، وأخيراً أنا إياي .

ولفظتا نفس وروح من الألفاظ المحورية في شعر عمر بن الفارض وفي الغالب يأتيان دوماً في موقع التوكيد لضمير المتكلم ( أنا)، أو في موقع الإضافة إليه مثل: نفسي وذاتي . أما كلمة (روح) فكما يشير جوزيبي سكاتولين في شرحه لديوان بن الفارض فليس له استعمال كاسم توكيد للأنا، وكثير من اعتاد الحديث عن مفهوم الحب والعشق في قصائد عمر بن الفارض، رغم أن جون آرثر آربري (1973) أشار إلى أن قمة التجربة الصوفية عند ابن الفارض لا يمكن اختزالها فقط في تجربة العشق الإلهي، بل تبلغ القمة مداها حينما نجد الشاعر نفسه يتحدث عن الأنا الجمعي، وهذه الأنا نفسها اللفظ المركزي في قصائده بغير منازع، وربما مقصد التجربة الصوفية الروحية لعمر بن الفارض الأسمى هو الاكتشاف والتحقيق لذاته لأبعد حدود لها . يقول ابن الفارض في تائيته:

(ولولا حِجابُ الكَونِ قُلتُ وإنَّما

                   قيامي بأحكامِ المظاهِرِ مُسْكِتي

فلا عَبَثٌ والخَلْقُ لم يُخلَقوا سُدىً

                   وإنْ لم تكُنْ أَفعالُهُمْ بالسديدَة

على سِمَةِ الاسماءِ تَجري أمورُهُمْ

                   وحِكْمَةُ وصْف الذاتِ للحكم أجرَت

يُصَرِّفُهُمْ في القبضَتَيْنِ ولا ولا

                   فقَبْضَةُ تَنْعِيمٍ وقَبْضَةُ شِقْوَة

ألا هكذا فلتَعرِفِ النّفسُ أو فلا

                   ويُتْلَ بها الفُرقَانُ كُلَّ صبيحة)

وسرعان ما يتحول مركز الثقل في تجربة عمر بن الفارض الصوفية والتي عبر عنها بالشعر من الأنا إلى بحار الجمع، فيتخذ من الأنا الفردية سلماً للصعود إلى الأنا الجمعي أو الأنا الجمعية، وعن هذا نجده يقول:

( فبي دارت الأفلاك فاعجب لقطبها  *** المحيط بها والقطب مركز نقطةِ

ولا قطبَ قبلي عن ثلاث خلفته **** وقطبية الأوتاد عن بدليتي) .

4 ـ الاتَّجَاهُ صَوْبَ القَلْبِ:

وإن كان حديث المعرفة قد تم الإغفال عنه كرهاَ من جاب الذين اهتموا بتاريخ التصوف الإسلامي لاسيما  عند الإشارة إلى عمر بن الفارض كونه شاعراً، فإن تجربة العشق الإلهي هي الأبرز والأكثر حضوراً ونحن إزاء سلطان العاشقين، ولما لا، وقصائد عمر بن الفارض تحتل المكانة الكبرى في أشعار المتصوفة من ناحية، وقصائده التي تناولت هذا المنحى لها النصيب الأكبر من الاحتفاء والاهتمام نقداً وإنشاداً ودراسة من ناحية أخرى، يقول عمر بن الفارض:

(شربنا على ذكر الحبيب مدامة **** سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم

لها البدر كأس وهي شمس يديرها *** هلال وكم يبدو إذ مزجت نجم

ولولا شذاها ما اهتديت لحانها *** ولولا سناها ما تصورها الوهم)

والمحبة عند الصوفية أمر يحتاج إلى تفسير دائم لاسيما وأن كثيراً من الأقلام المتطرفة تأخذه بجانب يخرج صاحبه عن الملة والمعتقد، فالحب عند أهل الحب وهم المتصوفة الأماجد حب لله وهو كما قال عنه الإمام المحاسبي حب محكم رصين، ودوام الذكر بالقلب واللسان لله وشدة الأنس بالله، وقطع كل شاغل شغل عن الله، وتذكار مستدام للنعم . وللإمام المحاسبي نص في ذلك، يقول فيه: " إنَّ أَوَّلَ الْمَحَبَّةِ الطَّاعَةُ وَهِيَ مُنْتَزَعَةٌ مِنْ حُبِّ السَّيِّدِ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ كَانَ هُوَ الْمُبْتَدِئُ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَ عَرَّفَهُمْ نَفْسَهُ وَدَلَّهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ وَتَحَبَّبَ إِلَيْهِمْ عَلَى غِنَاهُ عَنْهُمْ فَجَعَلَ الْمَحَبَّةَ لَهُ وَدَائِعَ فِي قُلُوبِ مُحِبِّيهِ، ثُمَّ أَلْبَسَهُمُ النُّورَ السَّاطِعَ فِي أَلْفَاظِهِمْ مِنْ شِدَّةِ نُورِ مَحَبَّتِهِ فِي قُلُوبِهِمْ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ عَرَضَهُمْ سُرُورًا بِهِمْ عَلَى مَلائِكَتِهِ حَتَّى أَحَبَّهُمُ الَّذِينَ ارْتَضَاهُمْ لِسُكْنَى أَطْبَاقِ سَمَوَاتِهِ نَشَرَ لَهُمُ الذِّكْرَ الرَّفِيعَ عَنْ خَلِيقَتِهِ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ مَدَحَهُمْ، وَقَبْلَ أَنْ يَحْمَدُوهُ شَكَرَهُمْ لِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِيهِمْ أَنَّهُ يَبْلُغُهُمْ مَا كَتَبَ لَهُمْ، وَأَخْبَرَ بِهِ عَنْهُمْ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ إِلَى خَلِيقَتِهِ وَقَدِ اسْتَأْثَرَ بِقُلُوبِهِمْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَدَّ أَبْدَانَ الْعُلَمَاءِ إِلَى الْخَلِيقَةِ، وَقَدْ أَوْدَعَ قُلُوبَهُمْ خَزَائِنَ الْغُيوبِ، فَهِيَ مُعَلَّقَةٌ بِمُوَاصَلَةِ الْمَحْبُوبِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُحْيِيَهُمْ وَيُحْيِيَ الْخَلِيقَةَ بِهِمْ أَسْلَمَ لَهُمْ هِمَمَهُمْ، ثُمَّ أَجْلَسَهُمْ عَلَى كُرْسِيِّ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فَاسْتَخْرَجُوا مِنَ الْمَعْرِفَةِ الْمَعْرِفَةَ بِالأَدْوَاءِ وَنَظَرُوا بِنُورِ مَعْرِفَتِهِ إِلَى مَنَابِتِ الدَّوَاءِ، ثُمَّ عَرَّفَهُمْ مِنْ أَيْنَ يَهِيجُ الدَّاءُ، وَبِمَا يَسْتَعِينُونَ عَلَى عِلاجِ قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِإِصْلاحِ الأَوْجَاعِ، وَأَوْعَزَ إِلَيْهِمْ فِي الرِّفْقِ عِنْدَ الْمُطَالَبَاتِ، وَضَمِنَ لَهُمْ إِجَابَةَ دُعَائِهِمْ عِنْدَ طَلَبِ الْحَاجَاتِ نَادَى بِخَطَرَاتِ التَّلْبِيَةِ مِنْ عُقُولِهِمْ فِي أَسْمَاعِ قُلُوبِهِمْ، أَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: " يَا مَعْشَرَ الأَدِلاءِ، مَنْ أَتَاكُمْ عَلِيلا مِنْ فَقْدِي فَدَاوُوهُ، وَفَارًّا مِنْ خِدْمَتِي فَرُدُّوهُ، وَنَاسِيًا لأَيَادِيَّ وَنَعْمَائِي فَذَكِّرُوهُ، لَكُمْ خَاطَبْتُ لأَنِّي حَلِيمٌ، وَالْحَلِيمُ لا يَسْتَخْدِمُ إِلا الْحُلَمَاءَ وَلا يُبِيحُ الْمَحَبَّةَ لِلْبَطَّالِينَ ضَنًّا بِمَا اسْتَأْثَرَ مِنْهَا إِذْ كَانَتْ مِنْهُ وَبِهِ تَكُونُ فَالْحُبُّ لِلَّهِ هُوَ الْحُبُّ الْمُحْكَمُ الرَّصِينُ، وَهُوَ دَوَامُ الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ لِلَّهِ وَشِدَّةُ الأُنْسِ بِاللَّهِ، وَقَطْعُ كُلِّ شَاغِلٍ شَغَلَ عَنِ اللَّهِ، وَتَذْكَارُ النَّعَمِ وَالأَيَادِي وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِالْجَوْدِ وَالْكَرَمِ وَالإِحْسَانِ اعْتَقَدَ الْحُبَّ لَهُ إِذْ عَرَفَهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ عَرَّفَهُ بِنَفْسِهِ هَدَاهُ لِدِينِهِ، وَلَمْ يَخْلُقْ فِي الأَرْضِ شَيْئًا إِلا وَهُوَ مُسَخَّرٌ لَهُ وَهُوَ أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ فَإِذَا عَظُمَتِ الْمَعْرِفَةُ وَاسْتَقَرَّتْ هَاجَ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ وَثَبَتَ الرَّجَاءُ، قُلْتُ: خَوْفًا لِمَاذَا ؟ وَرَجَاءً لِمَاذَا ؟ قَالَ: خَوْفًا لِمَا ضَيَّعُوا فِي سَالِفِ الأَيَّامِ لازِمًا لِقُلُوبِهِمْ، ثُمَّ خَوْفًا ثَابِتًا لا يُفَارِقُ قُلُوبَ الْمُحِبِّينَ خَوْفًا أَنْ يُسْلَبُوا النِّعَمَ إِذَا ضَيَّعُوا الشُّكْرَ عَلَى مَا أَفَادَهُمْ، فَإِذَا تَمَكَّنَ الْخَوْفُ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَأَشْرَفَتْ نُفُوسُهُمْ عَلَى حَمْلِ الْقُنُوطِ عَنْهُمْ، هَاجَ الرَّجَاءُ بِذِكْرِ سَعَةِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ، فَرَجَاءُ الْمُحِبِّينَ تَحْقِيقٌ، وَقُرْبَانُهُمُ الْوَسَائِلُ، فَهُمْ لا يَسْأَمُونَ مِنْ خِدْمَتِهِ، وَلا يَنْزِلُونَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ إِلا عِنْدَ أَمْرِهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أَنَّهُ قَدْ تَكَفَّلَ لَهُمْ بِحُسْنِ النَّظَرِ " .

ويختتم الكلام عن عمر بن الفارض سلطان العاشقين بإطلالة على عجل بأبيات رائعة من قصيدته " تِه دلالاً " والمعروفة بالدالية:

تِهْ دَلاَلاً فأَنْتَ أهْلٌ لِذَاكا

                        وتحَكّمْ فالحُسْنُ قد أعطاكا

ولكَ الأمرُ فاقضِ ما أنتَ قاض

                           فَعَلَيَّ الجَمَالُ قد وَلاّكَا

وتَلافي إن كان فه ائتلافي

                         بكَ عَجّلْ به جُعِلْتُ فِداكا

وبِمَا شِئْتَ في هَواكَ اختَبِرْنِي

                   فاختياري ما كان فيِه رِضَاكَا

فعلى كُلّ حالَةٍ أنتَ مِنّي

                        بيَ أَوْلى إذ لم أَكنْ لولالكا

وكَفَاني عِزّاً بحُبّكَ ذُلّي

                    وخُضوعي ولستُ من أكْفاكا

وإذا ما إليكَ بالوَصْلِ عَزّتْ

                       نِسْبَتِي عِزّةً وصَحّ وَلاكا)

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

محمود محمد علي"الأسس والمنطلقات"

إنه لشرف كبير أن أكتب عن السيرة والمسيرة لأحد كبار المحامين في مصر والوطن العربي هو أستاذنا المحامي والمفكر والأديب رجائي عطية، الذي أرسي مفاهيم ومبادئ وأسس فن المحاماة في إطارها المعاصر، وارتفع ببنائها شامخاً، ولا زالت بحوثه ودراساته في المحاماة والمحامين تملأ الميدان، ينهل منها طلاب كليات الحقوق والباحثون فيها، فمن فيض عطائه في علم المحاماة تعلم المحامي كيف يكون العطاء، ومن شموخه واعتزازه بنفسه علم كل تلاميذه من المحامين كيف يكون الشموخ؛ كما كان رجائي عطية مثالا يحتذي به للعلماء العاكفين علي العلم، والمتمرسين في تخصصهم، المتعمقين في فروعه وقضاياه، وهو خير مثال علي وعي القضاء وعدله، استوعب في داخله قيم القدوة، وروي هذه القيم من تجربته، وأحاط ذلك كله بوعي ثري، جعله من أبرز وأشهر المحامين طوال 40 عاما وحتي الآن، ومن أقواله :"... فإن المحامي إن فقد القدرة علي الأداء واستشعر الخوف وارتعدت فرائسه، وأحس أنه يمكن أن يهان في لحظة، أو أن يحال بينه وبين أداء واجبه بسطوة السلطة فقد قدرته علي أن يعطيك وفقد قدرته علي أن يحميك .

ورجائى عطية، مؤلف وكاتب مشهود، صاحب حضور متشعب في الحياة النيابية، وفى إتحاد الكتاب، والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ومجمع البحوث الإسلامية، وجمعية المؤلفين، والمجلس المصري للشئون الخارجية، فكان نظره ثاقباً في تأهيل وتكوين الأجيال الجديدة التي تحتل الآن مراكز قيادية بالدولة المصرية ؛ وهو بلا شك يمثل حدوته مصرية تشهد على الآصرة المتينة بين الأدب والمحاماة، والعطاء المتبادل بينهما، بدايات رجائى عطية الأدبية بدأت وهو طالب بكلية الحقوق، واستمرت معه لم تقطعه المحاماة عن عالم الفكر والأدب، ولعل إليهما نبوغه في المحاماة وتربعه على قمتها علما من أعلامها العظام فى هذا القرن والقرن الماضي وواحد من أبرز فلتأتها فى تاريخها كله، فكان سيادته يمثل مسيرة حافلة من العلوم القانونية والمرافعات القضائية، كانت ما بين قضايا اجتماعية وقضايا مؤسسية، وأخري دولية أعادت لنا سيرة أساطين القانون في مصر، رسمت ملامح طريق جديد لمستهل درب القانون وكتبت بحروف من نور لتكون تلك مسيرة الحياة .

ولذلك أقول : قليلون هم أمثال الأستاذ رجائي عطية في عالمنا العربي المعاصر .. قليلون هم الذين جمعوا مثله بعقلانيته وديمقراطيته اللتين تجلتا في فكره وفي سيرته لشخصيته وفي اجتهاداته في ميادين متعددة من المعرفة ؛ في الفقه الإسلامي، وفي علم اللغة، وفي علم التاريخ، وفي الموقف السياسي الجرئ من القضايا العامة في وطنه مصر وفي العالم العربي.

ويستطيع المتتبع لسيرة رجائي عطية أن يري بوضوح أنه كان منذ شبابه الأول، مختلفاً عن سواه من أقرانه في شؤون الدين والدنيا، باحثاً بشغف عن التغيير الديمقراطي في العالم العربي، طامحاً بجهد حقيقي إلي تحقيق ذلك التغيير في الفكر وفي السياسة وفي السلوك، وفي الفهم الحقيقي للدين ولقيمه الروحية، ضد كل أنواع الخرافات والبدع التي أدخلت عليه وجعلته عائقاً أمام التقدم. وهو مستمر في تميزه حتي الآن (متعه الله بالصحة والعافية) . وكان كل من تفرده وتميزه يحملان طابع الثورة وسماتها.

فالثورة بالنسبة له إليه لا تتحقق أهدافها بمجرد الرفض لواقع معين، أو لنظام معين، أو لمنظومة أفكار معينة. بل هو كان يراها عملاً متواصلاً يتصف بالجهد المبدع والشجاع، بحثاً عن البدائل الضرورية للواقع القائم وللنظام ولمنظومة الأفكار السائدة . الثورة، بالنسبة إليه، كانت، في كل حياته وفي عمله الفكري والسياسي، فعل تغيير في كل اتجاه التقدم. هكذا كان موقفه عندما التحق بكلية الحقوق ليصبح واحدا من كبار المحاميين المصريين، فكل شئ من منظار رجائي عطية وظيفة تصب في صالح الحياة الإنسانية تحققاً لحرية الإنسان وسعادته ؛ إذ لا عبث في حركة التاريخ كما كان يقول . ومن هذا المنطلق قرر أن يتخذ من اللغة الموقف الثوري نفسه الذي اتخذه من القضايا الأخرى، عندما اكتشف بوعي مبكر أن اللغة ليست مجرد علاقة تخاطب بين الناس، بل إن لها وظيفة أكبر من ذلك وأشمل، تتمثل في دورها كأداة تقدم.

كانت نظرة رجائي عطية، منذ وقت مبكر إلي الأشياء وإلي الأفكار وإلي الناس أفراداً عظاماً ومؤسسات من شتي الأنواع، محكومة بفكرة أساسية هي فكرة الإبداع الدائم . والإبداع عنده يتطلب بالضرورة، البحث عما يغني حياة البشر، ويحررهم من كل ما يعيق تجدد حياتهم وتطورها، ويحقق لهم الحرية والكرامة والتقدم والساعدة . وهذا ما أكسبه قيمته الفكرية الكبرى، وجعله واحداً من كبار رواد النهضة المعاصرين في ميادين العلم والمعرفة التي اجتهد فيها وأبدع وقدم الجديد الذي رسم له شخصيته المميزة.

ولد رجائي عطية في السادس من أغسطس  عام 1938م بشبين الكوم من محافظة المنوفية وهو نجل المرحوم عطية عبده المحامي (نقيب محامي المنوفية والذي حصل علي ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، عام 1959م )، وحصل علي ليسانس حقوق من جامعة القاهرة عام 1959، وحصل علي دبلوم العلوم العسكرية من الكلية الحربية عام 1961، عمل بالمحاماة (1959- 1961)، ثم بالقضاء العسكري في وظائفه المختلفة وبالمحاكم العسكرية، وعمل بالمحاماة مرة أخري من 1976 وحتي الآن،

لم يكن المفكر الدكتور رجائي عطية ليتحدث بالقانون داخل أسوار المحاكم ويختزل هذا العلم في عقله فحسب، فكان للمحاميين وافر الحظ في أن يستمد من علم رجائي عطية الكثير من خلال لقاءاته وبرامجه التي قدمها علي شاشات الفضائيات والذي كان أبرزها: أمانة صوت العقل، وبرنامج الحقيقة علي شاشة قناة المحور. ولم يكتف رجائي عطية الخلوق إلي التحدث علي شاشات التلفاز من خلال برامج قدمها أو شارك فيها كضيف، بل اتخذ سبيلا آخر، وهو الكتابة فقد كانت له مؤلفات عديدة من أبرزها : من هدي النبوة في مدرسة الرسول، ومن هدي القرآن وذلك الكتاب لا ريب فيه، ويسمك اللهم، ونواب القروض بين الإدعاء والحقيقة، والإنسان والكون والحياة، وقضية الجمارك. وكانت أبرز مؤلفاته الجديدة : دماء علي جدار السلطة، وحقائق القرآن وأباطيل الأدعياء، ومن تراب الطريق " 7 "، وتأملات غائرة، واصطباحة الأحباب ... دعاء ومناجاه، وفي مدينة العقاد المجلد الثاني النبوات والإسلاميات، وماذا أقول لكم، وترجمته لكتاب قد تكون الديانة تجسيد للعقل عن جورج سانتايانا وكتابه حياة العقل...وهلم جرا

وقد اشترك في لجان الدفاع عن الحريات بنقابة المحامين والمنظمات الدولية والاقليمية وفي العديد من المؤتمرات القانونية في مصر والخارج. له اهتمامات أدبية وثقافية فمن البرامج الدورية التي كتبها للإذاعة منذ أوائل الستينات: " من هدي القران – من التراث العربي – في مثل هذا اليوم – الموسوعة الإسلامية – أضواء على الفكر العربي – معركة المصير".

كما كتب عدداً من السيناريوهات للأعمال الدرامية التي قدمت في التلفزيون، مثل قصة رجل المال للأستاذ توفيق الحكيم، وقصة امرأة مسكينة للأستاذ يحيى حقي. كما كتب العديد من المقالات المختلفة والتي نشرت في العديد من المجلات والجرائد اليومية المصرية. واشترك قاضياً أو باحثاً بالقضاء العسكري في أشهر القضايا : اضطلع في المحاماة بالدفاع في أشهر قضايا العصر مثل قضية التكفير والهجرة (1977) خالد الاسلامبولي ( 1981/ 1982) قضية الجهاد ( 1982/ 1983) وزارة الصناعة (1986/ 1987) وغيرها.

كانت له كتابات للإذاعات المصرية والعربية:  الدين والحياة – الموسوعة الاسلامية – أضواء على الفكر العربي – بسم الله – يارب -من هدي القرآن – ذلك الكتاب لا ريب فيه- على طريق الإيمان- سيوف الله- العهد العمري – باسمك اللهم – حطين  – تراجم وسير إسلامية – قرأت لك – المجلة الثقافية – من هدي النبوة – في مدرسة الرسول – من التراث – معركة المصير – مواقف إسلامية – نساء خالدات. كما كانت له مقالات من منشورة : في كل من مجلة منبر الإسلام منذ عام 1969 وصوت الأزهر وجريدة الأهرام الصباحي والأهرام المسائي والأخبار والمصور وأخبار اليوم وروز اليوسف والجمهورية والأهالي واللواء الإسلامي والجيل والأحرار والمال.

ومن الكتابات الدرامية له في التلفزيون المصري : رجل المال لتوفيق الحكيم (سيناريو و حوار)، امرأة مسكينة ليحيى حقي (سيناريو وحوار)، وصمت جاك فارجيون – بول بورجية (سيناريو وحوار.

وكان عضو مجلس الشورى، عضو مجمع البحوث الإسلامية، وعضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، عضو باتحاد الكتاب، خبير بالمجالس القومية المتخصصة، وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية،  رئيس مجلس إدارة جريدة المال.

وقد شهد له الكثير من الباحثين والمفكرين، فنجد الأستاذ خليل الجيزاوي يكتب عنه مقالاً بعنوان : " رجائي عطية  حكيم الفكر والمثقف المستنير" (منشور ضمن مجلة الرافد – عدد 214)؛ حيث قال :" في حياتنا أعلام وقامات قادوا الحركة الفكرية والأدبية والاجتماعية والسياسية، ونجوم أضاءت سماءنا بتعدد مواهبها وعطائها، وفقهاء قانونيون حلقوا بأجنحة الأدب والفكر، فجمعوا بين واقعية القانون، وخبرات المحاماة، وخيال الفن والأدب.. فهو الكاتب المفكر، المبدع، الفقيه، القانوني، الأديب، الباحث، وكاتب السيرة النبوية في رحاب التنزيل.. واستعرض المقال ما قاله "د/ يوسف نوفل" أستاذ النقد الأدبي بكلية البنات بجامعة عين شمس على أن المدخل الثقافي إلى عالم " رجائي عطية " هو التعددية الثقافية. كما أشار المقال إلى أن "رجائي عطية " من أصحاب الرأي الذين لا يخشون فيما يبدون من آراء لومة لائم، ولا يضجرهم أن يختلف معهم غيرهم. واستعرض المقال توجهات "رجائي عطية " في عالم الفكر والأدب بأن بها أكبر الأثر في المواقع التي شغلها وساهم فيها بفاعلية وبعمق فكره وموهبته المتميزة. واختتم المقال موضحاً أن الفكر الإسلامي المستنير هو في أصله حلقات متصلة متعاقبة بين الأجيال، وأن "رجائي عطية " يمثل إحدي حلقات هذا الفكر في عصرنا الحاضر.

كما وصفه تلميذه الأستاذ محمد راضي مسعود (أحد كبار المحامين المصريين) بأنه عرفت هذا الرجل وشاهدته وهو يترافع أمام اصعب الدوائر الجنائية فيأسرها لدرجة انها ابدا لم تقاطعه بل وكأن لسان حالها يطلب منه أن يزيد وألا يتوقف فكلامه منغوم ويستند للقانون وفكره مرتب وتسلسله منطقي لا يوارب ولا يزيف الكلام ومن أجل ذلك احترمه القضاة واجلوه لأنه يعرف ما عليه قبل أن يطالب بما له هذا الرجل اعطى للمحاماة وللمحامين من خلال كتبه ومؤالفته القانونية والأدبية الكثير ومازال لديه المزيد من العطاء للمهنة ولأبنائها الشبان الذين حرمهم القدر من القدوة.. ولكن هذا الرجل هو خير قدوة لهذا الجيل اللامحظوظ الذى حرمه القدر من رؤية اساطين واساطير المحاماة انها كلمة حق هذا الرجل هو امتداد لهؤلاء الاعلام وهو مكمل لتلك السلسلة من هؤلاء العماليق  حق هذا الرجل ومكانته وقدره وعلمه وعبقرتيه وفكره هو ما دعانى للكتابة عنه تلك السطور.

ويستطرد محمد مسعود فيقول :" قدرك أيها العملاق أنك أتيت فى عصر تقزمت فيه الأشخاص والاشياء.. قدرك أيها الصادق الواضح الصريح، أنك أتيت مع أيام النفاق والكذب والمواربة، مع أصحاب الوجوه المتعددة.. قدرك أيها الفارس المبدع، أنك لا تجيد الضرب من الخلف، ولا تعرف إلا مواجهة الفرسان.. قدرك أنك أتيت في زمن القراصنة الأفظاظ قساة القلوب.. قدرك أن رد فعلك لا يتغير بتغير الزمان والمكان والظروف.. قدرك أنك كبير في زمن صغير.. وقدرنا أننا لم نقسطك حقك فكانت خسارتنا أكبر فلم نستفد من علمك وفكرك وحسن بيانك يكفيك أن هناك ألاف يعرفون قدرك ويضعونك على الرأس وفى المقدمة.

كذلك قال عنه تلميذه الأستاذ مجدى عبد الحليم (أحد كبار المحامين المصريين أيضاً):" اسم لا يحتاج الى لقب لتعرفه فهو يعرف نفسه بنفسه فلو قلت عنه المحامي الاديب الذى تتشكل على يديه المعاني وتنساب على لسانه وقلمه الكلمات عذبة فضفاضة في أدب جم ولا يقف المرء أسيراً لبراعة أسلوبه وجمال وتناسق كلماته فحسب، ولكن يأخذه دقة الهدف وسلامة المنطق وصدق التوجه فيما يدعو اليه، فلا يتحدث عن قضية دون علاج، ولا ينادى بشئ دون التزام به أولاً، ولا يدق ناقوس خطر إلا ويضع الحل والعلاج الناجع اللازم له.. يحمل على كتفيه شجون الوطن ويسعى متعبداً من تراب الطريق في دولة الأيام .. حتى كان حصاد رحله عمره ما يقارب الأربعين كتاباً فهو عميد أدب عصره وجيله .

ويستطرد مجدى عبد الحليم: "وإذا اكتفيت بلقب المحامي عنه فأنت بلا شك تقف أمام قامة وهامة ليس لأبناء جيله وعصره فحسب ولكن لكل الاجيال على مدار تاريخ المحاماة فى مصر كلها،فهو محامى، محترف، جسور جسد نموذجا وقدوة وأسوة حسنة، تواصل مع أساتذته العظام والذى يخص دائما منهم بالذكر محمد عبد الله محمد الذى استنشق من رحيق علمه وإنتهل من فيض عطائه الأدبي فى مجال المحاماة مع باقي أساتذته .. ثم سار على درب هؤلاء متخذا منهجا وأسلوبا أشبه أن تكون مدرسة خاصة في المحاماة قدم فيها عطاءه الخاص فصار المثل والقدوة لأجيال المحامين من بعده وأحد عمالقة مهنة المحاماة على مدار تاريخها ثم قدم صكا لكل محام في درته الرائعة رسالة المحاماة التي يجب أن تكون الأساس في مكتبة كل محام بعد أن جمع رصيدا ضخما من حصاد المحاماة لازال يطرح ثماراً يانعة عن عبقرية محام على مدى خمسين سنة محاماة أعطاها الرجل من عمره لهذه المهنة العريقة دون انتظار مقابل ولكنها أعطته الحياة والخلود بين أساطين المهنة كلها سيذكره التاريخ ما بقيت مهنة المحاماة .. ومن هنا يقف الرجل بطبيعته عملاقا بين نجوم الادب والمحاماة لأن نجوميته لم تتحقق من خلال حركة أو زعامة طلابية بين طلاب الجامعة، ولم يتقلب في مدارس سياسية أو فكرية أو عقائدية فلم يحب شيئا ثم يبغضه فنجده مثلا يحب الفن ويستمع الموسيقى ولم يجهد نفسه فى تبرير حرمة الغناء والموسيقى أو حلهما ولم يستخدم خطاب التبرير عن مخالفات الماضي وأخطاء الحاضر ولم يحشد الناس ليخطب فيهم كزعيم أو نائب فى البرلمان بل كان دوما المحاضر والمفكر والاديب والمترافع ترسخت كل قناعاته من صميم وجدانه وتركيبة شخصيته وتصدر قرارته من أم رأسه لا يمليها عليه أحداً غيره ولا يتحمل نتائجها إلا هو وحده.. إنه رجائي عطية.

وفي نهاية حديثنا عن رجائي عطية لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لأستاذنا الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

نبيل عبدالامير الربيعيلقد اختلف الكثير من العلماء والمستشرقين والباحثين في نسبهم وعقائدهم وعوائدهم الاجتماعية وخاصة الأمة المندائية، وبسبب سريّة معتقداتهم وعدم إدراك حقائقهم، والوقوف على أصول أوامرهم ونواهيهم، المرء لا يعرف فضل دينه إلا وأن يعلم شرائع الأمم السَّائرة، والفضيلة للعلماء، والمقام الأسمى لديانتهم الموحدة، الذي فيه علينا من حرج وصعوبة كما شهدت به هذه الأمة وغيرها بكماله وفضيلته علينا.

الصابئة المندائيون أقدم الجماعات التي عاشت في بلاد الرافدين، فهم قوم ساميون، وقد اختلف الباحثون والدارسون في زمن ظهور العقيدة المندائية كما اختلفوا في الموطن الأصلي للمندائيين، وبلادهم وموطنهم الأصلي بلاد الرافدين، والدليل هو بعض المخلفات السومرية التي ما زالت في هذه العقيدة وطريقة كتابة الأدب المندائي التي تتشابه مع صيغة كتابة الأدب البابلي وبخاصة في لغة التلمود، ناهيك عن اللغة ومفرداتها التي ما زالت شائعة في الجنوب العراقي خاصة، وإنهم يحفظون شريعة آدم عليه السلام الذي يعدونه أول أنبيائهم، ويعظمون شيت وسام في نصوص كتبهم الدينية، ويعدونهم معلميهم وأنبيائهم حتى زمن النبي يحيى بن زكريا عليه السلام، الذي يعدونه هو الآخر نبي لهم ومعلمهم الذي أعاد بعث ديانتهم القديمة، وأجرى رسم التعميد وهو السُّنة التي جرَت لآدم عليه السلام وهم عليها دائبون.

وديانتهم من أقدم الديانات الروحية في العالم، وهم أحد الأدلة الحيّة على حضارة بلاد الرافدين، لكن لم يتبق منهم سوى بضعة آلاف بعد أن عاشوا على أرض العراق عشرات القرون. وقد اطلق عليهم أهم التسميات في بلاد الرافدين منها: المندائيون. من مندا أي العارفون بوجود الحيّ العظيم أي الموحدون. والناصورائيون. وهي تسمية قديمة جداً، وتعني المتبحرين أو العارفين بأسرار الحياة أو المراقبين. والصابئة. ومن «صبا» أي المصطبغون (المتعمدون) باسم الرب العظيم. والمغتسلة. من غسل أي تطهر ونظف وأطلقها المؤرخون العرب، وذلك لكثرة اغتسالهم بالماء. واطلق عليهم تسمية «شلماني» من شلم أي سلم، وهي تسمية آرامية مندائية تعني المسالم. وأطلق عليهم «أبني أنهورا». أي أبناء النور وهي تسمية أطلقت عليهم من كتبهم الدينية. وأطلق عليهم «اخشيطي» من كشطا أي أصحاب الحق أو أبناء العهد، أيضاً أطلقت عليهم في كتبهم الدينية.

وما زلنا نؤمن أن الديانة المندائية ولدت في بلاد الرافدين، وإن شعبها الناصورائي هو أحد شعوب العراق القديم مثله مثل السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين، لكن هذا الشعب لم يكوَّن له دولة أو كياناً سياسياً ذات شأن لعزوفه عن مغريات السلطة والسياسة والجاه، ولا شك أنه حمل تراثاً روحياً عظيماص شفاهياً في تلك العصور، لكن تدوين هذا التراث حصل مع سيادة اللغة الآرامية في العالم القديم، وبذلك تمّ تدوينه بلهجة آرامية هي المندائية، وهنا تغير اسم هذا الشعب من الناصورائيين إلى المندائيين.

إنّ دراسة دين الصابئة المندائيين مهمة جداً للبحث في العقائد الدينية الأخرى، فهي مهمة من حيث المكان والزمان والموضوع لأنها قديمة العلاقة بكل مكان تتعلق به سيرة الأديان الأخرى وبخاصة سيرة الخليل عليه السلام، ثمَّ لأنّ لغتها المقدسة تشير إلى زمان متوسط بين اللغات القديمة المهجورة واللغة الآرامية الحديثة، كما أنها ترينا ملتقى التوحيد القديم والوثنية القديمة، وقد نجد فيها الاصطدام بين هاتين العقيدتين فهي ليست ديانة وثنية ولا إيمان لها بالكواكب من جهة، ثمَّ لا خلاص مطلقاً فيها من بقايا الوثنية القديمة وتعظيم الكواكب.

دراسة نحلة الصابئين وهي نحلة من نِحل الديانات الرافدينية الأصيلة والقديمة مهمة في دراسة الأديان على العموم، فالمندائيون طائفة عراقية قبل أن تكون أي شيء آخر، بل أنها كما تشير طقوسها صلة الحاضر بالماضي البابلي والأكدي والنبطي في العراق.

إن الصابئة المندائيون في العراق اليوم هم بقايا طائفة دينية عاشت في هذه البقعة من العالم منذُ آلاف السنين، وهي الآن في طريقها إلى التطور الديني بسبب التحضر والتمدن فلا بد أن يبعدها كثيراً عن طقوسها وشعائرها الأولى، بسبب سكن المندائيين الحواضر وابتعدوا عن شواطئ الأنهار وتفرقوا في المدن طلباً للرزق وهاجروا البلاد بسبب الأحتراب الطائفي الذي مر به العراق ما بعد عام الاحتلال الأميركي 2003م، فضلاً عن دخول أبنائهم الوظائف الحكومية وترك مهنهم التي كان آباؤهم يجيدونها، وقد ابتعدوا كثيراً عن الصابئين الذين كانوا يمارسون شعائرهم بصورة بدائية كما كان يمارسها الأسلاف، فاستعاضوا في كثير من شعائرهم بالماء المعقم بدلاً من ماء النهر الجاري، وحلقوا شعور رؤوسهم وذقونهم، واتخذوا الزي العصري لباساً لهم كسائر الأقوام من حولهم تمشياً مع ظروف العصر، وامتزجوا مع المجتمع العراقي امتزاجاً كاملاً لم يعودوا يميزون فيه عمن حولهم بأي شيء.

كما أن نصوصهم الدينية التي ما زال المندائيون يحتفظون بها تبرز التوحيد واضحاً في عقيدتهم، وتركز على الخلق والخالق وصراعات كينونة العوالم والعالم الآخر النوراني وحتمية العودة إليه، وتميزت طقوسهم الدينية وشعائرها التي ارتبطت بالماء والتعميد به يشكل طهارة للنفس والبدن، وكانت بداية التعميد للملاك «هيبل زيوا» وتعميد آدم وشيت وسام عليهم السلام. ولذلك تجد قربهم من الأنهار ومواقع وفرَّة المياه التي لم يبتعدوا عنها لأي سبب كي لا يتوقف عندهم الطقس الديني.

يشير كتابهم المقدس «الكنزا ربّا» إلى أن المعرفة قد كشفت لآدم من الله الحي الأزلي، وهو الذي سجدت له الملائكة، بل كشفت له المعرفة وعُلَّم الأسماء، كما أن الطوفان لم يبق من البشرية إلا نوحاً وأولاده الثلاثة الذين تشكلت منهم دورة حياة جديدة، هم «سام وحام ويافت»، ومن هؤلاء الثلاثة جاءت القبائل والشعوب وجاءت لغاتها.

كما أن لغتهم المندائية يصنفها اللغويون بأنها واحدة من عائلة اللغة السامية، ويعدونها الفرع النقي للغة الآرامية الشرقية في بلاد الرافدين، التي اشتملت على الآرامية الشمالية لغة الآشوريين والآرامية الجنوبيى لغة البابليين. وإن وجود المندائيين سابق لظهور اللغة المندائية، وقد أكدت الحفريات التي تمت قرب مدينة الرِقَة في أعالي نهر الفرات وكذلك في جنوب العراق في أطلال تلّو تم العثور على عملات نقدية تحتوي كتابات تبين أنها قد كتبت بأبجدية اللغة المندائية، ومن خلال اسماء وصور الملوك الظاهرة في هذه النقود ومقابلتها مع مصادر المعلومات الرومانية واليونانية المتوافرة تبين أن تاريخ أقدم النقود التي تم العثور عليها لحد الآن إلى حوالي منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، أي عام 165 ق.م كما ذكر ذلك الراحل عزيز سباهي في كتابه «أصول الصابئة ومعتقداتهم الدينية».

أول بحث اهتم بديانة الصَّابئة صدر بالسويد عام 1691م، وأول كتاب ينشر بالعربية عن الدِّين المندائي هو «مندائي أو الصَّابئة الأقدمين» لعبد الحميد بن بكر أفندي عبادة (ت 1930)، «طبعة الكتاب الأولى: بغداد، مطبعة الفرات 1927»، كان الكتاب ملخص حوار أجراه عبد الحميد عبادة عام 1925 مع رئيس الصَّابئة المندائية «الشَّيخ كنزبرا دِخَيَّل بن عبدان» بالناصرية جنوب العراق يوم كان موظفاً هناك، ويذكر د. رشيد الخيون قال : «ولعلَّ عبادة أخذ نصوصاً كاملة من بحث (الصَّابئة عقائدهم وتقاليدهم) للباحث الدَّمشقي نقولا سيوفي (ت1901) وكان زار بغداد العام 1873، والتقى بأحد أولاد شيوخ الصَّابئة واسمه آدم، وصنف كتابه بالفرنسية العام 1880، واطلعنا على ترجمة لمواده بالعربية في مجلة (البيان) (1897)، ومِن مقالات الكرملي، دون الإشارة إليهما. غاب كتاب عبد الحميد أفندي عبادة بعد صدور كتاب عبد الرَّزاق الحَسني (الصَّابئون في حاضرهم وماضيهم)، الذي صدرت منه الطَّبعة الأولى (1931) والعاشرة (1980). لم يًعَد (كتاب مندائي) بعد وفاة مؤلفه (1930) أي بعد صدوره بثلاثة أعوام، والمفاجئ في الأمر أن الحسني. بعد الاستفادة من فكرة الكتاب، وموضوعه للكتابة والتأليف في الملل والنحل، اختطف الكثير من مقالة نقولا سيوفي ونصوص كتاب عبادة دون الإشارة، إلا في مكان لا علاقة لهُ بالنُّصوص الرَّئيسة المقتبسة، ولا يبرر لهُ انتحاله ذِكر الكتاب في ثبت المراجع، وكذلك فعل مع ما كتبه الأب الكرملي في (المشرق) البيروتية، فقد أخذ ما جناه الكرملي من الكتب القديمة مع تعليقاته عليها، فكتب: قال ابن خلدون وقال الآمدي وغيرهما، مع أنه جناها من مقالة الكرملي.. إن استولى الحسني على جهود عبادة والكرملي، فهو ذكرهما في ثبت المصادر، لكن الأكاديمي السوري ورئيس قسم الجغرافية بجامعة حلب محمد التَّنجي سطا على كتاب الحسني (اليزيديون في حاضرهم وماضيهم) ليجعله كاملاً، مع بعض التَّغييرات... ومثلما تعرض كتاب الحسني (اليزيديون...) للسطو، تعرضت كتب الليدي دراوور (الصَّابئة المندائيون) وكورت رودولف (النشوء والخلق في النصوص المندائية)، وغضبان الرومي (الصَّابئة) من قبل العراقي محمد الجزائري في (المندائيون الصَّابئة)»([1]).

هذه المقدمة هي لكتابي المقبل تاريخ الصَّابئة المندائيون في العراق «أصولهم ومعتقداتهم» الذي أوشكت على إنجازة وهو قيد المراجعة اللغوية والطباعية، اتمنى أن يروق للقراء والمهتمين بتاريخ ومعتقدات الصابئة المندائيون في العراق الدينية. الكتاب يتضمن (13) فصلاً ومن القطع الوزير الذي تجاوز (500) صفحة من الحجم الوزيري.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

............................

[1] الخيون. رشيد. الدِّيانة المندائية كع الصَّابئة المندائيين في فقه وتاريخ الإسلام. دار مدارك للنشر والتوزيع. الرياض. ط3. نوفمبر 2015. ص13/14؛ الشرق الأوسط 18 ديسمبر كانون الأول 2001.

 

 

فالح الحجيةهو أبو الوليد حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الخزرجي الأنصاري ويكنى أبو الوليد وقيل: يكنى أبو عبد الرحمن وقيل: أبو الحسام.

اما أمه فهي الفريعة بنت خالد بن خنيس بن لوذان بن عبدون بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن كعب بن ساعدة الأنصارية.

ولد سنة ستين قبل الهجرة و نشا في بيت عز وشرف وغنى

فهو شاعر عربي مخضرم عاش الجاهلية والاسلام وصحابي جليل من الأنصار ينتمي إلى قبيلة الخزرج ومن أهل (يثرب) المدينة المنورة التي نورها الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم بهجرته المباركة اليها ومن بني النجار (اخوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم واخوال جده عبد المطلب بن هاشم، حيث تزوج هاشم اثناء مرور قافلته التجارية ب (يثرب) قاصدا الشام وهي (رحلة الصيف) فمكث فيها مدة تزوج فيها (سلمى بنت عمرو بن عدي) من بني النجار من الخزرج فتركها في (يثرب) حاملا وسار بقافلته الى الشام آملا الرجوع اليها عند عودته من الشام الا انه وافته المنية في ارض الشام في مدينة (غزة) من ارض فلسطين ودفن هناك .

فولدت سلمى هذه بعد وفاة زوجها هاشم ولدا اسمته (شيبة) حيث قيل انه لما ولد وجد في رأسه الشيب . وقد نشأ (شيبة) في يثرب بين اخواله حتى بلغ ثماني سنوات فعلم بذلك اعمامه فطلبه اخوه المطلب بن ها شم واخذه الى مكة فكان اغلب الناس لا تعلم انه ا خوه وظنوا انه عبده فقيل (عبد المطلب) وهو جد النبي محمد صلى الله عليه وسلم فكانت هذه (شهرته).

لاحظ كتابي (شذرات من السيرة النبوية المعطرة)

وقيل ان ابا حسان ثابت بن المنذر الخزرجي كان من سادات قومه ومن اشرافهم .اسهم في الخصومات بين الاوس والخزرج فهجا الاوس ونال منهم .

مدح حسان في الجاهلية الغساسنة ملوك الشام قبل الاسلام فاغدقوا عليه المال و من شعره فيهم:

لله درّ عصابةٍ نادمتهم

يوماً بجلَّقَ في الزمان الأولِ

أولاد جفنة حول قبر أبيهمُ

قبر ابن مارية الكريم المفضلِ

يسقون من ورد البريص عليهمُ

برَدى يصفّق بالرحيق السلسلِ

بيضُ الوجوه كريمةُ أحسابهم

شمَ الأنوف من الطراز الأولِ

يغشون حتى ما تهرّ كلابهم

لا يسألون عن السواد المقبلِ

وكذلك مدح المناذرة ملوك الحيرة وغيرهم الا انه بعد مجيء الاسلام واعلان اسلامه اختص في مدح الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ومدح المسلمين وفخر بهم وكني ب(شاعر الرسول) .

وأهدى لهُ النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد اسلامه جارية قبطية كان قد اهداها اليه (المقوقس) ملك الاقباط واسمها سيرين بنت شمعون فتزوجها حسان وأنجبت منهُ ولدهُ عبد الرحمن وحسن إسلامها و هذه هي أخت مارية القبطية زوجة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أي ان النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان عد يله .. و من هنا يتضح انه تربطه به علاقة قرابة وعلاقة مصاهرة .

أصيب بالعمى قبل وفاته ولم يشهد مع النبي مشهدًا او معركة لعلة أصابته ويعد في طبقة المخضرمين من الشعراء لأنه أدرك الجاهلية والإسلام وله شعركثير في كلا من العصرين .

وقد عاش ستين سنة في الجاهلية، ومثلها في الإسلام وتوفي في المدينة المنورة سنة أربع وخمسين للهجرة وله مائة وعشرون سنة في خلافة معاوية بن ابي سفيان في رواية اخرى توفي في خلافة علي بن ابي طالب سنة اربعين هجرية وعمره مائة وخمس سنين وهذا الخلاف موجود في اغلب سيرالشعراء . وهو القائل :

أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا

وابن الفريعة أمسى بيضة البلد

يمتاز شعره بقوته ومتانته وبلاغته بحيث كان سوطا لاذعا لظهور اهل الشرك والكافرين بعد اسلامه . اتخذه الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم شاعره المفضل وحثه على قول الشعرفي مدح المسلمين والفخر بهم ومناجزة شعراء الشرك والجاهلية وهجاء كفار قريش والرد على كل شاعر يهجو المسلمين من شعراء الشرك .

يقول النقاد والمختصون في الشعر ان شعره في الجاهلية اقوى واحسن وافضل من الشعر الذي قاله في الاسلام ويرجعون او يعولون ذلك لانبهاره في اساليب القران الكريم ومعانيه وتقييده شعره بقيود اخلاقية اسلامية منها الكذب المبالغ فيه حد الاسراف كما انه اسلم بعد ان بلغ الستين من عمره وتكون قد انطفأت ثورة عاطفته او جذوة شاعريته .

اما انا فلي قول اخر في ذلك هو ان الشاعر حسان بن ثابت قال الشعر في الجاهلية والإسلام و في هذا المقال الموجز سابين رأيّ في شعره في كلا العصرين :

يقول اغلب النقاد إن شعر حسان بن ثابت الجاهلي أقوى من شعره الإسلامي في كل قصائده وهذا حكم – كما اراه - قاس وصارم فقد طرق حسان أكثر الإغراض الشعرية فقد شبب ومدح وهجا ورثا ووصف وافتخر وفخر وحكم مثله مثل كل الشعراء يقول:

نسبي اصيل في الكرام ومذودي

تكوى مواسمه جنوب المصطلي

بدأ قصيدته اعلاه في الغزل كعادة الشعراء الجاهليين قبله وتساءل عن ديار الأحبة وتنقل بين البضيع والجوابي وحومل وانتقل إلى مدح الغساسنة حكام الشام في مدينة (جلّق) ثم عرج على الخمرة واحتسائها ثم افتخر بنسبه الأصيل وإذا أمعنا النظر في هذه القصيدة او في غيرها من شعره الجاهلي نلاحظ متانة شعره وبلاغته وقوة الفاظه وصلابتها في كثير من الأحيان وكذلك الشعراء كانوا يفعلون إذ يخرجون في القصيدة الواحدة إلى إغراض شتى إذ تبدأ قصائدهم بالغزل والبكاء على الإطلال أو وصف الخمرة ثم ينحدر من فن لاخر وهذا بلا شك يفتح أمام الشاعر أجواء شعرية واسعة فتاتي قصيدته قوية متينة وطويلة لذا كان الشعر الجاهلي بليغا وقويا. يقول في قصيدته:

توحْ منَ الحسناء أمْ أنتَ مغتدي،

وكيفّ انطلاقُ عاشقٍ لمْ يزودِ

تَرَاءتْ لَنا يَوْمَ الرَّحيلِ بمُقْلَتيْ

غَرِيرٍ بمُلْتَفٍّ مِن السِّدْرِ مُفْرَدِ

وجيدٍ كجيدِ الرثمِ صافٍ، يزينهُ

توقدُ ياقوتٍ، وفصلُ زبرجدِ

كأنَّ الثُّرَيّا فَوْقَ ثُغْرَة ِ نَحْرِها

توقدُ، في الظلماءِ، أيَّ توقدِ

لعَمْري لَقدْ حالَفْتُ ذُبْيانَ كُلَّها

وعبساً على ما في الأديمِ الممددِ

وأقبلتُ منْ أرضِ الحجازِ بحلبة

تَغُمُّ الفَضاءَ كالقَطا المُتَبَدِّدِ

تحملتُ ما كانتْ مزينة ُ تشتكي

منَ الظلمِ في الأحلافِ حملَ التغمدِ

أرَى كثْرَة َ المَعْرُوفِ يورِثُ أهْلَهُ

وسَوَّدَ عَصْرُ السَّوْءِ غَيْرَ المُسَوَّدِ

إذا المرءُ لمْ يفضلْ، ولم يلقَ نجدة

معَ القَومِ فَلْيَقْعُدْ بِصُغْرٍ ويَبعَدِ

وإنّي لأغْنى النّاسِ عَنْ مُتكلِّفٍ

يَرَى النّاسَ ضُلاَّلاً وليس بمُهْتدي

كَثِيرِ المُنى بالزَّاد، لا خَيْرَ عِندَهُ

إذا جاعَ يوماً يَشْتَكِيهِ ضُحى الغدِ

اما شعر حسان في الاسلام فيتميز بطبقة شعرية عالية رفيعة جمعت بين بيان الجاهلية ومعارفها وحداثة الاسلام وروحانيته الواسعة وافر البيان جزل الالفاظ واسع البلاغة يعود ذلك الى صلته الشديدة والقريبة من موقع مهبط الوحي وقربه من معين الأدب الإسلامي حيث كان يستمع إلى القرآن الكريم ويحفظه فشعره قد تحلى بالفصاحة الخالصة من شوائب اللفظ وغريب العبارة والتعقيد فشعره حسن مفهوم خال من حوشي الكلام زاخر بالمعاني الاسلامية الجديدة والاغراض السامية النبيلة ينهل من بحر المدرسة المحمدية التي التزم بها و أصبح لا يفارقها واذا كان غيره قد انبهر بالقرآن الكريم فحسان بن ثابت استغل هذا الاسلوب في شعره وانشد فيه واتخذه نبراسا لقصائده بعد اسلامه .

من جهة اخرى انه كان شاعرا في الجاهلية شاعرا في الإسلام فازداد قوة شعرية ورفعة ومتانة فعمره الطويل وعراكه مع الزمن وتجربته الشعرية وحاجة الإسلام إليه في الذود عنه وعن شخصية الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وتشجيع النبي صلى الله عليه وسلم المستمر له قادته إلى السمو والعلى .

وقال في رد على الشاعر الزبرقان التميمي لما وفدت تميم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة:

هل المجد إلا السؤدد العود والندى

وجاه الملوك واحتمال العظائم

نصرنا وآوينا النبي محمدا

على أنف راض من معد وراغم

بحي حريد أصله وثراؤه

بجابية الجولان وسط الأعاجم

نصرناه لما حل وسط ديارنا

بأسيافنا من كل باغ وظالم

جعلنا بنينا دونه وبناتنا

وطبنا له نفسا بفيء المغانم

ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا

على دينه بالمرهفات الصوارم

ونحن ولدنا من قريش عظيمها

ولدنا نبي الخير من آل هاشم

بني دارم لا تفخروا إن فخركم

يعود وبالا عند ذكر المكارم

هبلتم علينا تفخرون وأنتم

لنا خول ما بين ظئر وخادم

فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم

وأموالكم أن تقسموا في المقاسم

فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا

ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم

(راجع كتابي (شذرات من السيرة النبوية المعطرة)

صفحة \281 وما بعدها)

قال ابن سلاّ م في طبقاته للشعراء متحدثا عن شعراء الإسلام: (وأشهرهم حسان بن ثابت وهو كثير الشعر جيده) من هذا نستنتج إن شعر حسان في الإسلام يضاهي شعره في الجاهلية أو يزيد عليه لنقرأ له هذه الأبيات الإسلامية لنلاحظ قوة شاعريته وصياغته الشعرية وجزالة شعره وبلاغته ونلاحظ تاثير الاسلام على هذه الشاعرية الفذة:

الله ا كرمنا بنصر نبيه

وبنا أقام دعائم الإسلام

وبنا اعز نبيه وكتابه

وأعزنا بالضرب و الإقد ام

في كل معترك تطل سيوفنا

فيه الجماجم عن فراخ الها م

ينتابنا جبريل في أبياتنا

بفرائض الإسلام والإحكام

يتلو علينا النور فيها محكما

قسما لعمرك ليس كالأقسام

نلاحظ جودة شعره وتأثير الإسلام فيه واقتباسه في شعره من آيات القرآن الكريم فما اقتبسه من القران الكريم واحاديث الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم زادت في شاعريته وروت شعره من معينها قوة وبلاغة وسهولة وفصاحة حتى بلغ الذروة حتى يحق لنا ام نقول ان حسان بن ثابت هوامير الشعر و امير الشعراء في صدر الاسلام . رحم الله حسان فهو سيد الشعراء المخضرمين وأسعدهم .

ومن جميل شعره هذه الابيات:

عفتْ ذاتُ الأصابعِ فالجواءُ

إلى عذراءَ منزلها خلاءُ

ديارٌ منْ بَنِي الحسحاسِ قفرٌ

تعفيها الروامسُ والسماءُ

وكانتْ لا يزالُ بِها أنيسٌ

خلالَ مروجها نعمٌ وشاءُ

فدعْ هذا، ولكن منْ لطيفٍ

يؤرقنِي إذا ذهبَ العشاءُ

لشعثاءَ التي قدْ تيمتهُ

فليسَ لقلبهِ منها شفاءُ

كأنّ سبيئةً من بيتِ رأسٍ

يكونُ مزاجها عسلٌ وماءُ

عَلى أنيابها، أو طعمَ غضٍّ

منَ التفاحِ هصرهُ الجناءُ

إذا ما الأسرباتُ ذكرنَ يوما

فهنّ لطيبِ الراح الفداءُ

نوليها الملامةَ، إنْ ألمنا

إذا ما كانَ معثٌ أوْ لحاءُ

ونشربها فتتركنا ملوكا

وأسدًا ما ينهنهنا اللقاءُ

عدمنا خيلنا، إنْ لَم تروها

تثيرُ النقعَ، موعدها كداءُ

يبارينَ الأسنةَ مصعداتٍ

عَلى أكتافها الأسلُ الظماءُ

تطلُّ جيادنا متمطراتٍ

تلطمهنّ بالخمرِ النساءُ

فإما تعرضوا عنا اعتمرنا

وكانَ الفتحُ، وانكشفَ الغطاءُ

وإلا، فاصبروا لجلادِ يومٍ

يعزُّ اللهُ فيهِ منْ يشاءُ

وجبريلُ أمينُ اللهِ فينا

وروحُ القدسِ ليسَ لهُ كفاءُ

وقالَ اللهُ : قدْ أرسلتُ عبدًا

يقولُ الحقَّ إنْ نفعَ البلاءُ

شهدتُ بهِ فقوموا صدقوهُ

فقلتمْ : لا نقومُ ولا نشاءُ

وقالَ اللهُ : قدْ يسرتُ جندًا

همُ الأنصارُ، عرضتها اللقاءُ

لَنَا فِي كلّ يومٍ منْ معدٍّ

سبابٌ، أوْ قتالٌ، أوْ هجاءُ

فنحكمُ بالقَوافِي منْ هجانا

ونضربُ حينَ تَختلطُ الدماءُ

ألا أبلغْ أبا سفيانَ عنِّي

فأنتَ مجوفٌ نَخبٌ هواءُ

بأنّ سيوفنا تركتكَ عبدًا

وعبدَ الدارِ سادتها الإماءُ

هجوتَ محمدًا، فأجبتُ عنهُ

وعندَ اللهِ فِي ذاكَ الجزاءُ

أتَهجوهُ، ولستَ لهُ بكفءٍ

فشركما لخيركما الفداءُ

هجوتَ مباركا، برًا، حنيفا

أمينَ اللهِ، شيمتهُ الوفاءُ

فمنْ يهجو رسولَ اللهِ منكمْ

ويَمدحهُ، وينصرهُ سواءُ

فإنّ أبِي ووالدهُ وعرضي

لعرضِ محمدٍ منكمْ وقاءُ

ومن هنا يتبين ان الشاعرالفطحل حسان بن ثابت (شاعرالرسول) انتقل بروحه من الجاهلية الى الاسلام وتاثر في كل قصص القران الكريم والاساليب القرانية والحديث الشريف وما جاءت به الشريعة الاسلامية اذ تصب في عصره لقربه من الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وقرابته منه حيث انه كان عديله فاهتم به كثيرا وان عمره الطويل عركه فكانت قصائده في مدح الحبيب المصطفى وفي شهداء المسلمين كثيرة فهو بحق امير الشعر واميرالشعراء في عصر صدر الاسلام حيث انه هو الافضل في شعره وافضل الشعراء فيما قالوه في هذا العصر واقربهم اليه مقالة

 

امير البيان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلد روز

 

نور الدين صمودما انفك الشيخ عبد المقصود خوجه يكرم العلماء وأعلام الفكر والمعرفة في ندوته الأسبوعية التي أطلق عليها اسم اليوم الذي تجري فيه الاثنينية وظلت أعمالها تنشر كل ما يجري فيها منذ  سنة 1983 علما بأن صاحب هذه الندوة هو ابن الصحفي الكبير صاحب جريدة أم القرى التي كانت تصدر في خمسينيات القرن الماضي وهو أيضا ناشر كتاب (وحي الصحراء) مع الشاعر عمر بلخير وقد نشر في القاهرة وقدمه إلى القراء محمد حسين هيكل. وقد حضر  الشاعر التونسي نورالدين صمود حفل تكريم الشاعر محمود عارف وهي رقم 9 ثم توالى حضوره لها ضيفا إلى أن شمله التكريم في الندوة التي خصة بها، التي قال فيها مُكرمه عنه الكلمة التالية.

وهذه كلمة صاحب الاثنينية الشيخ عبد المقصود في تكريم  نورالدين صمود.

 

في حفل تكريم الشاعر نور الدين صمود

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخوات والإخوة ...الأستاذات والأساتذة الأكارم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يسعدني أن أرحب بكم في هذه الأمسية التي  تزدهي بأحد أعلام الأدب والشعر في تونس الخضراء الذي قدِم منها خِصيِصا لِتـَشـرُفـوا به في هذا اللقاء، وباسمكم جميعًا أتوجه بالشكر والتقدير والترحيب لضيفنا الكريم معالي الدكتور نور الدين صمود، الذي تفضل بتلبية دعوة الاثنينية وتشريفها بتكريمه والاحتفاء به وبمسيرته العطِرة في دنيا الكلمة...

الإخوة الأحبة لضيفنا الكبير وشائج صداقة و محبة و إخاء مع كثير من رجالات الثقافة والأدب والفكر في بلادنا الحبيبة،  فقد عرف الترحال منذ مراحل طلب العلم وأصبح خصلة أحسب أنه قبلها بارتياح لأنها تماهت مع ميوله الشخصية . فهو ذو شخصية منفتحة بطبيعتها نحو الآخر وقد تواصل مع هذا المنتدى منذ وقت طويل في أكثر من مناسبة و كانت له مداخلات وقرأ بعض قصائده المميزة على نخبة من رواد "الاثنينية" أثناء حفل تكريم شاعرنا الكبير محمود عارف – رحمه الله – وذلك بتاريخ  21 .6 .1403 هـ - الموافق .  4  . 4 . 1983  م . وهي كما تعلمون السنة الأولى لانطلاقة هذا المنتدى. وإذ نسعد بتكريمه هذه الأمسية فإنما نفتح صفحة جديدة في دفتر هذه العلاقات الوطيدة التي ظلت نشطة رغم بعد الشقة والشواغل الجمة التي تستأثر بجل أوقاته فهو أديب مطبوع مفتون باللغة العربية مولع بالشعر مبدع في الكثير من أغراضه حتى إنه غامر بدخول عالم الطفل ليخاطب وجدانه شعرا وعندما أقول "غامر" فإنني لا أضع الكلمة جزافا فقد وصف نفسه بهذه الصفة في قصيدته الموسومة "الطفل الخالد" حَـفِيًّا بالطفولة متلفـِّعا بالثورة ناشدا الحرية مع الفراشات و بين الحقول، وقد بدأ بهذا بنيان الصلة من مرحلتها الأولى. ولشاعرنا الكبير صولات وجولات في عالم الشعر والنثر، وله رؤاه التي قد نختلف أو نتفق معه بشأنها ولكننا نحترمها لأنها من عالم سبر غور الكلمة. و تعامل مع مختلف التيارات الأدبية و نظم الشعر العمودي وشعر التفعيلة وتلاقحت أفكاره مع كثير من رواد الأدب والصحافة والفكر في مختلف الدول العربية وغيرها من الدول الشرقية و الغربية بالإضافة إلى مشاركاته التي شملت العمق الإفريقي فهو، بحمد الله، شعلة نشاط ثقافي وأكاديمي لا يهدأ ولم يبخل عليه بهذه الزيارة التي نعتزّ بها رغم عودته مباشرة من رحلتين متتاليتين لكل من البرازيل و السينغال لم يفصل بينهما سوى أيام قلائل، وليس ذلك بغريب عليه لأنه من أُولِي العزم و يكفيه فخرا، في زمن قلّ فيه رواد العزيمة ...و في سياق هذه الإرادة التي لا تلين، يحق لنا أن نهنّئَ ضيفنا الكريم بإنجازه النادر في مجال الإسهام بجهد مقدر، بمناسبة السنة الوطنية للكتاب 2003 حيث اضطلع بمفرده بتأليف ونشر ستة دواوين متتالية أي بمعدل ديوان كل شهرين، وهو عمل يستحق الإشادة و التقدير بكل المقاييس، وقد تعجز عن القيام به بعض الجهات ذات الميزانيات والمكاتب والموظفين إلا الإرادة الصلبة والتصميم على العطاء المميز والاهتمام بكل ما من شأنه أن يخدم لغتنا الجميلة، فالباب الذي يُطرق لا بدّ أن يُفتح، وكسائر بلاد القارة السمراء، كما تعلمون، كانت تونس ترزح تحت نير الاستعمار حتى أواسط القرن الميلادي الماضي، وفي ظل تلك الظروف القاسية، عاش الفتى نور الدين صمود شطرا من شبابه إلى أن تنفـَّستْ بلاده نسمات الحرية من الاستعمار الفرنسي عام 1956 م ، إلا أنها ورثت تركة مثقلة باللغة الفرنسية في كافة أوجه المعاملات الرسمية والتجارية والثقافية وفي هذه البيئة المشبعة بسطوة اللغة الدخيلة نشأ ضيفنا الكبير معتزا بلغة آبائه وأجداده ولم يغترب ثقافيا (بمعنى التوجه نحو الغرب) في وقت كانت اللغة العربية مهيضة الجناح وبالتالي فإن العلوم المتعلقة بها كانت تشكل الحلقة الأضعف في مسيرة التعليم والعمل ومستقبل الشباب، ورغم تلك التعقيدات سار ضيف أمسيتنا نحو مُتـَنـَفـَّسِهِ الطبيعي فتعلّم وقرأ الكثير وجاس بين مجالس العلماء ورياض الأدباء والشعراء في مصر ولبنان منارتي العربية في تلد الفترة  إلى أن حقق مبتغاه ووجد نفسه في إهابه الذي نعرفه اليوم.

 ولعله من الطبيعي أن يجد ضيفـُنا الكبير ميلا فطريا نحو الموسيقى فكان له باع طويل في الموشحات الأندلسية والكلمات ذات الجرس الموسيقي، فلم يتردد في إبداع مئات القصائد التي تهافت عليها الملحنون والمغنون في تونس فشقّـَّت طريقها دون عناء نحو الإذاعة و التلفيزيون لا سيما أن أستاذنا له مساهمات عديدة في هذين الجهازين المؤثّرين وله إطلالته التي يترقبها كثير من محبّي أدبه وشعره من خلالهما، فأسهم بذلك في إثراء الذوق العام التونسي والعربي وحرّك المشاعر التي تهفو إلى الفن الرفيع والأصالة المتجذّرة في وجدان كل إنسان يتمتع بحسّ سويّ وفطرة سليمة.

  إن مسيرة أستاذنا الكريم بما تضمنته من ذكريات ما قبل الاستقلال ونشاط ملحوظ وتحولات جذرية في عهد الحكم الوطني وانطلاقته في ميدان التعليم العام والجامعي وعلاقاته بالوسط الفنّي ومساهماته الإذاعية والتلفزية ورحلاته العديدة إلى مختلف أنحاء العالم واحتكاكه بكثير من الشعوب ورهافة حسّه كشاعر مبدع وتدفق بيانه السردي .. كل هذه المنظومة المتشبّعة التي تتجسد في شخص ضيفنا الكريم تجعلني أنظر إليه ككاتب من طبقة خاصة لمشروع رواية تعتمل في داخله، إلا أنها لم تكتمل بعد، قد يخطها بنفسه أو يتناولها كاتب آخر ليسكب من خلالها خلاصة تجاربه الثرية وأفكاره النيّرة ومشاهداته وأسرار لقاءاته مع كبار الأدباء الذين عاصرهم آخذين في الاعتبار أن ضيفنا الكريم يتمتع بروح الفكاهة والمرح وسرعة البديهة مما يكسب قلمه طلاوة وحلاوة. فكما أن الجالس إليه لا يملّ سماعه فإنني أثق بأن قارئ ترجمة حياته سيجد بين طياتها الكثير والمفيد.

وكم كان كريما دائما بتواصله بشخصي الضعيف لا يكلّ ولا يملّ برسائله الثرية بتصويب كثير من المواقف لغويا وأدبيا عبارة ونقدا فأمتعني عبر هذه المسيرة الطويلة من صداقتنا التي هي محلّ إعزاز واعتزاز بالغ مثـّّلتْ في مجملها طرحا أدبيا مما يُسمى أدب الرسائل الذي أنا به مولع والذي أحرص عليه مع مَن يسعدني بهذا التوجه. وهذا ما يجعلني أشير أن هذا الباب، مع قلة من لا يزال يسعى به ومعه وله بأنهم يحافظون على البقية الباقية كُسِرَ فيه القلم مع الأسف وهِيض جناحه وجَـفّ قرطاسه، ولكن لا تزال إرهاصاته تعيش نتاجها الذي يحمد فيشكر . ولنا أن نقدم العذر لضيفنا إذ لو كان التكريم يتم وفقا لآليات الأولويات لكان صاحبه قبل كثيرين غيره، ولكنها الظروف التي تقودنا وتسيرنا، ولا نقودها ولا نستطيع أن نسيرها، رغم الجهود التي تبذل والآمال التي نعلقها على الرغبة والإرادة، ويبقى دائما الخير فيما اختاره الله عز وجل.

مرحبا بضيفنا الكبير في حله وترحاله، سعداء بتشريفه هذه الأمسية التي طالما تقنا إليها، فما قصرت منا الخطى، وما هان عليه اللقاء، إلا أنها أمنية تأجلت أكثر من مرة بسبب ازدحام برنامج معاليه، فأهلا وسهلا ومرحبا به بين أهله ومحبيه، متمنيا لكم أمسية ماتعة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته عبد المقصود خوجه

 

وأختم بتعليقي على كلمة صاحب الاثنينية: شكرا موصولا لمن ذكـّروني بهذه المَأْثـُرة ولا يعرف الفضل إلا ذووه. ن  ص