سهيل الزهاويعندما انبش في صندوق الذاكرة ينضب من مساماتها ثقل الفصول المتراكمة من الأحداث في مرحلة من مراحل التاريخ السياسي المترع بالمأساة الإنسانية، في بلد هيمنت عصابة فاشية على مقدرات الشعب. ليس من السهل ان ينسى المرء تلك الايام الصعبة التي ظلت راسخة في ذهني بكل جزئياتها، رغم مرور سنوات مضت إلا أننا نتذكر ونصحو على فصل من حياتنا السابقة لنروي للأجيال القادمة عنها.

لقد أضحت بغداد مدينة كئيبة موحشة، حيث استنزفت قدراته الاقتصادية كليا بعد الحرب الطاحنة التي دارت رحاها بين الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة الامريكية والجيش العراقي المحتل لدولة الكويت والتي انتهت في إخراج الأخير منها وكسر شوكة الطاغية صدام حسن.

وفي ظل هذه التطورات تزامنت معها إشعال انتفاضة آذار المجيدة في عام 1991 التي تمكنت الاجهزة الامنية القمعية من اخمادها في جنوب ووسط العراق، وتحرير مساحات كبيرة من المدن الكردستانية، التي باتت تحت سيطرة الجبھة الكردستانية.

بعد اندحار الجيش العراقي في الكويت وإعلان الحصار الاقتصادي على العراق من قبل الأمم المتحدة، لم يكن حرارة الصيف قد ودعنا تماماً ولا زلنا في بداية الخريف 1991، عندما قرر قيادة الحزب الشيوعي العراقي إرسال الرفيق عادل حبة (أبو سلام) عضو اللجنة المركزية للحزب إلى العمل في تنظيم الداخل في بغداد بعد ان تطوع الرفيق أبو سلام بنفسه للعمل في عقر دار الفاشية. والرفيق ابو سلام غني عن التعريف بمواقفه المشهودة كما يتمتع بشخصية متميزة مفعما بالإنسانية وحب الناس. وعبر تاريخه النضالي الطويل ضد النظام الملكي والانظمة الدكتاتورية المتوالية على العراق، كان نموذجاً للتضحية والفداء ونكران الذات، وكنزاً من المعلومات حول تجربة السجون والصمود تحت التعذيب، فضلاً عن قيم الانضباط الحزبي في المهمات النضالية الكثيرة.

انطلقت بنا سیارة الحزب من مدینة اربیل متوجهةً صوب مدینة السليمانية، حيث هناك كنا في ضيافة الفقيد المهندس فاروق قادر.

كان الرفيق ابو سلام َله َرغبة ملحة للقاء الفقيد السيد جلال الطالباني رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني ورئیس جمهورية العراق سابقاً للاطلاع عن قرب على توجهات وسياسة الحركة الكردية آنذاك . وفعلا تم اللقاء بحضور الفقيد الدكتور عزالدین مصطفى رسول وقد جرى في ھذا اللقاء بحث الأوضاع في العراق وكردستان وتوجهات الأحزاب وطلبنا من السيد الطالباني بعدم إعلان اللقاء لأسباب أمنية.

في اليوم الثاني توجه كاتب السطور والرفيق ابو سلام الى النقليات. استقلينا سيارة أجرة واخذنا المقعد الخلفي كي لا يشاركنا أحد. اما المقعد الأمامي فكان من نصيب شابان وهم من ابناء نفس مدينتي، ومن حسن الحظ لم يتمكنا من التعرف عليَّ.

قبل سفرنا حصلتُ للرفيق ابو سلام ھویتین شخصیتین أحدهما كونه موظف كردي من السليمانية حتى يتسنى له العبور بسلام في سيطرات البيشمركة والثاني متقاعد من بغداد.

وهكذا بدأت رحلتنا الشاقة. بعد ان انطلقت سيارة التاكسي مع الريح، كنت أجول بناظري من خلف زجاج نافذة السيارة وأرنو الى البنايات الشاھقة وشوارعها وتذكرت سنوات اقامتي فیھا وشدو الحانها الجميلة. انتابني شعور يتدفق شجناً. هل ستكون رحلتنا هذه رحلة الوداع الاخير الى الابد؟ أم سأعود مرة أخرى الى ھذه المدینة الجميلة؟

بدأت رحلتنا الطويلة الى مدینة الطوفان، ومیاھا غمرت كل أزقتها وشوارعها منذ زمن بعید، كلما ابتعدت السيارة تختفي مدینة السلیمانیة رويدا رويدا خلف المنحدرات وانعطافات الطريق، بعد ان كانت قبل لحظات مضت في نھار باهر وصاف وأضوائها خالیة من الھموم نسبيا بعد انتفاضة آذار ونحن في طريقنا الى مدينة بغداد التي تقبع في ليل حالك السواد، وكانت كردستان آنذاك الملاذ الآمن الوحيد بعد انتفاضة اذار المجيدة في عام 1991، وما أصعب الحياة عندما يشعر المرء وھو في داخل وطنه غریباً.

في سيطرتيّ السليمانية وجمجمال لم تحدث اية مشاكل تذكر فيما يتعلق بالأوراق الثبوتية. عندما دنت السيارة من سيطرة كركوك راودنا بعض القلق والتوجس ولكن حافظنا على رباطة جأشنا. هنا التفتيش يحوطه التشديد والريبة.  أجهزة السلطة الامنية كانت لها اليد الطولى هنا. وحال وصولنا الى سيطرة طوزخورماتو طفقت عمليات التفتيش تأخذ منحى آخر. التدقيق والتعمق في الأسئلة. بدأت التفتيش الدقيق للھویات والحقائب. لن أستطيع نسيان ھذا اليوم، قام أحد المنتسبين بفتح حقيبة عادل حبة، تلك الحقيبة التي اتفقنا مسبقاً انها عائدة لي. لم أكن أتوقع شیئا مثیراً في الحقیبة التي یحملھا الرفیق عادل حبة. عندما بدأ الضابط بفتح الحقيبة، أمسك بـرزمة من الأوراق البيضاء التي تستخدم في جھاز الرونيو لطبع البیانات ورزمة من الظروف البریدیة، وراح يدقق في الأوراق ويتفحص في كل ورقة على حدة، مما أثار في نفسه الشبهات. هذا حدث في سيطرة طوزخورماتو. كنت حينها واقفاً خلف السيارة وانظر الى الضابط ودقات قلبي تتسارع حتى تراءى لي بأن العسكري يسمع تلك الدقات ايضا، وقفت صامتا برھة من الزمن، وكنت خائفا من أن الرفیق قد نسى مقالة أو بیان للحزب بین ھذه الأوراق استجمعت قوايَّ النفسية لمواجهة اي احتمال طارئ.

ما ھذه الأوراق والظروف البریدیة؟ قاله فجأة بصوت خافت ولكن بسرعة ولا زال يحمل عدد من الأوراق في يده وصب تركيزه عليها بينما بقي رأسه مُنحنٍ، واجبته دون تردد، كوني تاجر احتاج الى اوراق للحسابات، حيث كنت أحمل ھویة مزورة كتاجر، صادرة من غرفة تجارة السلیمانیة، وقال وھو یوجه عینیه السوداوین محدقتين نحوي وكأنهما من حجر. كانت المرة الأولى التي ينظر الي فیھا نظرة كاملة حتى اتسعت محجريهما. بدأت أفكر بجدیة فیما سأفعله لو قُبض عليَّ وكنت أفكر بمصیر الرفیق ابو سلام في ھذه اللحظة. وتابع كلامه.  ألا توجد أوراق في بغداد؟ كان عليَّ أن ابرر الأمر وھذا ما فعلته.

على وجه السرعة ولكنني لم أفكر ماذا ستكون العاقبة وقلت له: نعم يوجد ولكن لا يوجد وقت لدي لكي أذهب إلى السوق لشرائه. فسكت واغلق الحقيبة.

شعرت بهدوء عميق. كانت لحظات صعبة تلك التي أمضیتھا مع الضابط وبعد ذلك اختفى كل توتري وتحركت السيارة متوجهة نحو المصیر المجھول. بدأت أفكر بطريقة أكثر عقلانية في تبرير وجود هذه الأوراق. فالقادم أكثر صعوبة وتعقيدا وهو سيطرة بغداد. وهي السیطرة الاخیرة وعلینا أن نجتازها بأمان، وجدار المصاعب لیس عصیاً، لنصل إلى الرفاق، لقد قطعنا شوطا طويلا ومررنا بستة سيطرات كل شيء سار على ما يرام، ولم تبق سوى هذه النقطة الخطرة التي تحدد مصيرنا نحو الضفة الاخرى. كنت أفكر مليا بقلق واضطراب وعشرات الأسئلة تحفر دماغي وكنت اھئ نفسي للإجابة علیھا وكان ھمي الوحید أن یصل الرفیق ابو سلام بأمان الى بغداد. عند وصولنا الى سیطرة بغداد كانت بعكس كل تصوراتنا وتوقعاتنا. كان هناك رجل واحد قصير القامة. ذو جسم ممتلئ يلبس الملابس المدنية. سار نحو السيارة وطلب منا النزول لتفتيش الحقائب ولم يكن في صندوق السيارة غیر حقیبة الرفیق ابو سلام، نزلت في الحال من السیارة. قبل أن يفتش الحقيبة طلب رجل الأمن مني الهوية. وعندما تأكد بأنني تاجر، دار بيننا حديث ودود ونسى أن يأخذ الھویات من الآخرين. بادرني بالسؤال، فيما لو كان لدي مكتب تجاري في بغداد، ھززت رأسي بالنفي واسترسلُت في الكلام، انا اشتري المواد وانقله الى كركوك ولدي مخازن ھناك. عقب انتھاء حديثنا، سَمح لنا بالمرور. ھكذا وصلنا الى ساحة النھضة في بغداد بأمان بعد أن تخلصنا من كافة السيطرات واستقلينا سيارة تاكسي ومررنا بساحة التحرير. كانت الساحة تعج بالسيارات، والمكتظة بالناس وترجلنا من التاكسي في ساحة النصر واتفقنا ان نلتقي بعد ساعة عند مطعم للكباب الواقع في جھة الیمين من الساحة ويكون موعدنا في ھذا المكان لحين اعلام رفاق الحزب بوصول الرفيق عادل حبة الى بغداد. بعد أن اتفقت مع الرفاق حول المكان المطلوب إيصاله استقلينا سيارة تاكسي وتوجھنا الى هناك حيث رفاق الحزب. هكذا وصلنا بأمان.

ھناك بعض الأعاجيب لولاھا لاصبحنا في عداد الموتى.

 

سھیل الزهاوي

2997 سهيل الزهاوي وعادل حبة

* منقول من مدونة عادل محمد حسن عبد الھادي حبه

سیرة ذاتیة

ولد في بغداد في محلة صبابيغ الآل في جانب الرصافة في أيلول عام 1938 ميلادي.

في عام 1944 تلقى دراسته الإبتدائية، الصف الأول والثاني، في المدرسة الھاشمیة التابعة للمدرسة الجعفرية، والواقعة قرب جامع المصلوب في محلة الصدرية في وسط بغداد

انتقل الى المدرسة الجعفرية الإبتدائية - الصف الثالث، الواقعة في محلة صبابيغ الآل، وأكمل دراسته في ھذه المدرسة حتى حصوله على بكالوريا الصف السادس الإبتدائي

انتقل إلى الدراسة المتوسطة، وأكملها في مدرسة الرصافة المتوسطة في محلة السنك في بغداد

نشط ضمن فتيان محلته في منظمة أنصار السلام العراقية السریة، كما ساھم بنشاط في اتحاد الطلبة العراقي العام الذي كان ينشط بصورة سرية في ذلك العھد. أكمل الدراسة المتوسطة وانتقل إلى الدراسة الثانوية في مدرسة الإعدادية المركزية، التي سرعان ما غادرھا ليكمل دراسته الثانوية في الثانوية الشرقية في الكرادة الشرقية جنوب بغداد

في نھایة عام 1955 ترشح إلى عضوية الحزب الشیوعي العراقي وھو لم يبلغ بعد الثامنة عشر من عمره، وھو العمر الذي يحدده النظام الداخلي للحزب كشرط للعضوية فیه

اعتقل في موقف السراي في بغداد أثناء مشاركته في الإضراب العام والمظاھرة التي نظمھا الحزب الشیوعي العراقي للتضامن مع الشعب الجزائري وقادة جبھة التحرير الجزائریه، الذين اعتقلوا في الأجواء التونسية من قبل السلطات الفرنسية الاستعمارية في صيف عام 1956

دخل كلية الآداب والعلوم الكائنة في الأعظمية آنذاك، وشرع في تلقي دراستھ في فرع الجیولوجیا في دورته الثالثة

أصبح مسؤولاً عن التنظيم السري لاتحاد الطلبة العراقي العام في كلية الآداب والعلوم إضافة إلى مسؤوليته عن منظمة الحزب الشیوعي العراقي الطلابية في الكلية ذاتها في أواخر عام 1956. كما تدرج في مهمته الحزبیة لیصبح لاحقاً مسؤولاً عن تنظيمات الحزب الشيوعي في كليات بغداد آنذاك

شارك بنشاط في المظاهرات العاصفة التي اندلعت في سائر أنحاء العراق للتضامن مع الشعب المصري ضد العدوان الثلاثي الإسرائيلي- الفرنسي البريطاني بعد تأميم قناة السويس في عام 1956

بعد ثورة تموز عام 1958، ساھم بنشاط في إتحاد الطلبة العراقي العام الذي تحول إلى العمل العلني، وانتخب كرئيسا لإتحاد في كلیة العلوم- جامعة بغداد، وعضواً في أول مؤتمر لإتحاد الطلبة العراقي العام في العھد الجمھوري، والذي تحول أسمه إلى اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقیة. وفي نفس الوقت أصبح مسؤول التنظيم الطلابي للحزب الشيوعي العراقي في بغداد والذي شمل التنظيمات الطلابية في ثانويات بغداد وتنظيمات جامعة بغداد، التي أعلن عن تأسیسھا بعد انتصار الثورة مباشرة

أنھى دراسته الجامعية وحصل على شھادة البكالوريوس في الجیولوجیا في العام الدراسي 1960-1959. وعمل بعد التخرج مباشرة في دائرة التنقيب الجيولوجي التي كانت تابعة لوزارة الاقتصاد

حصل على بعثة دراسية لإكمال الدكتوراه في الجیولوجیا على نفقة وزارة التربیة والتعلیم العراقیة في خریف عام 1960. تخلى عن البعثة نظراً لقرار الحزب لإیفاده إلى موسكو-الإتحاد السوفییتي للدراسة الاقتصادية والسياسة في أكاديمية العلوم الاجتماعیة-المدرسة الحزبية العلیا. وحصل على دبلوم الدولة العالي بدرجة تفوق بعد ثلاث سنوات من الدراسة ھناك

بعد نكبة 8 شباط عام 1963، قرر الحزب إرساله إلى طهران – إیران لإدارة المحطة السرية التي أنشأها الحزب لإدارة شؤون العراقیین الھاربین من جحیم إنقلاب شباط المشؤوم، والسعي لإحياء منظمات الحزب في داخل العراق بعد الضربات التي تلقاھا الحزب إثر الإنقلاب. اعتقل في حزيران عام 1964 من قبل أجھزة الأمن الإیرانیة مع خمسة من رفاقه بعد أن تعقبت أجھزة الأمن عبور المراسلین بخفة عبر الحدود العراقیة الإیرانیة. وتعرض الجمیع إلى التعذيب في أقبية أجھزة الأمن الإیرانیة. وأحيل الجميع إلى المحكمة العسكرية في طھران. وحكم علیه بالسجن لمدة سبع سنوات، إضافة إلى أحكام أخرى طالت رفاقه وتراوحت بین خمس سنوات إلى سنتين، بتھمة العضویة في منظمة تروج للأفكار الاشتراكية

أنھى محكومیته في أيار عام 1971، وتم تحویله إلى السلطات العراقية عن طريق معبر المنذرية- خانقین في العراق. و انتقل من سجن خانقین إلى سجن بعقوبة ثم موقف الأمن العامة في بغداد مقابل القصر الأبيض. وصادف تلك الفترة ھجمة شرسة على الحزب الشیوعي، مما حدى بالحزب إلى الإبتعاد عن التدخل لإطلاق سراحه وعمل الأھل على التوسط لدى المغدور محمد محجوب عضو القيادة القطرية لحزب البعث آنذاك، والذي صفي في عام 1979 من قبل صدام حسین، وتم خروجه من المعتقل

عادت صلته بالحزب وبشكل سري بعد خروجه من المعتقل. عمل بعدئذ جیولوجی في مديرية المیاه الجوفیة ولمدة سنتین. وشارك في بحوث حول الموازنة المائية في حوض بدره وجصان، إضافة إلى عمله في البحث عن مكامن المیاه الجوفیة والإشراف على حفر الآبار في مناطق متعددة من العراق

عمل مع رفاق آخرين من قيادة الحزب وفي سرية تامة على إعادة الحیاة لمنظمة بغداد بعد الضربات الشديدة التي تلقتھا المنظمة في عام 1971. وتراوحت مسؤولياته بين منظمات مدینة الثورة والطلبة وريف بغداد. اختير في نفس العام كمرشح لعضوية اللجنة المركزية للحزب

استقال من عمله في دائرة المیاه الجوفیة في خريف عام 1973، بعد أن كلفه الحزب بتمثيله في مجلة قضايا السلم والاشتراكية، المجلة الناطقة بإسم الأحزاب الشیوعیة والعمالية العالمية، في العاصمة الجیكوسلوفاكیة براغ. وأصبح بعد فترة قلیلة وفي المؤتمر الدوري للأحزاب الممثلة في المجلة عضواً في ھیئة تحریرھا. وخلال أربعة سنوات من العمل في ھذا المجال ساھم في نشر عدد من المقالات فیھا، والمساھمة في عدد من الندوات العلمية في براغ وعواصم أخرى

عاد إلى بغداد في خريف عام 1977، ليصبح أحد إثنين من ممثلي الحزب في الجبھة التي كانت قائمة مع حزب البعث، إلى جانب المرحوم الدكتور رحيم عجينة. وأختير إلى جانب ذلك لينسب عضواً في سكرتارية اللجنة المركزية ویصبح عضواً في لجنة العلاقات الدولية للحزب

في ظل الھجوم الشرس الذي تعرض له الحزب، تم اعتقاله مرتین، الأول بسبب مشاركته في تحریر مسودة التقرير المثير للجنة المركزية في آذار عام 1978 وتحت ذريعة اللقاء بأحد قادة الحزب الديمقراطي الأفغاني وأحد وزرائھا عند زیارته للعراق. أما الاعتقال الثاني فيتعلق بتھمة الصلة بالأحداث الإیرانیة والثورة والمعارضين لحكم الشاه، ھذه الثورة التي اندلعت ضد حكم الشاه بداية من عام 1978 والتي انتھت بسقوط الشاه في شتاء عام 1979 والتي أثارت القلق لدى حكام العراق

اضطر إلى مغادرة البلاد في نھایة عام 1978 بقرار من الحزب تفادیاً للحملة التي اشتدت ضد أعضاء الحزب وكوادره. واستقر لفترة قصیرة في كل من دمشق والیمن الجنوبیة إلى أن انتدبه الحزب لإدارة محطته في العاصمة الإيرانية طھران بعد انتصار الثورة الشعبیة الإیرانیة في ربيع عام 1979. وخلال تلك الفترة تم تأمین الکثیر من احتیاجات اللاجئين العراقيين في طھران أو في مدن ایرانیة أخرى إلى جانب تقديم العون لفصائل الانصار الشیوعیین الذين شرعوا بالنشاط ضد الدیكتاتوریة على الأراضي العراقية وفي اقليم كردستان العراق. بعد قرابة السنة، وبعد تدھور الأوضاع الداخلية في إیران بسبب ممارسات المتطرفين الدینیین، تم إعتقاله لمدة سنة ونصف إلى أن تم إطلاق سراحه بفعل تدخل من قبل المرحوم حافظ الأسد والمرحوم ياسر عرفات، وتم تحویله إلى سوریا

خلال الفترة من عام 1981 إلى 1991، تولى مسؤولية منظمة الحزب في سوریا والیمن وآخرھا الإشراف على الإعلام المركزي للحزب وبضمنھا جريدة طريق الشعب ومجلة الثقافة الجديدة

بعد الانتفاضة الشعبية ضد الحكم الديكتاتوري في عام 1991، انتقل إلى إقليم كردستان  العراق. وفي بداية عام 1992، تسلل مع عدد من قادة الحزب وكوادره سراً إلى بغداد ضمن مسعى لإعادة الحياة إلى المنظمات الحزبية بعد الضربات المھلكة التي تلقتھا خلال السنوات السابقة. وتسلم مسؤولية المنطقة الجنوبية حتى نھایة عام 1992، بعد أن تم إستدعائه وكوادر أخرى من قبل قيادة الحزب بعد أن أصبح الخطر یھدد وجود ھذه الكوادر في بغداد والمناطق الأخرى

اضطر إلى مغادرة العراق في نھایة عام 1992، ولجأ إلى المملكة المتحدة بعد إصابته مرض عضال

تفرغ في السنوات الأخيرة إلى العمل الصحفي. ونشر العديد من المقالات والدراسات في جريدة طريق الشعب والثقافة الجديدة العراقیة والحیاة اللبنانیة والشرق الأوسط والبيان الإماراتية والنور السوریة وكار الإیرانیة ومجلة قضايا السلم والاشتراكية، وتناولت مختلف الشؤون العراقیة والإیرانیة وبلدان أوروبا الشرقية. كتب عدد من المقالات بإسم حمید محمد لاعتبارات احترازية أثناء فترات العمل السري

یجید اللغات العربیة والإنجليزية والروسية والفارسية متزوج وله ولد وبنت وحفیدان

 

 

محمود محمد علييعد الشعر الجاهلي مادة ثرية للدراسات الأدبية تفيض بالأصالة وتمتلئ بالصور الموحية، إلي جانب كونها وثيقة تاريخية مهمة، تحفظ على الأمة أخبار الماضين وتجاربهم، وتطلع الأبناء على آثار الأجداد ومآثرهم،ومن ذلك أخبار مؤسفة دارت بين أبناء بكر وتغلب ابني وائل، تقدم دروسا عن عواقب الظلم والعدوان، وعواقب احتراب الإخوة وتجاهل الروابط الجامعة، والانجراف وراء العاطفة والعصبية القاتلة .

وكان من أعلام المشاركين فيتلك الحرب شاعر سيد في قومه بني بكر؛ هو الحارث بن عباد، الذي كانت حياته وشعره موضوعا لنيل درجة الماجستير في الآداب من جامعة دمشق، وكان بعنوان (الحارث بن عباد: حياته وشعره)، إذ كان له أثر واضح في تلك الحرب، وكان مار روي له من أشعار حافلا بتاريخ أحداثها وأيامها .

والحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل (و.؟ – 550)، هو شاعر وفارس جاهلي شهير، من فحول شعراء الطبقة الثانية، وأمير بني ضبيعة. كان الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة من بني بكر (توفي سنة 74 ق. هـ. – 550 م) أحد سادات العرب وحكمائها، وشاعراً مقلاً ومجيداً، وفارساً لا يشق له غبار.

اشتهر بالحكمة، والتوسط بين قومه بني بكر، وبين أبناء عمهم بني تغلب، وشهد مقتل كليب بن ربيعة التغلبي على يد جساس البكري عمرو بن مرة البكري، واندلاع حرب البسوس بين تغلب وبكر، فاعزلها مع قبائل من بكر، لكنه سعى بين الطرفين المتصالحين بالصلح طوال فترة الحرب التي دامت أربعين عاماً.

ولد الحارث قبل عام الفيل بـ 51 سنه، في الشعيبة غرب مكة المكرمة، من عشيرة حنيفية يمتهن اغلب افرادها صناعة السفن، ونشأ في الشعيبة وتعلم القراءة والكتابة والانساب في سن مبكرة، وكان يرتاد النوادي الادبية في مكة والطائف، من اشهرها عكاظ ودار الحكمة.

‎ كان والده عباد بحاراً يسافر كثيراً، وقد سافر الحارث مع والده عدة مرات الى الحبشة، وكانت والدته نائلة قرشية، فعرفه اهل مكة من قريش.

‎ شارك الحارث بن عباد مع فرسان العرب في معركة خزاز ومعركة هرجاب ضد ابرهة الحبشي وقتل مائة وعشرون حبشي، واعتزل حرب البسوس، لكن بعد مقتل ابنه بجير على يد الزير سالم، دخل الحارث في الحرب وخاض معركة ضد الزير سالم.

‎ تقابل الحارث بن عباد مع عنترة بن شداد في سوق عكاظ بالطائف، وكان الحارث قد بلغ السبعين من العمر، فمد يده لمصافحة عنترة الذي كان شاباً وكلٍ شد يده لآخر حتى سال الدم من يد عنتره وقال الحارث وهو يضحك لو انك في شبابي سُميت عنزه لا عنتره، فتعجب عنترة من قوة الحارث، وانتصاب جسده.

‎ توفي الحارث بن عباد، عن 74 سنة، بعد عام الفيل بـ 23 سنه، في الشعيبة (غرب مكة) ودفن بها.

كذلك كان الحارث بن عباد رجلا فاضلا، عاش حياته يعتزل الحرب التى دارت سنوات طويلة بين قبيلتى بكر وتغلب (بعد مقتل كليب وائل) على يد (جساس)، الحرب التي اندلعت قبل الإسلام ونعرفها نحن بحرب البسوس، بل إن الحارث راح يسعى فى الصلح،، ولكن المهلهل رفض الصلح وقتل ابنه بُجيراً، فثار الحارث ونادى بالثأر، فرثاه يقول:

لم أكن من جناتها علم الله/ وإنى لحرها اليوم الصال

قد تجنبت وائلا كى يفيقوا/ فأبت تغلب علىًّ اعتزالى

وأشابوا ذؤابتى ببجير/ قتلوه ظلما بغير قتال

قتلوه بشسع نعل كليب/ إن قتل الكريم بالشسع غال

تقول القصة إن الحارث بن عباد كان يحمل قيما وأخلاقا عظيمة، وفى ظل سعيه الدائم للصلح بين الطرفين، عرض ابنه "بجير" على المهلهل بن أبى ربيعة المعروف فى التراث الشعبى بالزير سالم كفداء لمقتل أخيه "كليب" ولإخماد الحرب القائمة بين أبناء العمومة، إلا أن (المهلهل) قتل "بجير" وصاح وهو يقتله "بؤ بشسع نعل كليب" أى أنك ستموت فقط فداء لـ "أربطة حذاء كليب".

قربـا مربـط النعامـة منـى/ ليس قولى يـراد لكـن فعالـي

قربـا مربـط النعامـة منـى/ شاب رأسى وأنكرتنى الغوالي

قربـا مربـط النعامـة منـي/ طال ليلى على الليالى الطـوال

قربـا مربـط النعامـة منـى/ كلما هب ريـح ذيـل الشمـال

قربـا مربـط النعامـة منـى/ لبجـيـر مفـكـك الأغــلال

قربـا مربـط النعامـة منـى/ لا نبيع الرجـال بيـع النعـال

ومن شدة غضبه قال والله لا أكفّ عن تغلب حتى تكلمني فيهم الأرض. ودارت الدوائر على تغلب بعد أن انضم ابن عباد إلى بكر في حربها على تغلب وأثخن فيهم لدرجة أن أهل تغلب حفروا سرداباً تحت الأرض وأدخلوا رجلاً فيه فلما مرّ الحارث أنشده:

أبا منذر أفْنيْتَ فاسْتبقِ بعضَنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض.. فقالوا للحارث قد كلمتك الأرض وبررت بقسمك فأبقهم واترك الحرب، فتركها بعد ذلك.

وبالفعل عندما دخل الحارث بن عباد المعركة تغير كل شيء، دارت الدائرة على المهلهل ورجال تغلب وانهزموا، وأسرَ المهلهل وجزّ له شعره وأطلقه إذلالاً له، وأقسم أن لا يكف عن تغلب حتى تكلمه الأرض فيهم، فأدخلوا رجلاً في سَرب تحت الأرض ومرَّ به الحارث، فأنشد الرجل:

أبا المنذر أفنيتَ فاستبقِ بعضنا.. حنانيك بعض الشر أهون من بعض.. فأوقف القتال، وتصالح العرب!

في الحرب كان الحارث يطلب رجلاً يُقال له عدي بن أبي ربيعة ليقتله، فبينما هو في بعض معاركه إذ أسرَ رجلاً، وطلب منه أن يدله على عدي بن أبي ربيعة

فقال له الرجل: هل تطلق سراحي إن دللتك عليه؟..فقال: نعم.. فقال الرجل: أنا عدي بن أبي ربيعة!.. فأطلقه الحارث بن عباد وفاءً بوعده!

على جاهليتهم كان فيهم أخلاق وشهامة ومروءة أقرَّ بها الإسلام وقال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق!

يوم تحلاق اللّمم (يوم قضة)، إنما سمّى بذلك لأن الحارث بن عباد لمّا تولّى الحرب قال لقومه: احملوا معكم نساءكم يكنّ من ورائكم، فإذا وجدن جريحا منهم قتلوه، وإذا وجدن جريحا منّا سقينه وأطعمنه، فقالوا: ومن أين يتميّز لهنّ؟ فقال: احلقوا رءوسكم لتمتازوا بذلك، ففعلوا، فسمّى به، فقال جحدر بن ضبيعة- وكان من شجعانهم-: اتركوا لمّتى وأقتل لكم أوّل فارس يقدمهم، فتركوه، وهو الذي قتل عمرا وعامرا التغلبيّان، طعن أحدهما بسنان رمحه، والآخر بزجّه، ثم صرع بعد ذلك، فلمّا رأته نساء بكر دون حلق ظنّوه من تغلب فأجهزوا عليه. وفي هذا اليوم أسر الحارث بن عباد المهلهل عدىّ بن ربيعة وهو لا يعرفه فقال له: دلّنى على عدىّ وأخلى عنك، فقال له عدىّ: عليك العهد بذلك إن دللتك عليه، قال نعم، قال فأنا عدىّ، فجزّ ناصيته وتركه.

وكان الحارث آلى ألّا يصالح تغلبا حتى تكلّمه الأرض، فلمّا كثرت وقائعه في تغلب ورأت تغلب أنها ما تقوم له حفروا سربا تحت الأرض وأدخلوا فيه رجلا وقالوا له: إذا مرّ بك الحارث فغنّ بهذا البيت:

حنانيكَ بعض الشر أهون من بعضِ.. أبا منذر أفنيت فاستبقِ بعضنا

فلما مرّ الحارث اندفع الرجل وغنّى بالبيت، فقيل للحارث قد برّ بقسمك فابق بقيّة قومك، فأمسك، فاصطلحت بكر وتغلب.

وللحارث قصة أخرى تنم عن مدى قوته وصواب عقله وحكمته وهي أن بعد أن قام بتطليق أحد نسائه لتتزوج من رجل أخر ليقوم هذا الرجل بزيارته بعد ذلك ويحدثه قائلا بأنها فضلته عنه ولكن لم يجد الحارث إلا أن رد عليه ببضع كلمات قليلة ولكنها تحمل الكثير والكثير في طياتها وهي”عِشْ رجبًا ترَ عجبًا”، وفي هذا المثل حذف وبلاغة، فهو في الأصل “عش رجبًا بعد رجب ترَ عجبًا”وظل الحارث مشغول بأمور قتال أعدائه حتى قام اثنان من مساعديه بقتله بدماء باردة لتتذكره القبائل وترثيه على أن كان من أفضل الرجال الأقوياء في هذا العصر.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط

..............................

مراجع المقال:

أنظر ديوان الحارث بن عبّاد البكري (ط أبوظبي) - تحقيق أنس عبد الهادي أبو هلال، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، أبو ظبي، 2008.

 

 

نبيل عودةشاركت وانا في نهاية المرحلة الابتدائية، بدورة دراسية فلسفية في إطار حركة الشبيبة الشيوعية في الناصرة، سحرتني الفلسفة، رغم ان بعض الطروحات لم افهمها بشكل واضح في وقته، كنت شابا ناشئا هاويا للأدب ولكتابة القصص، وكانت حركة الشبيبة الشيوعية في قمة تألقها التنظيمي والسياسي والتثقيفي، وهو الأمر الغائب اليوم، من يومها صرت اسيرا للفلسفة وبت استعمل اصطلاحاتها في تفسيراتي للكثير من مواضيع الدراسة، أحيانا بلا فهم كامل لمضمون الاصطلاح، بسبب ذلك انتقدني احد المعلمين بقوله ان الكتابة والحديث عن الفلسفة لا تخدم ثقافة الجيل الناشئ، لأنها ثرثرة بلا مضمون.

لم أكن على دراية كاملة لأعرف كيف أرد عليه، وكيف اشرح أهمية الفلسفة في تطوير التفكير وفهم الواقع الإنساني، لكني رفضت رأيه دون قدرة مني على شرح موقفي، قلت للأستاذ جملة عامة بان الفلسفة هي في صميم التفكير ومجمل العلوم، دون قدرة لتفسير موقفي بشكل واضخ ومفهوم من طالب سحرته الفلسفة وهو بالصف السابع ولم يكن قادرا على تفسير عشقه للفلسفة، وما تركته الفلسفة من أثر على تفكيري ونشاطي السياسي والثقافي، بل قلت جملة عامة ان الذي لم يستوعب الفلسفة التي نشأت في بلاد الاغريق منذ مئات السنين، يبقى وعيه ناقصا.  فلم يجد المعلم من جواب الا ان يسخر مني ويُضحك بعض زملائي الطلاب بوصفي ب “الفيلسوف الذي لا يفقه ما يقول ويعيش بأحلام بعيدة عن الواقع”. ونصحني ان اعود الى عقلي ووعيي، وان اهتم بدروسي وابتعد عن الفلسفة والثرثرة.

اعترف أني غرقت بالصمت والتفكير، وعدم القدرة على تفسير حبي للفلسفة، واستهجاني من عقلية مربي أجيال يجهل قيمة الفلسفة بخلق جيل حر ومفكر ومتحرر من الخرافات والأوهام. لم أكن قادرا على تفسير موضوع الفلسفة كما شرحه لنا المحاضر، (الدورة الفلسفية قدمها في وقته القائد الشيوعي اميل حبيبي) بتأكيده ان الفلسفة ضرورة لجيل ينشد العقل والعلم والمعرفة من اجل احداث نهضة سياسية وفكرية واجتماعية وعلمية في مجتمعنا الذي يعاني من ظواهر مقلقة سياسيا وثقافيا لشعب شرد أكثرية أبناء شعبة وصودرت أراضيه، وبعضه اصبح لاجئا في وطنه بعد هدم مئات البلدات العربية ومنع من العودة اليها، رغم ذلك قسما كبيرا منه يواصل التصويت لمن سبب نكبة شعبه وفرض علية الأحكام العسكرية، وحتى التعليم يخضع لرقابة المخابرات ويجري فصل المعلمين الشرفاء، وبتنا نعاني من القصور الرهيب في التربية السليمة!!

بعد ان حثني المعلم وهو يضحك من جهلي (بالأصح استفزني مرات عديدة) ان اجيب على ملاحظته "وهل اقتنعت بما قاله بان الفلسفة ثرثرة وابتعاد عن الواقع؟"، قلت له باختصار: من اجل مستقبل طلابك قدم استقالتك من التعليم!!

عبس وتجاهلني، لكني رأيت شرر الكراهية يلمع في عينيه، ولم يعد يلتفت الي بل بت أشعر انه يتجاهلني رغم أني كنت من طلاب الصف البارزين، وللأسف نسيت اسمه رغم ان صورته لم تفارق ذهني، ومن حسن حظ الصف انه لم يعلمنا الا نصف سنة وجاء أستاذ جديد آخر بمكانه، عبر عن اهتمامه بقدراتي الفكرية والانشائية!!

بالتلخيص، شكرا لذلك المعلم الذي جعلني احول الفلسفة الى موضوعي المفضل، تركت دراسة هندسة الميكانيكيات بعد سنتين من الدراسة المسائية في التخنيون في حيفا، وسافرت الى دراسة الفلسفة والعلوم الاجتماعية، في معهد العلوم الاجتماعية في الاتحاد السوفييتي آنذاك، في العاصمة موسكو، وأخطأت لأني لم اواصل الدراسة الجامعية للحصول على اللقب الجامعي، رغم ان استاذي الروسي للفلسفة حثني مرات عديدة ان اواصل دراستي الجامعية، لأني كنت متحمسا ان اعود لوطني مناضلا ومثقفا وان انقل ما تعلمته للكوادر الشبابية!!

 

نبيل عودة

 

2996 عبدالرضا عوضلا يمكن الحديث عن الواقع الثقافي والتاريخي والأدبي في مدينة الحلة الفيحاء إلا وتسليط الضوء على دور الباحث والمرخ والمحقق الراحل د. عبد الرضا عِوض، عرفته قبل أكثر من عقد من الزمن، صادق المشاعر، حلو اللقاء، يعتبر لدى المثقفين والباحثين والمؤرخين المرجع والعرّاب، ومحل التساؤل عن كل شاردة وواردة، فقد أرخ تاريخ مدينة الحلةُ الفيحاء ووثّق سيرة علمائها، مُنذ النشأة وحتى يومنا هذا.

بذلَ الراحل عِوض جهده في إظهار الطوبوغرافيا العلمية لتاريخ مدينة الحلة، وتسليط الضوء على جملة الانجازات الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية التي حصلت في الحقب الزمنية السابقة، فضلاً عن الغوص في أعماق التاريخ والخروج بسِفره الثمين وهو (تاريخ الحوزة العلمية في الحلة)، لتحتل وبجدارة موقعها التاريخي والفكري في المكتبة العراقية والعربية، حتى نال درجة الدكتوراه في منجزه هذا.

في صباح يوم الخميس الموافق الحادي عشر من تشرين الثاني 2021 وبتمام الساعة الثانية رَحلً المؤرخ والمحقق والباحث د. عبد الرضا عوض، تاركاً خلفهُ أثراً طيباً وأرثاً ثقافياً وأدبياً. فقد رثاه الكتّاب والأدباء والصحافة والمنظمات المهنية والاجتماعية، لكن الحكومة المحلية في بابل تَنّكَرت لهذا المؤرخ الكبير ولم يحضر أي مسؤول مجلس الفاتحة المقامة على روحه، والذي لم تذهب شاردة أو واردة عن تاريخ مدينتهُ إلا ووثقها في مؤلفاته. عاش الراحل النابغة حراً أبياً صادقاً مع نفسه ومع الآخرين. كان ينبه ابناء مدينته بأفكاره الحُرّة، ويلهب مشاعرهم بالدعوة لعقد المؤتمر التأسيسي الأول لوقّعة عاكف، والدعوة لعقد مهرجان تمصير تاريخ مدينته (الخامس والسادس والسابع) بعد أن اهمل من قبل الحكومات المحلية المتعاقبة، ومؤسساتها الأدبية والثقافية، فغضب محافظو بابل المتعاقبين منهُ، وأغضبوا عليه. كما فنّد الراحل هذه الحكومات في عهد الاحتلال الأمريكي المشؤوم، ومن خلال مواقع التواصل الاجتماع كان يهاجم سياستهم بشجب واستنكار، وجعل مما ينشر مجالاً واسعاً لإنهاض أبناء بلده من غفلتهم وإفاقتهم من عثراتهم، مع هذا لكن الراحل كان لهُ مكانه كبيرة في قلوب محبيه، حيث كان يعبّر عن شعورهم أصدق تعبير.

ساهم الراحل عِوض بشكل فعّال في دعم الثقافة والتاريخ من خلال مؤلفاته وإصداراته التي تجاوزت (50) مؤلفاً، فضلاً عن مجلة أوراق فراتية، ومجلة اسديون، ومجلة العشرة كراسي، كذلك دوره في تأسيس ملتقى العشرة كراسي في مقر مكتبته، ودورهُ في صناعة الكتاب من خلال دار النشر (دار الفرات للنشر والدعاية والإعلام) في بابل، هذه الدار التي ساهمت بشكل مميز ومهني في الطباعة والتوزيع لكتابات بعض أدباء ومثقفي الحلة والمدن المجاورة، لا أبالغ حينما أصف الدكتور عبد الرضا عوض بمساهمته وثراءه للمنتج الثقافي العراقي، وهو أحد روّاد الثقافة، وأحد أعلام وفرسان الحركة الثقافية العراقية، وإذا كان لدالة الثقافة رمزيتها المحورية فأحد أركانها الدكتور عوض، وهو المعوّل عليه في مدينة الحلة في هذا المجال.

كان رحمه الله من الفاعلين والمساهمين في الثقافة الكتابية والمهتمين بحركة الفكر والنُخب الثقافية والأكاديمية، تتوق لهُ الخواطر من معشر الكُتّاب، حتى يضرب اللقاء في داره أو مكتبته العامرة مكتبة دار الفرات في الحلة، المكتبة التي شَكّلت الرئة والمتنفس للمثقفين والمتابعين للإصدارات الجديدة، حيث يعد دالتها.

كان للدكتور رحمه الله موقعهُ المميز في الأجواء الحلية، فهو الملم بالتاريخ والثقافة والأدب والإصدارات الثقافية، حتى بعض الأحيان احتكم لهُ بعض الباحثين في التحقيق والتدقيق والتوثيق التاريخي، وثق الكثير من أعلام مدينة الحلة وأديانها ومؤرخيها.

وكان في ساعاته الأخيرة وهو ينازع الموت قد أوصى ولده (علي) أن "يُبّلغ اللجنة العليا المشرفة على مهرجان تمصير الحلة السابع ورئيسها السيد غالب العميدي أن يعقد المهرجان مهما كانت الظروف والأسباب". حتى دوى نبأ رحيله المرعب واضطرب من اضطرب وحزن من حزن وسرَ من سر بساعة فراقه للحياة وإعلان وفاته من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. فالراحل عَوض قد أوقف حياته لمدينته وتاريخها والمجتمع إيماناً ومحبة وعشق لها، فكانت خلود الحياة وخلود الميتة.

أبا حمدي فقدناك سنداً وأخاً عزيزاً، ومُعلَماً ومعيناً لا ينضب، رحلت وانت كما عهدتك قوياً للصعاب ونداً لها. لم تمت موتك الأبدي فأنت معنا نتذكر كلامك ونتصفح أرثك الثقافي الذي تركتهُ والذي كان عوناً للباحث الذي يبحر في صفحاته، لكن المدد لم يكن ينبوعاً جارياً فلا بد أن ينضب ويجف ويشح يوماً.

رحمك الله أخينا أبا حمدي، نُم قرير العين يا أخي، فقد انعمت علينا نحن أصدقائك بنعمة تجمعنا يومياً تحت مظّلة حوارك الجميل، وتجمعنا اسبوعياً تحت مظلة ملتقى العشرة كراسي في مكتبتك العامرة، كنت شغوفاً بتوثيق تاريخ الحلة، وقد اقترن اسمك مع اسماء أعلام مدينتك خاصة والعراق عامة. كان مجلسك اليومي في مكتبتك عامراً ومزاراً لكل صديق وأديب ومثقف وباحث. لذلك بقيت اخبار سيرتك العطرة بعد رحيلك الصادم لنا تدور على افواه ومسامع أبناء المدينة الذين يعرفوك ويعرفون افعالك الطيبة كل ما ذكر اسمك. تركت بعد رحيلك إرثا واثراً طيباً، تلك مآثرك وخصالك التي نعرفك بها. فليرحمك الله، والرحمة لروحك الطاهرة، وخالص العزاء للوسط الثقافي، والتضامن والمواساة لعائلتك الكريمة، وللأهل والمحبّين الصبر والسلوان.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

2989 ميردال(1898 – 1987) Gunnar Myrdal

هو الاقتصادي والباحث الاجتماعي السويدي، وأحد المؤسسين الأوائل لمدرسة ستكهولم في الفكرالاقتصادي. وهو ايضا الناشط السياسي الليبرالي الذي انتخب مرتين كعضو في البرلمان السويدي كديمقراطي اشتراكي بين 1934 و1946. كما اصبح وزيرا للتجارة بين 1945 و1947، وشغل منصب السكرتير التنفيذي في الامم المتحدة، مسؤولا عن الشؤون الاقتصادية الاوربية لمدة عشر سنوات بين 1947 و1957.

يعتبر ميردال اقتصاديا كينزيا رغم ما لديه من منجز فكري خاص به، وقد حاز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1974. كانت الجائزة مناصفة بينه وبين فريدريك هايك المخالف له فكريا. لكنها كانت تقديرا لمساهماتهما الرائدة على انفصال في الاقتصاد النقدي والدورة الاقتصادية. فهايك المحافظ المتزمت لايلتقي مطلقا مع ميردال صاحب التوجهات الاشتراكية والمساهم المخلص في قضايا التنمية الدولية وداعية السلام ونزع السلاح والمساواة والعدالة الاجتماعية ونصير الفقراء في كل مكان والرافض العنيد للعنصرية والحروب والهيمنة الاستعمارية.

ولد ميردال في Gustafs الواقعة الى الشمال الغربي من العاصمة ستكهولم عام 1898، وأمضى دراسته الاولية فيها ثم انتقل الى جامعة ستكهولم فحصل على شهادة القانون عام 1923. وهناك التقى بالناشطة السياسية ألفا Alvaوتزوجها عام 1924 ليعقدا شراكة زوجية وفكرية ومهنية دامت الى وفاتها عام 1986 التي سبقت وفاته بعام واحد. في عام 1927 حاز ميردال على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد، وفي عام 1939 حصل على زمالة دراسية لمدة عام واحد من مؤسسة روكفلر الامريكية. وفي السنة التالية حصل على فرصة تدريسية في معهد الدراسات الدولية العليا في جنيف، ثم اصبح استاذا للاقتصاد السياسي في جامعة ستكهولم بين 1933 و1950. في عام 1934 انتخب سيناتورا في البرلمان السويدي عن الحزب الديمقراطي الاشتراكي، وفي عام 1938 انتدبته مؤسسة كارنيگي Carnegieالامريكية لدراسة المشاكل الاقتصادية للسكان السود، وهي الدراسة التي وضعته على خارطة الادب الاقتصادي والاجتماعي الامريكي والعالمي. كان انتخابه لمجلس الشيوخ السويدي قد اعيد عام 1942 فكان العضو الاكثر نشاطا والاقوى حماسا وهو الذي ترأس لجنة التخطيط لما بعد الحرب. في عام 1945 اصبح وزيرا للتجارة لكنه استقال بعد سنتين مفضلا ان يستلم منصب السكرتير التنفيذي للامم المتحدة مسؤولا عن الشؤون الاقتصادية في أوربا، وهو المنصب الذي امضى فيه عشر سنوات، من 1947 الى 1957. وعند انتهاء مهامه في الامم المتحدة شرع بدراسة المشاكل التنموية في جنوب شرق آسيا، وهي الدراسة الثانية ذات الاهمية الدولية والتي تمخضت عن كتاب بثلاثة اجزاء.

كان عمله في الامم المتحدة قد فتح عينيه على أزمات ومحن الشعوب في العالم الثالث، وكان قد تنبأ بأن الفجوة التنموية بين البلدان الغنية والفقيرة سوف تتسع مع الزمن بدلا من أن تضيق وذلك كلما تركز دور الدول الفقيرة على التخصص في انتاج المواد الاولية واستنزاف الموارد الوطنية لصالح الدول المتمكنة التي تحصد منافع الانتاج الأقل كلفة والأكثر ربحا مستفيدة من امتياز اقتصاديات الحجم والهيمنة الاستعمارية.

في عام 1961 عاد كأستاذ للاقتصاد الدولي في جامعة ستكهولم. كما أسس وترأس معهد دراسات الاقتصاد الدولي اضافة الى ترؤس معهد بحوث السلام ومجلس دراسات امريكا اللاتينية. بعد ذلك وفي عام 1973 ذهب الى الولايات المتحدة كزميل زائر في مركز دراسات المؤسسات الديمقراطية في جامعة كاليفورنيا- سانتا باربرا. وفي العام التالي 1974 حاز على جائزة نوبل في الاقتصاد وبقي الى نهاية عام 1975 باستضافة جامعة نيويورك كأستاذ متميز زائر.

في الدراسة التي كلفته بها مؤسسة كارنيگي عام 1944 والتي نشر نتائجها في كتاب بعنوان "المأزق الأمريكي: مشكلة المواطنين السود في الديمقراطية المعاصرة" كان ميردال شجاعا وغير محابيا وصريحا دون مواربة. فقد اوضح بأن سياسات "الصفقة الجديدة" التي اتبعها الرئيس فرانكلن روزفيلت كانت قد اثرت تأثيرا سلبيا على حياة المواطنين السود، خاصة في جانبين مهمين. الأول هو التقييد على المنتوجات الزراعية، والثاني هو الحد الادنى للاجور. ففي محاولة لجعل الدخول الزراعية مستقرة ومتوازنة قامت الحكومة الامريكية بفرض تقييدات معينة ضد زراعة محصول القطن، مما تسبب بارتفاع معدلات البطالة في هذا القطاع الذي يشكل الفلاحين السود الغالبية العظمى فيه. والادهى والأمر ان سياسة رفع الحد الادنى للاجور وتحسين مستوى المعيشة وسلامة وصحة العاملين كانت قد أدت الى حرمان اعداد هائلة من العمال السود من اعمالهم التقليدية المتميزة باجورها المنخفضة والراضين بها كبديل للبطالة والتي لم يكن يقبل بها العمال البيض الذين وجدوا الان المبرر لمنافسة العمال السود والفوز بأجور اعلى وظروف عمل محسنة. وهكذا خسر العمال السود اعمالهم الاصلية واصبحوا غير قادرين على منافسة العمال البيض أزاء ذلك التحسن في الاجور وفي ظروف العمل الذي تكفله القوانين الجديدة.

في هذه الدراسة استعمل ميردال منهجا تحليليا جديدا اطلق عليه "التسبيب المتفاقم الدوّار " Circular Cumulative Causation للتمييز العنصري الذي أشارمن خلاله الى التأثيرات السلبية التي تبدأ في مجال واحد وتسري تدريجيا كالعدوى الى المجالات الاخرى، فيتراكم ويتفاقم أثرها على الظاهرة المعنية ومتغيراتها الاساسية ويتكرر مفعولها على شكل دورة ليصبح الحال في نهاية المطاف اكثر تعقيدا وسوءً من ذي قبل. وبهذا فقد خلص من ذلك الى ان حالة التمييز العنصري وعدم الاكتراث بآثارها المباشرة وغير المباشرة تقود الى الفقر، الذي بدوره يولد فقرا مضاعفا، وينتهي الى تمييز واهمال اكبر. ذلك ان شحة الفرص وعدم تكافؤها يقود الى هبوط الحوافز وقلة الجهود والتي تدور بحلقة مفرغة لاتنتج سوى المزيد من الحرمان والفاقة والفقر الذي ينمو فيه وأزاءه التمييز الذي يأخذ طابعا ملونا. وبذلك فإن برنامج روزفلت المسمى AAA: Agricultural Adjustment Act لعام 1933 والهادف الى صيانة ورفع الدخول الزراعية للملاك الزراعيين والذي آل الى حصر زراعة القطن، معا مع قوانين رفع الحد الادنى للاجور حطم قاعدة العمل الرئيسية الوحيدة التي يعتمد عليها الفلاحين والعمال السود، حيث شجع اصحاب العمل ان يصرفوا النظر عن تشغيل هؤلاء العمال بحجة قلة المهارة وفقر التجارب المسبقة لديهم مما نتج عن استبدالهم بالعمال البيض الذين وجدوا الآن حوافزا مشجعة للانخراط في هذا النوع من الاعمال.

كانت نتائج البحث التطبيقي لهذه الدراسة وما خلص اليه ميردال من انتقادات للسياسة الاقتصادية ولسياسة الفصل العنصري التي كانت قائمة آنذاك والمسماة "منعزلون لكن متساوون" الاثر البالغ على قرار المحكمة الاتحادية العليا عام 1954 في الدعوى الشهيرة التي سميت "براون ضد مجلس التربية والتعليم" والتي أعتبرت الفصل العنصري عملا مخالفا للدستور الامريكي مما توجب معه ابطال قوانين وممارسات "منعزلون لكن متساوون" في المدارس الحكومية.

الدراسة الثانية التي اضطلع بها ميردال خارج السويد والتي كان لها صدى عالميا واسعا والتي نشرت نتائجها عام 1968 كانت بعنوان " الدراما الآسيوية: تساؤلات عن اسباب فقر الامم" التي استنتج فيها بأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية في جنوب شرق آسيا لايمكن ان تتحقق إلا بالسيطرة على النمو السكاني واعادة توزيع الاراضي بشكل عادل والاستثمار في الصحة والتعليم. وقد اتبع منهج الاقتصاد المؤسسي المتعدد الجوانب والمتداخل الحقول خاصة مع حقول علم الاجتماع والسياسة، فدرس واقع ملكية الاراضي ومشاركة المحاصيل والانتاجية الزراعية والنمو ومشاكل تعددية الاصول والاعراق والاديان. وكذلك موقف وسياسات الحكومة من مسألة عدم التكافؤ وضياع العدل والمساواة الناتجة عن فعل تلك المنظومات المختلفة. وبذلك رأى ضرورة التدخل الحكومي الجاد مع التحذير حول احتمالات حصول الفساد الاداري والمالي عندما تأخذ مؤسسات الدولة بزمام الامور. لقد جاء تكليفه بتلك الدراسة منسجما مع اهتمامه بمشاكل الفقر في العالم الثالث والحاجة الملحة للاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية من اجل وضع حد للفاقة والاجحاف وغياب العدالة والاستبداد وعدم اكتراث السياسيين وفساد الحكومات.

لقد تخللت دراسة ميردال للاقتصاد وموقفه منه كعلم تحولات هامة على الصعيدين الشخصي والمهني.

في اطروحة الدكتوراه التي دافع عنها عام 1927 عالج مشاكل السعر في ظل التحولات الاقتصادية وركز على آلية تكون الاسعار ثم الارباح وتراكم رأس المال وتغير قيمته بتأثير التوقعات المستقبلية للسوق والتطور التكنولوجي وتقدير المخاطرة وعوامل الريبة والشك والغموض، متبعا بذلك منهج فكسل في التأثير التراكمي للنقود كعامل ضمني، ومستخدما طروحات الاقتصاديين الامريكيين فرانك نايت وإرفنك فشر، ومركزا على اختلاف قيمة المتغيرات زمنيا بما ابتكره من تفريق بين قيمة "الما قبل" ex-ante عن قيمة "الما بعد" ex-post، خاصة في مسألة تقدير سعر الفائدة الفعلي actual interest rateفي "الما بعد" الذي يحسب باعتباره الفرق بين المعدل الاسمي nominalومعدل التضخم الفعلي actual inflation، فيما تكون قيمته في "الما قبل" محسوبة بالفرق بين المعدل الاسمي وبين معدل التضخم المقدر estimated inflation وقد استمرلسنوات قليلة بعد ذلك بالبحث بهذا النوع من التحليل النظري حتى انه نقل الاختبارات التحليلية التي استخدمها في اطروحته في مجال الاقتصاد الجزئي الى الاقتصاد الكلي، خاصة في كتابه عن التوازن النقدي بين الادخار والاستثمار وفي معالجته الخاصة التي فرق فيها بين الطور الواقع ex-post والطور المخطط له ex-ante. والتي نقلها الى نطاق فلسفة العلم الاجتماعي، فقدم مفهوم "النسبية العلمية للقيم" الذي تمحور حول فكرة الفجوة الواسعة بين ماهو كائن فعلا وبين ما ينبغي ان يكون، والتي رآها ميردال بانها اعمق واكثر تأثيرا من ان تكون مجرد اختلاف نظري بين مفهومين.

بعد الثلاثينات من القرن الماضي اصبح واضحا ميل ميردال الى البحث التطبيقي متحولا من المنهج النظري الذي تعود عليه. والابعد من ذلك انه تحول الى الدراسات التي تنتقد بشكل عام الاقتصاد النيوكلاسيكي وقد بدا عليه انحيازه الى الاقتصاد المؤسسي الذي وجد فيه مجالا رحبا لتضمين العوامل الاجتماعية والسياسية. كانت بواكير ذلك الانتقاد في كتابه المعنون "العنصر السياسي في تطور النظرية الاقتصادية" المنشور عام 1930، والذي وسع موضوعه في محاضراته التي القاها على طلبة جامعة ستكهولم والتي تضمن جزء كبير منها ايضاح تأثير العقل والتوجه السياسي على محصلات العلم الاقتصادي مبتدئا بنقد ما كان شائعا في الادب الاقتصادي السويدي الكلاسيكي ككتابات گستاف كاسل وإيلاي هكشر. لكنه استدرك لاحقا واعتترف بأن انتقاداته لاتقتصر على ماكان منشورا في الادب الاقتصادي السويدي بل ينبغي ان تشمل معطيات النظرية الاقتصادية القائمة آنذاك دوليا لما فيها ايضا من نزوع ذاتي. وبذلك فقد تفرد ميردال بدعواته لتخليص علم الاقتصاد من تأثير الانعكاسات الذاتية والميول السياسية لان الاقتصاد يفترض ان يكون علما غير منحاز يتعامل مع الحقائق الموضوعية بمعزل عن قيم وفلسفات ومواقف من يكتب فيه. كانت سلسلة تلك المحاضرات قد ترجمت الى الالمانية وطبعت بشكل مجلد عام 1932 وبعنوان "العنصر السياسي"، ثم ترجمت الى الانكليزية عام 1953. وبذلك اصبح ميردال معروفا بانتقاداته للاقتصاديين الذين يحجمون عن التعبير عن مواقفهم الاخلاقية وقيمهم الاجتماعية أزاء ما يدرسون من ظواهر ويتخفون عن الحقائق بحجة الموضوعية. وكان هو الصريح والشجاع الذي طالما انتقد بالتحليل العلمي الحالات السياسية التي تغمط حقوق القطاعات المعدمة من الناس والتي ليس لها من يدافع عنها وينتزع حقوقها المشروعة.

وبنفس الحماس كان ميردال ضد التوجه التكنيكي المتطرف في الاقتصاد الذي بدأت بواكيره الاولى آنذاك. فبالرغم من انه كان مسحورا ومندفعا للتوجهات الرياضية والقياسية في بدايات تدريسه وبحثه خلال العشرينات من القرن الماضي حتى انه كان عضوا مؤسسا لامعا لجمعية الاقتصاد القياسي في لندن، الا انه بدأ بانتقاد الاساليب التكنيكية الصرفة التي تبتعد كثيرا عن المنطق الاقتصادي والتي اتضحت لديه مع زيادة معرفته وتجربته. وقد قال يوما "ان معامل الارتباط الاحصائي statistical correlation coefficient لايكفي لتفسير العلاقات بين المتغيرات بالبساطة التي درجت بعض البحوث على تكرارها! فاذا اعتمدنا على معامل الارتباط بالمنطق البسيط المجرد يكون بإمكاننا ان نجد ارتباطا عاليا لكنه مزيفا بين عدد الثعالب التي تقتل في فنلندا وبين معدلات الطلاق هناك!!

لكن ميردال لم يبتعد كثيرا عن طروحات الاقتصاد الصرف فهو احد المؤسسين الاوئل لمدرسة ستكهولم في الفكر الاقتصادي، وهو الرائد في الاقتصاد النقدي واقتصاديات التنمية وهو الاقتصادي الكينزي حتى قبل كينز. ففي كتابه "الاقتصاد النقدي" المنشورعام 1932 أي قبل اربع سنوات من كتاب النظرية العامة لكينزعام 1936 كان ميردال قد سبق كينز في موضوعة التوازن الكينزية القاضية باستخدام الانفاق العام برغم العجز المالي في فترات الركود الاقتصادي، وذلك من أجل اعطاء الدفعة الكبيرة لعجلة الاقتصاد كما تعطى الصعقة الكهربائية لقلب يكاد يتوقف! على ان تقوم الضرائب بتسديد اموال الانفاق عندما تنقلب الدورة الاقتصادية ويتعافى الاقتصاد. كما انه سبق جورج ستگلر في مقالته عن الجوانب السلبية لسياسة الحد الادنى للاجور المنشورة عام 1946. علق حول ذلك الاقتصادي وليم باربر فقال: لو ان كتاب ميردال الموسوم "الاقتصاد النقدي" كان متوفرا باللغة الانكليزية آنذاك لكان من الممكن ان تعزى ثورة الاقتصاد الكلي حول فترة الكساد العظيم الى ميردال ولكانت تسمية النظرية "الميردالية" بدل "الكينزية". أما الاقتصادي ج. شاكل فقال ان موضوعة "الما قبل والما بعد" الميردالية اصبحت من صلب الاقتصاد الكلي المعاصر وان عدم الانتباه الى ضرورتها كمفهوم ديناميكي من قبل كينز ربما اعتبر من الهفوات الكبيرة التي كانت قد تجنبه اعتبار تيار الادخار وتيار الاستثمار متساويين بينما اثبت الحال انهما ليسا كذلك.

وجد ميردال في زوجته ألفا رفيقا وناشطا سياسيا واجتماعيا يشاركه فلسفته وافكاره ويعمل معه يدا بيد؟ ففي وقت مبكر نشرا معا كتاب "الأزمة في مسألة السكان" الذي حضي باهتمام خاص من قبل وزير الشؤون الاجتماعية فكان له الاثر الايجابي الاول على تبني دولة السويد سياسات الرعاية الاجتماعية المبكرة. ومضت زوجته في نشاطها الدائب لتستلم منصبا كبيرا في اليونسكو واصبحت سفيرة السويد في الهند ثم وزيرة شؤون نزع السلاح والكنائس ثم حصلت على جائزة نوبل للسلام عام 1982. وبذلك اصبحا اول زوجين ينالان جائزتي نوبل على انفراد. على ان هناك ثلاثة ازواج فقط نالوا جوائز نوبل ولكن بشكل مشترك وفي حقل واحد لكل منهم.

كان ميردال رافضا عنيدا للحروب فقد صرح مرارا وتكرار باحتقاره للحرب النازية وحرب فيتنام وترأس اللجنة الدولية للنظر في الجرائم الامريكية في الهند الصينية كما ترأس اللجنة السويدية ضد تجارة الاسلحة، ووقع بيان اليونسكو حول العنصرية عام 1950. كما كتب مقدمة كتاب الكاتب الافريقي ريچرد رايت "ستارة اللون" حول مؤتمر باندونگ للتضامن الافروآسيوي عام 1955.

كما كان ميردال متأملا طول الوقت بأن ماحققته السويد في حدوده الدنيا كدولة للرفاه الاجتماعي ان يتحقق في كل مكان في هذا العالم. واخيرا فان ميردال قد حصل على أكثر من 30 شهادة فخرية دولية بدءً بشهادة الدكتوراه الفخرية التي منحته اياها جامعة هارفرد عام 1938. اضافة الى عدد كبير من الجوائز وعضويات الشرف في الاكاديميات البريطانية والامريكية والسويدية. أنجب مع زوجته ألفا بنتين وابن، نشأوا في كنف عائلة تؤمن بالعلم والعمل والعدالة الاجتماعية. وقد اصبح ابنه فيما بعد ناشطا سياسيا وشيوعيا ماويا.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

عبد الله الفيفي(الأصول والهجرات والتلقي: مقاربات مقارنة)

 تسعى هذه الورقة إلى:

1- عرض مقارباتٍ في بعض أصول تراثنا الشَّعبيِّ العَرَبي في جَنوب الجزيرة العَرَبيَّة، وما هاجر منها إلى ثقافاتٍ أخرى، غربًا وشرقًا، مع تقديم بحثٍ تطبيقيٍّ في ذلك، من خلال المأثور القصصيِّ في جبال (فَيْفاء)، جَنوب (المملكة العَرَبيَّة السُّعوديَّة). 

2- ليس الهدف استعادة تراثٍ مجهولٍ إلى بيئته الأُولى وأهله فحسب، ولكن أيضًا الإسهام في الدَّرس الأدبيِّ المقارِن، بما تهيِّئه المادَّة المدروسة من إسهامٍ في هذا الميدان. 

3- استثمار ما يفتحه الأدب المقارَن- الذي مَرَّ تاريخه منذ القرن التاسع عشر بمدارس وتطوُّرات، من المدرسة الفرنسيَّة إلى المدرسة الأميركيَّة فالمدرسة السُّلافيَّة- من آفاق للتعرُّف على الذات والآخَر، ولسَبر العلاقات الثقافيَّة الإنسانيَّة بين شعوب العالم، متخطِّـيًا بمنهاجه الحدود اللغويَّة والعِرقيَّة، فضلًا عن الحدود الجغرافيَّة والتاريخيَّة. 

4- السَّفَر في رحلةٍ إنسانيَّةٍ، تكسر الفواصل المصطنعة بين بني الإنسان في تجاربهم على هذه الأرض، تنضاف قيمتُها الثقافيَّة والجماليَّة إلى قيمة أدواتها النقديَّة، الأنجع في تناول مادَّةٍ كمادَّة هذا الموضوع.    

-2-

إنَّ الأساطير، وشِبْه الأساطير، كثيرةٌ في جنوب الجزيرة العَرَبيَّة، ومنها جبال (فَيْفاء).  ويمكن تقسيم أنواعها إلى أربع فئات:

أ. أساطير حول شخصيَّات إنسانيَّة، مثل: (أُسطورة جَمَّان)، و(أُسطورة السَّرِي)، و(أُسطورة امحم عقيستاء= محمد عقيصاء)، و(أُسطورة فقير بن علوان)، و(أُسطورة مَيَّة ومَجَادَة). 

ب. أساطير حول بعض الحيوانات، مثل: أساطير حول حيوانٍ يسمُّونه: (خُفّ بالرُّبع).

ج. أساطير حول أماكن، مثل: (أُسطورة شَطِّ اِمْصَبايا/ الصَّبايا). 

د. آثار أُسطوريَّة لُغويَّة، كتلك الكامنة حول تسمية الضَّباب بـ"عَماية".

لكنني سأركِّز القول حول أُسطورتَين طويلتَين، بحثتُ علاقاتهما الإنسانيَّة العالميَّة، ودرستُ أصولهما وتفرعاتهما.

وكنتُ قد نشرتُ مادَّةً حول هذا، عام (2008)، في بحثٍ لي تحت عنوان "بين أُسطورة امْحَمْ عُقَيْسْتَاء في جبال فَيْفاء وأُسطورتَي كَلْكَامش وأوديسيوس Odysseus"(1)، في العدد الثالث من (مجلَّة "الخِطاب الثقافي"، جامعة المَلِك سعود، الرياض)، فلَقِيَتْ تلك المادَّة أصداء مشجِّعة.  وتواصلَ معي بعدها (المسرحيُّ ياسر المدخلي)، مستأذنًا لصياغة تلك الحكاية الأُسطورية في مسرحيَّة، واطَّلعتُ على عمله ورقيًّا، وإنْ كنتُ لم أشاهده منفَّذًا على خشبة المسرح.  وكُتِبت عن الدراسة بعض المراجعات المنشورة. ثمَّ أعددتُ ذلك العمل مع نصٍّ آخَر ليضمُّهما كتابي، بعنوان "هِجرات الأساطير: من المأثورات الشَّعبيَّة في جبال فَيْفاء إلى كلكامش، أوديسيوس، سندريلا (مقاربات تطبيقيَّة في الأدب المقارن)"، (نشره: كرسي الأدب السعودي- جامعة المَلِك سعود، 2015).  والنصُّ الآخَر، الذي تضمَّنه الكتاب، هو حكايةٌ أُسطوريَّةٌ تُعْرَف في جبال (فَيْفاء) بحكاية «مَيَّة ومَجَادَة».  وتبدو تلك الحكايةُ هي الأصل الأصيل لما أصبح يُعْرَف عالميًّا بأُقصوصة "سندريلا"، التي اتَّخذَتْ صِيَغًا عالميَّة متنوِّعة، وبلُغاتٍ شتَّى. 

والحقُّ أنَّ مِن هذا التراث الشَّعبيِّ المنسيِّ الكثيرَ ممَّا لعلِّي أفرُغ لجمع بعضه وتحقيقه ونشره يومًا.  وهو تراثٌ نستخفُّ به عادةً، حتى ينبِّهنا الآخَرُ (الغربيُّ) إلى جماليَّاته، أو إلى دِلالاته، أو إلى قِيَمه الإنسانيَّة.  والأنكَى أن ننام عليه حتى نَجِد الآخَر نفسَه قد سطا عليه، أو قُل: "أفاد منه"؛ بعيدًا عن حُكمٍ في شأنٍ ما فتئ محلَّ التَّحَرِّي والبحث.

لم يسبق أن عَرَض دارسٌ قبلي لتلك المواد بالدراسة، من قريبٍ أو بعيد، وإنْ حظيتْ نظائرها- أو ربما صحَّ القول: نُسَخُها المستنسخة في الثقافات الأخرى- بالدراسات الكثيرة عالميَّا.  وأحسب أنَّ في عملنا سعيًا إلى تقديم حلقاتٍ مفقودةٍ في تلك الدراسات، التي ظلَّت تجهل- أو تتجاهل- التراث في (شِبه الجزيرة العَرَبيَّة)، موطنِ الإنسان الأوَّل، ومرتعِ الآباء الأُوَل للحضارات البَشريَّة. 

وكما حاولتُ في المبحث الأوَّل من الكتاب المذكور استقراء نظائر النصِّ الشَّعبيَّة في الثقافات الأخرى، حاولتُ في المبحث الآخَر استقراء نظائر النصِّ الشَّعبيَّة في الثقافات الأخرى. فألفيتُ منها ما لم يكن في الحسبان من النصوص، من أقطار العالم كلِّه تقريبًا، وعملتُ على ترجمة أهمِّها، أو ترجمة ملخَّصات منها.  وقد بدا، في غضون ذلك، أنَّ من المفيد إثباتَ بعض النصوص بلغاتها، مع ترجمتها إلى العَرَبيَّة، كما كنتُ قد ترجمتُ النصَّين القصصيَّين المشار إليهما إلى اللغة الإنجليزيَّة، في (الملحق) بنهاية الكتاب.

-3-

ولعلَّه يحسُن التوقُّف أمام مصطلح (أُسطورة Legend) المستعمل في هذا الموضوع، لما يكتنفه من لبسٍ وتداخلٍ في التداول العام. وأكثر أنواع النصوص تلابسًا مع الأُسطورة: (الخُرافة).  ويُمكن التفريق بين مفهوم الأُسطورة والخُرافة، بالنظر إلى المقوِّمات الخاصَّة بكلِّ نوع.  وهذا ما سنفصل مناقشته في مقالنا التالي.(2)

 

بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيـفي

............................

(1)  (2008)، مجلَّة «الخِطاب الثقافي»، ع3، (جامعة الملك سعود، الرياض)، ص ص131- 156.  

(2)  هذا المقال جزء أوَّل من ورقة بحثٍ حِواريَّةٍ قُدِّمت في (نادي جازان الأدبي)، مساء الأربعاء 3 مارس 2021.  للمشاهدة على موقع "اليوتيوب":

 

سناء عبدالقادر مصطفىالبحث عن صديق قديم

في عصر اليوم الأول من وصولي الى عدن من موسكو في 13/12/1983 تعرفت على أبوستار وهو من مدينة السماوة الذي جاء لزيارة د. حسين عبد المجيد أحمد في السكن الجامعي لجامعة عدن الكائن في كنيسة التواهي كما ذكرت ذلك في الحلقة الأولى من الذكريات . وبعد مرور فترة قصيرة من الزمن وانتهاء بروتوكول التعارف الذي جرى بيننا بسرعة بادرته بالسؤال التالي: هل تعرف سلام عبود؟ (سلام عبود صديق قديم من أيام الدراسة في جامعة بغداد في نهاية ستينيات القرن الماضي) . امتعض وجه أبو ستار وفكر طويلا قبل أن يجاوبني بحذر وباقتضاب شديد واختصار: نعم أعرفه او سمعت عنه بالأحرى، ولكن أنصحك كن حذراً لأن عليه علامة استفهام من المنظمة (يقصد بذلك منظمة الحزب الشيوعي العراقي"حشع" في اليمن) . سألته مرة ثانية وما هي علامة الاستفهام هذه التي تقصدها؟؟ جاوبني لا أعرف ولكن كن حذرا، قد يكون جاسوسا كما تقول المنظمة!!!!! ضحكت في دواخلي بالبداية ولكن لم أتمالك نفسي حتى شهقت من الضحك وقلت إذا كان سلام عبود جاسوسا فاقرأ السلام على الاسلام كما يقول المثل العربي متهكما. رجوت أبو ستار أن يمدني ويقول لي معلومات أكثر عن سلام ولكنه أبى وقال لا أعرف أكثر من ذلك. وبعد برهة قليلة من الزمن استأذن وخرج مودعا ومبررا خروجه السريع بزيارة أصدقاء آخرين جيراننا في السكن مثل الدكتور هادي أبو حسنين الذي لم يزوره منذ فترة طويلة.

التاريخ يعيد نفسه من دانيتسك الى عدن

في أول اجتماع حزبي في ربيع العام 1983 وكما أتذكر كان في غرفة الزميل نهاد الزهاوي، تكلم الرفيق المنظم او مسؤول الهيئة الحزبية بأنه توجد مجموعة من الرفاق ينتقدون سياسة الحزب ويوزعون أدبيات ومنشورات تهجم على الحزب ومنظمة عدن، وأن الرفاق في قيادة المنظمة يحققون في هذه القضية. تذكرت بهذا الصدد حينما انعقد أول اجتماع حزبي لنا في مدينة دانيتسك بأوكرانيا في خريف العام 1974 بعد وصولنا الى الاتحاد السوفيتي والتحاقنا بالكلية التحضيرية التابعة لجامعة دانيتسك الحكومية. كان يقود الاجتماع المرحوم متي شوشاني الذي كان وقتذاك طالبا في السنة الرابعة بمعهد البوليتكنيك الحكومي في نفس المدينة. والغريب في الأمر حدث نفس الشيء قبل حوالي عشرة من الاجتماع الحزبي في عدن. تحدث الرفيق متي حول وجود مجموعة تطلق على نفسها "فرسان العمل" في موسكو قامت بكتابة منشورات فيها تهجم على منظمة الحزب الشيوعي العراقي في الاتحاد السوفيتي وعلى سكرتير المنظمة شخصياً والذي هو خليل الجزائري. وكان في البريد الحزبي نسخ من هذاه المنشورات قرأها علينا المرحوم متي شوشاني . وأن الرفاق في المنظمة يعملون من أجل كشف ومعرفة الأشخاص اللذين يقفون خلف هذا العمل. بعد مرور حوالي سنة ونصف كنت في زيارة الى موسكو والتقيت بأحد الأصدقاء اللذين كانوا معي في الكلية التحضيرية في مدينة دانيتسك بأوكرانيا وسألته عن مصير منظمة "فرسان العمل" ومن هم أعضائها، جاوبني بشكل تهكمي بأن كل هذه الزوبعة في فنجان هي من تدبير سكرتير منظمة الحزب الشيوعي العراقي في الاتحاد السوفيتي خليل الجزائري وكان الهدف منها هو اقصاء بعض الرفاق من الحزب ومنظمة الاتحاد السوفيتي الذي كانوايعارضون وينتقدون سياسته وتصرفاته مع الرفاق في موسكو من حيث عدم حل المشاكل الدراسية المتعلقة بتغييرالاختصاص وتغيير مكان ومدينة الدراسة التي تقتضي مراجعة وزارة التعليم العالي السوفيتية وكذلك تأثيرالانحدارالمناطقي والعلاقات العائلية التي كان من المفروض أن لا تجد لها مكاناً وسط تنظيما أممياً وعلمانياً.

وفي الاجتماع الحزبي التالي طرح المسؤول الحزبي مسألة العلاقات الاجتماعية وضرورة التزاور وزيارة الأصدقاء. كانت في الهيئة الحزبية رفيقة خطيبها يعمل صحفياً في صحيفة "الثوري" في عدن اسمه صبيح الجابر، الذي توجد عليه علامة استفهام من قبل المنظمة هو الأخر. وحينما طرحت اسم سلام عبود ومن المحتمل أن يشاهدوني معه في مكان ما، رجوتهم أن لا يمتعضوا ولا يستغربوا من ذلك كما وأرجوأن يكتب ذلك في محضر اجتماع الهيئة الحزبية من باب التذكير ورفعاً للإلتباس. بعد انتهاء الإجتماع رجوت خطيبة صبيح الجابر بأن يقوم صبيح بإيصال خبر الى سلام عبود الذي يلتقي به بين فترة وأخرى مفاده بأن سناء موجود في عدن فقط ليس أكثر من ذلك.

طرد 34 رفيقاً من الحزب

وفي الاجتماع الحزبي القادم كان الدكتور رحيم عجينة الذي كان يشغل مركز سكرتير منظمة الحزب الشيوعي العراقي في اليمن موجوداً وكما هو معروف في المصطلحات الحزبية بأنه نزل مشرفاً وفي مثل هذه الحالة فبالتأكيد يوجد شيء مهم قد حدث ويريد الرفيق سكرتير المنظمة أن يخبر الرفاق في هيئتنا الحزبية بنفسه. تكلم الرفيق حول وضع الحزب في المرحلة الراهنة بشكل عام ومن ثم عرَج على وضع التنظيم في اليمن والظروف التي يمر بها وبالأخص بأنهم في قيادة المنظمة قد انتهوا للتو من التحقيق في وجود تنظيم منشق داخل المنظمة الحزبية وعددهم 34 رفيقاً وبأنهم عملاء السفارة العراقية في عدن. ولذلك قام الحزب بفصل قسم منهم وتوجيه عقوبات حزبية الى عدد منهم وتحويل قسم آخر الى اتصال فردي كما هو معروف في الرطانة الحزبية. ومن اللذين حققوا معهم د. رحيم عجينة وقسم من أعضاء منظمة حشع في اليمن الديمقراطية وهم أبو زينب ورضا الظاهر وعبد المنعم الأعسم.

كان من أحد أسباب الطرد من الحزب هو قراءة أدبيات منظمة فهد الثورية التي تكونت من بعض الرفاق في دمشق بسوريا في بداية ثمانينيات القرن الماضي وأرسلت الى عدن. ومن الأسماء اللذين طردوا من الحزب كما أتذكر بعض منهم:

أبو مازن (لا أتذكر اسمه الصريح) – مدرس، عضو منظمة مدينة عدن للحزب الشيوعي العراقي

د. جلال الزبيدي- استاذ في كلية التربية بجامعة عدن، عضو منظمة مدينة عدن للحزب الشيوعي العراقي

منصور أبو أراس- مدرس في احدى مدارس عدن

خليل اسماعيل- مخرج مسرحي عمل في فرقة المسرح الوطني في عدن

ناصر خزعل – مصور ومخرج سينمائي في تلفزيون عدن

خليل الحركاني- مدرس ومخرج مسرحي

صبيح الجابر- صحفي في صحيفة الثوري في عدن

رشيد بندر الخيون – معلم وطالب في كلية التربية بجامعة عدن

داخل عودة – أستاذ جامعي في كلية القانون بجامعة عدن

سعدي يوسف – الشاعر العراقي المعروف – رئيس تحرير مجلة الطفل في دار اكتوبر للطباعة والنشر . وآخرين غيرهم لا أتذكر أسماؤهم بعد مرور هذا الوقت الطويل منذ العام 1983.

رسالة سرية من الجزائر

في شهر نيسان/أبريل سنة 1983 استلم د. حسين عبد المجيد أحمد رسالة من د. نزار جعفر (اقتصادي، خريج معهد بليخانوف في موسكو بالاتحاد السوفيتي 1980، وكان عضوا في قيادة منظمة الحزب الشيوعي العراقي في الاتحاد السوفيتي في سبعينيات القرن الماضي) الذي كان يعمل آنذاك استاذا في جامعة قسطنطينة بالجزائر تحتوي على بيان موقع من قبله ومن د. خليل الجزائري (سكرتير منظمة الحزب الشيوعي العراقي في الاتحاد السوفيتي في سبعينيات القرن الماضي الذي ورد اسمه أعلاه) وهو الآخر كان يعمل في جامعة قسطنطينة بالجزائر في كلية القانون. كان البيان يدعوا جميع الرفاق خريجو الاتحاد السوفيتي اللذين توجد في جوازات سفرهم العراقية أختام مزورة لتمديد فترة صلاحية الجواز مراجعة السفارات العراقية في الخارج من أجل اخراج جواز سفر عراقي جديد لهم (كانت منظمة حشع في موسكو تقوم بتمديد الجواز وختمه بختم مزور وكثيرا ما اكتشفت سلطات حرس الحدود السوفيتية هذا التزوير في ميناء أوديسا في جمهورية اوكرانيا السوفيتية وفي مطار موسكو وغضت النظر عنه بعد الاتصال بالجهات المعنية). بعد الانتهاء من قراءة هذه الرسالة نصحت د. حسين بأن يقوم بحرقها ولا يخبر عنها أي شخص لأن عيون منظمة حشع في اليمن الديمقراطي كثيرة ومنتشرة بين صفوفنا وحتى لا نقع في خطأ لا تحمد عقباه ونتعرض للمحاسبة الحزبية.

بناء فندق عدن

بعد زواج د.حسين وانتقاله للسكن في حي خور مكسر مع زوجته، بقينا أنا والمهندس عماد باحور الذي كان يعمل في وزارة الصناعة في عدن نسكن في الغرفة التي صارت باسمي كوني أعمل في جامعة عدن. توثقت أواصر الصداقة بيننا من خلال تناول الكثير من المسائل العلمية والفلسفية والسياسية والدراسية في الدول الاشتراكية وخصوصا وأن عماد خريج ألمانيا الديمقراطية في العام 1974 كما ذكرت ذلك في الحلقة الأولى وشمله قانون عودة الكفاءات الذي صدر في العام 1974 حينما كان أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية العراقية.

بعد مرور فترة من الزمن حصل عماد على عمل مع شركة فرنسية كانت تبني فندق عدن الدولي بصفة مهندس كهربائي ومسؤول عن نصب المصاعد الكهربائية في الفندق ذو العشرة طوابق الذي يقع في منطقة سياحية وفي تقاطع طرق يسمى الكولة (Algolah) مقابل سينما عدن والكازينو السياحية وكذلك الطريق المؤدي الى جزيرة الشاليهات السياحية.

كان عماد باحور يطمح للسفر والإقامة في سوريا ولكن الذي كان يقف حجرعثرة أمامه هو جوازه سفره العراقي المنتهية صلاحيته وكيفية الدخول الى دمشق؟؟!!

البقية في الحلقة الثالثة.

 

أ. د. سناء عبد القادر مصطفى

 

عامر هشام الصفاربعد نجاح طالب كلية الطب بدروس العلوم الأساسية في الطب من فيزياء وكيمياء حياتية وعلم أدوية  وتشريح ووظائف أعضاء وعلم أنسجة، سينتقل الى العلوم السريرية الطبية والتي هي في صلب الأختصاص وممارسة المهنة من طب الباطنية وعلوم الجراحة...وكان من النادر أن يكون أستاذك الطبيب من خريجي أميركا ومجلس دراسات البورد الأمريكي، فجل عديد أساتذة الطب العراقيين هم من خريجي الكليات الملكية البريطانية...ولكن الحال لم يكن كذلك مع أستاذ طب القلب وأمراضه وطب الجهاز التنفسي الدكتور حكمت الشعرباف الذي عاد لأرض الوطن عام 1972 حاملا شهادة البورد الأمريكي بالطب وأمراض الطب الداخلي أو الباطنية..وهكذا تعرّفتُ على الأستاذ الشعرباف في أواخر السبعينيات، وهو بقامته وهيبته وهدوئه تراه يتوسط مدرج ألقاء المحاضرات لينظر من خلال عدسات نظارته الى ما يقرب من 300 طالبة وطالب، فيبتسم محييا أياهم، وليبدأ في الوقت المحدد محاضرته التي لا يمكن لك أن تمّل منها، ولو أنك في ذاك الزمان كنتَ حريصا على أن تسجلها كلها مكتوبة على أوراق رتبتها في ملف خاص بدروس الطب الداخلي أو الباطنية...

ثم أنكَ قد لاحظت أن الأستاذ له لغته العربية السليمة والتي يتحدث فيها مع بعض طلبته بعد ألقائه المحاضرة بالأنكليزية.. وهكذا عرفتُ أن الدكتور حكمت أنما هو سليل عائلة كان لعميدها الحاج حسين الشعرباف مجلسه الثقافي في مدينة الشطرة بمحافظة الناصرية العراقية..وقد تحدث عن ذلك ببعض التفصيل الدكتور الراحل العلامة المعروف حسين علي محفوظ في تقديمه لكتاب د. سلمان القيسي والمعنون ب "من حديث المجالس الأدبية والمنتديات الثقافية في بغداد"..وقد جاء في الكتاب: أن المجالس تزين البيوت والمنازل في الليالي والأماسي وفي أيام الجمع. وكانت مجامع تجمع الأفاضل والأماثل والعلماء والأدباء والشعراء والظرفاء، يرتادها الأعالي والأكابر وينتجعها السراة والأخاير، ويلتقي فيها الكبراء والأعزة، يؤلف بينهم الأدب وتشدهم الثقافة ويربطهم الفكر على أختلاف الأديان والمذاهب والمشارب والمعتقدات.

ثم أن مجلس الشعرباف الثقافي كان قد أنتقل من الشطرة حتى الكرادة في بغداد وأصبح الدكتور الأستاذ حكمت بنفسه مديرا له.. أضافة الى ما قام به الدكتور المؤرخ العراقي الجليل حسين أمين من أدارة لأعمال المجلس في بعض جلساته الدورية والتي أستمرت لسنوات طوال، أمتدت منذ بداية الخمسينيات وحتى ما بعد 2003.

وعودة للممارسة الطبية فقد تأثرتُ بالأستاذ الشعرباف وخاصة بالمهارة السريرية في الفحص الطبي، والأستماع للمريض وهو يفصّل بشأن حالته المرضية....فكما تعلمنا من أساتذة الطب الأوائل فأن التاريخ المرضي للمريض أنما يشكل أكثر من 70% من التشخيص للمرض، لما فيه من معلومات مهمة تدل على أصل المشكلة الصحية. كما أن الشعرباف الأستاذ كان من الباحثين في شؤون الطب والحريصين على مشاركة تجربته في البحث العلمي مع طلبته وزملائه.

وقد قرأتُ قبل سنوات ما صرّح به الأستاذ حكمت الشعرباف وهو يسمع ويرى ما حلّ بأوضاع الطب والأطباء في العراق..فقال بخصوص موضوعة الأعتداء على الطبيب، وسوء التصرف من قبل البعض مع الأطباء في المستشفيات العراقية ما نصه:

"ولابد هنا من القول أن معالجة أزمة أطباء العراق ليست بالمهمة السهلة نظراً لتشابك أمور عدة في حصولها، الاّ أن من الواجب وضع قوانين صارمة بحق من يقوم بالأبتزاز أو الأعتداء أو التهديد بدعوى حصول ضرر من جراء ممارسة طبية. اذ أن الأخطاء الطبية لو وقعت فإن الجهة التي ينبغي ان يلتجأ اليها صاحب الشكوى هي نقابة الأطباء والمحاكم المدنية وليست العشيرة، ذلك أن ممارسة التقاليد العشائرية لحل الخلافات، أيا كان محتواها هي أمر قد عفا عليه الزمن" .

كما أطلعتُ قبل سنوات قلائل على رأي للأستاذ حكمت الشعرباف بصدد أفتتاح كليات طب خاصة أهلية في العراق.. فكنتُ قد وقعّتُ على رسالة من قبل مجموعة من الزملاء الأطباء مبديا تحفّظا على الموضوع..وكان أن سمع الدكتور الشعرباف فقال برسالة منشورة حول الموضوع: "وخلاصة رأيي ان هذه الخطوة متسرعة، وربما جاءت تحت ضغوط من هنا وهناك. وإن في العراق اليوم من كليات الطب ما يفوق الحاجة، ولعل الأجدر هو الألتفات الى واقع حال مؤسساتنا الطبية التعليمية وتحسين أحوالها، وسد الثغرات فيها، ورفع مستوى خريجيها، بدلا من أن نضيف الى مشاكلنا في هذا الحقل الهام مشكلة جديدة....أنها دعوة مخلصة للمسؤولين للتراجع عن هذا القرار الخطير، واذا كان (الأعتراف بالخطأ فضيلة) فأن في التراجع عنه فضيلتين"...ولا أظن أن المسؤول قد تراجع مع الأسف...

ولقد علمتُ مؤخرا أن الأستاذ الدكتور حكمت الشعرباف كان قد نشر كتاب ذكرياته والذي عنونه ب "ذكريات وخواطر" حيث أشار الى الكتاب الكاتب جمال العتابي فقال: " هذا الجنس من الكتابة، وجد فيه (الطبيب) أرضاً خصبة بذر فيها تجاربه، وأحلامه، ورؤاه، بسردية رائعة للتجارب المهنية، والوطنية، والإنسانية، فهو يؤرخ لتاريخ العراق المعاصر، وتتوقف عند أقتباساته الشعرية، ونصوص من التراث، وتتلمس بأرتياح ما فيه من خفة الروح، بالتعليق الأنيق، والشاهد القرآني، والحكمة البالغة، والنكتة البارعة، مما يرد عفو الخاطر. إنه كمن يكتشف العلة، ويصف الدواء، ويطمئن المريض، بأنه سيحيا حياة رغيدة. هذه الذكريات، كما  وصفت: وطن في رجل، إنه عمل ودود، وأنيق وعميق ومحايد، فيه الخبرة والعبرة.

نسأل الله أن يحفظ الدكتور حكمت الشعرباف وهو في أميركا اليوم- أرض غربته.

 

د. عامر هشام الصفار

 

 

سناء عبدالقادر مصطفىسافرت بالطائرة من موسكو من مطار شيريميتوفا 2 في الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل من ليلة يوم الثالث عشر من شهر كانون الأول 1982 متوجها الى عدن عاصمة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وكان في  توديعي بالمطار الصديقين مفيد الناصح والمرحوم  نبيل الزنبوري. كانت درجة الحرارة في عاصمة الثلوج موسكو (موسكوعاصمة الثلوج هو ديوان شعر لصالح مهدي عماش الذي كان سفيرا للعراق في أوائل سبعينيات القرن الماضي) حوالي 30 درجة تحت الصفر.

دبابة وجنود مدججي بالسلاح  يحيطون بطائرة الايروفلوت السوفيتية

بعد طيران لمدة تزيد على الأربعة ساعات، هبطت طائرة الإيروفلوت بنا في مطار القاهرة الدولي بجمهورية مصر العربية للتزود بالوقود. الذي أثار استغراب ركاب الطائرة هو وقوف دبابة مع جنود مدججي بالسلاح حول الطائرة. استغرق مكوثنا في الطائرة لمدة ساعتين ولم يسمحوا لنا بالتوجه الى قاعة الترانزيت للإستراحة مما أثار حفيظة الركاب اللذين أرداوا التدخين خارج الطائرة واستنشاق هواء فجر القاهرة الندي. والغريب في الأمر، لم نعرف سبب احاطة الطائرة السوفيتية بقوات عسكرية في زمن الرئيس الراحل حسني مبارك الذي كان يملك علاقة جيدة مع السوفيت حينذاك؟؟؟!!!

وصلنا مطار عدن الدولي في الساعة الحادية عشر صباحا. أول شيء فاجئني هو هبة الهواء الدافيء المشبع بالرطوبة العالية ترتطم بوجهي وأنا بملابسي الشتوية الثقيلة حيث بدأ العرق يتصبب من جميع مسامات جسمي وكأنني في حمام بخار تركي(ساونا). لم يكن آنذاك خط لنقل الأمتعة داخل صالة الاستقبال وإنما عليك أن تذهب الى صالة خاصة بالأمتعة وتبحث عن حقيبة سفرك. والذي أدهشني أكثر هو وجود طائرات عسكرية في المطار المدني وبعد السؤال تبين أنه لا يوجد مطار عسكري في اليمن الديمقراطية وقتذاك.

لم يكن هناك شخص ما  يستقبلني في المطار كوني أحمل جواز سفر يمني صادر من سفارة جمهورية اليمن الديقراطية في موسكو. هاتفت من استعلامات المطار منظمة الحزب الشيوعي العراقي في عدن اللذين قالوا استأجر سيارة تكسي ونحن ندفع الأجرة.  حينما وصلت الى مقر المنظمة الكائن في حي خور مكسر والقريب من مطار عدن، كان الدكتور رحيم عجينة ورضا الظاهر وأبو زينب في استقبالي.

السكن في دير قديم لكنيسة كاثوليكية

بعد الترحاب والحديث عن الرفاق في موسكو، أخذني أبو زينب الى بيته حيث تناولنا طعام الغداء وبعد استراحة قصيرة وتناول الشاي ذهبت مع أبو زينب بسيارة المنظمة الي منطقة التواهي حيث سكنت مع الدكتور حسين عبد المجيد أحمد (توفي د. حسين عبد المجيد أحمد في  22 تشرين الأول/نوفمبر 1989 في مدينة عدن) وهو خريج جامعة موسكو ويعمل استاذا في كلية الاقتصاد بجامعة عدن.

كان سكننا في الطابق الثاني من بناية هي بالأساس جزء من كنسية كاثوليكية  تطل على ساحل خليج عدن في  حي التواهي والقس الذي  كان يعمل فيها هو ايطالي. كان الطابق الأول تشغله مدرسة مختلطة من البنات والبنين. وشغل هذين الطابقين في أيام الاحتلال البريطاني لليمن الجنوبي دير مسيحي كاثوليكي مع مستشفى.

كان الطابق الثاني عبارة عن سكن تابع لجامعة عدن وتسكنه عوائل مع عزاب يعملون أساتذة في جامعة عدن. كان السكن يتألف من 6 غرف مختلفة المساحات.  في غرفة رقم 1 قطنت عائلة استاذ هندي مع طفليه، عمل في كلية التكنولوجيا وفي الثانية استاذ عراقي عمل في كلية التكنولوجيا كذلك (د.هادي أبو حسنين). أما في الغرفة الثالثة فقد كان يسكن دكتور حسين وأنا وسكن في الرابعة استاذ  حسين عبد علي (خريج جامعة الصداقة بين الشعوب في موسكو) عمل في كلية القانون مع زوجته اليمنية وطفلهما اسامة. وفي الخامسة استاذ في كلية القانون – داخل عودة في كلية القانون (خريج جامعة باكو في أذربيجان)  وكذلك مهندس الكهرباء عماد باحور(خريج ألمانيا الديمقراطية سنة 1974) مع مدرس عراقي خالد عبد الكريم (مخرج مسرحي خريج رومانيا) وفي السادسة المترجم نهاد الزهاوي (خريج  جامعة الصداقة بين الشعوب في موسكو تخصص لغة روسية) الذي كان يعمل في كلية التربية مع الأساتذة السوفيت. انتقل عماد باحور للسكن معنا أنا ود. حسين في شهر آذار العام 1983.

كانت بناية الطابق الثاني قديمة ولم يجرى عليها أي تصليح، حتى كان سقف الغرفة التي  سكنت فيها مع الدكتور حسين عبد المجيد، يوجد فيه ثقب كبير وتشقق في أقسام كثيرة منه، وبسبب الرطوبة  العالية كان طلاء الغرفة القديم يتشقق ويسقط على أرضية الغرفة باستمرار. يوجد في غرفتنا حمام قديم ودوش من زمن الاحتلال البريطاني، أما بقية الغرف الخمسة فيتبعها حمام واحد مشترك ومغسلة واحدة مشتركة.

مباشرة العمل في كلية الاقتصاد

ذهبت في اليوم التالي المصادف 15 كانون الأول/ديسمبر 1983مع أبو زينب الذي كان يعمل ممثلا للعلاقات الخارجية في منظمة الحزب الشيوعي العراقي الى رئاسة جامعة عدن في منطقة مدينة الشعب وفيها تقع كلية الاقتصاد وكلية القانون. قابلنا مدير الشؤون الأكاديمية من أجل اكمال عملية التعيين والالتحاق بالعمل في كلية الاقتصاد.

باشرت بالعمل في كلية الاقتصاد في اليوم الثاني من شهر كانون الثاني 1983، أي في بداية الفصل الثاني من العام الدراسي 1982-1983. بدأت بالعمل دون وجود عقد عمل رسمي وانما مجرد اتفاق شفهي. كانت الدائرة المالية في الجامعة تريد أن يكون عقد عملي  في الجامعة، عقد عمل محلي اسوة ببقية الأساتذة اليمنيين، وذلك لأن اليمن الديمقراطية كانت تأخذ مساعدات من دول الخليج العربي لتغطية عمل الاساتذة من غيراليمنيين في قطاع التدريس الجامعي والثانوي. وبهذا الشكل تقسم جامعة عدن العقد الخليجي الى قسمين لتغطي به راتب اثنين من أساتذة الجامعة العراقيين. استمرت المفاوضات لمدة خمسة أشهر واستلمت أول راتب مع بقية الرواتب المتراكمة في بداية شهر حزيران/يونيو 1983.  كان راتبي الشهري هو 270 دينارا يمنيا جنوبيا ويسمح بتحويل 70% من الراتب الى الدولار الأمريكي بسعر صرف ثابت قدره 2.89 دولاراً أمريكياً للدينار الواحد والذي استمر حتى قيام الوحدة اليمنية في العام 1990.

طاقم تدريس أممي

كان معنا في كلية الاقتصاد خمسة أساتذة من الاتحاد السوفيتي (من موسكو وكييف ومينسك) يلقون محاضرات في المحاسبة والإقتصاد السياسي والاقتصاد الصناعي. عملت مع الدكتور ادوارد كوندراتنكو من معهد الاقتصاد الوطني في كييف دراسة ميدانية استمرت شهرين حول انتاجية مصنع معجون الطماطم في مديرية الفيوش بمحافظة لحج. كانت الدراسة بتكليف من وزارة الصناعة اليمنية وجامعة عدن. انهينا الدراسة في الوقت المطلوب مع  عدة توصيات بخصوص ضرورة تحديث الخطوط الانتاجية والتكنولوجيا المستخدمة في الانتاج مع انشاء مخازن مبردة لخزن المنتوج قبل تسويقه وعقود توريد الطماطم من المزارع التعاونية والحكومية وطرق تحديد الأجور..الخ وتكونت الدراسة من 76 صفحة فولسكاب.

نظمت عمادة كلية الاقتصاد رحلة لأساتذة  الكلية الى الضالع في أواسط شهر كانون الأول من العام 1983 شارك فيها حوالي عشرون استاذا وأستاذة شملت الأساتذة السوفيت وأستاذة من ألمانيا الديمقراطية.  كانت رحلة ممتعة لأني أول مرة أزور مدينة الضالع التي  تقع في منطقة جبلية وعرة وكان الطريق غير معبد. تشتهر مدينة الضالع بزراعة القات ولهذا اغتنم الأساتذة اليمنيون هذه الفرصة وخصوصا كان اليوم هو يوم الخميس (يباع القات في اليمن الديمقراطية يومي الخميس والجمعة فقط حسب قوانين الحكومة). بعد تناول طعام الغداء، اجتمعنا في قاعة كبيرة مساحتها لا تقل عن عشرة أمتارمربعة (لم يكن معنا الأساتذة الأجانب). يسمى مكان الجلسة هو المخدرة ويجب أن تكون النوافذ والشبابيك مغلقة حتى لا يدخل الهواء ويفسد نشعة القات. بعد جلوسي معهم لفترة معينة غادرت المكان بسبب كثافة دخان السجائر. تعرفت اثناء الرحلة على الدكتورعبد الفتاح هيكل وهو مصري وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المصري وكان مقيما في جمهورية ألمانيا الديمقراطية. كان يدرس مادة الاقتصاد السياسي في الكلية لطلبة السنوات الأولى والثانية (أرفق صور عن الرحلة الى الضالع).

كانت هذه الرحلة فاتحة تعارف مع أساتذة الكلية وخصوصا مع الأساتذة السوفيت اللذين جلبوا عوائلهم معهم . صرنا نحتفل معا بمناسبة ثورة اكتوبر الاشتراكية وكذلك تبادل الزيارات معهم وخصوصا بعد قدوم زوجتي الى عدن في خريف العام 1983 ومكوثها لمدة أربعة أشهر في اليمن الديقراطية.

كنت وبعض الأصدقاء نقوم برحلات الى ساحل البحر في البريقة في أيام الجمع للترفيه والسباحة في البحر(أرفق صور عن ساحل البريقة).

مطرغزيرلم ينزل منذ 50 سنة في عدن

من صفات جو مدينة عدن بأنه قليل المطر ومعدل درجة الحرارة في فصل الشتاء 18-20 درجة مئوية ورطوبة قليلة تصل الى 31 %، أما في الصيف فمعدل درجة الحرارة  يصل الى 40  في بعض الأحيان  كما كان في صيف العام     1983 ونسبة رطوبة عالية وصلت وقتذاك الى حوالي 79%.  وفي أحد أيام شهر شباط /فبراير من العام 1983 نزل مطر غزير حتى فاضت الغرفة التي نسكنها أنا والمرحوم دكتور حسين بسبب انسياب ماء المطر من ثقب في سقف الغرفة والشقوق الكثيرة المتواجدة فيه.  حدث هذا في ليلة يوم جمعة كما أتذكر. صعدت في الصباح مبكرا فوق سطح الغرفة وبدأت أغرف ماء المطر بواسطة قدر كنا نستخدمه للطبخ وأرميه في الحديقة الخلفية للبناية.  أدى المطر الغزير الى حدوث سيول في اليمن الجنوبي وانجراف الطرق المعبدة في أماكن كثيرة. رأيت هذا في يوم السبت وأنا في طريقي الى كلية الاقتصاد في مدينة الشعب في حافلة الكلية مع بقية الأساتذة والموظفين العاملين في الكلية اللذين  قالوا بأنه لم ينزل مطر بهذه الغزارة في مدينة عدن منذ 50 سنة خلت. قامت دول الخليج العربي وقتذاك بارسال مساعدات مادية وعينية -غذائية وملابس وغيرها الى جمهورية اليمن الديمقراطية.

استغل الصديق والمخرج السينمائي ناصر خزعل الذي كان يعمل  آنذاك في محطة تلفزيون عدن جريان مياه الأمطار من فوق سد بحيرة الخساف وقام بتصويره في كامرته السينمائية ليصبح بعد ذلك منظر سقوط المياه من أعلى السد منظرا يفتتح به تلفزيون عدن كل يوم في الساعة الرابعة عصرا.   

سياق العمل الجامعي

قمت بتدريس مادة التوثيق الانتاجي في نظام ادارة المشاريع الصناعية لطلبة السنة الأولى والاقتصاد الرياضي لطلبة السنة الرابعة ومادتي إدارة الإمداد المادي التقني وإدارة الانتاج الصناعي لطلبة السنة الثالثة وبهذا اكتمل نصابي حيث كنت ادرس 12 ساعة في الأسبوع، بالإضافة الى الأشراف على مشاريع التخرج لطلبة الصفوف الرابعة وحتى كنت اعمل سيمنارات لطلبتي قبل أن يعينوا معي معيدا اسمه مازن كما أتذكر. قمت بالمشاركة في جميع فعاليات الكلية الثقافية من ضمنها المؤتمرات العلمية التي عقدت في عدن مثل :

- الندوة العلمية حول التعليم العالي والتنمية التي أقامها المؤتمر العام الخامس لإتحاد الجامعات العربية في شهر شباط/فبراير - 1985، حيث ساهمت ببحث نظري وتطبيقي عنوانه: العلاقة بين التعليم الجامعي والعالي وإدارة المشاريع الصناعية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

- الندوة العلمية التي أقامتها كلية الاقتصاد بجامعة عدن تحت شعار: التحولات الاقتصادية والاجتماعية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

اسم البحث الذي قدمته هو: تكنولوجية الأعمال الإدارية في المنشآت الصناعية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. شهر آذار /مارس 1985. (أرفق صور عن المؤتمرات العلمية والسيمنارات التي كنت أقيمها لطلبتي).

ومن المناسبات المهمة هي زواج دكتور حسين في ربيع العام 1983 من فتاة يمنية كانت احدى طالباته في دراسة الدبلوم المسائي وعملت في  مديرية السياحة في عدن، وهي من سكان مدينة البريقة التي تبعد عن عدن بحدود  29 كم (أرفق صور عن حفلة زواج د. حسين حيث يظهر الى جانبه د. هادي أبو حسنين).  حصل دكتور حسين على شقة تابعة لجامعة عدن في حي خور مكسر وانتقل للسكن فيها مع زوجته،  وهي بالأساس تابعة لوزارة الاسكان ولكن تقوم الجامعة بتأجيرها بمبلغ 150 دينار يمني جنوبي لإسكان اساتذتها من غير اليمنيين.

كانت علاقتي بطلبتي مبنية على الاحترام المتبادل ولذلك كانوا يدعوني الى  أنشطتهم الثقافية والرياضية وللمشاركة في رحلاتهم الترفيهية الى الأماكن السياحية . كان يدرس أنذاك عدد كبير من الطلبة العرب في جامعة عدن، من فلسطين ومصر والأردن والعراق (أرفق صور عن هذه الرحلات).  

عودة عبد الفتاح اسماعيل الى عدن

عادعبد الفتاح اسماعيل الى عدن في بداية العام 1985 في 7 آذار/مارس 1985 بعد غياب قسري في الإتحاد السوفيتي لمدة خمسة سنوات تقريبا منذ 25 حزيران/يونيو 1980 وذلك بعد ضغط القواعد الحزبية في الحزب الاشتراكي اليمني. كان بيته مراقب من قبل السلطات الأمنية من الداخل ومن الخارج . حدثني أحد طلبتي بأن وفودا من اتحاد الشبيبة الديمقراطية اليمنية (أشيد) كانت تزوره في بيته ولاحظوا بأنه يوجد رجال الأمن داخل الصالة التي يستقبل فيها ضيوفه. انقسم الشارع اليمني بين مؤيد ومعارض لعودة عبد الفتاح اسماعيل. كان من المفروض بأن تحل المشاكل بين الأطراف المتنازعة في المؤتمر الثالث للحزب الاشتراكي اليمني في 16 تشرين الأول/اكتوبر1985، ولكن مع الأسف لم تحل على الرغم من تخلي علي ناصر محمد عن منصب رئيس الوزراء وعودة عبد الفتاح اسماعيل الى المواقع المتقدمة في الحزب حيث أصبح عضواً في المكتب السياسي. ولكن الأوضاع انفجرت في 13 كانون الأول/يناير 1986وحدثت الحرب بين الأطراف المتنازعة وراح ضحيتها حوالي عشرة ألاف من المواطنين الأبرياء من ضمنهم عبد الفتاح اسماعيل وعلي عنتر وعدد من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني.

الهجرة الى مملكة النروج من سوريا

غادرت عدن في أواسط شهر تموز/يوليو 1985 متوجها الى الاتحاد السوفيتي لزيارة زوجتي السوفيتية في مدينة أوديسا على ساحل البحر الأسود بأوكرانيا  حيث مكثت هناك لمدة ستة أشهر.  سافرت في اواسط شهر كانون الثاني/يناير 1986 الى سوريا (بعد محاولة لجوء  فاشلة في السويد في الاسبوع الاول من كانون الثاني/يناير 1986) حيث عملت  في نهاية شهر نيسان/أبريل باحثاُ في مكتب دراسات الجدوى الاقتصادية في الشركة العامة للدراسات والاستشارات الفنية في دمشق لمدة سنتين تقريبا قبل أن أغادرها مع زوجتي (التي التحقت بي في سوريا في صيف العام 1986) في أواسط شهرأيلول/سبتمبر 1987 الى مملكة النروج التي أقيم فيها لحد الأن.  

هناك كثير من التفاصيل التي لم أذكرها عن حياتي وحياة العراقيين في اليمن الديمقراطية لمدة ثلاثة سنوات تقريبا وكذلك محاولة طلب لجوء في السويد في الاسبوع الاول من كانون الثاني/يناير 1986 قد تؤدي الى حدوث اضطراب عند القارئ واكتفيت بالذي دونته في هذه المقالة.

 

أ. د. سناء عبد القادر مصطفى

 

محمود محمد عليالحياة هي رحلة مجهولة الهوية، تحمل معها منعطفات لا نعرف وجهتها.. الحياة هي المساحة الجميلة في أعمارنا، والتي تحملنا معها من بين السنوات الكثير من المناسبات، والكثير من الرائعين منهم من يترك في كل مساراته وسنينه هوامش كبيرة ومؤثرة تشكل بصمة لهذا الإنسان وتجعل منه ضمن مجرات الحياة وعطاءاته إضاءات متلألئة، كل شكل منها يكوّن إضافة متميزة لا يحملها إلا القليل من هؤلاء النخب العظيمة.

والأستاذ الدكتور عبد الناصر محمد حسن ياسين – أستاذ علم الآثار الإسلامية ونائب رئيس جامعة سوهاج لشؤون التعليم والطلاب واحد من هؤلاء النخب العظيمة، وقد عرفته كصديق وزميل منذ ثمانينيات القرن الماضي، عندما كنت أدرس بقسم الفلسفة بكلية الآداب بسوهاج، وكانت تتبع جامعة أسيوط قبل أن تستقل، وكان معي في نفس الدفعة بقسم الآثار، وكنا نلتقي بالمكتبة ونتحاور معا في قضايا عديدة، كان طالبا نابغا، وباحثا موهوبا.

ولتفهم سيرة الدكتور عبد الناصر ياسين لا بد أن نتحدث قليلا عن علم الآثار الإسلامية، حيث حرص المسلمون بدورهم على جمع التحف الثمينة، إذ كانت قصور الأمويين والعباسيين والفاطميين والأندلسيين وغيرهم تزخر بالكثير من الآثار والتحف الثمينة والنادرة، فليس أدل على ذلك مما ذكره المؤرخون عما أخرج من قصر الخليفة الفاطمي من الكنوز والتحف. ولم تقتصر عناية المسلمين بالتحف المنقولة فقط، بل امتدت إلى العمائر القديمة على مختلف أنواعها من دينية ومدنية وعسكرية، وحظيت المباني الدينية بأكبر نصيب من الصيانة والحفظ. ومن ثم كان معظم ما وصل إلينا من آثار معمارية قديمة عبارة عن مبان دينية من مساجد ومدارس وزوايا وخانقاوات وأضرحة ومكاتب وأسبلة وتكايا.. وغيرها، إلى جانب ما وصل إلينا من تحف منقولة مثل التحف الخشبية والزجاجية والعاجية والمعدنية والخزفية والجصية والبلور الصخري والمنسوجات والمخطوطات المصورة وغيرها.

وقد شهدت علم الآثار الإسلامية سير جمهرة من الأعلام الكبار الذين جابوا أطلال مدن الحضارة العربية – الإسلامية في مصر، والعراق، وتونس، والمغرب، ودول عربية كثيرة، أو نقبوا فيها، واستخرجوا نفائسها، وصنفوا المئات من الكتب والمعاجم والخرائط والأطالس والمخططات والصور التي تمثل آثار وحضارات كثير من دول وعواصم عربية وإسلامية.

إن معرفة ما قام به أمثال هؤلاء الرجال واطلاع الجيل الحاضر علي سير حياتهم وما صادفوه من عقبات لواجب مقدس، يمليه علينا صوت الحق والعدل ويحتمه الوفاء والعرفان بالجميل.

والدكتور عبد الناصر ياسين يمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثا ومنقبا، محققا ومدققا، مخلفا وراءه ثروة هائلة من الكتب العلمية، والبحوث الاكاديمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع في علم الآثار الذين أعطاهم خلاصة فكره وعلمه.

لقد جمع الدكتور ” عبد الناصر ياسين ” في شخصه الكريم، نزعة دينية أخلاقية نابعة من خلال تبنيه الاتجاه الوظيفي في علم الآثار الإسلامية المرتبط بتصور وظيفي شامل لعلوم الآثار الإسلامية إلي جانب البحث الدقيق العميق، وقد تجلت هذه النزعة في نفسه الراضية المطمئنة، وسلوكه الإسلامي المستنير الذي ألتزم به في الحياة العامة، وكان تجسيد لعلم الآثار الإسلامي بجانبيه النظري والعلمي، وعند المتخصصين في الآثار الإسلامية وعلومها هناك علاقة قوية بين الجانبين. فقد كان باحثاً فاحصاً محققاً، مثالاً، ونموذجاً وواقعياً حياً للخلق الإسلامي، محتذيا بأساتذته الأجلاء من أمثال الأستاذ محمد عبد الستار وغيره.

والدكتور عبد الناصر ياسين من خيرة الأثريين المصريين الذين تراهم كشعلة نشاط، إنه لا يكل ولا يمل، وهو يمثل علامة وضاءة ومشرقة ولا يمكن لأي لعلم الآثار الإسلامية أن يتغافل عن دورة وجهوده في الارتقاء بالبحث العلمي والعمل الإداري بجامعة سوهاج ؛ فهو كما وصفه الأستاذ الصحفي عاطف حنفي في مقال له بعنوان عبدالناصر ياسين أهم رموز إعلام جامعة سوهاج صاحب الأخلاق والعلم والهيبة والوقار، عالم جليل ورمز من الرموز العلمية في مجاله علي مستوي مصر بأكملها، يتخذونه جميع الطلاب قدوة لهم ورمز للكفاح والعمل والعلم، ونموذج مشرف لجامعة سوهاج، وصل بالكفاح والاجتهاد والإبداع والتفاني في عمله إلي عميد كلية الآثار بجامعة سوهاج.

والحديث عن الدكتور عبد الناصر ياسين هنا إنما يتناول صورة مشرقة لمصري أستطاع أن يقتحم ميدان الكشف والتنقيب عن الآثار الإسلامية – الذي كان وقفا عن الأجانب من قبل – بشجاعة وجرأة نادرتين، والذي أثبت أن المصريين لا يقلون عن غيرهم من الأثريين إذا ما أتيحت لهم الفرص ويسرت لهم الإمكانيات .

والدكتور عبد الناصر ياسين واحداً من كبار المتخصصين في الآثار الإسلامية الذين حددوا مجاله، ورتبوا موضوعاته، وكشفوا النقاب عن شخصياته، وصاغوا الأطر النظرية له، وأبان عن تاريخه وأبعاده النظرية والعملية، وعرف مصطلح الآثار وخصائصه، وأوضح المنهج العلمي لدراسته. أما تلامذته فقد صرف الشيخ حياته المباركة في بذل العلم وإفادة الطلاب، ولذلك كثر طلابه والآخذون عنه بفضل تميزه بفكر نيّر، متفتح، ناقد، بعيد عن التقليد أو التعصب .

ولد الدكتور عبد الناصر ياسين في الحادي عشر من شهر مايو لعام 1966 بمحافظة سوهاج، جمهورية مصر العربية، حيث علي ليسانس آداب، قسم الآثار، شعبة الآثار الإسلامية، كلية الآداب بسوهاج، جامعة أسيوط سنة 1987، بتقدير عام “جيد جدا”. ثم خدم بالقوات المسلحة كضابط احتياطي لمدة ثلاث سنوات، ثم خرج ليعين معيد بكلية الآداب بسوهاج، قسم الآثار الإسلامية، في عام 1991م، ثم حصل علي ماجستير في الآثار الإسلامية، قسم الآثار الإسلامية، كلية الآداب بسوهاج، جامعة جنوب الوادي، 1996م، بتقدير "ممتاز" مع التوصية بالطبع على نفقة الجامعة، وتبادلها مع الجامعات الأخرى، وحصل علي الدكتوراه في الآثار الإسلامية، قسم الآثار الإسلامية، كلية الآداب بسوهاج، جامعة جنوب الوادي، 1999م، بتقدير “مرتبة الشرف الأولى”، مع التوصية بالطبع على نفقة الجامعة، وتبادلها مع الجامعات الأخرى.

وفيما يخص العمل الإداري وخبراته الوظيفية، فقد حصل علي درجة أستاذ مساعد بكلية الآداب بسوهاج، قسم الآثار الإسلامية، في عام 2005م، ثم أستاذاً بكلية الآداب بسوهاج، قسم الآثار الإسلامية، في عام 2010م، وعقب ذلك تم تعيينه وكيلاَ لكلية الآداب- جامعة سوهاج لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة في عام 2011م، ثم وكيلاً لشئون التعليم والطلاب، في عام 2014م ؛ وعندما أنشئت كلية الآثار- جامعة سوهاج، بالقرار رقم (1036) الصادر بتاريخ 1/ 8 /2016م، عُين مشرفا على الكلية لفترتين، ثم عُين عميداً لها في عام 2018، ثم نائب رئيس جامعة سوهاج لشؤون التعليم والطلاب في عام 2021م.

وخلال تلك الفترة قام الدكتور عبد الناصر ياسين بإعداد مقررًا دراسيًا عن “الفخار الإسلامي” لبرنامج التعليم المفتوح بجامعة الخرطوم، ثم صار بعد ذلك منسقاً ومستشارا عام الأنشطة الطلابية بكلية الآداب، ثم مستشارا علي النشاط الرياضي بكلية الآداب، ثم رئيساً للجنة شئون الطلاب بكلية الآداب، ثم نائباً لرئيس مجلس المشاركة الطلابية.. الخ

ويذكر أن الأستاذ الدكتور عبد الناصر ياسين، يشغل منصب عميد كلية الآثار- جامعة سوهاج، وأستاذ الآثار الإسلامية بالكلية، ثم نائبا لشؤون التعليم والطلاب، وله العديد من المؤلفات والأبحاث ؛ نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : دراسة عن الرمزية الدينية في الزخرفة الإسلامية (دراسة في "ميتافيزيقا" الفن الإسلامي)، ودراسة عن الأسلحة الهجومية في العصر الإسلامي (بالتطبيق على زخارف الفنون التطبيقية والعمائر)، ودراسة عن الأسلحة الدفاعية في العصر الإسلامي (بالتطبيق على زخارف الفنون التطبيقية والعمائر)، ودراسة عن الأعلام في العصر الإسلامي (أنواعها، صفاتها، خصائصها، مع دراسة للأعلام المنفذة على الخزف الإسلامي)، ودراسة عن الأعلام البحرية في تصاوير المخطوطات الإسلامية، ودراسة عن الدبابيس ذات الرؤوس غير التقليدية في تصاوير المخطوطات الإيرانية خلال الفترة من ق 8- 12هـ/ 14- 18م، مع دراسة مقارنة لمثيلاتها في تصاوير المخطوطات الإسلامية المعاصرة”، ودراسة عن مقدمات السفن ومؤخراتها المشكلة على هيئة رؤوس كائنات حية وخرافية في تصاوير المخطوطات الإسلامية خلال الفترة من ق 6- 12هـ/ 12- 18م، ودراسة عن أثر المنشآت المعمارية في تشكيل الفنون التطبيقية الإسلامية وزخرفتها.. وهلم جرا.

والدكتور عبد الناصر ياسين من الأساتذة المحترمين الذين قدموا لنا درسا لا ينسي، وهو أن الأستاذ الجامعي، ليس هو من يجيب الطالب بمعلومات جاهزة لديه، بل هو من يرشده إلي المنهج العلمي الذي يصل به إلي المعرفة، ويحدد مصادر موضوع بحثه ولم تختلف هذه الصورة منذ بدأت حياته العلمية: وإلي الآن معرفة دقيقة بموضوعه؛ لغة علمية محددة، حجة منطقية دقيقة، رحابة صدر، قدرة علي التعليم والتوجيه .

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذ الدكتور " عبد الناصر ياسين " لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة للأستاذ الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليتحل علينا هذه الأيام ذكرى رحيل الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي  28  أكتوبر، ورائد التنوير بالعالم العربي، تولى وزارة المعارف عام 1950 في الحكومة الوفدية بقيادة مصطفى باشا النحاس في عهد الملك فاروق الأول، قائلا: "لم أختار أن أكون وزيرا ولكنه قضاء الله"، وقد أخذ طه حسين على عاتقه مهمة رسم مستقبل الثقافة والتعليم في مصر بعد سقوط حكومة النحاس عام 1952، بسبب حريق القاهرة الذي ظل في وجدان جميع المصريين.

طه حسين الذي ولد في محافظة المنيا الذي كان ترتيبه السابع بين 13 طفلا لأسرة من الطبقة المتوسطة ليصيب في سن مبكرة جدا من عمره بعدوى في العين، بسبب سوء التعامل مع حالته وعدم تلقي العلاج اللازم ليصاب بالعمى في سن 3 أعوام، ورفع طه حسين شعار العلم حق للجميع كالماء والهواء ليساهم في تحقيق العديد من الإنجازات في الأدب العربي، كما أسس في مدريد المعهد المصري المتخصص في الدراسات الإسلامية.

ولا يخلو بيت عربي، ولا مكتبة في أغلب دول العالم من أحد مؤلفات رائد التنوير والتجديد في الأدب العربي طه حسين، الذي استطاع بشجاعة ومثابرة هزيمة عمى البصر الذي عانى منه، وأيضا عمى البصيرة الذي عانت من الأمة العربية طويلا، واستطاع بثقافته واطلاعه إخراج العقول العربية من أثر الجهل والتخلف.

وقد عاش طه حسين في فترة من أهم فترات مصر الليبرالية، حيث نشأة الروح القومية، والأحزاب السياسية المعاصرة، وروح النهضة المنطلقة مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتحول مصر الليبرالي بعد ثورة 1919. وخروج المرأة إلى الشارع، وانتشار الجرائد والمطابع ودستور 1923، وغير ذلك، فقد كانت تلك الفترة بمثابة فتح جديد لمصر على يد كثيرين من أبنائها تلاميذ الإمام محمد عبد

بل إن شهرته التي طبقت الآفاق جعلت أديبًا من وزن الفرنسي أندريه جيد يرشحه، عام 1949 لنيل جائزة نوبل للآداب. تناول شيَّاع بالدراسة والبحث سيرة مفكرٍ مجددٍ مثل طه حسين الذي فرض حضوره المتميز على الحياة الثقافية والعلمية والسياسية في مصر طيلة نصف قرن.

و" طه حسين"، خالد ومتجدد كما النيل، وأعماله كالآثار المصرية القديمة تزداد قيمة كلما مرّ عليها وقت، وما زالت في حاجة إلى من يكتشف المزيد منها، صنع العظيم أسطورته الشخصية بما يملكه من فكر صدّره إلى العالم وكان سببا في الهجوم عليه، لكنه كان يعرف حقيقة وجوده وجوهر رسالته التي لا بدّ أن تصل إلى الجميع في جميع أقطار الأرض، بينما تحتفظ بهويتها المصرية، وذلك في آن واحد.

ولد عميد الأدب العربي طه حسين، ابن الصعيد في قرية تابعة لمركز مغاغا محافظة المنيا، في 15 نوفمبر 1889، وقد ذاق طه حسين مرارة فقدان البصر وهو طفلًا لم يبلغ الرابعة من عمره، بسبب الجهل السائد في تلك الفترة؛ فقد أصيبت عيناه بمرض الرمد، وبدلًا من الذهاب به إلى الطبيب، عالجه «الحلاق» بدواء أفقده بصره للأبد، ولم يقف فقدان البصر حائلًا أمام تلقي طه حسين للعلم، حيث أرسله والده إلى كُتاب القرية ليتعلم فيه اللغة العربية، وأساسيات الحساب، وقد حفظ القرآن كاملا وهو في سن صغيرة.

وقد قال عنه نزار قبانى : ضوءُ عينَيْكَ.. أم حوارُ المَـرايا أم هُـما طائِـرانِ يحتـرِقانِ؟ هل عيونُ الأديبِ نهرُ لهيبٍ أم عيـونُ الأديبِ نَهرُ أغاني؟ آهِ يا سـيّدى الذى جعلَ اللّيلَ نهاراً.. والأرضَ كالمهرجانِ.. اِرمِ نظّارَتَيْـكَ كي أتملّى كيف تبكى شـواطئُ المرجانِ اِرمِ نظّارَتَيْكَ... ما أنتَ أعمى إنّما نحنُ جـوقةُ العميانِ أيّها الأزهري... يا سارقَ النّارِ ويا كاسراً حدودَ الثوانى عُدْ إلينا.. فإنَّ عصرَكَ عصرٌ ذهبي.. ونحنُ عصرٌ ثانى سَقَطَ الفِكـرُ في النفاقِ السياسي وصارَ الأديبُ كالبَهْـلَوَانِ يتعاطى التبخيرَ.. يحترفُ الرقصَ ويدعو بالنّصرِ للسّلطانِ.. عُدْ إلينا.. فإنَّ مـا يُكتَبُ اليومَ صغيرُ الرؤى.. صغيرُ المعاني.

وقد جاهد صاحب "الأيام" من أجل الدراسة بالجامعة المصرية، وكان من أوائل المنتسبين لها في بدايتها عام 1908، وحصل على الدكتوراه عام 1914 في دراسة عن الشاعر "أبي العلاء المعري"، سافر بعد ذلك إلى فرنسا وهناك تعرف على الفرنسية "سوزان بريسو" وتزوجا، وكان أول المصريين الحاصلين على الدكتوراه من جامعة السوربون عام1918.

ثم تعرض مؤلف "في الشعر الجاهلي" ورائد التنوير في مصر، لحملات هجوم، وخاض الكثير من المعارك بسبب أراءه التحررية، ودعوته لتغليب صوت الفكر والعلم فوق الأصوات المنادية للجهل، مما أدى إلى فصله من التدريس بالجامعة المصرية1933، وعمل مؤلف "المعذبون في الأرض" في الحقل الصحفي بإشرافه على جريدة "كوكب الشرق"، وتحرير "جريدة الوادي"، لكنه لم يكمل الطريق وعاد مرة أخرى للجامعة، وعمل أستاذاً للأدب، حتى أصبح عميداً لكلية الآداب، وفي عام 19، 50شغل منصب وزير المعارف في الحكومة المصرية، وأثناء منصبه أبدع أشعاره "التعليم كالماء الذي نشربه، والهواء الذي نتنفسه"، وحارب الأمية وجعل التعليم الأساسي متاحا للجميع.

وأبدع طه حسين الكثير من الموروث الفكري والثقافي في مختلف صنوف الأدب وأشكاله ولا يسعنا هنا سوى أن نذكر بعض من أعماله، منها «على هامش السيرة، الفتنة الكبرى عثمان، الفتنة الكبرى على وبنوه، حديث المساء، مع أبي العلاء في سجنه، من لغو الصيف، حافظ وشوقي، قادة الفكر، الحب الضائع، شجرة البؤس، جنة الشوك، بين بين، صوت باريس، والوعد الحق"، وفارق محارب الجمود والظلام الدنيا في أكتوبر 1974، تاركا للإنسانية تراث امتد أثره ليعبر حدود اللغة من خلال الترجمة للعديد من اللغات ليغزو عقول الكثير من سكان الكرة الأرضية.

ولذلك حين تقرأ بتمعن المشروع الفكري والإبداعي لطه حسين، تشعر وكأنه كان معنيا بالتأثير الفعلي فى حياة أمته، فنصوصه الإبداعية بدت تأسيسا ملهما للسرد في بواكير علاقة العرب بالرواية الحديثة، ونصوصه المكتملة مثل "دعاء الكروان"، و"الحب الضائع" تمثل نقلة نوعية فى مسار السردية العربية، وأعماله النقدية وفى المتن منها "حديث الأربعاء"، و"من أدبنا المعاصر" بدت زوايا نظر عميقة للنص العربي قديمه وحديثه، وأحيانا تأسيسا مبكرا للغاية لطروحات فى نقد النقد، أو درسا تطبيقيا رفيعا في الأدب المقارن من زاوية التأثير والتأثر بين نصين ينتميان لثقافتين وأدبين مختلفين. وفى مناخات العتامة والتطرف الديني تصبح استعادة طه حسين واجبة، ويصبح استكمال ما بدأه أمرا لا غنى عنه فى استئناف مشروع التحديث المصري والعربي من جهة، وتكريس فكرة الدفاع عن العقلانية بوصفها جوهر التنوير من جهة ثانية.

في كتابه (قراءات في الفكر العربي الإسلامي) تحدث الباحث العراقي كامل شيَّاع عن مكانة طه حسين الفكرية التي هي موضع إجماع الداني والقاصي. وإن طه حسين (1889 - 1973) الذي سجل في الجزء الثالث من سيرته الذاتية (الأيام) استياءه لعدم إشارة سعد زغلول اليه كواحدٍ من أعمدة يقظة مصر الحديثة، حين اكتفى الأخير، في كلمة له ألقاها في ذكرى وفاة الشيخ المصلح محمد عبدو، بذكر ثلاثة أسماء فقط: محمد عبده "الذي أحيا الحرية العقلية"، مصطفى كامل "الذي أذكى جذوة الحرية السياسية»، وقاسم أمين "الذي أحيا الحرية الاجتماعية". فمن المؤكد، كما يقول شيّاع، أن طه حسين ما كان يحتاج آنذاك ولا في أي فترة لاحقة الى الاعتراف بمكانته الفكرية كأحد أبرز رموز النهضة الحديثة في مصر والعالم العربي.

ولقد أراد "طه" الرمز المشع أن يحرك الجمود الفكري، الذى أصاب مصر بعد الاحتلال العثماني، الذى كان يرى أنه ردها إلى الانحطاط بعد الرقي، وإلى الجهالة بعد العلم، وقطع الصلة بينها وبين أوروبا دهرا، فكان المنطق الذى أراده عميد الأدب والثقافة والفكر العربي، أن تتجه مصر نحو أوروبا، وتتخذ منها أسباب الحضارة، مدخلا لنهضتها الحديثة، استئنافا لحضارتها القديمة، فيرى أن مصر حمت العقل الإنساني مرتين، حين آوت فلسفة اليونان وحضارته أكثر من 10 قرون، وحين آوت الحضارة الإسلامية وحمتها إلى العصر الحديث، فما شخصه "بول فاليري" للعقل الأوروبي كأساس النهضة الحديثة بأنه يرجع إلى عوامل ثلاثة، هي نفسها أسس العقل الإسلامي، وهى حضارة اليونان وما فيها من أدب وفلسفة وفن، وحضارة الرومان وما فيها من سياسة وفقه، والمسيحية وما فيها من دعوة للخير وحث على الإحسان، ولا يرى "طه" الإسلام إلا متمما ومصدقا للتوراة والإنجيل، من خير وإحسان، وليس هناك تناقض بين العقل الأوروبي والمصري، يمنع التواصل واللحاق بركب الحضارة الحديثة، بكل أوجهها الثقافية والعلمية، وتعويض ما فاتنا بالتوجه إلى القبلة الحضارية بالغرب .

وفى ذكرى رحيل العميد تحضرنا صور العميد من عدة زوايا تبرز فضله ودوره وعلمه وإنسانيته، الصورة الأولى للكاتب الذى لا يغريه منصب حكومي مهما كان عظيمًا، ذلك أنه عام ١٩٥٠ استدعى مصطفى النحاس العميد وعرض عليه منصب وزير المعارف، فرفض طه حسين إلا إذا أقرت الحكومة برنامجه في التعليم المجاني وتعهدت بتنفيذه، فوافق النحاس، ولأول مرة أمسى التعليم الثانوي والفني بفضل العميد متاحًا بالمجان لأبناء الشعب، وكان ذلك الموقف متسقًا مع ما كتبه طه حسين من أن "التعليم مستقر الثقافة"، ولا ثقافة من دون إتاحة التعليم للجميع؛ والصورة الثانية تجسد موقف العميد المدهش من قضية الطائفية، فقد كتب في "مستقبل الثقافة في مصر» يقول: «لعل الاختلاف بين المسلمين والأقباط في الدين أن يكون أشبه بهذا الاختلاف الذى يكون بين الأنغام الموسيقية، فهو لا يفسد وحدة اللحن وإنما يقويها ويزكيها ويمنحها بهجة وجمالًا"، وهنا يرى العميد أنه لا تعارض بين جوهر الديانات السماوية وربما يرى الكثيرون ذلك أيضًا، لكن أحدًا لن يمضى إلى الأمام أبعد وأجمل مما مضى العميد حين يقرر أن الديانات تكتسب بهجة وجمالًا بتجاورها وحياتها المشتركة، ويضيف إلى ذلك قوله: "عندما يمنح الله العدالة للناس فإنه لا يمنحها للمسيحيين فقط أو المسلمين فقط، وإنما لجميع الناس".

وفي نهاية مقالي لا أملك إلا أن أقول: إن الكلمات لا تستطيع أن توفي رائد التنوير طه حسين الذي كان يمثل لنا نموذجاً فذاً للفيلسوف ديكارت .. رحم الله  طه حسين، قاهر الظلام، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..........................

هوامش

1- فهد المضحكي: طه حسين رائد من رواد التنوير، مقال بالأيام.. العدد 11830 السبت 28 أغسطس 2021 الموافق 20 محرم 1442.

2- محمد بلال: في ذكرى وفاته.. سطور من حياة رائد التنوير طه حسين,, الشروق المصرية.. نشر في: الأحد 27 أكتوبر 2019 - 10:47 م | آخر تحديث: الأحد 27 أكتوبر 2019 - 10:47 م.

3- د.يسرى عبد الله: طه حسين وروح مصر المتجددة.. مقال بالأهرام المصرية .. تشر في الأثنين 17 من صفر 1439 هــ 6 نوفمبر 2017 السنة 142 العدد 47817.

4-رانيا عوض: "طه حسين".. رائد التنوير والعدل المعرفي، مقال منشور بالبوابة نيوز، منشور بتاريخ الخميس 30/يناير/2014 - 11:11 ص.

5- وفاء محمود: عنوان “طه حسين” فى مصر الجديدة.. مقال بالأهرام المصرية .. تشر في الثلاثاء 4 من ذي الحجة 1437 هــ 6 سبتمبر 2016 السنة 141 العدد 47391.

6- د. أحمد الخميس: طه حسين.. صور متجددة.. مقال بالدستور، منشور بتاريخ   السبت 30/أكتوبر/2021 - 07:40 م.

 

 

 

سليم الحسنيفي 19 نيسان 1981 وصلت الى طهران قادما من دمشق مع الشيخ محمد سعيد النعماني للعمل محرراً في مجلة صوت الأمة التي كان يرأس تحريرها.

كانت الساعة التاسعة مساءً، وقد بدت شوارع طهران مظلمة، بسبب الحرب مع العراق، لا تضيؤها إلا مصابيح السيارات والأنوار المنبعثة من النوافذ.

أوصلني الشيخ النعماني الى مبنى قرب ساحة فردوسي الشاعر الإيراني المشهور، كان المبنى مخصصاً لسكن المهاجرين العراقيين، وعند المدخل رأيت للمرة الأولى الأستاذ حسن شبر، رجل في الخمسينات من عمره، أنيق يغمره الوقار، ونظرة جادة يتسرب منها الحزن وتعب السنين.

هذا هو إذن السيد حسن شبر الرجل ذائع الصيت بمواقفه وثباته وصموده في السجن لمرات عديدة، أشهرها في قصر النهاية بحكاياته الخرافية مع رجل الرعب مدير الأمن ناظم كزار.

كنت أحمل إليه رسالة مغلقة من تنظيم حزب الدعوة في سوريا، كما هو الإجراء المتبع عندما يسافر أحد الدعاة من دولة الى أخرى، لكني شعرت أن الوقت غير مناسب. 

عصر اليوم التالي عدت من مجلة صوت الأمة الى مبنى (الإتحاد) واتصلت بالأستاذ شبر أخبره بشأن رسالة الإرتباط الحزبي. فسارع الى المجيئ وسلمته الرسالة، سألني عن شؤوني الشخصية، قلت له أن ليلة أمس كانت متعبة، وأنا سأبحث عن سكن، فقال لي:

ـ في سجون العراق يعيش أخوتك الدعاة في ظروف صعبة، ولا يجد السجين فسحة من المكان على الأرض لينام عليها.

لون الحزن غطى عينيه، كنت أراه من خلف نظارته الأنيقة، شعرت بأني أثرت فيه الهموم والذكريات، وربما لمحت بريق دمعة محبوسة. فإبنه البكر الشهيد رياض أعتقل وأعدم بعد فترة وجيزة، وكذلك خاله ووالد زوجته السيد قاسم شبر، وعدد من أفراد أسرته قضوا في سجون صدام.

أخبرني بأنه سيتم ترتيب إرتباطي خلال أيام، وإنتهى اللقاء، وساعتها لم يدر في ذهني أن علاقة من نوع خاص ستشدني الى هذا الرجل الصارم الوقور، وأنها ستتحول الى ما يشبه علاقة الإبن بأبيه، حتى أن بعض الأصدقاء فيما بعد كانوا يقولون أن السيد حسن شبر هو (ابوك الروحي).

بعد مضي أكثر من عقدين من الزمن، كنت أقوم معه في منزله بترتيب وأرشفة وثائق الحزب، حيث كنت معه في لجنة التاريخ الخاص للحزب، فأخرج مظروفاً وقال لي:

هذه رسالة نقلك من سوريا الى إيران.

طلبت منه أن أطلع عليها، فقال:

لا يمكن ذلك فهذا مخالف للضوابط التنظيمية.

كنت أعرف مسبقاً أنه سيمتنع، لما أعرفه عنه من صرامة في الإلتزام الحزبي، حتى ولو كان غارقاً في أحاديث السمر الجميلة.

الذين يعرفون تأريخ السيد حسن شبر الشخصي، يرونه رجل الصبر، لكن في شخصيته جوانب أخرى تزاحم الصبر، فالصراحة ونكران الذات والشجاعة في الرأي والدقة، وصفات أخرى كثيرة، تختزنها شخصيته، كنت اكتشفها مع الأيام من خلال العلاقة اللصيقة معه، فلا يكاد يمر يوم دون أن التقيه أو اتحدث معه هاتفياً.

مع الفقر كانت البداية:

في أحاديث كثيرة ومناسبات متفرقة لفت نظري أن السيد حسن شبر، يذكر التين والمشمش كشواهد في بعض كلامه. وذات يوم سألته عن سبب ذكره اسماء هذه الفاكهة. فأجابني:

ـ في طفولتي كنت أتصور أن هذه الفاكهة موجودة في الجنة فقط.

بهذه الطفولة بدأ حياته، مع أنه ينتمي الى عائلة عريقة لها منزلتها الدينية والإجتماعية الذائعة الصيت في العراق وخارجه.

وكنت أستمع الى أحاديثه عن طفولته وكأنه يروي قصة عن شخص آخر، إذ يصعب تصور شخص بهذا الطفولة المعدمة، أن يصل الى ما وصل اليه السيد شبر من ثبات ونزاهة ونظافة يد وتحمل لهموم الناس والاسلام، وعزيمة على الاستمرار نحو الهدف الذي آمن به.

كانت عائلته الكبيرة تقضي الكثير من الليالي بدون عشاء، وكانت وجبة الطعام هي الخبز بدون أدام. بل أن الخبز كان لا يكفي أحياناً، فيضطر والده الى ترك إبنائه يأكلون الخبز، معتذراً بانه مدعو لوليمة، فيخرج الى الصحن الحيدري يمضي الوقت هناك ثم يعود بعد ساعات متظاهراً بالشبع، فيما الجوع يقرصه بإنتقام.

وكان الخبز أحياناً لا يشبع جوعه، فيتسور سور نادي المعلمين ليأكل من أوراق الشجر.

حكايات كنت أسمعها فأجد نفسي أمام عملاق يعشق التحدي، يصرع بإرادته العنيدة كل الصعاب.

وكان يذهب الى المدرسة حافياً، لقد أكمل الإبتدائية حافي القدمين.

لكن هذا الفقر الظالم، علمه أن يسير بثبات في طريق الهم العام، وتلك خصلة لا يتوافر عليها كل أحد.

فقد حمل السيد حسن شبر الهم الإسلامي منذ بدايات شبابه، ففي الثلاثينات من القرن الماضي، وكان طالباً في مدرسة منتدى النشر في النجف الأشرف، بدأ يفكر بأهمية أن يشهد الواقع الإسلامي تحولاً جذرياً ينقذه من التخلف السائد. فأصدر مع بعض أصدقائه مجلة إسلامية بعنوان (البذرة) كانت تتبنى طرح أفكار إسلامية تدعو الى التغيير والإهتمام بشؤون المسلمين، وتوعية المجتمع.

وخطى السيد شبر خطوة أخرى باتجاه العمل الحركي في تلك الفترة، فقد تحسس أهمية أن يتم إعتماد العمل الحزبي من أجل مواجهة التخلف والانحراف في المجتمع، فأسس مع رفيق عمره الشهيد عبد الصاحب دخيل حزباً باسم (الحزب الاسلامي الجعفري) وكان يهدف الى القيام بحركة توعية في وسط الشباب على أساس الإسلام ومفاهيمه الأصيلة، بعيداً عن التقليدية الضاربة في الوسط الشيعي.

وكانت الخطوة من الخطورة بحيث انها تضعه أمام نقمة هائلة فيما لو انكشف أمرها، فلم يكن تشكيل الأحزاب السياسية مألوفاً في جو محافظ مثل أجواء النجف في تلك الفترة.

كان في حزبه يتحرك في أجواء من السرية الصارمة، يتخير الأشخاص الذين يفاتحهم بأمر حزبه بدقة وحكمة، فلا مجال للخطأ حتى لو كان عارضاً.

وفي تلك الفترة توثقت علاقته بالعديد من الشبان، صار لبعضهم أكبر الشأن في الحياة السياسية والاسلامية، مثل الشهيد الكبير السيد محمد باقر الصدر، والسيد محمد حسين فضل الله والمرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والشهيد السيد مهدي الحكيم، والشهيد السيد محمد باقر الحكيم  وشخصيات أخرى.

ونتيجة لنشأته في مدينة النجف الأشرف، وتعرفه على أجوائها، ورصده لمظاهر الحياة فيها، فقد استطاع أن يتمتع بحس إجتماعي كبير، كما أن نشاطه الحركي جعله يكتشف نقاط الخلل في الواقع الشيعي، وقد إختزن في ذاكرته تلك التجارب، وكتبها في مجلد كبير لا يزال مخطوطاً حتى الآن، وقد أعطاني نسخة منه، قرأته أكثر من مرة لأني كنت أشعر بأني أدخل حقبة من التاريخ لم أولد فيها.

وقد طلبت منه أكثر من مرة أن يبادر الى طباعة الكتاب، لكنه كان يرى أن الظروف لم تحن بعد، وكان عنوانه الأولي: (التخلف عن قيادة الأمة).

رحم الله الأستاذ الكبير والشخصية الرسالية الصابرة السيد حسن شبر، لقد استعدت عند سماعي خبر وفاته سنوات طويلة من الذكريات، مرّت عليّ سريعة مثقلة بالحزن الموجع.

 

سليم الحسني

٦ تشرين الثاني ٢٠٢١

 

عامر هشام الصفارتوفي في الساعات الأولى من يوم الجمعة الخامس من شهر تشرين أول/ نوفمبر الحالي المعماري العراقي الشهير قحطان المدفعي عن عمر ناهز على 95 عاما. وقد عرف العراقيون المعماري المدفعي من خلال تصاميمه وصروحه المعمارية التي أزدانت بها شوارع بغداد ومحلاتها وبلداتها.. ولعل المتابعين للمعمار العراقي يتذكرون تصميم المدفعي لجامع آل بنية في بغداد/ منطقة العلاوي حيث تقول دائرة الأعمار الهندسي العراقية عنه أنه التصميم الذي يمكن أدراجه ضمن أفكار النظرية النسبية لأسباب عديدة منها رفض السطوح المستوية بزاوية 90 درجة.. أضافة الى أستخدام مفهوم القوس المتحرك ليظهر لنا الشكل متناسبا ومعبرا عن العمل في رؤية كلية شاملة. ولعل جامع بنية بتصميمه المعروف كان قد لخص أهتمام د. قحطان المدفعي بموضوعة التاريخ والتعامل الذكي معها، حيث أن أستخدامه لمادة السيراميك ذات البعد التاريخي- حيث أستعملها البابليون في أكساء بنيانهم- أنما يمثل أرادة المدفعي في تحقق أستمرارية التاريخ وتواصله عبر الزمن.

ولد قحطان المدفعي في عائلة علم وفن وأدب حيث كان والده من المولعين بالرسم كما كان عمه زيد محمد صالح فنانا.. وقد درس المدفعي دراسته الأولى في بغداد ليواصل دراسته الجامعية في الهندسة المعمارية في جامعة ويلز البريطانية وفي مدينة كارديف بالذات (عاصمة ويلز بعد ذلك)، حتى أذا تخرج من الجامعة سارع بالعودة لأرض الوطن وذلك عام 1952. وقد فوجيء المهندس المعماري الشاب قحطان المدفعي في أن ما قام بتصميمه لدور موظفي مصفى الدورة قد حصل على الجائزة الأولى مناصفة مع المهندس المعماري جعفر علاوي، وذلك بعد فترة وجيزة من عودته للعراق مما أعطاه زخما للعمل أدى الى أنطلاقة غير مسبوقة بروح الأبداع، فكانت فكرته أن يقوم بتصميم بناية لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين وذلك عام 1956 حيث أستوحى تصميمه من فكرة الخيمة العربية. ويروي الراحل في لقاءات أعلامية سابقة عن تعاونه مع عمه زيد محمد صالح في جلب خرائط تخص فرنا للسيراميك والخزف، حيث تم بناء هذا الفرن في معهد الفنون الجميلة ببغداد حيث كان الفنان فائق حسن وآخرين يستخدمونه.

ومن المهم أن نذكر أن الفقيد المدفعي كان من مؤسسي نقابة المهندسين ونقابة الفنانيين العراقيين وهو على ذلك كان من المولعين بالرسم والفن عامة وقراءة وأبداع الشعر حتى وصل به الأمر لأن يكون عضوا مؤسسا لنقابتين يراهما البعض قد لا تلتقيان.. ولكن الفنان المعماري قحطان كان له رأي آخر عبر عنه عمليا فكانت له لوحاته التي شارك فيها في معرض الفن التشكيلي العراقي في عام 2001 على قاعة دجلة ببغداد فأبهر الحضور وأثار الأهتمام كما كان دائما... كما كانت له محاولاته الشعرية الأبداعية الناجحة وهو الذي يقول "أن لا يوم يمر دون ان يقرأ الشعر أو ينظمه... فالشعر معي دائما"... ثم انه –كما يروي طلبته في القسم المعماري الذي تأسس في جامعة بغداد عام 1959- رسم يوما أمام الطلاب قوس قزح فقال عنه أنه قوس قزح الفن.. فهنا الموسيقى وهنا الرسم والتمثيل والشعر أنتهاءا بأبداع العمارة والهندسة المعمارية...

وتقول مصادر العمارة العراقية أن المهندس قحطان المدفعي كان قد فاز عام 1957  وبالأشتراك مع معماريين عراقيين من أمثال الراحل عبد الله أحسان كامل في مسابقة معمارية لتصميم مصرف الرهون في شارع الملكة عالية أو شارع الجمهورية ببغداد.. حيث أعتبر المبنى حينذاك بمقياسه الهندسي الضخم واحدا من الحوادث المهمة في المشهد المعماري العراقي، كما أنه أمتاز بلغة معمارية صافية ومقنعة في مفرداتها. وتقول المصادر أن مبنى مصرف الرهون قد تم تجزئة مبناه الأداري الى كتلتين مختلفتين في السعة ومتصلتين فراغيا حيث عد من التصاميم التكوينية الرائدة في مجالها.

ويبقى من المهم جدا أن يطلع الجيل الجديد من المعماريين العراقيين على التراث الغني العلمي والفني الذي تركه الراحل المعماري العراقي الفذ قحطان حسن فهمي المدفعي لما لذلك من فائدة لضمان ديمومة مسيرة الأبداع الأنساني في مجال مهم وحساس من مجالات الأبداع والتميز.

وسنظل نتذكر ما قاله الراحل قحطان المدفعي: "العمارة بعد نصف قرن من ممارستي لها أنتقلت من ممارسة سلفية عادية مألوفة متوارثة إلى عالم الحياة، بل هي صنوه وتوأمه. فلا إنسان بدون عمارة ولا عمارة بدون إنسان".

 

عامر هشام الصفار

 

 

صادق السامرائي1/ في الموسم الجامعي 2005/ 2006م اجتزت بنجاح مقابلة شفهية بكلية الآداب بتطوان أمام لجنة علمية مكونة من الدكتور عبد الله المرابط الترغي رحمه الله رئيس شعبة اللغة العربية زمنئذ، والدكتور محمد مفتاح رحمه الله، والدكتور محمد كنون الحسني، لأصير بذلك طالبا في وحدة الأدب العربي في المغرب العلوي، راغبا في الاستفادة من علم نخبة من الأساتذة الفضلاء بالكلية وفي الحصول على دبلوم الدراسات المعمقة تمهيدا لمواصلة الدراسة في سلك الدكتوراه.

في تلك المقابلة الشفهية جلست أول مرة بين يدي أستاذي الدكتور محمد مفتاح لأجيب عن أسئلته في تخصص الأدب المغربي. لم أكن تتلمذت على يديه من قبل، وأذكره لحظة الاختبار الشفهي مرحا لطيفا بشوشا وهو يتوجه إلي بأسئلة حاولت الإجابة عنها انطلاقا مما كنت حصلته من قراءة "النبوغ المغربي في الأدب العربي" لعبد الله كنون و"الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى" لمحمد بن تاويت التطواني عليهما رحمة الله.

2/ لم يقدر لي أن أواصل الدراسات العليا عامئذ لأسباب من أهمها:

أ. ظروف عملي بإعدادية الحسن الثاني بزومي حيث كنت أعمل أربعا وعشرين ساعة كل أسبوع (وهو وضع استمر أربعة أعوام من 2005 إلى 2009)، وهذا ما جعلني عاجزا عن السفر إلى تطوان باستمرار للاستفادة من محاضرات الأساتيذ، ولتقديم عروض في المواد المدرسة... 

ب. بعض الصرامة التي انتهجتها الوحدة حينئذ في شأن غياب الطلاب، ومراقبة غيابهم في كل حصة حصة.

ج. عدم توفري، وأنا بعيد عن تطوان، على الضروري من المصادر والمراجع المساعدة على إنجاز العروض في كل مادة.

أمام هذه الصعوبات اضطررت للتخلي عن متابعة الدراسة بوحدة الأدب المغربي،

لكن مع حلول الموسم الجامعي 2011/ 2012 عدت إلى الكلية للدراسة بسلك الماستر بتحفيز من العلامة الدكتور عبد الله المرابط الترغي...فكانت هذه العودة سببا في أن أتشرف بالجلوس بين يدي أستاذي محمد مفتاح الذي درّسنا تحقيق النصوص، وأمد كل طالب منا بصفحات من أحد المخطوطات ليشتغل بقراءته وتخريجه.

أذكره في الفصل كما في المقابلة الشفهية السابقة بشوشا مبتسما لطيفا مع الطلاب جميعا حريصا على إفادتهم ونفعهم.

لم أره غاضبا إلا في حصة واحدة كانَ طلبَ فيها أن يقدّم كلٌّ منا - نحن الطلابَ - نفسَه، فوقف أحدُنا حين وصول دوره، وشمخ بأنفه قليلا، ونظر يمنة ويسرة، كأنما استجلابا لأنظار زملائه وإعجابهم، وقال بيتا شعريا يفخر فيه بنفسه وكان البيت من نظمه لأن له نصيبا من قول الشعر.

أمام هذا الإعجاب بالنفس رأيت أستاذي الفاضل – رحمه الله - يخرج عن هدوئه ولطفه وابتسامه، ويتوجه إلى المفتخر بكلام أعرب فيه بصرامة عن استهجانه ما أقدم عليه الطالب، ثم استطرد متحدثا عن رذيلة الكبر وضرورة تخلية الطلاب نفوسَهم منها، وعن ضرورة التواضع وأهميته في طلب العلم.

كان غضبا للعلم وأخلاق العلم، وانتصارا لفضيلة التواضع، وأكرم به من غضب! وأكرم به من انتصار!

3/ بعد عامي الدراسة بالماستر شاء الله تعالى أن تجمعني بأستاذي الكريم مناسبات ثقافية وعلمية أستحضر ثلاثا منها:

- أولاها: يومي 16 و17 من ديسمبر 2015 برحاب كلية الآداب بتطوان بمناسبة ندوة دولية موضوعها "أصول البيان في فهم الخطاب القرآني وتأويله"، نظمها مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية وفرقة البحث الأدبي والسيميائي بالكلية. سيّر أستاذنا العزيز جلسة من جلسات الندوة، وشارك في جلسات أخرى بالحوار  والمناقشة.

- الثانية: يومي الخامس والسادس من مارس من العام 2016 حيث استفدنا معا من دورة تدريبية على المعالجة المعجمية للجذور اللغوية استعدادا للمشاركة في إعداد معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، وكانت الدورة بتأطير الأستاذين الفاضلين الدكتور عبد الرحمن بودرع والدكتور رشيد بلحبيب، واستفاد منها إضافة إلى المذكوريْن السادة الأساتذة: الدكتور محمد الحافظ الروسي، والدكتور عدنان أجانة، والدكتور أبو مدين شعيب تياو، والدكتور مصطفى الزكاف، والدكتور سعيد الزكاف، والدكتور عبد الواحد الصمدي.

- الثالثة: في 26 من أبريل من العام 2016 في لقاء تأبيني لأستاذنا العزيز الدكتور عبد الله المرابط الترغي احتضنته كلية الآداب وشاركت فيه إلى جانب أستاذي د. محمد مفتاح ونخبة من أساتذة الكلية وطلاب الدكتور الترغي رحمه الله.

وقد كان أستاذي د.محمد مفتاح في هذه المناسبات، كما  في غيرها، بهجة المجالس يفيض علما ولطفا وأدبا وابتساما، فلا يُملُّ حديثُه، ولا يُرجى فراغُه منه.

4/ صورة أخرى تحفظها ذاكرتي لأستاذي الراحل، هي صورته عضوا في لجان مناقشة البحوث المقدمة لنيل الدكتوراه. فقد حضرت مناقشة عدد من الأطروحات كان – رحمه الله تعالى – مناقشا لها، وكان مفيدا غاية الفائدة وهو يقدم ما يبدو له من ملاحظات على عمل الطالب، مع تخليل حديثه ببعض النكت والطرائف، فلا ترى العيون إلا معلقة بما تفتر عنه شفتاه، ولا النفوس إلا مشتاقة لما يصدر عنه من توجيهات وإضافات.

أذكر أنه استفاض مرة في مناقشة أحد الطلاب، ثم توجه إليه بالسؤال في لكنته الجبَلية المحببة إلى النفس: "واشْ نْزيدْ أولا باراكا ألسّي عبد الواحد؟"

وحينما رد الطالب بالقول: "زيدْ أَأُستاذْ"، عقب أستاذنا رحمه الله في دعابة: "إنْتِنْ رَجِلْ مْزْيااانْ"، وابتسم الحاضرون، ثم واصل - رحمه الله - مناقشة الطالب في بحثه.

توفي الدكتور محمد مفتاح في 27 من أكتوبر 2019م بعد معاناة مع المرض.

رحمه الله تعالى، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عني وعن طلابه جميعا خير الجزاء.

 

أبو الخير الناصري

 

 

زهير الخويلدي"البحث عن المنهاج.. هو نهاية التراث والتجديد.. وهو حدسنا الأول.. وسيتم إخراجه ابتداء من نصوص الوحي ذاتها بلا تراث ويكون هذا هو جزء الوداع " ورد في الصفحة الأخيرة من كتاب التراث والتجديد

رحيل معلمي الثوري

وفيلسوف الامة

وداعا يا اشرف الناس

واخلص العقول

واطهر القلوب

وحبيب الطلاب

وصديق فلسطين والعراق والعرب والمسلمين والانسانية التقدمية

وداعا يا موقظ الشرق ومحاور الغرب

وداعا يا كاتب التراث والتجديد ومترجم سبينوزا وسارتر وليسينغ وفيخته وفيورباخ وبرجسن وهوسرل

ابكيك بملء الجفون والدمع يغرق العيون

أؤبنك بكل الثورات والانتفاضات

وبكل الأديان والقوميات والاوطان

أرثيك بكل اللغات وجميع النظريات

ومختلف الانساق وعديد المناهج

وأنادي عليك مع كل الرفاق والمريدين بأنك استاذي

أردد أفكارك المفارقة وأتلو نصوصك البركانية وأبشر بوعودك التحريضية2931 حسن حنفي

لقد أطال الله عمرك وشارفت على إكمال مشروعك واتمام رؤيتك وعشت مقاوما للاستعمار والامبريالية والاستبداد و الصهيونية وناهضت العولمة الغربية ورفضت الارتداد والماضوية والتخلف والانقسام والتمييز والتمذهب والطائفية وانتصرت للسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية وحقوق المرأة والملونين.

وكنت فارس التجديد العربي وموقع الثقافة الوطنية ومؤسس علم الاستغراب ومعادي للاستشراق وفقيه اليسار الإسلامي ونصير الحريات و منحازا للفقراء و المناضلين وحريصا على استقلالية الجامعة والتزام الفلسفة

والان ترحل عنا دون ان تلقي المحاضرة الختامية وتقرأ علينا خطبة الوداع الفلسفي وتلتحق بشريعتي محمد اقبال والجابري وأركون وتيزيني ومروة والعظم وناصر حامد ابي زيد والبشري وفتحي عثمان ومحمد عمارة وشحرور وطرابيشي ومحمد محمود طه وخليل عبد الكريم وهشام جعيط  .... 

لقد حاولت تجديد التراث وتثوير العقائد وأنسنة اللاهوت وتنوير الحشود وإعادة بناء العلوم وعقلنة السياسة واستنبات الحداثة وتطوير المناهج وتأويل النصوص بالطرق المنهجية المعاصرة وتفسير الوحي بالتاريخ.

كنت آخر العنقود من الجيل الذهبي من الثوريين الجذريين ، تؤمن بالوحدة والاشتراكية والكرامة والعزة.

حسن حنفي مسيرة فكرية ثرية وتاريخ نضالي مشرف ومشروع عربي تحرري وحاول اعادة بناء وحدة الفكر من أجل وحدة الامة،

قتلتك الردة يا مولاي وسارعت النكسة بغيابك يا صاحبي

ستظل نبراسا هاديا ومرجعا جامعا أيها المؤمن بلا حدود

ستبقى حاضرا بيننا بكتبك ودروسك ومواقفك

الرحمة والمغفرة لك والتعازي

والمواساة لأسرتك الكريمة

إلى جنة الخلد يا صديقي

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

 

محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتور محمد السيد الجليند- أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، واحدا من كبار مفكرينا المصريين المستغلين بالفلسفة الإسلامية ، فهو له باع طويل في مناقشات قضايا الاستشراف والهوية الإسلامية، وهو أعلام الفلسفة الإسلامية المشهود لهم بنصاعة الفكر، ومقارعة الحجة بالحجة، فهو عالم يحسب له ألف حساب على ساحة الفلسفة الإسلامية، وتتلمذ على يديه العديد من طلاب العلم من مختلف دول العالم، وأنا إذ أكتب عنه هنا علي صفحات المثقف الزاهرة ، فذلك لإبراز وجه التنويري والتثقيفي ، وتقريب مؤلفاته ، وهذا غيض من فيض نحو حق هذا المفكر المصري الجليل علينا.

قال عنه الأستاذ الدكتور عبدالعظيم المطعني:" الدكتور محمد السيد الجليند، أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، رجل له تاريخ ناصع في تتبُّع الأفكار ومناقشتها في ميزان النقد الهادئ دون ضجيج أو صوت عال؛ تجلس إليه فيحدثك في وقار العلماء الأوائل، فهو عالم - علمًا وعملًا (1).

والدكتور الجليند من مواليد قرية منشأة الأمراء بمركز المحلة الكبرى في مصر سنة 1940،  حفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية, وأتمه في العاشرة, والتحق بالمعهد الأزهري في مدينة سمنود, حيث حصل على الشهادة الابتدائية, ثم تأسس معهد المحلة الكبرى, وكان من أوائل الدفعات التي تخرجت فيه؛ حيث حصل على الثانوية الأزهرية ( نظام الخمس سنوات (حتى حصل منه على شهادة الثانوية عام 1963، ثم التحق بدار العلوم حتى حصل على شهادتها عام 1967، وواصل دراسته العليا في قسم الفلسفة، وحصل على الماجستير في الفلسفة بتقدير امتياز في رسالة بعنوان: "الإمام ابن تيمية وقضية التأويل" سنة 1971،  وكانت لجنة المناقشة مكونة من الأستاذ الدكتور إبراهيم بيومي مدكور رئيس مجمع اللغة العربية الأسبق ( رحمه الله)، والأستاذ الدكتور يحيى هويدي أطال الله في عمره, بإشراف عميد دار العلوم آنذاك الأستاذ الدكتور محمود قاسم، ثم سجل الدكتوراه في رسالة بعنوان ": قضية الخير والشر في الفكر الإسلامي ـ المعتزلة والأشاعرة نموذجًا " بإشراف الأستاذ الدكتور محمود قاسم. وشاءت إرادة الله تعالى أن يختار إلى جواره في هذه المرحلة الدكتور محمود قاسم ليتولى الإشراف بعده المرحوم الدكتور محمد كمال جعفر، وحصل عليها عام 1975، وتدرَّج في المناصب حتى تولى رئاسة قسم الفلسفة، وعمل بالعديد من الجامعات العربية، علاوة علي مشاركته كعضو في لجنة الفكر في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وعضو مجلس إدارة الجمعية الفلسفية المصرية، وأمين عام اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة في الجامعات المصرية (لجنة الفلسفة)، وعضو محكّم في جائزة آل ثاني العالمية، وعضو في أمانة الجائزة الدولية لوزارة الأوقاف بقطر، وعضو لجنة المؤتمرات في رابطة العالم الإسلامي.

وقد أثرى أستاذنا الدكتور الجليند المكتبة العربية بالعديد من المؤلَّفات التي تنوَّعت بين التأليف والتحقيق؛ منها: " "سلسلة تصحيح المفاهيم" التي صدر منها إلى الآن عشرة أعداد، ، ومن أهمها "مفهوم السياسة الشرعية بين الدولة الدينية والدولة المدنية"، بالإضافة لتحقيق " كتاب الانتصار" في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، لابن عبد الهادي، وهو أوفى ترجمة لشيخ الإسلام ابن تيمية. ومن أبرز مؤلفات الدكتور الجليند  في نظرية المنطق بين فلاسفة الإسلام واليونان، ومن قضايا التصوف في ضوء الكتاب والسنة، ودقائق التفسير، والجامع لتفسير شيخ الإسلام ابن تيمية، والإشارة إلى مذهب أهل الحق للشيرازي (تحقيق) ستة أجزاء، ومن قضايا الفكر الإسلامي في مواجهة التغريب واستلاب الهوية ،وغيرها، كما كتب العديد من الأبحاث والمقالات في المجلَّات المتخصصة والثقافية.

وفي هذه المؤلفات يبرز لنا الدكتور الجليند نواة فكره والتي علي الفرضيات التالية:

أ- العلم هو وسيلة بناء الحضارات وازدهارها، وهو نفسه قد يكون سببًا في انهيارها وإبادتها.

ب- غياب الإيمان والاعتقاد الصحيح يترتب عليه سيادة قيم ومبادئ اجتماعية وأخلاقية تجسد الجوانب الدنيا في الطبيعة البشرية.

ج- الإسلام ما لم يكن مؤثرًا في حياة المسلم فهو إسلام ميت لا تفارق آثارُه جدران المساجد.

د - الخطاب الديني المتشدد لا نجد له تأثيرًا إلا عند بعض المنتمين مذهبيًّا لفكر الفرق الإسلامية، كالخوارج والشيعة.

هـ- العلم الكوني هو مفتاح نهضة الأمم، شئنا أم أبينا. وقد أمرنا القرآن الكريم بذلك، ونبَّه إليه الشرع الحنيف.

والدكتور الجليند من كبار أساتذتنا الذين يؤمنون بأن التراث الفلسفي زاخر بالمعارف، ويجب أن يتم تحقيقه تحقيقات علمية بأن يتم جمع مخطوطات الكتاب ومقابلة نصوصها، والتوصُّل إلى نشر نصٍّ جيد، وفي اعتقاده أننا بحاجة إلي عين تنظر إلى التراث لاستحضار ما فيه مِن قِيَم شعارها الواقع التاريخي في وقتها، ولم يعد لها مناسبات الآن... نأخذ هذه القيم، ونعيشها سلوكًا واحتضانًا لها، ونرد عليها أحيانًا، ونأخذ من الحاضر ما يفيد هذا العصر، من خلال الجمع بين قيم التراث وأصالته، وبين ما في الحاضر من أصول تتفق مع القضايا الكبرى الإسلامية ، ويضرب لنا مثالا لذلك بالفقه حيث يقول :" عندنا في الفقه الإسلامي أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا... بعض القضايا موجودة الآن، ولكن علتها غير موجودة، فلا نقتصر لها على الحكم، وهذه النقطة سبب من أسباب التطرف والحكم على المخالف، وأكثر ما تكون هذه الأمور في مادة علم الكلام...نريد أن نعيش بقيم الماضي في الدفاع عن العقيدة الإسلامية، وبسلاح الحاضر بالمنهج وبمشكلات الحاضر الموجودة الآن، ولم تكن موجودة في الماضي؛ يعني: لا ينفع أن أدرس للطلاب مشكلة خلق القرآن، وأترك مشكلة تاريخيَّة الأديان التي تدرس في علم الاجتماع، وهذه الأمور تحتاج لمن لديه رؤية واسعة شمولية تشمل مشكلات الحاضر، وتستحضر قيم الماضي، ونتسلح بالاثنين في مواجهة هذه المشكلات (2).

علاوة على أن الدكتور الجليند من الأستاذة المشهود لهم في تحقيق  تحقيق التراث والترجمة ، ففي اعتقاد كما يقول :" هناك فروع في التراث تحتاج إلى إعادة اكتشاف، وهو التراث العلمي، وعندنا خطيئة ارتكبها المؤرخون في التأريخ للعلم الكوني في ثقافتنا، والعلم الكوني أقصد به علم الكيمياء والطبيعة والطب والجيولوجيا...إلخ، وهي علوم قرآنية وهي مفتاح نهضة الأمة... علماؤنا عندما صنفوا العلوم صنفوها إلى علوم شرعية وعلوم غير شرعية، وحضارتنا كانت تقوم على قدمين ثابتتين حتى القرن الخامس الهجري: القدم الأولى: العلوم الكونية، والقدم الأخرى: علم الفقه والتفسير...إلخ، وبعد القرن الخامس الهجري خاصمنا العلوم الكونية، فالتقطها الغرب، ونما بها، وبنى عليها نهضته، وحاربنا بها، وأصبحنا الآن نستجدي العلوم منه، مع أنها علوم قرآنية أمرنا بها القرآن تمامًا كما أمرنا بالصلاة والصوم...نحن في حاجة إلى إحياء هذا اللون من التراث، ونعيد له قيمته، لا أقول الحضارية فقط، وإنما الإسلامية، نعيد له وجهه الإسلامي... وما لم نُحِي هذا اللون من التراث، فسنظل نستجدي من الآخر لقمة الخبز والسلاح والمصنع، وكل شيء؛ لأنه لم يتفوق علينا الغرب إلا بعد أن احتضن هذه العلوم ونمَّاها وعاش بها (3).

وحول طريقة تدريس الفلسفة في دار العلوم والأزهر والجامعة المصرية، قال الدكتور الجليند :" هناك فرق؛ فمدرسة دار العلوم تأخذ من الأزهر الجانب التراثي، وندرسه ونعيش به ولا نعيش فيه، وتأخذ من الجامعة المصرية (كلية الآداب) المنهج المعاصر في الفلسفة الحديثة؛ فنجمع بين الاثنين في مناهجنا الدراسية للطلاب، وفي الرسائل العلمية؛ أي: نجمع بين ما يسمَّى بالأصالة والمعاصرة؛ لذا فنحن غير مرضيٍّ عنا من الأزهر، ولا من كلية الآداب؛ لأن لنا مآخذَ على منهج الأزهر، ولنا مآخذ على منهج كلية الآداب، وآخر كتاب لي "عقيدة بلا مذاهب" قد أغضب إخواننا في الأزهر؛ لأنهم أشعرية العقيدة، أما سؤال الهوية فقد أغضب كلية الآداب... هذا منهجي فيه من محاسن الأزهر، ومن محاسن كلية الآداب، وفيه الإضافات الدرعمية... وفي قسم العقيدة والفلسفة بأصول الدين بالأزهر أضاف الأعلام ؛ أمثال: محمد البهي، ومحمد غلاب، وعبدالحليم محمود، ومحمد بيصار، ومحمود زقزوق، إضافات كثيرة من حيث المنهج؛ حيث إن القضايا القديمة يقدمونها في منهج حديث وعصري، والحقيقة أن بعضهم يفعل هذا، وما زال البعض متمسكًا بالقديم (4)... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..................................

الهوامش

1-  أبو الحسن الجمال (محاورا): صفحات من ذكريات رائد الفلسفة الإسلامية الدكتور محمد السيد الجليند، شبكة الآلوكة،  30/8/2017 ميلادي - 7/12/1438 هجري.

2- المرجع نفسه.

3- المرجع نفسه.

4-قناة العربية: مفكر مصري: ابن تيمية وطني.. ونصوصه لا تكفر المسلمين، مقال منشور بتاريخ السبت 3 صفر 1443 هـ - 11 سبتمبر 2021.

 

 

محمود محمد عليغيّب الموت، مساء الخميس الماضي- الموافق الحادي والعشرين من شهر أكتوبر لعام 2021، المفكر الكبير الدكتور حسن حنفي (1935 - 2021)، أستاذ الفلسفة بآداب القاهرة، وأهم أبرز منظري تيار اليسار الإسلامي عن عمر ناهز 86 عامًا ، بعد مسيرة علمية وأكاديمية كبيرة، أبحر فيها بين الفلسفة والعقيدة الإسلامية، رحل عن عالمنا اليوم، الفيلسوف والمفكر الإسلامى الكبير حسن حنفى، عن ناهز 86 عاما، والراحل يعد أحد منظرى تيار اليسار الإسلامى، وتيار علم الاستغراب، وأحد المفكرين العرب المعاصرين من أصحاب المشروعات الفكرية العربية.

وفد نعت جامعة القاهرة برئاسة الدكتور محمد عثمان الخشت، الفقيد، الذى أعرب عن تعازيه لأسرة الفقيد داعيا أن يتغمده الله بواسع رحمته. وقال الخشت، على صفحته على الفيس بوك ناعيا الراحل: «لم يكن يحمل أى شيء فى نفسه منى عندما كنت أختلفت معه فى الرأى اختلافا كبيرا، وأنا لا أزال معيدا وهو كان رئيسا للقسم فى الثمانينيات. وكان يمدنى بالمراجع الأجنبية من مكتبته العامرة وأنا فى مرحلة الطلب العلمي، بل كان يقتطع جزءا كبيرا من وقته وراحته وهو خارج مصر لكى يحضر لى شخصيا المراجع التى طلبتها منه».

كما نعى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، المفكر الإسلامي الدكتور حسن حنفي، حيث كتب علي على صفحتيه الرسميتين بموقعي التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر: "رحم الله أ.د. حسن حنفي، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، الذي قضى عمره في محراب الفكر والفلسفة، وزخرت المكتبات العربية والعالمية بمؤلفاته وتحقيقاته، وأذكر له مطالبته الغربَ والمستشرقين بإنصاف الشرق والحضارة الشرقية والقيم الإنسانية النبيلة.. رحم الله الفقيد، وتغمده بواسع رحمته ومغفرته، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

ولد الدكتور حسن حنفي في الثالث عشر من فبراير لعام 1935 في القاهرة، وقد ألتحق بكلية الأداب جامعة القاهرة ليدرس الفلسفة وتخرج منها عام 1956 ليسافر بعدها في العام نفسه إلى فرنسا ليستكمل دراساته العليا وبالفعل قد حصل على درجة الماجستير ثم درجة الدكتوراه من جامعة السوربون بعد حوالي 10 أعوام من سفره.2931 حسن حنفي

وبعد حصوله على الدكتوراه تعين في جامعة محمد بن عبدالله بفاس لمدة عامين وكان يحب هذه الجامعة كثيرًا حتى إنه مان دائمًا يصفها ب "بيته الأول"، ثم بعد ذلك سافر إلي اليابان ليعمل بالتدريس فيها لمدة ثلات سنوات وقد عمل مستشارا لبرامج البحث العلمي لجامعة الأمم المتحدة في طوكيو أيضا. عاد حنفي إلى القاهرة عام 1987، حيث أشرف مع آخرين على إعادة تأسيس الجمعية الفلسفية المصري عام 1989 وشغل منصب السكرتير العام للجمعية منذ هذا التاريخ.

وقد حصل حنفى على العديد من الجوائز أبرزها جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية عام 2009 وجائزة النيل فى العلوم الاجتماعية عام 2015، وكانَ محط اهتمام العديد من الجامعات، كما عمل كمدرس زائر بعدد من الجامعات في طوكيو والجزائروالمغرب والولايات المتحدة والمانيا، ومستشارًا علميًا بجامعة الأمم المتحدة بطوكيو، وشغل منصب نائب رئيس جمعية الفلسفة العربية، والسكرتير العام لجمعية الفلسفة المصرية.

وللراحل العديد من المؤلفات من بينها "التراث والتجديد" والذي يوصف بأنه "مانفيستو حسن حنفي" لانه يقدم تفصيل لمشروع الفكري في تجديد التراث الديني، وكتاب "من العقيدة إلى الثورة" وهو كتاب من خمس أجزاء"؛ منها: "نماذج من الفلسفة المسيحية فى العصر الوسيط"، و"اليسار الإسلامي"، و"مقدمة فى علم الاستغراب"، و"من العقيدة إلى الثورة"، و:من الفناء إلى البقاء"؛ وينقد فيه علم أصول الدين، ويدعو لتبني أفكار جديدة تلائم العصر لان حسب وصفه فأن الحضارة الاسلامية تراثاً ابداعي يتفاعل فيه الانسان مع المتغيرات السياسية والحضارية، وكذلك كتاب "اليمين واليسار في الفكر الديني" وهو كتاب يتناول قصة صراع الطبقات، وأنه صراع موروث منذ بداية التاريخ؛ كما أثرى الدكتور حسن حنفي المكتبة العربية بالعديد من الترجمات التي عكف عليها لدراسة التراث الغربي بما يخدمه مشروعه فيما بعد و لدحض نظرية أن الأفكار الغربية هي أصل الإنسانية والتنوير، فقدم ترجمات مثل نماذج من الفلسفة المسيحية، رسالة في اللاهوت والسياسة لسبينوزا، تربية الجنس البشرى للسنج ، تعالي الأنا موجود لسارتر

يقول الكاتب أبو بكر الجيلالي في دراسة له عن مشروع التجديد والتراث للفيلسوف حسن حنفي "إن مشروع "التراث والتجديد" يحمل هموم الإنسان فكرًا وواقعًا ووطنًا في العالم العربي المعاصر، وهو يقاوم لإبداء الموقف الحضاري من التراث العربي الإسلامي ومن التراث الغربي ومن الواقع بأبعاده الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والثقافية والفكرية والفلسفية، هذا الصراع والاجتهاد في فكّه يعكس حاجة الإنسان المعاصر في عالمنا العربي والإسلامي إلى نظرية تفسر الواقع، وهو اجتهاد يتمّ بصورة لا تخلو من الانسجام والنسقية بين الجبهات التي فتحها المشروع، وهو شرط التخلص من التخلف الفكري والاجتماعي، الانسجام بين العقل والتراث والواقع والآخر.

وفي المقابل يقول الكاتب محمد حلمي عبدالوهاب في مقالة له إن  مشروع حسن حنفي يتوزع حول «التراث والتجديد» على عدة محاور رئيسية؛ بحيث شملت معالجاته أغلب القضايا التراثية من جهة، وأهم التيارات الفكرية الغربية من جهة أخرى. ومن ثم، يمكن القول: إن السمة الرئيسية المميزة لمشروع، أو قراءة، حنفي للتراثين: العربي والغربي، تتمثل في اتساع رقعة المشروع والشمولية، الأمر الذي انعكس بصورة سلبية على حساب الدقة في الطرح، والموضوعية في التناول.

وينتمي الدكتور حسن حنفي إلى تيار اليسار الإسلامي، وهو تيار فكري ذو مرجعية إسلامية ظهر في مصر وكان هو رائده ثم في دول عربية أخرى مثل تونس، يتبنى هذا التيار رؤية مقاصدية للإسلام و يدير منتدى فكريا مفتوحا على كل التيارات يسمى "منتدى الجاحظ" كما أنشأ في 2013 جمعية تسمى "رابطة تونس للثقافة والتعدد" وقد أصدر هذا التيار في بداية الثمانينات مجلة فكرية عنوانها مجلة الفكر الإسلامي التقدمي 15-21 ولكنها توقفت عن الصدور في مطلع التسعينات.

كما كان حسن حنفي ممن فسروا "تيار الاستغراب" وعملوا من خلاله تحديداً في قضيته ومشروعه الأهم" التراث والتجديد " ولمن لا يعرف فمصطلح "الاستغراب" يعني ظاهرة نفسية واجتماعية وثقافية معاصرة، يتميز الأفراد الذين يجسدونها بالميل نحو الغرب والتعلق به ومحاكاته، نشأت في المجتمعات غير الغربية؛ سواء أكانت إسلامية أم لا، على إثر الصدمة الحضارية التي أصابتها قبيل الاستعمار وخلاله،   وقد قال الدكتور حسن حنفي عنه إنه فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر... والقضاء على مركب العظمة لدى الآخر الغربي، بتحويله من ذات دارس إلى موضوع مدروس... مهمة علم الاستغراب هو القضاء على المركزية الأوربية، وبيان كيف أخذ الوعي الأوربي مركز الصدارة عبر التاريخ الحديث، داخل بيئته الحضارية الخاصة. وقد ألف الدكتور حسن حنفي كتابه مقدمة في علم الاستغراب عام 1992

وبالطبع لم تكن حياة الدكتور حسن حنفي هادئة كل الهدوء فقد أتهمه الكثيرين بالإلحاد والكفر بسبب أفكاره الخاصة بالتجديد، وعاصر صراعات كثيرة منها انتماءه للإخوان المسلمين ثم إنشقاقه وأمور أخرى، لكن أتفق الجميع على مكانته التي لا يضايها أحد وجهوده في الفلسفة والفكر العربي وإعمال العقل  سواء من طلابه أو من أوساط المثقفين.

ومن جهة أخري لقد استحضر الدكتور حسن حنفي (بشهادة د. مصطفي النشار) كل التجارب الفكرية المصرية والعربية السابقة عليه وتتلمذ عليها من رفاعة الطهطاوي إلي الأفغاني ومحمد عبده وعثمان أمين وأحمد لطفي السيد وقاسم أمين، كما عاش كل التجارب الفكرية والثورية في عصره وتفاعل معها وشارك فيها فكان دائما صاحب الموقف الصريح والرأي الحر المختلف ... إنه المحاور الفذ القادر وحده بين أقرانه علي مجابهة كل الأفكار والتحاور مع ممثلي كل الثقافات حيث يتقن اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والفارسية والتركية... إنه المثقف والفيلسوف الملتزم بكل جلسة علمية وبكل محفل علمي أينما كان في كل زمان وأي مكان ولا يترك مكانه لغيره ولا يعتذر طالما في العمر لحظة وفي الجسم قدرة ولا زلت أذكر أنه لم يتنازل عن المشاركة في افتتاح مؤتمرا علميا عقدته الجمعية الفلسفية وهو سكرتيرها العام وهو علي سرير المرض وعقب عملية جراحية خطيرة فقرر إلقاء محاضرته الافتتاحية إلي المؤتمرين عبر الفيديو كونفرنس . وحتي مع اشتداد حالته الصحية خطورة لدرجة أن قدميه لم تعد قادرتين علي حمل الجسم الذي يعاني المرض وقد تجاوز الثمانين من العمر، فقد فاجأ حسن حنفي الجميع أن كل ذلك لم ولن يمنعه من الحرص والالتزام بحضور كل الفاعليات العلمية والاجتماعات المهمة وهو علي كرسيه المتحرك، فالعقل الذي عاش حياته متأملاً وناقداً وباحثاً ومبدعاً لا يزال يشع الفكر المستنير والآراء السديدة سواء عبر عنها بكتبه التي تتوالي اصداراتها في عدة دور نشر أو بمقالاته التي لا تزال تتري في العديد من المجلات والصحف.

تحية طيبة لأستاذنا الدكتور حسن حنفي الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

اسماعيل نوري الربيعيفيلسوف ومحبوب، كيف يستقيم ذلك؟ إنها المعادلة الصعبة، الشديدة التعقيد. تلك التي ينطوي عليها علي المرهج. حيث الفلسفة بتجلياتها العميقة ووعورة مسالكها وتعقيد مقولاتها ودقة علاقاتهاو تشابك مساراتها. الفلسفة وإن قامت على حب الحكمة. فإن هذا الحب في معناه الأصيل، إنما ينطوي على الصبر والجلد وتحمل المضان والمشاق. إنه حب العارفين المدلهين، بقوام التضحية والعطاء من دون منّة، أو انتظار مكافئة.

 الأمثال عادة تضرب ولاتقاس، ولكن في حالة علي المرهج، يكون المثل في أشد حالات القياس والتطابق. حين تقول العرب ؛ لكل أمريء من اسمه نصيب، وهاهو ذا المرهج الذي تفسره قواميس اللغة العربية بـــالفارس المحارب، ليمثل لك ممتطيا صهوة جواد الفلسفة، بروح المتقحم الباسل. لا يهاب وطيس المعارك الفكرية، متصدّيا لها بحنكة المعرفي الأصيل، لما علق بواقعنا الثقافي من أدران. يأتيك متسلحا بعدته كاملة غير منقوصة ؛ سيفه المنهج ودرعه الإبستمولوجيا، ورمحه الحفر المعرفي للظواهر. مستبسل هذا المرهج في سوح وغى المعارك الفكرية. دون رياء أو مجاملة يمكن أن تخلّ بالمعنى.

علي المرهج يعيدني إلى براءة النص الأول، حتى أني لا اتمالك أن اردد (المرهج الفتّان غنّى على الأغصان). فيلسوف أو مشتغل في الفلسفة، لا يملك إلا أن يبثّ في القاريْ مشاعر الفرح والحبور والصفاء والطمأنينة الطفولية. يغريك بالعودة إلى براءة النصوص الأولى التي تلقيتها. يقنعك بطريقة ماكرة للعودة إلى القراءة الخلدونية، يأخذ بيديك لتتعرف على قراءة (دار، دور). ولا يلبث أن يورطك على حين غرّة بمطالعة شوبنهاور، هيغل، فيورباخ، ماركس. ولا ضير من الأقل أو الأكثر من مدني صالح وحسام الآلوسي وعبد الأمير الأعسم. يناديك بلطف سابغ ؛ (خوية، حبيّب)، تعال (خلّي نتفلسف شويّه). لتجد نفسك خلف هذا التبسيط والميانة الأخوية، وقد وقعت فريسة لتجليات الفلسفة العميقة وأغوارها الملهمة وعتباتها المركبة، وتصانيفها المقلقة. علي المرهج قيافة معرفية مهيبة. شهادة الكتوراه ورتبة الأستاذية تتشرفان وتتباهيان به. وهو المتفضل الكريم، بعد أن أسبغ عليهما من فيض جهده تواصلا مجيدا وجهدا باذخا وعطاء نديّا سخيا.

هاهو ذا يخوض في (التغاضي)، مستميحا العذر من القاريْ، في الضرب صفحا عن استخدام مصطلحات مثل ؛ التسامح أو التعايش أو حتى الاستنارة. قاموسه يحيله بداهة نحو اليومي والمتداول والمفهوم. لا يسقط البتة في التبسيط المخل، بقدر ما يسعى نحو تقريب المفهوم للجميع. هو ينشد الجميع من أجل الجميع، رسالته في الحياة أن تكون الفلسفة متاحة للجميع، وشعاره (الفلسفة بوصفها رئة الحياة)، باعتبار أنه يعيش بالفسلفة ويتنفس بها، ويرى العالم من خلالها. لا تُردد أمام المرهج جملة من نوع؛ (ما أصعب الفلسفة) ! لا شك أنه سيجعل منها مسألة شخصية، ونقدا صريحا لما يؤمن به. أنت بهذا تضربه في صميم ما يؤمن به، وتعمل على هدر العوالم التي يعيشها، والفضاءات التي يستشف فيها إنسانيته وشغفه بالحياة. لا تفاوض بمسألة الفلسفة لدى المرهج، وأهمية حضورها في الواقعي واليومي والمبتذل والنفيس. إنها مسألة ممارسة الوجود في صلب الحياة. الفلسفة لديه رسالة يجب أن تصل لبائعة اللبن، والخباز والحوذي والغفير وعامل البناء وبائع الحمص، وأستاذ الجامعة والنخب المعرفية والفكرية.

من دون الفلسفة لا يتوان العالم عن اجتراح الحروب والانغماس المرير في التقتيل والتخريب والتبشيع والصلب والكراهية. فيما الأنساق المعرفية التي تقوم عليها الفلسفة، إنما تنطوي على الإعلاء من شأن الإنسان والسموّ به، بوصفه مخلوقا مفكرا عاقلا. ومن هذا يعقد المرهج درسه في (التغاضي). حيث؛ (كلنا بشر طبيعي ولدنا للبحث عن حضور يجعلنا محبوبين ونتباهى بمحبة الآخرين، ولكن الشرف في التغاضي). معينه المعرفي يقوده نحو تجاهل الحماقات، والتساهل مع الإساءات، والتغابي عن الحمقى والمغفلين. والتغافل عن الأخطاء، والتسرّي بمباهج الحياة والتلّهي بالجمال الذي ينعقد به الكون، والعمل الجاد نحو تناسي مواقع القبح، والتهاون مع الأحقاد وغض الطرف عن الكراهية. إنه الحضور الإنساني في أتمه؛ (توازن الذات ما يُنجيني من الوقوع في الكراهية). إنه التماهي في أقصاه مع البحتري حين يقول؛ (صنت نفسي عما يدّنس نفسي). هذا التماهي مع صون النفس، والترفع والكبرياء والحضور الإنساني العميق. لم يكن له أن يظهر على حين غرة، بقدر ما يروم المرهج هنا أن يؤكد على أهمية تحويل الأسماء إلى أفعال قابلة للتطبيق في صلب الحياة، فما هي قيمة العقل دون تعّقل، وماذا يعني الفكر دون تفّكر. رسالة المرهج إنما تنطوي على أهمية الممارسة في صلب الحياة.

 

د. إسماعيل نوري الربيعي

 

علي كرزازيموتُ التقيِّ حياةٌ لا نفادَ لها قد * ماتَ قومٌ وهمْ في الناسِ أحياء

واحد من أعلام التصوف السني في القرن الثاني للهجرة، وعالم مبرز من علماء أهل السنة والجماعة المشهورين بالزهد والورع والتقوى، كنيته: أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي، أصله نبطي بابلي عراقي قديم، وأثبت كثير من المؤرخين أن محتده وأصله عربي. كان والداه يدينان بالنصرانية وأسلماه في صباه إلى مؤدبهم، فكان يأمره: "قل ثالث ثلاثة (يقصد التثليث النصراني)، فيرد عليه معروف: بل هو الواحد الصمد، فضربه على ذلك ضربا مبرحا، فلم يصبر على تعنيفه فهرب منه وانقطعت أخباره مدة فحزن والداه عليه حزنا كظيما ولسان حالهما يقول: " ليته يرجع إلينا على أي دين كان فنوافقه عليه"، فرجع ذات يوم فطرق الباب، فقيل: من؟ فقال: معروف، فقالا: على أي دين؟ قال: دين الإسلام، فما كان من والديه سوى أن اعتنقا الإسلام.

الثابت أن التسامح خُلق ديني، والمتصوفة أعلوا من شأن هذا الخلق نظرا وممارسة، ولعل معروفا واحد من هؤلاء الصوفيين الذين تشبعوا بهذه الفضيلة الأخلاقية، ويروى في هذا الصدد أنه كان قاعدا على نهر دجلة ببغداد، إذ مر به أحداث /غلمان في زورق يضربون الملاهي ويشربون، فقال له أصحابه، ما ترى هؤلاء – في هذا الماء- يعصون الله فهلا دعوت عليهم، فرفع يديه إلى السماء فقال متضرعا: "إلهي وسيدي ! كما فرحتهم في الدنيا أسألك أن تفرحهم في الآخرة !" فقال له أصحابه: إنما قلنا لك ادع عليهم فقال:" إذا فرحهم في الآخرة تاب عليهم في الدنيا ولم يضركم شيء".

تذهب أغلب المرويات التاريخية إلى أن معروفا الكرخي أسلم على يد الإمام علي ابن موسى الرضا الذي كان له الفضل في ترسيخ الجانب الأخلاقي في منحى حياته، وبالتالي تأهيله للتشبع بمبادئ الزهد والتصوف، كما لا تفوتنا الإشارة إلى تتلمذه على يد الشيخ داود الطائي.

وفضلا عن خلق التسامح عرف معروف بكثرة الصيام والقيام والمجاهدة، ومن أشهر أقواله الدالة على خلقه القويم.

-"ما أكثر الصالحين وما أقل الصادقين في الصالحين"، وهو هنا يثمن قيمة ومزية

الصدق في ظل مجتمع أصبحت تتنامى فيه صنوف الرياء والزيف والتصنع.

-"توكل على الله عز وجل حتى يكون معلمك ومؤنسك وموضع شكواك فإن الناس

لا ينفعونك".

-"إذا أراد الله بعبد خيرا فتح عليه باب العمل وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرا أغلق عليه باب العمل وفتح عليه باب الجدل".وفي هذا تكريس لمبدأ الاجتهاد والعمل والتوكل بدل الارتهان إلى التراخي والتكاسل والتواكل فالتصوف الحق إنجاز وممارسة قبل أن يكون نظرا ومشافهة، وسيرا على نفس النهج العملي وجدنا معروفا يقرر: "قيام الليل نور للمؤمن يوم القيامة يسعى بين يديه ومن خلفه وصيام النهار ببعد العبد من حر السعير، ينادي مناد يوم القيامة: يا مادح الله قم فلا يقوم إلا من كان يكثر من قراءة " قل هو الله أحد".

سئل معروف عن صفة الأولياء فأجاب: "ثلاثة: همومهم لله، وشغلهم فيه وفرارهم إليه". له، فيه وإليه: تلك هي عتبات العروج نحو الملأ الأعلى، هذا العروج المحكوم بوشيجة الحب والمفضي إلى مقام الأنس، وتلك هي منزلة العلم التي راضها معروف بانقطاعه لله وسلوكه نحوه، وهو ما تترجمه قولة أحمد بن جنبل: "وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف" (سير أعلام النبلاء).

رحمه الله الإمام أحمد والشيخ معروف.

 

د.علي كرزازي

 

 

محمود محمد علييحتل أستاذنا الدكتور أبو الوفـا التفتازاني مكانـة ممتازة فـي حياتنـا الفكرية والاجتماعية. ليس بوصـفة أستاذا جامعيا قـديرا أثرى المكتبة العربية والإسلامية بمؤلفات جادة تكشف عن خصوبة في الفكر وسلامة في المنهج وإنمـا بحكم مشاركته أيضا في الحياة العامة والتحامه بقضايا الـوطن وشئونه المتعددة، فضرب بذلك مثلا للأستاذ الجامعي وللمثقف الواعي بدوره في قضايا أمته والتحامه بمشكلاتها. فـإذا أضفنا إلى ذلك أن أستاذنا الدكتور التفتازاني يمثل قيمة روحية بوصفه شيخا لمشايخ الطرق الصوفية في مصر، ورئيسا للمجلس الصوفي الأعلـى أمكننا أن نتبـين حجم الارتباط الروحي بينه وبين الملايـين من الملمين المنتمين للطرق الصوفية داخل مصر، وليس هذا بكثير عليه فهو يمثـل نموذجا فريدا، ومثلا أعلـى للصوفي المحقق عقيـدة وسلوكا؛  واذا وضعنا في الاعتبار أن للطرق الصوفية وجودهـا وثقلهـا وحجمهـا الهائل في مصر، بل وفي كثير من المجتمعات الإسلامية المعاصرة شرقا وغربا، أمكننا أن نتبين قيمة للدكتور التفتازاني بوصفة صوفيا ظل حتي أخر لحظة من حياته حريصا على أن تكون هذه الطرق صورة صحيحة للإسلام عقيدة وسلوكا، وذلك من منطلق إيمانه الراسخ بأن هـذه الطرق إن كانت قد أدت في الماضي دورها في خدمة الإسلام ونشره وترسيخ أخلاقياته ومثله، فإن ذلك من دلائل عظمة مؤسسيها وقدرتهم علي القيادة الروحية للجماهير (11).

وإذا كان أستاذنا الدكتور التفتازاني قد بذل الكثر من أجل هـذه المهمة النبيلة خدمة للإسلام، وتصحيحا لصورة التصوف الصحيح الذي لا ينفك عنه عقيدة وشريعة، فإن ذلك يضاعف من أهمية دراسة هذه الشخصية الفريدة بسلوكها، وتسليط الأضواء على أراءها مادام التصوف مكونا من أهم مكوناتها، وما دامت لها هـذه المكانـة الروحية في قلـوب الملايين المسلمين في مصر وخارجها. وفضلا عن هذا كله، فإن أستاذنا التفتازاني بحكم تخصصه الأكاديمي في الفلسفة الإسلامية والتصوف علي وجه التحديد قد أضاف الكثيـر إلى هذا التخصص، بـل لا نبالغ إذا قلنا أنه واحد من ألمع المشتغلين به في عالمنا العربي والإسلامي؛ لكل هذه الاعتبارات كان ضروريا أن يكون أستاذنا التفتازاني مجالا للدراسة والبحث من قبل الباحثين والمنصفين. ونظرا لتعـدد جوانب هذه الشخصية وتراثهـا الفكـري في أكثر من مجـال، ومن ثـم فقـد أردنا أن نكشف في هذا عـن مفهـوم التصوف ومنهج دراسته عند التفتازني. (12).

كما يعد شيخنا الدكتور التفتازاني شيخ باحثي التصوف، وإمام الدراسات الصوفية الإسلامية. وهو – ومعه المرحوم الدكتور أبو العلا عفيفي، الرائد الأول، والمرحوم الدكتور محمد مصطفي حلمي خريج الدفعة الأولي من الجامعة المصرية، والمرحوم الدكتور محمد علي أبو ريان من أهم علماء التصوف من المسلمين المعاصرين الذين كما قلنا من قبل حددوا، ورتبوا موضوعاته، وكشفوا النقاب عن شخصياته، وبالجملة صاغوا الأطر النظرية في هذا المجال لما يأتي بعدهم في درس التصوف، والكشف عن أبعاده، والتعريف بالتجربة الصوفية وخصائصها، والأهم من ذلك وضع المنهج العلمي لهذا الدرس، ومن بين هؤلاء العلماء الرواد ينفرد شيخنا التفتازاني بتحديد مكانة التصوف بين علوم الفكر الإسلامي متابعا من القدماء كلا من: القشيري، والطوسي، والكلاباذي، والغزالي . ومن المحدثين كل من الشيخ مصطفي عبد الرازق، ومحمد مصطفي حلمي، وكل من إبراهيم مدكور وتوفيق الطويل، حيث يحدد لنا الفكر الإسلامي في مجال العلوم الشرعية، فالفكر الإسلامي، أو الفلسفة الإسلامية عنده هي تلك الفلسفة التي نشأت وتطورت في ظل الإسلام وحضارته، وارتبطت به بأنواع مختلفة من الارتباط . إما بالدفاع عن عقائده، أو بالفهم الدقيق لأحكامه الشرعية العملية الفرعية واستنباطها عن أدلتها وأصولها، أو العناية بجانب التذوق الروحي لأحكامه وأخلاقه، أو بالملائمة والتقريب بينه وبين فلسفات أخرى وافدة إلي المسلمين (13).

وشيخنا الدكتور التفتازاني يحدد للتصوف خمس خصائص نفسية وأخلاقية وأبستمولوجية هي: الترقي الأخلاقي، الفناء في الحقيقة المطلقة، العرفان الذوقي المباشر، الطمأنينة أو السعادة، والرمزية في التعبير (14).

وبناء علي ذلك يقدم لنا تعريفا للتصوف يعد من وجهة نظر الدكتور التفتازاني أشمل من غيره وهو: التصوف فلسفة حياة وتهدف إلي الترقي بالنفس الإنسانية أخلاقياً وتتحقق بواسطة رياضيات عملية معينة تؤدي إلي الشعور في بعض الأحيان بالفناء في الحقيقة الأسمي، والعرفان بها ذوقا لا عقلا، وثمرتها السعادة الروحية ن ويصعب التعبير عنها بألفاظ اللغة العادية لأنها وجدانية الطابع وذاتية (15).

وينظر الشيخ الأستاذ الدكتور التفتازاني إلى التصوف الإسلامي علي أنه قسم مـن أقسام الفلسـفة الإسلامية، وأصالته ترتد عنده إلي مفهومه عن الفلسـفة الإسلامية ذاتهـا، فهي التي نشأت وتطـورت في ظـل الإسلام وحضارته، وارتبطـت به بوجـه من وجـوه الارتبـاط، إمـا بالدفاع عـن عقائـده، أو بالفهم الدقيق لأحكامه العملية الشـرعية واستنباطها من أدلتهـا الأصولية، أو العناية بجانب التذوق الروحي لأحكامه وأخلاقه، أو بالملائمة والتقريـب بينه وبين فلسفات أخـري وافـدة للمسلين (16).

وانطلاقا من مفهوم الدكتور التفتازاني للفلسـفة الإسلامية من ناحية ومفهومه للتصوف ووضعه فـي دائـرة العلـوم الشرعية المعبـرة عـن الفكـر الفلسـفي الأصـيل فـي الإسلام مـن ناحية أخري، يميز بين زاويتين متكاملتين في التصوف؛ أحداهما تتمثل في التصوف المعتدل الذي يعبر عن المثل الديني الأعلى، وهو التصوف الذي أشار إليه القشيري في رسالته والذي بني على قواعد وأصول صحيحة في التوحيد الذي صان به الصوفية عقائدهم من البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فیه تمثيل ولا تعطيل . وعرفوا ما هو حق القدم  وتحققوا بما هو نعت الموجود عن العدم تحقيقا لقول الجنيد سيد الطائفة : " التوحيد إفراد القدم عن الحدوث" (17).

وأما الفرع الثاني من التصوف فهو المعروف بالتصوف الفلسفي الذي داخلته عناصر من الثقافات الأجنبية كالفارسية واليونانية فهو هذا النوع من التصوف الذي حفل بالمصطلحات الفلسفية والصوفية والكلامية في مزيج جعل منه مرحلة أخرى من مراحل التصوف بدأت أولى حلقاتها في القرن الثالث الهجري في الفلسفة الإلهية التي تأثرت بالأفلاطونية المحدثة، كما برهن على ذلك الأستاذ نيكلسون في بحثه المنشور بجامعة كمبردج سنة 1898 م على حد تعبير أستاذنا المغفور له بإذن الله تعالى (18)

وهنا ينظر شيخنا الدكتور التفتازاني إلي التصوف علي أنه خبرة باطنية، وليس شيئا مشتركا بين الناس جميعا، وهذه الخبرة الباطنية لا يمكن بالتالي الوقوف علي كثير من جوانبها، لأنها تتعلق بالحياة الباطنية أكثر مما تتعلق بالمظهر الخارجي للإنسان، ولهذا يري شيخنا أن مجتمعاتنا اليوم بحاجة ماسة إلي فلسفة إنسانية، تهتم بالإنسان، وتعني به وتعلي من قيمته، وتساعده علي تطوره، ذلك أن كان وما يزال هو محور العالم ومركز ذلك الكون .. أما هذه الفلسفة فهي التصوف الإسلامي والذي يمثل فلسفة حياة متكاملة يطبقها الصوفي في شتي مناحي الحياة بما فيها الحياة الاجتماعية وعلاقات الناس مع بعضهم البعض (19).

ومن هنا ونظرا لهذ الترابط بين الحياة التعبدية للصوفي وبين مجتمعه، فإن شيخنا الدكتور التفتازاني ينفي التهمة الموجهة إلي الصوفية بأنهم سلبيون، ومن ثم فإنهم يصرفون الناس عن الكون المادي وعلومه إلي الإغراق في العبادة والانعزال عن المجتمع (20).

كذلك يهتم  شيخنا الدكتور التفتازاني بالإسلام الأخلاقي، ويري أن أهم ما يجب علي الإنسان أن يقوم به، هو أن يصوب أخلاقه وفق المثل الأعلي الذي جاءت به الشريعة الإسلامية، وبذلك تكون كل الميادين التي يخوضها الإنسان متوقفه علي نجاحه في أن يغير من أخلاقياته، وذلك انطلاقا من قول الرسول صلي الله عليه وسلم " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، فالتصوف الحقيقي كما يقول شيخنا الدكتور التفتازاني، ليس نظريات نفسية أو أخلاقية أو ميتافيزيقية بقدر ما هو طريقة في الحياة ورياضة عملية تمارس من أجل هدف معين هو تحقيق الكمال الأخلاقي الذي دعا إليه الإسلام (21).

وفي رأي شيخنا الدكتور التفتازاني أنه ينبغي علي دارس التصوف أن يتتبع نظرياته المتنوعة في تطبيقاتها العملية، الأمر الذي يساعده علي فهمها أولاً، كما يتيح له أن يحكم علي مدي فعاليتها وحيويتها ثانياً . ويسوق بهذا الصدد أمثلة من واقع حياة المتصوفة يشير فيها إلي أن كبار شيوخ التصوف لم يكتب لها البقاء في العالم الإسلامي إلا من خلال الطرق العملية التي أسسوها  من خلال الطرق الصوفية، والتي انتشرت فيها انتشارا واسعاً ؛ ولكي ندرك مساهمة الطرق الصوفية في الـاثير في الحياة الاجتماعية، يدعونا شيخنا المفدى الدكتور التفتازاني إلى أن نلقي نظرة موجزة علي نشأة هذه الطرق وانتشارها في العالم الإسلامي . ويذكر بهذا الصدد أنه عندما ظهر الشيخ عبد القادر الجيلاني مؤسس الطريقة القادرية، والشيخ أحمد الرفاعي مؤسس الطرقة الرفاعية، توالي شيوخ التصوف الكبار في الظهور في عدة أقطار إسلامية، والتف حولهم الأتباع والمريدون، واستمرت الطرق الصوفية في الظهور والانتشار منذ القرن السادس الهجري إلي يومنا هذا، وتشعبت في جميع الاتجاهات من السنغال في غرب إفريقيا إلي بلاد الصين شرقا في أسيا الصغرى، وقامت في كثير من البلدان الإفريقية والأسيوية بنشر دعوة الإسلام، كما قاومت في كثير من الأحيان الاستعمار الأوربي (22).

وبهذا المفهوم الـدقيق يصبح التصوف عند الدكتور التفتازاني وسيلة فعالة في ضبط الحياة الإنسانية وكمالها واتزانها ويصبح وسيلة أيضا لكمال الفرد وصلاحه المجتمع ومثل هـذا التصوف يجنب الفرد شرورا كثيرة كالغرور بنفسه وعلمه ومكانته وهو بالتالي يصبح مطلبا لتحقيق التوازن بين مطالب المادة والروح خاصة إزاء الفلسفات المادية التي تسيطر علي حضارتنا المعاصرة . (23).

وخلاصة القول أن مفهوم التصوف الحقيقي عند شيخنا الدكتور التفتازاني هو بعينـه فلسفة الحياة الروحية كمـا ينشدها الإسلام ؛ من حيث إنه تحقيق كامل للحياة الصحيحة كما يطلبها دين الإسلام، أو لنقـل هو العبـادة الكاملة الله ظاهراً وباطناً من ناحية، وهـو الكمال في الخلق مع الحق والخلق ظـاهراً وباطنـاً مـن ناحية أخري (24).

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

الهوامش

11- أحمد الجزار: منهج التفتازانى فى دراسة التصوف، مجلة أوراق فلسفية، العدد 48، 2016، ص 127.

12- المرجع نفسه، ص 128.

13- عطية، أحمد عبدالحليم: أبو الوفا التفتازاني ودراسات التصوف الإسلامي، مجلة الجمعية الفلسفية المصرية، الجمعية الفلسفية المصرية، مج 3، ع 3، 1994، ص 7.

14- أبو الوفا التفتازاني: مدخل إلي التصوف الإسلامي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ط3، القاهرة، 1991، ص 8.

15-  أبو الوفا التفتازاني: المصدر نفسه، ص 8.؛ وأنظر عطية، أحمد عبدالحليم: المرجع نفسه، ص 8-9.

16- أحمد الجزار: المرجع نفسه، ص 129.

17- إبراهيم إبراهيم ياسين: أبو الوفا التفتازانى الصوفى المجدد، مجلة أوراق فلسفية، العدد 45، 2016، 218.

18- المرجع نفسه، ص 220-221.

19- زاهد خلف الروسان: التصوف عند أبي الوفا التفتازاني مفهومه ودوره في حياة المجتمع،مؤتة للبحوث والدراسات - سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة مؤتة، مج 16 ,ع 3، 2001ـ ص 95

20- المرجع نفسه، ص 96.

21-أبو الوفا التفتازاني: المصدر نفسه، ص 54،

22- زاهد خلف الروسان: المرجع نفسه، ص 98.

23- أحمد الجزار: المرجع نفسه، ص 148.

24- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.