كاظم الموسوياراد الاستعداد لحفل عيد ميلاده المئة، في بيته وحديقته، لكن جائحة الكورونا غيّرت البرنامج. وبدلا من الحفل، أطلق مبادرة سُجلت له، وحولته الى بطل قومي ورمز إنساني، ماثرة فردية فتحت كشاف الاضواء عليه، ودعت نشاطات أخرى معه، فكرته ملخصها العمل على تجميع الف جنيه إسترليني للتبرع بها إلى مصلحة الخدمات الطبية الوطنية NHS في ظروف انتشار جائحة الكورونا. هذه الفكرة، المبادرة غيرت الصورة وقدمت معنى أن يسهم الانسان في دور مبتكر في الحياة.

هذا الرجل هو الكابتن توم مور أحد أبطال المملكة المتحدة في الحرب العالمية الثانية، الذي اصبح حاليا بطل المملكة ايضا في حربها على فايروس كورونا المستجد. ولأنه بادر .. وتحولت المبادرة الى وسام له، أسهمت معه فيها فرقة غنائية ومنظمة خيرية وتمكنت من جمع ثلاثين مليون جنيه استرليني (تعادل 37.4 مليون دولار) لحد كتابة المقال، والحملة مستمرة، فانه يستحق كل ما حصل له بعدها. والجميل فيها انها اقترنت ايضا بعيد ميلاده المئة، قرن كامل من الزمان، في الثلاثين من نيسان الماضي، لتزيد الاهتمام أو فرض نفسه على الجميع. وسائل الإعلام والاتصال احتفلت معه، ونقلت من بيته الذي انطلق منه بمبادرة التجميع ومغامرة التجول حول الحديقة، صورة الخطوة ألاولى لحملة التبرعات وتبعتها صورة آلاف البطاقات البريدية التي ملأت قاعات احتفالات ومدرسة من مختلف قطاعات الناس الذين شاركوه المناسبة، إحتفاء وتقديرا وتكريما.

بدات الخطة في السادس من نيسان/ أبريل الماضي، حيث حدد توم مور لنفسه تحديا بجمع الف جنيه استرليني للتبرع بها إلى مصلحة الخدمات الصحية الوطنية، من خلال قطع حديقته البالغ عرضها 25 مترا مئة مرة. وأراد بذلك تكريم الطواقم الصحية التي عالجته من مرض السرطان ومن كسر في الورك. وبعد عشرة أيام على ذلك، اجتاز كابتن توم الأمتار الأخيرة من مغامرته متكئا على جهاز يساعده على المشي، بين صفين من العسكريين أدوا له التحية. ومع خطواته وإصراره وقدرته على التحدي ازداد سخاء المتبرعين كل التوقعات، إذ وصلت التبرعات  حتى يوم عيد ميلاده إلى 30 مليون جنيه استرليني، والحملة لم تتوقف بعد.

 قدم هذا الكابتن الذي خدم في صفوف الجيش في الهند وبورما أيام شبابه، مثالا إنسانيا رائدا، وقد أشادت به الحكومة معتبرة أنه “مصدر إلهام” للبلاد في الأزمة غير المسبوقة التي تواجهها. وكرمته بتحية وبطاقة وإشادة احترام وتقدير.

كما منحته موسوعة غينيس للأرقام القياسية “الرقم القياسي العالمي  لشخص  جمع أكبر مبلغ من المال من خلال المشي لأغراض خيرية” مشيدة ب”رجل عمره 99 عاما لا يقهر يستحق عن جدارة مكانه في كتب التاريخ”.

واصل ابن المئة عام بشجاعة وعزم مبادرته التي أطلقها في جمع الأموال والتبرع بها علنا. حيث ارفق مبادرته بالتعاون مع الفنان البريطاني مايكل بال وجوقات المؤسسة الصحية الوطنية في استعادة أغنية “يو ويل نيفر ووك ألون” المأخوذة من مسرحية غنائية من مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي أصبحت نشيدا لمشجعي كرة قدم ورمزا للتكافل في ظل الأزمة الصحية. وما إن طرحت الأغنية حتى احتلت صدارة تصنيف الأغاني المنفردة في بريطانيا.

بعد كل هذا، اصبح الاحتفال بعيد ميلاد الكابتن توم مور أمرا اخر، فقد شارك سلاح الجو الملكي البريطاني بتحليق طائرات حربية فوق منزله، كما تم إنتاج علامة بريدية ملكية خاصة، كذلك تم إرسال أكثر من 125000 بطاقة عيد ميلاد إلى مكتب بريده المحلي فى منطقة سكنه.

ارسلت الملكة اليزابيث الثانية بطاقة تهنئة له، وكذلك رئيس الوزراء بوريس جونسون. وقامت وزارة الدفاع البريطانية، بتعيين توم مور كولونيلا فخريا اول لكلية مؤسسة الجيش بعد موافقة الملكة على منحه هذه الرتبة.

كما تم إطلاق اسم الكابتن توم مور على اسرع قطار، تكريما لجهوده الرائعة فى جمع التبرعات لصالح الخدمات الطبية، الذي بدأ الإنطلاق فى الخدمة بين المدن للسكك الحديدية الغربية الكبرى حاملاً اسمه الجديد  من يوم عيد ميلاده. وأشاد المدير الإداري لمصلحة السكك ايضا بدور ومبادرة الكولونيل، "بروحه التى لا تقهر، ما حققه الكابتن توم ملهم حقًا ومثال لنا جميعًا"، وأضاف "لدينا فى Great Western تاريخ طويل فى تسمية القطارات بأبطال الماضي والحاضر من جميع أنحاء شبكتنا، ويشرفنى أنه يمكننا اليوم الاستجابة لطلبات الحصول على قطار باسم الكابتن توم مور".

ونقلت وسائل الإعلام اكثر من لقاء مع الكولونيل، منها قوله: "كل قرش نجمعه، تستحقه الصحة الوطنية بجدارة".  وقال: إنه لن يتوقف عن السير ويأمل في القيام ب 100 دورة أخرى. وأطلقت طالبة مدرسة، اسمها ريغان ديفيز  بالغة من العمر 8 سنوات، حملة يقوم بها الأطفال لصنع بطاقات معايدة للاحتفال بعيد ميلاد مور المئة. ووضعت  نصب عينيها صنع 1500 بطاقة افتراضية لمور. وقالت: "يمكنك نشرها على أي من وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام هاشتاغ #makeacardfortom . كما كتبت حفيدته حنا إنهم كانوا يعتقدون أن جمع ألف جنيه ليس بالأمر السهل، لكن الحصيلة الإجمالية مذهلة. واضافت: "لقد تجاوزت النتيجة أقصى توقعاتنا، ولا توجد هناك كلمات لنعبر بها عن مدى امتناننا للبريطانيين لدعمهم لجدي. لقد جعلونا نشعر بالفخر وبالعرفان". "ما فعله الشعب البريطاني، خلق لديه هدفاً في الحياة، أعتقد أنه لن يتوقف عن القيام بذلك حتى يقول له الجميع كفى، توقف، لا تقم بالمزيد".

واخيرا عبرت إيلي أورتن، الرئيسة التنفيذية للمؤسسة الخيرية " Charities Together" التابعة لمصلحة الصحة الوطنية، والمستفيدة من التبرعات، عن امتنانها: "إن الوصول إلى جمع هذا المبلغ أمر لا يصدق على الإطلاق". واضافت: كما نود "التعبير عن امتناننا وإعجابنا الكبير بالكابتن توم ومصلحة الصحة الوطنية وكل المتبرعين".

فكرة بسيطة تحولت إلى مثال، وحولت صاحبها الى رمز وطني. مبادرة تحولت إلى ماثرة، لا يمكن الاطلاع أو سماعها دون الإشادة بها والدعوة إلى تعميمها بما يتوفر لها من ظرف واستعداد وروح تضامن وتقدير للجهود المبذولة في الحرب على الجائحة. وتلك من دروسها التي تضاف إلى غيرها في المعنى والدلالة الإنسانية ورد الجميل.

 

كاظم الموسوي

 

عزالدين عنايةنصّ: ستيفانو أَلِيَافي*

ترجمة: عزالدين عناية**


 تبدو الانطلاقة من صقلية ضرورية للحديث عن الإسلام في إيطاليا، وبشكل ما "وُلِدت" صقلية مع الإسلام، أو بالأحرى مع العرب، الذين منحوا الجزيرة تاريخا وفخرًا، ثراء ماديا وفنيّا خارقين، بالتأكيد ليس أقلّ قيمة مما خلّفه الإغريق من آثار. كما لاحظ الكاتب ليوناردو شاشا، "بدون شكّ بدأ سكان جزيرة صقلية يسلكون مسلك الصقليّين بعد الفتح العربيّ". سابقا، وفي العموم كانت الأوضاع فاقعة، على الأقل كما يصفها المؤرخ ميكيله أماري: "صارت صقلية بيزنطية في الداخل والخارج؛ اختلّت جرّاء الداء الذي أَلمّ بالإمبراطورية السائرة في طريق السقوط؛ منشغلة بأوضاعها البائسة، لا يروعها الفتح الإسلامي الذي هزّها وجدّدها". بقيت آثار الفاتحين العرب المسلمين في العوائد، في اللغة، في أصول الكلمات، في الحضارة المادية: إنهما قرنان من السيطرة، فضلًا عن التأثير الثقافي الواسع جرّاء انفتاح بلاط النورمان على المساهمات العربية، التي لم تذهب سدى.

فإيطاليا لا تماثلها منطقة أخرى من حيث تأثير الإسلام التاريخي، وبالحدّة نفسها للإسلام المعاصر. انطلاقا من منطقة مازارا دل فالّو، التي تحتضن اليوم إحدى أهمّ الجاليات الإسلامية المشهورة في إيطاليا، والموقع الصقلي المطلّ على تونس، إفريقية قديما (التي ينحدر منها اسم القارة: إفريقيا؛ والتسمية مع عديد الجغرافيّين والمؤرّخين العرب، ضمّت صقلية أيضا).

1483  استيفانا ايلافيفالآثار المتعلّقة بالماضي العربي الإسلامي، منغرسة في أسماء المواقع المحليّة، ومنتشرة في شتى الأمكنة: فمن "مرسى علي" أو "مرسى الله"، صارت اليوم مَرْسالا، الطرف الغربي من تريناكريا، إلى "حلق القنطرة" التي تحوّلت في الحاضر إلى ألْكنترا، إلى مختلف الأماكن التي ضمت الجذر العربي لمفردة "قلعة"، والتي باتت كالْتانيسيتّا، كالْتابيلوتّا، كالْتاجيروني، كالْتافيمِي، كالْشيبيتّا، إلى كانيكاتّي "القطاع"، إلى فافارا المنحدرة من "فوّار، العين الجارية"، إلى شاكّا "السّاقية"، إلى ألْكامو، التي كانت تسميتها العربية "منزل القمح". حول هذه الأخيرة تروى حكاية شفوية متوارثة، واردة من القرون الوسطى، تنسِبُ الاسم إلى القائد هالْكامو، الذي ما إن حلّ بمازارا حتى أحرق جميع سفنه ليصدَّ نفسه ومن تحدّثه نفسه ممن معه عن العودة إلى الخلف. فقد هاجم سِلِينونْتي وغَلّى بعض الأهالي أحياء في إناء من نحاس، حتى يبثّ في قلوبهم الرعب، ثم شيّدَ قلعة حملت اسمه.

تُشير إضافات لغوية أحيانا إلى اسم مكان، كما تأتي في اللاتينية لفظة -mons- أو في العربية لفظة "جبل"، بالدلالة نفسها، والتي تشكّل أحيانا مفردة "مونْجَبَل"، التي باتت اليوم "مونْجِبيلّو"، والتي تشير إلى الإتنا، كما نجد الاشتقاقات نفسها في جِيبِلّينا وجِيبلِّمانّا. إلى حدّ باليرمو، التي يرد ذكرها لدى العرب "بالرم" وقد كانت سابقا في العصور الإغريقية بانُورْموس، فهي حاضرة البلاط و"مدينة الثلاثمائة مسجد"، كما نعتها الرحالة العربي ابن حوقل في الحقبة النورمانية، في إحدى آثاره التي تعود إلى سنة 973م. فممّا ضمته تلك المنطقة في سابق عهدها لم يتبقّ سوى القليل، وليس في ما ترسّب من أسماء المواقع. فقد كانت الآبار والنواعير أساس نظام الريّ والأكثر تطوّرًا حينها، وهو ما سمح بتطوير زراعة النخيل وجلب القوارص والفستق والموز والمرّ والزعفران والقطن وقصب السكر. وما الذي نقوله عن الفولكلور: فبين عديد الأمثلة، نجد نوادر جحا، التي تحاكي قصص جحا العربيّ، "كبير الحذاء بليد الذهن" في ما يشبه بيرتولدو وكنديدي لدينا، وهو ما يرد بإسهاب في الروايات الشعبية. نستحضر أيضا الآثار الباقية من العمران (القصبة بمنطقة مازارا، التي باتت اليوم تحتضن الأحفاد الجدد لسكّانها القدامى)، من الأنشطة التجارية، إلى عديد العوائد الشائعة، بل في اللغة أيضا وفي عوائد التحية، فليس عرضا أن نجدَ "سلامليكّي"، المحرّفة عن "السلام عليكم"، التحية العربية التقليدية. نستحضر كذلك تعابير تُعَدّ من ميزات لهجة صقلية، مثل "لنقبّل الأيدي"، أو "البركة في سيادتك". إلى حدّ الألقاب العائلية، التي يضيق المجال لعرضها، من بوشامي إلى كنْجامي، إلى مرابطو، إلى شُرطينو، إلى عِزّو إلى رسولّو، أو تلك الأسماء المركَّبة بإضافة اسم الله، مثل فراجالا، وزابالا، وفادالا وغيرها كثير، حيث كلمة الله جلية في آخرها. يبدو جديرا تتبّع هذا التاريخ من أصوله.

كانت صقلية الفتحَ الأخيرَ للإسلام العربي في أوروبا، تلت توطّن الإسلام بالأندلس بُعيْد قرن من الفتح. مكثت فيه إسبانيا ترزح تحت السيطرة الإسلامية ما يناهز ثمانية قرون (بالضبط من العام 711م إلى 1492م، وإن كان بأزمنة وأشكال مختلفة من منطقة لأخرى)، وهو ما خلّف حضارة شامخة، ما زالت آثارها إلى اليوم زاهية. لا تضاهى مقارنة صقلية بذلك الفضاء، مما تبقى من آثار بادية للعيان في فنّ المعمار، ففي صقلية أقلّ بكثير مما نجده بالأندلس: ولكن في العموم يتعلّق الأمر بذاكرة تحتاج إلى الاكتشاف على غرار ما نجده بالأندلس. كما نجد النظر إلى الفتْحيْن في العالم الإسلامي نفسه مختلفًا. كتب ريزّيتانو: "إن كانت الأندلس في التاريخ العربي اِحتلّت ما نسمّيه باللّغة الصحفية المقال المعمّق ضمن تاريخ المغرب، فقد خصّصَ المؤرّخون المسلمون لأحداث صقلية، روايات متواضعة، ما يشبه روايات الهامش". كلتاهما، صقلية والأندلس، شملهما فتحٌ يعود إلى عائلات محدّدة ومستقلّة بشكل ما، وأحيانا عُدّت مبتدعة من قِبل الإسلام السنّي، الخاضع في تلك الحقبة إلى الخليفة العباسيّ في بغداد. نجد في صقلية أساسا الأغالبةَ العربَ، والفرسَ، والأمازيغَ، ممّن شكّلوا الموجة الأولى من البعثة الإسلامية، فقد كان الحاكم مستقلاّ، حتى وإن والى ظاهرا الخلافة في بغداد. ترافق ظهور الأغالبة في القرن التاسع الميلادي، مع اعتلاء كارلو مانيو العرش،كان ذلك بموافقة الخليفة هارون الرشيد على الحاكم إبراهيم بن الأغلب من إفريقية، بالسماح له بتوارث الملك؛ ثم خَلَفهم الفاطميون وقد شكّل عهدهم بحسب المؤرّخ الإيطالي فرانشيسكو غابريالي "العصر الذهبي للإسلام في صقلية"، إلى الكلبيّين المرتبطين بالفاطميّين، ممن انتسبوا حقّا أو زورا إلى فاطمة، ابنة النبي محمّد (ص) وزوج الخليفة الرابع علي، وممن ينتمون عموما إلى الشيعة. في حين حكم في إسبانيا خصومهم الأمويون، الذين سرعان ما أقاموا إمارة مستقلة، ثم تلاهم المرابطون، وأخيرا أتى الموحّدون، الذين رافقهم تصاعد نفوذ الأمازيغ، وقد شهد عصرهم ازدهارا ثقافيا ملحوظا، بلغ أوجه، وكما يحدث عادة، أثناء الفترة التي سبقت التراجع واندلاع حروب الاستعادة التي انتهت بطرد الموريسكيّين. لم يبق سوى التباكي على الأطلال عن حضارة فريدة من نوعها فعلا، سواء في تسامحها أو في انفتاحها الفكريّ، على الأقلّ بحسب ما كان معهودا في تلك الفترة؛ الآثار الباقية لمسجد قرطبة، وقصر الحمراء، وغرناطة، وطليطلة، وإشبيلية، شاهدة على ذلك الإرث، الذي لم يبق ما يضاهيه من آثار شامخة في صقلية.

1484  عزالدين عنايةيعود تاريخ الغارة العربية الأولى على صقلّية إلى الفترة المبكّرة من تاريخ الإسلام، بالتحديد إلى العام 652م، أي العام الثلاثين من التقويم الهجريّ، نسبة لهجرة النبي محمّد (ص) وأصحابه من مكة إلى المدينة منطلق التقويم الإسلامي، وعلى بعد عشرين سنة من وفاة نبيّ الإسلام. ثم تتابعت المغازي، في العام 700م مثلا، تمّت مهاجمة جزيرة بنْتَلاّريا وأُفْني من فيها من السكان، ولغرابة الأقدار فإنّ أصول هؤلاء تعود إلى قرطاج وأوتيك في شمال تونس، من المسيحيّين الذين فرّوا من الفتوحات الإسلامية الأولى لإفريقية. وفي سنة 705م تعرّضت سيراكوزا للنّهب. لكن لم يتسنَّ فتح المدينة سوى بعد قرنين، وبعد ثمانين سنة من النزول بمازارا، الذي حصل سنة 827م، بعد مقاومة عنيفة. تَمّ فتح باليرمو سنة 831م، ثم مِسّينا سنة 842م، وراغوزا سنة 849م، وإينّا سنة 859م (من باب التذكير أثناء الحصار الأوّل للمدينة، سنة 829م، ضُرِبت العُمِلةُ الأولى التي تحمل اسم "صقلية" مع ذكر العام الهجري) وسيراكوزا سنة 878م، وأخيرا تاوِرْمينا، آخر قلاع المقاومة المسيحية، التي انتزعت بعد معارك دامية سنة 902م، أي العام 280 من التقويم الهجري. كَتَب إركيمبيرتو، أحد رهبان مونتيكاسينو في القرن الحادي عشر، عبارات بليغة واصفًا بها الفتح العربي: "في ذلك الزمن، كان العرب يُشبِهون خليّة النّحل، بأيادٍ ذات بأس شديد، وفدوا إلى صقلية من بابل وإفريقية. اجتاحوا كلّ شيء في البلاد المجاورة، وأخيرًا انتزعوا مدينة باليرمو الشهيرة، التي باتت محلَّ سكناهم في الوقت الحالي، وفي تلك الجزيرة سقطت عديد المدن والقرى، وفي وقت قليل أذعن الجميع لسلطانهم".

باتت صقلية تابعة للمجال الحيويّ السياسيّ والثقافي الإسلامي في ذلك العهد. فقد كان جوهر الصقليّ، مثلا، قائد جحافل قوات الخليفة الفاطمي المعز لإخضاع مصر، التي شهدت بناء الحاضرة الجديدة القاهرة سنة 969م. وكان الإمام المازري، المولود بمازينا، من أسس بيت الدراسات الفقهية الشهير بمدينة المهدية.

لعبت السياسة دورًا حاسمًا في توحيد الجزيرة وضمّها تحت الحكم الإسلامي، كان ذلك تحت رغبة الخليفة التي نفّذها الأمير أحمد، فقد أسّس في كل مقاطعة مدينة حصينة أقام فيها مسجدًا، ودعا الناس إلى العيش بداخلها وليس في قرى متناثرة: وهو ما ساعد على المراقَبة والدفاع، فكان بذلك الشكل أن طوّرَ إيرادات الدولة المالية، وخلطَ كذلك السكان المسيحيّين بالمسلمين، كما شجّع التعليم الديني وبالتالي اعتناق الإسلام.

انتهى الفتح العربي مبكّرًا. ففي القرن الأول من الألفية، أثناء صراع بين السادة الأعداء، حين يبحث أحدهم، كما يجري عادة، بالاعتماد على قريب قويّ، ربما عدو الأمس، لحلّ الخلافات الداخلية التي قد لا تنتهي إلّا على مستوى عسكري. فالقريب الذي يشكل مشكلة، فضلا عن أنه قوي، هو مربك وله أهداف جدّ محدّدة: هكذا بدا روجيرو النورماني حينها رفقة الأخ روبارتو غويسكاردو، حيث نزلا بجنوب مسّينا سنة 1061م، واستعادَا باليرمو سنة 1072م وستنتهي بعد ثلاثين سنة من مقدمهما، بالسقوط المشهور سنة 1091م، حقبة الوجود الإسلامي واسترجاع الجزيرة. وحتى وإن مرّت عسكريا إلى أيدي النورمان، فقد بقيت الجزيرة تحت التأثير الواسع الثقافي والإداري للإرث العربي الإسلامي، سواء أثناء حكم النورمان أو تحت فترة الحكم السفيفي.

حازت الصورة اللامعة والمنفتحة للإمبراطور فيدريكو الثاني، أهميةً جليّةً لدى عديد المؤرّخين. فقد احتفظ بين عناصر جيشه، كسابقيه، بحرّاس ثقاة من السراسنة، من المحاربين الأوفياء، وعارض أيّ مسعى لتحويلهم عن دينهم. لكن بالخصوص مستشاريه من العرب هو دلالة على بُعْد نظره السياسي، فضلًا عما ولاّهم من دور تنظيميّ وتثقيفيّ، كما كان بلاطه محل استقطاب للعلماء، ومنتدى للحكماء، المسيحيين واليهود والمسلمين. لقد كان الإمبراطور شغوفا ومتّقد الذكاء، كما تكشف عن ذلك "أسئلته الفلسفية" التي كان يدلي بها للعلماء من كافة المشارب، مع تفضيل للعرب من بينهم. يشهد على ذلك "كتاب المسائل الصقليّة"، المتواجد اليوم بمكتبة بودليانا بأوكسفورد. فللإجابة مثلا عن بعض تساؤلاته كتب الفيلسوف ابن سبعين رسالة في الذات البشرية وعن خلود الروح. كما يرجح أيضا تلقّيه العلم هو أيضا على يدي قاضٍ مسلم. كان يتحدث "اللاتينية والإغريقية والسراسينيّة، أي العربية...". لقد كان الزيّ الإمبراطوري الذي ارتداه يوم مجيئه إلى روما لتسلّم التاج من إمبراطورية الكرسيّ الرسوليّ، هو بشكل ما علامة على ذلك الانفتاح الثقافي؛ كان موشّى بالأحرف العربية على أطرافه، وحوى كتابة تشير إلى مأتاه، المصْنَع الملكي بباليرمو، وتاريخ العام 511، بالتأكيد العائد للتقويم الذي يرتبط بهجرة النبي محمّد (ص) من مكة إلى المدينة. بالتقويم نفسه، وفي بعض الفترات من الحكم النورماني، ضربت النقود الإمبراطورية: مباشرة بعد استعادة باليرمو، ضرب روبارتو غويسكاردو قطعًا ذهبية بالخط الكوفي تضمّنت التاريخ الهجري؛ فقط مع روجيرو الثاني أُدخلت الرموز المسيحية، لكن تمّ الاحتفاظ بالكتابة العربية وبالتاريخ الهجري، وكأنّ التفكير في انطلاق التاريخ الحقيقي لصقلية منذ ذلك العهد...

يوافق العام 511 هجري 1133 من التقويم الميلادي، وهو العام الذي تُوِّج فيه روجيرو الثاني في باليرمو، أصغر الملوك سنّا في ذلك العهد، وابن الكونت النورماني روجيرو الأول، غازي الجزيرة، والذي كان يستحسِن مناداته باللقب العربي المعتز بالله. بشكل عامّ يمكن قول، في سياق ما قاله المؤرخ الكبير نورمان دانيال، كانت صقلية النورمانية الدولة الوحيدة التي تميزت بالتعددية الثقافية والتسامح في القرون الوسطى. فضلا عن ذلك نجد مصدرا آخر موثوقا، ذلك العائد للمسلم ابن جبير، أصيل غرناطة. فقد روى عن غوليالمو الثاني (المنعوت بالطيب) الذي كان يعجّ قصره بالغلمان والخصيان المسلمين. وحتى وإن أعلنوا شكليا تنصُّرهم، فقد كان بوسعهم ممارسة شعائر دينهم الإسلامي في حضور الملك نفسه، أكان صومًا لشهر رمضان أم أداءً للصلوات الخمس. في حين كانت جواري القصر، كلهنّ من المسلمات، وقد هَدَيْن نساء أخريات من الفرنجيات إلى الإسلام (العبيد يبدّلون دين السادة...). كما كان حرسه الخاص من المسلمين، وكانت قيادتهم تحت إمرة مسلم. كان غوليالمو الثاني مثل فيدريكو الثاني يعرف العربية، كما كان مستشاروه من الحكماء والمنجِّمين المسلمين. كان لقبه المعتزّ بالله. كلّ تلك الفضائل لا يعود شأنها إلى دين الإسلام بل إلى التسامح النيّر لهؤلاء الملوك المسيحيين.

لم يمنع ذلك التسامح البعيد النظر فيدريكو الثاني من إخماد الانتفاضات الإسلامية الأخيرة بيَدٍ صارمة، بدءا من تلك الانتفاضة العارمة، التي قادها محمّد بن عبّاد ("المرابطوس" كما يرد ذكره في النصوص التاريخية اللاتينية). تمّ إخماد تلك الفتن، ورُحِّل جزء ممن بقوا على قيد الحياة إلى منطقة أخرى على شبه الجزيرة، وهي ما صارت تُعرف بطائفة لوشيرا المسلمة، وجزء آخر منهم تمّ دمجهم عنوة. يعود الفضل في ذلك إلى الإمبراطور الذي أبدى تعاطفا مع العرب والإسلام، في توحيد صقلية على المستوى السياسي، والديني المسيحي، واللغوي أيضا. فمنذ تلك الفترة عادت الجزيرة مسيحية. انتهى مصير السراسنة ليمثّلوا المغايرة بامتياز، وليتقمّصوا صورة العدو، فصيغت حولهم عديد الحكايات الفولكلورية، وتطوّرت ثقافة شعبية ما زالت تروى ومتوارَثة إلى اليوم.

كان الحضور العدديّ الإسلامي غفيرًا. يُرجَّح تواجد نصف مليون نفر من العرب والأمازيغ في الجزيرة، جالية كبيرة في مقابل مليون أو مليونيْن من "الأهليّين" المسيحيّين. أمّا اليوم فلا يمكن لعشرات الآلاف من العرب الموجودين بصقلية، أن يضاهوا أسلافهم، لا في العدد ولا في العدّة، من حيث الثراء والقوة. حتى وإن توافدوا من الربوع نفسها تقريبا. علمًا أنّ صقلية هي المنطقة الوحيدة في إيطاليا التي تفوق فيها الجالية التونسية نظيرتها المغربية عددًا، وكما شاهدنا، فعلًا من تونس، المسماة إفريقية سابقا جاء الفاتحون في الزمن الماضي.

ربما كان مكان الاتصال الوحيد الذي تبقّى، ولو على فترات متقطعة، وفي الوقت نفسه مثقلا بالرمزية والمعاني، جزيرة لمبيدوزا. فقد بقيت الجزيرة محلّ خلاف وتعرّضت للنهب المتكرّر عديد المرات من قبل السراسنة (سنة 812م أبادوا الكثير من الأهالي، لكن بالمقابل، وفي وقت قريب، جرت إبادتهم من قِبل القوات البيزنطية). هنا على الأقلّ، تقريبا حتى حدود منتصف القرن السادس عشر، كان معتادا مشاهدة بحارة مسيحيين ومسلمين (يمكن أن تعني الكلمة قراصنة أيضا، الملاعين السراسِنة) يتبرّكون ويقدمون الصدقات في المغارة المقدّسة للعذراء مريم، كما تروي إحدى الكتابات المسيحية عن تلك الفترة، "ذلك الذي يبقى محلّ إعجاب أنّ القراصنة الأتراك، أعداء ديننا وأعداء البشرية قاطبة، لا يجلون ويحترمون ذلك المكان فقط، بل يتبرّكون به ويقدّمون الصدقات بورع وإجلال يفوقون فيه المسيحيّين". ثم حلّت فترة الصدامات الكبرى بين العالميْن الإسلامي والمسيحي -ليبانتو 1571م-، فكفّت تلك الزيارات الدينية نهائيا. لكن اليوم مع مسلمين آخرين من جديد، في تلك الربوع من المتوسط، يبدو رمزًا صعبَ التناسي. ليس أملا وليس منْيَة: لا شيء من ذلك ولا شيء أقلّ مما جرى، إنه رمز يستحقّ التأمّل. ربما، ونحن نشاهد المهاجرين غير الشرعيّين ينزلون في جزيرة  لمبيدوزا، تتقاذفهم الأقدار ويجذبهم سراب الغرب، بعد أن ألقى بهم السماسرة دون أن يبالوا على سواحل الجزيرة، وبعد أن وعدوهم أنهم سيرسون بهم على السواحل الإيطالية، على حدود أوروبا الهشة التي يمنّون أن تكون مرساهم. ينزل عشرات الوافدين شهريّا. تجليات تراجيدية للعيش البائس هناك: في ما يشبه رواية الملهاة لمشهد ربما يليق ببيرانديللو. ذهبَ في ظنّ أحد القادمين الجدد إلى الجزيرة أنّه حطّ الرحال أخيرا بجنوب إيطاليا، سرق سيارة ممنّيا النفس ببلوغ الشمال الموسر، قام بدورة داخل الجزيرة، وقبل أن يتنّبه يائسًا وجد نفسه قد عاد من حيث انطلق فوجد الشرطة بانتظاره...

 

..............................

* ستيفانو أَلِيَافي: عالم اجتماع إيطالي مهتمّ بشؤون الإسلام والمسلمين في إيطاليا

** عزالدين عناية: أستاذ تونسي بجامعة روما

 

محمود محمد عليعرفت الأستاذ الدكتور مصطفي رجب منذ أكثر من ربع قرن عندما كان يمتحن معي في مركز تعليم اللغة الألمانية بجامعة أسيوط كشرط منح لكل من سجل درجة الدكتوراه بجامعة أسيوط بفروعها المختلفة، وكان يمتحنا في ذلك من عام 1994 الأستاذ الدكتور حسن عبد الحميد (حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية) والدكتور محمد أبو هشه (رحمة الله عليه).. وعرفته حين دعوناه للمؤتمر السنوي بكلية الآداب بجامعة أسيوط (حين كان أخي وصديقي الأستاذ الدكتور "معتمد علي أحمد سليمان"عميداً للكلية).. كان مصطفي رجب من الجيل الذي يعشق الحصول علي أكثر من دكتوراه في تخصصات مختلفة، وكنا جميعاً نحترم ونوقره، يكفي أن تتقابل معه عدداً قليلاً من المرات حتي تتعرف علي "جوهره" المتلالئ، فهو من المؤمنين الذين غرس الله سبحانه وتعالي محبته في قلوب عباده دون أن تعرف بالتحديد ما الأسباب التي جعلت محبته تغزو قلبك فهل تغزوها إلي إنسانيته وطيبته وصدق مشاعره؟.. أم ترجعها إلي تعاطفه الدائم مع الآخرين، ومع الدائب في خير الناس سواء أكان ذلك مادياً أم معنوياً؟.. أم إلي علمه وإيثاره وبحثه عن الخير لذاته أينما كان..؟.. اعتقد أن هذه الأمور مجتمعه هي التي تجعل محبته تنفذ إلي القلب بلا تردد  ..

والحقيقة إنه لا جدال في أن لكل إنسان مادحين وقادحين، إلا أنك إذا ما تصادف وتطرق حديثك مع أستاذ أو زميل أو طالب عرف مصطفي رجب، إلا وسرعان ما يفوح شذي سيرته العطرة مزيجها التقدير والاحترام والمحبة والخير.. ولم لا؟ وهو الأستاذ الحق، فهو من الأساتذة الذين تشهد لهم بصماتهم علي كل المستويات الإنسانية، والأخلاقية، والعلمية بالاحتكام إلي العقل والمنطق؟ بل والعاطفة أيضاً، والإخلاص في العمل، والإيمان برسالة سامية يؤديها بإخلاص من أجل رضا الله عز وجل .. نعم لقد فاح شذي عطره وانتشر متجاوزاً جامعاتنا المصرية ليصل إلي الجامعات العربية . ولم لا أيضاً؟ وهو أستاذ مرموق متمكن في تخصصه، كتاباته العلمية المتنوعة والرسائل العلمية التي ناقشها وأشرف عليها خير دليل علي ذلك، بل إن الجامعات العربية التي دعته إلي التدريس بها تشهد بذلك أيضاً .

ولذلك عندما اضلعت بكتابة هذا المقال في جزئه الأول عن الأستاذ الدكتور مصطفي رجب آثرث أن أقدم الجانب الإنساني، أما في هذا المقال وأخص بالذكر في جزئه الثاني فأود ان أتكلم عن الجانب الاكاديمي له، وهنا في هذا المقال اخترت موقف مصطفي رجب من الجانب التربوي عند طه حسين، ؛ حيث يذكر في مقاله بعنوان له "أهداف التربية عند طه حسين" أنه في 28 أكتوبر 1973 رحل طه حسين الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، والذي كانت قضية "التربية" هي شغله الشاغل طوال عمره، وتتحدد أهداف التربية عند "طه حُسين" في ضوء الأهداف العامة التي تسعى مصر إلى تحقيقها، وهذه الأهداف العامة يحددها "طه حُسين" في "مستقبل الثقافة في مصر" من واقع الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تسود في مصر.

وبوجه عام تتلخص تلك الظروف كما يقول مصطفي رجب إلي أنه في الاحتلال المسيطر على حريات البلاد، والمسيطر على اقتصادياتها، وفي الملك الذي كان يحكم من خلال حكومات قصيرة العمر، معظمها من الأعيان والإقطاعيين؛ مما أفرز نظاماً اجتماعياً يقوم على نظام الطبقات، الذي يستعلي فيه بعض الناس على بعض، ويمتاز فيه بعض الناس على بعض؛ مما يدفع أصحاب الثراء، العريض والجاه الضخم إلى الاستعلاء في الأرض والإشفاق من أن يختلط أبناؤهم بأبناء الفقراء، فهم يسعون إلى المدارس الأجنبية يُلحقون بها أبناءهم.

وقد اشتد هجوم "طه حُسين" كما يقول مصطفي رجب على النظام الاجتماعي والسياسي في مصر، وبخاصة خلال فترة حكم إسماعيل صدقي (1930 – 1934) ؛ حيث ساءت الأوضاع ووصلت إلى درجة لم تصل إليها من قبل، وزاد هذا الهجوم اشتداداً ما تعرض له هو شخصياً من ظلم في تلك الفترة نتيجة تمسكه باستقلال الجامعة.

ويستطرد مصطفي رجب فيقول: ولم تكد الغمّة تنجلي بتولي توفيق نسيم رئاسة الوزارة في ديسمبر 1934 حتى عاد طه حسين إلى الجامعة وانتخب سنة 1936 عميداً لكلية الآداب، وعادت إليه مكانته المرموقة، وفي العام نفسه توقّع مصر معاهدة التحالف مع إنجلترا وتنص المعاهدة على استقلال مصر، ثم تنجح الوزارة الوفدية التي وقعت المعاهدة في إلغاء الامتيازات الأجنبية، وتتقدم مصر المستقلة لعضوية عصبة الأمم لتبدأ عهداً قوامه الحرية والاستقلال.

وتناول "طه حُسين" للحياة الوطنية الجديدة كما يقول مصطفي رجب يستند إلى المُدركات الفلسفية الاجتماعية التاريخية التي كونها في دراسته للتاريخ السياسي والاجتماعي لبلاد اليونان، وفي اهتمامه بنظام الإثينيين في مصر، وفي دراسته لفلسفة "ابن خلدون" الاجتماعية.

إن إضفاء البُعد الاجتماعي في تفسير وقائع التاريخ الذي طبّقه "طه حُسين" كما يقول مصطفي رجب في دراسته لعصر صدر الإسلام في "الفتنة الكبرى" وفي دراسته "لأبي العلاء المعرّي" يعطي ضوءاً يتيح شيئاً من وضوح الرؤية بالنسبة للأهداف التي رأى طه حسين أن مصر تسعى إليها بعد حصولها على الاستقلال 1936 بتوقيع المعاهدة. فهو حين يحدد هذه الأهداف ينظر إلى الواقع الاجتماعي نفس نظرته إلى الواقع السياسي الاقتصادي.

وبصفة عامة يمكن إجمال الأهداف العامة لمصر من وجهة نظره كما يقول مصطفي رجب في:

(1) الحرية الخارجية وقوامها الاستقلال الصحيح، والقوة التي تحوط هذا الاستقلال.

(2) الحرية الداخلية؛ وقوامها النظام الديمقراطي.

(3) الاستقلال الاقتصادي؛ لحماية الثروات الوطنية.

(4) الاستقلال العلمي والنفي والأدبي؛ الذي يجعلنا نقف على قدم المساواة مع الأوربي، نفهم الحياة كما يفهمها، ونرى الأشياء كما يراها.

وإذا كانت هذه هي الأهداف العامة للمجتمع، فإن أهداف التربية يجب أن تكون خاضعة في تحديدها للإطار العام الذي تحدده هذه الأهداف، وعلى هذا الأساس فإن "طه حُسين" قبل أن يتحدث عن هذا النوع أو ذاك من أنواع التعليم يحدد -في البداية- أغراض هذا النوع، وإلام يهدف؟، وكيف يُتاح له أن يحقق أغراضه؟.

فالتعليم الأولي وهو بداية السلّم التعليمي، وسيلة العيش لأنه يمكّن الفرد من أن يعرف نفسه وبيئته الطبيعية والوطنية والإنسانية، وأن يتزيّد من هذه المعرفة، وأن يلائم بين حاجته وطاقته، وما يحيط به من البيئات والظروف.

هذا والتعليم يجب على الدولة الديمقراطية أن تكفُلُه؛ لأغراض عدّة كما يقول مصطفي رجب:

(1) إن هذا التعليم الأولي أيسر وسيلة يجب أن تكون في يد الفرد؛ حتى يستطيع أن يعيش.

(2) إن هذا التعليم أيسر وسيلة يجب أن تكون في يد الدولة نفسها؛ لتكوين الوحدة الوطنية وإشعار الأمة بحقها في الوجود المستقل الحر.

(3) إن هذا التعليم هو الوسيلة الوحيدة في يد الدولة؛ حَـتى تمكن الأمة من البقاء، والاستمرار لأنها بهذا التعليم تضمن وحدة التراث الوطني الذي ينبغي نقله من جيل إلى جيل.

ويعترف "طه حُسين" في حديثه عن التعليم العام كما يقول مصطفي رجب بأن الدولة كانت تقصد به إلى إعداد الموظفين للدواوين والمكاتب، ويذهب إلى أن هذا الأمر "ليس إلا نتيجة من نتائج السيطرة الإنجليزية على شئون مصر عامة، وعلى شئون التعليم بنوع خاص".

ثم يناقش "طه حُسين" بداية نشر التعليم في عهد "محمد علي" كما يقول مصطفي رجب ليصل إلى أن الحاجات العملية اليومية، والضرورات العادية (مثل وجود الحاكم وحاجة الجيش) كانت وراء إنشاء التعليم الحديث المنظم في مصر.

وفي حديثه عن التعليم العالي يحدد "طه حُسين" هدفين رئيسيين، هما كما يقول مصطفي رجب:

(1) المعرفة الخالصة بمعنى تهذيب العقل، وإزالة الجهل، أو طلب العلم لذات العلم.

(2) شغل المناصب الممتازة.

وهو يرى أن رجل الشارع يستطيع أن يحدد هذين الهدفين للتعليم العالي دون عناء، ويستطيع الباحث بعد هذا التحديد للأهداف التي تسعى إليها التربية والتعليم في رأي "طه حُسين" كما يقول مصطفي رجب يستطيع الزعم بأن مُجمل هذه الأهداف لا يخرج عما نادى به رجال التربية المتخصصون على اختلاف مشاربهم، وتباين ثقافاتهم وانتماءاتهم، مما يدفع إلى القول: بأن طه حسين كان على بينة من كتابات رجال التربية.

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور مصطفي رجب بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمت من جهود.

تحيةً لمصطفي رجب الذي  لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في مصطفي رجب قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين" (كما قال أستاذي عاطف العراقي)، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

مصدق الحبيب(1767-1832) Jean-Baptiste Say

هو الفيلسوف والاقتصادي الفرنسي الذي يقف في مقدمة الاقتصاديين الكلاسيكيين، جنبا لجنب مع آدم سمث ومن تبعه بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهو المعروف بقانونه "قانون سَي او قانون الاسواق". وهو الذي تعزى اليه اسبقية التفكير بدور المقاول الاقتصادي  Entrepreneur  ودور نشاط المقاولة  Entrepreneurship  في الانتاج الذي لم يحظ بالانتباه آنذاك رغم اهميته في فهم عملية الانتاج وتنظيمها.

ولد سَي في لايون التاريخية في الشرق الفرنسي عام 1767، واكمل دراسته في فرنسا وانگلترا فنشأ مثقفا ليبراليا حقيقيا يؤمن بالمنافسة الحرة العادلة ويدافع عن حرية التجارة وحرية الصحافة ويدعو الى رفع القيود والمعوقات المفروضة عليهما. وقد عمل في عدة حقول قبل ان يصبح استاذا للاقتصاد السياسي في الكلية الفرنسية. كان عمله الاول بعد التخرج في شركة للتأمين، ثم انتقل للعمل كصحافي في مجلة ليبرالية تؤمن بمبادئ الثورة الفرنسية وتدافع عنها، وقد اصبح فيما بعد رئيسا لتحرير هذه المجلة. بعد ذلك انتدب للعمل كوكيل لوزارة المالية الفرنسية في عهد نابليون، الوظيفة التي طُرد منها لاختلافه ومعارضته لبعض السياسات. بعد تجربته المخيبة للامال في أروقة الحكومة، حول اهتمامه الى القطاع الصناعي الخاص فامتلك وأدار مصنعا للنسيج القطني. وفي عام 1819 أصبح رئيسا لمجلس الاقتصاد الصناعي في معهد الحِرَف. وفي نفس العام كان له الدور الأول في تأسيس أول كلية بزنس في العالم والتي اصبحت اليوم مدرسة بزنس باريس الشهيرة  École supérieure de commerce de Paris.

1482 جان باپتيست سَيوفي نهاية المطاف اصبح استاذا للاقتصاد السياسي في الكلية الفرنسية، فكانت تلك هي وظيفته الاخيرة التي أمسك بها لحين وفاته عام 1832.

لم يكن سَي مكثرا في الكتابة في الاقتصاد الا انه جاء بمساهمات ثمينة كان لها دورا مهما في تاريخ الفكر الاقتصادي. كان أول منشوراته كتيبا حول حرية الصحافة صدر عام 1789. ثم مقالة في وسائل اصلاح الأمة عام 1800، بعدها جاء مؤلفه الرئيسي  المفصل الهام عام 1803 والذي كان بعنوان "دراسة في الاقتصاد السياسي: الانتاج، التوزيع، واستهلاك الثروة". اعقبه بملاحظاته عن الاقتصاد البريطاني بعد ان اوفدته الحكومة لهذا الغرض، وهوالاطلاع على التجربة الاقتصادية الانگليزية والكتابة عنها، فجاء تقريره عام 1817. في عام 1832 صدرت جميع محاضراته في الكتاب الموسوم "الدروس الكاملة في تطبيقات الاقتصاد السياسي".

يشير مؤرخو الفكر الاقتصادي الى اختلافين حول قانون سَي القائل: العرض يخلق الطلب. الاختلافان يتعلقان بأسبقية الفكرة وبمعناها الدقيق: فمن المؤرخين من يزعم بأن جيمس مِل، والد الاقتصادي جان ستيوارت مِل هو الذي كتب عبارة "العرض يخلق طلبه" عام 1808، علما ان سَي هو الذي استنبط الفكرة وقد عبر عنها بكلمات اخرى عام 1803 وكان تعبيره أدق من تعبير مِل الذي جاء فيه "طلبه"، كتعبير مضلل ، والحال، وحسب فكرة سَي الاصلية فان انتاج وعرض سلعة ما لايخلق الطلب المحصور بشراء تلك السلعة بالذات، كما انه لايؤدي الى رفع الطلب الاجمالي، انما يتيح الفرصة لانبثاق طلب اضافي على سلع اخرى قد تكون السلعة المعنية من ضمنها. فعبارة سَي الاصلية تقول ان "مجرد انتاج سلعة ما يؤدي مباشرة الى خلق فرص لشراء سلع اخرى" مما يعني ان انتاج السلعة سيؤول الى توزيع الدخول على عوامل انتاجها وهذه الدخول ستنفق لامحالة، كلها أو جزء منها، لشراء سلعا متعددة.

المساهمة الكبرى الثانية لسَي هي استنباطه لدور المقاول الذي يأتي بفكرة الانتاج ويهيئ العوامل الانتاجية اللازمة (ارض وعمل ورأسمال وادارة) ويضمن تمويلها لحين بدء الانتاج ووقوف عملياته على قدميها. انها المهمة التنظيمية الضرورية التي تستلزم المعرفة بظروف سوق السلع والمال والمنافسة وظروف العمل وحاجة المستهلك وموقع العمل وظروف الانتاج الاخرى، كما تتطلب الخبرة والتجربة الادارية والمالية.

ساهم سَي بطرح مفاهيم وآراء اقتصادية اخرى في مواضيع النقود والبنوك والتضخم والعبء الضريبي والكساد الاقتصادي والافراط في الانتاج وعواقبه الاقتصادية. كما انه كان أول من اختلف مع آدم سمث حول نظرية قيمة العمل رغم توافقه مع طروحات سمث عموما. أوضح سَي ان قيمة السلعة المنتجة تتحدد بقيمتها الاستعمالية بغض النظر عن كمية العمل المبذول في انتاجها كما أشار سمث.

ارتبط سَي بعلاقات صداقة مثمرة مع زملائه الاقتصاديين كديفد ريكاردو وتوماس مالثس الذي تبادل معه رسائل عديدة كان جلها حول نقاشات اقتصادية ومواضيع الساعة. كما ان سَي نال اعجاب بعض الاباء الامريكيين المؤسسين خاصة توماس جيفرسن وجيمس مادسن.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتور "مصطفي محمد أحمد رجب " - ( العميد الأسبق لكلية التربية بجامعة سوهاج وأستاذ التربية الإسلامية ورئيس قسم أصول التربية السابق ورئيس الجهاز التنفيذي لهيئة محو الأمية وتعليم الكبار سابقاً)، أحد النجوم الكبيرة المتلألئة في حياتنا الثقافية المعاصرة خلال أكثر من نصف قرن؛ حيث يمثل صاحب مسيرة طويلة وممتدة في تاريخنا الثقافي، فله أكثر من ثلاثين كتاباً في أصول التربية والدراسات الإسلامية والشعر العربي، وهو لا يكاد يتحدث عن تلك المسيرة، إلا ويشير إلي الدور الذي لعبه في حياته الدكتور طه حسين، فهو من أبرز عشاقه، وأحد من تولوا التعليق على فكره في الفكر العربي المعاصر؛ خاصة في مجال فكره التربوي؛ فبحوثه العلمية قد أسهمت بدور فاعل في مسيرته الاكاديمية والعلمية ليصبح واحداً من أهم علماء التربية في مصر والوطن العربي وصاحب مدرسة يُطلق عليها " المدرسة الرجبية" في علوم التربية.

وما يلفت النظر في هذا الصدد، هو انفراد مصطفي رجب (مع حفظ الألقاب) بسمة العالم المدقق المتخصص في كل المجالات المعرفية التي طرقها. لقد أهلته  ثقافته الموسوعية للفهم الواعي بما يثار من قضايا في سائر أوجه المعرفة، وينعكس هذا الفهم علي تعبيره السلس والواضح والمنساب فيما يكتب. كانت هذه الموسوعية أيضاً وراء ما تميزت به كتاباته من الوضوح والإقناع، فضلاً عن شفافية حدسية وحضور ذهن، وذاكرة مسعفة تنتظم الأفكار في أنساق منتظمة ومنظومات متسقة يجري التعبير عنها في لغة شفافة سلسة تجمع بين التحديد والصرامة العلمية القاطعة وبين الأسلوب الأدبي الرصين. تلك جميعاً وغيرها كثير- سمات تميز مفكرنا وتزين فكره بخصوصية نادرة قل أن توافرت لغيره.

يضاف إلي أن له سمعة عريضة في مصر والعالم العربي شكلها علي مدي نصف قرن من الجهد الفكري والإنتاج الوفير، والذي امتد لسنوات عده استطاع من خلالها ان يتابع مسيرته العلمية متحلياً بطموحه الذي قاده للتميز بين أبناء جيله، وهو من جيل استطاع بجهده وتميزه أن يجد لنفسه موضعاً بين رموز الفكر والعلوم والفنون في مصرنا العزيزة.

والدكتور مصطفي رجب، من مواليد 18 أغسطس 1956، وهو ابن من أبناء صعيد مصر الذين تميزوا طفولتهم بالنبوغ من خلال حفظه المبكر للقرآن الكريم الذي جعله متميزاً ومتفرداً في اللغة العربية، وله شخصيته الخاصة التي تركت أثراً مهما فيمن حوله؛ حيث نشأ قرية شطورة التابعة لمركز طهطا بمحافظة سوهاج بمصر، وقد هاجرت عائلة الخطيب التي ينتمي إليها من قرية الأشراف البحرية بمحافظة قنا إلى قرية شطورة عام 675 هجرية.

كان جده الرابع الشيخ رجب من علماء الأزهر وله مؤلفات ما تزال مخطوطة بمكتبته حتى الآن وكذلك كان جده الشيخ أحمد رجب ووالده الشيخ محمد ممن يحفظون القرآن الكريم ويقومون على تعليمه مع بقية العلوم الشرعية؛ وقد أخبرنا في أحد لقاءاته التلفزيونية (التي أجراها معه المذيع اللامع خالد شعيب بقناة طيبة ) بأن المرحلة الأولي من عمره بدأت قبل الالتحاق بالمدارس الحكومية في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي، حيث كان مصطفي رجب من الجيل الذي عاصر نظام التعليم بالكتاتيب، وكان هذا النظام التعليم يبدأ بدراسة أصول العربية من خلال التهجي والقراءة ثم كتابة الكلمات والجمل، وبعد ذلك يشرع في حفظ القرآن الكريم، ثم إذا وصل إلي سن السادسة يلتحق بالمدرسة الرسمية، وهذا ما حدث لمصطفي رجب عندما إلتحق بالصف الأول الإبتدائي كان يكتب ويقرأ ويحفظ القرآن كله بريشه من حبر علي ألواح من الصفيح، كما كان يكتب الكلمات مضبوطة بالشكل ضبطاً كاملاً كما هو الحال في المصحف الذي نحفظ منه ولا تزال هذه العادة فينا حتي الآن .

يقول مصطفي رجب :" ثم التحقنا بالمرحلة الابتدائية في بداية الستينيات من القرن الماضي، وكانت المدارس محدودة في القرية التي نشأت فيها، وهي قرية شطورة ؛ حيث كانت بها فقط مدرستان حكوميتان بُنيت بعد ثورة 1923 يوليو المجيدة.. وأما المدرسة التي تعلمت فيها فقد ضمت ضما إلي وزارة المعارف سنة 1949م.. كان الذين يدرسون لنا في مدرسة الشيخ إبراهيم مدرسين معممين- أي مشايخ ضُموا مع الذين ضمهم طه حسين وهو وزير من حفظة القرآن الكريم ليعملوا بالتدريس فلم يكونوا مؤهلين بأي مؤهلات سوي أنهم حفظة قرآن.. ثم انتهت علي أية حال هذه المرحلة بعد نكسة 1967م.. وانتقلنا إلي المرحلة الإعدادية وكان معلم من معلمينا في المرحلة الابتدائية اسمه الأستاذ حسين عبد العال (أعطاه الله الصحة لا يزال حيا حتي الآن)، كان يحدثنا كثيراً عن طه حسين فكنت أحب طه حسين وأضع صورته علي كراريسي.. فلما انتقلنا للمرحلة الإعدادية جاءنا معلم قاهري اسمه الأستاذ محمد قطب خريج آداب القاهرة فكنت أشم فيه رائحة طه حسين لأنه من نفس الكلية.. انتهت المرحلة الإعدادية علي أية حال وكان لا بد أن أنتقل إلي مدينة طهطا والتي توجد بها مدرسة رفاعة الطهطاوي الثانوية والتي التحقنا بها وكانت بها مكتبة هائلة تفوق مكتبات بعض الكليات أنهينا فيها قراءة كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني كاملا وتجريد الأغاني والبيان والتبيين وكل كتب التراث القديم مثل مؤلفات الجاحظ وغيره..

وثمة نقطة مهمة وجديرة بالإشارة يشير إليها بعد ذلك مصطفي رجب، وهو أنه خلال في المرحلة الجامعية التحق سيادته بكلية التربية بأسيوط، وكان وقتها ليس فيها تخصص إلا لغة إنجليزية بالنسبة للأدبي، وكانت تربية سوهاج يوجد بها تخصص تاريخ، فآثر مصطفي رجب إلا أن يختار الإنجليزي عن التاريخ، لكن صادف من حسن حظه أن جاء فاكس بفتح قسم اللغة العربية لأول مرة في كلية التربية وكان مصطفي رجب أصلاً شغوفا بدراسة اللغة العربية، ولكن والده رفض لأنه وحيد، فالتحق مصطفي رجب بقسم اللغة الإنجليزية بتربية أسيوط، فكان كل ما كان يُدرس له قرأه، وبالتالي فلم يجد أي عناء في دراسته.. في السنة الأولي كان مصطفي رجب الأول علي الدفعة، والثانية، والثالثة، والرابعة، فتخرج مصطفي رجب بتقدير "جيد جداً مع مرتبة الشرف الأولي"، بفارق يزيد 40 درجة علي الثاني والثالث.. عُين مصطفي رجب معيداً في أسيوط،  واختار "قسم أصول التربية"، لأنه القسم الأقرب لطه حسين ومكث سنتين في أسيوط، ثم نقل إلي سوهاج سنة 1980م، وسجل مصطفي رجب الماجستير عن "فكر طه حسين التربوي".. ثم حصل مصطفي رجب علي الماجستير بامتياز في 1983.. ثم سجل الدكتوراه في الإعلام التربوي في عام 1982م أيضاً، وكان هذا التخصص جديداً، فلم يكن في ذلك الوقت قد صدرت أي كتب أو أقسام في الجامعات باسم الإعلام التربوي..

وبعد أن حصل مصطفي رجب علي الدكتوراه في سنة 1985م في فبراير، أرسل منها نسخة للأستاذ مصطفي أمين ؛ حيث كان بدأ في عهد الأستاذ الدكتور "أحمد فتحي سرور"- رئيس التربية والتعليم في ذلك الوقت إنشاء كليات التربية النوعية، وبها أقسام تسمي أقسام "الإعلام التربوي"، فأرسل إليهم الأٍستاذ مصطفي أمين خطاباً وقال بأن هناك رسالة دكتوراه اسمها كذا... وأرسل الأستاذ مصطفي أمين نسخة لمصطفي رجب من هذا الخطاب، وبالفعل ترأس مصطفي رجب قسم الإعلام التربوي ندباً في جامعة المنيا بكلية التربية النوعية بجانب عمله وكان مصطفي رجب آنذاك عميداً لكلية التربية بسوهاج؛ حيث كان مصطفي رجب قد نقلت إلي سوهاج كما قلت في سنة 1980 ثم كان مدرساً في سنة 1985م إلي 1989م، حيث رُقي أستاذاً مساعداً، ثم في سنة 1994م رقي أستاذاً، ثم تولي العمادة في سنة 1995م حتي عام 2001م، ثم عمل بعد ذلك رئيساً لمجلس قسم أصول التربية إلي أن أُحيل للتقاعد في 2016م.

وللدكتور مصطفي رجب مؤلفات عديدة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : الإعلام التربوي في مصر واقعه ومشكلاته، نحو ثقافة إسلامية، فكر طه حسين التربوي، الدور التربوي للصحافة المدرسية : دراسة ميدانية بمحافظات الصعيد، أطفالنا من أين نبدأ، أطفالنا ومشكلاتهم التربوية والنفسية، الإسلام في المناهج الصهيونية، لغة الشعر الحديث، الثقافة السياسية لمعلمي المستقبل، في هوية التربية الإسلامية ومنهجيتها، القيم والأهداف التربوية في الحديث الشريف، الإعجاز التربوي في القرآن الكريم، مضامين تربوية في الفقه الإسلامي، البحث في الإعجاز التربوي القرآني، الإعجاز التربوي في السنة النبوية، صفحات مجهولة من تراثنا الشعري الفكاهي، مع تراثنا التربوي، الإعلام العربي وإرهاب العولمة.. الخ.. كما صدرت له دواوين شعرية نذكر منها : الصيد في الماء الرائق، شعراء الفكاهة المعاصرون، في الممنوع، اعتراف جديد لابن أبي ربيعة، ديوان الحلمنتيشي، صمت،" الإفراط في الاستعباط "، ديوان "حلمنتيشيات ابن رجب "، وديوان " حلمنتيشيات في الممنوع"، " الإفراط في الاستعباط " و"في بلاد همبكستان ".. الخ... كما حقق الكثير من المؤلفات نذكر منها :  إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد لابن الأكفاني.. الخ..

وللدكتور مصطفي رجب إنجازات أخري نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : أنه عمل مساعداً فنياً ثم عميداً لمعهد السلطان قابوس العالي للدراسات الإسلامية بسلطنة عمان في الفترة بين عامي 1989 و1993، وعمل خبيراً تربوياً زائراً بمكتب التربية العربي لدول الخليج بالرياض من 1 يناير 2002 إلى 1 مارس 2002، وعمل محاضراً بكلية إعداد المعلمين بأبها بالمملكة العربية السعودية في العام الدراسي 1982-1983م، وعمل أستاذاً زائراً للدراسات العليا بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة اليرموك– الأردن من 17 سبتمبر 2002 إلى 1 مارس 2003 ومن 12 سبتمبر 2004 إلى 1 يونيو 2005، وكان رئيس الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار بدايةً من 20/7/2011م، كما كان عضو اللجنة العلمية الدائمة لترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين بالمجلس الأعلى للجامعات في مصر [ تخصص أصول التربية والتخطيط التربوي].من 2008 وحتى الآن، كما تم اختياره عقب الثورة المصرية بصفته أول رئيس مدني لهيئة تعليم الكبار بمصر، كما مثل مصطفي رجب مصر في تنفيذ اتفاقية التعاون الثقافي مع دولة الكاميرون عام1996، كما كان خبير التعليم (شعبة التعليم العام) بالمجالس القومية المتخصصة – برئاسة الجمهورية – مصر، علاوة علي أنه كان نائب رئيس اتحاد كتاب مصر فرع الصعيد – بالانتخاب – اعتبارا من أبريل 2007..وهلم جرا..

وكان مصطفي رجب عاشقاَ للشعر "الحلمنتيشي" ومتنقناً له، حيث كان يري أن هذا الشعر قادر على إخراج ما فى داخل الإنسان من مشاعر، لافتا أن ظهور هذا النوع من الشعر على يد "حسين شفيق المصري" و "بيرم التونسي"، كان لمناهضة الاحتلال البريطاني ومحاربة الفساد الأخلاقي والسلوكي.. وأضاف "رجب"، خلال لقائه مع الإعلامية «قصواء الخلالي» في برنامج «المساء مع قصواء»، والذي قد أُذيع عبر شاشة  TeN المصرية، أن الشاعر الكبير "حسين شفيق المصرى"، المعروف بـ"فارس الحلمنتيشي" لم يكن يعرف معنى الكلمة حين أطلقها لكنها "جت معاه كده" على حد وصفه، لافتا أن الشعر "الحلمنتيشي" يقوم فى الأساس على جعل العامية وكأنها فصحى، ما يعطى له طابع ساخر.

ومن القصائد التي كتبها مصطفي رجب ونالت إعجاباً كبيرا علي مواقع التواصل الاجتماعي قصيدته" عوافي" : قالت وقد بصَّت عليّ: عوافي!.. وتدلعت في ثوبها الشفافِ.. وتحايلت وتخايلت وتمايلت.. حتي سَبَت عقلي بغير سُلافِ.. قالت: أأنت من العجوزة يا فتى؟.. أم أنت جِلف من بني الأريافِ؟.. إني أراك مُونتكاً ومُرستكاً.. وعليك قنطار من الأصوافِ.. لكن لمحتُك في الطريق مبصبصاً.. وتكاد تقضم من لحوم كتافي.. فأجبتها والقلب يرقص بداخلي أهلاً وسهلاً بالجمال الصافي.. أنا من مصارين الصعيد.. وموطني طهطا.. ومن قوص أتي أسلافي.. ولدي في أسيوط نصف عمارة مملوكة في حارة الأشراف.. ولدي في إسنا جنينة منجة وبهائم تربو علي الآلاف.. والحلوة الحسناء من أي حتة.. إني آراها تلبس الخفاف.. قالت أنا فلاحة من طلخة.. وأقيم في الزيتون عند عفاف.. وعفاف أختي حلوة لكنها عند النصيب تزوجت إسكافي.. قلت إقبليني كي أكون عديله.. كما قد دهست عقارباً ونحافي.. قالت يا لهوي.. أنت جلف جامد ومن الصعيد بتزق بالأكتاف.. أنا كنت أحلم أن أُزوج عيلاً سكن الزمان من عياراً فافي.. وأبوه في مصر الجديدة ساكن في فيلة بمساكن الأوقاف.. فسكت عنها لحظة فتلولوت.. قالت آراك سكت كالخوافِ.. قلت اختشيِ.. أنا لا أخاف ولست من صنف العيال التافه الهنتافي.. إني عشقتك حين قلت عوافي.. ريفية من قعرة الأرياف.. أنا لست أرضي بالزمالك مسكناً أو بالمعادي مثل عبد الشافي.. ذاك الذي باع الصعيد بزوجة.. وإذا يزور يزور كالمصطاف.. إني إنغرست به فأثمر نخوة.. وشهامة في الحل والتطوافِ.. من عهد مينا جدنا لم ننحرف.. أو عهد عمرو مكرم الأضياف.. من قال إن رجالنا كرجالكم.. آمن يسوي الدرة بالأصداف.. من قال إن حريمنا كحريمكم.. فالدفئ بطانية كلحاف.. قالت لقد أعجبتني يادالعدي.. هيا إلي المأذون دون خلافي.. فأجبت لا لا بد لي من جزمة وعباية وعصاية وخرافي.. ويكون حولي معشر أشنابهم مسنونة الحدين كالأسياف.. وبعثت فتحي للصعيد فجأءني بعصابة السر والصفصاف.. وتشخلع المأذون بين ديارنا.. وتلي علينا سورة الأعراف.. واهتز رأسي فجأة فصحوت من نومي علي زوجي تشد لحافي.. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن انجازات عبد العال الحمامصي في مجال الأدب الروائي والقصة القصيرة، وهنا نقول بأن هذا الرجل كان من طراز خاص، ذلك لأنه مارس الرواية مقترنة بالقصة في كل أعماله الأدبية، وهذا إن دل علي شئ فإنما يدل دلالة قوية علي مدي سعة تفكيره، واتساع أفقه النظري والتطبيقي، فأنظر كيف يجمع الرجل ما بين الأدب، والقصة، والشعر، والمسرح، وما بين الفكر والتجريد، وبهذا الاعتبار قلما نجد في بعض نصوصه ومكتوباته حديث العاطفة والوجدان، وهو في جوف مواكبة الواقع مستجداته .

ومن هنا يبرز لنا الثابت الثاني الذي يكشف لنا بجلاء البعد الأدبي والإبداعي في شخصية عبد العال الحمامصي، والمتجسد في علاقته بالآخرين؛ حيث قال عنه الكاتب مصطفى عبد الله :" إن الأديب الراحل عبد العال الحمامصي كان قد تقلب فى عدة وظائف وكتب فى الصحافة كهاو، إلى أن كلف الرئيس الراحل أنور السادات الكاتب أنيس منصور بإنشاء مجلة "أكتوبر"، فكان عبد العال الحمامصى مشرفاً فنياً على صفحتها الثقافية، وكان من الشهرة فى بلده أخميم بالقدر الذي تقام له احتفالية سنوية باسمه تحت رعاية محافظة سوهاج للاحتفاء به كابن من أبناء الصعيد المتميزين.. وكان الراحل من الشهرة في بلده أخميم بالقدر الذي تقام له احتفالية سنوية باسمه تحت رعاية محافظة سوهاج للاحتفاء به كابن من أبناء الصعيد المتميزين."

وقال عنه الشاعر أوفي عبد الله (سكرتير اتحاد كتاب مصر - فرع الجنوب)، بأن عبد العال الحمامصي يمثل قيمة كبري من تلك القيم التي نحتفي بها.. فالحديث عنه متنوع ؛ خاصة أنه رجل عصامي استطاع أن يعلم نفسه بنفسه، معتمداً علي ذكاء فطرته، ومعتمداً علي ثقافته الخاصة، وهو الذي احتمي بالكتاب قراءةً ووعياً وتثقيفاً .

ثم يستطرد فيقول :" نشأ عبد العال الحمامصي نشأة عادية في أخميم، وله فيها ذكريات كثيرة، فهو ذلك الذي استطاع أن يقدم للمكتبة العربية العديد والعديد من الكتب الأدبية، منها الروائي ومنها النقدي ومنها ما يمكن أن نسميه بالسيرة الذاتية .. عبد العال الحمامصي الذي علم نفسه بنفسه استطاع أن يحفر بنفسه اسماً كبيراً في مجال الإبداع، واستطاع أن يتبوأ مناصب كثيرة في مصر ثقافياً .. وهذه المناصب الذي تبوأها حقق فيها نجاحات شهد له فيها الجميع .. هو ابن أخميم، ولقد فاز بجائزة الدولة التشجيعية في أوائل تسعينيات القرن الماضي، فاحتفت به سوهاج، وكان هذا الاحتفاء ليس باسمه ولا لشخصه، ولكن احتفاءً للقيمة الأدبية، ولذلك جاء احتفاءه، وقد امتلأت الأماكن وامتلأت الأسماء في سوهاج احتفالاً فزارها عدد كبير من رموز الحركة الأدبية في مصر، واستقبل أبناء سوهاج ابنها استقبالاً حافلاً ما زالت ذاكرته قوية وما زالت ذاكرته تطل بعيونه علينا .. عبد العال الحمامصي الأديب والمبدع حينما نتحدث عنه من خلال ما كتب نجد أنه رسخ مجموعة من القيم الاجتماعية التي نشأ عليها فهو يتبني دائماً الوحدة الوطنية ليس هذا المبدأ الذي يتبناه بين المسلمين والمسيحيين ليس إنشائياً، وليس لمجرد أن يقول شعارات فترضي عنه الدولة، وإنما كان من خلال إطارا إبداعي سردي قصصي يُحسب له، وهو الذي رأي قدره بلغة انسيابية رائعة لا تميل إلي تلك اللغة التراثية التي تحتاج إلي معاجم لكي نفهم دلالاتها ولا تنحط إلي درجة العامية فنشكو منها .. عبد العال الحمامصي بلغته البسيطة استطاع أن يصور الإنسان الصعيدي وصراعه مع العمل، ومع الحياة ومع تلك الأرض القاسة التي تقسو عليه .. ثم هذا هو عبد العال الحمامصي الذي يقدم مجموعته القصصية الشهيرة : هذا الصوت وآخرون والتي كُتب لها أن تنال الكثير والكثير من الاهتمام .. هذا الرجل كتب في هذا الصوت وآخرون، التي كتب لها أن تنال الكثير والكثير من الاهتمام .. هذا الرجل كتب رؤية نقدية للمجتمع المصري ولم يكتبها إلا بأسلوب يجمع بين المباشرة وبين الفنية، فلا هو سيطرة عليه المباشرة في الرؤية التي تجعلنا نمل القراءة ولا هي موغلة في دلالاتها أيضا .. وعلي سبيل المثال هو حذرنا من الإرهاب والتطرف الفكري في أعماله الأدبية .. حذرنا من التفرقة بين المسلمين والمسيحيين .. حذرنا من التلوث السمعي من خلال استماع الأغاني الهابطة التي لا قيمة لها ولا معني .. إذن أنت أمام قيمة كبري ..

وقال عنه الناقد الأدبي: عبد الحافظ بخيت (أمين عام مؤتمر أدباء مصر) .. في الحديث حول المرحوم عبد العال الحمامصي، أو أن أشير إلي أن عبد العال الحمامصي اختط لنفسه لغة فريدة في كتابة القصة ومنهجاً لم يسبقه إليه أحد في مجموعته كتاكيت بلا أجنحة كان لعبد العال الحمامصي رؤية تجمع بين الصعيد وبين الكون؛ بمعني أنه ينطلق من بيئته المحلية راسماً أطراً فنية في الإبداع القصصي حول اختزال الكون، وصنع مفارقة عجيبة بهذه المجموعة، وهو أن التراث عنده كان يصطدم بالحوائط الأسمنتية .. لذا قدم عبد العال الحمامصي رؤية فنية داخل ابداعه القصصي .. تطور فن الإبداع القصصي عند عبد العال الحمامصي منذ "كتاكيت بلا أجنحة" إلي "بئر الأحباش"، فكانت بئر الأحباش تقدم رؤية فلسفية مع التغير الديناميكي، إذا جاز التعبير للواقع والمجتمع، وهذا يعني أن عبد العال الحمامصي كان أديب يقرأ الواقع والمجتمع، وهذا يعني أنه أديب كان يقرأ الواقع قبل أن يكتب عنه وهو رصن جيد لهذا الواقع وتحولاته، وهذا هو الدور الحقيقي للإبداع فالإبداع إذا لم يكن راصداً للواقع وتحولاته يقدم عملاً مجانيا، وهذا يشير إلي وعي الحمامصي في كتابة القصة، فضلاً عن دوره الإداري إذا جاز التعبير فهو واحداً من الذين نظروا الحركة الثقافية في مصر كلها، وهو واحداً من الذين تبوأوا مجالس إدارات المؤسسات المختلفة والمختصة فكان عضو مجلي إدارة القصة، وعضو مجلس إدارة اتحاد الكتاب، وكان عضواً غير عادي، فكان عضواً فاعلاً في تطوير آليات العمل الثقافي من خلال العمل النقابي، وكان أيضاً ممتنياً بكل ما يملك لصعيد مصر وللجنوب، لأنه كان يؤمن بأن الصعيد قد وقع عليه غبناً فكان عبد العال الحمامصي يعوض هذا الغبن من خلال اكتشاف المواهب، ومن خلال كسر هذا الحاجز بين الجنوب والشمال؛ حيث يكون للجنوب وجود من خلال المؤتمرات الأدبية والمؤسسات النقابية .. لذا يظل عبد العال الحمامصي مرتبطاً بسوهاج في أنه كان بؤرة كانت تشع تقديم الأدباء من سوهاج ومن الجنوب،وأيضاً للانتقال بالحركة الأدبية إلي مصر كلها ..

أما الشاعر جميل عبد الرحمن (رئيس نادي الأدب المركزي بسوهاج)، فقد قال عنه : الأستاذ عبد العال الحمامصي شاعراً من الجوقة العازفة من شعراء محافظة سوهاج .. أتحدث عن قيمة وقامة تتمثل في الأديب الكبير الراحل الأستاذ عبد العال الحمامصي، هذا الرجل الإخميمي الأصيل الذي ولد في أخميم عام 1932م، ثم في بواكر صباه إرتحل إلي القاهرة بحثاً عن متنفساً لإبداعاته، فقد كان يشعر أن الجو بقيم المكان، تضيق بهذه الطموحات التي تتفجر من خلال قصص، ومن خلال هذا الفن الذي راوده عن نفسه، فاستسلم إليه وألقي بعمره الأخضر كله في أتونه .. عبد العال الحمامصي كان من الفرسان المُفوهين وكان في فن القصة القصيرة يشار له بالبنان .. مجموعته الأولي أثارت انتباه المفكرين والأدباء، ونال عنها كأس القباني في الشعر، ثم نال بعد ذلك جائزة الدولة التشجيعية عام 1974م وكانت قد ألحقت بمجموع هذا الصوت وآخرون، ثم تفجر الإبداع القصصي أكثر رغم أن عبد العال الحمامصي أضاع كثيراً من وقته لكنه لم يضيعه هدراً، وإنما كان يمر علي المحافظات ليكتشف المواهب ويقدمها هدية إلي مصر وهدية إلي الأدب والشعر .. وأنا واحداً ممن شملهم عبد العال الحمامصي بحبه وفرح عندما تقدمت بديواني الأول وكتب علي مقدمتها "الآن تجد سوهاج شاعرها " .. عبد العال الحمامصي كان سنداً لأدباء الصعيد الذين ضُربت علي أوجههم ستائر النسيان والتجاهل وأُحيطوا بغبار من النسيان، لكن عبد العال الحمامصي ظل مقاتلاً سواء في اتحاد الكتاب أو في نادي القصة أو في أي مجالاً  تواجد فيه ظل مقاتلاً يبحث تحت راية اكتشاف المواهب وتقديم رفق ودماً جديداً لمصر وللحركة الأدبية والإبداعية وقدم وجوهاً كثيرة سواء في القصة أو الرواية أو الشعر .. كان عبد العال الحمامصي يطوف المحافظات غير مبالاً بأنه في تركه لمكتبه لا يستطيع أن يتأمل أو يمسك بتلابيب الفن القصصي، ولكن عندما جلس علي مكتبه كتب رائعته " بئر الأحباش" وهي مجموعة قصصية تشتم فيها عبق أخمي .. عبق التاريخ.. عبق الآثار الفرعونية .. عبق الآثار الإسلامية .. عبق ذو النون الإخميمي المصري .. عبق تاريخ سوهاج الماجد الذي تعتبر وردة الشمس الأبدية .. كلها تتجسد في بئر الأحباش وتجسد أيضاً ذلك التراث الحديث لأخميم في قته " قاتل بلا أتعاب " .. عبد العال الحمامصي لم يكتف بهذا بل قدم قبل أن يموت " فرحة الأجراس "، وهي المجموعة الرابعة له، ثم توالت ابداعاته .. قدم عبد العال الحمامصي لأنه حفيد ذو النون الأخميمي المصري قدم " أحاديث حول الأدب والسياسة" و " القرآن معجزة كل العصور"، " البوصيري المادح الأعظم للرسول صلي الله عليه وسلم .. هؤلاء قالوا لي "، "وهؤلاء يقولون في السياسة والأدب  .. راحلون في وجدان ثم أفكار لأمته..

وقال عنه محمد جبريل :  ظل عبدالعال الحمامصي قاسماً مشتركاً في الساحة الثقافية؛ خلال ما يقرب من الخمسين عاماً. أسهم - محرراً وكاتباً - في العديد من الصحف والدوريات، وأذكر ان أول لقاءاتي بالحمامصي - بداية الستينيات - في مجلة اسمها "العالم العربي". كان يكتب معظم موادها. باسمه أحياناً . وبأسماء مخترعة في معظم الأحيان. وإذا كانت سلسلة "إشراقات أدبية" وبابه الأسبوعي "شيء من الأدب" في الزميلة أكتوبر هما الإسهام الأحدث للحمامصي. فإن اسهاماته تواصلت خلال العقود الخمسة - وربما الستة - الماضية. مابين إبداعات شخصية ومشاركات فاعلة في واقعنا الثقافي. فقد توالي انتخاب الحمامصي في عضوية مجلس إدارة اتحاد الكتاب. منذ تأسيس الاتحاد إلي عام الانتخاب الأخير. الأمر نفسه في أمانة مؤتمر أدباء مصر في الأقاليم. وفي جمعية الأدباء. ونادي القصة الذي يرأس الآن مجلس إدارته. وتنقل الحمامصي بين القري والكفور والنجوع. يشارك في المؤتمرات والمهرجانات. ويسلط الضوء علي الطاقات المبدعة. وكانت هذه الانشطة عاملاً مهماً في توثيق صلة عبدالعال بالمبدعين. والمثقفين بعامة. علي المستويين الشخصي والجمعي. ويعترف الكثير من الأدباء - في امتداد الأقاليم المصرية - بمساندة الحمامصي لخطواتهم الأولي، وحرصه علي تقديم المواهب الحقيقية، من خلال مقالاته وتحقيقاته في "الزهور" ثم في "أكتوبر" ومازالت أذكر مهرجان محافظة سوهاج السنوي لتكريم ابن أخميم عبدالعال الحمامصي. وهو المهرجان الذي شارك فيه - بالإضافة إلي أدباء المحافظة - عدد هائل من كبار المثقفين المصريين. أما القيمة الإبداعية لعبدالعال الحمامصي. فلعل أبرز ما يميزها هذه السمة التي تبين عن المكونات الأهم للشخصية المصرية في المعتقدات والعادات والتقاليد. وهو ما أفدت منه شخصيا في قراءتي للإبداعات المصرية المعاصرة. عبدالعال الحمامصي يواجه الآن محنة مرضية قاسية. تحتاج - لإسكات آلامها - إلي آلاف الجنيهات. ظني أن أبسط حقوقه علي حياتنا الثقافية. التي مثل فيها - علي مدي السنين - ملمحاً أساسياً. ان توفر له وزارة الثقافة. ممثلة في وزير الثقاقي " فاروق حسني"؛ إمكانات العلاج، تعبيراً عن الوعي والفهم والتقدير. وأن خدمة الغز ليست علقة دائماً؛ وانما قد تكون تعاطفاً ومساندة في الأوقات الصعبة، لا أعرف موقف اتحاد الكتاب من المحنة التي يعاني عبدالعال الحمامصي تأثيراتها - وكان الرجل عضواً في مجلس إدارته. وتولي فيه مناصب مهمة؛ منها السكرتير العام. ونائب الرئيس - لكن توالي الأيام أسرع من محاولة السؤال والمحاسبة. ما يحتاج إليه عبدالعال في ظروفه القاسية الحالية، أن يعالج علي نفقة الدولة، باعتباره مبدعاً. له قيمته بين كتاب القصة القصيرة، ومسئولا ثقافياً. قد نختلف معه. لكن من الصعب أن ننكر إسهاماته الإيجابية في العديد من الإصدارات، وفي الدفع بعشرات المواهب لتحصل علي المكانة التي تستحقها في الساحة الإبداعية.

ويطول بنا الحديث وفي النهاية لا نملك إلا أن نقول بأننا لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شملة ومستوعبة لكل اسهامات عبد العال الحمامصي الذي كان  يمثل لنا نموذجاً فذاً للروائي والأديب المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر علينا هذه الأيام ذكري وفاة صهري وخال أولادي، الأديب الكبير، والروائي القدير "عبد العال الحمامصى"، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر، أو وقفة، أو تسليط الضوء على شيء من منجزاته وابداعاته ؛ فقد كان سيادته ظاهرة فريدة ومميزة في مجال المؤلفات القصصية، والدراسات النقدية، والأعمال الفكرية والحوارية ؛ حيث كان يمثل أهم الأسماء اللامعة في سماء الأدب المصري الحديث ؛ إذ أسهم فيه بقسط وافر، وتعد لبناته الأدبية التي وضعها بالجهد والعرق بمثابة الأساس الذي بني عليه الكثيرون من تلامذته مشاريعهم الأدبية ورؤاهم في مجال الأدب الروائي والقصة القصيرة.

والأديب القاص عبد العال الحمامصي أحد الأدباء البارزين في مجال القصة القصيرة التي ظل يكتبها طوال 40 عاماً، لم يقترب خلالها من كتابة الرواية - وبعد هذه الفترة الطويلة شعر أن الوقت قد حان لكتابة رواية هي الأولى في مسيرته الابداعية، أنجز منها جزءً كبيرا،ً وهي بعنوان "فتيات حفلة العاشرة".

والحقيقة التي لا يعرفها الكثيرون، وهي أن "عبد العال الحمامصى"، ظل قاسماً مشتركاً في الساحة الثقافية خلال ما يقرب من الخمسين عاماً في القرن الماضي ما بين إبداعات شخصية ومشاركات فاعلة في واقعنا الثقافي المصري؛ حيث أسهم - محرراً وكاتباً - في العديد من الصحف والدوريات، كما عضواً بارزاً في مجلس إدارة اتحاد الكتاب المصري وجمعية الأدباء ونادي القصة، كما كانت له قيمته بين كتاب القصة القصيرة، ومسئولا ثقافياً.

كان عبد العال الحمامصي قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للأدب الروائي والقصة القصيرة: تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات شاعر وأديب يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل رواياته وقصصه تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

ولد عبد العال الحمامصي في يونيو عام 1932 بمدينة أخميم بمحافظة سوهاج، الراحل بدأ مجاله الأدبى عندما وصل إلى القاهرة قادماً من مدينة أخميم بمحافظة سوهاج قبل 50 عاماً، وكان الكاتب الراحل قد عاش حياة أدبية حافلة، بدأها فى مجالات عديدة كان أبرزها اختياره عضواً مؤسساً بمجلس إدارة اتحاد الكتاب، مع الراحلين "يوسف السباعى" و"ثروت أباظة"، حتى وصل إلى سكرتير عام الاتحاد ؛ كما عمل فى مجال الإنتاج السينمائى مع المنتج "عدلى المولد"، وعمل كذلك كاتباً ومشرفاً على القسم الثقافي بمجلات الصباح، العالم العربي، الهلال، الزهور، القصة، ثم رئيس تحرير سلسلة "إشراقات أدبية" التي تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1976، وقدم من خلالها العديد من أدباء أقاليم مصر، كما شغل منصب السكرتير العام لنادي القصة، وعضو مجلس إدارة جمعية الأدباء، وعضو لجنتي القصة والكتاب الأول بالمجلس الأعلى للثقافة عام 2003، وعضو المجلس القومي للثقافة والفنون والآداب. ورحل عن عالمنا عن عمر ناهز 77عاماً، عام 2009م بمرض السرطان ويقول الكاتب "مصطفى عبد الله" إن الأديب الراحل عبد العال الحمامصى كان قد احتجب عن الساحة الأدبية والثقافية خلال العام الأخير، وأخفى المقربون منه نوعية مرضه عنه.

وللأديب عبد العال الحمامصي عدد كبير من المؤلفات القصصية والدراسات النقدية والأعمال الفكرية والحوارية، وذلك علي النحو التالي:

1 ـ الأعمال القصصية:

أ ـ [للكتاكيت أجنحة] صدرت عن دار الكاتب العربي عام 1968 وقــد نالت {كاس القبانى} عـام صدورها، وقد كتبت عن هذه المجموعة عديد من الدراسات النقدية.

ب ـ [هذا الصوت وأخرون] صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب فى عام 1980 وقد نالت جائزة الدولة التشجيعية فى عام 1981.

ج ـ [بئر الأحباش] مجموعة قصصية صدرت عن هيئة قصور الثقافـة عام 1994. وقد فازت بجائـزة أحسن مجموعة قصصية فى عام 1994 فى معرض الكتاب الدولي السابع والعشرين.

د ـ [فرحة الأجراس] مجموعة قصصية صدرت عن مكتبة الأسرة.

ثانيا: الأعمال الدراسية والنقدية:-

1 ـ [البوصيرى المادح الأعظم للرسول] صدر عن دار المعارف.

2ـ [القرآن معجزة كل العصور] صدر عن دار المعارف.

3 ـ [كتب قرأتها] انطباعات غير نقدية صدر عن المجلس الأعلى للآداب والفنون.

ثالثا: الأعمال الحوارية:-

1 ـ [هؤلاء يقولون فى السياسة والأدب] صدر عن دار الهلال.

2 ـ [أحاديث حول الأدب والفن والثقافة] صدر عن دار المعارف.

3 ـ [هؤلاء قالوا لى] صدر عن دار المعارف.

رابعا: الأعمال الفكرية 1 ـ [أقلام فى موكب التنوير] صدر عن هيئة الكتاب فى سلسلة مكتبة الأسرة عام 1996

2 ـ [راحلون فى وجداني] صدر عن هيئة الكتاب فى سلسلة مكتبة الأسرة عام 1998.

3ـ [أفكار لأمتي] صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب فى سلسلة مكتبة الأسرة عام 1999.

وحصل الحمامصي على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة عام 1981 ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عامي 1993 وجائزة الدولة للتفوق في الآداب عام 2003م .

إذا أردنا أن نبحث عن الجوانب الإنسانية في شخصية عبد العال الحمامصي، فلن نجد أنسب من الحوار الذي أجرته معه إحدى القنوات التليفزيونية عن حياته ومسيرته الأدبية، حيث يحدثنا عن الثوابت التي ساهمت في تشكيل شخصيته علي المستوي الإنساني والأدبي ؛ فنجده مثلاً يحدثنا عن تجاربه الأدبية المبكرة فيقول: " كانت البداية عندما تلمست طريقي إلى عالم الأدب عن طريق قراءة الكتب المترجمة والكتابات الذاتية الموجودة في مكتبتَي جدي وخالي وعندما التحقت بالدراسة في سوهاج قرأت في مكتبة الأمير فاروق - كما كانت تسمى في ذلك الوقت - أو مكتبة رفاعة الطهطاوي، فكنت اقرأ في كل مكان؟ على الرصيف وتحت الشجر، حتى في الشارع.. أما تجاربي الأولى فسيندهش البعض عندما يعلم انها كانت شعراً.. والأكثر إثارة للدهشة أنني كنت أغنيه، إلى أن وجدت طريقي إلى القصة، واكتشفت أنها أقرب الأنواع الادبية قرباً من قلبي وأقدرها على التعبير عن رؤيتي للكون والوجود، رغم أن النظرة وقتها إلى الأدب الروائي والقصة كانت نظرة متدنية، حتى أن (عباس العقاد) قال أن بيتا من الشعر يقول ما تقوله رواية بأكملها".

ويستطرد الحمامصي فيقول: " وكانت أول قصيدة يخطها قلمي هي (صمت ودموع) عن حرب 1948 وما سببته من مآس في البيوت المصرية والعربية ونشرتها مجلة البعكوكة، لكن أول قصة حقيقية فكانت بلا خطيئة.. نشرتها مجلة قصتي، ثم توالت الأعمال بعد ذلك حتى صدرت أول مجموعة لي عام 1986 تحت عنوان الكتاكيت لها أجنحة وقال عنها أحد النقاد أن بها ارهاصات هامة.. ومثلت المجموعة اتجاهاً واقعياً بمعنى الواقعية التي اسماها روجيه جارودي فيما بعد الواقعية بلا ضفاف".

وقد سئل عبد العال الحمامصي:" رغم هذا الوسط الثقافي المزدهر لم تظهر مجموعتك الثانية للنور إلا بعد 13 عاما كاملة من تاريخ اصداراك الأول.. فكانت مجموعة هذا الصوت وآخرون في عام 1981 فهل كان يستغرقك شيء آخر بعيداً عن القصة؟.

وأجاب عبد العال الحمامصي قائلاً :"القصة بالنسبة لي هي الوسيلة الوحيدة القادرة على أن أحملها رؤيتي للعالم.. وعلى سبيل المثال "قصة الساعة الخامسة والعشرون" في مجموعة هذا الصوت وآخرون لو قرأت الآن لربما تجدينها نبوءة لما يحدث الآن في عالمنا من اتجاه للعولمة ومحاولة إلغاء التاريخ والانغماس في عملية الحداثة المبتورة.. وليس طول المسافة بين مجموعة قصصية وأخرى عجزاً عن الإنتاج لكنه محاولة للإجادة وتقديم الجديد كما أصدرت خلال هذه الفترة عدة كتب نقدية ودراسات".

كما سئل عبد العال الحمامصي:" هل تعدد اتجاهات الكتابة يثري تجربة الكاتب أم يفقده التركيز في مجال ما ؟.

وأجاب قائلاً:" كثير من كبار كتابنا تعددت مجالات كتاباتهم.. فتوفيق الحكيم كتب المسرح والرواية والفكر والنقد وطه حسين كان مفكراً وربما يكون كاتباً ما في جانب من الجوانب أكثر تأثيراً من مجالات أخرى.. ودليل ذلك "إحسان عبد القدوس" - كتب الرواية لكن عندما كان يكتب المقال كان ينتظره القارئ المصري والعربي".

وسئل الحمامصي أيضاً هذا السؤال: كيف ترى موقع القصة القصيرة على الساحة الأدبية الآن؟.

فأجاب قائلاً:"هناك اعمال روائية وقصصية ممتازة وربما لو كانت اللغة العربية لغة عالمية منتشرة كالإنجليزية لكان الأدب العربي الآن أدباً عالمياً وكان المستوى الذي وصلت إليه الرواية والقصة القصير هو المستوى الذي يتجاوز الكتابات العالمية.. أما القصة القصيرة على المستوى العالمي.. فربما تجدها الآن ليست في المستوى الذي وصلته في القرن التاسع وفي النصف الأول من القرن العشرين فليسن هناك كتابات رائدة الآن كما عرفنا في الماضي.. وإذا عدنا لأدبنا العربي فهناك شيء لافت للانتباه وهو أنه بالرغم من كثرة فرص النشر وتعددها لم تزد معها الإبداعات الجيدة فأصبحت الأسماء غير المبدعة تجد طريقاً للنشر دون أن تقدم ابداعاً حقيقياً.

وكذلك سئل قائلاً:" وهل يرى عبد العال الحمامصي بعين الناقد ثمة مواهب أدبية جديدة وسط هذا الزخم من النشر؟.

وهنا أجاب الحمامصي قائلاً: " النقاد الآن ينشغلون بالتنظير وليس بالتطبيق,, ويتناولون الرواية أو الشعر بنفس المفاهيم التي يتناولون بها مجموعة قصصية.. فعملية الرصد والمتابعة وتطبيق المناهج على الابداعات غير موجودة الآن.. ويقول النقاد.. كيف اتابع كل هذا؟ .. أما أنا إذا تحدثت بشكل مفصل عن نفسي فأرى من خلال السلاسل الأدبية التي تصدرها مصر والعالم العربي مواهب متعددة تبشر بالخير.. دون أن أذكر أسماء لكن لا شك أن هناك حركة ابداعية روائية مزدهرة وأرجو أن تتاح لها الفرصة.

وسئل الحمامصي أيضأ: وكيف ترى قضية الفجوة بين القارئ والمبدع؟.

وهنا أجاب قائلاً:" عندما نقول أن القارئ القديم لم يعد له وجود وأن الكتاب يشكون من عزلتهم بسبب زيادة أجهزة الإعلام والقنوات التلفزيونية فإننا نبالغ بقدر كبير.. لأن مهما تعددت لدينا وسائل الجذب فلن تعادل وسائل الجذب في الغرب رغم ذلك لا يزال الكتاب هناك هو سيد الموقف وضمير الحضارة.. لأن هناك يوجد الوعي بالكتاب وقيمته".

وحول روايته بئر الأحباش سئل الحمامصي هذا السؤال: ماذا أضافة بئر الاحباش مجموعتك الأخيرة للكتابة الأسطورية التي اندرجت المجموعة تحتها؟.

وهنا أجاب قائلاً: الشيء المميز للمجموعة والتي صدرت عام 1994 هو أنها ربطت الاسطورة بالواقع لم تجعل الأسطورة شيئاً خرافياً منعزلاً عن الناس، بالاضافة إلى أن أصدق التجربة هو ما جعل لها هذا التفرد ؛ حيث تقوم بئر الاحباش على تجربة خاصة عايشتها منذ كنت طفلاً صغيراً في صعيد مصر، ومن أهم التعليقات النقدية التي اذكرها حول المجموعة، هي أن المجموعة تندرج تحت الكتابة الحداثية بمعنى الحداثة هي الأسلوب للعصر والذي يجعل متلقي العصر لا يشعر أن ما يراه قد حدث في زمن مضى.

ويستطرد الحمامصي فيقول:" فالحداثة هي الوعي بالعصر وبالأساليب الفنية المتعددة والحداثة هي الإضافة وليست هي الانسلاخ، ولكن ما أكثر ما نراه الآن من تهويمات شكلية ولا تترك شيئاً في ذهن المتلقي، والدليل أننا عندما نقرأ المعري والجاحظ، فنجدهم يكتبون حداثة، فلا نشعر بالانفصال عن كتاباتهم.

وفيما يتعلق بروايته فتيات حفلة العاشرة سئل الحمامصي هذا السؤال: أخيراً ما هي أحدث كتاباتك التي لم تصدر بعد؟.

وهنا أجاب الحمامصي قائلاً: " هي الرواية الاولى في حياتي بعد 40 عاما من الكتابة، وهي بعنوان فتيات حفلة العاشرة، وقد انجزت فيها جزءً كبيراً وهاماً، ولكن لا يزال هناك جزء باق.. وقد يندهش القارئ عندما يعلم أنني أصدرت كتابة اطلقت عليها اسم رواية، عندما كنت في الرابعة عشرة تحت عنوان "بين أحضان السعادة والشقاء"، وتمت طباعتها على نفقة تلاميذ أخميم بلدتي.. أما القصة القصيرة فما أكثر المجموعات الموجودة في مسودات، لكن لم يحن وقت وضعها في آلات الطباعة.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

صالح الطائيشيوعي عراقي لا أعرفه، جمعتني به زنزانة واحدة، كان ذلك عام 1977 في مديرية الأمن العامة، يوم اعتقلوني، وأخذوني، وأدخلوني إلى مكان قذر ضيق شبه مظلم، فوجدته هناك يئن ويتوجع وكأنه عاش فيه من زمن الطوفان. كان هيكلا بشريا لا أكثر، وقد ترك التعذيب الوحشي آثاره على كل بدنه، تعذيب سرق ملامحه وشكل ولون بشرته الذي تحول إلى ألوان حمراء وسوداء وصفراء، وقد فارقته بعض أسنانه التي تلقت ضرباتهم ولم تقوى على الصمود، وصادروا الكثير من أظفار يديه؛ التي جردوه منها خوف أن تكون أسلحة دمار شامل.

لم يتحرك ولم تبدر منه أي كلمة حتى ظننت أنه مقطوع اللسان أو لا يقوى على تحريك أطرافه، ولم يرد علي حينما حاولت محادثته سوى بكلمة "شيوعي"، مما اضطرني إلى الجلوس في إحدى زوايا الزنزانة منتظرا مصيرا أعرفه، فقد سبقني إليه الكثير من الشباب. وفجأة سمعتهم يأمروني بالوقوف، كان الوقت قد تجاوز العاشرة ليلا فساعتي كانت يومها لا تزال تعمل، أخذوني وأنزلوني إلى سرداب مليء بماء متعفن نتن الرائحة تسبح فيه الجرذان وجثث من لم يحتملوا ذلك الموقف. لا أدري كم قضيت من الوقت قبل أن يأمروني بالتوجه إلى الباب التي كانت مصدر الضوء الوحيد، فأخرجوني وألقوني على أرض يابسة وبدأوا حفل السلخ والتقطيع، أكثر من خمسة (كيبلات) كانت تتراقص على جسدي وهي تعزف رائحة الحقد الوحشي وتفضح كم الحقارة والدناءة الذي يحمله بعض المحسوبين على البشر، وحينما أنهكوا، سحبني أحدهم إلى باب الزنزانة ثم فتحه ودفعني بأقدامه إلى داخلها.

حينها لم أكن أشعر بما يدور حولي، ولكني شعرت بيديه تمسحان القذارة عن وجهي، وحينما نظرت إليه كانت هناك دمعتان تصارعان لكي لا تخرجا وتفضحا ضعفه، بدأ يمزق قطعا من قميصه ويضمد جراحي، ثم تكلم! قال لي: اصمد فهم أضعف منك، وعاد إلى مكانه. ليلتها فارقني النوم، ولأن ساعتي انتحرت مثلي وتوقفت لم أعد أشعر بالوقت، وحينما حل الصباح، دخل اللصوص ليسرقوه مني، فنادى الذي في الداخل على سيده: سيدي هذا مات! فقال له: اتركه في مكانه.

سبعة عشر يوما مرت وأنا في كل يوم أتوقع من صديقي الشيوعي الطيب أن ينظر إلي ويكلمني، ولكن رائحة جسده المتفسخ والدود الذي يقتات عليه كانت تخبرني أن دوري سيحين ولو بعد حين. في صبيحة اليوم الثامن عشر جاءوا يحملون كيس نايلون ووضعوا بقاياه في الكيس وحملوه وخرجوا، صحيح أن الرائحة لم تفارقني إلا أن قطع قميصه التي ضمد بها جراحي كانت لا تزال معي تذكرني بصديق عرفته لساعات كانت كأنها العمر كله. وفي الليلة الأولى التي كان مكانه شاغرا فيها لا أحد يئن فيه، سمعته يحدثني من خلف أكوام من التراب:

يا صديقي لستُ وحدي .. فمعي كل السنابل والبلابل... ومعي كل الورود... ومعي كل المطارق والمناجل.. ومعي كل الدروب من الشمال إلى الشمال ومن الجنوب إلى الجنوب.. ومعي كل المحاسن والعيوب.. ومعي شمس الظهيرة.. ومعي صحراء عمري.. ومعي الليلة المطيرة... ومعي حب العذارى والعشيرة... وجموع الكادحين.. والجميل من السنين.. ومعي عشق الحسين... وقطيع المعصمين.. ومعي أطياف ذاك الحلم النازف قهرا.. شنقته فئران العصابة.. في زنازين الرذيلة.. ورجال الأمن أقاموا حفل شواء وعناقات الكؤوس تتحدى الصرخات، جسدي نار تلظت... ومعي آهات ظهري.. ومعي أوجاع عمري.. ومعي آهة صبري.. جيل قهري .. وبقايا  من دعاء الأمهات.

يا صديقي أنا من أيار يشرق بدري.. انا من باع الحياة  أملا بما هو آت.. جئت كي أعلن ذاتي... أنا من أعطى سنين العمر، واشترى شرف القضية، لم أرض بالدنية. انا شهر النور والأفراح.. أنا مفتاح الصباح.. أنا قصة الأجيال.. أنا ينبوع قضية.. أنا آهات الصبية.. ضحكة الطفل بصدري تتردد، وسنين العشق في بالي تعود وحكاياتي، وابنة الجيران والرفاق والزقاق والموت والحياة والعناق، خبأتها في تقويم الأول من أيار، أملا في أن يطلع النهار ويرحل الصبار وتفتح الوردات بتلاتها، ويلبس الأطفال أثواب عيدهم، ويشمخ الرجال. يا صديقي نسيت أن أخبرك أني أنا عيد الكادحين .. أنا عيد الأغلبية.. أنا قصة وقضية. فأنا أصرخ من تحت الأنقاض عل من يسأل عني يدري أني ضعت في زمن الطغاة، ومعي ضاعت حروف الحق وتاهت الأبجدية.

وشاءت إرادة الله أن لا أموت في تلك الواقعة، وأن أعيش لأرى أيام التغيير وأرى أحلام وآمال صديقي الشيوعي ضاعت كلها.. وضاعت القضية.. وضاع عيد الجائعين عيد الأغلبية.. وصدقت نبوءة صديقي الذي أجهل اسمه ولكن هناك ألف ذكرى له في خاطري منها ذكرى الأول من أيار أن التضحيات خدعة لا يشعر بتفاهتها إلا من خسر عمره من أجل لا شيء.

 

صالح الطائي

 

مصدق الحبيبتعلمنا في جامعاتنا بعض النظريات الاساسية، ولو بشكل غير كامل، واحيانا مشوه، الا اننا لم نتعرف على منظريها ! علما ان معرفتهم لاتقل اهمية عن معرفة النظريات نفسها اذ لايمكن الفصل بين المنظر ومنجزه. سأقدم هنا تعريفات موجزة للمنظرين الاوائل الذين اسسوا وطوروا علم الاقتصاد، وسأبدأ بـ"آدم سمث" الذي يكنى بأبي الاقتصاد. 

آدم سمث (1723 - 1790)

يعتبر آدم سمث من أبرز فلاسفة ومنظري عصر التنوير. ورغم انه كتب في السلوك الانساني والقانون والاخلاق، الا ان كتابه الموسوم "ثروة الامم" الصادر عام 1776 وما جاء فيه من مفاهيم لتفسير كيفية عمل نظام السوق الحر كان قد وضع القاعدة الاساسية للمنهج الاكاديمي في دراسة موضوع الاقتصاد . فكثير من المفاهيم التي يتداولها اقتصاديو اليوم كانت قد طرحت من قبل آدم سمث وسط الكثير من الجدل واللغط والاختلاف.

1479 آدم سمثولد سمث في كركالدي باسكتلندا لأب متعلم وشغول يعمل في سلك الادارة المحلية للمنطقة كموظف مسؤول عن جباية الضرائب وتنظيم الحسابات والنظر في شؤون الحق العام. ولأن والد سمث كان قد توفى قبل ولادة ابنه بشهرين، كان قدر والدة آدم ان ترعاه لوحدها كأرملة كافحت كثيرا من أجل نشأته الصحيحة وتعليمه العالي فأدخلته افضل المدارس وشجعته على الجد والسعي لمستقبله، وهكذا فقد دخل آدم جامعة گلاسگو لدراسة الفلسفة الاخلاقية وهو بعمر 14 عاما . كانت دراسته لهذا الحقل قد زرعت فيه الشغف بموضوعات الحرية والمنطق والحق، فواصل دراسته العليا في جامعة اوكسفورد لكنه لم يجدها على مرامه. كان سمث قد وصف جو اوكسفورد الاكاديمي بأنه أقل ليبرالية من گلاسگو ، بل كانت أوكسفورد في رأيه متزمتة فكريا وخانقة لتطلعاته التحررية ، الامر الذي سبب له متاعبا نفسية وكآبة مستمرة أدت به لترك الجامعة عام 1746 وقبل اكمال برنامجه الدراسي.

بعد تجربته المخيبة في أوكسفورد حصل سمث على عمل كتدريسي في جامعة أدنبره عام 1748. وهناك وجد البيئة الاكاديمية الملائمة له. فقد تعرف على الفيلسوف اللامع ديفد هيوم عام 1750 لتبدأ بينهما زمالة مثمرة وصداقة متينة رغم ان هيوم كان يكبره بعشر سنين. في عام 1751 حصل سمث على درجة الاستاذية من جامعة گلاسگو التي واصل التدريس فيها لغاية 1761، وهي الفترة التي كتب عنها بعدئذ واصفا اياها بأجمل ما كان في حياته من سنوات وأكثرها ازدهارا وانتاجا.

من بين ما انجز سمث من اعمال اكاديمية هناك عملان ميزاه عن غيره وجعلاه الفيلسوف المفكر الذي يشار له بالبنان:

العمل الاول كان كتابه الموسوم "نظرية التعاطف الاخلاقي" المنشور عام 1759  والذي اوضح فيه ان اخلاقية المرء ترتكز على مدى التعاطف الوجداني المشترك بينه وبين ماحوله من افراد ومجموعات وبيئة اجتماعية. هذه الفكرة ميزته عما كان شائعا في هذا الصدد كفكرة استاذه هچسن الذي يعزو شخصية المرء الاخلاقية الى ما اسماه بالحس العاطفي الخاص المتواجد لدى المرء. كما ميزته عن زميله هيوم الذي يعزو ذلك الى ما اسماه المنفعة الذاتية. يرى سمث ان الضمير الانساني يتبلور من خلال تفاعل المرء مع نمط العلاقات الاجتماعية  السائدة مما يجعله يسعى للفوز بالتعاطف المتبادل مع مجتمعه.  على ان  تحقق هذا الحال الهارموني يقود الفرد والمجتمع للعمل معا من اجل الصالح العام.

كانت موضوعة التعاطف الوجداني المشترك هذه  sympathy هي التي طورها فيما بعد منظرو القرن العشرين الى مفهوم التقمص العاطفي  empathy  الذي يشير الى قدرة المرء على تقمص حال الاخرين العاطفي من اجل فهم وتقدير واحترام مشاعرهم ازاء قضية معينة.  بعد نشر هذا العمل والشهرة التي جلبها، توجه سمث لدراسة القانون والاقتصاد وحصل على الدكتوراه في القانون عام 1764. وهنا كان قد طرح فكرته الهامة بأن العامل الاساسي في تكوين الثروة الوطنية يكمن وراء العمل وليس موجودات الذهب والفضة كما كان شائعا بموجب مذهب المركنتيلية.

بعد تقاعد سمث من التدريس في جامعة گلاسگو واصل اعطاء الدروس الخصوصية لطلاب الطبقات الثرية في اسكتلندا وانكلترا وكذلك فرنسا حيث التقى بشخصيات ألمعية كالفيلسوف والشاعر فولتير والمفكر والمخترع الامريكي بنجامين فرانكلن احد الاباء الامريكيين المؤسسين. كما درس في فرنسا عن كثب مذهب الفيزيوقراطيين وأخذ منهم موضوعة "دعه يعمل دعه يمر" ، التي يقوم على اساسها المنهج الفلسفي الفرنسي في الاقتصاد الداعي الى عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي وعزوفها عن استخدام ادواتها التشريعية لمراقبة وتنظيم عمل السوق الذي سينظم نفسه بنفسه عن طريق الفردانية والحرية في اتخاذ القرارات الاقتصادية وسط المنافسة الحرة. وهذا المذهب كان أحد الركائز في عمل سمث التالي الاكثر اهمية والابلغ تأثيرا في تاريخ نشأة النظرية الاقتصادية.

العمل الثاني هو كتاب "ثروة الامم" المنشور عام 1776 والذي يعتبر الشرارة الاولى في بناء القاعدة الاساسية للمنهج الاكاديمي في دراسة الاقتصاد وتطوره كعلم. قدم سمث في ثروة الامم معالجة نظرية حديثة لقضايا اقتصادية حيوية بمفاهيم لم يسبر اغوارها احد قبله وبهذا المنطق التراتبي، كفكرة الامتيازات المطلقة وكيفية عمل نظام اقتصاد السوق الحر، والازدهار الاقتصادي الذي يتحقق بتظافر منافسة المنتجين ومنافعهم الذاتية العقلانية. وفي هذا الصدد طرح سمث موضوعتين اساسيتين:

الاولى تتعلق بنمو ثروة الامة وازدهارها بالعمل الانتاجي وتقسيم العمل الذي يقود الى زيادة الانتاجية ويؤدي الى خفض الاسعار في ظل المنافسة الحرة فيؤول في المطاف الاخير الى رفع مستوى المعيشة العام، وهو الغاية النهائية. تعمل هذه المنظومة بهدى المنفعة الذاتية للافراد وليس بوحي من ضمائرهم الحية، ولا بافضالهم على المجتمع. يورد سمث مثالا على ذلك فيقول ان توفر وجبة العشاء التي نتمتع بها ليست نتيجة لعطف وكرم الجزار والخباز والفلاح وساقي الماء انما لان كل منهم يؤدي عمله لمصلحته الشخصية وبشكل جمعي فهم يخدموننا جميعا ويشبعون حاجاتنا والمجتمع ونظامه الاقتصادي يعملان على هذا النحو الاوتوماتيكي الذي لايحتاج لمن ينظمه ويقرر نمط فاعليته، بل هناك ما اسماه سمث باليد الخفية التي تنظم كل شئ. واليد الخفية هنا ليست بمفهوم الغيب والخرافة انما هي قوى العرض والطلب في السوق الاقتصادي التي تتوازن ذاتيا.

اصيب سمث بمرض مؤلم عانى منه كثيرا حتى وافته المنية عام 1790. ولابد هنا من ذكر بعض صفات سمث الشخصية التي دونها القريبون منه. تربى سمث في حضن والدته وبقي قريبا جدا منها لحين وفاتها التي تركت في نفسه فراغا كبيرا . كان شخصا خجولا متلعثما لايجيد المحادثة والتحدث في الحيز العام بقدر اجادته في الكتابة. وخجله هذا كان يصيبه بغمزة لاارادية تلازمه ان كان محرجا. كان يهمهم بالكلام لوحده ويمشي في نومه. وكان يعترف بعدم وسامته ولم يتزوج بل انجب طفلين خارج عقد الزوجية.

 

محمود محمد عليتعد الأستاذة الدكتورة "راوية عبد المنعم عبد الحليم عباس" - أستاذة الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب جامعة الاسكندرية بجمهورية مصر العربية، واحدة من الباحثات المصريات التي توقفت عند محطة فلسفة تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة خلال مشوارها العملي الثري، واختارته لتكمل معه المسيرة، فهي عاشقة لهذا التخصص في أي شيء يتعلق بحياتها، وهي لا تعرف شيئا اسمه المستحيل، ومبدأها في الحياة ينطلق من مقولة «إذا توافرت الإرادة فهناك طريق لتحقيق أي هدف»، وهذا ما سارت عليه منذ بداية حياتها العملية في قسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة الاسكندرية، حيث كانت تؤمن بأن العمل هو انعكاس لشخصية المرء، والتفاني فيه هو هدفها الأول في الحياة.

لقد عرفت "راوية عبد المنعم عباس" (مع حفظ الألقاب) معنى النجاح منذ نعومة أظافرها، واعتدت على تحقيقه، حين كانت طالبة في المراحل الدراسية الأولى، فالتفوق كان حليفها، وكنت دائما تسعى للوصول إليه، وقد غرست أمها هذا الشيء في نفوسها، والذي تأثرت به بشكل كبير في حياتها، فالأم هي المدرسة التي يتعلم فيها الأبناء أهم وأجمل معاني الحياة.. وكانت شغوفة بشمولية الفلسفة الحديثة والمعاصرة وتفاصيلهما منذ صغرها، فدائما ما كانت تهتم بأسلوب تقديم أي شيء، وتحرص على إضافة لمسة جمالية إليهما، حتى حين تخرجت بعد حصولها على رسالة الماجستير والدكتوراه في الفلسفة الحديثة والمعاصرة.

وراوية عبد المنعم عباس؛ مفكرة وكاتبة مصرية، وأستاذة جامعية، وباحثة لا يشق لها غبار، ونموذج نادر وفريد للمرأة الاسكندرانية، والتي نجحت في أن تثبت ذاتها، فمن طفلة صغيرة تلهو على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، إلي امرأة قادرة علي صناعة العالم؛ وذلك عندما تمكّنت من خلق نموذج للمرأة يتجاوز مستوى الشكل، والذي ظهر في كتاباتها ومقالاتها ودراساتها في مجال الفلسفة عامة وفلسفة الفن وعلم الجمال خاصة.

وبرغم ذلك لم تحظ "راوية عبد المنعم عباس" مثـل غيرها بما هي أهل له من الاهتمام والتقدير الذي بتناسب مع جهودها،  فهي تنتمي للرعيل الثاني من رواد الفكر الفلسفي في جامعة الاسكندرية ومع ذلك فلا يعرفها إلا المتخصصون الذين درسوا علي يديها أو رجعوا إلي مؤلفاتها وترجماتها . وللأسف ليس بين أيدينا اية بيانات أو وثائق يمكن أن تكون عوناً لنا في رسم صورتها ولا نملك إلا شذرات قليلة لا تتعدي بضعة صفحات معدودة جاءت عرضاً في كتاباتها أو في سيرتها الذاتية .

والدكتورة " راوية عبد المنعم عباس " من مواليد 13/9/1951 بالإسكندرية، حيث حصلت علي درجة الليسانس من قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية "شعبة فلسفة" – دور يونيو عام 1973م بتقدير ممتاز، وحازت درجة الماجستير سنة 1979م، ومُنحت درجة الدكتوراه في عام 1983م، وأخذت تترقي في العمل الجامعي فنالت في 1995م علي درجة أستاذ مساعد، وفي عام 2003م مُنحت درجة الأستاذية، وخلال تلك الفترة أُعيرت إلي جامعة قاريونس بليبيا، ثم إلي جامعة الإمارات العربية المتحدة.

قال عنها العالم الكبير والمفكر الجليل الأستاذ الدكتور "محمد علي أبو ريان": "لقد درست السيدة الدكتورة "راوية عبد المنعم عبد الحليم عباس"، تحت إشرافي طوال مرحلة الليسانس، وتخرجت بتقدير جيد جداً، وكانت أولي دفعتها بقسم الفلسفة بجامعة، والحق أنها كانت في طليعة المتخرجين الممتازين علماً وخلقاً، ثم سجلت تحت إشرافي للحصول علي الماجستير في تاريخ الفلسفة العام، وكان تخصصها الدقيق هو " الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر "، وحصلت علي درجة الماجستير بتقدير ممتاز، ثم ما لبثت أن تقدمت لتسجيل الدكتوراه في نفس التخصص، حيث حصلت علي درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولي، وكانت طوال قيامها بهذه الأبحاث تعمل منذ تخرجها كمعيدة، ثم كمدرسة مساعدة بالقسم تحت إشرافي، وقد تولت مهمة التدريس منذ حصولها علي درجة الدكتوراه في تخصصاتها الدقيقة في " الفكر الحديث والمعاصر، بالإضافة إلي التخصصات العامة الأخرى، وفي مقدمتها " فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة"، وفي " تاريخ الفن "، كما كان لها حظ التأليف المشترك مع أستاذ زميل لها بالقسم، وكان قيامها بالتدريس في هذه التخصصات تحت إشرافنا ونشهد بنجاحها التام في أداء رسالتها في هذا الفرع من المعرفة الفلسفية، ولقد أفسحت دراسات الدكتوراه أمامها إلي تمكنها من تدريس مواد أخري كعلم الأخلاق وفلسفة الأخلاق، وكذلك فلسفة السياسة، ونحن في هذه التزكية، إنما نشهد بنجاحها التام في التدريس وفي صلتها بطالباتها وطلابها علماً وخلقاً . هذا بالإضافة إلي دأبها علي البحث وتوفرها علي العمل الاكاديمي، ونشر الأبحاث.

وللدكتورة " راوية عبد المنعم عباس " مؤلفات كثيرة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : ديكارت والفلسفة العقلية، مالبرانش والفلسفة الإلهية، بليز بسكال وفلسفة الإنسان، وجون لوك إمام التجريبية، والمذهب الحسي عند كوندياك، والموقف الفلسفي عند آلان وصلته بفن الحياة.. علاوة علي أن لها مؤلفات في مجموعة دراسات في الميتافيزيقا ونذكر منها : دراسات في الفلسفة العامة (رؤية بقضايا الفكر الفلسفي) وهي مجموعة أبحاث، وعالم الفلاسفة ( الفكر والحرية والمسؤولية ) وتضم مجموعة أبحاث منفردة، ودراسات في الميتافيزيقيا (مجموعة أبحاث).. كما لها أيضاً مجموعة دراسات في فلسفة القيم (فلسفتا الفن والجمال)، ونذكر منها : فلسفة البناء الاستطيقي عند ايتين سوريو-رؤية جديدة في فلسفة الفن المعاصر، والفن والحضارة، والحس الجمالي وتاريخ الفن- دراسة في القيم الجمالية والفنية، والقيم الجمالية، وفلسفة الفن وتاريخ الوعي الجمالي .. كما أن لها أعمال مشتركة نذكر منها : فصول من الفكر الفلسفي الحديث (بالاشتراك مع د. عبد الوهاب جعفر ود. صفاء عبد السلام)، والحس الجمالي وتاريخ التذوق الفني عبر العصور (بالاشتراك مع د. علي عبد المعطي رحمه الله).

واسمح لي عزيزي القارئ أن أقدم لك جانب من رؤيتها في شمولية تاريخ الفلسفة؛ وبالذات ما يتعلق بالإنسان والفن والجمال- هي في نظرها تمثل ثلاثية الحياة والمدخل إلي الوجود الحيوي ومفتاح حركة الكون وتطوره وسجل تاريخه وحضارته، فالصلة الحميمة الأزلية بين هذه العناصر الثلاثة في نظر "راوية عباس" هي التي تسجل البداية الموغلة في القدم لعهد الكائن البشري بهذا الكوكب .

إن الصلة بين أطراف هذه الثلاثية العجيبة في نظر "راوية عباس" تمثل الفعالية الأبدية والديالكتيك المتواصل بين الموجود والوجود أي الإنسان والبيئة الطبيعية والمادية المحيطة به كما تعبر عن عنصر الدوام والأبدية وتجسد الشغف بالتلاحم مع العالم والانفتاح عليه والولع به، وهي في ذات الوقت تعمق التأمل والتسامي الروحي الذي تقوم عليه عبادة المخلوق للخالق والتسبيح لحمده علي نعمه الكثيرة التي لا تحد آناء الليل وأطراف النهار باعتباره – سبحانه  - الخالق البارئ المصور الذي خلق الكون وأبدعه وفطر لإنسان علي العقل والتأمل وبث فيه التسامي والتوحد فأحب الجمال وعشق الكون وتغني به بما فطره عليه من إحساس بالجمال والجميل فالله سبحانه وتعالي يحب الجمال .

وإذا كان الإنسان هو الكائن الاجتماعي لميله الطبيعي إلي الاجتماع مع غيره من بني جنسه فهو كذلك في نظر "راوية عباس" الكائن العاقل المفكر والمنطقي لما حباه الله به من نعمة التفكير والتعقل وهو في ذات الوقت الكائن السياسي لميله إلي التواجد داخل حدود طبيعية وإقامة دولة لها نظام سياسي وبنفس الدرجة فهو الكائن الفني الذي يميل إلي الإبداع والخلق ويستخدم هبة التجديد والابتكار ليطوع المادة الطبيعية ويضعها في كل شكل فني وتقني لتيسير السيطرة علي العالم المادي وتكييف الواقع المعيش وفق متطلباته الخاصة  لإشباع حاجاته المادية والنفسية، والإنسان في نهاية المطاف هو المخلوق الجمالي الذي يمتلك حساً جمالياً فطرياً عالياً مثلما يمتلك جميع الملكات السابقة من التفكير والمنطلق وحب الاجتماع والحياة داخل جماعة سياسية وعشق الفن وابتكار الصناعة والاختراع، وهذا في نظر راوية عباس يأتي عالم الفن والجمال ليتوج بهما الإنسان مسيرة نضاله في هذا العالم، وهكذا ما نتلمس مدي عمق وحساسية الصلة بين هذا المخلوق وبين عالمي الفن والجمال؛ بحيث يمكننا أن نقول (كما تذكر د. راوية عباس) – دون مبالغة – إن عمر الفن وتاريخ الوعي الجمالي هو عمر الإنسان وتاريخ حياته فالإنسان هو ذلك الكائن الذي وهبه الله عز وجل القدرة علي الإحساس بالجمال وتذوق الفنون، ومن ثم القدرة علي الإبداع والخلق الفني الذي يتذوقه ويشعر به فيما يحيط به من مظاهر الحياة الطبيعية والمادية والتقنية من حوله وفي كل لحظة من لحظات الزمن، والإنسان لا يحيا مستقلاً عن عالمي الفن والجمال بل يستغرق فيهما بشكل تام فمنذ متي تجد الإنسان من الحركة والفاعلية والانفتاح علي الوجود؟ ومنذ متي توقف الإنسان عن الشغف بالجديد والبحث عن المجهول للكشف عنه ؟ ومحاولة الصنعة والابتكار؟ ومنذ متي كان الإنسان مقصراً في الأداء والفعل والعمل أو عاجزاً عن الإضافة أو الحذف والبناء أو التحوير والإنجاز والخلق والإبداع فمتي غفل الإنسان عن الإعجاب والشعور بالارتياح والغبطة لما تفعله يداه وتبدعه قدراته الخاصة.

إن الفن في نظر "راوية عباس" هو صناعة الإنسان وابتكاره والجمال هو الإحساس الذي يسري في نفوسنا متي استمتعنا برؤية الجمال والجميل يتوزع في حياتنا التي يغمرها في جميع مظاهرها وألوانها الطبيعية أو الصناعية .. وعلي الرغم من تجسد الفن في نظرية الإيداع والأثر الفني بصفته دراسة تتميز كما تقول "راوية عباس" بالطابع العلمي كما ا، الجمال سواء كان دراسة للقيمة والحس الجمالي أو كان بمعني الاستطيقا الحديثة ذات الطابع العلمي أيضاً فإنها تعني دراسة الحكم الجمالي والذوق عند المتلقي أو المتذوق كما أن كل منهما يبدو متلاحماً مع الآخر ومتواصلاً، بل إن صح التعبير مستغرقاً في الآخر فلاشك أن فلسفة الفن تتصل كما تقول "راوية عباس" بالجمال عن كثب كما أن الأخير يتصل اتصالاً وثيقاً بتاريخ الفن وفلسفته حتي أن الاتجاهات الحديثة في دراسته العلمية تنحو إلي تعريف الجمال بأنه " كل تفكير فلسفي في الفن"، كما أنه لا يوجد من درس جماليات بدون الرجوع إلي الأعمال الفنية كي يتمكن من الوصول إلي تحديد صحيح للجمال مما يوثق الصلة بينهما، وبالتالي يمكن أن نعد تاريخ الفن كما تقول "راوية عباس" بمثابة تاريخ الوعي الجمالي عند الإنسان ذلك الجمال الذي يمثل إحساساً بالنشوة يسري في نفوسنا متي استمتعنا بمشاهدة الجمال يتجسد في حياتنا يغمرها في جميع مظاهرها وألوانها الطبيعية أو الصناعية.

إن الجمال في نظر "راوية عباس" هو ذلك اشكل من أشكال الفكر المنعكس علي نشاطه الذاتي، وهو الذي جعل الإنسان يشيد المساجد والكنائس والمعابد والكاتدرائيات والقصور، كما ينحت التماثيل والجدران والمسلات ويرسم اللوحات ويؤلف الألحان والأنغام والسيمفونيات كما ينظم الأشعار والأزجال وغير ذلك من ألوان الفنون .

وما من شك في أن الرسام كما تري "راوية عباس" الذي يمسك بريشته ليرسم لعاصفة أو النحات الذي يكد في نحت التمثال الجميل، إنما استمد مقومات فنه من بين أحضان العالم المحيط به الذي يمثل البداية الحقيقية لميلاد الجمال وهو بداية الإحساس به كما أن رؤية الطبيعة الساحرة وهي تنبض في أبهي صورها خلال الزمان والمكان هي تجسد له وتدفق للشعور به في أعماقنا.

إن الجمال كما تقول "راوية عباس" يبدو أمامنا سابح في الكون ومرأي فيما نتأمله من جمال في مظاهر العالم الطبيعي من جمال الأزهار وتناسق الأشجار وأشكال وألوان النباتات الزاهية وأصوات تغريد الطيور وأضواء القمر والشمس، وفي صوت صرير الماء وخفيف أوراق الشجر وهمس النسمات العابرة وهكذا يبدو الكون كما تري "راوية عباس" الكون في أجمل صورة فيستمتع الإنسان بجمال الخالق في خلقه .

إن الفن والجمال في نظر "راوية عباس" دعوة إنسانية تخاطب وجدان الإنسان العقل، وهي غذاء الروح والشعور والحس الجمالي دليل علي السمو والارتقاء وقرينة علي الوجود الفاعل للإنسان وكده وصراعه وفلاحه في هذا العالم فهو يعجز عن السيطرة علي العالم الجامد الصامت أمامه ما لم يستمد من خياله الرحب الحيل الفنية والتكتيك الجمالي المنظم والمنسجم فيتناغم مع عالم المادة وينتصر عليه ولا يفلح الإنسان في السيطرة علي الواقع ما لم يتمكن من السيطرة علي عالم الماديات وتشكيلها لمصلحته الخاصة وذلك في شكل فني وجمالي ..

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور "راوية عباس" بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكرة مبدعة في الفلسفة، ونموذج متفرد لأستاذه جامعية نذرت حياتها بطولها وعرضها لخدمة الفلسفة والثقافة العربية، وأثرت حياتنا الفكرية بكل ما قدمته من جهود.

تحيةً مني لراوية عباس التي  لم تستهوها السلطة، ولم يجذبها النفوذ ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف تبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

1473 شيفالترجمة: سوران محمد

ولد أوكتافيو باث لوزانو في 31 مارس 1914 في مدينة مكسيكو. درس في كلية ويليامز، لكن بسبب دعم عائلته لزاباتا شردوا إلى المنفى في الولايات المتحدة الأمريكية بعد اغتيال زاباتا. تعرف أوكتافيو علی الأدب بواسطة مكتبة جده التي امتليئت بالكتب عن الأدب المكسيكي والأوروبي. في بدايات الكتابة تأثر بـكتاب کالـ : جيراردو دييغو وخوان رامون خيمينيز وأنطونيو ماتشادو وهم من الكتاب الإسبان المشهورين. كما كتب ونشر قصائده الاولي تحت تأثير د.هـ. لورنس بما في ذلك 'عصر كابال' و کان لورنس نفسه معجبًا بالفن والثقافة والأدب المكسيكي.

لقد كتب أوكتافيو باث بعد ذلك 'لونا سيلفستر/القمر الجامح'  الذي حصل بواسطته علی سمعة وإشادة أدبية واسعة، في عام 1932 عمل محررا في مجلة باراندال الأدبية التي شجعت العديد من الكتاب المكسيكيين الشباب. بحلول عام 1939 بدء شهرتە بالانتشار وعرف أوكتافيو باث في حينه كشاعر مكسيكي بارز. في عام 1935 أسس مدرسة في ميريدا والتي كانت مخصصة لأطفال الطبقة العاملة. كما تتجلى إنسانيته الليبرالية في قصيدته الطويلة 'بين الحجر والزهرة' والتي قد کتبت تحت تأثير أعمال للشاعر الانجليزي المشهور /تي، أس، أليوت/ وتعبر هذه القصيدة عن محنة الفلاحين المكسيكيين في ظل الاقطاعيين. في عام 1937 دعيت كمندوب إلى المؤتمر الدولي الثاني للكتاب والدفاع عن الثقافة في إسبانيا، حيث أظهر تضامنه مع الجمهوريين الذين كانوا يحتجون ضد الفاشية آنذاك، ولدی عودته من إسبانيا بدء بأصدار مجلة أخرى بعنوان 'تولير' والتي کانت تحتوي علی قصائد وقصصا ومقالات للكتاب الأسبانيين  المعاصرين. في عام 1938  تزوج /إيلينا غارو/  والتي تعتبر واحدة من الكاتبات المشهورات في المكسيك (وبعد عقدين من الزمن تفارقا عام 1959 ليتزوج بدوره الرسامة الإيطالية بونا تيبرتيلي دي بيسيس).

في عام 1943  حصل أوكتافيو علی زمالة غوغنهايم التي نقلته إلى جامعة كاليفورنيا في بيركلي، ثم انضم إلى السلك الدبلوماسي. في عام 1962  تم تعيينه سفيرا مكسيكيا في الهند، هناك وبالاخص في دلهي العاصمة انضم إلى جماعة من كتاب هنود، وخاصة الكتاب المعروفين باسم "الجيل الجائع" وكان له تأثير عميق عليهم.

من 1970 إلى 1974  كان عضوًا متميزًا في جامعة هارفارد حيث شغل كرسي تشارلز إليوت نورتون. بعد ذلك حصل على جائزة القدس للأدب تلتها جائزة نويشتاد الأدبية الدولية في نورمان- أوكلاهوما. وأخيرا حصل علی جائزة نوبل للآداب في عام 1990 والتي كانت تتويجا لأعماله النادرة وقيمتها الأدبية المتميزة.

وهذه عنوانات بعض مطبوعاته الشعرية:

حجر الشمس/ ١٩٥٧

التيار المتناوب/ ١٩٧٣

١٩٧١ التصنيفات/

١٩٦٣ متاهة العزلة/

المكسيك الآخر/ ١٩٧٢

القوس واللير

القوس والقيثارة

القصائد المبكرة 1935-1955

القصائد الجامعة: 1957-1987

يُعرف أوكتافيو باث بدوره وبتكريمه المتوهج للشعر وله كلمة مشهورة عن الشعر حين يقول: : "لا يمكن أن يوجد مجتمع بدون شعر، ومع هذا لا يمكن أن يعرف أي مجتمع بالشعر فقط، أو أنه ليس مجتمعا شعريًا أبدًا. في بعض الأحيان يسعى المصطلحان إلى الانفصال لكن هذا الامرغير ممكن.

توفي الشاعر المشهور باث بمرض السرطان في 19 أبريل عام 1998 عن عمر ناهز 84 عامًا في مدينة مكسيكو بالمكسيك. فيما يلي مقتطفات من محادثة أجريت معه بعد إعلان حصوله علي جائزة نوبل:

يقول البروفيسور شيف. ك. كومار عنه: لم أر رجلا وسيما كـ أوكتافيو باث. كان طويل القامة، مع بشرة داكنة شيئا ما، وجبهة عريضة، وشعر لامع غامق مفترق في المنتصف، وعينان تأثرتا بفضول لا تشبع. وكان نحت وجهه كالمنحوتات اليونانية، وأشعاره مشحونًا بالعواطف المتهيجة، والصور المدهشة والاستعارات  والإيقاع الذي يتدفق مثل مجرى سيال.

التقي البروفيسور شيف. ك. كومار به للمرة الأولى عام 1982 في نورمان حيث كان أستاذاً زائراً للأدب الإنجليزي في جامعة أوكلاهوما. قال شيف: خلال إقامتي هناك، دعاني إيفار إيفاسك، مدير جائزة نويشتاد الأدبية الدولية، التي أقيمت بالاشتراك مع مؤسسة نيوستادت والجامعة، إلى العمل كأحد مساعديه، عندما تم استضافة أوكتافيو باث الی مأدبة على شرفه، عرفني إيفاسك بأوكتافيو وقال له اني شاعر وأكاديمي من الهند. حينها كنت متحمسًا جدا للجلوس بجانبه على الطاولة العالية، ثم تبادلنا الحديث..

"كم كنت أتمنى لو قابلتكم في دلهي، عندما كنت سفير المكسيك في الهند"+ سألته بدءا:

"الزمان والمكان يقررهما الاله. كل شيء مكتوب بأبراجنا "- باث:

+ البروفيسور: أنت تتحدث مثل حكيم هندي، قلته..

- أومأ باث برأسه. "هذا ممكن. خلال وجودي في الهند قرأت كتبا كـالـ: غيتا ومهابهارتا ورمايانا.

"+ البروفيسور: السيد باث، يبدو أنك استمتعت بإقامتك في الهند

- باث: استمتعت؟ 'قاله للتأكيد' لقد وجدت كل شيء رائعا في الهند - جبال الهيمالايا، ونهر الغانج، والمعابد، والغيوم الموسمية المظلمة التي كانت تجوب سماءا مكثفة بالغيوم.. لكن أكثر ما فتنتني كانت النساء، بشعرهن اللامع الطويل، والعيون التي کانت تشبه عيون الظبية، ومغطاة الساري التي كشفت عن سرتهن. لقد كان الأمر محيراً للغاية  ومغرياً..

 

...................

المصدر

The Punch مجلة البانج الادبية باللغة الانكليزية.

 

عبد الصمد البلغيثيمؤخرا خرجت المملكة العربية السعودية تلمح إلى إمكانية إلغاء موسم الحج لهذا العام إذا لم ينحسر إنتشار وباء كورونا.

الأمر الذي فاجئ الكثير وجعلهم يعتبرون أنه لأول مرة في تاريخ المسلمين سوف تتوقف الصلات والعمرة في المسجد الحرام، وقد ظهر ذلك واضحا في التعاليق والصور التي تداولها رواد مواقع التواصل الإجتماعي بالواتساب والفايسبوك ومدمنو قنواة اليوتيوب، مما يدل على أن الجيل المعاصر من رواد هذه المواقع ليست له دراية بتاريخنا الإسلامي وبكثير من الأحداث التي تميز بها.

علينا أن نعلم أن توقيف الشعائر الدينية وخاصة بالمسجد الحرام، ليس بالأمر الجديد، بل هو حدث تكرر كثيرا في تاريخ هذا البيت المقدس عندنا، وإن كان ذلك غائبا عن الأجيال الجديدة التي تسكن مواقع التواصل الإجتماعي، حيث أصبحت ضحية ثقافة سطحية وغياب معرفتها بتاريخنا الإسلامي، وهي مشكلة أخرى بتلينا بها في زمن الرداءة هذا.

تذكر المصادر التاريخية أن الحج والعمرة توقف أكثر من أربعين مرة، ولفترات طويلة وصلت أحيانا إلى ثلاثون سنة من التوقف، وفي مرات دام التوقف أياما معدودة، وتختلف أسباب التوقف بين الكوارث وانتشار الأمراض بين الحجاج، والأزمات السياسية والحروب مما يمنع تنظيم فريضة الحج أو العمرة والصلات بالمسجد الحرام.

وسوف نخصص هذا الموضوع للحديث عن الأسباب السياسية ومن بينها حدث قريب منا وهو:

- حادثة عام 1979م وفيها إستولة جماعة إسلامية تسمى الجماعة السلفية المحتسبة، على المسجد الحرام عن طريق عناصرها المسلحة وكان عددهم 200 شخص، وقتلوا الكثير من رجال الأمن والعمال بالمسجد، ودام إحتلاله أسبوع قام فيها أمير الجماعة الشيخ جهيمان العتيبي بتوجيه خطاب للمسلمين يعظهم ويدعوهم للتخلي عن البدع والعودة إلى الإسلام حسب فهم الجماعة، كما حذرهم من قيام الساعة وأن شروطها قد إكتملة، وبشرهم بمجيئ المهدي المنتظر، ومعلوم أن هذه الجماعة أنشقت عن السلفية الوهابية المذهب الرسمي للدولة السعودية واختلفت معها كثيرا، غير أن الطريف في الأمر طلب السعودية من فرنسا التدخل والمساعدة في تحرير المسجد الحرام من المسلحين، الأمر الذي إستجابة له فرنسا من خلال إرسال ضباط مكافحة الإرهاب مجهزين بأسلحة وغازات، إستطاعوا من خلالها قتل بعضهم وأسر الأخير. المهم أن هذا الحددث صدم المسلمين في أنحاء العالم وأخرج الكثير من الإحتجاجات، وأحرج الأسرة الحاكم في السعودية لأنها تقدم نفسها كخادمة للحرم الشريف والحادث بين مدى تقصيرها في خدمته وحمايته.

- مذبحة جبل عرفة عام 865م، ذكرها الإمام الطبري في كتابه:"تاريخ الطبري"ج/7،ص492، ويحكي أن الأمير إسماعيل بن يوسف العلوي خلال حربه مع الخليفة العباسي، شن هجوما على مكة وبالضبط على جبل عرفة والناس حجاج، فقتل الكثيرين منهم مما جعل موسم الحج يتوقف، يقول الإمام الطبري: "ظهر إسماعيل بن يوسف بمكة...وقتل الجند وجماعة من أهل مكة...وأخذ ما كان في الكعبة من ذهب وما في خزائنها من ذهب وفضة والطيب وكسوة الكعبة...وأنهب مكة وأحرق بعضها"، وهو ما جعل الناس تتخوف من تنظيم مناسك الحج لمدة طويلة لغياب الأمن والإستقرار.

-مجزرة القرامطة سمة 317ه، تتلخص الصورة البشعة لهذا الحادث الذي جعل مناسك الحج تتوقف لأكثر من 20 سنة، في مقتل 30 ألف حاج في يوم واحد، مع هدم الكعبة وسرقة الحجر الأسود وردم بئر زمزم بجثة الحجاج.

صورة يصعب علينا تخيلها لكنها وقعت للأسف في أكثر الأماكن قداسة وأمنا في وجدان المسلمين، وتتلخص هذه الواقعة في أن أبو الطاهر القرمطي وهو ملك دولة القرامطة بالبحرين، كان في صراع سياسي مع الخليفة العباسي حول الأحقية بالخلافة، وكثرة بينهم الحروب وأشتد الصراع إلى أن حدث ما لم يكن متوقعا، حيث قاد القرامطة جيشا سنة 317ه نحو مكة أثناء موسم الحج وقتلوا والي مكة وشيوخها، و30 ألف حاج، وقد ذكر هذه الواقعة وأفاض في وصفها الإمام شمس الدين الذهبي في كتابه سيرة أعلام النبلاء وقال: "أبو الطاهر القرمطي... الذي سار إلى مكة في سبعمائة فارس، فاستباح الحجيج كلهم في الحرم واقتلع الحجر الأسود، وردم زمزم بالقتلى، وصعد على الكعبة وهو يصيح:

          أنا بالله وبالله أنا     يخلق الخلق وأفنيهم أنا

ثم إن الذهبي يحكي أنه بعد أن هشم الحجر الأسود وأقتلعه من مكانه، أرسله إلى البحرين عاصمة دولة القرامطة، وبقى أكثر من 20 سنة حتى تدخل الخلفاء العباسيون بمشقة وافتدوه بالأموال الطائلة، وأعادوه لمكانه بمكة.

ويضيف الذهبي في كتابه:"دخل أبو الطاهر القرمطي سكران على فرسه وبال على الكعبة، وضرب الحجر الأسود بدبوس، وهشمه ثم إقتلعه، وأقام بمكة إحدى عشر يوما وبقي الحجر الأسود عنده عشرون سنة.".

علينا أن نعلم أن القرامطة فرقة إسلامية، إنشقت عن المذهب الإسماعيلي بالعراق، ودخلت في صراع مع الدولة الفاطمية التي تعتنق أيضا المذهب الإسماعيلي، غير أن الفاطميون أسسو دولتهم بتونس وشمال إفريقيا، والقرامطة نجحو في نشر مذهبهم في البحرين وشكلو دولة قوية بها، فطمعوا بالخلافة ونشر دعوتهم الدينية، ونجد خلاصة مذهبهم عند الإمام عبد الكريم الشهرستاني في كتابه الملل والنحل، والإمام عبد القاهر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق، ويظهر أنهم باطنيون يقسمون الشريعة إلى ظاهر وباطن ويقولون بالتأويل، غير أن مذهبهم تعرض كثيرا للتحريف من طرف مخالفيهم ويصعب العثور على نص يقدم مذهبهم بشكل موضوعي، لأن أغلب من أرخ لهم كان من المخالفين وأصحاب المذاهب الأخرى.

ويقول الإمام الذهبي أيضا عن أبو الطاهر القرمطي أنه عندما دخل المسجد الحرام، صاح بجيشه: "أجهزو على الكفار وعبدة الأحجار ودكو أركان الكعبة وأقلعوا الحجر الأسود"، ويقصد بذلك الحجاج وهم يطوفون بالكعبة، صورة تبدوا صادمة لنا. خصوصا أن الصراع كان بين مذاهب وشخصيات تنتمي للإسلام، لكن لكل واحد منها فهمه وتأويله.  

 

عبد الصمد البلغيتي

كاتب/المغرب

 

داود السلمانالامم التي تقتُل علماؤها ومفكريها وفلاسفتها، لا تكون أمة حية وتنطق بالوعي، وتسير تحت ظل الوجدان، والضمير اليقظ، فهي لا تمتلك شيء من حنكة العقل جناح بعوضة، فضلاً عن كونها أمم ميتة تسكن تحت تراب العدم، يذكرها التاريخ في صفحات الظلام، ثم يلعنها كأمم ظلامية. يذكرنا التاريخ من باب تبيان حجم القيم الزائفة التي تبنتها شخصيات هزلية فكريا، وتافهة من منطلق الانسانية؛ لكنها حكمت شعوبها التي عاشت بين ثناياها بهدف الهيمنة السياسية وبناء مجد زائف، لتحقيق غرور هو كالخيال الذي تغيب عنه الشمس.

الظلاميون، لا يفترقون من حيث العينة العقلية والشكلية، ولا من حيث نوع المتبنيات التي يمتلكونها ويسيرون على وفق خطاها، ولا من حيث الانتماء الديني، أو العرقي، أو القومي، أو ما شاكل ذلك؛ فالأمر سيان.

الظلاميون مركبين وفق اطار خارجي، معدة استراتيجيته الظاهرة لقتل واقصاء واضمحلال، وتفتيت بذور انسانية، تُقصي وتمحي كل من يقف ازاء ايديولوجيتها ومتبنياها الفكرية والمبدئية والتسلطية. فهم، حينما يقتلون تلك العقول المشعّة بالضياء، هو لدرأ زحف نور ذلك الضياء المُشع كي لا يفضح ظلامهم، فتظهر عورات اذهانهم الهرمة، وعقلياتهم الساذجة، وافكارهم الذاوية، فيسقطون في بحر الرذيلة وتأخذهم امواج الدنس، فلا تقبلهم حتى تلك الكهوف التي خرجوا منها.

هذه الصفات تنطبق على كثير من الطغاة، قديمًا وحديثاً، وهم في كل عصر وزمان، لهم وجود، سواء في زمن سقراط الذي يحكموا عليهم بتجرع كأسٍ من السُّم التي قضى فيها نحبه، بتُهم جوفاء، أو بزمن برونو، الذي احرقوه بالنار وهو حي، يوم كان الطغيان يتمثل برجال الكنيسة، زمن محاكم التفتيش، أو زمن صلاح الدين الايوبي، الذي قتل السهروردي الفيلسوف المتصوّف، الذي عُرف بفيلسوف الاستشراق؛ وحتى قتل الحلاج الصوفي الذي قال بوحدة الوجود، فقتل ابشع قتلة.

والذي اثار غيضي وحنقي، وانا أطالع في المصادر المختلفة، أن بعضهم كان يمدح القاتل (صلاح الدين)، ويثني عليه، ويذم المقتول (السهروردي)، ويتحايل عليه!. ونحن في زمن تعدد الثقافات، وعصر هيمنة الوعي على الجهل. لكنه، يظهر، أنه لازال البعض منّا يعيش عصور التخلف والجهل التي اطبقت على عقول الناس حقبًا طويلة، وسنوات مريرة، كأن الانفتاح الذي يشهده العصر الحاضر لم يطرق ابوابهم!.

من هو السهروردي؟

أبو الفتوح، شهاب الدين، يحيى بن حبش بن أمِيرَك، فيلسوف وحكيم، ولد بسُهرَورد إحدى قرى زنجان في إيران، ولهذا سمي بالسهروردي. درس الفقه والفلسفة والتصوف، وكان يحب السفر والاختلاط بالعلماء للأخذ منهم بما يرغب ويريد من علوم، ولحسن ذائقته ولفطنة لبُه كان يستوعد من العلوم احسنها، ومن المعاني الطفها، فغاص في علم التصوف، والفلسفة وصار معروفا بين الاوساط العلمية والصوفية، وله اصحاب، واخذ يناقش العلماء واصحاب الكلام في مختلف القضايا الكلامية والفلسفية والخلافية. فحسده من حسده، وبغضه من بغضه، وخصوصًا رجال الدين المقربين للأمراء والحكام، المعروفين بوعاظ السلاطين.

السهروردي بدأ حياته في طلب العلم- كما جاء في الموسوعة العربية- فانتقل إلى مراغة في أذربيجان حيث تلقى فيها أصول الحكمة والفقه على مجد الدين الجيلي، إلى أن برع فيها، وكان للجيلي تلميذ نابهٌ آخر هو الفخر الرازي، جرت بينه وبين السهروردي مناظرات ومساجلات، ثم ارتحل إلى أصبهان، واستقر مدة في الأناضول (تركيا) في بلاد الأمراء السلاجقة، ثم وصل إلى سورية.

وقد وصفه ابن ابي اصيبعة في (طبقات الاطباء) بقوله "انَ أوحدا فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة، جَامعا للفنون الفلسفية، بارعا فِي الْأُصُول الفلكية، مفرط الذكاء، جيد الْفطْرَة، فصيح الْعبارَة. لم يناظر أحدا إِلَّا بزه، وَلم يباحث محصلا إِلَّا أربى عَلَيْهِ. وَكَانَ علمه أَكثر من عقله".

تأثر السهروردي بالأفلاطونية الحديثة، الفلسفة المنسوبة الى فلوطين ذلك الفيلسوف الذي عاش حياة روحية فذة، وكان له مدرسة واسعة، كان فيها اثر عميق على المتصوفة من الذين تبنوا هذه الطريقة أو الفلسفة، ومنهم السهروردي الذي نتحدث عنه. واهم كتاب تركه فلوطين هو كتابه المعروف بالتاسوعات، ويحتوي التاسوعات على فكار فلوطين الحكمة، كنظرية المعرفة. كما أن فلسفة ابن سينا الاشراقية لا تخلو من تأثيرها على روحية وذهنية السهروردي، لأن المدرسة السينوية ظل تأثيرها على المدارس الفلسفية التي جاءت من بعدها، تأثيرا قويا، كان ولا زال كالمعين العذب يرتشف منه الجميع.

ويذكر سلامة موسى في كتابه "حرية الفكر وابطالها في التاريخ" اثنا حديثه عن السهروردي "أنه لا يعرف التاريخ الصحيح شيئًا عن مولده وطفولته، وإنما هو يقدمه إلينا شابًّا مشردًا بين بغداد وأصبهان وحلب، ثم ينبئنا هذا التاريخ بأنه بينما كان السهروردي يطوف هذه البلاد الإسلامية ناشرًا مذهبه بلغ أمره صلاح الدين، ونقل إليه أنه ضال مضل يُبدل في دين الله ما شاء له هواه، فبعث إليه ابنه أن يقتله ففعل، وكانت وفاته في سنة ٥٨٧ھ، وكان عمره إذ ذاك ثمانية وثلاثين عامًا، وقد جعل ذلك المؤرخين يستنتجون أنه وُلِد حوالي سنة ٥٤٩ھ، ولا يزال قبره يُزار إلى الآن، وتسميه الجماهير بالشيخ المقتول".

وأنا اطالع بعض المصادر التي تتحدث عن السهروردي، أنهم لا يمتلكون معلومات عن أسرته وبعض من بداية حياته، وكيف عاش، ومن هم اوائل اساتذته الذين تتلمذ على ايديهم، فيظهر أنه كان ما أسرة بسيطة، ليست لها مكانة مرموقة في الاوساط العلمية أو الثقافية أو الاجتماعية أو غيرها، لكنه الوحيد الذي بزغ من هذه الاسرة ليصبح فيما بعد ذو شأن، فهو فضلا عن كونه فيلسوف ومتصوف، فقد كان ايضا شاعرا، وشعره يمتاز كله بالمسحة الفلسفية الصوفية؛ وهذا يدلنا على أنه قد طالع كثير من الشعر، وتأثر بأجوده، فله ديوان شعر كبير ووضع له بعض المختصين شروحات تناسب حجم اهمية تلك الاشعار.

وكان دائما ما كان يردده مقولته: "الفكر في صورة قدسية، يتلطف بها طالب الأريحية، ونواحي القدس دار لا يطؤها القوم الجاهلون، وحرام على الأجساد المظلمة أن تلج ملكوت السموات، فوجد الله وأنت بتعظيمه ملآن، واذكره وأنت من ملابس الأكوان عريان، ولو كان في الوجود شمسان لانطمست الأركان، فأبى النظام أن يكون غير ما كان".

شيء من فلسفته: العالم

بحسب سلامة موسى أن العالم عند السهروردي قُسم إلى قسمين: عالم النور، وعالم الظلام، فالأول هو العالم الروحاني الأعلى المنير، وعلى رأسه الإله الذي يدعوه بنور النور، ويلي هذا الإله في المكانة عقول الكواكب، وهو يسميها الأنوار القاهرة أو الحاكمة أو السائدة، وتليها العقول الأخرى ويسميها الأنوار فقط.

والثاني هو عالم المادة والوضاعة والرداءة، وأشخاص هذا العالم تُدعى عنده بالأوثان أو بالبرازخ".

وبعد هذا التقسيم يعلق موسى بقوله: "وكيفية صدور الموجودات عن الإله هي أنه قد انبثق إشراق واحد من نور النور، وهذا الإشراق الأول، أو النور الحاكم الصادر عن الإله هو عين ما كان ابن سينا يدعوه بالمعلول الأول، وهذا النور على إثر صدوره ينظر إلى بارئه وإلى ذاته فيجد نفسه مظلمًا بالنسبة إلى الإله، ومن هذا ينشأ البرزخ الأول، وهو ما كان ابن سينا يسميه بجسم الفلك الأول أو الفلك المحيط، وعلى هذا النظام تصدر الأنوار والبرازخ الأخرى، وهذه البرازخ تتحرك بتأثير الأنوار حركةً تجعل الأنوار قاهرةً والبرازخ مقهورةً، وهكذا يظل النور ينتشر نازلًا حتى يعم عالمنا على النهج الذي رأيناه في العالم الأعلى، أي إن كل عقل إنساني يمثل في برزخه العقول العليا في برازخها".

وفي وصفه للنفس يقول السهروردي:" الانسان لا يغفل ابدا عن ذاته، ولكن قد يغفل احيانا عن جزء من جسمه أو عضو من اعضائه، لو كانت ذاته هي مجموع اجزاء جسمه لما كان شاعرا اثناء عدم شعوره بأي جزء من جسمه، وأذن فالنفس وهي محل الشعور شيء آخر غير الجسم ذاته".

اسباب القتل:

واما اسباب قتله، كما يذكر ابن خلكان، ذلك هو أنه كان "يعتقد بمذهب الحكماء المتقدمين" يعني بذلك أنه يعمل بالمنطق والتصوف والفلسفة، وحريٌ بمن يُتهم بهذه التهمة أن يستبيح دمه وماله وعرضه، لأن اليافطة التي يرفعها الحكام ورجال الدين وقتئذ هي "من تمنطق فقد تندق"، وهذا الشعار لا زال ساري المفعول، ولو كان الامر يعود لهم لكانت المقصلة لم تنم ساعة.

والسبب الحقيقي، أنه حينما حضر بين يدي السلطان كان ثمة مجموعة من الفقهاء، قد بُعث اليهم، فدار حوار ساخن بينهم وبين السهروردي، وعلى ما ذكر أكثر من مؤرخ وباحث هو أن السهروردي اجابهم على كل الاسئلة التي طرُحت عليه فأجابهم بإجابات فائضة وافحمهم، حتى ذُهلوا واصابتهم الحيرة والانكماش النفسي، وبان عجزهم عن رده، الامر الذي دلّ على سعة علمه وكثرة معرفته.

ولعل من اهم المسائل التي طرحت في تلك الحوارية، هي أدلة الاشراقيين حول وجود الله" إذن أن إله الاشراقيين لا يثبت بالقول الشارح المؤسس على الحجج المنطقية والدعم بالأسانيد الفكرية، انما يتجلى في نفوس المتنسكين تجليات فردية خاصة تشعر كل واحد منهم على حدى وفي داخل روحانيته الشخصية بذلك الوجود النوراني الباهر الذي يشع في داخل النفس فيغمرها في حالة غير عادية لا تتمشى مع اساليب العقل السائد". (الله نور السموات والارض). كمصداق.

ثم إن الفقهاء قرروا، أخيراً، التخلص من السهروردي، لأنه صار يشكل مخاطر جسيمة عليهم، فكفروه وقالوا بزندقته: "إِن هَذَا الشهَاب السهروردي لَا بُد من قَتله وَلَا سَبِيل أَنه يُطلق وَلَا يبْقى بِوَجْه من الْوُجُوه. وَلما بلغ شهَاب الدّين السهروردي ذَلِك وأيقن أَنه يقتل وَلَيْسَ جِهَة إِلَى الإفراج عَنهُ اخْتَار أَن يتْرك فِي مَكَان مُفْرد وَيمْنَع من الطَّعَام وَالشرَاب إِلَى أَن يلقى الله تَعَالَى فَفعل بِهِ ذَلِك. وَكَانَ فِي أَوَاخِر سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة بقلعة حلب وَكَانَ عمره نَحْو سِتّ وَثَلَاثِينَ سنة".

 

داود السلمان

 

راضي المترفيفي زمن الحجر الصحي المفروض جراء جائحة (الكورونا) اللعين تضيق مساحة الحركة حد الاختصار على غرفة النوم وغرفة الطعام والحمام وجراء ذلك تتزاحم الافكار حد التشتت لكن الملل الذي هو ابن شرعي للحجر يمتلك قدرة على التهام كل نشاط او تفكير خلاق دافعا بك للركون متقوقعا على سرير سأمته وسام منك بلا حول ولا قوة لكن هناك نوازع تمرد في الروح ترفض الركون وتحاول كسر الرتابة والبحث عن مايحقق بعض الرغبات ولايهم ان كانت مؤجلة او وليدة الحجر وكانت من ضمن هذه الرغبات الخوض في اوراق اشهر الصعاليك الشعراء في عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي وهو الشاعر (مكطوف حسن سلمان نهير اللامي) المعروف باسم (جودت التميمي) المولود في لواء العمارة قضاء علي الغربي عام 1935 وقدم الى بغداد في عام 1961 وسكن مدينة الثورة لكنه لم يمكث فيها طويلا بسبب غرس (الصعلكة) المبثوث في روحه والمتحول الى هاجس يسير به مسرعا الى اللاغاية واستقر مؤقتا في اقاربه في منطقة (الوشاش) ومن هنا يؤرخ رفيق دربه وصديقه يعقوب زامل الربيعي:

(عام 1961 كان لقائي به أول مرة . لم يمضي على ذلك اللقاء سوى أيام حتى تحول الى صداقة قوية وعمل مشترك . صحيح ان تلك العلاقة لم تدم سوى خمس سنوات متواصلة الا انها شكلت جزءا هاما من أرشيف حياة شاعر وفنان وخطاط وممثل وصاحب صوت غنائي، ونموذج لأحد صعاليك الوسط الفني في العراق . في ذلك العام عرفته في بيت من بيوتات مدينة الوشاش ملتجأ بفي أسرة من أولاد عمومته وأقربائه المعروفين هناك، بعد هروبه من منطقة " المسيب " نتيجة محاولة سلطة عبد الكريم قاسم اللقاء القبض عليه " لتورطه " في أحداث محاكمة " حسن الركاع " غير الرسمية لبعض المشتبه بهم من البعثيين والقوميين بالتحضير لتحركات عسكرية وحزبية ضد حكومة ثورة 14 تموز 1958 ولتصفية بعض كوادر الحزب الشيوعي هناك  في تلك الفترة كان جودت التميمي الذي نشط مع شيوعيي المنطقة في كتابة الشعارات على اللافتات ونظم القصائد السياسية التي كان يشاركون فيها في المسيرات الجماهيرية والتجمعات المهنية خلال فترة حكم عبد الكريم قاسم . ولما كنت وانا الشاب المتحمس في مثل تلك الفعاليات فقد توطدت علاقتي بالشاعر من خلال أحد أبرز الشيوعيين في الوشاش المدعو يوسف الخياط والملقب بابي مصدق، خال أبناء عمومة الشاعر . ولكون جودت كان ضيفا غيردائـم بين هؤلاء فقد أزدادت ضيافتي له في فترات غير منتظمة، غير انها أنتظمت بعد حادثة معروفة في حينها . ويؤرشف الاستاذ يعقوب زامل الربيعي الحادثة المذكورة بما يلي: (كان يوما في أواخر عام 1961، مشهودا في حياة عائلتي، ساهم جودت التميمي بصناعته الأمر الذي جعله يصبح فيه أحد افرادها، عندما كتب طلبا بأسم والدتي الى برنامج " صندوق السعادة "كان مقدمه انذاك فخري الزبيدي للاشتراك فيه، ولكون البرنامج مخصص لربات البيوت خاصة فقد ظهرت والدتي على الشاشة في البرنامج المبث على الهواء (يومها لم يكن الفيديو معروفا في تلفزيون العراق) وبعد أسئلة بسيطة فازت بالأجابة عنها لتخير بين الصناديق لعلها تعثر على صندوق " السعادة " فكان بالفعل فتحا لسعادة غير معهودة حين أختارت الصندوق رقم (5) لتحصل على الجائزة الأولى والتي كانت عبارة عن كيس تمن وتنكة دهن مقدمة من وزير الزراعة انذاك . الرقم السعيد الذي فتحته المرأة الريفية بغلفة عن الزمن لم يقفل على تلك الهدية فقط . فعندما تهلل وجه الفائزة بالحبور طلب المقدم من زوجها ان يحضر بسيارة تاكسي ليساعد زوجته في حمل المتاع السعيد، ولما أخبرته بأنها أرملة تكدر جو البرنامج قليلا لتأتي منحة عبد الكريم قاسم بدار لتلك الأرملة مع مائة دينار . لما كان جودت التميمي سببا لهذه المنحة الكبيرة ولكونه صديقا سابق لي ولعائلتي، فقد تم أضافته لباقي أفرادها . ومن خلاله تعرفت بالعديد من المطربين والشعراء من كتاب الأغنية في مقدمتهم المطرب والملحن الفنان قاسم عبيد الذي غنى للتميمي أغنية "اني عندي كلب مسكين وحنون " التي أشتهرت يومها لما تحمل من فرادة جديدة في عالم النص الغنائي العراقي . ولما كان المطرب يمارس خياطة البدلات الرجالية في محل خاص به يقع في قيصرية تحت نهاية جسر الأحرار ") ومن خلال التةاجد في محل الخياطة العائد المطرب قاسم عبيد ومقهى في الصالحية عقدت بين جودت وبين الفنانين: المطرب عبد الجبار الدراجي وشهيد كريم ومجيد الفراتي ومحمد قاسم الأسمر والملحن محمد نوشي الذي كان خياطا ايضا وابو ضاري مقدم برنامج الشعر الشعبي المعروف انذاك ويشير الربيعي الى خلل في شخصية جودت الحزبية فيقول: مع ان جودت كان عضوا في الحزب الشيوعي الا انه لم يكن على درجة مرضية من الألتزام الحزبي المطلوب . فقد كان ميالا الى سلوك الصعلكة، بما تحمله من ثقافة خاصة لم تكن تنسجم كثيرا مع متطلبات الشخصية المتوافقة منهجيا وأخلاقية مع المجتمع وبالتالي المطلوبة حزبيا . يقول الاستاذ ريسان الخزعلي: (الشاعر الراحل  جودت التميمي  شاعر موهوب، كتب الشعر منذ نهاية الخمسينيات من القرن الماضي،كتب الشعر معتمداً على قوّة  هذه الموهبة، الّا أنه جعل منها طريقاً الى السهولة، ولم يكن ملتفتاً الى التطوّر الفني الا ماندر، وما كان منشغلاً بوعي كتابة القصيدة، بل استغرق كثيراً في كتابة الاغاني تحت ضغط الحاجة والعوز، وله مئات الاغاني التي شاع صيتها عراقياً وعربياً . إنَّ ادراك الشاعر لأهمية القصيدة قد جاء بعد التحديث / النوّابي / وما تلاه من تطوّر على ايدي شعراء مثقفين. وبالفعل كتب قصائد جديدة لها وقعها الفني، لكنَّ ضغط الحاجة والعوز، اضطرّه الى ان يبيعها الى آخرين متشاعرين، وقد ظهرت في دواوينهم، الّا أنه ادرك الخسارة لاحقاً، وبقي متحسراً لا يقوى على الاعتراض الا بسرّية يعرفها مجايلوه . ومن قصائده اللامعة التي لم يشترها أحد بسبب مناخها السياسي، قصيدة (رمدة الشمس) التي تُنسب خطأً الى الشاعر مظفر النواب. ويضيف الخزعلي بألم: في بداية السبعينيات، صحا الشاعر من صدمة الخسارة، وجمع الشتات مما تبقّى لديه، قائلاً: انَّ ما لديَّ بعد الذي حصل لم يكن سوى خواطر . والخواطر هذه، هيَ ما ضمّته مجموعته الوحيدة (الكَناطر) ..، وبسهولة يمكن ملاحظة الاعتراف والندم في المقدمة التي كتبها لمجموعته .

كان يمكن لموهبة التميمي ان تتحول الى مدرسة شعرية قائمة بذاتها وان يحمل لواء الشعراء في العقدين الذي ظهر فيهما شاعرا متفردا لكن روح الصعلكة اللمتشظية في داخله جعلت كل همه في ان يأكل ليقتل الجوع في داخله ويشرب ليخدر الوعي والطموح فيه هربا من العوز والفاقة التي عانى منها على مسار حياته من الطفولة حتى الممات رغم انه كان يعمل في فترات ربما كان اشهرها عمله في (ملهى الكروان) في بغداد العائد للمطربة لميعة توفيق ..

انه وكلبي بهيمة الوحشة انسبينه

لادرب يعرف وجهنه...

ولاوجه شفنه طفولتنه بجبينه!

لاجدم ينكل ابشارة ويعتنينه

لاشفايف تكطف البسمة علينه!

ولابقت ايد التحط دفو المحبة بحضن ادينه

ولابعد تلعب مراجيح العشك والشوك بينه!

ظلي يفلانه بغرورج...

يلي كلبج والثلج من فرد طينة!

لشوكت؟

لشوكت نبقى انتحمه اعلى الثلج....،

وحنه من جانت محبتنه جهنم مادفينه!!

تزوج مرة واحدة في حياته من (ممرضة) يذكر الاستاذ يعقوب ان اسمها (شمعه) في حين يقول الاستاذ سعد صاحب ان اسمها (هيام) وكتب عنها الكثير من الاغنيات والتي كانت ابرزها (اربع حروف بغصن عمري اكتبت)، لكن هذا الزواج لم يدم طويلا بسبب مزاجية جودت وعدم المبالاة وعدم الالتزام بواجبات البيت والزوجة، فتم الطلاق بعد فترة وجيزة لا تتعدى الشهور القليلة، وعن هذه التجربة المؤلمة كتب اغنية (سبع تيام من عمري حلالي) التي غنتها الفنانة المبدعة لميعة توفيق. لم يرزق بأبناء من زواجه الفاشل لكنه يصر على وجود ابنة له اسمها (دموع) وكانت زوجته تكثر من المطاليب التي لا يقوى على توفيرها لها فاثقلت كاهله الديون الكثيرة وكان يعاني من ضائقة مالية في اغلب الاوقات، ورغم العذابات التي حصلت له من هذه المرأة كان يحن لها ويتمنى ان تعود الامور الى سابق عهدها القديم:

انتي وانه

اثنينه اباخر محطة امن العمر

والهم ولانه

اثنينه نعاين على الريل التعده وماتنانه

اثنينه اطفرنا الشباب وما تهنينه بصبانه

اثنينه شموع العرس ظلت ورانه

عندي جلمة

ولو مامش بينج او بيني ميانه

شكلتي لو نخلط توالي العمر ونعوض الجزانه؟

وبسبب عدم اهتمامه لذاته وعوزه وافراطه في شرب الخمر حد الادمان تحول الى ملهات في المناسبات الاجتماعية فهو حكواتي وشاعر ومطلق نكات من اجل حفنات دراهم وزجاجات خمر رخيص ووجبات طعام يسكت فيها صراخ الجوع في داخله ثم يقضي ليله على رصيف موحش بعد كل حفلة يحضرها . .

دون ازعاج او وشاية.

اه من هاي الفجيعة

اه من هاي النهاية

اه من نومي على دروب الوطن مثل النفاية !!

لاردت منك رتوش

لاردت منك مراية

لاردت منك هلاهل ..

لاردت صوغة امن الولاية

ولشوكت عمري يظل عاشور وعيوني سبايه؟

ونته تدري هواي نشدوني الحبايب

يمته فوك الدار تتعلك الراية؟

صدك يمته؟

يمته يلذبيتني بكتر الدرب ذبة النوايه

وانه غاد اعلى الكناطر!

يلمشيت اجيب لسنين الحزن جبر الخواطر؟!

وهكذا تهادى قطار جودت التميمي او مكطوف حسن سلمان نهير الفضلي اللامي بين مدن الفقر والعوز والحاجة ومحطات الشعر والسهر والاغاني والحفلات والمرض والعجز والشيخوخة حتى توقف نبض القلب في عام 2006 ليرحل بصمت وبدون ضجيج طاويا صفحة كان يمكن ان يكون فيها مدويا موت شاعر لو كان الشاعر احترم ذاته وموهبته .

 

أشكد صبرنا أعلى الكّناطر ... ؟؟

وأنتَ لا هزك دمعنا .. ولا نفع وياك خاطر

لا خطف وجهك علينه

او لا سماك أعلى العطش والديم ماطر

والله لو أعرف الك موسم حصاد

وما تذر الفشل بعيون اليناطر

***

راضي المترفي

 

عبد الحسين شعبانتوطئة: برحيل رفعت الجادرجي (94 عاماً) يوم الجمعة 10 نيسان (ابريل) 2020 يكون العراق والعالم العربي قد خسر أحد روّاد العمارة والفن التشكيلي، إضافة إلى فقدان أحد أبرز آخر الليبراليين العراقيين والعرب. وقد ترك لنا الجاردجي إرثاً حضارياً وجمالياً غنيّاً على المستويات الفنيّة والفكرية والإنسانية، وستظل الأعمال التي أنجزها بروح الحداثة تؤشر إلى مرحلة مهمة من تاريخ العراق، وفي مقدمتها تصميم القاعدة التي ارتفع عليها "نصب الحرية"  في ساحة التحرير ببغداد للفنان جواد سليم، ونصب "الجندي المجهول" الذي تم هدمه في العام 1982، ليقام على أنقاضه تمثال للرئيس العراقي السابق صدام حسين في ساحة الفردوس، والذي تم إسقاطه في العام 2003، وله مساهمات عالمية، كما حصل على جائزة آغا خان للعمارة في العام 1986.

انشغل رفعت الجادرجي منذ أواسط الثمانينات باستعادة وتأصيل الفكر الليبرالي والديمقراطي العراقي، وقدّم نقداً معمّقاً للنموذج الشمولي للدولة العراقية بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، والتي قادت إلى القطيعة الأولى مع الفكرالديمقراطي، لاسيما بهيمنة العسكر واستحواذهم على القرار السياسي والتشريعي والقضائي وقطع خط التطور التدريجي.

اعتقل رفعت الجادرجي في 16 كانون الأول (ديسمبر)1978 وحكمت عليه "محكمة الثورة" بالسجن المؤبد، ولكنه أطلق سراحه في العام 1981 للاستفادة من خبرته المعمارية في تجميل مدينة بغداد تحضيراً لانعقاد مؤتمر عدم الانحياز الذي كان من المزمع عقده في بغداد العام 1982، لكنه لم ينعقد.

اضطرّ للعيش في المنفى منذ أواسط الثمانينات وأنجز فيه أهم مؤلفاته وأعماله الفكرية ومن أبرزها " صورة آب -1985" و"شارع طه وهمرست -1991" و"الإخيضر والقصر البلوري-1991" ومقام الجلوس في بيت عارف آغا-1999" و" في سببية وجدلية العمارة- 2006".

وقد حاز هذا الكتاب على جائزة الشيخ زايد في العام 2008، ولعلّ من أعماله المتميّزة هو كتاب "جدار بين ظلمتين" بالاشتراك كع زوجته بلقيس شرارة.

هذه التوطئة كتبها د. شعبان خصيصاً لجريدة الزمان، ليعيد نشر القسم الثالث من كتابه الموسوم " جذور التيار الديمقراطي في العراق- هل انقطع نسل الليبرالية العراقية"، دار بيسان، بيروت، 2007. ويسرّ جريدة الزمان أن تنشر هذه المساهمة لمناسبة رحيل المعماري الكبير رفعت الجادرجي.

***

1453 جذور التيار الديمقراطي في العراقيعرف كثير من العراقيين رفعة الجادرجي، باعتباره معمارياً متمّيزاً إشتهر بتصاميمه منذ أكثر من أربعة عقود من الزمان . وذاع صيته على الصعيد العربي والعالمي، لكن القليل منهم من يعرف رفعة الجادرجي كأحد الدعاة المخلصين والجادين للتراث الليبرالي العراقي، ليس على صعيد الفكر حسب، بل في التطبيق منهجاً وسلوكاً وهو ما حاول أن يعكسه منذ عقدين من الزمان تقريباً.

وقد يكون ثمة في الأمر  غرابة وربما مجازفة، أن يتصدى داعية أعزل لعالم مدجج بالآيديولوجيا، خصوصاً بعد " إنقطاع " نسل المدرسة الليبرالية العراقية، وربما العربية منذ أوائل الستينات، أو هكذا بدا الأمر  حتى أواسط الثمانينات، فقد صرعتها الانقلابات العسكرية ودحرجتها بين الأرجل، في العديد من البلدان العربية، حيث انقطع خط التطور التدريجي وازدرت السياسة الأفكار وتطاولت عليها خصوصاً بصعود نخب سياسية شحيحة المعارف ومحدودة الثقافة وقليلة الاطلاع. وكان للتيارات الشمولية بجميع ألوانها ومدارسها وكجزء من سياق تاريخي نشأت فيه  الدور الأساسي في محاصرة الإرهاصات الليبرالية العربية والعراقية الناشئة.

ومع إن صلة رحم متينة وقّوية ربطت المدرسة الليبرالية، بالمدرسة اليسارية والماركسية تحديداً في العراق وبعض البلدان العربية، وخصوصاً في الثلاثينات وبصورة أوسع في الأربعينات ومطلع الخمسينات، إلاّ أن حبل الود انقطع بينهما، بعد أن حاول التيار اليساري وبخاصة في العراق الهيمنة على الشارع وحشده لجهة حسم الصراع مع التيار القومي العربي، في حين ظل التيار الليبرالي متحفظاً، بل رافضا" الانخراط في الحشود الجماهيرية، التي غالباً ما تعبّر بطريقة غير عقلانية عن مآل الصراع ووجهته. ففي حين كانت هذه الحشود التي تذكّر بعصر المداخن والكتل البشرية الهائلة، تهتف بأعلى الأصوات والحناجر عام 1959 " حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي ..."  وتحيّ الصداقة السوفيتية وتطالب الزعيم عبد الكريم قاسم باإعدام " الخونة"، كانت حشود أخرى وربما جزء منها استبدل رحيله، تهتف للوحدة الثلاثية عام 1963 بعد أن كانت الجماهير الغفيرة تمجّد " الاتحاد الفيدرالي " أيام المدّ الشيوعي، وانخرطت مجموعات من هذه الحشود الغاضبة في " الحرس القومي" الذي عاث في الأرض " فساداً " بعد أن كانت الحشود تصطف بطوابير للانخراط في "المقاومة الشعبية"، التي كانت إحدى اذرع الحزب الشيوعي الضاربة، والتي هيمنت على " الشارع" وحاولت إلغاء وإقصاء الآخر.

وبقدر تأثير التيار الليبرالي في الشارع العراقي، إلاّ انه ظل يعتمد على النخب الفكرية والثقافية، ويخاطبها ويتوّجه إليها في إطار عريض، خصوصاً وقد نأى بنفسه عن العنف يوم ساد عام 1959 لتصفية الخصوم فكرياً وسياسياً ومن خلال آلة الدولة وبمساعدتها في أجهزة رسمية او غير رسمية أو شبه رسمية خصوصاً بعد حركة الشواف في الموصل 7-8 آذار (مارس) 1959 او ما تبعها من انتهاكات خلال أحداث كركوك في العام نفسه وفي بغداد وغيرها من مدن العراق، ويوم أصبح العنف الوسيلة الأساسية والمفضّلة للقضاء على الشيوعية وحواشيها وأتباعها  في هستيريا منفلتة من عقالها بعد 8 شباط (فبراير) عام 1963.

إن الجادرجي رفعة الذي حاول استعادة الليبرالية العراقية في رغبة لتأصيلها، ظل هو وهذا التوّجه الجديد خارج الوطن، إذ لم يكن في تلك الأيام العصيبة، التي شهدت عبادة الفرد وتمجيد القوة وازدراء الفكر إلاّ أن يكون غائباً أو مغيباً.

وعلى رغم أن ذلك يعدّ " انقطاعاً " عن ساحة التأثير، إلاّ انه انقطاع ايجابي وتخصيب جديد في ظل ضرورات لم يكن من الممكن الزوغان منها. وهكذا كانت هناك محاولة لإنضاج الثمرة في ظل "رعاية خاصة" وفي ظروف قاسية وغير طبيعية خصوصاً وان تلك الثمرة تحتاج إلى تربة مناسبة وبيئة صحية، لكي تنمو وتترعرع.

هكذا رأت أفكار رفعت الجادرجي النور في الخارج، حيث كان العراق منقسماً بين " جدارين " أو " ظلمتين "، ظُلمةُ وظَلَمة السجن وظُلمةُ وظَلمة خارجه، وهذه التورية وجدت طريقها إلى عنوان كتاب رفعة الجادرجي وبلقيس شراره "جدار بين ظلمتين".

وإذا كان الجادرجي رفعة قد نفى نفسه بعد خروجه من السجن، فإنه كان منفياً بل مستلباً بالكامل وهو خارجه، يوم كان في العراق، وذلك ما تكشفه تلك السردية الدرامية الهائلة التي يدوّنها على نحو شّيق ومؤلم في الآن في كتابه مع بلقيس شرارة.

إن انقطاع الداخل العراقي عن الخارج لم يتح له قراءة نتاج الخارج العراقي، الذي زخر بأعمال إبداعية متميزة ومهمة لمثقفين عراقيين عاشوا في الخارج قدّر عددهم بنحو 3 آلاف مبدع، مما يتطلب " جهداً " مضاعفاً لتجسير الفجوة وإعادة طبع وتأصيل نتاجات الخارج العراقي، ليصبح " داخلاً "، خصوصاً وان فترة نحو ربع قرن كانت تفصلها عن بعضها حواجز وجدران سميكة، مثلما هو الجدار الذي فصل رفعة عن بلقيس زوجته.

لقد كانت نواة استعادة الليبرالية العراقية على صعيد الفكر هو كتاب " صورة أب " الذي هبطت أفكاره على رفعة وهو منقطع عن العالم، وحيداً في زنزانة رطبة وملابس مهترئة وقمل ينهش جسده وصوت مثل المخاط يملأ أذنيه ... لكنه بين جولة وجولة، كانت الأفكار تراوده وهو في تأمله وصومعته وحزنه وأجواء الكآبة والحرمان والعذاب، التي ترافقه . كهذا اختمرت " الفكرة " حبّة حبّة، وهي محاطة بظُلمةٍ وظَلَمةٍ.

كان الجادرجي رفعة يستعيدها فكرة .. فكرة ويمحّصها، ولم يدرِ انه يعيد بوعي أو دون وعي كامل منه، بل باستفزاز للعقل، الفكرة الليبرالية من خلال جمالية احترام البشر وحقوقهم وخصوصياتهم الفكرية والشخصية، على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي وطريقة العيش والحياة.

ومن المفارقة أن يكون كتاب حسين جميل "حقوق الإنسان في الوطن العربي" قد صدر في الفترة ذاتها التي صدر فيها كتاب صورة أب . وكتاب جميل هو الآخر استعادة جديدة للفكر الليبرالي على الصعيد الحقوقي خصوصاً تأكيده على الحريات الأساسية العامة والخاصة. وكان حسين جميل رجل الديمقراطية والاعتدال والصمت قد وضع خلاصات لنقد الفكر الليبرالي على صعيد حقوق الإنسان في ندوة فكرية مهمة انعقدت بمبادرة من مركز دراسات الوحدة العربية في ليماسول (قبرص) عام 1983، ثم عززّها في كتاب صدر عن المركز ذاته.

كتاب " صورة أب " الذي تحدث فيه رفعة عن صورة والده كامل الجادرجي، زعيم الليبرالية العراقية وأحد الرموز الوطنية العراقية ذات الصدقية العالّية، كان النواة الأولى لأفكار رفعة التي ناقشها مع عطا عبد الوهاب، المسجون أيضاً، والذي شجعّه عليها وهّربها فيما بعد إلى خارج السجن، ولتطبع في الخارج بعد خروجه من ظلمة وظلمة العراق عام 1985.

هل للسجن من فوائد، رغم المرارة والعذاب والحرمان ؟ وهل للمنفى رغم الانقطاع والحنين والغربة من منافع؟

سألت الجواهري شاعر العرب الأكبر في حوار طويل معه (منشور في كتابنا الجواهري: جدل  الشعر والحياة) : وماذا كان يا أبا فرات في تلك السبع العجاف (أيام هجرته الأولى إلى براغ عام 1961 )، هل زمهرير المنفى أم فردوس الحرية ؟ فأجاب على الفور بعد أن سحب نفساً عميقاً من سيكارته التي لا تفارقه ونفث دخانها عالياً : الاثنان معاً، أيْ والله ...الاثنان معاً.

ربما لو لم تتح لرفعة الجادرجي فسحة التأمل تلك على المستوى العام والخاص التي وفرتها تجربة السجن المريرة، خصوصاً الصور التي كانت تمّر أمامه كشريط سينمائي ويحاول استعادتها، لم يكن لنا أن نطّلع على هذا المخزون الثري. لقد بحث رفعة وهو في قاع السجن وفي دهاليزه عن أجوبة لأسئلة كبيرة، ربما لم يفكّر فيها من قبل. بحث عن بديل أو بدائل لاستعادة إنسانية الإنسان المهدورة . ولكن هل يكفي هذا لمقايضة ما كابده الجادرجي من ألم وانسحاق وقلق ورعب خلال تلك الفترة المضنية؟

***

لقد انقطعت حياة رفعة الجادرجي الاعتيادية يوم جاءه شخصان بملابس أنيقة وسيارة بيضاء صبيحة يوم 16 كانون الأول (ديسمبر) عام 1978، حيث كان عائداً من أوربا زائراً ومحاضراً حول " العمارة وجدلياتها " . وإذا بهما يقتادانه إلى مكان مجهول بعد أن أخبراه بأن غيابه " لن يطول أكثر من 20 دقيقة .. يريدون الاستفسار.. بعض الأسئلة فقط وترجع إلى بيتك " وهو الأمر  الذي كان يتكرر في العراق كل يوم تقريباً.

ودام المكوث في مقر المخابرات، في الزنزانة رقم 26 ثم رقم 5 مدّة 6 (ستة) أشهر، لم يستطع خلالها رفعة أن يغيّر ملابسه. وكان قد تردد إن سعدون شاكر مدير المخابرات حينها ووزير الداخلية بعد حين، كان قد صّرح بأن رفعة لن يتمكن من تبديل ملابسه فيما إذا كان الحكم بيدنا، عندها سنضعه في السجن وسيرى " نجوم الظهر ".

هل ثمة خصومة بين رفعة الجادرجي وسعدون شاكر؟ من المنطقي طرح مثل هذا السؤال، فكلاهما من قماشة مختلفة وثقافة مختلفة، كما لم يكن هناك حتى تعارف بينهما، اللهم إلاّ إذا كان " سعدون الجندي " كما كان يسميه أقرانه، حانقاً على رفعة الجادرجي، يوم كان الأخير يزور مطار المثنى بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 باعتباره المهندس المسؤول وكان الأول يقضي فترة " التجنيد الإلزامي " في المطار، بعد أن تخلّف عن إكمال دراسته الثانوية، فهذا جانب من " الرواية " !

أيكون ثمة حقد طبقي؟ حين كان الشاب الوسيم، المتأنق، الدارس في أرقى الجامعات، وسليل الأسرة الجادرجية المرموقة، خصوصاً وانه ابن كامل الجادرجي الزعيم الديمقراطي وأحد رواد المدرسة الليبرالية العراقية، بينما كان سعدون شاكر يجّر أذيال الخيبة والفشل؟ أم هو حقد على الفكر الليبرالي من خلال المدرسة الشمولية القومية المتعصبة وبخاصة بعد السيطرة على السلطة والمجتمع بل والدولة بكاملها وإخضاعها لمصالح فئة ضيقة ومعزولة وأقلوية؟

لقد بقي رفعة الجادرجي حيث هو، أما الثاني أي سعدون شاكر، فقد حملته السلطة إلى أعلى المستويات من جندي متسكع، وحزبي صدامي في جهاز سرّي للعنف "جهاز حنين"، إلى قائد ومسؤول، وأخذ ينظر إلى البشر من موقعه، فحاول الانتقام مستغلاً صلة الجادرجي بإحدى الشركات الأجنبية، لكي تكون التهمة جاهزة سواء بدليل أو من دونه، طالما حصل ثمة " اتصال " بحكم العمل ووفقاً لمواصفاته أو لم يحصل !!!

لا ادري كم ستكون خسارتنا فادحة لو أن القدر فاجأنا وتمكّن من اختطاف رفعة الجادرجي وهو في سجنه، وهو أمر معتاد ومعروف، خصوصاً وانه كان محكوماً بالمؤبد؟.

لا شك أن الخسارة ستكون كبيرة، ليس لكون رفعة الجادرجي أحد رواد المدرسة المعمارية الحديثة حسب، بل أيضاً وهذا جانب في غاية الأهمية، لكونه حمل لواء إضاءة جديدة وإرهاص فكري بمحاولة استعادة وتأصيل الليبرالية العراقية وربما مواصلتها ! كما ستكون الخسارة شديدة لو ضاعت شهادة رفعة الجادرجي ذات السردية العالية، مثلما ضاعت شهادات عشرات ومئات من الشهادات، التي كان يمكنها أن تؤرخ لمرحلة تاريخية عصيبة وتعكس معاناة إنسانية رهيبة.

***

ولعل كتاب " جدار بين ظلمتين " الذي وضعه رفعة بالتعاون مع بلقيس شرارة يشكل ملامح مهمة من سردية درامية لحياة يومية تتأسس في خضم المعاناة على الفكرة الليبرالية، التي نجد فيها الكثير من التفاصيل والمختلف والمتناقض من الأشياء، الممزوج بحبكة شديدة التعقيد، لكنها حبكة تعكس الواقع بكل تضاداته. فقد عرض لنا الجادرجي شخصيات وصور متكاملة تابعها بدقة ورسم ملامحها وحركتها. وربما أضاف إليها شيئاً جمالياً يكاد يكون مكملاً أساسياً للسردية الجمالية وأعني به: الصورة ذاتها التي تتابعها بلقيس في النصف الآخر، من الكتاب، الذي لا يمكن قراءته إلاّ من خلال هذه الجدلية بين الظُلمتين أو الظَلمتين.

لقد عبّر رفعة الجادرجي منذ خروجه من السجن في كتب عّدة عن أفكاره وتصوراته للعمارة والفن والجمال والفكر والسياسة، بطريقة غير اعتيادية، باحثاً في التفاصيل وعن أدق الأشياء أحياناً، ومصّوراً حركة الوجوه والألوان والأفعال وردودها، في محاولة لرفع شأن الفكر الليبرالي في العراق، الذي جرى تشويهه. وقد لا يخلو الأمر  من شعور داخلي دفاعي ولكن بقراءات جديدة، وربما مستحدثة خصوصاً وقد شهد فترة سبات أو جدب بسبب العزلة والحصار والاستخفاف، وليس أدل على ذلك إعادة طبع كتاب والده " مذكرات الجادرجي وتاريخ الحزب الوطني الديمقراطي " عام 2002 وهو الكتاب الذي صدر في أوائل السبعينات بعد وفاة الجادرجي في العام 1968.

وتشكل المقدمة الجديدة التي كتبها رفعة لكتاب مذكرات الجادرجي (الكبير) مراجعة مهمة للفكر الليبرالي العراقي ورؤية جديدة لهذا التيار، الذي جرت محاولات عديدة " للحط " من شأنه، مع إن " الجميع " تربوا عليه واحتموا بظلّه وتمسكّوا بالمبادئ التي دعا إليها وبخاصة في ميدان الحريات، عندما كانوا خارج سلطة الحكم.

كما أن كتاب " شارع طه و همرسمث " هو رؤية مقاربة لفن العمارة العراقي والدولي، وهو استكمال لبحث الجادرجي أيام دراسته كما يقول، كان قد ابتدأه، ثم واصله بعد خروجه من السجن . ونجد في كتاب " التصوير الفوتوغرافي لكامل الجادرجي " الصادر عام 1991 رؤية الجادرجي (الابن) لجماليات الجادرجي الأب. ويحتفظ رفعة هو الآخر بمئات بل آلاف الصور النادرة لمحلات وحارات وأسواق ووجوه، لعل قسماً منها غاب، وكأنه يريد أيضاً أن يعيدنا إلى ذاكرة منتصف القرن الماضي، أو يعيد ذاكرة الماضي الينا، تلك الذاكرة التي اختزنت بقيم ومُثل تلك المرحلة.

وقد حاول في كتاب " مقام الجلوس في بيت عارف آغا " الصادر عام 1999 تقديم دراسة أنثروبولوجية عن فترة الأربعينات والخمسينات عبر تصوير حقيقي لجماليات تلك الفترة، عمارة وفكراً وثقافة، من خلال العادات والتقاليد وطرق الحياة والمأكل والملبس والمرأة والطقوس الاجتماعية وبعض الرؤى الدينية وغير ذلك.

***

من الأشياء المتّميزة في كتاب " جدار بين ظلمتين " انه قدّم لنا بلقيس شرارة باعتبارها مشروع روائية، حيث تابعنا شخصياتها، التي رسمتها بدقة متناهية، مستغرقة في التفاصيل، متابعة بخيال كبير أجواء تلك المرحلة التاريخية ... فهذه أم رفعة، وهي تمسك سيكارتها وتكظم غضبها وغيضها، وهذا هو نصير الجادرجي، وهو يتابع بصبر وأناة وحذر قضية رفعة بلقاءات وأسفار واتصالات تشمل شخصيات عديدة في العراق وخارجه، ناهيكم عن بعض الزوار، في المكتب، الذين يتهامسون أحياناً ويحاولون إلتقاط أي خيط جديد عن قضية رفعة، وهذه وجدان ماهر المهندسة المعمارية، التي همست بيوم الأربعاء " المحاكمة "، وهي التي وصلها خبر إطلاق سراح رفعة بعد محادثة مع مهندسين إلتقاهم "الرئيس" تحضيراً لمؤتمر قمة عدم الانحياز (الذي لم ينعقد – 1982).

ثم تصوّر بلقيس الأجواء السائدة، كيف تتسرب الإشاعات وتلاحقها أحياناً، وتميّز بين الإشاعة وما يتحقق منها أو ما يترشح من وقائع من خلالها. وتقتفي أحياناً أثر الإشاعة، خطوة، خطوة، لتصل إلى أن الإشاعة هي إشاعة وتبقى الحقيقة، حقيقة.

ويوم وصل بلقيس خبر احتمال إطلاق سراح رفعة عندما قال " الرئيس " ردّاً على سؤال عن المهندسين المعماريين المطلوب منهم " تجميل بغداد "، التي تنتظر قمة عدم الانحياز، فأخبره أحد المهندسين بوجل شديد " لدينا خيرة المهندسين المعماريين ... " فسأله الرئيس : أين هم ؟ فأجاب : " واحد برّه والثاني جوّه " وقصد بذلك الدكتور محمد مكية المعماري الشهير ورفعة الجادرجي المعماري المعروف، أي أن الأول خارج العراق والثاني في السجن، فما كان من " الرئيس " إلاّ أن يقول " البرّه نجيبوا والجوّه نطلعوا  " هكذا بدا المشهد من عالم اللامعقول، فبعد أسابيع يجتمع على مائدة " الرئيس " صدام حسين، محمد مكية ورفعة الجادرجي، ليبحثا ومع أمين العاصمة أيضاً (سمير الشيخلي) وهي مفارقة أخرى، موضوع تجميل بغداد واستقبال وفود دول عدم الانحياز.

العالم السريالي السجني، الذي تحدث عنه رفعة بدا " واقعياً " أو أكثر سريالية من الخيال نفسه بحكم اختلاط الخيال بالواقع والواقع بالخيال لدرجة لم يكن بإمكانك التمييز أحياناً بين الأول والثاني، فما هو واقعي يصبح خيالياً وما هو خيالي يصبح واقعياً، لدرجة استبدال المواقع والأماكن والتواريخ والأسماء والمواصفات والوقائع، يوم تحوّل " المجرم " المحكوم ب " المؤبد " والمكروه من الرئيس السابق أحمد حسن البكر، والمنكّل به من جانب سعدون شاكر، الحاقد والمنتقم لأسباب بقيت غامضة، إلى جليس مع الرئيس ومعه مكيّة، الذي كان الرئيس هو الآخر يقدّم له التسهيلات لكي يعود . كل ذلك يحدث دون مساءلة أو مناقشة أو مراجعة أو رد للاعتبار بل بحكم إرادة الفرد المهيمن على كل شيء، فهو الحاكم بأمره وتلك إحدى مكرماته، حين يعفو ويمنح ويلغي ويصادر و " يعلي " و " ينزل " ولكن كل ذلك كان بعيداً عن دائرة القانون والقضاء، اللذان كان يتم استذكارهما فقط عند تبرير أي " فعل"!!.

يومها هجس رفعة وهجست بلقيس، إن الفرق كبير بين تجربة سجن كامل الجادرجي (الأب) وتجربة سجن رفعة، ذلك أن الحاكم الذي أصدر الحكم بحق الجادرجي الكبير كان يحكم بنوع من المؤسسات وبشيء من " الشرعية " حتى وان شابها الكثير من الملاحظات والطعون، ولكن الحاكم الحالي كان يحكم بأمره ودون مؤسسات وكان بإمكانه تغييب رفعة، ولكن حكام أيام زمان لم يكن بإمكانهم تغييب كامل الجادرجي، وهو ما استذكره ماجد مكي الجميل في كلمته عن عمّه حسين جميل نقيب المحامين العراقيين الأسبق وأمين عام اتحاد المحامين العرب وأحد رواد الفكر الليبرالي الديمقراطي العراقي، حين قارن بين سجنه وسجن ابن أخيه، حيث قال " حسين جميل " إلى ماجد: سجني أقسى من سجنك لأن من سجنني كان يملك مؤسسات، في حين إن من سجنك  كان يفتقد إليها، وبهذا المعنى فان حجب حريتي كان أكثر قسوة من حجب حريتك.

بجرّة قلم ألغي حكم المؤبد بعد أن أشار " الرئيس " إلى طارق حمد العبد الله، أحد مرافقيه، الذي انتحر فيما بعد لأسباب أخرى تتعلق بالهواجس أيضاً، مخاطباً إياه: ضروري إنهاء قضية رفعة. هكذا أسدل الستار وكأن شيئاً لم يكن.

***

إن كتاب " جدار بين ظلمتين " هو مشروع رواية بكل معنى الكلمة ففيه سردية عالية الحساسية لسيرة سجنية، كما فيه سردية أخرى لحياة لا تقل عتمة عن السجن، حيث الإشاعات والرعب والمخبرين والأدعياء والقلق والمصير المجهول. أما القانون وحقوق الأفراد والمجتمع، فتلك أمور ليس لها عناوين في قاموس الحكم الشمولي المطلق والحاكم بأمره.

لولا صدور هذا الكتاب الشّيق، ما كنّا قد حصلنا على مصدر جديد للتجربة العراقية، حيث عالم كافكا العراقي تجده ماثلاً للعيان.

ربما كانت مقدمة بلقيس شرارة عن كتاب أختها (حياة شرارة) الأستاذة الجامعية التي انتحرت (في أواسط التسعينات) هي وابنتها بطريقة عاصفة وفاجعة ومثيرة، مقدمة لهذا العالم الكافكوي، الذي يتحوّل فيه المرء إلى صرصار.

وقد لفتت مقدمة كتاب " وإذا السماء أغسقت " الانتباه إلى بلقيس شرارة باعتبارها صوتاً سردياً مضافاً إلى الرواية ذاتها، التي سجلّت احتجاجاً عميقاً على أوضاع بالغة القسوة والوحشية، أوضاع مزرية وحاطة بالكرامة، من استبداد طويل الأمد ولا ضوء في نهاية النفق، إلى حصار دولي جائر وتفكك النسيج المجتمعي العراقي.

فحياة شرارة قبل أختها بلقيس، كانت شديدة الحساسية إزاء الكرامة والحرية، وذلك للقيم التي تربّت عليها والتأثر الكبير بوالدها رجل الدين محمد شراره الذي درس في النجف لسنوات طويلة علوم الدين قادماً من لبنان، ليتحوّل إلى نصير للمرأة وحريتها وللفكر الليبرالي واليساري وهي تجربة مماثلة عاشها المفكر اللبناني حسين مرّوة الذي درس الفقه وعلوم الدين في النجف 14 عاماً في " مدرسة الخليلي " الشهيرة في عكَد السلام في محلة العمارة في النجف، وليتحّول بعد ذلك إلى أحد رواد الفكر الماركسي فى العالم العربي خصوصاً وقد كتب مجلداته الشهيرة "النزعات المادية في الفلسفة العربية – الإسلامية " في أواخر السبعينات، وكان قد علّق في وقت سابق انه تعرّف على ماركس في النجف .ولعل المدرسة النجفية كانت قد خرجت باقة متنوعة ومتميزة من المفكرين والدعاة اليساريين والليبراليين ورجال الدين المتنورين، وتلك إحدى خصائصها وميزاتها.

لقد وضعت حياة شرارة زوجة الدكتور محمد صالح سميسم الشيوعي المعروف ونزيل السجون والمعتقلات والمتوفي أثر اعتقالات متكررة له عام 1983، حداً لحياتها قرباناً للحرية التي نشدتها ونشدها العراقيون، يوم لم يكن الصمت سوى أحد أشكال المواجهة، فما بالك إذا كان الموت صمتاً، فلعل في ذلك تحدياً من نوع أكثر إثارة ورنيناً خصوصاً  وقعه على الوسط الأكاديمي والجامعي والثقافي وعلى النخب الفكرية والسياسية.

***

يتحدث رفعة عن الزنزانة رقم 26 فيقول " ... لا تدخلها الشمس إلاّ لبضع دقائق وقت الغروب " . كان رقمه 200 وطلب منه أن ينسى اسمه .. " أجساد ملقاة في الزنزانة بلا حركة، وبلا صوت، سوى معاناة داخلية، لا تُسمع خارج الأبواب الحديدية " ص 144  هكذا يكون كل شيء ثقيلاً هواء ثقيل ممتزج برطوبة أنفاس الآخرين …وروائحهم النتنة …" ص 146 . ثم يرسم رفعة صور الشخصيات السجنية عبر سوسيولوجيا ثقافية نافذة " فهذا أبو علي : الراعي من غرب العراق، انتهازي، أناني، متملق، يخضع للحرس ويناديهم ب " سيدي " يتباطأ باستعمال المرحاض من غير مراعاة حصة الآخرين …".

وهذا محمد الشاعر الكردي، الماركسي، الذي يعتبر ورفعة " الانتظار في ظلمة الزنزانة حالة قتل للفكر… " ص 148، ولعل ذلك يذكرنا بالفنان رشاد حاتم الذي كان الزعيم الشيوعي فهد يقول له ادفع الجدران وتصوّر العالم خارجه وارسم.. ولعل رفعة يقول انه كان في حالة من " البحث عن إلهاء الدماغ وإشغاله بمسألة خارج الوجود ".

يتحدث رفعة الجادرجي عن سعد الإطفائي، اللطيف، النظيف، المصاب بأرق إرهابي دائم وهو الخوف من التحقيق . أخوه متهم بالشيوعية ولذلك فهو دائم الرعب. ويذكر قدراته الخارقة : قدرته في معرفة الوقت، بدون ساعة، فيقول لك : الساعة الآن الخامسة والربع أو العاشرة إلاّ عشرة دقائق. يتعرف على الوقت عن طريق الصوت، صفير القطار، حركة سيارة المخابرات، موعد وجبات الطعام، زقزقة العصافير في المساء أحياناً.

أما حامد فهو من جنوب غربي العراق، قصير القامة، بدين، سريع الحركة، يتصف بقفزات متقطعة، صاحب دكّان للمواد الغذائية، لا يراعي حصة كل فرد للمدة التي يقضيها في الحمام، يضربه الحرس على رقبته، وهناك إيراني الجنسية، لا يكّلم أحداً، يشك بالجميع ويصلي ويتوسل إلى ربه (ص 158) .

ويصف رفعة حركة النمل وأنواع القمل وألوانه ومكان وجوده و العصبة التي توضع على عينيه خلال استدعائه للتحقيق (5 مرات) واستخدام التلفون الذي سُمِحَ له أحياناً والشيفرة التي كانت بلقيس تلتقطها على الطرف الآخر من التلفون.

***

لقد خصصت الدولة محامياً للدفاع عن مجموعة رفعة كما كانت تسمى "أصحاب القضية الواحدة" وهو لا يعتبر محامياً بالمعنى المعروف في القانون والعرف الدولي وبخاصة إزاء المحاكمات العادلة والمعايير الدولية، بل هو موظف عينته السلطة ليقوم بتأدية هذه المهمة مقابل أجر مقطوع. ومهمة المحامي ليست الدفاع عن المتهم، وإنما طلب الرأفة والرحمة من السلطة، بحق المتهم وتخفيض الحكم، ولا تستغرق محاكمة المتهم عادة أكثر من بضع دقائق قبل أن يقرأ الحكم المقرر بحقه مسبقاً. ص (187)

تقول بلقيس عندما حاولت استنطاق نصير الجادرجي (شقيق رفعة) وهو من المحامين المعروفين : لقد جثت الكلمات ضاغطة على شفتيه وأزاح ما ينوء به عندما نطق كلمة " مؤبد ". ثم تقول بعد صمت طويل ومرير : انفلت الصمت السجني بين شفتي وعصرت كلمة مؤبد بين فكّي وأسناني وسال عصيرها القاتم المّر بين شفتي، مؤبد، مؤبد، مؤبد، …

وهنا نلاحظ صورة التناقض وجمع الأضداد، فبعد هذه الصورة القاتمة تعود بلقيس لتصف الربيع بعنفوانه الزاهي، الضاحك، وعشب الحديقة الغامض المقصوص بالتساوي كسجادة خضراء، والياسمين المتسلق على جدران دارنا بألوانه الوردية، البيضاء، تفوح رائحتها العطرة في أجواء الحديقة.

وتصف كيف انفجر السائق حسين بالبكاء عندما سمع خبر حكم رفعة بالمؤبد، وهو السائق الذي عاش مع العائلة ردحاً من الزمن وصار جزءاً منها، هكذا يشعر وهكذا يشعرون.

لم تكتفِ بلقيس بذلك بل تصف لنا " لسعة الشامتين بنظراتهم كلسعة النحلة، ولكن كانت خيبتي عميقة ولسعتي مؤلمة كلدغة العقرب المفاجئة من الأصدقاء الذين ظننتهم سنداً في تلك المحنة" ص (216) . لقد انقطع البير عن زيارة بلقيس، وكان التبرير: متألم على صديقه وخائف على نفسه، وهو أمر طالما تكرر في عالم الرعب العراقي، ولا يشمل الأصدقاء أحياناً، بل الأهل والأخوة والأخوات والأعمام والأخوال، طالما كان الحاكم يتهم الجميع.

وتصف بلقيس ألمها من بعض المظاهر الاجتماعية المنافقة بالقول : لم أكن أدعى إلى حفل خطوبة أو زفاف، حتى من أقرب الناس اليّ، فقد أخفوا وكتموا عني أفراحهم ... المجتمع التقليدي قاس على المرأة، الأرملة لاحّق لها بالتبّرج أو ارتداء الألوان البهيجة. انحصر حقي في حضور المآتم فقط كان في تلك المآتم نسوة لا يستطعن التوقف عن الكلام ... كنت أعود إلى الدار كئيبة، أستمع إلى مغنية الأوبرا ماريا كلاس وأتخلّص من أشباح الموتى.

لنستمع إلى حوارها الداخلي وهي تردد " صرت أتجنب زيارة المعارض الفنية، لكي أتفادى جفاء بعض الناس ... كأنهم يخافون وباءً أنقله أليهم إن ردوّا علّي السلام " ... وتضيف " كان يعزّ علّي أن أجد أُناساً مثقفين ومتعلمين، يؤمنون بقيم التحرر ولكنهم يتصرفون بأسلوب المجتمع الأبوي، ولا يختلفون في تفكيرهم وتطبيقهم للتقاليد عن الإنسان الجاهل البسيط ... " وتفصح بلقيس عن رأيها بالقول " ... نحتاج إلى أجيال لتحديث العقلية وإلغاء القيم السلفية – التي هي أقوى بكثير من الإرادة التحررية ..." ص (223 – 225).

ومن سياقات فكرها الليبرالي، النصف الآخر لفكر رفعة تصف حال المجتمع ... " اتجه البعض إلى الدعاء والصلاة .. فلليأس راحة نتنه عندما يخبو الأمل ولا يستطيع الإنسان الاستمرار في الحياة اليومية، بل يتمسك عندها بالغيبيات ويلجأ إلى السحر والشعوذة والتعاويذ ... " ص 226.

تنقل هنا صورة عن تردي المجتمع وحال بعض صديقاتها اللواتي اتجهن إلى السحر وقراءة قهوة الفنجان وزيارة العرافات وقراءة الكف والودع.

كيف لها أن تقبل كل ذلك وهي التي نشأت في طفولة لا تؤمن بذلك، وكانت تتعامل مع مقترحات البعض إلى ام رفعة " بقراءة سورة معينة من القرآن الكريم ألف مرّة " بالصمت، والازدراء الداخلي.

مّرة أخرى تواجه رائحة العفن النابعة من اليأس، بالحديث عن نقيضه الربيع وحديقة الدار رغم مرور سنة على صدور الحكم ضد رفعة بالمؤبد ... تفتحت ورود الجوري وملأ عبيرها جو الحديقة، وفاحت رائحة الياسمين المتسلق جدار دارنا، بألوانه الوردية والبيضاء، وامتزجت بعبق الجوري والشبوّي والليلي ... ص (227).

***

" جدار بين ظلمتين " هو سيرة ذاتية واقعية لمرحلة زمنية تتجاوز العشرين شهراً، ولم يكن لهذه السيرة أن تدوّن إلاّ خارج العراق وعشية رحيل الاستبداد.

وإذا كان كثيرون دخلوا السجن، لكن رفعة كان مختلفاً ... عاش في السجن على طريقته الخاصة، ودوّن أدق التفاصيل واليوميات على نحو روائي. أما الجدار الذي كان يفصل رفعة عن بلقيس فقد كان غير قابل للاختراق بحيث جعل كلاً منهما يعيش في ظلمة على حد تعبير رفعة في مقدمة الكتاب. وبعد 15 سنة قرّرا أن يكتب كلاً منهما من موقعه عن ذلك الجدار الذي فصلهما عن بعضهما، فكتبت بلقيس عن الظلمة الخارجية بما فيها من أحداث ومشاعر ومحن وإحباطات، وكتب رفعة عن الظلمة الداخلية.

كان الجو الذي خيّم عليهما يفرض على كل منهما أن يواجه الأحداث بمفرده ولا يستعين بالآخر.

***

طريقة الكتابة والغلاف هي الأخرى متميزة. اتفقا أن يكتب كل منهما ما يتذكره بمفرده من غير أن يطلع عليه الطرف الآخر، وذلك بهدف استكمال النصوص واستهدفا " تكوين خزين مرجعي صادق ومحلل للأحداث "، أي تحويل الذاكرة الشفوية إلى ذاكرة مكتوبة، وتحويل الأحداث اليومية البسيطة وربطها ببعضها إلى نوع من السردية عن مرحلة من المراحل التطور السياسي في العراق، وان كان الهدف غير سياسي، كما سيأتي ذكره على لسان الكاتب رفعة نفسه. أما الغلاف فقد انقسم إلى قسمين بشكل هندسي وكانت الضلال هي الحد الفاصل بين طرفي الجدار المعتمين.

لكن تلك السردية اشتملت على الانتصار لحقوق الإنسان والقيم التي تؤمن بالحرية سواء كان مصدرها علماني أو ديني. ويلقي رفعة من خلال فصول الكتاب الأربعة وكذلك بلقيس،بلغة غنية ومثيرة وبأسلوب أنيق ورشيق، نظرة نقدية للمجتمع العراقي ومرجعياته، كما يبيّن مواقفه من الوجود والحداثة والجمال وغيرها. ويشير إلى أن أوساطاً واسعة غارقة في عالم الغيبيات والأساطير وتشكل معوّقاً فكرياً إزاء متطلبات الحداثة والتغيير.

ويتوصل رفعة الجادرجي إلى استنتاج مهم هو : إن المجتمع العراقي لم يمتلك فرصة لممارسة السياسة، قبل تأسيس الدولة العراقية، وما حصل بعد تأسيسها جاء ناشئاً وأخمد في مهده، وبقيت الدولة الناشئة تابعة لسلطة رجال الحكم ومُبتلعة من قبلها، وذلك لأسباب متعددة منها :

أولاً – إن المجتمع العراقي لم يمارس السياسة في السابق ولم يمتلك دولة مبنية على المؤسسات بالمفهوم العصري، ولذا فهو لم يدرك أهمية السياسة في تنظيم إدارة معيشته، والحرية التي يمكن أن يتمتع بها ويمارسها...

ثانياً – إن المجتمع العراقي لم يحظَ بقيادة سياسية فكرية أي مرجعية، تسعى لتوعيته، فظل مُستلباً تحت إدارة سلطوية سواءً كانت دينية أو دنيوية، وهنا تكمن حسب الجادرجي أهمية تكوين مرجعية فكرية سياسية معاصرة.

إن هواجس وتحديات الفكر الليبرالي التي جسدتها بشكل خاص تنظيرات  الجادرجي الأب وحسين جميل وفيما بعد إرهاصات الجادرجي الابن والحنين النستالوجي للمدرسة الليبرالية العراقية، ومن ثم هيمنة الفكر الشمولي وتطبيقاته المختلفة، هي التي تجعل الجميع اليوم أمام سؤال كبير: ما هو السبيل إلى استعادة العراق نموه الطبيعي بعد سنوات عجاف من العسف والاستبداد وأخيراً وقوعه تحت الاحتلال وصعود تيارات دينية طائفية ومذهبية وفي ظل انقسام وتشظي وعنف منفلت من عقاله ولهاث وراء المصالح الأنانية الضيقة!؟

ربما يساهم الجواب الصحيح على هذا السؤال البسيط والمعقّد في آن، في فتح الطريق مجدداً أمام تطور ديمقراطي وتراكم طويل الأمد لإستعادة الحياة المدنية السلمية الطبيعية بعد إرادوية قهرية أعادت المجتمع إلى الوراء رغم كل الادعاءات والتبجحات بالتغيير والتثوير لفرض نوع من التطور وفقاً لرغبات واتجاهات القوى الآيديولوجية عبر إنقلابات وتصورات مسبقة، دون استكمال دورة التطور التدريجي المدني السلمي .

ولعل الإصغاء إلى إرادة الحياة وسماع إيقاعها ونسقها الصاعد كفيل بإعطاء الفرصة للبشر في إعادة تنظيم حياتهم على أساس احترام الإنسان وحقوقه الأساسية وخصوصياته وفي ذلك إحدى دروس التجربة التأريخية للمدرسة الليبرالية بل ولجميع المدارس الفكرية والفلسفية مهما تباينت المنطلقات فالإنسان هو مقياس كل شيء على حد تعبير الفيلسوف الإغريقي بروتاغوراس .

 

عبد الحسين شعبان

 

عبد الرضا عليفي صباحِ السادسّ عشرَ من آذار، من العام 1935م، وفي بغداد ـ منطقة الكرّادة الشرقيّة (أبوقلام) وُلِدت سُها الملائكة، وكانت سابعَ عقبٍ لأبويها، علماً أنَّ نازكَ الملائكة (1923-2007 م) كانت أول عقبٍ لهما.

وهؤلاء الملائكة هم: نازك (المولودة في 1923) وإحسان (المولودة في1925)،وسعاد (المولودة في1927)،ونزار(المولود في1928)، وعصام (المولود في1929)، ولبنى (المولودة في 1932)،وسابعتهم سُها (المولودة في 1935) أطالَ اللهُ في عمرِها، ومتَّعها بموفورِ الصحّةِ، والخير العميمين، ومن خلال هذه التواريخ يتبَـيَّنُ أنَّ نازك أكبر من سها بـ اثنتي عشرةَ سنةً.

إذاً هم سبعةٌ من الملائكةِ، يُذكِّـرُونَ المرءَ بالنجومِ السبعةِ الذينَ يُطلق عليهم تسمية (بنات نعش)، والمفارقةُ الجميلةُ هنا أنَّ النجمةَ السابعةَ في بناتِ نعشٍ اسمُها (سُها) ولعلَّكم تتذكَّـرون قولَ الشاعر العربيِّ القديم الذي عرَّض بالحجّاج توريةً:

شَـكونا إليهم خَرابَ العراقِ

فعابـوا عليـنا لُحومَ البقـرْ

فكُـنَّا كمـا قيلَ فيما مضى:

أُريهـا السُّها وتُريني القمرْ

تخرَّجتْ سُها في قسمِ اللغةِ الإنجليزيَّةِ، وصدرَ أمرُ تعيينها في محافظةِ كربلاء، لكنَّها رفضتْ تركَ بغدادَ، فعمِلتْ بعدَ حينٍ من تخرّجها موظفةً في البنكِ العربيِّ، وبقيتْ فيه ما يقربُ من خمسةٍ وعشرينَ عاماً.

كانت سُها في طفولتِها تُحِبُّ الغناءَ كثيراً،على وفقِ ما ذكرته الراحلة نازك الملائكة في دفترِ مُذكَّراتها عن سُها الذي بدأتْ تدوينه في يومِ الاثنينِ 30 حزيران من العام 1941م، أي قبلَ أن تُصبحَ نازكُ شاعرةً معروفةً، وهي تُشيرُ إلى أنَّها علَّمتْها حفظَ قصائد لـ صفيّ الدين الحلِّي، وأمجدِ الطرابلسي، وبدوي الجبل، وغيرهم؛ فضلاً عن أنَّ سُها كانت تحفظُ أغانيَ المطربة ليلى مراد، وتترنَّمُ بها.. ومن المفارقات التي تذكُرُها نازكُ في تلك المذكَّراتِ أنَّ سُها كثيراً ما كانتْ تزعلُ، وتلجأُ إلى البكاءِ، لكنَّها تقطعُ بكاءَها حينَ تسمعُ نازكَ وهي تُغنّي إحدى أغاني الراحلِ محمّد عبد الوهاب، أو الراحلةِ أُمِّ كلثوم، وتشاركُ أختها نازكَ في الغناءِ، مستبدلةً غناءها بالبكاءِ.

لا تزالُ سُها (كما علمنا) تميلُ إلى سماعِ الموسيقى الكلاسيكيَّةِ، فضلاً عن معرفتِها أسماء المعزوفاتِ، وصانعيها، إلى جانبِ عشقِها لأغاني عبد الوهاب، وأُمّ كلثوم، لكنَّها تستمعُ أيضاً إلى الأغاني العراقيّةِ لحقبةِ السبعينيَّاتِ، لاسيّما أغاني حسين نعمة، وفاضل عوّاد، وياس خضر، وغيرِهم .

***

1449 سها الملائكة في دفتر مذكّراتِ الخالدة نازك الملائكة حكايا عن موهبةِ أختها الصغيرة سُها ذات الربيعِ الرابعِ في الشأنِ الموسيقي، والغنائي، ما يجعل من يطّلع على تلك الحكايا ينبهرُ بما لتلك الطفلةِ من أُذنٍ مرهفةِ الإحساسِ،عميقةِ الطبعِ، دقيقةِ المعيارِ، وقد حاولتُ أنْ أختصرَ ماجاء بحديثِ نازك عنها، فتردَّدتُ، لأنه استهواني شخصيَّاً ـ وأزعمُ أنّه سيستهوي المتلقينَ الذين يقرأون هذه المقالة جميعاً ـ، لذلك رأيتُ أن أستشهدَ بمعظمهِ، وأجعلَ القارئ الكريمَ يشاركني الانبهار به.

قالت نازك في تلك المذكَّرات: {وصادفَ أنْ كنتُ مرَّةً أُديرُ اسطوانةً – ياما بنيت قصر الأماني- للأستاذ محمّد عبد الوهاب، فلمَّا انتهيتُ نادتني إحسان، وصاحتْ: (نازك.. تعالي استمعي إلى سُها كيفَ تُغنِّي يا ما بنيت) وفي الحقِّ أنّي لم أُصدِّقْ أوَّلاً، لأنَّ سُها كانت إذ ذاكَ حديثةَ العهدِ بالتكلُّمِ، فكيفَ تغنِّي؟. وذهبتُ إلى صحنِ الدارِ فسمعتُ سُها أوّل مرَّةٍ ترنِّمُ الموسيقى التي تسبق الأغنية، ثمَّ بدأتْ تغنِّي حتَّى بلغت المقطع الأخيرَ من الأغنيةِ، فلم يسعني إلاّ أنْ أُصفِّقَ لها وأنا بينَ الدهشةِ والإعجابِ.. كيفَ استطاعتْ هذه الطفلةُ التي لم تتعَدَّ الرابعةَ من غناءِ هذه القطعةِ المعقَّدةِ، ومتى تعلَّمتْها.؟..ومضتِ الأيامُ، فإذا بها تُغنِّي [ما أحلى الحبيب] و[يا نبعة الريحان] ومجموعة الأغاني المعاصرة، فعرفنا أنْ سيكونُ لها شأنٌ في الموسيقى.

وفي عام 1939 تعلّمت أُنشودة (حبيت وشفت كثير وقليل) للآنسة ليلى مراد. وفي عام 1940 ظهرت ميزاتُها الموسيقيّةُ تماماً، وبدأ صوتُها يحلو لي، وتعمق نبراته.. وفاجأتنا يوماً بأنْ راحتْ تغنّي القطعة الخالدة [الجندول] بصورةٍ مدهشةٍ.. وأصبحتْ تُميِّزُ الأغاني حالَ سماعِها للموسيقى التي تسبقها . ومنذُ ذلك الوقتِ أصبحتُ أُدربُها على الغناء، وآخذُ بيدِها .

وهي تجيدُ الآن جلَّ [أُغنية الكرنك] للأستاذ عبد الوهاب.. وقد حدث [هنا انتهت الصفحة الثالثة من مذكرات نازك] منذ أسبوعين أنْ كنَّا جالسينَ في السطحِ وأنا أُغنِّي:

أنا هيمـانُ ويا طـولَ هُيامي

صورُ الماضي ورائي وأمامي

وهو أعقدُ أبياتِ الأُغنيةِ ألحاناً، ولم أُحاولْ أنْ أُعلِّمهُ لها خوفاً على ذهنها من التعبِ . وصدفَ أنْ قلتُ: [أنا هيمانُ] وصمتُّ قليلاً، فظنَّتْ سُها أنَّني لا أستطيعُ تكملةِ النغمةِ، فأكملتها قائلةً: [ويا طولَ هُيامي] بصوتِها الجميلِ،.. وكانَ النغمُ الذي غنَّيتُـهُ وأكمَلَـتْهُ معقَّداً، ولم يكررْهُ المطربُ في الأُغنيةِ قطُّ، فدهشتُ دهشةً عظيمةً.. وعرفتُ أنَّني يجبُ أنْ أعترفَ بأنَّ سُها مِمَّنْ يحقُّ الافتخارُ بهم. وهي تجيدُ الأغاني التالية الآن: - (من غير ميعاد بيني وبينك) و(يا جارتي ليلى) و(ولا كلمة) و(هو الدلال) و(ياريتني أنسى) و(انت وعذولي وزماني) و(الجندول) و(الكرنك) و(حبيت وشفت كتير) و(يلّي زرعتوا البرتقال) و(يا ورد مين يشتريك) و(على بلدي المحبوب) و(ما أحلى..)

وهي تُحبُّ الموسيقى حُبَّاً عظيماً، ومن ذلك أنَّها ما تسمعُني أُغنِّي حتى تقبل فتقف بجانبي صامتةً أوّلاً، ثمَّ تضيف فتقول: (نازك.. نغنّي الجندول)، وقد يصدفُ أنْ أكونَ أنا أُغنِّي الجندول، فتقول إذ ذاك نغنيها من أوّلِها..،، فأنزلُ عند طلبِها .

وزارنا تيسير صابر مساء يوم الجمعة 18 نيسان 1941، فجلستْ سُها بجانبي تنظرُ إليهِ.. وأخذ يغنّي أغنية الجندول، فأصغت بانتباهٍ، فلمّا أن بلغ قوله [هنا انتهت الصفحة الربعة من مذكرات نازك]:

أنا من ضيَّعَ في الأوهامِ عُمْرَهْ

نسـيَ التأريخَ أو أُنسيَ ذكْرَهْ

غنّاها باقتضابٍ، فلم يتفق ذلك لا مع الاسطوانة، ولا مع الشريط، فنظرتْ إليَّ وهتفتْ مستنكِرةً: (هذا خطأ.. إنَّه لا يُغنِّـيها هكذا)، ولمّا قالَ المطرب:

قُلتُ والنشوةُ تسري في لساني

هاجتِ الذكرى فأينَ الهرمـانِ؟

لفظَ كلمة الذكرى بقولهِ [الزكرى] فردّدتْ سُها لفظهُ مقلِّدةً، ولمسَ تيسير جابر فيها هذا الحبَّ العميق للموسيقى، وذاك الاطلاع النادر، فسألها أن تغنّي، فتملَّكها الخجلُ الشديدُ، وفرَّتْ من الغرفةِ مرعوبةً لا تلوي على شيء، وعبثاً حاولتُ أنْ أُقنعَها بأنْ تُغنّي.. وكانت النتيجة أنَّها ذهبتْ إلى سريرِها، وتظاهرت بالنومِ لكي لا تُغنّي أمامَ الحاضرين. والواقع إنَّ هذه نقطة ضعفٍ فيها، ولا أدري كيفَ أحتالُ لإزالتِها.

ومن الحوادثِ الطريفةِ التي تُشيرُ إلى حُبِّها العظيمِ للموسيقى أنَّنا كُنَّا نتعشّى في صحنِ الدارِ في أمسيةٍ من أماسي صيف 1938 على ما أتذكَّرُ وكانت سُها جالسةً على كرسيٍّ صغيرٍ وهي تأكلُ وتترنَّمُ بإنشودةِ الأستاذِ عبد الغني السيَّد:

قوليلـي إيـه غيّـرْ حالي

ما اعرفش إيـه اللي جرالي

فلمّا أنهتْ البيتَ الأوّل، وعادت إلى [القرارِ] قالت: (قوليلي) ولم تكملْ إذ انقلبَ بها الكرسي، فسقطت على الأرضِ، وانسكبت الملعقةُ وفيها حساءٌ ساخنٌ على ثيابها.. وفزعنا جميعاً، فنهضنا لنساعِدها في القيامِ.. ولكنَّها نهضت وكان أوّل كلامٍ لفظتْهُ هو بقيَّة اللحنِ الذي عاقها السقوطُ عن إكماله وهو (.. غيّر حالي) وكان صوتها مرتجفاً من أثرِ سقطتها..}¹

تميلُ سها الملائكة أيضاً إلى المطالعةِ اليوميّةِ، والقراءةِ المستدامةِ للشعرِ، لكنَّها ليست شاعرةً على الرغمِ من أنَّها كانتْ تنظمُ في طفولتِها بعضَ المقطوعاتِ على وفقِ ما وردَ في مذكَّرات نازك التي نسخنا بعضَ أوراقها، وحفظناها في أرشيفنا، وسيرى القارئ الكريمُ صورةً لإحدى صفحاتها مع هذه المقالة.

لكنَّ أجملَ شيءٍ في هذه المذكّرات التي تسميها نازك (كتاب سُها) هو أنَّ هذه الأسرةَ الشاعرةَ كانت ذات تكوينٍ ثقافيٍّ رصينٍ لم نرَ مثيلاً له في أُسرٍ بغداديَّةٍ أخرى، فمنذُ الصغر كانوا يحفظون النصوصَ التي يكتبُها الوالدُ صادق الملائكة لهم، وهي نصوصٌ ذات شأنٍ عائليٍّ، وعلى مجزءات البحور القصيرةِ كي يسهلَ استظهارها، وتكونَ لصيقةً بهم ليس غير، (ومن طريف ما يذكر هنا ـ على وفق قول نازك الملائكة في تلك المذكّرات ـ أنَّ أبي جمعنا ذات ليلة، وأُمّي لمَّا تلد سُها بعدُ، فنظم لنا نصين عائليين كان أوّلهما بعنوان [تحيّة أُمّي] ومطلعهُ:

يا أُمَّـنا يا غاليـةْ

يُعطيكِ ربّي العافيةْ

*

أنـتِ لنا مـعـاذُ

ومـلـجأٌ مــلاذُ

وثانيهما بعنوان [نحنُ] وهو هكذا:

نازكُ بنتٌ نافعـةْ

لأُمِّـها مطاوعـةْ

*

ومثلـُها إحسـانُ

حـجـالُها فـتَّانُ

*

وهكـذا ســعادُ

يُحِــبُّها الأولادُ

*

وحـبَّـذا نِــزارُ

يحمـدُهُ الأبـرارُ

*

وشبـهُـهُ عصامُ

مبجـَّـلٌ هُـمامُ

*

أمَّا لُبيني الحلوةْ

فهيَ لنفسيْ سلوةْ

*

وفـي سُها الجمالُ

قد تمَّ والكمـالُ)²

***

أسرةُ الملائكة أسرةٌ مبدعةٌ في الشعرِ، والبحثِ الأدبيّ، والنقدِ، والترجمةِ، وما إليها، وقد وقفتُ على ما كان لها من آثارٍ إبداعيّة حين كتبتُ أطروحتي للدكتوراه الموسومة بـ [نازك الملائكة الناقدة]، فربُّ الأسرةِ صادق الملائكة كان شاعراً له أرجوزة من ثلاثة آلاف بيت، وله دراساتٌ أدبيّةٌ عديدةٌ لاسيّما موسوعته المخطوطة [دائرة معارف الناس] التي تقع في عشرين مجلَّداً، وربّةُ البيت سليمة الملائكة التي عُرفت باسمها الأدبي (أمُّ نزار الملائكة) شاعرةٌ أيضاً، ولها ديوان (أنشودة المجد) صدر بعد وفاتها، أمّا نازك الملائكة، فلا يمكن إيراد مالها من آثار شعريّة، ونقديّة، وقصصيّة، ودراسات، ومقالات، وكتب في هذه المقالة،ولعلَّ الببليوغرافيا التي خصصتُها لها في مجلة الأقلام البغداديّة دليل على ذلك، فقد شكّلت ما يوازي كتاباً.

أمّا إحسان، ونِزار فقد نظما الشعرَ أيضاً،وكانت لإحسان مشاركات إبداعيّةٌ في الكتابة والترجمة، ولعلَّ من المفيد هنا أيضاً تذكير المتلقّي أنَّ خالي سُها وهما: الدكتور جميل الملائكة، وعبد الصاحب الملائكة شاعران لهما آثارٌ مطبوعة³.

1449 مذكرات نازك الملائكة

سُها الملائكة التي عُرفت باسمها الأدبيّ (سُها والقمر) في صفحات التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) على درايةٍ في ما يهدف إليه الشعر من شأوٍ فنّي، وقد كانت وفيّةً لتراثِ شقيقتها نازك، لاسيّما تراثها الشعريّ، وهي تنشرُ بين الحين والآخر نصوصاً لنازك أظنُّ كلَّ الظنِّ أنَّ شبيبةَ اليومِ من الشعراءِ لم يطّلعوا عليها، لذلك فإنَّ نافذتَها الهادفةَ ستكونُ معيناً لهم لو انتبهوا إليها، فهذه السيّدة، وإن لم تكن شاعرةً إلاّ أنّها تمتلكُ لغةً صافيةً لا تمتلكُها بعضُ من يكتبنَ النصوص المفتوحة من الشواعر، وهي حريصة على نسيجها البياني، وكثيراً ما تتبرَّمُ من كثرةِ الأخطاءِ التي تردُ في كتابات بعضهم، (وبعضهنَّ)، وقد دعتهم إلى الاهتمام باللغة، ومعرفة أسرارها، وتجنّب الوقوع في الخطلِ اللغويّ،والإملائي، ولعلَّ تبرَّمها لن يجدي نفعاً مع هذا الكمِّ الهائل ممَّن عُرفوا بشعراءِ الصدفة، وشواعرِها.

وإليكم لمحة واحدة ممّا نشرته سُها الملائكة (سُها والقمر) في نافذتها، كي تتبيَّنوا كيف تهتمُّ بما تنسجه من كلام:

[سها والقمر

26/ آذار/مارس/2019

أهوى الكتابة، خلال سنوات دراستي كلها كنتُ أحصلُ على درجةٍ كاملةٍ في اللغة العربية، وفي مادة الإنشاء بشكل خاص، وفي نهاية كل عام كنت أُعفَى من امتحان اللغة العربية واللغة الإنكليزية على السواء، أتذكرُ فيما أتذكرُ أنَّ إحدى مدرّساتي وأنا طالبة في الصف الثاني المتوسط همّشتْ على موضوع إنشائيّ كتبتُه بالقول: (أتمنى أن تكوني أديبة العراق في المستقبل !) وقد اعتبرتُ ذلك الهامش أعظمَ وسام نلته في حينه!!.. وخلال دراستي الجامعية، وهي أحلى فترة دراسيّة عشتُها كنتُ ألتقطُ الأحداثَ الغريبةَ التي تحدثُ في الفصل وأنا طالبة في قسم اللغة الإنكليزية، فأدوّنها ثم أحيلها إلى موضوع شيّقٍ أكتبه، لم أكنْ اكتب لذاتي، لا، لم يكن ذلك طموحي، بل كنتُ أطمحُ في أنْ انشرَ ما أكتب !

في تلك الفترة كانت هناك صفحة خاصة في إحدى الصحف المحليّة اليومية التي تصدر في بغداد يحررها القرّاء تصدر أسبوعياً بدا لي أنها أُنشئتْ من أجلي !! فبدأتُ بالنشر فيها تحت عنوان (مذكرات طالبة جامعية) وذلك باسمٍ مستعار وليس اسمي الحقيقيّ حيث أن أبي كان يرفض أن انشر شيئا باسمي، وكنت أتابع ما يرد من تعليقات حول ما أنشر، فكانت جميع التعليقات تسعدني وتُرضي غروري، لكنها لم تكن كافية، فكنتُ أطمحُ في معرفة رأي أختي الأديبة والشاعرة نازك ومن ثَمّ رأي أختي الأديبة إحسان الملائكة فيما أكتب، فكيف السبيل إلى ذلك وأنا أنشر باسم مستعار؟!

كانت الصفحة تصدر كل ثلاثاء، فكنت أغادر الدار صباحاً وأبتاع الجريدة، ثم أضعها في زاوية من زوايا غرفة الجلوس أُدرك تماماً أنَّ نازك ستمرّ بها، وكنتُ أراقب ما تقرأ، وأنتبه جيداً إلى تعليقاتها حول ما تقرأ هي وأختي إحسان، ولم يطل انتظاري طويلا فقد لفت نظري ذات ثلاثاء أنَّ نازك كانت تقرأ مذكراتي باهتمام، الأجمل من ذلك أنها التفتت إلى أختي إحسان وقالت لها: (هل تتابعين ما تكتب س..؟) ردّتْ إحسان قائلة: (نعم أنا أُتابعها باستمرار) قالت نازك: (أسلوبها راقٍ جداً، كما أنها تتناول مواضيع شيّقة وممتعة، ولا أدري ما سبب إحساسي بأنها ليست بعيدة عنّا كثيراً!)

تنفستُ الصُعَداء ! وسحبتُ نفَسا عميقاً فيه فرح الدنيا وسعادتها كلها! إذن فقد نجحتُ في الاختبار، وهاهي أرقُّ أديبة وشاعرة تشهد لي بذلك !!

تمالكتُ دموع الفرح وكتمتُ ابتسامةً بدتْ على وجهي في محاولة لإخفاء أيّة أحاسيس بالفرح لئلاّ يكتشفوا أنَّ الفتاة الجالسة أمامهم هي نفسها تلك التي كتبتْ ما قرأوا، واستحقّتْ إطراءهم !!

سها الملائكة].

حفظ الله سُها الملائكة، وأطالَ في عمرها، ونفع الناسَ بما تكتبه ومتَّعها بالسعادة، وأحاطها بالأمان، مع أولادها سؤددٍ، وديار، وحفيديها: عوني، وأحمد .

 

عبد الرضا عليّ

....

إحـــالات

(1) من دفتر مذكرات نازك الملائكة عن أختها سُها. ص6.

(2) من دفتر مذكرات نازك الملائكة عن أختها سُها. ص: 1 ـ 2.

(3) يُنظر كتابنا: نازك الملائكة الناقدة،26 ـ 27،ط2، دار الحكمة ـ لندن 2013م.

 

علجية عيشللمرة الثانية يغيب الإحتفال بذكرى وفاة العلامة الجزائري عبد الحميد ابن باديس، رائد النهضة الإسلامية والحركة الإصلاحية في الجزائر وفي الوطن العربي ومؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الأولى كانت بسبب الحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 التي أرادها جزائريون أن تكون باديسية لا باريسية وهذ ا العام بعد فرض الحجر الصحي إثر ظهور فيروس كورونا كوفيد 19، وكما هو معلوم فقد حفلت مسيرة العلامة الإمام عبد الحميد ابن باديس بالمشاهد والتحديات الفكرية والتاريخية في الدفاع عن الهوية والعروبة، فكانت حياته كلها مواقف، جعلته موضع انتقادات وهجوم من أعداء حاولوا تكسير مسيرته، والطعن في منهجه الإصلاحي، بالرغم من أن منهجه كان منهجا حاملا للقرآن هدفه الإنسان

و لعل إحياء ذكرى وفاة العلامة عبد الحميد ابن باديس المصادفة للسادس عشر (نيسان) أفريل من كل سنة فرصة للعودة إلى مساراته الإصلاحية وتمسكه بالثوابت من أجل الحفاظ على الهوية وبناء مجتمع واعي، لاسيما وهو القائل أن الأمة الجزائرية ليست فرنسا ولن تكون كذلك، فقد كان رهان ابن باديس هو بناء دولة ترتكز على الرقي العلمي والثقافي والتاريخي للبلاد، باعتبار أن التاريخ واحد من المرجعيات التي تبنى بها الهوية الوطنية، فقد تميزت مسيرة الإمام عبد الحميد بن باديس بتصحيح العقائد ألإسلامية التي تسربت إليها البدع والخرافات من جراء بعض الممارسات الطرفقية، وكذا الصراعات السياسية، كانت الساحة الجزائرية ترزح تحت وطأة أبشع نظام استعماري عرفته البشرية استهدفت فيه العقائد، فكان على ابن باديس إلا أن يقف في وجه الفرنسة والتغريب، حيث أسهم في إثراء اللغة العربية وأصول الحكم وإشكالياته، فكانت نصوصه وكتاباته لا تخلو من السياسة وهو يُعَبِّرُ عن مفهوم الوطنية والهوية بتعبير حديث، أما على الصعبد الفكري الفلسفي، فقد كان لإبن باديس ثقافة فلسفية دينية، قريبة إلى حد ما بفلسفة محمد عبده، فكانت له إضافات في هذا الجانب.

تشير دراسات أن ابن باديس تأثر ببعض العلماء حين التقى بهم بجامع الزيتونة على غرار أستاذه الشيخ محمد البشير صفر، الذي كان له الفضل في اطلاع ابن باديس على أمته ووطنه وبث فيه الروح التي جعلت منه عالما مصلحا، كما تأثر ابن باديس بالفكر الخلدوني، حيث حرص حرصا شديدا على دراسة مقدمته الشهيرة وتدريسها لتلامذته بعد كل صلاة الفجر، كذلك الشيخ محمد النخلي المتوفي عام 1824، وكان هذا الأخير قد وجّه ابن باديس إلى التركيز على التاريخ الأصولي في الأندلس، وكتابات ابن العربي، ومن هذا المنطلق عكف ابن باديس على دراسة كتاب "العواصم والقواسم"، الذي الفه ابن عربي، وتكفل بنشره عام 1928 على نفقته، بالمطبعة الإسلامية بقسنطينة وهو يقع في جزئين، والذي كما يقال أقام إمبراطوريات وأسقط أخرى وهي واحدة من مخطوطات ابن العربي، ولعل تحقيقاته لهذه المخطوطة إحدى الدلائل التي تجعل من ابن باديس محققا ومدققا، حينما عكف على دراسة مرحلة النبوة وما بعد النبوة، وتحليله مجتمع الخلافة الراشدة، بعدما رأى أن التصورات المذهبية والسياسية مسّت التاريخ الإسلامي في محطاته الواسعة، وبالخصوص المرحلتين الأموية والأندلسية، وما شهدته من صراعات قومية شعوبية.

و قد تحدث الباحثون عن هذه المخطوطة لاسيما الدكتور الطاهر بونابي مختص في التاريخ الوسيط من جامعة المسيلة، تحدث هذا الأخير عن المشروع النهضوي عند ابن باديس وقال أن الوعي التاريخي هو حالة الشعور بالذات والهوية في إطار ما سمّاه ابن باديس بالإسلام الذاتي الذي هو حالة من التحقيق والنقد في مناهج العلوم، مشيرا أن ابن باديس لم يستمد وعيه التاريخي من الفلسفات النظرية، وإنما هناك دوافع جعلته يقف على التاريخ العربي الإسلامي في القرن السادس هجري أي العاشر للميلاد وسمّاه إنسان ما بعد الموحدين، لقد لعبت المدرسة الباديسية دورا هاما في تربية النشء وبرز منها كتاب ومؤرخون وأدباء وفلاسفة وأصبحت شهرتها إلى جانب المدرسة العبدوية (نسبة إلى محمد عبده) عالمية في الشرق والغرب، وهناك من حمل رايته بعد وفاته، ومنهم المؤرخ الجزائري امبارك الميلي، ونجله محمد الميلي، الفقيه الشيخ أحمد حماني، وأحمد رمضان، وعبد الرحمان شيبان وغيرهم، وكما قال الدكتور عبد الرزاق قسوم الرئيس الحالي لجمعية العلماء المسلمين الجزائيين، فالجزائر اليوم بحاجة ماسّة إلى المنهج الباديسي، للقضاء على ظواهر التفكك الإجتماعي والسياسي، والثقافي، وإعادة تصحيح المفاهيم الحضارية وتأصيل معانيها خاصة في هذا الظرف بالذات أضحت تعاني شتى أنواع الإضطرابات.

التجربة الباديسية في الدفاع عن الهوية الوطنية

لقد كان الإمام عبد الحميد بن باديس في دروسه يدعو طلبته إلى الإلمام بالماضي وقراءة التاريخ، والدفاع عن الهوية الوطنية وكان في كل حلقاته ودروسه يردد على مسامعهم بأنه وجب معرفة التاريخ، ويؤكد لهم أن من عرف تاريخه جدير بأن يتخذ لنفسه منزلة لائقة به في هذا الوجود، السؤال الذي وجب أن يطرح اليوم هو كالتالي: كيف يمكن لهذا الجيل أن يستفيد من تراث ابن باديس؟، لا شك أن الرد سيكون بتنزيل تراثه على الواقع حتى لا يبقى مجرد فكرة بل وجب تحويله إلى ممارسة يومية من خلال معالجة القضايا الحسّاسة التي آمن بها الجيل الحالي الذي خرج في مسيرات شعبية لأكثر من سنة وقال : "نريدها جزائر باديسية لا باريسية" وناشد بالتغيير الجذري في مختلف مجالات الحياة لاسيما الجانب الإجتماعي والثقافي، ومحاربة "التغريب" و"الفرنسة" التي تحاول أطراف تكريسها في الثقافة الجزائرية الأصيلة، وهو بذلك أراد التعبير بأن جيل اليوم جيل واع بل أصبح أكثر وعي ويريد السير على منهج الإمام ابن باديس، بالمحافظة على الأصول والإنفتاح على العصر المعروف بالأصالة والتفتح والدفاع عن "الهوية" الوطنية من دين ولغة وانتماء حضاري، يقول ابن باديس : "لقد درست تاريخ الأمم، فوجدت الأمم تنهض بشيئين اثنين: إما بكثرة العلم، وإما بكثرة الظلم، أما العلم فنحن فيه فقراء، وأما الظلم فنحن فيه أغنياء، اللهم إن كنت تريد إنهاضنا بكثرة الظلم فنحن لك من الشاكرين"، فابن باديس كما يقول الدكتور مصطفى باجو من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة لم يغفل ما أبدعه العصر من وسائل التأثير وتشكيل الرأي العام والتأثير على مجريات الأحداث فتوجّه للصحافة وأنشأ الجرائد لمتابعة الأحداث ومعالجة الأدواء وتبصير الناس بحقيقة الإستعمار الذي أراد أن تكون الجزائر فرنسية.

وهو يرافع لصالح الهوية الوطنية، قال الإمام عبد الحميد ابن باديس: " إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضعة عشر قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم من الشدّة والرخاء، وتؤلف بينهم في العسر واليسر وتوحدهم في السرّاء والضرّاء حتى كوّنت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصرا مسلما جزائريا، أمّه الجزائر وأبوه الإسلام"، في هذه العبارة الذهبية المقدسة يتجلىّ أثر التربية الإسلامية في صناعة الضمير الجزائري الحرّ، القائم على الوئام والمصالحة والتسامح مع الناس مهما اختلفوا، فقد بيّن ابن باديس أن الهوية الوطنية تتشابك فيها خيوط العروبة والأمازيغية ويستظل الجميع تحت راية الإسلام التي وحّدت الصفوف وصهرت القلوب عبر التاريخ، وهي لا شك تجربة شاملة ورائدة تؤكد عظمة الشعب الجزائري الذي يواجه اليوم مخططات ذكية لطمس معالم الشخصية الجزائرية والسعي للهيمنة الفكرية عليها تحت ستار العولمة الثقافية في إطار صراع الأقوياء، لإحتلال مواقع النفوذ في عالم الفكر والثقافة والإقتصاد، هذه الظروف دفعت بجيل العصرنة الخروج إلى الشوارع في مسيرات شعبية عرفت بثورة 22 فبراير، للتصدي لكل ماهو تغريبي بالرغم من تطور التقنيات وتنوع الإمكانيات ودخول عصر الإنترنت الذي جعل العالم كله قرية صغيرة.

فرنسا وظفت جمعية الآباء البيض ضد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

فمن يقرأ فكر ابن باديس وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين يقف على حقيقة أنه داع للقومية الإسلامية (لا هي عربية ولا هي أمازيغية ولا هي علمانية ولا هي بعثية) مرتكزا في ذلك على التربية الإسلامية والثقافة الإسلامية وليس على وحدة الأصول "العرقية"، وقد ذهب بعض الباحثين في هذا الإتجاه ومنهم الدكتور أحمد بن نعمان الذي عالج في بحوثه المغالطات العرقية في القومية عند ابن باديس ومنهجه في تشخيص الواقع العربي والإسلامي، واقع تعددت فيه الإتجاهات فمنهم من قال ان التراث الثقافي والإجتماعي المشترك هو أساس التجنس في الوطن العربي، وأعطوا ضمنيا فكرة العِرْق أهمية بالغة ومنهم الأمير مصطفى الشهابي الذي يفضل الدم العربي على باقي الأقوام، فيما عبّر معارضون عن رفضهم فكرة وحدة العرق في تكوين المجتمع القومي من أساسها، ولذا عمل ابن باديس على إبعاد العامل العرقي في تكوين الأمّة المبنى أساسا على وحدة الدين ووحدة اللغة وآدابها، فبالرغم من أنه أمازيغي قحّ، فقد كرّس ابن باديس الصنهاجي حياته مدافعا عن اللغة العربية والعروبة مختلفا في ذلك عن أصحاب الإتجاه الأممي الذي يعتمد على الدين وحده ويسقط العوامل الأخرى كاللغة والثقافة والتاريخ، ومختلفا كذلك عن الإتجاه العلماني الذي ينفي عامل الدين في القومية وخاصة الإتجاه البعثي لأسباب طائفية.

كانت الحرب الباديسية حرب أفكار وقيم، فقد قدم ابن باديس ورفاقه في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين صورا زاهية تنطلق من التذكير بفترات من الماضي التاريخي الزاهر وتغذية الآمال بمستقبل يتحررون منه من الإستعمار، لم تكن الحرب بين الجزائر وفرنسا حربا عسكرية واقتصادية فقط بل كانت حربا دينية بكل المقاييس، لكنها كانت حربا غير متكافئة، لأن ميزان القوى فيها راجع لفائدة علماء الإصلاح في الجزائر والوطن العربي الذين قطعوا أنفاس الإستعماريين، الذين لاحقوا جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والتصدي لها ومحاربتها منذ تأسيسها في أعقاب الحرب العالمية الأولى (1931)، ومحاصرتها إعلاميا من خلال توقيف صحفها من قبل الإدارة الفرنسية على غرار صحيفة المنتقد الأسبوعية التي أسسها الشيخ ابن باديس عام 1924 بسبب موقفها من حرب الريف والزعيم عبد الكريم الخطابي، وما لحقها من صحف، وتؤكد الكتابات التاريخية أن الإمام عبد الحميد ابن باديس ركز جهوده في مواجهة الإحتلال الفرنسي على منطقتين هما: الأوراس من جهة وبلاد القبائل من جهة أخرى، وهذا ما جعله يفكر منذ 1924 في تأسيس حركة يكون مقرها مدينة قسنطينة.

كانت أولى حربه التصدي لجمعية الآباء البيض التي سعى الإستعمار إلى توظيفها، كذلك جمعية الأخوات البيض للتبشير بالمسيحية في بلاد القبائل في اوقت الذي حرك فيه افستعمار بعض الزوايا الطرقية لإقناع سكان الأوراس بالخضوع والتسليم بالأمر الواقع على أن الإستعمار قضاء وقدر، فكان ابن باديس في مواجهات عنيفة مع الزوايا والطرقيين، وقد تمكن من السيطرة على الوضع في بلاد القبائل، لأن الزوايا كانت مرتبطة بالسكان ولم تكن متحالفة مع الإستعمار، ومن ثم أدت خدمة كبيرة للغة العربية ونتشط ابناؤها في خدمة حركة الإصلاح الديني سواء كانوا من الجيل القديم مثل الشيخ ابو يعلى الزواوي، أو من الجيل الذي جاء بعده مثل الشيخ سعيد صالحي، والشيخ سعيد البيباني، وهذا باإعتماد على التراث الذي خلفه كل من الشيخ الحداد والمقراني وفاطمة نسومر، أما في الأوراس فقد لعبت الزاوية الدردورية رفي التصدي لمخططات الإستعمار، فعلى الرغم من أن دستور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين غير سياسي، إلا أنه كان لها دور سياسي، فكانت حركة سياسية وطنية في كل تجلياتها ومعانيها، يقول المؤرخ شارل روبير أجرون: إن حركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين اتخذت مواقف سياسية تتعارض بصورة مطلقة مع النفوذ الفرنسي، فقد حاربت التفرنس عن طريق تطوير صحافة عربية"، كانت هذه الإستراتيجية السياسية التي رسمها ابن باديس ضمن خطته الإصلاحية الشاملة لبعث الوعي في النفوس ورشد الأفكار.

 

إعداد/ علجية عيش

 

كاظم الموسويخبر الفاجعة سريع الانتشار.. وفي زمن جائحة الكورونا وبسببها يتحول إلى بلاغ للجميع. في ما يخص العراقيين والعراق، كل خبر من هذا النوع فاجعة أخرى. فاجعة تضاف الى ما يعانيه الوطن/ العراق، ابسطها أو اقلها غياب ابنائه الطويل في المنافي.. وبُعد المسافات.. وتدور السنوات عليهم، وتطول الايام معهم وتصبح أواخر العمر لهم فيها صفحات فجيعة.

جاءت جائحة الكورونا تتهاوى بمشيتها وتخطف الأرواح المنتظرة املا والمشرأبة لغد أفضل او اسعد.. تطارد دون ان تفرق بين الناس ولا تمزح مع  من تقترب منه او تحتك به..لا عمرا ولا جنسا، لا ثروة أو فقرا، لا لونا أو دينا، لا لغة أو بلدا.. الكل أمامها سواسية كاسنان المشط.. ومرت علينا .. أعداد تتوالى واسماء تتردد..اصبحت قوائم كل يوم يفوت!..

صباح يوم الاثنين 2020/04/06 في لندن فجعنا بخبر رحيل الكاتب والقاص والمناضل الدكتور صباح علي الشاهر.. بفايروس الكورونا، وصباح صديق عمر، لعقود من الزمن، بيننا اخبار واسرار.. ربطتنا المهاجر والمنافي بعد المقاهي و"الحزب" و"الاتحاد" و"طريق الشعب" وأزقة "الفضل" و"القصر الأبيض" ودروب "الكفاح"و"الثورة"..

كانت أياما وساعات  ولقاءات وانتظارا واملا بشمس عراقية ونخيل مثمر بانواعه التي لا تعد.. هناك على ارض الرافدين، الوطن المبتلى، لا في المنافي البعيدة طبعا.. ولكنها .. دارت بنا الأيام فغرّبتنا وابعدتنا وشردتنا وفرّقتنا فرادى وجماعات .. قاسية هي الايام، صعبة ومؤلمة وحتى جارحة.. أي دنيا هذه وأي جائحة سابقة.. وبعدها اللاحقة والتي تزورنا الان؟!.

في صوفيا الخضراء، سهولا وجبالا وشوارع ممتدة ومكتظة، التقينا في اكثر من سفرة ولمة تغيير وشمة هوا بارد تحت غيوم الربيع المزخرفة لسمائها الزرقاء الصافية، كلوحة فنية لفنان قدير، رغم المنع الحزبي وسرية العمل والعواقب، في تلك الظروف وصعوبة الايام والأحكام، حتى اكملنا دراساتنا العليا ونجحنا بتفوق وامتياز..

وسبقها في الجزائر الفيحاء، على سواحلها الغناء وبحيراتها الثرية اشتركنا في جولات ونشاطات.. تبادلنا الحسرات والهموم والرؤى والاجتهادات.. خدمنا شعبنا الشقيق هناك، وظيفة وملجأ ليس اختياريا في كل الأحوال.. ثم التقينا في لندن، حيث انتهت بنا الرحال،  ورست السفن على ضفاف التايمز وشرق وغرب عاصمة تشرشل وتوني بلير..

صباح الشاهر، أديب وسياسي، صحفي وقاص وروائي، اسم معروف، جمع بينها بروية وحلم وخيال، وسرد منها ما استطاع، وبقيت عالقة سطور أو صفحات أو فصول لم تنته حكايتها بعد. بدا الأبداع في القصة القصيرة والكتابة الصحفية النقدية، وواصل في الرواية والبحث الأكاديمي، والمقال السياسي. نشر كتبا لمجموعات قصصية وروايات وفي انتظار لغيرها المخطوط والمعد..

له صفاء ذهن ورقة موقف.. يمكنك معه الاختلاف أو الاتفاق، تحترم رأيه أو تنتقده، تتقبل منه ما لا يقبل أو ترفض منه ما لا يرفض.. بساطة وغضب، وسهولة وانحياز لشعب ووطن وصداقة ورفقة محنة ضدالحصار الجائر والقمع المرفوض وشجن السجن وكارثة الغزو والاحتلال طبعا.. بوصلته لا تحيد ولا تعرف الانحراف.. صوت وطني تلتقي معه وتختلف، تجتمع معه وتفترق، يشد الى ثوابت وقضايا الشعوب والأمة، يطرب لانتصاراتها ويحزن على النكبات والنكسات والخيبات وما أكثرها في زماننا الذي كتبت خطواته علينا. لكن الأهم هو انه بقي وفيا وحالما لصباح برونق وشوق واصالة واصيل. (اسماء بناته وابنه)، مؤمنا بقناعة تامة  بالقيم الإنسانية وبضرورة العدالة الاجتماعية والتكافل الإقتصادي والتعاون الجماهيري وخاصة في بلد كالعراق، ربعي يعتمد على مورد واحد في ميزانيته، ويستأثر فيه من يستلم السلطات، وهم في كل الأحوال أقلية الاقلية، وتجوع أو تجوّع الاكثرية، من أبناء الشعب والوطن، من شغيلة اليد والقلم، من الفقراء والمحرومين والمستضعفين. وكان يدعو دائما الى الحوار واحترام الاخر، مهما كان ومن اين يكون، خاصة في الوطن الواحد، وينظر بتفاؤل الى مستقبل أفضل لأبناء الرافدين والأمة العربية.

في زمن الحظر الصحي والابتعاد الاجتماعي لا تعرف كيف ترد على أسئلة عالقة وأجوبة ممنوعة أومحسومة قانونا وإجراء..  رحل صباح في المستشفى البريطاني وتبادلنا الخبر وكلمات عنه في التواصل الإلكتروني ولكن خسرناه..ونخسر كل يوم .. خسرنا رؤية بأبعاد وطنية قومية انسانية، تمسكت بجذورها وتعايشت مع نسقها وتطورها الأيديولوجي بمنظار حداثي وسعي للمساهمة في التجديد والتطوير والإبداع. في مقالاته الأخيرة عن الوضع السياسي في العراق كان حادا وغاضبا لما الت إليه الأمور واشتبكت مع  أفكاره وقناعاته والتسارع في التغيرات والتحولات. وقف بأمانة مع شعبه وآماله في التغيير والمستقبل المشرق، منفيا في بلاد الخواجات، بعيدا عن السماوات الاولى، والسماوة المدينة، والاقارب ووادي السلام.

أهكذا تمضي السنون؟،

 ونحن من منفى الى منفى،

 ومن باب لباب

نذوي كما تذوبي الزنابق في التراب. (عبد الوهاب البياتي)

في زمن جائحة الكورونا، غطتنا اخبارها، وصرنا كل مرة نخاف من فتح هواتفنا وبريدنا الالكتروني، خشية وتوقعا، سنواجه بما يزيدنا لوعة والما وحسرة. حتى هذه الوسائل تأثرت بالمكروه، وتحولت إلى المحذور من الإدمان والمستور.

الرحمة والذكر الطيب للفقيد الغالي ولاهله واصدقائه الصبر والسلوان..

 

كاظم الموسوي

 

عصمت نصارمَصَابيحٌ في دائرة الظِّل

يصنف المعنيون بدراسة الفكر العربى الحديث، أعلامه واتجاهاتهم إلى محافظين ومجددين ومتطرفين مبددين، وذلك تبعًا للنسق العام لخطاباتهم ووجهة مشروعاتهم وانطلاقاتهم وموقفهم من قضايا: التراث والتجديد والحرية والوعى والإصلاح.

غير أن هذا الدرب من التصنيف لا يصدق إلا على أصحاب المدارس الفكرية الكبرى، أعنى الاتجاهات النهضوية والمنابر التنويرية التى ظهرت فى مصر والشام وتونس منذ العقد الثالث من القرن التاسع عشر، أما المفكرون غير النسقيين فكانت موقفهم تتباين - إلى حد التناقض- وفقًا للقضايا المطروحة باعتبارها المحرك الأول للأفكار والآراء، فنجد من بين هؤلاء المفكرين من ينتمى إلى الاتجاه المحافظ فى تناوله قضايا الأدب واللغة، ونألفه ثائرًا متحمسًا لقضايا الحرية على النموذج الأوروبي، ونرى منهم من ينضوي تحت راية الليبراليين فى ميدان العقيدة والسياسة، وسرعان ما ينقلب على وجهته انتصارًا للعادات والتقاليد خلال مناقشته قضايا المرأة وحجابها، ويعنى ذلك أنه ليس من الغريب أن نجد من التقليديين المتشيعين للموروث والمنافحين عنه من يدافع عن قضايا العلم الحديث وضرورة الأخذ به للقضاء على الخرافة والبدع وتخليص العادات والتقاليد من الآفات التى أفسدها الجهل، بل انتحال بعض النظم والمناهج الغربية فى شتى الميادين -ما دامت لا تتعارض مع الثوابت الشرعية ومقاصدها- وينادى بتحرير المرأة ويدافع عن حقوقها التى سُلبت منها وحرمتها من إنسانيتها باسم الدين تارة والمجتمع الذكوري تارة ثانية وجهل المتعالمين تارة ثالثة، وأحسب مفكرنا الذى سوف نتحدث عنه على هذه الشاكلة، ومن هذا الصنف من المثقفين.

هو الأديب واللغوي والمتكلم والناقد والمحقق حمزة فتح الله حسين المصرى بن محمد التونسي «١٨٤٩ – ١٩١٨» ولد بالإسكندرية، وتلقى تعليمه الأولى فى مدارسها، ثم التحق بجامع «إبراهيم باشا» ومنه إلى الأزهر. وقد وجد مفكرنا -فور تخرجه فى الأزهر- ضالته فى الصحافة الأدبية.

وفى عام ١٨٨٢ عين مفتشًا للغة العربية فى وزارة المعارف، وفى عام ١٨٨٦ سافر إلى فيينا لحضور مؤتمر المستشرقين عن الحضارة العربية، وفى عام ١٨٨٩ سافر مبعوثًا من قبل الباب العالى لحضور مؤتمر المستشرقين عن الحضارة العربية أيضًا فى أستكهولم عاصمة السويد، وقد ألقى الشيخ حمزة فتح الله بحثًا بعنوان «باكورة الكلام على حقوق النساء فى الإسلام»، تناول فيه موقف الإسلام من العلم والعقل والمجتمع الإنساني، ثم انتقل إلى حقوق المرأة، وأوضح سبق الإسلام لتكريمها، والحث على تعليمها وعدم ممانعته لاندماجها فى المجتمع، فتعمل بجانب الرجال غير منفصلة عن الحياة وشئونها، بل كان لها الحق فى المشاركة فى أمور الحكم والمعارضة السياسية، والاشتراك فى الأمور الحياتية.

وفى عام ١٩١٠ عُين مفتشًا أول للغة العربية فى وزارة المعارف، وفى هذه الآونة كف بصره، غير أنه استمر فى القراءة والكتابة فى الصحف وداوم الحضور فى حلقات العلم والمنتديات الثقافية والأدبية.

وفى عام ١٩١٢ أحيل إلى المعاش مودعًا الوظيفة الحكومية فى ميدان التربية والتعليم، غير أن قلمه ولسانه لم يتوقفا عن إثراء الحياة الثقافية فى ميدان الأدب والعقيدة واللغة. وتشهد بذلك آثاره المنشورة والمخطوطة، ومن المؤسف أن هذا الرجل لم يأخذ حقه بين رصفاء اللغويين والأدباء، ولم يذكر اسمه من بين الداعين لحرية المرأة.

وأعتقد أن ذروة إبداعاته تتمثل فى ذلك الكتاب الذى يستحق به موقع الريادة ألا وهو كتاب «باكورة الكلام على حقوق النساء فى الإسلام» الذى لم يسبقه فى موضوعه سوى بعض المقالات كتبها أحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني، ثم كتاب «المرشد الأمين» لرفاعة رافع الطهطاوي عام ١٨٧٢. وقد سبق كتاب الشيخ حمزة فتح الله كتاب قاسم أمين «تحرير المرأة» ١٨٩٩ أى بعشر سنوات.

وسوف نوجز فى السطور التالية أهم آراءه، التى تعد بدون أدنى شك سابقة لثقافة عصره، ومن هنا يأتي موطن المفارقة فى شخصية حمزة فتح الله ومواقفه من القضايا المطروحة فنجده يجمع بين ذروة التقليد فى اللغة والبلاغة والأدب وقمة التجديد فى قضايا الحرية والاجتماع.

وإذا ما انتقلنا إلى قضايا المرأة -كما تناولها مفكرنا- فسوف ندرك إلى أى حد كان هذا العالم مجددًا، فقد طرق العديد من الأبواب لم يسبقه أحد إليها، فبين أن الشريعة الإسلامية قد وضعت الأسس القويمة للعلاقة بين الرجل والمرأة بداية من مشروعية الحب بينهما وانتهاء بأسباب الطلاق ومضاره ومآلاته، وجاءت كتاباته -فى هذا المضمار- أقرب إلى النصائح والتحاذير والواجبات والمنفرات، والحلال الطيب والحرام المنهى عنه بوصفه شرًا فى ذاته أو فى عواقبه ومآلاته، وجميع ذلك مستمد من القرآن وسنة النبي.

فذهب إلى أن الحب والألفة والتراحم والقبول وطيب العشرة من أهم مقومات العلاقة بين الجنسين، وبين أن الحب ليس مرادفًا للشهوة الجسدية، ولا مبررًا للمطامع المادية، ولا مدفوعًا بمؤثرات خارجية، بل هو تآلف وقبول من قبل الاثنين، فإذا لم يحدث هذا القبول فلا ينبغي على ولى الأمر أن يدفع ببناته أو أخواته أو بمن يقعن تحت ولايته إلى زيجة طمعًا فى نسب أو مال أو عصبية. ونهى عن الزواج من الأقارب حتى لا تورث الجينات الضارة، واستشهد بحديث رسول الله الذى رغب فيه عن الزواج من غير العصب، كما بين مفكرنا أن الغاية من الزواج هو بناء أسرة سوية تبدأ بالتفاهم والانسجام بين القرينين، وتنتهى بحسن تربية الأبناء وتنشئتهم نشأة صالحة، وعليه نفر من زواج المصلحة وزواج الشهوة، ونصح الرجال والنساء أن يختاروا من يمتلك الباءة فى عقله وجسده وماله. ومن يراعى الله ويخافه فى دنياه ودينه، ودعا إلى عدم المغالاة فى المهور أو التسرع فى تخير الأزواج إلا بعد استقصاء وتقصٍ، كما حذر من الكذب من قبل المتحابين أثناء الخطبة أو إخفاء ما يكرهه أو يسئ إلى أحدهما بغية التجمل وستر العوائد المنفرة، الأمر الذى لا يحمد عواقبه عند كشف المخبي وفضح المحجوب، كما حث الرجال على أن يتطيبوا ويعتنوا بنظافة أجسادهم شأن النساء، وأن يكون كل منهما حريصًا على أن يبدو فى أكمل هيئة وأجمل صورة قبل الزواج وبعده وقبيل الجماع، مبينًا أنه لا يليق أن تتجمل المرأة وتتهيأ لرجل لم يراعِ شعورها وأحاسيسها ومزاجها ورغباتها، لا سيما قبل العلاقة الحميمة.

كما حث الرجال إذا ما غابوا عن زوجاتهم ألا يعاودهن فجأة أو يطلبهن للفراش عنوة، بل يجب عليهم إبلاغهن بموعد اللقاء حتى تتمكن المرأة من تهيئة نفسها نفسيًا وجسديًا، كما حذر من أنانية الرجل فى الفراش فيأتي زوجته حتى ينال مأربه ثم يتركها دون ذلك كوطأ البهائم.

كما على الزوج الغلظة فى الحوار والشدة فى التوجيه، والشح فى المال، والتهديد والوعيد طلبًا فى الطاعة، ونهاهم أيضًا عن تعدد الزوجات دون حاجة، شريطة الباءة والعدل، ونفر من الرجل المطلاق الغضوب العجول، ومن المرأة التى لا تسأل زوجها عن مصدر ماله إن كان حلالًا أو حرامًا، وأن تكون حريصة على ألا تثقل على كاهله من النفقات ما لا يطيق، كما حذر الرجال من هجر زوجاتهم أو الإساءة إليهن باللسان أو اليد، والتلاعب بشرع الله، فالهجر أو الضرب لا يرمى إلى الإيذاء بل إلى التعبير عن الغضب والكراهة، وأن يتجنب ما يضايقهن، وأن يرفق بهن فيما يطلب منهن من أعمال، وأن يساعدهن فى الأعمال المنزلية، وألا يجامعهن إلا فى مكان مناسب بمنأى عن عيون الأغراب والأبناء، وأن يراعى فى ذلك آداب الجماع وخلق الفراش، كما وردت فى الخبر والسنة النبوية.

كما نبه النساء بخطورة إفساد سر الأسرة والمخادع وإهدار مال الرجل وحسد الجيران، والخروج دون استئذان، والغيرة المفرطة، وكثرة اللوم والمعايرة وتكرار العبارات المثبطة، واختتم نصائحه فى هذا السياق بهذه الكلمات: «انهِ عن المظالم وأكل أموال الناس بالباطل، والاكتساب من غير حلِ، وذلك ابعث على العمران وإنماء النفس بالمال، فإذا الأمة آمنت فى سربها (أى مجتمعها) وضحت فى جسمها، وأيقنت أنها لا تظلم ولا تُظلم، ووطنت نفسها على هذا الأمر فحسن النظام وازداد العمران».

حول المصابيح العشرة:

لم يكن مقصدي من محاولة إخراج أكابر التنويريين - الذين كان لهم الأثر الأكبر فى تقويم وإصلاح ما فسد فى حياتهم الثقافية - من دائرة الظل إلى دائرة البحث والدرس المعاصرة فى ثقافة قد خلت من أضرابهم ومن صاروا على شاكلتهم، إلا لكى يقتدى بهم شبيبتنا الذين كفروا بالقدوة وارتابوا فى أصحاب الأقلام وتشككوا فى معارفهم وتهكموا على حججهم ومنطقهم وحكمتهم المستمدة من مشخصاتهم العقدية وانتماءاتهم الوطنية.

نعم أردنا من خلال أحاديثنا عن تلك المصابيح إحياء قيمة الصدق والأمانة العلمية فى جُل ما صنفوه، وقيمة الحب والإخلاص والوفاء للرسائل التى حملتها خطاباتهم ومشروعاتهم التى تنزهت عن الأغراض الشخصية والاتجار بالشعارات الثورية، والأكاذيب التى زيفت وعى الرأى العام وصرفته عن إيجاد الإجابة المناسبة للسؤال المطروح دومًا أمام الأمم والمجتمعات التى تسعى للنهوض ثانية بعد الكبوات والأزمات والانكسارات الكبرى التى ألقت بها فى ركام التخلف حيث الجهل والفساد والتطرف والتعصب والإباحية والعنف، أعنى السؤال الذى لا غنى عنه لنضعه أمام أعيننا قبل أن نشرع فى التخطيط ونبدأ فى التنفيذ ونتخير القيادات ونشرع القوانين (من نحن؟ وماذا نريد؟ ولماذا؟) فالمقطع الأول يرمى إلى تحديد الهوية التى كادت أن تطمس فى ظل عشرات الشعارات الجوفاء، وإذا قال بعضنا إن هذا المقطع لا يضعه إلا البلهاء، لأن الهوية نكتسبها بالمواطنة فنتساءل ثانية ما المواطنة؟ هل هى الارض؟ أم ثقافة المجتمع بما فى ذلك اللغة والعقيدة، أو المصالح المشتركة؟ وهل كل ولاءاتنا وانتماءاتنا وسلوكنا وأقوالنا تعبر عن ذلك؟ وهل نحن مصريون حقًا؟ فلماذا الجحود إذن؟ ولماذا نتصارع انتصارًا لولاءات دونها ونتآمر عليها لانتماءات غيرها؟ وهل نحن فى حاجة لإعادة تنشئة أطفالنا على حبها؟ وأين أولئك القادة الذين يفلحون الأرض لإنبات أزاهير الحب فى قلوب أطفالنا فى مناهجهم الدراسية وإعلامهم وأغانيهم؟

أجل نحن فى أزمة -تهيمن على العقل الجمعى-، لأن الولاء لا يكبر إلا بالعطاء، ولا يترسخ إلا بالعدل، ولا يقوى إلا بالحرية، ولما كانت الأم عاجزة عن أن تفي بواجبات الأمومة، فمن العسير أيضًا مطالبة الأبناء بالتقاني فى عشقها وهم على هذا النحو من الشعور بالجوع والجور واليأس من طلوع فجرٍ لغدٍ أفضل.

ويأتي المقطع الثانى من السؤال (ماذا نريد؟) فهل حقًا لنا إرادة؟ أم نسبح كغيرنا من الأقزام فى أفلاك الكبار الذين يضعون الخطط وينظمون العالم ويقسمون الدول؟ وهل فى مقدورنا الاعتماد على أنفسنا لتحقيق ما نريد؟ وهل نعى معنى وحدة الإرادة؟ وهل اجتماعنا عليها وعيًا، قهرًا، قدرًا؟ وهل لدينا الحنكة لترتيب أولويات ما نريد تبعًا لاحتياجات الواقع؟ وهل سواعدنا تقوى وحدها لتحقيق اختياراتنا ومطامحنا؟ وهل لدينا من العزائم ما يؤهلنا لتحدى الصعوبات فى الداخل والخارج بداية من المتشككين ونهاية بالمتآمرين؟

تصرخ الواقعات مؤكدة أننا فى طور الهرج والمرج، وأن منابر «مسيلمة» أعلى صوتًا، وسيوف الخوارج أقوى أثرًا، وأقلام المتلاعبين بالعقول أعلى كعبًا، والحفنة المتبقية من المستنيرين قد أصيب نفر منهم بالخرص، والتزم الآخرون بالسكوت، وانزوى المتبقي منهم خارج المشهد خوفًا من السقوط.

أما المقطع الثالث فموقعه فى القمة التى لا يصل إليها إلا الأشداء والعقلاء، الذين يمتلكون القدرة على التبرير والإتيان بالحجج والعلل التى تدعم غاية مشروعاتهم وتبرر اختياراتهم. ومن المؤسف أننا نفكر بمنطقً معكوس، فنسارع فى إيجاد الآليات، وتطبيق القرارات، وترديد الشعارات، وإنشاء المؤسسات، دون أن نكلف أنفسنا التفكير فى العلة أو الغاية التى تدفعنا لتنفيذ ما نُؤمر به.

والأمثلة لا يمكن إغفالها من كثرتها، فعندما نتساءل عن التعليم. نبدأ بكيف نتعلم؟ والصواب. أن نتساءل لماذا نتعلم؟ فهل حاجتنا للتعليم لمحو الجهل؟ أو لسد حاجة المجتمع؟ لأصحاب الدربة والدراية لحل مشكلات واقعية، وهل ما نقدمه من برامج فى المدارس والمعاهد والجامعات وكذا استيراد البرامج والتوسع فى بناء الجامعات الأجنبية والأهلية مطموسة المعالم والمآلات يؤهلنا لبلوغ تلك الغاية المفقودة؟

الحق أن ما قدمناه من نماذج أو مصابيح ما زالت خير مثال للإجابة النموذجية عن تلك التساؤلات. ويرجع ذلك إلى أن أولئك المستنيرين كانوا يخططون ويعملون تبعًا لغايات آمنوا بها، وتيقنوا أنها العلاج الأنسب لواقعهم المعيش، فنشروا ثقافة التسامح فى الرأى العام التابع، فحالوا بين انتشار التعصب والفتن الطائفية، وصالحوا بين المعقول والمنقول، وفتحوا أبواب الاجتهاد حتى لا يكون الدين «أفيون» للشعوب أو حجر عثرة أمام التقدم أو سيف ظالم على رقاب أحرار الفكر والاعتقاد.

وجعلوا الحوار والتثاقف أداة لاختيار الأصلح والأقوى من الخطابات والمشروعات، وآليات عاقلة لدرء الخلاف حول القضايا المطروحة، وأنشأوا الأحزاب السياسية القوية، وجعلوا على رؤوسها أكابر المستنيرين، وأشد المخلصين للوطن، وذلك للعمل من أجل صالح الجمهور من جهة، والحد من استبداد الحاكم إن جار من جهة ثانية، ونشر السلام والمحبة بين طبقات المجتمع من جهة ثالثة.

أجل أردت إحياء خطابات نسيناها أو تجاهلناها لأنها تفضح: ما نحن فيه من عبثية فى التفكير، وتهافت الرؤى، ورجعية الآراء. فقد برهنت كتابات أولئك المستنيرين على أن معظم القضايا التى نتشدق بطرحها ونتصارع حول الفصل فيها قد وضعها قادة الفكر منذ أكثر من مائة وخمسين عامًا على مائدة النقد والتحليل، وقدموا حلولا لها أقرب إلى الموضوعية والواقعية منها إلى الشطط والخيال. فمن المؤسف أن نجد من بين مثقفينا من يتحدث عن مدى أحقية أهل الكتاب فى بناء الكنائس والمعابد فى دار الإسلام، ومن يتحاور حول جواز وطء الدواب ونكاح الوداع وإرضاع الكبير، ومن يناقش قضية كفر أهل الكتاب وحرمانهم من دخول الجنة، ومن عارض كل الكتابات التى تؤكد أن السياسة الشرعية الإسلامية لا تختلف عن السياسة المدنية إلا إذا هدمت الأخيرة «ثابت عقدي» أو نقدت مقصدًا شرعيًا من مقاصدها.

ولم يبق لي إلا البحث عن مصابيح على شاكلة ما أوردنا فى حياتنا المعاصرة لنخرجهم من دوائر الظل ونقتفى أثرهم بمنطق الإيقاظ وعقلية النقاد وتسامح المختلفين فى الوسائل والمتفقين فى الغايات.

 

بقلم: د. عصمت نصار

 

داود السلمانوهم متوجهون به، الى ساحة الاعدام، تلك الساحة التي زُهقت فيها ارواح مئات الافذاذ، ظلمًا وجورًا، من الاحرار ودعاة الحياة الكريمة،  وارباب العقول النيّرة، أنها ساحة الموت، التي عادة ما كانوا يقضون فيها على خصومهم، ممن يتهمونه بالهرطقة أو بالمروق عن معتقداتهم، والمخالف لآرائهم.

طلبوا منه، قبل تنفيذ الحكم، أن يعترف بجريمته!، جريمة الهرطقة (هو قطعًا غير مهرطقا) حتى ينال، فيما بعد، رحمة الله!. وتهمة الهرطقة كافية لمن تلصق به، أن يكون الموت جزاؤه.

فكان جوابه: "أنا لست مذنباً ولم أكن أستحق الموت".

وابتهل إلى الله أن يغفر لمن اتهموه.

تهمته، أنه يتعاطى البدع ويصرّ على إنكار عقيدة الثالوث وفردية الأشخاص الثلاثة القدسيين في الإله الواحد، كما يدعون. أي أن الشعارات القدسية، والتي كانت توضيحاً لله ولم تكن شخصية قدسية منفصلة، وحدت لإنسان، وهو السيد المسيح، عندما جاءت روح الله إلى مريم العذراء. من ذلك المفهوم فقط يخلق الابن في الحقيقة. لذا فإن الابن لم يكن أبدياً، ولكن الشعارات التي منها تشكل أبدية.

هكذا، كان سرفيتوس يعتقد. بل هو مؤمن بذلك.

والرأي هذا، بحد ذاته جريمة لا تغتفر!، هكذا كانت السلطة الدينية تفكر، فمحاكم التفتيش لا تُرحم، والتي كان بيدها زمام الامور، فهي ظل الله في الارض، وهي الحاكم بأمر الله، والقائم بأمر الله، بل هي الناطق الرسمي بما يريد ويروم الله!!.

***

ولد ميخائيل سيرفيتوس في إسبانيا، عام 1511 في اسرة مسحية متدينة. وامتاز منذ صغره بموهة عظيمة للتطلع والميل الى تعلم اللغات، وشب لا كما يشب الآخرين فدرس العبرية، واليونانية، واللاتينية.

كان لسيرفيتوس أخوين: أصبح الأول كاتب عدل مثل أبيه، وكان الآخر كاهناً كاثوليكياً. اما هو فتخرج كطبيب بالإضافة الى دراسة اللاهوت، ونشر عدة كتب حول الطب وعلم العقاقير.

كذلك، أنه قرأ التوراة بلغاتها الأصلية من المخطوطات التي كانت متوفرة في ذلك الوقت، وهذه القراءة لابد أن يكون لها خصوصية. وحضر جامعة تولوز لاحقاً في عام 1526 حيث درس القانون. وفي عام 1553 نشر عملاً دينياً يحتوي على وجهات نظر مخافة للثالوث، الامر الذي أودى الى حبل المشنقة. ومن مكتشفاته أنه سبق الطبيب الإنجليزي ويليام، بمدة قرن من الزمن، الى اكتشاف الدورة الدموية. وفي عام 1529، سافر سيرفيتوس إلى ألمانيا وإيطاليا مع كوينتانا، الذي أصبح بعد ذلك كاهن اعتراف تشارلز الخامس في الحاشية الإمبراطورية.

***

اشتد حنق رجال اللاهوت على سيرفيتوس، وشعروا بمكامن الخطر التي يطرحها هذا الرجل، اطروحات تشكل عقبة في طريق مصالحهم وعلى معتقداتهم، فهو برأيهم يتحدى تعاليم الانجيل صراحة ويخالفها متعمدا، بل أنه يعلن زندقته على الملأ، فقرروا محاكمته والتخلص منه، وهذا هو دأبهم لكل مخالف ممن يتعرض لتعاليم الدين بسوء!. الا أنه بقرارة نفسه يعلم أنهم هُم من اساء الى الدين، وبالخصوص للسيد المسيح، وللتسامح الذي رفعه شعارا له. لكن هذا لا يكفي، طالما أن السلطة القائمة بيدهم، والامر يعود لهم، وهم من يقرر، من الذي يطبق تعاليم الانجيل ومن الذي يخالفها صراحة. وهل الدين يعني مصادرة رأي، وهضم حقوق وتعطيل واجبات؟، وتعاليم الدين هي المفروض أن تقوم بتربية الانسان، تربة صالحة، سيما اذا كانت هذه التعاليم نابعة من مصدر صحيح، إله يريد أن تسُعد البشرية، وأن يسري الاطمئنان في قلوب الجميع.

***

القي القبض على سرفتوس وزجوه في سجن قذر، ومنعوا عنه حتى مياه الاستحمام، فتسلط عليه القمل، الذي راح، بدوره، ينهش بجسده الطري. كعقوبة نفسية. وسمحوا له فقط بإدخال الورق والحبر الى زنزانته، ولأي كتب يعن له شراؤها، وأعاره كالفن (خصمه اللدود) بضعة مجلدات بقلم الآباء الأوائل. وأديرت المحاكمة بعناية واستمرت ما ينوف على شهرين. وكان جون كالفن رائد ما يسمى بحركة الإصلاح البروتستانتي!، الرجل المتزمت العنيد خصم سيرفيتوس، وهو رجل لاهوتي متشدد، وينتقم من خصومه بشكل عجيب.

***

أوثقوه إلى سارية بسلاسل حديدية، وهو كالطود الاشم، ورُبط إلى جانبه كتابه الأخير، واشعلوا فيه النار. وعندما بلغت ألسنة اللهب وجهه صرخ من الألم. ومات بعد حرقه بنصف ساعة. ليصبح ذلك الجسد، الذي حمل كاهل انسان أخذ عهداً على نفسه، أن ينير الناس بفكره، ويخدم البشرية بعقله، ويدافع عن الحق بلبه، ويحارب الجهل والخرافات والخداع، بكل ما أوتي من قوة.

وكان تنفيذ الحكم في صباح اليوم التالي يوم 27 أكتوبر عام 1553 على تل تشامبل الذي يقع مباشرة جنوبي مدينة جنيف.

 

داود السلمان

.........................

مصادر المقال:

(1) https://www.marefa.org

(2) الموسوعة الحرة.