ناجي ظاهرتصادف هذه الايام الذكرى السنوية  الثانية عاشرة لرحيل الشاعر الصديق نزيه خير ابن دالية الكرمل، وقد سبقني في الاشارة الى هذه الذكرى العطرية عدد من الكتاب والشعراء الاصدقاء.. فاليهم كل التحيات. انتمى نزيه خير، الى الجيل الثاني من الشعراء العرب في بلادنا، بعد قيام اسرائيل. وقد اصدر خلال عمره القصير (1946- 2008)، سبع مجموعات شعرية لافتة، كما ترجم نماذج من الشعر العبري، ضمنها كتابا حمله عنوان "الذاكرة الزرقاء". وتولى خلال سنوات عمره الاخيرة ادارة برنامج تلفزيوني ادبي، استضاف فيه معظم مبدعينا، وكان من المفروض ان اكون ضيفا على برنامجه هذا، الا ان مرضه حال دون هذه الاستضافة.

تعود علاقتي بالشاعر الراحل الى سنوات الستينيات المتأخرة. 1968 تحديدا.. حين اصدر مجموعته الشعرية الاولى "اغنيات صغيرة"، فكتبت عنها مقالة نقدية، لاقت هوى طيبا في نفسه، ما عزز الرغبة في التعارف فيما بيننا، لهذا عندما التقينا بعد نشر مقالتي هذه في احدى مجلات تلك الفترة، اشعرني انه يعرفني جيدا وانني ضيف مرحب به في منزل الاصدقاء.. كذلك انا شعرت.

بعدها زرته عدة مرات في بلدته دالية الكرمل، برفقة الصديق الراحل ميشيل حداد ابن بلدتي الناصرة، وزارنا هو ايضا في الناصرة، كما التقينا في العديد من الندوات والامسيات في مدن وبلدات مختلفة لتتوطد العلاقة بيننا.. لقاء بعد لقاء وسنة بعد سنة. واذكر في هذا السياق ان نزيها كان انسانا ودودا، ارتبط بمعظم الكتاب والشعراء في بلادنا وخارجها ايضا، بعلاقات احترام ومحبة. ويشار انه كرّس معظم قصائد احدى مجموعاته الشعرية اهداءات لأصدقاء شعراء منهم الشاعر العراقي المرحوم عبد الوهاب البياتي.

اتصف ما خلفه شاعرنا الراحل بنوع من الغنائية الحداثية. القريبة من غنائية الشاعر السوري سليمان العيسى، وقد كتبت عنها دراسات قليلة، علما انها استحقت اهتماما بحثيا اوسع نطاقا، واعتقد ان عمل نزيه في الاعلام المرئي في العقد الاخير من عمره، قد صرف الانظار عنه شاعرا جديرا بالمزيد من الدراسة والبحث الادبي.

كان نزيه مقلا في كتابته للشعر. مقارنة بسواه من نظرائه الشعراء، الا انه كان يعمل طوال الوقت على تجويد عطائه الشعري، كما كان يحرص على ان يقدم في كل مجموعة جديدة ما هو جديد.. لافت ومثير.

العلاقة الطيبة التي جمعت بيننا في الاتحاد العام للكتاب العرب في بلادنا ايضا، استمرت حتى ايامه الاخيرة تقريبا. وقد دأب على اهدائي واهداء الزملاء الكتاب كل مجموعة شعرية جديدة، وقد اهدانا شقيقه الصديق الاعلامي رشيد خير، مجموعته "رجوعيات" التي صدرت بعد رحيله.. احياء لذكراه.

عندما رحل نزيه قبل دزينة من السنوات. كتبت عنه مقالة وجدانية، عبرت فيها عن مشاعري الطيبة تجاهه شاعرا وانسانا، وقد ادرجت هذه المقالة في كتابي الاثير على نفسي القريب من قلبي وروحي "حياض غثيم- سيرة ذاتية من خلال اخرين".

رحم الله الصديق نزيه، فقد كان صديقا للجميع، وكان شاعرا مجليا بين ابناء جيله... استحق ان نذكره دائما.. وحق علينا ان نحيي ذكراه.. بأكثر من مقالة...

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

ولد محمود المسعدي بمدينة  تازركة بولاية نابل بالجمهورية التونسية  يوم 28 جانفي سنة 1911. وهو اديب ومفكر تونسي لامع وسياسي تقدمي فذ لا يشق له غبار.  له العديد من العمال المأثورة والمؤلفات الهامة والتي برزت في الحياة الفكرية التقدمية التونسية...وحتى العربية... والعالمية من أبرزها مسرحية "السُّدْ"، كتاب "حدث أبو هريرة قال" الذي اختير كتاسع أفضل 100 رواية عربية من اتحاد الكتاب العرب.  لقد بدأ المسعدي رحمه الله تعليمه في كتّاب القرية (مدينة تازركة حاليا) انذاك، حيث أتم حفظ القرآن الكريم وذلك  قبل أن يبدأ مرحلة التعليم الابتدائي في مدينة قربة التي تبعد بعض الكيلومترات عن مدينته الام.. ثم رحل الى تونس العاصمة طلبا لمواصلة العلم، وهناك اتم الدراسة الثانوية في المعهد الصادقي وذلك سنة 1933 وفي نفس السنة سافر الى باريس والتحق بكلية الآداب بجامعة  السوربون  ( Sorbonne)  "وهي جامعة باريسية رفيعة المستوى...ومن أعرق وأرقى الجامعات في العالم. والتي تأسست سنة   1253م في القرون الوسطى  وهي أول جامعة تقدم شهادة الدكتوراه. كما أن الجامعة تمتاز في تخصصات التاريخ والشؤون الدولية والآداب والعلوم الاجتماعية. وتعد شهادتها مفتاحاً للمناصب العليا الرفيعة وللشهرة".... وتخرج منها متحصلا على الاجازة سنة 1936...وعاد الى تونس ليدرّس اللغة العربية وآدابها ومن ثم شرع في إعداد رسالته الأولى " مدرسة أبي نواس الشعرية "، ورسالته الثانية حول " الإيقاع في السجع العربي "، إلا أن الحرب العالمية الثانية قد حالت دون إتمامهما. ونشرت الثانية لاحقاً، بالعربية والفرنسية. وتحصل على الدراسات العليا عام 1946 والتبريز عام 1947، ابتدأ محمود المسعدي التدريس سنة 1936 بتونس وذلك بمعهد كارنو والمعهد الصادقي، وانتُدب للتدريس بمركز الدراسات الإسلامية في باريس عام 1952. كما قام بالتدريس الجامعي في كل من تونس وفرنسا.

لقد تقلد الاديب الراحل محمود المسعدي رحمه الله عدة مسؤوليات في نطاق حركة التحرير الوطني، وانضم إلى الحركة النقابية رئيسا للجامعة القومية لنقابات التعليم، وأمينا عاما مساعدا للاتحاد العام التونسي للشغل من سنة 1948 إلى 1954. كما شارك في المفاوضات التونسية الفرنسية التي أفضت إلى الاستقلال الداخلي سنة 1955. وإلى جانب التدريس الجامعي، انخرط المسعدي في السياسة، حيث تولى مسؤولية شؤون التعليم في حركة الاستقلال الوطني التي التحق بها مناضلا ضد الاستعمار الفرنسي، كما لعب دورا قياديا في العمل النقابي للمعلمين سنة   1956بعد الاستقلال. وفي سنة 1958 تقلد محمود المسعدي وزارة التربية القومية، وبقي في هذا المنصب إلى غاية سنة 1968 حيث تمكن من إقرار مجانية التعليم لكل طفل تونسي. وهو اول من اقر ذلك وبفضله عمم التعليم المجاني في كامل تراب الجمهورية التونسية. ثم أسس الجامعة التونسية . كما انتخب عضوا بالبرلمان من سنة 1959 إلى سنة 1981.. وتقلد أيضا وزارة الشؤون الثقافية من سنة 1973 إلى سنة 1976. وأنهى حياته السياسية وهو رئيسا لمجلس البرلمان. الذي عين على رئاسته من سنة 1981 إلى غاية سنة 1987 .وبالإضافة إلى تلك المسؤوليات الجسام، كان للأديب الراحل محمود المسعدي رحمه الله أنشطة مكثفة، ومسؤوليات سامية في منظمتي اليونسكو والألكسو منذ سنة 1958 و مجمع اللغة العربية الأردني "وهو مؤسسة أردنية مقرها عمّان تهتم بشؤون اللغة العربية محافظة وتطويرا وتشجيعا في مجالات مختلفة من الفنون والآداب والعلوم. تأسس المجمع بإرادة ملكية في 1 جويلية 1976  وبدأ بمزاولة أعماله بصورة رسمية في 1 نوفمبر من نفس السنة. وفي سنة 1977  انضم إلى اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية".

بدأت علاقة الأديب محمود المسعدي من خلال تأثره بأدب الأدباء العرب القدامى والمفكرين المسلمين الذين سنحت له فرصة التعرف على آثارهم اثناء دراسته في المعهد الصادقي العريق في تونس، وبعد دراسته في كلية الآداب بجامعة "السوربون" بباريس. و يعتبر المسعدي من أهم وابرز أعلام الأدب العربي الحديث، في تونس والبلدان العربية والعالم. وقد ركز أدبه على بعض قضايا الإنسان، كالحياة والموت، والإرادة، والحرية،  والمسؤولية، والخلق، والفعل، والإيمان وغيرها من المشاكل التي تحير وجود الإنسان، وتحثه دوما على البحث عن ذاته، وإمكاناتها وحدودها. لقد كتب أهم مؤلفاته الأدبية بين سنتي 1939 و1947 وذلك خلال عمله مدرسا في معهد كارنو، والصادقي، وتكشف هذه الأعمال عن مدى التأثير القرآني الشديد على تكوينه الفكري والعقائدي، وعلى أسلوبه. كما تنم أعماله عن إحاطته بأعمال المفكرين المسلمين في مختلف العصور، وبالأدب العربي القديم الذي بدأ اهتمامه بها منذ مرحلة دراسته الثانوية...بالإضافة إلى اطلاعه الواسع والعميق على الآداب الفرنسية خاصة والغربية عامة. ولم يمنعه إنتاجه الأدبي من الاهتمام بشؤون وطنه الرازح تحت الاستعمار الفرنسي. ورغم أنه توقف عن الكتابة تقريبا في الأربعينيات، خلال فترة تقلده لبعض المناصب والمسؤوليات، الا أنه لم يفقد مكانته الرائدة في المشهد الأدبي العربي حتى وفاته.

لقد استحق محمود المسعدي عن جدارة ان يخلد ذكره في سجل كبار المبدعين والفنانين هذا بالإضافة إلى كونه من كبار المثقفين الذين أثروا الساحة الثقافية و الادبية، ومن كبار المناضلين الوطنيين الذين قدموا خدمات جليلة لوطنهم وشعبهم سواء في زمن الاستعمار او في مرحلة الاستقلال وبناء الدولة الوطنية الحديثة.

من أهم أعمال الاديب "حدث أبو هريرة قال" الذي صدر سنة 1938، ومسرحية "السد" صدرت سنة  1940 وهي من أهم وأشهر أعماله  و"مولد النسيان"، و"السندباد والطهارة" و"من أيام عمران". نشر عام 1982 وبحثا بالفرنسية بعنوان "الإيقاع في السجع العربي"   ثم نشر مترجما سنة 1996، وكذلك كان رئيس تحرير مجلة " المباحث "  1944 والمشرف عليها وكاتب افتتاحياتها، ثم مشرفا على مجلة "الحياة الثقافية" سنة   1975والتي لا تزال تنشر الى يومنا هذا، وهي اهم مجلة، وألقى محاضرات جمعت في كتاب بعنوان "تأصيلا لكيان" المنشور سنة 1979.

كل التونسيون مدينون له بمجانية التعليم وتعميمه مع مساهماته في ايجاد المكتبات المدرسية المجانية في جل المدارس التونسية وايجاد المطاعم المجانية للتلاميذ و تتكون من فطور الصباح والغداء ويطلق عليها  (cantina). مع توزيع الكتب المقررة في برنامج التعليم والادوات المدرسية مع الميدعات و الاحذية للتلاميذ المعوزين مجانا...قال فيه الكاتب و الشاعر لطفي عبد الواحد يوم  28 جانفي سنة 2011 قصيدة القاها في اربعينيته المنتظمة بمسقط راس الاديب محمود المسعدي "تازركة" في مطلع شهر فيفري 2005 إثر وفاته وكانت بعنوان:

"في ذكرى ميلاد الأديب الكبير محمود المسعدي  28 جانفي1911"

مضى راحلا طامحا لغد

كانه ماغاب عن موعد

تراه هنا بيننا حاضرا

بروح تسامت بها نقتدي

مريدا ابى ان يرى جامدا

وفي النفس توق الى المنجد

تمثل اشواق جيل تحدى

صنوف التخلف لم يقعد

وامن بالخلق حين تصدى

وحاز البلاغة في المقصد

كذلك كان على عهده

كذلك يبقى هنا المسعدي

عظيما بما صاغه مبدعا

تفرد في الحرف و المشهد

يقيم سدودا من الفن صدت

سيول الرداءة اذ تعتدي

فكان الخلود خلود العظام

نشيدا تقدس في المعبد

من بين مؤلفات المسعدي، واهمها التي نالت شهرة اخترقت الافاق، حدّث أبو هريرة قال : والتي تم تأليفها قبل شهر جوان 1940  صدرت سنة 1939، وطبع العمل وصدر كاملا عن الدّار التّونسية للنّشر كاملا سنة  1973أوّل مرّة وعن دار الجنوب للنشر سنة 1979 حلّته مقدّمة توفيق بكار، وترجم الى الألمانية و صدر في  شهر نوفمبر سنة  2009 . وهو عمل أدبي بث من خلاله الكاتب التونسي محمود المسعدي  أفكاره الفلسفية الوجودية وذلك من خلال البطل أبو هريرة معتمدا على لغة مكثفة وقديمة. اعتبرها الناقد توفيق بكار أهم مغامرة روائية في القرن العشرين واختيرت كتاسع أفضل 100 رواية عربية من اتحاد الكتاب العرب. نسبها بعض النقّـاد إلى الأقصوصة تارة وإلى الحديث الأدبي تارة أخرى. وادمجت في المقرر الدراسي لتلاميذ الباكالوريا آداب. ثم صدرعمله الادبي الثاني تحت عنوان "السُّـــــدْ"  وذلك سنة  1940، وطبع كاملا سنة  1955، وترجم الى  الألمانية و نشر في أكتوبر 2007، وهي مسرحية ذهنية كتبت سنة   1938وتعد  أهم وأشهر عمل أدبي للكاتب التونسي محمود المسعدي، إلا أنها لم تنشر إلا في الخمسينات من القرن العشرين. وهذه المسرحية ذات نفس روائي مميز وتعتبر صياغة جديدة لأسطورة سيزيف اليونانية، لكن بأبعاد حضارية أخرى متعمقة في التراث العربي الإسلامي .وتميزت المسرحية بشخصيات واضحة ودالة ذات نفس شكسبيري كالبطل غيلان وزوجته ميمونة والطيف ميارى والبغل. كما نجحت في توظيف كل الإمكانيات المسرحية من خلال النص حتى أن أحد النقاد عبر عن ذلك بالقول "مهرجان كامل هو السد". ثم صدر عمله الادبي الثالث  بعنوان "مولـد النسيــان" :  الذي نشر للمرة الأولى سنة 1945، وترجم إلى الفرنسية سنة 1993 والى الهولندية سنة 1995 وترجم الى الألمانية وصدر في مارس سنة 2008. ثم تلاه العمل الادبي الرابع بعنوان "تأصيــلا لكيـان"  الذي جمع فيه محمود المسعدي شتات كتاباته الأدبية والفكرية طوال حياته.اما عمله الادبي الذي يحمل عنوان "من أيام عمران " الصادر سنة 2012 بعد وفاة الاديب محمود المسعدي والذي جمع نصوصه الأديب محمود طرشونة. نشرت بالألمانية مع العملين "المسافر" و"السندباد والطّهارة" في شهر أكتوبر سنة 2012.وترجمت جل أعمال المسعدي إلى عدة لغات منها الفرنسية والألمانية والهولندية .

حصل المسعدي على الصنف الأكبر من وسام الاستقلال، والصنف الأكبر من وسام الجمهورية، وجائزة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة لسنة 1979، ووسام الاستحقاق الثقافي، وجائزة الألكسو، وجوائز وطنية ودولية أخرى. وقد كتب عنه ما يفوق 30 كتابا ورسالة جامعية فضلا عن عشرات المقالات، والتسجيلات الإذاعية، والتلفزيونية، وترجمت آثاره إلى الفرنسية والإسبانية، والهولندية وغيرها من اللغات. ومن اقواله المأثورة : (("أعطوني زراعة أضمن لكم حضارة"... "مقدار من الجنون لابد منه من أجل مقدار من الحرية"... "الأرض طواعية للرجال الذين يملكون الأمل ويقدرون على تحدي المستقبل".)).

 

بحث بقلم الاديبة فوزية بن حورية

....................

 توفي محمود المسعدي يوم 16 ديسمبر سنة 2004 عن عمر يناهز 93 سنة، في مدينة المرسى بتونس العاصمة.

 

رحيم الساعديمقال لـ (بروس بنينجتون)

ترجمة الدكتور رحيم الشياع الساعدي


هناك من يتحدث كيف نصف فيثاغورس، هل هو المخادع أم المبتكر الفكري ام المشعوذ البارع أم رائد الفلسفة، وهناك من يرى إن فيثاغورس لا يزال الاسم الأكثر شهرة عند بوابة البداية للفلسفة الغربية ولمدة النصف من زمن الألفية، فقد كان نجما والمعروف عنه أنه الأب المؤسس للرياضيات والموسيقى وعلم الفلك والفلسفة. ويُزعم أنه صاغ عبارة "الرياضيات" و "الفلسفة".

عرف فيثاغورس على أعتاب تقسيم التاريخ المكتوب شفاهيا، ومن غير المفيد معرفتنا أنه أصر على عدم تدوين أي من تعاليمه، وكان أتباعه يؤدون اليمين بسرية. وتكتنف حياته وأفكاره   الأساطير والتشوهات والمبالغة والأكاذيب الصريحة، ومن المستحيل معرفة أي منها. ومع ذلك فقد استمرت صدى أذهانه الفكرية لمدة ألفين ونصف العام. 

يعتقد العديد من العلماء بأن أفلاطون استرق ثم أعاد رؤية فيثاغورس. على سبيل المثال، يستكشف سقراط مصير الروح او الارواح المحتمل، والتي كانت واحدة من الأساسيات التي كان تشغل فيثاغورس (كما سنرى).

 وفي كتابه طيماوس فان افلاطون يستكشف ويوسع مفهوم الكون على أنه رياضيات - الفكرة التي لا يزال يشتهر بها فيثاغورس في العصر الحديث. والأكثر شهرة في الفكر الفيثاغوري هو ان "كل شيء هو رقم".

لا يعتقد الجميع بانتحال أفلاطون لآراء فيثاغورس، فمجموعة أخرى ترى أن أفلاطون ومعاصريه يعيدون اختراع فيثاغورس الغامض ثقافيا ويخبئونه في الاسطورة، بطريقة شبه إلهية، نتيجة لذلك، وفي القرون التي تلت العصر الذهبي لليونان، يشار الى ال"فيثاغوريون الجدد" و ال"أفلاطونيون الجدد" وهي غالبًا إشارة إلى نفس المدارس الفكرية، والاسم المستخدم يعتمد على وجهة نظر فردية.

ومع تقدم القرون، نجد مناهج القرون الوسطى مقسمة إلى طرق ثلاثة او طرق أربعة وتستند على وجهة نظر فيثاغورس للكون في دراسة الحساب، والهندسة، والموسيقى وعلم الفلك.

في وقت لاحق لا يزال لثورة كوبرنيوس أصداء تحمل وجهة نظر فيثاغورس القديمة لعلاقة الأرض بالشمس. وفي الواقع، لا يشير كوبرنيكوس أبداً إلى نظرته إلى العالم باسم النظام الكوبرنيكي"؛ ان تسميتها في علم الفلك هي الفيثاغورية. بعد فترة وجيزة، يقوم يوهانس كيبلر، وهو أيضًا فيثاغوري واعي، باكتشافاته بدافع التأكيد على أن الكون مبني بشكل رياضي، هذه الفكرة التي تبناها غاليليو وعززها، أصبحت منذ ذلك الحين موضوعًا ثابتًا طوال تاريخ العلوم. ويؤكد العلم مرارًا وتكرارًا أن الكون لديه نوع من المودة الحميمية للرقم وهذا هو بالضبط ما تدرسه الفيثاغورية منذ وقت طويل، لسوء الحظ، قد تكون فكرة فيثاغورس المثالية المذهلة مجرد خيال للعباقرة.

تتألف حياة فيثاغورس أيضًا من قصص رومانسية وشظايا من الحكايات المتكررة وغالبًا ما يتم تحسينها. ومن المفارقات أن النظرية الوحيدة التي يعرف بها معظم الناس اسم فيثاغورس هي النظرية المتعلقة بجوانب مثلث قائم الزاوية، و قد تم اكتشافها من قبل المصريين، وليس بواسطة فيثاغورس.

في الواقع لم تصور وفاة فيثاغورس بمعزل عن الجانب التخيلي، وهناك ما يصل إلى عشرة إصدارات في الأدب القديم تتعلق بكيفية ومتى وأين مات فيثاغورس. فعلى الرغم من أن وفاة فيثاغورس تتوقف في منتصف الطريق بين الأسطورة والتاريخ، إلا أنها كانت معلقة على ثقل حبة فول، وفيثاغورس مات بسبب هذه الحبة وقد كانت تلك الحبة تحتوي على رؤية جديدة للكون قد تتسلل إلى معتقدات الناس، وتلمح إلى العالم وتستمر لأكثر من ألف عام.

كان هناك العديد من القواعد التي يجب اتباعها إذا تم قبولك في جماعة فيثاغورس، قد تفشل في أي منها، وكان من المحتمل أن يتم إخراجك منها في جنازتك فقط، أحد تلك القواعد التي لا يمكن كسرها هي قاعدة الامتناع عن تناول الحبوب، وهذا نابع جزئياً من مبدأ فيثاغوري الذي يدعو كل شخص إلى السعي لتحقيق السكينة والهدوء، لتذوق الانسجام الذي عكس انسجام السماوات والحدود الخارجية للكون، لكن هذا لن يكون وانت تأكل طبقاً من الفاصوليا، فانظر ماذا يجلب لك هذا! ستصبح القرقرة والضغط على الأمعاء عدوا للهدوء. بالإضافة إلى ذلك، كان هدف فيثاغورس الوحيد هو تنقية الجسم والنفس بحيث يمكن للمرء العودة إلى الشمس والارتفاع وراء الشمس إلى النجوم وطريقة درب التبانة، والتي لا تستقم مع اكل الفول والحبوب وكان هناك سبب أعمق لحذف الفول من النظام الغذائي، فقد اعتقد فيثاغورس أن أكل الفول هو أقرب إلى أكل اللحم البشري.

عندما كان شابًا، تأثرت فيثاغورس بثلاثة أساتذة عظماء، الأول كان أكبر منه سناً، وكان اسمه فيرسديس السيروسي.  كان لديهما نظرتان متشابهتان للحياة، وكلاهما كان يميل الى علوم الباطن بعد أن سافر كثيرا في جميع أنحاء الشرق الأوسط وإلى الهند، تعلم فيرسديس مذاهب التناسخ وخلود الروح، وجلبت هذه المعتقدات الجديدة لموطن الجزر اليونانية لتعليم الراغبين بها والاستماع اليها.

تم أخذ فيرسديس ينتبه لاستفسارات فيثاغورس النشيطة وسرعة تفكيره. وأخبره فيثاغورس أنه أدرك أن التناسخ موجود لدى إيثاليدس المشؤوم نجل الإله هيرميس ويعتبر الإيثاليدس أول إنسان يمشي على الأرض (آدم اليوناني) ونتيجة للثناء والتقدير الكبير من قبل معلمه فان فيثاغورس قبل كل جانب من جوانب التناسخ، وتوسع في هذا المفهوم، مضيفًا أن هناك 216 عامًا بين كل تناسخ، ويساوي ستة مكعبات، وهو عدد زوجي

كان فيثاغورس قادرًا على تذكر كل حياته السابقة. وذكر أنه قبل أن يكون الإنسان الأول كان سلسلة من النباتات والحيوانات، وهكذا ولد فيثاغورس في جزيرة ساموس ، التي تقع في بحر إيجه على طول ساحل هو الآن في تركيا. اعتبرت الجزيرة مهد الإلهة هيرا الجميلة والمزاجية والانتقامية، التي كانت أخت وزوجة لزيوس وتسرد العديد من القصص عن هيرا، مثل غضبها تجاه هرقل البريء، بسبب خيانة زيوس مع والدة هرقل.

كان والد فيثاغورس مناركوس، والذي كسب رزقه كتاجر ومالك سفينة بحث عن رزقه في جميع أنحاء جزر البحر الأبيض المتوسط ، وفي كثير من الأحيان قضى فيثاغورس شبابه على متنها، وكانت والدة فيثاغورس تسمى بارثينيس، العذراء. ويذكر في قصة أخرى، انه أبلغ (مناركوس) والد فيثاغورس أن زوجته ستنجب طفلاً رائعًا وهامًا. 

 كان لدى فيثاغورس الدليل على ولادته البطولية، وقد كشف هذا الدليل طالما انه لمصلحته فكان على فخذه الأيسر علامة ذهبية واسعة. وكان الإغريق في ذلك الوقت يؤمنون بعلامة الألوهية. كان الذهب مرتبطًا بـ ابولو وبالتالي تم قبول العلامة الذهبية كدليل على علاقة فيثاغورس بهذا الإله المتوهج.

لم يكن من المستغرب أن يرتبط فيثاغورس ويلتحق بمعلمه فيرسديس السيروسي بعد عدة سنوات، عند سماع أن فيرسديس يرقد في جزيرة ديلوس (التي اشتهرت بتضرعها للآلهة لمضاعفة حجم المعبد الخاص بهم) ، هرع فيثاغورس لرعايته وعندما طرق فيثاغورس بابه ،كشف بفيركيدس بتردد إصبعه الجسدي ليحذر فيثاغورس من خطورة مرضه ، كان بيركيديس يموت من مرض التسمم بالزهور وكان يأكله الدود وهو على قيد الحياة.

معلم آخر في وقت مبكر كان له تأثير هائل على حياة فيثاغورس وأفكاره وهو طاليس، أحد حكماء العصور القديمة السبعة وكان طاليس رجلاً عجوزًا عندما صحبه فيثاغورس، وكانت نصيحته أن يكون فيثاغورس على خطاه والسفر إلى مصر لتعلم كل ما بوسعه من الكهنة هناك. وأسرع فيثاغورس لمتابعة هذه النصيحة. لقد بدا وكأنه غريبا عندما غادر إلى مصر بشعر طويل يتدفق ولحيته التي أطلقها. كان يرتدي عمامة شرقية، وسراويل فارسية مصنوعة من الكتان - لا تُرى عادة في جزيرة ساموس أو في أي مكان آخر في اليونان وفي مصر كان يغطي قدميه في ورق البردي ولم يستخدما جلود الحيوانات على الإطلاق (ربما بسبب التناسخ – المترجم -) .

أمضى فيثاغورس هناك 22 عامًا هناك، وكان شاهداً على الفتح الفارسي لمصر والزوار اليونانيين لمصر، (بما في ذلك فيثاغورس) تم جمعهم كعبيد من قبل الجيش الفاتح ونقلوا إلى بابل. هناك كانت مغامرات فيثاغورس مع دراسات غامضة سمحت له بالاستمرار، ربما بسبب جاذبيته ومواهبه. لم يحاول الهرب، كما كان الكثير من العبيد، لأنه لم يكن لديه ميل كبير للمغادرة، وبدلاً من ذلك تعايش واستوعب نفسه في هذه الثقافة الغريبة واستمر في النمو. بعد ست سنوات تمكن من شراء حريته وازف الوقت أخيرًا للعودة إلى الوطن إلى جزيرة ساموس.

ونظرًا لإيمانه المتواصل بتناسخ النفوس، اضطر فيثاغورس إلى أن يصبح نباتيًا، لتجنب فرصة تناول صديق أو قريب عن طريق الخطأ. يقال إن فيثاغورس في يوم من الأيام واجه رجلاً يضرب كلبه. عندما كان الكلب يهتف ويصرخ من الألم، تعرف فيثاغورس على الضجيج باعتباره كان صوت صديق توفي مؤخرًا. تدخّل بقوة لإطلاق سراح الكلب، مما سمح لصديقه المجسد بالهروب من الضرب.

فيثاغورس النباتي لم يمتنع عن اللحم فقط، ولم يأكل الفول أيضًا. هذا لأنه كان يعتقد أن البشر والبقوليات قد ولدوا من نفس المصدر، وأجرى تجربة علمية لإثبات ذلك. لقد دفن كمية من الفاصوليا في الوحل، ودعهم يبقون هناك لبضعة أسابيع، ثم استعادها. وأشار إلى تشابهها مع الأجنة البشرية، وبالتالي إقناع نفسه بالعلاقة الحميمة بين الفول والبشر. لذا فإن أكل حبة الفول سيكون أقرب إلى أكل اللحم البشري. على قدم المساواة، للسحق أو للتحطيم، أو إيذاء الإنسان. وبالتالي فإن القاعدة الصارمة للغاية هي الامتناع عن الفول.

في أحد الأيام المشرقة، نظر فيثاغورس الى ثور قوي يتغذى على الفول في مرعى في منطقة تارنتوم في جنوب إيطاليا، أبلغ فيثاغورس الرعاة بأنه يجب إيقافه وسارع عبر حقل موحل وبدأ يتحدث إلى الثور بصوت هادئ في أذنه لفترة طويلة. وبدأت تنتاب الرعاة نوبات من الضحك.

استغرق الأمر بعض الوقت لمهنة فيثاغورس لتتألق، ولم يجد سوى نجاحا حقيقيا عندما احضر أتباعه المتحمسين إلى الساحل الشرقي لإيطاليا، حيث أقام في مستعمرة كروتون اليونانية وهناك تمكنت جماعة فيثاغورس (الإخوان) من الحصول على قاعدة قوية، وسرعان ما أصبح نفوذها واسع النطاق. وبوقت قصير، أصبح اسم فيثاغورس معروفًا في جميع أنحاء اليونان وخارجها.

كان كايلون نجل رجل دين ثري كروتوني. ولد في طبقة النبلاء، اعتاد على الحصول على أي شيء يريده. ويمكن أن يصبح عنيفًا، مستبدًا وصعبًا. على الرغم من أن كايلون كان لديه إمكانية الوصول إلى مستويات عليا من التعليم، إلا أنه أثبت أنه كان بلا قيمة. ومع ذلك، فقد جاء وأراد أن يصبح جزءًا من جماعة الإخوان لفيثاغورس. ولأنه كان شابًا يتمتع بامتياز، فقد اعتقد أنه يجب السماح له بتجاوز سنوات التدريب والصمت والتأمل العميق الخاص بالمعبد الداخلي لجماعة الإخوان. رفض فيثاغورس بصراحة عقد تعاون معه. غضب كايلون واراد الانتقام. وسرعان ما ألقى خطابات وهمية حول الأفكار والمعتقدات لفيثاغوريات – تلك الخطابات التي وصفت سكان كروتون بأنهم كالماشية يتم التحكم فيهم والسيطرة عليهم من قبل قادة فيثاغورس. وتلاعب كيلون نفسه بمشاعر أصدقائه وسكان البلدة، حتى أنهم، وبطريقة غوغائية، نزلوا على مجموعة من المنازل التي عاش فيها الإخوان (جماعة فيثاغورس) والتي درسوا وناموا فيها، فقام الغوغاء الغاضبين بإحراق المباني، مما أجبر أعضاء جماعة الإخوان الى الفرار من النيران المرعبة. وخرج الأعضاء من الحرائق، وطُعن الكثير منهم حتى الموت وهرب الذين فروا من النار إلى المناطق الريفية المحيطة. كان فيثاغورس أحد المحظوظين: فقد شكل أتباعه جسرًا إنسانيًا لمساعدته على التسلق خارج أحد المباني المحترقة.

فجأة توقف فيثاغورس. ليشاهد حقل فاصوليا شاسع امتد أمامه وقف متجمدا، لا يعرف ما يفعل. ركز عيناه على حبة واحدة تتدلى قرب بوصة من قدميه المغطاة بالبردي، لم يكن يرغب في الصراخ من اجل حبة واحدة، عندما كان ينظر إلى تلك الحبة النابضة بالحياة، والشمس تنخفض بهدوء في السماء، تخيل أن الحبة تنضج بصورة سماوية، وبينما كان واقفًا هناك، مترددًا، يفكر في خطوته التالية، داهمه مطاردوه وقاموا برفع أسلحتهم، وطعنوه بقوة، وامتد دم فيثاغورس على النباتات – وقد انهوا حياته من أجل حبة فاصوليا. 

 

....................

1-  بروس بنينجتون، مؤلف هذا المقال، هو مدرس رياضيات يعيش في ولاية نيويورك.

2-  ما ورد في المقال يمثل راي صاحب المقال.

3-  فيرسديس السيروسي كان مفكرًا يونانيًا من جزيرة سايروس، ألف كتاب نشأة الكون، وهو مستمد من ثلاثة مبادئ إلهية، زاس وكثوني وكرونوس، والمعروفة باسم "بنتميتشوس". لقد شكلت جسرا بين الفكر الأسطوري لهزيود وفلسفة ما قبل سقراط. وضاعت أعماله، لكنها بقيت حتى الفترة الهلنستية ويمكن الاطلاع على جزء من محتواها بشكل غير مباشر.

 

جميل حسين الساعديربعُ قرنٍ مضى على زيارتي الأولى والوحيدة لمدينة الأهواز، تلك الزيارة التي تركت لها أثراً في نفسي، وأخذت لها مكاناً في دهاليز الذاكرة إلى جنب الذكريات الأخرى للمدن الجميلة، التي زرتها في رحلاتي العديدة في هذا العالم المترامي الأطراف .

ما لفت انتباهي للوهلة الأولى ساحتها الجميلة  ساحة القدس، التي زادتها أشجار النخيل الباسقة، المصطفّة على جوانبها جمالاً وسحراً . قبل أن أواصل رحلتي إلى أطراف المدينة، توقّفتُ قليلاً أتأمّلُ أشجار النخيل المشرئبّة بأعناقها إلى السماء.

كانَ الوقتُ ظهراً وقدْ أخذِ منّي التعب كلّ مأخذ، فقد قطعتُ مسافاتٍ طويلة بدون توقّف. أرهقتني الرحلة الطويلة، كنتُ أشعر بشيئٍ من الضيق في صدري، وكانت أعصابي متوترة بسبب قلّة النوم، لكن بمجرد أن وطأتْ قدماي أرض الأهواز، شعرتُ بارتياح وانشرحَ صدري، فنسيتُ متاعب السفر وتنفّستُ الصعداء... حمداً للّه .. هذا هو النخيل، وهذا هو الفضاءُالرحب !!

انبجسَ في داخلي ينبوعٌ من الحنين ممتزجاً بفرحٍ صافٍ، وكأنّني هبطتُ على كوكب آخر. لمْ يطُلْ مكوثي في وسط المدينة، فقد غادرتهُ وواصلتُ رحلتي إلى أطرافها.. هناكَ أحسستُ لأولّ مرّة أنني دخلتُ في الفردوس المفقود، الذي كنتُ أبحثُ عنهُ منذ زمنٍ طويل .. ما أجملَ أن يعودَ الإنسان إلى فردوسهِ المفقود !

مرّتْ السنوات سراعاً، وفي زحمة الحياة والمشاغل اليومية، أُ ُسدلَ ستار النسيان على أحداثٍ كثيرة، منها ما هو مُفرح، ومنها ما هو مؤلمٌ، لكنَّ للصدفة دورها في بعث الذكريات من مخابئها، وللقدر سطوته وقدرتهُ على إيقاظ ما غفا فينا على سرير النسيان وتدثّرَ بدثارهِ. هنالك لحظات تجسّدُ لنا الزمن في كلّ امتداداته، فنعيش ماضيه وحاضره ونستشفُّ مستقبله .

وهكذا عادت الأهواز من جديد حيّةً أمامي، مثلما هي قبل ربع قرن، بعد أن شاهدت قبل أيّام (فيديو) للمطرب الريفي العراقي رعد الناصري  الزمان:

العام 2003  المكان: الأهواز. تحرّكتْ فيّ المشاعر قويّةً، وأنا أتأمّلُ في الأهوازيين، وهم يترنّمون ويهتزّون طرباً للغناء الجميل الأصيل، كانت لتعابير وجوههم وعفويّة حركاتهم في التعبير عن مشاعرهم وطيبتهم سحرٌ أسرٌ، ذكّرني بسنوات حياتي قبل أن أغادر العراق وأغترب.

عالم الطيبة والأصالة  فردوسنا المفقود  كانَ حاضراً في صوت رعد الناصري، المنبعث من أعماق ذلك العالم السحري الجميل النقيّ الأصيل، في ملامح وجوه الأهوازيين، في فرحهم الفطري، في كرمهم الحاتمي، وهُم ينثرون الأوراق النقديّة بابتهاج في حضرة الفنان رعد الناصري، وكأنّهم يريدون أن يقولوا لنا: ما قيمة المال أمام  الإبداع والمبدعين؟

الإبداع هو حركة الحياة الدائمة، التي لا تُقدّر بمال .. هو تجلّي الحياة بأجمل صورها ومعانيها.

ما أجمل الأهواز وأهلها ! وما أجمل صوت رعد الناصري!  صوت الريف الأصيل ، الذي ذكّرنا بفردوسنا المفقود  فردوس الطيبة والأصالة.

 

جميل حسين الساعدي

............................

* نشر هذا النصّ في مجلة المداد الأهوازية  العدد: 25

 

كل شيء طبيعي، عندما تجتاز طريق الجسر الى بغداد القديمة حيث تنتصب مدينة الطب على نهر دجلة كانها قلعة تطل على المياه الهادئة لدجلة ويمكن رؤيتها قبل عبور الجسر المؤدي الى بغداد القديمة .

 تضاعفت اعداد قوى الامن بشكل ملفت في الايام الاخيرة . وانتشرت حواجز جديدة تقطع الشارع الواحد احيانا الى اجزاء، كاننا في حرب، وتلقي بظلال من الشك حول دورها بحفظ الامن، رغم صخبها المظاهرات والاحتجاجات سلمية، لا تعكر سلميتها سوى اختراقات هنا وهناك غير مهمة يمكن ان تحدث في اي مكان، ما بالك بهذه الاعداد الهائلة من المتظاهرين والحشود التي تسد الشوارع الرئيسية ومنافذها معلنة عن مطالبها التي اصبحت ملازمة في جميع الحشود سواء المتجهة الى ساحة التحرير او الميادين التي اتسع نطاقها لتشمل اغلب الساحات الشهيرة والمعروفة في بغداد .

جلسنا بمقهى الوثبة، وطلبنا من صاحبه كود الانترنيت .

 مال علينا وقال: يعني انترنيت بلاش!

وسرعان ما عاد وكرر الكود عدة مرات الى ان استطاع قاسم الاتصال بالانترنيت، علق بعد ان ذهب صاحب المقهى حتى لو دفعت له عن الانترنيت لا يقبل . لا ياخذ سوى ثمن الشاي و الاركيلة . واكمل قاسم: يعني انترنيت بلاش!

وزاد لا يأخذ عن الانترنيت ولو تحولت المقهى الى مقهى انترنيت، والجميع اتوا بحواسيبهم الى المقهى . وظل يبحث في صفحات لم اشاهدها من قبل، وعلى الفيسبوك وتويتر الى ان وصل الى ما يريد قوله فقال بتذمر:

 ساريك احد الابطال الشعراء سرق احدى قصائدي، وجيرها باسمه .

وحين بدأت بمتابعة القصيدة، تذكرت انني سمعت مقاطع منها، وقرأت ابياتا منها كذلك على قصاصة ورق .

سرقها رغم ان تاريخ القصيدة كان مرفقا بها . ولم اجد ما اواسيه به سوى دهشتي وتعجبي من جرأة نشر قصيدة باسم غير صاحبها، رغم انها منشورة ومعروفة سابقا .

لا بد ان هناك خطأ ما في مثل هذه السرقات الجريئة رغم سهولة كشفها، ولكن كل ذلك لم يهدأ من مرارته وسخطه، رغم ان ليس امامه سوى ان يقبل بواقع اختلط فيه الحابل بالنابل، يجهل حقوق الملكية الفكرية وما شابه من قوانين تمس الجهود الفكرية والابداعية للكتاب والادباء والفنانين، نبدو فيه اننا لا ندراك اهمية الحقوق في واقع مهما جمل سرعان ما يظهر قبحه الى العلن ويفضح جوهره المرائي المختفي بنبالة مما يفقده صدقه امام الصديق قبل العدو .

صاحب مقهى الوثبة منسجم مع نفسه بثقة، كان الانترنيت احد المصادر الرئيسية والمهمة خاصة مواقع التواصل الاجتماعي لانتشار الشعارات الجديدة والقصائد الوطنية والاغاني الوطنية عن انتفاضة تشرين الشبابية، وطالما راينا الافلام المصورة في الاعتصامات والمظاهرات تدور فيها وتصوير الاغاني مع اللقطات العفوية التي تحمل الكثير من الدلائل تؤكد الروح الوطنية للشباب وعنفوانها او من خلال تجمع شبابي يصغي ويردد مقاطع من قصائد وطنية واناشيد جديدة بساحة التحرير والنفق و جبل "احد"، وعازفون اكثرهم من الشباب وقلما نجد بينهم محترفون فهم قله ولا يمكنهم مجاراة عنفوان الشباب وانتفاضته وهتافاته .

حين يطوف صاحب المقهى بالشاي يسال عن اخر القصائد والاغاني ويفرح فرحا طفوليا لكل خبر يأتي من ساحة الوثبة القريبة او شارع الرشيد اما ما تأتيه من اخبار من ساحة التحرير فانه على استعداد ان يتوقف عن العمل للاصغاء لها بكل جوانحه وكيانه لتنقله الى عالم اخر من الحرية لا يطاله الظلم والفساد والاسعباد خاصة لدى الشباب والاجيال الجديدة المنتقضة لاجل حقوقها الممتهنة من الاحزاب والتيارات الفاسدة على مدى 17 عاما مضت .

2

 تبدو الانتفاضة بين حين واخر بين صعود وهبوط، لكثرة محاولات تخريبها من الاحزاب والتيارات الفاسدة، وتدخل اصحاب القبعات بحجة حماية المتظاهرين والمعتصمين، وهم في الحقيقة بلطجية وحثالات وقمامة المجتمع يجهلون حقوقهم، ويسيرون وفق اوامر لا يدركون اساءتها لهم ومستقبل بلدهم تأخذ اوامرها من دولة اجنبية تسعى لتثأر من شباب العراق على يد هؤلاء الافاقين .

تضاعفت نشاطاتهم التخريبة مؤخرا لدرجة حرق خيم المعتصمين والاعتداء على المتظاهرين في ساحة التحرير وساحات وميادين التظاهرات والاعتصامات في محافظات الوسط والجنوب .

3

كنت ساذهب الى الكرادة .. وحين عدت كان شارع الرشيد والخلاني يشتعلان بحركة المتظاهرين والهتافات، تصل الى شارع امانة بغداد وساحة الوثبة، ولم استطع الوصول من ساحة الوثبة الى الرشيد، توقفت عند نهاية الاستدارة دون ان اتمكن من دخول الشارع .

 قنابل الدخان ترسم اقواسا رمادية متبددة قبل ان تسقط خلف ساحة الخلاني او قرب شارع امانة بغداد، تبدو عشوائية ومرتبكة دون ان تصيب هدفها، كأنها تتفادى اصابته، وان قوة ما خفية تدفعها بعيدا عنه لا تترك اثرا سوى خطوط فضية في السماء وفي مكان ارتطامها بالارض، وثتير زوبعة من الدخان الرمادي الكثيف يبقى مشتعلا عدة دقائق قبل ان ينطفئ ويتبدد بعيدا عن الحشود واماكن تجمعهم في ساحة الخلاني وقرب شارع الرشيد وأمانة بغداد .

4

سألني قاسم: هل تذكر الكنيسة في الميدان او "الخرابة" كما يسميها؟

قلت اذكرها .

قال اذا رايتها سوف لا تعرفها . رممت وازيلت الانقاض منها ومن حولها، واعيدت كما كانت واحسن، كانت تبدو البقعة الوحيدة في الميدان الهادئة تقع خلف الشارع الرئيسي للميدان بعيدا عن صخبه والحركة الدائبة فيه ليلا ونهارا . طليت جدرانها بالوان زاهية ومبهجة كانها تحفة ملقية وسط خرائب الميدان وقصورها المهجورة .

5

كراج السنك ..

استدرج مئات الشباب من ساحة التحرير وجبا "احد" الى كراج السنك بخدع دنيئة، وحوصروا في الكراج غير بعيد عن جسر الجمهورية المؤدي الى المنطقة الخضراء:

قال قاسم:

غدروا على يد مجرمي الاحزاب والتيارات ومليشياتها واصحاب القبعات .

حوصروا في الكراج من قبل من يدعي حمايتهم "اصحاب القبعات" وفتحوا النار عليهم عشوائيا .. قلت يا لها من خسة . فقال قاسم: ماذا تتوقع من مليشيات احزاب فاسدة نهبت البلاد .

قلت له صحيح ولكن الجريمة تفوق كل الجرائم التي ارتكبتها مليشيات الاحزاب والتيارات الفاسدة وجرائمها ضد المتظاهرين السلميين .

وختم ما قاله مؤكدا:

جرائمهم قد تشمل الجميع لانهم لا يؤمنون بالحوار والسلمية،، معبؤون ضد الاخر غير المؤيد لهم ولاحزابهم وتياراتهم الفاشلة ..

ولكنه سرعان ما استدار بالحديث وقال: اصبحت المنطقة اسفل جسر الجمهوية منتجعا ومحطة استراحة للمتظاهرين على شواطيء دجلة، من عناء التظاهر والهتافات في ساحة التحرير .

سويت مساحات رملية واسعة على ضفاف دجلة لتكون ملاعب للكرة الشاطئية يرتادها الشباب بين حين واخر مع الاراكيل والكراسي والمظلات الشمسية بالوانها الجذابة في حالة استرخاء ولعب ولهو تستفز  المليشيات والقتلة المأجورين، ويستفزهم اكثر الحضور النسوي الدائم على ضفاف وشواطيء دجلة وساحات اللعب والتسليات على رمال الشواطيء القريبة من ساحة التحرير وخيم المعتصمين .

ما ابشع واشنع واجبن ما فعله المجرمون بحق الشباب العزل؟!

ليسوا مجرمين فقط، بل مرضى يكرهون الحياة والشباب .

6

 لا شيء من ماضي العراق، وانتفاضاته الخالدة ومظاهراته، التي رافقت جميع العهود الماضية تقريبا، يشبه ما يحدث في ساحات وميادين بغداد، انه تاريخ جديد يكتبه الشباب للحاضر والمستقبل بوضوح وبساطة .

7

ما ابعد واقصر المسافة

بين الميدان وساحة الوثبة

بين الخرائب والانقاض

وقلب ينبض بالتغيير

يمتد من الخلاني وساحة الوثبة وشارع الرشيد 

الى ساحة التحرير،

تنتفض جموع الشباب بعنفوان

وتردد الشعار الوطني

باصرار وأمل:

"اريد .. حقي"

و"اريد .. وطن" .

تلخص مطالب شباب العراق

في الساحات والميادين

رافعين علم العراق عاليا

في سماء بغداد .

***

قيس ال ابراهيم العذاري

..................

هوامش:

ساحة ومحلة الميدان:

تشير بعض المصادر التاريخية إلى ان تسمية المحلة والساحة المشهورة باسم (الميدان) يعود إلى المدة العباسية حيث أسست الساحة على مقربة من قصور خلفاء وأمراء العباسيين لتسليتهم من خلال ممارسة الرياضة. بينما ينسب بعض تسميتها إلى تحولها لساحة لتدريب واستعراض الجيش العثماني أيام حكم العثمانيين، وهو ما يعرف في الأعراف والمصطلحات العسكرية بالميدان.

ويشير الباحث في تاريخ بغداد (إبراهيم عبد الرحمن) إلى ان "الساحة حُولت فيما بعد من مكان لتدريبات للجيش العثماني إلى سوق لبيع الأعلاف لخيول العربات التي تنقل السلع والبضائع والمسافرين إلى بغداد حيث كانت ساحة الميدان المحطة الرئيسة لمدخل بغداد الشمالي .

وكانت تستخدم أيضا لعرض وبيع العبيد المستقدمين من بلدان روسيا والقوقاز وأرمينيا ووسط آسيا ..

اشتهر فيها "طوب ابو خزامة" في يوم عشرة كانون الثاني 1968 نصب (طوب ابو خزامة) في ساحة الميدان على قاعدة كونكريتية .

يبلغ طول المدفع اربعة امتار ومحيط فوهته نصف متر وهو مصنوع من النحاس وقد كتب على ظهره مما يلي الفوهة ما نصه: عمل برسم السلطان مراد خان بن السلطان احمد خان سنة 1047 .

وما زالت محلة وساحة الميدان تنبض بالحركة وتنشط فيها اسواق وصناعة التحف والمنتجات المحلية والفلكلورية العراقية، تمتاز بيوتها بالشناشيل والواجهات المعمارية ذات الهندسة النادرة، ولكن معظم قصورها وبيوتها ذات الشناشيل اصبحت عبارة عن انقاض وبعضها ايل الى السقوط والاندثار .

تقع محلة وساحة الميدان مقابل مبنى وزارة الدفاع القديمة سابقا وسط بغداد .

 

 

محمود محمد علييعد إبراهيم إبراهيم محمد ياسين (أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب - جامعة المنصورة بجمهورية مصر العربية)، أحد الأسماء الهامة واللامعة في سماء الفلسفة العربية ؛ حيث أسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، وتعد لبناته الفكرية والأدبية التي وضعها بالجهد والعرق بمثابة الأساس الذي بني عليه الكثيرون من تلامذته مشاريعهم الفكرية، ورؤاهم الفلسفية في العربي المعاصر.

لم يكن إبراهيم ياسين مجرد مفكر مبدع نذر حياته للبحث عن الحكمة متذرعاً بمبادئ الحق والخير والجمال، لكنه كان – قبل كل ذلك إنساناً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى . إنساناً في تفلسفه، ومفكراً في إنسانيته، وبين الإنسان والفكر تتجلى شخصية إبراهيم ياسين متعددة الأوجه، كمترجم وكناقد وكأديب.

والدكتور إبراهيم ياسين هو واحداً من الأساتذة الجامعيين الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة الإسلامية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلى أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

ليس هذا فقط، بل إن الدكتور إبراهيم ياسين من المفكرين الذين يملكون رؤية واضحة عن تطور تاريخ الوعي الفلسفي والفكر العربي المعاصر وهو لا يعرف الحلول الجاهزة والاجابات المسبقة ولا يؤمن بالمطلقات الانسانية أو الدوائر المغلقة للفكر، منذ ثمانينيات القرن الماضي . وهو قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

وفي هذا المقال نحاول أن نرصد هذه الملامح التي تميز شخصية إبراهيم ياسين (مع حفظ الألقاب) بشكل يميل إلي الإيجاز ويبعد عن التطويل والاسترسال، بحيث يكون التركيز علي ما هو أساسي وجوهري في شخصيته وإنتاجه وفكره ؛ وبخاصة طريقته في تجديد الخطاب الصوفي .

وإبراهيم ياسين من مواليد محافظة المنصورة سنة 1945، حيث كان جاد في دراسته في كلية الآداب في قسم الفلسفة حيث حصل الليسانس بتقدير جيد في 1971، ثم الماجستير في عام 1980 في موضوع ” حال الفناء في التصوف الإسلامي، ثم الدكتوراه 1986، وتم تعيينه مدرس مساعد بقسم الفلسفة بالمنصورة في عام 1983، عُين مدرسا بعد ذلك في عام 1986م في موضوع “صدر الدين القونوي وفلسفته الصوفية” تحت إشراف أستاذنا الدكتور أبو الوفا الغنيمي التفتازاني، ثم رقي إلي درجة أستاذ مساعد في عام 1991، ثم أستاذا في عام 1994م، وعقب حصوله علي الأستاذية تولي منصب رئيسا لقسم الفلسفة إلي أن أضحي أستاذا متفرغا عام 2005، وخلال تلك الفترة نال إبراهيم ياسين عدة جوائز منها شهادة التفوق فى البحث العلمي من شهادة التفوق في البحث العلمي، من كلية الآداب بجامعة بنجامتن، نيويورك، المتحدة الأمريكية، يوليو 1995 (المشاركة فى البحث والتدريس كأستاذ زائر) في 1/7/1995.

وكان إبراهيم ياسين عضوا باللجنة الدائمة للترقيات على مستوى التحكيم الدورة التاسعة والعاشرة في مصر – من 1/1/2000، كما كان رئيساً شعبة مؤتمر الجمعية الفلسفية الأمريكية المعروفة اختصاراً E.S.B في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في مصر – من 1/1/1995، كذلك كان عضوا بهيئة تحرير المجلة العلمية بكلية الآداب – جامعة المنصورة من عام 1994م وحتى الآن في مصر. وقد شارك إبراهيم ياسين في مئات المؤتمرات بمصر والعالم العربي وأوربا وأمريكا .

كما كان إبراهيم ياسين أحد الأسماء الهامة واللامعة في سماء تخصص الفلسفة الإسلامية في مصر والعالم العربي؛ حيث أسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، وتعد لبناته الفكرية والأدبية التي وضعها بالجهد والعرق بمثابة الأساس الذي بني عليه الكثيرون من تلامذته مشاريعهم الفكرية، ورؤاهم الفلسفية .

ولإبراهيم ياسين مؤلفات كثيرة نذكر منها : كتاب عالم أنيس منصور الروحي والخفي، وكتاب تأنيس الإنسان في الفكر الصوفي المتفلسف : رؤية حضارية، وكتاب دلالات المصطلح في التصوف الفلسفي : اشارات فلسفية في كلمات صوفية، وكتاب تسامي الأنا والحب الإلهي عند صوفية المسلمين، وكتاب حال الفناء في التصوف الإسلامي، وكتاب مشكلات في التصوف الفلسفي والفلسفة الروحية في الإسلام، وكتاب مدخل الى الفلسفة الاسلامية والتصوف الفلسفي : صدر الدين القونوى وفلسفته الصوفية، وكتاب المدخل إلى التصوف الفلسفي : دراسة روحية سيكو ميتافيزيقية، وكتاب دراسة على طبيعة وتطور الوعي الروحي عند الإنسان، وكتاب عالم أنيس منصور الروحي والخفي، وبحث عن المشيئة الالهية ومفهوم الحرية والحتمية في الفكر الإسلامي، وبحث عن خصائص التصوف الفلسفي وبحث عن الحالة الكونية وقواها، وبحث عن الارتسام، وبحث عن تسامي الأنا والحب الإلهي عند صوفية المسلمين، وبحث عن موقف الشيرازي من الفلاسفة، وبحث عن تسامى الأنا والحب الإلهي، وبحث عن الخيال في التصوف الإسلامي، وبحث عن تجديد الرياضيات الروحية في الإسلام، وبحث عن التوجه السفر إلى الله…الخ.

وقد ترجم إبراهيم ياسين العديد من الكتب نذكر منها : كتاب عن دراسة على طبيعة وتطور الوعي الروحي عند الإنسان، وكتاب استكشاف البوذية لكريسماس همفري، وكتاب عن فلسفة الدين، مقال مترجم من كتاب ما هو الدين ؟ ..الخ.

وننتقل إلي موضوعنا الرئيس في المقال وهو أن الدكتور إبراهيم ياسين يعد رائداً في تجديد الصوفية، حيث كان يردد في كتاباته بأن التصوف ليس رقص الراقصين ولا طبل وزمر وتصخاب وتهييج ولا هو الذكر بألفاظ ساذجة محرفات، ولا صعق وتشنيج ولا مواكب رايات ملونة فيها لما يغضب الله ترويج، ولا هو العمة الكبرى، ولا سبح حول الرقاب، ولا التعطل أو دعوى الولاية أو صنع الخوارق أو كذب وتدبيج ووشاح وعكاز، ولا نسب إلى النبي من البهتان منسوج، ولا الإجازات تشرى بالدراهم أو وظائف صرفها بالزيف ممزوج ولا مظاهر آثام الموالد، أو تكاثر برجال خيرهم عوج، وليس بالفلسفات الهوج ينقلها كالببغاوات جهلاً.

وأوضح إبراهيم ياسين في كتابه مدخل إلي التصوف الفلسفي دراسة سيكو ميتافيزيقية حقيقة تؤكد بأن التصوف فقه الدين قاطبة، والفقه بالدين توثيق وتخريج، هو الكتاب وما جاء النبي به وكل شيء سوى هذا ممجوج، إن التصوف سر الله يمنحه من قد أحب، وحب الله تتويج. وكان يرى أن التصوف ترميم بناء الباطن بعد أن تحطم من داخله، وكان يقول” من قال برفع التكليف عنه هو نصاب، ومن قال ليس عليه صلاة فهو كذاب أشر”.

من أجمل ما أثار انتباهي في قدرات إبراهيم ياسين في تجديد التصوف الإسلامي، دراسته الرائعة عن مفهوم الحاسة الكونية في أقوال الغربيين وتجلياتها في التصوف الإسلامي، حيث يؤكد لنا أن مفهوم الحاسة الكونية مفهوم استخدمه لأول مرة كل من وليم جيمس بشكل غير مباشر حيث قدم وصفا دقيقا للحالة النفسية التي يعانيها الصوفية والرهبان عندما يغلقون حواسهم المادية، وعندما يتم للصوفي عبور حواجز الذات إلى دائرة الكون فيما نصفه إصلاحا بالوعي الكوني وكانت ملاحظة جيمس لوجود مثل هذه الحالة مقترنة باعتقاده الجازم أن صوفية السكر والفناء، يصابون بأمراض عصبية الهستيريا، ومع ذلك فقد شكك في أن تكون أمراضا حقيقية لأنها أشبه بأعراض البقرية أو هي حالة من الوعي الصوفي العميق.

ثم يؤكد إبراهيم ياسين بأن هذا المفهوم تطور عند إيفلين أندر هل لتصفها بأنها نشاط عصبي خارق يقاوم الحواجز التي يفرضها الجسد على الروح محاولا إخمادها ويظل هذا النشاط مستمرا حتى تنشط حاسة سيكو فيزيقية فائقة تعبر حدود الحواس العادية، وهنا يعلق إبراهيم ياسين علي فيقول بأنه يذكرنا هذا بما يقوله ابن سينا عن الحس المشترك الذي يعد عنده مركزا للحواس منه تتشعب وإليه تؤدي الحواس، أو هو بلغة ابن سينا الوهم أو القوة الوهمية، التي تكون سبيلا إلي نوع من الإدراك القادم من مصدر علوي علي سبيل المثال الفائض على النفوس من المبدأ المفارق.

ثم يقدم إبراهيم لنا وصفا لتلك الحاسة عند ولتر ستيس وجاكون نيدلمان، حيث يصف ستيس بأنها عمل الحاسة الكونية بأنها لحظة تقترن بفيضان النظام الإلهي علي النظام الطبيعي بحيث يعاين الصوفي مشاهدات من عالم مقدس ويتمكن من أن يعود هذا إلي دائرة الزمان، أما جاكوب نيدلمان فيجعل من هذه الحاسة همزة الوصل بين العلم والتصوف، ويري فيها القدرة التي يفتقر إليها العلم في محاولته تفسير الكون بطريقة لا مثيل لها وحيث لا يعمل العقل . ثم يجعل منها مساندة لعلم النفس المعاصر في علاج الحالات النفسية العصية علي العلاج .

ثم يؤكد إبراهيم ياسين بأنه قد عرفت هذه الحاسة عند الصوفية المسلمين مقترنة بنظرية الكمال في التصوف الفلسفي، وبنظرية الفناء في التصوف الديني، وكذلك نراها صلب نظرية الإدراك والمعرفة الذوقية في نظرية القطب والإنسان الأكمل الذي تدور حوله أفلاك الوجود.

والباحث المدقق في التصوف كما يرى إبراهيم ياسين يستطيع أن يقرر أن معظم الصوفية قد أضافوا أنفسهم إلي الكون في رحلتهم إلي المطلق، ثم هم قد حاولوا دائما نقل الكون إلي بواطنهم بحيث أصبح الباطن معادلا للبحث في الكون أو هو أوسع مدي، يساعد الصوفي على ذلك انتماؤه لنفس العناصر التي يتركب منها الكون وخضوعه لنفس المؤثرات التي يخضع لها، بحيث أمكن وصف الإنسان من هذه الناحية بأنه كون أصغر قد اتفق علي هذا صوفية الشرق والغرب.

فالصوفي في اعتقاد إبراهيم ياسين يعرف دائما ذلك الإنسان بمعنى من المعاني، وهو الشخص الذي يطارد وعياً عميقاً ويعي في بداية وعيه أنه يعي، وأن هناك وعيا يعبر عن رغبة أكيدة في نفس الصوفي في كشف أعماق الوجود والاندماج مع المطلق كما هو الحال في دراسات هيلاري إيفانز؛ والإنسان الكوني ليس أنا بالضرورة، وإنما هو ذلك الإنسان هناك، والواقف على عتبة القوانين الحاكمة للكون بحيث تصبح كل الأبعاد سواء كانت زمانية أو مكانية تحت سيطرة الحاسة الكونية العميقة.

ثم يؤكد إبراهيم ياسين بأن صوفية المسلمين يتحدثون عن الحاسة الفائقة فيصفونها بأنها البصيرة أو اللطيفة الربانية أو السر الإلهي أو الوهم أو الهمة.. وتعمل كل هذه المصطلحات لتشكل أبعاداً لمعاني الملكة التي تعمل حال الفناء عن العالم، والأغيار والذات، فلا يثبت الصوفي وجودا أصلا، بل هو في هذه الحال يعبر كل الحواجز والقيود سواء كانت مادية، أو معنوية أو مكانية أو زمانية.

ويطول بنا المقال غير أني لا أملك في نهاية حديثي عن الدكتور إبراهيم ياسين إلا أن أقول تحية طيبة لهذا الرجل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخرى مني لهذا الرجلٍ العظيم الذي لم تجز به السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتور "جمال رجب أمين سيدبي" (أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب – جامعة السويس بجمهورية مصر العربية)،  أحد الأسماء الهامة واللامعة في سماء الفلسفة الإسلامية . أسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، وتعد لبناته الفكرية والأدبية التي وضعها بالجهد والعرق بمثابة الأساس الذي بني عليه الكثيرون من تلامذته مشاريعهم الفكرية، ورؤاهم الفلسفية في الفكر العربي المعاصر. كما كان واحداً من الأساتذة الجامعيين المصريين الذين يقومون بتدريس الفلسفة الإسلامية من وجهة نظر إسلامية خالصة، بعد أن كانت تُدرس من خلال الدرس الإستشراقي الذي ربط الفلسفة الإسلامية بالتراث اليوناني، وأهم من نادوا بالبحث عن أوجه الأصالة والابتكار في الفلسفة الإسلامية، وهو بالإضافة إلي ذلك نموذج للأستاذ الجامعي كما ينبغي أن يكون سواء في التزامه بأداء واجباته الوظيفية الاكاديمية علي أحسن ما يكون الأداء، أو في ارتباطه بطلابه في علاقة إنسانية رفيعة المستوي في هدي من التقاليد الجامعية التي يحرص عليها كل الحرص، إذ هي دستوره في كل معاملاته مع كل من هو في الوسط الجامعي .

وجمال سيدبي رجل غزيز الانتاج، موسوعي المعرفة لديه دأب علي البحث والتنقيب وشهوة لا تقاوم لتعلم كل ما هو جديد ومبتكر، هو رجل منضبط في فكره ومفرداته، أثيني في توجهاته ومعتقداته، وهو خلاف لمظهره الذي قد يراه البعض متجهما أو عابسا هو رجل يتمتع بروح دعابة وخفة دم ونظرة ساخرة للحياة والكون والحق أنني أجد في هذه المقالة فرصة للتعبير عما أكنه لهذا الرجل من حب واحترام وتقدير، فهو بالنسبة لي أخ أكبر ومفكر مبدع قادر دائما علي أن يدهشك وهو في هذه المرحلة المتقدمة من العمر .

وقال عنه أستاذنا الدكتور عاطف العراقي في تصديره لرسائل الجنيد التي قام بتحقيقها سيدبي: " د. جمال سيدبي أعرفه عن قرب، لقد شاركت في مناقشة رسالته للماجستير، تلك الرسالة التي أشرف عليها الأستاذ الدكتور إبراهيم مدكور، وكانت الزميلة الدكتورة زينب الخضيري، كما أشرفت علي رسالته للدكتوراه، وكانت في موضوع موقف أبي البركات البغدادي النقدي من الفلسفة الإلهية عند ابن سينا كما كانت رسالته للمجاستير تدور حول مشكلة خلود النفس بين ابن سينا والغزالي وهذا إن دلنا علي شيئا فإنما يدلنا علي الاهتمام البالغ من جانب الدكتور حمال سيدبي بالتراث الفلسفي العربي الإسلامي . لقد درس أراء مجموعة كبيرة من المفكرين كابن سينا أبي البركات الغزالي بالإضافة إلي اهتمامه بعد حصوله علي درجتي الماجستير والدكتوراه وبأعلى التقديرات اهتمامه بدراسة الكثير من القضايا والمشكلات في محيط الفلسفة العربية. إن هذا يدلنا علي ان د، جمال سيدبي قد أعد نفسه إعدادا دقيقا لدراسة مجالات عديدة وقضايا كثيرة من مجالات وقضايا الفلسفة العربية. لقد سار واثق الخطوة حين تصدي لتلك القضايا والمشكلات وواثق الخطوة يمشي ملكا كما نقول . نعم كان واثق الخطوة، لأنه لا يعرف أمانة الكلمة وذلك يتمثل في أنه لا يتصدي للكتابة في أي موضوع إلا بعد قراءات تحليلية مستفيضة خلال سنوات وسنوات".

ولم يكن جمال سيدبي مجرد فيلسوف نذر حياته للبحث عن الحكمة متذرعاً بمبادئ الحق والخير والجمال، لكنه كان – قبل كل ذلك وبعده – إنساناً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى؛ فهو إنساناً في تفلسفه، وفيلسوفاً في إنسانيته. وبين الإنسان والفيلسوف تتجلى شخصية سيدبي متعددة الأوجه، كمؤلف وكناقد وكأديب.

وفي هذه المقال نحاول أن نرصد هذه الملامح التي تميز شخصية جمال سيدبي بشكل يميل إلى الإيجاز ويبعد عن التطويل والإسترسال، بحيث يكون التركيز علي ما هو اساسي وجوهري.

ولد جمال سيدبي في الرابع والعشرين من شهر يوليو عام 1956، حيث حصل علي درجة الماجستير دفعة 1989،وحصل علي دكتوراه الفلسفة الإسلامية عام 1993، وتقلد عدة وظائف إدارية مهمة في الجامعة نذكر منها مثلا:، ثم وكيلاً لكلية الآداب لشؤون التعليم والطلاب، ثم وكيلاً لكلية الآداب لشؤون الدراسات العليا، ثم تقلده رئيس قسم العلوم الاجتماعية، ثم عميداً لكلية الآداب والعلوم الإنسانية، ثم نائب رئيس جامعة السويس لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة.

له مؤلفات كثيرة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: منهج تجديد الخطاب الديني، والمسلمون والتحدي الحضاري، في علم الكلام منهج وتطبيقه، درسات إسلامية، مقدمة في التفكير العلمي، والنزعة النقدية في فلسفة محمد إقبال، وموقف ابن رشد النقدي العالم والعلم الإلهي عند ابن سينا والغزالي، موقف ابن رشد النقدي من الإشاعرة، مالك بن نبي وفلسفته الإصلاحية، مشكلة الموت وعلاقتها بحال الفناء عند الصوفية، المنهج الوسطي عند الماتريدية، مشكلة الاتصال بين ابن باجة وابن طفيل، نظرية الوسط الأخلاقي بين مسكوية والغزالي، موقف سعيد النورسي النقدي من الحضارة الغربية، منهج ابن حزم الكلامي في دراسة مشكلتي الذات والصفات والجبر والاختيار، العقل والدين في النسق الكلامي... وهلم جرا.

كتب الدكتور جمال سيدبي كتابا بعنوان: منهج تجديد الخطاب الديني: رؤية نقدية جديدة، وفي هذا الكتاب كما يقول سيدبي: نبتت فكرته في نفسي منذ ما يقرب من عشرين عاما أو يزيد، قدمت قضية تجديد الخطاب الديني بدراسة في مجلة منبر الإسلام التي يصدرها المجلس الأعلي للشئون الإسلامية في مصر، وإذاعة القرآن الكريم في برنامج ندوة الأسبوع ولما سنحت لي الفرصة أردت أن أقدم رؤيتي حول هذه القضية بمنهج نقدي تجديدي يعمد إلي الوسطية والاعتدال في معالجة القضايا والمشكلات الخاصة بتجديد الخطاب الديني وتحريره مما أصابه من غبش ونبرز الصورة الصحيحة . ويستطرد سيدبي فيقول إن : تجديد الخطاب الديني أصبح من أبرز القضايا الأساسية التي تهم الشأن الإسلامي في الآونة الأخيرة إن لم يكن أبرزها‏،‏ الإسلام في عمقه حوار مستمر بين النصوص الدينية الثابتة من جهة‏. والحياة الواقعية المتغيرة من جهة أخري، أو هو جدل دائم بين ثابت أزلي ومتغير متجدد، الفرق واضح بين الثابت والمتغير، والمنطقة المحرمة لا يختلف عليها اثنان، من هنا لابد أن نضع المفاهيم والضوابط والمحددات أمام المسلم حتي لا يختلف في أي قضية، إذ أن باب الظن هو الذي اجتهد فيه المجتهدون.

ويوضح سيدبي ذلك فقال: هناك فرق بين القواعد الكلية في المقاصد، وبين الاشتغالات في بعض أحكام العلم. قال تعالي: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، إذن نحن نقول لله وللرسول سمعنا وأطعنا: هذه واحدة، لذلك حتي لا يختلط الأمر علينا لابد أن نحدد الفرق بين الثابت والمتغير، حيث أن المنطقة المحرمة لا يختلف عليها، ولكن نري من ينادي بتجديد الخطاب الديني، وهو لم يقرأ في علوم الدين وبضاعته مفلسة.. كيف؟! لذلك لابد أن نضع المفاهيم والضوابط والمحددات أمام المسلم حتي لا يختلف في أي قضية، فباب الظن باب عظيم اجتهد فيه المجتهدون.

والمقصود بباب الظن كما يقول سيدبي: أي باب المتشابه في القرآن الكريم مثل النظر في وجه الله الكريم، وهنا ندرك أن لله وله المثل الأعلي يد، ولكن ليس ككل الأيدي، وهذا موضوع كبير عند علماء الكلام في تأويل النص المتشابه، وليس النص المحكم. وأما فيما يخص المنطقة المحرمة فقال: المنطقة المحرمة عند علمائنا الأوائل الذين كانوا يعرفون معني الدين، ومعني الشريعة الغراء هي التي لا يجترئ عليها ولا يقترب منها أحد أبدا أما في باب الاجتهاد سواء في علوم الدنيا أم علوم الدين فنحن مأمورون بالاجتهاد ولا يوجد فصل بين الدين والدنيا، ولكن نحتاج إلي البحث عن فقه المقاصد في الشريعة الغراء، وهناك من يجتهد في استنباط الحكم الشرعي، ولابد أن يكون عالما بالمقاصد والقواعد الأصولية التي تضبط اجتهاد الفقيه مثل النحو عندما يضبط لغة المتحدث، والنحو والصرف عندما يضبطان لغة المتكلم، والقواعد الأصولية مع المقاصد تضبط استنباط الحكم الشرعي. ويعطينا سيدبي مثلا للقاعدة الأصولية فيقول: قاعدة لا ضرر ولا ضرار وفي ضوء هذه القاعدة يجتهد العلماء في حكم التدخين، هل له ضرر؟ فنجد بعض العلماء يقول هو في مرتبة الكراهة، والبعض يقول انه في مرتبة التحريم، وفي ذلك يجتهد المجتهدون، ومثلها قاعدة الضرورات تبيح المحظورات عند أصول الفقه.

وأما فيمن يدعي ويفتي بغير علم علم فقد قال عنه سيدبي: هذا هو الضرر بعينه وهم كثر وبضاعته من العلم مفلسة، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، كان العلماء الأوائل عندما يسأل أحدهم كان يفتي في مسألة ويعتذر عن مئات المسائل لأنه يعرف أن الفتوي في الدين أمر جلل وسيحاسب عنه. وهذا يعني في رأي سيدبي أن الإسلام لا يريد إنسانا متبلدا يأخذ ويتلقي فقط ثم ينفذ، لكن يعطيه لمحة للتأمل ودعوة للنظر والبحث، قال تعالي قل سيروا في الأرض فانظروا ونحن ندعو إلي تجديد الخطاب الديني لكن لابد أيضا من عدم إطلاق العنان لمن لا يعرف أن يتحدث باسم الدين.

وأما عن مواصفات الداعية في رأي سيدبي فيقول: لابد للداعية أن يكون رصينا، يعرف لغة عصره وأمته وقضاياها، ولديه ثقافة متنوعة وثرية من علم النفس والفلسفة، وأن يكون متخصصا في بابه الأصيل ومتمكنا فيه حتي يستطيع أن يقتحم عقل ونفس الانسان المعاصر حيث أن لديه تحديات من النظريات العلمية وإبداعات الحضارة الجديدة، لذلك لابد لمن يتصدى للخطاب الديني أن يواكب العصر ويواكب الرأي والرأي الآخر، ويستفيد من علوم العصر لا أن يكون متخلفا.

وهذا يعني أن الخطاب الديني في نظر سيدبي يتضمن ثلاثة عناصر: عالما ورسالة ومتلقيا؛ بمعني أنه لا بد أن يكون هناك نوع من التفقه في الدين أو الفقه العام لأحداث العصر بالعلم وذلك بشرط أن يكون هناك دعوة، وفقه الدعوة ليكون علي علم بما يقال للعامة ولا يقال للخاصة ومتي يقول الكلمة، وفي أي موضع يقولها، فيكون العالم واعيا بقانون التوازن في الدعوة، ما بين الترغيب والترهيب، فتجديد الخطاب الديني يحتاج إلي لغة جديدة في الخطاب، وطرح القضايا والموضوعات التي تساهم في بناء عقلية إسلامية معاصرة تجمع بين الدين والدنيا. وهذا المنهج العظيم الذي في لغة الخطاب فيه توازن وتناغم قال تعالي وابتغي فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسي نصيبك من الدنيا فتلك التعادلية بين الدنيا والآخرة لابد أن تتضمنها لغة الخطاب حتي نستطيع أن ننتج جيلا متوازنا ومتناغما يستطيع أن يساهم في إبداعات الحضارة.

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة يؤكد عليها سيدبي وهي أن تجديد الخطاب يجمع بين العلم والأخلاق في بوتقة واحدة ويبرر ذلك قائلا:" مناط الدعوة الإسلامية أو القرآن الكريم مبني علي النظرية الأخلاقية أو القيمة الأخلاقية يقول رسول الله (صلي الله عليه وسلم) إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، ومنظومة العلوم عند العرب والمسلمين كان لها باع طويل في مزج القصة الأخلاقية بالعلم، لذلك لابد من العقلية العلمية والإسلامية أن تجمع بين الأخلاق والعلم في لغة الخطاب، والخطاب الديني لأن الدين في نظر سيدبي هو  هو المحرك للشعوب.. المحرك للأمة ولا يمكن أن يتقدم المجتمع ويحقق الآمال بدون التمسك بالدين، بعبقريته وبعظمته وبجماله، الأمة تعاني من انهيار أخلاقي ولابد من تجديد في الخطاب الديني حتي ننقذ الأمة، وذلك من خلال هدفي النبي (صلي الله عليه وسلم) وإنك لعلي خلق عظيم ولابد أن ننتقل من التنظير إلي التطبيق، ومن الكلام إلي السلوك وهذه تحديات. ويستطرد سيدبي فيقول: الآن الفرصة سانحة من خلال وسائل التقنية المعاصرة من وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، فلو أجرينا إحصائية علي مستوي العالم الإسلامي لوجدنا أن الأمة الإسلامية تضيع أوقاتها للأسف فيما لا يثمن ولا يغني من جوع، والخطاب يجب أن يرشد الأمة نحو استثمار الوقت، نحو المحافظة علي ممتلكات الدولة والأمن العام، حيث إن تلك الممتلكات يجب أن تكون جزءا من تجديد الخطاب.

ويؤكد سيدبي بأن المرجعية التي بإمكانها أن تنهض بهذه المهمة هو الأزهر الشريف الذي يمثل مرجعية مهمة حيث يمثل الوسطية للأمة والمسلمين في العالم وتعقد الآن دورات لشباب الدعاة نحو آليات التجديد للخطاب وثقافة الداعية؛ فلا بد من من إعداد الخطيب نفسيا وثقافيا وتربويا ونمده بالكتب والمراجع ولو الأمر بيدي لأعطيتها له مجانا، ولغة الخطاب تكون من خلال التطبيق العملي في سلوكه، وأن يكون أمينا فيما يقول وما يفعل، أن يكون متنوع الثقافات، ولنا في ذلك مثل أعلي في الشيخ الشعراوي رحمه الله نراه كيف يدخل في علم الكيمياء والفيزياء والأحياء أو الكون والفلك والأجمل أنه يربط الأشياء بالدين ويظهر جمال الدين فيها.

ثم يقدم لنا بعد ذلك سيدبي وسائل تجديد الخطاب الديني، حيث يري أنه من الوسائل المهمة لتجديد الخطاب الديني التنوع مع اليسر فمن الأمور المؤسفة في نظر سيدبي أن البعض لا يحسن عرض الإسلام ومن لا يملك النصاب فكيف يزكي؟ ومن ثم ينبغي أن تتنوع وسائل الخطاب الديني في حياتنا المعاصرة وفيما نعتقد أن الطريقة الوعظية المباشرة لم تعد هي الطريقة الوحيدة وإنما هناك وسائل أخري أشد تأثيرا في النفس، مثل الأعمال الدرامية الجادة التي تهدف إلي إبراز قيم وجماليات الإسلام في حسن الإنسان المعاصر واعتقد أننا في امس الحاجة إلي هذا في ظل التحديات الشائكة والمعقدة.

كما أن الخطاب الديني كما يري سيدبي في حاجة إلي أن يجدد نفسه، وبخاصة الدعوة والتأكيد علي القضايا التي هي بمثابة قاسم مشترك بين شعوب الأرض قاطبة مثل الدعوة إلي الحب الإنساني بمعانيه السامية، الدعوة إلي مكارم الأخلاق، الدعوة إلي الحب الإنساني بمعانيه السامية، الدعوة إلي مكارم الإخلاق، الدعوة إلي الأخد بالعلم، الدعوة إلي التعاون، الدعوة إلي المساهمة في سعادة إنسان العصر، ويؤكد سيدبي أن هذه القواسم المشتركة بين كافة الشعوب ومن ثم فإن هذه الموضوعات وطرحها بطريقة عصرية مشوقة جديرة بأن تغير نظرة الغرب عنا ونحن محتاجون إلي أن يغير الغرب نظرته عنا بالفعل لأننا نحتاج إليها وهم يحتاجون إلينا ولا غني لأحد عن الآخر ويجب أن ننبذ ظهريا فكرة الدونية عن انفسنا، وأن نعود الغرب علي عدم النظر إلينا باستعلاء نتاج موروثه الحضاري.

أيضا من الأمور المهمة لتجديد الخطاب الديني في حياتنا المعاصرة كما يري سيدبي: إفساح المكان للخطاب الديني المستنير والمعتدل والمتوازن لكي يتبوأ مكانته عبر وسائل الإعلام المختلفة لأن الأمم العظيمة هي التي تحافظ علي هويتها والإسلام هو خير سياج للمحافظة علي بنائنا الاجتماعي في ظل متغيرات سريعة وعولمة عاتية لا ترحم – إلا من رحم ربي، ومن ثم فإن إفساح المكان والزمان للخطاب الديني في وقتنا المعاصر لمن المهام العظام التي ينبغي أن نتحلي بها في حياتنا المعاصرة.

من مهام الخطاب الإسلام المعار في نظر سيدبي تحديد الهدف والبعد عن الخلافات فثوابت الإسلام وأصوله واضحة ولا مانع من أن يجتهد حول الفروع وينبغي أن يكون واضحا أن الاختلاف آفة الأمم والشعوب، والأمة الناضجة هي التي تتوحد حول الهدف المنشود، ومن ثم فإن توحد الأمة عل قلب رجل واحد لمن مهام الخطاب الديني المعاصر وهذا ما تعلمناه عبر تاريخنا الحضاري.

من المهام الكبري لتجديد الخطاب الديني في حياتنا المعاصرة ما يطلق عليه سيدبي فقه الأولويات، وهنا في نظره ينبغي علي رجل الفكر والدعوة أن يكون عالما بصيرا بأمراض الأمة، فرجل الفكر والدعوة مثل الطبيب الذي يصف العلاج الناجع للمريض وكما يقولون لكل مقام مقال، ومن ثم فلا يقم نافلة علي فرض ولا مندوبا علي واجب، ويجب أن نسلط الضوء علي القضايا الكبري للمة مثل التكافل الاجتماعي والنهوض الاقتصادي والتقدم العلمي وبث روح العمل والعطاء .. أو الإخلاص والتفاني في حب الوطن لمن أعظم المهام لرجالات الدعوة والفكر لتجديد الخطاب الديني.

تحيةً للدكتور جمال سيدبي، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة فلسفية ووطنية وشخصية موسوعية، ما جعل زملاءه وتلاميذه من المفكرين والكتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته في تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.

وتحيةً مني لرجل  لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا فيه قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علي (رسالة المحاماة)

نعود ونكمل حديثنا عن فيلسوف المحاماة والمحامين في هذا المقال الثاني، والذي نستهله بمفهوم المحاماة في فكر الأستاذ رجائي عطية، وذلك كما ورد في كتابه رسالة المحاماة، فهو في هذا الكتاب يحدثنا حديثا قد يبدو غريباً عما تعودناه .. فهو يحدثنا فيه عن المحاماة التي كانت والتي يجب أن تكون .. ومرجع هذا الحرص هو إيمانه الشديد بأن جيلنا يسلم الراية عالية خفاقة للأجيال القادمة، وبالتالي لا تأخذنا الدهشة حينما يتحدث رجائي عطية عن أشياء لم تعد موجودة الآن، لماذا؟ لأن مهمتنا كما يقول :" أن نتقدم بالمحاماة وأن نلزم كل من نتعامل معه بأنها تمثل رسالة .. رسالة ينهض بها المحامون فرسان الحق والكلمة .. يخوضون فيها الغمار، ويسبحون ضد التيار! .. يحملون راية العدل قي صدق وأمانة وذمة ووقار.. يناصرون الحق ويدرأون الظلم.

وكلمة رسالة في نظر رجائي عطية لا تقال هنا اعتباطا فلا هي في نظره مهنة ولا حرفة ولا صنعة، وإنما هي بالفعل في نظره رسالة كرسالات الأنبياء والرسل.. فحينما نفهم ونعرف ما هي المحاماة! وكيف يجب أن تكون كما كانت وأحببناها!!، من أجل ذلك سنفهم الفارق الواضح كما يقول رجائي عطية "بين ما سوف نطرحه وبين المعاناة الجارية"، وله في هذا الأمر هدفين (وهو يعتبر نفسه قد نجح إذا ما وصل لتحقيق كل منهما)، الهدف الأول ويوجهه رجائي عطية لكل المحامين في الشرق والغرب فيقول : عليكم أن تحبوا وتعشقوا المحاماة، فلا رجاء للمحاماة ولا رجاء للمحامي، إلا إذا كانت المحاماة هي المعشوقة، والمحامي هو العاشق، وهذا العشق هو وحده الذي يكفل التقدم بالمحاماة والنهوض برسالتها، أما الشق الثاني والمطلب الثاني الذي نسعي إليه وهو أن نقدم من واقع خبرته التي تجاوزت حوالي 60 سنة في ممارسة هذه الرسالة مفاتيح أدائها أو مفاتيح المعرفة التي يجب أن تتوافر فيها.. مفاتيح التعامل في محرابها .. مفاتيح التعامل في ساحات المحاكم... مفاتيح التعامل في غير محاكم نيابات كانت أو سلطات استدلال .. مفاتيح الأداء .. مفاتيح المرافعة .. مفاتيح الإلقاء" .

هذه بعض مفاتيح أداء رسالة المحاماة كما يؤكد رجائي عطية، ولكن من حقنا أن نسأله: ما مرجع إصراره علي أن المحاماة رسالة،، وما الفارق الذي بيننا وبين الطبيب أو المهندس، أو الحرفي أو الصيدلي أو الباحث في العلوم، أو الزراعي.. وهلم جرا؟

ويجيبنا قائلاً :" كل هؤلاء المهنيون أو الحرفيون يؤدون عملاً جديراً بالاحترام، ولم يزعم أحد منهم أن قيامهم بما يقومون به يدخل في باب الرسالة" .

وهنا نسأل رجائي عطية لماذا يصر علي أن المحاماة رسالة.. ويجيبنا قائلاً :" لأن المحاماة نيابة ودفاع وحماية للغير"، ولفظ الغير هنا في رأي رجائي عطية هو مفتاح الرسالة والفارق بين أي مهني وبين المحامي، أن المحامي في رأيه لا يعمل لحساب ذاته، وإنما يعمل علي الدوام للغير ونيابة عن الغير ودفاعاً عن الغير وحماية للمحاماة لحقوق الغير، ومن أجل هذا كانت المحاماة في نظر رجائي عطية رسالة، وهذه الرسالة لا يمكن أن يقوم بها من يؤثر أن يسير في الصف، والمقصود يسير في الصف في نظره ؛ أي أنه يستطيع الموظف أن يذهب إلي عمله في ميعاده، ويؤدي العمل الموكول إليه،  وينتظر العلاوة في موعدها والترقية في موعدها، أو يسعي إلي سفرية أو بدل سفر  ... الخ.. ولكنه يظل في طابور.

أما المحامي كما يؤكد رجائي عطية فلا يمكن أن يكون في طابور ولا يمكن أن ينفع في هذا الطور، والسبب لأنه يجب علي المحامي أن يغرد خارج السرب، والمقصود بالتغريد خارج السرب هنا كما يقصده الأستاذ رجائي عطية أن المحاماة تقوم بعمل مجيد جداً ومتميز جداُ؛ بحيث لا يستطيع الأوساط من البشر (أي متوسطي الكفاءة أو العلم والمعرفة) أن يقوم بها .

وهنا نسأل الأستاذ رجائي عطية لماذا ؟ ويجيبنا لأن المحامي قد يتحدث إلي قضاة قد يكونوا أسبق منه تخرجاً وأكبر منه سناً وأعرق منه خبرة، ولكن المطلوب منه في مرافعته الشفوية أو المكتوبة أن يزحزح عقيدة ربما تكونت في ذهن القاضي أو القضاة، وهذه الزحزحة لا يمكن أن ينجح فيها أحد إلا أن يكون من المتميزين، والتميز في نظر رجائي عطية هنا ليس مجرد شعار أو حلية، وإنما التميز يمثل واقع، وهذا الواقع هو أساس  مشروعية المحاماة، فالمحامي في نظر شأنه شأن الذي يقف في الطابور أو شأن الموكل الذي لجأ إليه أو شأن القاضي الذي يترافع أمامه وشأن وكيل النيابة ... الخ وإلا كما يقول رجائي عطية فقد مشروعية وجوده ووجود المحاماة .لماذا؟ يقول رجائي عطية : لأنه يحلق فوق السحاب ليصل بقناعة المتلقين عنه إلي ما يبتغي أن يدخله في صفحة ثانية، استحالة ينهض علي ذلك ويحققه إلا إذا كان متميزا ولابد أن يقتنع المحامي والمحامين أنه يتعين عليه أن يكون متميزا لأنه في هذا التميز كما يري رجائي عطية يمثل مشروعية الوجود... مشروعية الضوء ... مشروعية الأداء ... مشروعية الرسالة.

وهنا نسأل رجائي عطية : كيف يحدث هذا التميز؟ ويجيبنا : التميز موهبة والموهبة كما قد تكون مخلوقة هي أيضا نتيجة دربة ومران .. نتيجة صبر ورياضة للنفس .. نتيجة اطلاع وقراءة وتحرك في الحياة بما أسميه "شوق" إلي المعرفة ..هذا هو الفارق بين المحامي وبين من سواه لأنه يتحرك في حياة تملؤها أشواق المعرفة، وهذا الشوق هو الذي يجعله لا يترك شيئاً يمر أمامه دون أن يسعي إلي معرفته، وهذا السعي الحثيث، هو الذي يكون التراكمات الثقافية التي تجعل من المحامي صورة متميزة .

ثم يؤكد رجائي عطية بأنه سيبقي رائعاً وعظيماً ومنشوداً أن يكون العدل مهجة وضمير وغاية ولسان وقلم القاضي فيما به يحكم، بيد أنه ليس يكفي المحامي أن يكون العدل مهجته وضميره وغايته، وإنما عليه أن يكون مفطوراً علي النضال من أجله، وأن يسترخص كل عناء، ومجاهدة وخطر في سبيل الوصول إليه، القاضي حسبه أن يقتنع بالعدل فيحكم به، فالكلمة به صادرة من لسانه وقلبه، ثم هو محصن بالاستقلال والحصانة القضائية وبالمنصة العالية التي إليها يجلس، أما المحامي فيخوض غماراً عليه أن يقف فيه شامخاً منتصباً رغم أنه بلا حماية أو حصانة، يكافح من أجل الحق الذي ينشده ويستصغر في سبيله مصالحه ويستهين بما قد يصيبه في شخصه وحريته، وربما في حياته نفسها، وتاريخ المحاماة شاهداً علي ذلك في كل العصور!

لذلك كانت المحاماة في نظر رجائي عطية رسالة تستمد هذا المعني الجليل من غايتها ونهجها .. فالمحامي يكرس موهبته وعلمه ومعارفه وقدراته لحماية "الغير" والدفاع عنه ..قد يكفي المهندس أو الطبيب أو الصيدلي أو المحاسب أو المهني بعامة أن يملك العلم والخبرة، والجد والإخلاص والتفاني، وعطاؤه مردود إليه .. معني " الغير" والتصدي لحمايته والدفاع عنه ليس حاضراً في ذهن المهني أو الحرفي، ولكنه كل معني المحاماة وصفحة وعي المحامي .. الداعية الديني مسلماً كان أو مسيحياً يجلس إلي جمهور المتلقين المحبين المقبلين الراغبين في الاستماع إليه، لا يقاومون الداعية ولا يناهضونه، ولا يناصبونه عداء ولا منافسة، أما المحامي فإنه يؤدي رسالته في ظروف غير مواتية ما بين خصم يناوئه، ورول مزدحم قد يدفع إلي العجلة أو ضيق الصدر، ومتلقِِ نادراً ما يحب سماعه، وغالباً ما يضيق به، وقد يصادر عليه، يري أنه يستغني بعلمه عن الاستماع إليه !! لذلك كانت المحاماة رسالة، الكلمة والحجة أدائها والفروسية خلقها وسجيتها .

ويستطرد رجائي عطية فيقول : يستطيع المهني أن يؤدي مهمته متي دان له العلم والخبرة بتخصصه بالطب إذا كان طبيباً، فذلك يكفيه للتشخيص وتحديد العلاج، وبالهندسة إذا كان مهندساً، فذلك يكفيه لإفراغ التصميم ومتابعة التنفيذ وهكذا، أما المحامي فلا يكفيه العلم بالقانون وفروعه ولا تكفيه الموهبة وهي شرط لازم، وإنما يتوجب عليه أن يكون موسوعي الثقافة والمعرفة، لأن رسالته قائمة علي " الإقناع" يتغيا به التأثير في وجدان غيره، والوصول إلي غاية معقودة بعقل وفهم وضمير سواء، وهذه الغاية حصاد ما توفره الموهبة ويدلي به العلم وتضافره الثقافة والمعرفة مجدول ذلك كله في عبارة مسبوكة وشحنة محسوبة لإقناع المتلقي، وما لم يصل المحامي إلي الإقناع، فإن مهمته تخفق في الوصول إلي غايتها. لذلك فإن المحامي لا يمكن أن يكون من الأوساط أو الخاملين، وإنما هو شعلة نابهة، متوقدة، متيقظة، موهوبة، ملهمة، مزودة بزاد من العلوم والمعارف لا ينفذ، مستعدة علي الدوام لخوض الصعب وتحقيق الغاية مهما بذلت في سبيلها ما دامت تستهدف الحق والعدل والانصاف.

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل فلسفة الأستاذ رجائي عطية بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة لرؤيته ورؤاه في فلسفة المحاماة والمحامين.

تحيةً مني لأستاذي رجائي عطية الذي لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في رجائي عطية قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين"، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنسانا نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.... وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

بليغ حمدي اسماعيل (التَّجْرِبَةُ الصُّوفِيَّةُ بَيْنَ العَقْلِ والقَلْبِ)

1 ـ بِطَاقَةُ تَعَارُفٍ:

 (قلْبي يُحدّثُني بأنّكَ مُتلِفي    ***    روحي فداكَ عرفتَ أمْ لمْ تعرفِ

لم أقضِ حقَّ هَوَاكَ إن كُنتُ الذي *** لم أقضِ فيهِ أسى ً، ومِثلي مَن يَفي

ما لي سِوى روحي، وباذِلُ نفسِهِ، *** في حبِّ منْ يهواهُ ليسَ بمسرفِ

فَلَئنْ رَضيتَ بها، فقد أسْعَفْتَني؛   ***  يا خيبة َ المسعى إذا لمْ تسعفِ

يا مانِعي طيبَ المَنامِ، ومانحي ***  ثوبَ السِّقامِ بهِ ووجدي المتلفِ)

كل شخوص المشهد الصوفي في تاريخ الإنسانية يسبق الحديث عنهم تقدمة يسيرة إلا سلطان العاشقين عمر بن الفارض، فأبياته وحدها كفيلة بخير تقديم له، وكلما اقترب المطالع والمريد والمحب من سبر أغوار التصوف كلما اصطدم بمقام المحبة التي يعد عمر بن الفارض خير وأصدق تمثيل لهذا المقام بغير منافسة أو اشتراك أو منازعة .

إن عمر بن الفارض كما يقول عنه رائد الدراسات الصوفية جوزيبي سكاتولين ليس بمجهول في الأوساط الصوفية وغير الصوفية أيضاً عربية أم غير عربية، فهو علم من أعلام التصوف الإسلامي، ويكاد وحده الملقب بسلطان العاشقين، مثله في الانفراد كمثل محي الدين بن العربي الذي لقب بسلطان العارفين علماً وحكمة وتجربة استثنائية متفردة . وعمر بن الفارض يعد أحد أقطاب الصوفيين الوحيدين الذين ولدوا في القاهرة ونشأ بها وترعرع وصار صاحب حال ومقام وبها توفي أيضاَ، وله من الأسماء والكنى والألقاب ما تشتهيه الأسماع، فاسمه عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي، وكنيته أبو القاسم، وأبو حفص، ولقبه شرف الدين، وله من النسب حبل متصل ببني سعد، وبنو سعد هم قبيلة السيدة حليمة السعدية مرضعة رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) .

ولقد عاصر عمر بن الفارص أحداثاً مجيدة في التاريخ الإسلامي، أو تلك الحقبة التي شهدت انتصارات عرفت بالنصر الإسلامي، فالبداية أنه أينع زهره في فترة الصعود البطولي للناصر صلاح الدين الأيوبي لسدة مجده وذروته، وعاش في ظل وكنف الملك الكامل في مصر، وشاء الله أن يقبض روحه قبيل سقوط الدولة الأيوبية العتيقة على أيدي المماليك .

والحياة العلمية والبيئة الصوفية والمعرفية لم تكن بجديدة على عمر بن الفارض، حيث تذكر كتب التأريخ لأقطاب ومشاهير الصوفية أن أباه عمل بالفقه حتى أصبح فقيهاً مشهوراً لاسيما وأنه صاحب قضية إثبات ما فرض للنساء على الرجال من حقوق، فكان بذلك أشهر رجال عصره من الفقهاء ولقب في هذا الوقت تحديداً بالفارض، وتولى بعد هذا الإثبات الفقهي نيابة الحكم، ومن الدهشة أن نرى كيف عُرض عليه أن يتولى منصب قاضي القضاة في مصر، وهو أسمى وأرفع المناصب في الحكم، لكنه أبى وانقطع للعبادة في قاعة الخطابة بالجامع الأزهر وظل كذلك حتى مات . وهذا الأب الذي آثر الزهد في المنصب والولاية وفضل الورع والتقوى والانقطاع للعبادة والتفكر والاطلاع والبعد كل البعد عن مظاهر الجاه والسلطان وفتنة الدنيا كان كفيلاً لأن يكون خير مرشد ومرب لهذا الفتى الذي سيصير فيما بعد سلطاناً للعاشقين ومحباً بغير انقطاع أو ملل . يقول بن الفارض:

( ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا *** سر أرق من النسـيم إذا سرى

وأباح طرفي نظرة أملتها         *** فغدوت معروفا وكنت منكرا

فدهشت بين جماله وجلاله      *** وغدا لسان الحال مني مجهرا) .

وواصل عمر بن الفارض رحلته وسياحته العلمية والمعرفية في مصر، ولك أن تعرف أنه تعلم الحديث على يدي واحد من كبار محدثي عصره وهو العلامة الشافعي أبو محمد القاسم بن علي بن عساكر الدمشقي .. والغريب في أمر شهرة عمر بن الفارض أنه لم يترك لنا من آثار تجربته الصوفية سوى ديوان واحد فقط اشتمل على ست عشرة قصيدة، ولم يعثر له على أية رسالة أو كتاب صغير يمكن أن نتلمس آثار تلك التجربة والرحلة الروحية توضح لنا مذهبه واتجاهه الصوفي، ورغم ذلك يظل أرق من تحدث عن العشق الإلهي.

2 ـ العَصْرُ الذَّهَبِيُّ للتَّصَوُّفِ:

ولقد ولد عمر بن الفارض في القرن السابع الهجري، وهو القرن المعروف تاريخياً بالقرن الذهبي للتصوف الإسلامي، إذ أن التصوف وصل فيه إلى قمة  التعبير عن نفسه في مختلف نشاطه عملاً وفكراً . والواقع أن هذه الحقبة كما يشير المؤرخون ظهر فيها أساطين وأقطاب التصوف الإسلامي عبر عصوره، ومنهم عبد القادر الجيلاني، ومحي الدين بن عربي، وأبي حفص السهروردي، وشهاب الدين السهروردي،  وجلال الدين الرومي، وفريد الدين العطار، ويونس إمري،  وشاعرنا الصوفي الكبير عمر بن الفارض .

وفي هذا القرن الاستثنائي في تاريخ التصوف اتخذ التصوف الإسلامي ملامح جديدة ومغايرة للقرون السابقة، فأصبح للتصوف بعد نظري واضح وعميق عما كان عليه من قبل، وفي هذا القرن انفتح التصوف الإسلامي على تجارب ثقافية ومعرفية متميزة ومتباينة أيضاً، فتأثر بكثير من التيارات الفكرية والدينية المنتشرة في ذلك الزمان، ولقد تأثر التصوف الإسلامي جد التأثر في هذا القرن بالتيارات الإيرانية الدينية لاسيما التي عرفت بحكمة الإشراق . ولا شك أن هذه التيارات المختلفة استطاعت أن تكسب التجربة الصوفية المعرفية أنماطاً معرفية جديدة وعمقاً وسعة وشمولية في التفكير لم يعرفها من قبل على حد توصيف المستشرقين بذلك . وفي هذا القرن وجدنا التصوف الإسلامي يطلق العنان لتجاربه والتي تجسدت في ميادين أخرى غير التأليف النثري وبيان الأحوال والمقامات، مثل الشعر والموسيقى والفن المعماري .ولقد أطلق على هذا العصر لقب عصر التصوف الفلسفي .

3 ـ التَّائِيَّةُ .. رِحْلَةُ ابن الفَارِضِ تِجَاه المَعْرِفَةِ:

وكعادة أهل الحب، أعني الصوفيين نجد كلامهم غامضاً بعض الشئ وهم يصفون تجربتهم ويتحدثون عن تفاصيلها، وهو ما نلمحه في قصائد ابن الفارض التي تفوح منها الغموض والمدلولات غير المفسرة لمعانيها المقصودة، ومن ذلك قصيدته الأشهر المعروفة بالتائية الكبرى، والتي يقول فيها:

( سقتني حميَّا الحبِّ راحة َ مقلتي *** وكأسي محيَّا منْ عنِ الحسن جلَّتِ

فأوهمْتُ صَحبي أنّ شُرْبَ شَرَابهِم *** بهِ سرَّ سرِّي في انتشائي بنظرة ِ

وبالحدقِ استغنيتُ عنْ قدحي ومنْ *** شمائلها لا منْ شموليَ نشوتي

ففي حانِ سكري، حانَ شُكري لفتية ٍ *** بهمْ تمَّ لي كتمُ الهوى مع شهرتي) ..

وفي هذه القصيدة الشهيرة تنقسم التجربة الصوفية عند عمر بن الفارض إلى ثلاث مراحل رئيسة، هي: مرحلة الفَرْقِ وفيها يصف الشاعر الصوفي  حالة التفرقة والتمييز عن محبوبه الذي يخاطبه هو بلغة حب عميقة وواسعة، ومرحلة الاتحاد وفيها يصف الشاعر حالة الوحدة بينه وبين محبوبه، أما المرحلة الأخيرة والمسماة بالجمع فيصف الشاعر فيها حالة الوحدة والاندماج بين ذاته هو وكل الموجودات . ويجتهد جوزيف سكاتولين في رصد لغة الحب في تائية ابن الفارض، حيث يقوم بدراستها دراسة دلالية حيث أشار إلى تعدد الدلالات اللفظية للأصول اللغوية: ( حـ ـ ب ـ ب)،   و( حـ ـ بٌ)، و(هـ ـ وـ ى)، و( وـ ل ـ ي) وهي الأصول اللغوية الثابتة التي تشكل مراحلة الثلاث التي سبق سردها .

بجانب بعض الألفاظ التي تشكل محوراً مهماً في القصيدة الأهم في الشعر الصوفي المعروفة بالقصيدة التائية لابن الفارض، ومن هذه الألفاظ: (نفس ـ روح ـ ذات)، وحينما نجد ابن الفارض يتحدث عن ذاته فهو يكشف عن ذاتيته العميقة من خلال عملية يندمج بها مع حبيبته، وهي عملية يسميها النقاد وأهل التأويل النصي بالصيرورة نحو الذات، ولقد عبر عمر بن الفارض عن هذه الصيرورة بعباراته مثل: أنا إيَّاها، وهي إياي، وأخيراً أنا إياي .

ولفظتا نفس وروح من الألفاظ المحورية في شعر عمر بن الفارض وفي الغالب يأتيان دوماً في موقع التوكيد لضمير المتكلم ( أنا)، أو في موقع الإضافة إليه مثل: نفسي وذاتي . أما كلمة (روح) فكما يشير جوزيبي سكاتولين في شرحه لديوان بن الفارض فليس له استعمال كاسم توكيد للأنا، وكثير من اعتاد الحديث عن مفهوم الحب والعشق في قصائد عمر بن الفارض، رغم أن جون آرثر آربري (1973) أشار إلى أن قمة التجربة الصوفية عند ابن الفارض لا يمكن اختزالها فقط في تجربة العشق الإلهي، بل تبلغ القمة مداها حينما نجد الشاعر نفسه يتحدث عن الأنا الجمعي، وهذه الأنا نفسها اللفظ المركزي في قصائده بغير منازع، وربما مقصد التجربة الصوفية الروحية لعمر بن الفارض الأسمى هو الاكتشاف والتحقيق لذاته لأبعد حدود لها . يقول ابن الفارض في تائيته:

(ولولا حِجابُ الكَونِ قُلتُ وإنَّما

                   قيامي بأحكامِ المظاهِرِ مُسْكِتي

فلا عَبَثٌ والخَلْقُ لم يُخلَقوا سُدىً

                   وإنْ لم تكُنْ أَفعالُهُمْ بالسديدَة

على سِمَةِ الاسماءِ تَجري أمورُهُمْ

                   وحِكْمَةُ وصْف الذاتِ للحكم أجرَت

يُصَرِّفُهُمْ في القبضَتَيْنِ ولا ولا

                   فقَبْضَةُ تَنْعِيمٍ وقَبْضَةُ شِقْوَة

ألا هكذا فلتَعرِفِ النّفسُ أو فلا

                   ويُتْلَ بها الفُرقَانُ كُلَّ صبيحة)

وسرعان ما يتحول مركز الثقل في تجربة عمر بن الفارض الصوفية والتي عبر عنها بالشعر من الأنا إلى بحار الجمع، فيتخذ من الأنا الفردية سلماً للصعود إلى الأنا الجمعي أو الأنا الجمعية، وعن هذا نجده يقول:

( فبي دارت الأفلاك فاعجب لقطبها  *** المحيط بها والقطب مركز نقطةِ

ولا قطبَ قبلي عن ثلاث خلفته **** وقطبية الأوتاد عن بدليتي) .

4 ـ الاتَّجَاهُ صَوْبَ القَلْبِ:

وإن كان حديث المعرفة قد تم الإغفال عنه كرهاَ من جاب الذين اهتموا بتاريخ التصوف الإسلامي لاسيما  عند الإشارة إلى عمر بن الفارض كونه شاعراً، فإن تجربة العشق الإلهي هي الأبرز والأكثر حضوراً ونحن إزاء سلطان العاشقين، ولما لا، وقصائد عمر بن الفارض تحتل المكانة الكبرى في أشعار المتصوفة من ناحية، وقصائده التي تناولت هذا المنحى لها النصيب الأكبر من الاحتفاء والاهتمام نقداً وإنشاداً ودراسة من ناحية أخرى، يقول عمر بن الفارض:

(شربنا على ذكر الحبيب مدامة **** سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم

لها البدر كأس وهي شمس يديرها *** هلال وكم يبدو إذ مزجت نجم

ولولا شذاها ما اهتديت لحانها *** ولولا سناها ما تصورها الوهم)

والمحبة عند الصوفية أمر يحتاج إلى تفسير دائم لاسيما وأن كثيراً من الأقلام المتطرفة تأخذه بجانب يخرج صاحبه عن الملة والمعتقد، فالحب عند أهل الحب وهم المتصوفة الأماجد حب لله وهو كما قال عنه الإمام المحاسبي حب محكم رصين، ودوام الذكر بالقلب واللسان لله وشدة الأنس بالله، وقطع كل شاغل شغل عن الله، وتذكار مستدام للنعم . وللإمام المحاسبي نص في ذلك، يقول فيه: " إنَّ أَوَّلَ الْمَحَبَّةِ الطَّاعَةُ وَهِيَ مُنْتَزَعَةٌ مِنْ حُبِّ السَّيِّدِ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ كَانَ هُوَ الْمُبْتَدِئُ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَ عَرَّفَهُمْ نَفْسَهُ وَدَلَّهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ وَتَحَبَّبَ إِلَيْهِمْ عَلَى غِنَاهُ عَنْهُمْ فَجَعَلَ الْمَحَبَّةَ لَهُ وَدَائِعَ فِي قُلُوبِ مُحِبِّيهِ، ثُمَّ أَلْبَسَهُمُ النُّورَ السَّاطِعَ فِي أَلْفَاظِهِمْ مِنْ شِدَّةِ نُورِ مَحَبَّتِهِ فِي قُلُوبِهِمْ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ عَرَضَهُمْ سُرُورًا بِهِمْ عَلَى مَلائِكَتِهِ حَتَّى أَحَبَّهُمُ الَّذِينَ ارْتَضَاهُمْ لِسُكْنَى أَطْبَاقِ سَمَوَاتِهِ نَشَرَ لَهُمُ الذِّكْرَ الرَّفِيعَ عَنْ خَلِيقَتِهِ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ مَدَحَهُمْ، وَقَبْلَ أَنْ يَحْمَدُوهُ شَكَرَهُمْ لِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِيهِمْ أَنَّهُ يَبْلُغُهُمْ مَا كَتَبَ لَهُمْ، وَأَخْبَرَ بِهِ عَنْهُمْ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ إِلَى خَلِيقَتِهِ وَقَدِ اسْتَأْثَرَ بِقُلُوبِهِمْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَدَّ أَبْدَانَ الْعُلَمَاءِ إِلَى الْخَلِيقَةِ، وَقَدْ أَوْدَعَ قُلُوبَهُمْ خَزَائِنَ الْغُيوبِ، فَهِيَ مُعَلَّقَةٌ بِمُوَاصَلَةِ الْمَحْبُوبِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُحْيِيَهُمْ وَيُحْيِيَ الْخَلِيقَةَ بِهِمْ أَسْلَمَ لَهُمْ هِمَمَهُمْ، ثُمَّ أَجْلَسَهُمْ عَلَى كُرْسِيِّ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فَاسْتَخْرَجُوا مِنَ الْمَعْرِفَةِ الْمَعْرِفَةَ بِالأَدْوَاءِ وَنَظَرُوا بِنُورِ مَعْرِفَتِهِ إِلَى مَنَابِتِ الدَّوَاءِ، ثُمَّ عَرَّفَهُمْ مِنْ أَيْنَ يَهِيجُ الدَّاءُ، وَبِمَا يَسْتَعِينُونَ عَلَى عِلاجِ قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِإِصْلاحِ الأَوْجَاعِ، وَأَوْعَزَ إِلَيْهِمْ فِي الرِّفْقِ عِنْدَ الْمُطَالَبَاتِ، وَضَمِنَ لَهُمْ إِجَابَةَ دُعَائِهِمْ عِنْدَ طَلَبِ الْحَاجَاتِ نَادَى بِخَطَرَاتِ التَّلْبِيَةِ مِنْ عُقُولِهِمْ فِي أَسْمَاعِ قُلُوبِهِمْ، أَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: " يَا مَعْشَرَ الأَدِلاءِ، مَنْ أَتَاكُمْ عَلِيلا مِنْ فَقْدِي فَدَاوُوهُ، وَفَارًّا مِنْ خِدْمَتِي فَرُدُّوهُ، وَنَاسِيًا لأَيَادِيَّ وَنَعْمَائِي فَذَكِّرُوهُ، لَكُمْ خَاطَبْتُ لأَنِّي حَلِيمٌ، وَالْحَلِيمُ لا يَسْتَخْدِمُ إِلا الْحُلَمَاءَ وَلا يُبِيحُ الْمَحَبَّةَ لِلْبَطَّالِينَ ضَنًّا بِمَا اسْتَأْثَرَ مِنْهَا إِذْ كَانَتْ مِنْهُ وَبِهِ تَكُونُ فَالْحُبُّ لِلَّهِ هُوَ الْحُبُّ الْمُحْكَمُ الرَّصِينُ، وَهُوَ دَوَامُ الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ لِلَّهِ وَشِدَّةُ الأُنْسِ بِاللَّهِ، وَقَطْعُ كُلِّ شَاغِلٍ شَغَلَ عَنِ اللَّهِ، وَتَذْكَارُ النَّعَمِ وَالأَيَادِي وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِالْجَوْدِ وَالْكَرَمِ وَالإِحْسَانِ اعْتَقَدَ الْحُبَّ لَهُ إِذْ عَرَفَهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ عَرَّفَهُ بِنَفْسِهِ هَدَاهُ لِدِينِهِ، وَلَمْ يَخْلُقْ فِي الأَرْضِ شَيْئًا إِلا وَهُوَ مُسَخَّرٌ لَهُ وَهُوَ أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ فَإِذَا عَظُمَتِ الْمَعْرِفَةُ وَاسْتَقَرَّتْ هَاجَ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ وَثَبَتَ الرَّجَاءُ، قُلْتُ: خَوْفًا لِمَاذَا ؟ وَرَجَاءً لِمَاذَا ؟ قَالَ: خَوْفًا لِمَا ضَيَّعُوا فِي سَالِفِ الأَيَّامِ لازِمًا لِقُلُوبِهِمْ، ثُمَّ خَوْفًا ثَابِتًا لا يُفَارِقُ قُلُوبَ الْمُحِبِّينَ خَوْفًا أَنْ يُسْلَبُوا النِّعَمَ إِذَا ضَيَّعُوا الشُّكْرَ عَلَى مَا أَفَادَهُمْ، فَإِذَا تَمَكَّنَ الْخَوْفُ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَأَشْرَفَتْ نُفُوسُهُمْ عَلَى حَمْلِ الْقُنُوطِ عَنْهُمْ، هَاجَ الرَّجَاءُ بِذِكْرِ سَعَةِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ، فَرَجَاءُ الْمُحِبِّينَ تَحْقِيقٌ، وَقُرْبَانُهُمُ الْوَسَائِلُ، فَهُمْ لا يَسْأَمُونَ مِنْ خِدْمَتِهِ، وَلا يَنْزِلُونَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ إِلا عِنْدَ أَمْرِهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أَنَّهُ قَدْ تَكَفَّلَ لَهُمْ بِحُسْنِ النَّظَرِ " .

ويختتم الكلام عن عمر بن الفارض سلطان العاشقين بإطلالة على عجل بأبيات رائعة من قصيدته " تِه دلالاً " والمعروفة بالدالية:

تِهْ دَلاَلاً فأَنْتَ أهْلٌ لِذَاكا

                        وتحَكّمْ فالحُسْنُ قد أعطاكا

ولكَ الأمرُ فاقضِ ما أنتَ قاض

                           فَعَلَيَّ الجَمَالُ قد وَلاّكَا

وتَلافي إن كان فه ائتلافي

                         بكَ عَجّلْ به جُعِلْتُ فِداكا

وبِمَا شِئْتَ في هَواكَ اختَبِرْنِي

                   فاختياري ما كان فيِه رِضَاكَا

فعلى كُلّ حالَةٍ أنتَ مِنّي

                        بيَ أَوْلى إذ لم أَكنْ لولالكا

وكَفَاني عِزّاً بحُبّكَ ذُلّي

                    وخُضوعي ولستُ من أكْفاكا

وإذا ما إليكَ بالوَصْلِ عَزّتْ

                       نِسْبَتِي عِزّةً وصَحّ وَلاكا)

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

محمود محمد علي"الأسس والمنطلقات"

إنه لشرف كبير أن أكتب عن السيرة والمسيرة لأحد كبار المحامين في مصر والوطن العربي هو أستاذنا المحامي والمفكر والأديب رجائي عطية، الذي أرسي مفاهيم ومبادئ وأسس فن المحاماة في إطارها المعاصر، وارتفع ببنائها شامخاً، ولا زالت بحوثه ودراساته في المحاماة والمحامين تملأ الميدان، ينهل منها طلاب كليات الحقوق والباحثون فيها، فمن فيض عطائه في علم المحاماة تعلم المحامي كيف يكون العطاء، ومن شموخه واعتزازه بنفسه علم كل تلاميذه من المحامين كيف يكون الشموخ؛ كما كان رجائي عطية مثالا يحتذي به للعلماء العاكفين علي العلم، والمتمرسين في تخصصهم، المتعمقين في فروعه وقضاياه، وهو خير مثال علي وعي القضاء وعدله، استوعب في داخله قيم القدوة، وروي هذه القيم من تجربته، وأحاط ذلك كله بوعي ثري، جعله من أبرز وأشهر المحامين طوال 40 عاما وحتي الآن، ومن أقواله :"... فإن المحامي إن فقد القدرة علي الأداء واستشعر الخوف وارتعدت فرائسه، وأحس أنه يمكن أن يهان في لحظة، أو أن يحال بينه وبين أداء واجبه بسطوة السلطة فقد قدرته علي أن يعطيك وفقد قدرته علي أن يحميك .

ورجائى عطية، مؤلف وكاتب مشهود، صاحب حضور متشعب في الحياة النيابية، وفى إتحاد الكتاب، والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ومجمع البحوث الإسلامية، وجمعية المؤلفين، والمجلس المصري للشئون الخارجية، فكان نظره ثاقباً في تأهيل وتكوين الأجيال الجديدة التي تحتل الآن مراكز قيادية بالدولة المصرية ؛ وهو بلا شك يمثل حدوته مصرية تشهد على الآصرة المتينة بين الأدب والمحاماة، والعطاء المتبادل بينهما، بدايات رجائى عطية الأدبية بدأت وهو طالب بكلية الحقوق، واستمرت معه لم تقطعه المحاماة عن عالم الفكر والأدب، ولعل إليهما نبوغه في المحاماة وتربعه على قمتها علما من أعلامها العظام فى هذا القرن والقرن الماضي وواحد من أبرز فلتأتها فى تاريخها كله، فكان سيادته يمثل مسيرة حافلة من العلوم القانونية والمرافعات القضائية، كانت ما بين قضايا اجتماعية وقضايا مؤسسية، وأخري دولية أعادت لنا سيرة أساطين القانون في مصر، رسمت ملامح طريق جديد لمستهل درب القانون وكتبت بحروف من نور لتكون تلك مسيرة الحياة .

ولذلك أقول : قليلون هم أمثال الأستاذ رجائي عطية في عالمنا العربي المعاصر .. قليلون هم الذين جمعوا مثله بعقلانيته وديمقراطيته اللتين تجلتا في فكره وفي سيرته لشخصيته وفي اجتهاداته في ميادين متعددة من المعرفة ؛ في الفقه الإسلامي، وفي علم اللغة، وفي علم التاريخ، وفي الموقف السياسي الجرئ من القضايا العامة في وطنه مصر وفي العالم العربي.

ويستطيع المتتبع لسيرة رجائي عطية أن يري بوضوح أنه كان منذ شبابه الأول، مختلفاً عن سواه من أقرانه في شؤون الدين والدنيا، باحثاً بشغف عن التغيير الديمقراطي في العالم العربي، طامحاً بجهد حقيقي إلي تحقيق ذلك التغيير في الفكر وفي السياسة وفي السلوك، وفي الفهم الحقيقي للدين ولقيمه الروحية، ضد كل أنواع الخرافات والبدع التي أدخلت عليه وجعلته عائقاً أمام التقدم. وهو مستمر في تميزه حتي الآن (متعه الله بالصحة والعافية) . وكان كل من تفرده وتميزه يحملان طابع الثورة وسماتها.

فالثورة بالنسبة له إليه لا تتحقق أهدافها بمجرد الرفض لواقع معين، أو لنظام معين، أو لمنظومة أفكار معينة. بل هو كان يراها عملاً متواصلاً يتصف بالجهد المبدع والشجاع، بحثاً عن البدائل الضرورية للواقع القائم وللنظام ولمنظومة الأفكار السائدة . الثورة، بالنسبة إليه، كانت، في كل حياته وفي عمله الفكري والسياسي، فعل تغيير في كل اتجاه التقدم. هكذا كان موقفه عندما التحق بكلية الحقوق ليصبح واحدا من كبار المحاميين المصريين، فكل شئ من منظار رجائي عطية وظيفة تصب في صالح الحياة الإنسانية تحققاً لحرية الإنسان وسعادته ؛ إذ لا عبث في حركة التاريخ كما كان يقول . ومن هذا المنطلق قرر أن يتخذ من اللغة الموقف الثوري نفسه الذي اتخذه من القضايا الأخرى، عندما اكتشف بوعي مبكر أن اللغة ليست مجرد علاقة تخاطب بين الناس، بل إن لها وظيفة أكبر من ذلك وأشمل، تتمثل في دورها كأداة تقدم.

كانت نظرة رجائي عطية، منذ وقت مبكر إلي الأشياء وإلي الأفكار وإلي الناس أفراداً عظاماً ومؤسسات من شتي الأنواع، محكومة بفكرة أساسية هي فكرة الإبداع الدائم . والإبداع عنده يتطلب بالضرورة، البحث عما يغني حياة البشر، ويحررهم من كل ما يعيق تجدد حياتهم وتطورها، ويحقق لهم الحرية والكرامة والتقدم والساعدة . وهذا ما أكسبه قيمته الفكرية الكبرى، وجعله واحداً من كبار رواد النهضة المعاصرين في ميادين العلم والمعرفة التي اجتهد فيها وأبدع وقدم الجديد الذي رسم له شخصيته المميزة.

ولد رجائي عطية في السادس من أغسطس  عام 1938م بشبين الكوم من محافظة المنوفية وهو نجل المرحوم عطية عبده المحامي (نقيب محامي المنوفية والذي حصل علي ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، عام 1959م )، وحصل علي ليسانس حقوق من جامعة القاهرة عام 1959، وحصل علي دبلوم العلوم العسكرية من الكلية الحربية عام 1961، عمل بالمحاماة (1959- 1961)، ثم بالقضاء العسكري في وظائفه المختلفة وبالمحاكم العسكرية، وعمل بالمحاماة مرة أخري من 1976 وحتي الآن،

لم يكن المفكر الدكتور رجائي عطية ليتحدث بالقانون داخل أسوار المحاكم ويختزل هذا العلم في عقله فحسب، فكان للمحاميين وافر الحظ في أن يستمد من علم رجائي عطية الكثير من خلال لقاءاته وبرامجه التي قدمها علي شاشات الفضائيات والذي كان أبرزها: أمانة صوت العقل، وبرنامج الحقيقة علي شاشة قناة المحور. ولم يكتف رجائي عطية الخلوق إلي التحدث علي شاشات التلفاز من خلال برامج قدمها أو شارك فيها كضيف، بل اتخذ سبيلا آخر، وهو الكتابة فقد كانت له مؤلفات عديدة من أبرزها : من هدي النبوة في مدرسة الرسول، ومن هدي القرآن وذلك الكتاب لا ريب فيه، ويسمك اللهم، ونواب القروض بين الإدعاء والحقيقة، والإنسان والكون والحياة، وقضية الجمارك. وكانت أبرز مؤلفاته الجديدة : دماء علي جدار السلطة، وحقائق القرآن وأباطيل الأدعياء، ومن تراب الطريق " 7 "، وتأملات غائرة، واصطباحة الأحباب ... دعاء ومناجاه، وفي مدينة العقاد المجلد الثاني النبوات والإسلاميات، وماذا أقول لكم، وترجمته لكتاب قد تكون الديانة تجسيد للعقل عن جورج سانتايانا وكتابه حياة العقل...وهلم جرا

وقد اشترك في لجان الدفاع عن الحريات بنقابة المحامين والمنظمات الدولية والاقليمية وفي العديد من المؤتمرات القانونية في مصر والخارج. له اهتمامات أدبية وثقافية فمن البرامج الدورية التي كتبها للإذاعة منذ أوائل الستينات: " من هدي القران – من التراث العربي – في مثل هذا اليوم – الموسوعة الإسلامية – أضواء على الفكر العربي – معركة المصير".

كما كتب عدداً من السيناريوهات للأعمال الدرامية التي قدمت في التلفزيون، مثل قصة رجل المال للأستاذ توفيق الحكيم، وقصة امرأة مسكينة للأستاذ يحيى حقي. كما كتب العديد من المقالات المختلفة والتي نشرت في العديد من المجلات والجرائد اليومية المصرية. واشترك قاضياً أو باحثاً بالقضاء العسكري في أشهر القضايا : اضطلع في المحاماة بالدفاع في أشهر قضايا العصر مثل قضية التكفير والهجرة (1977) خالد الاسلامبولي ( 1981/ 1982) قضية الجهاد ( 1982/ 1983) وزارة الصناعة (1986/ 1987) وغيرها.

كانت له كتابات للإذاعات المصرية والعربية:  الدين والحياة – الموسوعة الاسلامية – أضواء على الفكر العربي – بسم الله – يارب -من هدي القرآن – ذلك الكتاب لا ريب فيه- على طريق الإيمان- سيوف الله- العهد العمري – باسمك اللهم – حطين  – تراجم وسير إسلامية – قرأت لك – المجلة الثقافية – من هدي النبوة – في مدرسة الرسول – من التراث – معركة المصير – مواقف إسلامية – نساء خالدات. كما كانت له مقالات من منشورة : في كل من مجلة منبر الإسلام منذ عام 1969 وصوت الأزهر وجريدة الأهرام الصباحي والأهرام المسائي والأخبار والمصور وأخبار اليوم وروز اليوسف والجمهورية والأهالي واللواء الإسلامي والجيل والأحرار والمال.

ومن الكتابات الدرامية له في التلفزيون المصري : رجل المال لتوفيق الحكيم (سيناريو و حوار)، امرأة مسكينة ليحيى حقي (سيناريو وحوار)، وصمت جاك فارجيون – بول بورجية (سيناريو وحوار.

وكان عضو مجلس الشورى، عضو مجمع البحوث الإسلامية، وعضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، عضو باتحاد الكتاب، خبير بالمجالس القومية المتخصصة، وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية،  رئيس مجلس إدارة جريدة المال.

وقد شهد له الكثير من الباحثين والمفكرين، فنجد الأستاذ خليل الجيزاوي يكتب عنه مقالاً بعنوان : " رجائي عطية  حكيم الفكر والمثقف المستنير" (منشور ضمن مجلة الرافد – عدد 214)؛ حيث قال :" في حياتنا أعلام وقامات قادوا الحركة الفكرية والأدبية والاجتماعية والسياسية، ونجوم أضاءت سماءنا بتعدد مواهبها وعطائها، وفقهاء قانونيون حلقوا بأجنحة الأدب والفكر، فجمعوا بين واقعية القانون، وخبرات المحاماة، وخيال الفن والأدب.. فهو الكاتب المفكر، المبدع، الفقيه، القانوني، الأديب، الباحث، وكاتب السيرة النبوية في رحاب التنزيل.. واستعرض المقال ما قاله "د/ يوسف نوفل" أستاذ النقد الأدبي بكلية البنات بجامعة عين شمس على أن المدخل الثقافي إلى عالم " رجائي عطية " هو التعددية الثقافية. كما أشار المقال إلى أن "رجائي عطية " من أصحاب الرأي الذين لا يخشون فيما يبدون من آراء لومة لائم، ولا يضجرهم أن يختلف معهم غيرهم. واستعرض المقال توجهات "رجائي عطية " في عالم الفكر والأدب بأن بها أكبر الأثر في المواقع التي شغلها وساهم فيها بفاعلية وبعمق فكره وموهبته المتميزة. واختتم المقال موضحاً أن الفكر الإسلامي المستنير هو في أصله حلقات متصلة متعاقبة بين الأجيال، وأن "رجائي عطية " يمثل إحدي حلقات هذا الفكر في عصرنا الحاضر.

كما وصفه تلميذه الأستاذ محمد راضي مسعود (أحد كبار المحامين المصريين) بأنه عرفت هذا الرجل وشاهدته وهو يترافع أمام اصعب الدوائر الجنائية فيأسرها لدرجة انها ابدا لم تقاطعه بل وكأن لسان حالها يطلب منه أن يزيد وألا يتوقف فكلامه منغوم ويستند للقانون وفكره مرتب وتسلسله منطقي لا يوارب ولا يزيف الكلام ومن أجل ذلك احترمه القضاة واجلوه لأنه يعرف ما عليه قبل أن يطالب بما له هذا الرجل اعطى للمحاماة وللمحامين من خلال كتبه ومؤالفته القانونية والأدبية الكثير ومازال لديه المزيد من العطاء للمهنة ولأبنائها الشبان الذين حرمهم القدر من القدوة.. ولكن هذا الرجل هو خير قدوة لهذا الجيل اللامحظوظ الذى حرمه القدر من رؤية اساطين واساطير المحاماة انها كلمة حق هذا الرجل هو امتداد لهؤلاء الاعلام وهو مكمل لتلك السلسلة من هؤلاء العماليق  حق هذا الرجل ومكانته وقدره وعلمه وعبقرتيه وفكره هو ما دعانى للكتابة عنه تلك السطور.

ويستطرد محمد مسعود فيقول :" قدرك أيها العملاق أنك أتيت فى عصر تقزمت فيه الأشخاص والاشياء.. قدرك أيها الصادق الواضح الصريح، أنك أتيت مع أيام النفاق والكذب والمواربة، مع أصحاب الوجوه المتعددة.. قدرك أيها الفارس المبدع، أنك لا تجيد الضرب من الخلف، ولا تعرف إلا مواجهة الفرسان.. قدرك أنك أتيت في زمن القراصنة الأفظاظ قساة القلوب.. قدرك أن رد فعلك لا يتغير بتغير الزمان والمكان والظروف.. قدرك أنك كبير في زمن صغير.. وقدرنا أننا لم نقسطك حقك فكانت خسارتنا أكبر فلم نستفد من علمك وفكرك وحسن بيانك يكفيك أن هناك ألاف يعرفون قدرك ويضعونك على الرأس وفى المقدمة.

كذلك قال عنه تلميذه الأستاذ مجدى عبد الحليم (أحد كبار المحامين المصريين أيضاً):" اسم لا يحتاج الى لقب لتعرفه فهو يعرف نفسه بنفسه فلو قلت عنه المحامي الاديب الذى تتشكل على يديه المعاني وتنساب على لسانه وقلمه الكلمات عذبة فضفاضة في أدب جم ولا يقف المرء أسيراً لبراعة أسلوبه وجمال وتناسق كلماته فحسب، ولكن يأخذه دقة الهدف وسلامة المنطق وصدق التوجه فيما يدعو اليه، فلا يتحدث عن قضية دون علاج، ولا ينادى بشئ دون التزام به أولاً، ولا يدق ناقوس خطر إلا ويضع الحل والعلاج الناجع اللازم له.. يحمل على كتفيه شجون الوطن ويسعى متعبداً من تراب الطريق في دولة الأيام .. حتى كان حصاد رحله عمره ما يقارب الأربعين كتاباً فهو عميد أدب عصره وجيله .

ويستطرد مجدى عبد الحليم: "وإذا اكتفيت بلقب المحامي عنه فأنت بلا شك تقف أمام قامة وهامة ليس لأبناء جيله وعصره فحسب ولكن لكل الاجيال على مدار تاريخ المحاماة فى مصر كلها،فهو محامى، محترف، جسور جسد نموذجا وقدوة وأسوة حسنة، تواصل مع أساتذته العظام والذى يخص دائما منهم بالذكر محمد عبد الله محمد الذى استنشق من رحيق علمه وإنتهل من فيض عطائه الأدبي فى مجال المحاماة مع باقي أساتذته .. ثم سار على درب هؤلاء متخذا منهجا وأسلوبا أشبه أن تكون مدرسة خاصة في المحاماة قدم فيها عطاءه الخاص فصار المثل والقدوة لأجيال المحامين من بعده وأحد عمالقة مهنة المحاماة على مدار تاريخها ثم قدم صكا لكل محام في درته الرائعة رسالة المحاماة التي يجب أن تكون الأساس في مكتبة كل محام بعد أن جمع رصيدا ضخما من حصاد المحاماة لازال يطرح ثماراً يانعة عن عبقرية محام على مدى خمسين سنة محاماة أعطاها الرجل من عمره لهذه المهنة العريقة دون انتظار مقابل ولكنها أعطته الحياة والخلود بين أساطين المهنة كلها سيذكره التاريخ ما بقيت مهنة المحاماة .. ومن هنا يقف الرجل بطبيعته عملاقا بين نجوم الادب والمحاماة لأن نجوميته لم تتحقق من خلال حركة أو زعامة طلابية بين طلاب الجامعة، ولم يتقلب في مدارس سياسية أو فكرية أو عقائدية فلم يحب شيئا ثم يبغضه فنجده مثلا يحب الفن ويستمع الموسيقى ولم يجهد نفسه فى تبرير حرمة الغناء والموسيقى أو حلهما ولم يستخدم خطاب التبرير عن مخالفات الماضي وأخطاء الحاضر ولم يحشد الناس ليخطب فيهم كزعيم أو نائب فى البرلمان بل كان دوما المحاضر والمفكر والاديب والمترافع ترسخت كل قناعاته من صميم وجدانه وتركيبة شخصيته وتصدر قرارته من أم رأسه لا يمليها عليه أحداً غيره ولا يتحمل نتائجها إلا هو وحده.. إنه رجائي عطية.

وفي نهاية حديثنا عن رجائي عطية لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لأستاذنا الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

نبيل عبدالامير الربيعيلقد اختلف الكثير من العلماء والمستشرقين والباحثين في نسبهم وعقائدهم وعوائدهم الاجتماعية وخاصة الأمة المندائية، وبسبب سريّة معتقداتهم وعدم إدراك حقائقهم، والوقوف على أصول أوامرهم ونواهيهم، المرء لا يعرف فضل دينه إلا وأن يعلم شرائع الأمم السَّائرة، والفضيلة للعلماء، والمقام الأسمى لديانتهم الموحدة، الذي فيه علينا من حرج وصعوبة كما شهدت به هذه الأمة وغيرها بكماله وفضيلته علينا.

الصابئة المندائيون أقدم الجماعات التي عاشت في بلاد الرافدين، فهم قوم ساميون، وقد اختلف الباحثون والدارسون في زمن ظهور العقيدة المندائية كما اختلفوا في الموطن الأصلي للمندائيين، وبلادهم وموطنهم الأصلي بلاد الرافدين، والدليل هو بعض المخلفات السومرية التي ما زالت في هذه العقيدة وطريقة كتابة الأدب المندائي التي تتشابه مع صيغة كتابة الأدب البابلي وبخاصة في لغة التلمود، ناهيك عن اللغة ومفرداتها التي ما زالت شائعة في الجنوب العراقي خاصة، وإنهم يحفظون شريعة آدم عليه السلام الذي يعدونه أول أنبيائهم، ويعظمون شيت وسام في نصوص كتبهم الدينية، ويعدونهم معلميهم وأنبيائهم حتى زمن النبي يحيى بن زكريا عليه السلام، الذي يعدونه هو الآخر نبي لهم ومعلمهم الذي أعاد بعث ديانتهم القديمة، وأجرى رسم التعميد وهو السُّنة التي جرَت لآدم عليه السلام وهم عليها دائبون.

وديانتهم من أقدم الديانات الروحية في العالم، وهم أحد الأدلة الحيّة على حضارة بلاد الرافدين، لكن لم يتبق منهم سوى بضعة آلاف بعد أن عاشوا على أرض العراق عشرات القرون. وقد اطلق عليهم أهم التسميات في بلاد الرافدين منها: المندائيون. من مندا أي العارفون بوجود الحيّ العظيم أي الموحدون. والناصورائيون. وهي تسمية قديمة جداً، وتعني المتبحرين أو العارفين بأسرار الحياة أو المراقبين. والصابئة. ومن «صبا» أي المصطبغون (المتعمدون) باسم الرب العظيم. والمغتسلة. من غسل أي تطهر ونظف وأطلقها المؤرخون العرب، وذلك لكثرة اغتسالهم بالماء. واطلق عليهم تسمية «شلماني» من شلم أي سلم، وهي تسمية آرامية مندائية تعني المسالم. وأطلق عليهم «أبني أنهورا». أي أبناء النور وهي تسمية أطلقت عليهم من كتبهم الدينية. وأطلق عليهم «اخشيطي» من كشطا أي أصحاب الحق أو أبناء العهد، أيضاً أطلقت عليهم في كتبهم الدينية.

وما زلنا نؤمن أن الديانة المندائية ولدت في بلاد الرافدين، وإن شعبها الناصورائي هو أحد شعوب العراق القديم مثله مثل السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين، لكن هذا الشعب لم يكوَّن له دولة أو كياناً سياسياً ذات شأن لعزوفه عن مغريات السلطة والسياسة والجاه، ولا شك أنه حمل تراثاً روحياً عظيماص شفاهياً في تلك العصور، لكن تدوين هذا التراث حصل مع سيادة اللغة الآرامية في العالم القديم، وبذلك تمّ تدوينه بلهجة آرامية هي المندائية، وهنا تغير اسم هذا الشعب من الناصورائيين إلى المندائيين.

إنّ دراسة دين الصابئة المندائيين مهمة جداً للبحث في العقائد الدينية الأخرى، فهي مهمة من حيث المكان والزمان والموضوع لأنها قديمة العلاقة بكل مكان تتعلق به سيرة الأديان الأخرى وبخاصة سيرة الخليل عليه السلام، ثمَّ لأنّ لغتها المقدسة تشير إلى زمان متوسط بين اللغات القديمة المهجورة واللغة الآرامية الحديثة، كما أنها ترينا ملتقى التوحيد القديم والوثنية القديمة، وقد نجد فيها الاصطدام بين هاتين العقيدتين فهي ليست ديانة وثنية ولا إيمان لها بالكواكب من جهة، ثمَّ لا خلاص مطلقاً فيها من بقايا الوثنية القديمة وتعظيم الكواكب.

دراسة نحلة الصابئين وهي نحلة من نِحل الديانات الرافدينية الأصيلة والقديمة مهمة في دراسة الأديان على العموم، فالمندائيون طائفة عراقية قبل أن تكون أي شيء آخر، بل أنها كما تشير طقوسها صلة الحاضر بالماضي البابلي والأكدي والنبطي في العراق.

إن الصابئة المندائيون في العراق اليوم هم بقايا طائفة دينية عاشت في هذه البقعة من العالم منذُ آلاف السنين، وهي الآن في طريقها إلى التطور الديني بسبب التحضر والتمدن فلا بد أن يبعدها كثيراً عن طقوسها وشعائرها الأولى، بسبب سكن المندائيين الحواضر وابتعدوا عن شواطئ الأنهار وتفرقوا في المدن طلباً للرزق وهاجروا البلاد بسبب الأحتراب الطائفي الذي مر به العراق ما بعد عام الاحتلال الأميركي 2003م، فضلاً عن دخول أبنائهم الوظائف الحكومية وترك مهنهم التي كان آباؤهم يجيدونها، وقد ابتعدوا كثيراً عن الصابئين الذين كانوا يمارسون شعائرهم بصورة بدائية كما كان يمارسها الأسلاف، فاستعاضوا في كثير من شعائرهم بالماء المعقم بدلاً من ماء النهر الجاري، وحلقوا شعور رؤوسهم وذقونهم، واتخذوا الزي العصري لباساً لهم كسائر الأقوام من حولهم تمشياً مع ظروف العصر، وامتزجوا مع المجتمع العراقي امتزاجاً كاملاً لم يعودوا يميزون فيه عمن حولهم بأي شيء.

كما أن نصوصهم الدينية التي ما زال المندائيون يحتفظون بها تبرز التوحيد واضحاً في عقيدتهم، وتركز على الخلق والخالق وصراعات كينونة العوالم والعالم الآخر النوراني وحتمية العودة إليه، وتميزت طقوسهم الدينية وشعائرها التي ارتبطت بالماء والتعميد به يشكل طهارة للنفس والبدن، وكانت بداية التعميد للملاك «هيبل زيوا» وتعميد آدم وشيت وسام عليهم السلام. ولذلك تجد قربهم من الأنهار ومواقع وفرَّة المياه التي لم يبتعدوا عنها لأي سبب كي لا يتوقف عندهم الطقس الديني.

يشير كتابهم المقدس «الكنزا ربّا» إلى أن المعرفة قد كشفت لآدم من الله الحي الأزلي، وهو الذي سجدت له الملائكة، بل كشفت له المعرفة وعُلَّم الأسماء، كما أن الطوفان لم يبق من البشرية إلا نوحاً وأولاده الثلاثة الذين تشكلت منهم دورة حياة جديدة، هم «سام وحام ويافت»، ومن هؤلاء الثلاثة جاءت القبائل والشعوب وجاءت لغاتها.

كما أن لغتهم المندائية يصنفها اللغويون بأنها واحدة من عائلة اللغة السامية، ويعدونها الفرع النقي للغة الآرامية الشرقية في بلاد الرافدين، التي اشتملت على الآرامية الشمالية لغة الآشوريين والآرامية الجنوبيى لغة البابليين. وإن وجود المندائيين سابق لظهور اللغة المندائية، وقد أكدت الحفريات التي تمت قرب مدينة الرِقَة في أعالي نهر الفرات وكذلك في جنوب العراق في أطلال تلّو تم العثور على عملات نقدية تحتوي كتابات تبين أنها قد كتبت بأبجدية اللغة المندائية، ومن خلال اسماء وصور الملوك الظاهرة في هذه النقود ومقابلتها مع مصادر المعلومات الرومانية واليونانية المتوافرة تبين أن تاريخ أقدم النقود التي تم العثور عليها لحد الآن إلى حوالي منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، أي عام 165 ق.م كما ذكر ذلك الراحل عزيز سباهي في كتابه «أصول الصابئة ومعتقداتهم الدينية».

أول بحث اهتم بديانة الصَّابئة صدر بالسويد عام 1691م، وأول كتاب ينشر بالعربية عن الدِّين المندائي هو «مندائي أو الصَّابئة الأقدمين» لعبد الحميد بن بكر أفندي عبادة (ت 1930)، «طبعة الكتاب الأولى: بغداد، مطبعة الفرات 1927»، كان الكتاب ملخص حوار أجراه عبد الحميد عبادة عام 1925 مع رئيس الصَّابئة المندائية «الشَّيخ كنزبرا دِخَيَّل بن عبدان» بالناصرية جنوب العراق يوم كان موظفاً هناك، ويذكر د. رشيد الخيون قال : «ولعلَّ عبادة أخذ نصوصاً كاملة من بحث (الصَّابئة عقائدهم وتقاليدهم) للباحث الدَّمشقي نقولا سيوفي (ت1901) وكان زار بغداد العام 1873، والتقى بأحد أولاد شيوخ الصَّابئة واسمه آدم، وصنف كتابه بالفرنسية العام 1880، واطلعنا على ترجمة لمواده بالعربية في مجلة (البيان) (1897)، ومِن مقالات الكرملي، دون الإشارة إليهما. غاب كتاب عبد الحميد أفندي عبادة بعد صدور كتاب عبد الرَّزاق الحَسني (الصَّابئون في حاضرهم وماضيهم)، الذي صدرت منه الطَّبعة الأولى (1931) والعاشرة (1980). لم يًعَد (كتاب مندائي) بعد وفاة مؤلفه (1930) أي بعد صدوره بثلاثة أعوام، والمفاجئ في الأمر أن الحسني. بعد الاستفادة من فكرة الكتاب، وموضوعه للكتابة والتأليف في الملل والنحل، اختطف الكثير من مقالة نقولا سيوفي ونصوص كتاب عبادة دون الإشارة، إلا في مكان لا علاقة لهُ بالنُّصوص الرَّئيسة المقتبسة، ولا يبرر لهُ انتحاله ذِكر الكتاب في ثبت المراجع، وكذلك فعل مع ما كتبه الأب الكرملي في (المشرق) البيروتية، فقد أخذ ما جناه الكرملي من الكتب القديمة مع تعليقاته عليها، فكتب: قال ابن خلدون وقال الآمدي وغيرهما، مع أنه جناها من مقالة الكرملي.. إن استولى الحسني على جهود عبادة والكرملي، فهو ذكرهما في ثبت المصادر، لكن الأكاديمي السوري ورئيس قسم الجغرافية بجامعة حلب محمد التَّنجي سطا على كتاب الحسني (اليزيديون في حاضرهم وماضيهم) ليجعله كاملاً، مع بعض التَّغييرات... ومثلما تعرض كتاب الحسني (اليزيديون...) للسطو، تعرضت كتب الليدي دراوور (الصَّابئة المندائيون) وكورت رودولف (النشوء والخلق في النصوص المندائية)، وغضبان الرومي (الصَّابئة) من قبل العراقي محمد الجزائري في (المندائيون الصَّابئة)»([1]).

هذه المقدمة هي لكتابي المقبل تاريخ الصَّابئة المندائيون في العراق «أصولهم ومعتقداتهم» الذي أوشكت على إنجازة وهو قيد المراجعة اللغوية والطباعية، اتمنى أن يروق للقراء والمهتمين بتاريخ ومعتقدات الصابئة المندائيون في العراق الدينية. الكتاب يتضمن (13) فصلاً ومن القطع الوزير الذي تجاوز (500) صفحة من الحجم الوزيري.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

............................

[1] الخيون. رشيد. الدِّيانة المندائية كع الصَّابئة المندائيين في فقه وتاريخ الإسلام. دار مدارك للنشر والتوزيع. الرياض. ط3. نوفمبر 2015. ص13/14؛ الشرق الأوسط 18 ديسمبر كانون الأول 2001.

 

 

فالح الحجيةهو أبو الوليد حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الخزرجي الأنصاري ويكنى أبو الوليد وقيل: يكنى أبو عبد الرحمن وقيل: أبو الحسام.

اما أمه فهي الفريعة بنت خالد بن خنيس بن لوذان بن عبدون بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن كعب بن ساعدة الأنصارية.

ولد سنة ستين قبل الهجرة و نشا في بيت عز وشرف وغنى

فهو شاعر عربي مخضرم عاش الجاهلية والاسلام وصحابي جليل من الأنصار ينتمي إلى قبيلة الخزرج ومن أهل (يثرب) المدينة المنورة التي نورها الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم بهجرته المباركة اليها ومن بني النجار (اخوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم واخوال جده عبد المطلب بن هاشم، حيث تزوج هاشم اثناء مرور قافلته التجارية ب (يثرب) قاصدا الشام وهي (رحلة الصيف) فمكث فيها مدة تزوج فيها (سلمى بنت عمرو بن عدي) من بني النجار من الخزرج فتركها في (يثرب) حاملا وسار بقافلته الى الشام آملا الرجوع اليها عند عودته من الشام الا انه وافته المنية في ارض الشام في مدينة (غزة) من ارض فلسطين ودفن هناك .

فولدت سلمى هذه بعد وفاة زوجها هاشم ولدا اسمته (شيبة) حيث قيل انه لما ولد وجد في رأسه الشيب . وقد نشأ (شيبة) في يثرب بين اخواله حتى بلغ ثماني سنوات فعلم بذلك اعمامه فطلبه اخوه المطلب بن ها شم واخذه الى مكة فكان اغلب الناس لا تعلم انه ا خوه وظنوا انه عبده فقيل (عبد المطلب) وهو جد النبي محمد صلى الله عليه وسلم فكانت هذه (شهرته).

لاحظ كتابي (شذرات من السيرة النبوية المعطرة)

وقيل ان ابا حسان ثابت بن المنذر الخزرجي كان من سادات قومه ومن اشرافهم .اسهم في الخصومات بين الاوس والخزرج فهجا الاوس ونال منهم .

مدح حسان في الجاهلية الغساسنة ملوك الشام قبل الاسلام فاغدقوا عليه المال و من شعره فيهم:

لله درّ عصابةٍ نادمتهم

يوماً بجلَّقَ في الزمان الأولِ

أولاد جفنة حول قبر أبيهمُ

قبر ابن مارية الكريم المفضلِ

يسقون من ورد البريص عليهمُ

برَدى يصفّق بالرحيق السلسلِ

بيضُ الوجوه كريمةُ أحسابهم

شمَ الأنوف من الطراز الأولِ

يغشون حتى ما تهرّ كلابهم

لا يسألون عن السواد المقبلِ

وكذلك مدح المناذرة ملوك الحيرة وغيرهم الا انه بعد مجيء الاسلام واعلان اسلامه اختص في مدح الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ومدح المسلمين وفخر بهم وكني ب(شاعر الرسول) .

وأهدى لهُ النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد اسلامه جارية قبطية كان قد اهداها اليه (المقوقس) ملك الاقباط واسمها سيرين بنت شمعون فتزوجها حسان وأنجبت منهُ ولدهُ عبد الرحمن وحسن إسلامها و هذه هي أخت مارية القبطية زوجة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أي ان النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان عد يله .. و من هنا يتضح انه تربطه به علاقة قرابة وعلاقة مصاهرة .

أصيب بالعمى قبل وفاته ولم يشهد مع النبي مشهدًا او معركة لعلة أصابته ويعد في طبقة المخضرمين من الشعراء لأنه أدرك الجاهلية والإسلام وله شعركثير في كلا من العصرين .

وقد عاش ستين سنة في الجاهلية، ومثلها في الإسلام وتوفي في المدينة المنورة سنة أربع وخمسين للهجرة وله مائة وعشرون سنة في خلافة معاوية بن ابي سفيان في رواية اخرى توفي في خلافة علي بن ابي طالب سنة اربعين هجرية وعمره مائة وخمس سنين وهذا الخلاف موجود في اغلب سيرالشعراء . وهو القائل :

أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا

وابن الفريعة أمسى بيضة البلد

يمتاز شعره بقوته ومتانته وبلاغته بحيث كان سوطا لاذعا لظهور اهل الشرك والكافرين بعد اسلامه . اتخذه الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم شاعره المفضل وحثه على قول الشعرفي مدح المسلمين والفخر بهم ومناجزة شعراء الشرك والجاهلية وهجاء كفار قريش والرد على كل شاعر يهجو المسلمين من شعراء الشرك .

يقول النقاد والمختصون في الشعر ان شعره في الجاهلية اقوى واحسن وافضل من الشعر الذي قاله في الاسلام ويرجعون او يعولون ذلك لانبهاره في اساليب القران الكريم ومعانيه وتقييده شعره بقيود اخلاقية اسلامية منها الكذب المبالغ فيه حد الاسراف كما انه اسلم بعد ان بلغ الستين من عمره وتكون قد انطفأت ثورة عاطفته او جذوة شاعريته .

اما انا فلي قول اخر في ذلك هو ان الشاعر حسان بن ثابت قال الشعر في الجاهلية والإسلام و في هذا المقال الموجز سابين رأيّ في شعره في كلا العصرين :

يقول اغلب النقاد إن شعر حسان بن ثابت الجاهلي أقوى من شعره الإسلامي في كل قصائده وهذا حكم – كما اراه - قاس وصارم فقد طرق حسان أكثر الإغراض الشعرية فقد شبب ومدح وهجا ورثا ووصف وافتخر وفخر وحكم مثله مثل كل الشعراء يقول:

نسبي اصيل في الكرام ومذودي

تكوى مواسمه جنوب المصطلي

بدأ قصيدته اعلاه في الغزل كعادة الشعراء الجاهليين قبله وتساءل عن ديار الأحبة وتنقل بين البضيع والجوابي وحومل وانتقل إلى مدح الغساسنة حكام الشام في مدينة (جلّق) ثم عرج على الخمرة واحتسائها ثم افتخر بنسبه الأصيل وإذا أمعنا النظر في هذه القصيدة او في غيرها من شعره الجاهلي نلاحظ متانة شعره وبلاغته وقوة الفاظه وصلابتها في كثير من الأحيان وكذلك الشعراء كانوا يفعلون إذ يخرجون في القصيدة الواحدة إلى إغراض شتى إذ تبدأ قصائدهم بالغزل والبكاء على الإطلال أو وصف الخمرة ثم ينحدر من فن لاخر وهذا بلا شك يفتح أمام الشاعر أجواء شعرية واسعة فتاتي قصيدته قوية متينة وطويلة لذا كان الشعر الجاهلي بليغا وقويا. يقول في قصيدته:

توحْ منَ الحسناء أمْ أنتَ مغتدي،

وكيفّ انطلاقُ عاشقٍ لمْ يزودِ

تَرَاءتْ لَنا يَوْمَ الرَّحيلِ بمُقْلَتيْ

غَرِيرٍ بمُلْتَفٍّ مِن السِّدْرِ مُفْرَدِ

وجيدٍ كجيدِ الرثمِ صافٍ، يزينهُ

توقدُ ياقوتٍ، وفصلُ زبرجدِ

كأنَّ الثُّرَيّا فَوْقَ ثُغْرَة ِ نَحْرِها

توقدُ، في الظلماءِ، أيَّ توقدِ

لعَمْري لَقدْ حالَفْتُ ذُبْيانَ كُلَّها

وعبساً على ما في الأديمِ الممددِ

وأقبلتُ منْ أرضِ الحجازِ بحلبة

تَغُمُّ الفَضاءَ كالقَطا المُتَبَدِّدِ

تحملتُ ما كانتْ مزينة ُ تشتكي

منَ الظلمِ في الأحلافِ حملَ التغمدِ

أرَى كثْرَة َ المَعْرُوفِ يورِثُ أهْلَهُ

وسَوَّدَ عَصْرُ السَّوْءِ غَيْرَ المُسَوَّدِ

إذا المرءُ لمْ يفضلْ، ولم يلقَ نجدة

معَ القَومِ فَلْيَقْعُدْ بِصُغْرٍ ويَبعَدِ

وإنّي لأغْنى النّاسِ عَنْ مُتكلِّفٍ

يَرَى النّاسَ ضُلاَّلاً وليس بمُهْتدي

كَثِيرِ المُنى بالزَّاد، لا خَيْرَ عِندَهُ

إذا جاعَ يوماً يَشْتَكِيهِ ضُحى الغدِ

اما شعر حسان في الاسلام فيتميز بطبقة شعرية عالية رفيعة جمعت بين بيان الجاهلية ومعارفها وحداثة الاسلام وروحانيته الواسعة وافر البيان جزل الالفاظ واسع البلاغة يعود ذلك الى صلته الشديدة والقريبة من موقع مهبط الوحي وقربه من معين الأدب الإسلامي حيث كان يستمع إلى القرآن الكريم ويحفظه فشعره قد تحلى بالفصاحة الخالصة من شوائب اللفظ وغريب العبارة والتعقيد فشعره حسن مفهوم خال من حوشي الكلام زاخر بالمعاني الاسلامية الجديدة والاغراض السامية النبيلة ينهل من بحر المدرسة المحمدية التي التزم بها و أصبح لا يفارقها واذا كان غيره قد انبهر بالقرآن الكريم فحسان بن ثابت استغل هذا الاسلوب في شعره وانشد فيه واتخذه نبراسا لقصائده بعد اسلامه .

من جهة اخرى انه كان شاعرا في الجاهلية شاعرا في الإسلام فازداد قوة شعرية ورفعة ومتانة فعمره الطويل وعراكه مع الزمن وتجربته الشعرية وحاجة الإسلام إليه في الذود عنه وعن شخصية الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وتشجيع النبي صلى الله عليه وسلم المستمر له قادته إلى السمو والعلى .

وقال في رد على الشاعر الزبرقان التميمي لما وفدت تميم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة:

هل المجد إلا السؤدد العود والندى

وجاه الملوك واحتمال العظائم

نصرنا وآوينا النبي محمدا

على أنف راض من معد وراغم

بحي حريد أصله وثراؤه

بجابية الجولان وسط الأعاجم

نصرناه لما حل وسط ديارنا

بأسيافنا من كل باغ وظالم

جعلنا بنينا دونه وبناتنا

وطبنا له نفسا بفيء المغانم

ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا

على دينه بالمرهفات الصوارم

ونحن ولدنا من قريش عظيمها

ولدنا نبي الخير من آل هاشم

بني دارم لا تفخروا إن فخركم

يعود وبالا عند ذكر المكارم

هبلتم علينا تفخرون وأنتم

لنا خول ما بين ظئر وخادم

فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم

وأموالكم أن تقسموا في المقاسم

فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا

ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم

(راجع كتابي (شذرات من السيرة النبوية المعطرة)

صفحة \281 وما بعدها)

قال ابن سلاّ م في طبقاته للشعراء متحدثا عن شعراء الإسلام: (وأشهرهم حسان بن ثابت وهو كثير الشعر جيده) من هذا نستنتج إن شعر حسان في الإسلام يضاهي شعره في الجاهلية أو يزيد عليه لنقرأ له هذه الأبيات الإسلامية لنلاحظ قوة شاعريته وصياغته الشعرية وجزالة شعره وبلاغته ونلاحظ تاثير الاسلام على هذه الشاعرية الفذة:

الله ا كرمنا بنصر نبيه

وبنا أقام دعائم الإسلام

وبنا اعز نبيه وكتابه

وأعزنا بالضرب و الإقد ام

في كل معترك تطل سيوفنا

فيه الجماجم عن فراخ الها م

ينتابنا جبريل في أبياتنا

بفرائض الإسلام والإحكام

يتلو علينا النور فيها محكما

قسما لعمرك ليس كالأقسام

نلاحظ جودة شعره وتأثير الإسلام فيه واقتباسه في شعره من آيات القرآن الكريم فما اقتبسه من القران الكريم واحاديث الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم زادت في شاعريته وروت شعره من معينها قوة وبلاغة وسهولة وفصاحة حتى بلغ الذروة حتى يحق لنا ام نقول ان حسان بن ثابت هوامير الشعر و امير الشعراء في صدر الاسلام . رحم الله حسان فهو سيد الشعراء المخضرمين وأسعدهم .

ومن جميل شعره هذه الابيات:

عفتْ ذاتُ الأصابعِ فالجواءُ

إلى عذراءَ منزلها خلاءُ

ديارٌ منْ بَنِي الحسحاسِ قفرٌ

تعفيها الروامسُ والسماءُ

وكانتْ لا يزالُ بِها أنيسٌ

خلالَ مروجها نعمٌ وشاءُ

فدعْ هذا، ولكن منْ لطيفٍ

يؤرقنِي إذا ذهبَ العشاءُ

لشعثاءَ التي قدْ تيمتهُ

فليسَ لقلبهِ منها شفاءُ

كأنّ سبيئةً من بيتِ رأسٍ

يكونُ مزاجها عسلٌ وماءُ

عَلى أنيابها، أو طعمَ غضٍّ

منَ التفاحِ هصرهُ الجناءُ

إذا ما الأسرباتُ ذكرنَ يوما

فهنّ لطيبِ الراح الفداءُ

نوليها الملامةَ، إنْ ألمنا

إذا ما كانَ معثٌ أوْ لحاءُ

ونشربها فتتركنا ملوكا

وأسدًا ما ينهنهنا اللقاءُ

عدمنا خيلنا، إنْ لَم تروها

تثيرُ النقعَ، موعدها كداءُ

يبارينَ الأسنةَ مصعداتٍ

عَلى أكتافها الأسلُ الظماءُ

تطلُّ جيادنا متمطراتٍ

تلطمهنّ بالخمرِ النساءُ

فإما تعرضوا عنا اعتمرنا

وكانَ الفتحُ، وانكشفَ الغطاءُ

وإلا، فاصبروا لجلادِ يومٍ

يعزُّ اللهُ فيهِ منْ يشاءُ

وجبريلُ أمينُ اللهِ فينا

وروحُ القدسِ ليسَ لهُ كفاءُ

وقالَ اللهُ : قدْ أرسلتُ عبدًا

يقولُ الحقَّ إنْ نفعَ البلاءُ

شهدتُ بهِ فقوموا صدقوهُ

فقلتمْ : لا نقومُ ولا نشاءُ

وقالَ اللهُ : قدْ يسرتُ جندًا

همُ الأنصارُ، عرضتها اللقاءُ

لَنَا فِي كلّ يومٍ منْ معدٍّ

سبابٌ، أوْ قتالٌ، أوْ هجاءُ

فنحكمُ بالقَوافِي منْ هجانا

ونضربُ حينَ تَختلطُ الدماءُ

ألا أبلغْ أبا سفيانَ عنِّي

فأنتَ مجوفٌ نَخبٌ هواءُ

بأنّ سيوفنا تركتكَ عبدًا

وعبدَ الدارِ سادتها الإماءُ

هجوتَ محمدًا، فأجبتُ عنهُ

وعندَ اللهِ فِي ذاكَ الجزاءُ

أتَهجوهُ، ولستَ لهُ بكفءٍ

فشركما لخيركما الفداءُ

هجوتَ مباركا، برًا، حنيفا

أمينَ اللهِ، شيمتهُ الوفاءُ

فمنْ يهجو رسولَ اللهِ منكمْ

ويَمدحهُ، وينصرهُ سواءُ

فإنّ أبِي ووالدهُ وعرضي

لعرضِ محمدٍ منكمْ وقاءُ

ومن هنا يتبين ان الشاعرالفطحل حسان بن ثابت (شاعرالرسول) انتقل بروحه من الجاهلية الى الاسلام وتاثر في كل قصص القران الكريم والاساليب القرانية والحديث الشريف وما جاءت به الشريعة الاسلامية اذ تصب في عصره لقربه من الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وقرابته منه حيث انه كان عديله فاهتم به كثيرا وان عمره الطويل عركه فكانت قصائده في مدح الحبيب المصطفى وفي شهداء المسلمين كثيرة فهو بحق امير الشعر واميرالشعراء في عصر صدر الاسلام حيث انه هو الافضل في شعره وافضل الشعراء فيما قالوه في هذا العصر واقربهم اليه مقالة

 

امير البيان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلد روز

 

نور الدين صمودما انفك الشيخ عبد المقصود خوجه يكرم العلماء وأعلام الفكر والمعرفة في ندوته الأسبوعية التي أطلق عليها اسم اليوم الذي تجري فيه الاثنينية وظلت أعمالها تنشر كل ما يجري فيها منذ  سنة 1983 علما بأن صاحب هذه الندوة هو ابن الصحفي الكبير صاحب جريدة أم القرى التي كانت تصدر في خمسينيات القرن الماضي وهو أيضا ناشر كتاب (وحي الصحراء) مع الشاعر عمر بلخير وقد نشر في القاهرة وقدمه إلى القراء محمد حسين هيكل. وقد حضر  الشاعر التونسي نورالدين صمود حفل تكريم الشاعر محمود عارف وهي رقم 9 ثم توالى حضوره لها ضيفا إلى أن شمله التكريم في الندوة التي خصة بها، التي قال فيها مُكرمه عنه الكلمة التالية.

وهذه كلمة صاحب الاثنينية الشيخ عبد المقصود في تكريم  نورالدين صمود.

 

في حفل تكريم الشاعر نور الدين صمود

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخوات والإخوة ...الأستاذات والأساتذة الأكارم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يسعدني أن أرحب بكم في هذه الأمسية التي  تزدهي بأحد أعلام الأدب والشعر في تونس الخضراء الذي قدِم منها خِصيِصا لِتـَشـرُفـوا به في هذا اللقاء، وباسمكم جميعًا أتوجه بالشكر والتقدير والترحيب لضيفنا الكريم معالي الدكتور نور الدين صمود، الذي تفضل بتلبية دعوة الاثنينية وتشريفها بتكريمه والاحتفاء به وبمسيرته العطِرة في دنيا الكلمة...

الإخوة الأحبة لضيفنا الكبير وشائج صداقة و محبة و إخاء مع كثير من رجالات الثقافة والأدب والفكر في بلادنا الحبيبة،  فقد عرف الترحال منذ مراحل طلب العلم وأصبح خصلة أحسب أنه قبلها بارتياح لأنها تماهت مع ميوله الشخصية . فهو ذو شخصية منفتحة بطبيعتها نحو الآخر وقد تواصل مع هذا المنتدى منذ وقت طويل في أكثر من مناسبة و كانت له مداخلات وقرأ بعض قصائده المميزة على نخبة من رواد "الاثنينية" أثناء حفل تكريم شاعرنا الكبير محمود عارف – رحمه الله – وذلك بتاريخ  21 .6 .1403 هـ - الموافق .  4  . 4 . 1983  م . وهي كما تعلمون السنة الأولى لانطلاقة هذا المنتدى. وإذ نسعد بتكريمه هذه الأمسية فإنما نفتح صفحة جديدة في دفتر هذه العلاقات الوطيدة التي ظلت نشطة رغم بعد الشقة والشواغل الجمة التي تستأثر بجل أوقاته فهو أديب مطبوع مفتون باللغة العربية مولع بالشعر مبدع في الكثير من أغراضه حتى إنه غامر بدخول عالم الطفل ليخاطب وجدانه شعرا وعندما أقول "غامر" فإنني لا أضع الكلمة جزافا فقد وصف نفسه بهذه الصفة في قصيدته الموسومة "الطفل الخالد" حَـفِيًّا بالطفولة متلفـِّعا بالثورة ناشدا الحرية مع الفراشات و بين الحقول، وقد بدأ بهذا بنيان الصلة من مرحلتها الأولى. ولشاعرنا الكبير صولات وجولات في عالم الشعر والنثر، وله رؤاه التي قد نختلف أو نتفق معه بشأنها ولكننا نحترمها لأنها من عالم سبر غور الكلمة. و تعامل مع مختلف التيارات الأدبية و نظم الشعر العمودي وشعر التفعيلة وتلاقحت أفكاره مع كثير من رواد الأدب والصحافة والفكر في مختلف الدول العربية وغيرها من الدول الشرقية و الغربية بالإضافة إلى مشاركاته التي شملت العمق الإفريقي فهو، بحمد الله، شعلة نشاط ثقافي وأكاديمي لا يهدأ ولم يبخل عليه بهذه الزيارة التي نعتزّ بها رغم عودته مباشرة من رحلتين متتاليتين لكل من البرازيل و السينغال لم يفصل بينهما سوى أيام قلائل، وليس ذلك بغريب عليه لأنه من أُولِي العزم و يكفيه فخرا، في زمن قلّ فيه رواد العزيمة ...و في سياق هذه الإرادة التي لا تلين، يحق لنا أن نهنّئَ ضيفنا الكريم بإنجازه النادر في مجال الإسهام بجهد مقدر، بمناسبة السنة الوطنية للكتاب 2003 حيث اضطلع بمفرده بتأليف ونشر ستة دواوين متتالية أي بمعدل ديوان كل شهرين، وهو عمل يستحق الإشادة و التقدير بكل المقاييس، وقد تعجز عن القيام به بعض الجهات ذات الميزانيات والمكاتب والموظفين إلا الإرادة الصلبة والتصميم على العطاء المميز والاهتمام بكل ما من شأنه أن يخدم لغتنا الجميلة، فالباب الذي يُطرق لا بدّ أن يُفتح، وكسائر بلاد القارة السمراء، كما تعلمون، كانت تونس ترزح تحت نير الاستعمار حتى أواسط القرن الميلادي الماضي، وفي ظل تلك الظروف القاسية، عاش الفتى نور الدين صمود شطرا من شبابه إلى أن تنفـَّستْ بلاده نسمات الحرية من الاستعمار الفرنسي عام 1956 م ، إلا أنها ورثت تركة مثقلة باللغة الفرنسية في كافة أوجه المعاملات الرسمية والتجارية والثقافية وفي هذه البيئة المشبعة بسطوة اللغة الدخيلة نشأ ضيفنا الكبير معتزا بلغة آبائه وأجداده ولم يغترب ثقافيا (بمعنى التوجه نحو الغرب) في وقت كانت اللغة العربية مهيضة الجناح وبالتالي فإن العلوم المتعلقة بها كانت تشكل الحلقة الأضعف في مسيرة التعليم والعمل ومستقبل الشباب، ورغم تلك التعقيدات سار ضيف أمسيتنا نحو مُتـَنـَفـَّسِهِ الطبيعي فتعلّم وقرأ الكثير وجاس بين مجالس العلماء ورياض الأدباء والشعراء في مصر ولبنان منارتي العربية في تلد الفترة  إلى أن حقق مبتغاه ووجد نفسه في إهابه الذي نعرفه اليوم.

 ولعله من الطبيعي أن يجد ضيفـُنا الكبير ميلا فطريا نحو الموسيقى فكان له باع طويل في الموشحات الأندلسية والكلمات ذات الجرس الموسيقي، فلم يتردد في إبداع مئات القصائد التي تهافت عليها الملحنون والمغنون في تونس فشقّـَّت طريقها دون عناء نحو الإذاعة و التلفيزيون لا سيما أن أستاذنا له مساهمات عديدة في هذين الجهازين المؤثّرين وله إطلالته التي يترقبها كثير من محبّي أدبه وشعره من خلالهما، فأسهم بذلك في إثراء الذوق العام التونسي والعربي وحرّك المشاعر التي تهفو إلى الفن الرفيع والأصالة المتجذّرة في وجدان كل إنسان يتمتع بحسّ سويّ وفطرة سليمة.

  إن مسيرة أستاذنا الكريم بما تضمنته من ذكريات ما قبل الاستقلال ونشاط ملحوظ وتحولات جذرية في عهد الحكم الوطني وانطلاقته في ميدان التعليم العام والجامعي وعلاقاته بالوسط الفنّي ومساهماته الإذاعية والتلفزية ورحلاته العديدة إلى مختلف أنحاء العالم واحتكاكه بكثير من الشعوب ورهافة حسّه كشاعر مبدع وتدفق بيانه السردي .. كل هذه المنظومة المتشبّعة التي تتجسد في شخص ضيفنا الكريم تجعلني أنظر إليه ككاتب من طبقة خاصة لمشروع رواية تعتمل في داخله، إلا أنها لم تكتمل بعد، قد يخطها بنفسه أو يتناولها كاتب آخر ليسكب من خلالها خلاصة تجاربه الثرية وأفكاره النيّرة ومشاهداته وأسرار لقاءاته مع كبار الأدباء الذين عاصرهم آخذين في الاعتبار أن ضيفنا الكريم يتمتع بروح الفكاهة والمرح وسرعة البديهة مما يكسب قلمه طلاوة وحلاوة. فكما أن الجالس إليه لا يملّ سماعه فإنني أثق بأن قارئ ترجمة حياته سيجد بين طياتها الكثير والمفيد.

وكم كان كريما دائما بتواصله بشخصي الضعيف لا يكلّ ولا يملّ برسائله الثرية بتصويب كثير من المواقف لغويا وأدبيا عبارة ونقدا فأمتعني عبر هذه المسيرة الطويلة من صداقتنا التي هي محلّ إعزاز واعتزاز بالغ مثـّّلتْ في مجملها طرحا أدبيا مما يُسمى أدب الرسائل الذي أنا به مولع والذي أحرص عليه مع مَن يسعدني بهذا التوجه. وهذا ما يجعلني أشير أن هذا الباب، مع قلة من لا يزال يسعى به ومعه وله بأنهم يحافظون على البقية الباقية كُسِرَ فيه القلم مع الأسف وهِيض جناحه وجَـفّ قرطاسه، ولكن لا تزال إرهاصاته تعيش نتاجها الذي يحمد فيشكر . ولنا أن نقدم العذر لضيفنا إذ لو كان التكريم يتم وفقا لآليات الأولويات لكان صاحبه قبل كثيرين غيره، ولكنها الظروف التي تقودنا وتسيرنا، ولا نقودها ولا نستطيع أن نسيرها، رغم الجهود التي تبذل والآمال التي نعلقها على الرغبة والإرادة، ويبقى دائما الخير فيما اختاره الله عز وجل.

مرحبا بضيفنا الكبير في حله وترحاله، سعداء بتشريفه هذه الأمسية التي طالما تقنا إليها، فما قصرت منا الخطى، وما هان عليه اللقاء، إلا أنها أمنية تأجلت أكثر من مرة بسبب ازدحام برنامج معاليه، فأهلا وسهلا ومرحبا به بين أهله ومحبيه، متمنيا لكم أمسية ماتعة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته عبد المقصود خوجه

 

وأختم بتعليقي على كلمة صاحب الاثنينية: شكرا موصولا لمن ذكـّروني بهذه المَأْثـُرة ولا يعرف الفضل إلا ذووه. ن  ص

 

محمد السعديقد يسأل البعض؟. أو تستغرقه دهشة الفضول، ما الهدف من الكتابة عن شخصية ظلت محيرة ومنسية ومجهولة للبعض في وسطنا العربي، وغير معنية بالأهتمام في تسليط الضوء عن دوره الرؤيوي والمهم في المعترك السياسي العربي والأفريقي .

في مراحل متقدمة قرأت عنه نتفاً في بعض الادبيات والمواقع بها أشارات مهمة عن دوره كقائد يساري في البناء الثوري للمجتمعات العربية / الأفريقية. في الأيام الأخيرة من نهاية هذا العام ٢٠١٩ . نشرت جريدة الزمان البغدادية ثلاثة حلقات في تقديري مهمة وجديرة بالقراءة للدكتور عبد الحسين شعبان حول شخصية محورية وتاريخية الدكتور نوري عبد الرزاق في أستعراض تاريخي لأهم محطات حياته السياسية والادوار الكبيرة لقادة وثوار ومناضلين، كان من بينهم المغدور مهدي أبن بركه، وقد حفزني مانشره الدكتور شعبان سابقاً أن أعرج على الشخصية العربية المهمة، وأعني به المهدي أبن بركه، وفي تعريف العالم بدوره الكبير في التحرر والحرية .

المهدي أبن بركة … ولد في الرباط (المغرب) العام ١٩٢٠ لأبوين مغربين . ويعتبر من ألمع السياسيين المغاربة فكراً ونهجاً بأتجاه الفكر الاشتراكي وحركة اليسار العالمية، منذ بداياته الأولى، أولى أهتماماً كبيراً بتجارب الشعوب وحركات التحرر والبؤر الثورية . ويعتبر أكبر معارض أشتراكي للملك الحسن الثاني . عرف كأصغر سياسي في بلاده المغرب من خلال التوقيع على وثيقة قدمت الى الملك محمد الخامس في العام ١٩٤٤ تدعو الحكومة والملك الى أستقلال المغرب من الهيمنة الفرنسية وعودة العائلة الشرعية للحكم بعد خلعها عن دفة الحكم رغم معارضته الشديدة لطبيعة أداء المملكة المغربية لأدارة الحكم، لكن هناك أولويات في السياسة والنضال هو الوطن، وكان في حينها عمره لايتجاوز ٢٤ عاماً . نحن العراقيين لنا تجربة ربما مماثلة لهذا المواقف النضالية التاريخية في العام ١٩٤١ حركة رشيد عالي الكيلاني ومعركة (سن الذبان) عندما طالب الشهيد يوسف سلمان يوسف (فهد) رفاقه الشيوعيين عبر قضبان السجن بمقاومة المحتلين رغم معارضته الشديدة لنظام الحكم الملكي في البلد وما يتعرض له الشيوعيين من قمع وملاحقات . 

أعتقل أبن بركة على أثر تلك الوثيقة وتأثيرها على حركة الشارع المغربي في التوق الى الحرية والاستقلال لمدة زمنية في السجون المغربية، وبتأثير حركة الاحتجاج في الشارع المغربي أطلق سراحه وعاود نشاطه الوطني والقومي من جديد ليتزعم قيادة حزب الاستقلال المغربي وهو أكبر حزب في المغرب . وفي مواكبته لحركات التحرر وقوى اليسار العالمي . أرتبط بعلاقات نضالية متميزة مع قادة عالميين وشخصيات مؤثرة في حركة التاريخ .جيفارا، أحمد أبن بله، جمال عبد الناصر. أرادوا هؤلاء بعقد مؤتمر للقارات الثلاثة أفريقيا، أسيا، أمريكيا اللاتينية مما أثار حنق الامريكان وغضبهم ومحاولتهم في أفشاله ومن جهة السوفييت لم برحبوا به لوجهات نظره المعارضة لسياستهم . المؤتمر الذي كانوا ينوون عقده بالعاصمة هافانا سنة ١٩٦٦، وكان هدفه خلق تكتل سياسي دولي أكبر حجماً وأستقطاباً وأكثر فاعلية من تنظيم دول عدم الانحياز، وذلك بهدف التصدي لإخطبوط الامبريالية داخل دول القارات الثلاث، والعمل على تحريرها من هيمنته المقيته، وهو ما أثار حفيظة زعيمة الامبريالية العالمية الولايات المتحدة، وبذلك أصبح هدفاً مطلوباً . في العام ١٩٦٥ في زيارته الثانية القائد البوليفاري أرنستو تشي غيفارا الى الجزائر بدعوة لدعم شعوب إفريقيا وأسيا ألقى خطاباً تاريخياً مهماً وجه نقداً لاذعاً الى مواقف السياسية السوفيتية بعد أن عاد من لقاء مع الرئيسي السوفيتي ليونيد بريجينيف وطلب منه أن يمنح لثوار العالم الأسلحة مجاناً من أجل مقاومة الأمبريالية ولم يلقي تجاوباً من الرئيس السوفيتي مما حمل في خطابه اللوم على تلك السياسة .

وفي خضم تلك التداعيات والصراعات الدولية وأحتواء بلدان الغير والسيطرة عليها . أتضببت فكرة عقد المؤتمر للقارات الثلاثة، حيث أختطف المهدي أبن بركة من مطعم (ليب .. Libe) في شارع سان جيرمان في قلب العاصمة الفرنسية في باريس، في يوم ٢٩ أكتوبر ١٩٦٥، أثناء موعد له مع مخرج فرنسي حول أعداد سيناريو لفلمه حول (حركات التحرر)، وكان للمخرج يد في ترتيب أختطافه، ولم يتم هذا اللقاء وعند خروجه من بوابة المطعم والمشي في الشارع الرئيسي أستوقفته سيارة شرطة بها شرطيان وقاداه الى فيلا بأطراف باريس بالاتفاق مع المخابرات المغربية، كما كشفا بعد ذلك أمام ملفات التحقيق، ومن ذالك التاريخ وما زالت التكهنات تحيط حول مصيره، والذي لم يكشف عنه الى الآن رغم كل مناشدات عائلته وصحبة ومنظمات حقوقية وحركات تحرر . وأطيح ببن بله في أنقلاب قاده الهواري بو مدين في ١٩ يونيو (حزيران) ١٩٦٥ . وأختفى جيفارا بعد أن توجه الى الكونغو العام ١٩٦٥ . وأستشهاده البطولي في أحراش بوليفيا على يد جنود الجيش البوليفي بعد أن أوشى عن تحركاته ومكانه راعي أغنام بوليفي العام ١٩٦٧.

شهدت مملكة المغرب في العام ١٩٦٥غليان سياسي وشعبي ضد الملك وحكمه في أدارة ملفات ومطالب الشارع المغربي مما أزدادت شعبية المعارض اليساري المهدي أبن بركة، والذي يتنقل في عواصم أوربا بجواز جزائري ويدعو في نضاله الى تغير النظام الملكي، مما أثار حنق السلطات المغربية، أدت الى تغيبه في أطار التعاون مع المخابرات الإسرائلية في العاصمة باريس، وتشير بعض الدلائل بعد خطفه الى فيلا في أطراف مدينة باريس أشرف على تعذيبه وقتله وزير الداخلية المغربي (محمد أوفقير) والجنرال أحمد الدليمي مدير المخابرات المغربية، اللذان قتلا في ظروف غامضة في المغرب لطمس معالم الجريمة، وفجر قتله في أسرائيل أزمة بين أركان الحرب . وتعتبر مسألة الأختفاء القسري للمهدي أبن بركه إحدى الجرائم السياسية الكبرى في القرن العشرين . وقد شهد العراق في هذا القرن غياب وأخفاء شخصيات مهمة وعلى عدة مستويات للدكتور صفاء الحافظ، والدكتور صباح الدرة، وعايدة ياسين، ودارا توفيق في مطلع الثمانينات في بغداد، وأختفاء ناصر السعيد في العاصمة بيروت في فترة مقاربة . 

وفي فترات تاريخية متعاقبة شهدت العاصمة باريس سلسلة أغتيالات سياسية لناشطين ضد أنظمتهم وعلماء ورجال أقتصاد بنشاط محموم من المخابرات الاسرائيلية (السافاك)، كما وقع مع العالم الفيزيائي المصري (يحي المشد) المساهم في وضع اللبنات الاولى لولادة المشروع النووي العراقي بالتنسيق مع حكومة الرئيس الراحل جاك شيراك، حيت تم أغتياله في غرفته في أحد فنادق باريس عبر فتاة بائعة الهوى (مومس)، وتعرضت فيما بعد الى دهس بسيارة في أحد شوارع باريس ليتم تغيبها .

في ١٤ تموز ١٩٥٨ وقع إنقلاب عسكري في العراق وبتأيد وإسناد جماهيري وشعبي كبير مما سرعان ما صنف بثورة ضد النظام الملكي، في يومها طلب المهدي أبن بركة مقابلة الملك محمد الخامس الذي أستقبله وطلب منه أن يعترف المغرب بالنظام الجمهوري في العراق، فقال له الملك محمد الخامس هل تطلب مني أن أعترف بالذي أطاح بنظام ملكي وأن ملك، فأجابه المهدي بقوله : أنت لست أي ملك، بل أنت ملك التحرير الذي لايشبهه أي ملك، فالملكية المغربية كانت عبر التاريخ رمزاً للجهاد ومدرسة للوطنية، عكس ملكيات المشرق العربي التي صنعها الاستعمار الانكليزي . وكان أن صدر في نفس اليوم بيان الاعتراف بالنظام العراقي الجديد، وزار محمد الخامس فيما بعد العراق وأستقبله الزعيم عبد الكريم قاسم .

وفي تطورات الحياة السياسية في المغرب، أصبح أبن بركة عضواً برلمانياً الى جانب زعماء سياسيين مغاربة، إلا أنه لم يمارس مهنته كبرلماني، فأختار العيش في المنفى، وكانت محطته العاصمة باريس، بعد أن شعر بأن القوى الرجعية كثفت من تحركاتها ضده وضد توجهاته، إذ سرعان ما أتهم بتدبير الانقلاب على النظام الملكي، فيما عرف بمؤامرة ١٩٦٣ التي وقعت فيها محاكمة العديد من العناصر الوطنية، وصدر في حقه غيابياً حكم بالإعدام، الذي أجبره الى الإقامة في المنفى، وظل يواصل من هناك نشاطه السياسي ومعارضته للنظام، وخلال تلك الفترة كتب بيانه السياسي والإيديولوجي، على غرار البيان الشيوعي لكارل ماركس ١٨٤٨، وأطلق عليه أسم (الاختيار الثوري)، وهو البيان الذي وضع فيه تصوره لمغرب تقدمي أشتراكي، وتكون فيه وسائل الأنتاج ملكاً للدولة وحدها، ولكنه أخفق ولم يتحقق شيء يذكر على الصعيد العملي في بيئة مثل البيئة المغربية الإسلامية المثقلة بالتقاليد والاعراف . 

 

محمد السعدي

مالمو / كانون الثاني/ ٢٠٢٠

...............................

المصادر ..

كوبا الحلم الغامض / دار الفارابي بيروت ٢٠١٠ .

الصحفي المغاربي سعد الكنس .

 

صادق السامرائيقامة عراقية ثقافية فكرية مناضلة مكافحة إنسانية سمقاء، يفخر بها العراق ويتباهى بدورها الفكري الخلاق، الذي فتح آفاقا معرفية ورسم ملامح صيرورة إدراكية ذات قيمة حضارية شماء.

عزيز الحاج الذي قرأنا له العديد من المقالات وتابعنا كتبه وما يطرحه من رؤى وأفكار وذكريات، وتجليات وإقترابات وإنعكاسات وتأملات ودراسات وتحليلات.

وكنت من قرائه في الصبا ومتابعا لكتبه بعد ذلك، وكم تناقشنا بما طرحه وتناوله من أفكار، فالرجل ماركسي الهوى والتوجهات، لكنه حاول أن يبني تجربة ذات قيمة عملية وتأثير معاصر في الواقع العراقي والعربي، ويبدو أن التصدي لمحاولاته قد تعاظم، وجهوده قد تحاصرت، فما وجد بدا من الإعتزال والإمعان بالتفكير والنظر في أمور تخص الواقع العراقي والعربي والإنساني.

وبرغم ما يُقال عنه ويُذكر من قبل الآخرين، لكنه عَلم عراقي يستحق الإستذكار والتقدير والإحترام لعطائه الثاقب الحصيف، الذي يمكن الإستفادة منه لبناء تجارب ذات قيمة إنجازية عملية تضاهي ما تحقق في بلدان أخرى، مضت على ذات النهج وطوعته ليتوافق مع مفردات ما فيها من القدرات والطاقات والعادات والتقاليد.

عزيز الحاج فيما يكتبه إجابة واضحة ودامغة على الأسباب التي أودت بالأحزاب الشيوعية في الواقع العربي، وتشخيص سريري صائب لما أصابها من الأمراض والنكسات والإحباطات والتآكلات،  التي أودت بحياتها ووضعتها على قارعة طريق الويلات والتداعيات، ورمتها في وديان المنبوذات، ووجهت ضدها العمائم التي راحت تتهدج بخطبها على منابرها الناقمة على ما جاءت به من رؤى ومنطلقات.

عزيز الحاج كان من الممكن أن يبني تجربة قويمة ويضع الحزب الشيوعي في مساره المقبول والمتوافق مع الواقع العربي، لكن القوى المضادة لمساره ورؤيته حتمت عليه الخروج من دائرة التفاعل المتوثب للوصول بالتجربة إلى منتهياتها العملية، وإنجازاتها المعبرة عن حقيقة المعنى الفكري والرؤيوي لمنج مسيرة نجحت في العديد من المجتمعات وانتكست في مجتمعاتنا، لما رافقها من زوابع عدوان ورفض وإتهام لا يتصل بجوهرها الإنساني ومنطلقها الثوري النضالي الجديد.

تحية لهذا الجهبذ المعرفي النضالي الذي توفي في غربته كأي العراقيين الأفذاذ الميامين.

وإن العراق ولودٌ وَواعدٌ!!

 

د. صادق السامرائي

21\1\2020

 

 

في العاشر من ديسمبر من عام 2018 نشر الأستاذ رشدي أباظة مجموعة مقالات عن الشيخ عبد الحميد كشك في مجلة روزا يوسف وسماها بعنوان “الشيخ كشك.. المنولوجست الدينى”، وذكر الكاتب أن سبب كتابته لتلك المقالات أنه كان قد تلقى سؤالا من الشيخ كشك، وهو أى الدعاة أخطر.. دعاة «السلطان» أم دعاة «الجماهير»؟ . وهنا أجاب الكاتب بدولة السلطان، لكن الشيخ كشك قال بل دعاة الجماهير هم الأخطر وأشد تنكيلا!

وبالفعل صدق كلام الشيخ كشك في دعواه خصوصا مع تلك الشخصية التي أتحدث عنها في هذا المقال وهو الشيخ الصادق الغرياني (الملقب بعراب الإرهاب)، والذي أصفه بالمنولوجست الليبي، ولما كان المقصود بالمنولوجست  هو ذلك الشخص الذي لديه القدرةُ على إضحاك الجمهور وتسليتهم عن طريق تقليد الآخرين، وأيضًا عن طريق الغناء وإلقاء النِّكات، وما شابهها من فكاهات؛ فنفس الشئ يطلق علي هذا الرجل الذي تمكن من أن علي يُضحك بالناس باسم الدين من خلال الفتاوي التي يصدرها، فالغرياني كما هو معروف عنه هو ذلك الرجل الذي نصبته الميليشيات الإخوانية مفتيا عاما للديار الليبية في فبراير 2012، وكان أحد المروجين لمشروع سيف الإسلام القذافي قبل ثورة 17 فبراير التي أطاحت بنظام القذافي.

وكان مشروع "ليبيا الغد" الذي أطلقه سيف القذافي عام 2001، هو السبب في بروز الغرياني في الأوساط الليبية، حتى أنه اعتبر الواجهة الدينية للمشروع برفقة الشيخ علي الصلابي، زعيم إخوان ليبيا، فقبلها كان مجرد مدرس للعلوم الشرعية في جامعة الفاتح بطرابلس.

وعقب اندلاع الحرب الأهلية في ليبيا وسقوط النظام  تحول الغرياني بدرجة 180 درجة، فالرجل الذي كان عرابا لمشروع سيف الإسلام القذافي تحول في ليلة وضحاها ليصبح عرابا للدماء، والمفتى الحصري للجماعات المتطرفة؛ ففي خلال سنوات الحرب الثمانية اعتمد المتطرفون الليبيون على فتاوى الغرياني، والتي طالب من خلالها الجماعات الإرهابية، برفع السلاح ومحاربة قوّات الجيش الليبي، حتى أصبح أحد أبرز المساهمين في انتشار الفوضى وتعزيز الانقسام في ليبيا.

ويذكر أن الغرياني برز في "سوق الفتاوى المتطرفة" منذ ثورات الربيع العربي في عام 2011م وذلك عندما أصدر فتوى بضرورة خروج الليبيين لنصرة المتظاهرين أمام نظام العقيد معمر القذافي. وقال في فتواه: "إنّ الخروج إلى المظاهرات فرض عين لمساندة الإخوة المكلومين في باقي أراضي البلاد، وإن البلاد تعاني غزوًا أجنبيًّا من مرتزقة أفارقة يموَّنون من حكومة طرابلس إلى بنغازي عن طريق جسر جوي".

وفي عام 2012، أعلن في سلسلة من الفتاوى المتتالية، انحيازه التام إلى تيار الإسلام السياسي في ليبيا ودعمه للجماعات المتطرفة، حيث كان يدعو في كل مرة الليبيين إلى التقاتل، محرضاً على العنف؛ ومن أغرب الفتاوى التي خلفت جدلاً واسعاً، تلك التي استهدف فيها قوات الجيش الليبي في حربها لتحرير البلاد من التنظيمات الإرهابية، حيث أفتى بهدر دم القائد العام للجيش الليبي خليفة حفتر وجنوده، ودعا إلى الخروج للقتال ضدهم بدعوى "الجهاد".

كما أفتى الغرياني بعدم جواز الصلاة خلف من يدعو لنصرة حفتر، قائلاً "لا تجوز الصلاة خلفهم ولا سماع كلامهم، لأنّ الحرام لا يجوز سماعه ولا تجوز رؤيته، وهكذا العلماء يقولون الحرام إذا كان شيء حرام لا يجوز لك أن تسمعه، ولا يجوز لك أن تراه، ولا يجوز للمسلم أن يصلي خلفهم أو يجلس عندهم أو يستمع لهم أو ينظر إليهم. إلى ذلك، أصدر فتوى تقول "إن من ينضم إلى حفتر ويموت معه، يخشى أن يموت ميتة جاهلية، في حين كل من يقاتله ويموت فهو شهيد وفي سبيل الله".

في المقابل، دافع الغرياني الذي يقيم في تركيا، بشدة عن الجماعات المتطرفة والمليشيات المسلّحة في فتاواه، حيث سعى في كل مرّة إلى الدفاع عنها وتبرئتها من كل الأعمال الجرمية، حتى إنه أجاز دفع أموال الزكاة للجماعات المسلحة لشراء المقاتلين والسلاح.

ودعا الغرياني، الذي يلّقب في ليبيا بـ«مفتي الدمّ والفتنة»، على غرار يوسف القرضاوي، من سمَّاهم بـ«المجاهدين وكتائب الثوار للنفير بعدتهم وسلاحهم إلى العاصمة طرابلس»، زاعمًا أن «الجهاد والقتال ضد العدوّ واجب وفرض عين على كل قادر ولا يجوز التخلي عنه...»، كما طلب من قادة الكتائب المقيمين خارج البلاد، وبالتحديد في تركيا (خاصة عناصر مجلس شورى بنغازي، المصنّف تنظيمًا إرهابيًّا) بسرعة العودة فورًا إلى ليبيا والتوجه لجبهات المعارك، وقتال عناصر الجيش الوطني الليبي.

كما فضح الغرياني  الدور القطري المشبوه في بلاده، بعدما اعترف القيادي الإخواني باحتيال تنظيم الحمدين القطري لتنفيذ مخططاته لإسقاط الدولة الليبية، وتفجير الانقسامات الداخلية، عبر مد الميليشيات الإخوانية بالسلاح والعتاد، ولذلك خلال الأيام الماضية، تداول رواد موقع تويتر مقطع فيديو للغرياني، المقرب من قيادات جماعة الإخوان الإرهابية بليبيا، يعترف فيه بتمويل قطر للحركات المسلحة في ليبيا.

وثمة نقطة مهمة أخري أود الإشارة إليها هنا وهي أنه عندما أن قررت بلدية طرابلس في الأيام الماضية، تعليق الدراسة لمدة أسبوع بسبب الاشتباكات والقذائف العشوائية، حفاظا على سلامة الطلاب، ظهر الشيخ ‫الصادق الغرياني بموقف مخالف لهذا الإعلان الذي رأى في سلامة المدنيين والطلاب ضرورة.

وتساءل الغرياني عن سبب عدم تعطيل المدارس في المدن الأخرى بخلاف ما حصل في مصراتة، وقال: هل وحدها التي تعطل فيها المدارس والأعمال من أجل الوطن وباقي المدن لا يعنيها الأمر؟

سؤال الغرياني يبحث عن تجاوب الجميع مع هدفه وهو حمل الجميع صغارا وكبارا السلاح والتوجه نحو جبهات القتال؛ ويرى مراقبون أن قرارات وفتاوى “ارتجالية” بدأت تظهر في وقت صار فيه الجيش هو الأقرب إلى وسط طرابلس وهو ما جعل من تلك القيادات تحاول الضغط على المدنيين ليصبحوا وقودا للحرب.

وقال الغرياني "إن قطر فضلها عظيم على الثورة الليبية، ويجب أن نعترف بحقها وأن نكن بالوفاء لحكامها لأنه من لا يفي يكون أقل مرتبة من الكلب؛ وأضاف: "كنا في أحلك الظروف وقطر تمد إلينا يد المساعدة واحتالت بشتى الطرق لإسقاط نظام القذافي، حتى أنها قدمت الأسلحة والذخائر للمقاتلين ضمن شحنات الأدوية التي دخلت ليبيا".

ولم يكتف الغرياني بذلك بل خرج عن السياق العام، مواصلًا سلسلة الفتاوى المثيرة للجدل، التى تكشف عن محاولات مشبوهة لتوظيف الدين في دعم الجماعات والميليشيات المسلحة؛ حيث جدد الغرياني الإفتاء بـ«عدم تكرار أداء فريضة الحج والعمرة، وتوجيه نفقاتهما لدعم الفصائل المسلحة –الميليشيات - التي تقاتل الجيش الليبي".

وقد أثارت فتوى الغرياني لاستهجان، كما أثارت فتوى سابقة له بـ«إخراج زكاة المال للفصائل المسلحة في طرابلس»، زاعمًا أن القتال ضد الجيش الوطني الليبي «جهادًا»، محرضًا في الوقت نفسه على قتل القائد العام للجيش الوطني الليبي، المشير خليفة حفتر وجنوده، مشيدًا بما تقدمه قطر من دعم للفصائل المسلحة (الميليشيات الإرهابية في طرابلس).

ومن الملاحظ أن المشكلة في فتوى الغرياني أن متطلباتها سياسية لا دينية؛ فالفتوى الدينية هي التي تراعي مقتضى الحال والتي تهتم بأمر المسلمين كافة، دون تمييز ولا تخصيص، حيث وُجِّه كثير من الانتقادات إلى الصادق الغرياني؛ سواء أكانت في ليبيا أم خارجها، فهو لا يكف عن الزجّ بالدين في أعمال السياسة؛ ففي يوليو 2012 وقبيل أول انتخابات عامة تشهدها ليبيا منذ نحو 46 عامًا، طالب الغرياني الناخبين الليبيين المتوجهين إلى الاقتراع في انتخابات المؤتمر الوطني العام بعدم التصويت لتحالف القوى الوطنية الذي فاز لاحقًا في الانتخابات، وعدم التصويت لمحمود جبريل باعتباره “مناصرًا لليبرالية”؛ ليثير الغرياني لغطًا في فترة الصمت الانتخابي.

كما أن هناك بعض الفتاوى والآراء التي تتدخل في عديد من شؤون الدولة التي تعد خارج اختصاصات المفتي، حسب آراء عدة، كما حدث في خطابه بشأن أحداث سرت، واستخدامه الدين للتحريض ضد حفتر، والدعوة للانضمام إلى سرايا طرابلس علنًا، فضلًا عن إفتائه بحرمة التظاهر في بنغازي، ورأيه بشأن أحداث مدينة بني وليد، ومحاولاته فرض رؤية خاصة حول ما يتعلق بكتابة الدستور الجديد لليبيا؛ مما جعل البعض يراه (تهديدًا لمدنية الدولة) حسب رأي نشطاء في المجتمع المدني والمهتمين بقضايا الحريات في ليبيا.

وقد طالبت جهات وشخصيات في ليبيا بعزل الصادق الغرياني، من منصبه؛ لأسباب مختلفة أبرزها جاء من رئيس المجلس الانتقالي السابق في ليبيا المستشار مصطفى عبد الجليل، الذي صرَّح في 11 يونيو 2014 بضرورة عزل الصادق الغرياني من  منصبه؛ بسبب فقدانه شرطًا من شروط الأهلية، وهو فقدان ثقة الليبيين به، حسب ما نصّ عليه قانون تعيين منصب المفتي. كما انتقد فتاويه كثير من العلماء؛ خصوصًا فتواه الخاصة بوجوب مقاتلة قوات الجيش الوطني التي يقودها المشير خليفة حفتر ضمن عملية الكرامة.

في أغسطس 2014، طالبت اللجنة الوطنية الليبية لحقوق الإنسان مجلس النواب بإعفاء المُفتي العام للديار الليبية الشيخ صادق الغرياني، من منصبه، ورفع الحصانة عنه؛ حيث قالت اللجنة: “إن هذا القرار جاء بعد رصد اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان دعوات صريحة للمُفتي العام للديار الليبية، بالتحريض على ممارسة وإثارة العنف وتصعيده وتحريضه على القتل والتعذيب والتمييز وانتهاك حقوق الإنسان من قِبَل الغرياني عبر وسائل الإعلام، والتي تنذر بحدوث حرب أهلية وتؤثر سلبًا على الأمن والسلم الاجتماعيين للمجتمع الليبي”، كما طالبت بإحالته إلى التحقيق مِن قِبَل مكتب النائب العام.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

عصمت نصار(1)

درج النقاد على النظر إلى الحكماء والفلاسفة والمفكرين من زاويتين: أولاهما مدى التزام المفكر بنهجٍ يكفل لآرائه وتصوراته النسقية الاتساق. أمّا الزاوية الثانية الوقوف على أثر تلك الأفكار في مجتمعه بخاصة، وميدان النظر أو الحقل المعرفي والبنية الفلسفية بعامة، وذلك كله لتقييم الفيلسوف من حيث الأصالة والاجتراء.

وقد تعددت دلالات مصطلحي الأصالة والاجتراء في معاجمنا العربية؛ فنزع بعض اللغويين إلى أن الأصيل هو ثابت المنبت وعريق الأصول، شأنه شأن الأصيل الثابت القديم، وذهب البعض الآخر إلى أن الأصالة هى موطن الجِدّة والطرافة والابتكار والاجتهاد. وعرفت المعاجم الاجتراء بأنه أقرب إلى الشجاعة منه إلى التهور؛ فالمجترئ على المعتقدات والقيم البالية والأوضاع الفاسدة والأمور الغامضة، هو الشجاع المجتهد والحاذق. أمّا الجاحد لثوابت العقل الجمعي ومشخصات الهوية هو الثائر المتهور الناقم على واقعه والمتطاول على أساتذته ودونه مكانة ورفعة.

وبهذه المعايير وصفت جل كتابتنا «أفلاطون» بأنه فيلسوف على الأصالة ووصفت «لوثر» و«فولتير» و«هيوم» على أنهم فلاسفة مجترئون. وفى ثقافتنا العربية وُصف العلماء والمتفلسفة والأدباء الموسوعيون بأنهم حكماء ورؤساء أهل الرأي وأهل الدربة والدراية، ومنهم «الفارابي»، «ابن سينا»، و«ابن رشد». وفى العصر الحديث لقب «حسن العطار» وتلاميذه ومنهم «رفاعة الطهطاوي»، و«محمد عياد الطنطاوي» بالشيخ الفقيه الحكيم. وأطلق على «محمد عبده» لقب الأستاذ الإمام.

وقد ميّز النقاد بين الفلاسفة والحكماء أرباب الاتجاهات والمدارس والمنابر والمشروعات، وبين المثقفين أصحاب الرؤى والخطابات النقدية، وذلك تبعًا لأصالة المنهج وعمق الأفكار وفاعلية الخطابات، والقدرة على تطبيق المشروعات التى ساهمت بدورها في إصلاح المجتمع وتجديد المعتقدات وتطوير وتحديث المتغيرات، بالإضافة إلى قوة سهامهم وسعة دلوهم في مناقشة القضايا الخمس الرئيسية في الفكر العربي الحديث، ألا وهى (التراث، التجديد، الوعي، الحرية والإصلاح).

ومن هذا السبيل، يمكننا تقييم فكر «مصطفى لطفى المنفلوطي» بوجه عام، فنجده من أكثر معاصريه أصالة في محافظته على المشخصات والهوية من جهة، والأسبق في التواصل مع الأغيار لتجديد البالي من الأفكار، وتحديث ما علق في الأذهان من معارف وتطوير ما ألفه المثقفون من نهوجٍ وآليات وبرامج وتصورات.

شأنه في ذلك شأن «الشيخ حسين المرصفي (نحو 1810م - 1889م)»، و«محمد فريد وجدي (1878م - 1954م)»، و«محمد لطفى جمعة (1886م -1953م)»، و«أحمد حسن الزيات (1885م - 1968م)»؛ فجميعهم لم يدرج في قائمة الفلاسفة بالمعنى التقليدي، غير أنهم كانوا من أكابر المفكرين الموسوعيين، وقادة الرأي في الثقافة المصرية، وكان لهم أثر لا ينكر في تطوير المجتمع وتحديثه، وتجديد الفكر العربي الإسلامي في العصر الحديث، رغم إدراجهم ضمن المحافظين، الأمر الذى نفعنا لتناول أفكارهم بالشرح والتحليل في المقالات التالية.

أمّا «المنفلوطي» فحسبنا أن نلقى مزيدًا من الضوء حيال موقفه من قضية (الأنا والآخر) أو «الفلسفة الغيّرية» أو الفكر الوافد الجديد والتسامح الفكري مع المخالفين، وذلك ليكون دليلًاً متممًاً على وجهته الإصلاحية ونزعته التجديدية رغم ارتدائه عمامة المحافظين الأزهريين.

فها هو يصف المتعصب لدينه والمنتصر لرأيه والمحافظ على وجهته؛ بأنه ذلك الذى يعمل بمقتضى ما يؤمن به؛ فلا يحيد عنه ولا يكفر به إلا إذا ثبت له زيّف ما كان يعتقد وإفك ما ألف تصديقه، وإن جاء برهان الحق على لسان الأغيار أو في حكمة المخالفين.

أما الأحمق هو المنكر دومًا لكل ما يناقض ما يعتقد دون أدنى تدبر أو تعقل بل ويُمعن في مناصبة العداء لمخالفيه ومناظريه حتى وإن كان الحق معهم.

فهو يتفق في ذلك مع «جمال الدين الأفغاني (1838م - 1897م)» في تأكيده أن العصبية ليست بالضرورة تعنى العنف وبغض الأغيار، فالجانب الإيجابي منها هو التمسك والانتماء والاجتماع والاتحاد بالأصيل من المشخصات والعمل بمقتضاه دون كراهية أو عنف تجاه الرأي المناقض لما يعتقد.

فكلاهما ينهى عن الانتصار للباطل أو الإجماع على الأمر المشكوك في صحته، أو التطرف في الخصومة، الأمر الذى يرهب من حرم الله الاعتداء على أعراضهم وأموالهم وحقن دمائهم.

ويميز «المنفلوطي» بين التهاون والتسامح؛ فالتهاون في رأيه هو ترك كل ما يجب التمسك به والحفاظ عليه والانتصار له والحرص على تفعيله من المكارم والفضائل، أما التسامح فهو «لين الجانب ومسالمة المخالفين، بحيث لا تعد تلك الفروق الدينية التى بينه وبينهم وسيلة إلى بغضهم أو مناضلتهم، أو نصب الغوائل لهم، أو سد سبل العيش في وجوههم.

والغضب لا يخرج من دائرة الرذائل إلا إذا كان دفاعًا عن الحق أو صونًا للكرامة.

ولعلّ هذه الكلمات والعبارات المتناثرة في كتابته وأقواله تكشف عن دقته وحرصه على تحديد المفاهيم وتقويم ما علق في الذهن من أوهام السوق (الألفاظ التى يجريها العوام)، وأوهام المسرح (المصطلحات التى ترد في أحاديث المشاهير).

والتدين في رأيه من الفضائل إذا كان صاحبه يأمر بالمعروف بغير منكر وينهى عن المنكر بالمعروف، ويعمل المتديّن بمقتضى ما يأمر به دينه، وما ينهى لمنفعة الناس وصلاح أحوالهم، ومن أقواله في ذلك «الدين لا يزال غريزة من الغرائز المؤثرة في صلاح النفوس وهداها حتى يتمرد على الإنسانية ويعتزلها فإذا هو شعبة من شعب الجنون».

ويرد «المنفلوطي» على كل من يدعى أن الانتماء للوطنية يتعارض مع الولاء للدين، مبينًا أن للولاءات درجات وحلقات متشابكة، فالانتماء للوطن لا ينبغي أن يدفع المرء لمعاداة الجيران أو التعصب للدين إلى درجة كراهية الأغيار من المواطنين؛ فالطائفية ضد الوطنية والدين معًا : «الوطنية لا تزال عملًا من الأعمال الشريفة المقدّسة حتى تخرج عن حدود الإنسانية؛ فإذا هى خيالات باطلة وأوهام كاذبة».

«من لا خير له في دينه لا خير له في وطنه؛ لأنه إن كان بنقضه عهد الوطنية غادرًا فاجرًا فهو بنقضه عهد الله وميثاقه أغدر وأفجر. وإن الفضيلة للإنسان أفضل الأوطان، فمن لا يحرص عليها؛ فأحرى به ألا يحرص على وطن السقوف والجدران».

وحري بنا أن نتساءل : أليست هذه الأفكار خليقة بأن تدرج في برنامجنا المزمع تفعيله؛ لتجديد ثقافتنا وتقويم أخلاقنا؟

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. عصمت نصار

 

محمود محمد علياستطاعت البشرية في سعيها الدائب والتلقائي أن تبلور عدداً من النماذج الإنسانية من خلال شخوص بأعينهم، طرحتهم الأسطورة حيناً، والواقع حيناً آخر . وهؤلاء الشخوص هم في حقيقتهم مجرد أفرد حين نرجع إلي سيرهم، ولكن البشرية حيت تأملت ذاتها – رفعتهم من مستوي الفردية إلي مستوي النموذج . فالنموذج الأوديبى – علي سبيل المثال -  لم يعد هو " الملك أوديب" الإغريقي القديم، بل أصبح نموذجاً إنسانياً وحضارياً عاماً، له مقوماته التي تستطيع أن تراها متحققة في أفراد كثيرين متميزين في أزمنة وأمكنة مختلفة، حفظ لنا التاريخ  سيرهم، ولا أريد أن أقول إنك قد تراها متحققة في نفسك! كما قد تستطيع – في الوقت نفسه- أن تفسر في ضوئها سلوكيات أساسية لشعب بعينه . ولأن الوعي الذي أدرك هذا النموذج أو ذاك قد انطلق في البداية من شخص بعينه، سواء كان أسطورياً أو واقعياً، فقد أصبح النموذج نفسه يحمل اسم هذا الشخص ويعرف به.

وإنه لموقف شديد علي النفس أن يكتب الإنسان عمن يحب من الأشخاص ..لأن في ذلك منزلقات ومهاوي لا يخشاها ويتهيب منها إلا من كان الصدق ديدنه... والوفاء دأبه، وهو إلي ذلك يستشعر شرف الكلمة ومبلغ خطرها.. ولعل تحري العدل في الحكم، والإنصاف في النظر يأتي علي رأس تلك المنزلقات ؛ حيث اعتاد بعض المتحدثين عن أشخاص معينين النظر بعين واحدة من العينين ...إما عين الرضا فتكِلُ عن كل عيب، وتغفر كل كبيرة .. وإما عين السخط فتبدي كل سوأة وتهولُ كل صغيرة؛ وقديماً قال أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة:" إن الكلام عن الكلام صعب.. لأنه يدور حول نفسه.. ويلتبس ببعض".

ولكنني أستعين بالله وأعرض مما تسعفني به الذاكرة عن الدكتور محفوظ علي عزام (أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الدراسات العربية والإسلامية– جامعة المنيا  رحمه الله)، ما يجلو شخصيته وقيمه، ويبرز مكانته وموقعه، ويوضح ريادته وفضله، ليس في مجال الفلسفة الإسلامية فحسب، ولا في مجال نظرية التطور التي اهتم بها، ولا في مجال الأخلاق الإسلامية وحدها، بل في الثقافة العربية الإسلامية بمفهومها الواسع... والواقع أنني عندما أتحدث عن محفوظ عزام في ذلك أجد مجال القول واسعاً، وهذا أيضاً أحد مواطن الصعوبة في الحديث .. إنه كقطعة البلور الكثيرة الجوانب، من زاوية من زواياها نظرت، ورأيت لوناً من ألوان الطيف، فهو الإنسان الفاضل، والأستاذ المتميز، والقدوة الحسنة، والرائد بلا منازع.

وإنه لمن دواعي سروري أنني قد شرفت بأن تعلمت علي يديه في الفرقة الثانية بقسم الفلسفة بجامعة أسيوط (فرع سوهاج سابقا) بجمهورية مصر العربية، إذ كان سيادته يقوم بتدريس نظرية التطور في الفكر الإسلامي ضمن مقررات الفلسفة الإسلامية، وهو أستاذا قديراً وباحثاً متميزاً وعالماً جليل ... حقق العديد من الإنجازات في مجال الفلسفة الإسلامية.. آمن بدور العلم في إسعاد الفقراء، وحل المشكلات التي تعاني منها مجتمعاتهم بالعلم الذي امتلك ناصيته، وهو أيضا المفكر ذو الحس المرهف والأسلوب المميز،صاحب المؤلفات الكثيرة في الفكر الإسلامي، وهو أيضاً الإنسان صاحب المواقف الإنسانية المشرفة الذي عشق بيئته وانطلق منها إلى فضاء العلم .

والدكتور محفوظ علي عزام له العديد من المؤلفات في كافة مجالات التفكير الفلسفي، وله الكثير من الأبحاث والمشاركات التي كانت تعقد في مؤتمرات وندوات علمية محلية ودولية، وأيضاً له العديد من المقالات الدورية في الثقافة الإسلامية، وكذلك العديد من المقالات الدعوية، وله كذلك الكثير من الموضوعات التي لم تنشر، بل مخطوطة بخط يده، له العديد من المشاركات الفعالة خلال البرامج التليفزيونية.

ومن مؤلفات الدكتور محفوظ علي عزام : كتاب التأريخ النقدي لمنطق أرسطو، وكتاب الثقافة الإسلامية في مواجهات تحديات العصر، وكتاب العقيدة الإسلامية في فكر الشيخ محمد الغزالي، وكتاب حقوق الإنسان والحيوان في الإسلام، وكتاب دراسات في الفلسفة والأخلاق، وكتاب في التفكير العلمي، وكتاب في الفلسفة الطبيعية عند الجاحظ، وكتاب مبدأ التطور الحيوي لدي فلاسفة الإسلام، وكتاب نظرات في الثقافة الإسلامية، وأخيرا كتاب نظرية التطور عند مفكري الإسلام " دراسة مقارنة "ثم بعد ذلك كتب سلسلة كاملة عن " مفهوم التطور في الفكر العربي".

علاوة علي أن له مقالات دورية في الثقافة الإسلامية والمقالات الدعوية بمجلة واحة الإيمان، ونذكر منها : إحسان القول، بتاريخ 26 يوليو 2001، والإسراف في تناول الأطعمة، بتاريخ 20 أغسطس 2001، والإسلام حقوق وواجبات " فضيلة الصدق في الأنباء"، بتاريخ 11 يناير 1999، والإسلام منع التلوث بكلمة واحدة ! بتاريخ 4 ديسمبر 2005، والإسلام والأخلاق، بتاريخ 12 يوليو 2001، والإسلام والتجديد، بتاريخ 26 يونيو 2001، والإسلام والعولمة، بتاريخ 28 يونيو 2001، والإسلام والمنهج الغربي، بتاريخ 25 فبراير 2002، والإسلام وحقوق الحيوان، بتاريخ 10 يونيو 2001، والإسلام وحقوق الطبيعة، بتاريخ 31 مايو 2001، وأهمية العقيدة في بناء الحضارات، بتاريخ 30 يناير 2002،والتكبر علي الناس، بتاريخ 16 يوليو 2001، وحوار ديمقراطي، بتاريخ 2 أغسطس 2001، وخلق الحياء، بتاريخ 24 يونيو 2001، والدين ضرورة، بتاريخ 25 إبريل 2001، والدين والعلم، بتاريخ 20 مايو 2001، وسلوكيات لا يرتضيها الإسلام " عدم احترام المرأة " بتاريخ 14 مايو 2001، والشباب وتحديات العصر، بتاريخ 4 نوفمبر 1999، وشتان بين المنهجين، بتاريخ 9 سبتمبر 2003، والشريعة والمنفعة، بتاريخ 1 مايو 2001، وعدم إشاعة البهجة في النفوس، بتاريخ 9 يوليو 2001، وعدم النظافة، بتاريخ 15 مايو 2001،وعلاج الإدمان، بتاريخ 7 أغسطس 2001،وقضية للمناقشة " نجاح الخطاب الديني... كيف؟ بتاريخ 27 يوليو 2002، والكرامة الإنسانية والاعتصام بحبل الله.. لماذا؟، بتاريخ 3 مارس 2002،ولابد من تجديد الثقافة الإسلامية بما يتفق مع الثوابت والقيم، بتاريخ 1 إبريل 1998،والمادة والروح، بتاريخ 12 مايو 2001، والمجتمع المسلم، بتاريخ 29 يناير 2002، والمسلمون والثقافة، بتاريخ 7 يونيو 2001، والمسلمون ومواجهة التحديات، بتاريخ 7 أكتوبر 2003، والمسئولية الاجتماعية، بتاريخ 15 يوليو 2001، والنظر والتطبيق، بتاريخ 16 أغسطس 2001، والنظر والتطبيق، بتاريخ 16أغسطس 2001، والنفاق، بتاريخ 13 يونيو 2001، والوحي والعقل، بتاريخ 2 يونيو 2001، والوسائل والغايات، بتاريخ 24 يونيو 2001 .

وإذا كان لكل شخصية مفتاح فمفتاح شخصية محفوظ عزام هو القوة والبساطة .. كان في كل ما يُسند إليه من مهام أو يكلف به من عمل قوياً أميناً .. كان قوياً في شخصيته.. في قراراته، في عمله، في حجته، في كلامه.. بل حتي في مشيه.

وإلي جانب هذا تميزت شخصية محفوظ عزام بصفات أخري من أهمها: التواضع ولين الجانب .. يقدر الضعف الإنساني ويستجيب لمطالبه.. وينصت باهتمام لكل ما يقوله باحث أو زميل أدني منه؛ مردداً دائماً قول الله تعالي، و" فوق كل ذي علم عليم" .. ولقد يعُزي تواضعه هذا إلي تدينه الشديد، وإيمانه العميق بالقيم التي بحث عليها كتاب الله وسنة المصطفي صلي الله عليه وسلم.

ولعل ما لاحظه الكثيرون إلي ذلك أدبه الجم؛ فلا أذكر أنه ذكر أحداً بسوء في مجال نقده للأفكار الخاطئة، والآراء المخالفة .. بل كان يُحسن الظن بأصحابها ويحاول جهده أن يبدي الأعذار لهم . كان يفرق بين نقده الفكرة الخاطئة ومقارعة الباطل وإيضاح حجة الحق، وبين إساءة الظن بالمخالف، والتشنيع عليه. فكان همه الأول البحث الجاد عن الحقيقة بعيداً عن الخوض في الناس أو النيل من أشخاصهم.

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة وهي أن محفوظ عزام كان نموذجاً لأستاذ الجامعة المعاصر في فكره ... الفلاح في تقاليده.. وفيا لانتمائه.. مجسداً لهويته .. وكان عطاؤه خير تجسيد للتواصل بأصالة أمته مع تفاعلها الإيجابي في عصرها.. فكان مرآة للأصالة ومرآة للمعاصرة.. ولقد تمزت أستاذيته بكثير من الخصائص، ولعل من أهمها : التعمق في التخصص العلمي، حيث كان سيادته أستاذاً لفلسفة العلم بمعية فقيهة .. كان دائم القراءة في كتب الفلسفة الإسلامية.. كان يؤكد لنا أهمية أن يكون أستاذ فلسفة العلوم ومناهج البحث ملماً بعمق في مادة تخصصه وليس فقط في مباحث الفلسفة . وما أكثر ما استشهد أمامنا بالمثل : فاقد الشئ لا يعطيه.. إذ كيف يتسنى لأستاذ ضعيف الفلسفة أن يعلم طلابه طرق تدريسها.. كان يتذوق اللغة الجميلة خاصة ما كان يسمعه في البرامج الإذاعية، مثل برامج الأديب فاروق شوشة.

كان محفوظ عزام يحترم اختصاص الآخرين فلا يتجاسر علي الخوض في اختصاص غيره.. كان يسأل في بعض القضايا فيبادر إلي الاعتذار عن الإجابة ويحيل السائل إلي أهل الاختصاص، حتي كنا نحن طلاب الفلسفة نحال إلي المتخصصين في مجالات قد يكون هو أقدر علي الإفتاء فيها ..  ولا شك في أن احترامه لتخصص الآخرين دليل النضوج العلمي والتواضع الجم، بل واحترام الذات.. وهذا بكل أسف قليل في عصرنا إذ قل من يتوزع عن الافتاء فيما يجهل.

كذلك عُرف عن محفوظ عزام الانضباط الدقيق بمواعيد المحاضرات .. فما عهدنا أنه تخلف عن محاضرة واحدة ولا أنه تأخر عنها ولو لدقيقة ؛ بل كان في بعض الأحيان يدخل إلي المدرج أو القاعة ويجلس علي مقعده حتي يحضر معظم الطلاب.. وهذا بلا شك دليل علي حرصه الشديد علي الاستفادة من كل دقيقة لإفادة طلابه.

كانت محاضراته تتميز بالإلقاء التلقائي، فلم يكن إلقاؤه علمياً جافاُ، بل كان يبدع في عرض الفكرة بما أوتي من قدرة علي فهم السياق وضرب المثل والاستشهاد بمواقف الحياة .. لم يكن حديثه تجريداً متسماً بالغموض أو البعد عن الواقع، بل كان مرتبطاً بالمواقف التدريسية الحية التي يدرك المستمع في ضوئها دلالة ما يقول . لم يكن يقرأ محاضراته من ورقة، بل كان يلقيها بشكل تلقائي مسلسل مرتب الأفكار، واضح العبارات، منهجياً في تناول قضاياه .

وكان سيادته ينظر إلي التدريس نظرة خاصة قلما نجدها في زماننا عند الكثيرين .. لم يكن التدريس بالنسبة له يمثل مهنة ولا احترافاً بقدر ما كان رسالة يؤديها، رسالة تنوير وتبصير وإضاءة عقول، ودعوة إل التفتح وقبول الآخر فكراً وثقافة، والذين يتناولون عملهم كرسالة وليس حرفة يبذلون أقصي الجهد في سبيل عملهم ويمزجون العلم بالغيرة الصادقة وحرارة القلب .. والحب الحقيقي لطلابهم.. لم يبخل علينا بفكر أو رأي أو مشورة .

وإذا كان فيلسوف مثل رينه ديكارت يقول: إن الفكرة الصحيحة هي الفكرة الواضحة المتميزة .. فإن أهم سمات محفوظ عزام هي أن كل فكرة يكتبها، إنما هي فكرة واضحة ومتميزة . واضحة بحيث لا تلتبس وتعطيك أعماقها بسهولة لأنه امتلك الفكرة وامتلك زمامها، ومتميزة بحيث تراها جادة جديدة.

يشعر القارئ لكتابات محفوظ عزام أنه يتدفق كالسيل .. ولا يدري هذا القارئ كم من المعاناة عاناها محفوظ عزام حتي تصدر كتاباته هكذا .. وقد كان يُلاحظ عليه الإعداد الجيد لمحاضراته، فلم يكن يُدرس لنا من كتاب واحد مطبوع، بل كان يجمع المادة العلمية للدرس من المصادر الأصلية.

ولم يكن محفوظ عزام يقنع بالحد الأدنى من الداء فيما يعمله ؛ يظل يجود العمل كلما وضع بين يديه في الوقت الذي يتعجل فيه الآخرون أعمالهم فيبادرون بنشرها. من هنا لا تعجب أن تحظي أعماله العملية بالتقدير.. وأن تتوفر للباحثين كمراجع تحتفظ بقيمتها رغم مرور الزمن .. ولعل مما يعجب له المرء أن يجمع محفوظ عزام بين هذا الاتجاه نحو الإجادة وبين السرعة في إنجاز العمل . فلم تكن الإجادة لديه مسوغاً للإبطاء في عمله. كان ينشد الكمال ما وسعه الجهد، ويتوخي الإتقان ما وجد إلي ذلك سبيلاُ . لم يكن يقنع بكل ما تجود به قرائح طلابه في الدراسات العليا، بل كان شديد التدقيق حريضاً علي الوصول إلي أرفع مستوي من البحث ... وإلي أجود مستوي من الكتابة حتي ما اتصل بتوثيق الاستشهادات أو علامات الترقيم.

رحم الله محفوظ عزام والذي كان واثق الخطوة في كل مواقفه. كان مجدداً ولم يكن مقلداً بأي وجه من وجوه التقليد. والمجدد ينظر إلى الأمام، والمقلد ينظر للخلف والعياذ بالله، المجدد يمثل النور، والمقلد يمثل الظلام، ألم يقل الفيلسوف ابن سينا في دعائه إلى الله تعالى: فالق ظلمة العدم بنور الوجود. ومن حكمة الله تعالى أنه خلق عيوننا في مقدمة أدمغتنا، ولم يوجدها في مؤخرة الأدمغة. كانت كتابته تمثل شلالاً متدفقاً من الحكمة والمعرفة، وإن كان أكثرهم لا يعلمون، وتعد بحراً على بحر، إنها تعد نوراً على نور، ويكفيه أنه حارب طوال حياته حياة الظلام والتقليد، إنه مدرسة كاملة، وإذا كانت روحه قد صعدت إلى السماء خلال الأشهر الماضية، فقد صعدت إلى عالم الخلود والبقاء واستراحت من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

رحم الله فقيدنا الغالي والصبر والسلوان لأسرته ولتلاميذه ومريديه " وإنا لله وإنا إليه راجعون".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود سعيدلم اكن أنوي الكتابة عن هذا البشر المنسي، المحارب، المضطهد، المظلوم في استراليا وأمريكا اللاتينية، إلا أن الحرائق التي انتشرت في القارتين وبلاد آسيوية وأفريقية أخرى، جعلتني أتذكرهم باستمرار، هذه الحرائق الفظيعة اضرت ببيئتهم الطبيعية مع الأسف الشديد، كما أزهقت ارواح بليون طائر ومخلوق نادر في استراليا وحدها، وربما أكثر من ذلك في الأمزون، منها الحيوان المتطور جداً القريب منا، شبيه الإنسان، المدعو "إنسان الغاب".

في آخر يوم لي في العاصمة المكسيكية، رجعت إلى الشقة التي استأجرتها، لأحزم أغراضي، القليلة، فوجدت سيدة ثلاثينية من السكان الأصليين، ومعها ابنتها في الخامسة عشرة تقريباً، تنظفانها، فأدركت من طريقة تنظيهما الدقيق، أنهما لا ينتهيان قبل الخامسة مساءً، فلم أشأ إزعاجهما، وذهبت إلى السوق المجاور، حيث عشرات المطاعم الشعبية، منها ما يقدم الرز وسمكاً مقلياً، ونوعا خفيفا من المرق. لم أدخل، لأني ما كنت في غاية الجوع، بل توجهت إلى دكان صغير، فيه مقعدان في الداخل، و ثلاثة في الخارج، تشغلان نصف العطفة الضيقة. كنت اكتشفته في أول يوم لي في العاصمة، قهوة هذا الدكان شبيهة بالقهوة التركية، طعماً وتتبيلاً، وأظنه يضع فيها قليلاً من القرفة، وحبة مسمار من القرنفل، مع الهيل بالطبع، فتتفجر رائحتها في العطفة عاصفة ذكية مؤججة، وتنتشر مسافة طويلة، لتجذب أمثالي من عشاق القهوة والشاي.

وحين أحسست بقرصات الجوع، ذهبت إلى مطعمي، فوضع لي في كيس ما كنت أريده، ثم وضع طعاماً للعاملتين. قبل أن التقِ المرأتين فكرت أن آخذ قيلولة لنصف ساعة، قبل أن أذهب إلى المطار، لكني بعد إذ رأيتهما قررت أن أذهب بعد الغداء وانتظر الطائرة هناك.

لكني حينما فتحت أكياس الغداء ووضعت الطعام على المنضدة، ودعوتهما رفضتا أن تأكلا معي، بل عانقتني الآم، والبنت، ثم قبلتني غير قبلة، وكادت تبكي، وبعدئذ أخذتا طعامهما إلى المطبخ، وهما منتشيتان تضحكان، غير مصدقتين. الأمر الذي جعلني أفكّر بالبؤس الشديد الذي تعيشان فيه. وبعد ذاك أخذتا تنظمان حقيبتي وحين قررت الذهاب إلى المطار، حملتا كل شيء إلى الشارع، ثم عبرتا الشارع العريض لأن شارعنا وحيد الاتجاه، وتحتاج سيارة الأجرة لكي تصلني إلى دوران بضعة كيلومترات. ثم عانقتاني، وسلمتا علي، مما ترك في داخلي أثراً لا أنساه، مازال يحيى في داخلي حتى هذه اللحظة.

عاش الشعب المكسيكي تحت رحمة الفاتحين الإسبان الجشعين، الذين خلت قلوبهم من الرحمة، ثم جاء الأمريكان البيض القساة الغلاظ، فنهبوا الحي والميت، والثروات العظيمة والتراث الغني، فحطموا البلاد وأفقروا العباد، وعندما قام الحكم الوطني بعد نضال طويل وعنيف ومدمر، قام معه ظلم وظلام دائم مستمر، وسيزداد الفقر والبؤس والظلام بعد الحرائق، وسيفقد ثلاث أرباع الفلاحين الأصليين أراضيهم، ويتخلون عن مزارعهم المقفرة، ومواشيهم، ومراعيهم، وحقولهم مع الأسف، ليعيشوا كالبدو حياة تخلو من الحياة.

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن الدكتور جائي الطحلاوي وحديثنا هنا نركز فيه علي آرائه ورؤاه؛ حيث يقول عنه الدكتور حافظ شمس الدين:" من أن معرفتي اللصيقة بالدكتور رجائي الطحلاوى نيفت على الأربعين عاماً، فأتاحت لى هذه المدة أن أعرف الكثير عنه، وكأنني أعرفه منذ زمن لا أحصيه عدداً، فعرفت فيه الفضل والنبل وعرفت فيه الخلق الطيب، ولم أسأل أحداً عنه، لأن الجواب عن هذا السؤال كان حاضرًا راهنًا، فقد أثنوا عليه قبل أن يروه، فلما عايشوه كانت له المكانة التى تسمو به ويسمو بها، إخلاصه لعمله وأساتذته وتلاميذه ناصع نقي، لم تشبه شائبة مما يشوب الإنسان فى المحيط الجامعى".

ولعل الدكتور رجائي الطحلاوى من القلائل الذين لم ينقطعوا عن عملهم طوال حياتهم، ومؤلفاته، سواء كانت علمية أو عن الإدارة الجامعية أو المستقبليات أو الكتب الأدبية التى تختص بسير بعض الأئمة من المسلمين أو أعلام أسيوط أو غيرها من الكتب، كلها تتسم بالعمق واليسر والتيسير، وقد أتيح لى أن أمتع بصرى وأثرى فكرى بقراءات فيها، فظفرت بخير كثير، ثم أعدت النظر فيها من قريب وبإمعان، فصح مني العزم أن أقتطع لها وقتا أعاود فيه هذه المتعة وهذه المتعة الدانية القطوف.

ويؤمن الدكتور الطحلاوى بأن مصر تحتاج إلى سياسة معرفية، خصوصًا وأن العالم ينتقل الآن من مجتمع المعلومات إلى مجتمع المعرفة حيث ستصبح المعرفة هى الأساس الأول فى توليد الثروة.  وإدارة المعرفة هى التحدى الحقيقي للوصول إلى مجتمع المعرفة.  ويضيف بأن أمام مصر مهمتان رئيسيتان؛ المهمة الأولي كيف نقيم بنية تحتية تسمح لنا بالاستيعاب الفاعل للمعرفة المعاصرة، والمهمة الثانية هى قدرة أبناء مصر على الإسهام فى إنتاج المعرفة العالمية.

وعن فلسفته فى الحياة يقول الدكتور حافظ شمس الدين :"... فالدكتور الطحلاوى ذكر لي خلال لقاءاتنا التى لا أتذكر عددها من كثرتها، إنه يؤمن بأن خير الناس أنفعهم للناس، وأن فضيلة الإنسان أن يصنع خيراً  وللشر عنده غواية، وله فى نفسه فتنة، فليس الخير ابتعادًا عن الشر أو عجزًا عنه، بل الخير هو اختيار الحسن مع القدرة علي فعل السئ، ويضيف الدكتور الطحلاوى، إنما فضل الإنسان على غيره من سائر المخلوقات بقدرته علي التمييز بين الخير والشر والنافع والضار، والناس يتمايزون بما تهديهم طبائعهم من عمل فيه خير لهم وصلاح لغيرهم ونفع للبشرية ورقي لها. والعالم الحقيقي هو الذى تقوده معارفه الواسعة المتجددة إلى مناهج جديدة فى البحث والابتكار تؤدى إلى أفكار تنبت من أرض الواقع وتستشرف آمالا مستقبلية واعدة، حتى يتحول الصلاح إلى إصلاح والحكمة إلى حكم والحقيقة إلى حق والعلم إلى عمل، وأردف الدكتور الطحلاوى قائلاً: كم يكشف تبادل الأحرف الثلاثة للعلم والعمل عن سر عبقرية الإنسان حيث استطاع العلم والعمل أن يجعلا من دول كانت تفتقر الوجود على الخريطة، لكنها بفضل العلم تحولت إلى بؤر مضيئة على خريطة العالم المعرفى المتطور، ولنا فى اليابان وماليزيا والهند وتركيا أسوة حسنة.

ويعتقد الدكتور الطحلاوى أن نهضة مصر ستكون على أيدى أبنائها، لأن العالم المصرى إذا توافرت له الظروف المناسبة للإبداع والابتكار وانجذب إلى بئر المعرفة لينهل منه سوف يكون الناتج متميزًا، ولا بد من متابعة العلماء فى أداء بحوثهم حتي تتحرر البحوث من أسر الرؤية الضيقة، كذلك فان تشجيع العلماء يبعث الأمل ويجدد الهواء فى رئة البحث العلمي للعلماء الشبان وهم فى بداية رحلتهم مع الشقاء فى نعيم العلم، أو قد يكون شحذا للهمم عند بعض الباحثين، ممن يتراءى لهم الاسترخاء العلمي والاكتفاء بما أنجزوه فى سنوات سابقة زعمًا بأن العوائق والصعوبات قد تئد روح البحث العلمي فى نفوسهم، وأن تقدير العلم والعلماء فى مصر لا يتفق مع ما يبذلونه من عصارة فكرهم ونور عيونهم وسني عمرهم لكنه بالإصرار والمثابرة والكفاح والجهاد مع النفس، يستطيع علماء مصر أن يهزموا الإخفاقات وأن يجعلوا مسيرة مصر المستقبلية جديرة بالتأمل والاستيعاب، لأنها تغرس فى نفوسنا الأمل فى تحقيق صحوة علمية حضارية أساسها الإنسان المصرى.

يقول الدكتور حافظ شمس الدين:" بالنسبة لى وعلى المستوى الإنساني، فالدكتور محمد رجائي الطحلاوى يجسد الإنسانية بكل ما تعنيه الكلمة، فهو إنسان كالنسيم، تنتشر أريج مودته فى كل موضع يكون فيه وينعم برفقته كل من يعرفه عن كثب، وأشهد وقد صحبته منذ عام 1965 بأن هذه الصحبة الطويلة الحميمة، لم يشبها فى يوم من الأيام ما يكدرها، ولم يعكر صفوها ما يصيب أحوال الناس من فتور وسأم، بل كانت مثالاً لكل ما هو أصيل وحقيقي، كان بيننا سياج شديد الانضباط بلا رتابة من الود والمحبة والإخلاص، تميزه الجدة والرصانة والمبادرة والوداعة والبشاشة، ويسمو به اللسان العف المترفع عن الصغائر والصغار، ولم أر منه إلا ما يوده الصاحب من صاحبه والأخ من أخيه، وهو شخصية جذابة لا تفارقه روح البساطة، وربما الفكاهة التى تسر ولا تحرج، وتنقد ولا تسخر، لأنه يحرص على مشاعر الآخرين، وفى تعامله مع زملائه ورفاقه وأصدقائه الذين يجيلونه فى العمر، يبقي الدكتور رجائي الطحلاوى الأخ الأكبر لهم دائماً، تظلله هالة من المودة والمحبة والتقدير، فحب الناس وحب الخير يجريان فى دمه ... فكيف يخونه دمه؟  إضافة إلى ذلك كله ... وفوق ذلك كله، هو فى تخصصه موسوعة تمشي على قدمين".

وفى ستينيات القرن الماضي، كان الدكتور الطحلاوى مدرسًا فى كلية الهندسة وكان يشرف على ثلاثة معيدين فى قسم الجيولوجيا بكلية العلوم، فى دراساتهم وبحثهم لدرجة الماجستير، وكنا نجتمع جميعاً فى معمله بكلية الهندسة، والمعمل كان البيت الثاني للدكتور الطحلاوى، وقد استطاع أن يجمع تلاميذه وأسرة معمله لتأتلف علي إخاء ومودة وتجتمع على سماحة ومحبة، وكم كانت هذه الأسرة المعملية تتابع العمل حتي ساعة متأخرة من الليل، ثم تفترق على تحية المساء، لتلتقي بعد ساعات على تحية الصباح وذلك حسب قول يقول الدكتور حافظ شمس الدين.

وكان العمل عند الدكتور الطحلاوى لا يستأثر بعقله فحسب، بل كان يستأثر  أيضاً بقلبه وذات نفسه وبآماله وطموحاته، فأفرغ له جهده طوال زهرة شبابه وصبابته وسني كهولته ورحيق حيويته، لذلك كان يثور إذا لاحظ إهمالاً أو تقاعسًا من أحد أعضاء مدرسته البحثية، لأنه كان دائماً ينشد الكمال فى التميز.

كما أنني أستطيع أن أقول مع الدكتور حافظ شمس الدين بأن الدوحة العلمية للدكتور رجائي الطحلاوى تفتحت لتقول إن مصر فى عطاء دائم، معينها لا ينضب من النابهين والعلماء الذين أثروا مناحي الحياة ببحوثهم وإبداعاتهم وإنجازاتهم التى تدعو إلى الفخر بهم والاعتزاز بأنهم نبتوا من أرض مصر المحروسة وحفروا لوطنهم بجهدهم وانتمائهم مكانة دائمة فى ركب من يسعي إلى التميز والنبوغ.  لذلك تعتز مصر بهؤلاء العلماء النابهين وتباهي بهم، والدكتور محمد رجائي جودة الطحلاوى – بالتأكيد – هو واحد من ألمعهم، فهو مثل وقدوة لعلماء مصر وشبابها..

وثمة نقطة مهمة وجديرة بالإشارة أود ن أشير إليها وهي أن الطحلاوي قد شهد له الكثيرون بأنه يجمع بين صفات المهندس والفيلسوف معا، ومن هؤلاء الدكتور سليمان جزين الذي قال عنه بأن الأستاذ الدكتور محمد رجائي الطحلاوي كانت له بصماته الخاصة فى هذا المجال منذ بداية ولايته وحتى قبل ذلك حين كان أستاذًا وعميدًا لكلية الهندسة بأسيوط.  فهو قد انتشر بمادته العلمية ليعاون بعض المعاهد خارج أسيوط وإلى الجنوب منها بالذات ونحن نعلم أنه قد مد عباءة عمله الجامعى والتعليمي والتدريبي إلى معهد مصانع نجع حمادى للألمونيوم خلال فترة من الزمن قبل ولايته للجامعة، وهو قد مد عونه ومساهمته وإشرافه إلى فروع الجامعة فى سوهاج وقنا وأسوان دون أن ينتقص ذلك من جهده الكبير والموفور فى النهوض بأعباء الجامعة فى أسيوط ذاتها.  ولقد ساهم بذلك كله فى أن يحقق لجامعة أسيوط أن تصبح بحق، وكما رسم لها من البداية، أن تصبح "جامعة الصعيد" بل الجامعة الأم بالنسبة لجامعات الصعيد كله. وهو فوق ذلك لم يبخل فى أن يمد يد الجامعة لتعاون بعض الجامعات فى الشمال، لاسيما معهد التكنولوجيا والهندسة فى بنها وهو معهد جديد تابع للوزارة وقد أنجزته جامعة أسيوط بعد أن كاد العمل أن يتعثر فيه بعد إنشائه وخلال مرحلة بداياته الأولى.

وفضلاً عن ذلك فإن رجائي الطحلاوي قد شق طريق الجامعة إلى عدد من المبادئ والاعتبارات الأخرى التى أثرى بها عمل جامعة أسيوط، ومنها كما يقول سليمان حزين :

1- التوسع فى تطبيق نظام المستشارين العلميين لرئيس الجامعة فى شئون العلم والبحوث التطبيقية والتجديد فى العمل الجامعى الذى يثرى الحياة الجامعية التى تزداد تشعبًا واتساعًا فى كل يوم.  وهذا العمل يقلل من تركيز العمل ويخفف الضغط على رئيس الجامعة الذى تشعبت مهامه وواجباته فى السنوات الأخيرة.  وهو أمر فى صالح الجامعة وإداراتها من جهة، وفى صالح تدريب المعاونين من أعضاء هيئة التدريس وتأهيلهم لتولى واجبات أوسع نطاقًٍا فى سلم العمل الجامعى.

2- التوسع فى نطاق "مستقبليات" العمل الجامعى والقومي.  ولاشك أن هذا هو الاتجاه الحديث فى عمل الجامعات ومهامها على المستويين القومى والإقليمي بل والعالمي.

3- المزيد من الربط بين الجامعة والمجتمع وإنشاء المزيد من الوحدات "ذات الطابع الخاص" فى العمل الجامعى، والسعى إلى المزيد من الربط بين الجامعة وأدوات التحكم المحلى وأجهزته – وهذا اتجاه له قيمته بالنسبة لعمل الجامعة وزيادة فعاليتها فى خدمة الأهداف المحلية والإقليمية بل والقومية العامة.

4- إحياء مشروع جوائز البحث العلمى فى الجامعة وبين أعضاء هيئة التدريس بصفة خاصة. وهو مشروع كان أول مدير منشئ للجامعة قد أنشأه بتبرعات من داخل الجامعة (من الأساتذة الزائرين الأجانب) ومن خارجها، حتى بلغت التبرعات فى عام 1964 نحو 000ر21 جنيه مصرى (وهو مبلغ غير قليل بالنسبة لذلك الوقت) ولكن المشروع بقى معطلاً حتى جاء رئيس الجامعة الحالى فأحياه من جديد.

4- تطوير المكتبة المركزية ومكتبات الأقسام العلمية والتوسع فى المطبعة وتحديثها وتجديد نشاط النشر العلمى حتى أصبحت الجامعة معتمدة على مواردها وأجهزتها الخاصة وهو أمر كانت إقامته صعبة فى بلد بقلب الصعيد مثل أسيوط.

تلك هى العلامات الأساسية التى أشرف بها عمل الطحلاوي منذ بدء ولايته فى عام 1991 وهنا يعقب سليمان حزين فيقول: وإننا لنتمني مخلصين له وللجامعة اطراد مسيرتها الموفقة على طريق التقدم والازدهار خدمة لصعيد مصر وتمكينًا لفلسفة العمل".

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الدكتور محمد رجائي الطحلاوي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ والمهندس والفيلسوف، فتحية طيبة للدكتور الطحلاوي ، الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

بارك الله لنا في الدكتور رجائي الطحلاوي قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره مهندسا وفيلسوفا، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط