محمود محمد عليفي هذه الأيام تمر الذكري الخامسة علي وفاة الدكتور محمد إبراهيم منصور – العميد السابق لكلية التجارة بجامعة اسيوط بجمهورية مصر العربية - ذلك المفكر المصري اللامع، وعالم السياسة رفيع القدر، والكاتب الصحفي المتميز، كنت أسمع عنه منذ ربع قرن، وعندما تولى موقعه مديراً لمركز دراسات المستقبل في جامعة اسيوط، كنت أتردد عليه باستمرار لأتعلم منه أصول الفكر السياسي والاستراتيجي، وقد وجدت فيه وفاء الصديق، وقلب الطفل، ومثاقفة الفارس، وأريحية المفكر، والنبوغ المبكر، والعبق القديم، وعطر الزمان الجميل، وكبرياء المفكر، وسمو العالم، والحرص الشديد على الكرامة، والاعتزاز بالنفس مع الشجاعة فى إبداء الرأى والخروج عن المألوف بأفكارٍ غير تقليدية، طلباً للتطور والإبداع، والمعرفة الموسوعية، وغير ذلك من الخصال، الأمر الذي كان وراء حيرتي وقلمي في اختيار أحد الجوانب لأتحدث عنه، فراق لي أن أتحدث عن محمد إبراهيم منصور وعولمة الإرهاب.

فالدكتور محمد إبراهيم منصور هو ذلك المفكر الاقتصادي المرموق الذى قطع رحلة طويلة ‏عبر آفاق علوم الاقتصاد ‎وفروعها المختلفة، واستطاع ‏باجتهاده أن يصل إلى تصور شامل للنظرية الاقتصادية في مصر، ‏فلسفة وفكراً، من منظور يساري ورؤية عصرية، فجاء ‏مختلفاً عن سابقيه متميزاً عن غيره،‎ ‎والذين يطالعون ما ‏كتبه الدكتور « محمد إبراهيم منصور » سوف يكتشفون أن منهجه فى ‏البحث يختلف‎ ‎عن أسلافه ؛ حيث يتميز عنهم بأنه أكثر جرأة فى الرأي ‏وشدة فى اقتحام القضايا‎ ‎الاقتصادية الأكثر حساسية.

والدكتور محمد إبراهيم منصور واحد من أكثر الذين عرفتهم في حياتنا اهتماماً بقضايا الوطن وهمومه، فلقد حمل الرجل على كاهله عبر تاريخه شؤون مصر بمشكلاتها فى القلب والعقل معاً، وظل معنياً بالشأن العام فى كل مراحل تفكيره، جزءًا من رؤيته للماضي والحاضر والمستقبل.

ولقد شهد له زملاؤه ومعاصروه له بالدقة، والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة ..إلي جانب ما يتمتع به من خلق رفيع،. ولا غرو في ذلك فهو يمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثا ومنقبا، محققا ومدققا، مخلفا وراءه ثروة هائلة من الكتب العلمية، والبحوث الاكاديمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطاهم خلاصة فكره وعلمه.

والدكتور محمد إبراهيم منصور من مواليد 4/9/1946 م من مركز أبو تيج، محافظة اسيوط، حيث حصل علي درجة الماجستير والدكتوراه في الاقتصاد، وبالأخص اقتصاديات الموارد الطبيعية والبيئة فى الوطن العربى، وشغل منصب عميد كلية التجارة – جامعة أسيوط من 2004-2006، ورئيس تحرير المجلة العلمية "دراسات مستقبلية"، وعضو المجلس الاستشاري للمركز العربي للدراسات السياسية، وغير ذلك من المناصب التي تقلدها سيادته.

أثري مركز دراسات المستقبل بالندوات والمؤتمرات التي قام بتنظيمها والإعداد لها، ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر :- الندوة الدولية "القدس : التاريخ والمستقبل"، و ندوة "التاريخ العسكرى لجنوب مصر عبر العصور"، وندوة أزمة المياه في القرن الحادي والعشرين، ومؤتمر "السوق العربية المشتركة ومستقبل الاقتصاد العربي"، ومؤتمر "دور المجتمع المدنى فى صياغة رؤية مستقبلية لمصر، ومؤتمر تكنولوجيا المياه وهلم جرا.

كما كان الراحل كاتباً مرموقاً فى عدد من الصحف والمجلات المصرية والعربية كجريدة الأهرام والوطن وروزا ليوسف والأهرام الاقتصادي والسياسة الدولية والحياة اللندنية وأخبار العرب الإماراتية والثورة اليمنية.

ولقد أثار الدكتور محمد إبراهيم منصور اهتمامي منذ سنوات فتابعته بتقدير مستمر ‏إلى أن جمعت بيننا ظروف‎ ‎مختلفة جعلتنى أكثر قرباً منه ‏وفهماً له، ولن أنسى ذات يوم أنه كان وراء إنجازي لكتابي حروب الجيل الثالث ونظرية تفتيت الوطن العربي "، وكتابي " حروب الجيل الرابع وجدل الآنا والآخر "، حيث أعانني كثيرا بالكثير من النصائح والتوجيهات فيما. وكلما أتيح لى أن أستمع إليه أو أتحدث معه أشعر أننى أمام ‏نمط يستحق التقدير‎ ‎ونموذج يثير الإعجاب.

وكم سعدت كثيرا حين أقامت جامعة أسيوط في ذكراه الأولي حفل تأبين لروحه العطره، وذلك بحضور الأستاذ الدكتور أحمد عبده جعيص رئيس جامعة أسيوط (آنذاك)، والدكتور جعفر عبد السلام الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية والمستشار هيثم منصور وعدد من أفراد أسرة المرحوم الراحل وزملائه وطلابه من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة إلى جانب أسرة العاملين بالمركز.

ولا أنسي الكلمة الرقيقة التي قالها في حقه الدكتور أحمد عبده جعيص، حين أكد مصاب الجامعة الأليم فى فقدها لرجل فى قامة ومكانة المرحوم الدكتور محمد إبراهيم منصور والذي كان يمثل فخر للجامعة وعمود ارتكاز لكثير من أنشطتها، داعياً المولى عز وجل أن يتقبل ما قدمه من علم وعمل فى صالح أعماله وأن يظل علمه النافع صدقة جارية ترفع من درجاته فى جنات النعيم بإذن الله .

وحول رؤية محمد إبراهيم منصور حول عولمة الإرهاب فنجدة يؤكد أن العولمة ظاهرة اقتصادية عابرة للحدود والسيادات الوطنية، كما لو كان العالم مجرد سوق كبيرة، تقف وراءها شركات عملاقة متعددة القوميات ودول كبيرة فى آن؛ والعولمة لها وجهان متكاملان: الاقتصاد والتكنولوجيا، ووراءهما تقف الأطراف المسيطرة على هذين المجالين معاً.

وقد جاء عصر العولمة بمفارقات جديدة كما يقول محمد إبراهيم منصور، فبعض الدول تآكلت سيادتها وتراخت سيطرتها على حدودها وأراضيها وأسواقها فصارت مستباحة، بينما عرفت العولمة صعود دور الفعالين المسلحين من غير الدول، فقد ظهرت جماعات صغيرة مسلحة تحاول أن ترث سلطة الدولة ذات السيادة، وتستطيع بفضل استعمالات التكنولوجيا أن تهدد العالم من دون أن يكون لديها دول، بالمعنى السيادى والدستورى، ولكنها أقامت -بالمصطلح المعلوماتى- دولاً افتراضية على طريقة «الدولة الإسلامية فى العراق والشام» المعروفة إعلامياً بداعش، أو الدولة الإسلامية فى شمال مالى، أو الدولة الافتراضية التى أعلن عنها الشباب المسلم فى الصومال أو جماعة «بوكو حرام» فى نيجيريا أو أنصار بيت المقدس فى سيناء.

وهذه الدول الافتراضية أو المنظمات الإرهابية عابرة القارات في نظر محمد إبراهيم منصور تشكل تهديداً محتملاً للأمن والسلم الدوليين؛ فنجد إن عالم المستقبليات «ألفن توفلر» يعتقد كما يذكر محمد إبراهيم منصور: أن هناك خطورة من حصول الشبكات الإرهابية على الأقمار الصناعية، ولا سيما أن هناك أقماراً «متناهية الصغر»، وقبله حذرنا فى مقال منشور بالأهرام تحت عنوان «سيناريوهات ما بعد 11 سبتمبر» قبل أن يهدأ غبارها من وقوع أجيال جديدة من الأسلحة النووية تُنقل فى حقائب اليد إلى جماعات إرهابية. وقد بات من الثابت أن جماعة النصرة الإرهابية فى سوريا استخدمت سلاحاً كيماوياً محرماً، بينما لُفِّق الاتهام إلى النظام السورى!..

وكما أن فى العولمة شركات متعددة القوميات، هناك أيضاً منظمات إرهابية متعددة القوميات كما يقول محمد إبراهيم منصور، أعضاؤها شتيت من كل الأقوام والأجناس، وجميعها تنظيمات إرهابية، ما كان لها أن تلتقى وتجند أعضاءها وتتفق فى أهدافها، وتتبادل المعلومات فيما بينها، وتنسق نشاطاتها وعملياتها وتتوفر على مصادر تمويلها إلا بفضل الثورة التكنولوجية التى صاحبت العولمة، وخلقت شبكات للتواصل والتمويل بين هذه التنظيمات.

وقد أظهرت نشاطات إغراء المتطوعين لـ«الجهاد» فى سوريا والعراق كما يقول محمد إبراهيم منصور طفرة فى توظيف مواقع التواصل الاجتماعى، إذ لوحظ أن هناك تحولاً فى نمط الخطاب الذى توجهه التيارات التكفيرية بهدف إغراء المتطوعين بتقديم صورة أكثر جاذبية عن الجهاد وعن «الثواب» الذى يصيبه المجاهدون مثل غنائم الحرب ونكاح الجهاد وسبى النساء والسيارات الخاصة واستخدام الوسائط التكنولوجية الحديثة. ألم تنقل التكنولوجيا الإرهاب من ظاهرة محلية محدودة إلى ظاهرة عابرة للحدود والقارات؟! وهل تقارن تدفقات «المجاهدين» على سوريا بالحرب الأفغانية فى ثمانينات القرن الماضى التى لم تصل إلا لأقل من 10 آلاف مجاهد من الدول العربية والإسلامية؟! وهو عدد أقل من عدد المقاتلين الأجانب غير العرب فى سوريا وحدها (12 ألفاً من 81 دولة) أى بمثابة (غزوة متعددة القوميات)!ألم تتمكن التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود من تأسيس اقتصاديات موازية تقوم على شبكات تمويلية لا مركزية الطابع خارج نطاق النظام المالى العالمى، حافظت على قدرتها على تمويل عملياتها الإرهابية دون الاعتماد على المصادر التقليدية للتمويل؟! وهو ما يُعرف بالشبكات العميقة، التى تضم تحالفات مصلحية غير مقدسة بين التنظيمات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة التى تقوم بنشاط واسع فى مجال غسيل الأموال.

إن العولمة ظاهرة مليئة بالتناقضات، فكما أنها أنتجت عولمة التجارة وعولمة الديمقراطية وحقوق الإنسان، أنتجت كما بقول محمد إبراهيم منصور أيضاً «عولمة الإرهاب». وصار صعود الإرهاب مرتبطاً بصعود العولمة. ففيما تضاعف حجم التجارة العالمية منذ سنة 1990 إلى السنوات الأولى من الألفية الثالثة من 5 تريليونات دولار إلى 10 تريليونات دولار، فقد تضاعف حجم تجارة غسيل الأموال -على الأقل - عشر مرات ليبلغ 5.1 تريليون دولار على مستوى العالم. ليس غسيل الأموال الناتج عن فساد مالى وأخلاقى موسع إلا محصلة لتعاون المافيات ومراجع سلطوية متعددة يبرهن فعلياً عن الإرهاب.

لقد بات النظام المالى العالمى، بما يشمله من بنوك كبرى كما يقول محمد إبراهيم منصور، غير ملائم لنقل الموارد المالية عبر الحدود بسبب القيود الأمنية، وصار تعويل التنظيمات الإرهابية الأكبر على شركات الصرافة ونقل الأموال والتعاملات الشخصية والتدفقات المالية عابرة الحدود التى تديرها منظمات الإغاثة الإنسانية والمنظمات الخيرية، فضلاً عن توظيف وسائل افتراضية جديدة للتدفقات المالية عبر الإنترنت من خلال بعض مواقع التحويلات المالية، وغالباً ما تستخدم التنظيمات الإرهابية «عملة افتراضية» تعرف بالبيكتوين Bictoin كآلية لتلقى التمويل من المصادر الخارجية. ويتميز استخدام هذه العملة باللامركزية بدون وسطاء لتنظيم التعاملات، وتستخدم عبر شبكة الإنترنت، كما لا تصدر بأرقام متسلسلة كالنقود الورقية، ولا توجد وسيلة لتتبع التعاملات الافتراضية.

إن أسياد العولمة لا تعنيهم الأسباب الموضوعية التى تنتج الإرهاب كما يري محمد إبراهيم منصور، بل يكتفون فقط بعولمة محاربة الإرهاب واستخدام الدول الصغيرة فى هذه الحرب بالزج بها إلى صفوف المواجهة الأمامية، أو على الأقل توظيفها لاختراق عدد من الشبكات الإسلامية العالمية، وعوضاً عن جهود عالمية جادة تستأصل الأسباب الموضوعية التى تنتج الإرهاب، يُكتفى بتحالف -عديم الأثر حتى الآن- بين الدول لمحاربة الإرهاب سيان إن كانت الدولة مناوئة له بحق أو داعمة له مثل قطر وتركيا، وهما عضوان بالتحالف العالمي، والتورط التركى فى تمويل بعض الجماعات الإرهابية كجبهة النصرة فى سوريا أو الإخوان المسلمين فى مصر من خلال هيئة الإغاثة الإنسانية التركية لا يعوزه دليل، كما تنحى دراسة أمريكية محايدة باللائمة على قطر لتمويلها جماعات إرهابية فى سوريا وليبيا، وما خفى كان أعظم!

وفي نهاية مقالنا لا أملك إلا أن أقول تحيةً للأستاذ الدكتور محمد إبراهيم منصور الذي لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنسانى رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

بكر السباتينريادة، تحكم، عطاء

تعتبر الجالية الفلسطينية في تشيلي من أكبر الجاليات الفلسطينية في العالم بعد الأردن. وقد حلت تشيلي مكان الكويت عقب الغزو العراقي لها ومن ثم انسحاب الجيش العراقي وعودة الأمير للبلاد، إذ هجرها أغلب الفلسطينيين، والكثيرون منهم أتوا إلى تشيلي وتمركزوا في كافة أقاليم ومناطق تشيلي والغالبية منهم متواجدون في العاصمة والمناطق المحيطة بها، كذلك جنوب البلاد وعلى وجه الخصوص منطقة كونسبسيون، تشيان، فاديفيا، لينارز،كوريكو، تالكا وهي للأسف المناطق التي ضربها الزلزال بقوة والذي أصاب بالضرر الكبير معظم أملاك آل حنانيا على طول الساحل التشيلي، أما مؤسـسات الجالية في سانتياغو فالنادي الفلسطيني والمدرسة العربية وبيت المسنين كلها لم لم تصب بأذى بسبب الكارثة الشهيرة أما الكاتدرائية الارثودكسية العربية فقد تصدعت وتم ترميمها. وللعلم فإن البعض من الفلسطينيين يحملون الجنسية الأردنية.

* وفي تشيلي يسيطر حوالي 500 ألف فلسطيني علي 70% من اقتصاد تشيلي ويعتبرون الرقم الأصعب في التنمية المستدامة في البلاد، إذ يوجد أكبر عشر بنوك في تشيلي 6 منها مملوكة لفلسطينيين؛ ويتبوأ بعضهم مناصب كبيرة، خصوصا في مجال التجارة التي يسيطر عليها الفلسطينيون بالإضافة إلى صناعة السجاد والمتاجرة به. ومن أهم الأسماء الفلسطينية الفاعلة في التنمية التشيلية المستدامة:

– خوسيه طاهر صاحب أكبر بنك في تشيلي.

– روبرتو بشارة عدوي من كبار رجال الأعمال.

–  خوسيه سعيد بندق مستثمر كبير ومن أغنياء تشيلي.

–  سلفادور سعيد، رجل أعمال تشيلي من أصل فلسطيني تعود جذور عائلته إلي منطقة بيت لحم،يعد واحدا من أثري أثرياء تشيلي والقارة اللاتينية،يمتلك مشاريع في تشيلي والأرجنتين والبرازيل والولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكولومبيا والبيرو،تتنوع استثماراته مابين العقارات والمراكز التجارية والبنوك والطاقة والقطاع الزراعي والغذائي وأخيرا دخل للاستثمار في مجال الرياضة عندما اشترى نادي بالستينو التشيلي أو نادي فلسطين الذي أسس في العشرينات علي ايدي أبناء الجالية الفلسطينية في تشيلي وكانت حال النادي قد انحدرت في السنوات الأخيرة وتراجع لقلة التمويل والإهمال ولكن بعد أن اشتراه الملياردير سلفادور سعيد لأسباب وصفها بأنها وطنية وعاطفية بحته وأغدق الأموال علي النادي،عاد النادي مرة أخري للتقدم والمنافسة بشراسة في الدوري التشيلي.

– رئيس جمعية المحامين، ليوناردو عمرو.

– المخرج السينمائي يجيل ليتين.

– عمدة العاصمة سانتياغو بابلو زالاكويت سعيد.

وهناك وزراء كثيرون من أصل فلسطين، إضافة إلى وجود أكثر من 22 مؤسسة وجمعية تعنى بشؤون الجالية الفلسطينية.

* شعراء تشيليون من أصل فلسطيني( أبناء فقدوا الأم)

في العدد 14 لشهر يوليو/ تموز الماضي من كتاب الشهر الذي تصدره وزارة الثقافة الفلسطينية، نتابع هذا الوطن المفقود المنكوب في قصائد ثمانية شعراء فلسطينيين من تشيلي، ترجمة وتقديم الأديب أحمد يعقوب.

إنهم ثمانية شعراء ذوو حضور بارز ومؤثر في وطن غربتهم تشيلي، وفي كل أقطار أمريكا اللاتينية، إلا أنهم في الواقع، غير معروفين في وطنهم الأم فلسطين، ناهيك عن بقية البلاد العربية .

المترجم والمقدم أحمد يعقوب اختار عنوانين لهذا الكتاب هما:

مهجريون جدد، وأبناء آخرون فقدوا أمهم.

وعن السبب الذي دفعه إلى العنوان الأول، يقول: إن هؤلاء الشعراء، لا يقلون أهمية عن الشعراء المهجريين الأوائل كإيليا أبو ماضي وغيره.

وهذه نبذة عن هؤلاء الشعراء مع مقتطفات من أهم أعمالهم:

* الشاعر اندرس سابيلا

هو من القدس اصلا لكن من مواليد تشيلي لأم تشيلية؛ توفي في التسعينيات.

وفي مقابلة صحفية له عندما زار فلسطين قبل وفاته في التسعينات وحصوله على تكريم الرئيس الرحل ياسر عرفات قال الشاعر اندرس: ” عندما كنت صغيرا في العقد الأول من القرن العشرين جاء والدي حاملا معه صورة للقدس وعلقها في صالون المنزل وقال لي أن هذه المدينة المقدسة أمانة في أعناقكم أيها الجيل الجديد، وكان والدي كلما نظر إلى صورة القدس القديمة تجده وقد بدأ يذرف الدموع، وقد آخذت الصورة بعد وفاة أبي وعلقتها في بيتي”.

الشاعر محفوظ مصيص( قناص الشعر كما يلقبه النقاد التشيليين)

هو ابن لفلسطيني مقدسي وأم لبنانية، حين أبصر النور على أرض التشيلي، سماه أبوه وأمه «أنطونيو» ولكن «أنطونيو» حين نضج، وانتفضت روح الشعر في داخله، ليكتشف أنه عربي فلسطيني، أطلق على نفسه اسم «محفوظ» وفي أحدى قصائده نقرأ فيض هذه الروح:

“على قدم سلسلة الجبال

هذه، غير الرحيمة والبيضاء

أنا محفوظ مصيص

أريج فلسطين في القارة الأميركية

مواطن من العالم الثالث

من العين الثالثة

لهذا القمر الفارغ

أطلق صوتي مثل مهرة إزاء الظلمة الصلدة”

وأثقال المنفى (الغربة) الشتات في هذا الفيض، تحاصر هذا الشاعر المسكون بأريج فلسطين، بل هو هذا الأريج ذاته، فيصرخ:

«أنا الذي خرج من صلبك

الأول في المنفى الفقير هذا

أبداً ما فهمتك كنت تسأل

لماذا نحن هنا؟ كم هي بعيدة فلسطين

وأنا فقط من كان يريد البكاء

..أن أقول لك: لنمش سوية إلى فلسطين

لكنها لم تعد موجودة

وأنا وأنت نمضي في شتات”

– الشاعرة ” أولغا لولاس”

أما الشاعرة «أولغا لولاس» فإنها تجيء «من بؤبؤ الحلم، ومن شذى القلب الذي يستريح في الآبار العميقة»، كما تقول في إحدى قصائدها ومن السهل أن نفهم، عبر مخيلتنا، وأحاسيسنا، أن هذا الحلم، هو فلسطين، وأن القلب فلسطين، وأن فلسطين هي الآبار العميقة أيضاً، دون أن تذكر الشاعرة اسم فلسطين ذاتها، في النص.

“أجعل صوتي يرن

وضربة من الضوء

تستحضر حشوداً من صمت الذين سيأتون

ليحصدوا الموت

وزراعته لوعد يزهو.”

“مرايا السرنمة”

– الشاعر تيودور السقا عبيد

ولد تيودور السقا في سانتياغو يوم 25 تموز 1958 درس تصميم الديكور في تشيلي بدأ اهتمامه بالأدب مبكّراً. يمارس الرسم وشارك في معارض كثيرة فردية وجماعية.

مختارات من شعر الشاعر التشيلي من أصل فلسطيني: تيودور السقا أبو عبيد ـــ ترجمة:رفعت عطفه

من أعماله:

تعلّم الموت (شعر) 1983

ريح بلا ذاكرة (شعر) 1984

***

1 – قصيدة” عودة”

مرّت الطفولةُ سريعةً،

مخلّفةً نفقاً

أعود إليه أحياناً

كي أدمل الجراح.

2ـ وقتٌ في جهنَّماتٍ أخرى

إلى أرتور رامبو

أيّها الموت،

يا وحشة البشر الكونية،

يا يد الوجود الحذرة،

خذ روحي إلى جحائم أخرى.

قصيدة ” شرفة”

تعبرُ سحائبُ

جيادٌ دانتية،

أسماك جبّارة

طيور ضائعة.

كلّ شيء يمرّ من هنا

من هذه الشرفة المُضعضعة

بدقّة دينية.

3 – قصيدة “الثواني”

دلف في الرأس

حيث ينزلق الوقت

قطرة فقطرة.

كيف ننشر الأجنحة؟

كثيرة القضبان!

عطش العصافير!

بنوا بيتنا

بالقرب من الطريق

الذي يقود إلى الموت…

4 –  مقطع شعري:

مرّ البشر

السفن

الجبال

كلّ شيء راح يرتفع بعيداً

عن درجات الموت، ملامساً في الأبدية

خطَّ النوّاسات.

5 – مقطع شعري:

جيوبي مليئة بالماس

والأحلام

التي عليّ أن أصقلها.

نشرت مجلة الآداب العدد 119/2004

– الشاعر فريد متوازي

ولد فريد متوازي غزال يوم 14آب 1929، درس العلوم الإنسانية في مدرسة تطبيق سانتياغو واتبع بعدها دورات في إدارة المؤسسات، عمل بشكل أساسي في التجارة والصناعة …

نقلاً مجلة الآداب الأجنبية العدد 90 ربيع 1997

– الشاعر ماتياس رفيدي

شاعر وباحث جامعي من أصل فلسطيني. ولد عام ١٩٢٩ في مدينة كوربيتو.

بعد الدراسة الثانوية انتسب إلى معهد بيلايو الديني الذي ما لبث أن هجره. حصل على الدكتوراه من الجامعة المركزية في مدريد، وعين عام ١٩٥٦ أستاذًا للغة القشتالية في الجامعة الكاثوليكية في الشيلي، ثم درس علم الجمال في مختلف الجامعات داخليًا وخارجيًا، وشغل مناصب إدارية تعليمية عدة، وانضم أخيرًا إلى مجمع اللغة.

من مؤلفاته): قلب شفاف (ديوان، الرواية الإسبانية الأمريكية المعاصرة، مدخل إلى الشعر الشيلي المعاصر.

– مقتطفات من ديوان “الناعورة”:

“1”

“ويطلّ على عيني قلق الصحراء.

وتجرحني رمالها العارية المالحة

وإيقاع خفي يهدهد أحلامي

يستيقظ العود منتخبًا في عروقي

ويذيب في النهر اللامتناهي بكاءه

والنخيل ينشر مظلاته الشمسية

كرايات نقية ترف فوق حقلي الجديب”

“2”

“عدت إليك اليوم

عودة نهائية.

وفي مرآة بسمتك

المتمردة تمخر عيناي

بلطف.

خرجت ذات ليلة طويلة

بطيئة باحثًا عن نهر

عجيب مذهب ومتلألئ”

نقلاً عن مجلة – الآداب الأجنبية العدد132

– من ديوان ” قلب شفاف”:

قصيدة وينعطف الإسمنت

“وكانت خطاي المحمومة

أشباحًا في الظلمة الدافئة.

لكن ذلك النهر لم يكن سوى

بريق سيف فارغ بارد.

وصرت في عودتي شجرة هامدة

ذات اسم يهوي وحيدًا نحو النسيان

لكنك فاجأتني بالقول:

” ها هنا تنمو شجرة جديدة، ونهر

أزرق وهواء عالٍ جدًا

كفراشةٍ ملكةٍ شّفافةٍ”

كمالك شفاف”

وأحست وسط القصب

الرهيف بصوتك

ش ّ لا ً لا أخضر من الموسيقى

يملأ قلبي عصافير

مضيئة”.

نقلاً عن مجلة الآداب الأجنبية – العدد133

– من ديوان” سيرة ذاتية مصغرة”

في النواصي الأخيرة

ويصعد عابر

أسود

في جيوبه

ينام رماد النهار.

وأضواء تومئ

في المطر أشباح

فتيات ضالات.

وتترنَّح الأشجار

في الطريق إلى عينيه.

والأفق يفرز

صورًا منبئة الفواجع.

…………

ابنتي في الظلام، تحمل

مفاتيح خفية في نومها

أية رياح ستهب

في الربيع؟

حمامة سوداء

مهجورة

– من ديوان ” ما قبل العشبة”

إلى أبي لما مات.

كان يحب البحر كما

يحب الأنهار. جاء من مكانٍ قصي

معّلقًا آماله على كل موجة.

بسمته شرفات

تمخر الهواء.

خّلف وراءه عصافير

……………..

الغرق. خرائب

مدينة مهجورة

آه! يا وجهًا مأسورًا

يا وجه الموت الذي يمضي.

نقلاً عن مجلة الآداب الأجنبية العدد 136

– قصيدة غير منشورة

“1”

ذلك الرجل

بحقيبته الملأى بالخرز

هو قطعة من متحف

في مدينة تلتهمها التّنينات.

“2”

أبناء الشمس والليل

سيعودون من الصمت

أشباح مماثلة

سُتنزل شرفاتٍ

وأبطأً لا.

والذاكرة سوف تخترقها

مشاهد مألوفة، وسيخط

اسم واحدٌ

إيماءاتٍ قديمة.

لا أدري إن كنت سلفي على الكوكب

أو عابر سبيل

جديدًا ووحيدًا.

نقلاً عن مجلة الآداب الأجنبية العدد 137

– الشاعر سلفادور جنيني

الشاعر فريد نصار

* نادي فلسطين

أسسه الوافدون الأوائل إلى تشيلي من فلسطين واسم النادي هو `باليستينو` وهو من الأندية العريقة في هذا البلد وسبق له الفوز ببطولة الدوري والكأس اكثر من مرة، ومعظم مشجعيه هم من أبناء الجالية الفلسطينية.

ومن أشهر اللاعبين الدوليين في تشيلي ذوو الأصل الفلسطيني:

– اللاعب بالمنتخب التشيلي، كارلوس أبو ماهر .

– اللاعب داوود غزال.

– لاعب المنتخب التشيلي ميغيل لاتين.

– اللاعب بالمنتخب التشيلي ألفارو سايح.

– نيكولاس ماسو

إن الإنجاز اللافت الذي حققه رياضي ينحدر من أصول فلسطينية وهو حصوله على ميداليتين ذهبيتين في دورة الألعاب الأولمبية الأخيرة في أثينا لا يمكن المرور عليه مرور الكرام.

“نيكولاس ماسو” هو صاحب ذلك الإنجاز الرائع، نجح ماسو في العودة إلى بلاده الحالية (تشيلي)، التي هاجر أجداده إليها هرباً من الواقع المرير الذي كانت تعاني منه الأراضي الفلسطينية قبل ما يزيد على المائة عام، مزهواً بالذهب الذي زين عنقه.

ماسو توّج في أثينا بذهبية فردي التنس الأرضي، تلك الرياضة التي تتمتع بشعبية كبيرة جداً على مستوى العالم، وتجذب إليها مشاهير الفن والرياضة، وذلك بعد يوم واحد فقط من تتويجه مع مواطنه “.فرناندو جونزاليس” بذهبية الزوجي إثر فوزهما على الزوجي الألماني نيكولاس كيفر وراينر شوتلر، لتحقق تشيلي إنجازاً كبيراً سيبقى مدوناً في سجلات الدورات الأولمبية؛ تلك الذهبيتين لم تحقق تشيلي غيرهما خلال تاريخ البطولات الاولمبية، ما أعطى إنجاز ماسو وجونزاليس بعداً وطنياًَ كبيراً في ذلك البلد اللاتيني؛ وهو كان واضحاَ من الاستقبال الحافل الذي لقيه اللاعبين من الجماهير التشيلية التي احتشدت في مطار “سانتياغو” لتستقبلها استقبال الفاتحين بعد هذا الإنجاز الخالد، كما كان الاستقبال أكثر حرارةً من الرئيس التشيلي “ريكاردو لاغوس” الذي استقبلهما في قصر الرئاسة، ومنحهما أرفع الأوسمة في البلاد.

الإعلام التشيلي الذي هلّل لإنجاز ماسو كثيراً لم يتناسى أصول هذا الرياضي، فقد ذكرت معظم وسائل الإعلام التشيلية أن ماسو يبقى مواطناً تشيلياً ينحدر من أصول فلسطينية، وأعطته حقه كاملاً في هذا الشأن، وزاد احترامها له بعد أن رفع العلم التشيلي في سماء أثينا، ليضع تشيلي بين عظماء الرياضة في هذه المسابقة الأسطورية؛ وظل اسم ماسو يتردد في وسائل الإعلام التشيلية لفترة طويلة، وذلك على الصفحات الأولى لأكبر الصحف التشيلية التي أفردت إعداداً خاصة للحديث عن ذلك الإنجاز الذي جاء في الوقت الذي تمر به الرياضة التشيلية بحالة من الركود، ليأتي إنجاز ماسو كالبلسم للوضع الرياضي العام في تشيلي “حسب تعبير إحدى الصحف التشيلية “.

كما تحدثت وسائل الإعلام في بقية الدول الأمريكية الجنوبية عن إنجاز ماسو وقالت أنه سيبقى عالقاً في أذهان الجماهير التشيلية، وأكدت أن ذلك الإنجاز سيعود بالفائدة على الجاليات العربية الكبيرة الموجودة في أمريكا الجنوبية، ولا سيما الفلسطينية والسورية واللبنانية، حيث تعتبر من أكبر الجاليات هناك.

بيد أن الحديث عن حياة ماسو يتضمن الكثير من التباين، فهو صرّح مراراً أنه يتمنى أن يأتي ذلك اليوم الذي يمثل فيه بلاده الأصلية, فلسطين التي لطالما سمع عنها الكثير دون أن تطأ قدماه أرضها، يقول ماسو:” أعرف أنني مواطناً تشيلياً، فقد ولدت وترعرعت في هذا البلد وكذلك كان مولد أبي وأمي هنا، إلا أنه من المؤكد أنني أنتمي إلى بلد آخر – بحسب ما سمعته من الكثيرين – سمعت كلاماً مؤكداً أن جدي ينحدر من مدينة “بيت جالا” في فلسطين، لذلك آمل أن أتمكن من زيارة بلد أجدادي، فأنا أشعر بحنين غامض إلى ذلك البلد رغم تواضع معلوماتي عنه “.

– بين البروفسور نيقولا شهوان واللاعب ماسو

على ما يبدو فإن “نيقولا شهوان” وهو بروفيسور فلسطيني، يحاضر في عدداً من الجامعات التشيلية حول أحدث تقنيات التدريب في كرة القدم، وسبق له أن قاد المنتخب الفلسطيني لكرة القدم قبل حوالي العام، كان له تأثير على إحساس ماسو الغامض، فقد قال شهوان (للعربية.نت) ” إن ماسو وغيره الكثير من الرياضيين الذين ينحدرون من أصول فلسطينية ويقطنون في دول أمريكا اللاتينية، ولا سيما تشيلي والبيرو وكولومبيا يحلمون أن يمثلوا فلسطين في البطولات الرياضية الدولية، وهم ينتظرون بفارغ الصبر أن تعمل الجهات الرسمية الفلسطينية (اللجنة الاولمبية الفلسطينية) على الحديث معهم والتنسيق لمنحهم الحق في رفع العلم الفلسطيني في البطولات الرياضية المختلفة “.

وبخصوص ماسو قال شهوان:” علاقتي مع نيكولاس ماسو هي علاقة شخصية، فقد تحدثت معه مراراً حول إمكانية تمثيل فلسطين رياضياً، ولمست منه الموافقة المبدئية على ذلك، فاللاعب بحاجة فقط إلى من يقف بجانبه ويحدثه عن فلسطين التي ترجع جذور عائلته إليها ” ومن المعروف أن شهوان يعيش في مدينة (ريند دالمار) التشيلية، وهي ذات المدينة التي يقطنها ماسو، إضافةً إلى أن شهوان ينحدر هو الآخر من مدينة بيت جالا التي غادرها مع أسرته بعد عام واحد من ولادته..

– ” ثريا جادوي”.

وهي بطلة أمريكا الجنوبية في رياضة التجديف، وشاركت في دورة “أثينا ” الأولمبية الأخيرة، وكانت على وشك الحصول على إحدى الميداليات الثلاث في تلك المسابقة لولا سوء الطالع الذي لازمها،

ثريا جادوي تنحدر من مدينة “بيت لحم” بالضفة الغربية، وهي تعرف أنها فلسطينية الأصل، لكنها مضطرة لتمثيل تشيلي في البطولات الدولية، بسبب التجاهل الذي تلاقيه من المسئولين عن الرياضة في فلسطين، فليس من المنطقي أن تبقى تنتظر الدعوة لتمثيل فلسطين في هكذا بطولات في الوقت الذي تجد رعاية واهتمام كبيرين من القائمين على الرياضة في تشيلي التي ولدت وترعرعت فيها”.

“لويس مصري”

وهو من نجوم منتخب تشيلي سابقاً وشارك معه في كأس العالم في فرنسا العام 1998م، وهو حالياً قائد لفريق “يونيفيرسيداد دي تشيلي ” الذي يعتبر من أعرق الأندية في تشيلي، ويمثل قطباً من أقطاب كرة القدم هناك، ومصري يحمل شارة القيادة في الفريق منذ أكثر من ثماني سنوات، وشهرته لم تتوقف على كرة القدم فحسب، فالشعبية الجارفة التي يتمتع بها دفعت شركات الإنتاج في تشيلي إلى محاولة زجه في المجال الفني لما يتمتع به نجوم الرياضة عامّة في ذلك البلد من تأثير جماهيري جارف.

* العائلات الفلسطينية التي لها باع الثراء هناك كثيرة جدا منها علي سبيل المثال وليس الحصر :- (نزال، قسيس، سعيد، حنظل، أبومهر، الياس، بندك).

ويقيم أبناء الجالية الفلسطينية مناسبة إحياء ذكرى النكبة الفلسطينية من خلال فعاليات شاملة في أعلا مستوياتها الثقافية والسياسية والاجتماعية والإعلامية بإشراف المؤسسات الفلسطينية في تشيلي مثل:

– الفيدرالية الفلسطينية

– الفصائل الفلسطينية في تشيلي

– النادي الفلسطيني

– لجنة حق العودة

– اللجنة الديمقراطية الفلسطينية

– اتحاد المرأة الفلسطينية

– الإتحاد العام لطبه فلسطين

– المدرسة العربية

– كافة نشطاء الجالية

أما المخرج التشيلي من أصل فلسطيني (يجيل ليتين) فيقول عن فلسطينيي تشيلي:

“إنني أعيش في البلد الذي توجد فيه أغنى جالية فلسطينية في العالم خارج فلسطين، فالفلسطينيون التشيليون هنا فاحشوا الثراء وحين أقول فاحشي الثراء فهذا يعني أنهم ضمن قائمة أغنى أغنياء العالم ومع ذلك قليل جدا منهم الذين يتعاونون ويُساهمون من أجل التعريف بالفن والثقافة الفلسطينية، من بالباريسو إلى تاركا في المنطقة الممتدة بينهما توجد تقريبا فلسطين ثانية، غير أنها لا تهتم بما يجري في شعب وأرض أجدادها، إنهم يمتلكون بنوكا ويسيطرون على حركة التجارة، يمتلكون المراكز التجارية الكبيرة، يمتلكون هذا البلد تقريبا، هم أثرياء جدا لدرجة أنهم يختارون الرؤساء ومنهم النواب في البرلمان”.

 

بكر السباتين

11 مايو 2020

...........................

* من كتاب” الفلسطينيون عصاميون في تجربة النماء عبر العالم” لبكر السباتين

 

مصدق الحبيب (1766– 1834)  Thomas R. Malthus

هو القس الانگليزي والمفكر الاقتصادي والديموغرافي الذي عُرف بنظريته السكانية التي وصفت بالتشاؤمية وسميت بأسماء مسيئة منها "الفخ المالثسي" و"الكارثة المالثسية" و"شبح مالثس"، حتى ان هذه النظرة السلبية سرت على الاقتصاد بأكمله فسمي بالعلم المعتم الكئيب   dismal science. وبهذا فقد أثارت نظرية مالثس نقاشات وجدالات واسعة النطاق شملت حقول العلم والادب والصحافة، اكاديميا وشعبيا، وجعلت من مالثس الرجل المثير للجدل من بين كل الاقتصاديين الكلاسيكيين آنذاك.

ولد مالثس عام 1766 في سُري القريبة من لندن لعائلة موسرة وأب متعلم ومثقف وصديق قريب للفيلسوفين ديفد هيوم وجان جاك روسو. فضلت العائلة ان يكون التعليم الابتدائي والثانوي لاطفالها، وسادسهم مالثس، في البيت. وعندما بلغ مالثس السادسة عشرة دخل اكاديمية وورنگتن. وبعد سنتين واصل دراسته في كلية يسوع وتفوق في الرياضيات واللغات والثقافات اللاتينية والاغريقية. وفي عام 1789 أصبح قساً في أبرشية ووتن Parish of Wotton. في عام 1791 بدأ بدراسة الماجستير فأنهاها بسنتين ليصبح زميلا في الكلية.

1504 مالشسفي عام 1798 وفي الثانية والثلاثين من عمره نشر مالثس دراسته الشهيرة بعنوان " مقالة في دراسة السكان" والتي احتوت على فكرته الرئيسية المعززة بالاحصاءات والتي تتلخص بأن النمو السكاني يشير الى انه يزداد بمتوالية هندسية لكن الغذاء ومستلزمات العيش الاخرى تزداد بمتوالية حسابية مما سيؤدي بمرور الزمن الى حدوث فجوة بين الاتجاهين ستتسع لتجعل الغذاء المتوفرغير قادر على الاستجابة لحاجات الناس. هذا الاحتمال، ليس فقط سيعيق من امكانيات التطور والازدهار في المستقبل، بل انه من الممكن ان يؤدي الى حدوث مجاعات واضطرابات وحروب ستفاقم الحال! وقد يصبح البقاء للاقوى وتتغير طبيعة المجتمعات بعيدا عما نعرفه اليوم. كان السكان في وقت مالثس يتضاعف كل 25 سنة لكن الانتاج كان متخلفا عن ذلك بكثير  في عالم ماقبل الثورة الصناعية ومعرفة التطورات التكنولوجية. يشير مالثس الى ان هناك عاملان لتخفيف عدم الانسجام بين نمو السكان ونمو الغذاء والسلع الاخرى من اجل تحجيم الفجوة المؤدية الى الكارثة الانسانية:

العامل الاول سيحد من نمو السكان عن طريق ارتفاع معدل الوفيات. يحدث هذا عادة في حالات تفشي الامراض والاوبئة والمجاعات والكوارث الطبيعية والحروب. والعامل الثاني سيحد من نمو السكان عن طريق انخفاض معدل الولادات. يحدث هذا في حالات تقليل الزيجات وتأخيرها أو العزوف عنها في حالات ارتفاع الرغبة في العزوبية. كما يحدث في حالات الامتناع عن انجاب الاطفال او تقليل عددهم وتأخير انجابهم او تطويل الفاصل بين انجابهم. ولم يعول مالثس على معالجة الطرف الاخر من المعادلة المختلة وهو زيادة نمو الغذاء عن طريق استثمار مساحات اكثر للزراعة وتشغيل عدد اكبر من المزارعين ومنح الامتيازات والمحفزات لقطاعات الانتاج والعمل على تكثيفه وتنويعه ، فقد اعتبر هذه المعالجة بطيئة وغير فعالة. وقد يكون مالثس معذورا لانه لم يشهد آنذاك ما حدث بعده من تطور صناعي وتكنولوجي. كانت فلسفة مالثس الاخلاقية الدينية تجعله ميالا للتعويل على العنصر الاخلاقي السلوكي في الانسان ووعيه وواجبه ازاء مستقبل الاجيال. فقد اعتبر الوسائل المذكورة للحد من نمو السكان ممكنة اذا اعتبرها المرء واجبا انسانيا ينبغي الالتزام به من اجل الخير لمستقبل الانسانية جمعاء. ولم يكن ذلك متوقعا منه كرجل دين خاصة في حالة ذكره لتقنين الزواج وعدد الاطفال كمعالجة محتملة! رغم انه لم يدعو اليهما صراحة.

في عام 1799 سافر مالثس الى عدة بلدان منها ألمانيا وروسيا والبلاد الاسكندنافية من اجل جمع المعلومات السكانية والاطلاع على حال اقتصاداتها ليتم له التحليل الاوسع لنظريته التي مازال متمسكا بها. في عام 1805 اصبح مالثس استاذا للاقتصاد السياسي في كلية شركة الهند الشرقية في هرتفوردشاير. وفي عام 1818 اصبح زميلا في الكلية الملكية البريطانية. في عام 1820 صدر كتابه المعنون "مبادئ الاقتصاد السياسي" فكان ذلك مناسبة لاثارة ماسمي بالمناظرة المالثسية-الريكاردية نسبة الى صديقه ديفد ريكاردو الذي كان قد اصدر كتابا بنفس العنوان في السنة الماضية. استمرت هذه المناظرة طوال العشرينات من ذلك القرن وكانت متعددة الموضوعات منها الموضوع الاساسي "الريع". فالريع عند ريكاردو، وكما أشرنا سابقا، عبارة عن مكافأة لعنصر غير انتاجي وهو ملكية الارض التي لاتنتج كسواها من عناصر الانتاج اي سلعة او خدمة، انتاجا مباشرا! فهي إذاً، في نظر ريكاردو، تأخذ من الانتاج ولا تساهم فيه. أما مالثس فلا ينظر الى الريع بهذا المنطق بل يعتبره فائضا اقتصاديا. كان الجدال الدائر حول مسألة الريع متأصلا عن الجدال حول قوانين الذرة التي فرضت تعريفة عالية على استيراد الذرة من اجل حماية المنتوج المحلي والتي يساندها مالثس بقوة ويعارضها ريكاردو. تضمنت المناظرة مواضيع اقتصادية هامة اخرى كالتخمة في الانتاج glut وقانون سي وتراكم رأس المال. فالتخمة لاتحدث حسب اعتقاد ريكاردو المؤمن بقانون سي القائل بأن العرض سيخلق الطلب اللازم وسيحدث التوازن فلا خوف من تكدس السلع في السوق دون تصريفها. أما مالثس فيرى الامر مختلفا. يقول مالثس ان الانتاج هو عملية واقعة تحت سطوة المنتجين الذين يحفزهم الربح ويدفعهم للاستمرار بالانتاج لكن الطلب غالبا ما تحدده دخول الجموع وقواهم الشرائية وجلهم من العمال الذين يستلمون اجورا بحد الكفاف والتي لا تعينهم على الاستهلاك الذي يؤمن تصريف كل السلع المنتجة! وبالتالي ففرط الانتاج وارد وفائض العرض سيكون نتيجة له. كما اختلف الاثنان على مفهوم الانتاج الشائع فريكاردو يرى الانتاج شاملا للسلع والخدمات. أما مالثس فيراه متعلقا بالسلع دون الخدمات. ولذا، كان ذلك من الاسباب التي دعت مالثس الى الاعتقاد بأن اغلب زملائه الاقتصاديين لا يتوخون الدقة في تعريف المصطلحات المتداولة لما لذلك من الاثر البالغ في تسلسل المنطق وفهم النظريات. ففي عام 1827 اصدر مالثس قائمة طويلة بتعريفاته المفصلة لكثير من المفاهيم والمصطلحات الاقتصادية وتطبيقاتها وطرق استخدامها فكان بذلك أول الاقتصاديين في اصدار مثل هذا الدليل العام للمصطلحات. في عام 1834 تأسست جمعية الاحصائيين البريطانية وكان مالثس احد مؤسسيها. بعد ذلك بفترة قصيرة توفي مالثس اثر نوبة قلبية مفاجئة عن عمر 68 عاما.

في الختام يمكن القول بأن ماسمي بنظرة مالثس التشاؤمية كانت نتيجة لكون مالثس اقتصاديا تطبيقيا تحفز افكاره الارقام والاحصاءات وحساباتها بدلا من المشاعر. كان مالثس قد وُصِف بعد مماته من قبل اصدقائه والمقربين منه بانه كان رجلا مؤمنا كريما رقيق القلب مدنيا بسلوكه ومهذبا باخلاقه . عاش حياة هانئة هادئة تخللتها صداقات حميمة مع العديد من زملائه ومعارفه. كان ايضا رجلا وسيما رغم وجود شق ولادي في شفته العليا وسقف فمه مما أثر على طريقته في النطق والكلام.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

الطيب النقرتوطئة: إن لمجد الجاحظ بريق يخطف العيون، وحرف يأسر الأفئدة، فمؤلفاته الجامعة لشتيت الفوائد التي تدرك من غير مؤونة، ولا كد ذهن، قد استوعبت أصول الأدب، وأحاطت بفروعه، فتزاحم الناس على مر العصور والحقب على موردها العذب، وتسابقوا إلي محياها الغض، وثغرها الباسم، ولأنها بالغة الآثر، قوية الإيحاء تعهدها ثلة من أدباء هذا القرن بالعناية وذلك بشرح ما غمض من ألفاظها بعد أن نضب معين اللغة وتفشى الدخيل وأمست الفصحى تعاني العسف وتسام الخسف والتنكيل من قبل أحفاد رجال كانت لهم قدرة مذهلة في تطويع اللغة وتصريف أعنة القوافي. والحقيقة التي لا يغالي فيها أحد أن الجاحظ قد استرق القلوب، واستحوذ على العقول، بحلاوة لسانه، وحسن بيانه، وسداد منطقه، وبكلامه الذي تنزه عن شوائب اللفظ، وخلص من أكدار الشبهات، ولأنه يزاوج بين الجد والهزل فمؤلفاته حوت عدد من النكات والقفشات التي توْمضَ الجماد وتُضحِكُ الثكلى، وتجلي الحزن عن من تراكمت غمومه، وتتابعت همومه. فلقد كان ديدن الجاحظ الرجل الذي لا ينكص أمام المهاترات الجزاف هو مجابهة خصومه بالسخرية اللاذعة والأجوبة المفحمة، والتخلص الذكي.

الفصل الأول: بيئة الجاحظ العامة:

العصر الذي عاش فيه الجاحظ عصر استقرار وازدهار في جميع المرافق والأصعدة، عصر توطدت فيه أركان الدولة العباسية التي قيض الله لها رجال أشداء على شاكلة الرشيد وابنيه المأمون والمعتصم الذين كانت لهم جلالة تغشى العيون، وقداسة تملأ الصدور، ذلك النفر الذي كان يصل كلال ليله بكلال نهاره تدبيراً لشؤون دولته، وتوسيعاً لحدود مملكته، و"لم يكدر صفاء تلك الحقبة غير الحرب التي نشبت بين الأمين والمأمون، للنزاع على ولاية العهد، فسالت الدماء في خراسان والعراق، وأنفق الأمين الأموال، حتى إذا استقل أخوه المأمون بالخلافة، عادت الأمور إلي مجراها الأول في عهد الرشيد وأبيه المهدي وأخيه الهادي.ثم اختلت الدولة بعد عهد الواثق، فقتل المتوكل والمستعين والمعتز من خلفائهم".

1- الحياة السياسية في عصر الجاحظ:

كان ميلاد الأديب الأريب، والكاتب الملهم صاحب الأحاديث المنقولة، والبلاغات المأثورة، في خلافة المهدي، وطوته الغبراء في خلافة المعتز، وهذا يعني أنه عاصر مصابيح الدجى وأعلام الهدى، وفرسان الطراد، ملوك الدولة العباسية التي دانت لهم الأرض، وخضعت لهيبتهم الرقاب، الهادي والرشيد، والمأمون والمعتصم، والواثق والمتوكل."وتعد الفترة التي عاشها الجاحظ ظاهرة حضارية، وقوة سياسية، ونمواً اجتماعياً، وثقافياً، مختلف النزعات والميول والاتجاهات والرغبات، وذلك بسبب انتصار دولة بني العباس على أيدي الموالي الذين انبعثت أمالهم لتحقيق ما يريدون، اعتقاداً منهم أن دولة بني العباس قامت على كواهلهم، مما هيأ لهم الافتخار بجنسهم العجمي، وظهور الشعوبية التي تمجد الفرس، وتعليهم على العرب أهل الصحراء". ولعل ما لا يند عن ذهن أو يغيب عن خاطر أن الفرس هم الذين وطدوا دعائم الملك لبني العباس فهم الذين وضعوا أساليب الحرب ونظم الحكم وهم من كانوا ينذرون من يناوش بنو العباس بأفدح الخطوب، الأمر الذي جعل المؤرخون يذهبوا إلي حقيقة مفادها أن دولة بني أمية كانت عربية في مادتها وتكوينها، بينما كانت دولة أحفاد حبر الأمة رضي الله عنه أعجمية خراسانية. في هذه البيئة، عاش الجاحظ العصر الذهبي بين بسط المروج وأفنان الخمائل، العصر العباسي الأول{بدءاً من 132هـ} حيث كانت السلطة بيد الملك الذي دلائل الفضل عليه لائحة، وأمارات الحزم عليه شاهدة.

تعاقب على الدولة العباسية ملوك أشداء استطاعوا أن يبسطوا هيبتهم في كل صقع وواد من مملكتهم المترامية الأطراف، ملوك جعلوا أعدائهم يكابدون غصص الحرمان، فالخليفة المهدي الذي اتسم عهده بالنعيم والاستقرار، نجده في أول ولايته قد "أمر بإطلاق من كان في سجن المنصور، إلا من كان قبله تباعة من دم أو قتل، ومن كان معروفاً بالسعي في الأرض بالفساد، أو كان لأحد قبله مظلمة أو حق، فالذين أطلقهم هم من كان جرمهم سياسياً". كما نجده قد اهتم بالعمران وبناء القصور في طريق مكة، كما تفانى وأفرغ وسعه وجهده في رعاية المجذومين والمحتاجين. وبعد وفاته آلت السلطة إلي الهادي الخليفة الذي عاش الناس في عهده في حال جميلة وذخيرة جليلة، ومضت الدولة إبان حكمه في رخا ويسر. أما في عهد هارون الرشيد العهد الذي انفجرت فيه الحكمة من كل جانب، والعلم من كل ناحية، تلك الفترة التي قادها رجل هذبته الآداب وأحكمته التجارب، والذي بلغت الدولة العباسية شأوا عظيماً من الرقي والتقدم وتفتقت الأذهان إلي ألوان من الفكر والبيان، الخليفة هارون الرشيد الذي كان يجتمع على سماطه جمع غفير ممن رسخت أقدامهم في الدين والعلوم والأدب، يحييهم في أدب، ويناقشهم في وداعة.

ثم تسلم الحكم بعده"الأمين ثم المأمون، وكان عصرهم عصر قضاء على الثورات الداخلية والخارجية. ثم يأتي من بعدهم المعتصم الذي نشبت في عهده الثورات التي أشعلها بابك الخرمي ومازيار والافشين وغيرهم.فأقضّ مضجع الروم في غزواته المتكررة على الثغور، وتمثل في شخص المعتصم المجتمع العربي المثالي، في معنى النخوة، والحفاظ على الشرف العربي". والحقيقة التي ينبغي علىّ بسطها في هذا المقام أن هؤلاء الملوك الشجعان الذين استقر الأمر في عهدهم، واتسق الحكم، واستبان الطريق، أتي عقبهم ملوك اتسموا بضعف المغمز وهشاشة الحشاشة، فلقد كان عصر "المتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز يتصف بضعف الخلافة، وضياع هيبة الخلفاء، وفساد شئون الدولة؛ وذلك بسبب نفوذ الأتراك، الذين بلغ عددهم مبلغاً كبيراً في ظلال حكمهم".

لقد كان الطابع الفارسي واضحاً جلياً في العصر العباسي الأول، واقتبس الخلفاء العباسيون الكثير من نظم الفرس الحكومية الذين كانوا أصحاب مجد مؤثل وماضى تليد في السياسة وتصريف شؤون الحكم، الأمر الذي هيأ لهم أن تكون لهم الكلمة النافذة، والرأي القاطع في الخلافة العباسية، وربما طمح بهم رجاؤهم إلي الغاية التي لم يخضر لهم فيها مرعى، أو يورق لهم فيها غصن، مما دفع الخلفاء لاجتثاث شأفتهم، واستباحت حوزتهم، وخير شاهد على صحة زعمنا نكبة البرامكة التي خلدتها أسفار التاريخ، فلقد أفناهم الرشيد من ظهر البسيطة بعد أن تحلبت أشداقهم لاعتلاء العرش، ومثل صنيع المأمون بوزيره الفضل بن سهل، وقبله فعل أبو جعفر المنصور بالخراساني أبو مسلم الذي تفاقم شره، واستطار آذاه بعد أن كان فارسهم الذي لا يشق له غبار، أبو مسلم الخراساني صاحب الساعد المجدول، والعضد المفتول الذي مهّدَ لقافلة بنو العباس من بعد الله سبحانه وتعالى أن تسير غير ظلعاء ولا وانية، أبو مسلم الذي تعاورته ألسنتهم بالمدح والثناء، وحوته أفئدتهم بالإكبار والحب أقدم أبو جعفر المنصور على قتله في رابعة النهار بعد أن أثار حفيظته وجعل الغضب يتنزا في صدره لتماديه وتعديه الصارخ على أصل الدولة، ومعقل الحكم، الخليفة الذي جرت العقائد المغروسة، والتقاليد الموروثة على طاعته والانصياع لأوامره".واستمر تدخل الفرس في شئون البلاد، حتى اعتلى سدة الحكم الخليفة المعتصم الذي كان أول الخلفاء العباسيين الذين مكنوا يد الأتراك أن تنطلق في حواشي الدولة، ولعل السبب في ركون المعتصم للأتراك واطمئنانه إليهم أن والدته (ماردة) كانت تركية من السغد، لأجل ذلك صاروا موضع ثقته المفرطة وإيثاره، وسار الخلفاء الذين أتوا من بعده على نهجه واستنوا بسنته في تقريب الأتراك، الأمر الذي قاد إلي الكثير من البلبلة والاضطراب في ثنايا الحكم، فلقد أضحى الأتراك قوة ضاربة ومسيطرة يعجز الخليفة العباسي الانفلات من قبضتها، ومن سعى لذلك كان مصيره الموت كالمتوكل ووزيره الفتح بن خاقان في أواخر 247هـ، وازدادت وتيرة تدخلهم في أمور الخلافة في عهد المنتصر والمستعين والمعتز، الذي مات الجاحظ في آخر خلافته عام 255هـ".

2- الحياة الاجتماعية في عصر الجاحظ:

لم يكن العصر العباسي عصراً غطته أغشية الضلالة، وهام معاصرية في أودية الجهالة، كما ادعت بعض الأقلام التي لم يوهن لها عزم، ولا لانت لها قناة، في بث تلك اللوحات القاتمة عن تلك الحقبة التي تعد من أهم الحقب التي تهالك فيها المسلمون على العلم، وتنافسوا في جمعه وادخاره، ولا يعدم المرء منا حجة للاعتقاد بأنه ادعاء يشوبه الخطأ والاعتساف، ويعوزه تحرير الحجة، وتصحيح الدليل، فشيوع الترف والمجون، والتفنن في الملبس والمأكل، وتعظيم المسكرات ومعاقرتها، والتشبب بالقيان والغلمان، كان قاصرا على الطبقات المترفة، وحكرا على من سحّت عليهم هواطل النعم، ودرت عليهم روافد الرّهم، هذا التفسخ والانحلال كان يقابله جباه تعفر في التراب، ومساجد تكتظ بالعُباد، فعرى الدين لم ينفصم ارتباطها بالأرض في ذلك العهد، بل كانت دوحته فينانة الأفرع، ريا الأماليد، والشاهد على ذلك قول الجاحظ نفسه، الأديب الذي عايش تلك الفترة، نجده يقول في كتابه غزير المادة (الحيوان) الذي وصف فيه مساجد بغداد بأنها :"عامرة بالعبادة والنساك وأهل التقوى والصلاح، وكان في كل ركن منها حلقة لواعظ يذكر بالله واليوم الآخر، وما ينتظر الصالحين من النعيم المقيم، والعاصين من العذاب الأليم".

نعم لقد أفرط بعض أهل اليسار والثراء الذين لا يبسطون ألسنتهم بمعروف، ولا أيديهم بمعونة، أهل الغني والرياش من اتسمت حياتهم بالبذخ واللهو والمجون والإمعان في اللذائذ والتكالب عليها، والتفنن في اصطيادها، وافراغ الوسع لها، كلما عنّت لهم الفرص، وسنحت لهم السوانح و"ساعدت الحرية المسرفة العباسيين في أن يرثوا كل ما كان في المجتمع الساساني الفارسي من أدوات لهو ومجون، حتى اكتظت حانات (الكرخ) ودور النخاسة بالجواري والإماء، والقيان والمغنين". إلا أن مثل هذه الشواهد لا تكفي لكي ندمغ العصر العباسي بأسره بقبح الأحدوثة وبأنه عصر تجرد من كل فضيلة، وانغمس في كل فضيحة، حتى طارت له تلك الهيعة المنكرة التي لا يمحوها كرور الأيام، ولا يزيلها تعاقب الحدثان. فقد أدت تلك الحياة البهيمية التي يعيشها من كثرت أموالهم، وحسُنت أحوالهم، وتضاعف يسارهم، حياة التسرّي واللهو والترف "إلي زيادة استياء النفوس العالية مما يحدث، مما أدى بدوره إلي ثورتهم على الفساد الشائع، وإلي الزهد في الفانيات، فظهرت فرق دينية، ومذاهب متباينة، أشهرها جميعاً مدرسة المعتزلة الكلامية". التي كان يشايعها الجاحظ و يتعصب لها، ويدعو إليها، وشق طريقه فيها بالعمل الدائب، والدرس المتصل، حتى صار من أقطابها الذين تشرئب لمقدمهم الأعناق، وتشخص لطلعتهم الأبصار، "وكانت المعتزلة طليعة المدارس الكلامية التي قامت لحل ما كان يشغل المسلمين من المشاكل الحيوية، مثل مشكلة حرية الإرادة ومشكلة مرتكبي الكبائر.وقد عُني رجال هذه المدرسة بدرس الفلسفة، للاستعانة بها في الدفاع عن العقيدة. ثم أخذوا تدريجياً يحاولون التوفيق بين العلوم النقلية والعلوم العقلية. وعندما توغّلوا في الفلسفة وتعمقوا في مسائلها، أحبوها لذاتها فعظّموا شأنها حتى صاروا يُخضعون النقل للعقل ويؤولون معتقداتهم الدينية ليوفقوا بينها وبين الفلسفة". والجاحظ حينما انتسب لهذه المدرسة التي ساءت ظنون الناس فيها، وأرهفت الألسن عليها لاغراقها في الفلسفة، والتي ملكت أرباب الخلفاء، وأثارت إعجاب الوزراء، حتى غدت مذهب الدولة الرسمي في عهد المأمون والمعتصم والواثق، وقوض أركانها المتوكل في خلافته، "أخذ الجاحظ بمبادئ الاعتزال الخمسة الأساسية منها، وهي العدل والتوحيد والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكنه افترق عن سائر المعتزلة بآراء خاصة انفرد بها، فعد على أساسها صاحب فرقة مميزة عن فرق الاعتزال دعيت الجاحظية".

إنّ الدولة العباسية ضمت في معييتها العديد من الشعوب التي تنحدر من جنسيات شتي وأعراق متباينة لا يجمعها منبت سوي الإسلام، فلقد حوت مسلمون"متعددي الفرق، ونصارى مختلفي النزعات، ويهود وصابئة، وزرادشتين، ومانويين، ومزدكيين متبايني المذاهب". هذا الخليط من الشعوب المتناحرة التي انخرطت في كينونة الدولة العباسية تركت آثاراً سالبة على المجتمع العربي الذي كان راسخ القدم في الدين، عالي المنزلة في الأخلاق، ذلك المجتمع الذي عُرِف بمحاسن الخلال، وأُشتُهِرَ بمكارم الفِعال، تحررت بعض شرائحه من سلطان العقيدة، وانكبت على الشهوات، ولزمت غرس أقوام لا تقع إلا على منكر، ولا تتقلب إلا على معصية.

ونحن إذا نظرنا إلي تركيبة المجتمع العباسي نظرة خاطفة، لوجدناه يتكون من ثلاث طبقات أعلاها ينبتون الصخور قصورا، وأدناها تضطرب في دور يخالها المرء قبورا لضيقها وافتقارها لغضارة العيش، ولين الجانب، أعلى هذه الطبقات هي طبقة الخلفاء السادة، والملوك القادة، الذين لم تكل لهم ذراع، أو يمزق لهم شراع، وعلى شاكلتهم الوزراء، والولاة، والقواد، أقطاب الدولة وأعيانها، والثانية عمادها الصناع البارعون لصنعتهم، والعلماء المتبحرون في شرعتهم، والشعراء المتمكنون من لغتهم، ورجال الجيش الذين يفنون من مس حرمتهم، والمغنون الذين لا يستثقل الخاصة عشرتهم، والطبقة الثالثة هي الطبقة المسحوقة التي ولدت في مهاد الفقر والعدم، وترعرعت في كنف البؤس والحرمان، طبقة تعاني من نوائب الفاقة، وغوائل الغرث والجوع، تتحيفها المكاره، وتترصدها العيون، طبقة لا تجد ما يسد الرمق ويقيم الأود إلا باستخذاء من يعانون داء القدرة والتملك، وتبديد العمر في لذة الانتقاء وفرحة الاقتناء، طبقة يقع عليها عبء الحرث في الحقول، وخدمة أرباب القصور، بينما "كان الخلفاء والوزراء يعيشون في بذخ، إلي درجة أن يتلف الخليفة المقتدر الخليفة التاسع من خلفاء العصر العباسي الثاني (295-320هـ) ويبدد ثمانين مليوناً من الدنانير، كان قد خلفها أبوه المعتضد". بينما تكتفي تلك الأسر التي ترى فيها وضاعة الشأن، وضراعة الجانب، بدرهم يدفع عنهم بناب، ويصاول عنهم بمخلب، علل الملق والفاقة.

ومعاناة الخصاصة، ونكد العيش، وقصور وسائل الكسب من أن تفي بمتطلبات الحياة، أجبر العديد من الناس من أن يستدر الأكف بالسؤال، أو يفض الجيوب بالسرقة، ولقد استرعت ظاهرة التسول وكثرة المتسولين في نواحي بغداد "نظر رسول ملك الروم إلي المنصور، فقال لعمارة بن حمزة وكان يرافقه من قبل المنصور في تطوافه ببغداد:إني أرى عندكم قوماً يسألون الناس، وقد كان يجب على صاحبك أن يرحم هؤلاء ويكفيهم مؤنهم وعيالهم، فاعتل له عمارة بوجه، واعتل له المنصور بوجه".

ولم يكن الجاحظ الذي يفزع إلي القلم والقرطاس كما يفزع من اشتد جوعه وطال غرثه إلي الطعام الشهي لائذا بأذيال الصمت عن صرعى الفاقة، وأنضاء المرض، فكتب عن ضخام الجلاميد الذين لا تأخذهم رأفة، أو تدركهم شفقة لتلك الأفواه الجائعة التي مستها البأساء والضراء، فلقد اختلط الجاحظ "بكل طبقات المجتمع العباسي بجميع فئاته على تباين أنواعها، وأحسّ بها جميعاً، وكتب عنها، حتى جاءت كُتبه مرآة صادقة لعصره، بل إنها تُعَدُّ أغزر مصدر لدراسة الحياة الاجتماعية في عصره".

3- الحياة الثقافية في عصر الجاحظ:

كان عصر الجاحظ عصراً عضّ على قارحة من الكمال في العلوم والأدب، فلقد تهيأت له من الأسباب والوسائل ما لم تتوفر لعصر قبله، لأجل ذلك لم يبرأ من ترهات الأراجيف، عصر أوغل فلاسفته ومفكريه في دراسة شتي العلوم قديمها وحديثها كل الإيغال حتى تعمقوا في أغوار الفكر والشعور وبقى صدى صوتهم الدافئ يرن في أعطاف الأزمان، عصر ازدهرت فيه الحياة العقلية و"تلاقت في حواضره الإسلامية شتى الثقافات التي تمثل حضارات الأمم العريقة في العلم والثقافة؛ وأخذ خلفائه الذين خضعت لهم الرقاب يشجعون الحركة العلمية في شتى جوانبها، ويضفون عليها ظلال رعايتهم وتشجيعهم، كما كانوا يبالغون في إكرام الأدباء والعلماء ويجالسونهم ويقربونهم إليهم، وصار العلم والأدب وسيلة إلي المناصب العالية، والنفوذ والجاه؛ وكان كل من نبغ في العلم، أو شهر بالأدب ترفع منزلته، ويتنافس العظماء في تكريمه، كما يتنافسون في إنشاء دور العلم، وترجمة الكتب إلي العربية من مختلف اللغات".

عصر صقله العلم، وشمله التمدن، ولم يترك بيتا نادراً، ولا نسيباً سائراً، ولا شعراً فاخراً إلا حواه ودونه، عصر حفل بالأذهان الخصبة، والقرائح الموهوبة التي أيقظت رواقد العبقرية، وفجرت ينبوع الإبداع الذي ما زال يلهمنا ويسقينا، عصر أيقن فيه أرباب البصائر"أن الدنيا لا تأتي من غير طريق الكفاية، وأن كل عزّ لم يؤكد بعلم فإلي ذل يؤول فاكّبوا على التأدب، وحرص أرباب اليسار على تثقيف أبنائهم، وكان إذا تفرس رب البيت في ولده ذكاء جاءه بالمؤدبين يلقنونه ما تشتهي نفسه من الآداب، ولذا أصبح التعليم صناعة، وحسن عيش المؤدبين؛ وغدا التأديب –كما أسلفت من قبل-طريقاً إلي المجد والسؤدد".

في ذلك العصر الذي اشتدت فيه قبضة العرب على مقاليد الحضارة وسلكوا فيه سلوك الأمم المتمدنة في التدوين"حين انبثوا بفضل الإسلام في الممالك التي فتحوها واكتسبوا بالمعاشرة والمصاهرة روحاً جديداً ظهر أثره في الخطب والرسائل والمحاورات حتى ليمكن أن يقال:إن الفتح والملك أعطاهم من قوة الملاحظة ودقة التفكير ما لم يعطهم القرآن وحده لو ظلوا محصورين في أرجاء الجزيرة العربية". ولعلني لا أجنح بعيدا عن شط الحقيقة إذا زعمت أن العصر العباسي برمته كان عصر ترجمة وثقافة وذلك لانصهار كل تلك الحضارات والثقافات المتعددة في بوتقة واحدة تواكب الرقي وتساير التطور، بوتقة امتزجت فيها خلاصة الحضارات العريقة، ولعل من مزايا هذا الاحتكاك والتمازج بين العرب وغيرهم من الشعوب المسلمة والثقافات الأجنبية الوافدة أنه أثرى الأدب والعقل في"عصر الجاحظ بما تُرجِمَ من فلسفة اليونان ومنطقهم، فقد صبغا عقلية الأدباء والشعراء بآثارهما العميقة في التفكير والمعاني، وطرافة التقسيم والخيال، كما أثرى كذلك بالمترجم إلي العربية من قصص الهند وأدب الفرس". والحقيقة التي يجب علىّ بسطها في هذا المقام أن العرب لم يكونوا متلقيين فقط لهذا الكم الهائل من العلوم دون أن يضفوا عليه شيئاً من سمتهم الرزين ويضيفوا عليه قبساً من قريحتهم الجياشة، و"إنما كانوا إيجابيين في تعاملهم معها، ومن ثم صبغُوها بالصبغة الإسلامية، وأخضعوها لأيديولوجية الإسلام، حتى صارت هذه العلوم في نهاية المطاف علوماً إسلامية".

الفصل الثاني:حياة الجاحظ

1- اسمه وشكله:

هو "أبوعثمان عمرو بن بحر، بن محبوب، الكناني الفُقيمي، لُقّب بالجاحظ أو الحدقي لجحوظ عينيه، أي نتوئهما، وكان هذا اللقب لا يُعجبه، على ما يظهر، فيتبرم بمن يدعوه به، ويجهد نفسه لكي يقرر في أذهان الناس أن اسمه عمرو، وأنه يُحب أن يُدعى بهذا الاسم، وأن اسم (عمرو) أرشق الأسماء وأخفها وأظرفها وأسهلها مخرجاً". ونجد أن الجاحظ قد خلع على اسم (عمرو) المظلوم لأن الناس قد الصقوا به حرف الواو الذي لا يمت له بصلة أو يصل إليه بسبب وكان يقول عن اسمه الذي يتوق أن ينادوه الناس به:"إنّ هذا الاسم لم يقع في الجاهلية والإسلام إلا على فارس مذكور، أو ملك مشهور، أو سيد مطاع، أو رئيس متبوع، أمثال عمرو بن هاشم (جد النبي صلى الله عليه وسلم) وعمرو بن سعيد الأكبر، وعمرو بن العاص، وعمرو بن معْدِ يكرِب".

ويرى الدكتور محمد عبدالمنعم خفاجي أنّ"الجاحظ ينحدر من أصل عربي صريح خالص، ومن بيت كريم المحتد، عظيم المنزلة في الجاهلية والإسلام". وفند ترهات الشعوبيين التي زعمت أن الجاحظ مدخول النسب، وموصوم الحسب، وليس هو من أعيان الفضل وأقطاب الفخر. وأنه مولى لأن جده فزارة الحالك اللون كان مولى لأبي القلس عمرو بن قلع الكناني الفقيمي، واستندوا في ذلك إلي رواية منحولة، تروى عن يموت بن المزرع البصري (ت 204)، وهي:"كان فزارة جد الجاحظ أسود اللون، وكان جمالاً لعمرو بن قلع". والرأي الراجح أن أبا عثمان ليس من أقذاء الناس وحُثالتهم، أو أنه إنسان رخيص النبعة، خبيث المنبت، لسواد بشرته كما يزعم الشعوبيين فالسود والبيض يرجعان إلي محتد واحد وتربطهم بأبي البشر أواصر رحم ووشائج قربى، بل كان"عربي الدم والنسب، لأنه كرس جهده وحياته لخدمة العرب والعربية، وتزعّم أكبر حركة قامت في وجه الشعوبية حتى هدمتها أو قضت عليها، فهو رجل يغلي في عروقه الدم العربي الذكي، وتفور في نفسه العزة العربية الصميمة". ولعل الجاحظ الذي هتك بعقله المتقد أسرار النفس البشرية، وسبر بحصاته أغوار الطبيعة لو لم يكن أثيل المنبت في أرومة العرب لنزع منزع الشعوبيين ولزم غرسهم، بل لو لم يكن قد درج من مهد السيادة، وتقلد ذروة الشرف كابر عن كابر، لغمز معاصروه قناته ورموه بالرق وخبث العنصر. والذين أيدوا "عروبة الجاحظ أبو زيد البلخي (ت322هـ)، وابن حزم (ت456هـ)".

كان الجاحظ"قصير القامة، صغير الرأس، دقيق العنق، صغير الأذنين، أسود اللون، جاحظ العينين، مشوه الخلقة، مما جعل الخليفة العباسي المتوكل يصرفه عن تأديب ولده حين رآه وأعطاه عشرة آلاف درهم". كما أجمع كل من أكبّ على دراسة كتب الجاحظ ومحصّها وكشف مزاياها أن الجاحظ كان مفطوراً على خفة الظل وحب الدعابة التي يجود بها في أحلك الظروف والمواطن، ونكات الجاحظ التي تبسم الثغر الحزين، وتشرق الوجه الشاحب، وتبسط المحيا الكئيب، نبعت من قبحه فالمرء"عندما يجد في نفسه عيباً يعمد إلي أحد طريقين:إما التستر على هذا العيب وإخفاؤه عن أعين الناس إذا كان ذلك ممكناً، وإما المبادرة إلي تعرية هذا العيب والهزء به ليسبق الناس إلي السخرية وليقطع عليهم طريقها. وقد آثر الجاحظ الطريق الثاني لأنه يتلائم مع وضعه باعتبار أن عيبه جسمي لا يمكن التستر عليه". وقد تهكم الجاحظ من بشاعة صورته وتندر من قبح خلقته فقال عن نفسه:"ما اخجلني إلا امرأتان:رأيت احداهما في العسكر-مكان في سامرّا وكان مصيفاً للخلفاء العباسين- وكانت طويلة القامة، وكنت على طعام. فاردت أن امازحها، فقلت:انزلي كلي معنا، فقالت:اصعد أنت حتى ترى الدنيا، (معرضة بقصره). وأما الأخرى فإنها أتتني، وأنا على باب داري، فقالت:لي إليك حاجة وأنا اريد أن تمشي معي، فقمت معها إلي أن أتت بي صائغ يهودي، فقالت له :مثلُ هذا ثم انصرفت، فسألت الصائغ عن قولها، فقال:انها أتت إليّ بفصّ وأمرتني أن أنقش عليه صورة شيطان، فقلت:يا سيدتي ما رأيت الشيطان، فأتت بك".

2- مولده ونشأته:

ولد الأديب الأريب الذي كانت لا تعزب عنه مادة في اللغة، ولا قاعدة في النحو، ولا نكتة في البلاغة بمدينة البصرة، ونشأ في كنف الملق، وفناء الفاقة فلقد كان سليل أسرة من غمار الأسر التي اتسمت برقة الحال، وضيق ذات اليد، أحوجتها الخصاصة، ودعاها الإقتار لأن يبيع فتاهم الغض السمك والخبز بسيحان وهو نهر صغير بالبصرة حتى تجد الأسرة ما يدفع عنهم غائلة الغرث. وتضاربت الآراء حول سنة مولد الجاحظ فقيل"سنة 150هـ، وقيل سنة 159هـ، وقيل سنة 160هـ وإذا صحّ ما يرويه هو عن نفسه يتعين ميلاده أولها، فقد أُثر عنه أنه قال:"أنا أسن من أبي نواس بسنة ولدت في أول سنة 150هـ وولد في آخرها، وإن كانت ولادته على وجه التحقيق، في العقد السادس من القرن الثاني من الهجرة.

أما أبوه:فلا يعرف عنه شئ إلاّ اسمه، وهذا يؤكد أنه لم يكن من عِلّية القوم، ولا من متوسطيهم ويرجح أنه مات قبل أن ينضج ابنه الجاحظ ويذيع صيته، وإلاّ للحقه شيء من شهرته. وأما أمه:فلا يعرف عنها إلاّ أنها كانت فقيرة رقيقة الحال، وكانت تنفق عليه وهو صغير، مما اضطره إلي كسب قوته ومواجهة أعباء الحياة مبكراً فباع الخبز والسمك في صباه". والجاحظ منذ أن كان يميس في معية الصبا وحداثة السن شغوف بالعلم، ولا يتهاون في الأخذ بأسبابه وتكلف بوادره، وذلك بمداعبة أغصان أسفاره الغضة، وأوراق كتبه البضة متى ما سنحت له الفرصة، ولعل خير دليل نسوقه لصحة هذا الزعم دكاكين الوراقين التي كان يكتريها ليلاً ويبيت فيها للنظر ومطالعة ما حوته من درر وفوائد، وتردده على تلك الحلقات العامرة التي كانت تعقد في مساجد البصرة التي تدرس فيها العبر، ويتبلور فيها الفكر، تلك المروج التي تغشاها جحافل الفقراء بغية البعد عن وصمة الجهل واستجلاءً لصور العلم واستنباطاً لمعانيه، كما كان كثيراً "ما يذهب إلي المربد- وهو مكان بظاهر البصرة تفد إليه الأعراب من البوادي للتجارة وتبادل السلع –يتلقي اللغة والفصاحة مشافهة من الأعراب". ووله الجاحظ بالعلم وتدلهه بتعقب رياضه وأفنانه كان يثير امتعاض أم الجاحظ التي كان تشرئب لأن ينصرف ابنها "بكليته إلي التجارة ولا يضيع عليه وقتاً ثميناً في الدراسة، فجاءته يوماً، بطبق كراريس، بدل الغذاء، فقال لها متعجباً:ما هذا؟ قالت:الذي تجيء به، فخرج مغتماً، وجلس في الجامع وموسى ابن عمران جالس، فلما رآه مغتماً، قال له:ما شأنك؟فحدثه الحديث، فادخله المنزل، وقرّب إليه الطعام، وأعطاه خمسين ديناراً، فدخل السوق، واشترى الدقيق وغيره، وحمله الحمالون إلي داره، فأنكرت الأم ذلك، وقالت:من أين لك هذا؟قال:من الكراريس التي قدمتها إليّ".

3- ثقافة الجاحظ وشيوخه:

التحق الجاحظ في حداثة سنة بأحد كتاتيب البصرة حيث أجاد القراءة والكتابة، كما كان يتردد على المساجد ويحرص على حضور مجالس العلم حرص العابد المتحنث على أداء صلواته، و"بدافع الرغبة في العلم، والطموح إلي مستقبل كريم بسببه والتعويض عن اليتم الذي هاض جناحه، أقبل الطفل الصغير بكل قلبه وجوارحه على العلم والدرس والقراءة، موفور الموهبة، تام الملكة، وأخذ يتردد على حلقات العلم في مسجد البصرة الجامع، ويتلقى الفصاحة شفاهاً على العرب في المربد ويستمع من القصاص إلي أحداث الفتوح وسير الغزاة وأطوار الزهاد والناسكين". لم يكد يشتد عوده وتظهر عليه غلواء الشباب حتى بانت عليه دلائل النبوغ وعلامات الفطنة، ولقد تتلمذ الجاحظ على يد أساتذة أجلاء كانوا غرة دهرهم، وآية عصرهم على شاكلة"الأصمعي الذي كان يحفظ ثلث اللغة، وأبو عبيدة معمر بن المثنى الذي لم يكن في الأرض خارجي ولا جمّاعي أعلم بجميع العلوم منه، وأبو زيد الأنصاري الذي قيل عنه وعن سابقيه إن هولاء الثلاثة كانوا-في عصرهم-أئمة الناس في اللغة، والشعر، وعلوم العرب، لم ير قبلهم ولا بعدهم مثلهم، عنهم أخذ جُلُّ ما في أيدي الناس من هذا العلم بل كله. كما تتلمذ الجاحظ على يد الأخفش أبو الحسن سعيد بن مسعد المجاشي الذي كان أعلم الناس بالنحو والصرف، وصالح بن جناح اللخمي الذي أدرك التابعين وكلامه مستفاد في الحكمة، وأبو إسحاق إبراهيم بن سيار البلخي ا المشهور (بالنظام) أحد أبرز أئمة المعتزلة والذي الذي نهل منه علوم الكلام، وكان في جملة ما يحفظه الإنجيل والتوراة والزبور وتفسيرها، عدا الشعر والأدب والغريب".

ومن أساتذة الجاحظ أيضاً موسى بن سيار الأسواري الذي قال عنه الجاحظ:"إنه كان من أعاجيب الدنيا، وكانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية وكان يجلس في مجلسه المشهور به، فييقعد العرب عن يمينه، والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله، ويفسرها للعرب بالعربية ثمّ يحول وجهه إلي الفرس فيفسرها لهم بالفارسية، فلا يدري بأي لسان هو أبين، واللغتان إذا التقتا في اللسان الواحد أدخلت كل واحدة منهما الضيم على صاحبتها إلا ما ذكروا من لسان موسى بن سيار الاسواري ولم يكن في هذه الأمة بعد أبي موسى الأشعري أقرا في محراب من موسى بن سيار". ولم يقتصر الجاحظ على هؤلاء فقط، بل كان يتردد على "ندوات الشعر ومجالس الأدباء، يأخذ عنهم، ويجالسهم، ويناقشهم في البلاغة والأدب والشعر واللغة وك ضروب المعرفة، تساعده على ذلك موهبته الأصلية، وحافظته القوية، وذكاؤه المتوقد، وأمده طموحه وفقره بالمثابرة والقوة والتحصيل، كما كان للأحداث في عصره، وتطور الحياة والحضارة، ولحركة الترجمة أثر في ثقافته وعقليته". كما كان للجاحظ منبع آخر تلمس فيه طريقه إلي العلم الذي بلغ ذروته حتى هتف باسمه كل أديب، وترنم بحرفه كل فنان، كان الجاحظ راسخ القدم في القراءة، عالي المنزلة في الاطلاع الأمر الذي هيأ له أن يقرأ كل كتاب وقع في يده من أوله إلي آخره، "ومنبع آخر من ثقافته، يستخدمه الجاحظ أحسن استخدام وأدقه وأوسعه، ولا أعلم له في ذلك نظيراً ممن قبله أو عاصره، ذلك أنه انغمس في الحياة الواقعية، واستفاد منها ما أمكنه، وجعل منها موضوعات لأدبه".

4- خصال الجاحظ وأخلاقه:

كان الجاحظ لا يقول إلا عن علم، ولا يفكر إلا على هدى وبصيرة، ولقد تبدى هذا في ما جرى به قلمه الذي يفتقر الأدباء دائماً إليه، ويعتمدون مطلقاً عليه، فلقد انتجع جهابذة الأدب واللغة مؤلفاته كما ينتجع البدو منابت الكلأ ومساقط الغيث، لأن في الإتكاء على جدران تلك المؤلفات تلقيحاً للعقول، وترويحاً للقلب، وتسريحاً للهم، وتنقيحاً للأدب. ولعل مؤلفات الجاحظ وآثاره تكشف عن جلاء عقله المتقد الذي جاءت كتاباته شاهدة عليه فلقد كان الجاحظ حاد الذهن، مُلتهِبُ الذكاء، كما كان قوي الحافظة، صلد الذاكرة، مُفحم الحجة، ساطعة البرهان، كما أن من يقترب من مؤلفات الجاحظ أو يسبر غورها يرى تلك النزعة الفطرية"إلي التهكم والضحك فقد ساعدته هذه النزعة على التغلب على مصاعب كثيرة اعترضته في الحياة. فهو ما كان ينظر إلي هذه الحياة من زاوية سوداء فيرى العبوس سائداً فيها فيجنح إلي التشاؤم بالعيش والتبرم بالناس. بل على العكس كان ينظر إليها من زاوية وضاءة تشيع التفاؤل حولها فيقدم على عمله والأمل ملء صدره بالنجاح".

كان الجاحظ ضنينا بوقته لا يهدره سدى، ولا يبدده إلا فيما يدر دخله عليه، بعيداً كل البعد عن الفوضى، ويحب النظام في الجملة، كما كان محمود الشمائل، أريحيُّ الطباع لعترته وخلانه، وقد تأخذه أريحية الكرم فيعطي عن سخاء المال الذي ادخره لأيام الشدة والعنت حتى تعوزه النفقة، ويلوب على الناض يرتفق به، كما كان يربأ بنفسه عن مواطن الذل، ويتجافى بها عن مطارح الهوان، و"ما كان الجاحظ بالمتزمت ولا بالمتنسك، قام بما فرض الإسلام عليه من الفروض والواجبات، وصرف ساعات عمره فيما يرفع من شأن المسلمين، دعاهم إلي الحياة الفاضلة، وحبب إليهم دينهم ودنياهم، ليستقيموا أمة عزيزة فضلة في أخلاقها. وكان يرى سعادة أصحاب السلطان وأصحاب الثروة تزول بزوال أربابها، أو بما يعرض لها من أسباب الفناء، وأن العمل الصالح هو الأثر الذي يظل على الأيام، ولذلك كان يتقن عمله، ولا يتوخى منه إلا ما يجدي في الحياة والميعاد".

ومن خصال الجاحظ أيضاً العصامية التي أهلته لنيل تلك المنزلة الرفيعة من نباهة الذكر، وشيوع الصيت، منزلة جعلت الشريف والوضيع يتمنى أن يجلس إليه، أو أن يأخذ عنه، أو ينتسب إليه، فالجاحظ منذ أن كان فتاً غضاً لم يعتمد إلا على نفسه، ولم يكل أمره إلي غيره، الأمر الذي قاده إلي بغض الوساطة وكراهية المحاباة، وتناوله بالعيب والزراية كل من يجشمه العناء في الخوض في أمر يجعله يميد من الغضب ويتفجر من الغيظ، يقول الجاحظ:"سألني بعضُهم كتاباً بالوصية إلي بعض أصحابي، فكتبت له رقعة وختمتها، فلمّا خرج الرجل من عندي فضها، فإذا فيها(كتابي إليك مع من لا أعرفه ولا أوجب حقه، فإن قضيت حاجته لم أحمدك، وإن رددته لم أذمك".

لقد كان الجاحظ رغم الشهرة والمجد متجاف عن مقاعد الكبر، وناء بنفسه عن مذاهب الكبر، و"تراه وهو العربي القح في جميع منازعه، لم تستهوه حكمة اليونان والهند وفارس، وما امتلكت قلبه غير حكمة العرب، وهدايتهم وأدبهم، ومع هذا يأخذ ممن سبق ولحق، وعمن وافق وخالف؛ لا ينبو نظره عن شيء، ولا تُرذل نفسه حقيراً. ولم تورثه شهرته العلمية زهواً وغروراً، ولا يتكلف التواضع ولا التخاشع، وبغيته الكبرى أن يرفق بالضعاف حتى يقووا، وبالجهلاء حتى يتعلموا؛ يُحاسن الكبراء من دون إسفاف، ويتجنب مخاشنتهم تفادياً من شرهم وعتوهم، ويحلم عن الأشرار طبعاً وتطبعاً".

5- مرضه ووفاته:

عاش الجاحظ ما يربو على التسعين عاماً، قضاها في التحصيل وتأليف تلك الجياد المطهمة العتاق التي تزدان بها المكتبات وحوايا العلم، تلك الدررالتي يتهالك على جمعها طلاب النفائس، ويتنافس في اقتنائها مهووسي المعرفة، ومما يند عن ذهن ويغيب عن خاطر أنّ حياة الجاحظ لم تقتصر على الفقر المدقع، والطعام الوخيم، والفراش النابي، بل تغيرت في نمط العيش ورونق المظهر، فلقد كفل العلم للجاحظ أن ينتقل من التراب إلي السحاب، ويغادر الفقر والفاقة التي نشأ في مهدها الخشن، ودرج في فنائها الضيق، وعاش في مرعاها الجديب، وأمسى جليساً للخلفاء الذين يجتمع على سماطهم علية القوم ووجهاء الدولة، وظل الجاحظ يتنقل بين بسط المروج وأفنان الخمائل، يتسابق الملوك إلي وده، ويتنافس الوزراء في رضاه، حتى داهمه المرض، واستفحل حتى استيأس منه الطبيب، فقد أصيب أبو عثمان الجاحظ "بالفالج، فاعتزل الناس، إلا أقلّهم، وبرم بحظه. وفي تلك السنين العصيبة، التي قضاها في البصرة، كان القلم رفيقه الدائم يستعينه على مُصابه وعلى جحود خلانه. وقد تحدث عن عجزه المضني في توطئة كتابه (الحيوان)، معتذراً عن اضطراب بعض فصوله فقال:"وقد صادف هذا الكتاب مني حالات تمنع من بلوغ الإرادة فيه، أولى ذلك العلة الشديدة، والثانية قلة الأعوان، والثالثة طول الكتاب". ويروى أن أبو معاذ عبدان الخولي الطبيب قد دخل يوماً (بسر من رأى) على عمرو بن بحر الجاحظ يعوده وقد فلج، فلما أخذ مجلسه أتى رسول المتوكل ينشد الجاحظ فقال:"وما يصنع أمير المؤمنين بشق مائل ولعاب سائل، ثم أقبل علينا فقال>ك ما تقولون في رجل له شقان أحدهما لو غرز بالمسال ما أحس والشق الآخر يمر به الذباب فيغوث وأكثر ما أشكوه الثمانون، ثم أنشدنا أبياتاً من قصيدة عوف بن محلم الخزاعي". التي مطلعها:

يا ابن الذي دان له المشرقان طـرا وقد دان له المغربــان

إن الثمانين وبــلغتهـا وقد أحوجت سمعي إلي ترجمان

كما حدث يموت بن المزرع الذي يمت للجاحظ بقرابة بأن المتوكل قد وجه في السنة التي قتل فيها أن يحمل إليه الجاحظ من البصرة فقال لمن أراد حمله:وما يصنع أمير المؤمنين بامرئ ليس بطائل، ذي شق مائل، ولعاب سائل، وفرج بائل، وعقل حائل؟ وحدث المبرد تلميذ الجاحظ بأنه قد دخل على الجاحظ في آخر أيامه فقلت له:كيف أنت؟ فقال:كيف يكون من نصفه مفلوج لو حز بالمناشير ما شعر به، ونصفه الآخر منقرس، لو طار الذباب بقربه لآلمه، وأشد من ذلك ستة وتسعون أنا فيها، ثم أنشدنا

أترجو أن تكون وأنت شيخ كما قد كنت أيام الشباب؟

لقد كذبتك نفسك ليس ثوب دريس كالجديد من الثياب

وقال لمتطبب يشكو إليه علته:اصطلحت الأضداد على جسدي، إن أكلت بارداً أخذ برجلي، وإن أكلت حاراً أخذ برأسي". وظل الجاحظ يتحامل على نفسه ويغالب المرض ويفر من جحيمه وويلاته بزمهرير الكتابة التي لم ينقطع عنها طوال مدة وصبه وشكاته، الأمر الذي يدل "على أنه كان على جانب عظيم من قوة البنية، وشدة الأسر، ومتانة الأعصاب، وحضور الذهن، وقوة العقل". وقضى الجاحظ نحبه في يوم من أيام شهر محرم سنة 255هـ حينما زحف وحيداً إلي مكتبته المكتظة بالكتب المكدسة فانهالت مجلداتها الضخمة عليه، و"كان من عادته أن يضعها قائمة، كالحائط محيطة به وهو جالس إليها".

وشيعت البصرة التي استسلمت للعبرة، واسترسلت في البكاء، جثمان الجاحظ الذي أضمرته أرضها، وبقى ذكره الذي يجري على كل لسان، وأدبه الذي يأسر كل نفس.

الفصل الثالث: أسلوب الجاحظ وسخريته:

1- مؤلفات الجاحظ:

إن قلم الجاحظ الذي عالج كل أمر، وابتغى كل معنى، قد سطر العديد من الرسائل التي زججت حاجبيها، وصفقت شعرها، وفتنت بتفردها، القلوب الوالهة، والنفوس العاشقة، رسائل لم تغوص بشاشة وجهها، ولم يتهضم جانبها رغم كُرور الأيام، وتعاقب الحدثان، ولعل السر في ذلك يعود إلي الصفات التي اجتمعت في مبتدعها الجاحظ، تلك الصفات"التي لا تلتقي عند كل إنسان، ولا تجتمع في صدر كل أحد:بالطبع، والمنشأ، والعلم، والعادة، والعمر، والفراغ، والعشق، والمنافسة، والبلوغ، وهذه مفاتيح قلما يملكها واحد، وسواها مغالق قلما ينفك منها واحد". هذه الصفات برمتها أدت في نهاية المطاف بالجاحظ "إلي أن يكون إمام كُتاب العربية بلا منازع، حتى قال في حقه المسعودي:"ولا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتباً منه".

ومؤلفات الجاحظ التي اتسقت عباراتها، وانتظمت ألفاظها تكاد تربو على الحصر، لأن صاحبها كان صاحب ساعد جدول، وعضل مفتول، وعقل موسوعي أحكمته التجارب، وهذبته المعرفة، لم يدع باباً إلاّ ولجه، ولا بحثاً، إلا صال وجال فيه، عقل إذا أراد أن يتخصص في ضرب من ضروب المعرفة لتعذر عليه ذلك، لغزارة المعلومات التي يختزنها في حافظته، ولاستقرائه الدقيق، وإطلاعه الشامل. ولتفتق قريحة الجاحظ، واتساع عقله الجبار، "كتب في جميع الفنون والآداب، قيل لـ (أبي العيناء):"ليت شعري، أي شيء كان الجاحظ يحسن؟ فقال:ليت شعري، أي شيء كان الجاحظ لا يحسن؟". ولقد أكثر الجاحظ من التأليف، حتى قيل: إنه بزّ من سبقه، ومن لحقه، ولعل اكثاره من التأليف يعود لامتداد عمره، ولقضائه شطراً من حياته مريضاً، فاضطر إلي ملازمة بيته، وقطع فراغه بالكتابة والتأليف. وربما كان سوء منظره سبباً في انصراف الناس عنه، فعنى بصناعة الكتب، ليعرفوا أن وراء هذا الوجه المشوه نفساً جميلة، وروحاً فكهة، وذهناً وقّاداً.

ومدونات الجاحظ التي ترمقها كل عين، وتشرئب إليها كل عنق، والتي يعتبرها كل أديب أريب أغلى من أقبية الديباج المخوص بالذهب، هاضتها عوادي الزمان، ومزقتها طوارق الحدثان، فضاع جلها، وبقى النذر القليل منها، وقد ذكر الدكتور الذي لم تصده عاهتة عن طلب العلوم طه حسين:"أنّ الجاحظ قد خلّف للعلم والأدب العربي أكثر من خمسين ومائتي كتاب، طُبِعَ منها بعض الكتب، وأشهرها البيان والتبيين، والحيوان، وكتاب البخلاء، ومجموع رسائله".

والحقيقة التي لا يغالي فيها أحد أن جهابذة العلماء على شاكلة بن النديم، وياقوت الحموي، وغيرهم من الغطاريف قد اختلفوا في جواهر الجاحظ التي لا تخلق ديباجتها ويخبو بريقها، و"أياً كان العدد الصحيح لكتب الجاحظ، ومؤلفاته، فإن حصر العدد في حد ذاته لا يهمنا في شيء، بقدر ما يهمنا أن الرجل كان غزير العطاء، عميق الفكر، محباً للقراءة والإطلاع والكتابة منذ صغره وحداثة سنه، إلا أن هذا اللبس في حصر كتاباته يرجع إليه نفسه، إذ كان ينسبها إلي مشاهؤر الكتاب في عصره، أو في العصر الذي سبقه. وذلك من أمثال:"ابن المقفع، والخليل، ومسلم صاحب بيت الحكمة، ويحي بن خالد"، وما ذلك إلاّ لكي تشتهر كتاباته وتنتشر، ويتقبلها القراء لمعرفتهم بمؤلفيها.لأجل ذلك ضاعت معظم مؤلفاته، وانتسب الكثير منها إلي غيره، ولم يبقى إلا القليل منها".

2- أسلوب الجاحظ:

الأسلوب الذي انتهجه الجاحظ، أسلوب يزاوج بين الجد والهزل، لأن الجاحظ عالم بمكنون النفس البشرية التي يخامرها السأم والكلال من مطالعة الكتب التي تتسم مادتها بالجد والجفاف أو تسير وتيرتها على نسق واحد، فكان الجاحظ استجماماً للنفس، ودفعاً لأي شعور بالرتابة يخلط الجد بالفكاهة، وفي ذلك يقول:"أنَّي أوشّح هذا الكتاب وأفصّلُ أبوابه بنوادر من ضروب الشعر وضروب الأحاديث ليخرج قارئُ هذا الكتاب من باب إلي باب، ومن شكل إلي شكل، فإنّي رأيتُ الأسماع تملُّ الأصوات المطربة، والأغاني الحسنة، والأوتار الفصيحة، إذا طال ذلك عليها، وما ذلك إلاّ في طريق الراحة التي إذا طالت أورثت الغفلة". والجاحظ تميز أسلوبه أيضاً بوضوح العبارة، وبساطة العرض، فقد تنزهت مؤلفاته عن التعقيد والإشكال، كما بعدت عن الحشو، والركاكة، والتعسف، فمصنفاته الموشية بذكائه اللماح، وعبقريته الفذة، وثقافته الواسعة، يمكن أن يدرك كنهها، ويحيط ببواطنها، البسيط الساذج، ومن استبطن دخائل العلم، واستجلى غوامضه، وذلك بالطبع قبل أن تتراجع العقول، وتجهد القرائح، وتقهر العامية الفصحى، ويتفشى الدخيل في اللغة التي حوت كتاب الله صوناً وحفظا.

وعلاوة على ذلك كان الجاحظ"يميل إلي تقطيع العبارة، وجعلها جُملاً قصاراً متعادلة، ويكثر من الجمل المترادفة، إقراراً للمعنى في النفوس. وهو ليستطرد إلي ما له صلة بالموضوع، من لذيذ الأخبار، وطريف الأحاديث، وومتع النوادر، تنشيطاً للقارئ، وترفيهاً عن نفسه، وذلك أظهر في كتبه المطولة (الحيوان)". كما أن أسلوب الجاحظ الذي أطنب في تحقير الشعوبية والزراية عليها، أسلوب يصور الحياة بألوان صاخبة من الشعر العذب الذي يؤنس مطالعيه بوجهه المتهلل، والحكمة التي يختلس أسبابها، ويمتهن أربابها، بفضل المقدرة، ورجاحة العقل، وسعة المعرفة، أسلوب"يصور خلجات الروح، وآهات النفس، وأزمات العقل، ويرسم لك المحسوسات كأنك تحسها، ويصف لك المعلوم والمجهول، ويعرض عليك المعقول والمنقول، أسلوب سجّل المفاخر والمعاير، وحمل إلي أبناء القرون اللاحقة أفانين من أدب-كاتبه-جمّلها بروح الحق وسحر الجمال".

ولكن الجاحظ صاحب أنضر المعاني، وأرقّ الألفاظ، والذي لم يزف بعد شخوص مجده، وأفول أدبه، لأن كُتاب العربية أفرطوا في لزوم غرسه، وأوغلوا في ارتقاء جبله الأشم بمناكبهم الهشة، وعزيمتهم الماضية التي يحدوها الأمل أن تنال النذر القليل مما ناله أمير البيان العربي وشيخ النقاد، الجاحظ الذي كلنا له المدح جزافا بسط طلابه الذين هم بأجمعهم عيال عليه، ألسنتهم في مصنفاته التي منحت الحياة خصوبة وغني، وتحدثوا عن عيوبه رغم ما له من جلالة تغشى العيون، وقداسة تملأ الصدور، وأبانوا بأن مآخذ الجاحظ تتمثل في"الفوضى في سرد الأفكار أو الاختبارات العلمية، فلا تنسيق في كتاباته ولا تصميم، ولا تسلسل منطقي، وقد تكون أسمى ميزات العالم ميزة الترتيب والتنسيق والانضباط الأسلوبي، وهذه أمور بعيدة كل البعد عن صاحبنا، وهي إذا أسبغت على القضايا الأدبية شيئاً من الطرافة، إذ تبدد الملل في قضائها على الرتابة عن طريق الخلط بين الجد والهزل، فإنها في مضمار العلم تشوش الذهن، وتقضي على التركيز، حجر الزاوية، في التحقيق العلمي".

3- الغاية من الضحك في أدبيات الجاحظ:

الجاحظ رغم حياة الضنك والشدة التي عاشها في حياته، إلا أنه دعا إلي الضحك واقتناص أسبابه، وتكلف بوادره، ومما لا يند عن ذهن أو يلتوي على خاطر أن كتبه التي عضت الدهر بناب مسموم، وصاولته بمخلب قاتل، حتى تبقى على وجه الأديم، حافلة بالطرائف والقصص التي تضحك من استسلم للعبرة، واستخرط في البكاء، والجاحظ لا يرى غضاضة في الضحك من أجل التسرية عن النفس، وإضفاء جو من التفاؤل والانبساط على وتيرة الحياة التي يعاني قاطنيها الغلاء المرهق، والفقر المدقع، والمرض المزمن، والهلع الذي تنخلع له القلوب، وتضطرب له الحواس، والحزن الذي لا يبارح شغاف الأفئدة، فقال:"ولو كان الضحك قبيحاً من الضاحك، وقبيحاً من المضحك، لما قيل للزهرة والحبرة والحلى والقصر المبني:كأنه يضحك ضحكاً، وقد قال الله عزّ وجلّ {وأنه أضحك وأبكى، وأنه أمات وأحيا}النجم:43، 44. فوضع الضحك بحذاء الحياة، ووضع البكاء بحذاء الموت، وأنه لا يضيف الله إلي نفسه القبيح، ولا يمنّ على خلقه بالنقص، وكيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيماً ومن مصلحة الطباع كبيراً، وهو شيء في أصل الطباع، وي أساس التركيب، لأن الضحك أول شيء يظهر من الصبي، وقد تطيب نفسه، وعليه ينبت شحمه، ويكثر دمه، الذي هو علة سروره، ومادة قوته، ولفضل خصال الضحك عند العرب تسمي أولادها بالضحاك وببسام، وبطلق وبطليق، وقد ضحك النبي صلى الله عليه وسلم وفرح، وضحك الصالحون وفرحوا، وإذا مدحوا قالوا:هو ضحوك السن، وبسّام العشيات، وهش إلي الضيف، وذو اريحية واهتزاز، وإذا ذموا قالوا:هو عبوس، وهو كالح، وهو قطوب، وهو شتيم المحيا، وهو مكفهر أبداً، وهو كريه، ومقبض الوجه، وكأنما وجهه بالخل منضوح".

ولكن الجاحظ لا يدعو للغلو في الضحك، والإمعان فيه، الذهاب به كل مذهب، وذلك لأن"يمنع الشهوة ويورث الصدود". بل يدعو للضحك الذي يملأ النفس بالغطبة، والجوارح بالسرور، والجاحظ ديدنه في الكتابة أن يرفع الملل عن قارئه، ويستدر نشاطه بإيراد تلك النكات والنوادر التي تجعله يذوب في حميا اللهو، وينداح مع سكرة القهقهة، فيعاود القراءة بهمة ماضية، وعزم أكيد، يقول الجاحظ في صدر حديثه عن الجد والهزل:"خلطت لك جداً بهزل، وقرنتُ لك حجّة بمُلْحة، لتخِفّ مئونة الكتاب على القارئ، وليزيد ذلك في نشاط المستمع، فجعلت الهزل بعد الجد جماماً، والملحة بعد الحجّة مستراحاً". والجاحظ الذي خلع على الضحك أوسمة التبجيل، وأوصله إلي ذروة السعادة التي تبتغيها كل نفس، ويتلهف لنيلها كل فؤاد، يراه الجاحظ ضرورياً للترويح عن مشاكل الحياة وهمومها التي لا تنجلي أبداً، لذلك نجده يرى"أن الجِدّ نصب، والمزح جِمام، والجد مبغضة، والمزح محبة، وصاحب الجد في بلاء ما كان فيه، وصاحب المزح في رخاء إلي حين يخرج منه، والجد مؤلم، وربما عرّضك لأشد منه، والمزح ملذّ، وربما عرضك لألذّ منه، فقد شاركه في التعريض للخير والشر، وباينه بتعجيل الخير دون الشر. وإنا تشاغل الناس ليفرغوا، وجدوا ليهزلوا، كما تذللوا ليعزوا، وكدوا لستريحوا، وإن كان المزاح إنما صار معيباً، والهزل مذموماً، لأن صاحبه لا يكون إلا معرضاً لمجاوزة الحد، ومخاطراً بمودة الصديق".

وفنّد الجاحظ أن الإسلام حرّم المزاح، ودعا للكآبة والعبوس، فقال:"من حرّم المزاح، وهو شُعبة من شعب السهولة، وفرع من فروع الطلاقة، وقد أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحنفية السمحاء، ولم يأتينا بالانقباض والقسوة، وأمرنا بإفشاء السلام، والبشر عند الملاقاة، وأمرنا بالتوادد والتصافح والتهادي".

4- نماذج من سخرية الجاحظ وتهكمه:

وطرائف الجاحظ وملحه التي تملأ شعاب القلب بالفرح والاستبشار، كثيرة لا تحصى، ولقد وضع في ذلك الكتب الخالدة خلود النفس البشرية إلي أن يأتي الله على هذه الدنيا الفانية، كتب تبرهن على أن الجاحظ قائد زمام هذا الجنس من الأدب الذي تفرد فيه، وعلا فيه كعبه، فكتاب البخلاء الذي وضعه يعتبر تحفة فنية خالصة لأن "البراعة الأدبية التي صاغ بها الجاحظ كتابه، والمقدرة الفنية التي ترقرقت فيه، وسرت في موضوعاته أسلوباً وغاية جعلته المتفرد في هذا المجال الذي لم يسبق إليه من قبل". فلقد تصدى الجاحظ لهذا الموضوع الذي كان يأتي نتفاً وبصورة عفوية في مؤلفات السابقين خالية من عامل الإبداع والتشويق، ومفتقرة لاستبطان دخائل النفوس، وإبراز خصائص المجتمع. تحدث الجاحظ بإسهاب عن الصور السالبة التي كانت سائدة في مجتمعه والتي كانت تثير مكامن نفسه، وتلهب حشاشته، وتجعله يغلي من الغيظ، ويفور من الغضب، ولكن أياً من هذه المشاعر الهادرة لم تبن في سفر الجاحظ الذي ظلّ كرصفائه حياً لم يعتريه الموت، والعلة في ذلك أن السخرية مؤثلة في طبع الجاحظ، تسري في شرايينه، وينبض بها قلبه، وإن كانت سخريته مثال رفيع لسخرية الذهن الدقيق الذي يعكف على تصوير مثالب المجتمع، ويعمل على وأد كل قالةُ سيئة تقلد مجتمعه قلائد الخزي والعار.

إنّ سخرية الجاحظ"متصلة بطبيعته المرحة وفنه، وبموقفه من الحياة وهو موقف التوجيه والنقد، فالسخرية عنده لم تقم على عاطفة شخصية عارضة كما تبدو عند من سبقه، ولم تقم على الهجاء الممض، ولا الشتم المقذع، وإنما هي راجعة إلي طبيعته ومزاجه". إذن الجاحظ استمد أيدلوجيته في السخرية والتهكم من فطرته التي فطره الله عليها، ولعل خير مثال يؤكد صحة ما ذهبت إليه، أنّ الجاحظ كان يروي سخرية الناس منه وتندرهم بدمامته، وقبح صورته، دون أن يتنزى صدره من الغضب والحنق، ققد قال عن نفسه"إنه وصف للخليفة المتوكل لتأديب أحد أولاده، فلما رأى صورته استبشعها فصرفه. وأنه اشترى له جارية تركية جميلة، رجاء أن يرزق منها ولداً بحسنها وذكائه، فولدت له ولداً جاء بقبحه وجهلها. ومن نوادره أنه سُمع يقول:رايت جارية في سوق النخاسين ببغداد يُنادى عليها، فدنوت منها وجعلت أُقلّبها، فقلت لها:ما اسمك؟قالت:مكة.قلت الله أكبر قد قرب الحج، أتأذنين أن أقبل الحجر الأسود.قالت:إليك عني، ألم تسمع الله يقول:{لم تكونوا بالغيه إلاّ بشق الأنفس}النحل:7." والجاحظ الذي تشبعت حياته بعبق الدعابة، وأنفاس المرح، كان يجود بالطرفة في أريحية ووداعة، ويسخر ممن يعرفه ومن لا يعرفه، بسبب وبغير سبب، ثم لا يجد في نفسه مضّاً ولا غضاضة في رواية تلك الأجوبة المفحمة التي أذهلوه بها، يقول الجاحظ -أسبغ الله على قبره شآبيب رحمته-:"كنت مجتازاً ببعض الطرقات، فإذا أنا بامرأتين، وكنت راكباً على حمارة، فضرطت الحمارة، فقالت إحداهما للأخرى: وي. حمارة الشيخ تضرط، فغاظني قولها، فاحتديت، ثم قلت لها: إنه ما حملتني أنثى قط إلا وضرطت. فضربت يدها على كتف الأخرى، وقالت: كانت أم هذا منه تسعة أشهر على جهد جهيد".

وحدث وأن صنف كتاباً من كتبه التي تلقح الفكر، وتشحذ الخاطر، وبوّب ذلك الكتاب، "وبثه في الناس، فأخذه بعض أهل عصره فحذف منه أشياء وجعله أشلاء، فأحضره وقال له: ياهذا إن المصنف كالمصور، وإني قد صورت في تصنيفي صورة كانت لها عينان فعورتهما، أعمى الله عينيك، وكان لها أذنان فصلمتهما، صلم الله أذنيك، وكان لها يدان فقطعتهما، قطع الله يديك. حتى عدّ أعضاء الصورة". ولعل قدرته الفائقة في ترويض القلم في السخرية من كل من سامه بخسف أو تعرض له بهوان، جعلته صاحب عزة قعساء، لا يتهضم جانبه، ولا يُستباح ذماره، فلسانه الذي كان يناوش الدهر، ويصاول الزمان، أخرس الألسنة الهازلة، والأنفس الهازئة، قيل لأبي هفان"لم لا تهجو الجاحظ، وقد ندد بك، وأخذ بمخنقك؟ فقال: أمثلي يخدع عن عقله؟ والله، لو وضع رسالة في أرنبة أنفي، لما أمست إلاّ بالصين شهرة، ولو قلت فيه ألف بيت، لما طن منها بيت في ألف سنة".

لقد كان الجاحظ ينذر من يصاوله بأفدح الخطوب، ولقد برهنت رسالته الموسومة بالتربيع والتدوير، أنه ليس بضعيف المغمز، ولا هش الحشاشة، ففي تلك الرسالة التي تعد نموذجاً صارخاً على شدة عارضته، وتمكنه من أن يجهز على كل من تسول له نفسه أن يغمز قناته، أو يوطأ حماه، نجده في تلك الرسالة التي وضعها في هجاء أحمد بن عبدالوهاب، قد امتشق يراعه الصارم وضمخه في ازدراء خصمه الذي جرده من كل مكرمة، وفضح جهله وادعاؤه لأصناف العلم على قدر جهله بها، "في هذه الرسالة الفريدة التي يتنادر بها أبو عثمان على مهجوّه يطرح عليه قصد تعجيزه ومعاياته مائة مسألة تناولت معظم المعضلات العلمية التي شغلت مجتمع عصره من تاريخ، إلي فلسفة، إلي كيمياء، إلي لاهوت، إلي حيوان، إلي نبات... والمعضلات التي يذكرها الجاحظ في أسئلته المحرجة لا يحلها طبعاً في هذه الرسالة القصيرة، بل يحيل مُناظره، في كل مسألة، إلي كتاب معين من كتبه".

خاتمة:

الجاحظ أديب العربية الذي لا يجري معه أحد في عنان، عاش عمره الذي ناهز المائة عاكفاً على الآداب والعلوم التي هيأت لذكره فيما بعد أن يضطرب في الأرجاء، ولاسمه أن تتداوله الألسنة، كابد الجاحظ غصص الحرمان، وعاش طفولة بائسة أودعت في بواكير حياته قيماً سامية مكنّت مسيرة حياته التي اختلفت عليها أحواله قبضاً وبسطاً، وخفضاً ورفعاً، أن تطوي المراحل غير ظلعاء ولا وانية، ولعل استقرائه الدقيق، وإطلاعه الشامل، وحرصه على وقته الذي يضاهي حرص الشحيح على ماله، كفل له أن ينداح في كل علم، ويستفيض في كل حديث، ومؤلفاته التي تفوق الإحصاء جسدت لنا بواقعية وتجرد، الحال التي كان عليها عصره، وربما الشيء الذي يزيد من قيمة هذا السجل الحي خلوه من التعقيد والمعاظلة، وبعده عن الحشو والإسفاف، والجاحظ الذي كان لا يبسط لسانه بأذي أو يطوي صدره بضغينة، إلا لمن أوغل في معاداته، أو أمعن في التعرض له، وسخريه الجاحظ التي أخذ بخلائقها أدباء العربية، كانت طبع وجبلة، ساعد من صقلها، ونموها احتكاكه بالناس على اختلاف مشاربهم ودرجاتهم، إضافة لقبح منظره، ودمامة صورته، فأمير البيان العربي وشيخ النقاد، لم يكن يرمي من وراء هذه السخرية اللاذعة سوي تقويم الأخطاء التي كان يزخر بها مجتمعه، ودفع الكآبة والملال عمن يطالع مجلداته التي استقصت غرائب المسائل، ونوادر الحكايات.

 

الطيب النقر

.........................

المصادر والمراجع:

1- أبوعلي، محمد بركات، سخرية الجاحظ من بخلائه (عمان:جمعية عمال المطابع التعاونية، ط2، 1402هـ/1982م).

2- بوملحم، علي، المناحي الفلسفية عند الجاحظ (بيروت:دار الطليعة للطباعة والنشر، ط2، 1988م).

3- التوحيدي، أبوحيان علي بن محمد، الإمتاع والمؤانسة، تحقيق:محمد حسن محمد إسماعيل (بيروت:دار الكتب العلمية، ط1، 1424 هـ/2003م).

4- الجاحظ، أبوعثمان عمرو بن بحر، البخلاء، تحقيق:أحمد العوامري، علي الجارم (بيروت: دار الكتب العلمية، 1422 هـ/2001م).

5- الجاحظ، أبي عثمان عمرو بن بحر، البيان والتبيين، تحقيق:فوزي عطوي (بيروت:دار صعب، ط1، 1968م).

6- الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر، الحيوان، تحقيق:عبد السلام هارون (القاهرة:مطبعة مصطفى الحلبي، د.ط، 1938م).

7- جبر، جميل، الجاحظ في حياته وأدبه وفكره (بيروت:الشركة العالمية للكتاب، د، ط، د، ت).

8- حسين، عبد الحليم محمد، السخرية في أدب الجاحظ (طرابلس:الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع، ط1، 1397هـ/1988م).

9- خفاجي، محمد عبدالمنعم، أبوعثمان الجاحظ (القاهرة:دار الطباعة المحمدية، د.ط، د.ت).

10- الخضري، محمد، محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية (القاهرة:مطبعة الاستقامة، ط4، 1987).

11- شلحُت، فيكتور، النزعة الكلامية في أسلوب الجاحظ (بيروت:دار المشرق، ط3، 1992م).

12- علي، كرد، عمرو بن بحر الجاحظ (سوسة:دار المعارف التونسية، د.ط، د.ت).

13- عويضة، كامل محمد، الجاحظ الأديب الفيلسوف (بيروت:دار الكتب العلمية، ط1، 1413هـ/1993م).

14-القالي، أبو علي اسماعيل بن القاسم، الأمالي في لغة العرب (بيروت:دار الكتب العلمية، د، ط، 1398هـ/1978م).

15- القزاز، محمد سعد، الفكر التربوي في كتابات الجاحظ (مصر:دار الفكر العربي، ط1، 1415هـ/1995م).

16- مبارك، زكي، النثر الفني في القرن الرابع (بيروت:منشورات المكتبة العصرية، د، ط، د، ت).

17- هدّارة، محمد مصطفى، الشعر العربي في القرن الثاني الهجري (القاهرة:دار المعارف، د.ط، 1978م).

 

 

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي، بأن هناك رواد تنحسر عنهم أضواء الشهرة من أساتذة الجيولوجيا بسرعة لافتة للنظر، مع أنهم أسهموا قدر استطاعتهم في الارتقاء بالبحث والدرس في مجالها، وعملوا قدر طاقتهم علي أن ينقلوا ما عرفوه إلي تلاميذهم، وعلي أن يبدعوا في أكثر من مجال مثل أقرانهم الأكثر شهرة الذين كان عليهم الإسهام في كل مجال من مجالات الجيولوجيا المختلفة، استجابة إلي تحديات الركود الفكري في مجتمعهم ورغبة في الوقت نفسه في الارتقاء بهذا المجتمع من خلال نشر التنوير.

والأستاذ الدكتور الأستاذ الدكتور "عباس محمد محمد محمد منصور"- أستاذ جيولوجيا الرسوبيات البيئية بكلية العلوم قسم الجيولوجيا– جامعة جنوب الوادي  بجمهورية مصر العربية)؛ قلما يذكر اسمه خلال هذه الأيام، مع العلم أن هذا الرجل العظيم كان من أهم المؤسسين لجامعة جنوب الوادي؛ حيث نقلها من وادي ذي زرع، إلي جامعة تضاهي الجامعات الأوربية والأمريكية؛ علاوة علي أنه كان واحداً من الأساتذة الجامعيين العظماء الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في جيولوجيا الرسوبيات البيئية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص العلمي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

علاوة علي أن عباس منصور (مع حفظ الألقاب) يعد واحداً من أهم وأشهر النجوم الكبيرة المتلألئة في سماء جيولوجيا الرسوبيات البيئية خلال أكثر من نصف قرن، حيث يمثل لنا مفكراً أصيلاً وعالما كبيراً في هذا التخصص الدقيق؛ لقد كان عباس منصور يمتلك الكثير من عمق المعرفة الجيولوجية وجدية الأدوات المنهجية، فهو يمثل صاحب مسيرة طويلة وممتدة في تاريخنا الجيولوجي، فله أكثر من خمسين بحثاً علميا في جبولوجيا الرسوبيات وباقي فروع الجيولوجيا.

ولد عباس منصور بمحافظة قنا في 14/12/ عام 1958، وتدرج في مراحل التعليم الإبتدائي والثانوي والجامعي، حيث دخل كلية العلوم – قسم "الجيولوجيا"، وحصل منها علي درجة البكالوريوس فى العلوم "جيولوجيا" بتقدير عام جيد جداً- دور مايو 1980، ثم عين معيداً في ذات السنة، وسجل لدرجة الماجستير بعد ذلك، حيث نالها بتقدير ممتاز في عام 1985، وفي ذات السنة عُين مدرساً مساعداً، وأكمل بعد ذلك تسجيله لدرجة الدكتوراه في فلسفة العلوم البيولوجية، وحازها بتقدير "مرتبة الشرف الأولي " عام 1989، وخلالها عُين مدرساً، وأخذ بعد ذلك يتدرج  في المناصب العلمية والإدارية، فحصل علي درجة الأستاذية عام 2000م، ثم وكيلاً لشؤون البيئة عام 2004ن، ووكيلاً لشئون الطلاب عام 2006م، واستمر في عملية الترقي في العمل الإداري، حتي أصبح رئيساً لجامعة جنوب الوادي، طيلة خمسة عشر عاماً حتي بلوغه سن المعاش .

وللدكتور عباس منصور إسهامات كبيرة في علم الجيولوجيا، حيث شارك فى إعداد كتاب القرن للجمعية المصرية لعلم الرسوبيات - الجزء الأول - عن جيولوجيا الرسوبيات تطبيقاتها واقتصاداتها، كما شارك في مؤتمرات علمية كثيرة في معظم الجامعات الأوربية والأمريكية، وهو علي إلمام تام وتمكن قوي في اللغة الإنجليزية والألمانية، وهذا الأمر مكنه من أن ينال عدة جوائز علمية منها : حائز على جائزة سليمان لأفضل البحوث جبولوجيا الرسوبيات المصرية عدد 7 لسنة 1999، وحائز  الدولة التشجيعية فى الجيولوجيا في ذات العام، علاوة علي نيله لجائزة خاصة في جبولوجيا الرسوبيات المصرية عام 2003، وقد رشحته جامعة جنوب الوادي لجائزة الدولة التقديرية خلال العام الماضي ..

ولم يكن عباس منصور منعزلاً داخل جدران الجامعة، بل كانت له مشاركات في كثير من الهيئات والجمعيات العلمية؛ فكان رئيساً للجنة اختيار رؤساء الجامعات المصرية، ومشاركاً فعالاُ في كثير من المنتديات العلمية في الشرق والغرب وأعمال كثيرة أخري يطول شرحها..

ولم يكن عباس منصور ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان في عمله العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكان في ذلك متسقاً مع نفسه تمام الاتساق، فقد كان يبحث دائماً عن النوعية من الحياة، ويعرف كيف يتذوقها ويُرضي بها حسه المرهف. ولكن لعل السبب الأهم في عزوفه عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليه، هو أنه كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث.

كما كان عباس منصور قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

ولقد شهد له زملاؤه ومعاصروه له بالدقة، والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة ..إلي جانب ما يتمتع به من خلق رفيع، ولا غرو في ذلك فهو يمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثاً ومنقباً، محققاً ومدققاً، مخلفاً وراءه ثروة هائلة من الكتب العلمية، والبحوث العلمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطاهم خلاصة فكره وعلمه.

ولم يكتف عباس منصور بالإلمام بمقتضيات البحث العلمي في مجال الدراسات الجيولوجية أو ترسيخها في قلوب وعقول تلامذته وكل من يستمعون إليه، بل كان له السبق في استبطان عقول من يشرف علي رسائلهم؛ بمعني أنه كان مقتنعاً تماماً بأن لكل باحث شخصيته وميوله، فمنهم من يميل إلي المنهج المسح، ومنهم من يميل إلي التحليل والتعمق، في حفر الأفكار والقضايا العلمية، فلم يحرم هؤلاء أو هؤلاء من ميولهم، ولكنه أضاف إليها، فحافظ علي شخصية تلامذته والقواعد العلمية في آنا واحد، مما يندر أن يتوفر عند أساتذة كثيرين..

وفي نهاية مقالي أتقدم إلي بطلب رجاء إلي سيادة الرئيس "عبد الفتاح السيسي"، أن ينظر إلي ما حققه عباس منصور، حين حول جامعة جنوب الوادي من جامعة تابعة لجامعة أسيوط، وتحوي بعض الكليات التي لا موارد لها إلي جامعة عريقة وعظيمة؛ بحيث تضاهي الجامعات في أوربا من حيث المكان ومن حيث الجودة، وهي لا يقل شأنا عن الدكتور سليمان حزين رحمه الله الذي أسس جامعة أسيوط، فلو قلنا أن حزين أسس جامعة أسيوط، فعباس منصور يعد بحق المؤسس الحقيقي لجامعة جنوب الوادي،  وهنا من منبر صحيفة المثقف الزاهرة أُرشح الدكتور عباس منصور لجائزة الدولة التقديرية فهو يستحقها بجدارة .

وفي نهاية حديثنا لا أملك إلا أن أقول تحيةً مني للأستاذ الدكتور عباس منصور الذي لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا فيه قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

مصدق الحبيب(1748 1832Jeremy Bentham)

هو الفيلسوف القانوني والاقتصادي والمصلح الاجتماعي الانكليزي الذي يعتبر من المؤسسين الاوائل للقانون الانكلو-امريكي، وأول من جاء بموضوعة المنفعة Utility ، أحد الدعامات الاساسية في بناء علم الاقتصاد.  كان بنثم علما بارزا من اعلام الليبرالية التقدمية، معروفا بايمانه الذي لايتزعزع بمفاهيم سبق فيها زمانه. فبالاضافة الى ايمانه بحرية التجارة والاقتصاد والحرية الفردية والصحافة والنشر والتعبير، فانه كان مدافعا مخلصا عن معتقدات لم تكن مألوفة آنذاك كفصل الدين عن الدولة، ومساواة النساء بالرجال، وحق الطلاق، وحقوق المثليين وحقوق الاطفال، وربما كان من اوائل من تكلموا عن حق الحيوان وواجب الرفق به.  وهو الذي دعا الى الغاء العبودية وتحريم حكم الاعدام والتعذيب الجسدي والنفسي. كما انه كان من أوائل من سخفوا فكرة القوانين الطبيعية Natural Laws اللاوضعية المستمدة من الشرائع المقدسة حتى انه كان يصفها بالتفاهة والابتذال.  ولذا فقد قاد بنثم اصلاحات قانونية ومدنية كثيرة في المحاكم والمدارس والسجون وقدم خدمات قانونية عديدة للبرلمان الانكليزي.

ومما يعتبر غريبا عن بنثم هو وصيته التي افصح فيها عن رغبته بمنح جسده للتشريح والتحنيط والاحتفاظ بجثته المحنطة كذكرى. وقد نفذت وصيته حيث مايزال يعرض الى اليوم، وبعد قرابة قرنين من الزمن، رأسه الموميائي المحفوظ في صندوق زجاجي عند مدخل نادي الطلبة في جامعة كلية لندن التي تعتبر بنثم اباها الروحي وتنسب اليه رسالتها التعليمية.

1500  بنثمولد بنثم عام 1748 في لندن لعائلة موسرة موالية سياسيا لحزب التوري. ومنذ عمر مبكر بدأت على الطفل جرمي علائم العبقرية. فقد تمكن من القراءة قبل سن المدرسة بل انه قرأ اجزاء التاريخ الانكليزي. وفي سن السابعة تعلم اللغة اللاتينية بطلاقة. وفي الثانية عشرة من عمره دخل أوكسفورد وحاز على ماجستير في القانون منها وهو بسن الثامنة عشرة. بعد تخرجه من الجامعة اختار ان لايمارس المحاماة او اي وظيفة قانونية بل فضل الاتجاه الى نقد القانون واكتشاف مواضع الخلل فيه وتقديم المعالجات الناجعة لاصلاحه.

عرف بنثم بكثرة نقاشاته الفكرية ومراسلاته مع الرجال اللامعين في عصره امثال آدم سمث وتوماس مالثس وجان ستيوارت مل. وكذلك مراسلاته مع رجال الثورة الفرنسية وخاصة ميرابو   Mirabeau . وعلى أثر تعاطفه وتأييده للثورة الفرنسية فقد منح الجنسية الفرنسية الفخرية، لكن ذلك لم يثنيه عن توجيه الانتقاد اللاذع لموجة العنف التي رافقت الثورة. كما امتد تعاطفه ووصلت مراسلاته الى ثوار امريكا اللاتينية وخاصة مراسلاته مع فرانسسكو ميراندا Francisco de Miranda

في عام 1789 صدر كتاب بنثم الموسوم "دليل الاقتصاد السياسي" لكن اغلب ما جاء فيه واغلب ما شغل بال بنثم وحاز على طاقته ونشاطه في الحقيقة هو شؤون الدولة وادارتها وما ينبغي ولا ينبغي ان تفعل من اجل الشعب، والقانون وتطبيقه والاصلاح من اجل العدالة وطبيعة العقاب والثواب . لكن في كتابه الاخر الصادر عام 1800 والموسوم " مبادئ السلوك الاخلاقي والتشريع" جاءت موضوعة المنفعة التي كانت اثمن ما استعار الاقتصاد من بنثم والتي كانت النواة لصياغة مذهب المنفعة القائل بأن هدف كل التشريعات الانسانية وبالتالي واجب الدولة ينبغي ان يكون تحقيق اقصى قدر من المنفعة (السعادة والرضا) لاكبر عدد ممكن من السكان. ومن هنا تطورت بعد ذلك في الاقتصاد دراسة طرق ايجاد المديات القصوى والدنيا  Maxima and Minima للاشباع عند الفرد والمؤسسة والمستعارة من علم الرياضيات. عرف بنثم المنفعة بانها “خاصية الاشياء التي لها القدرة على انتاج المتعة واللذة والرضا عند الانسان من جانب كما لها ايضا القدرة على انتاج الالم والاستياء من جانب آخر، ذلك ان الانسان محكوم طبيعيا بحافزي اللذة والالم”. ولذا فقد اقترح بنثم معيارا للمنفعة والضرر صنف فيه 14 حافزا للذة والمتعة و12 حافزا للألم والاستياء مع اعتبار متغيرات عديدة منها شدة وكثافة اللذة والالم ومدة التعرض لهما ومصداقية الشعور بهما والعوامل الاخرى المتداخلة فيهما.  وكان اهم تطبيقات الفكرة لديه هو تأثير التشريعات والقوانين على الناس. أي تقدير مدى فائدة وضرر اي تشريع تتخذه الدولة من خلال استجابة الشعب له. ولم يغب عن بال بنثم حضور تناقص المنفعة الحدي كقانون اقتصادي عند الاستمرار باكتساب المنفعة، ليس فقط عند تطبيقه على استهلاك السلع بل يصح تطبيقه في موضوع اكتساب الخير ايضا، الامر الذي يعطي درسا بليغا في السياسة الاقتصادية. فمثلا، ان من الطبيعي ان تكون الزيادات المتكررة للخير لرجل موسر الحال اقل وطأة على سعادة ورضا الرجل مقارنة بتأثيرها فيما لو اعطيت لرجل معدم الحال حيث ستكون فائدتها عظمى رغم انها تتناقص ايضا مع استمرار اكتساب وحدات اضافية منها.

ولم يقتصر اهتمام بنثم بالمنفعة بل تعداه الى مواضيع مهمة ذات تأثيرات كبيرة في التطبيقات الاقتصادية كالنقود والمال والبنوك، والاستهلاك والادخار والعمالة والبطالة وافكار اخرى اصبحت فيما بعد مادة اساسية في نظرية اشباع المستهلك وكذلك في بناء نظرية اقتصاد الرفاه Welfare Economics

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

محمود محمد عليليس عيباً أن تتعد مناهج البحث النقدي عند نقاد الأدب، إذ إن لكل نص ابداعي حالته وطبيعته، ومن حق الناقد أن يتعامل معه علي وفق أي منهج يختاره. ولكن أن تتعدد المناهج وتتداخل في متن، أو في خطاب نقدي بعينه، فهذا أمر غير محبذ، ولا هو مألوف.. ولو أنه تم التأمل في "محمد مستجاب" الناقد الساخر، لدهشنا المفارقات التي ينطوي عليها نقده وسخريته، فتارة نجده ناقداً عقلانياً يؤرقه اتزان المنهج وتشغله دقة المعارف التي تهدي خُطي الناقد، وتارة تراه يتأرجح بين اتزان المنهج والذائقة الانطباعية، علي حين نجده تارة ثالثة ناقداً انطباعياً ينفر من العقل ويكاد ينفي المنهج، إن لم ينفه بالفعل غير مرة .. وهنا يضع محمد مستجاب دارسيه والمعجبين به في موقف الحيرة والعجز أحياناً، إذ من العسير تتبع سيرة هذا الأديب العملاق، ومن المحال تقضي كل ما أثارته أعماله وأفكاره من عواصف وردود أفعال ـ  فهو من أكثر أدباءنا المعاصرين إثارة للجدل، وفي نفس الوقت يعد من أكثر الشخصيات الأدبية المصرية المعاصرة معاناة ومأساوية ..

طلع علينا "محمد مستجاب" لأول مرة في نهاية 1969م في قصته "الوصية الحادية عشر هكذا " وعاد إلي باقي اليأس، حيث تحطم الصمت وتحول إلي كتل من الضوضاء ... الرقص والثرثرة والاصطدام والكلمات البذيئة والخبط علي الأجهزة الجنسية والعواء والضحكات والغبار " كلمات نابضة متدفقة إلي قلوبنا قادرة علي التأثير فيها حتي الإدماء ومن يومها وهذا التيار (المستجابي) مستمر في تدفقه ووخزه وتأثيره.. منطلقاً من نفس نقطة الارتكاز – الأرض – الأم – " وتحركت الشمس إلي الغرب، وتركت في الأرض ظلالاً تسحب خلفها اظلاماً وبدأت الخفافيش ترقص حول جثة الشمس المصلوبة في السماء المعتمة، وذلك  حسا قول يسري العزب في دراسته محمد مستجاب والرؤية المصرية..

وفي روايته من " التاريخ السري لنعمان عبد الحافظ"، تجده عنوان يجذبك من أول وهلة ويلقي بك في أتون الرواية، مثيراً بداخلك نزيفاً من الحيرة والتشويق والفضول، عتبة لن تستطيع السير في متاهات الرواية دون المرور عليها، والتوقف متأملاً ومتسائلاً : من نعمان عبد الحافظ؟ ما تاريخه العلني والسري؟ وإذا كانت هذه الرواية  من التاريخ السري له، بما يحمله الحرف: (من) الذي يتصدر العنوان من دلالة  علي التبعيض، فأين باقي تاريخه السري؟ هذا البطل الذي يمتلك تاريخاً سرياً لا بد أن يكون أحد الأبطال التاريخيين، أو أحد المناضلين  السياسيين، أو أحد القادة أو الملوك أو أحد الرؤساء.

أما في مجموعته (ديروط الشريف) يقدم للقارئ أربعة عشر قصة سبق نشرها في عدد من المجلات والصحف المصرية والعربية اعتباراً من العام 1970 حتي 1983 بدأت بقصة (هولاكو) وانتهت بـ (الجبارنة) .. والقارئ للقصص سيلحظ  أن مستجاب يعني أشد العناية بعدد  من العلامات / الرموز / القضايا / الهموم/ الطموحات.. الخ من الأشياء التي يطمح القاض إلي تأييدها في وجداناتنا، وهو في قصته (هولاكو) يعرض علينا، من خلال شبهة السخرية التي تشيع في القصة، حياة أسرة تعسة تتوجه إلي الله ببناء مسجد، ولا يتمكن كبيرها من اتمامه، فيحاول الأبناء تكملته، إلا أن الحكومة تتدخل، وتختار موقعاً آخر، فيسقط الأبناء الأكبر ميتاً عام 1959، بعدها يضطلع الأخ الآخر، الذي حول مشروع المسجد إلي المدرسة بحجة كثرة المساجد في القرية، بدعوة عدد من رفاقه الأجانب الذين التقي بهم في رحلته الأوربية، وعندما جاءوا كان ضمنهم (ماريانا) المشعة حرارة التي اختارت موقع المدرسة ليكون استراحة تجذب السياح..

وثمة نقطة مهمة جديرة بالإشارة وهي أننا نجده في مجموعته آل مستجاب مثل : قيام وانهيار آل مستجاب، مستجاب الفاضل، إنه الرابع من آل مستجاب، مستجاب الخامس، مستجاب الثالث، كلب آل مستجاب .. هذه العناوين يستخدمها محمد مستجاب ليدير بها لعبة فنية رائعة في قصصه ورواياته، فهو يصنع منها ومن أبطالها إطاراً يمثل هيكلاً خارجياً للسرد يصب داخله أحداث عدد كبير من قصصه ورواياته، حيث تتسابق الأحداث والشخصيات طواعية لتندس داخل المحكي عن أفراد عائلة مستجاب الذي يسرده  المؤلف الضمني، وهذا الإطار " يشكل تكنيكاً له أهميته القاطعة"، حيث يمكن الكاتب من التعبير عن رؤيته، وتقديم مضامينه في صورة فنية جديدة تتيح له انتقاد الواقع، أو السخرية  من بعض الأوضاع المقلوبة، وذلك بصورة هزلية  تبدو أكثر فنية من الصور التقليدية . تمتلك هذه العناوين المستجابية وجهاً فنياً آخر ينضاف إلي ما سبق، فهو يؤسس من خلالها تناصاً مع سير العظماء، وعناوين الكتب التاريخية التي يكثر الأسر الحاكمة والترتيب الرقمي بين أفرادها . أما مجموعة (قسام وانهيار آل مستجاب) فإن عنوانها يدخل في علاقة تناص مع العناوين ذات الدلالة التاريخية علي قيام الحضارات وانهيار الممالك التي تتكئ علي أسر كبيرة وتتخذ في حركتها التاريخية من اسماء هذه الأسر فلكاً تدور فيه، كما نجد في عصور الفراعنة، والدويلات في فترة الخلافة العباسية أو في الأندلس . ويمتلك عنوان مجموعة (قيام وانهيار آل مستجاب) وجهاً فنياً جديداً، إذ تخلو المجموعة من قصة تحمل هذا الاسم، فالعنوان يشبه الخيط الذي تنتظم فيه حبات العقد، ما يرسب في وجدان المتلقي انطباعاً بالتوحد والارتباط بين قصص المجموعة للكشف عن مضمون واحد، وهنا تسفر القصص المتضمنة في المجموعة عن مفارقة فنية قصد الكاتب إحداثها عن طرق عتبته الأولي: يتوزع العنوان بين نقيضين يتقاسمان حياة آل مستجاب: القيام والانهيار، لكن القصص التي تتصدرها أسماء عائلة مستجاب لاتكشف إلا عن الانهيار المستمر لأفراد العائلة، فمستجاب الخامس يفشل في حل اللغز الذي يؤهله لا عتلاء عرش آل مستجاب، ويسلم نفسه للذئب الذي يفترسه ويتركه " مبقور البطن في قارب يتأرجح  ويدور منتظراً أن يسلم مقدمته لأي تيار"، ومستجاب السابع يهرب بعد أن يكتشف خيانة زوجته مع العبيد، أما مستجاب الثالث فقد عاش عنينا يسخر قومه  للبحث عن  علاج لمرضه.. وذلك حسب ما قاله د. هشام فاروق محمد رسلان في كتابه بنية النص دراسة لظاهرة الميتاقص عند محمد مستجاب..

وكان يعتبر نفسه ابنا لثورة يوليو،1952 وكان يقول 'لولاها ما تعلم أمثالي'، وكان من المناصرين لمشروعها القومي والحالمين بالوحدة العربية، ولكنه كان ضد الاستبداد وحكم العسكر، وله قصة اعتبرها البعض إسقاطا على ضباط ثورة يوليو.

وتوفي "محمد مستجاب" في 26/6/2005م، وهو مثل البرق ومض الأديب محمد مستجاب واختفى•• جاء موته صادما ومفاجئا للوسط الثقافي العربي كله•• فقد كان الاديب المصري الراحل يتدفق حيوية ونشاطاً وهو في الثامنة والستين من عمره•• لكنه انسحب من الحياة بهدوء بعد أن خاض غمارها وذاق مرها طويلا•• وذاق بعض حلوها قليلا•• فقد حال الفقر وشظف العيش دون أن يبدأ مستجاب انطلاقته الأدبية مبكراً، فقد بدأ نجمه يسطع في منتصف سبعينيات القرن الماضي وهو في حوالي الثامنة والثلاثين من عمره أو أكثر•• وذاعت شهرته وكان لديه الكثير الذي يود إضافته إلى مشروعه الأدبي، لكن الموت كان له رأي آخر وكتب كلمة النهاية لحياة حافلة بالمر الكثير والحلو القليل•• وسار أدباء ومثقفو مصر خلف جثمان "محمد مستجاب" وقد أخذتهم المفاجأة وهالتهم الصدمة• كما قال حمدي أبوجليل في مقاله بعنوان محمد مستجاب•• رحيل هادئ لقـلم ساخر.

وكان " محمد مستجاب" يعتبر نفسه الكاتب الساخر الأول في مصر، واستطاع أن يصنع من اسمه أسطورة، ومن منا ينسى أعماله، مثل 'مستجاب الاول' و'الرابع' و'الخامس' و'السابع' والأخيرة بطلها تمنى أن يصبح رئيساً للجمهورية، ويمكن أن نقتبس جزءً من أقوله  هنا حيث يقول "محمد مستجاب" طوبى لمن وضع زهرة على قبر أو قصر أو صدر، ولمن ولد فى الشهر السابع أو الثانى عشر ولحلق يصبح حلقوماً، ولمن ذبح حصانه الوحيد كرماً، طوبى لمن جثا استغفارا أو اشتهاء، ولمن حمل على الظهر صليبا، ولمن اشعلت النار تحت ماء الحصى تضليلاً لجوع عيالها، ولخشم يصبح خيشوماً، ولزمن كانت الزوجة فيه تجمع أشلاء قرينها ليحيا، ولحق يفزع وجلاً داخل شق الباطل، ولوطن يأكل ثرثرة الباطل، ولوطن يأكل ثرثرة السطوة، ولبلع يصبح بلعوماً، طوبى لمن جعل أذنا من طين وأذناً من عجين حتى قطعت رأسه، ولشمس لا تزال تطلع شرقاً ولنجم ثاقب فى يوم غائب، طوبى لهذه القصة التى لم تكن منشأة لمستجاب السابع لولا تلك الواقعة التى كشف عنها كاتب يعمل أبوه مؤلفا سينمائياً من أن السابع قتل السادس سرا وباع جثمانه لطلبة التشريح وأقام بالثمن سرادقا فخما ذا أضواء باهرة وميكروفونات ملعلعة بالذكر الحكيم كيداً للأعداء، وحفظاً على مفاخر آل مستجاب لقديمها وحديثها ووقف على باب السرادق يتلقى خالص العزاء وهو إفتراء على الرجل يصيب كبد الحقيقة بالتليف ويداهم القصة فى بؤرة التقائها مع ما ورد بعد ذلك من أمور وبالتالي قلبنا على الواقعة ماجورا.

ويستطرد فيقول : فالسابع من آل مستجاب كان يكره ثلاثة الدم والموسيقى واللبن الرائب، فالدم جاءه فى أعطاف تاريخ ملطخ فتك فيه أحد أجداده المبكرين بأخيه ومزق جسده إربا ووزعه على أركان النجع حتى قامت زوجته الملتاعة فجمعت الإرب من أكوام السباخ، والدم جاءه من إحدى جداته حينما بقرت بطن أحدهم ومضغت كبده تشفيا، والدم ورد إليه فى لفائف حبال مشانق مغموسة فى شق الخوف والشجاعة لأناس جاءوا صدفة فى عصر جده الثانى، أما الموسيقى فهى صوت الشيطان الجامح المشتعل طربا يتقافز فى عروق الشهوة، والذى تلبس جسد السادس فأحاله إلى ثور هائج يداهم النساء والأحجار والبقر، والموسيقى هى المس المزمجر فى أحشاء أخته الهاربة فى أثر عبد مأفون يمكنه أن يرقص الجبل حين يعزف على ربابته، أما اللبن الرائب فشاربه خائر فاتر، يمتلئ بطنه بالغازات وقلبه بالإستكانة وعقله بالخمول والوخم، حتى أن مستجاب الرابع - المغرم باللبن الرائب - أقام عرشه بجانب محل الأدب فى قصة تجدون أثرها فى مكان آخر، وكان من كثرة إدمانه الرائب: يستريب فى الناس والحقوق وتوالى أيام الأسبوع ويرتاب فى الألوان والأصدقاء والصحف والمجلات وأقول السلف.

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية "محمد مستجاب" بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمت من جهود.

تحيةً لمحمد مستجاب الذي  لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمد السعديأولاً: لابد أن أعلن الى الملأ وعن هواجسي بالقول.. أن الكتابة لهامة سومرية عراقية بقدر الأستاذ ضياء نافع وهو يتنفس برئة الادب (الروسي) والعالمي، وندعوا من الرب أن يمده بالعمر الطويل، فكانت هي الأصعب مما تخيلت وما دار في خلدي من أفكار وأراء، الأفكار كثيرة والذكريات مزدحمة ولم تفارقني منذ يوم اللقاء الأول العام ١٩٨٠ في الأداب / جامعة بغداد والتي الى يومنا هذا تدافع بعضها بعضاً في زحمة ذكريات إيامي، وكأن الواحدة تقول للأخرى وتزاحمها، أنا الأولى والأحق منك بأن أذكر وأكون في الصدارة، فما يمكنك أن تقول وتفعل أمام هذا الرجل المليان . اليوم .. المرة الثانية الذي أسمع صوته عبر أثير التلفون بالصوت ولكن ليس الصوت المسكون في ذاكرتي قبل أربعة عقود، لقد ترك الزمن لوعاته عليه، ومنذ أن تفارقنا في العام ١٩٨٣ عندما كنت طالباً في أروقة الأداب / جامعة بغداد وهو أستاذي ومعلمي الاول حول أساسيات الادب الروسي من ” كيف سيقنا الفولاذ إلى المدرعة بوتمكين؛ وبعد أحتلال العراق وعن طريق مواقع التواصل الاجتماعي والله يطول عمرك ياسيد مارك على هذه الألتفاتة الأنسانية الكبيرة . تجرأت وكتبت له رسالة مقتضبة ومترددة ربما للسنوات الطويلة من العزلة والبعد والظروف الصعبة  قد ألقت بظلالها على الذاكرة والنسيان، فقلت له في مطلعها أستاذ ضياء، أنا محمد من قرية الهويدر أحد طلابك ففاجأني بجوابه أي نعم أعرف ولقد قرأت كتابك (سجين الشعبة الخامسة) وأعتزازي بك كبير وبمواقفك وأنت من الطلاب النجباء، هذه السرعة في التلقي والأستذكار لقد قضت على هاجس ترددي وتركت في نفسي لوعة وحنين الى سنوات مضت من زمن عصي لكنه كان مشرق وفيه أمل كبير بالغد الأحسن  .

ومنذ اليوم الأول، الذي عرفته في أروقة الاداب وهو لايعطيك فرصة أن تفكر بالقرب منه أمام دماثة خلقه وثقافته وعلمه الواسع وتواضعه الأنساني حيث تقع أسيراً بلا قيد إمام عطائه . في العام ١٩٨٢ في الأجتياح الاسرائيلي للبنان، دخل الأستاذ ضياء الى القاعة متأبطاً حزمة من الاوراق متحمساً ومتوتراً تاركاً مادة الحصة التدريسية جانباً ومتناولاً موضوعاً أخراً بيننا، خطورة الأجتياح على عاصمة بلد عربي (بيروت) وتداعياته على ضمانة السلم الأجتماعي مما حول وهيج مشاعرنا الوطنية تجاه هذا الأعتداء الصهيوني . أو على أقل تقدير لفت أنتباهنا نحن الطلبة على قضايا مصيرية وماوقع من ظلم وتعدي على بلد عربي شقيق .

تجربتي كطالب مع أستاذ ضياء أمتدت لثلاثة سنوات فقط في أروقة الاداب، لكنها كانت مليئة بصخب الأنعطافات، في وضع العراق الصعب أنذاك. أشتعلت الحرب بين الجارتين اللدودتين العراق وإيران، كانت دروس الدكتور ضياء حافلة بالاهتمام والانتباه على ما يلقيه علينا من صورة مشرقة لأدباء روسيا وفي الوقوف عند مأثرهم الادبية والوطنية وتحديهم لاساليب سلطة القيصر في قمع حرية الكلمة والأبداع، وكأنها كانت دروس لنا في النضال والوطنية من خلال عكسه لصور مشرقه من تاريخ الادب الروسي رغم تسلط نظام القياصرة على قمع الحريات ومنابع الابداع . كنا كطلبة لم نشعر يوماً بفواصل بيننا وبين أستاذ ضياء، كان يتعامل معنا كأصدقاء في تبادل وجهات النظر حول هموم الدرس والحصص . لقد مضى أربعة عقود على تلك الايام وكأنها البارحة وكلما وقع نظري على مقالاً لاستاذ ضياء والذي مازال ينضح أدباً ونتاجاً وثقافةً رغم تقادم العمر والصدمة التي تلقاه بفقدان من أعز على قلبه أبنه الوحيد نوار في عز شبابه وعطائه ونزولاً عند عطاءات وذكريات وقدسية نوار . أصبحت اليوم لنوار جائزة سنوية تمنح بأسمه للمبدعين والمفكرين والمترجمين في كل عام، وأيضا دار نشر نوار تخليداً له ولثراه الطيبة . لايمر يوم الا ويتحفنا أستاذ ضياء بمقال وواقعة أو درس حول فطاحل الأدب الروسي ونتاجاتهم الادبية وعمق الشخصيات ومشاكساتها في البناء الدرامي. دوستوفيسكي.. تولستوي.. تشيخوف.. تورغنييف.. غوغول.. بوشكين.. ليرمنتوف.. والناقد الديمقراطي بيلينسكي وآخرون .

ضياء نافع يشغل حالياً عضو في إتحاد أدباء روسيا وهو العربي الثاني بهذا التشريف لنتاجه وعطاءاته الثرة في مجال النشر والابداع . وقد نال قبله عضوية إتحاد الادباء الروس الشاعر الفلسطيني عبدالله عيسى . أتابع يومياً منشورات دكتور ضياء عبر عدة منصات ومواقع ألكترونية وناصيات التواصل الاجتماعي ولموقع بيدر ميديا حصتها في نشرها، والملاحظ عدد المارين والمتابعين لكتاباته يزداد يوماً بعد يوم لفرادتها في الاختيارات من أرشيف وشخصيات وأحداث واكبها ضياء نافع منذ مطلع الخمسينيات في مجمل مسيرته الاكاديمية والأدبية والعملية عندما أصبح مسؤول قسم اللغات في كلية الاداب / جامعة بغداد، والتي أقترنت فترته بأنجازات كبيرة على مستوى التطور والابداع في أساليب الدراسة وحتى تركت ظلالها على العلاقات السوفيتية العراقية من خلال دعم مشاريع ثقافية في التعاون مع السفارة السوفيتية في بغداد .

أتطلع وبرغبة شديدة أن ألتقيه بعد طول تلك السنين العابقة بالذكريات والمواقف والأحداث، وقد وجهنا له عدة دعوات في مناسبات عديدة من أجل الاحتفاء به وتكريمه والوقوف عند أهم أنجازاته ومشاريعه الادبية في محل أقامته في العاصمة موسكو منذ عدة سنوات مع زوجته الروسية والتي تحن للعراق بفيض وصوره المشرقة عاشت سنوات طويله فيه وتطبعت على عاداته وتكلمت لغته وأحبت تاريخه وتجنست جنسيته وهي فخورة بهذا التقليد والعيش في هذا البلد العراق، ولم يذهب عن بالنا أيضاً هي أستاذة جامعية ساهمت في نشر الثقافة والأدب، كما ساهمت الأستاذة سعاد محمد خضر المصرية الأصل وزوجة اليساري المرحوم صلاح خالص في البناء الثقافي والأكاديمي . واللبنانية الأصل الاستاذة المرحومة حياة شرارة أبنة الأديب والمثقف محمد شرارة وزوجة طبيب الكسور والعظام المشهور المرحوم محمد صالح سمسيم (أبو مها)، الذي أعتقل في أحدى المرات العام ١٩٨١ بعد أن أجرى خمسة عمليات جراحية لجنود الحرب العراقية / الإيرانية في مستشفى الرشيد العسكري في بغداد . حياة شرارة هي معلمتي وزميلة الأستاذ ضياء نافع لسنوات طويلة في قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد وقد ساهما معاً بشكل واضح ومؤثر في دعم الابداع والادب ونشر الثقافة الوطنية في العراق من خلال تعاونهم المشترك في الترجمة والنشر والمعرفة  . ولم أكن بعيداً عن تلك الأجواء بحكم قربي منها طالباً في الأداب مما تركت بصماتها على مسيرة حياتي وأختياراتي الاحقة ومواقفي، كنت أحمل نضدات من مجلة الثقافة للمرحوم صلاح خالص وزوجته سعاد محمد خضر في عودتي الى قريتي الهويدر وأيصالها الى بعض متابعيها وكتابها في المدينة .   

تقضي عائلة أستاذ ضياء سنوياً عدة شهور في جمهورية الجبل الأسود مونتينيغرو (بالصربية) بالقرب من فلذة كبدهم أبنهم نوار، والذي توارى ثراه هناك على أرضها، عندما كان يعمل طبيباً فيها قبل رحيله الأبدي . فسلام على قبره . ومن تلك الايام عندما كنت طالباً في الاداب لم تحتفظ ذاكرتي ولو مرة واحدة على طريقة أستاذ ضياء في التدريس وألقاء المحاضرات، لكنه كان دائماً واقفاً ويضرع الفسحة الضيقة ذهاباً وجيئةً بين رحلات الطلبة والسبورة وبيديه الطباشير لكتابة أسم أديب أو رواية أو قصيدة شعرية عكس بعض الأساتذه والذين كانوا يفضلون الجلوس على منصة التدريس المخصصة لهم مما يفضي الى تسرب الخمول وسط الطلبة وضعف تركيزهم على حصة الدرس، بينما طريقة أستاذ ضياء كانت تشدنا الى الدرس بفعالية وحب .

 

محمد السعدي

مايس / ٢٠٢٠

 

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر علينا هذه الأيام ذكري وفاة القاص والروائي المصري ذي الصعيدية "محمد أحمد مستجاب عبد الله مسعود" (1938-2005م)، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر، أو وقفة، أو تسليط الضوء على شيء من منجزاته وابداعاته؛ فقد كان سيادته  من الأسماء المرموقة في ساحة القصة بالعالم العربي، وكان نجماً متألقاً من نجومها.. كان موهبة وحشية لا مثيل لها في كافة الأجيال، والذين قلدوا أسلوبه فشلوا جميعاً.. وقصص مستجاب شديدة التكثيف والذكاء، وقصصه القصيرة عن عمال السد العالي في مرتبة الأمثولة..

حصل "محمد مستجاب" على جائزة الدولة في الآداب في ثمانينيات القرن الماضي، كما يعد سيادته واحداً من كبار الأدباء المصريين المعاصرين الذين كانت لهم بصمان واضحة في مجال القصة القصيرة، والرواية، والمقال الأدبي، كما تميزت أعماله بالاستخدام الراقي لمفردات اللغة، وصياغة إبداعاته في جو يختلط فيه الحلم مع الأسطورة، في واقعية ساخرة؛ كما كان محمد مستجاب واحداً أيضاً ممن أجادوا باللغة العربية وقواعدها، وكان مدركاً جداً لها ومحترفاً في العمل بها، بل كان أيضاً يحب أن يلاحظ اللغة في كل شيء من حوله ويتأمله ويقومه بالتصحيح أو التعليق عليها أو إعراب الكلمات. كما كان واحد من الكتاب المهمين، وله عالمه الخاص، ولغته المتميزة وطريقته الفريدة في النظر للتجارب والشخصيات تتجلى في سخريته..

كما أن "محمد مستجاب" واحد من الذين خلقواً صوتاً خاصاً في الكتابة العربية الحديثة، واستطاع أن يتخذ مكانته ككاتب مرموق وسط كوكبة كبيرة من الكتاب المتميزين، كما تميز عن مجالسيه بميزتين الأولى أنه لم يكتب عن الواقع مباشرة مثلهم، ولكنه خلط الواقع بالفانتازيا والأساطير، وهذا منحه خاصية السخرية، وهي مهمة لأنها تعني التحرر من المفهوم الرومانسي والواقع التقليدي، والثانية هي الاعتماد على الخيال، بمعنى أن كتابة مستجاب تعيد الاعتبار للخيال بعيداً عن الإنشداد للواقعية مثل المنشغلين بربط الأدب بالواقع. كما قال حمدي أبوجليل في مقاله بعنوان محمد مستجاب•• رحيل هادئ لقـلم ساخر.

وحين تجلس إلي محمد مستجاب تجده نموذج الصعيدي الذي لم يتخلي عن لهجته الصعيدية رغم حياته في القاهرة وزواجه منه وانجابه للبنين والبينات، فضلاً عن تمسكه بكل ما يتحلى به الإنسان المصري في الصعيد من كرم وشهامة وأريحية واضحة لا مجادلة فيها – لا يمكنك، بأية حال من الأحوال، ورغم مئات العبارات والتعليقات خفيفة الظل شكلاً والمدمية موضوعاً – تجاهل أن هذا الكاتب تمور داخله العواصف، وتسكن جوانحه الجنيات والعفاريت، ويدخر أسراراً كهنوتية تركها له كهنة آمون المتأمرون علي مدي التاريخ، ولا شك – عندما تعايشه الساعات التي يقضيها علي المقهى أو عندما يصر علي دعوتك إلي منزله في الجيزة – سوف تكتشف أنك أمام كاتب عربي يملك حساً انتقادياً فذاً، ورؤية واضحة لكل الأماكن المعطوبة في جسد الوطن، وعندما تستغرقك الجلسة معه تكتشف أيضاً أن ديناصوراً يقاوم الانقراض، ويتغلب علي زمن احساسه بالمصيبة، ويحاول الالتفات إلي الأعداء مثبتاً لهم أنه سيبقي، وأنه – أخيراً – فهم (المسألة)، وسيتطور، ويتخلي عن التباهي بحجمه الضخم، وطوله المفرط، وربما بتخلي عن ذيله- امتداده التاريخي الذي يعطل انطلاقه ليعيش العصر بكل تحدياته وذلك كما قال عنه محمود حنفي كساب في عاصفة من ديروط الشريف - محمد مستجاب  وفن القص...

إن محمد مستجاب هو الكاتب الجديد الذي أمكنه أن يربطنا  فنياً وببساطة  بالتراث الشعبي ليس ينقله لنا، وإنما باستخدام  بنائه المعماري، وربما كان هذا هو سر المغناطيس الذي يجذبنا  دائماً إليه، مع ملاحظة بعده إلي حد كبير عن (الحدوتة) المتعارف عليها .. إن جانب هذه الإحاطة وارتباط  مستجاب بفكرة الأرض الأم (بالصعيد والوادي – بالعادات والتقاليد بالقتل والجنس بالصبر والسخرية بالألم والحب، بالحيوانات والنباتات، بفكرة البطل العام هو ما يجعل مستجاب كاتباً شعبياً مبشراُ بمرحلة جديدة من مراحل الابداع القصصي .

نعم لقد استطاع محمد مستجاب أن يخلق لنفسه أسلوباً مميزاً في السرد القصصي والروائي – إذ استطاع – كما تقول: (د. فدوي مالطي دوجلاس) في دراستها " من التاريخ السري لنعمان عبد الحافظ . وتدمير طقوس الحياة واللغة " مجلة (ابداع) – يونيو ويوليو 1983)-:  (أن ينتهك القواعد القصصية العادية.. حيث يوقف تدفق القصة، ويؤكد وعي القارئ بوجود النص ليقلل من الاهتمام بتطور الحي).. كذلك يري (د. شاكر عبد الحميد)- " السهم والشهاب)1983- مطبوعات الرافعي) أن محمد مستجاب قد حاول تخليق الأسطورة أو القصة الأسطورية، ووضع كل ذلك في إطار أكثر شمولاً واتساعاً – بحيث يمكننا استخراج دلالات واحالات من الواقع الذي يصوره لواقعنا المعاصر، وأن قصصه يمكن أن تصير فيها (الأسطورة) هي اللغة، وهي المناخ والجو العام، كما يوجد بها تركيز علي الطقوس والممارسات والشعائر، وأن بعضها يحاول تخليق الأسطورة واستلهام روحها..

ورغم أن "يوسف إدريس" كأستاذ متمكن ساحر للقصة القصيرة الحديثة في الوطن العربي قد رجل عن الدنيا وكان " محمد مستجاب" يكتب القصة وينشر وكان فعلا قد أصدر مجموعة  "ديروط الشريف"، إلا أن خصائص مستجاب كما تقول فريدة النقاش كحكاء بارع أخذ بطرف الحدوتة التي لم يكملها " يوسف إدريس" وراح هو يستكملها وينسجها علي نوله الخاص لم تبرز حتي الآن كما ينبغي لها ربما لأنه مقل أو لأن جزءً لا يستهان به من طاقته التعبيرية يجري استنفاده في كتابة المقالات  أو السخرية الشفاهية التي كانت هي والتنفس لدي " مستجاب " صنوان.

تميز ابداع محمد مستجاب بفنية عالية ووعي شديد بكل ما يكتب، إنه يستمع عندما يجسد بالكلمات واقعة وأحاسيسه وأفكاره السوية، يبني عالمه القصصي والروائي من لبنات متعددة منها: السخرية والعجائبي.. ارتوي محمد مستجاب من المياه التي أنبتت جيلاً بأكمله، فكان من الطبيعي أن ينتمي إلي ذلك الجيل، والبحث إذ يخصه بالدراسة لا يعني ذلك أن يقطع الشريان الذي يربطه ثقافياً وفنياً بغيره من أدباء جيله ؛ ذلك أن كل جيل روائي يعكس مجموعة من العوامل الاجتماعية والقافية التي تؤثر في تشكيله..

ولد محمد أحمد مستجاب عبد الله مسعود في مركز ديروط بمحافظة أسيوط، جنوب مصر في 23/7/1938م لأسرة شديدة الفقر، وكان يقول بخليط من الاسى والسخرية 'حتى الطعام الخشن لم نكن نجده'، وبسبب إهمال أسرته وفقرها فقد إحدى عينيه نتيجة عدم الاعتناء بعلاجها من الرمد وهو في الثانية من عمره، وفي طفولته كان نبيها وتفوق على أقرانه في الكتّاب والمرحلة الأولية، لكنه لم يواصل تعليمه نظراً لظروف أسرته، واشتغل في الستينات في مشروع بناء "السد العالي" في مدينة أسوان وثقف نفسه بنفسه بعد أن توقف دراسياً عند مستوى شهادة الثانوية. ثم التحق بمعهد الفنون الجميلة ولكن لم يكمل دراسته بالمعهد. عمل بضعة أشهر في العراق وبعد عودته إلى مصر عمل في مجمع اللغة العربية وأحيل إلى التقاعد بعد بلوغه سن الستين عام 1998.

ولم يكن محمد مستجاب كاتباً فقط، بل إنه كان مثقفاً ومهتماً بالفن والفنون بأشكالها من السينما إلى الرسم والتصوير والموسيقى، وكان عندما يتأمل عملاً فنياً يجب أن يتأمله تأملاً كاملاً، ويدرس تفاصيله ويبحث عن المعاني من خلفه، فينظر للوحة بألوانها وتفاصيلها وطريقة الرسم أو التصوير بها وما تحمله من معانٍ، وكذا السينما، فكان يتأمل العمل السينمائي ويدرك المعاني وراء الأشياء ويبحث عما يريد المؤلف أو المخرج يريد أن يقوله. وكان لمحمد مستجاب وجهة نظر في التعامل مع الناس وخصيصاً في المشكلات، فكان يلجأ له الكثيرون لحل مشاكلهم وشكواهم، لذا كان دائماً ما ينظر إلى التفاصيل الصغيرة والأسباب وراء كل ما يحدث من خلال التفاعل مع الناس. كان ظاهرة أدبية مثيرة، غير أنه بدد موهبته في الكتابة الصحفية تحت ضغوط أكل العيش، فهو لم يكن يملك غير قلمه، ولم ينل التقدير اللازم في حياته بسبب الواقع الثقافي العشوائي..

كما كان محمد مستجاب فى حياته العملية موظفاً في مجمع اللغة العربي، ولكن قبل أن يعمل في المجمع كان يعمل في السد العالي، وكانت له الكثير من الحكايات في السد العالي ومع العاملين قبل أن يقابل وزير الثقافة الأسبق "ثروت عكاشة" على سلالم قصر ثقافة أسوان، وقام ثروت عكاشة بالتأشير له لنقله للعمل في مجمع اللغة العربية في وزارة الثقافة، فهو الذي استطاع أن يدخل عالم الكتابة من أضيق الأبواب؛ حيث لم يحصل على أي شهادة دراسية، ولكنه حصل على درجة كاتب بامتياز بشهادة القراء قبل النقاد.

كان محمد مستجاب يراسل المجلات بخواطر ومقالات، والخاطرة التي نشرها له د• مصطفى محمود في بابه بمجلة 'صباح الخير' أولى تجاربه في النشر، ونشرت أول قصة له: (الوصية الحادية عشرة) في أغسطس 1969م في مجلة الهلال، لم يترك أعمالاً قصصية أو روائية كثيرة، لكن إبداعه تميز بغنيته، ترك أربع مجموعات قصصية وست روايات هي: من التاريخ السري لنعمان عبد الحافظ رواية 1983م، وديروط الشريف مجموعة قصصية 1984م، والقصص الأخري –قصص قصيرة حمقاء- مجموعة قصصية 1986م، وقيام وانهيار آل مستجاب مجموعة قصصية 1995، والحزن يميل للممازحة مجموعة قصصية 1998م،إنه الرابع من آل مستجاب (رواية) 2001م، وكلب آل مستجاب (رواية) 2004م، مستجاب الفاضل (رواية) 2004م، وهذا ليس كتاب البأف (رواية) 2004م، واللهو الخفي (رواية) 2005م، ... كما أن العديد من المقالات الساخرة المنشورة في مجلات مثل: العربي الكويتي والمصور، وقد جمعت هذه المقالات في كتب مثل: بعض الونس، أبو رجل مسلوخة، الحزينة تفوح، نبش الغراب، زهر الفول، أمير الانتقام الحديث.. وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

أوس حسنالشاعر والمناضل الراحل كاظم السماوي

(أنا إنْ خسرتُ العمرَ لم أخسر خطاي

حاصرتُ منتفضاً حصاري

ليس من أحدٍ سواي)

ولد كاظم السماوي سنة 1919 في مدينة السماوة وعمل في الصحافة والإعلام، عاش في بغداد مواكباً الحركة السياسية السرية آنذاك، مثل العراق بشكل غير حكومي سنة 1954 في مؤتمر بكين للسلم العالمي، واسقطت عنه الجنسية العراقية نفس السنة بسبب نشاطه في حركة السلم العالمي، عين ملحقا ً صحافيا ً في السفارة العراقية في براغ ، عين مديراً عاما للإذاعة والتلفزيون في بغداد بعد ثورة 14 تموز ابان نظام عبد الكريم قاسم، وأصدر جريدة الإنسانية بعد فترة قصيرة نشر ديوانه الأول أغاني القافلة سنة 1950 الطبعة الأولى (بغداد.... الطبعة الثانية 1952(بيروت دار الحياة).. ليصدر بعدها عدة مجاميع شعرية.. الحرب والسلم (ملحمة شعرية عام 1953.. دار القلم بيروت.. وصدرت لها ترجمة كاملة باللغة الروسية ترجمها الشاعر الروسي المعروف فلاديميير لوكوفسكي.. صدرت عن دار الشرق موسكو) / إلى الأمام أبدا.. 1954/ (دار العلم للملايين بيروت) / رياح هانوي/ (وزارة الإعلام بغداد 1973)إلى اللقاء في منفى آخر (الإتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين بيروت 1980)/ قصائد للرصاص.. قصائد للمطر(دار النشر والتوزيع طرابلس 1984 ) / فصول الريح ورحيل الغريب (دار الحصاد للنشر والتوزيع.. دمشق 1994) / لا أهادن.. ./كردستان وردة النار.. وردة الدم (السليمانية/ كردستان العراق)

.

كما صدرت له مجموعة شعرية باللغة المجرية سنة 1956 عن دار أوروبا للنشر بعنوان ايللي فاندور.. (الساري).. . ترجمها كاملة إلى اللغة المجرية الشاعر (دالنوكي تيبور) وكتب سردية ونثرية أخرى.. الفجر الأحمر فوق هنغاريا دار الحياة بيروت 1954/حوار حول ماوتسي تونغ (قبرص 1990) /خمسون عاما من الرحيل بين المنافي (مذكرات نشرت على حلقات في جريدة الإتحاد بين عامي 2000و2002)

وأثناء عمله كمدير عام للإذاعة والتلفزيون بعد ثورة عبد الكريم قاسم سنة 1958.. أصدر صحيفة الإنسانية، التي استمرت بالصدور ثلاثة أو أربعة أعوام، لتغلق بعدها الصحيفة ويودع السماوي في سجون عبد الكريم قاسم.. لتعاطفه مع القضية الكردية آنذاك ورده الصارم والحازم على عبد الكريم قاسم عندما قال قاسم.. ا"لأبطال يصنعون التاريخ".. فرد عليه السماوي بمانشيته الشهير على قاسم "إذن فليسقط التاريخ"

خمسون عاما من الرحيل بين المنافي جاب فيها الشاعر بلاد الأرض.. وخبر السجون والمعتقلات.. والحروب.. جمعته علاقات صداقة مع شخصيات عالمية كبيرة منهم شعراء ورؤساء دول وقادة ثوار.. أذكر على سبيل المثال لا الحصر.. الشاعر التركي الثائر ناظم حكمت.. الزعيم الهندي نهرو.. الزعيم الصيني ماو تسي تونغ.. المجاهد السوري محمد الأشمر.. وشخصيات عالمية أخرى.

مواقفه السياسية والثورية

اعتنق كاظم السماوي الماركسية كفكر انساني، ومنهج علمي متجدد، وليس كأيدلوجيا سياسية ساهمت في صناعة الطغاة والجلادين.عرف السماوي بتمجيده ثورات الشعوب المظلومة والمستباحة منذ التاريخ إلى وقتنا الحاضر، بغض النظر عن انتمائاتها وعقائدها (فكان الصوت الحي الذي هدر باسم شعوب الأرض وفقرائها وجياعها، ابتداء من ثورة اسبارتكوس، والزنج.. والقرامطة.. إلى ثورات فيتنام وهانوي، وشعوب امريكا اللاتينية وافريقيا، وثورات الشعبين الفلسطيني والكردي). لم يهادن السماوي الحكام والطغاة، ولم تفرزه مؤسسة ثقافية أو سياسية، كان حراً لانه انتصر على نفسه أولا من أجل قضية الإنسان، وهمومه على هذه الأرض، وفي نفس الوقت كان يرفض استنساخ تجربة الإتحاد السوفيتي في العراق، وأن يكون العراق تابعا ومقيوداً بصورة ساذجة لقوة خارجية أجنبية، انتقد وبقوة وحزم صارمين سلسلة الأخطاء الشنيعة التي جرت في صفوف الحزب الشيوعي ابتداء من الجبهة الوطنية مع البعثيين، وانتهاء بتواطؤ بعض القيادات بشكل خفي مع قوى استعمارية امبريالية لتقسيم البلد طائفيا ًوعرقياً، والذي توج في مؤتمر لندن سنة 2002 قبيل الحرب الأمريكية على العراق، بتخلي كثير من الشيوعيين عن ثوابتهم التاريخية ومبادئهم النضالية خدمة للمحتل ولمآربهم الشخصية، فالغزاة البرابرة من الأمريكان والشراذم لم يأتوا إلى العراق فاتحين مبشرين بالنصر والحرية بل جاؤوا لتحويل العراق الى هشيم وحطام، عن طريق حرب طاحنة طويلة الآمد، صدقت نبوءة السماوي فعلا.. وهنا لا بد أن أورد قصيدة كتبها كاظم السماوي سنة 1991 أثناء الحرب الوحشية الأمريكية على العراق بمساعدة 30 دولة.. وهذه القصيدة نفسها أعاد نشرها السماوي أثناء الحرب الأخيرة.. سنة 2003 (قصيدة يا عراق من ديوان فصول الريح ورحيل الغريب.. دار الحصاد.. دمشق..

1994)

يا عراق

سلمت يا عراق..

يا أول الآيات، والحقيقة الأولى،

وسر الله والتكوين، والمآثر العتاق

سلمت.. والنهران مازالا يشقان الشعاب الخضر.. والزمان يردد الأصداء.. والزمان يدور

لن يطفئوا في مقلتيك الشمس يا محجة الدهور

كم مرة تغول التتر

كم مرة يضطرم الشرر

كم مرة تشتعل الأنهار والأشجار والمطر.. .

سلمت يا عراق

يا وطن السنابل الحمر، وعشب الدماء

يا نارُ، يا عراق.. يا عراق

يا عطش الصُبّار في الشاطئين

لما تزل عطشى دماء الحسين

ويا دماً يجأر حتى الأنين

مستصرخاً.. سلمت يا عراق

فداك يا عراق

***

ويا عراق الصمت والجراح والسكون

ويومنا المذبوح في الشفاه والعيون

ويومنا للجثث الراحلة

ويومنا للجثث العائدة

وصمت من راحوا إلى موتهم

وموت من عادوا إلى صمتهم

أغنية كسيرة الجناح

ونجمة مقتولة السنا

سلمت يا عراق.. والعراق آهة للوجد.. .للحنين

وللدم الفائر في المقلتين

وللعلى ما انحنت الرقاب

وما سواك المصطلى في حومة النزال

وما سواك.. .لم تجد في ساحة الوغى سواك

وللحياة ما عفت

وللظنون ما وهت

وللرماد.. يا مواقد الرماد

***

يالتتر الأبعدون

يالتتر الأقربون

لتقتلوا الأطفال والنخيل والأنهار

لتحرقوا التأريخ.. والأسفار والأشعار

لتطفئوا النهار

لكنكم لن تقتلوا العراق

الطفل.. .العشب.. سيكبر

سيجيء الزمن الآتي

الزمن الآتي الأكبر

(سلسلة المآسي والأحزان)

أعتيل ولده نصير في الصين سنة 1991 من قبل المخابرات العراقية بالتعاون مع المخابرات العالمية في أحد فنادق بكين، وماتت زوجته حزنا على ابنها سنة 1993 وتوفي بعدها بسنوات ابنه رياض في كردستان العراق نتيجة لإصابته بمرض السرطان متأثرا بسموم الغازات الكيماوية أثناء الحرب العراقية الإيرانية.

وفي سنة 2009 توفيت ابنته الكاتبة والمترجمة المعروفة تحرير السماوي في لندن نتيجة اصابتها بنفس المرض، أما بناته زويا وسوريا وشرارة فما زلن يعشن بين القاهرة

واقليم كردستان العراق، بعد أن غادرن بغداد منذ فترة دون أن يملكن شيئا في هذا الوطن الجريح ، سوى موقف السماوي الشامخ، ووهجه الثوري الذي ما زال يشع بهجة وألقاً في أحلك الأيام وأصعب الظروف

توفي كاظم السماوي شيخ المنافي المناضل الحالم وشاعر الأممية الصافية في مدينة استوكهولم في السويد في صباح الخامس عشر من آذار سنة 2010 عن عمر يناهز 91 عاماً وفي الليالي الأخيرة التي سبقت وفاته تراءى له العالم كما كان يريد أن يراه، حالما ومليئا بأحلام الطفولة الخضراء، عالم لايحكمه سوى الإنسان بكامل بياضه والوهيته، هكذا عاد السماوي طفلا قبل أن يزوره الموتى العائدون نصير وفوزية ورياض وتحرير ، أغمض عينيه ورحل عنا مخلفا وراءه ذلك الوهج المسكون بالأحلام.

ذلك الوهج الذي لم ولن ينطفىء أبدا مهما مرت الأيام وتعاقبت الأزمنة

 

إعداد وتقديم: أوس حسن

 

علاء اللاميمَن هي الأميرة العربية المسيحية الحسناء، حفيدة اليهودية الخيبرية، التي عرض عليها خالد بن الوليد الإسلام فرفضت تغيير دينها بلباقة، وقدم لها هدية فرفضتها، وماذا تتوقع أن يكون خالدٌ قد فعل لها؟! لنبدأ بهذا التصحيح: شاهدتُ مساء الخميس 30 نيسان الماضي، فقرة تعريفية وردت في برنامج تلفزيوني عراقي عن "حصن الأخيضر" الشهير، الموجود على مسافة 50 كم جنوب غربي كربلاء، وقد استضاف مقدم البرنامج في المكان عينه أحد "الباحثين الاجتماعيين" ليحدثه عن تأريخية الحصن، ولا أدري ما علاقة البحث الاجتماعي بالآثار التاريخية! وقد خلط الباحث، للأسف، بين التواريخ والشخصيات، وأرجع بناء الحصن المذكور الى فترة الملك اللخمي النعمان بن المنذر، ثم إلى أحد ولاة بني العباس بعد أن جعله ملكا...إلخ. والصحيح، هو أن تاريخ هذا الحصن الجميل يعود إلى العصر الإسلامي باتفاق الباحثين، ولكنهم اختلفوا في حصره زمنيا بدقة، فذهب بعضهم من الأجانب (منهم مسز بيل غيرترود، المعروفة عراقيا بأم سبيل) إلى أنه بُني في العهد الأموي، ولكن المؤكد علميا الآن هو أنه بُني في العهد العباسي، بل أن الباحث كريسويل حدد بدقة أن الحصن شيَّده عيسى بن موسى عمُّ الخليفة العباسي المنصور (95 هـ / 714م : 158 هـ / 775م).

* تعريجة الباحث الاجتماعي الضيف على دولة المناذرة اللخميين قبل الإسلام، في المنطقة ذاتها، ذكرتني بحكاية معبرة لواحدة من نسائهم هي الأميرة الحسناء هند بنت النعمان بن المنذر بن المنذر بن امرئ القيس اللخمي، وأمها هي مارية الكِنْدية، وبالمناسبة، فقد كانت جدتها لأبيها يهودية الديانة من مدينة خبير في الحجاز. وهذا عرض مبتسر لحادثة معبرة وقعت لها، تؤكد شيوع روح التعايش والتسامح الديني عند العرب قبل وبعد الإسلام مع أبناء عمومتهم العرب المسيحيين، وكانوا على مذهب المسيحية النسطورية، أقرب المذاهب المسيحية إلى الإسلام عقيديا. ومن الطبيعي أن هذا المثال لا ينفي وجود أمثلة أخرى معاكسة له في المضمون في تلك الظروف الحربية القاسية خلال الفتح العربي الإسلامي، ولكن الإنصاف والموضوعية العلمية يقتضيان التذكير به في مواجهة اختلاق القصص الملفقة عن "أم هارون" وأمثالها من قبل الإعلاميين والممثلين المأجورين لإرضاء المحتلين الصهاينة أو لصد هجمات العداء العنصري ضد تاريخنا وتراثنا وإنساننا بتكرار بذاءات التيار الاستشراقي الأوروبي وتلامذته المحليين المجوفين عندنا ضد العرب قبل وبعد الإسلام:

* تخبرنا المصادر التاريخية أن الأميرة العربية الحسناء هند ولدت ونشأت في بيت أبيها الملك النعمان بالحيرة وكانت شاعرة بليغة ومن حسناوات العرب الشهيرات. وكان كسرى برويز قد طلب من النعمان أن يزوجه ابنته هذه فرفض، ودخل على الخط أحد الوشاة - هو زيد بن عدي العبادي - وأوغر صدر كسرى ضده. وزيد هذا هو ابن عدي بن زيد العبادي الذي عشق هند وقال فيها شعرا جميلا وتزوجها لفترة قصيرة، ثم اختلف معه النعمان بعد وشاية فقتله، فنقم ابنه زيد - وهو من زوجة أخرى كما يظهر- وقرر أن يأخذ بثأر أبيه بأن وشى بالنعمان إلى كسرى فقتله. وبعد مقتله وانتصار العرب في معركة ذي قار ذات الصلة بالقصة على الفرس، قررت ابنته هند أن تترهبن وتلبس المسوح، وأقامت في دير بَنَتهُ بين الحيرة والكوفة.

وتجرنا هذه التفاصيل الى معركة "ذي قار" الشهيرة بين العرب والفرس، فحين غضب كسرى برويز من النعمان أضمر له الشر ودعاه لزيارته، فاستودع النعمان أسرته وأمواله وأسلحته عند زعيم قبيلة بني شيبان، هانئ بن مسعود الشيباني، قبل أن يزور كسرى. فغدر به كسرى وحبسه حتى الموت، وقيل إنه قتله بالسم في رواية أخرى، ثم طلب من الشيباني أن يسلمه أموال وأسلحة وعائلة النعمان وبضمنها الأميرة هند فرفض الشيباني، وبدأ يستعد لحرب الفرس بأن عقد حلفا واسعا بين قبيلته والقبائل العربية في جنوب العراق وشمال الجزيرة العربية. ثم حدثت معركة ذي قار بين العرب والفرس، وكان لهند بنت النعمان دور كبير فيها تحريضا بشِعرها الحماسي وتسليحا للمقاتلين بأسلحة أبيها المودعة لدى بني شيبان، وانتصر العرب المشتتين إلى قبائل لأول مرة في تاريخهم على الفرس انتصارا ساحقا وانقلبت المعركة إلى معركة إبادة للقوات الفارسية في جنوب العراق. وتقول الروايات إنَّ النبي العربي الكريم محمد استبشر خيرا بهذا النصر حين بلغه خبره، وكان في بداية دعوته للإسلام فقال (هذا يوم انتصفت فيه العربُ من العجم وبي سيُنْصَرون/ الحديث)! ومن قصائد هند الحماسية واحدة مطلعها:

حافِظْ على النَّسبِ النَّفيسِ الأرفعِ *** بِمدجّجين مع الرماحِ الشُّرّعِ

وقصيدة أخرى مطلعها:

وَتَوارَدوا حَوضَ المَنيّةِ دون أنْ *** تُسبى خفيرةُ أُختهم وَاِستَجمعوا

وقالت بيتا فردا بعد النصر في ذي قار هو:

رَغَمْنا بعَمرٍو أنفَ كِسرى وجندَهُ *** وَما كان مَرغوماً بكلّ القبائلِ

ورغمنا أنفه = مرغنا أنفه بالتراب.

* حين دخل خالد بن الوليد الحيرة بالعراق فاتحا، زار هند بنت النعمان في صومعتها، وعرض عليها الإسلام، فاعتذرت بلباقة عن تغيير دينها لكبر سنها، فأمر لها خالدٌ بمعونة وكسوة، فرفضت هديته وقالت: ما لي إلى شيء من هذا حاجة، لي عبدان يزرعان مزرعة لي أتقوت منها! فودعها خالد وودعته، ودعت له بالخير وانصرف. وبعد انصرافه جاءها أهلها يسألونها عما صنع القائد المسلم معها، فقالت:

- صان لي ذمتي وأكرم وجهي ***** إنما يُكْرِمُ الكريمَ الكريمُ.

عاشت هند طويلاً، وكان ممن زارها من شخصيات العهد الراشدي والأموي إضافة الى خالد بن الوليد، المغيرة بن شعبة والي الكوفة في خلافة عمر بن الخطاب، والحجاج بن يوسف الثقفي لما قدم الكوفة سنة 74هـ، ولكنها عميت في سنواتها الأخيرة وتوفيت في ديرها، ويرجح أنها دفنت فيه، ولكن يُجهل موقعه بدقة كما أعتقد، رغم أنه في المنطقة ذاتها التي يقع فيها حصن الاخضير، حيث تمتد أنقاض عاصمة المناذرة قريبا من "مطار النجف" حتى "ناحية الحيرة" التابعة لقضاء المناذرة (أبو صخير). ولا تزال ناحية الحيرة التي تشكل جزءا من مدينة الحيرة القديمة مأهولة بالسكان حتى يومنا هذا.

 

علاء اللامي

..........................

* الصورة: نقش النَّمارة هو عبارة عن شاهدة قبر الملك امرئ القيس بن عمرو اللخمي، جد الأميرة هند، ويرجع تأريخه إلى عام 328م، وهو مكتوب بالخط النَّبطي المتأخر وبلغة عربية قريبة من اللغة العربية الفصحى.

*من الأعمال الفنية التلفزيونية التي تناولت هذه الأحداث والشخصيات مسلسل سوري قديم نسبيا بعنوان "ذي قار". وقد قامت الممثلة السورية الجميلة نورمان أسعد بأداء دور هند وتولى الممثل القدير أسعد فضة القيام بدور أبيها النعمان.

* من الأعمال الفنية التلفزيونية التي تناولت هذه الأحداث والشخصيات مسلسل سوري قديم نسبيا بعنوان "ذي قار". وقد قامت الممثلة السورية الجميلة نورمان أسعد بأداء دور هند وتولى الممثل القدير أسعد فضة القيام بدور أبيها النعمان.

 

مصدق الحبيبيعتبر ريكاردو من ألمع الاقتصاديين الكلاسيكيين وأبرز دعاة مذهب ألـ "ليزيه فـَي: Laissez-faire" حيث كان مدافعا جديا عن حرية التجارة وداعيا لالغاء الاسترقاق وهو الذي صرح مرة أمام الملأ بأن العبودية ستبقى وصمة عار في جبين الأمة، الامر الذي لم يكن سهلا التصريح به في العلن آنذاك. كان مؤثرا بافكاره في نظرية قيمة العمل، والاجور والارباح، ونظرية الريع، والامتيازات المقارنة وقانون تناقص العوائد الحدية ومبدأ التكافؤالاقتصادي الذي عرف باسمه.

ولد ديفد ريكاردو في لندن عام 1772 لأبوين يهوديين من أصل برتغالي. بدأ العمل مع والده في سوق الاموال بسن الرابعة عشر واكتسب معرفة وخبرة مبكرة في هذا المجال. وفي سن الواحد والعشرين ارتبط بعلاقة حب مع فتاة تنتمي لطائفة الاصحاب الكويكرز Quakers. ومن أجل ان يتزوجها اعتنق دينها المسيحي التوحيدي   Unitarian  مما اغضب والديه غضبا شديدا فقررا ان يفصما الارتباط العائلي به ويقاطعاه قطيعة تامة ولم يكلماه حتى وفاتهما.  استمر ريكاردو بالعمل في بورصة الاموال ونجح فيها نجاحا باهرا حتى انه جمع ثروة طائلة فتقاعد عن العمل وهو بسن41 ليتفرغ لدراسة الاقتصاد وكذلك للعمل كعضو في البرلمان الانكليزي في آخر أربع سنوات من حياته القصيرة التي انتهت بسن 51 سنة.

1494  ديفد ريكاردوفي عام 1799 وعندما كان ريكاردو بعمر 27، قرأ كتاب ثروة الامم لآدم سمث واعجب به ايما اعجاب فتفجرت فيه الرغبة لمعرفة المزيد عن الاقتصاد ودراسته ذاتيا. وبعد 11 سنة من الدراسة المستفيضة نشر مقالته الاقتصادية الاولى عام 1810 التي أوضح فيها ان التضخم الذي يعاني منه الاقتصاد الانگليزي كان بسبب فرط البنوگ في اصدار الاوراق النقدية ومنح القروض اثر احداث الحرب مع فرنسا وامتناع البنگ الانگليزي عن اسناد الاوراق النقدية بالذهب. وقد أوضح  ريكاردو بان انخفاض قيمة الباوند الانگليزي وسعر الصرف أثر على مدخلات ومخرجات الذهب، الامر الذي يدعو لتعديل السياسة المصرفية. ونتيجة لاصراره ادركت اللجنة المالية في البرلمان صحة مايقول فاوصت الحكومة اخيرا باعادة النظر في سياستها النقدية. كانت توضيحات ريكاردو في هذا الشأن النواة الاولى لتطور النظرية الكمية للنقود فيما بعد.

في عام 1815 أصدر ريكاردو دراسته حول تأثير أسعار الذرة المنخفضة على عوائد الاسهم المالية في السوق وتأثير فرض التعريفة على الحبوب المستوردة مما ترتب عليه ارتفاع ريع الاراضي وانخفاض ربح المنتجين. وفي هذه الدراسة ناقش ريكاردو ما سيصبح بعدئذ قانون تناقص العوائد الحدية Diminishing Marginal Return وهو ربما من أهم الادوات التحليلية في أرث الاقتصاد الكلاسيكي.

ينص هذا القانون على ان الاضافة المتكررة لاحد عوامل الانتاج وابقاء العوامل الاخرى ثابتة سيؤدي في المدى القصير الى هبوط الانتاجية. ففي القطاع الزراعي مثلا، اذا عملنا على زيادة عنصر العمل اما بزيادة عدد المزارعين او زيادة ساعات العمل في نفس قطعة الارض واستخدام نفس الادوات ونفس الطرق ونفس الادارة  فان زيادة العمل سوف لن تنفع بل انها ستصبح ضارة بانقاص الانتاجية أو بمعنى ادق تناقص الزيادة في المحصول كلما استخدمنا وحدة عمل اضافية. 

ربما كان ريكاردو أول من انتبه الى الريع كواحد من مدفوعات الانتاج الذي لايتطلب اي نشاط انتاجي كما تتطلبه المدفوعات الاخرى (الاجور والفائدة والربح) بل يتطلب فقط ملكية الاراضي. ومن هنا استنتج ريكاردو بان الفلاحين سيميلون الى استئجار الاراضي الاكثر انتاجية طالما ان سعر محصول ما لايختلف اذا كان ذلك المحصول منتجا من ارض اقل او اكثر انتاجية! لكن ذلك سيعني ان من سيستفيد من هذه الميزة في نهاية الامر هم ملاك الاراضي اكثر مما يستفيد المزارعين. أثبتت هذه النظرية اليوم صحتها حيث يوصي الاقتصاديون المعاصرون ضد سياسة دعم اسعار المحاصيل الزراعية لمساعدة الفلاح الذي يستأجر ارضه لان من يقطف الثمرة سيكون في نهاية المطاف من يملك الارض. على ان العامل الطبيعي لزيادة الريع يبقى ارتفاع حجم السكان الذي سيزيد من استخدام الاراضي للزراعة من اجل تأمين الحاجة للغذاء.

وخلال معارضته لقانون حماية الذرة في انكلترا، صاغ ريكاردو نظرية الامتيازات المقارنة      Comparative Advantages  التي تفيد بأنه خلال التبادل التجاري الدولي سيكون من الحكمة ان تستورد كل دولة ما يكلفها اكثر حين تنتجه بنفسها محليا، ولا يقتصر الامر على التعويل فقط على الامتيازات المطلقة التي قد تحظى بها دولة ما، بل يصح الامر ايضا اذا كان للدول التي تتبادل السلع امتيازات نسبية مقارنة.

في عام 1817 صدر مؤلفه الرئيسي الذي احتوى على اغلب آرائه الاقتصادية بتفصيل أكثر. كان عنوان هذا الكتاب "مبادئ الاقتصاد السياسي والواجب الضريبي" الذي ناقش فيه نظريتي الانتاج والتوزيع وقضايا عديدة منها العلاقة بين مدفوعات الانتاج حيث اشار الى ان الارباح ترتبط بعلاقة عكسية مع الاجور، فكلما تزداد الارباح تنخفض الاجور التي ترتبط بكلفة الضروريات صعودا ونزولا، أي انها تبقى مع حد الكفاف. يتفق ريكاردو الى حد بعيد مع سمث ومالثس لكنه يتحدث بنطاق اضيق واكثر وضوحا ومع حس اجتماعي اوسع. فهو يدافع مثلا عن نظرية قيمة العمل مؤكدا بان قيمة السلعة تتقرر بكمية العمل المبذول في انتاجها ولكن بغض النظر عما اذا كانت مكافأة العمل (الاجور) مجزية أم لا! كما اكد على انه لكي تتساوى الكلفة مع قيمة المنتوج، على الكلفة ان تعني الكلفة الكلية للانتاج بما في ذلك ربح المنتج. فاذا احتاج النجار ساعتين من العمل لصنع سرير خشبي واربع ساعات لصنع كرسي فان قيمة كرسي واحد ستساوي قيمة سريرين لكن ذلك لايعني ان كلف الانتاج في الحالتين ستكون مساوية لما يتقاضاه النجار من اجور ذلك ان الكلفة ستكون كلفة الانتاج الكلية اي مجموع مدفوعات الانتاج للعوامل الاخرى.  هذه هي القضية التي انتقدها ماركس وبنى بموجبها ما سيكون بعدئذ الاقتصاد الماركسي.

من الافكار الاخرى التي استنبطها ريكاردو موضوعة التكافؤ التي سميت باسمه "التكافؤ الريكاردي Ricardian Equivalence  والتي تنص على ان ليس هناك فرق بين تمويل الحكومة للمشروعات عن طريق مايتراكم لديها من ضرائب او عن طريق الاستدانة واحداث العجز في الميزانية ذلك لان تأثير الوسيلتين على الاقتصاد سيكون متساويا. ولذا فان من الحكمة ان يعي ذلك دافعو الضرائب بل يراقبوا ويشترطوا ان يكون هناك كمية ادخار مساوية للعجز من اجل ان يكون صافي التأثير على الانفاق صفرا.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

كاظم الموسوياراد الاستعداد لحفل عيد ميلاده المئة، في بيته وحديقته، لكن جائحة الكورونا غيّرت البرنامج. وبدلا من الحفل، أطلق مبادرة سُجلت له، وحولته الى بطل قومي ورمز إنساني، ماثرة فردية فتحت كشاف الاضواء عليه، ودعت نشاطات أخرى معه، فكرته ملخصها العمل على تجميع الف جنيه إسترليني للتبرع بها إلى مصلحة الخدمات الطبية الوطنية NHS في ظروف انتشار جائحة الكورونا. هذه الفكرة، المبادرة غيرت الصورة وقدمت معنى أن يسهم الانسان في دور مبتكر في الحياة.

هذا الرجل هو الكابتن توم مور أحد أبطال المملكة المتحدة في الحرب العالمية الثانية، الذي اصبح حاليا بطل المملكة ايضا في حربها على فايروس كورونا المستجد. ولأنه بادر .. وتحولت المبادرة الى وسام له، أسهمت معه فيها فرقة غنائية ومنظمة خيرية وتمكنت من جمع ثلاثين مليون جنيه استرليني (تعادل 37.4 مليون دولار) لحد كتابة المقال، والحملة مستمرة، فانه يستحق كل ما حصل له بعدها. والجميل فيها انها اقترنت ايضا بعيد ميلاده المئة، قرن كامل من الزمان، في الثلاثين من نيسان الماضي، لتزيد الاهتمام أو فرض نفسه على الجميع. وسائل الإعلام والاتصال احتفلت معه، ونقلت من بيته الذي انطلق منه بمبادرة التجميع ومغامرة التجول حول الحديقة، صورة الخطوة ألاولى لحملة التبرعات وتبعتها صورة آلاف البطاقات البريدية التي ملأت قاعات احتفالات ومدرسة من مختلف قطاعات الناس الذين شاركوه المناسبة، إحتفاء وتقديرا وتكريما.

بدات الخطة في السادس من نيسان/ أبريل الماضي، حيث حدد توم مور لنفسه تحديا بجمع الف جنيه استرليني للتبرع بها إلى مصلحة الخدمات الصحية الوطنية، من خلال قطع حديقته البالغ عرضها 25 مترا مئة مرة. وأراد بذلك تكريم الطواقم الصحية التي عالجته من مرض السرطان ومن كسر في الورك. وبعد عشرة أيام على ذلك، اجتاز كابتن توم الأمتار الأخيرة من مغامرته متكئا على جهاز يساعده على المشي، بين صفين من العسكريين أدوا له التحية. ومع خطواته وإصراره وقدرته على التحدي ازداد سخاء المتبرعين كل التوقعات، إذ وصلت التبرعات  حتى يوم عيد ميلاده إلى 30 مليون جنيه استرليني، والحملة لم تتوقف بعد.

 قدم هذا الكابتن الذي خدم في صفوف الجيش في الهند وبورما أيام شبابه، مثالا إنسانيا رائدا، وقد أشادت به الحكومة معتبرة أنه “مصدر إلهام” للبلاد في الأزمة غير المسبوقة التي تواجهها. وكرمته بتحية وبطاقة وإشادة احترام وتقدير.

كما منحته موسوعة غينيس للأرقام القياسية “الرقم القياسي العالمي  لشخص  جمع أكبر مبلغ من المال من خلال المشي لأغراض خيرية” مشيدة ب”رجل عمره 99 عاما لا يقهر يستحق عن جدارة مكانه في كتب التاريخ”.

واصل ابن المئة عام بشجاعة وعزم مبادرته التي أطلقها في جمع الأموال والتبرع بها علنا. حيث ارفق مبادرته بالتعاون مع الفنان البريطاني مايكل بال وجوقات المؤسسة الصحية الوطنية في استعادة أغنية “يو ويل نيفر ووك ألون” المأخوذة من مسرحية غنائية من مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي أصبحت نشيدا لمشجعي كرة قدم ورمزا للتكافل في ظل الأزمة الصحية. وما إن طرحت الأغنية حتى احتلت صدارة تصنيف الأغاني المنفردة في بريطانيا.

بعد كل هذا، اصبح الاحتفال بعيد ميلاد الكابتن توم مور أمرا اخر، فقد شارك سلاح الجو الملكي البريطاني بتحليق طائرات حربية فوق منزله، كما تم إنتاج علامة بريدية ملكية خاصة، كذلك تم إرسال أكثر من 125000 بطاقة عيد ميلاد إلى مكتب بريده المحلي فى منطقة سكنه.

ارسلت الملكة اليزابيث الثانية بطاقة تهنئة له، وكذلك رئيس الوزراء بوريس جونسون. وقامت وزارة الدفاع البريطانية، بتعيين توم مور كولونيلا فخريا اول لكلية مؤسسة الجيش بعد موافقة الملكة على منحه هذه الرتبة.

كما تم إطلاق اسم الكابتن توم مور على اسرع قطار، تكريما لجهوده الرائعة فى جمع التبرعات لصالح الخدمات الطبية، الذي بدأ الإنطلاق فى الخدمة بين المدن للسكك الحديدية الغربية الكبرى حاملاً اسمه الجديد  من يوم عيد ميلاده. وأشاد المدير الإداري لمصلحة السكك ايضا بدور ومبادرة الكولونيل، "بروحه التى لا تقهر، ما حققه الكابتن توم ملهم حقًا ومثال لنا جميعًا"، وأضاف "لدينا فى Great Western تاريخ طويل فى تسمية القطارات بأبطال الماضي والحاضر من جميع أنحاء شبكتنا، ويشرفنى أنه يمكننا اليوم الاستجابة لطلبات الحصول على قطار باسم الكابتن توم مور".

ونقلت وسائل الإعلام اكثر من لقاء مع الكولونيل، منها قوله: "كل قرش نجمعه، تستحقه الصحة الوطنية بجدارة".  وقال: إنه لن يتوقف عن السير ويأمل في القيام ب 100 دورة أخرى. وأطلقت طالبة مدرسة، اسمها ريغان ديفيز  بالغة من العمر 8 سنوات، حملة يقوم بها الأطفال لصنع بطاقات معايدة للاحتفال بعيد ميلاد مور المئة. ووضعت  نصب عينيها صنع 1500 بطاقة افتراضية لمور. وقالت: "يمكنك نشرها على أي من وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام هاشتاغ #makeacardfortom . كما كتبت حفيدته حنا إنهم كانوا يعتقدون أن جمع ألف جنيه ليس بالأمر السهل، لكن الحصيلة الإجمالية مذهلة. واضافت: "لقد تجاوزت النتيجة أقصى توقعاتنا، ولا توجد هناك كلمات لنعبر بها عن مدى امتناننا للبريطانيين لدعمهم لجدي. لقد جعلونا نشعر بالفخر وبالعرفان". "ما فعله الشعب البريطاني، خلق لديه هدفاً في الحياة، أعتقد أنه لن يتوقف عن القيام بذلك حتى يقول له الجميع كفى، توقف، لا تقم بالمزيد".

واخيرا عبرت إيلي أورتن، الرئيسة التنفيذية للمؤسسة الخيرية " Charities Together" التابعة لمصلحة الصحة الوطنية، والمستفيدة من التبرعات، عن امتنانها: "إن الوصول إلى جمع هذا المبلغ أمر لا يصدق على الإطلاق". واضافت: كما نود "التعبير عن امتناننا وإعجابنا الكبير بالكابتن توم ومصلحة الصحة الوطنية وكل المتبرعين".

فكرة بسيطة تحولت إلى مثال، وحولت صاحبها الى رمز وطني. مبادرة تحولت إلى ماثرة، لا يمكن الاطلاع أو سماعها دون الإشادة بها والدعوة إلى تعميمها بما يتوفر لها من ظرف واستعداد وروح تضامن وتقدير للجهود المبذولة في الحرب على الجائحة. وتلك من دروسها التي تضاف إلى غيرها في المعنى والدلالة الإنسانية ورد الجميل.

 

كاظم الموسوي

 

عزالدين عنايةنصّ: ستيفانو أَلِيَافي*

ترجمة: عزالدين عناية**


 تبدو الانطلاقة من صقلية ضرورية للحديث عن الإسلام في إيطاليا، وبشكل ما "وُلِدت" صقلية مع الإسلام، أو بالأحرى مع العرب، الذين منحوا الجزيرة تاريخا وفخرًا، ثراء ماديا وفنيّا خارقين، بالتأكيد ليس أقلّ قيمة مما خلّفه الإغريق من آثار. كما لاحظ الكاتب ليوناردو شاشا، "بدون شكّ بدأ سكان جزيرة صقلية يسلكون مسلك الصقليّين بعد الفتح العربيّ". سابقا، وفي العموم كانت الأوضاع فاقعة، على الأقل كما يصفها المؤرخ ميكيله أماري: "صارت صقلية بيزنطية في الداخل والخارج؛ اختلّت جرّاء الداء الذي أَلمّ بالإمبراطورية السائرة في طريق السقوط؛ منشغلة بأوضاعها البائسة، لا يروعها الفتح الإسلامي الذي هزّها وجدّدها". بقيت آثار الفاتحين العرب المسلمين في العوائد، في اللغة، في أصول الكلمات، في الحضارة المادية: إنهما قرنان من السيطرة، فضلًا عن التأثير الثقافي الواسع جرّاء انفتاح بلاط النورمان على المساهمات العربية، التي لم تذهب سدى.

فإيطاليا لا تماثلها منطقة أخرى من حيث تأثير الإسلام التاريخي، وبالحدّة نفسها للإسلام المعاصر. انطلاقا من منطقة مازارا دل فالّو، التي تحتضن اليوم إحدى أهمّ الجاليات الإسلامية المشهورة في إيطاليا، والموقع الصقلي المطلّ على تونس، إفريقية قديما (التي ينحدر منها اسم القارة: إفريقيا؛ والتسمية مع عديد الجغرافيّين والمؤرّخين العرب، ضمّت صقلية أيضا).

1483  استيفانا ايلافيفالآثار المتعلّقة بالماضي العربي الإسلامي، منغرسة في أسماء المواقع المحليّة، ومنتشرة في شتى الأمكنة: فمن "مرسى علي" أو "مرسى الله"، صارت اليوم مَرْسالا، الطرف الغربي من تريناكريا، إلى "حلق القنطرة" التي تحوّلت في الحاضر إلى ألْكنترا، إلى مختلف الأماكن التي ضمت الجذر العربي لمفردة "قلعة"، والتي باتت كالْتانيسيتّا، كالْتابيلوتّا، كالْتاجيروني، كالْتافيمِي، كالْشيبيتّا، إلى كانيكاتّي "القطاع"، إلى فافارا المنحدرة من "فوّار، العين الجارية"، إلى شاكّا "السّاقية"، إلى ألْكامو، التي كانت تسميتها العربية "منزل القمح". حول هذه الأخيرة تروى حكاية شفوية متوارثة، واردة من القرون الوسطى، تنسِبُ الاسم إلى القائد هالْكامو، الذي ما إن حلّ بمازارا حتى أحرق جميع سفنه ليصدَّ نفسه ومن تحدّثه نفسه ممن معه عن العودة إلى الخلف. فقد هاجم سِلِينونْتي وغَلّى بعض الأهالي أحياء في إناء من نحاس، حتى يبثّ في قلوبهم الرعب، ثم شيّدَ قلعة حملت اسمه.

تُشير إضافات لغوية أحيانا إلى اسم مكان، كما تأتي في اللاتينية لفظة -mons- أو في العربية لفظة "جبل"، بالدلالة نفسها، والتي تشكّل أحيانا مفردة "مونْجَبَل"، التي باتت اليوم "مونْجِبيلّو"، والتي تشير إلى الإتنا، كما نجد الاشتقاقات نفسها في جِيبِلّينا وجِيبلِّمانّا. إلى حدّ باليرمو، التي يرد ذكرها لدى العرب "بالرم" وقد كانت سابقا في العصور الإغريقية بانُورْموس، فهي حاضرة البلاط و"مدينة الثلاثمائة مسجد"، كما نعتها الرحالة العربي ابن حوقل في الحقبة النورمانية، في إحدى آثاره التي تعود إلى سنة 973م. فممّا ضمته تلك المنطقة في سابق عهدها لم يتبقّ سوى القليل، وليس في ما ترسّب من أسماء المواقع. فقد كانت الآبار والنواعير أساس نظام الريّ والأكثر تطوّرًا حينها، وهو ما سمح بتطوير زراعة النخيل وجلب القوارص والفستق والموز والمرّ والزعفران والقطن وقصب السكر. وما الذي نقوله عن الفولكلور: فبين عديد الأمثلة، نجد نوادر جحا، التي تحاكي قصص جحا العربيّ، "كبير الحذاء بليد الذهن" في ما يشبه بيرتولدو وكنديدي لدينا، وهو ما يرد بإسهاب في الروايات الشعبية. نستحضر أيضا الآثار الباقية من العمران (القصبة بمنطقة مازارا، التي باتت اليوم تحتضن الأحفاد الجدد لسكّانها القدامى)، من الأنشطة التجارية، إلى عديد العوائد الشائعة، بل في اللغة أيضا وفي عوائد التحية، فليس عرضا أن نجدَ "سلامليكّي"، المحرّفة عن "السلام عليكم"، التحية العربية التقليدية. نستحضر كذلك تعابير تُعَدّ من ميزات لهجة صقلية، مثل "لنقبّل الأيدي"، أو "البركة في سيادتك". إلى حدّ الألقاب العائلية، التي يضيق المجال لعرضها، من بوشامي إلى كنْجامي، إلى مرابطو، إلى شُرطينو، إلى عِزّو إلى رسولّو، أو تلك الأسماء المركَّبة بإضافة اسم الله، مثل فراجالا، وزابالا، وفادالا وغيرها كثير، حيث كلمة الله جلية في آخرها. يبدو جديرا تتبّع هذا التاريخ من أصوله.

كانت صقلية الفتحَ الأخيرَ للإسلام العربي في أوروبا، تلت توطّن الإسلام بالأندلس بُعيْد قرن من الفتح. مكثت فيه إسبانيا ترزح تحت السيطرة الإسلامية ما يناهز ثمانية قرون (بالضبط من العام 711م إلى 1492م، وإن كان بأزمنة وأشكال مختلفة من منطقة لأخرى)، وهو ما خلّف حضارة شامخة، ما زالت آثارها إلى اليوم زاهية. لا تضاهى مقارنة صقلية بذلك الفضاء، مما تبقى من آثار بادية للعيان في فنّ المعمار، ففي صقلية أقلّ بكثير مما نجده بالأندلس: ولكن في العموم يتعلّق الأمر بذاكرة تحتاج إلى الاكتشاف على غرار ما نجده بالأندلس. كما نجد النظر إلى الفتْحيْن في العالم الإسلامي نفسه مختلفًا. كتب ريزّيتانو: "إن كانت الأندلس في التاريخ العربي اِحتلّت ما نسمّيه باللّغة الصحفية المقال المعمّق ضمن تاريخ المغرب، فقد خصّصَ المؤرّخون المسلمون لأحداث صقلية، روايات متواضعة، ما يشبه روايات الهامش". كلتاهما، صقلية والأندلس، شملهما فتحٌ يعود إلى عائلات محدّدة ومستقلّة بشكل ما، وأحيانا عُدّت مبتدعة من قِبل الإسلام السنّي، الخاضع في تلك الحقبة إلى الخليفة العباسيّ في بغداد. نجد في صقلية أساسا الأغالبةَ العربَ، والفرسَ، والأمازيغَ، ممّن شكّلوا الموجة الأولى من البعثة الإسلامية، فقد كان الحاكم مستقلاّ، حتى وإن والى ظاهرا الخلافة في بغداد. ترافق ظهور الأغالبة في القرن التاسع الميلادي، مع اعتلاء كارلو مانيو العرش،كان ذلك بموافقة الخليفة هارون الرشيد على الحاكم إبراهيم بن الأغلب من إفريقية، بالسماح له بتوارث الملك؛ ثم خَلَفهم الفاطميون وقد شكّل عهدهم بحسب المؤرّخ الإيطالي فرانشيسكو غابريالي "العصر الذهبي للإسلام في صقلية"، إلى الكلبيّين المرتبطين بالفاطميّين، ممن انتسبوا حقّا أو زورا إلى فاطمة، ابنة النبي محمّد (ص) وزوج الخليفة الرابع علي، وممن ينتمون عموما إلى الشيعة. في حين حكم في إسبانيا خصومهم الأمويون، الذين سرعان ما أقاموا إمارة مستقلة، ثم تلاهم المرابطون، وأخيرا أتى الموحّدون، الذين رافقهم تصاعد نفوذ الأمازيغ، وقد شهد عصرهم ازدهارا ثقافيا ملحوظا، بلغ أوجه، وكما يحدث عادة، أثناء الفترة التي سبقت التراجع واندلاع حروب الاستعادة التي انتهت بطرد الموريسكيّين. لم يبق سوى التباكي على الأطلال عن حضارة فريدة من نوعها فعلا، سواء في تسامحها أو في انفتاحها الفكريّ، على الأقلّ بحسب ما كان معهودا في تلك الفترة؛ الآثار الباقية لمسجد قرطبة، وقصر الحمراء، وغرناطة، وطليطلة، وإشبيلية، شاهدة على ذلك الإرث، الذي لم يبق ما يضاهيه من آثار شامخة في صقلية.

1484  عزالدين عنايةيعود تاريخ الغارة العربية الأولى على صقلّية إلى الفترة المبكّرة من تاريخ الإسلام، بالتحديد إلى العام 652م، أي العام الثلاثين من التقويم الهجريّ، نسبة لهجرة النبي محمّد (ص) وأصحابه من مكة إلى المدينة منطلق التقويم الإسلامي، وعلى بعد عشرين سنة من وفاة نبيّ الإسلام. ثم تتابعت المغازي، في العام 700م مثلا، تمّت مهاجمة جزيرة بنْتَلاّريا وأُفْني من فيها من السكان، ولغرابة الأقدار فإنّ أصول هؤلاء تعود إلى قرطاج وأوتيك في شمال تونس، من المسيحيّين الذين فرّوا من الفتوحات الإسلامية الأولى لإفريقية. وفي سنة 705م تعرّضت سيراكوزا للنّهب. لكن لم يتسنَّ فتح المدينة سوى بعد قرنين، وبعد ثمانين سنة من النزول بمازارا، الذي حصل سنة 827م، بعد مقاومة عنيفة. تَمّ فتح باليرمو سنة 831م، ثم مِسّينا سنة 842م، وراغوزا سنة 849م، وإينّا سنة 859م (من باب التذكير أثناء الحصار الأوّل للمدينة، سنة 829م، ضُرِبت العُمِلةُ الأولى التي تحمل اسم "صقلية" مع ذكر العام الهجري) وسيراكوزا سنة 878م، وأخيرا تاوِرْمينا، آخر قلاع المقاومة المسيحية، التي انتزعت بعد معارك دامية سنة 902م، أي العام 280 من التقويم الهجري. كَتَب إركيمبيرتو، أحد رهبان مونتيكاسينو في القرن الحادي عشر، عبارات بليغة واصفًا بها الفتح العربي: "في ذلك الزمن، كان العرب يُشبِهون خليّة النّحل، بأيادٍ ذات بأس شديد، وفدوا إلى صقلية من بابل وإفريقية. اجتاحوا كلّ شيء في البلاد المجاورة، وأخيرًا انتزعوا مدينة باليرمو الشهيرة، التي باتت محلَّ سكناهم في الوقت الحالي، وفي تلك الجزيرة سقطت عديد المدن والقرى، وفي وقت قليل أذعن الجميع لسلطانهم".

باتت صقلية تابعة للمجال الحيويّ السياسيّ والثقافي الإسلامي في ذلك العهد. فقد كان جوهر الصقليّ، مثلا، قائد جحافل قوات الخليفة الفاطمي المعز لإخضاع مصر، التي شهدت بناء الحاضرة الجديدة القاهرة سنة 969م. وكان الإمام المازري، المولود بمازينا، من أسس بيت الدراسات الفقهية الشهير بمدينة المهدية.

لعبت السياسة دورًا حاسمًا في توحيد الجزيرة وضمّها تحت الحكم الإسلامي، كان ذلك تحت رغبة الخليفة التي نفّذها الأمير أحمد، فقد أسّس في كل مقاطعة مدينة حصينة أقام فيها مسجدًا، ودعا الناس إلى العيش بداخلها وليس في قرى متناثرة: وهو ما ساعد على المراقَبة والدفاع، فكان بذلك الشكل أن طوّرَ إيرادات الدولة المالية، وخلطَ كذلك السكان المسيحيّين بالمسلمين، كما شجّع التعليم الديني وبالتالي اعتناق الإسلام.

انتهى الفتح العربي مبكّرًا. ففي القرن الأول من الألفية، أثناء صراع بين السادة الأعداء، حين يبحث أحدهم، كما يجري عادة، بالاعتماد على قريب قويّ، ربما عدو الأمس، لحلّ الخلافات الداخلية التي قد لا تنتهي إلّا على مستوى عسكري. فالقريب الذي يشكل مشكلة، فضلا عن أنه قوي، هو مربك وله أهداف جدّ محدّدة: هكذا بدا روجيرو النورماني حينها رفقة الأخ روبارتو غويسكاردو، حيث نزلا بجنوب مسّينا سنة 1061م، واستعادَا باليرمو سنة 1072م وستنتهي بعد ثلاثين سنة من مقدمهما، بالسقوط المشهور سنة 1091م، حقبة الوجود الإسلامي واسترجاع الجزيرة. وحتى وإن مرّت عسكريا إلى أيدي النورمان، فقد بقيت الجزيرة تحت التأثير الواسع الثقافي والإداري للإرث العربي الإسلامي، سواء أثناء حكم النورمان أو تحت فترة الحكم السفيفي.

حازت الصورة اللامعة والمنفتحة للإمبراطور فيدريكو الثاني، أهميةً جليّةً لدى عديد المؤرّخين. فقد احتفظ بين عناصر جيشه، كسابقيه، بحرّاس ثقاة من السراسنة، من المحاربين الأوفياء، وعارض أيّ مسعى لتحويلهم عن دينهم. لكن بالخصوص مستشاريه من العرب هو دلالة على بُعْد نظره السياسي، فضلًا عما ولاّهم من دور تنظيميّ وتثقيفيّ، كما كان بلاطه محل استقطاب للعلماء، ومنتدى للحكماء، المسيحيين واليهود والمسلمين. لقد كان الإمبراطور شغوفا ومتّقد الذكاء، كما تكشف عن ذلك "أسئلته الفلسفية" التي كان يدلي بها للعلماء من كافة المشارب، مع تفضيل للعرب من بينهم. يشهد على ذلك "كتاب المسائل الصقليّة"، المتواجد اليوم بمكتبة بودليانا بأوكسفورد. فللإجابة مثلا عن بعض تساؤلاته كتب الفيلسوف ابن سبعين رسالة في الذات البشرية وعن خلود الروح. كما يرجح أيضا تلقّيه العلم هو أيضا على يدي قاضٍ مسلم. كان يتحدث "اللاتينية والإغريقية والسراسينيّة، أي العربية...". لقد كان الزيّ الإمبراطوري الذي ارتداه يوم مجيئه إلى روما لتسلّم التاج من إمبراطورية الكرسيّ الرسوليّ، هو بشكل ما علامة على ذلك الانفتاح الثقافي؛ كان موشّى بالأحرف العربية على أطرافه، وحوى كتابة تشير إلى مأتاه، المصْنَع الملكي بباليرمو، وتاريخ العام 511، بالتأكيد العائد للتقويم الذي يرتبط بهجرة النبي محمّد (ص) من مكة إلى المدينة. بالتقويم نفسه، وفي بعض الفترات من الحكم النورماني، ضربت النقود الإمبراطورية: مباشرة بعد استعادة باليرمو، ضرب روبارتو غويسكاردو قطعًا ذهبية بالخط الكوفي تضمّنت التاريخ الهجري؛ فقط مع روجيرو الثاني أُدخلت الرموز المسيحية، لكن تمّ الاحتفاظ بالكتابة العربية وبالتاريخ الهجري، وكأنّ التفكير في انطلاق التاريخ الحقيقي لصقلية منذ ذلك العهد...

يوافق العام 511 هجري 1133 من التقويم الميلادي، وهو العام الذي تُوِّج فيه روجيرو الثاني في باليرمو، أصغر الملوك سنّا في ذلك العهد، وابن الكونت النورماني روجيرو الأول، غازي الجزيرة، والذي كان يستحسِن مناداته باللقب العربي المعتز بالله. بشكل عامّ يمكن قول، في سياق ما قاله المؤرخ الكبير نورمان دانيال، كانت صقلية النورمانية الدولة الوحيدة التي تميزت بالتعددية الثقافية والتسامح في القرون الوسطى. فضلا عن ذلك نجد مصدرا آخر موثوقا، ذلك العائد للمسلم ابن جبير، أصيل غرناطة. فقد روى عن غوليالمو الثاني (المنعوت بالطيب) الذي كان يعجّ قصره بالغلمان والخصيان المسلمين. وحتى وإن أعلنوا شكليا تنصُّرهم، فقد كان بوسعهم ممارسة شعائر دينهم الإسلامي في حضور الملك نفسه، أكان صومًا لشهر رمضان أم أداءً للصلوات الخمس. في حين كانت جواري القصر، كلهنّ من المسلمات، وقد هَدَيْن نساء أخريات من الفرنجيات إلى الإسلام (العبيد يبدّلون دين السادة...). كما كان حرسه الخاص من المسلمين، وكانت قيادتهم تحت إمرة مسلم. كان غوليالمو الثاني مثل فيدريكو الثاني يعرف العربية، كما كان مستشاروه من الحكماء والمنجِّمين المسلمين. كان لقبه المعتزّ بالله. كلّ تلك الفضائل لا يعود شأنها إلى دين الإسلام بل إلى التسامح النيّر لهؤلاء الملوك المسيحيين.

لم يمنع ذلك التسامح البعيد النظر فيدريكو الثاني من إخماد الانتفاضات الإسلامية الأخيرة بيَدٍ صارمة، بدءا من تلك الانتفاضة العارمة، التي قادها محمّد بن عبّاد ("المرابطوس" كما يرد ذكره في النصوص التاريخية اللاتينية). تمّ إخماد تلك الفتن، ورُحِّل جزء ممن بقوا على قيد الحياة إلى منطقة أخرى على شبه الجزيرة، وهي ما صارت تُعرف بطائفة لوشيرا المسلمة، وجزء آخر منهم تمّ دمجهم عنوة. يعود الفضل في ذلك إلى الإمبراطور الذي أبدى تعاطفا مع العرب والإسلام، في توحيد صقلية على المستوى السياسي، والديني المسيحي، واللغوي أيضا. فمنذ تلك الفترة عادت الجزيرة مسيحية. انتهى مصير السراسنة ليمثّلوا المغايرة بامتياز، وليتقمّصوا صورة العدو، فصيغت حولهم عديد الحكايات الفولكلورية، وتطوّرت ثقافة شعبية ما زالت تروى ومتوارَثة إلى اليوم.

كان الحضور العدديّ الإسلامي غفيرًا. يُرجَّح تواجد نصف مليون نفر من العرب والأمازيغ في الجزيرة، جالية كبيرة في مقابل مليون أو مليونيْن من "الأهليّين" المسيحيّين. أمّا اليوم فلا يمكن لعشرات الآلاف من العرب الموجودين بصقلية، أن يضاهوا أسلافهم، لا في العدد ولا في العدّة، من حيث الثراء والقوة. حتى وإن توافدوا من الربوع نفسها تقريبا. علمًا أنّ صقلية هي المنطقة الوحيدة في إيطاليا التي تفوق فيها الجالية التونسية نظيرتها المغربية عددًا، وكما شاهدنا، فعلًا من تونس، المسماة إفريقية سابقا جاء الفاتحون في الزمن الماضي.

ربما كان مكان الاتصال الوحيد الذي تبقّى، ولو على فترات متقطعة، وفي الوقت نفسه مثقلا بالرمزية والمعاني، جزيرة لمبيدوزا. فقد بقيت الجزيرة محلّ خلاف وتعرّضت للنهب المتكرّر عديد المرات من قبل السراسنة (سنة 812م أبادوا الكثير من الأهالي، لكن بالمقابل، وفي وقت قريب، جرت إبادتهم من قِبل القوات البيزنطية). هنا على الأقلّ، تقريبا حتى حدود منتصف القرن السادس عشر، كان معتادا مشاهدة بحارة مسيحيين ومسلمين (يمكن أن تعني الكلمة قراصنة أيضا، الملاعين السراسِنة) يتبرّكون ويقدمون الصدقات في المغارة المقدّسة للعذراء مريم، كما تروي إحدى الكتابات المسيحية عن تلك الفترة، "ذلك الذي يبقى محلّ إعجاب أنّ القراصنة الأتراك، أعداء ديننا وأعداء البشرية قاطبة، لا يجلون ويحترمون ذلك المكان فقط، بل يتبرّكون به ويقدّمون الصدقات بورع وإجلال يفوقون فيه المسيحيّين". ثم حلّت فترة الصدامات الكبرى بين العالميْن الإسلامي والمسيحي -ليبانتو 1571م-، فكفّت تلك الزيارات الدينية نهائيا. لكن اليوم مع مسلمين آخرين من جديد، في تلك الربوع من المتوسط، يبدو رمزًا صعبَ التناسي. ليس أملا وليس منْيَة: لا شيء من ذلك ولا شيء أقلّ مما جرى، إنه رمز يستحقّ التأمّل. ربما، ونحن نشاهد المهاجرين غير الشرعيّين ينزلون في جزيرة  لمبيدوزا، تتقاذفهم الأقدار ويجذبهم سراب الغرب، بعد أن ألقى بهم السماسرة دون أن يبالوا على سواحل الجزيرة، وبعد أن وعدوهم أنهم سيرسون بهم على السواحل الإيطالية، على حدود أوروبا الهشة التي يمنّون أن تكون مرساهم. ينزل عشرات الوافدين شهريّا. تجليات تراجيدية للعيش البائس هناك: في ما يشبه رواية الملهاة لمشهد ربما يليق ببيرانديللو. ذهبَ في ظنّ أحد القادمين الجدد إلى الجزيرة أنّه حطّ الرحال أخيرا بجنوب إيطاليا، سرق سيارة ممنّيا النفس ببلوغ الشمال الموسر، قام بدورة داخل الجزيرة، وقبل أن يتنّبه يائسًا وجد نفسه قد عاد من حيث انطلق فوجد الشرطة بانتظاره...

 

..............................

* ستيفانو أَلِيَافي: عالم اجتماع إيطالي مهتمّ بشؤون الإسلام والمسلمين في إيطاليا

** عزالدين عناية: أستاذ تونسي بجامعة روما

 

محمود محمد عليعرفت الأستاذ الدكتور مصطفي رجب منذ أكثر من ربع قرن عندما كان يمتحن معي في مركز تعليم اللغة الألمانية بجامعة أسيوط كشرط منح لكل من سجل درجة الدكتوراه بجامعة أسيوط بفروعها المختلفة، وكان يمتحنا في ذلك من عام 1994 الأستاذ الدكتور حسن عبد الحميد (حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية) والدكتور محمد أبو هشه (رحمة الله عليه).. وعرفته حين دعوناه للمؤتمر السنوي بكلية الآداب بجامعة أسيوط (حين كان أخي وصديقي الأستاذ الدكتور "معتمد علي أحمد سليمان"عميداً للكلية).. كان مصطفي رجب من الجيل الذي يعشق الحصول علي أكثر من دكتوراه في تخصصات مختلفة، وكنا جميعاً نحترم ونوقره، يكفي أن تتقابل معه عدداً قليلاً من المرات حتي تتعرف علي "جوهره" المتلالئ، فهو من المؤمنين الذين غرس الله سبحانه وتعالي محبته في قلوب عباده دون أن تعرف بالتحديد ما الأسباب التي جعلت محبته تغزو قلبك فهل تغزوها إلي إنسانيته وطيبته وصدق مشاعره؟.. أم ترجعها إلي تعاطفه الدائم مع الآخرين، ومع الدائب في خير الناس سواء أكان ذلك مادياً أم معنوياً؟.. أم إلي علمه وإيثاره وبحثه عن الخير لذاته أينما كان..؟.. اعتقد أن هذه الأمور مجتمعه هي التي تجعل محبته تنفذ إلي القلب بلا تردد  ..

والحقيقة إنه لا جدال في أن لكل إنسان مادحين وقادحين، إلا أنك إذا ما تصادف وتطرق حديثك مع أستاذ أو زميل أو طالب عرف مصطفي رجب، إلا وسرعان ما يفوح شذي سيرته العطرة مزيجها التقدير والاحترام والمحبة والخير.. ولم لا؟ وهو الأستاذ الحق، فهو من الأساتذة الذين تشهد لهم بصماتهم علي كل المستويات الإنسانية، والأخلاقية، والعلمية بالاحتكام إلي العقل والمنطق؟ بل والعاطفة أيضاً، والإخلاص في العمل، والإيمان برسالة سامية يؤديها بإخلاص من أجل رضا الله عز وجل .. نعم لقد فاح شذي عطره وانتشر متجاوزاً جامعاتنا المصرية ليصل إلي الجامعات العربية . ولم لا أيضاً؟ وهو أستاذ مرموق متمكن في تخصصه، كتاباته العلمية المتنوعة والرسائل العلمية التي ناقشها وأشرف عليها خير دليل علي ذلك، بل إن الجامعات العربية التي دعته إلي التدريس بها تشهد بذلك أيضاً .

ولذلك عندما اضلعت بكتابة هذا المقال في جزئه الأول عن الأستاذ الدكتور مصطفي رجب آثرث أن أقدم الجانب الإنساني، أما في هذا المقال وأخص بالذكر في جزئه الثاني فأود ان أتكلم عن الجانب الاكاديمي له، وهنا في هذا المقال اخترت موقف مصطفي رجب من الجانب التربوي عند طه حسين، ؛ حيث يذكر في مقاله بعنوان له "أهداف التربية عند طه حسين" أنه في 28 أكتوبر 1973 رحل طه حسين الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، والذي كانت قضية "التربية" هي شغله الشاغل طوال عمره، وتتحدد أهداف التربية عند "طه حُسين" في ضوء الأهداف العامة التي تسعى مصر إلى تحقيقها، وهذه الأهداف العامة يحددها "طه حُسين" في "مستقبل الثقافة في مصر" من واقع الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تسود في مصر.

وبوجه عام تتلخص تلك الظروف كما يقول مصطفي رجب إلي أنه في الاحتلال المسيطر على حريات البلاد، والمسيطر على اقتصادياتها، وفي الملك الذي كان يحكم من خلال حكومات قصيرة العمر، معظمها من الأعيان والإقطاعيين؛ مما أفرز نظاماً اجتماعياً يقوم على نظام الطبقات، الذي يستعلي فيه بعض الناس على بعض، ويمتاز فيه بعض الناس على بعض؛ مما يدفع أصحاب الثراء، العريض والجاه الضخم إلى الاستعلاء في الأرض والإشفاق من أن يختلط أبناؤهم بأبناء الفقراء، فهم يسعون إلى المدارس الأجنبية يُلحقون بها أبناءهم.

وقد اشتد هجوم "طه حُسين" كما يقول مصطفي رجب على النظام الاجتماعي والسياسي في مصر، وبخاصة خلال فترة حكم إسماعيل صدقي (1930 – 1934) ؛ حيث ساءت الأوضاع ووصلت إلى درجة لم تصل إليها من قبل، وزاد هذا الهجوم اشتداداً ما تعرض له هو شخصياً من ظلم في تلك الفترة نتيجة تمسكه باستقلال الجامعة.

ويستطرد مصطفي رجب فيقول: ولم تكد الغمّة تنجلي بتولي توفيق نسيم رئاسة الوزارة في ديسمبر 1934 حتى عاد طه حسين إلى الجامعة وانتخب سنة 1936 عميداً لكلية الآداب، وعادت إليه مكانته المرموقة، وفي العام نفسه توقّع مصر معاهدة التحالف مع إنجلترا وتنص المعاهدة على استقلال مصر، ثم تنجح الوزارة الوفدية التي وقعت المعاهدة في إلغاء الامتيازات الأجنبية، وتتقدم مصر المستقلة لعضوية عصبة الأمم لتبدأ عهداً قوامه الحرية والاستقلال.

وتناول "طه حُسين" للحياة الوطنية الجديدة كما يقول مصطفي رجب يستند إلى المُدركات الفلسفية الاجتماعية التاريخية التي كونها في دراسته للتاريخ السياسي والاجتماعي لبلاد اليونان، وفي اهتمامه بنظام الإثينيين في مصر، وفي دراسته لفلسفة "ابن خلدون" الاجتماعية.

إن إضفاء البُعد الاجتماعي في تفسير وقائع التاريخ الذي طبّقه "طه حُسين" كما يقول مصطفي رجب في دراسته لعصر صدر الإسلام في "الفتنة الكبرى" وفي دراسته "لأبي العلاء المعرّي" يعطي ضوءاً يتيح شيئاً من وضوح الرؤية بالنسبة للأهداف التي رأى طه حسين أن مصر تسعى إليها بعد حصولها على الاستقلال 1936 بتوقيع المعاهدة. فهو حين يحدد هذه الأهداف ينظر إلى الواقع الاجتماعي نفس نظرته إلى الواقع السياسي الاقتصادي.

وبصفة عامة يمكن إجمال الأهداف العامة لمصر من وجهة نظره كما يقول مصطفي رجب في:

(1) الحرية الخارجية وقوامها الاستقلال الصحيح، والقوة التي تحوط هذا الاستقلال.

(2) الحرية الداخلية؛ وقوامها النظام الديمقراطي.

(3) الاستقلال الاقتصادي؛ لحماية الثروات الوطنية.

(4) الاستقلال العلمي والنفي والأدبي؛ الذي يجعلنا نقف على قدم المساواة مع الأوربي، نفهم الحياة كما يفهمها، ونرى الأشياء كما يراها.

وإذا كانت هذه هي الأهداف العامة للمجتمع، فإن أهداف التربية يجب أن تكون خاضعة في تحديدها للإطار العام الذي تحدده هذه الأهداف، وعلى هذا الأساس فإن "طه حُسين" قبل أن يتحدث عن هذا النوع أو ذاك من أنواع التعليم يحدد -في البداية- أغراض هذا النوع، وإلام يهدف؟، وكيف يُتاح له أن يحقق أغراضه؟.

فالتعليم الأولي وهو بداية السلّم التعليمي، وسيلة العيش لأنه يمكّن الفرد من أن يعرف نفسه وبيئته الطبيعية والوطنية والإنسانية، وأن يتزيّد من هذه المعرفة، وأن يلائم بين حاجته وطاقته، وما يحيط به من البيئات والظروف.

هذا والتعليم يجب على الدولة الديمقراطية أن تكفُلُه؛ لأغراض عدّة كما يقول مصطفي رجب:

(1) إن هذا التعليم الأولي أيسر وسيلة يجب أن تكون في يد الفرد؛ حتى يستطيع أن يعيش.

(2) إن هذا التعليم أيسر وسيلة يجب أن تكون في يد الدولة نفسها؛ لتكوين الوحدة الوطنية وإشعار الأمة بحقها في الوجود المستقل الحر.

(3) إن هذا التعليم هو الوسيلة الوحيدة في يد الدولة؛ حَـتى تمكن الأمة من البقاء، والاستمرار لأنها بهذا التعليم تضمن وحدة التراث الوطني الذي ينبغي نقله من جيل إلى جيل.

ويعترف "طه حُسين" في حديثه عن التعليم العام كما يقول مصطفي رجب بأن الدولة كانت تقصد به إلى إعداد الموظفين للدواوين والمكاتب، ويذهب إلى أن هذا الأمر "ليس إلا نتيجة من نتائج السيطرة الإنجليزية على شئون مصر عامة، وعلى شئون التعليم بنوع خاص".

ثم يناقش "طه حُسين" بداية نشر التعليم في عهد "محمد علي" كما يقول مصطفي رجب ليصل إلى أن الحاجات العملية اليومية، والضرورات العادية (مثل وجود الحاكم وحاجة الجيش) كانت وراء إنشاء التعليم الحديث المنظم في مصر.

وفي حديثه عن التعليم العالي يحدد "طه حُسين" هدفين رئيسيين، هما كما يقول مصطفي رجب:

(1) المعرفة الخالصة بمعنى تهذيب العقل، وإزالة الجهل، أو طلب العلم لذات العلم.

(2) شغل المناصب الممتازة.

وهو يرى أن رجل الشارع يستطيع أن يحدد هذين الهدفين للتعليم العالي دون عناء، ويستطيع الباحث بعد هذا التحديد للأهداف التي تسعى إليها التربية والتعليم في رأي "طه حُسين" كما يقول مصطفي رجب يستطيع الزعم بأن مُجمل هذه الأهداف لا يخرج عما نادى به رجال التربية المتخصصون على اختلاف مشاربهم، وتباين ثقافاتهم وانتماءاتهم، مما يدفع إلى القول: بأن طه حسين كان على بينة من كتابات رجال التربية.

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور مصطفي رجب بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمت من جهود.

تحيةً لمصطفي رجب الذي  لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في مصطفي رجب قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين" (كما قال أستاذي عاطف العراقي)، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

مصدق الحبيب(1767-1832) Jean-Baptiste Say

هو الفيلسوف والاقتصادي الفرنسي الذي يقف في مقدمة الاقتصاديين الكلاسيكيين، جنبا لجنب مع آدم سمث ومن تبعه بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهو المعروف بقانونه "قانون سَي او قانون الاسواق". وهو الذي تعزى اليه اسبقية التفكير بدور المقاول الاقتصادي  Entrepreneur  ودور نشاط المقاولة  Entrepreneurship  في الانتاج الذي لم يحظ بالانتباه آنذاك رغم اهميته في فهم عملية الانتاج وتنظيمها.

ولد سَي في لايون التاريخية في الشرق الفرنسي عام 1767، واكمل دراسته في فرنسا وانگلترا فنشأ مثقفا ليبراليا حقيقيا يؤمن بالمنافسة الحرة العادلة ويدافع عن حرية التجارة وحرية الصحافة ويدعو الى رفع القيود والمعوقات المفروضة عليهما. وقد عمل في عدة حقول قبل ان يصبح استاذا للاقتصاد السياسي في الكلية الفرنسية. كان عمله الاول بعد التخرج في شركة للتأمين، ثم انتقل للعمل كصحافي في مجلة ليبرالية تؤمن بمبادئ الثورة الفرنسية وتدافع عنها، وقد اصبح فيما بعد رئيسا لتحرير هذه المجلة. بعد ذلك انتدب للعمل كوكيل لوزارة المالية الفرنسية في عهد نابليون، الوظيفة التي طُرد منها لاختلافه ومعارضته لبعض السياسات. بعد تجربته المخيبة للامال في أروقة الحكومة، حول اهتمامه الى القطاع الصناعي الخاص فامتلك وأدار مصنعا للنسيج القطني. وفي عام 1819 أصبح رئيسا لمجلس الاقتصاد الصناعي في معهد الحِرَف. وفي نفس العام كان له الدور الأول في تأسيس أول كلية بزنس في العالم والتي اصبحت اليوم مدرسة بزنس باريس الشهيرة  École supérieure de commerce de Paris.

1482 جان باپتيست سَيوفي نهاية المطاف اصبح استاذا للاقتصاد السياسي في الكلية الفرنسية، فكانت تلك هي وظيفته الاخيرة التي أمسك بها لحين وفاته عام 1832.

لم يكن سَي مكثرا في الكتابة في الاقتصاد الا انه جاء بمساهمات ثمينة كان لها دورا مهما في تاريخ الفكر الاقتصادي. كان أول منشوراته كتيبا حول حرية الصحافة صدر عام 1789. ثم مقالة في وسائل اصلاح الأمة عام 1800، بعدها جاء مؤلفه الرئيسي  المفصل الهام عام 1803 والذي كان بعنوان "دراسة في الاقتصاد السياسي: الانتاج، التوزيع، واستهلاك الثروة". اعقبه بملاحظاته عن الاقتصاد البريطاني بعد ان اوفدته الحكومة لهذا الغرض، وهوالاطلاع على التجربة الاقتصادية الانگليزية والكتابة عنها، فجاء تقريره عام 1817. في عام 1832 صدرت جميع محاضراته في الكتاب الموسوم "الدروس الكاملة في تطبيقات الاقتصاد السياسي".

يشير مؤرخو الفكر الاقتصادي الى اختلافين حول قانون سَي القائل: العرض يخلق الطلب. الاختلافان يتعلقان بأسبقية الفكرة وبمعناها الدقيق: فمن المؤرخين من يزعم بأن جيمس مِل، والد الاقتصادي جان ستيوارت مِل هو الذي كتب عبارة "العرض يخلق طلبه" عام 1808، علما ان سَي هو الذي استنبط الفكرة وقد عبر عنها بكلمات اخرى عام 1803 وكان تعبيره أدق من تعبير مِل الذي جاء فيه "طلبه"، كتعبير مضلل ، والحال، وحسب فكرة سَي الاصلية فان انتاج وعرض سلعة ما لايخلق الطلب المحصور بشراء تلك السلعة بالذات، كما انه لايؤدي الى رفع الطلب الاجمالي، انما يتيح الفرصة لانبثاق طلب اضافي على سلع اخرى قد تكون السلعة المعنية من ضمنها. فعبارة سَي الاصلية تقول ان "مجرد انتاج سلعة ما يؤدي مباشرة الى خلق فرص لشراء سلع اخرى" مما يعني ان انتاج السلعة سيؤول الى توزيع الدخول على عوامل انتاجها وهذه الدخول ستنفق لامحالة، كلها أو جزء منها، لشراء سلعا متعددة.

المساهمة الكبرى الثانية لسَي هي استنباطه لدور المقاول الذي يأتي بفكرة الانتاج ويهيئ العوامل الانتاجية اللازمة (ارض وعمل ورأسمال وادارة) ويضمن تمويلها لحين بدء الانتاج ووقوف عملياته على قدميها. انها المهمة التنظيمية الضرورية التي تستلزم المعرفة بظروف سوق السلع والمال والمنافسة وظروف العمل وحاجة المستهلك وموقع العمل وظروف الانتاج الاخرى، كما تتطلب الخبرة والتجربة الادارية والمالية.

ساهم سَي بطرح مفاهيم وآراء اقتصادية اخرى في مواضيع النقود والبنوك والتضخم والعبء الضريبي والكساد الاقتصادي والافراط في الانتاج وعواقبه الاقتصادية. كما انه كان أول من اختلف مع آدم سمث حول نظرية قيمة العمل رغم توافقه مع طروحات سمث عموما. أوضح سَي ان قيمة السلعة المنتجة تتحدد بقيمتها الاستعمالية بغض النظر عن كمية العمل المبذول في انتاجها كما أشار سمث.

ارتبط سَي بعلاقات صداقة مثمرة مع زملائه الاقتصاديين كديفد ريكاردو وتوماس مالثس الذي تبادل معه رسائل عديدة كان جلها حول نقاشات اقتصادية ومواضيع الساعة. كما ان سَي نال اعجاب بعض الاباء الامريكيين المؤسسين خاصة توماس جيفرسن وجيمس مادسن.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتور "مصطفي محمد أحمد رجب " - ( العميد الأسبق لكلية التربية بجامعة سوهاج وأستاذ التربية الإسلامية ورئيس قسم أصول التربية السابق ورئيس الجهاز التنفيذي لهيئة محو الأمية وتعليم الكبار سابقاً)، أحد النجوم الكبيرة المتلألئة في حياتنا الثقافية المعاصرة خلال أكثر من نصف قرن؛ حيث يمثل صاحب مسيرة طويلة وممتدة في تاريخنا الثقافي، فله أكثر من ثلاثين كتاباً في أصول التربية والدراسات الإسلامية والشعر العربي، وهو لا يكاد يتحدث عن تلك المسيرة، إلا ويشير إلي الدور الذي لعبه في حياته الدكتور طه حسين، فهو من أبرز عشاقه، وأحد من تولوا التعليق على فكره في الفكر العربي المعاصر؛ خاصة في مجال فكره التربوي؛ فبحوثه العلمية قد أسهمت بدور فاعل في مسيرته الاكاديمية والعلمية ليصبح واحداً من أهم علماء التربية في مصر والوطن العربي وصاحب مدرسة يُطلق عليها " المدرسة الرجبية" في علوم التربية.

وما يلفت النظر في هذا الصدد، هو انفراد مصطفي رجب (مع حفظ الألقاب) بسمة العالم المدقق المتخصص في كل المجالات المعرفية التي طرقها. لقد أهلته  ثقافته الموسوعية للفهم الواعي بما يثار من قضايا في سائر أوجه المعرفة، وينعكس هذا الفهم علي تعبيره السلس والواضح والمنساب فيما يكتب. كانت هذه الموسوعية أيضاً وراء ما تميزت به كتاباته من الوضوح والإقناع، فضلاً عن شفافية حدسية وحضور ذهن، وذاكرة مسعفة تنتظم الأفكار في أنساق منتظمة ومنظومات متسقة يجري التعبير عنها في لغة شفافة سلسة تجمع بين التحديد والصرامة العلمية القاطعة وبين الأسلوب الأدبي الرصين. تلك جميعاً وغيرها كثير- سمات تميز مفكرنا وتزين فكره بخصوصية نادرة قل أن توافرت لغيره.

يضاف إلي أن له سمعة عريضة في مصر والعالم العربي شكلها علي مدي نصف قرن من الجهد الفكري والإنتاج الوفير، والذي امتد لسنوات عده استطاع من خلالها ان يتابع مسيرته العلمية متحلياً بطموحه الذي قاده للتميز بين أبناء جيله، وهو من جيل استطاع بجهده وتميزه أن يجد لنفسه موضعاً بين رموز الفكر والعلوم والفنون في مصرنا العزيزة.

والدكتور مصطفي رجب، من مواليد 18 أغسطس 1956، وهو ابن من أبناء صعيد مصر الذين تميزوا طفولتهم بالنبوغ من خلال حفظه المبكر للقرآن الكريم الذي جعله متميزاً ومتفرداً في اللغة العربية، وله شخصيته الخاصة التي تركت أثراً مهما فيمن حوله؛ حيث نشأ قرية شطورة التابعة لمركز طهطا بمحافظة سوهاج بمصر، وقد هاجرت عائلة الخطيب التي ينتمي إليها من قرية الأشراف البحرية بمحافظة قنا إلى قرية شطورة عام 675 هجرية.

كان جده الرابع الشيخ رجب من علماء الأزهر وله مؤلفات ما تزال مخطوطة بمكتبته حتى الآن وكذلك كان جده الشيخ أحمد رجب ووالده الشيخ محمد ممن يحفظون القرآن الكريم ويقومون على تعليمه مع بقية العلوم الشرعية؛ وقد أخبرنا في أحد لقاءاته التلفزيونية (التي أجراها معه المذيع اللامع خالد شعيب بقناة طيبة ) بأن المرحلة الأولي من عمره بدأت قبل الالتحاق بالمدارس الحكومية في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي، حيث كان مصطفي رجب من الجيل الذي عاصر نظام التعليم بالكتاتيب، وكان هذا النظام التعليم يبدأ بدراسة أصول العربية من خلال التهجي والقراءة ثم كتابة الكلمات والجمل، وبعد ذلك يشرع في حفظ القرآن الكريم، ثم إذا وصل إلي سن السادسة يلتحق بالمدرسة الرسمية، وهذا ما حدث لمصطفي رجب عندما إلتحق بالصف الأول الإبتدائي كان يكتب ويقرأ ويحفظ القرآن كله بريشه من حبر علي ألواح من الصفيح، كما كان يكتب الكلمات مضبوطة بالشكل ضبطاً كاملاً كما هو الحال في المصحف الذي نحفظ منه ولا تزال هذه العادة فينا حتي الآن .

يقول مصطفي رجب :" ثم التحقنا بالمرحلة الابتدائية في بداية الستينيات من القرن الماضي، وكانت المدارس محدودة في القرية التي نشأت فيها، وهي قرية شطورة ؛ حيث كانت بها فقط مدرستان حكوميتان بُنيت بعد ثورة 1923 يوليو المجيدة.. وأما المدرسة التي تعلمت فيها فقد ضمت ضما إلي وزارة المعارف سنة 1949م.. كان الذين يدرسون لنا في مدرسة الشيخ إبراهيم مدرسين معممين- أي مشايخ ضُموا مع الذين ضمهم طه حسين وهو وزير من حفظة القرآن الكريم ليعملوا بالتدريس فلم يكونوا مؤهلين بأي مؤهلات سوي أنهم حفظة قرآن.. ثم انتهت علي أية حال هذه المرحلة بعد نكسة 1967م.. وانتقلنا إلي المرحلة الإعدادية وكان معلم من معلمينا في المرحلة الابتدائية اسمه الأستاذ حسين عبد العال (أعطاه الله الصحة لا يزال حيا حتي الآن)، كان يحدثنا كثيراً عن طه حسين فكنت أحب طه حسين وأضع صورته علي كراريسي.. فلما انتقلنا للمرحلة الإعدادية جاءنا معلم قاهري اسمه الأستاذ محمد قطب خريج آداب القاهرة فكنت أشم فيه رائحة طه حسين لأنه من نفس الكلية.. انتهت المرحلة الإعدادية علي أية حال وكان لا بد أن أنتقل إلي مدينة طهطا والتي توجد بها مدرسة رفاعة الطهطاوي الثانوية والتي التحقنا بها وكانت بها مكتبة هائلة تفوق مكتبات بعض الكليات أنهينا فيها قراءة كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني كاملا وتجريد الأغاني والبيان والتبيين وكل كتب التراث القديم مثل مؤلفات الجاحظ وغيره..

وثمة نقطة مهمة وجديرة بالإشارة يشير إليها بعد ذلك مصطفي رجب، وهو أنه خلال في المرحلة الجامعية التحق سيادته بكلية التربية بأسيوط، وكان وقتها ليس فيها تخصص إلا لغة إنجليزية بالنسبة للأدبي، وكانت تربية سوهاج يوجد بها تخصص تاريخ، فآثر مصطفي رجب إلا أن يختار الإنجليزي عن التاريخ، لكن صادف من حسن حظه أن جاء فاكس بفتح قسم اللغة العربية لأول مرة في كلية التربية وكان مصطفي رجب أصلاً شغوفا بدراسة اللغة العربية، ولكن والده رفض لأنه وحيد، فالتحق مصطفي رجب بقسم اللغة الإنجليزية بتربية أسيوط، فكان كل ما كان يُدرس له قرأه، وبالتالي فلم يجد أي عناء في دراسته.. في السنة الأولي كان مصطفي رجب الأول علي الدفعة، والثانية، والثالثة، والرابعة، فتخرج مصطفي رجب بتقدير "جيد جداً مع مرتبة الشرف الأولي"، بفارق يزيد 40 درجة علي الثاني والثالث.. عُين مصطفي رجب معيداً في أسيوط،  واختار "قسم أصول التربية"، لأنه القسم الأقرب لطه حسين ومكث سنتين في أسيوط، ثم نقل إلي سوهاج سنة 1980م، وسجل مصطفي رجب الماجستير عن "فكر طه حسين التربوي".. ثم حصل مصطفي رجب علي الماجستير بامتياز في 1983.. ثم سجل الدكتوراه في الإعلام التربوي في عام 1982م أيضاً، وكان هذا التخصص جديداً، فلم يكن في ذلك الوقت قد صدرت أي كتب أو أقسام في الجامعات باسم الإعلام التربوي..

وبعد أن حصل مصطفي رجب علي الدكتوراه في سنة 1985م في فبراير، أرسل منها نسخة للأستاذ مصطفي أمين ؛ حيث كان بدأ في عهد الأستاذ الدكتور "أحمد فتحي سرور"- رئيس التربية والتعليم في ذلك الوقت إنشاء كليات التربية النوعية، وبها أقسام تسمي أقسام "الإعلام التربوي"، فأرسل إليهم الأٍستاذ مصطفي أمين خطاباً وقال بأن هناك رسالة دكتوراه اسمها كذا... وأرسل الأستاذ مصطفي أمين نسخة لمصطفي رجب من هذا الخطاب، وبالفعل ترأس مصطفي رجب قسم الإعلام التربوي ندباً في جامعة المنيا بكلية التربية النوعية بجانب عمله وكان مصطفي رجب آنذاك عميداً لكلية التربية بسوهاج؛ حيث كان مصطفي رجب قد نقلت إلي سوهاج كما قلت في سنة 1980 ثم كان مدرساً في سنة 1985م إلي 1989م، حيث رُقي أستاذاً مساعداً، ثم في سنة 1994م رقي أستاذاً، ثم تولي العمادة في سنة 1995م حتي عام 2001م، ثم عمل بعد ذلك رئيساً لمجلس قسم أصول التربية إلي أن أُحيل للتقاعد في 2016م.

وللدكتور مصطفي رجب مؤلفات عديدة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : الإعلام التربوي في مصر واقعه ومشكلاته، نحو ثقافة إسلامية، فكر طه حسين التربوي، الدور التربوي للصحافة المدرسية : دراسة ميدانية بمحافظات الصعيد، أطفالنا من أين نبدأ، أطفالنا ومشكلاتهم التربوية والنفسية، الإسلام في المناهج الصهيونية، لغة الشعر الحديث، الثقافة السياسية لمعلمي المستقبل، في هوية التربية الإسلامية ومنهجيتها، القيم والأهداف التربوية في الحديث الشريف، الإعجاز التربوي في القرآن الكريم، مضامين تربوية في الفقه الإسلامي، البحث في الإعجاز التربوي القرآني، الإعجاز التربوي في السنة النبوية، صفحات مجهولة من تراثنا الشعري الفكاهي، مع تراثنا التربوي، الإعلام العربي وإرهاب العولمة.. الخ.. كما صدرت له دواوين شعرية نذكر منها : الصيد في الماء الرائق، شعراء الفكاهة المعاصرون، في الممنوع، اعتراف جديد لابن أبي ربيعة، ديوان الحلمنتيشي، صمت،" الإفراط في الاستعباط "، ديوان "حلمنتيشيات ابن رجب "، وديوان " حلمنتيشيات في الممنوع"، " الإفراط في الاستعباط " و"في بلاد همبكستان ".. الخ... كما حقق الكثير من المؤلفات نذكر منها :  إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد لابن الأكفاني.. الخ..

وللدكتور مصطفي رجب إنجازات أخري نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : أنه عمل مساعداً فنياً ثم عميداً لمعهد السلطان قابوس العالي للدراسات الإسلامية بسلطنة عمان في الفترة بين عامي 1989 و1993، وعمل خبيراً تربوياً زائراً بمكتب التربية العربي لدول الخليج بالرياض من 1 يناير 2002 إلى 1 مارس 2002، وعمل محاضراً بكلية إعداد المعلمين بأبها بالمملكة العربية السعودية في العام الدراسي 1982-1983م، وعمل أستاذاً زائراً للدراسات العليا بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة اليرموك– الأردن من 17 سبتمبر 2002 إلى 1 مارس 2003 ومن 12 سبتمبر 2004 إلى 1 يونيو 2005، وكان رئيس الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار بدايةً من 20/7/2011م، كما كان عضو اللجنة العلمية الدائمة لترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين بالمجلس الأعلى للجامعات في مصر [ تخصص أصول التربية والتخطيط التربوي].من 2008 وحتى الآن، كما تم اختياره عقب الثورة المصرية بصفته أول رئيس مدني لهيئة تعليم الكبار بمصر، كما مثل مصطفي رجب مصر في تنفيذ اتفاقية التعاون الثقافي مع دولة الكاميرون عام1996، كما كان خبير التعليم (شعبة التعليم العام) بالمجالس القومية المتخصصة – برئاسة الجمهورية – مصر، علاوة علي أنه كان نائب رئيس اتحاد كتاب مصر فرع الصعيد – بالانتخاب – اعتبارا من أبريل 2007..وهلم جرا..

وكان مصطفي رجب عاشقاَ للشعر "الحلمنتيشي" ومتنقناً له، حيث كان يري أن هذا الشعر قادر على إخراج ما فى داخل الإنسان من مشاعر، لافتا أن ظهور هذا النوع من الشعر على يد "حسين شفيق المصري" و "بيرم التونسي"، كان لمناهضة الاحتلال البريطاني ومحاربة الفساد الأخلاقي والسلوكي.. وأضاف "رجب"، خلال لقائه مع الإعلامية «قصواء الخلالي» في برنامج «المساء مع قصواء»، والذي قد أُذيع عبر شاشة  TeN المصرية، أن الشاعر الكبير "حسين شفيق المصرى"، المعروف بـ"فارس الحلمنتيشي" لم يكن يعرف معنى الكلمة حين أطلقها لكنها "جت معاه كده" على حد وصفه، لافتا أن الشعر "الحلمنتيشي" يقوم فى الأساس على جعل العامية وكأنها فصحى، ما يعطى له طابع ساخر.

ومن القصائد التي كتبها مصطفي رجب ونالت إعجاباً كبيرا علي مواقع التواصل الاجتماعي قصيدته" عوافي" : قالت وقد بصَّت عليّ: عوافي!.. وتدلعت في ثوبها الشفافِ.. وتحايلت وتخايلت وتمايلت.. حتي سَبَت عقلي بغير سُلافِ.. قالت: أأنت من العجوزة يا فتى؟.. أم أنت جِلف من بني الأريافِ؟.. إني أراك مُونتكاً ومُرستكاً.. وعليك قنطار من الأصوافِ.. لكن لمحتُك في الطريق مبصبصاً.. وتكاد تقضم من لحوم كتافي.. فأجبتها والقلب يرقص بداخلي أهلاً وسهلاً بالجمال الصافي.. أنا من مصارين الصعيد.. وموطني طهطا.. ومن قوص أتي أسلافي.. ولدي في أسيوط نصف عمارة مملوكة في حارة الأشراف.. ولدي في إسنا جنينة منجة وبهائم تربو علي الآلاف.. والحلوة الحسناء من أي حتة.. إني آراها تلبس الخفاف.. قالت أنا فلاحة من طلخة.. وأقيم في الزيتون عند عفاف.. وعفاف أختي حلوة لكنها عند النصيب تزوجت إسكافي.. قلت إقبليني كي أكون عديله.. كما قد دهست عقارباً ونحافي.. قالت يا لهوي.. أنت جلف جامد ومن الصعيد بتزق بالأكتاف.. أنا كنت أحلم أن أُزوج عيلاً سكن الزمان من عياراً فافي.. وأبوه في مصر الجديدة ساكن في فيلة بمساكن الأوقاف.. فسكت عنها لحظة فتلولوت.. قالت آراك سكت كالخوافِ.. قلت اختشيِ.. أنا لا أخاف ولست من صنف العيال التافه الهنتافي.. إني عشقتك حين قلت عوافي.. ريفية من قعرة الأرياف.. أنا لست أرضي بالزمالك مسكناً أو بالمعادي مثل عبد الشافي.. ذاك الذي باع الصعيد بزوجة.. وإذا يزور يزور كالمصطاف.. إني إنغرست به فأثمر نخوة.. وشهامة في الحل والتطوافِ.. من عهد مينا جدنا لم ننحرف.. أو عهد عمرو مكرم الأضياف.. من قال إن رجالنا كرجالكم.. آمن يسوي الدرة بالأصداف.. من قال إن حريمنا كحريمكم.. فالدفئ بطانية كلحاف.. قالت لقد أعجبتني يادالعدي.. هيا إلي المأذون دون خلافي.. فأجبت لا لا بد لي من جزمة وعباية وعصاية وخرافي.. ويكون حولي معشر أشنابهم مسنونة الحدين كالأسياف.. وبعثت فتحي للصعيد فجأءني بعصابة السر والصفصاف.. وتشخلع المأذون بين ديارنا.. وتلي علينا سورة الأعراف.. واهتز رأسي فجأة فصحوت من نومي علي زوجي تشد لحافي.. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن انجازات عبد العال الحمامصي في مجال الأدب الروائي والقصة القصيرة، وهنا نقول بأن هذا الرجل كان من طراز خاص، ذلك لأنه مارس الرواية مقترنة بالقصة في كل أعماله الأدبية، وهذا إن دل علي شئ فإنما يدل دلالة قوية علي مدي سعة تفكيره، واتساع أفقه النظري والتطبيقي، فأنظر كيف يجمع الرجل ما بين الأدب، والقصة، والشعر، والمسرح، وما بين الفكر والتجريد، وبهذا الاعتبار قلما نجد في بعض نصوصه ومكتوباته حديث العاطفة والوجدان، وهو في جوف مواكبة الواقع مستجداته .

ومن هنا يبرز لنا الثابت الثاني الذي يكشف لنا بجلاء البعد الأدبي والإبداعي في شخصية عبد العال الحمامصي، والمتجسد في علاقته بالآخرين؛ حيث قال عنه الكاتب مصطفى عبد الله :" إن الأديب الراحل عبد العال الحمامصي كان قد تقلب فى عدة وظائف وكتب فى الصحافة كهاو، إلى أن كلف الرئيس الراحل أنور السادات الكاتب أنيس منصور بإنشاء مجلة "أكتوبر"، فكان عبد العال الحمامصى مشرفاً فنياً على صفحتها الثقافية، وكان من الشهرة فى بلده أخميم بالقدر الذي تقام له احتفالية سنوية باسمه تحت رعاية محافظة سوهاج للاحتفاء به كابن من أبناء الصعيد المتميزين.. وكان الراحل من الشهرة في بلده أخميم بالقدر الذي تقام له احتفالية سنوية باسمه تحت رعاية محافظة سوهاج للاحتفاء به كابن من أبناء الصعيد المتميزين."

وقال عنه الشاعر أوفي عبد الله (سكرتير اتحاد كتاب مصر - فرع الجنوب)، بأن عبد العال الحمامصي يمثل قيمة كبري من تلك القيم التي نحتفي بها.. فالحديث عنه متنوع ؛ خاصة أنه رجل عصامي استطاع أن يعلم نفسه بنفسه، معتمداً علي ذكاء فطرته، ومعتمداً علي ثقافته الخاصة، وهو الذي احتمي بالكتاب قراءةً ووعياً وتثقيفاً .

ثم يستطرد فيقول :" نشأ عبد العال الحمامصي نشأة عادية في أخميم، وله فيها ذكريات كثيرة، فهو ذلك الذي استطاع أن يقدم للمكتبة العربية العديد والعديد من الكتب الأدبية، منها الروائي ومنها النقدي ومنها ما يمكن أن نسميه بالسيرة الذاتية .. عبد العال الحمامصي الذي علم نفسه بنفسه استطاع أن يحفر بنفسه اسماً كبيراً في مجال الإبداع، واستطاع أن يتبوأ مناصب كثيرة في مصر ثقافياً .. وهذه المناصب الذي تبوأها حقق فيها نجاحات شهد له فيها الجميع .. هو ابن أخميم، ولقد فاز بجائزة الدولة التشجيعية في أوائل تسعينيات القرن الماضي، فاحتفت به سوهاج، وكان هذا الاحتفاء ليس باسمه ولا لشخصه، ولكن احتفاءً للقيمة الأدبية، ولذلك جاء احتفاءه، وقد امتلأت الأماكن وامتلأت الأسماء في سوهاج احتفالاً فزارها عدد كبير من رموز الحركة الأدبية في مصر، واستقبل أبناء سوهاج ابنها استقبالاً حافلاً ما زالت ذاكرته قوية وما زالت ذاكرته تطل بعيونه علينا .. عبد العال الحمامصي الأديب والمبدع حينما نتحدث عنه من خلال ما كتب نجد أنه رسخ مجموعة من القيم الاجتماعية التي نشأ عليها فهو يتبني دائماً الوحدة الوطنية ليس هذا المبدأ الذي يتبناه بين المسلمين والمسيحيين ليس إنشائياً، وليس لمجرد أن يقول شعارات فترضي عنه الدولة، وإنما كان من خلال إطارا إبداعي سردي قصصي يُحسب له، وهو الذي رأي قدره بلغة انسيابية رائعة لا تميل إلي تلك اللغة التراثية التي تحتاج إلي معاجم لكي نفهم دلالاتها ولا تنحط إلي درجة العامية فنشكو منها .. عبد العال الحمامصي بلغته البسيطة استطاع أن يصور الإنسان الصعيدي وصراعه مع العمل، ومع الحياة ومع تلك الأرض القاسة التي تقسو عليه .. ثم هذا هو عبد العال الحمامصي الذي يقدم مجموعته القصصية الشهيرة : هذا الصوت وآخرون والتي كُتب لها أن تنال الكثير والكثير من الاهتمام .. هذا الرجل كتب في هذا الصوت وآخرون، التي كتب لها أن تنال الكثير والكثير من الاهتمام .. هذا الرجل كتب رؤية نقدية للمجتمع المصري ولم يكتبها إلا بأسلوب يجمع بين المباشرة وبين الفنية، فلا هو سيطرة عليه المباشرة في الرؤية التي تجعلنا نمل القراءة ولا هي موغلة في دلالاتها أيضا .. وعلي سبيل المثال هو حذرنا من الإرهاب والتطرف الفكري في أعماله الأدبية .. حذرنا من التفرقة بين المسلمين والمسيحيين .. حذرنا من التلوث السمعي من خلال استماع الأغاني الهابطة التي لا قيمة لها ولا معني .. إذن أنت أمام قيمة كبري ..

وقال عنه الناقد الأدبي: عبد الحافظ بخيت (أمين عام مؤتمر أدباء مصر) .. في الحديث حول المرحوم عبد العال الحمامصي، أو أن أشير إلي أن عبد العال الحمامصي اختط لنفسه لغة فريدة في كتابة القصة ومنهجاً لم يسبقه إليه أحد في مجموعته كتاكيت بلا أجنحة كان لعبد العال الحمامصي رؤية تجمع بين الصعيد وبين الكون؛ بمعني أنه ينطلق من بيئته المحلية راسماً أطراً فنية في الإبداع القصصي حول اختزال الكون، وصنع مفارقة عجيبة بهذه المجموعة، وهو أن التراث عنده كان يصطدم بالحوائط الأسمنتية .. لذا قدم عبد العال الحمامصي رؤية فنية داخل ابداعه القصصي .. تطور فن الإبداع القصصي عند عبد العال الحمامصي منذ "كتاكيت بلا أجنحة" إلي "بئر الأحباش"، فكانت بئر الأحباش تقدم رؤية فلسفية مع التغير الديناميكي، إذا جاز التعبير للواقع والمجتمع، وهذا يعني أن عبد العال الحمامصي كان أديب يقرأ الواقع والمجتمع، وهذا يعني أنه أديب كان يقرأ الواقع قبل أن يكتب عنه وهو رصن جيد لهذا الواقع وتحولاته، وهذا هو الدور الحقيقي للإبداع فالإبداع إذا لم يكن راصداً للواقع وتحولاته يقدم عملاً مجانيا، وهذا يشير إلي وعي الحمامصي في كتابة القصة، فضلاً عن دوره الإداري إذا جاز التعبير فهو واحداً من الذين نظروا الحركة الثقافية في مصر كلها، وهو واحداً من الذين تبوأوا مجالس إدارات المؤسسات المختلفة والمختصة فكان عضو مجلي إدارة القصة، وعضو مجلس إدارة اتحاد الكتاب، وكان عضواً غير عادي، فكان عضواً فاعلاً في تطوير آليات العمل الثقافي من خلال العمل النقابي، وكان أيضاً ممتنياً بكل ما يملك لصعيد مصر وللجنوب، لأنه كان يؤمن بأن الصعيد قد وقع عليه غبناً فكان عبد العال الحمامصي يعوض هذا الغبن من خلال اكتشاف المواهب، ومن خلال كسر هذا الحاجز بين الجنوب والشمال؛ حيث يكون للجنوب وجود من خلال المؤتمرات الأدبية والمؤسسات النقابية .. لذا يظل عبد العال الحمامصي مرتبطاً بسوهاج في أنه كان بؤرة كانت تشع تقديم الأدباء من سوهاج ومن الجنوب،وأيضاً للانتقال بالحركة الأدبية إلي مصر كلها ..

أما الشاعر جميل عبد الرحمن (رئيس نادي الأدب المركزي بسوهاج)، فقد قال عنه : الأستاذ عبد العال الحمامصي شاعراً من الجوقة العازفة من شعراء محافظة سوهاج .. أتحدث عن قيمة وقامة تتمثل في الأديب الكبير الراحل الأستاذ عبد العال الحمامصي، هذا الرجل الإخميمي الأصيل الذي ولد في أخميم عام 1932م، ثم في بواكر صباه إرتحل إلي القاهرة بحثاً عن متنفساً لإبداعاته، فقد كان يشعر أن الجو بقيم المكان، تضيق بهذه الطموحات التي تتفجر من خلال قصص، ومن خلال هذا الفن الذي راوده عن نفسه، فاستسلم إليه وألقي بعمره الأخضر كله في أتونه .. عبد العال الحمامصي كان من الفرسان المُفوهين وكان في فن القصة القصيرة يشار له بالبنان .. مجموعته الأولي أثارت انتباه المفكرين والأدباء، ونال عنها كأس القباني في الشعر، ثم نال بعد ذلك جائزة الدولة التشجيعية عام 1974م وكانت قد ألحقت بمجموع هذا الصوت وآخرون، ثم تفجر الإبداع القصصي أكثر رغم أن عبد العال الحمامصي أضاع كثيراً من وقته لكنه لم يضيعه هدراً، وإنما كان يمر علي المحافظات ليكتشف المواهب ويقدمها هدية إلي مصر وهدية إلي الأدب والشعر .. وأنا واحداً ممن شملهم عبد العال الحمامصي بحبه وفرح عندما تقدمت بديواني الأول وكتب علي مقدمتها "الآن تجد سوهاج شاعرها " .. عبد العال الحمامصي كان سنداً لأدباء الصعيد الذين ضُربت علي أوجههم ستائر النسيان والتجاهل وأُحيطوا بغبار من النسيان، لكن عبد العال الحمامصي ظل مقاتلاً سواء في اتحاد الكتاب أو في نادي القصة أو في أي مجالاً  تواجد فيه ظل مقاتلاً يبحث تحت راية اكتشاف المواهب وتقديم رفق ودماً جديداً لمصر وللحركة الأدبية والإبداعية وقدم وجوهاً كثيرة سواء في القصة أو الرواية أو الشعر .. كان عبد العال الحمامصي يطوف المحافظات غير مبالاً بأنه في تركه لمكتبه لا يستطيع أن يتأمل أو يمسك بتلابيب الفن القصصي، ولكن عندما جلس علي مكتبه كتب رائعته " بئر الأحباش" وهي مجموعة قصصية تشتم فيها عبق أخمي .. عبق التاريخ.. عبق الآثار الفرعونية .. عبق الآثار الإسلامية .. عبق ذو النون الإخميمي المصري .. عبق تاريخ سوهاج الماجد الذي تعتبر وردة الشمس الأبدية .. كلها تتجسد في بئر الأحباش وتجسد أيضاً ذلك التراث الحديث لأخميم في قته " قاتل بلا أتعاب " .. عبد العال الحمامصي لم يكتف بهذا بل قدم قبل أن يموت " فرحة الأجراس "، وهي المجموعة الرابعة له، ثم توالت ابداعاته .. قدم عبد العال الحمامصي لأنه حفيد ذو النون الأخميمي المصري قدم " أحاديث حول الأدب والسياسة" و " القرآن معجزة كل العصور"، " البوصيري المادح الأعظم للرسول صلي الله عليه وسلم .. هؤلاء قالوا لي "، "وهؤلاء يقولون في السياسة والأدب  .. راحلون في وجدان ثم أفكار لأمته..

وقال عنه محمد جبريل :  ظل عبدالعال الحمامصي قاسماً مشتركاً في الساحة الثقافية؛ خلال ما يقرب من الخمسين عاماً. أسهم - محرراً وكاتباً - في العديد من الصحف والدوريات، وأذكر ان أول لقاءاتي بالحمامصي - بداية الستينيات - في مجلة اسمها "العالم العربي". كان يكتب معظم موادها. باسمه أحياناً . وبأسماء مخترعة في معظم الأحيان. وإذا كانت سلسلة "إشراقات أدبية" وبابه الأسبوعي "شيء من الأدب" في الزميلة أكتوبر هما الإسهام الأحدث للحمامصي. فإن اسهاماته تواصلت خلال العقود الخمسة - وربما الستة - الماضية. مابين إبداعات شخصية ومشاركات فاعلة في واقعنا الثقافي. فقد توالي انتخاب الحمامصي في عضوية مجلس إدارة اتحاد الكتاب. منذ تأسيس الاتحاد إلي عام الانتخاب الأخير. الأمر نفسه في أمانة مؤتمر أدباء مصر في الأقاليم. وفي جمعية الأدباء. ونادي القصة الذي يرأس الآن مجلس إدارته. وتنقل الحمامصي بين القري والكفور والنجوع. يشارك في المؤتمرات والمهرجانات. ويسلط الضوء علي الطاقات المبدعة. وكانت هذه الانشطة عاملاً مهماً في توثيق صلة عبدالعال بالمبدعين. والمثقفين بعامة. علي المستويين الشخصي والجمعي. ويعترف الكثير من الأدباء - في امتداد الأقاليم المصرية - بمساندة الحمامصي لخطواتهم الأولي، وحرصه علي تقديم المواهب الحقيقية، من خلال مقالاته وتحقيقاته في "الزهور" ثم في "أكتوبر" ومازالت أذكر مهرجان محافظة سوهاج السنوي لتكريم ابن أخميم عبدالعال الحمامصي. وهو المهرجان الذي شارك فيه - بالإضافة إلي أدباء المحافظة - عدد هائل من كبار المثقفين المصريين. أما القيمة الإبداعية لعبدالعال الحمامصي. فلعل أبرز ما يميزها هذه السمة التي تبين عن المكونات الأهم للشخصية المصرية في المعتقدات والعادات والتقاليد. وهو ما أفدت منه شخصيا في قراءتي للإبداعات المصرية المعاصرة. عبدالعال الحمامصي يواجه الآن محنة مرضية قاسية. تحتاج - لإسكات آلامها - إلي آلاف الجنيهات. ظني أن أبسط حقوقه علي حياتنا الثقافية. التي مثل فيها - علي مدي السنين - ملمحاً أساسياً. ان توفر له وزارة الثقافة. ممثلة في وزير الثقاقي " فاروق حسني"؛ إمكانات العلاج، تعبيراً عن الوعي والفهم والتقدير. وأن خدمة الغز ليست علقة دائماً؛ وانما قد تكون تعاطفاً ومساندة في الأوقات الصعبة، لا أعرف موقف اتحاد الكتاب من المحنة التي يعاني عبدالعال الحمامصي تأثيراتها - وكان الرجل عضواً في مجلس إدارته. وتولي فيه مناصب مهمة؛ منها السكرتير العام. ونائب الرئيس - لكن توالي الأيام أسرع من محاولة السؤال والمحاسبة. ما يحتاج إليه عبدالعال في ظروفه القاسية الحالية، أن يعالج علي نفقة الدولة، باعتباره مبدعاً. له قيمته بين كتاب القصة القصيرة، ومسئولا ثقافياً. قد نختلف معه. لكن من الصعب أن ننكر إسهاماته الإيجابية في العديد من الإصدارات، وفي الدفع بعشرات المواهب لتحصل علي المكانة التي تستحقها في الساحة الإبداعية.

ويطول بنا الحديث وفي النهاية لا نملك إلا أن نقول بأننا لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شملة ومستوعبة لكل اسهامات عبد العال الحمامصي الذي كان  يمثل لنا نموذجاً فذاً للروائي والأديب المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر علينا هذه الأيام ذكري وفاة صهري وخال أولادي، الأديب الكبير، والروائي القدير "عبد العال الحمامصى"، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر، أو وقفة، أو تسليط الضوء على شيء من منجزاته وابداعاته ؛ فقد كان سيادته ظاهرة فريدة ومميزة في مجال المؤلفات القصصية، والدراسات النقدية، والأعمال الفكرية والحوارية ؛ حيث كان يمثل أهم الأسماء اللامعة في سماء الأدب المصري الحديث ؛ إذ أسهم فيه بقسط وافر، وتعد لبناته الأدبية التي وضعها بالجهد والعرق بمثابة الأساس الذي بني عليه الكثيرون من تلامذته مشاريعهم الأدبية ورؤاهم في مجال الأدب الروائي والقصة القصيرة.

والأديب القاص عبد العال الحمامصي أحد الأدباء البارزين في مجال القصة القصيرة التي ظل يكتبها طوال 40 عاماً، لم يقترب خلالها من كتابة الرواية - وبعد هذه الفترة الطويلة شعر أن الوقت قد حان لكتابة رواية هي الأولى في مسيرته الابداعية، أنجز منها جزءً كبيرا،ً وهي بعنوان "فتيات حفلة العاشرة".

والحقيقة التي لا يعرفها الكثيرون، وهي أن "عبد العال الحمامصى"، ظل قاسماً مشتركاً في الساحة الثقافية خلال ما يقرب من الخمسين عاماً في القرن الماضي ما بين إبداعات شخصية ومشاركات فاعلة في واقعنا الثقافي المصري؛ حيث أسهم - محرراً وكاتباً - في العديد من الصحف والدوريات، كما عضواً بارزاً في مجلس إدارة اتحاد الكتاب المصري وجمعية الأدباء ونادي القصة، كما كانت له قيمته بين كتاب القصة القصيرة، ومسئولا ثقافياً.

كان عبد العال الحمامصي قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للأدب الروائي والقصة القصيرة: تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات شاعر وأديب يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل رواياته وقصصه تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

ولد عبد العال الحمامصي في يونيو عام 1932 بمدينة أخميم بمحافظة سوهاج، الراحل بدأ مجاله الأدبى عندما وصل إلى القاهرة قادماً من مدينة أخميم بمحافظة سوهاج قبل 50 عاماً، وكان الكاتب الراحل قد عاش حياة أدبية حافلة، بدأها فى مجالات عديدة كان أبرزها اختياره عضواً مؤسساً بمجلس إدارة اتحاد الكتاب، مع الراحلين "يوسف السباعى" و"ثروت أباظة"، حتى وصل إلى سكرتير عام الاتحاد ؛ كما عمل فى مجال الإنتاج السينمائى مع المنتج "عدلى المولد"، وعمل كذلك كاتباً ومشرفاً على القسم الثقافي بمجلات الصباح، العالم العربي، الهلال، الزهور، القصة، ثم رئيس تحرير سلسلة "إشراقات أدبية" التي تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1976، وقدم من خلالها العديد من أدباء أقاليم مصر، كما شغل منصب السكرتير العام لنادي القصة، وعضو مجلس إدارة جمعية الأدباء، وعضو لجنتي القصة والكتاب الأول بالمجلس الأعلى للثقافة عام 2003، وعضو المجلس القومي للثقافة والفنون والآداب. ورحل عن عالمنا عن عمر ناهز 77عاماً، عام 2009م بمرض السرطان ويقول الكاتب "مصطفى عبد الله" إن الأديب الراحل عبد العال الحمامصى كان قد احتجب عن الساحة الأدبية والثقافية خلال العام الأخير، وأخفى المقربون منه نوعية مرضه عنه.

وللأديب عبد العال الحمامصي عدد كبير من المؤلفات القصصية والدراسات النقدية والأعمال الفكرية والحوارية، وذلك علي النحو التالي:

1 ـ الأعمال القصصية:

أ ـ [للكتاكيت أجنحة] صدرت عن دار الكاتب العربي عام 1968 وقــد نالت {كاس القبانى} عـام صدورها، وقد كتبت عن هذه المجموعة عديد من الدراسات النقدية.

ب ـ [هذا الصوت وأخرون] صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب فى عام 1980 وقد نالت جائزة الدولة التشجيعية فى عام 1981.

ج ـ [بئر الأحباش] مجموعة قصصية صدرت عن هيئة قصور الثقافـة عام 1994. وقد فازت بجائـزة أحسن مجموعة قصصية فى عام 1994 فى معرض الكتاب الدولي السابع والعشرين.

د ـ [فرحة الأجراس] مجموعة قصصية صدرت عن مكتبة الأسرة.

ثانيا: الأعمال الدراسية والنقدية:-

1 ـ [البوصيرى المادح الأعظم للرسول] صدر عن دار المعارف.

2ـ [القرآن معجزة كل العصور] صدر عن دار المعارف.

3 ـ [كتب قرأتها] انطباعات غير نقدية صدر عن المجلس الأعلى للآداب والفنون.

ثالثا: الأعمال الحوارية:-

1 ـ [هؤلاء يقولون فى السياسة والأدب] صدر عن دار الهلال.

2 ـ [أحاديث حول الأدب والفن والثقافة] صدر عن دار المعارف.

3 ـ [هؤلاء قالوا لى] صدر عن دار المعارف.

رابعا: الأعمال الفكرية 1 ـ [أقلام فى موكب التنوير] صدر عن هيئة الكتاب فى سلسلة مكتبة الأسرة عام 1996

2 ـ [راحلون فى وجداني] صدر عن هيئة الكتاب فى سلسلة مكتبة الأسرة عام 1998.

3ـ [أفكار لأمتي] صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب فى سلسلة مكتبة الأسرة عام 1999.

وحصل الحمامصي على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة عام 1981 ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عامي 1993 وجائزة الدولة للتفوق في الآداب عام 2003م .

إذا أردنا أن نبحث عن الجوانب الإنسانية في شخصية عبد العال الحمامصي، فلن نجد أنسب من الحوار الذي أجرته معه إحدى القنوات التليفزيونية عن حياته ومسيرته الأدبية، حيث يحدثنا عن الثوابت التي ساهمت في تشكيل شخصيته علي المستوي الإنساني والأدبي ؛ فنجده مثلاً يحدثنا عن تجاربه الأدبية المبكرة فيقول: " كانت البداية عندما تلمست طريقي إلى عالم الأدب عن طريق قراءة الكتب المترجمة والكتابات الذاتية الموجودة في مكتبتَي جدي وخالي وعندما التحقت بالدراسة في سوهاج قرأت في مكتبة الأمير فاروق - كما كانت تسمى في ذلك الوقت - أو مكتبة رفاعة الطهطاوي، فكنت اقرأ في كل مكان؟ على الرصيف وتحت الشجر، حتى في الشارع.. أما تجاربي الأولى فسيندهش البعض عندما يعلم انها كانت شعراً.. والأكثر إثارة للدهشة أنني كنت أغنيه، إلى أن وجدت طريقي إلى القصة، واكتشفت أنها أقرب الأنواع الادبية قرباً من قلبي وأقدرها على التعبير عن رؤيتي للكون والوجود، رغم أن النظرة وقتها إلى الأدب الروائي والقصة كانت نظرة متدنية، حتى أن (عباس العقاد) قال أن بيتا من الشعر يقول ما تقوله رواية بأكملها".

ويستطرد الحمامصي فيقول: " وكانت أول قصيدة يخطها قلمي هي (صمت ودموع) عن حرب 1948 وما سببته من مآس في البيوت المصرية والعربية ونشرتها مجلة البعكوكة، لكن أول قصة حقيقية فكانت بلا خطيئة.. نشرتها مجلة قصتي، ثم توالت الأعمال بعد ذلك حتى صدرت أول مجموعة لي عام 1986 تحت عنوان الكتاكيت لها أجنحة وقال عنها أحد النقاد أن بها ارهاصات هامة.. ومثلت المجموعة اتجاهاً واقعياً بمعنى الواقعية التي اسماها روجيه جارودي فيما بعد الواقعية بلا ضفاف".

وقد سئل عبد العال الحمامصي:" رغم هذا الوسط الثقافي المزدهر لم تظهر مجموعتك الثانية للنور إلا بعد 13 عاما كاملة من تاريخ اصداراك الأول.. فكانت مجموعة هذا الصوت وآخرون في عام 1981 فهل كان يستغرقك شيء آخر بعيداً عن القصة؟.

وأجاب عبد العال الحمامصي قائلاً :"القصة بالنسبة لي هي الوسيلة الوحيدة القادرة على أن أحملها رؤيتي للعالم.. وعلى سبيل المثال "قصة الساعة الخامسة والعشرون" في مجموعة هذا الصوت وآخرون لو قرأت الآن لربما تجدينها نبوءة لما يحدث الآن في عالمنا من اتجاه للعولمة ومحاولة إلغاء التاريخ والانغماس في عملية الحداثة المبتورة.. وليس طول المسافة بين مجموعة قصصية وأخرى عجزاً عن الإنتاج لكنه محاولة للإجادة وتقديم الجديد كما أصدرت خلال هذه الفترة عدة كتب نقدية ودراسات".

كما سئل عبد العال الحمامصي:" هل تعدد اتجاهات الكتابة يثري تجربة الكاتب أم يفقده التركيز في مجال ما ؟.

وأجاب قائلاً:" كثير من كبار كتابنا تعددت مجالات كتاباتهم.. فتوفيق الحكيم كتب المسرح والرواية والفكر والنقد وطه حسين كان مفكراً وربما يكون كاتباً ما في جانب من الجوانب أكثر تأثيراً من مجالات أخرى.. ودليل ذلك "إحسان عبد القدوس" - كتب الرواية لكن عندما كان يكتب المقال كان ينتظره القارئ المصري والعربي".

وسئل الحمامصي أيضاً هذا السؤال: كيف ترى موقع القصة القصيرة على الساحة الأدبية الآن؟.

فأجاب قائلاً:"هناك اعمال روائية وقصصية ممتازة وربما لو كانت اللغة العربية لغة عالمية منتشرة كالإنجليزية لكان الأدب العربي الآن أدباً عالمياً وكان المستوى الذي وصلت إليه الرواية والقصة القصير هو المستوى الذي يتجاوز الكتابات العالمية.. أما القصة القصيرة على المستوى العالمي.. فربما تجدها الآن ليست في المستوى الذي وصلته في القرن التاسع وفي النصف الأول من القرن العشرين فليسن هناك كتابات رائدة الآن كما عرفنا في الماضي.. وإذا عدنا لأدبنا العربي فهناك شيء لافت للانتباه وهو أنه بالرغم من كثرة فرص النشر وتعددها لم تزد معها الإبداعات الجيدة فأصبحت الأسماء غير المبدعة تجد طريقاً للنشر دون أن تقدم ابداعاً حقيقياً.

وكذلك سئل قائلاً:" وهل يرى عبد العال الحمامصي بعين الناقد ثمة مواهب أدبية جديدة وسط هذا الزخم من النشر؟.

وهنا أجاب الحمامصي قائلاً: " النقاد الآن ينشغلون بالتنظير وليس بالتطبيق,, ويتناولون الرواية أو الشعر بنفس المفاهيم التي يتناولون بها مجموعة قصصية.. فعملية الرصد والمتابعة وتطبيق المناهج على الابداعات غير موجودة الآن.. ويقول النقاد.. كيف اتابع كل هذا؟ .. أما أنا إذا تحدثت بشكل مفصل عن نفسي فأرى من خلال السلاسل الأدبية التي تصدرها مصر والعالم العربي مواهب متعددة تبشر بالخير.. دون أن أذكر أسماء لكن لا شك أن هناك حركة ابداعية روائية مزدهرة وأرجو أن تتاح لها الفرصة.

وسئل الحمامصي أيضأ: وكيف ترى قضية الفجوة بين القارئ والمبدع؟.

وهنا أجاب قائلاً:" عندما نقول أن القارئ القديم لم يعد له وجود وأن الكتاب يشكون من عزلتهم بسبب زيادة أجهزة الإعلام والقنوات التلفزيونية فإننا نبالغ بقدر كبير.. لأن مهما تعددت لدينا وسائل الجذب فلن تعادل وسائل الجذب في الغرب رغم ذلك لا يزال الكتاب هناك هو سيد الموقف وضمير الحضارة.. لأن هناك يوجد الوعي بالكتاب وقيمته".

وحول روايته بئر الأحباش سئل الحمامصي هذا السؤال: ماذا أضافة بئر الاحباش مجموعتك الأخيرة للكتابة الأسطورية التي اندرجت المجموعة تحتها؟.

وهنا أجاب قائلاً: الشيء المميز للمجموعة والتي صدرت عام 1994 هو أنها ربطت الاسطورة بالواقع لم تجعل الأسطورة شيئاً خرافياً منعزلاً عن الناس، بالاضافة إلى أن أصدق التجربة هو ما جعل لها هذا التفرد ؛ حيث تقوم بئر الاحباش على تجربة خاصة عايشتها منذ كنت طفلاً صغيراً في صعيد مصر، ومن أهم التعليقات النقدية التي اذكرها حول المجموعة، هي أن المجموعة تندرج تحت الكتابة الحداثية بمعنى الحداثة هي الأسلوب للعصر والذي يجعل متلقي العصر لا يشعر أن ما يراه قد حدث في زمن مضى.

ويستطرد الحمامصي فيقول:" فالحداثة هي الوعي بالعصر وبالأساليب الفنية المتعددة والحداثة هي الإضافة وليست هي الانسلاخ، ولكن ما أكثر ما نراه الآن من تهويمات شكلية ولا تترك شيئاً في ذهن المتلقي، والدليل أننا عندما نقرأ المعري والجاحظ، فنجدهم يكتبون حداثة، فلا نشعر بالانفصال عن كتاباتهم.

وفيما يتعلق بروايته فتيات حفلة العاشرة سئل الحمامصي هذا السؤال: أخيراً ما هي أحدث كتاباتك التي لم تصدر بعد؟.

وهنا أجاب الحمامصي قائلاً: " هي الرواية الاولى في حياتي بعد 40 عاما من الكتابة، وهي بعنوان فتيات حفلة العاشرة، وقد انجزت فيها جزءً كبيراً وهاماً، ولكن لا يزال هناك جزء باق.. وقد يندهش القارئ عندما يعلم أنني أصدرت كتابة اطلقت عليها اسم رواية، عندما كنت في الرابعة عشرة تحت عنوان "بين أحضان السعادة والشقاء"، وتمت طباعتها على نفقة تلاميذ أخميم بلدتي.. أما القصة القصيرة فما أكثر المجموعات الموجودة في مسودات، لكن لم يحن وقت وضعها في آلات الطباعة.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

صالح الطائيشيوعي عراقي لا أعرفه، جمعتني به زنزانة واحدة، كان ذلك عام 1977 في مديرية الأمن العامة، يوم اعتقلوني، وأخذوني، وأدخلوني إلى مكان قذر ضيق شبه مظلم، فوجدته هناك يئن ويتوجع وكأنه عاش فيه من زمن الطوفان. كان هيكلا بشريا لا أكثر، وقد ترك التعذيب الوحشي آثاره على كل بدنه، تعذيب سرق ملامحه وشكل ولون بشرته الذي تحول إلى ألوان حمراء وسوداء وصفراء، وقد فارقته بعض أسنانه التي تلقت ضرباتهم ولم تقوى على الصمود، وصادروا الكثير من أظفار يديه؛ التي جردوه منها خوف أن تكون أسلحة دمار شامل.

لم يتحرك ولم تبدر منه أي كلمة حتى ظننت أنه مقطوع اللسان أو لا يقوى على تحريك أطرافه، ولم يرد علي حينما حاولت محادثته سوى بكلمة "شيوعي"، مما اضطرني إلى الجلوس في إحدى زوايا الزنزانة منتظرا مصيرا أعرفه، فقد سبقني إليه الكثير من الشباب. وفجأة سمعتهم يأمروني بالوقوف، كان الوقت قد تجاوز العاشرة ليلا فساعتي كانت يومها لا تزال تعمل، أخذوني وأنزلوني إلى سرداب مليء بماء متعفن نتن الرائحة تسبح فيه الجرذان وجثث من لم يحتملوا ذلك الموقف. لا أدري كم قضيت من الوقت قبل أن يأمروني بالتوجه إلى الباب التي كانت مصدر الضوء الوحيد، فأخرجوني وألقوني على أرض يابسة وبدأوا حفل السلخ والتقطيع، أكثر من خمسة (كيبلات) كانت تتراقص على جسدي وهي تعزف رائحة الحقد الوحشي وتفضح كم الحقارة والدناءة الذي يحمله بعض المحسوبين على البشر، وحينما أنهكوا، سحبني أحدهم إلى باب الزنزانة ثم فتحه ودفعني بأقدامه إلى داخلها.

حينها لم أكن أشعر بما يدور حولي، ولكني شعرت بيديه تمسحان القذارة عن وجهي، وحينما نظرت إليه كانت هناك دمعتان تصارعان لكي لا تخرجا وتفضحا ضعفه، بدأ يمزق قطعا من قميصه ويضمد جراحي، ثم تكلم! قال لي: اصمد فهم أضعف منك، وعاد إلى مكانه. ليلتها فارقني النوم، ولأن ساعتي انتحرت مثلي وتوقفت لم أعد أشعر بالوقت، وحينما حل الصباح، دخل اللصوص ليسرقوه مني، فنادى الذي في الداخل على سيده: سيدي هذا مات! فقال له: اتركه في مكانه.

سبعة عشر يوما مرت وأنا في كل يوم أتوقع من صديقي الشيوعي الطيب أن ينظر إلي ويكلمني، ولكن رائحة جسده المتفسخ والدود الذي يقتات عليه كانت تخبرني أن دوري سيحين ولو بعد حين. في صبيحة اليوم الثامن عشر جاءوا يحملون كيس نايلون ووضعوا بقاياه في الكيس وحملوه وخرجوا، صحيح أن الرائحة لم تفارقني إلا أن قطع قميصه التي ضمد بها جراحي كانت لا تزال معي تذكرني بصديق عرفته لساعات كانت كأنها العمر كله. وفي الليلة الأولى التي كان مكانه شاغرا فيها لا أحد يئن فيه، سمعته يحدثني من خلف أكوام من التراب:

يا صديقي لستُ وحدي .. فمعي كل السنابل والبلابل... ومعي كل الورود... ومعي كل المطارق والمناجل.. ومعي كل الدروب من الشمال إلى الشمال ومن الجنوب إلى الجنوب.. ومعي كل المحاسن والعيوب.. ومعي شمس الظهيرة.. ومعي صحراء عمري.. ومعي الليلة المطيرة... ومعي حب العذارى والعشيرة... وجموع الكادحين.. والجميل من السنين.. ومعي عشق الحسين... وقطيع المعصمين.. ومعي أطياف ذاك الحلم النازف قهرا.. شنقته فئران العصابة.. في زنازين الرذيلة.. ورجال الأمن أقاموا حفل شواء وعناقات الكؤوس تتحدى الصرخات، جسدي نار تلظت... ومعي آهات ظهري.. ومعي أوجاع عمري.. ومعي آهة صبري.. جيل قهري .. وبقايا  من دعاء الأمهات.

يا صديقي أنا من أيار يشرق بدري.. انا من باع الحياة  أملا بما هو آت.. جئت كي أعلن ذاتي... أنا من أعطى سنين العمر، واشترى شرف القضية، لم أرض بالدنية. انا شهر النور والأفراح.. أنا مفتاح الصباح.. أنا قصة الأجيال.. أنا ينبوع قضية.. أنا آهات الصبية.. ضحكة الطفل بصدري تتردد، وسنين العشق في بالي تعود وحكاياتي، وابنة الجيران والرفاق والزقاق والموت والحياة والعناق، خبأتها في تقويم الأول من أيار، أملا في أن يطلع النهار ويرحل الصبار وتفتح الوردات بتلاتها، ويلبس الأطفال أثواب عيدهم، ويشمخ الرجال. يا صديقي نسيت أن أخبرك أني أنا عيد الكادحين .. أنا عيد الأغلبية.. أنا قصة وقضية. فأنا أصرخ من تحت الأنقاض عل من يسأل عني يدري أني ضعت في زمن الطغاة، ومعي ضاعت حروف الحق وتاهت الأبجدية.

وشاءت إرادة الله أن لا أموت في تلك الواقعة، وأن أعيش لأرى أيام التغيير وأرى أحلام وآمال صديقي الشيوعي ضاعت كلها.. وضاعت القضية.. وضاع عيد الجائعين عيد الأغلبية.. وصدقت نبوءة صديقي الذي أجهل اسمه ولكن هناك ألف ذكرى له في خاطري منها ذكرى الأول من أيار أن التضحيات خدعة لا يشعر بتفاهتها إلا من خسر عمره من أجل لا شيء.

 

صالح الطائي