ضياء نافعخومياكوف - اسم كبير ومتميّز ومتعدد المواهب في تاريخ الفكر الروسي بالقرن التاسع عشر، القرن الذي كان غنيّا جدا بالاسماء الروسيّة الكبيرة، و لكن خومياكوف لم يعد نجما ساطعا في سماء الفكر الروسي، بل انه الان  شبه منسي حتى في وطنه روسيا نفسها في الوقت الحاضر رغم العديد من المصادر الروسية عنه، أمّا في عالمنا العربي بشكل عام، فلا يعرفه تقريبا سوى بعض الاشخاص الذين درسوا الفلسفة الروسية وتاريخها وتخصصوا بها في المعاهد والجامعات الروسية، وهم واقعيا بعدد أصابع اليد كما يقول التعبير العربي الطريف، ويعرفه كذلك الذين درسوا الادب الروسي وتاريخه وتخصصوا به في روسيا (الادب الروسي وليس اللغة الروسية، وهذه مسألة مهمة جدا رغم شبه التلاحم تقريبا بين هذين الاختصاصين)، وهؤلاء ايضا ليسوا نسبة كبيرة بين الخريجين العرب من الجامعات الروسية بشكل عام، بل وأخذوا بالانحسار تدريجيا نتيجة عوامل عديدة لا مجال للحديث عنها ضمن هذه السطور عن خومياكوف  .

ولد اليكسي ستيبانوفيتش خومياكوف عام 1804 وتوفي عام 1860، واستطاع ان يصبح – خلال هذه السنوات القصيرة نسبيا – شاعرا وكاتبا مسرحيا وفيلسوفا وفنانا تشكيليّا وصحافيا ومؤرّخا ومترجما، بل انه ابتدأ مسيرة حياته متخصصا في علم الرياضيات بجامعة موسكو، ونتيجة لهذا التنوع الموسوعي الفكري حاز خومياكوف على موقع خاص في اكاديمية العلوم الروسية في السنوات الاربع الاخيرة من حياته، اذ اختارته اكاديمية العلوم في مدينة بطرسبورغ

عام 1856 ليكون عضوا مراسلا فيها.

سبق وان قدّمنا تعريفا وجيزا عن خومياكوف في مقالتنا بعنوان – (الادباء الروس في تاريخ الفلسفة الروسية)، ونريد هنا ان نتوسع في رسم الصورة القلمية عن هذا المفكّر الموسوعي الكبير، اذ لم نجد بلغتنا العربية مصادر كافية تتناوله وتدرس ابداعاته المتنوعة وتقدّمه للقراء العرب كما يجب مع الاسف .

خومياكوف – فيلسوف قبل كل شئ، وقد أشرنا في مقالتنا تلك، الى انه وضع اسس النزعة السلافية في الفكر الروسي، هذه النزعة التي لعبت دورا هائلا في مسيرة الفكر الروسي في القرن التاسع عشر، وفي الادب الروسي بالذات، والتي يرتبط بها (اي بالنزعة السلافية) اسم عملاق من الادباء الروس وهو دستويفسكي . خومياكوف وصل الى افكار واساسيات هذه النزعة الفكرية عن طريق التفاعل المطلق مع الكنيسة الروسية الارثذوكسية، حتى ان بعض الباحثين الروس يعتبرونه (رجل دين)  قبل كل شئ، رجل دين متعمق ومتبحّر في فلسفة الكنيسة الارثذوكسية بالذات وتاريخ الارثذوكسية بشكل عام، اي يمكن ان نطلق عليه ما نسميه بالعربية (لاهوتيّ) (ان صحّ التعبير) . لقد وصل تفاعله وتعامله مع الكنيسة الروسية الى التقبّل الكامل لموقف الكنيسة في كل شئ، بما فيها الموقف السياسي الواضح من النظام القيصري، اذ انه كان يرى، ان (روما حافظت على الوحدة بثمن الحرية)، (اما البرتستانت فقد حصلوا على الحرية بثمن الوحدة)، ولهذا فان خومياكوف كان الى جانب النظام القيصري والحفاظ عليه وتعزيزه من اجل وحدة الدولة وجبروتها وقوّتها، ولهذا ايضا، اعتبر الرأسمالية والاشتراكية معا (انعكاسا سلبيا للسقوط والانحطاط في اوربا الغربية)، واستنادا الى هذه المفاهيم قدّم الطروحات النظرية الاساسية للنزعة السلافية في الفكر الروسي، والتي تؤكد على الطريق الروسي الخاص و البحت، الطريق الذي سيؤكد دستويفسكي عليه لاحقا، ويبدأ بالكلام في كتابه الشهير (مذكرات كاتب) كيف  ان موسكو يجب ان تكون (روما الثالثة!)، اذ لا يمكن ان تكون في العالم (روما رابعة)، وان الكنيسة الارثذوكسية الروسية هي التي يجب ان تكون القوة الفاعلة والمحرّكة لتلك الظاهرة العالمية.

اما خومياكوف الشاعر، فانه بدأ مبكرا جدا، وبالذات عندما كان يدرس علم الرياضيات في جامعة موسكو عام 1821، اذ نشر عندها محاولاته الاولى في الشعر وكذلك في ترجمة الشعرالى الروسية ايضا، ومن الطريف ان نذكر هنا، ان خومياكوف قد تزوّج اخت الشاعر الروسي المعروف يازيكوف، الذي يعدّ واحدا من الشعراء الروس المحيطين ببوشكين في ذلك الزمان، اي ان خومياكوف كان يختلط واقعيا مع اوساط الشعراء الروس ويتعامل معهم  الند للند كما يقولون، بما فيهم بوشكين نفسه، وتوجد في المكتبة الروسية عدة كتب بعنوان – بوشكين وخومياكوف، وقد ظهر قسم منها  حتى في نهايات القرن العشرين، اي في الاتحاد السوفيتي بالذات، وتبحث هذه الكتب بالاساس في موضوعة علاقة بوشكين بالنزعة السلافية وموقفه منها (وهي موضوعة حساسة جدا في النقد الادبي السوفيتي)، وتحدثت هذه الكتب حتى عن العلاقات الشخصية بينهما واللقاءآت العديدة التي حدثت بين خومياكوف وبوشكين، بما فيها بعض النقاشات التي جرت بينهما، والتي تبيّن عدم اتفاقهما بشكل عام رغم العلاقات الوديّة بينهما، ونختتم مقالتنا هذه بالاشارة الى واحدة من تلك النقاشات الطريفة –

قال خومياكوف – في روسيا يوجد حب مسيحي اكثر مما في الغرب، فأجاب بوشكين قائلا – لم أقم  بقياس كمية هذا الحب في روسيا او في الغرب ..، لكني أعرف ... في الغرب يوجد اناس وضعوا اسس ذلك ...، ولو ظهروا عندنا، لكان ذلك مفيدا لنا ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

شاكر الساعديخوزستان: هي إحدى محافظات إيران الإحدى والثلاثين، وتعني بالفارسية بلاد القلاع والحصون، إلا إن البعض من سكنتها صحح لي المعلومة وقال: خوزستان تتكون من كلمتين خوز تعني سابقا السكر وإستان تعني: مدينة أي - مدينة السكر - لكثرة ما يزٌرع فيها من قصب السكر، مركزها مدينة (الأهواز) أو كما يلفظها العرب (الاحواز) لان حرف الحاء(ح) ينطق هاء(ه) (H) بلغتهم الفارسية أحيانا، تقع خوزستان جنوب غرب إيران و تحادد العراق من جهة الشرق ولها حدود طويلة مع محافظتي (البصرة و ميسان) تقرب من (400) كم طول، تبلغ مساحتها (63213) كم2 وعدد سكانها (4،345،607) نسمة وتضم (20) قضاء، أما الأهواز فهي عاصمة ومركز محافظة خوزستان، يبلغ عدد سكانها (1،841،145) نسمة حسب إحصاء عام 2006 ومساحتها تبلغ (135)كم2.

وقد اجمع المؤرخون المسلمون إن شعب خوزستان خالط الكثير من الشعوب بسبب موقعها على الخليج العربي من جهة الجنوب وما تضمه من موانئ تجارية وثروة سمكيه وزراعية وما تحويه أرضها من ثروة نفطية هائلة اكتشفت عام 1908 منذ إن حكم الأهواز الشيخ خزعل ألكعبي (1897 - 1925) قبل استلام رضا خان زمام السلطة في إيران وبداية الحكم الإمبراطوري فيها ، خاصة المناطق المحاذية لحدودها مع العراق حيث توجد حقول نفط مشتركة بين البلدين في الفكه وابوغرب ومجنون، لدرجة كانت تظهر المدينة بما تحويه من أجناس وإشكال ولغات كمنطقة تجمع وان احتفظت بطابعها العربي - الإسلامي، مما اوجد جنسا خليطا متعددا لا هو بالعربي ولا هو من الأجناس الأخرى، هذا ما لحظناه من خلال كلامهم معنا، يتكلمون بلغة عربية ركيكة عبارة عن خليط من الكلام العربي - الفارسي وخاصة الشباب منهم، إما كبار السن فأنهم يتكلمون اللغة العربية الدارجة في الجنوب العراقي .

تلال – جذابة: بعد إن كانت مسرحاً للعمليات العسكرية في عهد النظام البائد أصبحت اليوم مركز استقبال للعراقيين الراغبين بالسفر إلى إيران عبر منفذ الشيب الحدودي في محافظة ميسان، مرورا بالشارع الضيق الذي يؤدي بك إلى ناحية (البسيتين) أو ما يسمى بالطريق العسكري الذي يوصلك إلى المدن الحدودية الإيرانية التي اجتاحها النظام السابق ووصل إلى ضفاف نهر الكرخة مقابل مدينة الشوش إذ دارت معارك طاحنة على تلك الأرض منذ عام 1980 حتى عام 1988 راح ضحيتها مئات الألوف من الطرفين كان أبرزها معارك (الشوش - دزفول)عام 1982 ... وهذا ما لحظناها عند دخولنا مدينة البسيتين وسوسنكرد (الخفاجية) والحميدية حيث مقابر ضحايا الحروب وصورهم معلقة في الشوارع العامة .

سائق التاكسي / سعيد / العربي الأصل يتكلم العربية بركاكة ويسال عن بعض الكلمات ومعناها ونحن نوضح له، يتجول بنا في المدينة من الصباح حتى المساء دون إن يفرض علينا مالا ويترك الخيار لنا، تتجسد فيه الأخلاق العربية الأصيلة عندما دعانا إلى وليمة غداء في بيته الواقع وسط المدينة واستقبلتنا زوجته دون إن نعرف منها كلمة واحده سوى السلام لأنها لا تجيد العربية .

نهر الكارون: يخترق المدينة من الشمال الغربي مروراً بوسطها حتى الجنوب الشرقي منها مما اوجد ساحل طويل في مركز المدينة يضم حدائق ومتنزهات وزوارق نهرية للسياحة، أصبح متنفس للزائرين تجد فيه التحرر الكامل للمرأة الإيرانية وهي تتناول النارجيلة مع زميلاتها بكل حرية، تسحب منها الأنفاس الطويلة وتنفذها في الهواء.

والمرأة الاهوازية تهتم بأناقة ملابسها وشكلها فتجد الكثير منهن تعمل عملية تجميل للأنف وكأنها ظاهرة حضارية حديثة عند المرأة الإيرانية، ومحاولة لتقليد المرأة الأوربية ووسيلة للتحلي وجذب الشباب والزواج بمن تهوى بدلا من تقوقعها في دائرة ضيقة أو بقائها خارج المنظومة الحضارية .

فيها أسواق حافلة ومنها تُحمل السلع إلى الجنوب العراقي بواسطة منفذي الشيب والشلامجة الحدوديين، وأسواقها مجهزة أحسن تجهيز فكل شيء متوفر ويباع بأسعار زهيدة باستثناء المستورد منه أو ما يطلقون عليه - خارجي - فانه غالي الثمن، وتشاهد العوائل في الحدائق العامة والكازينوهات والمطاعم يتناولون أطايب الطعام على شكل جماعات وبكميات وفيرة ، مما يدلل على الرخاء العام والكياسة في الرجال والمروءة في النساء وحدت سلوكهم وجعلت المدينة مركز للسرور والبهجة، رغم الحصار الدولي المفروض عليهم وهبوط العملة الإيرانية - التومان - نحو الأدنى، ولكن حال الناس يقول: لقد أصبح عندنا اكتفاء ذاتي فأصبحنا نأكل ما نحصد ونلبس ما ننسج ونشرب ما نعصر .

مدينة الأهواز: هي السوق الرئيسي لمقاطعة خوزستان وهي مدينة واسعة الشوارع ذات سهل زراعي خصب منبسط والمناخ فيها حار لذلك ينمو النخيل بكميات كبيرة في مناطقها ويصنع فيها السكر من القصب والحنطة والشعير والذرة هما الإنتاج الزراعي الرئيسي وسكانها العرب يعيشون على السمك والتمر، وهي ليست كبيرة على قدر ما لكنها جميلة، فيها مباني عالية من الحجر ذات طوابق متعددة ونوافذ كثيرة وكلها مبنية على الطريقة الإيرانية التي تعتمد الحديد كقواعد في البناء بدلا من الخرسانة .

وأهل - الأهواز - كخليط بشري يرتدون الملابس العربية المعروفة والأغلبية ترتدي القميص والبنطلون، ونسائهم تلبس الزى العربي العباءة العربية أو الإسلامية كما يسمونها وخاصة الريف الاهوازي المحاددة للجنوب العراقي، إما المرأة الاهوازية في مركز المدينة فان الأغلبية الساحقة منهن ترتدي القميص الطويل والبنطلون وتضع الشال على رأسها وهو يغطي نصف شعر الرأس والنصف الأخر في الهواء الطلق .

سوق الجمعة: وسط المدينة يمتد على مسافة طويلة يفتح أبوابه صباحا لبيع السلع القديمة والجديدة يشبه سوق الجمعة عندنا حيث ملابس أهل الخليج العربي المستعملة تباع هناك لان اغلب البائعين والمتبضعين هم من العرب، وتباع الكاسيتات العراقية لعبادي العماري وحاتم العراقي وياس خضر وغيرهم، تصدح بصوت عالي وسط السوق الذي يقفل أبوابه عصرا وهي تقول (إعزاز عدنا ومن هويناهم هوينا الناس كلها) .

والى جانب الأهواز قصبة محافظة خوزستان، هناك مدن أخرى مهمة كعبادان المعروفة بمصفاة النفط، ومدينة شوش دانيال وديزفول، وغيرها.

 

شاكر عبد موسى الساعدي / العراق - ميسان

 

زاحم جهاد مطرسبق لي أن أرسلتُ إلى الفقيد المرحوم الأديب الكبير (زاحم جهاد مطر) نسخةً ألكترونية من ترجمتي لمسرحية (جلجامش) الشعرية للشاعر السويدي (أبه لينده). فاستلمتُ منه رسالةً ألكترونيةً ـ أدرجها هنا كما وردتني ـ مع مسودة مسرحية (هو الذي رأى كلّ شيء) الشعرية التي كتبها مقتبسةً من ملحمة (جلجامش)، راجياً رأيي فيها.

سيدي

عبد الستار نورعلي

معلم الاجيال

كل الشكر والتقدير قبل الإهداء على هذا الجهد الكبير والشاق.

تصفحت الترجمة القديرة الفاحصة الحذرة.

وكما كان توقعي فان المؤلف قد تاثر بالجانب السطحي من الملحمة وهذا ليس من ذنبه

وكما تعلم سيدي الفاضل فان الملحمة وبطلها الاسطوري الحقيقي كلكامش قد تعرض وسيرته الى التشويه المقصود وغير المقصود لغايات واهداف انت اعلم مني بها

مرة ثارت ثائرة البعض عليّ لأني قلت لم اجد في التاريخ الانساني اقرب لعلي بن ابي طالب غير كلكامش. وانا لم اقل هذا الكلام مجردا من التمحيص والتدقيق والادلة

اتمنى ان يكتب هذا الكتاب صفحة للمناقشة العلمية لنصل الى الحقيقة ولكن باثباتات وبراهين وليس عن تصورات ساذجة او متاثرة برأي فلان او علان

انه تاريخنا

تقبل شكري واحترامي

*

ـ (وصلتني رسالته بتاريخ 12 آب 2018 الساعة 21:37)

فرددْتُ عليها مباشرةً:

أخي العزيز المبدع الكبير زاحم جهاد مطر

تحياتي

أشكر لك تفضلك بالرد السريع. أنت تعلم أنّ الملحمة أثارت قراءات كثيرة ومختلفة حسب فهم ورؤية كل باحث ومهتم. ورأيتُ أن يطلع المثقفون العرب على تأثير الملحمة في الأدب العالمي وأهمية هذا التأثير، سلباً أم إيجاباً. وهذا يبرز الأهمية الكبرى لحضارة ولثقافة وادي الرافدين بعمق تأريخها في التاريخ الثقافي والفني العالمي. والمسرحية مستوحاة من الملحمة، بمعنى أنّها دخلت في عمق وعي وفن وثقافة الانسانية في كل مكان، وهذا يظهر عظمة تاريخنا وحضارتنا على سعة الكون الانساني.

ولك الحقُّ في أن تقرأ بحسب وعيك وتحليلك ومتابعتك وسعة أفق ثقافتك وموقفك الفكري والحسي والفني، أما إنْ غضب البعض فهذا من قصر النظر وتخلف الوعي، وهو من أُسس ما وصلنا اليه منْ كوارث وتراجع رهيب.

دمتَ بخير وابداع وراحة

أخوك

عبد الستار نورعلي

*

ثم أرسلَ رسالةً ثانيةً بتاريخ 21 سبتمبر 2018 تتضمن مسودة أولية لمسرحيته المُقتبسَة من ملحمة جلجامش:

استاذي ومعلمي الفاضل عبد الستار نور علي

ارجو ان تكون بصحة تامة

انا اعلم بانشغالاتك ولكن التلميذ يمون على استاذه كما يقال

في المرفق مسودة اولية لمسرحية (هو الذي رأى كل شيئ) مقتبسة من ملحمة جلجامش الخالدة

ارجو بيان الرأي الذي يهمني جدا

حاولت فيها ان ابين الحقائق المخفية او التي تعرضت للتشويه والتزييف للشخصية العراقية من خلال تشويه ابطالها

اشكرك مقدما

و لكم محبتي وتقديري واحترامي

*

فأجبته:

العزيز أخي زاحم جهاد مطر

تحياتي القلبية الحارة

سأقرأها حتماً وأعلمك برأيي باسرع وقت

عبد الستار نورعلي

*

ثم أرسلتُ له قراءتي:

عزيزي زاحم جهاد مطر،

تحياتي القلبية مع إكليل محبة،

انتهيت من قراءة المسرحية. وقد فهمتُ المرمى الذي تهدف اليه، وهو نزع صفة الطاغية ألمستبد الباحث عن خلوده (جلجامش)، لتعرض من خلال المسرحية رؤيتك للملحمة وبطلها، على أنّه كان عادلاً يحبُّ شعبَه، ويعمل لصالحه، بدليل وقوفه في وجه أعيان المدينة. وأرى أنّ مستهلَّ الملحمة بعبارة:

"هو الذي رأى كلَّ شيء

فغنّي باسمه يا بلادي."

 كما ورد على لسان الراوي، في الدعوة الى الغناء باسمه، دليلٌ على محبته من رعيته.، فهو الذي رأى كلَّ شيء، بمعنى الرؤية البصيرية العقلية النافذة بالوعي والفكر، لا الرؤية البصرية للماديات.

كما أنّه رغبَ بامتلاك عشبة الخلود ، مثلما تذكر في المسرحية، لا لشخصه فحسب وانما لتوزيعها على ابناء رعيته. ولكونه هذا جوبه بمعارضة الأعيان والآلهة التي قدّرت له الملوكية خدمة لأهدافها. فخلقت انكيدو لمواجهته، والثور الوحشي للقضاء عليه. وكذا محاولة إغواء عشتار له لتدجينه وإضعافه.

هذه رؤيتك، وللآخرين، وانت العارف جيداً، رؤاهم. وهذا من عظمة الملحمة الخالدة، تاج الملاحم في العالم. واعترضتَ على بعض التفسيرات الغربية لها. مع أنّ أثرها بالغٌ في أدبهم منذ اكتشافها.

مسرحيتك راقية من حيث اسلوبها الذي حاولتَ أن تقرّبه من لغة الملحمة وأدائها، وهي شاهد على عمق صلتك وعلمك بالملاحم التاريخية ومتابعتها ودراسة مضامينها وشخصياتها الألوهية. ومن قراءتي لنصوصك ،غير المقامات، التي كتبتها على نمط شعر الملاحم السومرية والبابلية والأكدية وجدتُ أنها من ابداعاتك المتميزة وتقترب من لغة وتعبير وصور الملاحم واشاراتها، وأظنني علّقْتُ عليها مشيراً الى ذلك.

ويبدو أنك تعبتَ على المسرحية كثيراً، وجهدتَ أن تخرجها بأبهى حُلةٍ، مضموناً وشكلاً، وقد أخذت منك وقتاً وحرصاً.

أرجو أنْ تعيد قراءتها، لأنّ فيها هناتٍ لغويةً نحوية قليلة جداً وبسيطة، لم استطع أنْ أصحّحها، لأنّ النصَّ مرسلٌ ملفاً لا يمكنني أن أدخل عليه للتغيير، ويقيني أنّها مسودة اولى، كما ذكرتَ فيها. وهذه الهنات بالتأكيد لا تمرّ عليك وأنت العارف بقواعد اللغة، أكيد أنها بسبب التعب فهذا يحدث مع الجميع. والهنات خاصة ترد في الأسم المثنى نصباً، فترد بالألف رفعاً بدل الياء في الغالب، كما تابعتُ. وهناك سهو في أزرار الحروف فترد الخاء في نهاية الكلمة على شكل الرقم 3 أو 6 أحياناً، مثل كلمة النفخ ترد النف3 .

هذا ما أردت قوله متمنياً لك التوفيق مبدعاً كبيراً وحريصاً على أن يكون كما هو.

مع فائق المحبة

أخوك

عبد الستار نورعلي

السبت 22 سبتمبر 2018

*

مسودة أولية

مسرحية (هوالذي رأى كل شيء)

زاحم جهاد مطر

مقتبسة من ملحمة جلجامش الخالدة

تتألف المسرحية من ثلاثة فصول:

الفصل الأول ستة مشاهد

الفصل الثاني خمسة مشاهد

الفصل الثالث أربعة مشاهد

والمسرحية من ستة وستين صفحة من الحجم الكبير، ووصلتني على نظام الووردز.

وأملنا أنْ تجد طريقها إلى الطبع لأهميتها، وشعريتها، وأسلوبها الملحمي.

***

عبد الستار نورعلي

الثلاثاء 19 مارس 2019

يوم إعلان رحيل الأديب والإنسان الكبير(زاحم جهاد مطر)

فلروحه الرحمة والسلام والذكر الطيب. طيّبَ الله ثراه.

 

 

احمد فاضللم أكن أتصور أنني سأقرأ نعيه، فقد كنت أترقب جديده وهو يتحفنا بقصائده النثرية من على صحيفة "المثقف" بين الفينة والفينة، وبسبب إنشغالاته لم يتحفنا من أفانين شعره ومقاماته اللوذعية التي كانت تستقطب الاعجاب من قبل جمهرة كبيرة من النقاد والقراء بسبب هجائها وكوميديتها السوداء التي كانت تذكرني بكتابات وليم فوكنر وتوماس بنكن وكورت فونيجت وجوزيف هيللر ومارك توين ولويس فرديناند سيلين وجورج برنارد شو، حتى فوجأت برحيله إلى الأبدية وهو بعد لم يكمل مشروعه في تجديد فن المقامة التراثي الذي بدأه منذ سنوات قليلة .

كانت زياراته للمتنبي قليلة ولذلك لم نكن نراه كي نجلس لمحاورته ما بدأه من مشروعه المقامي أو حتى النثري والهايكوي الذي بدأ في كتابته متأخراً حيث كنت قد قرأت له عدداً منها من على صفحته الخاصة على الفيسبوك اجتزأ منها :

يا قاطع الأرزاق بلا سبب

تذكر قولي

سوف يقطع الله عنقك بسبب

   ******

لا يغرنك وجه الظالم المبتسم

أنظر

إلى قلبه المحترق ..

  773 احمد فاضل

أما آخر لقاء مُطّول معه فكانت في إحدى دورات معرض بغداد الدولي للكتاب حيث وقفت معه في توقيعه لكتابه " مقامات " الصادر عن اتحاد الناشرين العراقيين والذي شهد إقبالاً كبيراً اضطر الجمهور أن يقف صفاً طويلاً للحصول عليه .

رحمك الله أديبنا وشاعرنا الإنسان بمعنى الكلمة زاحم جهاد مطر وأسكنك الله تعالى فسيح جناته .

 

كتابة / أحمد فاضل

 

زاحم جهاد مطرفالردى كان أسرع مني في لقائك

إن عيناي تدمع

وقلبي يخشع

ونبضات روحي تسمع

وإنني على فراقك حزين

بفراقك زادت جروح قلبي وقروحه جرحا

أذرف الدمع في وداعك

أشيعك وأنت في قلبي أخا وصديقا

رحلت عنا وتركتنا نصارع أمواج المأسي والآلام

 *

زاحم يا صديقي

سنلتقي حتما عند ضفة دجلة

حيث - المتنبي - ينتظرنا واقفا

أو في الفردوس الأعلى

المخصص لنا نحن الفقراء الطيبون المعذبون المطاردون في الأرض

لأنه يتعسر على الأغنياء دخول الجنة

صدق السيد المسيح - عيسى بن مريم - عليه السلام

حين قال :  الحق أقول لكم: "أن يدخل الجمل في ثقب الأبرة أيسر من أن يدخل الغني ملكوت الله" كن في رعاية الله صديقي

*

سبعون شمعة

سأوقدها في حديقة آذار

وسأذرف دمعي الحار عليك يا صديقي

مثلما كان الشاعر - البياتي - يبكي وينحب على ولده - علي -  في مدن المنافي البعيدة الحزينة

                 - 1 -

قمري الحزين  "

البحر مات وغيبت أمواجه السوداء قلع السندباد

ولم يعد أبناؤه يتصايحون مع النوارس

والصدى المبحوح عاد

والأفق كفنه الرماد

فلمن تغني الساحرات ؟

والعشب فوق جبينه يطفو وتطفو دنيوات

.. .............................................

................................................

أكذا نموت بهذه الأرض الخراب؟

ويجف قنديل الطفولة في التراب ؟

أهكذا شمس النهار

تخبو وليس بموقد الفقراء نار ؟

                        - 2 -

مدن بلا فجر تنام

ناديت باسمك في شوارعها فجاوبني الظلام

وسألت عنك الريح وهي تئن في قلب السكون 

ورأيت وجهك في المرآيا والعيون

............................................

............................................

أهكذا تمضي السنون

ونحن من منفى إلى منفى ومن باب لباب

نذوي كما تذوي الزنابق في التراب

فقراء يا قمري نموت

وقطارنا أبدا يفوت

*

صديقي الغالي - زاحم - أهديتني قبل عامين قصيدة

" لم الإصرار على الرحيل "

ونهري ما يزال يجري

الليل بهيم يا صغيري

.............................

............................

ألا ترى الأفق البعيد

إنه بلون الدم

حتى القمر أحمر

والأضواء الصغيرة التي تراها حمراء

عيون ذئاب تنتظر حملانا

فلا تكن حملا يسير نحو الفناء على قدميه

أصر على الرحيل

ذهب نورسي وتلاشى في الظلام

الغراب الذي يبحث في البرية

لم يجد من يواري سوءة الغريب المجهول

وضفافي التي غاب عنها البياض

تبكي عليه عبثا "

*

كانت هذه نبؤتك عن موتي في المنفى وحيدا

حتى الغراب لم يجد من يواريني في التراب

أقول لك : صدقت يا صديقي ، سأرحل وحيدا في منفاي مثلما رحلت عن العراق وحيدا

وسيتعذر على الغراب أن يجد من يواريني التراب

 لكنني كتبت لك أيضا تعليقا على هديتك :-

أخي وصديقي الحميم - زاحم - أيها المبدع الجميل

هذه الأجواء التي رسمتها على خارطة رحيلي هي أجواء مصرع شهيد الشعراء ، قمر غرناطة وعندليب الأندلس ، شاعر الحرية والكرامة الإنسانية  - فدريكو غارسيا لوركا - شاعر القمر وظلال الأغصان ونبع الدموع 

هذا هو بالضبط حلم - لوركا - الذي رآه قبل مصرعه بيوم واحد . فقد رأى في ما يرى النائم ذئبا يتربص بحمل صغير

كان برفقة أمه . وحين غفلت عنه أمه هجم الذئب وافترس الحمل الصغير الوديع . وكان مشهد الدم مرعبا ، كل شيء أحمر ، الحقل أحمر كان ، حتى القمر أحمر كان

بعد يوم واحد من حلم لوركا هذا إعتقل الفاشيون الشاعر وأطلقوا عليه الرصاص في حقل محروث عام 1936

فهل تتنبأ لي يا صديقي بمصرع يشبه مصرع الشاعر لوركا أم ماذا؟! . حتى الغراب في منفاي لم يجد من يواري جثماني

 يا - إلهي .هل رأيت شيئا في منامك يا صاحبي وصديقي أم أنك تفزعني لأعود إلى ضفاف النهرين لأصنع مراكبي وقواربي من ورق دفاتري المدرسية وألقيها في نهر دجلة

الخالد وأنشد :  أيها النهر لا تسر وانتظرني لأتبعك

 تريدني أن أعود إلى السماء الأولى حيث عناقيد النجوم

دانية وقطفها أيسر من شرب الماء؟

وبساتين أشجار الرمان مزدانة بالجلنار الذي سيكبر وينضج ويصير نهودا لشجرة الرمان؟

حسنا سأعود ولن أرحل ثانية إذا كان ذلك يجلب البهجة لروحك والسعادة لقلبك أيها الصديق الحميم

*

عزيزي الشاعر المبدع زاحم

شكرا لك على قلادة الشعر التي صغتها من كلمات المحبة والطيبة والنبل والتي وضعتها في جيدي وتدلت على صدري

سأحتفظ بها كذكرى جميلة من صديق مبدع جميل

*

وهذا أخينا وصديقنا الحميم الشاعر - يحيى السماوي - كتب لنا هذا التعليق على نصك البديع

" يا صديقي زاحم جهاد مطر وحسين السوداني : دمتما شفتين لفم واحد غنى للإنسان وشهر صوته بوجوه المارقين

 *

أقول لك أيها الغالي

أنت أسرعت الرحيل

وأسرجت جواد المنون مسرعا

فالردى كان أسرع مني في لقاءك

إن عيناي تدمع

وإنني على فراقك حزين

***

حسين السوداني

 

774 جمعة 3لا يمكن للعراق ان يفرغ من رجاله الاوفياء والشرفاء. لا يمكن ان يجدب من الطيبة والوفاء وعمل الخير. والدفاع عن حق المعدومين والمسحوقين والمحرومين. في حق العيش الكريم. لا يمكن لعقلية الحواسم والعلس ان تخنق العراق وتقوده الى الافلاس والفقر والجوع التام، مثلما بطشوا ونهبوا بخيرات واموال العراق. احزاب علي بابا والف حرامي. من اللصوص والسراق. الذين نشفوا خيرات العراق. بطرق شيطانية في الاحتيال والاختلاس. ليقودونه الى الخراب والانقسام والتمزق. ليصبح العراق. بلاد الاحزان والنوح والبكاء. من طراطير الاحزاب الطائفية الحاكمة. لذلك مهما كان جبروتهم وقوتهم الارهابية.

 لا يمكن للعراق. ان يخلو من الافياء والغيارى. الذين يحلمون بوطن خالً من العذاب والمعاناة والحزن. خالٍ من عقلية الحواسم والعلس والقرصنة. خالٍ من الثقافة الطائفية التي مزقت العراق بالخرب. خال من الفاسدين (الهتلية) الذين تاجروا بالعراق برخص في مزاد الدول الاجنبية. لبيعه هو وناسه الغيارى. بضمير ميت. وبضمير العمالة والخيانة للاجنبي. في سبيل تحطيم العراق وافلاسه. هكذ كان الفقيد كنخلة العراق الشامخة. يقف بكل صلابة في وجه الاوغاد من حثالات الاحزاب الطائفية بجرأة وشجاعة. لذلك ان رحيله المفاجئ. خسارة كبيرة للعراق والى ناسه الطيبين.

774 جمعة 2

فقد كان الفقيد الكبير (زاحم جهاد مطر) عنوان الطيبة والتواضع. عنوان الاخلاص والتفاني بحب الوطن. فكان يطرز الامل والحلم للعراق. في ابداعاته الادبية الفذة. وخاصة في المقامة الحديثة. كان عنوان التضحية في سبيل الوطن وناسه الفقراء. لذلك تطوع بدون مقابل مالي. في ازالة الالغام من مخلفات الحرب العراقية الايرانية. وخاصة وانه خبير عسكري في ازالة الالغام. وتطوع بهذا العمل الخطير. وكان في عهدته 350 عاملاً باجور شحيحة. حتى لا تكون هذه الالغام. افخاخ لصيد الناس الابرياء. ولكن الحرامية واللصوص من ثعابين الاحزاب الطائفية. وقفوا في وجهه بالمرصاد. لانهم كانوا يسرقون الاموال والمعدات الحديثة في ازالة الالغام. التي كانت ترسلها هيئة الامم المتحدة. فقد اشتكى منهم ألى هيئة الامم المتحدة. التي كانت تدعم عمله الشاق والخطيرفي ازالة الالغام. وترسل الاموال والمعدات الحديثة. ولكنها لاتصل اليه. وعندما عرفوا بالشكوى ضدهم. فكان انتقامهم في ايقاف العمل في ازالة الالغام وطرد 359 عاملاً. ليتركوا الالغام تحصد الناس الابرياء. هكذا وصلت سفالة وحقارة ثعابين الاحزاب الطائفية الحاكمة. في انتصارهم على عمل الخير.

774 جمعة 1لقد كان الفقيد الكبير عنوان الجرأة والشجاعة. ولم يعر اهمية الى التهديدات بالقتل والاغتيال. اذا وقف في وجههم ومنعهم. ولكن مرض القلب. لم يمهله ويسعفه كثيراً. في مقاومة الجراد الوحشي الذي غزا العراق. فتوقف قلبه الكبير. وتوقفت حياة الانسان الكبير. الذي كان مدافعاً عن الحق. مدفعاً عن حق الفقراء بلقمة الخبز الشريفة. كان مبدعاً كبيراً في اشكال وفنون الادب. فقد اعاد صياغة المقامة. وخلقها من جديد في التجديد والابتكار الخلاق. فأستحق لقب رائد المقامة الحدثة. بكل براعة ابداعية خلاقة تلائم متطلبات العصر الحديث.

فالف رحمة الى فقيدنا الكبير. فقيد الطيبة والابداع والانسانية.

نسأل الله عز وجل ان يتغمد الفقيد الكبير برحمته الواسعة واسكنه فسيح جناته. والهم الصبر والسلوان عائلته ومحبيه ولكل الشرفاء وهم يقاومون الجرذان الوحشية من احزاب علي بابا وألف حرامي

 لقد خسرت الثقافة العراقية مبدعاً كبيراً وفذاً

 

جمعة عبد الله

 

زاحم جهاد مطرالى روح المرحوم الشاعر الأستاذ زاحم جهاد مطر رحمه الله

اخي زاحم:

كنت احسب ان لإنقطاعك عن صفحة نصوص عودة بعد حين، لكنني فجأة علمت ان روحك تفارق هذا العالم بعيدا الى حيث ذلك المكانٍ .

هنالك قررت ان اتلو هذا النعي على جدران مثواك الأخير، حيث كما تعلم لم يتسن لي ان احضر مهرجانات الشعر ببغداد أسوة بالقادمين، لذلك آثرت ان اكتفي بهذه البصمات: 

اخي زاحم نصوصك الهايكوية والمقامات التي كتبتها جميعا، في القلب باقية أصداؤها، كما وفائه حبر الكلمات، انفاسكَ رسمتها في مشاعرنا جميعا مثل اغصان تؤرقها العَصافير.

المسافات التي تفصل بيننا، في يوم من ايام آذار، قررت ان تتنحى عن منبرها، لتبقى هكذا نستنشق عطرها، نتحسس روعتها، لذلك إكرامًا وتبجيلا، القصيدة ارتدت ثوب الحداد.

دقات قلبك باغتتنا، وايقونة الشعر مثل بكاء الحاضرين دموعها، أبكت مجالسنا.

 اخي ابا علي، لقد بلغنا النبأ مع صباح من صباحات نصوصك القديمة، ساعتئذٍ رحت اتطلع الى صورة عودتك الشعرية، لنتبادل التعليقات بعد التحيات من جديد، لكن صفحتك هذه المرة كانت غائمة،

رغم ان قصيدتك الأخيرة بعد الفراق لها اشراقة في القلب.

يومئذٍ أيقنت انك قد عدت لتمضي شوط لقائك الأخير.

 

عقيل العبود   

 

ضياء نافعلا اعرف لحد الان كيف اكتب لقبها بشكل دقيق – (ابو قلام) أم (ابو اقلام)، ولكننا كنّا نلفظه ابو قلام في حينها، ولهذا كتبته هكذا في عنوان مقالتي عن المرحومة الدكتورة وفيّة.  تعارفنا اثناء دراستنا في جامعة موسكو في ستينات القرن العشرين، حيث كنت انا آنذاك طالبا في الدراسات الاولية، وكانت هي طالبة في قسم الدراسات العليا . لقد وصلت وفيّة الى موسكو وهي محاطة بهالة من الشهرة والمجد باعتبارها شاعرة (محكمة الشعب) او (محكمة المهداوي) او (المحكمة العسكرية العليا الخاصة)، وكنّا نتصورها شخصية قوية وصلبة ومناضلة ووو، ولكننا اكتشفنا بعد مخالطتها لفترة طويلة نسبيا، انها امرأة عراقية بسيطة جدا وفي غاية الطيبة وحتى ساذجة الى حد ما، وبالتدريج لم تعد بالنسبة لنا تلك المرأة السياسية الحديدية التي تصورناها قبل وصولها الى موسكو.

كانت وفيّة تعرف حدودها كما يقال، وهذه صفة جيدة جدا في الانسان ( الذي يعرف قدر نفسه)، فلم تكن (تثرثر!) في الشؤون السياسية ولم تكن (تتبجح !) بماضيها وقصائدها في المحكمة كما كان يتبجح الكثير من العراقيين، الذين كانوا معنا آنذاك، ولم تحاول ان تبرز في اجتماعات العراقيين ومناسباتهم (وما أكثرها!) او تطلب القاء كلمة او قصيدة او تعليق بمناسبة او حتى بغير مناسبة كما كان يحاول البعض من المتبجحين، ولم تتكلم عن اطروحتها وتتباهى بعلمها وموهبتها مثل بعض الذين كانوا يحيطوننا، بل انها انجزت اطروحتها بصمت وهدوء وبمعزل عن الآخرين، وكانت اطروحتها عن الرصافي، وسمعتها تتكلم مرة واحدة  فقط عن اطروحتها، وذلك عندما قدّمتها كاملة الى مشرفها العلمي، والذي قال لها، ان الاطروحة جيدة ومتكاملة عن الرصافي (كانت وفيّة تعرف الرصافي وابداعه أفضل من مشرفها بلا شك لكونها عراقية وتحمل شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من جامعة بغداد)، ولكن تلك الاطروحة كانت – من وجهة نظر المشرف العلمي السوفيتي - خالية من الاستشهادات الماركسية – اللينينية، وان الاطاريح في الاتحاد السوفيتي لا يمكن ان تكون هكذا، اي دون اطار نظري ماركسي واضح المعالم والمفاهيم، واتذكر جيدا كيف سخرت وفيّة من كلام المشرف آنذاك (أمامنا طبعا وليس أمامه !)، وقالت لنا، انها تبحث الان عن مقاطع عامة (واستخدمت وفيّة بسخرية كلمة – آيات بدلا من كلمة مقاطع عامة) حول الادب من أقوال ماركس وانجلز ولينين كي تضعها بين سطور اطروحتها عن الشاعر العراقي معروف الرصافي حتى تكتمل المتطلبات العلمية لمناقشة الاطروحة بنجاح امام اللجان العلمية، وهذا ما تم فعلا بعدئذ.

غادرت وفيّة الاتحاد السوفيتي بعد اكمال دراستها، ولم تحاول البقاء او التشبث بالبقاء كما فعل الكثيرون، متعللين بالاوضاع السياسية في العراق، ولم اتابع أخبارها – مع الاسف -، ولكنني سمعت انها عملت في جامعة باحدى الدول العربية باعتبارها تحمل شهادة الدكتوراه في الادب العربي، ولم أجد انعكاسا لنشاطها الادبي، الا اني وجدت مرة كتيبا صغيرا بترجمتها عن اللغة الروسية حول الواقعية الاشتراكية في الادب الروسي صادر في بغداد، وكان اسلوب الترجمة العربية سليما جدا، رغم ان موضوع الكتيب كان عتيقا (ان صحّ التعبير)، ويحمل وجهة النظر السوفيتية التقليدية الرسمية المعروفة حول مفهوم الواقعية الاشتراكية، وهي وجهة نظر قديمة جدا ولم يعد حتى المتخصصون السوفييت آنذاك (في السبعينات، عندما ظهر الكتيب المذكور) يتكلمون عنه، او يأخذونه بنظر الاعتبار. ولا اعرف متى توفيت المرحومة وفيّة، الا اني قرأت كلمة (المرحومة) مقرونة باسمها اثناء مطالعاتي للصحف العراقية، وكذلك قرأت قبل فترة عن صدور مجموعة قصائد لها لم تستطع نشرها في ذلك العصر الصعب نهاية القرن العشرين، ولكنني لم اطلع على تلك المجموعة الشعرية مع الاسف . لقد  كنّا نرى آنذاك، ان قصائدها لم تكن تتميّز بصور فنية وشعرية عميقة بشكل عام ، وانها لم تكن ضمن الاسماء اللامعة للشاعرات العراقيات الكبيرات، وكان هناك أحد الزملاء المتشددين جدا بيننا (لا اريد ان اذكره  هنا، ولكني اشير فقط الى حرفي اسمه ولقبه – (م.ب.) وذلك لانه توفي منذ فترة طويلة في بغداد) يؤكد دائما انها ليست (شاعرة) وانما (ناظمة) ليس الا، وهو رأي غيرموضوعي بتاتا و يتميّز بالتطرف والقسوة .

الرحمة للشاعرة الدكتورة وفيّة ابو قلام، والذكر الطيب لهذه المرأة العراقية الاصيلة ...   

 

 أ.د. ضياء نافع       

 

766 وليم ستانليالشاعر الأمريكي الحاصل على جائزة بوليتزر مرتين والمدافع عن الحقوق البيئية يغادر العالم عن عمر 91 عاما

ولد ميروين في مدينة نيويورك عام 1927، وترعرع بين تقاطع زاوية الشارع الرابع وشارع نيويورك في يونيون سيتي بولاية نيو جرسي، إلى حدود 1936 حين انتقلت أسرته الى مدينة سكرانتون بولاية بنسلفانيا. كان مهووسا بحب الأشياء التي تذكره بالماضي وبسحرِ الكلمات منذ نعومة أظافره ، وكان والده قسّاً في الكنيسة البروتستانتيّة حيث بدأ ميروين بنظم الترانيم لكنيسة والده وهو في سنّ الخامسة. شجّعته مدَرِّسةُ لغة إسبانية على كتابة الشعر، وحثّتهُ على أن يجرّب ترجمة الشاعر الإسباني فيديريكو غارثيا لوركا.

بالرغم من أن الحالة المادية لأسرته لم تسمح لها بإرسالِه إلى الجامعة، إلا أنه نالَ منحة دراسيّة من جامعة برينستون، هناك عمل نادلاً في مطعم للنّخبة تابعٍ لأحد نوادي الجامعة، مما ساعده على دفع تكاليف المعيشة. في برينستون، تأثّر بالنّاقد والشّاعر الشهير ر. ب. بلاكمور ومساعده في الجامعة نفسها الشاعر جون بيريمان الذي ظهر أول مرة بالجامعة وهو يلبس قبعة فطيرة الخنزير. بعد الحرب العالمية الثانية، وبالضبط في سنة 1946، سافر الى مستشفى سانت اليزابيث بواشنطن العاصمة كي يزور الشاعر إزرا باوند الذي أوصاه بتعلم اللغات والترجمة التي ستفتح له مجالا أوسع للاطلاع على الثقافات الأخرى وتمنحه اختيارات واسعة. عاد ميروين الى برينستون ليتابع دراسته وتسجل في قسم الّلغات الأوروبية، ويعدّ نفسه لمهنته المستقبلية كمترجمٍ للآداب الفرنسية والإسبانية والإيطاليّة، وبدا بأشعار فدريكو غارسيا لوركا والنصوص الاسبانية القديمة مثل القصيدة الملحمية Poem of Cid.

و بعد التّخرّج من الجامعة، تزوج ميروين زوجته الأولى دروثي جين فيري وانتقل الى أوروبا حيث عمل مترجما ومدرسا خصوصيا لأبناء العائلات الموسرة بالبرتغال وجزيرة مايوركا الاسبانية حيث درس ابن الكاتب البريطاني روبرت غريفس Robert Graves. بعد ذلك بفترة قصيرة ، سيشتري منزلا قديما بمزرعة مهجورة في وادي دوردوني بجنوب فرنسا ، ويصلحه على مدى سنوات عديدة. في مايوركا سيلتقي ديدو ميلروي التي أشرف معها على كتابة مسرحية وتزوجها بعد ذلك وانتقلا للعيش معا في لندن حيث ربط صداقة مع كل من سيلفيا بلاث وتيد هيوز بعد عودته من اقامة فنية بمدينة بوسطن التي كان يشرف منها على تحرير الشعر لمجلة "الوطن". في عام 1968، عاد ميروين الى نيويورك بعد أن انفصل عن زوجته الثانية وفي السبعينات رحل الى هاواي وتزوج من باولا دنوي. على مدار الخمسة والستين عامًا التالية ، انخرط ميروين في واحدة من أكثر التجارب الشعرية تميزا بعد الحرب، حيث ترجم من مجموعات شعرية متنوعة من لغات متعددة مثل الفرنسية ، الألمانية ، الروسية ، الإسبانية ، الكاتالانية ، البرتغالية ، الإيطالية والصينية والرومانية واليونانية والأيرلندية والكيشوان والإسكيمو ولغة أمازيغ الجزائر، على سبيل المثال لا الحصر. نُشرت مجموعة أخرى من هذه الترجمات في ربيع عام 2013 ، جنبًا إلى جنب مع نسخة جديدة من الهايكو كتبها يوسا بوسون.

جاء في مقدمة كتاب بعنوان «قصائد مختارة» للشاعر الاميركي الكبير و.س. ميروين، من منشورات دار الجمل ومن ترجمة الشاعر العراقي الراحل سركون بولص، أن ميروين قطع أشواطاً بعيدة في مسار الشعر أكثر من أي شاعر أميركي أو بريطاني آخر حيث أبان عن صوت شعري مختلف يصبو الى الانسلاخ عن التقليد، بالرغم من أنه حافظ على خصائص الحساسية الشعرية المعاصرة في ديوانه الأول بعنوان «قناع لجانوس» (1952) والذي تميز بغنى في اللغة وتنوع في الشكل مما دفع بالشاعر W. H. Auden الى اختياره كأحسن عمل في مسابقة الشعراء الشباب التي تنظمها جامعة ييل.

قصائد ميروين تسبر أغوار العالم المعقد في قالب فنّي فريد من خلال مواضيع وأساليب لها علاقة بتجربته الشخصية، كما أنها تبحث في علاقة الفرد بالمحيط السياسي والطبيعي. كان مروين واحدًا من أعظم شعراء العالم الذين انشغلوا بالفقدان، وكان يؤرخ للظرف الإنساني ويندد بالتدمير الذي يطال البيئة بسبب التصنيع المفرط، وكان يعبر عن ذلك بإحساس مفرط في الزهد، وهو ما يعكس ممارسته للبوذية. على مدى مراحل عديدة من حياته، انسلخ ميروين من التقاليد القديمة التي فرضها التيار الشكلاني على الشعراء كي يتمكن من بناء فهم جديد وتقاسم رسالة تناسب العصر الذي يعيش فيه، ولذلك كان يتوق الى جعل شكل قصائده امتدادا للمحتوى عن طريق الاشتغال على مجال الكتابة. وبالرغم من أن بعض النقاد يميلون إلى تصنيفه كشاعر سابق لأوانه، إلا أنه صرَّح ذات مرة بقوله: «لم أؤسس أي نظرية جمالية حتى الآن، كما أني لا أعرف إن كنتُ أنتمي إلى أي حركة شعرية». يتميز أسلوبه في الشعر الحر برسم الصورة فوق الصورة دون علامات ترقي، وفي غالب الأحيان، يبرز مروين في شعره كيف أن البشر لا يؤدون دورهم بشكل صحيح في العالم وأنهم يعتقدون بأنهم أكثر أهمية من الكائنات الأخرى في خطة الخلق، وهو موضوع لا يمكن استكشافه بالكامل داخل الحدود الذي وضعها الحداثيون لأن الأشكال التي استخدموها في شعرهم تحد من استكشافاتهم. إلا أنه حتى التغيير في الأسلوب والموضوع لم يرضيه، فواصل البحث عن طرق جديدة لاستحضار معنى أسمى أو مختلف في شعره. فكان التغيير التالي هو الابتعاد عن اللغة المصممة والمتأثرة بالأشكال التقليدية، وبدلاً من ذلك ، بدأ في استخدام "القواعد النحوية" التي تركز على جوهر الأشياء من خلال البساطة المتأصلة في الوصف والانسجام المسموح به من خلال عبارات غير محددة . في هذه الصياغة والتركيب الغير المحددة ، لا تسعى الكلمات لتحل محل جوهر الشيء، بل تسمح للقارئ بدلاً من ذلك ، بالاستغناء عن الأشياء بالطريقة التي تناسبه، مما أجبر القراء على التفحص والتعليق ومسائلة الموضوع بانفسهم (ديفيس ، 42)، ولكي يشجع على تأويل أكثر حرية لشعره ، اختار أخيرًا التخلي عن استخدام علامات الترقيم.

سُئل ميروين ذات مرة عن الدور الذي يلعبه الشاعر في أميركا، فأجاب بقوله: «أعتقد أن للشاعر أملًا ميؤوسًا منه، فهو يريد –بيأسٍ كاملٍ- أن ينقذ العالم. يحاول الشاعر أن يقول كل ما يمكن قوله من أجل الشيء الذي يحبه ما دام الوقت لم يفت بعد. أعتقد أن هذا دور اجتماعي، أليس كذلك؟ إننا نستمر في التعبير عن غضبنا وحبنا ونتمنى –رغم استحالة ذلك- أن يكون له تأثير. لكنني تجاوزت هذا اليأس والرؤية البكماء والحرقة التي كنت أشعر بها بعد صدور ديوان «القمل». لا يمكن لأحد أن يعيش اليأس والحرقة دون أن يحطم تدريجيًّا هذا الشيء الذي أغضبه. العالم ما زال هنا وفيه الكثير من المظاهر الحياتية التي لا تؤذي أحدًا، وهناك حاجة ماسَّة لأن ننتبه للأشياء التي حولنا ما دامت حولنا؛ لأننا إن لم ننتبه لها فسيكون هذا الغضب محض مرارة لا أكثر». (المجلة الإلكترونية "بويتري فاونديشن".

صدرت له أعمال شعرية عدة من أهمها: "القمل" و"قناع جانوس" الذي يرمز إلى إله الأبواب والبدايات عند الرومان -1952، و"الدببة الراقصة" الذي استلهم عنوانه من عمل فلوبير الشهير «مدام بوفاري» – 1954، و"مسرحية شعرية" 1963، "الدريئة المتحركة" -1963، و"ثلاث قصائد" 1968، "حامل السلالم" – 1970، و"العثور على الجُزر" 1982، و"انفتاح اليد" 1983. بالإضافة إلى هذه الأعمال أنجز ميروين ترجمات شعرية لبابلو نيرودا، مندلشتام، أعمال ومسرحيات لوركا، رينيه شار، جوزف برودسكي، بورخيس، مختارات من الشعر الصيني واليابانيو اليوناني والروسي، بالاضافو إلى جلال الدين الرومي، وبول إيلوار.

في مجموعته الشّعرية "القمل" التي صدرت عام 1967، عمّق ميروين اتجاهه التجريبيّ في الشّعر، في تبنّيه المعاييرَ المخالِفة للسّائد والتي عرضها في مقالتِه المثيرة للجدل "في الصّيغة المفتوحة On Open Form." تناولت بعض قصائد هذا الديون حرب فيتنام التي كان مشتعلة آنذاك كما ركزت على عنف وتلاشي الحياة، وبدا الشاعر وكأنه عازم على التخلي عن جنسيته في سبيل انتماء قبلي أكبر من بلده، وعندما نال جائزة بوليتزر للشعر عام 1970 عن مجموعته "حامل السّلالم"، انتهز المناسبةَ ليشهر معارضته لحرب فيتنام. وفي السبعيناتهذا وبالرغم من تقدمه في السن، لم يتخلى ميروين عن مناهضته للحرب والاضطهاد، ففي عام 2003 عاد إلى واشنطن العاصمة مُفَوَّضاً من قبل "شعراء ضد الحرب" للتظاهر ضد الغزوّ الأميركيّ للعراق.

في منتصف سبعينيات القرن العشرين ، انتقل ميروين إلى ماوي بهاواي لدراسة Zen مع روبرت أيتكين ، الذي شجع ميروين على شراء قطعة أرضية فوق الجزيرة حيث بنى منزله وبعد فترة وجيزة التقى بزوجته بولا دوناوي وبدأ الاثنان يزرعان البذور في قطعتهما الأرضية في وادي بيهاهي على الشاطئ الشمالي لمدينة ماوي في هاواي. بعد فترة وجيزة، تحولت من "أرض قاحلة" إلى غابة نخيل مزدهرة تبلغ مساحتها 19 فدانًا، ظل ميروين عضوًا عزيزًومتفانيًا في خدمة المجتمع البيئي، كما أسس الزوجان في وقت لاحق منظمة غير هادفة للربح تسمى ميروين كونسيرفانسي من أجل الحفاظ على منزلهما ومناظره الطبيعية المتنوعة بيولوجيًا التي تضم أكثر من 3000 نخلة ، بالإضافة إلى نباتات نادرة ومهددة بالانقراض. في عام 2015 ، كان مروين، الشاعري والبيئي ، موضوع الفيلم الوثائقي "حتى وإن كان العالم كله يحترق."

شملت أعمالُه النّثرية كتاب "نهاية الأرض"، مجموعة مقالات في الطبيعة والاستكشاف. وفي سنة 1994 أصبح أوّل من تلقّى جائزة تانينغ التي تبلغ قيمتها مائة ألف دولار الممنوحة من أكاديمية الشّعر الأميركيّ. جُمعتْ قصائده التي كتبها في الخمسين عاماً الأخيرة في مجلّد عنون ب"ارتحال: قصائد مختارة 1951-2001"، هذا المجلّد الذي نال جائزة الكتاب الوطنيّ. في 1999 عُيِّن مستشاراً شِعريّاً لدى مكتبة الكونغرس، وسُمّيَ أمير شعراء مهرجان ليالي ستروغا الشّعريّة في ماسيدونيا، ثم نال جائزة الشّعر الدّولية، جائزة الإكليل الذّهبيّ، جائزة لانان للإنجاز على مدى الحياة، وجائزة روث ليلي الشّعريّة. حصل ميروين على جائزة بوليتزر مرة أخرى عام 2009 عن مجموعة قصائده الجديدة "ظلّ النّجم الكلب." تم نشر ديوانه الشعري الأصلي المعنون ب "وقت الحديقة" Garden Time في عام 2016 ، ومجموعتان: الطبعة الخمسون لديوانه " القمل" The Lice وThe Essential W.S Merwin في عام 2017.

مات ميروين في نومه بمنزله في هاواي عن عمر كان 91 سنة ، وتم الإعلان عن نبأ وفاته من قبل ناشره Copper Canyon Press يوم 15 مارس 2019. ما تزال أخته Ruth Moser ، وأبناءه Matthew Carlos Schwartz وJohn Burnham Schwartz من زواج آخر على قيد الحياة.

بعض قصائده من ترجمتي:

مكان

في اليوم الأخير من العالم

أود أن أزرع شجرة

 

من أجل ماذا؟

ليس من أجل الفاكهة

 

الشجرة التي تحمل الثمرة

ليست هي التي زرعت

 

أريد الشجرة التي تقف

في الأرض لأول مرة

 

بينما الشمس

في طريقها إلى الغروب

 

والماء

يلمس جذورها

 

في الأرض المليئة بالأموات

والغيوم تمر

 

فوق أوراقها

واحدة تلو الأخرى

عندما تنتهي الحرب

 

عندما تنتهي الحرب

سنكون فخورين بالتأكيد  سيكون الهواء

في الأخير جيدا للتنفس

ستكون المياه قد تحسنت  سمك السلمون

وصمت السماء سيهاجران بشكل جيد

سيعتقد الموتى بأن الأحياء يستحقون كل هذا العناء

سنعلم من نكون

وسننضم جميعًا مرة أخرى إلى الجيش

 

 شكرًا

شكرًا

نقولها حين يجيءُ الليلُ

حين نتوقف على جسرٍ عالٍ ونرى الأسفل السحيق

حين نهربُ من الغرف الزجاجية

حين نضع في أفواهنا لقمة

نرفع بصرنا إلى السماء ونقولُ شكرًا

نقولها للماءِ

للنوافذ التي نقف خلفها ونحن نحدّق في الطريق الـ”سنمضي إليه”

شكرًا

نقولها حين نعود من المستشفى الذي ألِف وجوهنا

حين نعود من عزاءٍ ونجد بيوتنا مسروقة

حين نسمع عن موت أحدهم

عرفناهم أم لم نعرفهم سنقول دائمًا شكرًا

على امتداد المكالمات الهاتفية

عند عتبات الأبواب أو في الحقائب الخلفية للسيارات أو في المصاعد

نتذكرُ الحرب وأصوات رجال الشرطة وهم واقفون على أبوابنا

قلوبنا وهي تدقّ بقوة على السلالم

لكننا نقولُ شكرًا

في البنك نقولها

وفي أوجه القادة والأثرياء

وكل الذين لن يتغيروا مهما حدث

نكملُ طريقنا ونقول شكرًا

حين تموتُ البهائم من حولنا

ويموتُ معها شيئًا فشيئًا إحساسنا

نظل نقول شكرًا

حين تسقط الغابات بسرعة كما تسقط الدقائق من أعمارنا نقول شكرًا

حين الكلمات تنفد منا كما تنفد خلايا الدماغ

حين تصبح المدن أكبر منا

نقول شكرًا نقولها أسرع من أي وقتٍ مضى

حين لا يسمعنا أحد نقولها

نقول شكرًا ونمضي نلوّح

رغم كل هذا الظلام

***

ربيع أخير

أدخلُ الغرفة العُلْويّة مرّة أخرى بعد سنوات

بعد محيطاتٍ وظلالِ تلالٍ وأصواتِ أكاذيب

بعد خسائر وأقدام على السّلالم

 

بعد بحثٍ وأخطاء ونسيان

أستديرُ هناك متفكّراً لأجدَ

أن لا أحدَ هناك غير الذين أعرفهم

أخيراً أجدكِ

تجلسين في الأبيض

تنتظرين

 

أنتِ التي سمعتُها

بأذنيّ منذ البداية

التي لأجلها

فتحتُ البابَ أكثر من مرّة

ظنّاً منّي بأنّك لستِ بعيدة

 

كلمة

في اللحظةِ الأخيرةِ وقفتْ

تلكَ الكلمة التي ستقولُ الآنَ ما لم تقله من قبل

لن تعيدَ كلمتها بعدَ الآنَ ولنْ يتذكَّرها أحدٌ بعدَ ذلك

كلمة كانتْ كأيّ كلمة في المنزل

يستخدمونها في الحديثِ اليوميّ المعتادِ في الحياة

ليستْ جديدةً طارئةً ليستْ ذاتَ ماضٍ معتبَر

ليستْ للتعليقِ على شيء

لطالما ظنت الكلمةُ أنها

وحدَها منذ البدء تعبّرُ عنْ نفسِها

في كل استعمالٍ وسياق

لتقولَ آخر الأمرِ معناها الخاصّ بها

المعنى الـتي ظلَّت وحدَها تعبّر عنه

رغم أنه يبدو أنَّ أي كلمة ستعبّر عنه الآن

***

إعداد وترجمة الحبيب الواعي

شاعر ومترجم من المغرب

 

عبد الجبار نوريالدكتور مصطفى جمال الدين العلامة الشاعر والمفكر الفقيه أشتهرعربياً ودولياً وأصبح نجماً عراقياً بعد أشتراكه في المهرجان الكبير بمؤتمر الأدباء العرب الذي عُقد في بغداد عام 1969 بقصيدته المثيرة الرائعة:

لملم جراحك وأعصف أيها الثأرُ/ما بعد عار حزيران عارُ .

وخل عنك هدير الحق في أذنٍ /ما عاد فيها سوى النابال هدارُ

وخض لهيب وغى لابدّ جاحمها /يوما فأن بريق السلم غرارُ

والقدسُ عارٌ طعمنا منهُ دجلتنا / مُراً ومجتْ في النيلِ أثمارُ

 لقد كونتُ نبذةً عنه مستقاة من سيرته التي كتبها بنفسه في مقدمة الديوان ص9-41 دار المؤرخ العربي بيروت 1995، ولد الشاعر في قرية (المؤمنين) من ريف سوق الشيوخ سوق النخيل سوق الماء والوجه الحسن في 5-11-1927، تخرج من كلية الفقه في النجف 1962، وحصل على شهادة الماجستير وسجل على رسالة الدكتوراه في كلية دار العلوم في القاهرة ولكنه لم يكملها فعاد إلى جامعة بغداد كلية الآداب ليحصل على شهادة الدكتوراه، ترك العراق مضطراً في العام 1981 هربا من غربته الداخلية متنقلا لغربته الخارجية بين لندن والكويت حتى أستقر في دمشق التي توفى فيها ودفن في مقبرة الغرباء في الشام جنب الشاعر الكبير الجواهري، من مؤلفاته المشهورة كتابه (الأيقاع في الشعر العربي من البيت إلى التفعيلة) وناهيك عن ديوانه (الديوان) المتميز والمشهور الذي يحوي على أجمل قصائده في وصف الطبيعة وحنين الوطن وآلام ووجع الغربة، رسالة القياس للماجستير، البحث النحوي عند الأصوليين/أطروحة دكتوراه، محنة الأهوار والصمت العربي / كتاب، فكانت خلجاتها وأحاسيسها الأنسانية عاملا مهما في أبرازأسم مصطفى جمال الدين ذو الفكر المنفتح في مجتمع النجف المغلق، وأسهم بقوّة في محاولات التجديد، لقد تمحورت جهوده مع عدد من الدعاة لنهج التجديد منذ عام 1958 بزرع نواة التغيير في المناهج الفقهية الدينية (الحوزوية) كانت لهُ آراء مقبولة وجيدة في شعر التفعيلة والحداثة في الشعر العربي، كقوله في مقدمة الديوان ص69 { الحداثة والتجديد لا يمكن أن تبنى على فراغ، فمقدار ما يكون التحديث مطلوبا فأن مراعاة ثوابت الشعر العربي في اللغة والأسلوب والموسيقى مطلوبة أيضاً، ولا يمكن لمجرد عربي أن يتجاهل ذلك، وألا فهو يكتب لعرب لم يوجدوا بعد } .

وقال في التجديد:

هذه المناهج أطمارٌ مهلهلة / مرّتْ على زمانها الأحداث والعصرُ.

وسوف يأتي زمانٌ لاترون بها/ ألا خيوطاً لهمس الريح تنتشرُ

لذا يمكن وضع جمال الدين في المدرسة التجديدية حين تجمعهُ بشاعر العرب الأكبر "محمد مهدي الجواهري " ومعهما عمر أبو ريشه، وبدوي الجبل، وعبدالله البردوني، وأحمد الوائلي، تلك المدرسة عُرفت بالأصلاح الواسع والتجديد على الشعر القديم والنهل من معينه والتي أفرغت روح العصر في القصيدة السياسية، السيد جمال الدين جمع الأصالة والجدة والأفكار التجديدية في بودقة واحدة فهو علامة وشاعر وفقيه خدم الفكر والأدب والعلم، في جدلياته الفقهية مع الجهات الدينية لتطوير المناهج، وكذلك موقفهُ الصلب من النظام في العراق موضحا ذلك في شعره في مزج بين الصورالشعرية والوطنية في ظروف عام 1991 أذبان الأنتفاضة الشعبانية فهو وظّف الكثير من شعره  وساهم بما هو خير للعراق وشعب العراق، فهو واحد من العظماء الذين تنبض قلوبهم بحب العراق بعيدا عن المصالح النفعية لأغراض المناصب والمصالح، فهو لم يستعمل شعره في الكسب ولم يمدح حاكما عراقيا أوعربيا على الأطلاق، فهو يفتخر بهذه الصفة في مقدمة ديوانه .

عند توسعي في دراسة حياة مصطفى جمال الدين وجدتُ شهادة للشاعر " فالح الحجية في كتابه الأدب والفن: أن مصطفى جمال الدين عملاق الشعر النجفي الحديث، وفي أحد مقولاته أنهُ لم يتكسب بالشعر قوله والكلام لمصطفى جمال الدين {عاشرتُ حكام وملوك العراق ورؤساءه المتنفذين منه ---- فلم أمدح أحدا منهم}، فالسيد جمال الدين شغف بالشعرألى جانب دراسته الحوزوية دفعته للتعرف على منجزات شعراء أقرانه المعاصرين في العراق أمثال الجواهري والبياتي ونازك الملائكة، أنه لم ينتمي إلى أي حزب سياسي ولو أنه حوزوي النشأة ونجفي الفقه ألا أن أفكاره ورؤاه عابرة على الطائفية والأثنية والمناطقية .

وعند مطالعتي لمدوناته وأشعاره توضّح لي بأن السيد من جيل جمعية منتدى النشر ومجمعها الثقافي التي تأسست 1354 هج-1935 م ورواد مؤسسها الشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد تقي الحكيم والسيد موسى بحر العلوم وهؤلاء هم دعاة التجديد الذين سعوا بجهود مضنية لأختراق حواجز الفقه النجفي، ويمكن القول بأن فضل التجديد يعود للجيلين: جيل المظفر وجيل السيد جمال الدين، وقال عنه المفكر حسن العلوي: أن مصطفى جمال الدين فقيه أكاديمي وشاعر ومصلح تجديدي وظّف جهوده في تأسيس كلية الفقه في النجف وكلية أصول الدين في بغداد .

لقد وظّف ولاءه المطلق للعراق فقط وهو يقول:

وطيبُ نسيمك الساجي /عتابٌ تهدهدهُ على أملٍ وعودُ

أحبك بل أحبُ خشوع نفسي / ببابك حين أحلمُ بيعودُ

وأعشق فيك آهة كل قلبٍ /لهُ بين الثرى غزلٌ فقيدُ

تتميز أشعارهُ بنبضٍ من الحياة وأحزان الغربة وتورف بكل ما هو جميل ويقول في قصيدة  لهُ في الغربة وعذابات المنافي

جارت عليّ بحكمها الأيامُ / وأنا أليك تقودني الأحلامُ 

وأراك يا وطني الحبيب معاتبي /وأنا أعاتبُ دائماً وأُلامُ 

ذنبي فراقك يا عراق / فأنهُ أثمٌ تهونُ بجنبه الآثامُ 

وقال في أخرى: سلاما على العراق وأهلا /بالمنافي أن ضاع منا العراق

وفي قصيدة رائعة لهُ عن بغداد تفنن في وصفها ببراعة لغوية ربما تقارب مع البحتري الشاعر العباسي في الوصف والحنين لذا أطلق عليه النقاد في العراق (مصطفى جمال الدين بحتري عصره) قد يكون البحتري أكثر الشعراء حظوة عند مصطفى جمال الدين  ظهرت بعض (المقاربات) في الخصائص الشعرية عند الأثنين حيث الوضوح الشعري والأبتعاد عن التعقيد المبتذل،مع صفاء اللغة المستخدمة وشفافيتها والأبتعاد عن الفلسفة والمنطق، الأهتمام بالأيقاع الشعري المصحوب بالموسيقى الهادئة وعدم المبالغة في توظيف المحسنات اللفظية والمعنوية، هذا ما وجدته عند قراءتي لديوان الشاعرين، ولنتمتع  ببعض من قصيدة شاعرنا جمال الدين عن بغداد عام 1965

 بغداد ما أشتبكت عليك الأعصرُ / ألا ذوت --- ووريق عمرك أخضرُ

مرت عليك الدنيا وصبحك مشمسٌ/ودجتْ عليكِ ووجه ليلك مقمرُ

أخفي هوا لك في الضلوع وأظهر/ وألامُ في كمدٍ عليك وأعذرُ

 كأن الشاعر قد أراد لقصيدته بغداد أن تكون في تناصيتين أثنتين لا واحدة: تناصية المفارقة وتناصية التغيير في الزمكنة .

ولنرى وصف العيد عند جمال الدين والبحتري حيث الحبكة الدرامية والأرهاصات التراجيدية والتركيبة الهيكلية في الأيقاع والموسيقى وآهات الذات الآدمية المستلبة حين يعبر كل منهما بالألم والحسرة عن ما  يشعر به الأطفال الفقراءوهم يجدون أنفسهم محرومون مما يتمتع به الأطفال عادة من أثواب جديدة ولعب:

العيدُ أقبل تسعد الأطفال ما حملت يداه/لعبٌ وأثوابٌ وأنغاماً تضجُ بها الشفاه 

وفتاك يبحثُ بين أسراب الطفولة عن نداه /فيعود في أهدابه دمعٌ وفي شفتيه آه 

ولهُ في الغزل قصائد في منتهى الروعة بل يزيدها رومانسية وشفافية وهو الشيء المعتاد لدى الشعراء، وأستغرب ألصاق بعضهم   عبارة (الغزل الأيماني )بشعره الغزلي، للحقيقة للسيد ذائقتهُ بعيدة عن حذلقات الوعاظ أيماناً منهُ بالموقف والمبدأ فهو يمزج أوتار الشعور صوب اللاشعور فتكون الأبيات التي يحتاجها العاشقون وبلهفة شديدة لكي تكون بلسما  لجراحاتهم  يقول في قصيدة له:

هذه يا حبيبتي صورتي الأخرى / أطلّ الخريفُ منها حزينا

غاض نبع الصبا فجفت مروجاً /وأنطفأ سحرهُ فشابت غصونا

ويقول في أخرى: أنت الذي قلت جنان الهوى /ريحانهن القبل العارمة

وقلتُ ما الحبُ سوى دوحة /أغصانها السواعد الناعمة

أوراقها تلك الشعور / تفيأتها الأنفس الهائمة

وهذه النهود أثمارها / والزهر تلك الأوجه الباسمة

والحبُ يا سيدتي نقمة / زائلة ونعمة دائمة

وقال في أخرى: سيدتي ما ذا أرى /عريش كرمٍ أم مقلْ

أم زورقان سابحان /في غديرٍ من عسلْ

أم جمرتان تسرجان / الليل والبدرُ أملْ

وزع الشاعر عواطفه وآهاته في حب الحبيبة وحب الوطن وحب الأمة، كما في قصيدته الرائعة " الشمس الجريحة "

  ذكرتك والأفق الخضيب تهالكت / على صدره الشمس الجريحة ترجف

تُعفرُ خداً في الثرى من تذللٍ /وتمسح خدا بالدم الحر ينزف 

يصول عليها هاجم الليل أصفراً /ويرجع عنها وهونشوانٌ أسوفُ 

كأن خفوق السحب فوق جبينه /ملونة---أعلام نضرٍ ترفرفُ

ذكرتك والشمس الجريحة أسلمت / على الأفق روحاً للضحى تتلهفُ

أخرا وليس آخراً  ----- أن الجواهري ترك العمامة وترك الفقه وأتخذ الشعر، أما مصطفى جمال الدين فقد جمع الأثنين، فهو قد أوجد نوعا من التفاهم والمصالحة الودية  بين العمامة وبين الشعر، وفي يوم الأربعاء المصادف 23- 10- 1996 فارق السيد الحياة تاركا أرثا ثرا وثريا من الشعر والفقه والأدب حفرت بصماتها في سفر أرشيف الذاكرة العراقية والعربية فله الخلود الأبدي والعرفان للسيد الجليل الدكتور الأكاديمي "مصطفى جمال الدين "

 

عبد الجبار نوري - كاتب وباحث عراقي مغترب

 

فراس الغضبان الحمدانيعندما تتحدث عن فن الكوميديا في العراق فلابد التوقف عند مسلسل تحت موس الحلاق كونه يمثل محطة وإنعطافة مهمة في تاريخ الحركة الفنية العراقية لأنه زرع بصمة جديدة في لون من ألوان هذه الفنون وكذلك صنع ظاهرة بغدادية إسمها عبوسي وحجي راضي، ونقل هذا المسلسل الصورة الجميلة والمعبرة عن بعض الشخصيات البغدادية بشكل كوميدي لحقبة من حقبات ذلك التاريخ الجميل، وأصبح هذا المسلسل منجز فني كبير لازال النقاد والكتاب يشيرون له بالنجاح الكبير في تلك الفترة التي تفتقر إلى التقنيات الحديثة والدعم المادي والمعنوي، إن هذا المسلسل نجح بمجموعة من المسببات أولها إن هذا المسلسل حاكى الناس دون مبالغة أو إسفاف، وتناول الحياة البغدادية اليومية ببساطتها وحميميتها، ونجحت تلقائية الفنان سليم البصري المثيرة ومشاكسات حمودي الحارثي والديكور البغدادي البسيط المعبر عن الحارة الشعبية والصورة الحقيقية التي نقلها عن ألفة العلاقات الصادقة بين الناس الطيبين في نجاح هذا العمل جماهيريا، وأضاف خليل الرفاعي (أبو فارس) نكهة  خاصة بتعليقاته الهزلية (وكبته الشهيرة) ولعب الفنان راسم الجميلي (أبو ضوية) دورا محوريا وأضافة الفنانة سهام السبتي طاقة متوهجة إستطاعت من خلالها إجادة دور المرأة العراقية الطيبة وكذلك الفنانين سمير القاضي (دخو) وعبدالجبار عباس (أبو نجله) الذين  لعبوا أدوارا وكأنها فصلت لهم دون غيرهم، حيث أبدعوا الجميع وجعلونا لا نستطيع تماسك أنفسنا من الضحك المتواصل لروعة ما قدموه من فن جميل وصادق دغدغ مشاعرنا وجعلنا  نعيش في عالم من الحلم والفرح والسرور .

مازلنا نتذكر (نحباني للو، والبك والي، والك دكم بصوزه، وأنا مرنام، وآه ديكي)، وكيف قرأ حجي راضي هذ الرسالة الهندية الشهيرة التي أضحكت أغلب العراقيين وأصبحت حديث الشارع البغدادي خاصة، من منا ينسى مشاكسة الحجي مع المعلم والذي ذكره بأنه (أبن بسيمة أم الكركري أو لوزة دخو) أو تحرشه وهو مخمور على بنت المحلة وكيف أجاد هذا الدور الذي قال في حينها أحد العاملين في المسلسل إن حجي راضي فاق حتى على السكارى في حركاتهم وحتى هذه اللحظة نشكك هل أنه كان سكران أم يمثل، وقال أحد الفنيين الذين يعملون مع المخرج عمائوئل رسام إن مشاهد التصوير تعاد مرات عديدة بسبب الضحك المتواصل من جميع الفنيين على ما يقوم به حجي راضي وعبوسي وباقي الممثلين من مواقف كوميدية، وبعد أكثر من نصف قرن على تمثيل هذا العمل ولازال البعض يتندر ببعض مفارقاته  ليشيع جوا من الضحك والمرح بين الجالسين .

762 حاج راضي

وسليم البصري لم يكن بصراويا ولكن لطيبته سمي البصري لترديد أهالي البصرة كلمة طيبة البصرة الحلوة، وهو من مواليد بغداد 1926 محلة الهيتاويين، أنهى دراسته الأبتدائية في مدرسة العوينة وأكمل دراسته حتى دخل كلية الآداب والعلوم قسم اللغة العربية عام 1950 وتخرج منها سنة  1954وكان أساتذته آنذاك جبرا إبراهيم جبرا وجميل سعيد وعبدالعزيز الدوري الذي كان عميدا للكلية، وزامله في دراسته كل من عبدالرحمن سعيد، حياة جميل حافظ، رؤوف جميل الواعظ والسيدة لطيفة العبيدي التي تزوجها فيما بعد وأنجبت له أربعة اثنان منهما مقيمان في لندن .

أحب التمثيل حبا جما في طفولته وعادة ما كان يمارسه بين أهله، حيث كان يقوم بإرتداء العباءة ووضع أشبه باللحية وإخفاء رأسه ومعالم وجه ويدخل إلى بيتهم ويفاجأ أسرته بهذا الغريب الذي دخل عليهم وعند محاولة والده التوجه إليه يرفع سليم النقاب عن وجه وسط ذهول أهله، وما على والده إلا أن يلاحقه خارج البيت ويعاقبه عند القبض عليه وسط ضحك وصياح أولاد المحلة .

إن سليم البصري الذي بهر الجماهير بفنه الممتع ويحاكي المتلقي بشيء من الوجدانية ويمتلك الشخصية التلفزيونية المحببة المسالمة للجميع من خلال دوره (حجي راضي) إلا أنه رغم نحافة جسمه كان في طفولته شغوفا إلى كل صنوف الرياضة وخاصة الملاكمة والمصارعة، وأحب لعبة كرة القدم التي كان يلعبها مع أولاد المحلة بكرة عبارة عن كومة  قماش متداخلة وكانوا يتبارون بين المحلات المجاورة وهي  محلة النهر وشريعة سيد سلطان علي، وترك  هذه اللعبة اثر ضربة (شوت) قوية طار أظفره على أثرها، وذهب إلى الملاكمة وتلاكم مع زميل له في مدرسة العوينة الأبتدائية وكان النزال وديا ولكنه التفت فوجد وجه زميله مكشوفا فسدد إلى فكه لكمة مستقيمة وإذا بزميله يرجع إليه مقلاعا على أضلعه لم ينساه طول حياته، ومارس السباحة ولكنه هرب منها بسبب التفاف خصلة من شعره بأحد النتوءات البارزة من جسم (الدوبة) التي حاول الغطس من تحتها ونجا بأعجوبة من الغرق، ثم إتجه إلى المصارعة وفي أحد الأيام جاء أحد الغرباء من المحلات الأخرى وتحدى المصارعين في المحلة وكان مفتول العضلات ولم يتحداه أي أحد ولكنه تحداه لإنقاذ ماء وجه المنطقة وزملائه وعند الإقتراب منه لم يجد نفسه إلا معلقا إلى الأعلى وكلما سقط على الأرض يعود المتحدي بمحاولة أخرى ومن شدة الألم تظاهر بالإغماء لينجوا من هذه الضربات الموجعة وعندما  لاحظ الفتى إن متحديه بلا حراك تركه وولى هاربا إلى منطقته وبقي سليم البصري نائما عدة أسابيع في البيت يعاني من هذه (البسطة) البغدادية .

لقد بدأ سليم البصري بممارسة التمثيل سنة  1942من خلال إحدى فرق التمثيل الذي كان مقرها قرب ساحة الرصافي حيث قدمت هذه الفرقة عدة أعمال منها مسرحية الصحراء  ليوسف وهبي ومثل فيها احد الشيوخ الثائرين وتم عرضها في سينما علاء الدين آنذاك، وإنقطع عن التمثيل بين عام 1944 و1948  وكانت أهم نتاجاته الفنية عندما دخل إلى كلية الآداب وكانت في بداية تأسيسها حيث تم إختياره رئيسا للمسرح الجامعي وقدم الكثير من المسرحيات منها (سليم البصري في ساحة التدريب) و(فنان رغما عنه) وإشترك مع فريق الكلية الرياضي في الكثير من الفعاليات الرياضية ولكنه كان يخيب زملاءه في كل منافسة وكان آخرها بطولة الكليات بالعاب الساحة والميدان حيث كان يمارس رياضة طفر الموانع، وعند بدا صافرة البداية وجد حجي راضي نفسه يتدحرج وهو متأبطا أحد الموانع وسط  ضجيج وضحك وصفارات الطلاب والمتفرجين .

لقد إمتاز البصري من خلال تجسيده لأغلب الشخصيات التي طغت عليها الطابع البغدادي بسبب تلقائيته المدهشة وحركاته التي تضيف إلى حديثه الذي لا يخلو من بعض الكلمات الساخرة التي تجعلنا ننبهر أمام هذه الشخصية الكبيرة التي كانت مدرسة بحالها، كيف ننسى إبداعات حجي راضي في تحت موس الحلاق التي كتبها سنة 1961 ومفارقات عبوسي التي كونوا  ثنائيا لا مثيل له على إمتداد تاريخ الحركة الفنية في العراق، وجسدوا فيها تقاليد المحلة و(الدربونة) البغدادية وشخصياتها والعلاقات الحميمة بين أهلها، وكلنا يتذكر مقالب عبوسي وخاصة عندما جلب (العرق) بدلا من (المسهل) وشربه حجي راضي وكادت (اللوزة) أن تطير وسط توسلات الفنان سمير القاضي (دخو) وترنح الحجي وأصبحت عبارة (اللوزة حجي) في متناول الجميع .

ويتذكر الذين عايشوا تلك الحقبة من الزمن كيف تفرغ الشوارع من الناس عند عرض حلقة من حلقات هذا المسلسل وكيف كانت الجماهير تحتشد حول أبطال مسلسل تحت موس الحلاق حين يتجولون في شوارع بغداد، وكيف كان حجي راضي لا يستطيع التجوال لوحده لأنه كان في ذلك الوقت بمصاف شهرة الممثلين المصريين المعروفين، وكثيرا ما كانت الشرطة تفرق المحتشدين من حوله .

إن حجي راضي الذي كان يعمل موظفا في المصرف الزراعي في مطلع السبعينات من القرن الماضي قدم طلبا لنقله إلى دائرة الإذاعة والتلفزيون ليكون قريبا من الفن ملهمه وحبه الأزلي الذي يسري في شرايينه وهو في ريعان شبابه، والحجي ليس مجسدا لفن الكوميديا  فقط  وإنما كان بارعا في الأدوار التي تحتاج إلى المهارات الكبيرة منها دوره (غفوري) في مسلسلات (الذئب وعيون المدينة) و(النسر وعيون المدينة) (والأحفاد في عيون المدينة) حيث قدم في هذه الشخصية درسا بليغا لممثلي اليوم الذي تنقصهم أغلب المهارات الحسية والفنية، لقد مثل هذا الدور أمام (عبدالقادر بيك) التي جسدها خليل شوقي والذي مثل شخصية تعاني الكثير من الإسقاطات الإنسانية وكيف كانت شخصية (غفوري) تكتوي بنار هذه الشخصية البخيلة التي تدقق بأتفه الأشياء وتتخوف من مؤامرات جلبي بيك، وكلنا رأينا كيف جسد سليم البصري هذه الشخصية وكيف كنا متعاطفين معه بشكل مذهل وهو دليل على إنه يجيد ويتقمص أغلب الشخصيات الصعبة بالكثير من التلقائية والمهنية العالية .

لقد كان البصري كاتبا مهما في الدراما العراقية بالإضافة إلى ولعه في التمثيل وحبه  للرسم والرياضة، فقد كتب الكثير من الأعمال التلفزيونية والمسرحية منها (كاسب كار، دائما في قلبي، ست كراسي، لا نوافق، وجهة نظر، فنان رغما عنه، مسلسل تحت موس الحلاق، الشارع الجديد، حب في بغداد، وحلقات إلى من يهمه الأمر، ولعابة الصبر) وكتب مسرحية إسمها (لو) لم يوافق عليها الرقيب كونها تنتقد الواقع التعليمي بمهنية عالية، وشارك كذلك في تمثيل  عدة أفلام في السينما هي (أوراق الخريف نهاية عام 1963) للمخرج حكمت لبيب و(فائق يتزوج سنة 1984) للمخرج الراحل ابراهيم عبدالجليل و(العربة والحصان) و(عمارة)13 للمخرج الراحل صاحب حداد، ومثل العشرات من الأدوار في التلفزيون منها هواجس الصمت .

لقد مرت على حجي راضي الكثير من المواقف المضحكة من بينها إنه عندما كان في القاهرة سنة 1973 مع بعض الفنانين العراقيين الذين زاروا مصر للتعاون الثنائي بينهما في مجال العمل الفني، وعند زيارة الحجي لأحدى قطاعات الإنتاج المصرية وعند دخوله صادف دخول الممثل محسن سرحان وعندما أراد أحد المرافقين المصريين من تقديمه قاطعه (أكو واحد ميعرف عماد حمدي) فرد عليه لا أنا الممثل محسن سرحان فضحك حجي راضي  متداركا غلطته (أي هاي هية كلكم تشابهون) فقال له محسن سرحان أن عماد حمدي عنده شنب وأنا بدون شنب فرد الحجي وهو يضحك (أي بس هم تشابهون) فضحك محسن سرحان وقبل حجي راضي .

وحين تم عرض أحد الأفلام العراقية في فندق الرشيد رأته إحدى الفنانات العراقيات وكان معتادا عندما يراها في دار الإذاعة يقبلها فجاءت للسلام عليه وعندما وصلت إليه قدمت له خدها ليقبلها ولكنه صاح (أويلي يابة شسويتي ولج مرتي دتباوع علينة) وذهب راكضا بأتجاه زوجته .

وفي أحد الأيام أراد حمودي الحارثي أن يشاكس سليم البصري فنشر خبرا في إحدى الصحف المحلية بأن عبوسي أسس فرقة مسرحية ومن بين ممثليها حجي راضي وجعل إسمه آخر الأسماء من الاحتياط، وما إن وصلت الجريدة إلى سليم حتى أخذها وجرى هائجا يبحث عن عبوسي، وأخذ يصيح في أحد ممرات الإذاعة (لك عبوسي وين تروح مني)، وبعدها عرف الحجي إن هذه خدعة كاذبة عملها عبوسي ليغيظه، فضحك على أثرها وصاح  بين الحاضرين (أيباه يمكن أتخبل عبوسي) .

يحكى الكثير من الفنانين الذين لازموا سليم البصري في رحلته الفنية إنه كان رجلا طيبا بسيطا قليل الكلام يحاول إن يزرع البسمة لمن حوله، يمتاز بروح النكتة وسرعة البديهية، يجامل الصغير والكبير ويعتد بشخصيته ويقف ندا قويا للظالم في رأيه أو فعله وعندما أصبح مديرا للتلفزيون أخذ يشحذ الهمم للإرتقاء بواقع العمل الفني داخل أروقة مبنى دائرة الإذاعة والتلفزيون، وصادف الزمن أن ألتقية وكنت في حينها أمثل دورا في تمثيلية سهرة إسمها (أحزان الظهيرة) للمخرج سمير حنا وتأليف شاكر الحاج مخلف ومعي لفيف من طلبة أكاديمية ومعهد الفنون الجميلة آنذاك منهم ظافر جلود وسعد المسعودي وعبدالعال مأمون وكامران رؤوف ومحمد صبري، وكنا حينها نتحدث عن الهجرة من العراق وأتذكر إنه كلمنا عن المواطنة ولم أنسى بعض كلماته التي ترن في أذني ولحد هذه اللحظة (لو تروح بإطراف الدنيا لازم ترجع للوطن) وكان هذا اللقاء في تموز عام 1978 .

وللبصري مواقف صريحة من دخول الغجر والطارئين على الفن العراقي، فأبتعد عن التمثيل والمشاركة فيه إحتجاجا على ذلك، وتمت دعوته من خلال الفنان يوسف العاني وعبر جريدة الجمهورية بتاريخ 25 /  12/ 1996 للعودة إلى عمله وشعبه الذي أحبه وآزره ولكنه  رد عليه إنني أعيش حاليا في حالة إحباط ولا استطيع أن أتقبل هذا الواقع المزري الذي دخل إليه من لا يضيف إلى تاريخه ولكن سيأخذ منه أشياء كثيرة فقال بالله عليكم (ماذا ستكون النتيجة لمسرحية بطلتها ملايين أو مليارات) حتما ستكون النتيجة أن نرمي تاريخنا وماضينا ونضالنا وتعبنا (بمزابل الملاهي) .

رحل سليم عبدالكريم البصري حيث وافته المنية في منزله بتاريخ الثامن من أيار 1997 وتم نقله إلى مستشفى النعمان، تاركا خلفه سيرة حسنة وحب الناس وعشرات الأعمال التي إخترقت القلوب والعقول لتبقى خالدة في أذهان محبيه ولتحاكي تلك الذكريات الجميلة التي عشناها في السبعينات وكيف نتسمر على شاشة التلفاز ونحن نشاهد حجي راضي وصانعه المشاكس عبوسي وكيف كنا نردد أغنية المسلسل التي تقول (محصن بالله ومحروس يا ستادي) نعم سنرددها الآن جميعا بألم وحسرة، لقد رحل إستاد سليم بسلامة قلبه وضميره ووطنيته نعم رحل فنان الشعب الذي إستحق هذا اللقب بجدارة، ولكن أي رحيل فلم يكن أحد من أهله أو أقاربه أو زملائه قد وقفوا بجواره في مرضه ولا صديق أو بعيد شيعه بإستثناء عبوسي رفيق مسيرته فكان مشهدا يدمي القلوب .

في الختام لابد من ذكر هذه الحقائق إن الراحل لديه خلاف مع زوجته وأولاده بسبب إستمراره في التمثيل، وقالت زوجته إن زميلاتها يطلقون عليها تسمية مرت حجي راضي وكونه رفض الإنصياع لهذا الأمر إنتهت بالقطيعة وأن كانوا في نفس البيت، قال عبوسي عند قدوم الجنازة إلى البيت من مستشفى النعمان لم توافق زوجته السيدة لطيفة العبيدي على فتح باب البيت أو الكراج وقالت لي اذهبوا إدفنوه فورا وزجرتها وفتحت الباب وأدخلناه إلى الصالة وعندما  طلبت منها شرشف لتغطية جثته أحضرت لي قطعة من القماش ممزقه ومبلله كانت موضوعة في حديقة المنزل فرميت هذه الخرقة جانبا وأحضرت عباءته السوداء التي كانت معلقة بالقرب منه ورميتها عليه، وعندما سألتها عن إبنتيهما (آية وآراك) قالت عند خالتهما في اليرموك وإكتشفت إنهما بأحد الغرف المجاورة وقد قفلت عليهما الباب .

إن حامد يوسف حمادي وزير الثقافة السابق رفض إبقاء جثته حتى الصباح من أجل تشيعه، كما إن عددا من الفنانين كانوا في بيت الراحل هم : حمودي الحارثي، الراحل داود القيسي نقيب الفنانين السابق والراحل خليل الرفاعي والراحل  رضا الشاطي ومحمد طعمة التميمي، وهؤلاء لم يمشوا خلف جنازة البصري حيث تواجدوا في بيته ولم يخطوا خطوة واحدة وراءه حتى في سياراتهم، وذهبوا إلى بيوتهم، بإستثناء عبوسي الذي قام بنقل جثمان البصري بمفرده إلى حسينية القاهرة ببغداد ولم يكن مع حمودي سوى الرجل الذي قام  في تغسيله  وتم إرساله إلى النجف  لدفنه .

وفي اليوم السابع لوفاته كانت هناك ندوة تأبينية مخصصة من تلفزيون العراق للحديث عن الراحل وعلى الهواء مباشرة، دعي إليها أربعة من الفنانين والكتاب الكبار، ولكن لم يلبي الدعوة سوى حمودي الحارثي، وإنتظرت المذيعة إقبال حامد قدومهم  لكنهم لم يحظروا فتحدث الحارثي لوحده عن سيرة الفقيد ولمدة 35 دقيقية،  فوضع النقاط على الحروف بحق هؤلاء الفنانين وحق المسؤولين في وزارة الثقافة آنذاك وعاتبهم (بنزاكة) لعدم وفائهم لهذا الفنان الكبير .

هكذا يموت المبدعين غرباء وهم في بلدهم فكيف يموتون وهم غرباء خارج وطنهم ؟ !! .

 

فراس الغضبان الحمداني

 

محمد فتحي عبدالعالتعد دراسة بعض العائلات الكردية من الاهمية بمكان لطبيعة الدور الذي لعبته هذه العائلات في الموروث الادبي والثقافي والسياسي للاكراد فقد وهب افراد من هذه العائلات انفسهم في خدمة هدف جليل وهو حفظ التراث الكردي ونشر الثقافة  واللغه الكردية  بين الاكراد المنتشرين في شتي انحاء العالم ومشاركين اياهم في حلم الوطن الجامع ...

ومن العائلات الكردية التي لعبت دورا لا ينسي في التاريخ الكردي المعاصر وتركت بصمات مميزة في الوجدان الكردي :عائلة بدرخان

ونبدأ القصة من البداية ...

تنحدر العائلة البدرخانيه من الامير بدرخان باشا والذي كان أميرا علي جزيرة بوتان في كردستان الشمالية خلفا لوالده فقاد حركة اصلاحية واسعة داخل كردستان لضم الصف اعقبها بحركة توسعيه استطاع بها توسعة حدود امارته حيث وصلت حدوده الي مدن سرحد وسيورك وسنجار والموصل وغيرها

يقول الامير جلادت بدرخان عن بدرخان في مذكراته:" أراد الأمير بدرخان أن يتأكد من سيادة الأمن في مملكته، فأمر بوضع زكيبة من المال في عرض طريق عمومية ممهدة السبيل. ما ان رأها العابرون حتى فزعوا وغيروا طريقهم مضطرين لسلوك طرقات صعبة المسالك ابتعاداً عن الزكيبة الملقاة على قارعة الطريق. بقيت الطريق مهجورة من العبور والناس يتعذبون في ذهابهم وايابهم حتى حضر عالم من العلماء المبجلين لحضرة الأمير وقال له: -ألا تخاف من الله يا سمو الأمير فتحرم الناس من الطريق السهلة المعبدة؟ تساءل الأمير بدهشة عن السبب فأجابه العالم: -ان زكيبة المال التي القيتها في طريق الناس أخافتهم وجعلتهم يفضلون عبور الطرقات الصعبة، هاجرين الطريق السهلة لوجود المال فيها. سّر الأمير من فرط أمانة رعيته وأمر للحال برفع الزكيبة وتوزيع المال على طلبة العلم في المدارس."

...كان هذا النفوذ المتنامي للامير الشاب وفتوحاته المتزايدة مقلقا للباب العالي

استغل بدرخان ضعف الجانب التركي والصراع الدائر بين محمد علي باشا والي مصر والسلطان العثماني حيث كانت الدفة تميل الي مصر خاصة مع الهزيمة الساحقة التي لحقت بالجيش العثماني امام جيش ابراهيم باشا في معركة نصيبين فوجد بدرخان  والذي كان علي مقربة من المعركة في جزيرة ابن عمر أن الفرصة سانحة امامه لاعلان استقلالا ذاتيا لامته حيث امتنع عن دفع الضرائب للباب العالي كما رفض الدفع بأكراد للخدمة الالزامية في صفوف الجيش العثماني ...كانت دعوات بدرخان مقلقة للباب العالي الذي خشي من استفحال هذه الحركات الوطنية الانفصالية في جنبات الدولة وان تكون حركة بدرخان ان كتب لها النجاح ملهمه لحركات اخري فعزم علي  القضاء علي هذه الحركة في معهدها واقتلاع جذورها فأرسل الباب العالي حملة بقيادة عثمان باشا حاولت ان تنتهج في البداية اسلوبا دبلوماسيا فجمعت العشائر الكردية الي اجتماع لحل مشكلة امداد الجيش العثماني بالافراد الاكراد وبالمال الكردي فقاطع بدرخان الاجتماع  فوجد عثمان باشا ان السبيل الوحيد هو الحرب فأتخذ من ديار بكر معقلا لقواته وزحف علي محور هكاري موك علي طول نهر دجله للقضاء علي قوات الزعيمين نور الله ومحمود خان شريكي بدرخان ومع قسوة الضربات العثمانيه واستمرارها توصل الطرفان الي اتفاق بموجبه يستسلم الامير محمود خان للعثمانيين مقابل ضمان حياته ومعاملته واسرته بكرامة ولكن ما ان استسلم الامير الكردي حتي حنث العثمانيين وعدهم له فربط الي شجره وتم جلده وسكب العسل عليه حتي ينهشه الذباب !!!...باستسلام الامير محمود اصبح الطريق ممهدا امام عثمان بك للتقدم في وادي بوتان معقل بدرخان ...ولان جيش بدرخان كان من الجيوش ذات الكفاءة القتالية العاليه في مناطق الجبال فقد اوقعوا بالجيش العثماني خسائر فادحة في الارواح والمعدات ..فلجأ العثمانيون الي سلاح المال وشراء النفوس الضعيفه وكانوا علي دراية وموهبة في هذا المجال فاستقطبوا  يزدان شير أبن عم الامير بدرخان الي صفوفهم مما اوقع الفوضي في صفوف قوات بدرخان والذي تحول نصره الي هزيمه بفضل الخيانه ووجد بدرخان نفسه محاصرا في قلعته أورخ  ومقطوعا عنه الامدادات ثمانية أشهر فأستسلم وتم نفيه الي اسطنبول ثم الي جزيرة كريت وغير الاتراك اسم عائلة بدرخان الي جنار ولكن ذلك لم يفت في عضده فكانت اخر وصاياه لابناءه وهو علي مشارف الموت :من منكم ينسي لغة بوتان فهو ليس بولدي ..

جمعت الدولة العثمانية املاك بدرخان في ولاية واحدة تحت سلطة يزدان شير لكن سرعان ما انقلبوا عليه فدفع ثمن خيانته سريعا وتم نفيه هو الاخر جزاءا وفاقا

 

استاذه سروه عثمان مصطفي اديبه كردية (اربيل العراق)

محمد فتحي عبد العال (كاتب وباحث)

........................

المصادر:

١- مذكرات جلادت بدرخان

٢- ديفيد ماكدويل: تاريخ الأكراد فى العصر الحديث.

٣- أحمد محمود الخليل: تاريخ الكرد فى العهود الإسلامية.

٤- جيمس كريج: الأرمن، الكرد، والأتراك.

٥- الويكبيديا العربية

 

758 نيروز 1ـ ليكن (عيد نيروز) وعطلته الرسمية في العراق منذ 1973، مناسبة لأحياء (عيد الربيع العراقي) ومشاركة اخوتنا الاكراد، وجعله عيدا وطنيا يجمع القوميات والأديان والطوائف والمناطق. وفرصة للاحتفال بتخصيب الطبيعة بزرع النخيل والاشجار!

ـ في 21 آذار من كل عام، ظل يحتفل به اسلافنا  في (سومر وآشور وبابل)، خلال 3 آلاف عام قبل  ان يتبناه الايرانيون(الاخمينيون) بعد احتلالهم بابل عام 539 ق.م ـ وسمّوه (نيروز ـ رأس السنة) وهي ترجمة فارسية حرفية لاسمه السومري(زغموك ـ Zagmuk) وبالأكدي(راس ستيم ـ rêš-šattim ، بالاضافة الى (أكيتو ـ الاحتفال). (جميع المصادر في النهاية)

ـ (21 آذار) حسب التقويم العراقي القديم (الشمسي ـ القمري)  يكون اول نيسان (نيشانو بالاكدي) لآختلاف عشرة أيام بين الشمس والقمري. وهو يوم المنقلب الربيعي وأول ايام السنة حيث برج الحمل(برج تموز) سيد المياه والخصب الذكوري، الذي يُخصّب(عشتار) سيدة الارض والخصب الانوثي.

ـ في هذا اليوم اول الربيع، يولد(تموز - اله الخصب الذكوري) بعد تسعة اشهر من غيابه في ظلمات الارض(رحم الام)، ليأتي ويخصب(عشتار) الهة الارض والأنوثة، فتنبثق الحياة ويظهر الربيع. وكان عيدا شعبيا ودينيا ورسميا يدوم عشرة ايام. حول(ماردوخ ـ سيد الوضوح، أي سيد النور ) وابنه (نبو ـ النبي ـ الحكيم). وفيه الكثير من طقوس الفرح والبهجة وتخصيب الارض بدماء القرابين، وتوزيع الهدايا والمعونات. كذلك تزول فيه موقتا الكثير من الممنوعات القانونية مثل الفروق بين العبيد والسادة، ويتنازل الملك عن كبريائه ويعترف بأخطائه ويتلقى صفعة من (المرجع الديني الاعلى)! و تنظم مسيرة ضخمة في شارع الموكب حيث تشعل النيران لحراق دمى ملونة تمثل الشتاء الراحل(منها اخذ الايرانيون طقس اشعال النار في نيروز). 

758 نيروز 2

ـ قد تبنّاه الايرانيون(الأخمينيون) الذي كانوا اشباه بدو واميين تماما، بعد احتلالهم بابل مع الكثير من امور الحضارة النهرينية: اللغة الآرامية والكتابة المسمارية وديانة النجوم.

ـ بعد ثورتين بابليتين فاشلتين ضد المحتلين، عامي: (521 ، و482 ق.م )، تم الانتقام من السكان وقمع طقوسهم والقضاء التام على احتفالات هذا العيد الديني والوطني، وتحويله الى ايراني تماما باسم(نيروز)!

ـ انتشر هذا العيد باسمه الفارسي (نيروز) بين شعوب آسيا الآرية والتركستانية، التي خضعت للأمبراطوريات الفارسية(الاخمينية ثم البارثية ثم الساسانية).

ـ عندما اتى العرب المسلمون عرفوه باسمه الفارسي(نيروز). واحتفلت به الدولة العباسية وانتشر اسمه في العالم الاسلامي، وحتى اقباط مصر استخدموا اسمه، وقدُسه الكثير من ائمة المسلمين، وقال الشيعة ان فيه يظهر صاحب الزمان، ولهذا السبب تحتفل به الدولة الاسلامية الايرانية، دينيا ورسميا.

ـ ان الاحتفال بالربيع، عموما سائد بين الكثير من الشعوب. في بلدان الشام احتفل به باعتباره (عيد بعل). وفي مصر(عيد شم النسيم). في المسيحية واليهودية سمي بعيد(الفصح ) أي الطبيعة التي تفصح وتتفتح في الربيع. كذلك ( عيد القيامة) أي قيامة المسيح بعد صلبه مثل قيامة(تموز) وعودته إلى الحياة ليعود معه الربيع والخصب. ـ اما الشعوب التركستانية يحتفلون به باسم (ينكي كون - اليوم الجديد). اما العلوية والبكتاشية التركية، فيعتبرونه يوم ميلاد الإمام علي، كما أنه بالنسبة لهم أيضا يوم زواجه من فاطمة الزهراء(رض).

758 نيروز 3

 

ـ اشقائنا الأكراد يحتفلون بنوروز باعتباره ذكرى انتصار(كاوه الحداد) على الملك الطاغية(الضحاك). لكن هذه الحكاية ليست كردية، بل ايرانية فارسية. وأول من ذكرها المؤرخ البغدادي (المسعودي)، ثم فصلها(الفردوسي) باعتبارها حكاية فارسية، ولم يذكر أي مؤرخ علاقتها بالاكراد. قد تبناها الاكراد حديثا في القرن العشرين، مع تقليد اشعال النار(المصدر في النهاية، لكاتب كردي عراقي).

 احياء عيد الربيع العراقي

ان الخطوة الكبرى التي قامت بها النخب الايرانية ايام الشاه رضا بهلوي ثم ابنه، منذ اوائل القرن العشرين انها جعلت عيد نيروز احتفالا وطنيا رسميا واعادت احياء كل الاساطير الشعبية حوله رغم احتجاج رجال الدين. ثم اتت الدولة الشيعية الاسلامية لتتبناه ايضا.

ومن خلال التأثير الايراني تبنت النخب القومية الكردية هذا العيد في اوائل القرن العشرين واخذت من الايرانيين حكاية (كاوا الحداد) ونجحت بجعله عيدا قوميا كرديا. 

اما نخبنا، فإنها للأسف، بسبب تجاهلها لتاريخنا وميراثات الطوائف والجماعات المختلفة، وبسب التعصب القومي العروبي الساذج ضد كل ما هو ايراني حيث ارتبط اسم هذا العيد بتسمية(نيروز)، فانها قد تجنبت الاقتراب من هذا العيد. 

ـ لقد تبنت الدولة العراقية منذ الفترة الملكية هذا العيد باسم(عيد الشجرة) وجعلته عطلة رسمية. ولكنها لم تحاول اعطائه بعدا تاريخيا وتراثيا وشعبيا وربطه بتاريخ العراق وكذلك بعيد نيروز. فبقي للاسف عيدا حكوميا محدودا.

758 نيروز 4

على الصعيد الشعبي يتم الاحتفال بهذا العيد في مختلف انحاء العراق باسماء وطقوس مختلفة، دون تشجيع ديني وحكومي ونخبوي: (عيد خضر الياس) لدى المسلمين والمسيحية واليزيدية، كذلك (عيد زكريا). و(عيد الفصح ـ القيامة المسيحي)، (عيد البنجة الصابئي)، وغيره. التيار الحزبي الآشوري العراقي والسوري، اعاد الاحتفال بهذا العيد في اول نيسان.

  كذلك هناك "يوم المحيا" أي احياء الربيع بعد جماد الشتاء. ويسمى ايضا(يوم الكسلة) في البصرة، او(دورة السنة) او(عيد الدخول) و(يوم الخضر) وهو الشخصية الاسطورية الاسلامية التي يرتبط اسمها بالخلود والخصبة والخضرة(من اسماء تموز!).

758 نيروز 5

 

الغريب ان الحكومة العراقية منذ اعوام السبعينات قد اقرت الاحتفال بعيد نيروز وجعله عطلة رسمية، ولكن كعيد كردي خاص، ولم تنتبه ابدا الى حقيقته العراقية الاصيلة. كذلك قبل سنوات بدأت محافظة نينوى تحتفل به رسميا باسم(اعياد الربيع).

إذن لنتفق نحن ابناء النهرين على يوم 21 آذار(عيد الربيع العراقي ـ نيروز) والتعريف بتاريخه العريق وإحياء بعض الرموز العراقية(السومرية الاشورية البابلية) وباحتفالات شعبية ورسمية.  ليكن عيدا للمحبة والوحدة والخضرة. لنحتفل بالبيئة وبالطبيعة ونزرع فيه الاشجار والنخيل.

 

 سليم مطر

...................

المصادر:

ـ عن اقتباس (نيروز) من بابل، هنالك الكثير من الدراسات العربية التي تفصل هذه المسألة. لكن ويكيبديا العربية قد مرت سريعا على دور بابل! ولكن ويكيبيديا الانكليزية تفصل هذا.

ولتسهيل الامر عليكم ضعوا في الانترنت بالعربي: نيروز بابل. او  بالانكليزي: nowruz babylon لتظهر لكم الكثير من الدراسات العربية او الانكليزية التي تفصل دور بابل في هذا العيد.

ـ عن تبني الاخمينيون (وبعدهم البارثيون ثم الساسانيون) لحضارة بابل وكتابتها المسمارية ولغتها الآرامية، طالع:

مختصر تاريخ العراق (تاريخ العراق القديم) 1-6 ج

https://urlz.fr/9b14

بالاضافة مصادر الانكليزية عديدة:

ـ (S. A. Pallis, The Babylonian Akitu Festival, Copenhague, 1926 ; La Fête babylonnienne de l'akitu).

ـ عن عيد الربيع العراقي ـ اكيتو Akitu طالع:

- P. Villard, « Akîtu », dans F. Joannès (dir.), Dictionnaire de la civilisation mésopotamienne, Paris, 2001, p. 20-22

- J. Bottéro, La plus vieille religion : en Mésopotamie, Paris, 1998

ـ عن تفاصيل اقتباس الاكراد حديثا (حكاية كاوا الحداد) و(اشعال النيران) من الايرانيين، طالع مقالة الكاتب العراقي الكردي (هلكوت حكيم) في جريدة الحياة(26 مارس 2000) :

http://www.alhayat.com/article/1038998

ــــ لمن يرغب بمعلومات شاملة ومتنوعة عن هذا العيد واعياد الربيع في العالم، ليضع احدى الكلمات التالية في مبحث كوكل: عشتار وتموز/  تموز وعشتار/عيد الربيع العراقي/اكيتو/اكيتو حجتو/نيروز/عيد الشجرة العراقي/خا بنيسان ـ الاول من نسيان/عيد المحيا/الخضر/المهدي المنتظر/ شم النسيم..الخ..

 

 

محمد فتحي عبدالعالقطوف من الحضارات

ان الملاحم من ابداعات الشعوب ولو لم تقدم حضارة بلاد العراق للانسانية سوي هذه الملحمة لكفت.. انها ملحمة جلجامش احدي أروع ذخائر تراث بلاد الرافدين وأكثرها تفردا فقد مزجت هذه الملحمة الحقيقة المشربة بالحكمة بالأسطورة المزخرفة بالرمزية وجمعت الخيال الأدبي المفعم بالحيوية بالواقع ذو الدلالات العميقة في نسيج واحد وتحكي هذه الملحمة والمكتوبة بخط مسماري علي احدی عشرة لوحا طينيا عن أحد الملوك ويدعي جلجامش وهو ملك أوروك وكان ثلثي اله حيث كانت والدته اله اما أبيه فكان بشر، مما جعله عرضة للفناء شأنه شأن سائر البشر ..تتضمن اللوحة الأولي كون جلجامش ملكا ظالما مستبدا لا يترك امرأة تزف الي زوجها حتي يدخل عليها أولا ، كما كلف رعيته بتحصين مدينتهم اوروك بأسوار من الآجر المحروق ...ولما ضج الشعب من ظلم وجبروت جلجامش ابتهلوا الي الالهة ان تكف اذاه عنهم فقامت الآلهة بتخليصهم عبر خلق ندا له في البرية انه أنكيدو وهو من البشر الخالص قوي البنيه ويغطي جسده الشعر الكثيف مستوطنا الغابات كثير الصراع مع الوحوش ومخلصا للحيوانات من شباك الصيادين، مما حدا بالصيادين الي شكواه الي جلجامش فلجأ جلجامش الي الحيلة لاستدراج انكيدو والتخلص منه عبر اغوائه بحب شمخات، أحدي خادمات المعبد وهو ما يتناوله اللوح الثاني حيث استطاعت شمخات ترويض انكيدو ونقله من طور المارد المتوحش الي طور الانسان المتحضر المالك لبواطن الحكمة فعلمته كيف يأكل وكيف يشرب ويلبس حتي اصبح كالبشر العاديين ثم راحت تقص عليه مفاسد جلجامش وكيف انه يدخل بأي فتاة قبل زوجها فعزم انكيدو علي التصدي لظلم جلجامش

فحدثت مواجهة عنيفة بينهما وكليهما كان من القوة بما يكفي للقضاء علي الاخر لكن انتهي الصراع بأنتصار جلجامش، واعتراف انكيدو بهذا الانتصار ثم توطدت الصداقة بينهما ...الي هنا يتضح ملمح هام هو ان المعارضة تتولد من رحم الاستبداد وانه، حتي وان علت يد الاستبداد وانتصرت يبقي لا مناص للاستبداد من اعادة حساباته والمصالحة مع المعارضة مهما طال الزمن...

في اللوح الثالث قرر الصديقان أن يعملا لصالح شعب اوروك فقررا ان يقطعا اشجار الارز الموجودة بالغابة فصنعا الفؤوس والسيوف العظيمة ولكن هذه المهمه لم تكن بالسهلة في ظل وجود حارس ضخم مثل خومبابا فبمجرد شروعهما في تنفيذ خطتهما وتقليم الاشجار تصدي لهما حارس الغابة غاضبا فتعاون انكيدو وجلجامش علی قتله بالرغم من توسلاته ...لم يمر مقتل خومبابا مرور الكرام حيث اثار مقتله حفيظة آلهة الماء انليل وكانت الغابة في حوزتها ..وهو ما يتضمنه اللوح الرابع والخامس..

في اللوح السادس وقد عاد جلجامش الي عرشه منتصرا فأعجبت الالهة (عشتار) بجماله وطلبت الزواج منه لكنه رفض بشكل قطعي مذكرا اياها بماضيها مع ازواجها السابقين وما آلت اليه مصائرهم ..غضبت عشتار من هذا الرفض وعزمت علي قتل جلجامش وفي سبيل ذلك استعطفت ابيها (أنو) وأمها (أنتم) وبكت لهما فقدم لها أبوها الثور السماوي القادر علي قتل جلجامش...و بنزول الثور السماوي أثار الهلع الشديد في أوساط المدينة فتجهز له جلجامش وانكيدو وذبحاه فأستشاطت الالهة غضبا ..

في اللوحة السابعة يري انكيدو رؤيا يقصها علي جلجامش مجملها ان الالهة اجتمعت للثأر لقتل خمبايا والثور السماوي وقررت معاقبة احدهما ولان الروح الالهية كانت تسري في جسد جلجامش ، فقد وقع الاختيار علي انكيدو فصدر القرار بموته عقابا علي ما حدث..فمرض انكيدو حتي مات وقد كانت امنيته ان يموت في ساحات القتال حتي يخلد اسمه مع الابطال وهي الامنية التي لم يدركها..

اللوح الثامن: يتضمن حزن جلجامش الشديد علي رفيق دربه انكيدو وقد جلس الي جوار جثمانه المسجي يناجيه قبل ان يواري جسده الثري..

اللوح التاسع : يبدأ جلجامش رحلة جديدة ولكن هذه المرة بحثا عن الخلود فقد كان شبح الموت يخيم علي مخيلته فأنطلق هائما علي وجهه قاطعا الجبال والفيافي متوجسا من الموت وباحثا عن الخلود وفي سبيل الحصول علي هذا الخلود كان عليه ان يجد (اوتنابشتم) لانه الوحيد العالم بهذا السر وفي الطريق يجد الالهة سيدروي والتي راحت تجاهد رغبته في الخلود دون جدوي ولكن مع اصراره ارسلته الي الطواف (أورشني) ليساعده علي عبور بحر الاموات ليصل الي الشخص المطلوب وفي النهاية يعثر جلجامش علي اوتنابشتم وزوجته وهما الناجيين الوحيدين من الطوفان ولذلك منحتهما الالهة الخلود حيث غضبت الالهة علي البشر فقررت اغراقهم ولكن أحد الالهة أوعز الي اوتنابشتم صناعة سفينة كبيرة يجمع فيها عدد من البشر والحيوانات للنجاة من الطوفان وتعتبر هذه أقدم أشارة علي طوفان نوح الوارد في الكتب السماوية..

مع توسلات جلجامش قررت زوجة اوتنابشتم ان تساعده في النهاية وأرشدته الي نبتة الخلود والتي تنبت في المياه وتمنحه الشباب الدائم وتجرح البشر مثل الشوك فيشعر جلجامش بالسعادة الغامرة لامتلاكه العشب أخيرا عازما علي اخذه معه وتجربته علي المسنين بأوروك أولا ثم زراعتها لينال خيرها جميع اهل مدينته ولكنه وفي طريق العودة وبينما هو يستحم في بركة المياه من عناء الرحلة استطاعت حية سرقة النبتة نازعة جلدها القديم ومتحلية بنشاط وشباب متجدد (وهي الشعار الذي يشير الي مهنة الصيدلة) ..هنا يدرك جلجامش ان لا حظ له في هذا الخلود فقرر ان يخلد اسمه بطريقة اخري وهي ان يعود الي بلاده مرسيا قواعد العدل وناشرا للعلم والمعرفة فهما السبيلين نحو الحياة المتجدده والبقاء الابدي وهنا رمزية رائعة  فمن يستثمر في موارد بلاده البشرية وينميها هو الحاكم القادر علي الخلود لانه الاثر الباقي علي مر التاريخ ..

جلجامش أنا( 2)

بقوتي وجبروتي وانتصاراتي ملئت التاریخ مجدآ

بملاحم بطولاتي،

لكن حزنی لفقدان انكیدو" صدیقي

جعلني أسلك درب البحث

لما كان ینویه بداخله

عن نبتة الابدية

عن نبتة تعوض أهلي وناسي

تعوض العالم أجمع

عن ظلمي واستبدادي

بحثت وبحثت

و قد طال بحثي

عن نبتة الحیاة الابدية

وفي طریق بحثي

وإذا بي وجدت نفسي أبحث،

لكني أرفض الموت

أبحث عن حیاة، عكس هذا الحیاة

مرساي في سعادة غیري

ومرفئي في الخلود الأبدي .

تربط الابحاث المعاصرة بين ملحمة جلجامش وبين ملحمة سيامند وخجي في الادب الشفاهي الكردي من حيث الأطر العامة وأن انكيدو من الكرد الفيلين ، حيث تورده الملحمة بأنه الرجل القوي الاتي من الجبل ولما كانت جبال بيشتكوه (بلاد ايلام) هي الاقرب لاوروك وهي موطن الكورد الفيليين كما الفأس التي استخدمها انكيدو وهي القوة التي عرف بها سكان ايلام، فالارجح ان انكيدو من هذا الموطن ...كما يستدلون بأن كلمة جلجامش وتعني الثور الكبير او المقدس، هي كلمة لا زال الكرد يستخدمونها الي اليوم كما أن رمزية الثور تحتل مكانة هامة في الثيولوجيا الكردية وكانت عبادته منتشرة لديهم في الازمنة القديمة مما يؤيد الصلة الوثيقة بين جلجامش والحضارة الكردية ويرجح ان تكون هذه الملحمة اقدم نص أدبي كردي مكتوب بالاضافة الي كونه من اقدم النصوص الادبية الفنية عبر التاريخ ...

عندالمقارنە بین الملحمتین ملحمة جلجامش وبين ملحمة سيامند وخجي في الادب الكردي نری:

كلا الملحمتين جاءتا على شكل قصيدة ملحمية، ولكن كتبت جلجامش على ألواح طينية بينما وصلتنا ملحمة سيامند بشكل قصيدة ملحمية وصلتنا شفاها من أجداد الكرد، وهذا من دواعي تصوّرنا أنها من بقايا ملحمة جلجامش.

التغنّي بظلم البطل ورحمته معا، ففي مطلع ملحمة جلجامش يتغنّى بقوته وظلمه وخلود اسمه بسبب الأعمال الجيدة التي قام بها، والحكمة التي فتّش عنها فتقول “هو الذي عرف كلّ شيء فغنّي باسمه يا بلادي”.

كذلك في ملحمة سيامند يتغنّى بأعمال الصعلكة التي قام بها سيامند وصديقه أو أخيه قره كيتران. كذلك يلاحظ هذا التغنّي بظلم البطل ورحمته في معظم الملاحم الشفوية الكردية.

في ملحمة جلجامش يشترك اثنين من الذكور في البطولة “جلجامش وأنكيدو” كذلك في ملحمة سيامند يشترك بطلان من الذكور في البطولة “سيامند وقره كيتران”.

في ملحمة جلجامش يموت أنكيدو قبل جلجامش ويترك الدور البطولي لجلجامش حتى نهاية الأسطورة، في ملحمة سيامند يموت قره كيتران قبل سيامند ويبقى الدور البطولي لسيامند حتى نهاية الملحمة.

للرؤى دور تنبؤي في ملحمة جلجامش، فهو يرى في حلمه ما تأويله أنّه سيلتقي بصديق وكذلك في ملحمة سيامند يرى سيامند في حلمه “الخضر” الذي يلقّنه دعاء طلسميا لمجابهة خصومه دون أن يخسر المخاصمة ويعده أنّه لن يقتل على يد بشر.

في ملحمة جلجامش يتصارع كل من أنكيدو وجلجامش في البداية ويغلب جلجامش أنكيدو، وكذلك يتصارع كلّ من سيامند وقره كيتران وتكون الغلبة لسيامند، وهكذا يمكن إيجاد العديد من القواسم البنيوية المشتركة بين الملحمتين، ولكن في ملحمة سيامند تظهر الكثير من التحوّلات وربما جرى نسيان الكثير من التفاصيل وعوّضت بالتغييرات الملائمة للتطور الديني والاجتماعي منذ آلاف السنين، وإلى وقت صناعة آخر نسخ الملحمة السومرية المتمثّلة بسيامند وخجي، فيمكن النظر إلى التعويض عن رحلة الخلود لجلجامش برحلة هروب سيامند مع حبيبته خجي، حيث تبدو الحكمة التي اكتشفها جلجامش عبر القيام بالأعمال الجيّدة معوضا عنها بالهروب مع الحبيبة، وربما كان ذلك علاجا لمشكلة اجتماعية جديدة، وهي أنّ الاقطاعيين كانوا يأخذون من يريدونها زوجة لهم، بحكم نفوذهم، فكان سيامند هو الشخصية البطلة الأسطورية التي جابهت ذلك الواقع، ولا يخفى على الباحث التأثيرات الاجتماعية الرومانية، والتي ربما أخذت الملحمة الأصل إلى منحى آخر متأثرا بالعصور الهلنستية والتأثيرات الأوروبية، عندما كانت تحكم الشرق منافسة ومناصفة مع الإمبراطوريات الإيرانية قبل مجيء العرب المسلمين إلى المنطقة بعد ” الفتوحات الإسلامية، ولهذا نرى خجي تنتحر بعد مصرع حبيبها، مما يذكرنا بروميو وجولييت.

 

استاذة سروه عثمان مصطفی كاتبة واديبة كردية

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصري ..

.....................

المصادر

١- الويكبيديا العربية

٢- قصيدة للشاعرة سروه عثمان

٣- بقايا ملحمة جلجامش في ملحمة سيامند للاستاذ حسين شاكر.المركز الكردي السويدي للدراسات

٤- كتاب: الكلام المباح .. مقالات في السياسة والادب للدكتور مؤيد عبد الستار

 

حاتم عبدالواحدلن ارد على السؤال، ربما عشرين سنة او اكثر قد مضت على معرفتي بوجيه عباس، الزمن هو اعمارنا التي تمضي نحو هاويتها ولكن ما بقي من حصاد تلك السنين هو اللؤلؤة التي ستبقى الى ان يرث الله الارض ومن عليها، اشتغل ضابط تحقيق في الشرطة وبعد تقاعده كان لشاعريته المميزة فضل في عمله الصحفي، وربما يكون عمله الصحفي المميزعن ليلة مقتل الشاعر البصري محمود البركان من اهم ملفات تاريخ الادب العراقي، ثم عمل سائق اجرة بسيارته التي استلمها كضابط في الشرطة حيث كانت حوافز النظام السابق لمنتسبي الشرطة والجيش وفصائل الامن والمخابرات والاجهزة الخاصة تنص على ان يستلم المنتسب سيارة بسعر رمزي ربما هو سعر كلفتها فقط، كان يجوب شوارع بغداد ليلا ملتقطا العائدين الى بيوتهم منتشين او مهمومين او ضائعين، يجالس زملاءه الشعراء في نادي اتحاد الادباء في الومضات القليلة التي تسمح بها بعض الليالي ولكن مجالسته لهم ليست على طريقة محمد سعيد الحبوبي انما على طريقة (قد رأت عيني وما ذاق فمي)، بعد الاحتلال عملنا معا في جريدة اللواء التي لا اعرف مصيرها الان، كنا نستلم اجورنا بطريقة " الاسبوعية " لان المشرف على الجريدة كان مديرا لاحد معامل صنع الملابس الداخلية ويبدو انه ادرجنا ايضا في سجل عماله في ذلك المعمل، منذ عرفته كان صاحب فطنة واجوبة بارعة ولكن عمله في محطات تلفزيونية مجاهرة بالطائفية قد وصمه بهذا الشنار الذي تأسس على المبدأ القائل (من جعل نفسه عرضة للشبهات فلا ذنب على من يشتبه به) رغم انني استطيع توكيد شهادتي عن وجيه الذي لم اعرفه طائفيا قط والا لما استمرت علاقتي به كل هذه السنوات العجاف، اذكر انني قد عدت الى بغداد في بداية عام 2006 بعد ان هربت الى سوريا في بداية عام 2004 حين اصدر اتحاد الادباء العراقي قائمته السوداء التي ضمت اسمي بتحريض من بعض الشعراء الشعبيين واشباه المثقفين وبسبب محاولة قتلي حرقا في شوارع بغداد، وكان اول مكان مشتاق لزيارته هو مقهى الشابندر في نهاية شارع المتنبي وما ان عبرت الباب الخارجي للمقهى حتى اصطدم وجهي بوجه وجيه الذي اعتلت حاجبيه المرفوعين شهقة مكتومة، وبدون ان نتبادل التحيات قال لي (ما الذي أتى بك؟ يجب ان لا تبقى هنا لحظة واحدة). وعندما استفسرت عن السبب قال (انا اعرف ما لا تعرفه) ورافقتني الى بداية جسر الشهداء فعدت الى دمشق في نفس نهار وصولي. في المقابلة التالية طرحت على وجيه عباس شكوكي وعدم رضاي عن ادائه كعراقي احب بلاده ولا اظنه الان كما فارقته قبل 13 عاما، فدعوته مثلا قبل اعوام لاقامة اقليم الجنوب وانشاء محمية للعراقيين الجنوبيين لحمايتهم من اخوانهم الشماليين كانت سببا من اسباب كثر لاراقة الدم العراقي المطهر من الكنيف الطائفي.

 ترتب صداقة عمرها اكثر من عشرين سنة حقوقا لا يمكن تجاوزها، ومن اهم هذه الحقوق الثقة المتبادلة، ومن تجربتي الشخصية مع وجيه عباس استطيع ان اسوق ادلة عدة على عدم طائفيته، ولكن ما صدر عنه في برنامجه التلفزيوني يدلل ان الرجل بدل جلده فلماذا يركب وجيه عباس مركبا ليس بمركبه؟

-  لنبدأ من حيث انتهى تساؤلك، لنفهم هذه التهمة التي ساقها الجاهلون واصحاب الدكاكين التي كنت اطرق ابوابهم بحجارتي ولايملكون جوابا عنها الا بالشتيمة والتكفير خلف الابواب، الطائفية هي العصبية القومية، ان تفضل شرار قومك على اخيار غيرهم، متى فضلت سيئا يُحسب من الشيعة على حسن من السنة؟ انا كنت اهاجم السارقين والقتلة ولااميز بينهم لانني مصاب بعمى الالوان، لم احرّض على قتل احدهم، بينما المحرضون الحقيقيون يتعامى عنهم اصحاب دكاكين الفتنة ولايجدون سوى وجيه عباس امامهم ليتهمونه بالطائفية، بيعهم خسار، ويكفي انني كنت احد اسباب وصول امدادات اموال الدول التي ارادت حرق العراق واحداث حرب طائفية الى هؤلاء الكثير الذين ضحكوا على الجهلة بهذه التهم المسلفنة منذ١٤٠٠ سنة وحتى الان، ومازالوا يحتجون بما ورد الينا من بعض مزابل القرن الرابع الهجري.

تقول انا مذهبي ولست طائفيا والمذهب في اللغة هو الطريق وبمعزل عن عدد المذاهب في الاسلام انت تدعو الى اتباع طريق واحد تظن انه الطريق الاصوب للوصول الى الجنة او الكمال، ولكن الله يقول في سورة الانبياء الاية 92 " ان هذه امتكم امة واحدة واحدة وانا ربكم فاعبدون " فهل نحن نتحدث عن اسلام واحد ام " اسلامات " او طبعات منقحة من القرآن في الرياض او في طهران ؟

-  الرسول الغريب محمد صلى الله عليه واله قال ذات غربة محمدية (ستفترق امتي الى ٧٣ فرقة، اثنان وسبعون منها في النار، وواحدة في الجنة وهي الفرقة الناجية)، والجميع يتصور انهم وحدهم الفرقة الناجية والبقية في النار، فلماذا لاتذكر الاخرين او يذكرهم سواك؟ ولماذا ينظر الجميع الى الشيعة بعين متطرفة؟ الدين هو ماتدين به، كل الطرق تؤدي الى الله، شخصيا اخترت صراط علي ع، كما احترم اختيار الاخرين لغيره، نحن مبحث عن محمد الغريب ص واله، فلماذا يتم احتكار محمدا لجهة دون اخرى؟ ولماذا تستكثرون علينا الاجتهاد في مواضع ليس فيها نص؟ علي ع لم يكفّر احدا، وسار على خطى المربي ص واله، هو اسلام واحد لا اسلامان، ليس لي علاقة بارض بعينها، علاقتي بانسان اختاره الله ليكون رسولا لا ملكا يتناهب ارثه المريدون، واتيقن ان هذه نظرة موضوعية، لدينا فهم مغلوط في بعض المقدمات التي تصورها البعض من السلف الصالح الى الخلف الطالح، نبذنا القران واشتغل الشنة بالصحاح والشيعة بالكافي وكلاهما بحاجة الى اعادة تقويم لتخليص اسلامنا مما علق به، وهذه كارثة اتحدى علماء الطرفين على الخوض بها والخروج منها سالمين من تهمة التطرف والتكفير.

 

 خلال السنوات الماضية التي كنت اشاهد فيها برنامجك الطافح بالتعابير الجنسية والشتائم المباشرة والايحائية الموجهة لمغايريك في قناة العهد كنت اسال نفسي السؤال التالي : اين يتوارى الان وجيه عباس الشاعر البارع امام وجية عباس المروج المذهبي؟

ـ انت اديب وشاعر، وهناك باب ادبي هو الادب المكشوف، استخدامي لبعض التعابير ينبع من كوني كاتبا ساخرا واديبا ابحث عن اقرب طريق ليوصلني الى المعنى، الذين يتحججون بهذه الجزيئة ادعوهم لقراءة ابي نؤاس والحسين بن الحجاج وابي حكيمة وصولا الى عبود الكرخي والقائمة تطول، ساقول لك سرا؛ الشخصية التلفزيونية التي كنت اظهر بها والحدة التي اتكلم بها خلقها الطرف الاخر الذي تمادى باظهار تطرفه بسبب ضياع الحكم ممن كان يُحسب عليه، ومن العجب انهم كانوا ضحاياه وان لم يكن بنسبة كبيرة، الواقع الملتبس عام ٢٠١٤ كان بحاجة الى افهام الاخر ان صوتا واحدا يمكن ان يقض مضاجعهم، فكيف لو ظهر الف وجيه عباس، لم اجد من الاعلاميين او المثقفين من يملك مؤهلات الظهور بهذه الجرأة مثلي، مع العلم ان ظهوري جعلني اراكم الخسارات وكنت اصدق من الجميع الذي يريد ان يحافظ على" خبزته"كثيرون من الطرف الاخر كانوا يتابعونني باستمرار ليكتشفوا قاع الطرف الاخر من اجل فهمه، لايهمني المتطرفون من الطرفين، ولا التفت اليهم لاني مطمئن على مساحة حريتي في الكلام والانتقاد لاي رمز او شخصية سياسية، مؤمن تماما بان" رضا الناس غاية لاتُدرك، ورضا الله غاية لاتُدرك"، اهتممت بالحفاظ على الشاعر في داخلي، والكاتب الساخر وثقت عن طريقه مامر بالعراق منذ ٢٠٠٣، انا اكثر العراقيين استثمارا للديمقراطية في العراق بعد التغيير او الاحتلال او الاحلال، انتجت اطول رباعيات بتاريخ الادب العربي منذ المهلهل وحتى اخر شاعر، " شيرازيات بغداد بلغت ٣٢١٠ بيتا، واعمل الان على "روميات بغداد " واتوقع ان تصل الى٤٠٠٠ بيت، انجزت

 اكبر موسوعة ساخرة في تارسخ الادب العربي( عولمة بالدهن الحر) وهي ٣٤٠٠ صفحة وفيها ارخنت للعراق.

 ما سر الدفاع عن نظام سياسي ديني او ثيوقراطي لم يعد ذا فعالية في المنظومة السياسية العالمية، وما فضل الاسلام بكل تفصيلاته ومذاهبه على العراق كي يدفع العراقيون ثمن بقاء العمامة الاسلامية متسيدة مصير الخلق ؟

 انا ادافع عما اؤمن به، اعجب ان تقول لي انك تدافع عن نظام سياسي ديني، السياسة لم تجتمع مع الدين الا في فترة الرسالة والخلافة الراشدة، انا لا ادافع عن نظام، انا ادافع عن الانسان العراقي الذي داسته جميع الانظمة، العمامة رمز محمدي في اسلام لم يبق فيه رمز سوى العمامة والأذان، من حقي ان اذافع عما اؤمن به بعيدا عن الكلاو الشرعي الذي دوخونا وضحكوا به علينا من خلال تفسيره الذي يسير في اتجاه مصلحة الحاكم واعني به " يد الله مع الجماعة" وهم يفقهمون انهم جماعة الحاكم المتفرد الضرورة والواحد الاحد الدنيوي، على الجميع احترام فكر الاخر، الاقصاء قانون غاب جديد يُمارسه الفارغون لادخال القطيع الى حقولهم الفارغة.

بعد الفوز بعضوية مجلس النواب العراقي تغيرت لغتك نحو المحاججة الفكرية بدرجة ما واعتقد ان هناك من تقدم بنصائحه لك كي لا تفقد وقار النائب البرلماني، اما كان من الاجدر ان تقدم لك ذات النصيحة عندما كنت تقدم برنامجك التلفزيوني ؟ ام البرلمان اولى بالاحترام من الجمهور.

ــ انا اكبر من ان يكون هناك من يوجهني، هل سمعت ان شاعرا ما لديه مستشار فكري؟ ساكون صريحا معك؛ حين دخلت غابة البرلمان اطلعت على عالم السياسة الفارغ من المحتوى، احجار على رقعة الشطرنج العراقية التي لاتقدم رجلا ولاتؤخرها الا بحسابات المصلحة، عالم مغلق على نفسه بحكم الجلوس على احد مقاعده، لدينا جانبان؛ جانب شعبي غاضب حد تفجير كل شيء لانه يظن ان البرلمان هو من يقود العملية السياسية وهذه خطيئة كبرى، رؤساء الكتل هم من يقود البرلمان وليس النواب، الصوت المفرد الصارخ والجارح لايغير شيئا، الشعب يريد من النائب ان يملك عصا سحرية وفق قاعدة" كن فيكون"، وهذا من حق الشعب قبالة حكومات قادته من خيبة الى خيبات، هذا النائب يعيش عذرية السياسة التي لايفهم عهرها الحقيقي المخبوء عن عينيه، والجانب الثاني هو البرلمان ( التشريعي والرقابي) المحكوم باليات لايمكن الخروج عنها، ساحة مكشوفة لتلمس جميع العقول التي باستطاعتها تحريك الرأي العام بتصريحاتهم وظواهرهم الصوتية التي ربت الذائقة الشعبية على تمييزها وكأنهم ابطال القنوات القضائية والتصريحات الصاروخية التي يستغلها البعض لتحقيق مكتسبات شخصية او حزبية، في هذا الجو الملتبس الذي دخلته، شاهدت الضفتين اللتين لاتتآخيان، مادمت اخترت الدخول الى البرلمان ستكون بنظر الشعب سارقا وعدوا للشعب( حتى لو اشعلت عشر اصابعك في سبيل خدمتهم)، لن تختلف عن بطل رواية ( عدو الشعب) لهنريك ابسن النرويجي الذي كان يدافع عن اهل المدينة بسبب رمي فضلات القمامة في النهر الذي يشربون منه، وبسبب اموال صاحب المصنع لكبار القوم وصفوا المدافع عنهم ب (عدو الشعب)، امتحان صعب، لكنه اوصلني الى قناعات خطيرة في داخلي جعلتني امارس الهدوء، وهذا سبب دبلوماسيتي في الاجابات التي تظهر شخصيتي الحقيقية.

الا تشعر ان من اقترح عليك بالترشح للبرلمان اراد استغفالك او استغلالك .

ــ على العكس تماما، رغم اني كنت الاسم الاخير الذي ترشح في الانتخابات، ومع هذا فاجأت الجميع بالحصول على اعلى الاصوات في الفتح بعد رئيس القائمة، ترشيحهم لي لقناعتهم اني قريب من الفقراء ومازلت، فزت بمقعد برلماني لكني خسرت برنامجي ولااستطيع العودة اليه بسبب النظام الداخلي للبرلمان وعدم موافقة قناة العهد لعرضه حتى بصفة ضيف دائم، المشكلة؛ كيف يمكن للمواطن الذي كان يتابعني ان يقتنع بان دور البرلماني يختلف جذريا عن دور الاعلامي، الكثير منهم يريدني ان اتكلم اسبوعيا خمس ساعات وانا لااملك الا دقيقتين في كل جلسة والكثير من النواب يطالبون بحذف مداخلتي لجراتها ونسقها الساخر!!.

من الاهم وجيه الصحفي والشاعر ام وجيه النائب؟

ــ بعد ثلاث سنوات ونصف سيسمونني النائب السابق، بينما سابقى شاعرا وكاتبا الى النهاية، الشاعر اهم من البرلمان كله وليس المقعد البرلماني .

 

حاتم عبد الواحد

 

ليث الصندوق (شاختْ سُبُل الأرض بنا

 غرباءَ تُلاحقنا السكّينُ وراء السكّين

 لم نحمل من مُدن الذكرى

 غيرَ حقائبَ أثقلها الجُرحُ، وبعضُ حنين)

 خالد علي مصطفى - من مجموعته الشعرية (ألمعلقة الفلسطينية) ومن قصيدة (طفل الفدى)

 أنه الموت، الغائب الأكثر حضوراً، والمتوقع المؤكد، ومع ذلك فتوقعه لا يخفف من حدّة مرارته، فهو ليس كمن يطرق الباب فيؤذن له بالدخول، بل هو كمن يصرخ فجأة دون أن يستسمح السامع أن تُمزق الصرخة له طبلتا أذنيه، وتلك الفجاءة هي التي تُفجّر في حضوره ينابيع المرار، وأمرّ من المرار عندما تكون المفاجأة في الأعزّ من الأحبّة . بهذا الإحساس العصيّ على الإجتراع تلقيت نبأ وفاة الشاعر والناقد والأكاديمي الدكتور خالد علي مصطفى . وعلى الرغم من يقيني بأن هذا النمط من البشر ليس بمقدورهم أن يموتوا، إلا أنّ الحقيقة التي عليّ الإقرار بمرارتها، هي استحالة أن ألتقيه مرّة أخرى إلا في موعد مؤجل إلى أن يأذن الله .

لقد كان من حسن حظي، ومن حسن حظّ الكثيرين من زملائي في المجايلة أننا في بداياتنا سرنا في ظله الوارف، وتعلمنا منه الكثير . بل أنه ليُشرفني أن يكون الكثير من قصائد مجموعتي الشعرية الأولى (قصائد منقوعة بالدم – دار الرشيد للنشر – 1982) قد مرّ من بين يديه، ونُشر في الصفحات الثقافية التي كان يرأسها أو يعمل فيها، ولم يبخل لها بالنصح والتوجيه . بل أنه ليُشرفني أن يكون هو الخبير السري لمجموعتي الشعرية الثانية (مَن أضرم النار في الشجرة – دار الشؤون الثقافية العامة – 1998) وهذا ما عرفته منه مصادفة بعد زمن من صدور المجموعة، وتلك حكاية سآتي عليها لاحقاً . وعدا هذه، وتلك فكثيرٌ من قصائدي التي لم تُجمع في مجموعة شعرية قد نشرت بتوجيهه وإشرافه .

ولعل الشعراء الشبان الأربعة الذين كان لا يمرّ عليهم اسبوع واحد من عام 1979 وحتى منتصف العام التالي إلا ولهم لقاء أو أكثر معه هم صاحب هذه السطور، وقيس مجيد المولى، وإبراهيم زيدان، وعمار عبد الخالق . كنا نزوره في مقرّ عمله، فنُطلعه على نصوصنا، وعلى قراءاتنا، وعلى ملاحظاتنا لما يُنشر في الصحافة الثقافية، بل وحتى على خصوصياتنا أحياناً، وكان يُصغي لكلّ ما يُقال، ويُبدي رأيه بصراحة لا تخلو عند الضرورة من التقريع، وكنا نتقبل تقريعه ممتنين، ونُصوّب من إتجاه مسيرتنا الإبداعية تبعاً لذلك . وكان زميلاه الآخران في العمل المرحومان الروائيان والمترجمان عادل عبد الجبار، وغازي العبادي يشاركانه في الحوار والنصح، ولكنهما لا يتجاوزانهما إلى التقريع، فذلك حق للدكتور خالد لا يتجرأ أن يُنازعه عليه أحد، ولا يتقبله من سواه أحد . وبالرغم من تقريعه، وعدم تهاونه إلا أنه كان لا يبخل علينا جميعاً بربتة رضا، ونظرة تشجيع، بل وبكلمات إعجاب وثناء حين يجد أنّ كتاباتنا قد كبُرت ولم يعد يتسع لها القِماط . وكان أيضاً يسرنا بمشاريعه الثقافية، ويخصنا احياناً بقراءة قصائده الجديدة، ويسمح لنا ان نبدي رأينا فيها دون إكراه، وبمنتهى الحرية . وبينما تفرّغ زملاؤه شعراء الستينات لهمّين : همّ الغربة لمن غادر، وهمّ المسؤوليات الإدارية لمن في الداخل، ظلّ هو بين من يحتاجون إليه، لم يفارقهم، ولم يُفارقونه، وحتى بعدما تفرّغ للتدريس الجامعي، ظلّ مصراعا بابه وقلبه مفتوحين للطارقين . وكانت الحرب العراقية الإيرانية هي السبب في انقطاعي عنه، إذ تباعدت فترات زيارتي له، فقد التحقت بالجبهة، ومع ذلك كنت اتراسل معه باستمرار عبر البريد المضمون (المسجّل) لأعوّض عن فترات انقطاعي عنه، وهي فترات كانت تطول أحياناً لشهور حين تضيق فسحة الإجازة الدورية عن استيعاب كل التزامات الحياة الخاصة .

وبانتهاء عقد الحرب الثمانيني، ومجيء عقد حرب وحصار، هما معاً أشد ضراوة وإيلاماً، وما رافق ذلك من تعقّد وارتبالك في شؤون الحياة، وانسحاق الجميع تحت ضغط الجوع والقهر، لم يعد بإمكاني اللقاء بالرجل . واستمرّ انقطاعي عنه طيلة عقد التسعينات تقريباً باستثناء لقاءات عابرة لا تُفرغ ما في الروح من شُكاة وألم . ولكنّ لقاءً غير متوقع من تلك اللقاءات يمكن أن يُفلت من توصيف اللقاءات العابرة تمّ بيننا في مقرّ عملي بوزارة الثقافة والإعلام في يوم من أيام عام 1999 كشف لي خلاله الرجل سرّاً لم أكن أتوقعه . ففي عام 1997 دفعت إلى دار الشؤون الثقافية مجموعتي الشعرية (من أضرم النار في الشجرة) التي أشرت إليها سابقاً، وبعد شهور راجعتُ الدار لمعرفة رأي الخبير السري بشأنها، فأبلغتني مسؤولة النشر السيدة الطيبة الذكر نجلة محمد بأن موافقة الخبير قد حصلت، وسلمتني نسخة من تقريره بعد أن حذفت منها إسمه وتوقيعه جرياً على نهج الدار في إبقاء أمر الخبرة سرياً .

قرأت التقرير فإذا به يتجاوز مواصفات التقارير ليكون دراسة مفصّلة ومسهبة من عشر صفحات ذات القطع الكبير تتمتع بقدر عالٍ من الدقة والرصانة اللتين لم تسلم منهما حتى العثرات والأغلاط، وقد كنت، وما زلت لحدّ اليوم اعتز بما ورد في التقرير من إضاءات لا تصدر إلا من مصباح لا تخفى على أشعته خافية، كما أعتزّ بما ورد فيه من تنقيات لا يؤديها سوى غربال نزيه وأمين . لقد كان مما قاله الخبير السري في شاعر المجموعة (وأنا أقرأ الآن من نسختها المحفوظة لديّ): (صاحب هذا الديوان شاعر حقاً، بالرغم من كلّ العثرات الفنية التي تعتري قصائده، فهو يوقظ الطبقات الخفية من مشاعرنا التي ترهقها المعاناة اليومية، وذكريات الحرب، ومواجهة المستقبل، وهو في كلّ ذلك يضعنا دائماً على حافة سكين . أنه صريح، لا يُناور على عواطفنا وأفكارنا، ولا يدور، حتى أننا لنحسّ في كثير من الأحيان أنّ المرء منا خاضع لقدرية عمياء لا يستطيع منها فكاكاً) ثمّ يواصل القول (الشاعر هنا يقرأ نيابة عنا – كما يبدو – ما وراء الواقع، أو يتخذ من الواقع وسيلة ليعبر بها عما وراءه بهدوء وهمس مستفزين، ولذلك كثرت في قصائده الصور المفاجئة، الغريبة، ذات التأثير الحاد بسبب من مفارقاتها التي تؤدي إلى نوع من السخرية السوداء) ثمّ أردف يقول (قد يبدو من الظاهر أن القصائد توحي بنوع من (العدمية) بسبب من ضغط الحياة القاهر، واختلال القيم، وفقدان التوازن، لكنها في جوهرها تقوم على مواجهة اليأس بصور اليأس (على قاعدة : وداوني بالتي كانت هي الداء) معبراً بهذه الطريقة عن حقيقة (الوضع الإنساني) الذي نعيشه . لقد تحوّل هذا (الوضع) إلى صور غنائية تفيض حزناً، وبكاءً، بالرغم مما يعتري هذه الصور من سخرية مرّة كما ذكرت) . بعد ان قرأت هذا التقرير / الدراسة زاد إصراري على معرفة إسم الخبير، وحاولت جهدي في سبيل ذلك، لكنّ السيدة مسؤولة النشر تعللت بعدم إمكانها تجاوز ضوابط عمل دائرتها . بعد ذلك صدرت المجموعة الشعرية في عام 1998، ودفعتها للاشتراك في مسابقة جائزة الإبداع الكبرى، وهي يومئذ ارفع جائزة أدبية في العراق، ففازت بالجائزة الأولى . وعن هذه المجموعة كتب الراحل الكبير يوسف الصائغ في صفحته الأسبوعية بمجلة الف باء مقالاً كان مما ورد فيه (... آه يا ليث الصندوق، لكم تمنيت لو كنت أنا من كتب هذه القصائد) .

واعود إلى اللقاء غير المتوقع الذي أشرت إليه سابقاً، والذي جرى بيني، وبين الدكتور خالد في مقر عملي بوزارة الثقافة والإعلام في يوم ما من شتاء 1999 إن لم تخني الذاكرة . لقد جاء إلى الوزارة في شأن يخصه، ولما علم بوجودي فيها جاء يزورني، ويطلب مساعدتي . وبعد أن أدّيت ما عليّ له من واجب، جلس يفتح دفاتر الماضي، ويقرأ في إحدى صفحاتها ما خفيَ عني من مجموعتي الشعرية (من أضرم النار في الشجرة) فإذا به يُفاجئني أنه هو نفسه خبيرها السرّي . عندها لمت نفسي لأني أجهدتها من دون طائل في البحث عن إسم الخبير، وكان عليّ أن أخمّنه منذ أول قراءة للتقرير، فتلك الرصانة، وتلك الصراحة، وتلك الدقة في التسديد، والتي دونها دقة صياد خبير لا تصدر إلا منه .

ولا بأس أن أخفف من وطأة الفقدان بتذكر بعض المواقف الطريفة، فقد كان الشاعر إبراهيم زيدان من بيننا هو الأكثر قرباً للدكتور خالد، والأكثر تبسطاً معه، وكان يعبر عن مشاعر الودّ تجاهه بطريقته الخاصة، فكان كثيراً ما يتماحك معه متعمداً إثارة حفيظته في كلّ صغيرة وكبيرة، وكثيراً ما كان ينجح في مسعاه فينشب بينهما حوار ساخن لا يجرأ أحد من الحاضرين الدنوّ منه مخافة أن يُلسع بطشيش من شرره . وكان الهدف من الحرائق التي يضرمها إبراهيم ويسكب عليها المزيد من الزيت هو إيصال الدكتور خالد إلى مرحلة الغضب، فلغضبته دروس يسعى لها الخُلّص من طلابه ومريديه، أنها تُخرج من أعماقه صوته الجَهوَريّ الحاد، ومواعظ خطبه التي دونها خطب سحبان وائل، وآراءه الصريحة الجارحة التي لا تعرف المناورة ولا المهادنة، وتقويماته البليغة والصائبة .

وكان رحمة الله عليه يحدب على إبراهيم، ويخصّه بالرغم من كلّ العناد والملاسنة بودّ يُحسد عليه، ويتعامل معه معاملة الأخ الكبير، فلم يكن ليقطع حبل الودّ بعد كلّ خصومة، بل كان هو الذي يبادر فيوصل ما أوشك أن ينقطع، مدركاً بحسه الإنساني العالي أنّ تلك الموجة العاتية لا تضمر مهما عتت أية نية سوء، بل هي تنطوي على روح نقيّة تنشد الودّ والأخلاص . وأذكر أنه في ذات مرّة ملّ الدكتور خالد من تأدية دور كاسر الأمواج، وقرر أن يباغت الولد المشاكس متحولاً إلى موجة ضاربة . كان ذلك في يوم من أيام عام 1983 وكان إبراهيم قد أصدر مجموعته الشعرية الجميلة الأولى (باتجاه الندى باتجاه القمر) عن دار الشؤون الثقافية بوزارة الثقافة والإعلام . وكان الدكتور خالد هو خبيرها، أي أنه هو الذي أوصى بنشرها، وكان إبراهيم قد علم مسبقاً بتلك المعلومة السرية، لذلك كانت التوصية تعدل - بالنسبة له - ثقلها ذهباً، فهي تعني الإقرار بكفاءته الشعرية من لدن شاعر وناقد كبير . لكنه فوجيء، وفوجئنا – نحن أصدقاءه – معه أن الدكتور خالد ينشر – بعد صدور المجموعة - مقالاً نقدياً لاذعاً عنها في الصفحة الثقافية من جريدة الثورة، وتلك كانت مفارقة عصيّة على فهم الأصدقاء الذين لم يتعرفوا على خفايا الصراع بين الطرفين، فالخبير لم يكن ملزماً بالموافقة على المجموعة إذا لم يكن راضياً عنها، وبالتالي هو غير مضطر للتهجم عليها بعد صدورها . أما بالنسبة لمن يعرفون خفايا جوّ الصراع من الأصدقاء، فبالرغم من أنّ المقالة قد وضعتهم – كما يُقال - في حَيصَ بَيصَ، إلا أنهم فسروا الأمر بأنّ الفرصة قد واتت الملاكم الصابر حتى واتته الفرصة، فعاجل غريمه بالضربة القاضية . ومع ذلك لم ينته التحدّي، إذ سرعان ما استردّ الملاكم الخاسر وعيه، وعاد من جديد يتطلع إلى مباراة أخرى على لقب العناد والمجاسرة . وأذكر أني بعد تلك الحادثة حاولت الدخول على خطّ الخصومة متحدياً ترددي، ومستعداً لتحمل اللكمات الطائشة، فكتبت مقالة أردّ فيها على الدكتور خالد وصفت فيها ما كتبه بالتجميش في الخاصرة . وبعد ظهور مقالتي إلتقيت بالدكتور خالد في موقع عمله بالجريدة، وكنا لوحدنا، من دون وجود إبراهيم الذي قلما كنت ألتقي في غيابه بالدكتور خالد، فقد حرصتُ أن يتغيب إبراهيم عن هذا اللقاء لآستجلي رأي الدكتور خالد صراحة في كتابات إبراهيم، وبمجموعته الشعرية، فقال لي : لا تُحمّل الأمر أكثر مما يحتمل، أني أحبّ إبراهيم، وأريد لمسيرته الإبداعية أن تمضي من دونما عثرات، قالها وهو يخفف من الجدّ بابتسامة .

في عام 2015 صدر كتاب الدكتور خالد علي مصطفى الأخير (شعراء البيان الشعري) من دون أن يسبق اللقب العلمي أسمه على الغلاف الأول، تاركاً اللقب للصفحة الأولى، وتلك واحدة من علامات تواضعه رحمه الله . وفي الإشارة التي سبقت مقدمة الكتاب أو كما أسماها (التمهيد) وعد أن يعقب كتابه هذا بآخر عن شعراء الستينات ممن هم خارج البيان الشعري الذين كان لهم أثر في الشعر العراقي والعربي الحديثين، واختزل المشهد الستيني خارج البيان بثمانية شعراء فقط ذكرهم بأسمائهم . بل أنه أبقى كتابه عن شعراء البيان – بالرغم من صدوره – دون أن يتممه بخلاصة، إلا بعد أن يُنهي كتابه الثاني الموعود . والغريب أنه لم يأتِ على ذكر الكتاب الموعود في نهاية كتابه عن شعراء البيان، وضمن قائمة مؤلفاته، أو ضمن القادم منها التي ذكر منها كتابين لم يكن ثالثهما الكتاب الموعود، وأحسب أن وعد الموت كان أسبق للرجل من وعد الكتاب . ولكن ما يستلفت الانتباه في كتابه هذا عن شعراء البيان هو هاجس الموت الذي كشف عنه في أكثر من موضع في التمهيد، فهو يفتتحه بسؤال يوجهه إلى نفسه (ما الذي يدعوني، الآن، إلى أن أدلي بشهادتي حول شعراء جيلي – لهم أو عليهم – في هذا الوقت المتأخر، الذي أخذت فيه الخطى تزحف وئيدة، أو حثيثة إلى حافة المقطع الأخير من الزمن المكتوب) وإن كان هاجس الموت قد ارتبط هنا بزمن لا يُجهل كاتبه جلّ في علاه . إلا أن هاجس الموت في موضع آخر تحتكم به إرادة بشرية لا علاقة لها بالزمن ولا بالخالق، إرادة تختزل جهاد العمر كله في رصاصة (كيف يتسنى لك أن تخطّ سطراً، أو بعض سطر، محتفظاً بتوازنك، مطمئناً على وضعك، وأنت تدري بما لا يدع مجالاً للشكّ، أن طلقة عشوائية، أو مقصودة، لن يكون بميسورك أن تسمع لها أزيزاً حين تخترق جمجمتك، أو قلبك، وتنقلك من فضاء الوعي بالوجود، إلى فضاء اللاوعي بالعدم ؟) . وإن كان الموت في أي حال من الحالين، سواء في الزمن المكتوب أم بالرصاصة سيؤدي إلى نتيجة واحدة متمثلة بإيقاف مشاريع الحياة، إلا أن الموت في موضع آخر – وتلك مفارقة – يؤدي دوراً معاكساً، إذ يصبح أحد أهم المحفزات لإتمام المشاريع المؤجلة، وبتلك المفارقة يتعلل الدكتور خالد لقرائه بإتمام وعده في إكمال مشاريعه الكتابية (أما إذا ضاق الحبل حول الرقبة، فسرعان ما تجد اليد سبيلها إلى القلم والورق فتنجز المطلوب بأسرع ما يمكن، مصحوباً بإحساس خاص أن ثمة من يقف على رأسك، يهيب بك أن تنجز ما أنت بسبيله، وفي يده منخاس، ينخس به ظهرك كيلا يتأخر بك عملك) أليست هذه القراءة للموت كحافز هي أرقى القراءات، وأندرها، بعد أن تبنى كلّ القراء على وجه الأرض قراءة عبيد بن الأبرص وهو مهدد بالموت بين يدي النعمان بن ماء السماء، حين قال مقالته الشهيرة (حال الجريض دون القريض) ؟

 

ليث الصندوق

 

 

ميثم الجنابيالأحياء تموت. وهي حالة محتومة للوجود نفسه. فهي حركة دائمة للصيرورة والعدم. والإنسان جزء منها. غير أن هناك فعلا من يموت ولن يموت، بمعنى تلاشي الجسد وبقاء الروح. وأبو بكر يوسف ينتمي لهذا النوع من الرجال.

إن فقدانه مؤلم للقلب لكنه يستعيد في الذاكرة حقيقته كإنسان ومبدع. فأبو بكر يوسف روح من أرواح الثقافة العربية المعاصرة. ويعرف حقيقته من يعرفه عن قرب.

لقد كان ابو بكر وما يزال وسيبقى قريبا إلى عقلي وروحي لما فيه من شخصية غنية نقية جميلة. ففيه يمكنك رؤية كل الابعاد الجميلة في الشخصية المصرية العربية: الهدوء والوداعة والبشاشة وصدق الضمير. كلما كنت أراه، أرى فيه تجليا لشخصية الإمام محمد عبده، رغم فارق المظهر. فقد كان ابو بكر وسيما جميلا اسمرا ترى في كل ما فيه صعيد مصر وتاريخها وتراثها.

اتصلت به قبل شهر، وكان في صوته نبرة اقرب ما تكون إلى صوت الوداع الأخير. واتصلت به قبل اسبوع تقريبا، لكنه لم يرد. وهذه هي المرة الأولى التي لم يرد فيها على اتصالي. وعموما هي ليست من صفاته. فقد كان على الدوام فرحا بي ويخاطبي بعبارة "يا ميسم! يا حبيبي". وأنا اقابله دوما بالود العميق والاحترام الكبير. وقد وخزني قلبي.

كان ابو بكر ودودا رقيق الروح هو تجسيد لمعنى وقيم الآداب النبيلة. لكنه كان في الوقت نفسه حازما وشديد المواقف عند الضرورة. وهي صفات يصعب رؤيتها لمن لم يراه على حقيقته. كما انه كان نشطا بمعايير الاجتماع والمواقف السياسية ويتمتع بقدرة كبيرة على الإدارة والقيادة النبيلة والسليمة. وأتذكر الآن الحادثة التي جرت قبل حوالي عشر سنين أو اقل بقليل أو اكثر عندما جرى ترشيحي من قبل الحاضرين العرب لرئاسة الهيئة التحضيرية لإنشاء منظمة للعرب المقيمين في روسيا. وقد كان ذلك بالنسبة لي تلك مفاجئة غريبة! اذ انني كنت آخر من أتوقع هذا "الانتخاب". وعموما كانت هذه "المهمات" بالنسبة لي غريبة ولا تستجيب لشخصيتي، مع ادراكي العميق بان من الضروري أن يكون في "قيادة" الناس من هو اصلحهم لهم. لكنني كنت وما ازال انظر الى الناس بعين الوداد. وهذا مبدأ لا يصلح للإدارة. فالإدارة تستلزم سعة الصدر والحنكة والمساومة والشدة والعنف والاكراه، أي كل الخليط الضروري للحياة السياسية، اضافة الى الاستعداد للقيام بذلك. وقد كان ابو بكر من بين الجالسين الى جانب عدد كبير من الاشخاص الطيبين والأكفاء لهذه المهمة. لكنني طلبت من القاعة الاعتذار بشرط توكيل المهمة لأبي بكر يوسف. ففيه تتجسد كل هذه الصفات مع نبله العميق وروحه الاخلاقية المتسامية.

إن لأبي بكر يوسف عدد كبير من الخصال الشخصية ولعل من بين أهمها هو شخصيته الإبداعية في مجال الترجمة والكتابة الأدبية. فقد قيل عنه الكثير في مجال الترجمة. وهو بالفعل من بين أهم المترجمين العرب من الروسية إلى العربية في مجال الأدب. ويكفي كونه من ترجم الأعمال الكاملة لتشيخوف. لكنه اضاف للمكتبة العربية تراجم الكثير من الشخصيات الأدبية الروسية الكلاسيكية والمعاصرة الكبرى. 

اما في مجال الكتابة الأدبية، فقد كان ابو بكر مقلا فيها، لكنها حالما يكتب فإنها تنضح كل ما فيه من معاناة القلب والذاكرة والعقل النقدي. فقد كنت شخصيا والدكتور نوفل نيوف نطلب منه و"نجبره" على الكتابة. وقد اختار في وقتها كتابة مقالات أدبية جميلة وعميقة عن الشخصيات الأدبية العربية الكبيرة التي عاشت في موسكو. وكنا ننشرها في "الكتاب الدوري" الذي كان يحمل عنوان (رمال). وهو محدود العدد (الف نسخة). لكنه توقف بسبب انفراط هيئة التحرير التي كنت اترأسها. فقد سافر المرحوم جلال الماشطة الى العراق، وتبعه الدكتور نوفل نيوف الى الشام، وبعدها الى كندا! فقد كان الكتاب متوقف اساسا علينا (انا ونوفل). حيث كنت اخذ على عاتقي كل ما له علاقة بالأبحاث الفلسفية والفكرية والسياسية والتاريخية، بينما كان يأخذ نوفل على عاتقه كل ما له علاقة بالأدب من دراسة وترجمة. وبعد سفر الدكتور نوفل اصبح من الصعب الاستمرار بها، لأنه لا وجود لشخص انذاك (والآن اكثر) من يمكنه إن يقوم بهذا المهمة. فالدكتور نوفل من ابرع وأدق المترجمين العرب المتأخرين عن الروسية. ويرتقى في دقة ترجمته الى مصاف ابو بكر يوسف نفسه. بينما ظروفي الشخصية العلمية والعملية تجعل من الصعب القيام لوحدي بهذه المهمة، مع انني كنت اتحمل وزرها الأكبر.

انني اروي هذه الأشياء فقط للوصول إلى فكرة مفادها، إن كل هذه التعرجات التي جرت كانت تحمل في ثناياها اثرا مهما بالنسبة للذاكرة والوعي والإبداع الذي ترك فيه الدكتور ابو بكر يوسف بصمته القوية وذلك من خلال كتابته لسلسلة مقالات غاية في الجمال والروعة عن الشخصيات الأدبية العربية التي عايشها في موسكو مثل غائب طعمة فرمان وجيلي عبد الرحمن ونجيب سرور.

ووفاء لذكراه جمعتها من (رمال) وانشرها كما هي لكي يرى القارئ فيها أولا وقبل كل شيئ شخصية ابو بكر يوسف نفسه. ففي تصويره لغائب وعبد الرحمن ونجيب يمكن رؤيته هو. كما اننا نستطيع من خلالها رؤية أسلوبه الأدبي الرفيع وروايته الشخصية للأحداث بطريقة خلابة ومؤثرة ترتقي في اعتقادي إلى مصاف الأدب الرفيع.

 

ميثم الجنابي

...................................

أدباء عرب في موسكو

غائب طعمة فرمان

تعرفت بغائب طعمة فرمان منذ اكثر من أربعين عاما، وعلى وجه التحديد في صيف عام 1969، وها قد مر عشرون عاما على رحيله المفجع، وبذلك اكون قد عاصرته وعايشته زهاء عشرين عاما في موسكو، وقد توافقت الظروف واراد القدر ان يسعدني مرتين بالعيش الى جوار هذه الشخصية الرائعة. مرة بمجاورته في السكن، ومرة بزمالته في العمل. لقد شاءت محاسن الصدف ان يكون مسكني فوق مسكنه لعدة سنوات في عمارة تقع قرب مترو  الجامعة، وشاءت الصدف ايضا ان التحق بالعمل في دار (التقدم) للنشر حيث كان يعمل غائب، ثم انقسمت دار (التقدم) الى دارين ، فظهرت دار (رادوغا) لنشر الكتب الادبية ، وانتقلنا معا ومع بعض الزملاء الى الدار الجديدة. التقيت غائب طعمة فرمان اول مرة امام  مصعد العمارة ، وكنت لا اعرف ولا اتوقع ان يسكن في هذه العمارة الروسية البحتة اجنبي غيري.. فقد كان من المتبع في ذلك العهد في الاتحاد السوفيتي ان يكدس الاجانب في احدى العمارات ، وربما في مدخل واحد لغرض لا يخفى على أحد، ولكن ، وكما اتضح فيما بعد ، كانت دار التقدم تمتلك شقة واحدة في هذه العمارة ، وكان يقطنها غائب ، بينما تمتلك صحيفة (انباء موسكو) التي بدأت بالصدور شقة اخرى ، هي التي اعطيت لي. بجوار المصعد وقف شخص صغير الجسم، قصير القامة، اول ما يلفت النظر فيه نظارته ذات العدسات السميكة التي تظهر من تحتها، مكبرة، عينان واسعتان (ربما بفعل الانكسار الضوئي للعدسات)، وما ان تتراخى قليلا شدة الجذب الى العينين المكبرتين حتى يشدك سحر ابتسامة طيبة، طبيعية، متواضعة، آسرة..تقول لك على الفور ان صاحبها شخص طيب، سمح، لا يمكن ان يصدر عنه ما يؤذي الشعور او يهين الكرامة، بل كانت الابتسامة دعوة صريحة وبسيطة للتعارف والتواصل لا تقاوم. لاحظ تفرسي وانشدادي الى وجهه فازدادت ابتسامته طيبة ورقٌة وسأل

- الاخ عربي؟

- نعم

- من اين؟

- من مصر

هنا شع وجهه كله ابتساما، كأنما التقى صديقا قديما او تلقٌى نبأ سارا. (أنا درست في مصر..في القاهرة). ومضى يتحدث عن مصر وكلية الاداب ومدرسيه واصدقائه.. بلهجة مصرية محببة، ليست بالمصرية الخالصة، بل تخالطها كلمات باللهجة العراقية، محورة كي تبدو مصرية..وسرني ذلك التودد من جانبه. الاشبه بتضييفك شخصا عزيزا طعاما يحبه. عرفت فيما بعد انه تعرٌف في مصر على كبار كتابها ونقادها، وكان من رواد ندوة الخميس التي كان يقيمها نجيب محفوظ، وربطته مشاعر صداقة حميمة بمحمود امين العالم وعبد العظيم انيس وغيرهما من المثقفين اليساريين المصريين. نسينا المصعد الذي كان قد وصل وتوقف امامنا في الطابق الاول منتظرا، فقد انهالت الاسئلة مني وتدفقت الاجابات منه، دون ان ننتبه الى اننا يمكن ان نصعد لنواصل الحديث عنده او عندي، بعد ان عرفنا اننا جيران، هو في الطابق الرابع وانا في الطابق الخامس، ولكن يبدو ان معرفتنا بهذه الحقيقة كانت هي السبب في اننا افترقنا آنذاك دون ان أذهب اليه او يأتي الي. ان القرب الشديد يفعل احيانا، بل كثيرا، فعله السيئ. فانت تعيش في موسكو مثلا سنوات، دون ان تذهب الى مسرح البولشوي القريب منك، او تعيش في القاهرة، بل ربما في الجيزة، طويلا، دون ان تزور الاهرام وهي على بعد خطوات. ويأتي الغريب الى موسكو او الى القاهرة لايام معدودة، فيدخل البولشوي ويزور الاهرام والقلعة وخان الخليلي. القرب يجعلك تطمئن الى ديمومة الاشياء والاشخاص القريبين وتنسى انه لا شئ يدوم. وما زلت حتى بعد رحيل غائب بسنين طويلة اندم على ركوني المطمئن الى وجوده قربي، فلم ازره كثيرا. لاغترف من هذا المنهل الشفاف العذب.

منذ ان تعرفت بغائب في ذلك النهار الصيفي من عام 1969 الى ان وضعت كتفي تحت النعش الذي شيعناه فيه الى مثواه الأخير، ايضا في يوم صيفي من عام 1990، لم يفارقني الاحساس برهافة هذا الانسان وهشاشته، كان يخيل اليٌ ان هذا الجسم الصغير لا يزن شيئا، وضاعف من هذا الاحساس تواضع غائب الذي لا مثيل له لدى اصحاب المواهب والمبدعين، الذين كثيرا ما يعانون من تضخم (الانا) وتضخيم الذات. كان يتحاشى الحديث عن رواياته ولا يسألك رأيك في آخر أعماله، كما يفعل الادباء عادة، وعموما كان يعمل في صمت، بعيدا عن الاضواء، حتى انني كنت أستغرب وادهش حقيقة عندما أقرأ روايته الجديدة، ولا أكاد أصدق ان هذا الانسان الذي تراه في الطريق فلا يثير انتباهك ولا يشدك فيه شيء بارز ، هو الذي أبدع هذا العمل الادبي الاصيل، هذه التحفة الفنية الثمينة! وازددت حبا لغائب واشفاقا عليه عندما علمت بمرضه، الذي لم يترك في صدره الا بعض رئة، وتعمق الاحساس في قلبي بهشاشته وتضاعف الخوف واللهفة عليه، كما تخشى من تيار الهواء على مريض عليل او على ولد صغير يركض ويتعثر وهو مهدد بالسقوط في كل لحظة. لم أسأله مرة عن مرضه ولم يتحدث هو ابدا عن ذلك، لكننا كنا نعوده عندما ينزل المستشفى، فنتحدث ونضحك وننكت، وكأنما جئنا نزور شخصا معافى في داره. هذا الضعف الجسدي البالغ، هذه الهشاشة الخارجية الواهية، أيٌ قوة روحية كانت تخفي وراءها، وايٌ حب للناس والحياة والفن.

كانت صحيفة (انباء موسكو) السوفيتية قد بدأت تصدر في موسكو في تلك الايام باللغة العربية، وقد حاولنا نحن المجموعة العربية الصغيرة العاملة بها (سعيد حورانية وجيلي عبد الرحمن وسعيد مراد ورشيد رشدي وانا)  ان نبتعد بها عن النسخة الروسية الرسمية الكئيبة ونجعل منها شيئا مقروءا، فسعينا الى استكتاب الادباء العرب المقيمين في موسكو او الزائرين لها، ورحب غائب بالفكرة، ونشر مقالتين او ثلاثا ثم انقطع عن الكتابة منزويا في تواضع، دون مشاحنات او عتاب، وعلمت فيما بعد ان سوء الادارة وجهل المحرر الروسي باولويات عمل الصحيفة حزاٌ في نفس غائب، فتوقف عن الكتابة في صمت، وأذكر ان احدى المقالات كانت عن الطفولة، بمناسبة يوم الطفل العالمي، ولم أكن قد قرأت مقالات لغائب حتى ذلك الحين، رغم اني كنت على علم بماضيه الصحفي، حين كان يكتب لصحيفة (الاهالي) العراقية، ولكني أشهد واؤكد ان هذه المقالة القصيرة، التي لم تشغل في الصحيفة أكثر من عمودين، تركت في نفسي أعمق انطباع، وادهشني بهذا التركيز وتلك السلاسة وقوة العرض والعاطفة التي طبعت كل سطر فيها. أذكر مناسبة اخرى أذهلتني فيها قدرة غائب طعمه فرمان الفائقة على كتابة المقال او الصورة الصحفية الادبية، ذلك النوع من الكتابة الذي لا استطيع ان أجد لوصفه مصطلحا عربيا يماثل المصطلح الروسي (اوتشيرك) (بالمناسبة استخدم الناقد الادبي المعروف الدكتور محمد مندور هذه الكلمة الروسية ايضا). كان ذلك خلال حفل أقامه (الملتقى الثقافي العربي) في السفارة الفلسطينية بمناسبة الذكرى الثانية لانتفاضة الحجارة، وقد ألقى غائب طعمه فرمان كلمة مكتوبة عن فلسطين ترقى الى مرتبة الشعر، وكان أروع ما فيها روحها، ذلك السحر الخاص الذي يميٌز الكاتب المبدع عن المدعي والسطحي، ويضفي على الكلمات مسحة خاصة صعبة المنال الا لمن اوتي كلمة السر الالهية – الموهبة! كانت تلك الروح هي بالضبط (الشاعرية) التي عناها سعيد حورانية عندما كتب عن الفرق بين الشاعرية والغنائية فقال "ان الشاعرية هي موقف تجاه الحياة، اما الغنائية فهي نوع من اللعب اللفظي الذي يبحث عن قطعة تعطيه جرسا، أكثر مما تعكس واقع الحياة وتغنيه".

اما الشيء الاكثر مدعاة للدهشة، بل وللذهول، فهو كيف استطاع غائب، بهذا الجسد الضئيل العليل، وفي طقس موسكو القارس البرودة، وفي وحشة اجوائها على الغريب وضيقها بالاماكن المفتوحة واحكامها اغلاق الابواب على ساكنيها لاكثر من نصف السنة. كيف استطاع ان يواصل الكتابة بانتظام مثير، ويوالي اصدار الروايات، وفي الوقت نفسه يترجم اكثر من خمسين رواية من عيون الادب الروسي و السوفيتي؟! كيف استطاع غائب ان يعيش بجسده في الغربة وروحه في العراق ، ويكتب من الذاكرة عن ابناء العراق البعيدين عنه وكأنه يعيش بينهم. لقد قاوم غائب طويلا هذه الغربة الطويلة، وظل كالغاطس تحت الماء يستهلك ببطء مخزون الاوكسجين حتى نفذ، وعندئذ استخدم الهواء الاصطناعي المضغوط فكتب (المرتجى والمؤجل) عن ابناء العراق في الغربة لا في الوطن. ولكن هل نلومه؟ ألم يكتب قبلها (النخلة والجيران) و( خمسة أصوات) و(المخاض) و(القربان) و( ظلال على النافذة) وغيرها؟ أنا أزعم ان اصرار غائب على الكتابة عن العراق وهو في الغربة هي الرابطة الروحية لغائب بالوطن، القناة التي يتنفس منها تحت الماء وينفس بها عن الحنين المكتوم في الصدر الى ذلك الوطن البعيد، الذي تمثله بغداد. (في الليل كانت بغداد تنقلب الى جنة. كانت مثل فتاة ريفية حسناء قضت نهارها في حقل لاهب، وفي المساء نضت ثيابها على الشاطئ، واستحمت ساعة في نهر دجلة، ثم خرجت طرية ناعمة، واستلقت على الشاطئ تمشط شعرها، وتزين نحرها ومعصميها بالخرز الملونة، وتتملى في صفحة الماء.

سألته ذات مرة، كيف يستطيع التوفيق بين عمله الذي يأكل منه خبزه – الترجمة – وابداعه الروائي المنتظم، واين يجد الوقت لهذا وذاك، وفي نفس الحين للترفيه عن نفسه وحضور حفلات الجالية العراقية التي لا تنتهي! ضحك ضحكته المتواضعة المحببة، وقد أدرك مغزى الشطر الاخير من السؤال، ولكنه أجاب بصراحته المعهودة وببساطة متناهية "أنا استيقظ في الخامسة صباحا، أعدٌ فنجان قهوة واجلس الى المكتب حتى الثامنة اكتب الرواية. صفحة.صفحتين احيانا اكثر، ثم أفطر، وفي حوالي التاسعة اجلس لاترجم حتى الساعة الثانية عشرة او الواحدة، بعد ذلك أنا حر تماما، أذهب حيث أشاء وأسهر اين أشاء، ولكني حتما أعود الى البيت لاكون في الفراش قبل الثانية عشرة! سألته

- وهل تكفيك خمس ساعات نوم ؟

– تكفي، ولكني احيانا أنام قليلا بعد الغداء.

لا أدري ان كان غائب  سار على هذا النظام الصارم طوال وجوده في موسكو ام لا. ولكن الثابت من اصداره لهذا العدد الكبير من الروايات وترجمته الغزيرة من الادب الروسي انه كان يتبع نظاما دقيقا الى حد كبير، خاصة اذا راعينا ظروف مرضه الذي كان يعوقه عند الكد المنتظم. ومن الادباء الذين عرفتهم او تابعتهم لم أجد أحدا يتقيد بالنظام اليومي الدقيق سوى غائب طعمه فرمان ونجيب محفوظ ، وقد حطمت هذه الحقيقة الجديدة تصوري السابق الساذج عن الادباء والفنانين كقوم بوهيمين، يسهرون الليل وينامون النهار، ولا يدري أحد متى يبدعون. يقول بطل احدى قصص الروائي المصري بهاء طاهر عما تفعله الغربة بالانسان  "اظن ان الانسان لا يكون له بالفعل اصدقاء خارج بلده. لا يكون الانسان هو نفسه خارج بلده ليصادق كما يجب، او ليحب كما يجب. تتغير المشاعر. تأتي الاحزان ثقيلة، وتذهب الافراح بسرعة". ولكن غائب ذوٌب في مرارة كأس الغربة قطعا من السكر المصفى.هي رواياته، التي انتصر بها على قدره، كما كان الانسان الاول يرسم على جدران الكهوف صور الوحوش والحيوانات ليقهر بفنه البدائي خوفه منها، وينتصر عليها..ولو بتلك الخطوط البسيطة المعبرة، والتي بقيت لنا كشواهد على تلك المواجهات الجنونية المرعبة مع الوحوش التي روعت اجدادنا العزل الا من هراوات وقطع احجار. واذا كان غائب قد اتخذ من فنه سلاحا يقهر به غربته، فلا شك ان مأثرته الابداعية تتجاوز هذا الهدف بكثير، فعلاوة على قيمتها الفنية المستقلة بذاتها، فانها تقدم لنا، وللأجيال القادمة بصفة خاصة، صورا ومشاهد حيٌة معبٌرة عن هموم الاجيال الماضية من ابناء العراق وافكارهم، انتصاراتهم وهزائمهم، وستبقى روايات غائب شهادات تاريخية أقوى دلالة من المستندات والاحصائيات والتسجيلات مهما كانت دقيقة، فاذا كانت الاجيال التي عاصرت غائب طعمه فرمان تجد نفسها في هذه الشخصية او تلك من رواياته، فان الاجيال التالية والقادمة، التي لم تشهد تلك الاحداث، لن تجد نفسها في هذه الاعمال، لكنها ستجد فيها التسجيل الحي والدراما الواقعية لتلك السنوات، وستغرف منها من المعرفة اكثر بكثير مما ستاخذ من كتب التاريخ. وهذا هو الاعجاز الفني الشامخ للمبدع الراحل. وتلك هي المأثرة التي اجترحها غائب باعصابه المشدودة ، وروحه المعذبة، وجسمه السقيم..المأثرة التي ستعبر الزمن وتبقى مع الايام.

اريد ان استعير عبارة كتبها الاديب مكسيم غوركي عن انطون تشيخوف لاقولها عن غائب "يخيٌل اليٌ ان اي شخص احتك به كان يشعر لا اراديا بالرغبة في ان يبدو أبسط وأصدق وأقرب الى حقيقته". قد أكون قدمت صورة شخصية جدا عن غائب، ولعل لدى الآخرين الذين عاصروه واحتكوا به عن قرب صورا اخرى، ربما كانت مختلفة، لا بأس، فلكل رؤيته واحاسيسه، بيد اني على يقين من ان كل من عرفوا غائب طعمه فرمان عن قرب سيجمعهم في ذكرياتهم قاسم مشترك أعظم وهو أن غائب كان تجسيدا للرقة والتواضع والصدق، لم يكن فيه من الزيف ذرة، وكان شفافا صافيا كالغدير، فيه حلاوة تمر العراق وحزن نخيله المطرق. وعندما نرى الصرح الذي خلٌفه غائب في الادب العربي المعاصر، برواياته وقصصه الرائعة، نشعر نحن الذين عايشناه وحادثناه ورأيناه رأي العين، ان القدر قد اصطفانا بهذه النعمة وحبانا هذا الامتياز، فشكرا للاقدار، وشكرا لغائب الحاضر دائما في قلوبنا وذاكرتنا، الباقي ابدا في ذاكرة شعبه وأمته.

***

 

جيلي عبد الرحمن سنوات من الغربة

قضى الشاعر الكبير جيلي عبد الرحمن نحو عشرين عاما في موسكو ما بين 1960 حتى 1978، وهي بعض من سنوات الغربة التي قضاها متنقلا بين الجزائر واليمن وغيرها. وقد ترك جيلي أثرا كبيرا في الشعر العربي بديوانه الوحيد المطبوع "الجواد والسيف المكسور" الذي كسر فيه عمود الشعر التقليدي واختط لنفسه طريقا خاصا كأحدى أهم العلامات البارزة في تطور الشعر. لكن صفحة أخرى من ابداع جيلي وحياته ما زالت مجهولة وأعني تجربة جيلي الفريدة حينما تولى ترجمة بعض الشعراء الروس إلى العربية على نحو رائع.

وقد تعرفت على جيلي عبدالرحمن لأول مرة ـ أو بالأحرى رأيته ـ في أحدى القاعات بموسكو عام 1963 في مهرجان شعري. وكنت قد لمحته من قبل مع الشاعر الراحل أيضا نجيب سرور قبل ذلك بسنة في أحدى محطات مترو الأنفاق بموسكو لكني لم أقترب منهما ـ رغم شوقي للتعرف ـ لجفوة كانت بيني بين المرحوم نجيب سرور الذي كان يدرس الاخراج المسرحي في موسكو آنذاك وكانت بيننا صداقة ومودة شابتها في تلك السنة سحابة عابرة.

في ذلك المهرجان الشعري رأيت جيلي: تلك القامة النحيلة التي سبق أن رأيتها في محطة المترو، وذلك الوجه الاسمر الممتلئ قليلا في شبه استدارة، والعينين الخفيضتي النظرة عن حياء داخلي واحساس بالخجل (لا لذنب ارتكبه كما أدركت فيما بعد ولكن خجلا مما يرتكبه الآخرون). وكانت على أحدى مقلتيه بقعة زرقاء حرمته النظر وزادته انطواء. في تلك القاعة القى جيلي أحدى قصائده المعروفة وهي "لوركا". وما أن صعد جيلي إلى المنصة حتى تحول في لحظة واحدة إلى كتلة ملتهبة من العواطف مشحونة بطاقة تتفجر قوافي وايقاعات مدوية كصوت الرصاص وطبول الحرب الافريقية. وبدا للسامعين كأنه لا شئ في العالم يستطيع الوقوف بوجه هذا السيل الجارف من الشعر اللاهب المنطلق كحمم البراكين من فم جيلي بينما تتردد بين الفقرة والأخرى قاطعة كأمر عسكري "شدوا على الزناد"!

دوت القاعة بتصفيق هادر عاصف وظلت الاكف مشتعلة به طويلا. ونسيت نفسي في تلك اللحظة فقد أصبحت ذرة في هذا الخضم الجياش. وهتفت القاعة بحرارة تطالب جيلي بإعادة القاء القصيدة. وبعد تردد وحياء صعد جيلي إلى المنصة مرة أخرى ليتحول ثانية إلى لهب يصهرنا معه في أتون الايقاع والصور.

من يومها أحببت جيلي عبد الرحمن الشاعر الفطري العذري كغابات افريقيا، الأسمر كمياه النيل والعذب مثلها والذي كان رغم كل ما يحمله من هموم ـ وبعد ذلك من أمراض ـ حاضر النكتة يعشق "القفشة" ويجيد اقتناصها. لكن معرفتي وصداقتي الحقة مع جيلي لم تترسخ إلا بعد ذلك بسنوات وتحديدا في بداية 1969 عندما تقرر اصدار صحيفة "أنباء موسكو" الروسية باللغة العربية فوقع الاختيار علي كمحرر مسئول عن الصفحة الادبية وعلى جيلي عبد الرحمن والمرحوم الاديب السوري سعيد حورانية لتصحيح ما قد يشوب الترجمة من أخطاء وانتقاء العناوين وكتابة مقدمات للمقالات إلخ. وعملنا معا ثلاثتنا في هذه الصحيفة جنبا إلى جنب خمس سنوات كنا نلتقي خلالها يوميا في العمل وفي احيان كثيرة في بيته او بيتي بعد العمل. وكان جيلي آنذاك يحضر الدكتوراه تحت اشراف الدكتور جريجوري شرباتوف بمعهد الاستشراق في موضوع أثير لديه "القصة العربية والسودانية". خلال هذه السنوات وما بعدها ـ حتى عودة جيلي الاخيرة إلى مصر حيث انتقل لمثواه الاخير ـ توطدت بينا صداقة لا تشوبها شائبة. وتعرفت في جيلي إلى قطرة مصفاة من العذوبة والرقة ورهافة الاحساس، فكان لا يفارقني الشعور بأنه يمشي بين الناس بأعصاب عارية تجرحها اية نسمة. وكنت أبدو له في أحيان كثيرة دعامة قوية في مواجهة شظف الحياة وعنف الطباع.

وأذكر مرة أنه حصل على مكافأة مالية كبيرة على ترجمة ديوان الشاعر الكازاخي "أباي" وكنت بحاجة إلى مبلغ من المال فطلبته منه وأنا على يقين أنه لن يتأخر خاصة أن أياما قليلة لم تنقض على استلامه المكافأة. وفوجئت به يقول لي إنه لا يملك سوى مائتي روبل من بضعة الآف استلمها! واوضح لي جيلي أن الطلبة السودانيين الدراسين في موسكو ـ وكان بيته يغص بهم على الدوام ـ "أخذوا الفلوس"! ودهشت لهذا الشخص الذي يوزع في ايام قلائل عدة آلاف من الروبلات على الطلاب الفقراء دون أمل في استردادها. ولكن أليس هو نفسه جيلي عبد الرحمن القائل:

"خلينا الدنيا للمفتون . وعفنا المــال

وسرحنا في خرقتنا . نقتات الاهوال"؟

أليس هو الذي أعطيته ذات مرة قصة مؤثرة بعنوان "عيد الميلاد" كنت ترجمتها لأديب روسي وعند الصفحة الأخيرة رأيت الدموع تنساب من عيني جيلي بغزارة تاثرا بالقصة. وقلت له من باب التخفيف عنه وصرفه عن الحزن: "متى عيد ميلادك يا جيلي؟" فقال وهو يغالب بقايا الدموع بنبرة شابتها روح الفكاهة:" لو كنت أعلم متى ولدت! خليها على الله!". لم أدهش لأنني ايضا من بيئة قروية وكان كثير من المواليد حينذاك لا يسجلون في الدفاتر الرسمية. وقلت له ملتقطا الفكرة التي ظهرت لتوها: إذاً فليكن عيد ميلادك اليوم ولنحتفل به! ولم يمانع جيلي وصرنا نحتفل بعيد ميلاده الذي تخيرناه صدفة.

في أواسط السبعينات أدركت أن جيلي قادر على نقل روائع الشعر الروسي إلى المكتبة العربية شعراً خاصة قصائد الشاعرين الكبيرين الكسندر بوشكين وميخائيل ليرمنتوف لو توفرت له الترجمة الحرفية الأمينة خاصة أنه درس الأدب الروسي في معهد غوركي للآداب وأصبحت صلته باللغة الروسية قوية ولكن ليس بالقدر الذي يسمح له بالترجمة بدون مساعدة. وعرضت عليه لأن نشترك في هذا العمل الجليل فأقوم أنا بإعداد الترجمة النثرية ويقوم هو بصياغتها شعرا. وشجعني في ذلك بعض النماذج التي قدمها جيلي في ترجمته للشاعر نيكولاي تيخونوف كتبها خلال حصار مدينة ليننجراد الرهيب الذي دام تسعمائة يوم وترجمها جيلي على النحو التالي:

" شجيرتي المتجمدة

شجيرتي المتجمدة

تناثر الرماد في الكهوف

على الشطوط الجهمة المستوحدة

وانت تنشجين كالأمواج، كالعزيف

شجيرتي المتجمدة

ينيخ فوقك الظلام والسكون

وأنت تحبسين الدمع، تذرفين

وتعبق الدماء في العيون الجامدة

يا أفرعي الخضراء.. أصدقائي

وأنت تهجعين في العراء

أسقيك من دمائي

في العاصف الشتائي!

رحب جيلي بالاقتراح وتحمس له، لكن بيته المفتوح الغاص دوما بالاصدقاء والمعارف وحتى بغير المعارف، ومشاغل الحياة والمرض حالت دون انجاز ذلك المشروع. كان جيلي مسرفا في عطائه للآخرين على حساب ابداعه الشخصي وكثيرا ما عاتبته على هذا الاسراف. وكنت أرى كيف يغترف الكثيرون بلا رحمة من هذا المورد العذب السيال غير عابئين بما يبقي أو لا يبقي منه للشعر بعدهم. لكن جيلي كان يرد على عتابي بنظرة صامتة خجولة حيية كأنما يقول "لا أستطيع غير ذلك"!

في السنوات الأخيرة اشتد المرض على جيلي وكان يلزمه الفراش بالاسابيع وأحيانا بالأشهر، وأحس أنه عبء على الصحيفة التي تصدر اسبوعيا. وفي تلك الفترة كنت قد انتقلت للعمل بدار التقدم للترجمة والنشر ولم تكن طبيعة العمل فيها تستوجب الحضور يوميا فرأيت أنها فرصة مناسبة لنقل جيلي أيضا إلى هناك. ومن هذه الدار صدرت ترجمة جيلي عبد الرحمن لأشعار الشاعر الكازاخي "أباي" وديوان "اشعار مقاتلة" الذي شاركته انا والدكتور ماهر عسل ترجمته إلى العربية. وأفسحت الدار المزيد من الوقت لجيلي فكنت كثيرا ما أناقشه في قضايا الشعر الحديث والمهام الجديدة التي يواجهها بعد أن كسر عمود الشعر التقليدي وقدم شعراؤه ـ ومنهم جيلي ـ نماذج رائعة للقصيدة الحديثة. وكان جيلي في شعره مزيجا فريدا من الرومانسية والواقعية كان شعره تجسيدا للأغنية الوجدانية الداخلية بطابعها العميق الذاتية، وفي الوقت نفسه كان جيلي عبدالرحمن يسلك دروبا واقعية تبعده عن شعراء الرومانسية المهومين في بحار ذواتهم وعوالمهم المنفصلة عن الحياة. ومع أعجابي الشديد بقصائد جيلي ذات الطابع الحزين فقد كنت أتمنى لو استطاع أن يخرج من الإطار الفني للقصيدة الوجدانية الغنائية إلى رحابة الشعر الدرامي والقصصي الذي درسنا معا في موسكو أعظم نماذجه لدى كبار الشعراء الروس في القرن التاسع عشر مثل الكسندر بوشكين وميخائيل ليرمنتوف ونيكولاي نيكراسوف والكسندر بلوك، ثم شعراء القرن العشرين العظام فلاديمير مايكوفسكي وسيرغي يسينين وآنا أخماتوفا وغيرهم. وكنت أود لو استطاع جيلي بموهبته الشعرية الفذة أن يقدم لنا تجربة وطنه بماضيه العتيد وحاضره المأساوي في ملحمة شعرية سواء مسرحية أو رواية شعرية أم خليط من هذا وذاك. لكن جيلي لم يكن يجيد العزف على آلات الأوركسترا الغربية وظل لصيقا بنايه الأسمر الشجي الحزين ولست أدري الآن إن كنت على حق أم لا آنذاك في دفعي لجيلي إلى أحضان الثقافة الأوربية والأجناس الأدبية البعيدة عن طبعه وعن فنه. وأتساءل: ترى لو استجاب لدعوتي وانتقل إلى "الشارع الغريب" هل كان سيبقى هو نفسه جيلي عبد الرحمن الذي عرفناه وأحببناه؟ وهل كان سيظل محتفظا بعذرية الأرض السمراء ونخيلها المطرق وبيوتها وقراها؟ لقد ظل جيلي في دائرته التي كانت تتلامس وتتقاطع وتحتك بخطوط الدوائر الثقافية الأخرى الروسية والغربية والآسيوية دون أن تتحد مع أي منها. وربما كان ذلك دفاعا تلقائيا لا شعوريا تذود به موهبة الشاعر الأسمر عن أصالتها وخصوصيتها وتفرد تجربتها. وكانت لقاءات وأحاديث كثيرة بهذا الصدد وبغيره تجمعنا مع جيلي عبد الرحمن ونجيب سرور وتاج السر الحسن وعبد الوهاب البياتي ومواهب الكيالي بل وغائب طعمة فرمان ومحمد مهدي الجواهري، وكانوا قد اجتمعوا في فترة واحدة في موسكو في الستينات والسبعينات، وفي فترة لاحقة حل على ضيافة موسكو عبد الرحمن الخميسي وسعيد حورانية وسعيد مراد. وكنا نحن الذين جئنا من بلادنا لندرس الأدب نشعر بمتعة حقيقية من التواصل مع أدب هؤلاء المبدعين الكبار ونتابع انتاجهم أولا بأول في الندوات والأمسيات الشعرية والنثرية التي كانت تقام بكثرة آنذاك. وأعتقد أن أولئك المبدعين أنفسهم كانوا يشعرون بتلك المتعة التي أحسسنا بها وهم يلتقون بجمهورهم الحي الذي يبدي لهم آيات العرفان. وكانت تلك الأمسيات بالنسبة لهم قطرات ـ ولو شحيحة ـ من ينابع الوطن في سنوات الغربة. لكن القطرات أخذت تشح شيئا فشيئا حتى غاضت وأناخت الغربة على جيلي عبد الرحمن بثقلها، وتقوقع جيلي يحتمي بصدفة شعره، وراحت تطل من قصائده اشباح الراحلين الأعزاء من الأصدقاء والمعارف والأهل. وازدادات وطاة المرض عليه فعاوده احساسه القديم بأنه "عبء" وأصبحت موسكو التي قضى فيها زهاء العشرين عاما ضيقة عليه، وبدت له ضائقة به، ولاحت بوادر أزمة ابداعية كانت انعكاسا لأزمة العلاقة مع الواقع المحيط.

حينذاك، وفي نهاية السبعينات، أخذت أشجع جيلي على الرحيل عن موسكو والاقامة في أي بلد عربي إدراكا مني أن جيلي أصبح في مسيس الحاجة إلى محيطه العربي ليسمع فيه ايقاع اللغة التي يبدع بها ولكي يتواصل مع مبدعين مثله أو شبان واعدين  سيحبونه وسيمنحهم هو من ذاته ومن عطفه الكثير "دون ثمن، دون حساب الربح والخسارة" على حد قول الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور. وكانت مصر والسودان هما الاقرب إلى قلبه لكنه كان ممنوعا من دخولهما آنذاك ومن ثم اتجه إلى جنوب اليمن حيث قام بتدريس الأدب في جامعة عدن. وبعدها بسنوات انتقل إلى الجزائر التي عانى فيها كثيرا واستمتع كثيرا بصحبة أدباء وشعراء وفقراء جزائريين أحبوه وأعزوه وفي مقدمتهم الأديب الطاهر وطار. وكان جيلي يعود إلى موسكو فترة الأجازات فنلتقي كثيرا ونستعيد الذكريات ونحلم بمشاريع لم يقيض لها أن تتحقق. في مقدمة أحلامنا كان اصدار ديوان جيلي الجديد وكنت أحثه كثيرا على جمعه واصداره خاصة أنني كنت حينذآك أتردد على بيروت وكانت مطابعها ودور النشر فيها على أتم الاستعداد لنشر ديوان كهذا. وأكد لي جيلي بدوره أن دور النشر في عدن وأماكن أخرى ترحب بل وتحثه على جمع قصائده لنشرها. لكني لم أقرأ حتى الآن هذا الديوان. ولا أدري إن كان أحد بعد موت جيلي قد اعتنى بجمع تراثه ونشره أم لا. الديوان الوحيد الذي قرأته لجيلي كان في أواسط الستينات في القاهرة بعنوان "الجواد والسيف المكسور" وبقدر ما سعد جيلي بهذا الديوان بقدر ما عانى من الحزن والقهر بسبب الأخطاء المطبعية الفادحة التي أنتشرت فيه. وأقول الديوان الوحيد باعتباره العمل المستقل بعد ان صدر ديوان جيلي الأول مشتركا مع تاج السر الحسن.

وأيا كان الأمر، وسواء طبعت دواوين جيلي أم لا، فسيبقى جيلي عبد الرحمن حيا في ذاكرة بل في قلب كل من عرفه وعايشه واستمع إلى شعره ولو مرة، فقد كان تجسيدا لمعاني العطاء والتفاني، وكانت حياته كلها التزاما دائما بقضايا الفقراء والمضطهدين، وكان شعره تعبيرا عن هذا الالتزام بشفافية عذبة وعمق وعذوبة تعلو به إلى مصاف كبار الشعراء المبدعين. 

***

نجيب سرور... مأساة العقل

"قل للمهرجين المجانين: لقد ضاعت أرزاق أهل

الفكاهة والمجون. ضاعت لأن أهل العقل أنفسهم

قد أصبحوا من المجانين. خلطوا في تصرفاتهم

وارتكبوا الاعمال الشاذة، فأضحكوا الناس جميعا"

(المهرج في مسرحية "الملك لير" لشكسبير)

في أواخر ديسمبر 1978، وكان نجيب سرور قد فارق الحياة منذ بضعة أشهر، وصلني آخر دواوينه (رباعيات نجيب سرور) مرسلا إلي مع رسول من القاهرة. وحينما قرأت كلمات الإهداء: " إلى ولدى وأخي وعزيزي أبو بكر يوسف. نبضات من حبنا المشترك لمصر" داهمني إحساس طاغ بأنها رسالة بعث بها نجيب إلي من العالم الآخر، حيث استقرت أخيرا روحه الحائرة المعذبة! كان الإحساس واقعيا إلى درجة أرعبتني. ولم أستطع التخلص من وطأته إلا بعد تحامل على النفس أعادني إلى توازني الذي كدت أفقده... وانهالت الذكريات.

في عام 1959، وكنا مجموعة صغيرة السن من مبعوثي "الجمهورية العربية المتحدة" ندرس في كلية الآداب بجامعة موسكو، جاءني زميلي السوري عدنان جاموس، وكان أنضجنا خبرة  وأكثرنا معرفة بشؤون الحياة والأدب، بعدد من  مجلة  "الآداب" البيروتية  قائلا: هل قرأت هذه القصيدة؟ وللصراحة فقد كنت أرى هذه المجلة لأول مرة، إذ غادرت مصر إلى موسكو عام 1958 بعد أن أنهيت الدراسة الثانوية لتوي، وعمري 18 سنة، وكانت قراءاتي خارج المنهج المدرسي لا تكاد تحيط بما يصدر من روايات وقصص، فلم يبق للمجلات الأدبية وقت أو نقود. كانت القصيدة بعنوان " التراجيديا الإنسانية" لشاعر لم أسمع به من قبل هو: نجيب سرور. وكان مطلعها لافتا وجاذبا:

كانوا قالوا: إن الحب يطيل العمر..

حقا، حقا.. إن الحب يطيل العمر!

حين نحس كأن العالم باقة زهر،

حين نرق كبسمة فجر،

حين نشف كما لو كنا من بلور،

حين نقول كلاما مثل الشعر،

حين يدق القلب كما عصفور،

يوشك يهجر قفص الصدر،

كي ينطلق يعانق كل الناس...      

كانت قصيدة مختلفة عن كل ما قرأت حتى ذلك الحين، وأثارت في نفسي العديد من الأسئلة... سألت زميلي عن هذا الشاعر فقال إنه مصري، وهو هنا في موسكو، فأبديت تشوقا للتعرف به. فوعدني عدنان الغامض، الذي بدا لي آنذاك لغزا لا يفصح إلا عن قليل مما يعرف، بأخذي معه إلى نجيب سرور في المدينة الجامعية الجديدة لجامعة موسكو على تلال لينين، وكنا نحن نسكن في المدينة الجامعية القديمة على أطراف موسكو. في نفس المبنى الذي كان يسكن فيه قبلنا ببضع سنوات ميخائيل جورباتشوف عندما كان طالبا في الجامعة.

استقبلنا نجيب سرور بابتسامة عريضة كشفت عن فجوة وسط أسنانه العليا (علامة الشبق!). وكان حاجباه معقودين بتقطيبة طبيعية، وعيناه الضيقتان، الشديدتا الذكاء والمكر، تشعان بالمرح والثقة بالنفس، وتنقل إليك إحساسا بأن صاحبهما ينظر إلى ما حوله ومن حوله نظرة فيها الكثير من السخرية والمرارة الدفينة. وكان ثمة تناقض صارخ بين هذا الوجه البشوش الممتلئ والضاحك، وهاتين العينين بنظرتهما الثاقبة والساخرة.

لفتت نظري في ذلك اللقاء تفصيلة خارجية. فقد كان الحاكي يعمل طوال جلستنا، ونجيب يغير الأسطوانة بين الحين والحين، وكانت كلها موسيقى كلاسيكية لموسيقيين لم أكن سمعت حتى بأسمائهم. وكنا قد تعودنا منذ صغرنا أن نسرع بإغلاق المذياع أو تحويل المحطة ما إن يعلن المذيع عن فاصل من الموسيقى الكلاسيكية التي لم نكن نفهمها بنغماتها "المشوشة" التي لا تسير على إيقاع واحد، بل "تزعج" آذاننا الشرقية بهذا التخبط بين الأنغام صعودا وهبوطا، طولا وقصرا، ونحن  نبحث فيها عبثا عن مستقر للإيقاع المطرد المطرب! وأسارع فأقول إنني مدين لنجيب سرور بتعرفي على الموسيقى الكلاسيكية الروسية والغربية وتذوقي لها. فمنذ ذلك اليوم، وطوال وجوده في موسكو، كان نجيب يعلمني كيف أتذوق اللحن الغربي، ويشرح لي مواضيع السيمفونيات، ويلفت انتباهي إلى هذه النغمة أو تلك، وإلى خصائص الأسلوب الموسيقي لهذا الموسيقار أو ذاك. كان يفعل ذلك بتلقائية وحماسة وحب غير مصطنع للموسيقي جعلني لا أشعر بأنني تلميذ في حضرة معلم. وعندما سألته عن سبب تعلقه بالموسيقي الكلاسيكية قال إن المخرج - وكان نجيب سرور قد جاء في بعثة حكومية لدراسة فن الإخراج المسرحي - ينبغي أن يكون، على اطلاع واسع بكافة ألوان الثقافة والفنون، لأن المسرح هو مجمع الفنون، والجهل أو قلة الدراية بأي لون منها يؤثر سلبا على قدرات المخرج الإبداعية وعلى مستوى حرفيته.

ومنذ أن تعرفت بنجيب سرور أحسست أنني مشدود إلى هذه الشخصية الفذة كقطعة حديد إلى مغناطيس قوي. كان فارق السن بيننا غير كبير، إذ كنت في العشرين، وكان هو في أواخر العشرينات، ولكن الفارق فيما عدا ذلك كان هائلا. كان نجيب - بالنسبة لي على الأقل - كنزا لا يفنى من المعرفة، وشخصية متعددة المواهب إلى درجة خارقة. فقد كان ممثلا، وشاعرا، ومخرجا، وناقدا، وكاتبا. وكانت معرفته بالأدب العربي والغربي واسعة. ولكثرة ما لاحظت في أشعاره من استشهادات بالتاريخ والأساطير المسيحية ظننته في بداية تعارفنا مسيحيا، خاصة وأن الاسم (نجيب سرور) أقرب إلى الأسماء المسيحية في مصر. وتحرجت أن أسأله، ولكنه ملأ أمامي ذات مرة استمارة إقامة فرأيت جواز سفره، وكان اسمه فيه: محمد نجيب محمد سرور هجرس! وفيما بعد لمست كيف كان يستلهم في أشعاره التاريخ والأساطير الفرعونية والإغريقية والشعبية المصرية والفلكلورية العربية، إذ كانت الروافد الثقافية المختلفة تمثل لدى نجيب نهرا إنسانيا عريضا يغترف منه كيف يشاء. أما الانتماء الديني فكان مسألة تركها وراء ظهره!

وكان نجيب شخصية معقدة، ولكنها في غاية الغنى والعمق، منطلقة ومرحة إلى أقصى حد. كان لا يكف عن إلقاء النكت و"القفشات" الفورية، بنت الساعة. وحتى في ذروة الجد واحتدام النقاش كانت القفشة تفلت رغما عنه، فينفجر الحاضرون بالضحك، وينفرط عقد التزمت والجدية. ولم يفلح نجيب في تعلم اللغة الروسية حسب القواعد، فكان  يخلط خلطا شديدا بين حالات الإعراب الست في اللغة الروسية، حتى أشاع أنه اخترع حالة جديدة، سابعة، للإعراب، هي الحالة التي يتكلم بها! ولكنه كان دائم القراءة بالروسية ودؤوبا - كتلميذ - في استخراج معاني الكلمات الجديدة عليه من القواميس، وكأنما كان يريد أن يسبق الزمن ليطلع على الأدب الروسي بلغته الأصلية. وعندما يعجبه كتاب، سواء في الأدب أم في الفلسفة أم في التاريخ، كان ينكب عليه وينقطع له، فلا ينام أحيانا عدة أيام ولا يأكل إلا لماما، ولكنه لا يكف عن تناول الشاي والقهوة. ويظل في هذه الحمأة، وهذا التوتر الذهني والعصبي حتى يفرغ من قراءة الكتاب المكتوب بلغة لا يكاد يعرفها! وتلك كانت إحدى خصال نجيب سرور التي عرفتها فيه فيما بعد.

وكان نجيب سرور لا يكتب الشعر كثيرا. قصيدتين أو ثلاثا في السنة. ولكنه كان يعاني مخاض القصيدة بالأسابيع. يكتب ويشطب ويمزق، ويشرد كثيرا، يدندن لنفسه بإيقاعات ما، وأحيانا يصبح غير قادر على تحمل هذه الحالة النفسية وحده، فيبوح لي بمطلع القصيدة أو ببضعة أبيات منها، وكأنما ينفس عن زفرة جاش بها صدره.

ولم يكن لنجيب سرور مثيل في إلقاء الشعر، وشعره خاصة. وقد اجتمعت له ملكة الصوت الجهير العميق، المتوسط النبرة ما بين "الباص" و"التينور" مع القدرة على التحكم بمخارج الألفاظ التي اكتسبها عن دراسة في المعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة. لم يكن يقرأ الشعر بل يمثله، مؤديا بصوته أدوار الشخصيات المختلفة إذا كانت القصيدة درامية، أو مختلف العواطف، إذا كانت القصيدة وجدانية. وحتى الأبيات العادية، التي ما كانت لتحرك فيك أحاسيس قوية لو قرأتها بنفسك، كانت تنبض بالمشاعر الجياشة في إلقاء نجيب سرور وبصوته المتفرد، وتهزك إلى الأعماق. وقد عرفت شعراء عديدين لا يجيدون إلقاء شعرهم، فيضيعون الكثير من جماله ويهدمون بصوتهم ما بنته قريحتهم...

كنا نلتقي ثلاثتنا - نجيب وعدنان وأنا - في مقهى من مقاهي موسكو، حيث يختلف الجو عن مثيله في المقاهي الشرقية. فالمكان هنا مغلق دائما، بسبب الجو البارد، وهو أقرب إلى المطعم منه إلى مقهى المشروبات الشرقي، والرواد يأتون ليأكلوا ويشربوا يرقصوا. أما نحن فكنا نختار طاولة في أحد الأركان، وننفصل بها عن كل ما يحيط بنا من  صخب الموسيقى وضجة الأطباق والملاعق، وشهقات الثمالى، ونظرات الشقراوات الداعية، ودقات أحذية الراقصين المدوية. كان نجيب يقرأ لنا من أشعاره، ونحن نصغي إليه فاغري الأفواه، وعندما يلقي قصيدة حزينة كقصيدة " أبي" (والد نجيب) الذي ضربه الإقطاعي أمام ابنه (نجيب) كان صوته يتهدج، وتنساب الدموع على خديه، وما إن ينهي القصيدة حتى نهب لعناقه وتقبيله ومواساته، والدموع تسيل على خدودنا أيضا!...

وكنا لا نغادر المكان إلا بعد انفضاض جميع الرواد وجمع الكراسي والمفارش، وتقريبا بعد طردنا طردا وإطفاء أضواء الصالة، بينما نحن مندمجون مع أشعار نجيب سرور، غير عابئين بما يفعله خدم المقهى لإجبارنا على الانصراف. وفي ليالي الصيف القصيرة في موسكو، إذ يحل الفجر في الثانية صباحا وتشرق الشمس في الرابعة، كنا نمضي متسكعين في شوارع موسكو النظيفة والخالية، وخاصة في وسط المدينة، ونجيب يواصل إلقاء أشعاره تحت تماثيل الشاعرين بوشكين وماياكوفسكي والأمير يوري دولجاروكي مؤسس موسكو. ونظل نضرب في الشوارع حتى الساعة السادسة، موعد افتتاح محطات المترو، لنستقله في اتجاهين متعاكسين: هو إلى المدينة الجامعية الجديدة، وعدنان وأنا إلى المدينة القديمة...

وسرعان ما أصبحت راوي أشعار نجيب سرور في مجموعة الدارسين المصريين والسوريين في موسكو. ورحت أقلده في طريقة إلقائه المتميزة، ونجحت في ذلك إلى حد ما، فقد لاحظت أن السامعين كانوا يعجبون لا بالأشعار فحسب، بل وبطريقة إلقائي لها. وشيئا فشيئا تجمعت حول نجيب سرور مجموعة من الطلاب الشباب المصريين والسوريين، فانتعش وارتفعت معنوياته، وبدأ يخرج من عزلته التي كان قد ضربها على نفسه عند مجيئه إلى موسكو، لاقتناعه - كما قال لي فيما بعد - بأن المبعوثين المصريين آنذاك (عام 1959) كانوا منتقين بعناية من أجهزة المباحث بحيث لا يفلت منهم تقدمي واحد. أما هو فأفلت بأعجوبة، لأنه وصل إلى موسكو في قمة الحملة المعادية للشيوعية في "الجهورية العربية المتحدة"، وهي حملة صاحبت إقامة الوحدة بين مصر وسوريا. ولعبت هذه الصدفة دورا مأساويا في حياة نجيب سرور في موسكو.

فما أن أفصح نجيب سرور عن انتمائه للفكر الماركسي، وأشاع أنه كان عضوا بأحد التنظيمات الشيوعية في مصر (جماعة حد تو) حتى وجد نفسه محاصرا بشكوك وريب قوية من قادة التنظيمات الشيوعية العربية في موسكو، وخاصة تنظيم الحزب الشيوعي السوري الذي كان يقوده في موسكو أحد أعضاء اللجنة المركزية للحزب اللاجئين إلى الاتحاد السوفييتي. وكان مبعث الريبة هو : كيف يتمكن شخص يقول إنه شيوعي من المجيء إلى موسكو في هذه الفترة بالذات، ويفلت من أجهزة المباحث المصرية التي كانت في أوج عنفوانها، بل وفوق ذلك يأتي طالبا في بعثة حكومية!

وفي محاولة منه لتبديد هذه الشكوك جنح نجيب إلى التطرف، فلجأ إلى تشكيل مجموعة من " الديمقراطيين المصريين" لإصدار البيانات واتخاذ المواقف المعادية للنظام الحاكم، واستغل ذات مرة فرصة انعقاد أحد المؤتمرات التضامنية مع الشعب الكوبي في جامعة موسكو فقفز إلى المنصة واستولى عليها، وأطلق بيانا ناريا ضد "النظام القمعي الديكتاتوري" في مصر وسوريا. وبينما هدرت القاعة المملوءة عربا وأجانب بالتصفيق ظهر الحرج والضيق على أوجه المسؤولين في الجامعة، الذين وضعهم نجيب في ورطة شديدة. ونجحوا أخيرا في تنحيته عن المنصة ولكن بعد فوات الأوان! ففي اليوم التالي احتجت السفارة المصرية على جامعة موسكو، وفصل نجيب سرور من البعثة (هو وماهر عسل الذي ترجم له البيان وألقاه بالروسية)وألغي جوازا سفرهما، وطالبت السلطات المصرية المسؤولين السوفييت بترحيل نجيب سرور وماهر عسل إلى القاهرة فورا !

بهذه الحركة نجح نجيب في كسب ثقة الشيوعيين العرب في موسكو فدافعوا عن بقائه فيها وتكللت مساعيهم لدى السلطات السوفييتية بالنجاح فظل نجيب في موسكو، ولكنه نقل إلى مدينة جامعية أخرى حتى لا يحتك بالمبعوثين المصريين الهائجين ضده. وبمرور الوقت أدرك نجيب أنه ارتكب حماقة، ولم يعد يدري ماذا يفعل بهذه المجموعة الصغيرة التي التصقت به. واعترف لنا صراحة أنه لا يفقه شيئا في السياسة، وأنه لا يريد أن يلحق بنا الضرر، ولذلك قرر تركنا والانصراف إلى الدراسة، ونصحنا أن نحذو حذوه.

حتى ذلك الحين لم أكن قد أدركت مدى تعقد شخصية نجيب فأزعجني منه هذا السلوك الذي اعتبرته "غير رجولي"، ولم أستطع أن أفهم سبب هذه الأزمة التي داهمته في الوقت الذي بدا وكان أموره تسير إلى الأفضل بعد تبدد سحب الشكوك فيه وانتصاره في المواجهة مع السلطات المصرية وفشل الضغوط التي مورست ضده. وأخذ نجيب يبتعد عنا ويغرق في الشراب والديون. وفي هذه الفترة بدأ يكتب  قصيدة "العودة" التي أورد مقاطع منها في ديوانه "لزوم ما يلزم"، وهي قصيدة مغرقة في اليأس والضياع والحنين إلى الوطن :

"يا مصر يا وطني الحبيب!

يا عش عصفور رمته الريح في عش غريب،

 يا مرفأي آت أنا آت.. ولو

في جسمي المهزول آلاف الجراح..

 وكما ذهبت مع الرياح..

يوما أعود مع الرياح..

ومتى تهب الريح؟ أو هبت..

 فهل تأتي بما يهوى الشراع؟

 ها أنت تصبح في الضياع..

في اليأس.. شاة عاجزة..

ماذا لها إن سلت السكين غير المعجزة؟!"…

وهجر نجيب سرور المسرح الذي كان يدرس فيه تحت إشراف المخرج الكبير نيكولاي أخلوبكوف متعللا بأن أخلوبكوف مخرج شكلي يهوى المؤثرات الصوتية والضوئية ولا يغوص في أعماق النص المسرحي. وقد شاهدت بالفعل مسرحية " "هاملت" من إخراج أخلوبكوف فأصم أسماعنا دوي الطبول في أوركسترا المسرح، و أغشت أبصارنا الأضواء الباهرة التي كان يسلطها على الصالة. ومع ذلك فلم يكن هذا هو السبب الحقيقي الذي نفر نجيب من دراسة المسرح، وإنما كانت الأزمة الحادة التي أخذت تتفاعل في أعماقه، والتي لم أستطع – رغم كل ما بذلت من جهد آنذاك – أن أدرك  أسبابها وبواعثها. كنت لا أرى غير ظاهرها: الإغراق في الشراب، اليأس المطبق، الإحباط المطلق. كل ما استطعت أن أدركه هو أن إغراقه في الشراب كان الوسيلة التي لم يجد سواها للهروب من أزمته. وذات مرة سألته مستنكرا – وكنت أجالسه في أحد المطاعم:

- لماذا يفرط في الشراب إلى هذا الحد؟

-  لكي أنسى!

-  وما الذي تريد أن تنساه؟

- وهل تراني أذكر! (أجاب بروح دعابته الحاضرة دائما)

في أواخر فترة وجوده في موسكو، حوالي عام 1963 بدأ نجيب يكثر من الحديث عن النفوذ اليهودي الصهيوني في الاتحاد السوفييتي. واستنكرنا منه ذلك بشدة، إذ كنا نعيش "عصر الأممية"، ولم نصدق أن الاتحاد السوفييتي العظيم يمكن أن يكون خاضعا للنفوذ الصهيوني، واعتبرنا - أنا وزملائي -  أن نجيب يغالي كعادته، وخاصة في ظل تفاقم أزمته الشخصية. وبعد ذلك بسنوات أدركت مدى صواب ما يقال عن عين الفنان التي ترى ما وراء الظاهر و تغوص إلى أعماق الأشياء، وتكشف لنا مالا نراه، مثل عيني زرقاء اليمامة! وأنا لا أريد هنا أن أقول أن نجيب سرور كان محقا تماما آنذاك، ولكنه رأى بوادر الظاهرة التي لم تتكشف لنا إلا فيما بعد.

ثم وقعت الحادثة التي وضعت نهاية لبقاء نجيب سرور في موسكو...

كان يسامر أحد الأصدقاء اليمنيين في مطعم فحدثت مشاحنة بينه وبين أحد الرواد الذي ظنهما يهينانه. وتدخل رجال الشرطة وحاولوا اقتياده بليّ ذراعيه. وكان نجيب قوي البنية فتخلص منهم بقوة اعتبروها مقاومة، فاجتمعوا عليه واقتادوه إلى مبنى الشرطة حيث أوسعوه ضربا. وقال لي نجيب وهو يروي هذه الواقعة: لقد بكيت آنذاك ليس من الألم بل على انهيار المثال، وأحسست أنه لا فرق بين شرطة سوفييتية ومباحث مصرية، فكلها أجهزة قمع، وإنما نحن الذين صدقنا الأوهام عن "إنسانية الاشتراكية". وكعادته "نظر" نجيب لهذا الحادث واختزل فيه كل جوانب الظاهرة!

وسافر نجيب إلى بودابست بدعوة من أحد اللاجئين السياسيين المصريين هناك، حيث عمل في القسم العربي بإذاعة بودابست، و التف حوله العرب ورحبوا به، ولكن سرعان ما عاودته أزمته التي لم يفلح تغيير المكان في إطفاء جذوتها، وكان يتصل بي من هناك هاتفيا، مؤكدا على استفحال النفوذ الصهيوني لا في القسم العربي في الإذاعة فحسب بل وفي معظم أوجه الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية في المجر. وبالطبع أخذت ما قاله على محمل المبالغة المعهودة فيه...

وذات مرة اتصل بي من بودابست، وكان ذلك في ربيع عام 1964، وطلب من عاملة البدالة أن تكون المكالمة على حسابي، فوافقت مستغربا، وعندما تم الاتصال أخبرني أنه طلب ذلك لأنه لا يملك ثمن المكالمة، وقال بصوت متهدج أفجعتني نبرته المتهالكة إنه جائع ولم يأكل منذ أيام، وسيذهب غدا إلى السفارة المصرية " ليسلم نفسه" (كما قال) لأنه لم يعد يحتمل الزيف المحيط به ويريد أن يعود إلى مصر ليموت فيها، مثل سنوحي! رجوته أن يهدأ ولا يتسرع وسنحاول تدبير الأمر، ولكنه أصر قائلا إنه لم يعد ثمة معنى للاستمرار في لعبة الخداع، فالعالم كله لصوص ومخدوعون، وما المذاهب إلا أساليب يلجأ إليها اللصوص لتغطية سرقاتهم. وبهذه المناسبة فقد كتب نجيب سرور في بودابست قصيدته الشهيرة " المسيح واللصوص" حيث "اتهم" فيها المسيح بأنه السبب في ظهور اللصوص الذين أخذوا يتاجرون باسمه، وباسمه يحكمون! وحين يحاول "مسيح نجيب سرور" أن يرد على الشاعر بأنه سيعود ليصحح الأوضاع يجادله الشاعر:

- هل تصدق ما تقول؟

- الأب قال بأنني حتما أعود

ملكا على أرض البشر

لتسود في الناس المسرة والسلام!

- لو عدت.. منذا يعرفك؟

- سأقول: جئت أنا المسيح!

- سيطالبونك بالدليل.

- ستكون في جيبي البطاقة والجواز

- هذا قليل..

ما أسهل التزوير للأوراق في عصر اللصوص.

ولديهم (الخبراء) سوف يؤكدون

أن الهوية زائفة!

- لكن عليها الختم.. ختم الأب ..

- يا بئس الدليل!

سيؤكد الخبراء أن الختم برهان على زيف الهوية!

- سأريهم هذي الثقوب..

في جبهتي - أنظر - وفي الكفين، في الرجلين..

جئت أنا المسيح!

- سيقول لوقا: قال مرقص

إن متى قال" يوحنا يقول:

"في البدء كان الأمر "أصلب

والآن صار الصلب أوجب!"

حتما ستصلب من جديد

هم في انتظارك - كل اتباعك، قطعان اللصوص -

هم في انتظارك بالصليب...

ماذا؟ أتبكي؟ كل شئ مضحك حتى الدموع!

العصر يضحك من دموعك، من دموعي، عصرنا

عصر اللصوص،

بل أنت... حتى أنت لص!

لو لم تكن ما كان في الأرض اللصوص!

حتى أنا لص.. ألم أخدع طويلا باللصوص؟!

 

ونقول بين قوسين إن الأديب المصري الكبير يوسف إدريس كتب في نفس الفترة تقريبا مسرحية "المخططين" التي تتصدى أيضا لظاهرة استيلاء "جماعة المنتفعين" على الحكم، ومنع أي محاولة لتصحيح الأوضاع حتى لو كانت من صاحب الفكرة نفسه! وهذا  دليل انتشار ظاهرة عدم الثقة في الأنظمة الحاكمة آنذاك و التي كانت تتشدق بالشعارات الديماغوجية عن الحرية والديمقراطية والاشتراكية في غيبة تامة لهذه المثل.

على أن نجيب سرور كتب في نفس الفترة في بودابست روايته الشعرية الرائعة "ياسين وبهية" التي حولها المخرج كرم مطاوع إلى مسرحية قدمت على "مسرح الجيب" في القاهرة عام 1965 بعد عودة نجيب سرور إلى مصر. وتمثل هذه الرواية رؤية جديدة لقصة ياسين وبهية المعروفة في الأدب الشعبي المصري، إذ يجعل نجيب من بطلها مناضلا ضد الإقطاع وثائرا على الظلم، ومضحيا بحياته في سبيل تحرير الفلاحين، كاسبارتاكوس محرر العبيد. فكيف اجتمع في نفس نجيب ذلك الضياع الخانق واليأس المطلق مع هذا الإيمان الحار بعدالة النضال من أجل الحرية، والثورة على الظلم والاضطهاد؟ أهي أصداء مرارته القديمة من الإقطاع الذي أهان الوالد أمام ابنه الصغير؟.. أم هي روح الفلاح المصري الكامنة في أعماق نجيب سرور، والتي تتجاوز الإيمان أو الكفر بالنظريات والمذاهب، لأن النظريات تقوم وتسقط، أما الأرضية الفلاحية الضاربة في عمق التاريخ المصري لآلاف السنين، فتبقى هي الأساس الراسخ الذي ينفذ من اليأس والضياع. وبالفعل، فلو تجاوزنا عن الخط المتعرج والمتأزم لحياة نجيب سرور، فسنجد خطه الإبداعي، ممثلا في مسرحياته التالية لـ "ياسين وبهية" ("أه يا ليل يا قمر" و"قولوا لعين الشمس:.") هو خط نضال العامل المصري والجندي المصري - بعد الفلاح في ياسين وبهية - ضد الظلم الطبقي والاستعمار الأجنبي. ولهذا فبوسعي أن أقول إن نجيب سرور، رغم كل شطحاته وتقلباته وضياعه و أزماته، كان فنانا ملتزما بقضايا شعبه ووطنه على المستويين المصري والعربي، حتى الرمق الأخير...

وكم مرة طرحت على نفسي هذا السؤال: ما السبب في الأزمة التي لازمت نجيب سرور طوال حياته القصيرة وكانت السبب في رحيله المبكر؟

في البداية ظننته الاضطهاد. ولكن نجيب عاد إلى مصر فلم يتعرض للملاحقة والسجن. وكنت أظنه الظلم وحرمانه من فرصة تحقيق مواهبه. ولكنه نشر دواوينه ومسرحياته، ومثل على المسرح وفي التليفزيون، وأخرج للمسرح وأخرجت له مسرحياته. ربما لم ينل كل ما كان يريد. ولكنه لم يحرم تماما...

ثمة تفسير منطقي واحد لهذه الأزمة، لا أجد غيره..

إنه الصراع في نفسية الشاعر بين الواقع المرفوض.. والمثال المستحيل..

إنها مأساة العقل، الذي يحفر كالمثقاب في طبقات الزيف والأكاذيب ليصل إلى الحقيقة، ولكنه، ويا للأسف، يواصل الحفر حتى ينفذ إلى الجانب الآخر، محدثا ثغرة في السد تتسع مع الزمن لتندفع منها المياه المخزونة مدمرة كل شيئ!...

الفنان شمعة تحترق.. لتضئ لنا الدرب إلى الحقيقة، والخير، والجمال...

ونجيب سرور فنان لم يدخر ضوءه، فاحترق سريعا كشهاب مرق في سمائنا، ولكنه ترك في نفسي، وفي نفوس الكثيرين غيري، أثرا ساطعا لا ينسى.. لأنه أثر الموهبة المبدعة...

***   ***   *** 

 

 

حسيب شحادةخلاصة ما أدلى به الكاهن صدقة بن إسحق عام ١٩٢٤

لمجلة الزهرة الحيفاوية عن السامريين

A Summary of what the Priest Sadaqa b. Isaac

Said to Haifa’s Magazine al-Zahra about the Samaritans

الطائفة السامرية أو السامريون في العالم، الزهرة، مجلة ادبية روائية اخلاقية تاريخية فكاهية، صاحبها ومديرها المسؤول جميل البحري،  العدد ٥، أيلول سنة ١٩٢٤، السنة الرابعة، ص. ٢٥١-٢٥٨؛ الطائفة السامرية ٢، الزهرة ع. ٦، س. ٤، تشرين أول ١٩٢٤، ص. ٣٥١-٣٥٥، عبارة عن أسئلة وُجِّهت إلى الكاهن في نابلس والأجوبة التي أرسلها للمجلة.

في ما يلي أورد النقاط الهامّة في نظري، التي ذكرها الكاهن صدقة بن إسحاق (صدقة إسحق عمران سلامة غزال إسحق إبراهيم صدقة ١٨٩٤-١٩٧١) الصديق الغيور، في إطار المقابلة معه في حيفا، والمنشورة في مجلة الزهرة المذكورة. ربطت الكاهن صدقة علاقات صداقة طيّبة مع شخصيات عربية كثيرة مثل الملك عبد الله الأوّل بن الشريف حسين بن علي ١٨٨٢-١٩٥١، وحفيده الملك حسين بن طلال ١٩٣٥-١٩٩٩، ورئيس بلدية نابلس المعيّن سليمان بك طوقان ١٨٩٣-١٩٥. أضفت بين القوسين [] تعليقاتٍ على ما ورد في المجلة وهي للصديق الكاهن عزيز بن يعقوب السامري النابلسي كما وردتني إلكترونيًا في الثامن من شباط ٢٠١٩. [ورد في مستهل المقابلة بأنّ الكاهن صدقة المذكور كان كاهنًا أعظم وهذا غير صحيح إذ أنه لم يصل إلى ذلك المنصب لأنّه توفّي في حياة شقيقه عمران، الكاهن الأكبر].

وردت في بداية المقابلة هذه الفقرة:

 ”لقد اغتنمنا فرصة وجود حضرة الصديق الكاهن صدقة بن إسحق الكاهن الاعظم للطائفة السامرية في حيفا وزيارته لنا، واستعلمنا منه عن بعض ما يجهله الكثيرون من احوال هذه الطائفة الصغيرة بعدد نفوس افرادها والتي يشيعون كثيرًا انها محدودة العدد لا تنقص ولا تزيد“.

١) تعود نشأة الطائفة السامرية إلى عهد النبي موسى، وبنسَبها إلى ابني يعقوب، لاوي ويوسف. [شكلت السامرية في بداية عهدها "يوم ظهرت مملكة داود" تسعة أسباط من أصل إثنى عشر سبطاً، والعدد تلاشى جراء معارك وعمليات إبادة، تهجير وتغيير الديانة بالإكراه، إلى أن وصل لمائة ونيف مع بداية القرن الحادي عشر، وقد انحدرت يومئذٍ، على الرغم من صغر عددها، من ثلاثة أسباط، ألا وهي لاوي ويوسف بالإضافة إلى سلالة بنياميم (بالميم) (الاسم اليهودي بنيامين)، وسلالة الأخير بقيت حتى نهاية القرن التاسع عشر، يوم توفت امرأة كانت آخر هذه السلالة].

٢) تسكن الطائفة السامرية مدينة نابلس (شكيم في التاريخ) منذ أمد سحيق، وفيها جبل جرزيم وتسميه الطائفة ”جبل الطور“ وهو قِبلتها، وإليه ينتظرون عودة خيمة الاجتماع، بعد مجيء الطائب (أي التاهب/التائب، المهدي أو المسيح). ويعتقد السامريون أنّ هيكل سليمان وفيه تابوت العهد مدفون هناك حتّى اليوم. باني الهيكل هو يشوع بن نون عند دخول بني إسرائيل الأراضي المقدسة، وبقي الهيكل أربعة قرون وستّين سنة فقط، وهدمه الكاهن الأوّل بوقه ويدعى عزي. ولا يجوز تقديم القرابين إلا على هذا الجبل، الذي قرأ عليه يشوع بن نون البركاتِ كما قرأ اللعنات على الجبل المقابل في الشمال، عيبال. يصل ارتفاع جرزيم  إلى ٨٦٨م  وعلوّ عيبال ٩٣٨ م.

[الكلمة طور في الارامية السامرية تعني الجبل، وجرزيم هو الاسم التوراتي، مع العلم بأن الشريعة قد نعتته أيضاً بالاسم אלון מורה والكلمة אלון تعني البلوط، فيما מורה هي الرم أو الجبل، أي جبل البلوط، نسبة إلى مجاورته لنابلس القديمة، والمعروفة اليوم بـ (بلاطة) الذي يرجع أصل الاسم إلى البلوطة، وهي الشجرة التي اعتاد سيدنا يعقوب الاستظلال بها يوم سكن شكيم.].

 

٣) يوجد على قمّة جبل جرزيم أساس هيكل السمرة، الذي هُدم بعد تشييده بقرنين من الزمان، ويأمُل السامريون في بنائه من جديد. [نواة الخلاف بين المذهب السامري عنه للمذهب اليهودي هو هيكل سليمان، الذي شيده أتباع مملكة داود في القدس، أي إذا صح الاعتقاد بأن للسامريين كان هيكلاً، أنا شخصياً أشكك في مثل هذا، لا يمكن أن ننسبه إلى ما يُسمى هيكل سليمان، والتاريخ السامري يكاد يجزم بأن السامريين لم يُشيدوا أي مقدسٍ بعد خيمة الاجتماع التي عملها الإسرائيليون في عهد نبيهم موسى بن عمران عليه السلام، بأمرٍ من الرب. أنظر سفر الخروج ٣٥: ٤-١٩. ينفي التاريخ السامري قيام أي هيكل على قمة جبلهم المقدس، كذلك ليس هناك أي تفكير في تشييد شيئاً من هذا القبيل، سيان كان السبب لأصل الأمر بعمل خيمة العهد بأمرٍ من الرب تعالى، بهدف مناجاة سيدنا موسى عليه السلام ربه، وعبادته من الخيمة الموصوفة، كذلك إمكانيات أفراد الطائفة المادية الآنية لا تكاد تكفي لعمل قطعة واحدة مهما كانت صغيرة من مركبات خيمة العهد الوارد وصف أدواته في الشريعة المقدسة.].

٤) وصل عدد السامريين في الماضي القديم عشرات الألوف، ولكنّه تناقص من جرّاء الاضطهادات إلى أن وصل عام ١٠٣٥ هـ أي ١٦٢٥م إلى خمس عائلات: من يافا، من غزة، من الشام، من نابلس، من عورتا. وفي قرية عورتا، الواقعة بالقرب من نابلس دفن، بحسب اعتقاد السامريين، كلّ من العزير بن هارون وأخوه مفضل وابنه المنصور، وأنّ ابن هذا الأخير المسمّى أبو الغوث هو الذي كتب توراة السامريين؛ وهذه القرية هي موطن الكهنة السامريين الأصلي. [ لا اختلاف لا بل إحماعاً، بين المذهبين السامري واليهودي، في مسألة مدافن الأنبياء والصديقين، ومن جملتهم العزير بن هارون كذلك يوسف بن يعقوب – عليهم جميعاً السلام – فالعزير كما جاء في مقالتكم مدفون في عورتا المجاورة لنابلس، أما يوسف فمدفون في بلاطة، وسبق أن ذكرت عاليه بأن بلاطة هي نابلس القديمة. يُفضل تدوين الأسماء كما وردت دون حاجة لترجمتها إلى العربية، كلها أو جزءاً منها، فالاسم العزير ذكر كما هو، علماً بأن الترجمة للعزير هي عبد المعين، إذن تعال بنا نسردهم بأسمائهم العبرية ليصبحوا: العزير وإيتامار وفينحاس. אבישע ابيشوع لم يكتب توراة السامريين، إنما هو من نسخ أقدم مخطوطة (توراة) على وجه المعمورة، والتي يحتفظ بها السامريين، وهي الدالة الأكبر على صحة العلاقة بين الديانة الإسرائيلية وجبل جرزيم].

٥) بلغ عدد السامريين في العام ١٩٢٤، ١٧٤ نفسًا وهم فئتان: الكهنة والجماعة (الشعب) [اعتاد السامريون استخدام الألقاب: الكهنة والعامة]، ويرجع الكهنة بالنسب إلى هارون من سبط لاوي بن يعقوب، وعددهم ١٨ ذكرًا من ابن سنة فصاعدًا؛ الكاهن الأعظم آونتها كان إسحق (بن عمران) وله من العمر ٧٢ (أي أنّه وُلد عام ١٨٥٢ وليس عام ١٨٥٥ كما يرد في بعض المصادر، كهانته من ١٩١٧ إلى وفاته عام ١٩٣٢، ح. ش.) وخلّف من الصبيان اثنين أحدهما ”صديقنا صدقة المنوه عنه في رأس هذا المقال“. يسكن كلّ السامريين في مدينة نابلس باستثناء ثلاث عائلات، اثنتان في يافا وواحدة في طولكرم.

٦) الرئاسة الدينية مقتصرة على الكهنة وتعود إلى الأرشد منهم.

٧) انقطع نسل الكهنة لمئة سنة خلت وبقي طفل واحد عمره أحدَ عشرَ شهرا وظلت الطائفة السامرية بدون كهنة مدّة ١٤ سنة إلى أن كبُر الصبي .

٨) يعتاش الكهنة ممّا يتلقون من مساعدات، ومن أعمالهم الخصوصية كباقي الناس.

٩) الشعب أو فئة الجماعة ويعود النسب إلى ابني يوسف، منسى وافرايم، والباقون ينسبون الى سبط منسى. [هكذا في الأصل].

١٠) عقيدة السامريين مكوّنة من خمسة بنود:

أ) الله واحد لا شريك له (يُلفظ شيما Šēma أي: الاسم، ح. ش.).

ب) موسى نبي مرسَل ولا نبي بعده [ليتكم تدونونها – ولا نبي بعدُ في إسرائيل مثل موسى، استناداً إلى آخر سورة في الشريعة المقدسة، سفر التثنية ٣٤: ١٠-١٢]. يعتقد السامريون بأن يشوع بن نون ولي صالح ونبي أيضا، ولكن ليس كموسى، ونبوّته لم تستمرّ بعد وفاته لأن السامريين لا يؤمنون بأي شخص يدّعي النبوة بعد موسى.

ت التوراة، خمسة أسفار موسى، هي الكتاب الوحيد المنزل.

ث) جبل جرزيم هو القِبلة.

جـ) الإيمان باليوم الأخير والدينونة. يؤمن السامري بالجنّة وبجهنم، فالأولى لكلّ صالح والثانية تكون من نصيب كلّ عاصٍ والله أعلم. كما يعتقد السامريون بوجود الملائكة. [صحيح هو إيمان السامري بيوم الحساب والعقاب، إلا أن مسألة الجنة وجهنم غير مجزومين تماماً، وإن تصور البعض مسائل العقاب الموصوفة، هذا لا يعدوا جراء تأثرهم من المعتقدات المحيطة، فلا وصفاً تشريعياً (توراتياً) لشكل العقاب أو مسُمياته].

١١) أعياد السامريين ثلاثة:

أ) عيد الفصح  [الأصح هو عيد الفسح (بالسين) وأصل التسمية الفسحة أي الفرصة، وترمز إلى التحرر من نير العبودية الفرعونية، مع أن الفسح بحد ذاته هو أمسية ذبيح الفسح وصلاة غداته الصباحية، ليبدأ فوراً عيد الفطير، والذي يتناول السامري خلال أيامه الفطير طيلة سبعة أيام تلت الفسح، ولا يأكل أية خوامر؛ سفر الخروج ٢٣: ١٥-١٩] ويحلُ بذات تاريخ فصح اليهود [ الأصح بذات الفترة وليس التاريخ، إذ نادراً ما يصادف الفسح السامري بذات تاريخ نظيره اليهودي، وقد يكون الفرق يوماً واحداً أحياناً يومين، وفي السنوات الكبيسة، شهراً كاملاً]. كل سنتين متتابعتين، ”ويفرقون عنه شهرًا واحدا في السنة الثالثة“.

 تُنحر سبعة خراف عند مغيب الشمس على جبل جرزيم، ليلة العيد في الخامس عشر من الشهر القمري [الأصح في الرابع عشر من الشهر القمري: سفر الخروج ١٢: ١-١٢]، المصادف في نيسان. وعلى السامري أن يتزنّر، يحمل عصاه ويتناول اللحم المشوي بسرعة، كأنه على سفر ويحظر على غير السامري مسّ الذبيحة. يتوافذ القوم من أماكن شتّى لمشاهدة هذا الاحتفال الديني، وقد يصل  عدد الزوّار إلى الألوف الكثيرة.

ب) عيد مناجاة موسى ونزول التوراة (العنصرة). [هو عيد שבועות أو الخماسين، إشارة إلى تاريخه غداة السبت السابع لسبت عيد الفطير، أي اليوم الخمسين، أو الحصاد קציר، فالأعياد موسمية وهذا العيد موعده مع أوج الصيف، سفر اللاويين ٢٣: ١٥-٢٧  ولا يوجد في القاموس السامري ما يُسمى بالعنصرة، حتى لو تناقلتها بعد ألسنة أبناء الطائفة].

ت) عيد الكفارة او المظال (العرش)، ذكرى عامود الغمام، الذي ظلل بني إسرائيل عند خروجهم من مصر. [الكفارة، أظنها ترمز إلى כיפור أي يوم الغفران، سفر اللاويين ١٦: ٢٩-٣٤ وهو يوم صيام وعبادة يسبق عيد العرش/المظال بخمسة أيام، أي بالعاشر من الشهر السابع، فيما العرش/المظال في الخامس عشر من الشهر ذاته، مع العلم بأن لقب الشهر السابع الشرعي (التوراتي) מועד החדש השביעי أي عيد الشهر السابع، فالأول منه عيد استهلال الشهر، والعاشر منه غفراناً، والخامس عشر عيد مظال، والثاني والعشرين عيد الاعتكاف/الجمهرة שמיני עצרת والذي يسمون اليهود نظيره بـשמחת תורה أي فرحة التوراة، حيث استهلالهم قراءة فصول التوراة المقسمة على أيام السبت طيلة السنة. [سفر اللاويين ٢٣-٢٣ إلخ.].

١٢) هنالك في نابلس معبد واحد للسامريين يُدعى ”كنيسة أو مجمع“، وفيه التوراة القديمة وكتب دينية أخرى وكلّها مخطوطة. [الكلمة كنيسة، بالتأكيد تعلمون مُستخدمة باللغة العربية، وإن كانت التسمية لا تليق بدور العبادة، فالفعل كنس الشيء أي جمعه، كذلك الاسم مكنسة أي مُجمعة، فالمعنى الحرفي للاسم كنيسة هو جامع. صحيح في عهد الكاهن صدقة المذكور في مقدمة مقالتكم كانت للسامريين كنيسة واحدة في نابلس، مع العلم بأن الكثير من الكنائس السامرية في مدينة نابلس قد سبق لسكان المدينة تحويلها إلى جوامع إسلامية، منها ما هو قائم حتى اليوم، مثالاً على هذا هو المعروف بالاسم جامع الخضراء، علماً بأن للسامريين في يومنا هذا خمسة كنائس، واحدة في نابلس، إثنتان على قمة جبل جرزيم واثنتان في الحي السامري بمدينة حولون الإسرائيلية والمجاورة لتل أبيب].

١٣) فرائض السامري الدينية تضمّ الصلاة والحج والصوم والزكاة. وتجري الصلاة مرّتين يوميًا،  صباحًا ومساءً وصلاة السبت مختلفة؛ وهناك ركوع وسجود ووضوء وطهارة بكلّ دقّة. والصلاة واجبة على الرجال والنساء وأفضلها في الكنيسة، وهناك فصل بين الجنسين. يصوم كل سامري، كبيرًا كان أم صغيرًا (باستثناء الرضيع) يومًا واحدًا في السنة، من الغروب إلى الغروب، في العاشر من الشهر السابع. هنالك حجّ ثلاث مرّات في السنة، في عيد الفصح وعيد العنصرة وعيد المظال، ومن شروط الحجّ الطهارة والطواف (لا بدّ من التنويه بأن السؤال: ما هي الزكاة المفروضة وهل تقومون بها ونحو من، بقي بلا إجابة،سهوًا على ما يبدو، ح. ش.). تتمّ خِتانة السامري في اليوم الثامن بعد الولادة، وهي فرض قطعي ومن لا يُختن يُقتل.

١٤) للسامريين مدرسة ابتدائية واحدة، يتعلّمون فيها العبرانية القديمة والعبرانية الحديثة أي لغة اليهود، المعروفة اليوم ولغة البلاد العربية. لغة السامري هي العبرانية القديمة، لغة موسى وبها كُتبت التوراة وسائر الآثار الدينية والصلوات، أمّا لغتهم المحكية فهي عربية البلاد (صدقة علّم العربية بحسب كتاب مدارج، والحساب، ح. ش.).

١٥) كلّ كُتب السامريين مخطوطة، ولا شيء مطبوعًا عندهم، ومنها التوراة وتفاسير عليها وكتب فقهية وصلوات وتاريخ. من بين التوراوات هنالك توراة مدوّنة على جلد غنم بقلم ابيشوع بن فنحاس بن لعازر بن هارون، أخي موسى بعد وفاة هذا الأخير بـ ١٣ سنة (؟، هكذا في الأصل) أي من مدة ٣٥٨٤ سنة تقريبا.

١٦) لباس السامري كلباس محيطه، رداء عادي (غنباز) وفوقه الجبّة العربية [مع احترامي لروح الكاهن، إنما أصل ارتداء الجبة يعود للكاهن الأول ألا وهو سيدنا هارون عليه السلام، وصفها جاء في الشريعة المقدسة ( أنظر سفر الخروج ٢٨: ٦-١٤، ح. ش.) أو الجاكيت الإفرنجية، وعلى الرأس الطربوش أو العِمامة. الشريعة السامرية تقضي بارتداء العِمامة البيضاء يوم السبت والحمراء في اليوم العادي، وهنالك من لا يلبس العمامة. [لا لوناً مُحدداً للعمة أو القلنسوة التي يرتديها الكاهن، وقد اعتاد الكهنة سابقاً ارتدائها بيضاء ناصعة، طيلة أيام السنة، إلى أن جاءت فترة الحكم العثماني، يومئذٍ ادعى أحد السلاطنة بأن بعض المسلمين يختلط عليهم الأمر بين الكاهن السامري والشيخ المسلم، فكلاهما يعتم اللون الأبيض، وأمر السامريين – يومها – باستبدال الأبيض بالأحمر، وقد وافق السامريون مُكرهين على الاعتمام باللون الأحمر، على الرغم من علمهم بأن اللون يرمز – يومئذٍ – إلى أتباع عبادة الشيطان، لذلك أبقوا اللون الأبيض عمةً لأيام السبت والمناسبات الدينية الأخرى]. كلّ السامريين وبشكل خاصّ الكهنة، يربّون شعر الرأس واللحية. تلبس النساء بحسب المحيط الإسلامي، الحجاب شرعي وهنالك تساهل به أمام السمرة، وبعض الطوائف التي لا ترتدي الحجاب.

١٧) يتزاوج السامريون في ما بينهم، ويجوز للذكور لا الإناث، الزواج من غير دينهم شريطة أن تتسمرن الفتاة، وهذا هو السبب في قلة عددهم. هنالك نقص في الفتيات في سنّ الزواج والغرباء لا يعطون السامريين بناتهم، ولذلك نرى العُزب طول حياتهم. عند ولادة بنت في الطائفة السامرية، يتسابقون لخطبتها وهي في المهد، فيربّونها صغيرة، وتكبُر على اسم خاطبها. لا يحقّ للسامري الاقتران إلا بامرأة واحدة، وإذا كانت عاقرًا فيجوز له التزوج من ثانية فقط. لا يتمّ الطلاق إلا بعلّة شرعية.

١٨) كلّ شيء مُباح أكله عند السمرة إلا اللحم واللبن معا (هذا غير دقيق كما يعلم الكثيرون وينظر لاحقا، ح. ش.). والجدير بالذكر أنّ سؤالا بهذا الصدد قد ورد ونصّه ”هل يجوز أكل كل الأطعمة عندكم؟ وهل تفرقون بين الكاشير والطريف وما الفرق؟“ (ص. ٣٥٤) وجاء الجواب ”لا يجوز اكل المآكل كلها ويوجد عندنا كاشير وطريف والبحث بهذا المعنى شرحه يطول“.

١٩) الأسئلة الثلاثة الأخيرة التالية بقيت بدون إجابة لضيق الوقت وطول الإجابة: انقسام مملكة إسرائيل على يد يرحبعام ويربعام، بعد موت الملك سليمان، وتكوين رحبعام مملكة إسرائيل من عشرة أسباط؛ ماذا تقولون عن اكتساح سلمناصر لمملكة إسرائيل، ونقل سكّانها إلى بلاد الرافدين؟ ما قولكم بسبي بابل على مملكة يهوذا؟ ردّ الكاهن صدقة على هذه الأسئلة بقوله ”ساتشرف بلقائكم قريبا ان شاء الله وافسر لكم كل امر بمفرده لان نطاق الوقت ضيق الآن وهذا البحث يتطلب على الاقل عددا خاصا من اعداد الزهرة. هذا وفي الختام سيدي الوالد يقدم لحضرتكم سلامه الخاص لكم الخ. اهـ“.

وردّ المحرر، على ما يبدو، جميل البحري بهذه الكلمات:

”هذا ما وافانا به الصديق النشيط الكاهن صدقة واننا لفي انتظار تشريفه او كلمة منه تكون جوابا كافيا على الاسئلة الثلاثة الاخيرة لننشره على صفحات الزهرة واملنا انه لن يضن به علينا خدمة للتاريخ فنكرر له الشكر الحميم باسمنا واسم قراء الزهرة عامة“.

لا أدري في ما إذا تحققّت أمنية مدير التحرير أم لا، فالأمر بحاجة لمزيد من البحث والتنقيب في مجلة الزهرة نصف الشهرية التي بدأت في الصدور في الأوّل من أيّار عام ١٩٢٢ واستمرّت حتى عام ١٩٣٠، عام قتل الأديب جميل البحري ١٨٩٨-١٩٣٠، الملقّب بأبي المسرح فقد كتب قرابة اثنتي عشرة مسرحية. في البداية أصدر البحري مجلة اسمها ”زهرة الجميل“ في أوّل أيار عام ١٩٢١. ثم تحوّلت في العام التالي وسمّيت باسم ”الزهرة“

 

ب. حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

..........................

(حول الصحف والمجلات في فلسطين أنظر:

http://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=4397

 

 

محمد فتحي عبدالعال"نعمةُ النسيان “ قولٌ يترددُ على لسانِ معظم البشرِ. وهو السّبيلُ لاستمرارِ الحياةِ على الرّغم من قسوتها و ازدحامِ الذّاكرة بالكثير من المواقفِ التي تصادفنا في حياتنا اليّومية. لكن هل تعلمونَ أنّ بعضَ الناس قادرون على تذكّر ما مرّ من ذكريات بتفاصيلها الدقيقة والحزينة مهما مضت الأيامُ و السنون؟ وتعود هذه الحالة الدّماغية الفريدة إلى متلازمة فرطِ التذكّر، أو مرض "هايبرسيميثيا" والمصنف بأنّه من الاضطرابات العصبية النادرة، ويسمى أيضا الذاكرة السّيرية الذّاتية بالغة القوة.

 الهايبرسيميثيا تجعلُ من مصابيها حواسبَ آلية متحركة لاتخطئ. تتذكّرُ كلّ الأشياء والمواقف التي مرّت بهم مهما تباعدتِ السنون وبدقة مفرطة، وهذا يجعلهم أسرى ذكرياتِ الماضي وآلامهِ وليس لديهم القدرة على التعايش مع الحاضر أو مجرد التفكير في المستقبل فتتحوّل ذكرياتهم المحزنة إلى حالة دائمة من اليأس والاكتئاب والحزن الشديد... وسنحدثكم عن شخصيةٍ تاريخية تدعى الخيزران،  إنّها الجارية اليمنية التي اشتراها المهدي قبل أن يعتلي الخلافة ثم أعتقها عند عزمه الزّواج بأخرى !

يصفُ هارونُ بنُ عبد اللّه بن المأمون أحد أحفادِ الخيزران اللقاءَ الأوّلَ الذي جمعها بالمهدي بقوله ” لمّا عُرِضت الخيزران على المهدي قال لها: واللّه يا جارية إنّك لعلى غاية التمني، ولكنّك حمشة السّاقين، فقالت: يا مولانا إنّك أحوج ما تكون إليهما لا تراهما …!! فاشتراها وحظيت عنده .. “ وهذا يدلّ على جرأتها وفطنتها وذكائها. و كانت الخيزران أمّاً لخليفتين من الخليفة المهدي هما الهادي والرّشيد وهذه حالةٌ فريدةٌ في البيتِ العباسيّ ...

لماذا تفضلُ الأمّ ولداً وتنبذ آخر؟ سؤال يتردد والجواب الصريح هو قدرةُ هذا الولد على تحقيقِ طموحاتِ والدته وأمانيها. أما السؤال المحيّر لماذا تقتلُ الأمّ ولدها؟ الخيزران تميلُ إلى ابنها هارون الرّشيد وتفضلهُ على ابنها الهادي فحاولتْ أن تقنعَ زوجها أن يرجّحَ كفةَ الرّشيد في ولاية العهد على حساب ابنه الهادي إلا أنّ وفاة المهدي بصورةٍ مفاجئة وغامضة عصفتْ بهذا السيناريو وتولى الهادي الحكم والذي قلّص من سلطاتِ ونفوذ أمه الخيزران إلى حدّ كبير .

كانت الخيزران تتمتع بمكانة كبيرة لدى زوجها المهدي فكانت تتدخلُ في تعيين الولاة والحكام وكبار رجال الدولة مما جعل بابها مقصداً لمواكبِ أصحابِ الحاجات الذين يترددون عليها طمعاً في نفوذها الطاغي، وقد استمرَ هذا الوضع إلى فترة قصيرة من تولي الهادي والذي ساءه هذا السّبيل في إدارة البلاد واستدعى أمّه وأنذرها بشكلٍ حاسم قائلا : والله لئن بلغني أنّه وقفَ أحدٌ ببابكِ لأضربنّ عنقه ولأقبضنّ ماله، فمن شاءَ فليلزم ذلك، ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كلّ يوم ؟ أما لك مغزل يشغلك ؟ أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك ؟ ثم إياك وإياك إن فتحت بابك لأحد .. يقولُ الطبري: فتركت ابنها وهي لا تكادُ تتحسس مكان قدميها؛ فقد أعلنت الحرب بينهما.

لقد اصبح الأمرُ في طور الحسم إما نفوذها وإما ابنها ! لا خيارٌ ثالث، فسارعت إلى التخلص منه وتهيئة الأمور لتولي الرّشيد ابنها المقرّب فاستعانت بجواري القصر في خنقِ ابنها الهادي في أثناءِ نومه .. مشهدٌ مخيفٌ الأمّ هي القاتلة ومن الصّعب أن تكون الأمّ معينا على قتلِ ابنها ثمّ تصلي عليه وتذهبُ إلى الحج ؟! تبقى الذكريات محفورة وإن طال الزّمان .. نموذجٌ غريبٌ ونادرٌ من نساء القصور أليس كذلك ؟ امرأة لا تجد صعوبة في تقديمِ النفوذ على اعتباراتِ الأمومة .

راغدة شريفهل تنتهي الحكاية ؟! لم ينتهِ شبحُ الدّماء بجلوسِ الرّشيد على عرش الخلافة واستعادة الخيزران لمكانتها. حيثُ نشبَ الصّراع بين الخيزران وزبيدة زوجة الرّشيد فيما كان الصّراع دائراً بينَ زبيدة أمّ الأمين والجارية الفارسية مراجل أمّ المأمون على أشده فيمن يخلف الرّشيد فأسهمت الخيزران في اتساع الهوة التي أدت في النهاية والتي لم تشهدها بمقتلِ الأمين. الغيرة والانتقام وسفكُ الدماء

إنّه كيدُ النساء كما أسماه الأقدمون والغيرة التي تجعل المرأة دائما سواء أكانت زوجة أو أمّاً تصارع كلّ من حولها لتستحوذَ على الرّجل سواء كان مسماه زوجاً او ابناً وعادة ما يكون الباعث نحو الغيرة تغيرات هرمونية عدة في المرأة

إضافة إلى اتسام المرأة بنشاط ملحوظ فى السيولة الدموية الناتجة عن تدفق الدّم إلى الصدغ الأمامى من المخ، مما يؤدي إلى ارتفاع إفراز هرمون النورادرينالين المسؤول عن الوظائف المعرفية في المخ، و ما يجعلها أكثر تركيزاً وانتباهاً للأحداث خاصة فيما يتعلق بالنساء الأخريات نحو رجلها فالمرأة بخلاف الرجل لا تستطيع أن توزع مشاعرها واهتمامها في اتجاهِ أكثر من شخص في نفسِ الوقت فيبقى حبها مركزاً على رجلٍ استحوذ قلبها .

و الخيزران في نهايةِ حياتها تتصارعُ مع ذكرياتها القاسية التي لا تغادرها فبقيت في مكة محاولة أن تخفف عن نفسها ذكرياتٍ مؤلمة لا تفارق مخيلتها ...توفيت الخيزران فسار الرشيد في جنازتها حافيا . إنّها الخيزران التي أخذت من الخيزران صفاته وقد عملت وفق المثل السائد (لا تكن قاسياً فتكسر ولا ليناً فتعصر) امرأة رسمت سياسة مملكة بقوة وصلابة وحققت ما تريد بعزيمة دونَ تردد في قتلِ فلذة كبدها لتتربع على عرشِ القرار. وهذا وإن دلّ فهو دلالة واضحة على دورِ المرأة في صنع القرارت المصيريّة عبرَ العصور .

 

أستاذة راغدة شفيق محمود الباحثة في علوم اللّغة

د. محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث

...................

المراجع

- البداية والنهاية لابن كثير

- الاعلام الزركلي

- سير اعلام النبلاء الذهبي

- موقع ويب طب

 

سوف عبيدبين الشّــابي ومدينة رادس

ما تزال رسائل الشّابي تُمثّل مصدرا أساسيا للإحاطة بتفاصيل عالمه الشّعري الزّاخر بالإضافة إلى أنها توضّح الكثير من مواقفه وآرائه، غير أنّها لا تتوقف عند هذا الحدّ بل إنها كذلك تعتبر وثائق بالغة الأهمية عن الحركة الأدبية والثقافية في تونس خلال الثلاثينات من القرن العشرين، تلك الحركة التي نجد صداها حتّى في المشرق العربي من خلال هذه الرسائل نفسها.

لرسائل الشابي إذن أبعاد عديدة منها ما يلامس الذات وخوالج الّنفْس ومنها ما يُمثّل الحياة وما فيها من أحداث وملابسات، وفيها أيضا مسرح الوقائع والفضاءات التي شهدت مختلف الحركات والإنجازات ممّا يجعل رسائل الشابي تكتسب البعد التاريخي الذي له الصبغة الوثائقية الخاصة ، ومن بين تلك النّواحي الهامشية التي وردت عرََضًا في رسائل الشابي حديثه عن بلد ـ رادس ـ وهو من ضواحي مدينة تونس الجنوبية.

جوابا عن الرّسالة الثالثة والثلاثين التي أرسلها الشابي إلى صديقه محمد الحليوي في شهر جويلية 1934 كتب محمد الحليوي رسالة تضمّنت خبر نُقلته إلى رادس قائلا فيها خاصّة :

(اِعلم – أيها الأخ – أنّي أخّرتُ زفافي إلى الرّبيع لأني سأنتقل إلى رادس ترضية لي عن نقلتي المفاجئة إلى قُربة – هذا ما عرضته عليّ الإدارة وقد قبِلته وإني أنتظر كتاب التسمية الرسمي – ولا شك أن هذا التغيير الجديد في سير حياتي يستدعي تحضيرات ومفاجآت لم أشأ أن أتهيأ لها وأنا متزوّج) وقُربة هي مدينة قريبة من مدينة نابل وسط الوطن القبلي من البلاد االتونسية

ويكتب الشّابي إلى صديقه الحليوي مبتهجا بهذا الخبر رسالته الرابعة والثلاثين بتاريخ 12 أوت 1934 من ـ حامة الجريد ـ وهي بلدة قريبة من مدينة توزر ـ ويقول في هذه الرسالة خاصة خاصة :

أخي تحية عطرة وبعد،

فقد سرّني أنك نُقلت إلى مركز رادس ذلك المركز الجميل الذي كنت أسمع منك أن آمالك اِنتهت عنده وأنك لا تعتزم إلا أن تسمح لك الأيام بأن تبني فيه منزلك وتستقرّ فكأن الزمان قد أخذ يركن إلى المهادنة ويتيح الفرص فما عليك إلا أن تهتبل الفرص السانحة إلى أن يقول أيضا : وأنت في رادس ذات الجمال السّاحر والمركز الذي لا ينقطع رواده والعاصمة منك قاب قوسين ومرمى السّهم.

وفي رسالة موالية بتاريخ 19 أوت 1934 يُبيّن محمد الحليوي مناسبة اِقتراحه للتدريس في رادس قائلا : ذهبت لتونس في أوائل أوت ومررت برادس مرورا سريعا فأعجبتني واِبِتهجت باِنتقالي إليها.

وفي رسالة أخرى كتبها محمد البشروش إلى محمد الحليوي من نابل بتاريخ 10 أوت 1934 يهنئه فيها بنقلته "إلى بلد رادس كي يتفرغ للأحلام والشعر والأدب كما قال بعباراته وفي هذه الرسالة نرى أن الأديب محمد البشروش يُعلم صديقه محمد الحليوي بأهمية بعض الأدباء الفرنسيين الذين كانوا يقطنون وقتذاك في رادس على حدّ قوله فيقول إنّ بها مدرستين أدبيتين كبيرتين إحداهما للأدب التونسي العربي والآخر للأدب التونسي الفرنسي.

فمن خلال ما تقدّم يمكن أن نستنتج أن الرسائل المتبادلة بين الأصدقاء الثلاثة الشّابي والحليوي والبشروش في تلك الفترة تمثّل مرجعا مُهمّا عن الحياة الأدبية والثقافية وحتى عن بعض التفاصيل الخاصة واليومية في واقعهم المُعاش تلك الفترة الزّاخرة بالأحلام والآلام وهي الفترة التأسيسية للأدب التونسي الحديث… 

729 الشابي

سُوف عبيد

https://www.soufabid.com/