محمود محمد عليتعد فريدة النقاش أحد السيدات المصريات اللاتي لمعن في عالم الكتابة والسياسة، فهي كاتبة صحفية ومعارضة يسارية مصرية، وأول امرأة تصبح رئيسة تحرير لجريدة الأهالي التي تصدر عن الحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي المعارض في مصر، وعملت في عدة مؤسسات إعلامية ؛ مثل جريدتي: "الأخبار" و"الجمهورية"، ووكالة أنباء الشرق الأوسط، ورأست تحرير مجلة "أدب ونقد" كما أنها عضو مؤسس لحزب التجمع وعضو في عدة جمعيات مدنية وأهلية لحقوق الإنسان، وحقوق المرأة (1).

علاوة علي أنها تمتلك تاريخاً من النضال، وجسارة الكلمة، والدفاع عن حرية الرأي والتعبير، ورفض كل ما يمس الإنسان وهويته، فهي تنتمي إلي عائلة أدبية لها دورها البارز في الحياة الثقافية المصرية، فشقيقها الأكبر الناقد الراحل "رجاء النقاش"، أحد أبرز الأصوات النقدية في العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، وشقيقها أيضا القاص والمترجم الراحل "وحيد النقاش"، إضافة إلي الكاتب المسرحي "فكري النقاش"، والمخرج السينمائي "عطاء النقاش"، الذي هاجر إلي الولايات المتحدة الأمريكية منذ سبعينيات القرن الماضي، وظل فيها حتي وفاته، أما شقيقتها الصغرى فهي الكاتبة الصحفية "أمينة النقاش"- رئيس تحرير جريدة الأهالي سابقاً (2).

وقد ولدت "فريدة النقاش" في الأول من شهر مارس عام 1940 في بيت من بيوت مدينة "أجا" في محافظة الدقهلية شمال القاهرة.. حصلت على ليسانس الآداب من جامعة القاهرة العام 1962، وكان أهم ما يميز بيتهم على تواضعه الشديد، مكتبة ضخمة تجمع مقتنيات والدها مدرس اللغة العربية الذي كان يكتب الشعر هاوياً .. الأم كانت أمية لكنها كانت مأخوذة بالمناخ الثقافي في البيت، وكان أهم ما تريده أن يتعلم أبناؤها تنفيسا عن غضبها المكتوم لحرمانها من التعليم بفعل عادات ذلك الزمان، وكان الأب ينظم ندوة أسبوعية يحضرها شيخ القرية ومثقفوها لمناقشة إنتاجهم الشعري، وكانوا جميعاً من أنصار حزب الوفد .. كان أخوها "رجاء" أول من عاونها على اكتشاف عالم المعرفة، والكتب الحديثة التي لم تكن موجودة في مكتبة والدها، وزاد تعلقها بالكتاب، وأصبح لا يفارقها وظلت في حالة قراءة دائمة .. وفى الجامعة تعرفت على أستاذها الكبير محمد عودة الذي له اثر واضح في حياتها، وأندالك تعرفت على زوجها وشريك حياتها حسين عبد الرازق الذي كان يعمل صحفيا في أخبار اليوم (3).

قال عنها الأستاذ "حلمي سالم" – الصحفي المصري الشهير :" صحبة "فريدة النقاش" لأيام قليلة متعة بالغة، فما بالك لو صحبتها لمدة عشرين عاما .. كان هذا هو حظي الجميل، فمن منتصف عام 1997، أرسلت إليها ورقة أسألها إمكانية أن أعمل في " أدب ونقد" – وكانت مديرة التحرير آنئذ – إذا كان ذلك متاحاً . وبعد أيام قليلة وصلتني استجابتها المرحبة، وصرت منذ تلك اللحظة واحداً من أسرة " أدب ونقد" .. كنا في النصف الأول من السبعينيات (من القرن الماضي) أثناء حركتنا الطلابية الشهيرة، نعرف اسم " فريدة النقاش"، كواحدة من المثقفات التقدميات المناضلات، في قلب الحركة الوطنية الديمقراطية المصرية المعاصرة . وكنا نعرف أنها واحدة من كبار المؤيدين في الحركة الثقافية للحركة الطلابية الشابة . وكنا نقرأ عندها الفكري والأدبي الملتزم والمتفتح في آن، ونعجب لنصاعة رؤيتها وصلابة موقفها معاً . وكان بعضنا قد تعاون لماماً مع " أدب ونقد" و" الأهالي" من خلالها هي و" حسين عبد الرازق" و" صلاح عيسي" و" أمينة النقاش"، أي عصابة الأربعة، المباركة، التي منحت الأهالي مرحلتها المتوهجة . لكن العمل معها مباشرة، سيرة أخري . فقد وجدت إلي جانب الرؤية الناصعة والصلابة الرفيعة – وجداناً حاراً، وقلباً فطناً، وسريرة نقية، ليزداد عجبك : كيف يجتمع الالتزام الحازم والراديكالية العميقة مع نقاء السريرة وطراوة القلب (4).

كذلك قال عنها د. أسامة الغزالي حرب في مقال نشره بجريدة الأهرام :" لقد عرفت "فريدة" وزوجها الراحل حسين عبد الرازق مبكرا للغاية في عام 1972 عندما ذهبنا، عبد القادر شهيب وأنا، لكى نبدأ حياتنا في الكتابة الصحفية بقسم الأبحاث في جريدة الجمهورية، فكانت منذ عرفناها، وكما ظلت دائما، شخصية رائعة.. ناصعة في نقائها، مخلصة في أفكارها، راقية فى سلوكها. وكما رأيتها ولمستها منها، هى أن تحب الفقراء والضعفاء وتنحاز إليهم، وهى ان تنبذ الظلم الاجتماعي، والاستبداد السياسي والتخلف الثقافي. هي التنوير الذى يفتح العقول، ويزيل التعصب والتشدد المقيت. وفريدة النقاش لم تعبر عن هذه الأفكار، ولم تقل تلك الكلمات، كمجرد أحاديث عامة أو كتابات صحفية (5).

وقيل عنها قد رافقتها الأوجاع لفترة طويلة في حياتها ولكن أسوء يوم كما تقول : عندما زار السادات القدس، في ذلك اليوم شاركت زملاءها في التجمع ارتداء السواد ورفع علم فلسطين على الأكتاف، وبسبب موقفها هذا عرفت الاعتقال للمرة الأولى في حياتها 1979، وأرسلت دراستين عن دور كامب ديفيد في كسر النظام الإقليمي العربي إلى مجلة دراسات عربية اللبنانية، وتم القبض على حامل المقال في المطار وتم القبض عليها واستجوابها لمدة 3 أيام، وفى نفس العام حبست لاتهامها في المشاركة في تأسيس الحزب الشيوعي المصري ، وتم حبسهما هي وزوجها حسين عبد الرازق تاركين ابنتهما رشا 14 سنة وابنهما جاسر 10 سنوات بمفردهما، وعندما طلب محاميها الإفراج عنها لرعاية الأبناء تم الإفراج عن زوجها وبقيت هي 11 شهرا (6).

وقد سجلت "فريدة النقاش" تجربة المعتقل المرير في كتابين : " السجن دمعتان ووردة" و" يوميات المدن المفتوحة"، فالكاتبة التي امتلكت التمرد ويقين الحلم، امتلكت جسارة المواجهة، ورغم كثرة همومها الخاصة في فترة السجن، ومنها تركها ابنيها "رشا وجاسر" اللذين لم يتجاوزا سن الطفولة وقتها، فقد وجدت نفسها أمام خيارين، كلاهما صعب وقاس، الأول موقفها الوطني والثقافي والسياسي الرافض لكل سياسات التطبيع والاستلاب، والثاني موقفها كأم تعشق أطفالها (7).

وتشير فريدة النقاش إلي أنها تعلمت طوال حياتها في مهنة الكتابة قيمتين أساسيتين : الصدق وإتقان المعارف الجديدة في ميدان تخصصها، ومواكبتها، وهذا ما وفر لها علي حسب تعبيرها :" الاحتفاظ بالمسافة بين السياسة المباشرة التي انغمست فيها تماماً وعبرت كتابة عن مواقفي وبين الأدب والنقد، وأدين بذلك لأستاذي الناقد الراحل د. علي الراعي، وأظن أن هاتين القيمتين قد انعكستا في مجلة " أدب ونقد" التي ترأست تحريرها منذ عام 1987 وحتي عام 2007 وهي تفتح الباب للمغامرات الابداعية مهما كان تمردها، طالما حلمت لأدب ونقد بالدور الذي لعبته في ثقافتنا " الرسالة" لأحمد حسن الزيات، و"الكاتب المصري" لطه حسين، و" الطريق، والآداب، والثقافة الوطنية " علي استلهام الحياة الشعبية كمنبع ثري للخلق الفني والإطلال علي نقاط النور فيها علي حد تعبير بهاء طاهر، حيث تضامن البشر يعصمهم من الانهيار (8) .

وقد كتبت "فريدة النقاش" في نهاية الستينيات دراسة تنتقد صورة المرأة في أدب إحسان عبد القدوس الذي غضب منها وقال لأحد زملائه أن احد أخر كتب المقال لينتقم منه ووضع عليه اسمها . وسعت في دراساتها لأدب المرأة إلى اكتشاف الفروق بين كتابات المرأة وكتابات الرجال ومعرفة قدرات الكاتبات على التعامل مع الاضطهاد المزدوج الواقع على جنسهن في المجتمع الطبقي . وترى أن الكاتبة العربية رغم ما حققته من إنجازات في مجال الإبداع أنها ما زالت مشدودة إلى المجال الخاص هو عالم البيت والأسرة والأطفال بسبب تاريخ من القهر الذي نسجه المجتمع حول المرأة وجسدها حيث لا يولد الإنسان امرأة وإنما يصير امرأة (9) .. وللحديث بقية..

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

....................

1- شيماء محسن: فريدة النقاش.. سيدة النضال، كدلة رزاليوسف، 02:01 م - الإثنين 14 يوليو 2014.

2-عيد عبد الحليم : فى المواجهة : فريدة النقاش كتابة المواجهة وجسارة النقد، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، العدد 364، 2017، ص 5.

3- شيماء محسن: المرجع نفسه.

4- حلمي سالم : صحبة فريدة النقاش،، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، المجلد 23، العدد 257، 2007، ص 5.

5-د. أسامة الغزالى حرب : فريدة النقاش، مقال منشور بجريدة الأهرام المصرية.

6- شيماء محسن: المرجع نفسه.

7- عيد عبد الحليم : المرجع نفسه، ص 6.

8-المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

9- شيماء محسن: المرجع نفسه.

 

 

مصدق الحبيبJoseph Schumpeter

(1883 – 1950)


هو الاقتصادي النمساوي الشهير الذي لم يكن احد اقطاب المدرسة النمساوية في الاقتصاد لانه اختط لنفسه دربا لم يسلكه احد غيره،  فاصبح بذلك من اشهر اقتصاديي القرن العشرين.

ولد جوزيف ألويس شومپيتر عام 1883 في مقاطعة مورافيا النمسو-هنگارية الواقعة الآن ضمن ما سمي بجمهورية الچيك. کان والده يملك مصنعا للنسيج لكنه توفي عام 1887 فبقي جوزيف ذو الاربع سنوات يتيما لحين زواج والدته عام 1893 من ضابط كبير في الجيش النمسو-هنكاري وانتقالها معه الى فيينا ليعينها على تربية ابنها . وفعلا اهتم به زوج والدته فادخله احسن مدارس فيينا واخذ بيده لحين دخوله الجامعة. في جامعة فيينا درس شومبيتر القانون والاقتصاد وتتلمذ على يد يوجين بوم بافرك وفريدريش مايزر واستطاع ان يكمل الدكتوراه عام 1906 وهو بسن 23 عاما.  في عام 1907 تزوج من گلاديس ريكاردي،  وهي ابنة رجل دين انگليزية وتكبره بتسع سنوات. وفي نفس العام حصل على وظيفة استشارية في مؤسسة قانونية ايطالية تعمل في القاهرة فسافر مع زوجته وامضيا سنتين في مصر انشغل خلالهما بالبحث فأكمل دراستة عن طرق البحث الاقتصادي. في عام 1909 عاد الى النمسا وحصل على عمل استاذ مساعد في جامعة Czernowitz التي انجز فيها كتابه المهم عن التنمية الاقتصادية ونشره عام 1911 والذي قدم فيه رؤيته الرائدة عن دور واهمية ظاهرة المقاولات الاقتصادية Entrepreneurship. ولأنه لم يرق له العيش في منطقة الجامعة ، انتقل الى جامعة Graz بعد نشر كتابه وشيوع اسمه. عمل في جامعة گراز لمدة سنتين اضطلع اثناءهما بحمل ثقيل من الدروس، الامر الذي ارهقه ودعاه ان يفتش عن فرص اخرى،  فوجد فرصة الذهاب الى الولايات المتحدة كاستاذ زائر في جامعة كولومبيا في نيويورك لمدة سنة واحدة 1913-1914.

عند انتهاء مهمته في جامعة كولومبيا وحلول عودته الى وطنه، كانت الحرب العالمية الاولى قد اندلعت في اوربا فرفضت زوجته العودة الى النمسا خلال اجواء الحرب الملتهبة واصرت على العودة الى اهلها في بريطانيا وتركته يعود للنمسا وحيدا، فكان ذلك بدء الانفصال بينهما الذي دام ستة اعوام وانتهى رسميا بالطلاق عام 1920.

2594 جوزيف شومپـيتر أربع سنوات من الحرب انتهت عام 1918 وأدت الى ان تكون اليد العليا في السياسة للاشتراكيين في النمسا وألمانيا، حيث ذهب شومبيتر الى برلين ليلتحق باللجنة الاشتراكية العليا لوضع خطوات التحول الى الاقتصاد الاشتراكي ونتيجة لذلك اصبح وزيرا للمالية عام 1919 لكن الصراع الفكري حول كيفية تطبيق الاشتراكية كان قد احتدم بينه وبين كبير الاشتراكيين أوتو باور  Otto Bauer مما ادى بعد فترة وجيزة الى اقالة شومبيتر وشيوع الفوضى وفشل التجربة الاشتراكية في النمسا والمانيا وهي مازالت في رحمها.

بعد هذه التجربة المريرة في اروقة الحكومة قبل شومبيتر عرضا ليصبح مديرا عاما لمصرف بايدرمن التجاري في فيينا، لكنه عاد الى التدريس عام 1925 وهذه المرة في جامعة بون.  في عام 1931 سافر الى اليابان كاستاذ زائر في كلية تجارة طوكيو لمدة سنة واحدة، وفي عام 1932 هاجر الى الولايات المتحدة ليصبح استاذا للاقتصاد في جامعة هارفرد،  كان في ذلك محظوظا لحدوث هجرته قبل صعود هتلر الى قمة السلطة في بلاده عام 1933.

فی هارفرد بدأ شومبيتر بعصر جديد من الشهرة والتألق فكان زميلا لاشهر الاقتصاديين آنذاك واستاذا للطلاب الذين اصبحوا فيما بعد من المع الاقتصاديين. من زملاءه كان وسلي ليونيتيف وبول سويزي وجان گالبريث، ومن طلابه كان بول سامويلسن وروبرت سولو وجيمس توبن وروبرت هليبرونر ولويد متزلر وآخرون. في عام 1937 أسس مع زملاء آخرين جمعية الاقتصاد القياسي التي انتخب رئيسا اولا لها للفترة 1937-1941، كما اصبح في عام 1948 رئيسا لجمعية الاقتصاديين الامريكيين. استقر شومبيتر كاستاذ في هارفرد لغاية تقاعده عام 1949 ثم وفاته عام 1950. من بين العديد ما نشر شومبيتر اثناء عمله في هارفرد كانت ثلاثة كتب التي احتوت على مجمل مساهماته في الفكر الاقتصادي: الاول كان عام 1939 عن الدورة الاقتصادية، والثاني وهو الاهم من بين جميع ماكتب هو "الرأسمالية، الاشتراكية، والديمقراطية" عام 1942، والثالث الذي يعتبره اغلب النقاد اوسع واشمل كتاب عن تاريخ الفكر الاقتصادي الذي لم يتمكن من اكماله قبل وفاته، فاكملته زوجته الثالثة والاخيرة إليزابيث بوودي، وهي استاذة في هارفرد ايضا. نشر هذا الكتاب بعد مرور اربع سنوات على وفاته، أي عام 1954، وقد جاء بنحو 1500 صفحة.

تذكر الوثائق بأنه عند اندلاع الحرب العالمية الثانية كان شومبيتر وزوجته، وكلاهما استاذا في هارفرد قد استدعيا للتحقيق من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي من اجل اختبار فيما اذا كان لديهما اي ميول نازية. وقد اختتم التحقيق بان المحققين لم يجدوا اي دليل او اشارة على ذلك.

من اشهر ماعرف به شومبيتر كاقتصادي رأسمالي هو تنبؤه بنهاية النظام الرأسمالي، الفكرة الصادمة التي وردت في كتابه الاشهر "الرأسمالية، الاشتراكية، والديمقراطية المذكور اعلاه.  على ان فكرة موت النظام الرأسمالي لدى شومبيتر تختلف تماما عن الانهيار الثوري الذي تنبأ به ماركس حيث ان النظام يحمل اسباب موته في رحمه فيتآكل من الداخل بازدياد الاستغلال الطبقي ويسقط  في نهاية المطاف على يد اكثر الخاسرين في المجتمع وهم الطبقة البروليتارية التي تقاسي الظلم والاجحاف. كانت رؤية شومبيتر قائمة تماما على العكس، فقد اعتقد ان النظام الرأسمالي سينتهي بنجاحه وازدهاره الذي سيقوده الى مرحلة اخرى جديدة اكثر تطورا تنشأ على انقاض المرحلة السابقة، والتي هي الاخرى ستستمر بالازدهار فتهئ الى المرحلة الافضل التي تليها، وهكذا كان تصوره للنظام الرأسمالي بكونه محكوما بالتحولات الدائمة Evolutionary أي بما يشبه فكرة التطور والارتقاء. وعلى عكس ماركس الذي اناط مهمة انهاء النظام الرأسمالي بطبقة العمال المستغَـلين، فان شومبيتر اعتقد ان طبقة المثقفين والمفكرين والعلماء هي المؤهلة لاحداث وقيادة مسيرة التطور التي تتمحور على التقدم التكنولوجي والتنوير الفكري. اذ ان هذه الطبقة ، كونها تملك الادراك العالي والمسؤولية الاخلاقية، ستضيق ذرعا بمساوئ الرأسمالية الاقتصادية والاجتماعية المزمنة، وتنفر من سفاسف البرجوازية وتركيز الملكية الخاصة، وهي الطبقة التي تنزع عموما الى المساواة والرفاه والعدالة الاجتماعية  وتطمح الى الادارة الذاتية في المصانع والمؤسسات والى قوانين منصفة للاجور، فلا تذرف دمعا على انهاء الاستغلال والجشع والثراء الفاحش الذي يتعايش مع الفاقة والبؤس.

ترتبط هذه الرؤيا ارتباطا وثيق الصلة بثلاثة مفاهيم شومبيترية رائدة هي:

-  دور واهمية المقاول الاقتصادي Entrepreneur ونظام المقاولات  Entrepreneurship في العملية الانتاجية.

- الابتكار والتجديد  Innovation

- التدمير الخلاق Creative Destruction

المقاول الاقتصادي ونظام المقاولات:

لم يكن شومبيتر الاول الذي صاغ مصطلح المقاول لكن الفضل يعود اليه في تسليط الضوء على هذا العامل واعادته الى الاذهان والاشارة الى اهميته المركزية في العملية الانتاجية والنشاط الاقتصادي بعد ان توارى واندثر استخدامه منذ الادبيات الاقتصادية الاولى في بداية القرن التاسع عشر. مصطلح الـ entrepreneur  فرنسي ويعود استخدامه الى جان بابتيست سي ويقصد به الشخص أو الوكيل الذي يمتلك فكرة انتاج سلعة او خدمة معينة والقادر على التأكد من صلاحيتها للانتاج والتسويق وقابليتها على سد طلب المستهلك وضمان هامش من الربح للمنتج. ومن اجل ذلك يقوم بتأمين تمويل هذا المشروع الانتاجي وتهيئة عناصر الانتاج وتنظيمها، والشروع بعملية الانتاج، ولا ينتهي دوره الا برؤية الانتاج الفعلي. عندذاك ينصرف الى تنفيذ فكرة انتاجية اخرى. فبالتلخيص هو العامل القادر على تحويل الافكار الى منتجات حقيقية وخدمات فعلية تطرح في السوق ويستفيد منها المنتج والمستهلك.

وبموجب ذلك فنظام المقاولة Entrepreneurship  هو النظام الذي يخلق القيمة الاقتصادية عبر تحويل افكار الاستثمار الى مشاريع تجارية فعلية مربحة. أدرك شومبيتر اكثر من أي اقتصادي في زمنه بأن المقاول ونظام المقاولة يشكلان حجر الزاوية في عملية الانتاج الرأسمالية، ومنهما يبدأ الابتكار والاستثمار والنمو الاقتصادي.

الابتكار والتجديد:

ربما كان شومبيتر أول من ميز بين مفهومي الاختراع أو الاكتشاف Invention ومفهوم الابتكار والتجديد  Innovation في كتابه الاول حول نظرية التنمية الاقتصادية المنشور عام 1911.  فالاختراع او الاكتشاف ينطوي على خلق او استنباط شئ جديد، سلعة أو خدمة أو طريقة ، أما من اجل سد حاجة معينة او لزيادة كفاءة الانتاج عن طريق تحسين نوعية المنتجات أو تقليل كلفتها بالمواد والمال والجهود والوقت. أما الابتكار والتجديد فهو تطبيق تلك المخترعات والاكتشافات عمليا وتنفيذها بطريقة اقتصادية وجعلها قيد الاستعمال التجاري وتوفيرها للمستهلك. بعبارة اخرى تحقيق الفائدة الاستعمالية منها. وإلا فلا تعني اكبر واجمل الاختراعات شيئا اذا بقيت اسيرة في صفحات الكتب واروقة المختبرات وورشات العمل. فما فائدة اكتشاف التيار الكهربائي واختراع المصباح مالم يكن بالامكان كهربة البيوت والشوارع والمصانع وجعل فوائد الكهرباء المتعددة بمتناول الناس؟  على ان مفهوم الابتكار والتجديد هو من المفاهيم الفاعلة على المدى الطويل ونجاحه يعتمد على ركيزتين اساسيتين: 1)توفر الطلب الكافي المستدام و 2) توفر امكانيات تقليص الكلف المتزايدة، وذلك يعني ضرورة توفر المنافسة الكاملة. وبذا فقد كان شومبيتر من أشد انصار المنافسة الحرة الكاملة التي تسمح بالحصول على افضل مايمكن من نتائج

يعتقد شومبيتر ان المقاول الاقتصادي هو الذي يطلق شرارة الانتاج فيما يتمحور النمو الاقتصادي برمته حول ظاهرة الابتكار والتجديد عبر سلسلة الاستثمارات المتكررة والمتجددة والتي توسع معها دائرة النشاط الاقتصادي وتخلق السوق التي تستوعبها.

التدمير الخلاّق:

صاغ شومبيتر هذه الفكرة التي قد تبدو صادمة في كتابه المنشور عام 1942  والذي تضمن صلب مساهماته في الفكر الاقتصادي. يعتقد شومبيتر ان النمو الاقتصادي ليس عملية تدريجية سلسة تجري بمسار خطي، انما هي عملية معقدة لتفككها وتباين اجزائها وعناصرها. وفي النظام الرأسمالي، حيث السعي المحموم لاكتساب الربح والسباق التنافسي نحو ايجاد الفرص الجديدة للاستثمار، يؤدي ذلك الحال الى ما سماه بالتدمير الخلاق الذي يعني ضرورة تفكيك وازالة طرق ووسائل الانتاج القديمة وفسح المجال لما هو اكثر تطورا واكثر استجابة لحاجة السوق التي هي الاخرى متجددة. ولايقتصر ذلك على التخلص من وسائل الانتاج المتقادمة واستبدالها بأحسن منها ، انما يشمل مايتبع ذلك من خزين الادوات والمنتجات وطرق تخزينها وادامتها فتتجدد التكنولوجيا ومعها تتجدد الافكار والمواقف والتطلعات وبذلك سيكون النظام قد نزع ثوبه العام ولبس ثوبا جديدا كما تخلع الافعى جلدها القديم لتظهر بجلد اكثر نظارة وحيوية، وهذا هو المقصود بالتدمير الخلاق ذلك انه ينطوي على جدلية الهدم والبناء المستمرة. ولأن الهدم يحدث تحت حاجة وضرورة تشييد البناء اللاحق الافضل فهو هدم بنّاء. وهذه الفكرة هي التي بنى عليها شومبيتر رؤاه حول نهاية الرأسمالية، وهي بهذا المنطق ليست نهاية ابدية، انما نهاية طور والبدء بطور آخر جديد.

بناءً على ذلك فان مصطلح النمو الاقتصادي الشومبيتري Schumpeterian Growth يعني نظام النمو الاقتصادي القائم على الابتكار والابداع والنزوع الى التحديث البناء الذي يؤول الى زيادة كمية ونوعية الانتاج السلعي والخدمي وتقليل الكلفة واعادة توزيع الثروة والاستغلال الامثل للموارد الاقتصادية.

ولد شومبيتر في نفس السنة التي ولد فيها كينز وتوفى بعد وفاة كينز بأربع سنوات! اي انه عاصره على طول الخط ونافسه منافسة شديدة. لكن سطوع نجم كينز ألقى بظلاله على ماقاله وكتبه شومبيتر حينذاك ولم تستوف افكار شومبيتر حقها من الانتباه والاهتمام إلا خلال النصف الثاني من القرن العشرين. أختلف شومبيتر مع اغلب طروحات كينز إلا ان اهم ما اختلفا عليه كان في أمرين: الاول هو التدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي واتخاذ السياسات النقدية والمالية كأدوات للسيطرة على التضخم وسعر الفائدة وادامة النمو الاقتصادي. عارض شومبيتر هذه الاطروحة الكينزية الرئيسية معارضة شديدة واعتبر تدخل الدولة المسبب الرئيس للتضخم. الامر الثاني هو التوازن الاقتصادي المستقر الذي اعتبره كينز دليل على صحة الاقتصاد وتعافيه، فيما يعتقد شومبيتر ان الابتكار والتجديد، وليس التوازن المستقر، هو الذي يؤشر حيوية وصحة النظام الاقتصادي. هذا وقد عرف عن شومبيتر تقاطع افكاره مع زملاء آخرين مثل مايسز وهايك من المدرسة النمساوية، اضافة لكونه معروفا كمناوئ للماركسية والنظم الشيوعية التي يعتبرها قاب قوسين او ادنى من الدكتاتورية. يقول بعض النقاد ان شومبيتر كان متأثرا بافكار المدرسة التاريخية في الاقتصاد وعلى الخصوص كتابات شمولر Schmoller وسومبارت Sombart. كما انه يبدو قد اخذ بعضا من افكار الاقتصادي الروسي كوندراتيف    Kondratievفي صياغة رؤيته للدورة الاقتصادية طويلة الامد ، رغم ان شومبيتر اعتبر ظاهرة الابتكار والتجديد هي التي تقود لحدوث الدورة الاقتصادية بهبوط وصعود النشاط الاقتصادي عندما يحين الوقت للاستثمارات الجديدة وحسب حدس وتقدير المقاولين الاقتصاديين.

كان شومبيتر رجلا صارما عنيدا معتدا بنفسه الى ابعد الحدود. وقد تداولت بعض المصادر حكاية طريفة  جاءت عن لسانه قد تلقي بعض الضوء على طبيعة شخصيته: فقد صرح يوما بأنه كان قد وضع ثلاثة اهداف كبرى في حياته: الاول ان يصبح اعظم اقتصادي في العالم، والثاني أن يصبح اعظم فرسان النمسا، والثالث ان يصبح اعظم حبيب في فيينا. وقد تبع ذلك بقوله انه تمكن من تحقيق هدفين من هذه الثلاثة، لكنه لم يشخصهما! الا انه اردف قائلا ان النمسا فيها فرسان كبار لايمكن الفوز ضدهم!

 

ا. د. مصدق الحبيب 

 

 

محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن يحيي حقي الناقد، وهنا نجد "يحيي حقي" يؤكد علي منهجه النقدي في مقدمة كتابه " خطوات فى النقد" ؛ حيث يقول: لا أنكر أنني لم أخرج عن دائرة النقد التأثري. فليس في كلامي ذكر للمذهب، ولعل السبب أنني لم التحق بكلية الآداب في إحدى الجامعات لأدرس النقد دراسة منهجية تاريخية " (14) ؛ ويمضي يحيي حقي في رصد ما حدث من تطور إلي أن يقول:" ثم قفزنا بعد ذلك سريعاً إلي أهم مطلب: أن تكون لنا قصة مصرية لحماً ودماً تنبع من خصائصنا وتدل علينا (15)؛ غير أنه لا يقف عند حدود التذوق التأثري، كما يري د. فاروق عبد المعطى، بل يهتم بالدلالات الاجتماعية. ويقول بنفسه في صدد مجاراته في الفقرة:" وإلى جوار القصة، والمقال الأدبي، لا الصحفي، أسهمت بقدر لا بأس به في النقد والدراسات الأدبية، فكتبت تاريخ ” فجر القصة المصرية " بأسلوب درامي يجمع بين الحقائق العلمية والتشويق القصصي، ويدل كتابي ” خطوات فى النقد ” على اتصال منذ وقت مبكر بالحركة الأدبية فى مصر رغم بعدى المادي عنها، ففيه مقالات عن ديوان رامي و" مصرع كليوباترا لشوقي " و" أهل الكهف لتوفيق الحكيم "(16).

ولا أريد أن أتوقف كثيرا عند كتاب " خطوات في النقد" لأنتقل إلي كتاب آخر صدر في أعماله الكاملة تحت عنوان "هذا الشعر" . وقد كان هذا الكتاب مفاجئة مدهشة، إذ نجده يدخل إلي الشعر من خلال قصة أو حكاية، وهذا شئ يعد مهم جدا لكونه يقدم لنا صورة ممتعة، مشوقة، فيها طرافة، وتنطلق من ذوق أدبي مرهف، وثقافة موسوعية.

علاوة علي أنه في هذا الكتاب دراسات عن المتنبي، وشوقي أمير الشعراء، ومراثي شوقي، ورباعيات صلاح جاهين، ومحمد إقبال وخواطره الطياري، وغالب شاعر الهند، وغير ذلك (17).

كذلك خصص يحيى حقي، في مقالاته وتعليقاته النقدية، حيزا للنقد الروائي. وإن كان كلفا بمتابعة الإصدارات الروائية المصرية لتحسيس القراء بمكوناتها الفنية وإثارة شهيتهم لاقتنائها وقراءتها، فهذا لم يمنعه من الانفتاح على الرواية العالمية لإبراز نضجها واكتمال عناصرها ومقارنتها بمثيلتها المصرية التي كانت، وهي في بداهة مشوارها، تبحث عن استيفاء المقومات الفنية واستنبات بذورها في التربة المحلية. ولم يستسغ يحيى حقي أن تكون الرواية العربية نسخة مكررة عن الرواية الغربية، وأن تثقل بنيتها بأساليب البديع. وبالمقابل، كان يدافع عن فكرة تأصيل الرواية العربية حتى " تصبح فنا شعبيا صادق الإحساس"، " يجمع بين الطابع المحلي، والمعاني الإنسانية.. التي تسمو على فروق المكان، والجنس، واللغة". كما دعا إلى " التحرر من التقليد واقتباس الأخيلة من الغير"، وإلى ضرورة تكييف هذا النوع من الكتابة مع طبيعة المجتمع المصري وبنياته الاجتماعية، حتى يكون خير معبر عن خصائصه وأحاسيسه الذاتية والشعبية  (18).

ولم تقف محاولته الأدبية عند هذا الحدّ النقدي بل تقدم إلى كتابة المقال واشتهر ككاتب المقال الأدبى و جمع مقالاته فى هذه الكتب الأربعة وهى: فكرة فابتسامة، دمعة فابتسامة، ناس فى الظل، حقيبة فى يد مسافر (19).

ولا ينسي "يحيي حقي" أن يتحدث عن الدور المهم الذي لعبه مع أبناء جيله لتطوير فن القصة القصيرة، وفي هذا يقول:" كان علينا في فن القصة أن نفك مخالب شيخ عنيد شحيح، حريص علي ماله أشد الحرص، تشتد قبضته علي أسلوب المقامات، أسلوب الوعظ وارشاد والخطابة (20) .

كذلك حرص "يحيى حقي" خلال مساره النقدي على متابعة المستحدثات الثقافية ومواكبة الإصدارات الجديدة لإبراز سماتها الفنية، واستجلاء ما تحفل به من قضايا وأسئلة. ونظرا لتنوع ممارسته النقدية وغناها، فإن مداخلتنا ستنكب على رافد منها أو بلغة يحيى حقي على فن من فنون القول، ألا وهو النقد الروائي (21) .

وفيما يخص القصص القصيرة التى عالجها "يحيي حقي "فى سنّ مبكرة فى حوالى السادسة عشرة، فنجد "حقي" يقول:” لقد عالجت معظم فنون القول من قصة قصيرة ورواية ونقد ودراسة أدبية و سيرة أدبية ومقال أدبى، وترجمت عددًا من القصص والمسرحيات ولكن تظل القصة القصيرة هى هواي الأول، لأن الحديث فيها عندي يقوم على تجارب ذاتية، أو مشاهدة مباشرة، وعنصر الخيال فيها قليل جدَا، دوره يكاد يكون قاصرًا على ربط الأحداث ولا يتسرب إلى اللب أبدًا" (22).

وهذه هى باكوراته القصصية، ثم توالت قصصه و نشرت له مجلة ” الفجر ” إحدى عشرة قصة و نشرت قصصه فى السياسة اليومية والأسبوعية والمجلة الجديدة، كما توالت ابحاث و دراسات أخرى فى مجالات النقد والفكاهة فى جريدة ” البلاغ” و صحف أخرى؛ثم جمعت قصصه و نشرت له مجموعة قصصية و صدرت له أول مجموعة قصصية باسم ” دماء وطين ” سنة 1929م، ثم جاءت بعدها مجموعات عديدة مثل مجموعة ” أم العواجز” و ” الفراش الشاغر” و ” عنتر و جوليت ” و ” فلة مشمش لولو ” و ” خليها على الله ” و ” امرأة مسكينة ” وغيرها كما صدرت له رواية ” قنديل أم هاشم ” سنة 1941م و ” صح النوم”.

ونالت روايته كثيرًا من الاهتمام عند النقاد و يقول يحيى حقى أنها فازت بقبول من الناس بأنها خرجت من قلبه مباشرة فيقول:” إنها قصة غريبة جدًا كتبتها فى حجرة صغيرة كنت أستأجرها فى حىّ عابدين حيث عشت لوثة عاطفية مثيرة عبرت عنها فى أناشيد ” بينى و بينك ” التى ألحقتها بالكتاب (23).

وفي كتابه "هموم ثقافية" تصدى لقضايا هامة ومتجددة حتى إنها ما زالت تطرح حتى اليوم مثل تعريف الثقافة والمثقف ودوره في المجتمع ودور اللغة كوعاء للفكر ومعنى كلمتي الأدب والأديب وعلاقة الحاضر بالماضي واشكاليات الترجمة فيما أكد أن حلمه الكبير يتمثل في محو الأمية بمصر، فهو أبن الطبقة الوسطى الذي ولد في مثل هذا اليوم السابع من يناير عام 1905 وقضى نحبه في التاسع من ديسمبر عام 1992 كان أحد نجوم السلك الدبلوماسي والقنصلي المصري فيما عمل قبل ذلك كمعاون للإدارة في مناطق بصعيد مصر وامتدت تجربته الوظيفية الثرية لتشمل عمله كمستشار بدار الكتب والوثائق (24).

ورأى هذا المبدع المصري النبيل والمثقف الموسوعي الذي ارتاد افاق الثقافة الغربية مع ارتباطه الوثيق بثقافته العربية أنه ينبغي أن يكون لكل كاتب لمسة فنية تميزه وهي لمسة خاصة تخطر عن ذاته وتهمس بحضوره المميز عمن سواه، كما كان يرى أن الكاتب الحقيقي هو الذي يشعر أن جميع الفاظ اللغة تناديه لتظهر للوجود على يديه، وكان يرى أنه لا عشق للقصة والشعر الا بعشق أهم هو عشق اللغة الطيعة كاللون للرسام والحجر للنحات (25).

وختاما  يمكن أن نقول مع أستاذنا الدكتور يحي الرخاوي بإنه:ينبغى  علينا أن نقوم بمهمة النقد ونحن نحترم كل حرف ورد فى النص، نحترمه ونجادله ونتعلم منه، ونعيد تشكيله فى إبداع ناقد مستكشف. إن كلا من حدس العتب وقنديل أم هاشم يمكن أن يحمل دعوة لتعميق فهم الوعى والوجدان ليصبح إسهامهما فى استعادة التوازن نحو الصحة  فعلا بيولوجيا إيجابيا إيمانيا يكمل عمق العلم و يسهل وظيفته. إن هذا، وليس الإيحاء السطحى، هو  الذى يعيد الصحة بمعنى التوازن الإيقاعي من خلال استعمال آليات العلم بالضرورة، والإيقاع الحيوى الكونى هو اللحن الأساسى الذى يحتاج إلى آلات تعزفه، وما الآلات البشرية إلا أدوات لعزف هذا اللحن الأعظم، تفاصيل أوتار الآلات البشرية تشمل كل شىء: من مفردات العلم إلى حدس الفطرة، إلى انتظام فحوى العبادات، كل ذلك يتكامل مع وعْـى من يستعملها من خلال إيقاعه الحيوى الخاص، ومن ثم يصبح قادراً على أن يتلاحم مع إيقاع وعى مريضه الناشز، فى حضن وعى الكون المحيط الممتد بغير نهاية، فينتظم فى لحن الوجود الأكبر إلى غيبٍ يقينىّ ليس كمثله شئ؛ وبهذا تصبح أية آلة منفردة، سواء كانت معلومة علمية شاردة، مهما كانت صحيحة، أو زيت قنديل منفصل عن نوره، أو قاذورات من بقايا النعال على عتبة ولى. أو فتوى سلطوية تافهة أو منافـقة، يصبح أى من ذلك نشازا لو عزفت أية آلة منف (26).

ويطول بنا الحديث عن إسهامات "يحيي حقي" ذلك القنديل المضئ في عالم النقد الأدبي وفي نهاية هذا المقال نقول عنه بأنه يعد بحق نموذج نادر يصعب أن يتكرر في عالم النقد الأدبي، ولمثقف واسع الثقافة، وكذلك لأديب وناقد حر نزيه لا يقيم وزناً ولا يحسب حساباً إلا للحقيقة الأدبية وحدها.. رحم الله المبدع "يحيي حقي"، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

.........................

الهوامش

14- يحيى حقي: أشجان عضو منتسب، سيرة ذاتبة، المصدر نفسه، ص 116.

15- المصدر نفسه، ص 157.

16-د. فاروق عبد المعطى : المرجع نفسه، ص 38.

17- أنظر: حامد يوسف أبو أحمد: يحي حقي في البوسطجي وفي كتابات اخرى، إبداع - الإصدار الثالث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، العدد السابع والثامن، 2008، ص 202.

18- أنظر محمد الداهي: يحيى حقي ناقدا روائيا، مقال منشور ضمن موقع الناقد المغربي محمد الداهي.

19- د. فاروق عبد المعطى : المرجع نفسه، ص 78.

20- أنظر: يحيي حقى: أشجان عضو منتسب، ص 57.

21- أنظر محمد الداهي: المرجع نفسه.

22- دراسات فى أدبنا الحديث ( المسرح، الشعر، القصة)، لويس عوض، دار المعرفة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1961، ص178.

23- المرجع نفسه، ص254.

24-. ياسر الغبيري: المرجع نفسه.

25- المرجع نفسه.

26- يحي الرخاوي: نيازك الخرافة والإيقاع الحيوى بين يحيى حقى و خيرى شلبى، بحث منشور ضمن نشرت فى مجلة وجهات نظر -عدد مارس 2006.

 

 

يسري عبد الغنيدار الكتب المصرية، أو خزانة معرفة مصر والتي نتمنى أن تقوم بدورها المنوط بها كما كانت في زمن الفكر والثقافة والاستنارة الجميل، دار الكتب التي أسسها أبو التعليم المصري أو عراب الثقافة المصرية / علي باشا مبارك، في عهد الخديوي / إسماعيل، وإليها يرجع الفضل للقدوة المثالية لجل المحققين المعاصرين، ولعل أول نافخ في بوق إحياء التراث العربي على النهج الحديث في الوطن العربي، هو المغفور له الأستاذ / أحمد زكي باشا، شيخه العروبة، الذي قام بتحقيق كتابي: أنساب الخيل لابن الكلبي، والأصنام لابن الكلبي أيضًا .

وقد طبع في المطبعة الأميرية المصرية سنة 1914 م، باسم (لجنة إحياء الآداب العربية)، والتي عرفناها فيما بعد باسم (القسم الأدبي بدار الكتب المصرية)، ولعل هذين الكتابين مع كتاب (تاج) المنسوب للجاحظ، والذي حققه أيضًا زكي باشا، من أوائل الكتب التي كتب في صدرها كلمة (بتحقيق فلان) .

كما أن تلك الكتب قد حظيت بإخراجها على أحدث المناهج العلمية للتحقيق مع استعمال المكملات الحديثة، من تقديم النص إلى القراء، ومن إلحاق الفهارس التحليلية أو التفصيلية بالكتاب، ويضاف إلى ذلك أن العلامة / أحمد زكي باشا، ذلك الاسم الذي سيظل دائمًا فوق النسيان، هو أول من أشاع إدخال علامات الترقيم الحديثة في المطبوعات العربية، وألف في ذلك كتابًا مهمًا سماه (الترقيم في اللغة العربية)، وطبع في مطبعة بولاق المصرية الأميرية، في زمن باكر جدًا هو سنة 1913 م، وإن كان يؤخذ عليه أنه كان يبالغ في استعمال تلك العلامات الترقيمية، ولا سيما في الشعر الذي كان يختم كل بيت مستقل فيه بنقطة يضعها في نهايته .

***

أقول لك: إنه من أوائل مطبوعات دار الكتب المصرية كتاب (صبح الأعشى في صناعة الانشا) لأحمد بن علي القلقشندي المصري، وطبع بمطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة في 14 جزءًا من سنة 1340 هـ = 1922 م، وكانت دار الكتب قد قامت بنشر الجزء الأول منه سنة 1903 م، في 572 صفحة .

وهذا الكتاب عبارة عن موسوعة تضم معارف ضرورية في التاريخ، والسير، واللغة، والأدب، والفقه، والتفسير، والحديث النبوي المطهر، والأمثال، والحكم، ونظام الحكومات عامة، والحكومة المصرية خاصة .

وأذكر لك هنا أن العلامة / وستنفيلد، قام بترجمة قطعة منه، وهي تتعلق بجغرافية مصر الطبيعية، إلى اللغة الألمانية وطبعت في مدينة (جوتنجن) سنة 1879 م .

***

ثم جاء كتاب (نهاية الأرب قي فنون الأدب) من تأليف / شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد بدأت دار الكتب المصرية طبعه محققًا سنة 1923 م، بمطبعتها التي أنشأتها، وفي واقع الأمر استمر هذا الكتاب سنوات طويلة جدًا حتى تصدر جميع أجزاءه عن مركز تحقيق التراث بدار الكتب، وتلك قصة طويلة جدًا لا نجد المجال يسمح بسردها .

ولكني أذكر هنا أنه حتى عام 1965 م كانت دار الكتب المصرية قد أتمت من كتاب النويري 18 مجلدًا، وهذه المجلدات لاقت إقبالاً من القراء، فنفدت من الأسواق، مما اضطر دار الكتب أن تقوم بتصوير المجلدات كلها مرة واحدة، ودفع بها بمنافذ البيع، ومع مرور السنوات خرجت بقية مجلدات الكتاب بشكل لا يسر عدو ولا حبيب، ولا يليق بدار الكتب المصرية، وكم من مرة كتبنا وتحدثنا في ندوات ومؤتمرات وملتقيات علمية وثقافية وفكرية عن ضرورة أن يقوم بتحقيق التراث أهل الخبرة والدراية والعلم والمعرفة، وليس مجرد موظفين يؤدون عملهم الوظيفي بشكل روتيني لا يليق ولا يصح للتعامل مع التراث الذي يجب أن نقدمه للناس معتمدًا على المنهج العلمي السليم لتحقيق النصوص .

***

وكانت الصيحة المدوية لدار الكتب المصرية بتبنيها لطبع كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني علي بن الحسين بن محمد، فقد طبعت دار الكتب هذا الكتاب طبعة محققة مفهرسة، مشروحة، بدأت من سنة 1345 ه، = 1927 م، وخرج منها 16 جزءًا، وكان قد طبع قبل ذلك بالمطبعة الأميرية سنة 1285 هـ في 20 جزءًا تنتهي بأخبار عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير .

ونشر المستشرق الأمريكي / رودلف برتو، جزءًا طبع في ليدن الهولندية، سنة 1305 هـ = 1888 م، وقال إنه الجزء الحادي والعشرين من كتاب الأغاني، ولكن بعض الباحثين (ونحن منهم) يشكك في صحة هذا الجزء لأنه على غير طريقة ونهج الأصفهاني الذي نعرفه جيدًا، وأسلوبه الذي خبرناه ووعيناه .

وقد تم طبع كتاب الأغاني للأصفهاني طبعة ثانية بمطبعة التقدم في مصر سنة   1323 هـ، بتصحيح العلامة / أحمد الشنقيطي .

ولهذه الطبعة فهارس تفصيلية تقع في 4 أجزاء كاملة، وبعد ذلك تم طبع الكتاب في بيروت أكثر من مرة.

ونحب أن نشير هنا إلى أن الأجزاء الـ 16 من الأغاني تم طبعها في دار الكتب المصرية، تحت إشراف القسم الأدبي الذي كان يرأسه شيخنا / أحمد زكي العدوي (عليه رحمة الله تعالى) بناء على اقتراح من الأستاذ الفاضل / علي راتب الذي تكفل مشكورًا بنفقات طبعه كاملة، وبالفعل صدر الجزء الأول من كتاب الأغاني في سنة 1927 م، وحظي بعناية كاملة في إعداد الأصول، وعمل الفهارس التحليلية التفصيلية في نهاية كل جزء من أجزاءه .

هذا، واستمرت دار الكتب المصرية في أداء مهمتها بنشر موسوعات التراث، نذكر منها: ـ

ـ كتاب (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ) للمؤرخ / ابن تغري بردي، جمال الدين، أبو المحاسن، يوسف الأتابكي، المتوفى سنة 874 هـ = 1470 م

ـ كتاب (الجامع لأحكام القرآن) المعروف لنا باسم (تفسير القرطبي)، لمؤلفه / أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، والمتوفى في شهر شوال سنة 671 هـ = 1273 م، وتم طبعه في مطبعة دار الكتب المصرية سنة 1933 م، في 20 مجلدًا، كما أعيد طبعه بدار الشعب القاهرية في مستلات في مشروع كتاب الشعب، كما قامت دار الريان للتراث بطباعته، وبالطبع طبع في بيروت بلبنان أكثر من طبعة .

وتفسير القرطبي يعد من أمهات كتب التفسير القرآني الذي يعول عليها في فهم آيات القرآن الكريم، وبخاصة في مجال الأحكام .

***

ومرت السنون لتضعف العناية بهذا القسم، القسم الأدبي والذي كان بمثابة المعهد العلمي الحقيقي، أو بمثابة هيئة علماء مصغرة، لا يقتصر دوره على تحقيق عيون التراث العربي والإسلامي، بل أنه كان يعد أهل التحقيق، والتصحيح، والتمحيص من الشباب الذي يعمل فيه، ويعترف كبار المحققين الذين علمونا عشق التراث وفن التحقيق التراثي بفضل هذا القسم عليهم .

لقد ضعفت العناية بالقسم الأدبي في دار الكتب المصرية، إلى أن تولى الأستاذ / أمين مرسي قنديل إدارة دار الكتب المصرية، فقام بجهد مشكور من أجل إنقاذ هذا القسم من الفناء والاندثار، فدبت الحركة فيه من جديد، وحاول أن يخلص كتاب (الأغاني) من ورطته التاريخية المعضلة، فعهد إلى بعض العلماء بإتمام ما بقى من أجزائه، ولكن الظروف لم تسعفه من أجل تنفيذ فكرته النشيطة، وكاد القسم الأدبي على عهده أن يرتقي القمة في نشر الموسوعات التراثية، ولكن للأسف الشديد، أطاحت بكل ذلك فكرة عجيبة غريبة روج لها البعض وفحواها: إنه ليس من وظائف دور الكتب في أوربا أن تضطلع بنشر التراث أو تحقيقه أو إحيائه، وهي فكرة كلها إفك وبهتان، وكأننا نترسم أوربا في حقها، وفي باطلها .

***

وفي أسف كبير، وحزن بالغ، ودع المثقفون وأحباء التراث في أنحاء أمتنا العربية والإسلامية هذا القسم الأدبي الذي قضي على نشاطه بعد عهد الأستاذ / أمين مرسي قنديل .

ومن وجهة نظري الخاصة فإن إلغاء هذا القسم كان جريمة شنعاء مع سبق الإصرار والترصد، جريمة لا تغتفر في حق إحياء التراث العربي والإسلامي، وفي حق الثقافة الجادة الأصيلة، وفي حق شبابنا الذي نطمح إلى أن نعمق فكره وأصالته حتى لا تنماع هويته .

ومن اللازم أللازب أن يبتعث هذا القسم ثانيًا ليؤدي رسالته السامية التي لا يستطيع غيره آداؤها، وذلك نظرًا إلى وفرة المراجع والمصادر المطبوعة والمخطوطة داخل دار الكتب المصرية، رغم ما بدد منها، وما سرق، وما ضاع، وما هرب، وكذلك إن كان تجنيد طائفة من العلماء المشهود لهم بالكفاءة والإجادة، والأمانة والتواضع والإخلاص، لإعداد جيل يتلقى فن التحقيق التراثي بكل أصوله، وفن التعامل مع التراث بكل مجالاته بأسلوب علمي سليم، في رحاب دار الكتب المصرية .

وقد يقول قائل: إن وزارة الثقافة المصرية أصدرت القرار الوزاري رقم 90 لسنة 1966 م بإنشاء مركز لتحقيق التراث، مقره دار الكتب المصرية .

فرد عليه أحدهم:  لقد عشت من سنة 1981 إلى سنة 1994 بجوار هذا المركز وعرفت تقريبًا كل من يعمل فيه، وكنت دائمًا أسأل نفسي: ماذا يفعل هذا المركز ؟، وما دوره في نشر التراث وتحقيقه ودراسته وإحيائه ؟، لقد اقتصر العمل فيه على مساعدي الباحثين من الموظفين بحكم عملهم في هذا المركز، ولا هم لهم إلا الحضور للتوقيع، ثم البحث عن وسيلة للروغان، أو تمضية الوقت فيما لا طائل منه ولا فائدة، والبحث عن المأموريات والأجازات، والعلاوات والمكافأت، والحوافز والترقيات، وبكل أسف فإن معظمهم لا علاقة له بالفكر أو الثقافة أو اللغة أو الأدب،وشاهدي على ذلك ما كان يجري بين العبد لله وبينهم من حوارات ومناقشات .

وتدخل ثالث في الحديث قائلا: نعم، كان المركز ينتدب بعض أساتذة الجامعات ومن المفترض أنهم جهابذة وعلماء في مجال التراث بكل أنواعه، ولكن بكل ألم وأسف فإن بعض هؤلاء كان لا علاقة له بالتراث، وبعضهم خبرته محدودة جدًا في هذا الشأن، وازداد الطين بلة عندما نجحوا نتيجة التسيب والانفلات أن يحولوا كل جهدهم في المركز لحسابهم الخاص، ولا مانع بالطبع أن يستفيدوا من جهد من يعملون معهم.

وأضاف رابع  نحن لا نعرف يعرف حال المركز الآن فلعل الحال قد تم إصلاحه، والله يصلح الحال والأحوال .

وأذكر لكم هنا   أنني أعددت مقترحًا بإنشاء هيئة وطنية أو أكاديمية أو معهدًا لإحياء وتحقيق التراث، من أجل النهوض بتراثنا، وصيانة وحماية تراثنا الثمن، وكذلك إعداد أجيال قادرة على إحياء التراث وتحقيقه ونشره ودراسته، وقمت بعرض هذا المقترح على من يهمهم الأمر، ولكن بالطبع وكعادتنا دائمًا لا أحد يرى أو يسمع، فمن نحن لنقترح أو نسعى لكل ما يفيد العلم والثقافة؟!

أعود بك لأقول: إن مقارنة هذا المركز، مركز تحقيق التراث، الذي مازال يعتمد على جهد القسم الأدبي إلى يومنا هذا، مقارنة ظالمه، وغير واقعية، ولن نتحدث بالتفصيل أكثر من ذلك داعين بالصلاح والإصلاح للجميع .

ولكن ملاحظة بسيطة أريد أن أنبه إليها وهو أن لا يؤاخذني القارئ الكريم في كثرة كلامي عن القسم الأدبي بدار الكتب المصرية (عليه رحمة الله)، ولكني أردت كمواطن يعشق التراث  أن أعرض واقعًا والأرزاق على الله مؤمنا بأنه  يجب ن نستفيد من كل تجاربنا  نتعلم من سلبياتها، ونسعى إلى تدعيم إيجابياتها وتعميقها .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

محمود محمد عليما زلت أومن بل ربما أكثر من أي وقت مضي، بأن الرجال العظام، هم هدية النعيم للإنسانية، وهم يمثلون في التاريخ الأقطاب، الذين لا ينتصبون عادة عند مفارق الطرق، فيرشدون المسافرين إلي الطريق الصحيح، وقد كان الأستاذ " يحيى حقي محمد حقي" -(17 يناير 1905م - 9 ديسمبر 1992م )، يمثل ظاهرة فريدة فى تاريخ الأدب العربي الحديث، بأسلوبه الذى يتسم بالاقتصاد والتركيز والتصوير، حيث ترك لنا ميراثا من القصص، والروايات، والنقد، والمتابعات فى الأدب والفنون التشكيلية، والموسيقى، والعمارة، والتاريخ والحضارة، إضافة إلى ترجمته كتبا متنوعة (1).

ليس هذا فقط بل إنه عندما تسمع مقولة "قنديل أم هاشم"، أو تنتبه لكلمة "البوسطجي"، أو يقول أحدهم أمامك ولو على سبيل الدعابة: "إن فاتك الميري"، أو يذكر "أم العواجز" وهو اللقب الذي أطلق على حفيدة رسول الله السيدة "زينب"، يتبادر إلى ذهنك بشكل مباشر الأديب الكبير "يحيى حقي"، الذي كتب وقدم أعمالا أدبية خلدها التاريخ (2).

كما خلدت السينما بعض منها فى أفلام عبرت عن واقع المجتمع المصري في فترة من أهم فتراته؛ فهو القيمة التي لا تموت، أحد الآباء الشرعيين لفن القصة والرواية في مصر والعالم العربي، جنباً إلى جنب مع أقطاب يتقدمهم صاحب جائزة "نويل" الأديب العالمي "نجيب محفوظ"، "توفيق الحكيم" الذي زامله أثناء دراسته للحقوق، وكوكبة من الأسماء التي توهجت في سماء الثقافة المصرية، مثل "حلمي بهجت بدوي" وغيرهم من قناديل مصر الأدبية متقدة البصيرة ونافذة الأضواء (3).

ولهذا يقترن اسم "يحيي حقي" بقنديل أم هاشم كأنه لم يكتب غيرها. فهي تعتبر ابنته المدللة المحببة لدى الناس رغم أن لديه أبناء سواها. يصعب أن نصنف "يحيى حقي" في خانة واحدة لكثرة انشغالاته وميوله التي توزعت بين القصة القصيرة، والرواية، والمقال الأدبي أو النقدي، والمقال السياسي وغير ذلك. وكان له نشاط واضح في الحياة الثقافية من خلال المناصب التي تولاها ورئاسته لمجلس تحرير المجلة . وعمل أيضاً في السلك الدبلوماسي واكتسب خبرة قوية في ذلك، واطلع علي ثقافات متعددة ومهمة . وقد عمل فترة من حياته في صعيد مصر، وهو القاهري الذي ولد في حي السيدة زينب بحارة خلف ضريح "أم العواجز" وذاب في الحارة المصرية، وأغُرم ببيئة أدبية متمسكة بتقاليد الآداب العربية القديمة المتداولة كما كان أبوه يفتن بالمتنبي ويحفظ كثيرًا من شعره ويطرح منها على أولاده في جلساتهم المسائية فقد نشأ فى أسرة أدبية توطد الصلة بالأدب وتحبّه (4).

إن أي مجال من هذه المجالات إلا ويتطلب مبحثا مستفيضا لاستكناه أسراره وإبراز مميزاته. كما أن مجالا واحدا كالنقد مثلا، يتشعب بدوره إلى روافد مختلفة نظرا لسعة ثقافة يحيى حقي ووفرة تجاربه. فهو لم يكن مشدوداً إلى نمط خطابي بعينه، وإنما استهواه الخوض في أنماط خطابية متنوعة بالمتعة والشغف نفسهما. وهكذا لم يقتصر نقده على الأجناس الأدبية التي تدرج عادة في مملكة الأدب (على نحو الرواية والشعر والقصة القصيرة والمسرح)، وإنما وسع من دائرته ليشمل أنماطا خطابية أخرى من قبيل الأغنية والتشكيل والسينما (5).

كل هذه الخبرات الحياتية والأدبية نقلها إلينا "يحيى حقى" عبر كتاباته المتنوعة في مجال : القصة القصيرة، والرواية، والمسرح، والسينمائى، والموسيقي، والناقد الذى تابع إبداعات مجايليه، وبشر بكتابات الشباب، ورعاهم على كل الأصعدة، وكان يكتب فى الفن التشكيلي، وفى مقالاته كان يعالج المشكلات الاجتماعية، بأسلوب رشيق، يميل إلى السخرية، لكنه لا يتخلى عن الرصانة أبدا، ولذا كانت كلمته تسلك طريقها من قلبه مباشرة إلى قلوب الآخرين من القراء (6).

والناظر في إنتاجات "يحيي حقي" يجد أنها قد تنوعت تنوّعت فى أربع مجموعات، وروايتين ويوميات (خليها على الله) فى جزئين، والدراسات النقدية والتاريخية، والترجمة والأحاديث الأدبية، ومقدمات الأعمال الأدبية؛ وفي كتاب "كناسة الدكان" تطالعنا وجوه كثيرة ليحيي حقي كاتب القصة والرواية، وكاتب السيرة الذاتية والدبلوماسي، والناقد، وصاحب التأملات القوية النافذة، والمؤرخ الفني لأهم فترة من فترات الكتابة في بلادنا التي أسماها هو نفسه " فجر القصة المصرية"، إضافة إلي السخرية، وروح الدعابة، والتقاط الجزئيات الدالة المهمة التي ينقلها من الخصوص إلي العموم (7).

ولكن "يحيي حقي" كاتب السيرة يتحول بسرعة إلي ناقد لأعماله فيقول لنا : إنه عالج معظم فنون القول، ولكن ظلت القصة القصيرة هي هواه الأول، كما يفصل لنا أهم الأفكار التي ألحت عليه في قصصه، ويقول إن رواية "صح النوم" هي أهم أعماله إلي نفسه (8).

وفي السطور التالية سوف نتوقف عند الوجه الذي لم يشتهر به "يحيي حقي" وهو وجه الناقد، ذلك أن الناس عادة عندما يُذكر اسم يحيي حقي تتذكر علي الفور روايته المشهورة "قنديل أم هاشم"، وأعماله الروائية والقصصية الأخرى، وقد تتذكر كتابه "فجر القصة المصرية "، ولكنها لا تهتم كثيراً بفكرة أن يحيي حقي كان من كان من الكُتاب المهمين الذين أثروا في مسيرة النقد الأدبي في بلادنا، وهو نفسه كان مدركاً لذلك عندما قال في كناسة الدكان : أعرف أنني متهم بأني " ناقد تأثري" (9). وقد أجتهد يحيي حقي في الرد علي هذه المقولة المغلوطة (10).

كذلك ينطر "يحيي حقي" أن هواه القصة، لكنه علي الرغم من ذلك عالج معظم فنون القول، ومن بينها النقد الأدبي، ولم يكن ناقداً تأثريا كما أتهموه، لكنه كان ناقدا يمتلك ذائقة أدبية عالية جداً ؛ وهذه الذائقة هي التي كانت تهديه دائماً إلي القول المتميز فيتوقف عنده بصورة منهجية . وقد ثبت أن هذه طريقة منهجية قال بها عدد من النقاد حتي في قترة ازدهار النقد البنيوي الذي كان يميل إلي استخدام ما بالمنهج العلمي في النقد (11).

وهذا الأمر جعل "يحيى حقي" يغلب كفة النص على كفة صاحبه، ويحرص على خلق المسافة النقدية مع الموضوع المدروس حتى لا تتأثر أحكامه وتعليقاته بمؤثرات خارجية، وفي مقدمتها الصداقة التي كانت تجمعه ببعض الروائيين.وإن كان يتعامل مع النص فهو يؤاخذ على النقد الحرفي الحديث (أي النقد البنيوي) " حصر كلامه داخل العمل الأدبي، إنه عنده " هو ما هو" أو " هو في ذاته لذاته". فهو اتجاه يميل إلى تغليب الناحية الجمالية على الناحية النفعية أو الأخلاقية" (12).

ومن جهة أخري يدلل "يحيي حقي" علي اسهاماته في النقد بكتبه " خطوات في النقد"، وهذا الكتاب يدل علي اتصاله منذ وقت مبكر بالحركة الأدبية في مصر، علي الرغم من بعده المادي عنها، هكذا يقول – وهذا الكتاب يضم مقالات عن مسرحية " مصرع كليوباترا" لأحمد شوقي، وأهل الكهف لتوفيق الحكيم، وديوان أحمد رامي، وأعمال لإحسان عبد القدوس، ومحمد عبد الحليم عبد الله، ومسرح الريحاني وغيرهم، إضافة إلي كُتاب أجانب مثل المقال المعنون " تولستوي وتورجنيف وكيف تخاصما" . وبالكتاب دراسات عن كُتاب عرب مثل المجموعة القصيرة " في المقهي" للكتاب الجزائري " محمد ديب"، بل إن هناك دراسات عنوانها " الأغنية الجديرة بالدراسات الأدبية " قال في أولها :" من أماني أيضا أن لا يغفل النقد الأدبي عندنا أو يتعالى عن هذا النوع من فنون القول الذي نجعله يقف – رغم خيلائه لاعتزازه بحب الجماهير – وقفة التابع المتواضع المُقصى في طرف الحاشية المحيطة بعرش يعتقده الأدب الرسمي (13).. وللحديث بقية..

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

.....................

الهوامش

1- عزمى عبد الوهاب: عاش حياته ينشد أناشيد البساطة والعذوبة.. يحيى حقى القنديل المضىء.. 20-3-2021 | 22:23.

2- ياسر الغبيري : يحيى حقي.. صاحب القنديل.. مقال بجريدة البوابة نيوز .. نشر السبت 07/يناير/2017 - 11:00 م

3-  المرجع نفسه.

4- د. فاروق عبد المعطى  : يحيى حقى الأديب صاحب القنديل، دارا الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1994، ص86.

5- أنظر في هذا الصدد إلى يحيى حقي، في محراب الفن، إعداد ومراجعة فؤاد دوارة، الهيئة  المصرية  العامة للكتاب،2000,

6- يحيي حقى : أشجان عضو منتسب، سيرة ذاتبة، المجلس الأعلى للثقافة، 2005، ص 113.

7-أنظر : حامد يوسف أبو أحمد : يحي حقي في البوسطجي وفي كتابات اخرى، إبداع - الإصدار الثالث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، العدد السابع والثامن، 2008، ص 201.

8- يحيي حقى : المصدر نفسه، ص 67.

9- يحيي حقي : كناسة الدكان، مكتبة نهضة مصر، بدون تاريخ، ص 52.

10- أنظر : حامد يوسف أبو أحمد : يحي حقي في البوسطجي وفي كتابات اخرى، إبداع - الإصدار الثالث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، العدد السابع والثامن، 2008، ص 201.

11- المرجع نفسه، ص221.

12- يحيى حقي، عطر الأحباب، م.سا ص31.

13- أنظر : حامد يوسف أبو أحمد : المرجع نفسه، ص 202.

 

ناجي عبد الله الاصيل:

2587 ناجي الاصيلولد في بغداد عام 1897 وهو طبيب وعالم آثار، درس في الجامعة الامريكية في بيروت في كلية الطب عام 1916، شغل منصب وزير الخارجية بين اعوام 1936 و1937، عين مدير للمتحف العراقي عام 1944 بالتعاون مع طه باقر وفؤاد سفر.. وكان له القضل في تأسيس مجلة سومر التي تهتم بالآثار والتنقيبات الحديثة وكان يعمل معه كوكبة ممتازة من علماء الاثار والتاريخ العراقي امثال مصطفى جواد وفؤاد سفر وطه باقر وسيتون لويد وغيرهم. كما له الفضل في تاسيس متحف الموصل لما لهذه المدينة من اهمية وعمق تاريخي وكثرة مدنها الاثرية القديمة كنينوى ونمرود ودور شروكيم وغيرها، وكما يقول عالم الآثار الجمعة ان مدينة الموصل هي عبارة عن غابة من الآثار.. وفي البداية كانت مديرية الاثار العامة قد استلمت بناية قديمة من مديرية الاوقاف العامة تسمى خان مرجان اسست عام 1358 وكانت البناية عبارة عن قسم داخلي للطلبة وللمسافرين، وعندما استلمتها اصلحتها وجعلتها دارا للاثار العربية والاسلامية حيث ضمت مجموعة من نفائس الاثار العراقية. ويذكر ان مصطفى جواد عندما كان يعلم الملك فيصل الثاني اللغة العربية كان يرغب فيه ويشرح له قيمة واهمية الاثار العراقية حتى قرر الملك بالاخير زيارة المتحف العراقي عام 1945 وكان في استقباله الدكتور ناجي الاصيل وعدد من علماء الاثار العراقيين.. ترك ناجي الاصيل عدد من المؤلفات مثل، الجديد في النشاط الاثاري في العراقي، وفي مواطن الاثار، وحدة العلم والتوحيد الفلسفي وعدد كبير من المقالات العلمية. وغيرها... توفى عام 1962 في بغداد.

خزعل الماجدي

2586 خزعل الماجديوهو من مواليد كركوك عام 1951 ومن اصل صابئي.. باحث في علم وتاريخ الأديان والحضارات القديمة وشاعر وكاتب مسرحي، أكمل دراسته في بغداد وحصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ القديم من معهد التاريخ العربي للدراسات العليا في بغداد عام 1996. عمل في وزارة الثقافة العراقية وكذلك في دائرة السينما والمسرح لغاية 1998، وعمل ما بين عامي 1973-1996 في الاذاعة والتلفزيون والمجلات والصحف العراقية واتحاد الأدباء والكتاب ودائرة السينما والمسرح. ثم أستاذاً جامعياً في جامعة درنة في ليبيا للفترة من 1998-2003 مدرسـاً للتاريـخ القديم وتاريخ الفن. وما بين عامي 1996-1998 عمل في الأردن ونشر كتبه الفكرية الأولى. عـاد إلى العراق في آب 2003 وعمل مديراً للمركز العراقي لحوار الحضارات والاديان في العراق، قام في التدريس بعدة جامعات اجنبية وعربية ووصلت مؤلفاته الى اكثر من خمسين مؤلفا في مثيولوجيا الاديان والمسرح والشعر وغيرها.

اطروحات وافكار الماجدي

شاهدت عدد من المحاضرات واللقاءات التلفزيونية للدكتور الماجدي وسجلت بعض الملاحضات حول اطروحاته وافكاره. اولا، يقول الماجدي انه ليس عنده معلومات كافية وكاملة عن الماضي القديم وانه كالشخص الذي يريد ان يحفر بئرا بواسطة ابرة خياطة صغيرة، وبالتالي فان كل ما يقوله الماجدي ليس له قطعية في الحكم ولا مصداقية كاملة وانما افكاره قابلة للصواب والخطئ... ثانيا، يعتمد الماجدي في معلوماته على علماء الآثار الاجانب وكذلك على كتاب التوراة وانه يناقشها ويشرحها ويسرد قصصها بالتفصيل. علما ان التوراة كتبت في القرن الخامس ق م في بابل واستمرت كتابتها عدة قرون وحدثت فيها تعديلات واضافات كثيرة وكانت مليئة بالاساطير السومرية والبابلية حسب الاستاذ طه باقر. اما علماء الآثار فان اغلبهم يعتمد على كتاب التوراة وكذلك على ترجمة النصوص السومرية والذين يعترفون بانهم احيانا يترجمون المضمون وليس ترجمة حرفية واحيانا اخرى يلاقون صعوبة في ترجمتها. ثالثا، ان الماجدي يعتمد في تأليف كتبه على الترجمات الاجنبية خاصة الالمانية التي تبحث في علم الاثار في بلاد الرافدين ويقوم بربطها مع النصوص التوراتية وغيرها. رابعا، ان الماجدي لم يتطرق الى الايمان بالله ولا بالاديان التوحيدية الابراهيمية الثلاثة ويعتبرها امتدادا لللاديان السابقة التي اخترعها الانسان وانها كلها متشابهه في صلواتها وطقوسها الدينية. وهو بهذا الرأئ يعترف من حيث لا يعلم بالقرأن الكريم الذي يصرح بانه منذ أدم.ع. حتى الرسول محمد.ص. كانت الرسالات السماوية مستمرة في النزول وان الانبياء موجودين في كل زمان وقرية ومدينة ومجتمع يبلغون رسالات الله، ولهذا كانت متشابهه لان مصدرها واحد هو الله... خامسا، ان الماجدي يقول ان الحضارات انتهت والآن يجب البحث عن البديل، وهو بهذا يشبه حركة الدادائية والمستقبلية اليساريتين واللاتي لا تؤمنا بثقافة الماضي وتبحث عن فكر جديد واخلاق جديدة وقد فشلت هذه الحركات وتبخرت وماتت افكارها وكذلك ستفشل بعض اطروحات الماجدي وتنتهي لانها قاءمة على علم الاثار وحده فقط ويعتبره هو المصدر الحقيقي الوحيد لتفسير التاريخ والاديان رغم ان معظم كتبه تعتمد على الكتب التوراتية والتلمود..

يقول الماجدي ان العلم هو الحقيقة ولا غيره بديل، وان الاديان وجدت لخلق التوازن النفسي وان الكون غامض لا نعرف عنه شيئا. واعتقد ان الماجدي يتبع في مفاهيمه المدرسة الشكية اليونانية وصاحبها بيرون التي طهرت في القرن الرابع ق م، حيث خلق مذهب اللاادرية، واعتقدوا ان الاخلاد الى العقائد وسيلة للراحة والطمأنينة. والشكوكية تدفع صاحبها الى التردد بين الاثبات والنفي وبالتالي فان الماجدي يميل الى مذهب اللاادرية والشكوكية... لا يمكن لاحد فهم افكار الماجدي الا اذا كان مسلح بقراآت كثيرة عن الحضارة العراقية القديمة وكذلك الاطلاع على كتب علماء الاثار الاجانب.

مصطفى جواد

2584 مصطفى جوادمؤرخ ولغوي ولد في بغداد عام 1904 وهو من ابرز اللغوين العرب ومن اعلام النهضة العربية وله مؤلفات كثيرة حاول فيها تبسيط وتحديث اللغة العربية، وهو من ابوين تركمانيين من قضاء الخالص في محافظة ديالى، درس في بداية حياته في الكتاتيب ثم دخل دار المعلمين وتخرج منها عام 1924، مارس التدريس في عدة محافظات عراقية، ثم سافر الى فرنسا لاكمال دراسته وحصل على شهادة الدكتوراة من جامعة السربون عام 1939، ثم عاد الى العراق ودرس في نفس المعهد الذي تخرج منه ثم في كلية التربية. عين عضوا للمجمع العلمي العراقي والمصري والسوري والاردني والمغربي. وقد ترك لنا مصطفى عددا كبيرا من المؤلفات والمقالات بعضها مطبوعا والاخر لازال مخطوطا... واشتهر مصطفى في برنامجه التلفزيوني في الستينات (قل ولا تقل). ويذكر من قصصه الطريفة انه ركب في سيارة اجرة ففتح السائق الراديو وخرج برنامج قل ولا تقل فانزعج السائق واغلقه قائلا (اسكت يا كواد) وعندما نزل مصطفى من السيارة همس في اذن السائق قائلا (قل قواد ولا تقل كواد) فالتفت اليه السائق وعرفه فضحكا واعتذر. وفي يوم من الايام وهو في برنامجه سأله احد المشاهدين عن عدد الخلفاء العباسيين الذين حكموا من عام 132 الى 656 هجرية، فعدهم له على الذاكرة من اولهم الى اخرهم مع ذكر اسمائهم وتواريخ حكمهم، وكان في ذلك متألقا في ذاكرته وحافظته.... قد قضى مصطفى جواد 42 سنة في سلك التعليم، وتوفى عام 1969 في بغداد.

بشار عواد معروف

2585 بشار عواد معروفمفكر ومؤرخ وكاتب ولد في بغداد عام 1940، خريج جامعة بغداد كلية الآداب قسم التاريخ. 1964 حصل على شهادة الدكتوراة من جامعة بغداد عن موضوع – الذهبي ومنهجه في كتابة التاريخ – حصل على منحة دراسية من جامعة هامبورغ لتعلم اللغة الالمانية وعين بعد ذلك فيها لتعليم اللغة العربية. عين مساعدا في كلية الشريعة بجامعة بغداد ومحاضرا في كلية الامام الاعظم وكلية الدراسات الاسلامية في جامعة المستنصرية من عام 1967الى 1969. اختير عضوا في المجنع العلمي العراقي عام 1981. عمل استاذا للحديث والتفسير في جامعة عمان الاهلية 1994. كما رشح لعضوية المجمع للغة العربية في دمشق عام 2002.

الف عشرات الكتب كما قام بتحقيقات عدد كبير من الكتب التاريخية القديمة ويعتبر بذلك موسوعة علمية وثقافية نادرة في العراق. من كتبه : اثر الحديث في انشاء التاريخ عند المسلمين 1966، تواريخ بغداد التراجمية 1974، علي والخلفاء 1988. وغيرها من الكتب المعتبرة وعشرات المقالات العلمية والتاريخية.

 

د. كاظم شمهود

 

 

يسري عبد الغنيهو: أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن طفيل القيسي، فكأنه يرجع إذن إلى أصل عربي خاص هو بنو قيس، قيس بن عيلان بن مضر من العرب المستعربة الشمالية، وينسب أيضًا فيقال: الأندلسي، والقرطبي، والإشبيلي، ولكن أحيانًا ـ وهو الأقل ـ أبو جعفر .

 كان مولده في وادي أش، وتسمى اليوم (جياديكس) على مسافة 53 كيلومتر في الشمال الشرقي من قرطبة .

 وعن هذه البلدة قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد المنعم الحميري في كتاب (الروض المعطار، ص 192 ) والذي نشره ليفي بروفنسال في القاهرة، سنة 1937 م، قال: إنها مدينة بالأندلس، قريبة من غرناطه، كبيرة خطيرة تطرد حولها المياه والأنهار، ينحط نهرها من كبل شكير، وهو شرقيها، وهي على ضفته، ولها عليه أرجاء لاصقة بسورها، وهي كثيرة التوت والأعشاب، وأصناف الثمار والزيتون، والقطن بها كثير، وكان بها حمامات .

 ولا نعرف بالتحديد تاريخ ميلاد ابن طفيل، وإنما الأرجح أنه ولد في السنوات العشر الأولى من القرن الثاني عشر الميلادي، أي بين سنة 495 هـ إلى سنة 505 هـ، إلا أن هناك رأي قريب من الصحة يقول إنه  توفي سنة 581 هـ = 1185م .

 وفي الواقع أننا لا نعرف أيضًا أي أساتذته الذي تلقى عليهم العلم، ولا أين تلقى العلم ؟، غير أن مراكز العلم الأندلسية في ذلك الوقت  على الأخص في قرطبة وإشبيلية .

 غير أن عبد الواحد المراكشي في كتابه (المعجب في تلخيص أخبار المغرب)، وهو من أوسع المصادر التي يمكن للباحث أن يستفيد منها في أي كتابة عن حياة ابن طفيل، صاحب (حي بن يقظان)، يقول المراكشي: إن ابن طفيل قرأ على جماعة من المتحققين بعلم الفلسفة، منهم أبو بكر ابن السائق المعروف بابن باجه وغيره [ المراكشي، المعجب، طبعة القاهرة، سنة 1949 م، ص 210 ] .

 لكن ابن طفيل نفسه يقول غير ذلك عن ابن باجه الأندلسي، إذ ذكر صراحة في (حي بن يقظان )، وهو يشير إلى ابن باجه: فهذا حال ما وصل إلينا من علم هذا الرجل (يقصد ابن باجه)، ونحن لم نلق شخصه ! [حي بن يقظان، لابن طفيل، طبعة دمشق، سنة 1935 م، ص 14 ـ وكذلك: طبعة القاهرة، سنة 1952، ص 62 ] .

 وهذا قاطع بأنه لم يكن تلميذًا بالفعل لابن باجه، وإن كان من غير شك قد تأثر به من الناحية الفلسفية تأثرًا بارزًا، بمعنى آخر كان تلميذًا غير مباشر له .

 ولا بد أن ابن طفيل قد درس العلوم الدينية، والفقه بوجه خاص، لأن تلميذه البطروجي يذكر لنا أن ابن طفيل كان قاضيًا، وكذلك درس العلوم العقلية، والطب، حيث مارس مهنة الطب في غرناطه الأندلسية زمنًا لا ندري مدته أو وقته على التحقيق [مينك، أمشاج من الفلسفة اليهودية والعربية، ص 518 ] .

 كما اشتغل كاتبًا لدى حاكم غرناطه في تاريخ لا نستطيع تحديده، وفي سنة 549 هـ = 1154 م، كتب لأبي سعيد بن عبد المؤمن، لما كان واليًا على سبتة وطنجه [ابن أبي زرع، روض القرطاس، نشرة تورنبورج، 1 / 126 ـ 127 ] .

 ولكن الفترة المهمة في حياة فيلسوفنا هي تلك التي أمضاها في حضرة أبي يعقوب بن أبي محمد عبد المؤمن بن علي القيسي، سلطان الموحدين، وكان عالي الثقافة ذا حظ من العلوم العقلية إلى جانب معرفته التامة بأخبار العرب .

 يقول عنه ابن خلكان: كان أعرف الناس بكيف تكلمت العرب، وأحفظهم بأيامها في الجاهلية والإسلام، صرف عنايته  إلى ذك، ولقى فضلاء إشبيلية أيام ولايته .

 ويقال: إنه كان يحفظ صحيح البخاري، وكان شديد الملوكية، بعيد الهمة، سخي جواد استغنى الناس في أيامه .

 وكان يحفظ القرآن الكريم مع جملة من الفقه، ثم طمح إلى علم الحكمة، وبدأ من ذلك بعلم الطب، وجمع من كتب الحكمة شيئًا كثيرًا .

 وكان ممن صحبه من العلماء بهذا الشأن: أبو بكر محمد بن الطفيل .. ولم يزل يجمع إليه العلماء من كل فن من جميع الأقطار، ومن جملتهم أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد ابن رشد الأندلسي [ابن خلكان، وفيات الأعيان، طبعة القاهرة، سنة 1948 م، 6 / 134].

 ونسأل هنا: ماذا كان يشتغل ابن طفيل بحضرة السلطان أبي يعقوب يوسف ؟!، وينفرد ابن أبي زرع من بين المؤرخين بأن ابن طفيل كان وزيرًا لأبي يعقوب [ابن أبي زرع، روض القرطاس، نشرة تورنبورج، 1 / 135] 

 والواقع أننا نشك كثيرًا في هذا الخبر، والسبب في ذلك: إن تلميذه البطروجي، ولا سائر المؤرخين الذين أرخوا لدولة أبي يعقوب يوسف الموحدي، قد ذكروا لنا أنه كان من بين وزرائه ابن طفيل الأندلسي .

 أما أنه كان طبيبه الأول فهو خبر أكثر تحقيقًا، ولعل معرفته بالطب، واطلاعه على العلوم العقلية هما اللذان قرباه من السلطان أبي يعقوب الموحدي، ما دام هذا كان مشاركًا في الحكمة مقربًا إلى أهله .

 ويظهر أن ابن طفيل نال حذوة كبيرة لدى الموحدي، وأبلغ شاهد على ذلك أنه هو الذي قدم ابن رشد إلى السلطان .

 وتدل رواية ابن رشد لهذا التقديم على مدى المكانة العظيمة التي كانت لابن طفيل عند السلطان أبي يعقوب يوسف .

 يقول المراكشي يقول المراكشي في كتابه [المعجب في تلخيص أبار المغرب، طبعة القاهرة، 1949 م، ص 242 وما بعدها]: ولم يزل أبو بكر هذا (ابن طفيل)، يجلب إليه (يعني إلى أبي يعقوب يوسف) العلماء من جميع الأقطار، وينبه عليه، ويحض على إكرامهم والتنويه بهم، وهو الذي نبهه على أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، فمنه حينئذ عرفوا، ونبه قدره عنده .

 ويواصل المراكشي كلامه فيقول: أخبرني تلميذه الأستاذ / أبو بكر  بندود بن يحيى القرطبي، قال: سمعت الحكيم أبا الوليد (ابن رشد) يقول غير مرة: لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب وجدته هو وأبو بكر بن طفيل ليس معهما غيرهما، فأخذ أبو بكر يثني علي، ويذكر بيتي وسلفي، ويضم ـ بفضله ـ إذ ذلك أشياء لا يبلغها قدري، فكان أول ما فاتحني به أمير المؤمنين ـ بعد أن سألني عن اسمي، واسم أبي، ونسبي ـ أن قال لي: ما رأيهم في السماء ؟ .

 وهو يقصد بذلك الفلاسفة ـ هل السماء قديمة أم حادثة ؟ ! ـ فأدركني الحياء والخوف، فأخذت أتعلل وأنكر اشتغالي بالفلسفة، ولم أكن أدري ما قرر معه ابن طفيل، ففهم أمير المؤمنين مني الروع والحياء .

 لقد التفت الموحدي إلى ابن طفيل وجعل يتكلم على المسألة التي سأل ابن رشد عنها، ويذكر ما قاله أرسطو طاليس وأفلاطون، وجميع الفلاسفة  ويورد مع ذلك احتجاج أهل الإسلام عليهم .

 فرأى ابن رشد من الموحدي غزارة حفظ لم يظنها في أحد المشتغلين بهذا الشأن المتفرغين له |، ولم يزل الموحدي ينشط ابن رشد حتى تكلم، وعرف ما عنده من ذلك، فلما انصرف أمر له بمال، وخلعة سنية ومركب . (وهذه هي المقابلة الأولى) .

 ويقول أبو بكر بندود بن يحيى القرطبي: إن أبا بكر بن طفيل استدعاه يومًا، فقال له: سمعت أمير المؤمنين يشتكي من قلق عبارة أرسطو طاليس، أو عبارة المترجمين عنه، ويذكر غموض أغراضه، ويقول: لو وقع لهذه الكتب من يلخصها ويقرب أغراضها بعد أن يفهمها فهمًا جيدًا لقرب مآخذها على الناس، فإن كان فيك فضل قوة لذلك فافعل، وإني لأرجو أن تفي به، لما أعلمه  من جودة ذهنك وصفاء قريحتك، وقوة نزوعك إلى الصناعة، وما يمنعني من ذلك إلا ما تعلمه من كبير سني واشتغالي بالخدمة وصرف عنايتي إلى ما هو أهم عندي .

 قال أبو الوليد ابن رشد: فكان هذا الذي حملني على تلخيص ما لخصته من كتب الحكيم أرسطو طاليس (وهذه هي المقابلة الثانية ) .

 وهذه الرواية ـ وهي صحيحة موثوق بها ـ لأنها منقولة مباشرة من تلميذ معروف لابن رشد، وهي تدل أولاً على المكانة العظيمة التي كانت لابن طفيل عند أبي يوسف يعقوب الموحدي، وعلى مدى مشاركة هذا الحاكم في علم الفلسفة، وعلى حس ابن رشد على تلخيص وشرح كتب أرسطو طاليس تلخيصًا وشرحًا، وهذا دون شك سيكون له أكبر الأثر في دراسة الفلسفة في أوربا، من أول القرن الثالث عشر الميلادي، حتى القرن السادس عشر الميلادي .

 ويحاول (جوتيييه) أن يحدد زمن هاتين المقابلتين بين ابن رشد وبين السلطان أبي يعقوب وابن طفيل، فينتهي إلى أنهما لابد وأن تكونا وقعتا في النصف الثاني من سنة 565 هـ = 1169 م، وكانت سن ابن رشد 42 سنة (تقريبًا)، بينما كان سن ابن طفيل 63 أو 68 سنة (تقريبًا) [جوتييه، ابن طفيل: حياته ومؤلفاته، باريس، 1909 م، ص ص 12 ـ 17] .

 وظل ابن طفيل في بلاط السلطان أبي يعقوب يوسف سلطان الموحدين، طبيبًا أول، وربما وزيرًا أو مستشارًا، أو ما أشبه هذا .

 إلى أن تقدم فيلسوفنا في السن فتخلى عن وظيفة الطب لتلميذه ومريده وصديقه / ابن رشد في سنة  578 هـ = 1182 م، الذي صار طبيبًا أول للسلطان أبي يعقوب يوسف .

 ولما توفي أبو يعقوب في 13 يونيو 1184 م، الموافق 7من رجب سنة 580 هـ، قام بالأمر بعده ولده أبو يوسف يعقوب، فأبقى على مكانة ابن طفيل في حضرته، كما كان في عهد أبيه، أي وزيرًا إن صح هذا الخبر، وعلى الأقل مستشارًا علميًا (بلغة عصرنا)، أو من كبار رجال حاشيته،

 وتوفي ابن طفيل في سنة 581 هـ = 1185 م، في مدينة مراكش المغربية، ودفن هناك، واشترك السلطان / أبو يوسف يعقوب في تشييع جنازته . كما قال ابن أبي زرع في كتابه [روض القرطاس، ص 135 ]، وأيضًا كما ذكر ابن الخطيب في كتابه [مركز الإحاطة، مخطوطة في المكتبة الأهلية في باريس، تحت رقم 3347، ورقة رقم 345 ] .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغنيفي يوم 29 / أغسطس، 2007 م، نعى الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق الشقيق، الأديب والناقد الكبير / محمد مبارك، الذي رحل عن عالمنا الفاني راضيًا مرضيًا بعد أن قدم عطاءً زاخرًا لا ينضب في مجالات الفكر والأدب، بل والثقافة بوجه عام .

وفي واقع الأمر أن محمد مبارك برحيله خسرت الحياة الثقافية العربية بوجه عام، والعراقية بوجه خاص، خسارة فادحة من العسير أن تعوض، فقد كان بحق أحد رموز الفكر الموسوعي الذي قلما نجده في عصرنا الراهن، وقلما يجود الزمان بمثله ..

والوسط الثقافي العربي فجع برحيل الناقد والمفكر / محمد مبارك، لأنه كان حاضرًا قبل ساعات من رحيله في اتحاد أدباء العراق ..

كان محمد مبارك يمثل زمنًا ثقافيًا وصل إليه العراق الشقيق أيام شبابه إلى آفاق رحبة على أيدي تلك النخبة من المبدعين في القرن العشرين ..

عندما تقرأ محمد مبارك فأنت تقرأ كاتبًا موسوعيًا بمعنى الكلمة، فقد كتب في الفلسفة العربية و الإسلامية، وأصدر في بواكير حياته كتابًا مهمًا عن الفيلسوف العربي /الكندي، كما درس بعمق الفلسفة اليونانية القديمة، وذلك ضمن مشروعه الفكري الشامل الذي تضمن دراسة عميقة للفكر الإنساني، وقد قام بنشر العديد من فصوله، في بعض الصحف والدوريات العراقية والعربية .

كما كتب في علم الاجتماع وكرس كتابًا خاصًا لدراسة إنجازات وأطروحات عالم الاجتماع الشهير، الأستاذ الدكتور / على الوردي، كما كتب مجموعة من المسرحيات المهمة، صدرت في مجلدين، والتي نأمل أن يتناولها نقاد المسرح العربي بالتحليل والدرس، وسوف يجدون فيها العديد من المرامي والأبعاد والنسج الدرامي الذي من الممكن أن يكون دروسًا مستفادة للأجيال الناشئة على وجه الخصوص، ولأهل الاحتراف في الإبداع المسرحي على وجه العموم ..

وكتب (رحمه الله) مجموعة متميزة من الدراسات الأدبية والنقدية عن عدد من الشعراء العرب، منها دراسة كاملة عن الشاعر الكبير / عبد الوهاب البياتي، في نفس الآن الذي اهتم فيه وبشكل خاص بدراسة الشاعر العربي الرائد / محمد مهدي الجواهري ..

وضم كتابه النقدي الأخير إلي جاء تحت عنوان (الوعي الشعري)، والصادر عن دار الشئون الثقافية العامة بالعراق، عام 2004 م، مجموعة من الدراسات النقدية المتميزة في مجال الشعر ..

انتقل محمد مبارك من مدينة الحلة الفيحاء ليجعل بغداد مدينته التي حرص كل الحرص على أن يعرف كل رجالها ومثقفيها .. فيها درس، وتعلم، وفيها قرأ وكتب .. ومنها خرج، وإليه دخل ..

محمد مبارك مثقف عراقي من طراز فريد، عشق الكلمة وكره السفر، أحب النخلة العراقية، وكره الظلام .. كان له انتماؤه الذي يود أن يعرفه العالم كله، ولكنه يخفي في أعماقه حزمة هائلة من الأسرار التي لا يود أن يفصح عنها، هكذا قال أصدقاؤه، بكل من اقترب منه .

لقد أحب الرجل بغداد حبًا شديدًا، حيث درس في مدارسها منذ أن انتقل إلى الحاضرة الثقافية بكل ثقلها إبان فترة الخمسينات من القرن العشرين، وكانت فورتها عارمة في تلك الآونة ..

بدأ مفكرنا الراحل حياته الثقافية إثر ثورة 14 يوليو 1958 م، وكان شابًا متوثبًا ثائرًا يقضي الليالي الطويلة في القراءة والدرس، ثم بدا يكتب المقالات وينشرها في بعض الصحف البغدادية ..

وفي واقع الأمر أن محمد مبارك بدأ يعرف لى نطاق واسع بين الناس في منتصف الستينات، وذلك من خلال ما كان يكتبه على صفحات مجلة الأقلام العراقية الشهرية، والتي كانت قد صدرت عن وزارة الثقافة والإرشاد ببغداد، واستمر يتنقل من الثقافة إلى الإعلام إذ بقى طوال نصف قرن تقريبًا من أبرز النقاد العراقيين للشعر والأدب، وبعض الفنون الدبية الأخرى ..

ولا ينس أهل الثقافة والأدب مشاركاته العديدة في مهرجانات الشعر والمسرح، فالسنوات العديدة التي قضاها رئيسًا للقسم الثقافي في بغداد كانت نموذجًا للازدهار الثقافي والأدبي ..

يقول البعض: إن محمد مبارك برع في الدرس الأدبي، وكذلك النقد الأدبي، أكثر بكثير دون براعته في النتاج الأدبي والرؤية الفلسفية .. لقد قرأ له الناس مقالاته وتابعوا دراساته ..

ولكننا نستمع إلى فريق آخر يقول لنا: إن الرجل كان في الفلسفة أقوى كثيرًا من التاريخ .. وكان في الأدب والنقد الدبي أبدع منه في علم الاجتماع ..

وعلى كل حال فالرجل كان موسوعيًا، واختلاف رأي الناس في تفضيل جانب من إبداعه على جانب آخر، أكبر دليل على تأثيره على جمهور القراء، واهتمامهم بفكره ..

يمكن القول أن منهج محمد مبارك في الفكر والأدب، كان منهجًا اجتماعيًا، فهو يؤمن بالوظيفة الاجتماعية للأدب والثقافة، كما كان يحاول أن يكشف اللثام عن الحمولات أو الأبعاد المعرفية والأيديولوجية والاجتماعية التي يتضمنها النص الأدبي أو بمعنى آخر التي ينطوي عليها الإبداع الأدبي، مع تأمل وكشف الظواهر الأدبية التي يحتويها النص موضع التحليل ..

ولعله يكون بذلك من القلائل الذين التزموا بهذا المنهج، الذي يتطلب عمقًا ثقافيًا، وموسوعية شاملة، قلما ما تتواجد في أصحاب الكلمة على أيامنا الراهنة .

كان يرى أن الأوبئة الاجتماعية الزاحفة علينا نتيجة لاتساع حجم الطفيلية الاجتماعية التي تهددنا ..

وفي مجال العمل الصحفي تولى الأديب والناقد الراحل / محمد مبارك رئاسة تحرير مجلة الأقلام العراقية المشهورة، بعد سنة 2003 م، كما رأس تحرير صحيفة (القاسم المشترك) ..

عندما تسلم رئاسة تحرير مجلة (الأقلام)، كان يحلم بعودة كل الطاقات والتخصصات إلى أرض العراق، كما كان يرنو إلى بناء حضاري حقيقي للعراق ولأهله، ولكن الأوضاع كانت تتنقل من سيء إلى أسوأ، ليلتحق محمد مبارك بقافلة الراحلين، وكأنهم يترجمون معًا رفضهم لكل هذه التداعيات التي تحدث في العراق وفي غيره من بلادنا العربية ..

والمفكر الكبير / محمد مبارك المولود في محافظة بابل العراقية، يعد من بين النقاد العراقيين الذين اهتموا بالدراسات النقدية والفلسفية، فأثمر عطاؤه مجموعة من الكتب والدراسات غطت امتداد تجربته في الكتابة والبحث ..

ويجمع النقاد ومؤرخو الأدب على أن كتابي (مقاربات في العقل والثقافة) و(الوعي الشعري)، يوقفانه أمام بنائية فكرية تنسجم تحليلاتها واستنتاجاتها النقدية، التي تستند على نمط الإرجاع للبيئة المعاشة والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية مع ترسيخها لقيم العقل والعقلانية، التي تنشيء القيمة وترسخ الإبداع، فقد كان يوجه عنايته ـ في سياق ذلك ـ إلى الاهتمام بدراسة الإنسان والمجتمع كأفراد ومجموعات .

وفي هذين الكتابين نجد تحليلاً رائعًا يدل دلالة قاطعة على ما تحلى به محمد مبارك من مستوى نقدي وعقلية حديثة لم تصبح على ما هي عليه إلا بعد جهد جهيد بذله الرجل على طوال السنوات، جهد تمكن به من أن يكون ثقافته الموسوعية الشاملة، ناهيك عن متابعته المستمرة لتفاصيل الحياة اليومية المعاشة على أرض الواقع ..

ويحلو للبعض أن يصفه بأنه: مثقف عراقي كان همه الأول حفرياته التي يعتني بها منذ صباه، ولعل تربيته الأولى قد جعلته ينقب عن الأشياء بكل صغائرها ..

لذلك كان أهم ما يميزه وقفاته البحثية المطولة، حيث كان دومًا يبحث عن الصلة الحقيقية بين المثقف ومجتمعه، وينقب في النص أو بمعنى آخر: يمحصه تمحيصًا معرفيًا أكثر منه ظاهريًا ..

عندما نتكلم عن محمد مبارك فإن معنى ذلك وقوفنا أمام رجل ادرك عن وعي كامل وتام دور الكلمة الصادقة في التأثير على الناس، ولعل ذلك مما جعل عطاءه الفكري والإبداعي والبحثي رحبًا ليشمل الفلسفة والتاريخ والتاريخ والنقد الأدبي ، نضيف إلى ذلك مسرحياته التي أخذ معظمها طريقه إلى الشاشة الصغيرة (التلفاز) عندما كان أديبنا الراحل مشرفًا على البرامج الثقافية في التلفزيون العراقي .

ويعد كتاب (مفارقات في العقل والثقافة) من أواخر ما كتب، حيث تناول فيه العديد من آراء عالم الفيزياء والبصريات / الحسن بن الهيثم، وآراء العالم الموسوعي / أبو الريحان البيروني، وآراء الدكتور / علي الوردي .. وغيرهم ..

وبذلك تنقل محمد مبارك الكاتب الموسوعي والمفكر الملتزم بين فكر فلسفي علمي، وانثروبولوجي، ساعيًا إلى تشخيص المواقف الفكرية للكتاب والمفكرين والفلاسفة موضع بحثه ودراسته، وصولاً إلى تقرير حقيقة واحدة ـ عدا مسألة التناشز الاجتماعية عند الدكتور / علي الوردي ـ ألا وهي أن العقل الإنساني يتسع لضمان كل فكر في عصره، وأن المغيبات في الفكر الإنساني تكون أحيانًا نتيجة لظرف سياسي قاهر، لا يستطيع قبول الرأي الآخر ويتهمه بالهرطقة .

وتقوم أفكار محمد مبارك الفلسفية على إحكام العقل أو فالنقل إعلاء شأن العقل في كل قضية يتناولها بالكتابة أو البحث والدرس، مع عدم قبول ما هو خارج نطاق العقل ..

كان يرى تراكمات الفكر الإنساني من فلسفة يونانية إلى إسلامية شارحة، إلى فكر القرون الوسيطة، إلى الفكر الحديث بكل تشعباته يقوم على الإضافات القابلة للأخر، وليس على الانقطاعات التي تشذ وتسرق وتتدعي، أي أن الرجل كان مؤمنًا بضرورة التواصل والحوار بين الشعوب والحضارات بعيدًا عن الصدام أو الصراع .

وبذلك يجد محمد مبارك أن الفكر الإنساني فكر تراكمي متسلسل، تضيف كل مرحلة لما سبقها، حتى ولو خالفتها أو إجترحت عليها، فذلك منطق العصر، وتلك لغة التطور الذي يجب أن نؤمن به ن ونتعامل معه دون أدنى غضاضة أو حساسية في واقعنا المعاش ..

ومسرحيات محمد مبارك التاريخية جاءت مجسدة لعديد من الأفكار المهمة التي لا تنتهي بالتقادم، ولا نبالغ إذا قلنا أنها تصلح لكل زمان ومكان، وبمعنى آخر هي قابلة للطرح دائمًا، مثال ذلك عندما تكلم في إحدى مسرحياته عن محنة شاعر العربية الأكبر / أبي الطيب المتنبي، وفي مسرحية أخرى تكلم عن قضية رهين المحبسين / أبو العلاء المعري في عزلته المختارة، كما تكلم في عمل ثالث عن المحنة الفكرية لأبي الريحان البيروني ..

وكان آخر أعماله التي نشرها مسلسلة في جريدة (الزمان) مسرحية / الحجاج بن يوسف الثقفي الذي قدمه كشخصية صارمة مثقلة بالآثام، مدركة لما ارتكبته من خطايا، آملة في الغفران ...

لقد كان الحجاج بن يوسف الثقفي رجل بني أمية الأول، وزراعها العسكري القوي الذي لا يعرف الرحمة (كما يقول التاريخ)، شخصية إشكالية (محيرة)، فقد اجترأ على كثير من المقدرات باسم السلطة والسلطان، وقتل خصوم الدولة من الثوار باسم إحقاق الأمن، وكان سعيه لسعادة المجتمع الموهومة مليئًا بأنهار الدم المفزعة ..

كان تناول المبدع الموسوعي / محمد مبارك لشخصية الحجاج، تناولاً إمتاز بإلمامه التام بكل إشكالات هذه الشخصية، ولا غضاضة ولا مرية في ذلك، فالرجل كان يدرك تمامًا أننا نعيش أيامنا تحت ظلال أكثر من حجاج ..

لقد سعى محمد مبارك إلى ان يقدم لنا شخصيات العرب والمسلمين المؤثرة فكريًا في العقل والوجدان عبر الشاشة الصغيرة، ليكتمل بذلك مشروعه الفكري والفني الذي هدفه الإرشاد الفكري والتربوي لكل أفراد المجتمع العربي، وبمعنى آخر لكي يصل ما يريده لنا وهو السعي نحو الأفضل والأحسن إلى كل المستويات .

ومن الطريف أن الرجل كان يؤكد دائمًا أن الفلاسفة العرب المسلمين سبقوا الغرب في أمور عديدة وكثيرة، ومن ذلك أنهم سبقوا فريدريك هيجل في طرحه لمسألة وحدة الوجود .

ولعل أغلب القراء الأعزاء لا يعرفون أن الناقد المفكر / محمد مبارك هو خال السيد / محمد سعيد الصحاف وزير الإعلام العراقي الشهير، على عهد نظام الرئيس / صدام حسين ..

وفي واقع الأمر أنني اجتهدت ـ قدر الإمكان ـ لأبحث عن كتابات تكشف عن طبيعة العلاقة بين الأثنين ولكني لم أتمكن من ذلك ..

ولكن هذا لا يمنع أبدًا من القول بأن: محمد مبارك كانت له استقلاليته وثقافته الواسعة في مختلف ميادين التراث والأدب والعلم والفن، كما كانت له لغته الراقية عالية المستوى، ومواهبه التي أجمع عليها الجميع، وكون أن له قريب في نظام حكم معين قبلناه أو رفضناه ـ فلا ينقص ذلك أو يقلل من قيمة رجل مبدع موسوعي شهد له القاصي والداني ..

وغني عن البيان أن محمد مبارك تميز منذ شبابه بالروح الوطنية الوقادة، والتواضع الجم البالغ التأثير، كما أن له ميزاجه الشعبي العراقي، بالرغم من قبعته الأوربية ..

كان منفتحًا على الآخرين كأي عراقي أو عربي أصيل، كان من ذلك الصنف الذي يتحمل الصعاب والمشاق، كما كان قومي النزعة، ولكنه تقدمي التفكير ..

حكى أصدقاؤه أنه كان يحب العمل حبًا شديدًا، ويبقى الساعات الطوال في أي مكتب يختاره ليقرأ ويكتب أو يجالس من يراه من المثقفين ..

كان لا يطيق الكسل، بل كان أشد ما يضايقه أن يرى واحد من الناس يتثائب في أثناء العمل ..

كان يقول: ولك أن تنظر في أوضاع أوساطنا الفكرية والأدبية والثقافية بل حتى الجامعات لتتحقق مما صرنا إليه من انحدار كينونتنا المادية والروحية، ولقد أضحى الفكر بوقًا للسياسي ومروجًا لبضاعته الرديئة، والعلم وسيلة لقتل الناس، وتكبيل الطاقات، وسمل العيون، وتكميم الأفواه ومصادرة الشعب على مقدرات كينونته الآدمية على الرغم من لا فاعليتها وهشاشة مفردات تركيبها ..

كانت خصاله كتلك الخصال التي زرعها الرعيل الأول من المثقفين العراقيين الكبار الذين نتمنى من الأجيال الجديدة أن تتعلم منهم مكارم الأخلاق، وقيمة العمل والإنجاز، وقيم الخير والحق والعدل والجمال والتسامح، بعيدًا عن الابتذال والعتمة والانغلاق والجهالة، تلك التي يريد الظلاميون الجدد زرعها في العراق وغيرها من بلاد عالمنا العربي والإسلامي ..

حقًا، كان محمد مبارك صاحب ثقافة واسعة في كل من الفلسفة الإسلامية، والفلسفات الحديثة والقديمة، ولعل خطراته النقدية المهمة التي نشرها مسلسلة في جريدة (الزمان ) متناولاً بعض أدبيات الأستاذ الدكتور / محمد عابد الجابري أكبر دليل على ذلك ..

ويحكي من عرفه أنه كان يعرف جيدًا النخب المثقفة في العراق خلال القرن العشرين، أسماؤهم، أماكنهم، مجالهم الثقافي، سنوات الولادة والوفاة، كان يحفظ كل ذلك عن ظهر قلب دون أن يحتاج إلى مراجع ..

لقد عاش محمد مبارك ومات زاهدًا في الحياة، عاش على راتبه الحكومي، ولما زحفت سنوات الحصار القاسية على العراق الشقيق إبان التسعينيات، فقد عان الرجل الأمرين كغيره من أهل الثقافة والعلم، مما اضطره إلى أن يغادر العراق ليعمل في صحيفة الزمان، ولكنه كان يزور بغداد كل عام تقريبًا ..

ولقد عان الرجل عندما عاش في الأردن، حيث جاء ليعمل وحده بينما بقيت أسرته في بغداد ..

لقد مضى محمد مبارك الديب والناقد والفيلسوف والمؤرخ والمفكر، رحل الرجل الموسوعي، ورغم أنه ودع أهل الفكر والأدب في العراق وفي البلاد العربية كلها، لكنه لم يودع العراق الذي ضم جسده الفاني، وأعتقد أن جيلنا والأجيال القادمة ستبقى ذاكرة متذكرة لهذا الرجل الأصيل ..

وختامًا أتنمنى أن تكون سيرة هذا الرجل معلمًا على طريق الأجيال الجديدة ليتعلموا كيف تكون الأصالة والمبادئ راسخة في الأعماق، في نفس الوقت الذي نطالب فيه المؤسسات الثقافية العراقية بضرورة طبع ونشر جميع مؤلفاته ليستفيد منها الجميع، وفي نفس الوقت الذي نأمل في جمع مقالاته وأبحاثه وإبداعاته التي لم يتم نشرها في كتب حتى الآن ..

رحم الله (أباحيان ) وجعل مثواه الجنة جزاءًا وفاقًا لما قدمه للفكر والأدب والعلم ...

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

يسري عبد الغنيمحمد محمد الدسوقى النويهي، الملقب بمحمد رشاد النويهى، ولد في 20/4/1917 بقرية ميت حبيش البحرية مركز طنطا، وكان والده من أوائل المتعلمين بالقرية، وعين بالقضاء الوطنى بوظيفة مساعد قاض ويطلق علها حاليا أمين سر المحكمة.

تلقى تعليمه بمدرسة طنطا الإبتدائية الأميرية، وأثناء دراسته فيها، ألقى الشعر الحماسى ونقله عنه أصدقاؤه وتفوق في اللغة العربية واللغه الإنجليزية، وفى سن 14 اتجه لكتابة الأدب الروائى، وكان أول وآخر رواية كتبها حيث لم تنل استحسان والده. تخرج من مدرسة طنطا الثانوية شعبة أدبى عام 1935 وكان أمله أن يكون ناقدا أدبيا.

انتقل من طنطا للقاهرة ليلتحق بكلية الآداب جامعة فاروق الأول (القاهرة حاليا) قسم اللغة العربية، وأقام خلال درا سته فيها بأحد الأحياء الشعبية، حيث كان يساعد نفسه بإعطاء الدروس الخصوصية في العربية والإنجليزية. أبدى تفردا بين زملائه وزميلاته بالدراسة بالجامعة، وارتبط ارتباطا قويا بأستاذه الدكتور/ طه حسين، صاحب التأثير الأول والكبير في حياته والذي عَده من أفضل تلاميذه في ذلك الوقت وقدر مواهبه الأدبية ونبوغه وتفوقه .

أعجب طه حسين ببحث قدمه له النويهى عام 1938 عن قصة الصيد في الشعر الجاهلي ثم استمع في نفس العام لبحث آخر قدمه له عن ميمية علقمة وقد كشف في هذا البحث عن الإنسجام الصوتى الدقيق بين الجمل الشعرية ومحتواها الفكرى والعاطفى. في العام الدراسى التالى قدم النويهى لطه حسين، ثالث أبحاثه عن سينية البحترى ادعى فيه أن حرف السين يلائم بجرسه الخاص في المواضع التي ورد فيها في القصيدة جو الحزن والذكرى الآسية.

في عام 1939 حصل النويهى على الليسانس، وقبل تخرجه رشحه أستاذه طه حسين ليشغل منصب محاضر في اللغة العربية بمعهد الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن، وقد بذل الدكتور/ طه حسين جهدا كبيرا لتذليل العقبات التي أقامتها دون سفره، نشوب الحرب العالمية الثانية. في 1939 سافر النويهى إلى إنجلترا أول أعوام الحرب العالمية الثانية، ليبدأ معايشة الثقافة الأجنبية المختلفة عن ثقافة بلاده، وظل أثناء إقامته بإنجلترا، يراسل أستاذه طه حسين ليستمد منه التوجيه والإرشاد والنصح وليطلعه على مستجدات حياته ودراساته. في عام 1942 حصل على الدكتوراة من معهد الدراسات الشرقية والإفريقية بلندن، عن الحيوان في الشعر العربي القديم ما عدا الجمل والحصان. وفى عام 1944 تزوج من روث هيللر، الإنجليزية، وأنجب منها (عزيزة) المولودة 1947، و(على) المولود 1949، وواصل التدريس بجامعة لندن، حتى وصل للدرجة العلمية أستاذ كرسى الآداب العربية والمحاضر الأول بمعهد الدراسات الشرقية والأفريقية. لم يستمر بالتدريس، فعاد إلى مصر عام 1947، وعرضت عليه جامعة فاروق الأول، أن يكون من أعضاء هيئة التدريس بها بدرجة أستاذ مساعد، ولكنه بتمرده وعناده، أبى ولم يستمر بالقاهرة، وسافر متوجها إلى السودان، ونزل بالخرطوم، وعين بكلية غوردون (الخرطوم حاليا) وأنشأ بها قسما للغة العربية، وظل يدرس بها لمدة تسع سنوات.

دامت فترة وجوده بالسودان، وهى أخصب سني حياته العلمية والعملية والتي أثمرت عن معظم مؤلفاته الفارقة في الدراسات النقدية والأدبية، من سنة 1947، وفى خلالها ترأس قسم اللغة العربية وأسس فريقا للتدريس، كما عمل محكما بين الأحزاب الإنجليزية والمصرية والسودانية في جامعة الخرطوم التي كانت سابقا كلية غوردون .

وفى سنة 1956 تقدم باقتراحات لإجراء إصلاحات أكاديمية شاملة، لم تلق قبولا، ولذلك تقدم باستقالته، وغادر السودان في 1956م. ظل بمصر، وكتب عدة مقالات ثورية ونقدية لجريدة الجمهورية وهى لسان حال ثورة 1952، تحت عنوان (المفكرون والثورة) ونظرا لاشتعال حرب السويس 1956 والمشهورة بالعدوان الثلاثي، ولم يكتب لها الظهور.

ولارتباطه بمصر الأم والوطن ورغم زيجته الأولى وإنجابه، ووفاة عزيزة مبكرا ورغبته في العزوة والأسرة الكبيرة و لم يكن متفقاً مع طباع زوجته الإنجليزية بتحديد النسل، لاختلاف الثقافات والميول والمشارب، اقترن بابنة العائلة والقريبة له طبعا وسلوكا وثقافة السيدة / فريال النويهى في سنة م1956 ورزق منها (ماجدة) 1958م ثم (عمر) 1959 ثم (هشام) م1961. في سنة 1957 قام بالتدريس بمعهد الدراسات العربية العالية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة، وفى نفس الوقت بمركز الدراسات العربية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة .

سافر النويهى إلى أمريكا كأستاذ زائر بجامعة هارفارد بقسم الأدب واللغات الشرقية بدءا من سنة 1967 وحتى نهاية 1968، وأثناء وجوده، عرضت عليه الجامعة تعيينا دائما بها، ولكنه رفض لعدم استعداده التنازل عن .هويته المصرية ثم استقدمته جامعة بريستون الأمريكية كأستاذ زائر للأدب العربي عام 1972/1973

لكن تمسك الجامعات الأمريكية بالدكتور النويهى وعدم التفريط به سيما وقد كان ملء العين والبصر ومطالبا بالحرية ومجددا وثائرا على الجمود والخمود والرتوب والساعى نحو ثورة شاملة في المناهج الأدبية والنقدية والمحرض على النهوض والتنوير وإزالة أسباب التخلف والتراجع والكساد الفكرى والديني.

لم تتراجع الجامعة الأمريكية بالقاهرة عن وجوده بهيئة التدريس وذللت له كافة العقبات والعراقيل التي تقف حياله، لم يثنه ذلك الإلحاح عن التمسك بأفكاره ومبادئه ومعتقداته اليسارية، إذ كان من الذين آمنوا بالاشتراكية منهجا للتغيير وسبيلا قويما للنهضة ودربا من دروب التقدم والتحضر والرفاهية، وبعد مدوالات صعبة وطويلة وارتكانا لشروطه، تولى رئاسة قسم الدراسات العربية بها، كما رأس هيئة التدريس بدءا من سنة 1973

امتدادا لتوقد ونشاط وخبرة الدكتور النويهى وأفكاره المستنيرة والتقدمية، اختارته منظمة اليونسكو عام 1977 مستشارا خاصا لمشروع حول (القانون والمرأة وحجم الأسرة).

عانى في آخريات حياته المرض الشديد والإحباطات الكثيرة وما تصدى له من جهالات واتهامات من السوقة والأوباش ومخانيث الكتاب، وإصابته بمرض الضغط المرتفع والذي حد من نشاطاته ودراساته وإشرافه على الرسائل الجامعية، وتعرضه لأكثر من مرة للجلطات والمعاناة الطويلة المريرة، ولم تطل فترة التعب ولم يستسلم الثائر ولم يخضع الجبين ولم يهن ولم يتراجع، وتحامل على نفسه وهو في أشد مرضه ولم يترك مقعد المعلم والمربى والباحث والمدرس، فقد كان مدرسة التنوير والحرية والتقدم والحضارة، أحب مصر حبا جما .

في قريته التي صاحبته في حله وترحاله وفى قلبه وضميره، وفى كتبه ودراساته ..وهو العاشق لترابها والمنافح عن أصالته وحضارته، واستقبلته القرية بكل حب ووله وأكرمته وأشادت به، يوم انتقلت روحه الطاهرة إلى بارئها، هذا الإبن البار والأخ الوديع والعلم البارز، وعم الحزن القرية وسرى الألم بالنفوس، ودمعت العيون واهتزت الأفئدة، رحمة ودعاء وأن تشمله رحمة الله ورضوانه، وعاشت القرية يوما حزينا يوم 1-3- 1980، يوم توارى جسد النويهى في مقبرة أسرته، ولكنه يظل حيا ومزهرا بأدبه وإبداعاته وحبه وعشقه لوطنه مصر المحروسة وقريته المعشوقة ميت حبيش البحرية.

من أسماء كتبه القيمة :

1- ثقافة الناقد الأدبي .

2- شخصية بشار .

3- نفسية أبى نواس .

4- الإتجاهات الشعرية في السودان .

5- طبيعة الفن ومسؤلية الفنان .

6- قضية الشعر الجديد.

7- الشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمه .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

حمزة بلحاج صالحمن كان يظن الشيخ الطيب بلحاج الصالح المدعو الشيخ الطيب العقبي سلفيا بالفهم السائد للسلفية المتسعودة والمدخلية ...الخ فهو لا يعرف الشيخ العقبي...

لقد اختار الشيخ الطيب العقبي مكافحة البدع والطرق التي تنشر الخرافة لسبب تكتيكي هو أنها كانت وكرا لتخدير وعي المواطن وطابورا يخدم فرنسا وليست الطرقية كلها بل تلك التي تروج للسكون والرضا بالإستعمار قضاء وقدرا...

أما انه كان حرفيا في تعامله مع النصوص بنزعة سلفية صرفة يلغي النظر المقاصدي للدين وأنه كان يعادي المدنية ويعتمد فقه الإمام أحمد بن حنبل ومدرسة الحديث...

فذلك وهم وادعاء كاذب وللشيخ من النصوص حول الإسلام والمدنية وعن العقل والوحي ما يغالي بالعلم والحضارة...

و لا علاقة له بالسلفية كتيار ينحدر من أحمد بن حنبل ومدرسة الحديث إلى السلفية النجدية والوهابية  وسلفية الالباني وسلفية محمد بن عبد الوهاب وابن تيمية الى المدخلية والجامية وغيرها الى اليوم...

أو يتمسك بمكافحة الخرافة بفهم ونموذج مهرب من حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب...

 

بل كانت مكافحته للخرافة  وتوظيف السلفية في هذا تكتيكا صرفا وهو يعتبر الخرافة المجال المبجل الذي تستثمر فيه فرنسا الاستعمارية لتخدر العقول وتجعل الناس يفكرون في الخلاصات السحرية واعتبار فرنسا  المستعمرة قضاء وقدرا ...

كان الشيخ العقبي  يعلم بأن  فرنسا   ترى وجوب الاستثمار في الزردة والتبرك بالاضرحة وانتظار الفرج من أولياء الله الصالحين...

و هو يقف من الخرافة  موقفا صارما  فكان  الشيخ الطيب العقبي يضرب فرنسا في معاقلها وهي التي كانت تجد من بعض رجال جمعية العلماء لينا ورفقا في التعامل مع هذه الظاهرة  المخدرة للعقول  ما لم تجده عند الشيخ العقبي  من معاملة صارمة لعلمه بمخاطرها على الجزائريين وتحررهم العقلي  والثورة على الاستعمار بيقظة العقل ...

و لم يكن الشيخ الطيب العقبي رائد الإصلاح وزعيم جمعية العلماء المصلح والاديب والعالم الديني الكبير بهذا  يعادي زوايا العلم والدين غير المغشوش فهما وتوظيفا بل كان يكافح معاقل فرنسا للخرافة والتخدير عبر فهوم فاسدة للدين ...

بل لو كان الشيخ العقبي يستهدف كل الزوايا الشريفة ما كان اول من استقدم وجلب وثائق ملكية  اوقاف "سيدي بومدين" بفلسطين القدس لما ذهب للمؤتمر الفلسطيني على راس وفد رفيع  وهي اوقاف يقال انها قرب باب المغاربة اظن...

 ويفترض ان تتحرك الجزائر اليوم في هذا الملف  المسكوت عنه لتحاكم الاستعمار الصهيوني وتطالب باوقاف سيدي بومدين التي لا نعلم عنها الشيء الكثير وسأعاود الى هذا الملف وغيره في مواطن أخرى لبمزيد من التفصيل ..

2565 الطيب العقبي

صورة الشيخ الطيب العقبي

رائد الإصلاح في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

حمزة بلحاج صالح

 

 

 

2564 سعدي يوسف 1برحيل الشاعر الفذ (سعدي يوسف)؛ يكون الشعر العراقي والعربي والعالمي قد خسروا واحداً من أكبر وأهم قاماتهم ورموزهم وايقوناتهم الذهبية.

لقد قال سعدي يوسف في واحدة من قصائده المهمة:

{كلُّ الأَغاني إنتهتْ

إلّا أَغاني الناسْ

والصوتُ لو يُشْترى

ماتشتريه الناسْ

عَمْداً نسيتُ الذي

بيني وبين الناسْ

منهُمْ أَنا مثلُهم

والصوتُ منهم عادْ

**

والليلَ بُتْنا هُنا

والصبحَ في بغدادْ}

* أيها الأخضر إبن يوسف:

يا فينيق الشعر والحياة والرفض

والمنافي والاحتجاج والمغامرات

الحياتية والشعرية والجمالية ؛

أنا لاأَرثيك ... ولا أَبكيكَ

حيثُ أَنَّ المراثي لاتليق

بشاعر عظيم هو أَنتَ

إنَّكَ ستبقى حاضراً وخالداً في قلوبنا

وارواحنا وذاكراتنا ابداً .

* أبو حيدر: المعلم والأب والاخ والصديق

نَمْ ساطعاً ورائعاً وناصعاً

ونَمْ هنياً وبهياً وأَبياً ونقياً

وعلى روحك السلام.

2564 سعدي يوسف 2

* (سعدي يوسف سيرة مُكثَّفة)

سعدي يوسف: شاعر ومُترجم وقاص عراقي

وُلد في البصرة وتحديداً في ابي الخصيب عام 1934

تخرج من دار المعلمين العالي ببغداد 1954

عمل في التدريس والصحافة

غادر العراق في السبعينيات واقام في العديد من المنافي والمغتربات ... ومنها لبنان وسوريا والجزائر والاردن وكندا .. وفي ربيع القرن الأخير اصبحت لندن مقر اقامته الدائم .

نال العديد من الجوائز في الشعر

ونذكرُ منها:

جائزة سلطان بن علي العويس، وقد سُحبتْ منه لاحقاً

الجائزة الإيطالية العالمية

جائزة كافافي من الجمعية الهلّينية

جائزة فيرونيا الإيطالية لأفضل مؤلفٍ أجنبيّ

حصل على جائزة المتروبولس في مونتريال في كندا

وهكذا انتهت رحلة الالف ميل لواحد من اعظم شعراء

العصر الحديث .

2564 سعدي يوسف 3* ببلوغرافيا: الشعر والترجمة والقصة والمقالات:

الشعر:

1- القرصان (1952) – مطبعة البصري - بغداد

2- أغنيات ليست للآخرين (1955)- مطبعة الأديب - البصرة

3- 51 قصيدة (1959)- بغداد – بمساعدة من وزارة التـربيـة

4- النجم والرماد (1960)- مطبعة اتحادالأدباء

5- قصائد مرئية (1965)- المطبعة العصرية – صيدا

6- بعيداً عن السماء الاولى (1970)- دار الآداب – بيروت

7- نهايات الشمال الإفريقي (1972) – دار العودة - بيروت

8- الاخضر بن يوسف ومشاغله(1972)- مطبعة الأديب - بغداد

9- تحت جدارية فائق حسن (1974)- دار الفارابي - بيروت

10- الليالي كلها (1976)- مطبعة الأديب - بغداد

11- الساعة الاخيرة (1977)- دار الآداب - بيروت

12- كيف كتب الاخضر بن يوسف قصيدته الجديدة (1977)- دار الآداب

13- قصائد اقل صمتاً (1979)- دار الفارابي - بيروت

14- الاعمال الشعرية (1980)- دار الفارابي بيروت

15- من يعرف الوردة (1981)- دار ابن رشد - بيروت

16- يوميات الجنوب يوميات الجنون (1981)- دار ابن رشد - بيروت

17- مريم تأتي (1983)- دار حوار - اللاذقية

18- الينبوع (1983)- دار الهمداني - عدن

19- خذ وردة الثلج، خذ القيراونية (1987)- بيروت – دار الكلمة

20- محاولات (1990)- دار الآداب

21- قصائد باريس، شجر ايثاكا (1992)- دار الجمل - ألمانيا

22- جنة المنسيات (1993)- دار الجديد - بيروت

23- الوحيد يستيقظ (1993)- بيروت- المؤسسة العربية للدراسات والنشر

24- ايروتيكا (1994)- دار المدى – دمشق

25- كل حانات العالم (1995)- المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت

26- الأعمال الشعرية - ثلاثة مجلدات- (1995)- دار المدى – دمشق

27- قصائد ساذجة - 1996- دار المدى - دمشق

28- قصائد العاصمة القديمة (2001)- دار المدى

29- اربع حركات – قصائد مختارة- (1996)- قصور الثقافة - القاهرة

30- حانة القرد المفكر (1997)- دار النهار - بيروت

31- يوميات اسير القلعة (2000)- دار المدى

32- حياة صريحة (2001) – دار المدى

33- الأعمال الشعرية (أربعة مجلدات) – 2002 – دار المدى – دمشق

34- الخطوة الخامسة (المجلد الخامس من الأعمال الشعرية) – 2003 – دار المدى

35- صلاة الوثـني – دار نينوى – دمشق – 2004

36- حفيد امريء القيس - دار المدى – دمشق- 2006

37- مختاراتي – دار آفاق – القاهرة – 2007

38- الشيوعيّ الأخير يدخل الجنّة – دار توبقال – الدار البيضاء - 2007

دار المدى – دمشق - 2007

39- أغنية صياد السمك وقصائد نيويورك – دار آفاق – القاهرة 2008

40- قصائد الحديقة العامة – دار الجمل – بيروت 2009

41- الأعمال الشعرية (المجلد السادس) – دار الجمل – بيروت 2009

42- الديوان الإيطاليّ – دار الجمل – بيروت – بغداد 2010

43- في البراري حيث البرق – دار الجمل- لا بيروت- بغداد 2010

2564 سعدي يوسف 4{الشعر مترجم صادر في هيأة كتاب}

1- أوراق العشب – والت ويتمان (1979)- دار ابن رشد - بيروت

2- وداعاً للإسكندرية التي تفقدها – كافافي (1979)- دار الفارابي – بيروت

3- إيماءات - يانيس ريستوس (1979)- دار ابن رشد - بيروت

4- الأغاني وما بعدها – لوركا (1981)- دار ابن رشد

5- ديوان الأمير وحكاية فاطمة – غونار أكيلف (1981)- ابن رشد

6- شجرة ليمون في القلب – فاسكو بوبا (1981)- ابن رشد

7- سماء صافية - أونغاريتي (1981)- ابن رشد

8- قصائد – هولان (1981)- ابن رشد

9- باب سيوه وقصائد أخرى - توم لامونت (2001)- ألِف – القاهرة

10- حليب مراق – سارة ماغواير – دار المدى (2003) - دمشق

{ترجمات أخرى}

1- تويجات الدم – (رواية) - نغوجي واثيونغو (1982)- دار ابن رشد

2- الحوالة - (رواية) – عثمان سمبين (1983)- مؤسسة الأبحاث العربية- بيروت

3- زمن القتلة - (مقالة عن رامبو) – هنري ميللر (1979)- المؤسسة العربية - بيروت

4- تصفية استعمار العقل - (دراسة) - نغوجي واثيونغو (1985)- مؤسسة الأبحاث العربية - بيروت

5- المفسّرون – (رواية) – وولي سوينكا (1986)- مؤسسة الأبحاث العربية - بيروت

6- الشمس الثالثة عشرة – (رواية)- دانياتشو ووركو (1985)- مؤسسة الأبحاث العربية - بيروت

7- خرائط – (رواية)- نور الدين فراح (1987)- الهيئة المصرية العامة للكتاب

8- حياة متخيلة –(رواية)- ديفيد معلوف (1996)- دار المدى

9- ملعبة طفل – (رواية) – ديفيد معلوف (1998)- دار المدى

10- الصرخة الصامتة – (رواية) – كينزابورو اوي (1999)- دار المدى

11- متشرداً في باريس ولندن – (رواية)- جورج اورويل (1998)- دار المدى

12- باراباس _ (رواية) _ بار لاغركفيست – دار المدى

13- الأمير الصغير – أنطوان دو سانت إكســوبري – 2002- دار المدى

14- في بلادٍ حُـرّة – ف0س0 نايبول – 2002- دار المدى

{أعمال قصصية ونثرية ومسرحية}

1- نافذة في المنزل المغربي – قصص قصيرة (1974)- مطبعة الأديب - بغداد

2- سماء تحت راية فلسطينية- يوميات (1983)- ابن رشد - بيروت

3- يوميات المنفى الأخير (1984)- دار الهمداني - عدن

4- أفكار بصوت هادئ – مقالات (1987)- مؤسسة الأبحاث العربية - بيروت

5- عندما في الأعالي – مسرحية (1989)- دار الآداب - بيروت

6- مثلث الدائرة – رواية (1994)- دار المدى

7- خطوات الكنغر – يوميات ومقالات (1997)- دار المدى

8- يوميات الأذى – (2005) – دمشق – دار نينوى

9- يوميات ما بعد الأذى – 2007 – دمشق – دار نينوى

{أعمال باللغة الإنجليزية}

Troubled Waters (poems) –Beirut 1995

Without an Alphabet، without a face- Minnesota 2002

{أعمال باللغة الفرنسية}

Loin du Premier Ciel - Anthologie

Sindbad – Actes sud (1999)

{أعمال باللغة الألمانية}

Fern vom ersten Himmel- Verlag Hans Shiller، Berlin 2004

{أعمال باللغة الإيطالية}

I giardini dell' oblio- De Angelis Editore، Roma 2004

{مختارات من شعر سعدي يوسف}

نظرة جانبية

"حين تنظرُ عبرَ الزجاجِ المواربِ نظرتَكَ الجانبيةَ

تبصر أن الغيومَ ارتدتْ ورقاً من غصونٍ زجاجيّــةٍ …

هل تمادى الرذاذُ على مَسكن النملِ؟

هل هجستْ سـلّـةُ الزهرِ سنجابَـها يترجّـحُ؟

هل كنتُ أهذي بأسماءِ مَن رحلتْ أمسِ

تاركةً مخدعي بارداً يتنفّسُ؟

كان القطارْ

مسرعاً بين قُصوى محطّــاتهِ والمطار …

انتبهتُ إلى أنني لم أكن في دمشقَ؛

ولا أنا في القاهرةْ

وانتبهتُ إلى أن أمطارَ آبٍ حقيقيّــةٌ

مثلَ ما أنني جالسٌ لِصقَ نافذةٍ …

أسمعُ الآنَ صوتَ الرذاذِ الذي صار في لحظةٍ مطراً

أسمعُ الطائراتِ …

الصواريخُ تنقضُّ

إني أُقِــيمُ الصّــلاة".

**

2564 سعدي يوسف 5قصيدة مريم تأتي / سعدي يوسف

- 1-

وللحظةٍ غمرتْكَ بالقبلاتِ

ثم نأت متوجةً بخوصٍ أبيضٍ .

في أي نهرٍ سوف تنغمس الأناملُ؟

أي ماءٍ سوف يبتلّ القميصُ بهِ؟

وأيةُ نخلةٍ ستكون مُتّكأً؟

وهل يَسَّاقطُ الرُطَبُ الجَنِيّ؟

أكان جذعُ النخلةِ المهتزُّ أقصى ما تحاول مريمُ؟

الأشجارُ موسيقى،

وهذي الشقة البيضاءُ في بيروت ما زالت أمام البحرِ

تخفق في البعيد مدينة مائية أخرى

وألمحُ وجه جَدّي: زرقةَ العينين، والكوفية الحمراءَ

ألمحُ في الحواجز وجهَ مريمَ،

في المحاور خطوةَ الملكِ المتوّجِ بالقذيفةِ

يدخل الرومانُ منتظمين كردوساً،

وقوميون يقتتلون في الدكانِ .

مريمُ في مدينتها،

وأنت تراقب الطرقَ البعيدة: هل تجيءُ اليومَ؟

كانت عند مزبلة الرصيفِ

وأوقدتْ نيرانَها،

ومضتْ متوجةً بأدخنةٍ،

تباركت المدينةْ .

لهفي عليكَ وأنتَ مشتعلُ

في الليلِ خلف الساترِ الرملِ

هل كان ينبض دونك الأملُ

أم كان يخفق منتأى الخيلِ؟

كلما جئتُ بيتاً تذكرتُ بيتا

كلما كنتُ حيّاً تناسيتُ ميْتا

غير أن الذي جئتُهُ

غير ان الذي كنتُهُ

لم يعدْ لي

لم يعدْ غيرَ ظِلّ

وليكنْ !

إن ظلاً يصيرْ

خيرُ ما يُرتجى في ظلام المسيرْ

- 2 -

لو كنتُ أعرفُ أين مريمُ

لا تَّبعتُ النجمَ نحو بلادها،

لكنّ مريمَ خلّفتني في المتاهة منذُ أن رحلتْ

وقالت: سوف تلقاني إذا أحببتَني .

في الرمل أبحثُ عن أناملها

وفي أطلال "عينِ الحلوةِ" السوداءِ عن عينينِ،

في باب "الوكالة" أسألُ الشبّانَ: هل مرّتْ؟

وبين صحيفةٍ وصحيفةٍ أتسقّطُ الأنباءَ

في المذياع، أمس، سمعتُ صوتاً: صوتَ مريمَ؟

أم تراها تسكن الطلقاتِ

بين الليلكيّ وبين حيّ السلّمِ المنخوبِ؟

بيروتُ التي استندتْ الى أحجارها

فزّتْ كطير البحرِ،

والعشاقُ يمتشقون رشاشاتهم

والبحرُ يهدأُ

ينصتُ الأطفالُ للصوتِ المباغتِ ...

في البعيد حرائق "،

والطائراتُ تدورُ في أفقٍ رصاصيٍّ

لكِ العشاقُ والطلقاتُ ... مريمُ

تدخلين، إذن؟

تعالي ...

هذا الفضاءُ نظلُّ نطرقهُ

حتى نرى في الوحشةِ العَلَما

حتى يدور الطيرُ نُطلِقُهُ

نحو النجومِ ليطلق القَسَما

في البراري فلسطينُ، في قبّراتِ المخابيءْ

في الرصاص الكثيفِ

وفي صيحةِ الراجمةْ

في الأغاني فلسطين، في الخصلة الفاحمة

في قميص الشهيدْ

في حديدٍ يردّ الحديدْ

في يدٍ

في زنادْ

في اقتراب البلادْ

- 3-

ها نحن، مريمُ، نرسمُ الطرقاتِ في الليلِ الملبّدِ

نرصدُ الطلقاتِ تتبعنا

ونقفز مثل عصفورين مذعورين بين قذيفةٍ وقذيفةٍ

ها نحن، مريمُ، نهبط الدرجاتِ نحو الملجأ الليلي،

نحصي الطائراتِ مغيرةً

ونقولُ: آمَنّا ...

ونمشي، خلسةً، للبحرِ

نجلس خلف أكياس الترابِ

ونرقب الأمواجَ تهدرُ، والشبابَ مقاتلينَ ...

ثيابُهم مخضّرة" كالصخر عند شواطيء المتوسطِ

انتظري قليلاً، كي نقول لهم: سلاماً

كي نباركَ بالدموع سلاحَهم

كي نمسحَ الخصلاتِ بالماءِ القليلِ

ونمضغَ الخبزَ المجفف صامتينَ ...

ومريم، المرآةُ والرؤيا،

بشارةُ أن نموتَ ممجّدينَ

وأن نعيشَ كما يعيش الرفقةُ البسطاءُ

مريمُ تسكنُ الميلادَ

تسكن في الدم العربيّ

نتبعها، وتتبعنا

ولكنا، هنا، في قسوةِ اللحظاتِ

ننسج من عباءتها هويتَنا

وندخلُ في القيامةْ

في الموقع الحجريّ رايتُنا

مغروزة في وقفةِ الزمنِ

سنظل نغرزها ونغرزها

حتى نفجّرَ نبعةَ الوطنِ

وليكنْ ما يكونْ

وليكنْ أن يجيء الجنونْ

وليكنْ ...

إننا القادمونْ

**

قصيدة: صلاة الوثني

إلى عبدالرحمن منيف

يا رَبَّ النهرِ، لكَ الحمدُ:

امْنَحْني نِعْمةَ أن أدخلَ في الماءِ …

لقد جفَّ دمي

ونشِفتُ؛ قميصي رملٌ، وشفاهي خشبٌ

حتى حُلمي صار طوافاً في مَذأبةٍ صفراءَ …

امنَحْني، ياربَّ النهرِ

كِساءَ النهرِ،

لكَ الشكرُ

لكَ الحمدُ

فمَنْ لي غيرُكَ، يا عارفَ سِرِّ الماءْ؟

…………...

……………

……………

يا ربَّ الطيرِ، لكَ الحمدُ:

امنَحْني أنْ أتَقرّى بين يديكَ جناحَ الطيرِ

امنحْني نِعمةَ أن أعرفَ نبضَ قوادمِهِ وخوافيهِ

وأنْ أدخلَ فيهِ …

لقد أُوثِقْتُ، سنينَ، إلى هذي الصخرةِ، يا ربَّ الطيرِ:

أدِبُّ دبيباً

وأرى كلَّ خلائقِكَ ارتفعتْ نحوَكَ تحملُها أجنحةٌ

إلآّيَ …

امنَحْني، يا ربَّ الطيرِ، جناحينِ !

لكَ الشّكر …

……………

……………

……………

يا ربَّ النخلِ، لكَ الحمدُ:

امنَحْني، يا ربَّ النخلِ، رضاكَ، وعفوَكَ:

إني أُبصِرُ حولي قاماتٍ تتقاصَرُ

أُبصرُ حولي أمْطاءً تَحدودِبُ،

أُبصرُ من كانوا يمشونَ على قدمينِ انقلبوا حيّاتٍ تسعى …

يا ربَّ النخلِ، رضاكَ وعفوَكَ

لا تتركْني في هذي المحنةِ

أرجوكَ !

امنَحْني، يا ربَّ النخلةِ

قامةَ نخلةْ …

**

قصيدة: أكثر من ذكرى، أقل من ذاكرة

يا أرضنا المشتراة المباعةَ، والمشتراةَ المباعةَ، ثانيةً

أنتِ، يا وجه مَن يتذكّر منّا تواريخَ ميلادهِ:

بعُدنا عن النخلِ ...

لكنّ الناس كثيرو النسيان، هذه الأيام، بل كاد النسيان يغدو وباءً، حتى صار المرء يُحاذر ويتّقي خشية أن تصيبه العدوى، وما أدراك ما العدوى!

أمّا أنا فلا أخشى على نفسي من نفسي، أعني أنني لا أستطيع أن أنسى تاريخ ميلادي ...

صحيحٌ أنني أجهلُ اليوم، والشهر أيضاً (وهو أمرٌ كان سائداً في قديم الزمان)، إلا أنني أعرف العام جيِّداً،وهو العامُ الرابع والثلاثون بعد تسعمائةٍ وألف . بالتأكيد أنا لم أسعَ كي يتطابق هذا العامُ مع تاريخ التأسيس العجيب للحزب الشيوعي العراقي، لكنّ

العراقي فتوّةً وشباباً .

قد يقول قائلٌ: ولماذا مضيتَ في هذه الحماقةِ حتى الآن؟ أليس العالَمُ مسالك ودروباً؟ ألم يخطر لك أن تختار سبيلاً تمضي فيه، ولو إلى حين؟

ولسوف أقول لهذا السيد القائل:

الشيوعية ليست حزباً . الشيوعية فلسفةٌ وموسيقى .

إنها إطلالةٌ جذريّةٌ على الكون، ومسعىً لهندسة جماله، من أجلِ فقراء الكون ومعذَّبيهِ . وأنا ماضٍ معها لأنني مقتنعٌ بفلسفتها، ومحبٌّ لموسيقاها الكونيةِ .

وما دام في العراق حزبٌ شيوعيٌّ فأنا معه.

الأمر بهذه البساطة . وأنا امرؤٌ بسيطٌ .

وإن كان للناس أبراجهم، كما تنشر المجلاتُ، فأنا لي بُرجي أيضاً:

البرج

كلّما ضقتُ بالسهل ِ، واجَهني عالياً ...

كان صخرُ الجبالِ القريبةِ ينمو عليه، وتنمو على الصخرِ أعشابُهُ ...

كان برجاً قديما.

منه أُبصرُ حتىالقلاعَ مُوطّأةً، والسماءَ التي يحتويها سديما

كان بُرجاً قديما

مائلاً لليسار قليلاً، ومنهدمَ البابِ

يدخله الصاعدون

ويخرج منه الذين يرون النجومَ القريبة.

ولقد يأخذُ السائحون

في حقائبهم بعضَ أحجارهِ ...

للمَعارضِ والكتبِ والمدنِ المستريبة.

وهو يسخر، في صمته، عالياً ...

مُشرِعاً بابَه المنهدم

مائلاً لليسار قليلا

ماثلاً في المعارضِ والكتب والمدن المستريبةِ هَمّاً مُقيما

كان بُرجاً قديما...

**

قصيدة: إذاً خُذْها عند البحر

قد جاءتكَ، متوَّجةً، فارعةً

متهلِّلةً

وعلى مَفرِقِها النجمُ القُطبيُّ …

مزركشةً

أغصاناً وغلائلَ، دوحةَ ميلادٍ، في لحظةِ ميلادٍ

ستدقُّ البابَ، لينفتحَ البابُ ؛

أتأخذُها في أدنى السُّلَّمِ

منتصبَينِ وملتصقَينِ

كصندوقِ كمانٍ …

أَمْ تُمهِلُها كي ترقى السُّلَّمَ ذا الدّرْجاتِ السَّبعِ؟

تفكِّرُ أنتَ:

المَمشى بين نهايةِ هذا السلَّمِ والغرفةِ

أطولُ من أن تتحمّلَهُ

من أن تصبرَ …

هل تأخذها في المَمشى؟

هل تهصرُها لِصقَ الحائطِ؟

لكنْ ستفكِّرُ أنتَ:

لماذا لا تتبعُها حتى الغرفةِ

حتى متنفَّسِ ضَوعِ أراكٍ، ومَجَسِّ حريرِ أرائكَ …؟

سوف ترى شمساً بينكما

شمساً ومجرّةَ أقمارٍ

ونَثيثاً من طَلٍّ سرّيٍّ …

ولسوفَ تكونانِ سعيدَينِ ومرتجفَينِ ؛

……………….........

……………………..

…………………….

تفكِّرُ أنتَ:

ولكنّ بهاءً كبهاءِ الزائرةِ العُليا أقدسُ من أن يؤخَذَ

بين أراكٍ وأرائكَ …

إنّ بهاءً يستغرقُ كوناً لا يتحمّلُ ضِيقَ مكانٍ ؛

………………........

……………………

……………………

حسناً يا ولدي !

الآنَ تعلَّمتَ من الغائبِ شيئاً

وعرفتَ …

إذاً، خُذْها عندَ البحر

***

سعد جاسم

 

 

 

يسري عبد الغنينتذكرها... رحمك الله دكتوره ثريا لهي، الخلوقة الراقية عاشقة الاندلس العالمة الجليلة الراحلة الاستاذه الدكنوره ثريا لهي ..

شرفتني الأكاديمية والباحثة التراثية والمبدعة المغربية الراحلة الأستاذة الدكتورة / ثريا لهي (أول سيدة تحصل على درجة الدكتوراة في التراث الأندلسي من جامعة الرباط المغربية)، شرفتني بأن أهدتني مجموعة من مؤلفاتها القيمة، منها: كتابها (أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي .. حياته وآثاره) ذلك العالم الأندلسي الشهيد (565 هـ ـ 634 هـ)، صاحب المشاركات الواسعة في العلوم والمعارف والذي هو بمثابة موسوعة علمية متحركة، يضاف إلى ذلك أنه قدوة حسنة للعديد من العلماء في علمه وعمله وسلوكه وأخلاقه، وهذا الكتاب أصدرته وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمغرب بأمر من الملك / الحسن الثاني (رحمه الله)، كتاب يستحق القراءة والتأمل لأنه جهد متميز لباحثة جادة ..

كما أهدتني كتابها المحقق (جهد النصيح وحظ المنيح من مساجلة المعري في خطبة الفصيح) للعلامة / الكلاعي أيضًا، وفيه تكشف عن جانب من جوانب النشاط العلمي في الأندلس وهو اهتمام الأندلسيين بكتاب (الفصيح) لثعلب، والذي كان يدرس في الأندلس، ونشطت حوله حركة تأليف واسعة، عبر العصور التاريخية لهذه المنطقة من العالم الإسلامي، تمخضت عن ألوان من الإنتاجات الأدبية، اتخذت أشكالاً ثلاثة: الشرح والنظم والتأليف . وتعتبر رسالة (جهد النصيح) نموذجًا بلاغيًا عاليًا من نماذج النثر الفني الأندلسي في القرن الهجري السابع، وهو نثر يعتمد على السجع دون الإغراق فيه، وعلى المحسنات البديعية والبيانية دون الإغراب فيها، ويبتعد عن الأساليب التي أغرقت النثر في كثير من الصنعة، والتي عرفها هذا القرن على يد من المترسلين أمثال ابن الأبار وأبي المطرف بن عميرة، وابن الجنان وغيرهم .. هذا التحقيق يعد نموذجًا حقيقيًا يلتزم بأصول البحث العلمي وقواعد التحقيق التراثي، ومن الأهمية بمكان اطلاع أهل البحث عليه، والاستفادة منه ..

 وعن ابن حزم الأندلسي الفقيه المستنير بمنهجه ومعارفه أهدتني دراستها (أبو محمد علي ابن حزم الظاهري ـ جوانب ذاتية من شعره) دراسة رائعة تكشف لنا عن شاعرية هذا الرجل الذي كان بحق مثالاً للعلم والمعرفة والإبداع . وفي مجال تحقيق التراث المغربي الأندلسي، أهدتني دراستها وتحقيقها لرسالة (نكتة الأمثال ونفتة السحر الحلال ـ للكلاعي)، حيث تناولت سبب تسمية الرسالة، ومصادر المؤلف ومنهجه، رسالة جادة تكشف عن أمور عديدة في تاريخ التراث الأندلسي يجب أن نتنبه إليها، وكان جهد الباحثة في هذه الرسالة واضحًا جادًا متميزًا . وعن الحضارة الإسلامية في الأندلس ومظاهر التسامح، أهدتني دراستها الرائعة المهمة في أيامنا هذه والتي عنوانها (التسامح الديني والعلاقات الإنسانية من خلال استقراء النصوص الأدبية: شعرية ونثرية)، وأعتقد أن هذه الدراسة جديدة في بابها، وجاءت في وقتها المناسب ..

 وأهدتني الدكتورة ثريا كتابين هما (من شرفة لارفييرا: ولادة وابن زيدون .. الحقيقة والسراب) و (من شرفة لارفييرا: ابن تاشفين وابن عباد ... الحقيقة والسراب / الجزء الثاني)، وهو مزج جاد ومتميز بين سيرتها الذاتية والتاريخ الأندلسي الأدبي بالذات، لكاتبة تمتلك أدواتها العلمية والأدبية، دافعت عن هذا التاريخ المجيد، وصححت العديد من المفاهيم والرؤى التي كان يرددها البعض دون وعي أو فهم عن الأدب الأندلسي وأعلامه ... وكذلك أهدتني روايتها (محطات في حياة امرأة ـ في جزئين) وهو مشروع روائي مهم، أضافت فيه الكثير إلى فن مزج السيرة الذاتية بالسرد الروائي ... تحية للباحثة والمبدعة الدكتورة / ثريا لهي، آملاً في الكتابة التفصيلية عن أعمالها الرائعة، وذلك بالطبع إذا كان في العمر بقية ...رحم الله الصديقة النبيلة الدكتوره ثريا لهي وأسكنها فسيح جناته.

 

بقلم:د. يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغنيصنع الله إبراهيم، روائي مصري وكاتب قصص قصيرة. عرف بتوجهه اليساري وانعكس هذا على كتاباته.  هو أحد أكبر الروائيين المصريين الذين ارتبطت أسماؤهم بالثقافة والسياسة وأحد أفضل أدباء الستينات وأكثرهم إثارة للجدل؛ تميزت كتاباته دائمًا بالسياسة وحياته الشخصية.

وُلِدَ صُنع الله إبراهيم في 1937 ودرس الحقوق قبل أن يتجه للأدب؛ كان كذلك يساريًا فاعتقل في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لمدة خمسة أعوام (1964-1959).

من أشهر وراياته “اللجنة” التي هجا فيها سياسة الانفتاح في عهد السادات ورواية “بيروت بيروت” التي تناول فيها الحرب الأهلية في لبنان ورواية “67” التي كتبها بعد نكسة 1967 ولكن لم تحظى بالنشر إلا بعدها ب45 عام! كذلك اعتبر اتحاد الكتاب العرب روايته “شرف” ثالث أفضل رواية عربية.

بدايات صُنع الله إبراهيم

وُلِدَ صُنع الله إبراهيم في العاصمة المصرية القاهرة عام 1937 لأب كثير التنقل وسماه اسمًا من أغرب الأسماء المصرية والذي سبب له الكثير من المشاكل، ويقول عن سبب تسميته بهذا الاسم: "عند ولادتي كان والدي يبلغ الستين من العمر وقام بصلاة استخارة ثمّ فتح المصحف فوضع أصابعه على كلمة (صُنع الله الذي أحسن كل ّشيءٍ خلقه)، ومن هنا تمت تسميتي بصُنع الله، ولكن هذا سبّب لي مشاكل كثيرة عندما كنتُ في المدرسة لأنه كان اسمًا غريبًا، وكان دائمًا مثار فكاهة للناس، أذكر أنَّ المدرس كان يقول لي (صُنع الله؟ ما كُلنا صُنع الله)".

كان لوالده وجده أثرًا كبيرًا على شخصيته حيث زوداه بالكتب والقصص للاطلاع فبدأت شخصيته الأدبية في التكون من الصغر. ولد صنع الله في زمن استقرار نسبي رغم وجود الاحتلال البريطاني وعايش في شبابه مرحلة النهضة التي أعقبت الاستعمار مع ارتفاع الآمال في الديموقراطية والعدالة الاجتماعية. بدأ أولًا في تلك الفترة دراسة الحقوق لكن سرعان ما انصرف عنها إلى الصحافة والسياسة.

انتمى صُنع الله للمنظمة الشيوعية اليسارية "الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني" المعروفة اختصارًا باسم (حدتو) فاعتقل في شبابه عام 1959 ضمن الحملة التي شنها جمال عبد الناصر على الشيوعين والماركسيين وقضى في السجن خمسة أعوام حتى 1964 (من سن الثانية والعشرين حتى السابعة والعشرين)؛ رافق تلك الفترة تعذيب وأشغال شاقة وكانت أهم تجاربه في الحياة حيث تعلم المعنى الحقيقي للعدالة والتقدم وحب البلاد كما أنشأ العديد من الصداقات وبين كتاب مثل كمال القلش وعبد الحكيم قاسم وغيرهم.

رغم اعتقال عبد الناصر له فإنه لا يزال يكن له الحب والاحترام ويعترف بإيجابياته الكثيرة مثل تأسيسه للمساواة الاجتماعية، وكان كذلك كثير الانتقاد للتيار اليساري.

بعد الخروج من السجن اشتغل في الصحافة لدى وكالة الأنباء المصرية (مينا) عام 1967، وبعدها ذهب إلى برلين الشرقية وعمل لدى وكالة الأنباء الألمانية (أ.د.ن) التابعة لجمهورية ألمانيا الديمقراطية من 1968 حتى 1971.

بعد ذلك اتجه إلى موسكو وقضى فيها ثلاث سنوات عمل خلالها على صناعة الأفلام لدراسته هناك علم التصوير السينمائي ليقرر عندها نيته على العمل في الكلمة المكتوبة. عاد إلى القاهرة عام 1974 في عهد الرئيس الراحل السادات وعمل لدى دار نشر قبل أن يتجه للكتابة الحرة كليًا عام 1975.

إنجازات صُنع الله إبراهيم

تتميز أعمال صُنع الله بحبكة السرد والحكي والتشابك فيحتاج القارئ للتركيز في رواياته حتى لا يتشتت أو تتوه الأحداث منه. كانت أول رواياته "تلك الرائحة" عام 1966 ووصف فيها تجربته في السجن وفترة ما بعد الخروج، لكن لم تنشر الرواية كاملة حيث تم مصادرتها لعشرين عام حتى عام 1986 وعندها تم نشرها كاملة لأول مرة بنصوصها الأصلية.

جاء بعد ذلك كتاب "إنسان السد العالي" عام 1967 الذي ولدت فكرته في المعتقل كلٍ مع كمال القلش ورؤوف مسعد الذين خرجوا من المعتقل تباعًا عام 1964 وذهبوا في مغامرة إلى أسوان بعد أن قسّموا العمل فيما بينهم، وأتبع هذا الكتاب بدراسة اسمها "حدود حرية التغيير" عام 1973.

ثاني أعماله الروائية كانت "نجمة أغسطس" عام 1974 وكانت واحدة من علامات التجديد في الرواية العربية والفن الروائي بصفة عامة وكان موضوعها الرئيسي هو المشروع الوطني السد العالي وكانت بمثابة شهادة على العصر والحدث. كانت الرواية الثالثة "اللجنة" التي صدرت عام 1981 وأثارت جدلًا واسعًا لانتقادها اللاذع لسياسة الانفتاح في عهد السادات.

توالت أعماله الأدبية بعد ذلك فأصدر رواية "يوم عادت المملكة القديمة" عام 1982 ونالت أفضل رواية لهذا العام من المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم، ثم في العام نفسه أصدر "اليرقات في دائرة مستمرة" وكذلك "عندما جلست العنكبوت تنتظر" وأيضًا "الدلفين يأتي عند الغروب" حيث كان وكان غزير الإنتاج حقًا. في عام 1983 أصدر رواية " الحياة والموت في بحر ملون" ثم رواية "بيروت بيروت" عام 1984 التي جسد فيه.

الحرب الأهلية في لبنان، وبعد ذلك رواية "ذات" عام 1992 التي تحولت حديثًا إلى مسلسل تلفزيوني في 2013 من بطولة نيللي كريم.

وفي 1997 صدر له رواية "شرف" التي تعتبر أحد أفضل أعماله وهي من أدب السجون ووضعت في المرتبة الثالثة في ترتيب أفضل 100 رواية عربية وتدور حول "أشرف" أو "شرف" الشاب المدلل الذي تنقلب حياته رأسًا على عقب بعد أن يقتل "خواجة" حاول هتك عرضه فيدخل السجن لينتقل إلى عالم جديد ويرى فضائح القانون وفساده وينغمس في وحل قصص واقعية من انتهاك للعدالة والتجارة في المخدرات؛ أثارت تلك الرواية جدلًا كبيرًا بعد أن صدرت في مارس 1997 بأن اتهمه الكاتب فتحي فضل بسرقة مذكراته التي نشرها عام 1993 في كتاب السيرة الذاتية "الزنزانة" بعد أن لاحظ فتحي فضل تشابهًا كبيرًا في الأحداث والمواقف وتطابقي حرفي بينهما وصل إلى 42 نصًا! كان رد فعل صُنع الله على هذا الاتهام واضحًا حيث اعترف بقراءته لكتاب الزنزانة فعلًا قبل كتابة روايته ولكن لم يقصد السرقة، كم أن الزنزانة كان سيرة ذاتية وليس رواية كما قال.

من أعماله الأخرى الجميلة رواية "وردة" الصادرة عام 2000 وتدور في فترة التسعينات في سلطنة عمان وجبهة التحرير هناك، وكذلك رواية "أمريكانلي" الصادرة عام 2003 واسمها المبتكر الذي يمكن أن تقرأه "أمري كان لي" أو نسبةً إلى أمريكا حيث تدور الرواية عن أستاذ تاريخ مصري في جامعة أمريكية، ويتناول الكاتب فيها تاريخ البلدين. صدر له بعد ذلك "التلصص" عام 2007 ثم "العمامة والقبعة" عام 2008 وكتاب " القانون الفرنسي" في العام نفسه.

وفي أعقاب نكسة 1967 كتب صُنع الله إبراهيم رواية "1967" ولم يقدر على نشرها وقتها لشدة جرأتها وتعتبر الجزء الثاني من رواية "تلك الرائحة"؛ تتألف الرواية من اثني عشر فصلًا كل فصل فيها يمثل شهرًا من شهور عام 1967 موضحًا أسباب ما جرى ومقدمات الهزيمة، كما أنه كذلك كتب سيناريو يجمع تلك الرائحة و1967 معًا لينتج فيلمًا من إخراج سمير نصري، وقرأنا أنه ينوي كذلك تحويل رواية اللجنة هي الأخرى لفيلم من بطولة أحمد الفيشاوي وإخراج رامي  النجار.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

2521 جواد عليالدكتور جواد علي –1907 -1987

ولد في بغداد الكاظمية عام 1907 ودرس فيها الابتدائية والثانوية ثم درس في كلية جامع الامام الاعظم ابو حنيفة في بغداد بعدها درس في دار المعلمين (كلية التربية لاحقا) ثم رشح لبعثة دراسية الى المانيا وحصل على شهادة الدكتوراة في اطروحته (الامام المهدي والسفراء الاربعة) ولكنه لم يترجمها الى العربي ويقال انها لازالت الى اليوم غير مترجمة، وهناك من يضع علامات استفهام كثيرة حول هذا الموضوع . ربما ان جواد لا يريد ان يدخل في مسألة الاختلاف في المذاهب حول عقيدة الامام المهدي او انه اكتشف اشياء خلال بحثه لا ترضي كل الاطراف . وعندما سألوه الى اي المذاهب ينتمي قال انه (ينتمي للعروبة والاسلام والحضارة الاسلامية بلا مذاهب) وهذا ما رقص له الاعلام المصري وعدوه من عظماء المؤرخين العرب ... على اية حال يبقى جواد علي علما وقامة علمية عراقية بغض النظر عن كونه من هذا المذهب او ذاك .

مكانته عند العرب

يعتبر جواد من قمم المؤرخين العرب المعاصرين ومرجعا علميا اساسيا للباحثين الغربيين والعرب وكان رجلا اثريا حيث التقى بعلماء الآثار وتعلم منهم منهجية البحث العلمي والترجمة والقراءة للنصوص القديمة . وهو اول باحث ومؤرخ لم يعتمد على الاقوال والروايات والكتابات القديمة بل اتبع طريقة جديدة وذلك من خلال الاثار والنقوش القديمة لتكون سندا علميا لابحاثه . وكان كثير السفر للبحث عن المصادر والآثار كما كان يرجع الى الموروث الشعبي الى اللهجات الشعبية العربية القديمة ويستفيد منها لان لها عمق تاريخي اصيل في مسالة النحو والصرف تمتد الى اللغات الاكدية والنبطية ..

وقد نبغ جواد علي في سن مبكر حيث كلفته وزارة المعارف عام 1927 بتأليف كتاب - التاريخ العام- وكان عمره يومذاك اقل من عشرين سنة، كما كلفه عبد الكريم قاسم بكتابة موضوعا عن فلسطين فانجزه وقدمه له، ثم طرح عليه عبد الكريم شغل سفير للعراق في الخارج فرفض ..

من اهم كتبه (تاريخ العرب قبل الاسلام) 1936، ويتكون من عشرة اجزاء ثم اظيف اليها بعد ذلك مجلدين واطلق عليها اسم (المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام) وقد اطلعت على هذه الموسوعة العلمية وكانت احد المصادر في كتابة رسالتي الدكتوراة في جامعة مدريد . ويعتبر هذا المنجز العلمي مفخرة العرب في التأليف ومرجعا علميا للجميع لا يضاهيه غيره من الكتب العربية والاجنبية على الاطلاق ويشهد على ذلك المراكز العلمية في الوطن العربي . وقد شاهدت برامج علمية مصرية تتحدث عن مكانته العلمية ومنهجيته في الكتابة والبحث وانه مرجعا فريدا لتاريخ العرب قبل وبعد الاسلام .

وكانت بحوث جواد شاملة لا يترك شاردة ولا واردة الا ودونها واحصاها وكان دقيق المعلومة، وربما تعلم تلك المنهجية من خلال دراسته في المانيا . وقد اشار في دراساته عن الاصنام عند العرب من ان العرب اتخذتها للعبادة لانها مقربة من الله (ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى)، وان هذا الموروث الاجتماعي لازال موجودا عندنا في مسألة الاولياء وطلب الشفاعة منهم عند الله .

عندما رجع من المانيا الى العراق صادف قيام ثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 فانخرط في صفوفها ثم اعتقل وسجن في الفاو –البصرة – ثم خرج وليكون امين سر التاليف والترجمة في وزارة المعارف حيث كان نواة لقيام المجمع العلمي العراقي عام 1947، ثم عمل استاذا في كلية التربية في جامعة بغداد في الخمسينات، كما كان عضوا في الجمعية الاثرية الالمانية، وممثل العراق في عدة مؤتمرات دولية وحصل على عدة جوائز، كما عمل ايضا استاذا في جامعة هارفارد الامريكية . وفي عام 1972 احيل على التقاعد ... وكان جواد يخشى من الدعوات الى اعادة كتابة التاريخ من جديد في اطر ومفاهيم الحاضر، ويفضل ان يكتب التاريخ وفق عصره . ولا يجب اعادته حسب ميول وعواطف وسياسة هذا العصر كما يحدث للرواية الآن . وربما كان هذا الرأي متأثرا من خلال دراسته في كلية الامام الاعظم ابو حنيفة واتباع السلف الصالح واغلاق باب الاجتهاد ؟

و لكن اليوم نرى ان كتب ومؤلفات جواد علي قد اختفت من المكتبات العراقية والعربية ولا نعرف السبب والدوافع من وراء ذلك ؟؟ ربما يريدون ازاحة اثار ومنجزات هذا العلم العلمي الفريد واستبداله ببحوث فارغة متخلفة سطحية او مستمده مفاهيمها من الغرب، ؟؟ وهذا يشير الى ان هناك جهات تعمل على اغتيال المنجزات العلمية والمعارف الانسانية مثلما تغتالهم جسديا .. وقد وجدنا في التاريخ كثير من الكتب العلمية والفنية والتاريخية العربية قد اختفت تماما . ولم يبقى منها سواء الذكر .

سامي سعيد الاحمد – 1930 -2006

2523 سامي سعيد الاحمدكان الدكتور سامي ثروة ثقافية وتاريخية فريدة ووصفه احد الكتاب بانه جبل التاريخ الاشم . ولد عام 1930 في الحلة، وحصل على البكلوريوس من جامعة بغداد كلية الاداب قسم التاريخ، ثم سافر الى امريكا وحصل على شهادة الدكتوراة من جامعة ميتشيغن عام 1962، بعدها عاد الى العراق وعين استاذا في جامعة بغداد قسم التاريخ . له مؤلفات كثيرة يصل عددها حوالي 30 كتابا مطبوعا بالعربية والانكليزية في مجال التاريخ والآثار .. يذكر انه في صباه صحب والده الى زيارة متحف بغداد القديم حيث شاهد الآثار من تماثيل وثيران مجنحة والواح طينية وغيرها، وقد اثارت في نفسه هذا المشاهد تسائلات كثيرة عن مصير تلك الامم السحيقة مما زاده رغبة وولعا في القراءة والبحث عنها . ويذكر ان استاذه عبد الجليل جواد عندما كان في الاعدادية شجعه على دراسة التاريخ وان يسلك طريقا ومنهجية علمية في ذلك وليس قال فلان عن فلان، ومن ذلك الحين زرعت في ذهنه نبتت دراسة التاريخ والآثار . وبعد تخرجه من جامعة بغداد 1953 ذهب يدرس مادة التاريخ في النجف الاشرف والكوفة والهندية، كما اخذ ينشر مقالاته العلمية في جريدة صوت الفرات التي يشرف عليها صديقه علي القزويني . ثم سافر الى امريكا وحصل على شهادة الماجستير من جامعة شيكاغو عام 1957 والدكتوراة من جامعة ميشيغن عام 1952، ثم عين استاذا لمادة التاريخ في جامعة دنفر الامريكية من سنة 1963 الى 1967 .. بعدها عاد الى العراق وعين استاذا في جامعة بغداد لتدريس مادة التاريخ والاثار .

يذكر ان له علاقة صداقة مع المورخ الانكليزي المعروف اورنولد توينبي -1889-1975- حيث كانا يلتقيان دائما في المؤتمرات العلمية العالمية في اوربا . كما كان سامي يحث في بحوثه وتدريسه على دراسة التاريخ دراسة علمية وان يعطي لكل امه حقها التاريخي في العطاء والانجازات فما لليونان لليونانيين وما للرومان للرومانيين وما للمسلمين للمسلمين وهكذا، ولا يمكن اخذ انجازات الاخرين ونسبها لغيرهم، كما يفعل اليهود الذين ياخذون علوم ومعارف الاخرين وينسبونها لرجالهم، وكان يرى ان سبب سقوط الحضارات القديمة هو عامل اخلاقي وهو ما يوكد عليه عالم الاجتماع الانكليزي توينبي ومن قبله قالها ابن خلدون . وكان عندما يريد ان يكتب او يؤلف كتابا كان يسافر الى المواقع الاثرية والاماكن الجغرافية فعندا اراد ان يكتب عن الايزيدية ذهب الى مدنهم ومكث معهم عدة ايام .. وكان يدرس التاريخ ويضع امامه منهجية وحقول دراسية (فهرس) فهو اولا ينظر اليه كقصص وحكم ومتعة، ثانيا مرحلة العبرة من التاريخ، ثالثا كيفة دراسة التاريخ ضمن منهجية وكيف ايصالها الى الطالب او المتلقي او القارئ، رابعا دراسة التاريخ من جميع الجوانب، خامسا تفسير ذلك التاريخ ضمن رؤية جديدة معاصرة واعطاء الرأي المعاصر اي الاجتهاد .. وهو ربما يخالف الاستاذ الكبير جواد علي بانه يجب عدم اعادة قرأة التاريخ وفق الروئيا المعاصرة .. ترك سامي سعيد الاحمد حوالي 30 كتابا مطبوعا ومئات المقالات العلمية منه : الاسلام نظريا وعمليا 1965، وجنوب العراق في زمن الملك اشور بانيبال 1968، واليزيدية احوالهم معتقدلتهم –جزءان -1971، والمدخل الى تاريخ العالم القديم 1985، وملحمة كلكامش 1984، وغيرها .

احمد قاسم الجمعة –1938

2522 احمد قاسم الجمعةالدكتور الجمعة هو من مواليد الموصل عام 1938 حصل على شهادة البكلوريوس من جامعة بغداد قسم التاريخ عام 1962، ثم حصل على شهادة الدكتوراة من جامعة ادنبر في بريطانيا في علم الآثار عام 1970،، عين مدرسا في كلية الاداب في الموصل، وفي عام 1975 حصل على شهادة الدكتوراة من جامعة القاهرة في الآثار الاسلامية .. شغل عدة مناصب ادارية وتدريسية منها مدير ديوان رئلسة الجامعة في الموصل 1976- 1980 ومدير مركز البحوث الاثرية والحضارية 1981-1988 وغيرها . له مؤلفات وبحوث كثيرة في مجال التاريخ والآثار .. وصل عددها عشرة كتب ونشر 62 بحثا علميا في داخل وخارج القطر بالاضافة الى حضوره المؤتمرات المحلية والعربية، كما اشرف على عدة رسائل ماجستير واطروحات للدكتوراة وحضر كاستاذ زائر في جامعات لندن وكمبردج واكسفورد وغيرها .

و يعد الاستاذ الجمعة رابع عالم اثري في مجالات الفنون التشكيلية والتطبيقات الهندسية والآثار والتراث ’يأتي بعد العالم البريطاني كريسوول والالماني هرتزفيل والمصري فريد شفعي . كما حصل على عدة جوائز تقدير وشكر من جهات عراقية وعربية .

لقد شاهدت فيديو للاستاذ وهو يتحدث عن الاثار في الموصل وما اصابها من خراب ودمار . ويقول ان هناك جهل في معرفة قيمة الآثار وهناك تعمد في اهمالها او مسحها فهي تمثل الهوية المادية الاصيلة للبلد وفي تهديمها ومسحها خطرا كبيرا على تاريخ العراق، ويقول ان الموصل تعتبر غابة للاثار فاينما تحفر تجد آثارا، وان اول قرية زراعية ظهرت في شمال العراق كانت في منطقة الموصل القديمة تحت – اقليعات –. تعود الى 6 الاف سنة قبل الميلاد .. كما يذكر ان هناك حوالي 1700 موقعا اثريا في الموصل وان من اهم مراكزها هي المدن او العواصم الثلاث نينوى(اشور) ونمرود وخورسباد . . وللاستاذ عدد من المؤلفات منها : الفنون الزخرفية العربية والاسلامية 1982، واصالة الانظمة المدنية العربية 1990، واصالة المنشأت المعمارية التخطيطية عند العرب 1990 . و دور البصرة في التراث العلمي العربي، وغيرها .

 

د. كاظم شمهود

 

 

زهير الخويلدي"كنت ميالًا في شبابي لدراسة الفلسفة. لكن شاءت الظروف فيما بعد أن اهتممت كثيرًا بالعلوم الإنسانية، ومن العلوم الإنسانية اتجهت إلى التاريخ، وبعد فترة طويلة من دراساتي وأبحاثي التاريخية رجع لي اهتمامي بالفلسفة، لكن بصفة خاصة فأنا مغرم بقراءة الكتابات الفلسفية".

خسرت الجامعة التونسية والساحة الأكاديمية والمشهد الثقافي العربي أحد اهم ركائزه العلمية في العقود الأخيرة وهو الدكتور هشام جعيط الذي ولد بتونس العاصمة يوم 6 ديسمبر 1935 رحل عن الدنيا يوم غرة جوان 2021 بعد رحلة طويلة من البحث المعرفي الدقيق والحياة الفكرية الصاخبة والجدل الإعلامي الثري.

كان كلامه الواثق يغطي قاعات كلية 9 أفريل وكان قلمه موقعا لمقالاته في غالبية المجلات العربية ولم يكن درس الأستاذ جعيط يهم طلبة التاريخ فحسب بل كل الطلبة من كل اختصاص فهو يستعمل العلوم الانسانية والفلسفة والدين والحضارة. لقد تجسدت في الدكتور هشام جعيط القيم الجامعية وخاصة الاستقامة الفكرية والنزاهة العلمية والالتزام الوجودي. ترجمة كتاب الفقيد هشام جعيط الفتنة الكبرى من الفرنسية إلى العربية هو منعرج حاسم في تملك الملة الإسلامية للوعي التاريخي. يمكن اعتبار المدونة التي تركها الراحل هشام جعيط اهم عمل فكري ظهر في الحاضرة التونسية بعد مقدمة العلامة عبد الرحمان ابن خلدون. كانت كل مقابلات الفقيد جعيط برامج عمل وكل دروسه تجارب بحثية وكل محاضراته مشاريع كتب. لقد تحدد مصير الامة مابعد الدولة الوطنية وليس بما قبلها يوم كتب الفقيد جعيط الشخصية العربية الإسلامي. ربما كان يهدف من انثربولوجيا المقدس الإسلامي التي طورها تخليص الدين من الكهنوت والنبوة من الاساطير والنص من الموروثات. لقد عاد بنا إلى ام القرى مكة لحظة تجلي الحقيقة النبوية واستذكر بدقة مدينة الكوفة زمن حكم العباسيين. تمكنت الأكاديمية التونسية في فكر الفقيد جعيط من منافسة المشاريع التحديثية العربية التي تقدم بها الجابري واركون وتيزيني وحنفي ومحمود طه والعروة ومروة والرصافي وعبد الرحمان بدوي. في مدونة جعيط تذوب الفوارق بين الإسلام والغرب وبين الشرق والحداثة ويمتلك العرب العبارة العلمية. كان لمنتدى الجاحظ منذ انبعاثه شرف تقديم الراحل للجمهور وخاصة تحفته الثلاثية عن كتاب تاريخية الدعوة المحمدية والسيرة النبوية. . لقد تمكن الدكتور هشام جعيط من دراسة الموروث الديني بطريقة تاريخية علمية. ومن المزج بين مدرسة العراق في التاريخ التي يمثلها الدوري والوردي وجواد علي ومدرسة الاستشراق الغربي.

باختصار كان نبراسا منيرا نهتدي به ونموذجا جامعيا يرمز الي الحكمة والتعقل واسوة حسنة ومثقفا عضويا له مواقف سياسية مشرفة من قضايا الوطن والأمة. حضرت للدكتور هشام جعيط رحمه الله كثيرا وقرات له غزيرا وكتبت عنه نصا يتيما: يقول الفقيد هشام جعيط "العرب عرفوا تذبذبا وعليهم الآن الاسترجاع، ويضيف: العلم أوربيا وهاجر الى أمريكا. في الواقع منذ أن أصدر المفكر العربي هشام جعيط كتابه "تاريخية الدعوة المحمدية" أثار جدلا كبيرا وعقدت العديد من اللقاءات لمناقشة الأفكار الواردة في هذا المصنف "العلمي الجاد" وطرحت عدة استفهامات لمعرفة النتائج التي توصل إليها وقد نظمت نقابة الصحافيين التونسيين- المولود الفتي- في مقرها وكأول نشاط تقوم به يوم الجمعة 22 فيفري 2008 لقاء العادة معه أين تحدث فيها عن أشياء كثيرة مهمة ولم يقتصر كلامه على كتابة حياة الرسول محمد صلعم كتابة علمية بل تعدى ذلك الى الاهتمام بجدل الحضارات وواقع العلم والثقافة بين العرب والغرب وبحث في علاقة الدين والفلسفة والعلم ودعا الى ضرورة التمييز بين هذه القطاعات الثلاثة وتجنب الوقوع في الخلط وسوء الفهم لأن ذلك قد يؤدي الى عواقب وخيمة على الصعيد الجماعي والحضاري. من جهة أولى أكد جعيط أن الفلاسفة المسلمين بينوا أن حقيقة الفلسفة أرقى من حقيقة الدين لأن الفلسفة مجعولة للنخبة أما الدين فهو فلسفة شعبية تنظم سلوك الناس وتوجههم في حياتهم العلمية وينصح بألا تزاحم الفلسفة الدين في الفاعلية الاجتماعية وألا يزاحم الدين الفلسفة في الفاعلية المعرفية. من جهة ثانية يشير مؤلف "الفتنة الكبرى" الى وجود علاقة بين العلم والدين،إذ هناك علوم دينية ويمكن إخضاع الديني الى مقاربات علمية مختلفة من بينها علم التاريخ. غير أن علم التاريخ شيء والدين شيء آخر لأن الدين يسيطر على المجتمع يمارس الاندماج الاجتماعي وله سلطة التاريخية بينما العامل التاريخي محدود والمؤرخ هو شاء أم أبى مرآة عصره وابن زمانه وتقتصر مهمته على تسجيل الأحداث التي جدت في عصره بطريقة منهجية منظمة. من جهة ثالثة يطبق المؤرخ التونسي عدته المنهجية على حضارتنا ويستنتج أننا في العالم الإسلامي عشنا تصادما مع أوروبا منذ 1850 وأن هذا التصادم سرى مفعوله في كل شيء ينظم حياتنا وأحدث تغييرات جوهرية في رؤيتنا للعالم وفي شكل الحكم وأدى الى تغلغل الثقافة الأوروبية في مجتمعاتنا وفي تأثر النخب بهذه الثقافة. ومن بين مظاهر التغلغل ظهرت نزعة ليبرالية تنقد الدين شبيهة بالإصلاح البروتستانتي جوبهت بردة فعل عنيفة من قبل التيار المحافظ. لقد أكد صاحب كتاب "الشخصية العربية الإسلامية" أن العرب عرفوا منذ هذا التصادم مع الغرب تذبذبا وطرحت مشاكل وتحديات وكانت منزلة الدين في الحياة هو أحد هذه المشاكل المستوردة من الغرب. وقد طرحت الأسئلة التالية: هل الدين الإسلامي وقع تحريفه أم هو صحيح؟ هل هو دين نصوص ومعجزات غيبية أم هو دين عقلاني وفطرة طبيعية؟ هل هو ثيوقراطي أم علماني؟ وهل دين مجرد ونخبوي أم يمكن تطبيقه لدى جميع الناس؟. أمام هذه التحديات حصل رد فعل عنيف من طرف فئة أصولية متشددة متشبثة بتراث الآباء والأجداد طرحت مشكلة الدين بشكل انفعالي سيء والآن يجب طرحها بكل موضوعية ومنهجية ويرى جعيط أن كتابه "تاريخية الدعوة المحمدية" يتنزل في هذا السياق الأكاديمي الجديد التي ينبغي أن يتوفر خاصة وأنه لم يصدر الى حد الآن كتاب علمي حول حياة النبي محمد عليه الصلاة والسلام سوى محاولات خطابية قام بها هيكل ومعروف الرصافي. ان الدين الإسلامي حسب مفكرنا قد أصبح يثقل كاهل المسلمين دون أن يصدر عنهم أي كتاب علمي يساعدهم على تجاوز هذه التشنجات والتذبذبات وليظهر للعالم أن الحضارة العربية قادرة على أن تساؤل نفسها علميا وتنافس كتابات المستشرقين التي تجد فيها الجيد والرديء والمنصف والمتحيز. وهذا الضعف يفسره جعيط بأنه انتكاسة عالمية للثقافة إذ أن الهم العلمي ضعف في بقاع كثيرة من العالم والاهتمام الإيديولوجي هو السائد وهو يغطي دار الإسلام ويمنعها من فهم ذاتها. وقد استخلص من رؤيته التاريخية أن العلم هاجر أوروبا ولم يعد الا أمريكيا لأن الولايات المتحدة الأمريكية عرفت كيف تزاوج بين ثقافة الميديا والعلم وسط الحضارة. العرب حاولوا استئناف الحضارة وإمساك زمام المبادرة ولكن مدة الانحطاط كانت كبيرة واستمرت أربع قرون من 1500 الى1900 حيث غاب الهم المعرفي حتى من جهة علوم الشريعة التي كان لها تأثير في المجتمع وغطست في مرحلة من الاجترار والتقليد وهو أمر غريب وغير مفهوم. الاسترجاع لم يكن ممكنا حسب جعيط الا في فترة متأخرة وقد انصب في البداية على استرجاع ما يمنك القيام به وهو عالم المعرفة ولذلك انطلقت موجة من الإحياء شملت اللغة والعلوم وأنتجت حركات سياسية وطنية وأفرزت فيما بعد نهضة شاملة في بداية القرن العشرين ولكن ذلك لم يؤدي الى استرجاع الهم المعرفي في ميدان العلوم ولا نقول العلوم الطبيعية والصحيحة لأن ذلك صعب المنال ولا يحصل الآن سوى في أمريكا ولكن العلوم الانسانية التي يمكن اللحاق بالأمم المتقدمة فيها والمشاركة في إنتاجها وهذه العلوم مثل تاريخ الأفكار والفلسفة. كما يشير هشام جعيط الى أن العرب مقصرين جدا في عملية الاسترجاع وهذا ما يسر ما نحن عليه من اضطراب في الواقع لأن الوعي الحضاري تابع لمستوى الوعي ولو وصل العرب الى درجة الوعي الثاقب فان فعلهم سيكون نابعا عن موقف سديد. ويفسر جعيط سبب هذا الاضطراب بغياب قادة من المفكرين الأحرار الذين يستنبتون أفكارهم من الواقع الاجتماعي الذين يعيشون فيه. ويدعو مؤرخ مدينة الكوفة الى تجنب الاضطرابات السياسية وقمع الكلمة الحرة وضراوة كل طرف إزاء طرف آخر ويطالب بضرورة الرفع من مستوى الفكر والوعي وعدم الانزلاق وراء السهولة والاختزال والتبسيط لأن ذلك يؤدي الى التخلف والتقليد والكسل.صفوة القول أن هشام جعيط يطالب العرب بإعادة البناء والاسترجاع الحضاري ويعترف بأن كل نقطة بداية هي صعبة ولكنه يشير الى أن كل الأعمال العظيمة بما في ذلك الدعوة المحمدية شهدت في بداياتها صعوبات جمة وينصح بأن يعش المفكر مشاكل عصره ويدقق أفكاره ليس بالانعزال بل بالحضور مع الغير والحوار. لكن ما يثير إشكال بالنسبة الينا هو أليس من اللازم علينا أن نشرع في البحث عن شروط إمكان إنتاج العلم الصحيح عندما طالما أن الثروة المالية العربية في الحقبة النفطية قائمة الذات؟ واذا كنا نحن العرب عاجزين لأسباب هيكلية غير موضوعية عن إنتاج العلم الصحيح الطبيعي أو الصوري أليس من الممكن أن ننتج العلم الانساني طالما أنه لا يتطلب مخابر وتمويلات ضخمة بل الإيمان بالعقول وكفاءات وتوفير مناخ من حرية التعبير يساعدهم على ذلك؟ فمتى نرى علوم إنسانية تنبثق من مسطح المحايثة الحضاري العربي الإسلامي وتطمح نحو الكونية؟ ألا تساهم هذه العلوم الانسانية المنشودة في فهم ذاتنا فهما أصيلا وفي تحقيق المصالحة مع العلم والآخر الانساني؟ فالي أي مدى يساعد هذا العمل العلمي الذي ابتكره جعيط عن الدعوة النبوية على إزالة سوء التفاهم بين العرب والعرب؟ كيف يتحول هذا العمل النقدي الى توضيح للصورة الحقيقية للرسول محمد صلعم وتفكيك كل الأحكام المسبقة والأقاويل المغشوشة التي نسجها الخيال والذاكرة والتاريخ الغربي حوله وإبراز الواقع الحقيقي للتجربة المحمدية دون انفعال دفاعي ودون تضخيم أبولوجي؟". الرحمة والسلام لروح المؤرخ الأكاديمي هشام جعيط الذي كان يعد بحق فخر الجامعة التونسية وباعث الثقافة العربية من سباتها القروسطي. فهل تنتفض الشبيبة العربية البية على الصعيد الفكري وتواصل المسيرة؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

 

مجدي ابراهيمأحياناً كثيرة يستهوينا الشغف بجلال الشخصيات الكبيرة ذات الأثر المباشر على تقدّم الفكر البشري، فلا نملك إزاءها إلاّ الإعجاب والإكبار، وإلا الأسف الحاضر على غياب القدوة من مفعول النشاط الإنساني العالي. بمُجرد قراءة ترجمتها تفتح أمام الأذهان عوالم أوصدها الواقع المُتخلِّف بكل ما فيه من سقوط وتردي.

ليس أقسى على المرء من أن يرى تردي القيم في واقعنا المعاصر وبخاصّة في مجتمعاتنا العربية من غير أن يأبه أحد بالمشاركة في مسؤولية الضياع الذي نراه أمام أعيننا صباح مساء. أول ما يُلاحظ هو غيبة الإخلاص في التعلم، وتحويل التوجُّه للعلم إلى تحصيل النفع المادي واعتباره وسيلة ارتزاق ليس أكثر. لكن هذه الشخصيات الكبيرة إنْ في القديم وإنْ في الحديث يبرز فيها إعلاء عنصر الوجود الروحي على أي عنصر سواه؛ وفي المجال الذي يخدمه وينتمي إليه صاحبه.

كثيرون فينا هم أولئك الذين ينظرون إلى أمثال هذه الدعوات وإلى أصحابها نظرة نكاية وازدراء، يعدُّونها منفصلة عن حاضراتنا الواقعية، ويعتبرون أصحابها منعزلين عن عصب الحياة؛ إذْ يعيشون بأعمالهم في وادٍ غير وادي الحياة الصاخبة بغريب الأقوال والأفعال، حتى إذا ما برزت أمامهم قيمة عليا لاقوها باستخفاف جانح نحو البهتان. هنالك تصبح كفة التخلف أرجح في ميزان الوجود؛ لتكون ظلمة الغسق في القلوب والعقول أظهر من طاقة النور.

إسقاط القيمة من العمل تعني إسقاط الإنسان، بمقدار ما يسقط فيه من جوانب وجوده الروحي، العاقل المفكر، وليس أهم في الحياة من ارتقاء هذا الجانب فيه، وكل الجوانب الأخرى لا حقة عليه وليست سابقة، من شأنها أن تشكل تقدّمه وقرابته من الكمال الإنساني إذا أوفى حق الوجود الروحي فيه: خدمته وترقيته بصنوف الترقي وتنوع الخبرات عليه.

من هذ الشخصيات المؤثرة كارل ريموند بوبر Karl Raimund Popper" (1902-1994)، فيما نشير إلى جانب من حياته كما وردت بها ترجمته، ذلك الفيلسوف النمساوي المولد، الإنجليزي الوفاة، المولود في (28يوليو 1902م في فيينا - المتوفى في 17سبتمبر 1994في لندن)؛ ولئن كنا نتذكر هذه الشخصية اليوم فهى بلا شك إشارة مقصودة لدينا؛ لأنه من الأهمية بمكان الاطلاع على حياة العباقرة من الفلاسفة الذين لهم تأثير على العقول والعصور، ولأن حياة الفيلسوف جزءٌ لا يتجزأ من فلسفته، كما أنها حياة جديرة بكشف القدوة الحسنة للشباب حين ينظر إلى عظمة تلك الشخصيات العلمية المؤثرة، فيحذو حذوها وينهج طريقها. وفي حياة هذا الفيلسوف نموذج يحتذى من الكفاح والصبر ومعاناة المعرفة في سبيل المعرفة وتقدُّمها، والإخلاص في طلبها.

كان شاعرنا العربي يقول:

والنشء إنْ أهْمَلتُه         طفلاً تعثَّر في الكبر

"وكارل بوبر" لاقى عناية بالغة من الاهتمام البالغ من والديه حتى وصل إلى ذروة المجد العلمي. وكان لآخر يوم في حياته على اعتقاد راسخ بأن تربية النشء والتعليم في كل صورها أقدس مهمة عرفتها البشرية.

لم يكن هذا مجرد كلام؛ بل كان فعلاً تجسّد في حياته العلمية والمعرفيّة. وعلى الرغم من أن أحد مبادئ الإسلام العليا، الاهتمام بالعلم والتعليم والتعلم إلا أننا في ثقافتنا الإسلامية لا نكاد نجد الآن صورة تطبيقية حاضرة لهذه المبادئ نتمثلها واقعاً ونربي شبابنا عليها، فقد سقطت القيم، وبالغنا في اعتقاد التفاهات والسير على دربها، ولم نعد نجد تقديراً للعلماء، ولا للقيم التي ينادوا بها في مجتمعاتهم.

في كتابه "قراءة المستقبل" يتحفنا المرحوم الدكتور مصطفى محمود، بحقائق واقعة في عالمنا المعاصر الذي تعيشه واقعاً مجتمعاتنا العربية، فلا يخلو مجتمع من الآفات التي يذكرها هنا بالتقصي والمُراقبة؛ إذْ سقطت فيه القيم المرجوّة؛ فنحن بحق نعيش زمن القيم الساقطة، نعيش زمن الهدم والتقويض لكل عناصر الإنسانية فينا: "

عندما أراد الصينيون القدامى أن يعيشوا في أمان، بنوا سور الصين العظيم، واعتقدوا بأنه لا يوجد من يستطيع تسلقه لشدِّة علوه، ولكن خلال المئة سنة الأولى بعد بناء السور تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات. وفى كل مرة لم تكن جحافل العدو البرية فى حاجة إلى اختراق السور أو تسلقه؛ بل كانوا في كل مرة يدفعون للحارس الرشوة ثم يدخلون عبر الباب. لقد انشغل الصينيون ببناء السور ونسوا بناء الحارس.

نسوا بناء الإنسان؛ فبناء الإنسان يأتي قبل بناء كل شيء، وهذا ما يحتاجه شبابنا اليوم، وفي كل يوم؛ بناء الذات الإنسانية العارفة القادرة.

يقول أحد المستشرقين:

إذا أردت أن تهدم حضارة أمة، فهناك وسائل ثلاث:

(1) هدم الأسرة.

(2) هدم التعليم.

(3) إسقاط القدوات والمرجعيات.

لكي تهدم اﻷسرة: عليك بتغييب دور (اﻷم) أجعلها تخجل من وصفها بـ "ربّة بيت". ولكي تهدم التعليم: عليك (بالمعلم) لا تجعل له أهمية في المجتمع، قلل من مكانته حتى يحتقره طلابه. ولكي تسقط القدوات: عليك (بالعلماء) اطعن فيهم، صغّر من شأنهم، شكك في قدراتهم ورسالاتهم حتى لا يُسمع لهم ولا يقتدى بهم أحد؛ فإذا اختفت (اﻷم الواعية)، واختفى (المعلم المخلص)، وسقطت (القدوة والمرجعية)؛ فمن يربي النشء على القيم؟(!. بالطبع، لا أحد! وبالتالي تنهار المجتمعات وتنهار الحضارة من أساسها.

نحن بحاجة ماسّة إلى إعادة النظر في سير العظماء والعلماء ودعاة القيم العليا؛ ليهتدي من خلالها شبابنا كما أهتدى شيوخنا فكانت قيم؛ وليعرفوا أن الحياة قيمة والتخلي عن الكفاح والمعاناة فيها، نقص ومعابة، وأن قيمة المرء تكمن فيما يقدّمه في حياته بين مولده ووفاته من أعمال، وأن الحياة لا قيمة لها بغير العلم وتحصيله وطلبه والمعاناة فيه، وإخلاص النيّة والجهد في طريقه، وانتظار الجزاء من الخالق لا من المخلوقين.

من أجل ذلك؛ نظرنا في حياة "كارل بوبر"؛ لأنها نموذج للعالم الفذ المتفرد الذي يخدم وطنه بالعلم والمعرفة، ويؤمن بتلك القيمة، وسلاحه الإخلاص، ويبذل في تحقيقها أقصى جهد ممكن، ولأنها جديرة لمن يريد بالاقتداء والاهتداء:

ــ فيلسوف (نمساوي- إنجليزي)، متخصص في فلسفة العلوم. عمل مدرساً في كلية لندن للاقتصاد. ويعتبر "كارل پوپر" أحد أهم وأغزر المؤلفين في فلسفة العلم في القرن العشرين، كما كتب بشكل مُوسّع عن الفلسفة الاجتماعية والسياسية. والداه يهوديان بالأصل لكنهما تحولا للديانة المسيحية، إلا أن "بوبر" يصف نفسه (بالاأدري)، أي ليس لديه عقيدة دينية، ولا ينتمي إلى دين معين، غير أنه إنسان.

درس الرياضيات، والتاريخ، وعلم النفس، والفيزياء، والموسيقى، والفلسفة وعلوم التربية. وفي عام 1928م حصل على درجة الدكتوراه في مجال مناهج علم النفس الإدراكي.

تزوج في عام 1930م، وبدأ كتابة أول أعماله، الذي نُشر في صورة مختصرة بعنوان "منطق البحث" 1934م. وفي طبعة كاملة عام 1979م، بعنوان "المشكلتان الرئيسيتان في النظرية المعرفيّة".

وفي عام 1937م، هاجر إلى نيوزيلندا، وقام بالتدريس في عدة جامعات هناك، وألف كتاب "المجتمع المفتوح وأعدائه" 1945م، اكتسب من خلاله شهرة عالمية ككاتب سياسي. أهم سمة تميز أعماله الفلسفية كما يقول النقاد هي: البحث عن معيار صادق للعقلانية العلميّة.

وفيما بين عامي 1949 ـ 1969م عمل أستاذاً للمنطق والمناهج العلمية بجامعة لندن، وحصل في عام 1965م على لقب "سير".

ــ ولد "كارل بوبر"، كما سبقت الإشارة، لأسرة نمساوية، والده حاصل على درجة الدكتوراه، وكذا أخواه، وكان أستاذاً للقانون في جامعة فينا ومحامياً. كان الأب مثقفاً ثقافة رصينة، حتى إننا لا نجد - كما يخبر كارل بوبر نفسه - حجرة واحدة في منزله غير مكتظة بالمراجع الكبرى، وأمهات الكتب الفلسفية وآيات التراث الإنساني باستثناء حجرة المعيشة كانت بدورها مكتظة بمكتبة موسيقية تحوي أعمال باخ وهايدن وموتسارت وبيتهوڤن. ويعتز "بوبر" كثيراً بأنه يمتلك نسخة من طبعة القرن السابع عشر لكتاب لجاليليو، ونسخة من طبعة القرن الثامن عشر لكتاب "إيمانويل كانط" فيلسوفه الألماني الأثير.

وقد كان والده حريصاً على تنشئة ابنه تنشئة علمية فلسفية. ومنذ نعومة أظفار الصبي "كارل بوبر"، ووالده يحفزه على قراءة الكتب الفلسفية الكلاسيكية، ويناقشه في مشاكل اللامتناهي والماهيّة والجوهر. وحينما تعييه حذلقة الصبي -هكذا تقول ترجمته - يعهد به إلى عمه ليستأنف المناقشة. أمّا عن أمه جيني ني شيف، جيني بوبر؛ فهي تنتمي إلى أسرة تسري في دمائها الموهبة الموسيقية.

كانت هي وشقيقاتها - شأن غالبية مواطني ڤيينا عاصمة الألحان وكعبة الموسيقى - عازفات ماهرات على البيانو. أختها الكبرى وأبناؤها الثلاثة عازفون محترفون. وقد لعبت الموسيقى دوراً كبيراً في حياة "بوبر"؛ فهو أيضاً عازف على البيانو؛ ومتذوق عميق لها، وقد ساعد في صقل شخصيته وإرهاف مشاعره. ويذكر "بوبر" في تفصيلات مُسهبة كيف أن الموسيقى الأوروبية البوليفونية كانت مُلهمة له ببعض توجهاته الفكريّة. وليس أغرب من تلاقي العقلانيّة الصارمة في أطواء النفس البشرية بالحس الموسيقي، وليس أدنى من قرابة صلة الشعور بالعقل كيما يكتمل أثر الإنسان في فعله ومسلكه وإبداعه نظراً وبحثاً وإنتاجاً؛ الأمر الذي يثبت معه أن دفعة الشعور القوية طاقة باقية فاعلة، خادمة للعقل ولو كان في صرامته المنطقية العلميّة، وأن الإنسان لن يكون إنساناً وهو بمعزل عن دفعة الشعور وثراء الوجدان.

ولم يسلم "بوبر" الروح إلا بعد أن حقق حلم حياته وقام بتأليف قطعة موسيقية، وهو في التسعين من عمره.

وحينما شبّ عن الطوق - كما تقول الترجمة - ورث عن أبيه العمل الاجتماعي من أجل الأطفال المهملين والأيتام، ولمّا وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها عام 1919-1920م، وهذا العام حاسم في فلسفته، ترك منزل والديه على الرغم من توسلاتهما كي يستقل بنفسه، وكي لا يشكل عبئاً عليهما. فقد أصبح أبوه شيخاً جاوز الستين، فقد كل مدخراته في التضخم المالي الذي استشرى في أعقاب الحرب، وأقام "بوبر" في مبنى قديم لمستشفى عسكري مهجور، عمل بغير أجر في عيادة النفساني "ألفرد آدلر"، وبأجور زهيدة في أعمال أخرى كتدريس أو تدريب طلبة أمريكيين أو كمساعد نجار.

غير أن هذا النجار له شأن خطير في شخصية "بوبر"، ترك في نفسه رد فعل عكسي عنيف حيث كان "بوبر" يراه دائماً يؤكد أنه يعرف كل شيء، يدّعى امتلاك الحقيقة المطلقة، وأنه دائماً على صواب ولا يخطئ أبداً؛ فأصبحت احتمالية الخطأ الكامنة في كل موقف هي جذع الفلسفة البوبرية، القابلية للتكذيب.

لم يكن "بوبر" يدخن أو يحتسي خمراً، كان يأكل قليلاً ويرتدي ثياباً متواضعة. المتعة الوحيدة التي لم يستطع التخلي عنها إذ ذاك هى التردد على حفلات الموسيقى السيمفونية، وكانت التذاكر رخيصة؛ لأنه كان يستمع واقفاً، بخلاف العمل الاجتماعي من أجل الأيتام والموسيقى.

ــ كان اهتمام بوبر الثالث في يفاعته هو الفلسفات السياسية اليسارية. أمضى إبّان مراهقته ثلاثة أشهر ماركسياً، لكنه انقلب بحماسة إلى الاشتراكية الديموقراطية، وأصبح في النهاية داعية إلى ما يمكن أن تسميته: ليبرالية معدلة، ليبرالية النصف الثاني من القرن العشرين، التي اقترنت باسم "بوبر".

ــ ألتحق بوبر بجامعة ڤيينا العام 1918م، حضر مختلف المحاضرات: تاريخ الموسيقى والأدب وعلم النفس والفيزياء؛ بل حتى العلوم الطبية. وسرعان ما ترك هذا، وقصر حضوره على محاضرات الفيزياء النظريّة والرياضة البحتة؛ إذ كان يرى تلك المحاضرات (رائعة بحق).

وفي العام 1922م قيد طالباً منتظماً بالجامعة؛ فأمضى عاماً للحصول على إجازة للعمل في المدارس الابتدائية؛ حصل عليها إبّان عمله كنجار؛ وواصل دراساته حتى حصل على إجازة التدريس في المدارس الثانوية. ظل "بوبر" لآخر يوم في حياته على اعتقاد راسخ بإعلاء الثقة في تربية النشء، والتشديد على ضرورة التعليم كونه مهمة مُقدَّسة ليس للبشرية رقي ولا تقدم بدونها. وتلك هى أقدس قيمة لرجل ملأه الإخلاص لبني الإنسان.

ثم حصل على إجازته تلك من معهد تربوي أنشئ حديثاً، وفيه تعرف "بوبر" على محبوبته التي أصبحت زوجته حتى آخر العمر.

وما فتئ "بوبر" في كل موضع ينوه بفضلها وفضل حبها العظيم عليه، وبعد تخرجه أستأنف دراساته حتى حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ڤيينا العام 1932م.

أمّا كتابه "منطق الكشف العلمي"؛ فهو يعتبر علامة فتح جديد في مجال المعرفة العلمية مع أن له ثلاثة وثلاثين كتاباً في هذا المجال؛ وقد ترجمه الدكتور ماهر عبد القادر في جزئيين إلى اللغة العربية.

 

د. مجدي إبراهيم

 

 

يسري عبد الغنيولد المفكر الراحل برنارد لويس في لندن لعائلة يهودية من الطبقة المتوسطة ودرس في جامعات لندن وباريس قبل أن يصبح أستاذا مساعدا للدراسات الإسلامية في كلية الدراسات الشرقية عام 1938 وخلال الحرب العالمية الثانية عمل في الاستخبارات البريطانية في الشرق الأوسط وهي الفترة التي تعلم فيها أن محاولة استرضاء الطغاة تؤدي إلى كوارث.

وفي الفترة بين عامي 1949 و1974 عمل استاذا لتاريخ الشرق الأدنى والأوسط في كلية الدراسات الشرقية وقد أصدر العديد من الدراسات المميزة وكان من الكتاب المفضلين لرئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير.

وفي عام 1974 انهار زواجه الذي استمر 27 عاما وطلق زوجته الدنماركية روث هيلين بعد علاقة قصيرة بأميرة تركية. وقد أثر انهيار زواجه على صداقاته بالنخبة الثقافية اليهودية في بريطانيا مثل المؤرخ العراقي المولد إيلي خضوري الذي كان صديقا لروث فهاجر برنارد لويس إلى الولايات المتحدة حيث احتل مقعدا بمعهد دراسات الشرق الأدنى ليبدأ رحلته في التأثير على السياسة الخارجية الأمريكية وعلى صناع القرار في واشنطن.

وكانت رسالة لويس السياسية لأمريكا بشأن الشرق الأوسط عام 2001 بسيطة وصارمة وملخصها: "إذا ظل الشرق الأوسط يسير في هذا المنحى فإن المهاجم الانتحاري سيصبح رمزاً لكل منطقة الشرق الأوسط ولن يكون هناك مخرج من مستنقع الكراهية والبغضاء والغضب وجلد الذات والفقر والطغيان" وكانت رسالته إلى الولايات المتحدة حول كيفية التعامل مع المنطقة واضحة وصارمة مفادها : كونوا حازمين أو اتركوا المنطقة.

وقد أطلق البعض على رسالة لويس اسم "مذهب لويس" Lewis Doctrine. وعرفت صحيفة وول ستريت جورنال نظرية لويس بـ "زرع الديمقراطية في دول الشرق الأوسط الفاشلة للقضاء على الإرهاب".

وقد كان لويس يدعو لاستخدام الحد الأدنى من القوة الغربية لأقل وقت لبث الحياة في المؤسسات السياسية في الشرق الأوسط بداية بالعراق الذي تتوفر فيه الثروة النفطية وطبقة متوسطة كبيرة وماضي عريق ومجتمع علماني وبالتالي فإن للديمقراطية فرصة للتجذر هناك أكثر من أي مكان آخر في العالم الإسلامي، وذلك بحسب لويس.

وكانت هذه رسالته إلى البيت الأبيض لدى دعوته لإلقاء خطاب في العاملين بمقر الرئاسة الأمريكية عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول حيث قال أن لدى تنظيم القاعدة شعور بالدونية والكراهية تجاه الغرب وهذا نتاج ثلاثة قرون من التراجع الإسلامي والعربي ثقافيا وعسكريا وتكنولوجيا منذ فشل العثمانيين في الاستيلاء على فيينا عام 1683.

ولم يلق اللوم قط على أمريكا حيث قال في حديث إذاعي: "لا يمكن أن تكون غنيا وقويا وناجحا ومحبوبا وخاصة من جانب أولئك الذين يفتقدون للقوة والثراء والنجاح لذلك فإن الكراهية شيء بديهي. والسؤال يجب أن يكون هو لماذا لا يحبوننا أو يحترموننا؟".

ويقول السياسي الأمريكي ريتشارد بيرل : "إن برنارد لويس كان أكثر المثقفين تأثيرا فيما يتعلق بإدارة النزاع بين الإسلام الراديكالي والغرب وكان هنري كيسنغر يرجع له".

وعندما سأل في هارفاد: هل يجب أن نتفاوض مع نظام آيات الله في طهران؟ أجاب على الفور: بالطبع لا.

وقد وصل تأثيره إلى قمة صناعة القرار السياسي في أمريكا فبعد هجمات سبتمبر شوهد الرئيس السابق بوش يحمل مقالاته التي من الواضح أن مستشارته للأمن القومي كوندوليزا رايس أمدته بها.

وقد أثارت آرائه غضب العديد من الأكاديميين في بريطانيا وأوروبا فرغم أنه يجيد بطلاقة العربية والفارسية والتركية والفرنسية والألمانية وإصداره 11 جزءا في كامبريدج عن تاريخ الإسلام وخبرته التي تمتد لعقود في هذا المجال وكونه كبير محرري إنسكلوبيديا الإسلام على مدار 31 عاما فإن البعض انتقده على خلفية وصف إدارود سعيد له بأنه "مستشرق من الطراز القديم ليست لديه مشاعر تجاه دول المنطقة باستثناء تركيا".

ومن آرائه التي أثارت السخط موقفه من التدخل في العراق، وقد نفى لويس تأييده لغزو العراق، قائلا إنه كان يدعو إلى تقديم مساعدات أكبر إلى الأكراد المتحالفين مع الغرب في شمال العراق كقوة موازية لنظام بغداد.

كما ينكر مذابح الأرمن حيث رفض تسمية ما حدث بالمجزرة واعتبارها "أعمال مؤسفة أودت بحياة أتراك وأرمن على حد سواء". وأدى موقفه هذا إلى محاكمته في فرنسا.

وعرف عنه أيضا انتقاداته للفكر الوهابي وتمويل السعودية له وثقافة تبعية المرأة. وكان كتابه أزمة الإسلام من أكثر الكتب مبيعا وفيه يشير إلى أن الإسلام يفتقر إلى النقد التاريخي للنصوص الدينية كما حصل في المسيحية الغربية.

وقد نشر برنارد لوس أكثر من 30 مؤلفا ومئات المقالات والمحاضرات بأكثر من 10 لغات، تحدث معظمها عن خطوط ومعالم الشرق الأوسط الجديد، كالانقسامات الطائفية وصعود "الإسلام الراديكالي" و"الدكتاتورية الراسخة" المدعومة نسبيا من الغرب.

وقال لويس :" إنه أراد عام 1938 أن يصبح مؤرخا لأنه أراد رؤية التاريخ من الجانب الآخر. وبعد عقود طويلة قضاها في الظل مؤثرا على الأحداث بهدوء وجد نفسه في السنوات الأخيرة من حياته على الجانب الآخر تحت الأضواء.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

ناجي ظاهرالآن وانا انظر الى الخلف، ارى ان حياتي كانت سلسلة من الصالونات والمجالس، وكان المجلس الأول في بيتنا الدافئ في الحي الشرقي من مدينتي الاثيرة الحبيبة على قلبي الناصرة. يومها.. وكنت في بدايات الطفولة الاولى، تعرّفنا على جارة كفيفة البصر، وكان واحد من ابناء اسرتي، يتبرّع ليكون لها دليلًا يقتادها من غرفتها الصغيرة الملاصقة لبيت اخيها- مدير البوسطة في حينها، الى بيتنا القريب المكوّن من عقدين، وكثيرا ما كان هذا الدليل انا، فقد احببتُ هذه المرأة، وانبهرت بحكاياتها الشعبية الطلية، وأرى اليوم وقد مضى على تلكم الايام العشراتُ من السنين، ان تلك المرأة لعبت دورًا رئيسيًا في حياتي فمنها استمعت إلى اجمل الحكايات، واليها يعود الفضل في اكتشافي طريقي الادبي الذي اصبح فيما بعد طريقَ حياتي كلها.

كنا ننادي تلك المرأة باسم "آدو"، وقد مضى وقت طويل حتى تمكنّت من تحليل اسمها وتفكيك شفرته، ليتبيّن لي ان الاسم الذي كنا ندعوها به ما هو الا تلاعب لطيف باسم قادرية- قادو- قادرية.

كان جُلساء ذلك المجلس الاول في حياتي، قلة من ابناء اسرتي في مقدمتهم الولدة واحيانا الوالد، اما اخوي الاكبر مني اخي جوهر واختي نجية، فقد كانا قلّما يستمعان الى ما تفيض به مُسامراتُنا من حكايات تُفرح الروح وتنعش القلب.. انا كنت الطفل المنبهر الاول بتلك الحكايات.

ذلك المجلس كان يبتدئ في ساعات المساء المتقدمة حينا والمتأخرة اخر، بعد ان نكون قد هيأنا الظرف المناسب، فاذا كان الفصل صيفًا فتحنا الابواب واشرعنا ضلفات الشبابيك ليدخل الهواء النقي الصافي عبر الاراضي الممتدة حول بيتنا، اما اذا كان الفصل باردًا فقد كنّا نلتف حول كانون النار، لنستمع إلى اجمل القصص.

فيما يلي اسجّل ما حبّبني بذلك المجلس وجعلني انشد اليه كل ذلك الانشداد، ومعظمه يتعلّق بشخصية تلك الجارة التي سأعتبرها فيما تلا من عمر المعلمة الاولى التي فتحت لي خزانة الادب والفن، وارشدتني إلى ما في الحياة من ثراء قصصي، يختلف بالطبع عن الثراء المادي.. حبّبني بتلك المرأة عددٌ من الامور اشير إلى اهمها:

1- طريقتها في سرد الحكايات، فقد كانت قديرةً متمكنةً من السرد، فهي تقّدمُ حدثًا وتؤخر آخر لتعود اليه فيما يلي من احداث القصة، الامر الذي يُشعل حب المعرفة بكل ما يتضمنه من تشوّق وتلهّف لمتابعة احداث القصة، وهي لا تني في التغيير بنغماتها الصوتية إلى حد انني اشعر بارتياح كبير.. هل عاد هذا الى انها كانت تحدث ايقاعًا في الحكاية لأشعر بالتالي بعودة الايقاع المفتقد الى قلبي وروحي؟ لا تفسير لدي الآن سوى هذا التفسير الادبي لمسالة الايقاع هذه. اضف الى هذا انها لم تكن تشرح كثيرًا في روايتها للحكاية وانما هي تدخل اليها وكأنما هو بيتها الخاص بها تصولُ فيه وتجول، بطريقةٍ ينصاع فيه اليها الكلام مثلما ينصاعُ الخاتمَ بيد العروس في فترات زواجها الاولى.

2- مضامين حكاياتها الشعبية، فقد كانت تلكم الحكايات تتحدّث عن الظلم واهله، وفي المقابل عن العدل واهله، وعندما كان يقع الصدام بين طرفي هذه المعادلة، كان العدل ينتصر على الظلم والخير ينتصب في وجه الشر قاطعًا عليه الطريق وواضعا له حدًا يمنعه من الامتداد والتفاقم. في هذا المجال بهرتني قصة الشاطر حسن، الذي عاد الى قريته ليجد ان الاعداء اختطفوا محبوبته ولينطلق عبر البراري والقفار ليبحث عنها وليعيدها بعد عناء وجهد الى مكانها الطبيعي.. قريتها الامنة الوادعة. لقد كنت عندما استمع الى هذه الحكاية وامثالها، اشعر انني انا البطل الذي سيعيد الحقَ الضائعَ الى نصابه. وقد عدت بعد اكثر من نصف قرن من الزمان على استماعي لهذه القصة لأعيد صياغتها بطريقتي الخاصة تحت عنوان" الشاطر السيريني"، وسيرين هي القرية التي ضربت جذور اهلي عميقًا في ارضها وغادروها مضطرين عام 1948 الى الناصرة التي ولدت فيها.

3- رواية القصة بطريقة خاصة.. فقد اتصفت تلك المحدّثة الاولى بقدرة هائلة على اعادة القصة الواحدة.. مرّات ومرّات دون ان تدخل الملل الى قلبي وقلوب مستمعيها، في كل مرة كانت تضيف وتنقّص بطريقة تشعرني انها تغترف مما يقع حولنا من احداث، وتعيد صياغته بطريقة تذكّرنا، تذكّرني انا على الاقل، بما حدث ووقع في البيئة المحيطة بنا، وقد كانت القصة بهذا صورة للواقع اليومي المعيش، وهذا ما احسست به حينها، وما فهمته فيما بعد عندما كبرت وباتت كتابة القصص طريقتي في التعبير عما اريد ايصاله الى اهلي وابناء مجتمعي. واذكر فيما يتعلق بهذا انني كثيرًا ما كنت اطلب من محدّثتنا تلك، واكاد اقول محدثتي انا خصيصًا اذ كنت المستمع رقم واحد لحكاياتها، ان تعيد الحكاية اكثر واكثر، وكانت هي تستجيب بكرم من يعرف ان قصته لا تشيب ولا تشيخ وانما هي تبقى دائمة الخضرة.. ودائمة اليناعة والحياة.

هذا عن المجلس الاول في صميمه، اما في أطرافه فاذكر انني كنت طوال وقت النهار انتظر مجيء الليل لأجلس الى تلك المرأة كفيفة البصر مبصرة القلب، ولأستمع الى حكاياتها تداعبُ عقلي وقلبي كأنما هي تعيد صياغتهما وتجدّد الحياة فيهما، لكن بطريقتها الخاصة. لهذا ما ان كانت تلك الراوية تخرج من باب عقدنا حيث نجلس لقضاء حاجةٍ ما، كان قلبي يدقُّ خوفَ مغادرتِها بيتنا وخشية ما قد تتسبب به تلك المغادرة من توقف للحكاية التي ابتدأت ولما تنته بعد.. وكان يثيرني ان الوالدة كثيرًا ما كانت توحي لضيفتنا بان وقت انصرافها قد حان فكانت تهتف بها بكير.. فما كان من تلك الضيفة خفيفة الظل رائعته الا ان تردّ عليها بقولها بكّير من عمرك.. وتنصرف.. وكان قلبي ينصرف معها ولا يعود إلى مكانه الا بعد عودتها في اليوم التالي.

رحم الله ذلك المجلس القصصي الثقافي- الاول في حياتي- ورحم اهله فقد غادر معظمهم عالمنا واحدًا تلو الآخر، كل في ظروف وملابسات.. وبقيتُ مثلَ السيفِ فردا.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

 

يسري عبد الغنينعت وزارة الشؤون الثقافية التونسية المفكر والمؤرخ، هشام جعيط، الذي توفي يوم الثلاثاءالموافق أول يونيو 2021 بعد صراع مع المرض عن عمر ناهز 86 عاماً.

وقالت الوزارة في بيان إن الراحل ترك أعمالاً فكرية وحضارية تمثل "مرجعية للأجيال الحاضرة والقادمة".

ولد جعيط في تونس العاصمة لعائلة من المثقفين والقضاة ورجال العلم والدولة، وكان والده من أبرز شيوخ جامع الزيتونة الأعظم في المدينة.

كان جعيط قارئاً نهماً منذ طفولته، وانفتح في سن مبكرة على مفكري النهضة في مصر والمشرق العربي، من خلال الكتب والصحف التي كان والده يحرص على قراءتها.

لم تكن عائلته تتكلم الفرنسية في المنزل، لكنه تعلمها في المدرسة الصادقية حيث درس حتى المرحلة الثانوية، وشكلت مصدراً معرفياً غنياً له. سافر الى فرنسا لاستكمال دراسته الجامعية في التاريخ الإسلامي، ونال الدكتوراه عام 1981، من جامعة السوربون، عن رسالة بإشراف كلود كاهن.

عودة جعيط إلى تونس ما بعد الاستقلال، أثرت عليه بشكل سلبي، لأنه تلمّس دور عائلته، كالكثير من عائلات الوجهاء في حينه، لكنه رفض رغبة أهله الانخراط في السياسية.

منذ أن بدأ يحاضر في الجامعات التونسية، عن تاريخ الأديان والإسلام والمغرب العربي والسيرة النبوية، برز كمؤرخ من قماشة مختلفة، خصوصاً أنه كان الوحيد من أبناء جيله الذي يحمل شهادة رفيعة في اختصاصه.

ومع السنين، تحولت محاضراته الجامعية إلى كتب نالت شهرة واسعة، إذ كان يسعى ألا تكون المعلومة محصورة بالأكاديميين، بل متاحة لجميع القراء، من خلال أسلوبه السلس، ومنهجيته العلمية الدقيقة، وأفكاره التنويرية التي شكلت نهجاً جديداً بالكامل في التأريخ للحضارة العربية والإسلامية.

ويعد جعيط أحد أبرز المفكرين المجددين في قضايا الفكر العربي والإسلامي، وقد عرف بكتاباته الداعية إلى التحديث والتنوير وهو من دعاة الاعتدال والوسطية. وهو من آخر المؤرخين العرب الكبار، الذين قدموا قراءات نقدية للتاريخ الإسلامي، وأسس منهجية منفصلة عن المقاربات الاستشراقية للإسلام.

كان أستاذاً فخرياً لدى جامعة تونس وأستاذا زائرا في عدة جامعات عربية وغربية. شغل منصب رئيس المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة" بين 2012 و2015 كما كان عضوا في الأكاديمية الأوروبية للعلوم والفنون.

أصدر العديد من المؤلفات باللغتين العربية والفرنسية التي ناقش فيها جملة من الإشكاليات المحورية في التاريخ الإسلامي وأهم مكونات الموروث الحضاريمثل "أوروبا والإسلام: صدام الثقافة والحداثة" و"أزمة الثقافة الإسلامية" و"الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي" و"تأسيس الغرب الإسلامي".

لكن من أبرز مؤلفات جعيط "الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر" الذي صدر بالفرنسية عام 1989، وصدرت الترجمة العربية عن دار الطليعة في بيروت عام 1991 وصدرت لاحقاً عدة طبعات للكتاب في عدد من الدول العربية.

تطرق المؤرخ فيهذا الكتاب إلى مسألة طالما شغلت المفكرين والباحثين ألا وهي "لماذا دخل المسلمون في صراعات وحروب ولم يكن قد مر على نشـأة الدين الإسلامي سوى سنوات قليلة؟". وتناول الكتاب بالتدقيق والتحليل مقتل ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان وهي الحادثة التي تعرف بـ"الفتنة الكبرى".

ومن مؤلفاته المهمة أيضاً، ثلاثية "في السيرة النبوية" التي صدرت على مراحل بين عامي 1999 و2015 عن دار الطليعة.

في الجزء الأول الذي حمل عنوان "الوحي والقرآن والنبوة"، يتناول المسائل الثلاث التي تمثل أهم أعمدة الدين الإسلامي. وفي الجزء الثاني "تاريخية الدعوة المحمدية في مكة"، يقدم نقداً صارماً للنصوص ويبدد الصورة التي وضعتها السيرة للنبي محمد، وغذت المخيلة الجمعية الإسلامية على مدى قرون. وفي الجزء الثالث "مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسلام"، يشرح جعيط علاقة النبي مع أهل المدينة (يثرب) وتأسيس الأمة الجديدة، وما ساور هذا التأسيس من تحدّيات.

من الصعب تلخيص إرث جعيط الغني، ولكن من أبرز اسهاماته دراسته لتشكل الشخصية الإسلامية العربية عبر التاريخ، ودور الإرث الاستعماري في تحويل الإسلام من ديانة وعبادة، إلى هوية سياسية، ما يعدّ اليوم من النقاشات الأكثر اثارة للجدل مع ما تشهده الدول الأوروبية من علاقة شائكة مع المسلمين.

يقارب جعيط الاسلام بوصفه ديانة شابة، بلغت ذروتها الحضارية بين القرنين التاسع والثاني عشر، حيث كانت محفزاً لحراك فكري وعلمي كبير، وباتت الحضارة الإسلامية أشبه بامبراطورية، لكنها بدأت بالتقهقر التدريجي منذ القرن الثامن عشر.

ويقول جعيط في إحدى مقابلاته الصحافية إن محاولة المسلمين تجديد الفكر الإسلامي، كان لا بد أن يمر بعواقب، في ظل التراجع السياسي والعسكري للحضارة الإسلامية. برأيه فإن الدين كان "كبش محرقة" حين استخدم من قبل المتطرفين في مواجهة الاستعمار ولاثبات الوجود في مواجهة الغرب والحداثة.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

محمود محمد علي"عبد الرحيم كمال "هو واحد من أميز كتاب الدراما المصرية، الذي وصل في السنين الاخيرة بعد أن حجز لنفسه مكاناً بارزاً بين كبار كُتاب الدراما الكبار من أمثال "محمد جلال عبد القوى" و"أسامة أنور عكاشة"، و"مجدى أبو عميرة " وغيرهم، وصار اسمه علي "التترات" علامة جودة للعمل، فهو سينارست مبدع نجح في أن يصوّر ما بداخله من أفكار، أو أحداث، أو أخبار يختزنها، لينقلها إلى الآخر في صورٍ تختزن الكلام وتعيد ترتيبه، وفرزه من جديد حسب وعائه المعرفي ومخزونه الخاص.

وهو متصوف في حب كل ما هو موصول بالقلب.. شخصياته تنطق أشعاراً بالعامية، فيُحوّل الأدب العالمي قصصاً شعبية، ويقتبس من التاريخ ما يحلو له ليشارك به الناس أحلامهم وأمنياتهم.. وأفكاره أيضاً.. فكانت لغته الرصينة الراقية مفتاح الوصول الأسهل إلى تثبيت اسمه فى عالم كُتاب السيناريو خلال السنوات الأخيرة.

بل يمكننا القول بأن "عبد الرحيم كمال " بأنه "شيخ عرب" الدراما، وصانع " ونوس" بألاعيبه، وصاحب الكنز الذي تحمل أعماله كل الدهشة، بعد أن أبداع رحايا لم ترحمه، لكنه أخرجت أفكاره ناضجة حتي بانت اللمحة الصوفية واضحة في مسلسله الشهير " الخواجة عبد القادر".

إنه السيناريست والقاص والروائي الكبير "عبد الرحيم كمال" والذي جاء من صعيد مصر ليلمع اسمه في قلب سماء العاصمة بأعمال أثرت الفن المصري الحديث، بدأها بمسلسل "الرحايا" مروراص بمسلسل "أهو ده اللى صار"، ومنتهياُ بمسلسل " من القاهرة إلي كابول"

عشرات الأعمال ورحلته فى الصعود لا تنطفئ فى قلوب متابعيه، وهو أيضا صاحب رائعة الخواجة عبدالقادر.. يشوقنا إلى عمله الخامس "نجيب زاهى زركش" فى 2021 مع شريك نجاحه الأكبر يحيى الفخراني.. غير أن إبداعه لم يتوقف يوماً عند الدراما والسينما.. إنما يفعل كل ما يقوم به القلم من تأثير.. يكتب المقالات، والروايات والشعر والقصص والأغنيات أيضا.. فلم يكن غريبا أن يفاجئنا فى العام الجديد 2021 بنص مسرحي غنائي ضخم.. كاتب يروض أفكاره في كل أشكال الكلمة الممكنة... ولا عجب أيضا أن يظل عبد الرحيم كمال فى قوائم الأكثر تأثيرا من بين من كتبوا السيناريو لهذا العام فكان هذا الحوار بناء على اختيار محبيه.

و"عبدالرحيم كمال" من مواليد 30 أكتوبر عام 1971، حيث ولد بالعيساوية شرق ـ محافظة سوهاج، ثم انتقل والده إلي القاهرة، حيث عاش عبد الرحيم مع أسرته طفلاً في حي شبرا بالقاهرة ليلتحق بالصف الأول الابتدائي، ثم رجع ليستكمل دراسته بالمدرسة الثانوية العسكرية في سوهاج حتي عاد إلي القاهرة عام 1977م ليكمل دراسته في كلية التجارة الخارجية، ثم حصل علي المعهد العالي للسينما- قسم السيناريو عام 2000.

بدأ "عبد الرحيم كمال" حياته الأدبية من قسم السيناريو بالمعهد العالي للسينما متجها بعدها صوب الأدب برواية مجموعتين قصصيتين ورواية، وقد تم نشر بعض الروايات التي ألفها؛ منها (رحلة إلى الدنمارك وبلاد أخرى)، ثم غير بعدها وجهته إلي السينما والدراما في رحلة كبيرة لم يثنيه عنها شئ ؛ وقد تمكن "عبد الرحيم كمال" من إجادة كتابة الأعمال التي تصف الأجواء في الصعيد المصري لطبيعة مكان محل ميلاده بسوهاج.

فاجأ "عبد الرحيم كمال" جمهوره بإصدار أربع كتب جديدة منها : "صاحب الوردة"، وهو عبارة عن مسرحية تطرح معالجة جديدة لشخصية الحلاج المتصوف الشهير. والثاني هو "ظل ممدود"، وهو كتاب في الحكي الصوفي، وكتاب "منطق الظل" وهو كتاب يكمل فيه الكاتب رحلته الصوفية مع الظل مازجا بين سيرته الشخصية وتجربته. وأخيرًا هذه الكتب عبارة عن مجموعة قصصية بعنوان " قصص بحجم القلب".

أما بالنسبة لرواية "بواب الحانة" فنجدها تحمل لمحات صوفية عالية، فنبذة عن الرواية : قال عبد الرحيم كمال: عام كامل هو الأجمل في أعوام العمر. شربت خمرًا يكفي لإرواء فيل، ولم يتطرق الندم إلى قلبي ولو للحظة، يبدو أن القلب فسد.. عام كامل يا مولانا أشرب يوميًا بتلذذ واستمتاع، وأجالس السكارى، أشعر أنهم إخواني، بل أقرب.. يحدثونني عن أطفالهم وزوجاتهم وأموالهم وأحزانهم، وأحلام ضاعت وأحلام قد تأتي، ويبكون ويضحكون بصدق وأنا أحدثهم عن "الطريق والبلاء" وعن "الشيخ والمريد" وأذكر أشعارًا لابن الفارض والحلاج وسيدي محيي الدين، ومقاطع كاملة من "إحياء علوم الدين" ومن "الرسالة القشيرية"، ويستمعون لي في صبر وأدب وعدم فهم. كنت في الشهور الأولى أفيق مع صوت الأذان، وأخرج من الحانة للمسجد وأصلي وأعود، ولكن حينما أحببت الخمر وذقت المذاق لم أتركها. عام كامل يا مولاي حتى رأيتك في حلم الأمس تنادي عليّ وأنا أهرب منك، من أجل أن أمضمض فمي من طعم الخمر ورائحته. هل فسد القلب؟.

تعاون "عبدالرحيم كمال" مع كبار النجوم منذ بداية مشواره مثل : نور الشريف في مسلسل الرحايا، ويحي الفخراني في مسلسلي: (" شيخ العرب همام، و"دهشة")، واستطاع أن يدمج الأدب الكلاسيكي في اجواء الصعيد من خلال رائعة شكسبير الملك لير عبوراً إلي مسلسل دهشة، كما وضع بصمته علي أعمال حازت باهتمام النقاد وتصفيق الجمهور.

ودراما "عبدالرحيم كمال" كما تقول الأستاذة "أميرة همذاني" في مقالها الرائع بعنوان :" دراما عبدالرحيم كمال ما بين الصوفية والشخصيات الواقعية"، تقوم على ثلاث عوامل بشكل رئيسي:

1-الجانب الصوفي: وهذا موجود في كل أعمال "عبدالرحيم كمال" تقريباً من بداياته في فيلم "علي جنب يا اسطى"، ومعه في كل مسلسلاته، حتى ولو بمشهد واحد، وبإمكاننا معرفة أن العمل من كتابته، لما تحس روحه في المشاهد الصوفية تحديداً.

2-شخصيات حقيقية: كثير من دراما عبدالرحيم كمال مبنية علي أحداث حقيقية؛ مثل "شيخ العرب همام"، و "الخواجة عبدالقادر"، و" ونوس "، ودهشة"، وغيرهم، فهو يبني أحداثه علي عصب حقيقي وببدع بعدها خياله في تكوين فلسفة كل عمل فيهم وأحداثه والشخصيات التي يضيفها.

3-الصعيد: لأنه في الأصل صعيدي، فتقريباَ لا يوجد عمل له في الدراما تحديداَ يخلواَ من الصعيد، ولا يذهب لدراما الصعيد الكليشيه عن "الثأر"، و"تجار المخدرات" .. إلخ، بل يذهب لصعيد حقيقي بحواديت جديدة غير تقليدية، بالإضافة إلي أنه في كل عمل صعيدي له، يضيف مصطلحات صعيدية جديدة علي الدراما، وعلي اسماعنا كمشاهدين.

هذه العوامل الثلاثة كما تقول "أميرة همذاني" هم من كونوا كينونته ككاتب صنع من خلالهم تحف وعلامات للدراما المصرية، مثل " الرحايا، شيخ العرب همام، الخواجة عبدالقادر، دهشة، ونوس، يونس ولد فضة و أهو ده اللي صار".

وقد قال "عبد الرحيم كمال": "علاقتي ككاتب بالزمن علاقة قديمة ومركبة لأن التاريخ دائما يعيد نفسه من ماضي وحاضر ومستقبل لأنه امتداد للتجربة، واعتمدت تجربة الفيلم علي التنوع، واختلاف الزمن بالاشتراك مع شريف عرفة من خلال اختيار الورق والتركيز علي المناطق التاريخية المميزة".

وقال "عبد الرحيم كمال"، عن سبب ندرة ظهوره أنها طبيعة المهنة كون الكاتب دائما خلف الكاميرا، وأضاف عبد الرحيم كمال خلال استضافته في برنامج "معكم" الذى تقدمه الإعلامية منى الشاذلى ويذاع على قناة CBC، أن الكثيرين "يظنون أننى كبير فى السن" موضحاً السبب: “من حظى أن بدايتي كانت مع نجوم كبار ففى مسلسل "الرحايا" كان عمرى حينها 36 عاما وفى "شيخ العرف همام" كنت حينها 38 عاما، وهذه الأعمال قد استغرقت منى ما يقرب من عشر أو خمسة عشر عاماً".

وعلى الجانب الآخر، كان قد عرض "عبد الرحيم كمال": في رمضان الماضي مسلسلين رائعين من تأليفه أولهما بعنوان "القاهرة كابول" مع المخرج حسام علي والنجوم طارق لطفي وخالد الصاوي وفتحي عبد الوهاب وحنان مطاوع. والعمل الثاني "نجيب زاهي زركش" مع النجم يحيى الفخراني والمخرج شادي الفخراني.

وقال "عبد الرحيم كمال"، مسلسل القاهرة كابول يعبر عن هوية الطيبة والوسطية التي كل ما نبحث نجدها في مصر، فمصر تعبر عن الوسطية وشعبها طيب، بينما الإرهاب والتطرف فهذه أشياء استثنائية وشيطانية وهجين في المجتمع المصري؛ وأضاف السيناريست عبدالرحيم كمال، خلال برنامج كلمة أخيرة، المذاع على قناة on، الذى تقدمه الإعلامية "لميس الحديدى"، أن مسلسل القاهرة كابول ناقش كيف يتم تحويل الشخص لإرهابى ولكن بعقل وهدوء بدون عصبية والتأكيد على أن مصر أكبر واكرم من هذا.

وتابع "عبد الرحيم كمال": أتمنى أن هذه الفكرة تصل للجمهور، والتأكيد على أن الأنبياء حذروا من الإرهابيين، وأن هؤلاء أبعد ما يكون للدين، متابعا: الإرهابي "رمزي" ملمح يجمع كل الشخصيات الإرهابية التى رأيناها في التاريخ خاصة أن الارهاب متشابك .

وفي نهاية حديثنا عن السيناريست "عبدالرحيم كمال" لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لهذا السيناريست المبدع، والذي جعل مهمته تحويل الأفكار والأقوال التي ينطق بها إلي أفعال وحركات درامية معاشة، بحيث تجسّد أمام الكاميرا، أو تحويل ما هو أدبي إلى ما هو بصري.. فتحيةً طيبة لهذا الرجل السيناريست العظيم الذي نجح في أن يفرق بين نوعين من السيناريو:، الأول هو السيناريو الذي يحول الأعمال الأدبية العظيمة إلى السينما، أو التلفزيون، أو الإذاعة، والثاني هو السيناريو المشغول من أصله للمرئي أو المسموع ؛ وفي كلاهما نجح "عبد الرحيم كمال" نجاح بارع في أن يفدم لنا خلطة وصفية تفصيلية مكتوبة في تسلسل جامع بين الصورة والصوت، تُقدم إلى المخرج الذي يحولها إلى واقع مرئي سمعي.

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط